البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ثقافة الانتظار الرسالي في مواجهة الواقع المنحرف

الباحث :  أ. نبيل علي صالح
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  12
السنة :  السنة الثالثة شتاء 1419 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1109
ثقافة الانتظار الرسالي
في مواجهة الواقع المنحرف

أ. نبيل علي صالح‏ (*)

مقدمة
تنطلق احتفالات الخامس عشر من شهر شعبان، سنوياً، في مختلف البقاع والأمصار الإسلامية لتحيي ذكرى ولادة الحجة محمد بن الحسن (عج).. الإمام المنتظر ليوم الوعد الإلهيّ بتحقيق العدل ونشره في أرجاء الأرض كافة.
{ وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبور من بَعْدِ الذِّكر أنّ الأرضَ يرثُها عبادي الصَّالحون } [الأنبياء/105].. فكيف يتمُّ التعامل مع دلالات هذه القضية وأبعادها؟ وما هي الآفاق التي يمكن أن تنفتح أمامنا من خلال ذلك، بخاصة ونحن نعايش اللحظات الأخيرة للقرن العشرين المزهو بانتصار الحضارة الغربية (القاهرة والغالبة!) بكلِّ ما فيها من منظومات تفكيرية وأنساق معرفية وثقافات (قشور) حضارية؟
هل استفدنا من هذه القضيَّة في البعد الثقافيّ والإعلاميّ المعاصر في خطِّ الدعوة الرسالية الإسلامية؟ وهل أعطينا ثقافة الانتظار، بأبعادها الرسالية المتنوِّعة، إحساس الواقع ونبض الحياة؟ وكيف يمكن أن نستثمر الطاقة الإحيائية الكامنة في عمق هذه القضية بالشكل الإيجابيّ المنتج والفاعل؟ ثم ما هي مسؤوليتنا، وما هو دورنا ـ بوصفنا مسلمين ـ في خلال هذا الوقت الذي يتحرّك بسرعة في المدة التي تفصل بين غيبة الإمام المنتظر (عليه السلام) وظهوره؟
هل نتجمَّد أمام مفردات الواقع التي تحيط بوجودنا، وتحاول أن تربك خططنا وحساباتنا من خلال المشاكل والعراقيل التي يضعها (صانعوها) أمامنا، في موقع هنا وموقع آخر هناك.. لنقول ما يقوله أولئك الذين يتعاملون مع مفهوم الانتظار
________________________________________
(*)باحث وکاتب من سوریا.

[الصفحة - 234]


بالمعنى السلبي: يجب علينا أن نوقف الحركة ونتجمَّد أمام الحياة، ولا نقوم بأيِّ عمل أو نشاط فكريّ وجهاديّ يتّصل بمسألة الظلم والظالمين؟
أم هل نتعامل مع هذا المفهوم بطريقة حضارية منفتحة، بحيث نفهم الانتظار بوصفه أملاً حركياً مشرقاً وكبيراً في ضرورة انفتاح الحياة على معنى العدل بكافة صوره وأشكاله (خصوصاً العدل الذي يثير في النفس أحاسيس العزّة والكرامة، ويبعث على النهوض لمواجهة مواقع الظلم والانحراف كلها)؟
إنها أسئلة إشكالية ومركزية تمثل، في عقيدتي، عناوينَ بارزة لفهم كيفيَّة الارتقاء بواقع الثقافة الإسلامية المقاوِمة، التي تمثِّل «ثقافة الانتظار الرسالية» أحد أعمدتها وأركانها في عصرنا الراهن.. هذه الثقافة التي يجب أن نعمل على تعميمها وتعميقها في ذهنيَّة الأمّة، بوصفها ثقافة أصيلة يجاهد أبناؤها في سبيل تحقيق المجتمع الإنسانيّ العادل ويسعون للاحتفاظ بالذات الحضاريَّة الإسلاميَّة على مستوى تطوير حقيقتها الخاصة التي يمكن أن تجعلنا على وعي كامل بطبيعة أدوارنا ومواقعنا وأهدافنا.. لننطلق، بعد ذلك، نحو تحقيق التماثل والندِّية والتكافؤ في تعاملنا مع الآخرين.. في علاقات المجتمع.. في أنظمته السياسية وعلاقاته الاقتصادية والفكرية..
سنحاول، في هذا البحث، إضاءة بعض النقاط الفكريَّة والثقافيَّة التي تتصل، في العمق الرساليّ، بمسألة الإمام المنتظر (عجل اللَّه فرجه)، وضرورة تطوير أساليب التعامل مع قضيته (عليه السلام) ووسائلها في ثقافتنا، وإعلامنا، وتبليغنا الدينيّ.. في ما يتعلق بالمعنى الحقيقيّ لثقافة الانتظار الرسالي وفكره. لكننا، وقبل الدخول إلى صلب التحليلات الفكرية السابقة، نجد من الضروري إعطاء القارى الكريم لمحة إجمالية عامة عن طبيعة فكرة الإمام المهدي (عج) التي تعد عقيدة مركزية ضرورية، في المذهب الإسلامي الشيعي الإمامي، تختزن في مضمونها الداخلي طرحاً مفاهيمياً إسلامياً عاماً لا يخص فئة أو مذهباً معيناً بذاته، حتى ولو رفض الآخرون قبول ـ تلك الفكرة العقيدية ـ في داخل نسيجهم المعرفي والعقائدي لاعتبارات خاصة تاريخية ونفسية، وذلك بسبب وضوح أدلتها، ونقاوة مبدئها، وأصالة مرتكزاتها وقواعدها.
________________________________________

[الصفحة - 235]


