البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

«عيد الغدير» لبولس سلامة ملحمة الواقع والرّؤيا في التاريخ العقدي‏

الباحث :  د. حسام الضِّيقة
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  13
السنة :  السنة الرابعة ربيع 1420 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1172
«عيد الغدير» لبولس سلامة
ملحمة الواقع والرّؤيا في التاريخ العقدي‏

د. حسام الضِّيقة (*)

تقع هذه الدِّراسة في ثلاثة أقسام، تناول الأول منها حياة الشاعر، والعوامل التي غذّت فيه الميل إلى الشعر الملحمي؛ وعالج القسم الثاني الفن الملحمي، ومعرفة العرب به، أقسام الغدير ومضمونه.
وهذا القسمان نشرا في العدد الماضي، الثاني عشر من هذه المجلة. وفي ما يأتي القسم الثالث الأخير، وهو يدور حول القضايا المضمونية والفنية التي حفلت بها هذه الملحمة.
القسم الثالث‏
قضايا ملحمة الغدير المضمونيَّة والفنيَّة
لا يكتمل البحث، في هذا العمل الشّعري، دونَ التعرّض للقضايا المضمونية والفنية التي يثيرها. فجِدّتها كامنة في تلك المسائل التي تطرحها.
وهذا العمل، وإن لم يأت، كما رأينا، بجديد في مجال المضمون الذي لا يجهله من الناس إلاّ من يجهل التاريخ الإسلامي أو يجحده، إلاّ أنه يطرح على نحو منهجي مسائل بارزة تتصل بالصراع بين الجاهلية والإسلام ويوم الغدير والطبيعة الملحمية والمظلومية الخالدة والالتزام.
أما المسائل الفنية التي استوقفتني فتدور حول الحقيقة والشعر والسرد واللغة والخيال والموسيقى.
________________________________________
(*)أستاذ في الجامعة للبنانية.

[الصفحة - 136]


وهذه القضايا جميعاً علامات جدّة لا يمكن نكرانها. وستكون لذلك مدار البحث في هذا القسم.
أوّلاً: القضايا المضمونية
أبرز ما تثيره هذه الملحمة القضايا التالية:
1 ـ عيد الغدير.
2 ـ الإسلام والجاهلية.
3 ـ البطولات الملحمية.
4 ـ الطبيعة والعادات.
5 ـ المظلومية الخالدة والالتزام.
1 - عيد الغدير:
هذه الملحمة هي ملحمة آل البيت، لأن الغدير، وإن كان عيد المسلمين قاطبة، فهو عيدهم على وجه الخصوص، لأنه نزل فيهم تأكيداً لولايتهم على المسلمين.
هو عيد المسلمين لأنه متصل بأمر إلهي وفعل نبوي: { يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، واللَّه يعصمك من الناس } (1) . فقام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) خطيباً وسط القوم على أقتاب الإبل ليسمع الجميع، في مكان يُدعى بغدير خمّ على طريق العودة إلى المدينة في عام الحج الأخير. فكان يوم تبليغ وإتمام وتخصيص وحذر.
بلّغ الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) جموع الحجيج ما أنزل عليه من ربّه، فاكتمل بناء الإسلام عندما خصّ عليّاً (عليه السلام) بالولاية من بعده؛ إذ قال (صلي الله عليه و آله و سلم): «من كنت مولاه فعليّ مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله» (2) . فعلي (عليه السلام) إذن هو الوصيّ الذي نصبه اللَّه لأمته بعد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، وهو خليفته.
وقد صار يوم الغدير لذلك عيداً وموسماً للمسلمين ولعليّ بالذات، لكونه كان وقتاً نصبه اللَّه بلسان رسوله بهذه المنزلة العلية دون الناس كلهم.
________________________________________
(1)سورة المائدة، الآية: 67.
(2)القبيسي، الشيخ محمد حسن، الحلقات الذهبية، الحلقة السادسة، ط3، 1982. لا دار نشر، ص 5.

[الصفحة - 137]


وهو عيد آل البيت (عليهم السلام)، إذْ أدركوا ما منّ اللَّه عليهم من الكرامات والفضائل، فصاروا بها أهلاً للبيعة والأمانة، فهم عترة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) وثاني الثقلين بعد الكتاب العزيز... ودور علي في مجد الإسلام لا يُنكر، والأفعال خير اختبار.
يمهّد صاحب الملحمة لهذا اليوم بذكر آل البيت (عليهم السلام)، فهم «عترة الطهر» والفضائل والأنوار المشرقة بالعلم والإيمان. وهم على ما ذكره رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) فيهم، وما يكون من اعتداء أهل البغي عليهم. أما علي فهو من الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) كهارون من موسى، باب العلم «ولده هدى أمتي». وها الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم) يحضن طفلي علي الحسن والحسين (عليهما السلام) ويداعبهما، فهما سيدا أهل الجنة، وينظر إلى أمرهما مستقبلاً بحزن، ويخبر فاطمة ما يكون:
سوف تروي الكبير جرعة سمٍ‏ يجتنيها من كفّ أرقم داغل‏
ويموت الحسين نحراً بنصلٍ‏ .... (3)
إن أهل البيت (عليهم السلام) حلقات موصولة برسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، سيضطهدون. وفي يوم الغدير، يصف الشاعر المناسبة والمكان وجحافل الحجيج يلتفون حول نبيّهم (صلي الله عليه و آله و سلم) بلهفة يسمعون نعيه لنفسه وبشراه، حين يدعو إلى مبايعة علي (عليه السلام). ويستعين الشاعر باقتباسات من التاريخ والكتاب فينظمها شعراً، ثم يصف الحوض وعبّ الناس منه، وإقبال المسلمين على علي (عليه السلام) لتهنئته، من دون أن يلغي ذلك الحسد والأهواء التي تكاد تظهر. فتم بعيد الغدير تبليغ الدين: «اليوم أكملت لكم دينكم». وهكذا صار الغدير محطة أساسية من محطات التاريخ الإسلامي:
أنزل اللَّه آية عقب ذاك اليوم ختماً لدينه المبرور
كان وهج الشروق يوم حراء وجلال المغيب يوم الغدير (4)
2 - الإسلام والجاهلية:
جاء الإسلام ليخرج الناس من الظُّلمات إلى النور. وما الظُّلُمات سوى حياة الجاهلية التي تردّى أهلها في مهاوي الضلالة، تدفعهم الشهوات إلى المنكر، وطلب الربح إلى الأخلاق الفاسدة.
________________________________________
(3)عيد الغدير، ص 105.
(4)م.ن.، ص 113.

[الصفحة - 138]


لكن خيط نور يتسلّل في ظلمة الجاهلية خجولاً يمثله قريش بهاشمٍ وبنيه:
ما قريش في غمرة البدر إلاّ نجمة الصبح في الزمان القاتم‏ (5)
لكن يأبى أمية وبنوه إلاّ تأصيل مفاسد العهد البائد. لذلك كانت تشهد مكة من وقت لآخر صراعاً مبدئياً بين هذين الفرعين: واحد يتطلع إلى المستقبل المنير، وآخر يتشبّث بموروث الماضي ويحيا للَّحظة الحاضرة.
إلاّ أن الجاهلية لم تمت بالإسلام، فإذا بها تتوالد في الأعراب وعقب أمية ويؤججها اليهود، فينهضون لحرب الدعوة يقودهم سفه جاهلي. وعندما قضى الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) سعوا إلى الارتداد، وأسلموا الأمر إلى عثمان وأحاطوا به يعيثون في الأرض فساداً. وكان علي يناصحه دون جدوى، وأبو ذر ينهاه حتى انتهى الخليفة صريع ضعفه وفساد قومه.
ولما آل الأمر إلى علي (عليه السلام) ناوأه معاوية المشبع بزهو الجاهلية والملك، على أمر الخلافة وحوله من يشير عليه بمفاتن الفساد. فغلب علي (عليه السلام) على أمره، غلبة الدنيا على الدين. حتى إذا نهض الحسين، كان يزيد، وهو رمز جاهلي آخر، له بالمرصاد. فصدقت رؤيا النبي، فجندل الحسين (عليه السلام) صريعاً في كربلاء وسط قوم ما دانوا بالإسلام إلاّ لساناً، فكادت تنتهي بموته دولة الإسلام الفاضلة ليحوّلها الطغاة إلى ملك عضود يدين بالأبهة والمال وكل ما يكون عليه الملك الخارج على تعاليم العقيدة أو العقائد.
الجاهلية تتوالد، ولا تزال. والإسلام لا يزال فتيّاً يدعو إلى اللَّه سيفاً مشرعاً مسلطاً على رقاب الوثنيين.
3 - البطولة ووصف المعارك:
يمثل هذا الجانب، في ملحمة الغدير، أبرز عناصرها. وهو، كذلك، أهم ما تتميّز به الملاحم الشهيرة. إلاّ أن هذا الجانب جاء في الملاحم العالمية على شكل مغامرات أو معارك طاحنة تقودها نوازع فردية في الغالب. أما البطولة فرائدها في هذا العمل، موضوع البحث، هدف جليل. وهل أجلّ من عقيدة الإسلام يتدافع أهله لتقديم أنفسهم ودمائهم قرابين على مذبحه لتوطيد دعائمه على الأرض!
________________________________________
(5)م.ن.، ص 18.

[الصفحة - 139]


{ ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } (6) ، { فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا } (7) .
وتتجلّى هذه البطولة بمواقف فردية تارة وجماعية تارة أخرى. وكلا النوعين لا يخرج على الإطار الملحمي الذي يثير مشاعر الدهشة والإكبار بشكل يفوق التصور والخيال. وليس أمامنا سوى أن نعرض نماذج بطولية عمرت بها هذه الملحمة:
وقف الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، في بداية أمره وحيداً يدعو الأقربين إلى الإسلام، ويرفض وعودهم ويسب آلهتهم. وطالما كان سب الآلهة يجرّ على صاحبه الويل (ابراهيم النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)). فانبرى المعاندون يكيدون بصاحب الدعوة، يعلنون العداء أو يتوعدون:
يا أبا طالب يقولون إفسح‏ بين أسيافنا وعنق المريد
سب أصنامنا وتاه ضلالاً فهو يدعو لواحد في الوجود...
كلهم غير واحد يتشظّى‏ بين جنبيه جمرة الصهيود (8)
وكان أبو لهب عم الرسول ألد الأعداء. فقد جمع حوله عصبة السوء. فنال المسلمون الأوائل القلائل، صابرين مسالمين، منهم أقسى ألوان العذاب. ثم يسعون إلى قتل الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم). ويسجّل هنا أحد أصحابه: علي (عليه السلام) بطولة أخرى حينما يرمي بنفسه في فم الذئاب، وينام في فراش نبيّه:
رقد الليل ناعماً بفراش‏ حشوه الموت فالوساد مخاطر
بات فوق الخناجر الزرق ليث‏ دون أظفاره رهيف الخناجر...
يستطيب الردى فداء ابن عم‏ فهو يسعى إلى المنية حاسر (9)
ثمّ تكون الهجرة حلاًّ مؤقتاً. والطريق طويل إلى يثرب فيفوق الأربعمئة وخمسين ميلاً ـ وهو محفوف بهول المخاطر من ملاحقة الكافرين ولهيب الصحراء والعطش وقلة الزاد، إذ كان المسلمون يهاجرون خفافاً على عجل، حتى لا ينكشف أمرهم.
والهجير اللّهاب يكوي السحايا والرياح الهوجاء تعمي المحاجر
يا لهاة الظمآن تحلُمُ بالآبار بالنبع والسحاب الهادر
________________________________________
(6)آل عمران، الآية: 169.
(7)الأحزاب، 23. والآية كاملة هي: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا اللَّه عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا .
(8)عيد الغدير، ص 39.
(9)م.ن.، ص 45.

[الصفحة - 140]


فهجير الصحراء للظامى الخرثان‏ موت فيا نزاع الحناجر (10)
والبطولات السلمية والحربية لأصحاب الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) فرادى وجماعات، لا تنقطع، وهي وقفات بطولة في وجه الظلم والظالمين من أجل العقيدة الإسلامية.
أولاها وقفة أبي ذر في وجه عثمان وآله يستنكر البذخ والإسراف والتبذير لأموال المسلمين ويحذرهم من ثورة الجياع. فما استطابوا صوته ولا ارعووا، فنفاه عثمان إلى الصحراء يكتوي بنارها:
ضاق صدر الولي فارفضّ حقداً فجزاه بالنفي عن أمصاره‏
قال: فاذهب إلى الفلاة طريداً والزم الفقر لاهباً في حراره‏ (11)
لكن دولة الظلم كانت تتنامى. فيزيد يعيث فساداً، فيتصدّى له الحسين (عليه السلام) ويعلن الثورة عليه. وفي الكوفة يقع رسوله ابن عقيل فريسة الغدر والدهاء. ولم ينجه قتاله فاقتيد بجراحه إلى دار «عبيداللَّه بن زياد» الوالي الأموي الذي ضرب عنقه ورماه من على أعلى القصر، وأرسل رأسه إلى يزيد:
كُبِّل الليث بالحديد وقادوه‏ إلى السطح ذاهلاً وسنانا
وأطاح البتار رأس هصور شرّف السَّيف زنده والسنانا
ورموه إلى الجماهير إرهاباً ففرّت كما تفرّ السمانى‏ (12)
أما وقفة الحسين (عليه السلام) في كربلاء، فهي علم التاريخ الذي لم يسجّل ما يضاهيها بطولة وسموّا. وهي وقفة الحق الذي سطع فإذا هو يصبر على مصرع أصحابه الواحد تلو الآخر. ثم يقدّم نفسه قرباناً شريفاً على مذبح العزّة والإسلام. يناضل الأعداء بالمقالة والسيف وقد جلجلت فيه «نخوة النبوّة» و «نفس حيدرة»، حتى أوقعوا به. وقام «الشمر» بذبحه، وانبرى الطغاة يمثلون بجسده، وينهبون ثيابه، ليحمل رأسه الشريف هديه للخليع يزيد، ويزيد ينتشي بهذه الرؤوس الطاهرة.
أما البطولات الجماعية فأكثر ما تتجلّى في ساح الوغى والمعارك. وهي كثيرة لأن الإسلام لم يقوَ بنيانه إلاّ بتضحيات أهله. ولم يثبت إلاّ بحد السيف. فأعداء الإسلام من مشركي قريش والأعراب واليهود والمرتدين كانوا يستنفرون قواهم في كل وقت في وجه صاحب الدعوة وآله (عليهم السلام) في بدر وأحد وخيبر ووقعة الأحزاب
________________________________________
(10)م.ن.، ص 47.
(11)م.ن.، ص 136.
(12)م.ن.، ص 240.

[الصفحة - 141]


والنهروان وكربلاء. فما وجد المسلمون سبيلاً سوى التصدّي لهم يدافعون عن دينهم وإيمانهم وحقهم. ويستبسلون في القتال، وفي طليعتهم آل البيت وأصحابهم علي والحمزة وعمّار والحسين وابن عقيل وغيرهم.
أما وصف المعارك فيتناول العناصر التالية:
أ ـ الدعوة إلى الحرب.
ب ـ الزحف وخططه، وعناصر الجيش وعدته وحركته.
ج ـ الحرب والمبارزة وتألق الأبطال.
د ـ النتائج.
أ ـ الدعوة إلى الحرب:
وهي من المقدّمات. أما أشكالها فمتعدّدة ومرهونة بأسبابها.
ـ وقد جاءت هذه الدعوة في بدر على لسان أبي سفيان صاحب العير يستنجد بقريش لرد خطر المسلمين عن أموالهم:
أدركوا العير فاللطيمة باتت‏ كالغرانيق بين سرب نِسار
جيّشوا جيشكم فإن أبا سفيان‏ يدعوكم بَدار بَدار
إن يَفُز أحمدُ تموتوا جياعاً ذلة الفقر بعد عزّ اليسار
فاشحذوا كل مخزم عبشمي‏ وهلموا إلى القنا الخطّار (13)
ـ والنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ينفر المسلمين إلى جهاد اليهود في خيبر بعدما ظهرت دسائسهم وانكشف غدرهم وعداؤهم للإسلام:
إذ يقول النبي للصحب هيّوا لجهاد فالدين فوق الغنائم‏
إن تعيشوا فالقادر الحي راضٍ‏ أو تموتوا فالقادر الحي دائم‏ (14)
وفي حنين تنادت الأحلاف:
تنادت «هوازن» و«ثقيف» وبنو «السعد» يرفعون البنودا
جمعوا جيشهم يعدّون‏ للإسلام قبراً يضمّه موؤودا (15)
ـ وفي حرب الجمل كانت الفتنة سبباً في نهوض طلحة والزبير في وجه علي (عليه السلام). أما في صفين، فينهض معاوية بالفتنة يحتج بقميص عثمان، وعينه على الخلافة:
________________________________________
(13)م.ن.، ص 55.
(14)م.ن.، ص 84.
(15)م.ن.، ص 96.

[الصفحة - 142]


وقف الطامع الحريص ابن هند يرسل الطرف من ذرى «قاسيونا»
أيخلِّي هذه الرياض وينحو جانب البيد حاسراً محزونا
فليثرها خلافة ويذرّ التبر ذرّاً، فالمال يعمي العيونا
وليطالب بدم عثمان‏ ولينشر قميصاً به يثير الشؤونا
واطلب الثأر من عليّ‏ ولا تند جبيناً فقد وقحت جبينا (16)
ـ وفي النهروان تنادت الخوارج «يفسدون التحليل والتحريما» (17) .
ـ وينهض الحسين (عليه السلام) في كربلاء تستدعيه كتب العراق، ليؤم أهلها في الحرب ضد يزيد:
كتبوا للحسين أقدم علينا إن حكم النعمان مرّ مزاقا
يابن بنت الرسول أقدم‏ وفي صحبك تمشي ملائك أجواقا
وأغثنا فإن جور يزيد بثّ فينا الشقاء والإملاقا
إن تجئنا فإننا ليزيد قد شحذنا المهنّد الفلاّقا (18)
ب ـ الزحف وخططه وعناصر الجيش وعدته وحركته:
يقف الشاعر مطوّلاً على وصف زحف الجيوش والفرق وتحركها، ويسهب في وصف عناصره وعدده وعُدّته.
ـ يلبّي الكفّار في بدر نداء أبي سفيان ويقبلون بالخيل والفرسان والرماة.. والقيان:
جلجل الجيش فوق كل ذلول‏ وكميت وأدهم طيّار
بينهم كل فارس قرشي‏ لا يبالي بالضيغم الزآار
ضجت الأرض بالمناسم وطأً فقطار يعجّ خلف قطار
والكنانات والدروع الضوامي‏ والسيوف الحدباء بيض شفار
ورماح لها ذم وقسيّ‏ تتدلّى من جانب الأكوار
سادرٌ جاء بالقيان تغنّي‏ ناقرات الدفوف والقيثار (19)
أما المسلمون فكانوا قلّة، يدفعهم الإيمان إلى ساح الوغى:
سارت العصبة الضئيلة عدّاً وعتاداً وضمّرا ومهاري‏ (20)
________________________________________
(16)م.ن.، ص 159.
(17)م.ن.، ص 174.
(18)م.ن.، ص 215.
(19)م.ن.، ص 55.
(20)م.ن.، ص 56.

[الصفحة - 143]


ـ وفي أحد يزحف أبو سفيان مرّة أخرى بجيش مكة المؤلف من عناصر مختلفة والمجهّز بأفضل عدة، وعلى الأسلوب المعهود في بدر.
ـ وفي الخندق يزحف جيش المشركين كثيفاً كالغمائم يقوده أبو سفيان نفسه، متحالفاً مع اليهود، وقبائل «فزارة» و «سليم» و «نضير» و «أشجع» وغيرها:
جمع المشركين رحب فنائه‏ حاقد ظلّ سادراً في عدائه‏
سار بالجيش زاخراً كاندفاع‏ اليمّ هدّ السدود في كبريائه‏
سدّ رحب الفضاء بالهبوات‏ السود تجري غمائم في سمائه‏ (21)
ـ وفي وقعة الرمل يتقدّم علي (عليه السلام) بجيش المسلمين لمواجهة أعدائه في الوادي الوعر، وقد استظل جناح الليل:
ركّب النصل في الرديني عسّالاً كعسلِ الشراع فوق الصاري‏
واعتلى الأشقر الذي ترك‏ الأفراس خلف الهباء في المضمار
سائراً بالوعور في الجيش ليلاً كامناً في النهارعبر القفار (22)
ـ وفي حنين يقبل جيش الكفار على الصورة نفسها عدداً وتباعداً في الانتماء.
ـ وفي حرب الجمل يتآمر الضَّالون على عليّ، وقد استجابوا للفتنة وجمعوا حشدهم الكبير.
ـ أما في صفين فيسير معاوية بجنده «ثمانين ألفاً»، وهم طوع أمره «كالدمن في أنامل اللاعبينا»(23) . فحط رحاله على شاطى‏ء الفرات ليكون قريباً من الماء وليقطع الطريق على خصومه من الوصول إليه.
أما جيش علي (عليه السلام) فكان من الصحابة وشيوخ الإيمان:
وأتاهم للحرب أقطع خلق اللَّه‏ سيفاً وأصدق الناس دينا
بشيوخ المهاجرين وأنصار صحاب وأهل بدر مئينا
وخليط من الحجاز ومصر والعراقين رحّلاً وقطينا (24)
ـ أما زحف الحسين إلى العراق فكان زحفاً سلمياً متميّزاً ينتظر النصرة والالتفاف. فووجه بالعقوق والتخلّي. فوقع صاحب الزحف (عليه السلام) ضحيّة التوهّم والظلم.
________________________________________
(21)م.ن.، ص 78.
(22)م.ن.، ص 91 و 92.
(23)م.ن.، ص 159.
(24)م.ن.، ص 160.