أولاً: أصالة العقيدة المهدوية
سجّل المسلمون جميعاً، على اختلاف مذاهبهم وانتماءاتهم ومشاربهم، الثبوت القطعي للبشارة التاريخية الواردة على لسان الرسول الأكرم (صلي الله عليه و آله) التي تشير بوضوح تام إلى ظهور الإمام المهدي (عج) من وُلد ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) «ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»؛ وذلك في ما رووه وتناقلوه من الحديث الصحيح المتواتر والمشهور (1) .
وعلى الرغم من جميع الإشكالات التاريخية والفكرية غير العلمية (2) التي أثارها بعض المشكِّكين في وجود تلك الفكرة الحيوية، فقد برزت عقيدة الإمام المهدي (عج) إلى الساحة الإسلامية بقوة، وأخذت دورها الهام، وموقعها الطبيعي الأصيل والخطير (بالمعنى الإيجابي للكلمة) في البنية الذاتية للوعي العقائدي الإسلامي، والوعي الإنساني المعاصر، الذي لا يزال يبحث عن حلول جذرية شاملة لأزمة الرعب والقلق النفسي والوجودي الذي تعايشه المجتمعات الإنسانية الحالية، وذلك بسبب أنّ تلك العقيدة ـ الإسلامية في طابعها الديني ـ عنوانٌ أصيل لطموح واعد وهادف اتجهت، ولا تزال تتجه، إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغةٌ لإلهام فطري قابع في ضمير الإنسانية الحرة والكريمة في شعورها العميق وإحساسها القوي بضرورة ظهور منقذ للبشرية عندما تتعقّد الأمور، وتتعاظم التحديات، وتدلهم الخطوب والمحن، ويسيطر الظلم على حياة الناس والمجتمع.
لقد أدرك الناس، من خلال هذا الطموح ـ طبعاً على الرغم من تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب ـ أنّ للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض، تُحقق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مر التاريخ استقرارها وطمأنينتها بعد عناد طويل‏ (3) . بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي، والمستقبل المنتظر، على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتد إلى غيرهم أيضاً، وانعكس حتى على أشد الإيديولوجيات والاتجاهات العقائدية رفضاً للغيب والغيبيات، كالمادية والجدلية، التي فسّرتْ التاريخ على أساس التناقضات، وآمنتْ بيوم موعود تسودُ فيه الشيوعية، ويتوقف الصراع والتناقض المرير بين الأضداد،
________________________________________
(1)يمكن الرجوع، في هذا الشأن، إلى كتاب: المهدي الموعود المنتظر عند علماء أهل السنّة والإمامية للشيخ: نجم الدين العسكري، وفيه وثّق المؤلف وسجّل أكثر من أربعمئة حديث ـ بخصوص الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر ـ (عج) ـ من كتب أهل السنّة، كذلك يمكن العودة إلى كتاب: منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام) للعلامة الشيخ: لطف اللَّه الصّافي، وفيه ما مجموعه ستة آلاف حديث عن طريق الفريقين.
(2)ارتكز المشككون بهذه العقيدة على حجج وذرائع واهية، ومنطلقات ودوافع ذاتية غير موضوعية لا تنسجم مع منهج الإسلام العام في أسلوب وعي العقائد وطرحها، والدعوة إلى الإيمان بها. فالقرآن الكريم يقوم ـ في دعوته ـ على أساس الجانب الغيبي إلى جانب الإيمان بالعقل والمنطق والفطرة. وبالرغم من ذلك، فقد ساق أولئك «المشككون» بعض الروايات والأحاديث التي تحاول إسقاط ـ أو على الأقل ـ إرباك تلك الفكرة في ذهنية الأمة، وعملوا على إضعافها وتضعيفها في الداخل والخارج. ويمكن الرجوع إلى بعض المصادر التاريخية الأساسية التي تناولتْ دراسة هذا النهج الروائي التشكيكي وتحليله بعقل منفتح ومسؤول، ورؤية علمية موضوعية ـ ككتاب: دفاع عن الكافي، 1/569، حيث أورد المؤلف ـ شهادات واعترافات وإثباتات وافية عن علماء أهل السنة من القرن الرابع الهجري إلى القرن الرابع عشر في إثبات ولادة الإمام المهدي، واستمرار حياته ووجوده الشريف وكذلك كتاب: بحث حول المهدي للإمام الشهيد السيد: محمد باقر الصّدر (قدس سره)، وكتاب: الغدير للأميني، 3/308 و309 إلخ.
(3)الإمام الشهيد السيّد محمد باقر الصّدر(رض)، بحث حول الإمام المهدي، ص 43، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، بيروت ـ لبنان، 1417هـ 1997م.

[الصفحة - 236]


ويسود فيه الوئام والسّلام. وهكذا نجد أنّ التجربة النفسية البشرية، المتراكمة ثقافياً وحضارياً واجتماعياً عبر العصور المختلفة، والحاوية على هذا الشعور في داخلها، من أوسع أنواع التجارب النفسية أغناها وأكثرها عموماً بين أفراد البشر..
ضمن هذا السياق، ينتظر الناس جميعاً فمن دون استثناءف أن يأتي اليوم الموعود الذي يتحقق فيه العدل، والمساواة، والوعي الكوني الحقيقي، والقيم الإنسانية العليا كلها، ويتحقق، بالتالي، المجتمع الموعود المعصوم الرافض للظلم والجور والقهر والجبروت، والمؤمن بإمكانية قوة العدل في التجسُّد، بوصفها واقعاً حيّاً ملموساً في عمق التجربة التاريخية الحالية والمستقبلية للناس جميعاً، تواجه العالم الظالم لتزعزعَ ما فيه من أركان الظلم والطغيان، وتقيم بناءه من جديد على قيم الإسلام ومبادئه. وهذه المهمة الرسالية الجسيمة تحتاج، في طريقة تجسيدها على أرض الواقع، إلى قيادة مطّلعة وعارفة ومعصومة في التزامها ووعيها، وفي جميع جوانب حركيتها وامتداداتها الداخلية والخارجية، لأنَّ مسؤولية تغيير العالم إلى الأفضل والأحسن صعبة وشاقة وليست سهلة التحقق والمنال. من هنا كان لا بد ففي إطار الحديث عن تمثّل هذه الفكرة وتجسُّدها في الإمام الثاني عشر (عليه السلام)ف من إيجاد مبررات موضوعية وافية وكافية وواضحة للإقتناع به إسلامياً وتاريخياً وعقلياً. وهذا أمر نترك الحديث عنه الآن بسبب تمحور موضوعنا، في هذه الدراسة، حول الدور الأساسي للثقافة الرسالية الانتظارية في مواجهة الواقع المنحرف فوننصح الأحبة القراء بالعودة إلى المظان التاريخية الواسعة (4) التي أشبعت فكرة الإمام المهدي(عج) عرضاً وتحليلاً وإثباتاً على المستوى التاريخي والعقائدي والعقلاني والروائي.. الأمر الذي جعل هذه الفكرة فالعقيدة حقيقة إسلامية ساطعة وواضحة وضوح الشمس في كبد السماء..
ثانياً: في آفاق الثقافة المقاوِمة
ثقافة الإمام المهدي (عجل اللَّه تعالى فرجه الشريف)
تشكل الثقافة الإسلامية العنوان والوعاء الحضاري الأهم لشعوب هذه المنطقة.. وقد واجهت هذه الثقافة، في تاريخها الطويل، كثيراً من التحديات الخطيرة، وجابهت
________________________________________
(4)يُراجع بهذا الخصوص الكتب التالية: 1 ـ تاريخ الغيبة الصغرى، للسيّد محمد الصدر دار التعارف، لبنان. 2 ـ معجم أحاديث الإمام المهدي، تأليف ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية فقم 1411هـ بإشراف الشيخ: علي الكوراني. 3 ـ منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام) للشيخ: لطف اللَّه الصافي..

[الصفحة - 237]


أمواج الغازين والمحتلين، واستطاعت أن تستوعبهم وتؤنسنهم وتؤثر فيهم وتعطيهم شيئاً من مفرداتها الأصيلة.. وفي هذه المرحلة الحساسة من حياتنا، تواجه هذه الثقافة نفسها، مخاطر لا تقل أهمية عن سابقاتها.. لعل من أبرزها ما يروّج له حالياً في كل مكان، وهو حديث التسوية والسلام والتصالح مع الكيان الصهيوني الغاصب، هذه التسوية التي تعبّر، في أحد جوانبها، عن اغتصاب إجرامي لهوية هذه الأمة وتاريخها الجهادي الطويل.. وعن عدوان على هويتها بالذات، أي نظرتها إلى الحياة والوجود والدنيا والآخرة.. إنه أفظع ألوان الاغتصاب في تاريخ الإنسان.. اغتصاب شعب وهوية أمة.. وهذا ما يرتكبه النظام الدولي الجديد بقيادة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.. لقد راجت، في الآونة الأخيرة، امتداداً لمشروع السلام السياسي، ثقافة السلام‏ (5) والاستسلام التي يمكن رصدها في الثقافة العربية الحالية.. وفي ثقافة السلطة الحاكمة بالذات.. وفي حركة المنظّرين لهذه الثقافة الجديدة.. الذين يعملون على تعميق دلالات تلك الثقافة وتعميمها في أوساطنا ومواقعنا بجميع الوسائل السياسية والاجتماعية والأساليب الدعائية والإعلامية..
أمام هذا التحدّي المفروض، وباعتبار أنّ ميدان المقاومة الميدانية للمشروع الاستسلامي نفسه هو ميدان الثقافة والقيم نفسها.. كيف تتحرك الثقافة المقاوِمة؟ وما هي معالمها وعناوينها؟
قلنا: إن الثقافة السائدة (ثقافة القشور والهزيمة) التي تقوم على تغريب الذات وتغييب الهوية، مدعومة من قبل السّلطات والنّخب السياسية الحاكمة التي لها ـ على ما يبدو ـ مصالح سياسية واقتصادية واضحة داخل منظومة ثقافة السلام.. لذلك يجب أن يكون العنوان الأهم لممانعة الثقافة ومقاومتها هو أنْ نعمل على تعرية ثقافة السلطة وفضحها (6) في المنطقة العربية والإسلامية، من حيث أنها ثقافة ضد القيم وضد الإنسان.. ومن المعروف أن عمر هذه الثقافة (ثقافة السلطة) ليس قصيراً، بل إنه، مع الأسف، يمتد إلى العصر العباسي. والمسار الانحداري للتاريخ الإسلامي يمكن ربطه، إلى حد كبير، بنمو ما يسمَّى بثقافة السلطة، يعني ـ بصورة أوضح ـ مصادرة الحريات بصورة مستمرة، وأبرز أشكال التعبير عن الحريات هو الثقافة، فباتت الثقافة سلاحاً، بدل أن يكون في يد الأمة في مواجهة السلطة،
________________________________________
(5)ترتكز ثقافة السلام المزعوم على الأسس والمقومات التالية: 1 ـ القول بنهاية الايديولوجيات وانتفاء الصراع الإيديولوجي الذي كان يسوِّغ إرث المحاور الاستراتيجية والتناقضات السياسية فيها.. 2 ـ القول بالواقعية، وهي في نظرنا الوقوعية، والانطلاق من حقائق المرحلة الحالية.. حيث لم يعد من المفيد التمسك بشعارات وأهداف أثبت الزمن عقمها وفشلها ومثاليتها.. وبالتالي هزيمتها، ما يعني «الدعوة إلى ثقافة الهزيمة والاسترخاء».. 3 ـ الاعتراف بتفوق إسرائيل عسكرياً (نووياً) وأمنياً واقتصادياً ودعمها اللامحدود من قبل الغرب وأمريكا، الأمر الذي يفرض القبول بالأمر الواقع الراهن كما هو..
(6)إن الذي سيساعد على التخفيف (ولو نسبياً) من صعوبة هذا الأمر أن الأنظمة والحكومات القائمة ستجد نفسها أمام حقيقة واقعة لا مفر منها، وهي الانفتاح على العالم وممارسة التعددية وإعطاء الشعب حق إبداء الرأي والحرية، واحترام حقوق الإنسان.. ويكون عليها التخلي عن أحد أجهزتها الإكراهية، وهو الإعلام الذي كان يحشد وراءها الرأي العام وتوحيده عبر أنظمة الدعاية والتوجيه والمراقبة بدقة من قبل أعوان هذه الأنظمة، وهو ما ستعجز عنه خلال العصر المقبل في مواجهة تقنيات الاتصال الفائقة التي ستدفع تلك الأنظمة المغْلَقة والمفلسة إلى سلوك طريق التغيير حتماً، بعد أنْ تُغير بنية السلطة وطرق تداولها واكتسابها، الأمر الذي سيسهم في نزع صفة القداسة عنها (التي كانت تعصمها من النقد) ويهتك حرمة أسرارها وحجبها المقفلة من حولها...