[الصفحة - 144]


ج ـ الحرب وتألق الأبطال:
لم تكن الحرب تقع فورالتقاء الجيوش، فهناك وقت غير محدّد لتعيين المكان وحطّ الرحال والاستراحة واعتماد الخطط الحربية التي تضمن النصر.
ـ ففي بدر يتسابق الجيشان للحصول على القليب، إذ أن عنصر الماء أساسي للمتحاربين في الصحراء اللاهبة، والنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) يشير على أصحابه بالدفاع ويصطفي عليّاً (عليه السلام) لحمل لوائه‏ (25) . وفي غزوة الخندق ينهى النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أتباعه عن البدء بالقتال، ويأخذ بنصيحة الفارسي بحفر الخندق حول الجيش لإعاقة الخيل في تحركها (26) . وفي خيبر يعتصم اليهود بحصونهم المنيعة (27) . وفي يوم الجمل، يصبر علي (عليه السلام) على أذى المتمرّدين علّهم يتبيّنون الحق من الضلالة فيرعووا، إلاّ أنهم أشاحوا عن نصحه وأبوا إلاّ قتاله‏ (28) . وينهج علي (عليه السلام) في النهروان أسلوب المحاورة لإقناع الخوارج بخدعة التحكيم، ويحذرهم من مغبّة القتال، ويدعوهم إلى تقوى اللَّه والانسحاب ويعدهم بالصفح، فما أخذوا بكلامه. وفي صفين يحتل معاوية، كما رأينا، ضفاف الماء، فيذكره علي (عليه السلام) بشرف الحرب والتخلّي عن حجب الماء عن رجاله. فكان عناد معاوية سبباً في بدء القتال.
وتشهد كربلاء قوىً غير متكافئة في أعدادها، حيث يحيق جيش يزيد بالحسين (عليه السلام) وركبه. ويلزمه النزول في كربلاء. ويحاول الإمام (عليه السلام) أن يهدي الآذان الصمّاء إلى الحق، ويذكّر خصومه بمسيرته السلمية وأمله بأن يعينوه على أمره أو يخلوا بينه وبين العودة إلى الحجاز. فيرعوي الحرّ ويعتزل جيش يزيد وينضم إلى الحسين (عليه السلام)، ويضطر السبط الزكي (عليه السلام) إلى مصارعة هذه الحشود العدوّة بقلّة من فرسان آل علي‏ (29) .
بعد هذه المقدّمات القصيرة، يدخلنا الشاعر إلى حومات الوغى، فيصف المعارك ويحشد لها كل ما يضفي عليها أجواء الرهبة والخطورة. وإذا ما كانت أسبابها مختلفة وأساليبها متعدّدة. فإنها متشابهة تقريباً في وقائعها من اعتماد المبارزة أوّلاً لتكون استهلالاً لبدء الالتحام بين الجماعات المتحاربة. وفي مثل هذه المواقف تتألَّق الأبطال.
________________________________________
(25)را. م.ن.، ص 58.
(26)را. م.ن.، ص 79.
(27)را. م.ن.، ص 84.
(28)را. م.ن.، ص 151.
(29)را. م.ن.، ص 253.

[الصفحة - 145]


لذلك كان لا بدّ من أن يضفي الشاعر على أبطاله المميّزات الجسدية والمعنوية المناسبة لكل فرد أو فريق منهم. فعليّ (عليه السلام)، وهو رمز أبطال الدعوة، «لا يدانيه في الصِّيال كمي» (30) ، وهو «كالنخل قامة وانطلاقاً» (31) . وفي ساح الوغى نراه «يسحب السيف ذا الفقار» (32) ، و «يدوّي بالضربة العصماء» (33) . وهو في العادة «صامت في الطعان» (34) . «يعرف الكرّ لا الفرّ» (35) . وسلامة لايني يلاحق أبطاله الرَّئيسيِّين، ولا سيما علي والحمزة وابن عقيل والحسن والحسين وغيرهم ويعطيهم الحيّز الأكبر في قصائده الملحمية. فالبطل هو الرمز الذي يختصر المعركة بفوزه أو سقوطه.
أما أبطال الكفّار، فإن الشاعر يسمهم بالخيلاء والقوة والاعتداد بالنفس والهزء بالعدو كحال طلحة ومرحب وعمرو بن ود وغيرهم، معتمدين في الغالب على تاريخ لهم مجيد في ميادين الحرب والبراز، وإذ بهم يجندلون أرضاً، سريعاً، تحت ضربات أبطال الدعوة البسطاء والذين يقاتلون بصمت.
بعد صور المبارزة التي نشهدها في غير مشهد، تندفع الفرق إلى القتال تحت مثار النقع ووسط قعقعة السلاح وصهيل الخيل ووقع النبال والنصال والرماح. وقد يترك الشاعر مجالاً لبعض الأحداث التي تتخلّل المعركة كغدْر هند بالبطل حمزة في أحد.
والشاعر، بشكل عام، يقف على المعارك بحد ذاتها وقفات قصيرة مصوِّراً حركتها الجماعية وأساليبها، كما في خيبر؛ حيث يصور أسلوب اقتحام الحصون. وفي وادي الرمل حيث يركّز على أسلوب التمويه الذي اعتمده المسلمون للانقضاض على الأعداء.
د ـ النتائج:
أما النتائج فمتضمّنة في أبيات قليلات ألحقها سلامة بتلك الأناشيد، بغاية استخلاص العبر والمعاني التي تمثلها تلك المعارك والأحداث الخطيرة التي واكبت الدعوة الإسلامية أو بغاية التعبير عن حالات وجدانية عكستها تلك الأحداث على نفسه.
________________________________________
(30)م.ن.، ص 59.
(31)م.ن.، ص.ن.
(32)م.ن.، ص 6.
(33)م.ن.، ص.ن.
(34)م.ن.، ص.ن.
(35)م.ن.، ص.ن.

[الصفحة - 146]


فالشاعر، في قصيدة بدر، يشيد بتلك المعركة ويعدّها فجر أمة تمرّغت طويلاً في ظلمات الجاهلية، ويراها أيضاً فاتحه عصر الجهاد. أما في أحد، فلا تثنيه الهزيمة عن طلب الأمل والمستقبل الزاهر للمسلمين. وتُعدّ المراثي بمثابة قصائد وجدانية يضمّنها الشاعر مدائح تختصر منجزات أبطال العقيدة، وأبرزها رثاء النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ومصرع مسلم والحسين (عليه السلام).
وهو بقدر ما يمدح أبطال الدعوة، يهجو أعداءهم من المشركين والمعاندين، وفي طليعتهم بنو أمية الذين حشد لهم ما هم أهل له من الأوصاف السلبية الخبيثة.
4 - الطَّبيعة في الملحمة:
الطَّبيعة، في الملحمة، ذات وجهين: طبيعة جغرافية هي طبيعة الحجاز والعراق والشام؛ وطبيعة بشرية هي طبيعة الحياة العربية، العادات والأعراف.
والطبيعة، بوجهيها، تشكل الإطار الذي تدور الأحداث فيه. لكن الشاعر لا يعطي المحيط الجغرافي من الاهتمام إلاّ بقدر ما يحتاجه الموضوع أو الخيال. فمن الطبيعي إذن أن يتناول عناصر البيئة الصحراوية ويتطرق إلى وصف الحواضر كيثرب ومكة ودمّر والشام والعراق.
والشاعر، حين يتحدث عن البادية، يأتي على ذكر القفار والبيد والبطاح والرمال المتحركة ولهيبها وسرابها الخادع، وجبال الحجاز الجرد وسيولها وجفافها إلاّ من آبار مبعثرة على مسافات متباعدة. أما شعبها فيسعى وراء الماء دائماً ويحلمُ بالمطر.
قد يهب الإعصار فيها فتغدو هضبات الرمال قعر حفائر
وتفيض الكثبان فالدوّ بحر مبهم الشط والمسافر حائر
..يا لهاة الظمآن تحلُم بالآبار بالنبع، بالسحاب الهادر (36)
كما يأتي على ذكر حيوانها الداجن كالجمال والماشية والخيول العراب؛ وحيوانها البرّي كالظباء والذئاب والخنافس والأسد والنمور والأرانب والضبّ؛ وعلى زواحفها كالعقارب والأفاعي والصلال؛ وعلى طيورها كالديوك والحمائم والعصافير والحبارى والنعام والنسور والصقور والخفافيش..
________________________________________
(36)م.ن.، ص 47.