[الصفحة - 238]


أصبح في يد السلطة في مواجهة الأمة وقمعها (7) . بهذا المعنى نحن الآن أمام فكرة مواجهة الواقع التطبيعي الراهن الذي يمر حالياً فعلى ما يظهرف بمخاض عسير نعتقد أنه لن يدوم طويلاً!؟..
نحن، إذاً، أمام مهمات ثقافية كبيرة جداً نعمل، من خلالها، على تجاوز الشعارات إلى فعل بنيوي عميق له علاقة في رؤية بنية الثقافة وإقامة (تأسيس) هذه البنية، على اعتبار أنها ثقافة مقاوِمة اعتراضية تؤسس لمجتمع ممانع ومقاوِم ومواجِه ورافِض مقابل السلطة.. لأن التسوية المقبلة تهدف إلى جَعْل الزمن العربي والإسلامي القادم زمن صراعات وتفكك وتشرذم. وتتجه، أساساً، إلى المجال الحساس، وهو دائرة الوعي (دائرة الثقافة).. وهكذا يستمر زمن المقاومة الحقيقي لأنه يتناول أخطر ما في الشخصية والهوية الإسلامية، ألا وهووعي هذه الهوية..
طبعاً نحن لا نريد أَنْ نضخّم العدو ونعطيه أبعاداً أكبر من حجمه، ونرضخ لقضائه وقدره الذي يحاول فرضه علينا.. لأن العدو أعجز من أن يعمل على تجويف التراث الإسلامي الذي يعدّ أهم عامل وأكبر عنصر من عناصر الممانعة والمواجهة في شخصيتنا ونسيجنا الثقافي. لكننا، في الواقع، نخاف أن نبقى ساكنين، وأن يظل تراثنا ساكناً لا يتحرك، وألاّ ينتج نفسه ويصوغ خطابه من جديد وفق مقتضيات الواقع لا أن يرتهن لمفاهيم العصرنة والحداثة (8) وما إلى ذلك. ولكن أن ينتج معادلة معاصرة لوجوده.. أن نجعله يعيش حس العصر ونبضه، لكي يبقى ممتدَّاً وفاعلاً في الأمَّة. من هنا فإننا، نخبةً عربيَّةً وإسلامية، مطالبون ـ أكثر من أي وقت مضى ـ بأنْ نقدّم قراءتنا المعاصرة والتجديدية التي تمليها ضرورات عصرنا، كي تتحول في داخلنا إلى عنصر مواجهة ثقافية للآخر، وتسهم في بناء مشروع ثقافي إسلامي مقاوِم متمرِّد على واقع القهر والتسلُّط، قادر على استعادة مساحة الحرية المغتصبة. إنّ ذلك هو الذي يعطينا الأمل الواقعي في مقاومة مشروع التسوية المقبل، أي أنْ نعمل على استرداد الحرية، بوصفها عنصراً بالغ الأهمية، ليس فقط في موضوع السلطة بل في داخلنا نحن أيضاً (النخبة العربية) التي هي ضحية استبداد مركب: استبداد السلطة واستبداد الثقافة نفسها، التي تحوّلت إلى سلطة والتي نستطيع أنْ نمارسها في ما بيننا، فيصادر بعضنا بعضنا الآخر، بمعنى أننا
________________________________________
(7)العلامة السيد محمد حسن الأمين، حوار مع مجلة الرصد الثقافي، عدد 45، ص 26، 1994م.
(8)يعرّف بعض الباحثين الحداثة (MODERNITY) بأنها ظاهرة أو منظومة من الظواهر الجديدة.. ولكننا نتساءل: هل كل ظاهرة جديدة في حياة الإنسان حداثة أو أن الحداثة سمة محددة لعصر أو مرحلة تاريخية؟ من هنا يمكن أن نعرّف الحداثة بأنها مصطلح يطلق على التحولات التي ظهرت في الغرب في العصر الأخير من تاريخ الإنسان. إنها روح الحضارة الغربية الجديدة والثقافة الموازية لها والمنسجمة معها..

[الصفحة - 239]


لا نستطيع أنْ نتحاور.. (لماذا؟).. إذا أردنا أنْ نقيم ثقافة مقاومة يجب أنْ نكون قادرين على الحوار، أي قادرين على أنْ لا يقمع بعضنا بعضنا الآخر (9) ، وكي نسترد الثقافة من السلطة يجب أنْ نكون قادرين على أن نسترد لها الحوار الضروري بين النخب المعنية بإقامة ثقافة مقاومة تحيي روح الخدمة والجماعة بين التيارات والقوى الفاعلة وتحول أفكارها إلى برامج عمل مؤاتية لإحداث اتجاهات جديدة للنمو والوعي الثقافيين، وتستفيد من آليات توزيع الأدوار والمهمات، وتجنّد أبسط القدرات وأكثرها تركيباً وتعقيداً في عملية ممانعة ونماء منتظم لما به الإنسان من عقل وضمير وإرادة وقيم تحوله إلى صاحب بصيرة وعقل منتج.. مقابل البصر المتبلد والمتلقي ببلاهة لقوالب الإعلام الجاهزة. وفي طريقها إلى صياغة ذلك الإنسان تغرق ثقافة المقاومة بحب سحق الأنا والغيرية والإيثار من العرفان، وجمال الأسلوب من الأدب، والحكمة من تجارب الأمم، والتوازن من الفقه، والعمق من الفلسفة، والبرنامج الواعي من القرآن‏ (10) .. وعلى طريق استعادة الذات ومعرفة النفس نستعيد الأرض، كل الأرض، ونواجه التحديات، كل التحديات، ويكتمل الانتصار (11) .
ثالثاً: أهمية التبليغ والإعلام في نشر الثقافة المقاوِمة والدفاع عن وجود الأمَّة
يُعَدّ التبليغ من أهم الوسائل ذات العلاقة بالشأن الإسلامي الحيوي. وقد دعت الرسالة الإسلامية إلى وعي هذه الوسائل والتزامها في إطار حركة الدعوة إلى مبادى‏ء الثقافة الإسلامية وقيمها وتبليغ رسالة الإسلام..
إنّ الفرد هو الأصل في بناء حركة التبليغ، وهو الصانع للجماعة والأمة.. لذلك يكون عمل الداعية موجهاً، أساساً، باتجاه العمل على إدخال الرسالة إلى قلبه، وتنميته وتطويره وتحقيق عناصر السعادة والكمال والصلاح له..
إن أسلوب المبلِّغ الرسالي يجب أن يخضع للروحية الرسولية الإسلامية التي تتحرك من أجل أن تعيش في كل فكرة، وتنطلق في كل حياة، وتتلمس الواقع الموضوعي الذي يغذي العمل وينميه ويطوره، فيصل إلى الغاية، بأكبر قدر ممكن من الإيجابيات وأقل قدر ممكن من السلبيات، وتواجه العلاقات العامة والخاصة
________________________________________
(9)مجلة الرصد الثقافي، ص 28، مصدر سابق.
(10)جهاد سعد، معالم الثقافة المقاوِمة في نقد الثقافة السائدة، مجلة البلاد، العدد 251، ص 47.
(11)وهذا ما تعبر عنه، حقيقةً، المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان الصّامد ببطولاتها الملحمية النوعية النادرة، التي أضحت نقطة ضوء هادية ومنارة شموخ عالية في هذا الظلام العربي والإسلامي الدامس. إننا لا نستطيع إلا أنْ نعبر لها عن مشاعر الإجلال والفخر والإعتزاز والاكبار والعرفان بالجميل، لأنها حفظت كرامتنا المهدورة، وعبّرت عن روحنا المقاوِمة، وهي تمثل الآن جوهراً أو كنزاً ثميناً ونفيساً في حياة العرب والمسلمين، وعلى دربها يجب أن تسير الأمة إذا أرادت لنفسها أن تبقى أمة على قيد الحياة. من هنا فإننا نبارك لهؤلاء المجاهدين الأبطال جهادهم المقدس الذي يقومون به في أحلك الظروف الأمنية والسياسية المحلية والإقليمية والدولية، ناهيك عن صعوبات الواقع الجغرافي والميداني والاستخباراتي. كما وإننا نشد على أياديهم ونسأل اللَّه تعالى أن ينصرهم ويقف معهم ويثبت أقدامهم في مواجهاتهم القاسية في عصر أصبح من الصعب فيه أن تصمد وتصبر وتقف في وجه قوة الباطل وإغراءات المال والترف والاستهلاك و «ثقافة الواقع العالمي الجديد!»..

[الصفحة - 240]


بالأشخاص والمؤسسات والأوضاع من خلال ارتباطها بمواقف الرسالة الحاضرة وتطلعاتها المستقبلية.
وعلى ضوء ذلك، يرتبط فكر المبلّغ ـ الملتزم بروحية البعد الرسالي للانتظار ـ بالواقع الفكري والعملي، في عملية ملاحقة واعية لكل تطوراته ومتغيراته الذاتية والموضوعية؛ الأمر الذي يجعل شخصية الداعية، أو المبلّغ، قريبة، بفكرها ووعيها، إلى فكر العصر وتجاربه وواقعه، في أفكارها وتجاربها وحلولها ومواقعها، بحيث تكون بعيدة عن اثنين: أولهما الخيال الغارق في ضباب الأحلام الوردية، وثانيهما الباحث عن الواقع المعاصر في أفكار الماضي من دون محاكمة أو موازنة. إنّ مسألة أن يكون الإنسان داعية أو مبلغاً رسالياً، في عصر غيبة المهدي (عج)، هي مسألة تعني أن ينطلق، في ذلك، من وعيه لذاته ليوظف إمكاناته وكفاءته وإخلاصه في خدمة الناس والرسالة، لأن النّاس يستجيبون للذين يمثلون حاجاتهم الفكرية أو العملية، وبخاصة في ظروف واقعنا الراهن الذي يفرض على المُبلّغ أنْ يلاحقه في كل ثقافته، بأساليبه ومناهجه وأفكاره، لأن الواقع يريد لنا أنْ نتنازل عن إسلامنا، والتطورات تريد لنا أن نستسلم لثقافة العصر الاستهلاكية، لذلك يجب على المبلّغ لثقافة الانتظار الرسالية أن يعيش ذهنيّة عصره ولغته وأجواءه، ليعرف كيف يُدْخِل الإسلام والمعرفة الثقافية الإسلامية المقاوِمة إلى هذا العصر...
إذاً هناك خصائص وشروط أساسية يجب أن يتمتَّع بها المبلِّغ الرسالي يمكن إجمالها بما يلي:
1 -أن يكون المبلّغ عميق الإيمان والالتزام بقيم اللَّه والإسلام، وأنْ يكون اللَّه تعالى نصب عينيه، يعمل في سبيله ويجاهد فيه، ومنه يطلب العون والنصر والسّداد والتوفيق: { والّذين جَاهَدُوا فِيْنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإنَّ اللَّه لَمعَ المحسنين } [العنكبوت/69].
إنَّنا نؤكد، في هذا الإطار، على ضرورة الإعداد الروحي والديني للعلماء والمبلّغين والدعاة إلى اللَّه، إلى جانب الإعداد الثقافي والفكري، ليستطيعوا الانطلاق إلى الدعوة من خلال العمل والتطبيق، ولتكون أعمالهم دعوة حية للإسلام صامتة بكلماتها، ناطقة بوحيها الهادى‏ء الوديع.
________________________________________

[الصفحة - 241]


2 -أنْ يكون قدوة صالحة في سلوكه الإسلامي، ونموذجاً عالياً في التديُّن والتقوى والورع والصلاح والالتزام بقيم المهدي (عليه السلام) . يقول الإمام الصادق (عليه السلام) :«من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر» (12) ، كي تتأسى به الأمة والمجتمع، وتحتذي خطاه ولا يكون مشمولاً بقوله تعالى:
{ يا أَيُّهَا الذين آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّه أن تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُون } [الصف/2 و3].
3 -أنْ يتسلّح بالثقافة والفكر الإسلاميَّين والوعي الإيماني العقيدي والفقهي المطلوب، لأن ذلك يمكّنه من التمهيد لظهور الإمام المهدي من خلال تصحيح مسيرة الأمة نحو أهدافها، والوقوف في وجه الأفكار والدعوات الباطلة والمنحرفة، والتمييز بين الثقافة المفيدة للأمة والثقافة الضارة لها، أي بين العلوم والآداب الحقيقية وبين الأفكار الضالة والثقافة المزيفة التي ترتدي لباس التّقوى، وفَضْح حقيقتها وكَشْفها للأمة؛ إذْ لا يستطيع أنْ ينهض بالأمة والمجتمع من يفتقد الثقافة الأصيلة. من هنا يكون التوافر على مستوى راق من الوعي والفهم والثقافة والرؤية، لمفاهيم الإسلام وتصوراته وأحكامه وتشريعاته، قاعدة أساسية تؤهِّل الإنسان لأنْ يكون من «الكوادر» الأساسية الصالحة للالتحاق بالإمام المنتظر (عليه السلام)، وهذا هو المستفاد من جملة الروايات التي تؤكد على ضرورة أن يملك أنصار المهدي درجات عالية من البصيرة والمعرفة والفقاهة في الدين والوعي النفّاذ.
4 -الإطلاع على معارف العصر وأفكاره وثقافاته، ومواكبة تصوراته الفكرية والسياسية والاجتماعية، وأخْذ العبر والدروس منها، أي أن يفهم المبلّغ أحوال دهره ومجتمعه وطبيعة الوسط السياسي والاجتماعي الذي يعمل فيه، ويتحرك بين أجوائه، ويتمكن من التّعامل معه بنجاح وتفوّق، لأن الجهل بالواقع والحياة، أو فقدان الإحساس بأوضاعهما، يُبعد المبلّغ والداعية عن الواقع، ويسلّمه إلى القوى الأخرى التي تستغل ضيق أفقه وقلة معلوماته، وضعف وعيه وإحساسه بالعصر لتوجهه في غير الوجهة التي يتجه إليها في عقيدته ودينه،
________________________________________
(12)سفينة البحار، ج‏2، ص 140.