[الصفحة - 147]


أما جفافها فيحرمها من خضرة النبات، إلا ما تناثر من المراعي في واحاتها وبعض الرياض والنخيل. فطبيعة مكّة الجبلية الصخرية لا تسمح بالزراعة، وشعابها لا تعرف الأمطار إلاّ مواسم، لذلك:
حرم الزرع والمنابت واد قلّما افترّ للغيوث السواجم‏ (37)
وعلى عكسها يثرب «فدار عزّ» (38) ، وأرضها بساتين نخيل وأهلها خبراء في هذا المجال. والمهاجر علي (عليه السلام) فيها «يغرس النخل عاملاً» (39) .
أما إذا انتقلنا إلى حواضر أخرى كدمّر والشام، واجهتنا طبيعة مختلفة خضرة ومياها:
نوّرت دمّر فماست فتوناً وجرى النهر نغمة وحنينا
يتثنّى في رفقة الحور حينا ويميد الصفصاف يسكر حينا (40)
وقد يقف الشاعر وقفات قصيرة على بعض المواقع الجغرافية المتعلّقة بأحداث معيّنة لوصف طبيعتها الشاذة، كوادي الرمل وهو مكان محجوب عن الأنظار، كثير الحجارة والشجر يكاد يكون قلعة طبيعية عصية على الحصار. وهو الذي اقتحمه علي (عليه السلام) على عصابة بني سليم بعد محاولات إسلامية كثيرة غير ناجحة (41) .
كما يصف غدير خم، وهو المكان الذي شهد الحدث العظيم: تسليم الأمانة إلى علي (عليه السلام). وهو مستنقع تفوح منه روائح كريهة، كأن ماءه غضارة من قير (42) .
إلاّ أن الشاعر يولي اهتماماً كبيراً بشعب الجزيرة وطبيعة حياتهم وعاداتهم. وهم في غالبيتهم بدو رعاة يتتبعون مساقط الغيث، تجار أو مزارعون في الحواضر التي تتوفر فيها المياه.
أما التجارة فرائدتها قريش. وإن حرمت مكّة الزرع فقد توجَّه أهلها إلى التجارة حتى اشتهرت برحلتي الشتاء والصيف. والتجارة مهنة عرفها محمد(صلي الله عليه و آله) صغيراً وعمل فيها شاباً. وكانت القوافل لا تكاد تنقطع على الطرق إلى الشام أو العراق أو اليمن أو البحرين، وقد أصابت قريش منها أموالاً وفيرة.
وهاهي «عير قريش» في الإسلام في خطر، فيستنجد أبو سفيان بقومه: «أدركوا العير». والعير كما نعلم قوافل التجارة التي كانت قريش تقودها لأهل مكّة. وكان
________________________________________
(37)م.ن.، ص 20.
(38)م.ن.، ص 51.
(39)م.ن.، ص 49.
(40)م.ن.، ص 158.
(41)را. م.ن.، ص 89.
(42)را. م.ن.، ص 107.

[الصفحة - 148]


المسلمون، من ناحيتهم، يعلمون أثر اعتراضها على المشركين الذين هالهم أن يقطع طريق التجارة إلى الشام أمام قوافلهم، فتجهّزوا للقتال ولقاء المسلمين في بدر.
وثمة إشارات كثيرة إلى جوانب مختلفة من حياة العرب، كصلاة الاستسقاء (43) ، ووأد البنات‏(44) .
أما من حيث العقيدة، فأهل الجزيرة، قبل الإسلام، كانوا عبدة أصنام إلاّ قليلاً منهم. وكانت الكعبة مركز عبادتهم، وكانت معروفة «بالحطيم» و «البيت العتيق». وكانت قريش تتولى أمر رعاية الأصنام والحجيج:
هاشم يرفد الحجيج ويهدي‏ فضلة الرزق للنسور القشاعم‏
يحرز المجد بكرة وأصيلاً كلما طاف بالحطيم شراذم‏ (45)
لكن الإسلام حطّم أصنامهم، مناة واللات وود وسواع وغيرها:
واستفاقت جزيرة العرب حيرى‏ فمناة واللات في الرقعاء
أخرس الناس خطبها فتباروا في استلام الآلهة الصمّاء
أين «ود» وأين بطش «سواع» كان ذلك النذير بدء انتهاء (46)
وقلب كل هذه المفاهيم ووضع قواعد جديدة، وأبدل الوثنية بعبادة إله واحد يحج الناس إليه بقلوب مفعمة بالإيمان والتقوى.
ومن حيث الأخلاق، فإننا نلمح بوضوح نوعين منها: أخلاق جاهلية وأخلاق إسلامية. أما الأخلاق الجاهلية فقد حشد الشاعر صورها في قصيدة «الجاهلية» (47) ، حيث يطالعنا الوجه الكالح لذلك «الزمان القاتم». والمتمثل بشعب غلبته الضلالة والجهل والمآثم كوأد البنات وتبادل الثارات والنهب وشرب الخمر واتباع الشهوات ورايات البغيّ.
لكن الجاهلية لم تكن تعدم بعض الصور الإيجابية. فقريش، وجيه مكة، كان رمز الجود والكرم:
واحة الخير في القفار الكسالى‏ بسطة الكف في الزمان الآزم‏ (48)
وكان هاشم «يرفد الحجيج» و «كفه تسكب الندى»، وعبد المطلب، بيته الرحب مشرع للأيامى واليتامى، وهو «شيبة الحمد».
________________________________________
(43)را. م.ن.، ص 24.
(44)را. م.ن.، ص 15.
(45)م.ن.، ص 20.
(46)م.ن.، ص 28.
(47)م.ن.، ص 15.
(48)م.ن.، ص 17.

[الصفحة - 149]


وما لبث أن أقبل موكب النور يقوده محمد(صلي الله عليه و آله) ليرفع عن الجزيرة ضلال الجهل والمفاسد، ويزرع في أرضها قيماً جديدة، ويدعو الناس إلى الحياة الكريمة:
ودعاهم للَّه للنور للجنات‏ خضراً على الزمان الأبيد
قال:
قد جئتكم بإيمان إبراهيم، بالوحي، بالضياء الرشيد (49)
لكن هذه الدعوة، ككل دعوة، لا بد من أن تصطدم بواقع الحياة وينقسم الناس حولها إلى فريقين: كافر ومسلم. وقد انضوى الفريقان في أحلاف خطيرة قوّضت النظام القبلي، لتعلن قيام عصبية جديدة هي عصبية الدين. وإن ظلت الأحاسيس القبلية متأججة تحت الرماد، يثيرها، في الإسلام، كل من سوّلت له نفسه أمراً.
ومن مظاهر الحياة أن يتوزّع الناس بين غني وفقير. فعلي (عليه السلام) في الهجرة إلى يثرب، كان زاده:
في الجراب العتيق صاع سويق‏ أو قديد أو بعض تمرات تامر (50)
وها هو أيضاً يبيع الدرع صداقاً لفاطمة (51) .
أما تجَّار مكّة وأحلافهم فكانوا يحيون في يسار، وهذا أبو سفيان يذكرهم ويحذرهم:
إن يَفُز أحمد تموتوا جياعاً ذلة الفقر بعد عزّ اليسار (52)
وتلك صورة يزيد في الشام ينهل من ترف فاسد.
وتبقى القوة، من ناحية أخرى، عماد الحياة في الصحراء. فهي التي تخرّج الأبطال وتجعلهم أسياد أقوامهم. لذلك كانت الحروب تبدأ بعروض فردية يؤديها هؤلاء فيتبارزون ويثبت القوي فيقوى قومه بقوته ويزدادون حماسة وشجاعة. وكان علي (عليه السلام) بطل الإسلام بلا منازع. وتصوّر الملحمة هذه الناحية بوضوح، وتعرض الأساليب المتبعة في الحروب من مبارزة الأبطال والتحام الجيوش واستخدام الطرق المتاحة كالحصار والتسلل وحفر الخنادق واختيار الموقع المناسب قرب الآبار والأنهار وعلى السفوح وإنقسام الجيوش إلى سرايا وفرق من المشاة والنبّالة والخيّالة، واصطحاب الأهل والقيان لبث روح الحماسة في المتحاربين. كما تعرض
________________________________________
(49)م.ن.، ص 41.
(50)م.ن.، ص 46.
(51)را. م.ن.، ص 65.
(52)م.ن.، ص 55.

[الصفحة - 150]


أدوات القتال المختلفة من سيوف ورماح وسهام وخناجر وتروس ودروع.. مما عرضنا له قبلاً في هذا البحث.
ونقع في الملحمة على بعض مشاهد الاحتفال بنصر أو عرس أو لقاء، كماجرى في عرس علي (عليه السلام) الذي:
سار خلف النبي غير حفيّ‏ بالرياحين في أكف الإماء
قادمات من يثرب بالمثاني‏ بالزغاريد طلقة بالغناء
ناقرات الدفوف بالراح حمراً فالعذارى في موسم الحنّاء (53)
فالملحمة تصور الحياة العربية وحدة متكاملة بكل وجوهها. وقد يتناول الشاعر بعض هذه الجوانب بشي‏ء من الاختصار أو العجلة. ولكن يكفي أنه يسجّله أو يشير إليه.
كما تعكس الملحمة إيمان الناس بالأحلام وصدق بعض التنبؤات، منها موقف الراهب «بحيرى» من الطفل الذي اصطحبه أبو طالب معه في تجارة، فأقبل يكرم الوفد لمّا رأى في الطفل علامات النبوّة. وأفضى إلى أبي طالب ما يكون لهذا الصبي من شأن عظيم‏ (54) . ومنها حلم الموبذان الذي شاهد ملك الفرس يهوي‏ (55) ، وحلم عاتكة بوقعة بدر وهزيمة المشركين‏ (56) . ورُؤيا النبي بمأساة الحسين (عليه السلام) (57) .
وفي الملحمة إشارات إلى اهتمام الدول المجاورة بأمور الجزيرة. كحملة الأحباش على الحجاز، الحدث الذي عُرف بعام الفيل، وهو العام الذي ولد فيه النبي الأكرم (صلي الله عليه و آله و سلم). وكان عبد المطلب بطل ذلك العام‏ (58) ، ومن هذه الإشارات قلق الفرس لولادة هذا الدين الجديد(59) .
5 - المظلومية الخالدة والالتزام:
وقبل الانتقال إلى دراسة الملحمة بجوانبها الفنية، وجدت لزاماً عليّ أن أعالج قضيتين تواجهاننا بإطراد في هذا العمل الملحمي الكبير. الأولى تتصل بمضمون الملحمة ألا وهي المظلومية الخالدة؛ والثانية تتعلق بالشاعر ألا وهي الالتزام بالخط العلوي.
________________________________________
(53)م.ن.، ص 63.
(54)را. م.ن.، ص 30.
(55)را. م.ن.، ص 29.
(56)را. م.ن.، ص 53.
(57)را. م.ن.، ص 66.
(58)را. م.ن.، ص 25 و 26.
(59)را. م.ن.، ص 29.