[الصفحة - 242]


ولتحارب أهدافه في عملية تضليل وتشويه وتخريب، فالداعية عندما لا يفهم روح الآخر ولا يدرك حدود ثقافته.. فكيف يمكن أن يخاطبه أو يحاوره؟! وكيف يمكن أن يدعوه إلى الالتزام بقيم الإمام المهدي (عج) وثقافته؟
إذاً، يجب أن يفهم المبلّغ الداعية حجم عقول النّاس، ومستوى استيعابهم ليستطيع أنْ يتكلَّم معهم على قدر وعيهم وعقولهم، وأنْ يفهم أيضاً روح العصر وأسلوب العمل والحياة فيه، حتى يعرف كيف يُحرك الإسلام في داخله. طبعاً ليس بمعنى أن يُخضِع الإسلام لذهنية العصر (أي تحديث الإسلام وعصرنته!) ولكن بمعنى أنْ يقتحم الإسلام (من خلال رسالته ووعي دعاته ومبلّغيه) ذهنية العصر بفهم روحية الإنسان المعاصر وذهنيته وكل ما ينفتح عليه وينغلق عنه.
5 -أنْ يعيش المبلّغ هموم أمته ومشاكلها وتحدياتها، ويتحسس آلامها وآمالها ويشاركها معاناتها، ويحرص عليها، ويدرس ظروفها وأحداثها التي أدّت إلى وقوع آلام وأحزان فيها، وأن يحاول التخفيف ما يستطيع من أتعابها وقلقها السلبي، ويتعامل معها بخُلق وقيم إسلامية صافية ونقية، أي أنْ يتَّصف بأخلاق إسلامية واقعية على درجة من السمو والوعي الرسالي، فلا يستعجل الأمور والنتائج بل يعمل بكل حكمة وأناة.. يرصد آفاق المستقبل المنظور الذي يعمل من أجل تغيير الواقع باتجاهه، وينظر بعمق إلى مواقعه الراهنة في حاضره حتى يفتح اللَّه عليه وينصره (العمل والحركة والسعي والمثابرة)، لأن تغيير واقع الأمة نحو مواقع أكثر تطوراً ورقياً، ليس من الأمور السهلة والبسيطة، ولا تتأتى إلا بالجهود المسؤولة والعمل المستمر المتواصل والمضني. وهذا هو المعنى الحقيقي لمسألة تعميق حس الانتماء لقيادة الإمام المنتظر (عليه السلام) التي تبعث، في نفوس المؤمنين بها، الأمل الدائم بالتغيير نحو الأفضل، وتنعش أرواحهم بالطموح الكبير والثبات والصمود على الخط، وتقوي عزيمتهم وإرادتهم. فيتولد، نتيجة لذلك، زخم نوعي هائل من المعنويات الجبارة ترفدنا جميعاً بديمومة الثبات والتحدي والمواجهة. وتبقى تصون المسيرة الكبيرة ـ في حركتها المستمرة ـ من الإحباطات والتراجعات والانكسارات في ظل ظروف القهر والاستعباد والهيمنة السائدة حالياً.
________________________________________

[الصفحة - 243]


إنّ قوى الاستكبار العالمي الضَّالة تحشد يومياً جميع طاقاتها وجهودها السياسية والاعلامية والاقتصادية لمواصلة الحملة العدوانية ضد الأمة العربية والإسلامية، وتحاول ضرب مواقع قوتها ورفعتها ومكامن رسوخها ومنابع مقاومتها وممانعتها، من خلال بث الفرقة والطائفية والعنصرية بين العرب والمسلمين.
إنهم يخططون ويتحركون لدراستنا وتحليلنا، ومن ثم لنسف أساس عزّتنا ووحدتنا. لذلك من الواجب علينا جميعاً (دعاة ومبلّغين رساليين) أن نواجه جميع تلك المخططات والمؤامرات الخبيثة، ونحاول صدها وإسقاطها في مواقعها الأولى.
والعمل على تلك الجبهة الخارجية لن ينجح مطلقاً إذا نسينا جبهتنا الداخلية المليئة بالمشاكل والتعقيدات والهموم الذاتية التي نعيشها في داخلنا العربي والإسلامي، أو غضَّينا الطرف عنها؛ إذ أنه لا يكفي أن نوجّه الاتهامات للآخرين بأنهم يتآمرون علينا ويريدون إسقاطنا وإقصاءنا والنيل من واقعنا وحريتنا وكرامتنا وما إلى ذلك.
طبعاً هذا صحيح، لكن علة هذا المرض ليست خارجية دائماً.. بل قد يكون له (وهو كائن أصلاً) سبب ومنشأ داخلي. من هنا علينا أن نعيد بناء تبليغنا الثقافي والفكري والسياسي في داخل الساحة الثقافية العربية والإسلامية بخاصة في ما يرتبط بتعزيز ثقافة المهدي (عج) وعقيدته وتدعيمهما.
وهذا يجب أن يرتكز على رؤية واعية تملأنا بالأمل والعزيمة والإصرار والثبات والحركة والطموح، فيجب أنْ تعطى الأولوية للتأهيل الفكري الصحيح لثقافة المبلغين، أي لبناء ثقافة مختلفة عما نعيشه اليوم من حالة «تقزيم الثقافة» السائدة في كل مواقعنا الرسمية وغير الرسمية (وهذه الأولوية تشكل أحد الأهداف الرئيسية والدلالات العملية لتعميم ثقافة المهدي). فنحن نعيش في إطار ثقافة ممسوخة وماسخة ومهمشة ومستبعدة عن الفعل والإنتاج.. ثقافة منافية لجميع القيم الإنسانية الحقيقية، سواء كانت قيم العقل أو الحق أو الجمال أو الكرامة أو العدالة. هذه القيم تكاد تكون منفية وغير موجودة بالكامل في قاموس الثقافة العربية الحالية التي تقوم بتقديمها إلى أجيالنا وتدريسها لهم في المدرسة والجامعة. لذلك يجب أنْ نهتمَّ بالتكوين العلمي لثقافتنا ومثقفينا ومبلغينا. نحن نعي تماماً أنَّ جوهر ثقافتنا لا ينقصه العلم، وإنما ينقصه
________________________________________

[الصفحة - 244]


تمثُّل المناهج العقلية المضبوطة واستيعابها وممارستها، أي السعي باتجاه بناء العقل والوعي عند الفرد وعند الجماعة على أسس وركائز وحجج منطقية وعلمية (13) .
وليس ما يجري الآن من عمليات تثقيف وتوعية إلاّ مجرد حشو فارغ (سواء أكان هذا عن طريق النظام التقدمي أم غير التقدمي) وإيمان بمسبقات وأحكام جاهزة واعتقادات من دون أي تفسير أو مغزى، ولا تحمل أي شرح أو تأسيس عقلاني. وفي اعتقادي أن ثقافتنا وتبليغنا الذي نمارسه اليوم، بوصفه عملاً يدعو إلى هذه الثقافة، يفتقد إلى هذا التأسيس العقلاني والمحاكمة المنطقية المطلوبة. طبعاً أنا أقصد النظام الثقافي والتبليغي الإسلامي المعاصر، أي ما نقدّمه نحن ضمن سياساتنا التبليغية وخططنا التوجيهية والتعليمية والتثقيفية للأجيال القادمة. وليس الثقافة الإسلامية منذ نشأتها حتى الآن.
إننا، وفي إطار بحثنا لموضوع التبليغ الإسلامي، وأهمية إعادة بنائه على ضوء مسؤولياتنا الرسالية التي تفرض علينا ضرورة تكثيف الحديث حول قضية الإمام المنتظر (عليه السلام) في منطلقاتها وأدلتها ومضامينها ودلالاتها وإشكالاتها وطبيعة التحديات التي تواجهها، أقول: لا بد من أنْ نعالج مسألة الإعلام والدّعاية الحضارية بوصفها موضوعاً ارتكازياً في عملية الدعوة إلى تأصيل الثقافة المقاومة (ثقافة الانتظار الرسالي). إنَّ الإنسان المعاصر كان ولا يزال يتجاذبه نوعان من الإعلام،الأول: إعلام بنائي أخلاقي صادق يريد تنمية الإنسان وإسعاده وتكريمه في النشأتين،والثاني: إعلام انحرافي هادم يهدف إلى حَرْفِ الإنسان عن مسار فطرته النقية وكرامته وقيمه العالية بالغواية والضلال والإفساد... وقد أخذ أصحاب كل إعلام (من هذين النوعين) على عاتقهم مهمة الدعوة إلى تعاليم اعلامهم ونشر ثقافته، مستفيدين من الإمكانات التقنية الإعلامية الهائلة التي وفرها العلم الحديث، هذا العلم الذي حَوَّلتْ طاقاتُه الاتصالية الإعلامية الضخمة، العالمَ إلى قرية كونية متصلة من أقصاها إلى أقصاها.
إننا نلاحظ، في مجال الإعلاميات العالمية المعاصرة، أن فلسفة الإعلام في الغرب‏ (14) ـ وربما في كثير من إعلامنا العربي والإسلامي الرسمي‏ المستلب والتابع ـ تنطوي على تحريض دائم وحاسم من أجل تجنيد المشاهدين بالإغراء،
________________________________________
(13)أرى من الضروري، دائماً، الإشارة إلى هذه النقطة، والتركيز عليها، لعل ذلك يحمل المواقع المعنية بذلك (رسمياً وشعبياً) على الاهتمام بها ومتابعتها ومحاولة ترسيخها في الممارسة العامة للأمة.
(14)تنتمي دوائر الإعلام الغربي وكثير من مواقع الإعلام العربي إلى النوع الثاني، أي النوع الهادم والمنحرف الذي يعمل على جذب المشاهدين عن طريق إثارة غرائزهم ونزعاتهم المادية المنحطة.

[الصفحة - 245]