[الصفحة - 151]


أ ـ المظلومية الخالدة:
الملحمة معرض بطولة في المقام الأول، وهي بطولة عادلة وهادفة لأنها تجلّت منذ البداية حتى النهاية بمواقف الدفاع عن نظام سام من القيم تمثّل بالإسلام. فالجاهلية لم تقبل طوعاً بهذا النظام الذي جاء يدمِّر حياتها ويلغي وجودها، لذلك نراها تنهض بالعدوان تستخدم كل وسيلة متاحة. وقد صبر صاحب الدعوة(صلي الله عليه و آله) وأتباعه الضعفاء على أذاها حتى أمروا بالهجرة أولاً فالجهاد، لتبدأ مرحلة ثانية تمثلت بخوض غمار الحروب لتوطيد دعائم الدين الجديد. والمسلمون، في هذه المرحلة أيضاً، كانوا في مواقف دفاعية عن أنفسهم ودينهم. واستمرت الحال كذلك حتى نهاية الملحمة مع علي والحسين (عليه السلام) وأتباعهما.
لكن البطولات التي سجّلها هؤلاء كانت من نوع آخر. فبعض النفوس التي روّضها الإسلام بتعاليمه ونفحها بروحه، لم تخلُ كلياً من طبائع الجاهلية. وأكثر من تمثلت بهم هذه الحالة هم بنو أمية الذين ما تخلوا يوماً عن طباعهم القبلية. وقد قادهم هذا التخلّف إلى الارتداد فعلاً عن الإسلام ومناهضة الدين وبقية النبوّة المتمثّلة من عليٍ (عليه السلام) وبنيه (عليه السلام) وصحبه.
إن الظلم الذي حاق بهؤلاء يفوق التصوّر. والمظلومية التي عايشوها تكتسي كل عظمة. فإذا كان التاريخ قد سحق الظلم، فما خلفه وراءه يبقى خالداً، بقاء النزعة إلى الخير والحرية، وبقاء الثورة في النفوس الأبية.
فها علي (عليه السلام): «إنما مجده يكبر بشقائه» (60) .
أما مسلم فقد قتل وهو على يقين بالوعد الحق الذي ينتظره:
فلنا في القصاص فيض حياة وخلود وجنة مأوانا
ونعيم لا يعرف الوقت والساع ات حداً، ولا يُعدُّ الآنا (61)
وهذي كربلاء منارة بطولة وفداء. فآل الحسين (عليه السلام) وصحبه يتدافعون إلى الموت بعزّة وكبرياء، عاصين على الظلم، مع أنهم لا يأملون نصراً:
ثبتوا في العراك لا يأملون‏ النَّصر، لكن ضحية وافتداء
علموا الدهر بعدهم كيف تفنى‏ أخوة تشرب الردى بسلاء
________________________________________
(60)م.ن.، ص 183.
(61)م.ن.، ص 237.

[الصفحة - 152]


سطّروا بالدماء صفحة مجد غمروها محبة وإخاء (62)
حتى لكأن كربلاء تستحيل «مأتم للقاتلين لا مأتم القتلى» (63) .
تلك المظلومية الخالدة التي تسطع في الملحمة وتسطع في الزمان، فما تنفك الأزمنة المتعاقبة تتوجع لأوجاعها وتأمل بالثأر من الظلم.
ب ـ الالتزام بالخط العلوي:
بولس سلامة واحد من أبناء الرسالة العيسوية التي بشرت بالخير والمحبة واتباع الحق. فلا يمكنه لذلك إلاّ أن يكون أميناً مندفعاً وراء إشعاعاتها المتجسدة في كل رجل عظيم تعبق في روحه روحانية العقيدة السماوية وتتملكه عقلاً وروحاً وممارسة.
فليست المظلومية نقيصة، فمثل هؤلاء الرجال يظلمون في كل زمان ومكان. ولكن تبقى سير جهادهم منارات شامخة وشاهدة على المبادى العظيمة التي ظلموا من أجلها، فيهواهم كل من عصى العصبية وطيّب شعاع المحبة قلبه وعرف الألم.
لكن حب سلامة لهذا التيّار حرّ جري‏ء، يقع في زمن تنهض فيه الجاهلية من جديد، وتجتاح العصبية النفوس، وتنهار القيم وتتراجع التعاليم السماوية. فكأنما وجد الشاعر في آل البيت رموزاً مسيحية فضلاً عن كونها رموزاً إسلامية.
ورؤيته تلك تقوم على فهم حضاري متقدّم لدور الدين ورجاله. وهنا لا يمكن أن ننكر دور الثقافة العربية التي تمثلها جيداً. كما لا يستطيع أحد أن يتجاهل ما تتصف به الثقافة العربية من وحدة موسومة بطابعها العربي الإسلامي. فالثقافة العربية تراث مجيد لكل عربي من المسلمين والمسيحيين، وقد جهدوا في بنائها معاً، على رغم المعاندين المعادين لهذا التراث من كلا الفريقين.
لم يكن الشاعر إذن بمنأى عن أحداث ملحمته، فقد هزّته هذه البطولات ومال مع المظلوم على الظالم، مع الخير على الشر. فبقدر ما يمدح أبطال الإسلام يهجو أعداءهم. وهو بهذا يهجو الظلم سبب شقاء البشرية. وفي طليعة هؤلاء بنو أمية. وكان دائماً يذكّر بأصل عداوتهم الجاهلية لبني هاشم، ويكنيهم «بعصبة الشر» (64) و «أولاد الثعابين» (65) و «أبناء هند» (66) :
________________________________________
(62)م.ن.، ص 276 و 277.
(63)م.ن.، ص 248.
(64)م.ن.، ص 285.
(65)م.ن.، ص 284.
(66)م.ن.، ص 200.

[الصفحة - 153]


عصبة الشر بتّمُ سبة الأزمان ما دامت السماء سماء
أنتم الخسّة التي تطلع‏ الأقذارُ منها فتستحيل وباء
لست أهجوكم فإن سهام‏ النقد تجري فتجرح الوجهاء
وأراكم قذارة في يراعي‏ فأنا عنكم أجلّ الهجاء (67)
ويستثني من هجائه ابن عبد العزيز، فهو في هجائه يخصّ الظالمين الأشقياء.
لا يضير الإسلام أني هجوت‏ الأمويين، قد وصفت شقياً:
ليس فيهم غير ابن عبد عزيز مسلماً كان، قانتاً صوفياً (68)
فهو يذكر أسماءهم ويعدّد مثالبهم في «خاتمة» الملحمة.
ولا يخفي الشاعر إعجابه بعليّ، وفي المقدّمة يعلن ذلك: «إما إذا كان التشيّع حبّاً لعلي وأهل البيت الطيّبين الأكرمين، وثورة على الظلم وتوجعاً لما حل بالحسين وما نزل بأولاده من النكبات في مطاوي التاريخ، فإنني شيعي» (69) . ولطالما تغنّى شعراء النصرانية حديثاً بعلي. فهو الرجل الذي تعالى عن موبقات الدنيا والتزم هدفاً سامياً وأخلاقاً عليا. ولم يكب جواده يوماً.
هو فخر التاريخ لا فخر شعب‏ يدّعيه ويصطفيه وليّا
لا تقل شيعة هواة عليّ‏ إن في كل منصف شيعيّا (70)
ولا شك في أن الألم المحض الذي نزل بسلامة، زاد دفعه إلى التأسي بكل العظماء المعذّبين:
كدت أقضي لولا النُّهى والتأسي‏ ونعيم أصوغه وهميّا
أتأسّى بابن البتول فيوليني‏ عزاء وبلسماً معنويَّا
أتأسَّى بهاجر يقطع الصح راء قسراً عن بيته منفيّا
أتأسى بالأكرمين خصالاً لم يسيغوا في العمر شرباً مريّاً
جلجل الحقّ في المسيحي حتى‏ عُدّ من فرط حبّه علويَّا
أنا من يعشق البطولة والإلهام‏ والعدل والخلاق الرضيّا (71)
ثمّ يعود إلى بيت ختم به القصيدة الأولى التي يختم بها الملحمة
يا سماء اشهدي ويا أرض قرّي‏ واخشعي، إنني ذكرت عليّاً (72)
________________________________________
(67)م.ن.، ص 286.
(68)م.ن.، ص 307.
(69)م.ن.، ص 12 من المقدّمة.
(70)م.ن.، ص 307.
(71)م.ن.، ص 312.
(72)م.ن.، ص.ن.

[الصفحة - 154]


ثانياً ـ القضايا الفنّية
القضايا التي سأعالجها هنا، تتصل جوهرياً بعيد الغدير. وقد سبق للشاعر أن بحثها في معرض ردوده على نقد فنه في هذا العمل بالذات، في المقدّمة المطوَّلة لعيد الرياض.
وسلامة، كما هو معروف، شاعر مثقف يتقن فن الشعر ويعرف أصوله وقواعده، غير أن النهج الكلاسي الذي اعتمده في شعرنة التاريخ قد أوقعه في مزالق لم تنجه من النقد.
وليست غايتنا هنا أن نبخس الشاعر فنّه، وإنما هي عرض أفكاره ومناقشتها، وبيان مدى التزامه بها في هذا العمل الفني.
وتلك القضايا هي:
1 ـ الحقيقة والشعر.
2 ـ السرد.
3 ـ اللغة.
4 ـ الخيال.
5 ـ الموسيقى.
1 - الحقيقة والشعر:
الحقيقة لا خيال فيها، والشعر عماده الخيال، فهما إذن على النقيض. فكيف يتآلفان؟ ولماذا الشعر في التاريخ؟
ملحمة الغدير، في الواقع، نصّان: نص شعري ونص نثري تاريخي. النص الأول هو متن الملحمة والنص الثاني حواشيها، وقد ألحقه الشاعر بالنص الأول، كما قال: «ليسهّل للقراء فوعلى الأخص غير المسلمين منهم فتفهم الكتاب» (73) . وأتبع الحواشي بمراجع «ليكون الكلام على بيّنة» (74).
وهذان النصان جاءا متلازمين متجانسين، بل هما صورتان متطابقتان. وكان بالإمكان، لذلك، أن يتخلّى عن الحواشي، لأن المتن قام بمهمتها عند أكمل وجه.
________________________________________
(73)م.ن.، ص 8 من المقدّمة.
(74)م.ن.، ص 10 من المقدّمة.

[الصفحة - 155]


غير أنه ذكرها ليؤكد التزامه الصدق في عرض الأحداث، وهذا ما يشير إليه في مقدّمة عيد الرياض حيث يقول: «يؤخذ علينا اعتمادنا على التأريخ، كما توكأ عليه صاحب أنشودة رولان، أو كما اعتمده فكتور هيغو في أسطورة العصور، أي أن عيبنا هو رجحان كفة الصدق عندنا على كفّة الاختلاق عندهم» (75) . وهذا القول يدل على أن سلامة استلهم التاريخ، حتى ليطغى هذا على شاعريته ويقيّدها ويلزمها مجرى التاريخ بخطوطه العامة والخاصة. وهو لذلك يضمّن ملحمته كثيراً من الإشارات التاريخية والاقتباسات.
لا بد للملحمة، أية ملحمة، من نواة تاريخية تقوم عليها، شريطة أن تكون مغشاة بألوان الإبداع، وهذا ما لم تحققه هذه الملحمة. فالملحمة عمل فني. وهي، وإن اعتمدت التاريخ، فعلى مبدأ أن يكون التاريخ في خدمتها لا أن تكون هي في خدمة التاريخ. وإلاّ كانت المراجع التي ذكرها المؤلف أوفى وأوثق في نقل الحقائق والأحداث.
ورب رأي يقول: «إن المتحدث في التاريخ الإسلامي، لا يمكنه أن يسرح بعيداً عن الواقع، وأن يتمادى في التخيّل الأسطوري. فالوقائع معروفة لا يمكن تبديلها، وإلاّ سقط الشاعر في خيانة التاريخ. فسبيل الملحمة هنا أن تنقل هذا الواقع شعراً منظوماً، وتصوّر المعارك والبطولات، وتركّز على الفضائل التي يتصف بها البطل المميّز في مرتبة أعلى من البشر العاديين» (76) . إن هذا الرأي يلغي دور الشاعر، أو يجعله على الأقل هامشياً. فإذا كان شاهد الحدث التاريخي الموثوق مقيّد به، فأين يكمن الإبداع في هذه الحالة إذن؟ وهل فعل المتنبي فعل شاعرنا في وصف بطولات سيف الدولة، أو أبو تمام في وصف فتح عمورية؟ أو غيرهما من شعراء البطولة العرب؟ إن الشاعر لا يخون التاريخ بإبداعه. فليس الشعر وثيقة. ولا ينتظر القارى أن يقرأ التاريخ في الشعر.
إن المنهجية المنطقية، على أية حال، تبدو جلية في عرض الأحداث وتسلسلها كما بيّنا. فجاءت الأحداث متطابقة في تضاعيف القصائد مع المفاصل الكبرى للحدث الإسلامي.
________________________________________
(75)عيد الرياض، ص 17 من المقدّمة.
(76)عيد، منصور، بولس سلامة، ص 75 و 76.

[الصفحة - 156]


2 - السرد:
السرد، في الواقع، هو الأساس الذي يقوم عليه فن القص. وهو، في الملحمة، عنصر قوي من عناصرها. إلاّ أنه في القصّ هو السيد المطلق الذي يقدّم نفسه للمتلقي دفعة واحدة (77) ، وبصورة جلية لا لبس فيها، حتى ليوشك على امتلاكه، بحيث يصبح الشاهد، سامعاً أو قارئاً، مجرّد صدى له.
لكنه قد يقع في الشعر، ونموذجه هنا الملحمة. إلاّ أنه لا يقوم فيه بدور البطولة، بل يصبح عنصراً ثانوياً يتحرك خلف نقاب يشف أو يثقل، ويقوده التخييل. لأن الشعر في جوهره نقل حالة بطريق الإيحاء واللمح بحيث يفجّر في المتلقي الإحساس بالخلق. أما نقل الحقائق والعلوم فتلك وظيفة النثر.
إن ما يواجهنا، في هذا العمل، أن العنصر السردي قد تحوّل إلى عرض مقنع لشي‏ء حدث. فالأحداث المختارة والتي بنيت عليها هذه الملحمة قد تعلّقت بدورها الوظيفي المحض وهو الإقناع العاطفي. لهذا نرى أن السرد، في مواطن كثيرة من الملحمة، طغى إلى حدّ ألغى أبهة الشعر. وهو بهذا يستجيب لمبدأ الاحتمال في البلاغة التقليدية، التي تجد «القصة محتملة إن ظهرت فيها أشياء مما يبدو في الواقع والظروف التي حدثت فيها، زمانها ومكانها وكيفيتها بحيث يلتزم الشي‏ء المروي بطبيعة ما يفترض من المؤلفين، أو يشاع عند العامة، أو ما ينطبق مع رأي المستمعين»(78) . تصير القصة محتملة إذن إذا ألزمنا أنفسنا بألاّ نقول شيئاً يتعارض مع المرويّ والمتداول. وهذا ما ذهب إليه ابن طباطبا حين عرض لاحتمال وجود الشعر القصصي ووظيفته بقوله: «وليست تخلو الأشعار من أن يقتصّ فيها أشياء هي قائمة في النفوس والعقول، فيحسن العبارة عنها وإظهار ما يكمن في الضمائر منها، فيبتهج السامع لما يرد عليه مما قد عرفه طبعه وقبله فهمه» (79) .
إن خطر السردية على الشاعرية أمرٌ أقرّ به صاحب الملحمة نفسه. ويعدّه في طليعة الصعاب التي تواجه الشاعر: «فليس أقتل منه للشاعرية»، وهو يسوِّغ كثافة السرد في ملحمته بتكاثر الحوادث وتعدّد أسماء الأعلام وتعذّر إغفالها من أجل المحافظة على البنية الفنية: «ولكننا، يقول أيضاً، في صدد وزن واحد وقواف لا
________________________________________
(77)را. فضل، صلاح، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة ـ الكويت ع‏164. آب/1962. ص 275.
(78)م.ن.، ص 278.
(79)ابن طباطبا، عيار الشعر، دار الكتب العلمية ـ بيروت، ط1، 1982، ص 125.

[الصفحة - 157]


تنال باليسير من الجهد، وفي السرد ما فيه من جفاف، ولا سيما إذا كان الموضوع واحداً فدار حول معارك متشابهة وإن تعدّدت، في بلاد معظمها قاحل متماثل» (80) .
وهو، في هذا القول، يتبنّى مذهب الأقدمين في عرض قضايا السرد الشعري التي تقوم عندهم:
ـ على الربط بين الوزن وما يقتضيه فن القص الشعري من صيغ وأشكال.
ـ والاهتمام بسرد النص بأكمله، والعناية بدرجة تجانسه وتماسكه، أي كمال النص مضموناً وشكلاً.
ـ والاهتمام باقتصاد الكلام المتمثل في تلاؤمه مع الشخصيات والمواقف، وهو غير الإيجاز المطلق في البلاغة.
ـ ومراعاة الصدق في تصوير الواقع، وهو ما يسمى بالصدق التاريخي‏ (81) .
لكن الشاعر كان يعمل جاهداً لتجنّب الوقوع في هذا الجفاف الناجم عن اتباع هذه الخصائص، بما أشاعه في ملحمته، في أماكن كثيرة، من أجواء شاعريَّة إن في تضاعيف القصائد أم في خواتمها وفي قصائد وجدانية ورثائية ووصفية. فلقد نراه يأخذ الحدث العادي من الواقع التاريخي ويطلق العنان لخياله مصوّراً البطولات، متغنّياً بالمثالية الأخلاقية لبطله‏ (82) .
إن الالتزام بنظام أخلاقي متسام من وحي الإسلام والمسيحية، لأبرز ما في الملحمة، فضلاً عن التبشير بقوة الحق والتضحيات التي تواكبه، حتى لتبدو البطولات في الملاحم الأخرى، إزاءها، سلبية، طالما أنها لم تستطع أن تؤكد نفسها. بينما هي هنا على المستوى البشري بطولات خالدة خلود الخير والحق.
3 - اللغة في الملحمة:
من الطبيعي أن تكون لغة السرد واضحة حتى لا ينصرف الذهن عن الأحداث إليها وتصبح غاية، وهي في العمل السردي وسيلة، و «إذا انتزعت الكلمة في السرد دور البطولة من بقية العناصر، واستقلّت شعريتها عن شبكة العلاقات السردية، أخذ العمل الروائي يميل تجاه الغنائية ويصبح شعرياً بالمعنى المحدود للكلمة» (83) .
________________________________________
(80)عيد الرياض، ص 20؛ ورا. أيضاً ص 36 من المقدّمة.
(81)را. فضل، م.س. ص 281.
(82)را. عيد، م.س. ص 76.
(83)فضل، ص 294.

[الصفحة - 158]


اللغة، في ملحمة الغدير، تقع في منطقة وسطى بين الشعر والنثر. هي لغة توفيقية، وإن غلبت عليها النثرية لالتزام الشاعر لغة الخطاب التاريخي يعيد إبداعه شعراً. وهو أمر يعيه بولس سلامة جيداً إذ يقول: «توخيت الوضوح في التعبير، فدانيت الطبيعة غير مقلّد لها ولا منتقص من قيمة الفن أو كافر بملكوته. فتركت البيان أقرب إلى البساطة منه إلى التعقيد، والبساطة غير السذاجة»(84) . ولغته على أية حال، هي اللغة الفصحى المتداولة بين المتأدِّبين المحليين في ما بعد لغة النهضويين السلفية.
إلاّ أن عصر الموضوع ألزم الشاعر أن يستدعي لغة تجانس أجواءه وتلائمها عن وعي تام بذلك؛ إذ يقول: «وإذن لا مفرّ من ديباجة تطل منها، على ندور، خشونة البادية وألفاظ مصبوغة باللون المحلي» (85) . فلقد ألم الشاعر بخصائص الجزيرة العربية، موطن الأحداث، من خلال الموروث الشعري الضخم الذي خلفه لنا الشعراء، غير أنه يضفي عليها في أحيان كثيرة ألواناً حضارية خيالية لا تعرفها:
يا رمال الصحراء، هذا عليّ‏ فاملئي الدرب والضفاف أزاهر
تسرح الرئم حوله والعبارى‏ والنعامات والمها والجآذر (86)
وابسطي حوله الرنابق فرشاً..
وقد لجأ الشاعر، كما فعل الأقدمون، إلى حشد الألفاظ والأسماء لمسمى واحد، فالبادية هي الصحراء والرمال والكثبان والسيسب والربداء والهجيرة والرمضاء.
والسيوف هي رهاف الضبى، والبيض. والسيف هو الحسام والمهنّد والهندي والأبتر والمشرفي والقرضاب.
والخيول هي السوابح الجرداء، والجياد، والضمّر المرسلات.
والأسود هي الأُسْد والضبارم؛ والأسد هو الرئبال والصيهور والليث. كما لم يعف عن مفردات مهجورة غريبة شرحها في الحواشي. فالضبع هو العضد، والأخشبان: الجبلان، والغرثان: الظامى، والصيهود: الشديد الحرارة، الغرين: الطين الذي يحمله السيل، الخيم: الطبيعة والسجيّة، الفيح: الرسول، الدقعاء:
________________________________________
(84)عيد الرياض، ص 35.
(85)م.ن.، ص 37.
(86)عيد الغدير، ص 48.

[الصفحة - 159]


الأرض، والحفيش: المتاع الحقير. وهذه الألفاظ، على أية حال قليلة، وأكثر ما تقع في قصيدة «التطواف».
ولم يستطع الشاعر في ملحمته، نظراً لطولها ولأسلوبها الارتجالي، أن يتخلص من التكرار فوقع فيه توكيداً لمعنى أو حدث.
ففي قصيدة «علي في يثرب» يكرّر لفظة «الكف»، ويحمِّلها معاني القوة والبطولة والبيان:
تحمل الرفش كفّه وهي كفّ‏ صاغها اللَّه للشؤون الكبار
أي كفّ من جبهة الصخر قدّت‏ هي أسطى من صولة الأقدار
تلك كف لم يعلق اللؤم فيها فتسامت عن الهوى والصَغار
تلكم الكف تسطر الوحي‏ فالقرطاس كون يشع بالأنوار (87)
ويكثر هذا النسق في الأبيات:
هو خير الأزواج عفّة ذيل‏ وهي خير الزوجات من حوّاء
فعليّ وزوجه منه بعض‏ شيمة الكلّ شيمة الأجزاء (88)
وقد يحشر في البيت صفات تضفي على الصورة كمالاً أو مترادفات يثقل بها:
قزماً كان بين الرجال ذميماً وزنيماً وقعوداً مهزولاًف (89)
كان في الصحب فارسي أريبٌ‏ يقطر الفهم سلسلاً من ذكائه‏ (90)
أو في أكثر من بيت عندما يصف غدير خمّ:
بلغ العائدون بطحاء خم‏ فكأن الركبان في التَّنور
عرّفوه غدير خمّ وليس‏ الغور إلاّ ثمالة من غدير
أي مستنقع وخيم كأن‏ الماء فيه غضارة من قير (91)
ولغة سلامة، بوجه عام، لا تشكو من ضعف؛ فهو يحسن اختيار الألفاظ واستخدام مشتقاتها، أما تراكيبه فبسيطة فعلية في غالبيتها لا يشوبها إبهام أو اضطراب.
4 - الخيال في الملحمة:
إن غلبة السرد والتأريخ على الملحمة كادت تلغي دور الخيال. وإذا كانت الملحمة بوجه عام تسمح للشاعر بالتَّحليق في أجواء الخيال يتفنّن في الإبداع فيه حرّاً
________________________________________
(87)م.ن.، ص 49.
(88)م.ن.، ص 65.
(89)م.ن.، ص 67.
(90)م.ن.، ص 79.
(91)م.ن.، ص 107.

[الصفحة - 160]


من كل قيد، فالأمر ليس كذلك بالنسبة إلى التاريخ، فهو قيد الشعر، وهو أمر يعرفه شاعرنا حق المعرفة بقوله: «ذلك أن الملاحم تدور على الأساطير؛ حيث يسبح الخيال ولا رقيب عليه إلاّ ذوقه. وكتابي هذا محوره التاريخ، والتاريخ حرام على الخيال» (92) .
لقد اختار سلامة أن ينهج منهاج الصدق على حساب العنصر الخيالي. وهو، شأن الكلاسيين من النقاد، يرى أن الخيال والوهم شي‏ء واحد، ويجب الحذر منه، والعمل المغلّف بالوهم يسير على الإبداع، وفي ذلك يقول: «لم يكن بالمتعذّر علينا أن نتخيّل دنيا أوهام نبرأها على هوانا فنخرج من العسر إلى اليسر» (93) .
ولقد فرضت هذه الواقعية الصلبة على الشاعر أن يبقى خياله لصيقاً بالواقع الذي ينسجه أو قريباً منه في صنعة متعمدة. ولأن الشاعر حضريّ من لبنان، فقد اكتسى خياله في بعض المواضع طابع الرقة والعذوبة وسهولة الألفاظ كما في قصيدة «صلاة» (94) ، وقد يدل ذلك، من ناحية ثانية، على الجهد المبذول في تناوله جوانب كثيرة من حياة العرب تناولاً واقعياً فيه استقصاء وشمولية، وفيه دقة وعمق.
والصور التي حفلت بها الملحمة لتدل على إحساس مرهف بمعاناة أبطال الدعوة، والتي ترتبط بمعان إنسانية إيمانية سامية يوحي بها الموضوع ويؤمن بها الشاعر فكان يميل إلى الانتقال من الأحداث إلى معانيها. إلاّ أن ذلك لم يرتفع بصوره إلى المجرّد إلاّ نادراً، وبذلك جاء خياله تقليدياً يذكِّرنا ببعض ما أبدعه شعراء العرب، ففي قصيدة «الحلم الأخير» ينشد سلامة:
أرق الليل لا يذوق المناما غير ما تخطف العيون لماما
ليلة تصبغ النجوم بلون الهم‏ حتى الظلام يخشى الظلاما (95)
ويقول النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب‏ وليل أقاسيه بطي‏ء الكواكب‏
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ‏ وليس الذي يرعى النجوم بآيب‏
وصدر أراح الليل عازب همّه‏ تضاعف فيه الحزن من كل جانب‏ (96)
يجمع الشاعران، كما نرى، بين ظلام الليل وطوله والهم الذي يثقل الكاهل. فهما يحوِّلان الزمان، بذلك، إلى زمان نفسي استعار له سلامة الأرق الذي يعانيه، واستعار له «النابغة» بطء الكواكب على نهج امرى القيس.
________________________________________
(92)م.ن.، ص 8 من المقدّمة.
(93)عيد الرياض، ص 17 من المقدّمة.
(94)عيد الغدير، ص 13.
(95)م.ن.، ص 177.
(96)البستاني، فؤاد أفرام وآخرون، الأدب العربي في آثار أعلامه، ج‏1، الجاهلية وصدر الإسلام، المكتبة العصرية، صيدا، ط3، لا تاريخ، ص 47.

[الصفحة - 161]


غير أن سلامة قد أبدع حين عكس على ليله لون الهمّ، فارتفع بذلك إلى مصاف السورياليين من الشعراء. أما النابغة فقد جمع بين الهم والليل والحزن وترك لنا أن نشعر بعب‏ء هذا اللون في النفس.
وسلامة، إن في وصفه رياض دمّر أم قصر الخضراء في الشام، ينحو منحى البحتري في صوره. فتلك الغوطة في شعر سلامة تعكس أجواء الفرح والأنس وسط القصور السوامق والطبيعة الغنّاء. وتكاد تكون معزولة عن سياق الأحداث، أو تبدو كأن أصحابها ينكرون ما يجري حولهم، فهم يتنعمون بأنواع الفسق والشرور.
فالوصف عند كليهما يعتمد الشكل أكثر من الجوهر، ويعتمد الزركشة أكثر من الفكرة. وقد انعكس هذا المظهر الحضاري في ناحية الطبيعة والعمران، فالأزاهير والأشجار تتثنّى وتميس على ضفاف الأنهار الدافقة التي تحيط بقصور تبدو آية في الفن والجمال. والشاعران لا يصفان طبيعة جامدة، بل يعملان لإخراجها من جمادها بإضفاء أشكال الإلفة بين عناصرها. ويهتمان بتزيين مظاهرها بألوان حضارية واعتماد التشخيص:
نوّرت دمّر فماست فتونا وجرى النهر نغمة وحنينا
يتثنّى في رفقه الحور حينا ويميد الصفصاف يسكر حينا
يتحامى أن يصدع الورد إذ يهوي حياءً أو يجرح الياسمينا
وأطل الربيع في الغوطة الفيحاء بحراً لو أن فيه سفينا
تستحم الأبصار في بحره المخضرّ حتى يكاد يطلي الجفونا (97)
ويقول في وصف قصر الخضراء:
حول قصر الخضراء جاشن خضيب‏ الأرض وافترّ للرياض الحدائق‏
مدّ ما تسمح النواظر أو تنهدّ سكرى على الجنان الفياهق‏
يستحم الغروب فيها ويرنو برعم الورد للصباح الفاتق‏
كادت الشمس تستحم بحوض‏ فوقه أعين الشآم دوافق‏ (98)
تحفل الملحمة بأشكال مختلفة من الصور الشعرية: الجزئية والكلية والنفسية والفلسفية والسوريالية:
________________________________________
(97)عيد الغدير، ص 158.
(98)م.ن.، ص 302.

[الصفحة - 162]


فالصور الجزئية هي التي تعتمد أصول البلاغة العربية من تشابيه واستعارات وكنايات تقليدية؛ حيث نراه يستعين بالبدر للوجه المضي‏ء (99) وطعم الحنظل للإنسان الفاسد (100) وجبال الأمواج للجيش الجرار (101) والنجمة الغرّاء للجبين‏ (102) وطلعة الصبح لجمال فتاة (103) ، والسيل لزحف الخيل‏ (104) ، وامتداد النور في الظلماء للصيت الجيد (105) ، أو كالصبح الدائم لإسم علي (عليه السلام) (106) . وهروب الخفافيش للهاربين من القتال‏ (107) ، أو كسر الزجاج للقتلى على الأرض‏ (108) . والليث للفارس القوي‏ (109) . والسهام الهيف للصخور المسنّنة(110) . واختيال الطاووس للفخور (111) .
وقد يكرّر بعض التشابيه:
حاسراً سار للصلاة كوجه الحق‏ والحق لا يطيق اللثاما (112)
أعزلاً كالحقيقة البكر طلقاً بارز الصدر كالصباح السافر (113)
والاستعارات كثيرة: «أجفل القبر» (114) «يقود المنايا» (115) «خجل السيف» (116) .
والكنايات كذلك: «عفة ذيل» (117) ، «أمير البيان» (118) و «أمير الزهاد» (119) .
أما الصور الكلية فتتعلّق بوصف المعارك، وهي كثيرة كوصف الخيل في ساحة المعركة، واستعداد الجيش، ونجدها في قصائد بدر، وأحد، والخندق، وخيبر، وحنين، وصفين، ويوم الجمل، وكربلاء، وغيرها من الوقائع الشديدة.
وقد يتوسل الوصف لدلالة نفسية: «ليلة تصبغ النجوم بلون الهم» (120) ؛ أو فلسفية:
كأن شيئاً مكوكباً في الهيولى‏ والبرايا غريقة في الأثير (121)
وقد تحلّق صورة في أجواء سوريالية تكشف عن إبداع كامن:
هدأ الكون وامّحى الصوت حتى‏ لتحسُّ الآذان همس العطور (122)
وإذا استثنينا هذه اللمحات الشعرية المتناثرة في الملحمة، وهي نادرة، أمكننا أن نشير إلى أن صور الشاعر بغالبيتها يغلب عليها الحس والتقليد. وهذا ما يجاري القواعد التي رسمها لهذا العمل.
________________________________________
(99)را. م.ن.، ص 22.
(100)را. م.ن.، ص 23.
(101)را. م.ن.، ص 25.
(102)را. م.ن.، ص 27.
(103)را. م.ن.، ص. ن.
(104)را. م.ن.، ص 29.
(105)را. م.ن.، ص 34.
(106)را. م.ن.، ص 37.
(107)را. م.ن.، ص 45.
(108)را. م.ن.، ص 176.
(109)را. م.ن.، ص 81 و86 و184.
(110)را. م.ن.، ص 90.
(111)را. م.ن.، ص 81.
(112)م.ن.، ص 180.
(113)م.ن.، ص 45.
(114)م.ن.، ص 15.
(115)م.ن.، ص 81.
(116)م.ن.، ص 272.
(117)م.ن.، ص 65.
(118)م.ن.، ص 185.
(119)م.ن.، ص.ن.
(120)م.ن.، ص 177.
(121)م.ن.، ص 33.
(122)م.ن.، ص 35.

[الصفحة - 163]


5 - الموسيقى‏
لا بد لمن يتأهَّب لنظم عمل ملحمي، كهذا، من أن يقف طويلاً قبل أن يعيّن أوزان منظومته وقوافيها. وما كان على بولس سلامة، في هذا الصدد، إلاّ أن يختار بين نهجين: إما اتباع طريقة تعداد الأوزان والقوافي؛ وإما التزام بحر واحد وجعل الملحمة قصيدة متوحدة الموضوع والنغم.
وقد وجد سلامة أن طبعه أقرب إلى النهج الثاني من حيث اتباع المنهج القديم في وحدة الوزن، لتأكيد النفس الشعري الطويل الذي يمتاز به، وعدم التخلي السريع عن الروي حتى وإن بلغ مئات القوافي، كما ألمحنا سابقاً، مع ما يظهره هذا النهج من العنت أو لزوم ما لا يلزم، مما يصعّب الأمر عليه فينزلق إلى ركوب المخاطر والتضييق على النفس. وهو ما اعترف به: «أجل ولقد ضيّقت على نفسي.. ولو كنت ممن يعتمدون البهارج اللفظية، ويعيشون على الجرس والإيقاع لقفزت من بحر إلى بحر، وبدّلت شطا بشطّ» (123) .
وقد أجرى سلامة موسيقاه في هذه الملحمة على «البحر الخفيف»، وهو من بحور المرتبة الثانية في نسبة الشيوع كما يراه «ابراهيم أنيس» (124) . والخفيف على حد قول معرب الإلياذة: «أخف البحور على الطبع، وأطلاها للسمع، يشبه الوافر ليناً، ولكنه أكثر سهولة وأقرب انسجاماً، وإذا جاد نظمه رأيته ممتنعاً لقرب الكلام المنظوم فيه من القول المنثور. وليس في جميع بحور الشعر نظيره يصح للتصرّف بجميع المعاني» (125) . فالمنثور يبقى في هذا البحر منثوراً، أو يتحول إلى الشعر من دون إخلال بمعناه الحقيقي. وهو، بذلك، يلائم الشعر القصصي أو شعر السرد الحافل. وقد اختاره الشاعر لصفاته الملائمة هذه.
أما وزن الخفيف فهو «فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن». والتفعيلة الأولى ترد كثيراً في صورة (فعلاتن). وترد الثانية في صورة (مفاعلن)، وتمتاز الثالثة بأنها لا تلتزم. وهناك من يزيد على المقياس الأخير صورة ثالثة هي (فاعلن) أو رابعة هي (مفعولن) (126) .
وقد استعمل الشاعر في ملحمته جميع هذه الصور، ومن أمثلتها:
________________________________________
(123)عيد الرياض، ص 32.
(124)انظر أنيس، ابراهيم، موسيقى الشعر، مكتبة الانجلو المصرية، 1972. ط4، ص 63.
(125)مقدّمة الإلياذة، ص 93.
(126)أنيس، مصدر سابق، ص 78.

[الصفحة - 164]


يرمق الشمس لا يرفّ ويبدي‏ لذكاء جفونه والقوادم‏ (127)
حيث اعتمد جواز فعلاتن لفاعلاتن، ومفاعلن لمستفعلِن.
شهد الطفّ قسوة الأوغاد وذئاباً تختال في أجناد (128)
حيث التزم في القافية الصورة الرابعة (مفعولن).
ونظم الشاعر ملحمته على هذا البحر، على أية حال، لم يشكُ من خلل موسيقى. وقد أمّن للشاعر حرّية الانتقال من سرد إلى وصف بطولة أو معركة، أو وجدانيات أو رثاء أو حكمة؛ ما يدل على أن الشاعر قد أتقن فن النظم إتقاناً لا تقصير فيه.
والنظم في حقيقته هو الكلام المقفّى الموزون. ولا يصلح الشعر في العربية من دون قافية، لأنها لغة قياسية رنّانة. والقافية لها أثر مميّز في الأذن فقد يجود بعضها في موضع ويفضله غيره في موضع آخر (129) .
أما وقع الروي فدليله ذوق الناظم ومقدرته على الملاءمة بينه وبين المعاني المطروقة. وهو في الملحمة نوعان: مطلق حينما يكون متحركاً، كما في القصائد: «البعثة» و «مولد علي» و «علي في يثرب» و «حلم عاتكة» و «يوم الغدير» وغيرها؛ ومقيّد حينما يكون ساكناً، كما في قصائد «الجاهلية»، و «هجرة علي»، و «التطواف» وغيرها.
وقد يلحق الروي حرف وصل، ألف ساكنة أو هاء متحركة، كما في قصيدة «صلاة»، و «الخاتمة»، و «عثمان بن عفان» و «أبو ذر الغفاري»، ويتعسّف الشاعر أحياناً في اختيار رويّه كما في قصيدة «التطواف»، لقلّة الكلام المألوف على روي القاف، فيستنجد بألفاظ المعجم يفسّرها في الحواشي: الأيانق، الوسائق، البوائق، الخزانق، الفياهق.
ونلاحظ أن الشاعر أحياناً يزاوج موسيقياً بين بعض القصائد المتقاربة بمضمونها. فيعتمد لها روياً واحداً، كما في قصائد: «صلاة» و «الخاتمة» وهما بروي الياء الملحقة بالألف الساكنة؛ و «الجاهلية وأنسابها» حيث يعتمد رويّ الميم المقيّدة.
________________________________________
(127)عيد الغدير، ص 86.
(128)م.ن.، ص 288.
(129)مقدّمة الإلياذة، ص 95.

[الصفحة - 165]


«أبو طالب» و «البعثة» وهما بروي الراء المكسورة. و «مولد علي» و «فجر الإسلام» وهما بروي الدال المكسورة.
إن منظومة الغدير، على أية حال، ملوّنة بألوان موسيقية أخاذة تتعدّى الوزن والقافية إلى موسيقى داخلية يغلب عليها الإحساس باللطف والرقة في الشكوى والدعاء، والحزن في المراثي، والقوة في قصائد البطولة. والنغم القاسي في هجاء الظلم والظالمين.
الخاتمة
لم تلق ملحمة «عيد الغدير» الاهتمام الذي تستحقه في الأوساط الثقافية المختلفة. ويعود ذلك في رأيي إلى التزامها بنهج عادل يمثله الخط العلوي الذي ما زالت تتجه إليه أسنة المعاندين منذ كربلاء أو قبل ذلك. والثقافة الغالبة اليوم ثقافة الارتداد التي انتجت طبقة سلطوية تفرض ما يجب أن يمرّ أو ما يجب أن يقطع عليه الطريق، ويطمس أثره.
وهذا ما دفعني إلى إعادة النظر في الملحمة، بل إعادة الاعتبار إلى مضمونها السامي وفق الأقسام التي حددتها؛ حيث قدّمت بداية نبذة عن حياة الشاعر الكبير وعن مشروعه الأكبر في بلورة فن جديد من فنون الأدب يختص بالتاريخ العربي الإسلامي.
وقد وفق الشاعر، كما أرى، أحسن توفيق في اختياره سيرة العلويين التي تتميّز بملامح ملحمية جليلة وجليّة، لم يكن الشاعر مضطراً معها إلى التصنع والتكلّف في إبراز طابعها الملحمي. وهذه الملحمة، وإن كان «الغدير» محورها، فالتاريخ الإسلامي فضاؤها.
كما دحضت الآراء التي تنفي معرفة العرب بهذا اللون الأدبي، مدعِّماً دحضي لمزاعمهم بأدلة وبراهين من التراث العربي نفسه.
ثمّ انتقلت إلى «الغدير» فبيّنت مضمونه وعالجت ما يتصل به. معتمداً الملحمة في الدرجة الأولى، فأظهرت أقسامها وفصلت معانيها.
وتحوّلت بعد ذلك إلى دراسة القضايا المضمونية والفنية فوجدتها أكثر عناية بالسرد والقص منها بالفن، من دون أن
________________________________________

[الصفحة - 166]


يعني ذلك غياب العناصر الفنية كلّياً عنها. فقد حفلت بوجوه فنية مختلفة تتصل باللغة والخيال والموسيقى.
وقد لاحظت، في ما يتصل بالمضمون، أن هذه المظلومية الخالدة التي لحقت بآل البيت (عليهم السلام) ستبقى سمتهم على مرّ الزمان، هدى ومنارة للأحرار الذين يرفضون الظلم والعبودية إلى أي جنس أو أي دين انتموا.
أما الذين ظلموا آل البيت، فقد ظلموا، في الحقيقة، أنفسهم. لأن ظلمهم هذا قد انقلب عليهم:
{ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } (130) .
وأخرجهم من دائرة الإسلام إذ لم يراعوا حرمة الدين وحرمة نبيّه (صلي الله عليه و آله و سلم). فقلوبهم غلفٌ وقد صدّوا عن كلام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في خطبة الوداع:
«علي مني وأنا من عليّ».
«فمن كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه».
«أيها الناس.. إنكم واردون عليّ الحوض.. وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين كيف تخلفوني فيهما».
وتبقى المعادلة التالية، أخيراً، صحيحة: كل عادل علوي، وكل ظالم أموي.. أو غير أموي..
________________________________________
(130)الشعراء، 277.

[الصفحة - 167]