ودعوة إلى الغوغائية وإلى الخمول‏ (15) .. الدائر تجاه رأي عام يغلب عليه الانفعال والعصبية والفوضى، وتتلاعب به أمواج عالية من الدعاية الاستهلاكية والإعلانات الفارغة، وأدوات نقل الثقافة الجماهيرية. وقد لاحظ بعض المثقفين الغربيين هذا الواقع وتأملوه بدقة، وشعروا بالأسى والمرارة تجاهه، كون حضارتهم تتقدم بسرعة مذهلة نحو الاضمحلال الأخلاقي، حتى أنّ كثيرين منهم راحوا يصفون نهاية القرن العشرين بأنها عودة متجددة لعصر فساد التاريخ وتدهوره، كما هو الأمر زمن انحطاط الرومان. وإن هذا التدهور موسوم بهيمنة تقنية وعسكرية ساحقة لا تحمل أي مشروع إنساني قادر على إعطاء معنى للتاريخ والحياة والوجود. إنها فلسفة اللامعنى واللاهدف. أما بالنسبة إلى النوع الآخر من الإعلام، وهو الإعلام الإسلامي الملتزم البناء والهادف، فهو يمثل نهجاً معيناً في حركة الإعلام مستمداً من المنهج الإسلامي الفكري والعملي في المسألة الإنسانية في طبيعة الصراع العقيدية لحركة الحياة، أي أنه إعلام ملتزم بالإسلام وقيمه وأخلاقه، ينفتح على الوقائع والأحداث المتنوعة المنبسطة على كل القضايا والمشاكل العامة التي تدخل في دائرة الاهتمامات الإسلامية، سواء كان ذلك متصلاً بتركيز الإسلام خطاً ومنهجاً للحياة، أم بتحريك الواقع في دائرة مفاهيمه في ما يرتبط بقضايا العدل والحرية والمساواة والخير الشامل للناس.
وفي ضوء ذلك، يمكن أن نقرر أنّ الإنسان المسلم، الذي يريد الإعلام أنْ يمنحه ثقافة المقاومة والمعرفة السياسية في جوانبها الاقتصادية والأمنية وغيرها، لا بد من أنْ يكون محيطاً بجميع آفاق الواقع الإقليمي والدولي، بالإضافة إلى الواقع المحلي المحيط به، ليكون ذلك أساساً للتخطيط والمنهجية في التحريك الفعّال، وللوعي السياسي الشّامل في الانفتاح المدروس على عمق الأوضاع والقضايا المتعلقة بحاضره ومستقبله وتحدياته الداخلية والخارجية، في ما يمكن أنْ يتأثر به أو يؤثر فيه، في مصالحه الخاصة، أو في مواقفه المطلة على مصالح الآخرين.
إنَّ من الضروري على الإعلام الإسلامي أن يكون، خصوصاً في عصرنا الحالي، إعلاماً مقاوِماً يدعم حركة المقاومة الجهادية والعسكرية (16) ، ويشرح أهدافها النبيلة والسامية في طلب العدالة والتحرر من التبعية والاستلاب والاحتلال العسكري
________________________________________
(15)معلوم أن أوروبا تعيش هستيريا الجلوس مدة طويلة أمام الشاشات الصغيرة، لمشاهدة الإعلام المحلي والعالمي الأمريكي الذي حَوَّل عصر ما بعد الحداثة في الغرب، إلى حقل تجارب للإجهاز على ما تبقى من ثقافة الأنوار وتحطيم عقلانيتها واستلاب بُعْدها الإنساني، حتى أضحت الرياضة هي البديل عن الهوية الجماعية، ومفهوم الفوز فومشاهدة البطولة والنصرف الأكثر أهمية من مفهوم التسامح واللاعنف وأنْسنةَ العلاقة بين الأفراد والجماعات.
(16)أي أن يكون هناك تكامل نوعي فعّال بين المقاومة الفكرية والاعلامية، والمقاومة الجهادية العسكرية..

[الصفحة - 246]


والثقافي والأمني والاقتصادي، ويعزز ثقة المسلم بإسلامه.. يدعم ويرسخ معالم المواجهة مع العدو الصهيوني وعناصرها، ويحصّن إنساننا المستضعف ضد جميع التيارات والقوى الانحرافية الضالة، ويُظْهر، بقوة، إنسان المقاومة والجهاد الواعي على طريق مواجهة جميع مخططات التآمر ضد وجود الأمة العربية والإسلامية. وفوق ذلك كله يُصَعّد ـ هذا الإعلام الرسالي الملتزم ـ من حركة الثقافة والتوعية التي تطلقها مسألة الإمام المنتظر، كأنه (عليه السلام) حاضر بيننا في أحاسيسنا وأعماقنا، في حياة أمتنا يوجّه وعيها ومشاعرها وطموحاتها ومسيرتها، ويركّز مواقفها ومواقعها.
من هنا يجب على القيّمين والمشرفين على إعلامنا الإسلامي فالذي يعاني من قصور كبير في طبيعة الأساليب والوسائل المستخدمة والإمكانات المتاحة أمام انطلاقته وحركته‏ (17) ، يجب عليهم مراعاة الدقة في اختيار عناصر المادة التي يريدون تقديمها إلى الجمهور، أي عليهم التدقيق والتفحص العميق في اختيار الكلمات المعبّرة عن الأحداث الواقعة، لأن للكلمة إيحاءاتها في استجابة الناس لها ووعيهم لمداها في حركة الواقع. إننا نواجه، في هذه اللحظة الحساسة من حياة أمتنا، مخاطر جسيمة، وحتى الآن نحن لسنا على مستوى رد التحدي والمواجهة في سياستنا واقتصادنا وفي إعلامنا وثقافتنا.
من هنا يجب أن نعيش حالة طوارى في كل مفرداتنا الحياتية، وبخاصة في إعلامنا الإسلامي الذي لا نريده إعلاماً ملتزماً بالمظاهر الإسلامية الخارجية فقط... نسجد للَّه على جباهنا (في المظهر) ولكننا (حقيقةً) نسجد للشيطان في عقولنا وفي قلوبنا (في المضمون). بل إننا نريد إعلاماً صادقاً وواعياً في تعاطيه مع جميع الآفاق والمواقع التي نعيشها في الحياة، نريد إعلاماً مسؤولاً يعيش الروح المنفتحة على الإنسان كله وعلى الحياة كلها، في توجيه المضمون والجوهر الاعلامي نحو هذا الأفق الواسع الذي يدفع الناس إلى الاهتمام به باعتباره مثيراً لاهتماماتهم على أساس تعبيره عن الجوانب المتصلة بتطلعاتهم وقضاياهم، سواء كان ذلك في طبيعة المادة الإعلامية المتضمنة لمشاكلهم، أم لمشاكل المسلمين المنفتحة على قضاياهم، أو في طبيعة النظرة الشاملة لجميع الجوانب الإنسانية المتصلة بالقضايا العامة والخاصة، الأمر الذي يجعل منه حاجة للجميع، أم في
________________________________________
(17)إن ذلك لا يعود فقط إلى الاعلام الإسلامي نفسه الذي نعترف بأنه يعاني من سلبيات كثيرة، كما ذكرنا في المتن العام، بقدر ما يعود إلى وجود فئات واسعة رسمية وغير رسمية، تحارب الإعلام الملتزم الأخلاقي، وتواجه كلمته النزيهة والحرة المستندة إلى نهج القرآن والإسلام.

[الصفحة - 247]


امتداده في حركة المستقبل باعتبار الإعداد لكثير من العناصر الحيوية العامة التي تتوقف عليها بعض تطلعات المستقبل، مما تكون مقدماتها أو إيحاءاتها ومواقفها موجودة في الحاضر، لأننا نعرف أن الإعلام السياسي والروحي والجهادي (أي المقاومة) يخلق الكثير من الفرص العملية للمشاريع المستقبلية على صعيد الواقع الممتد في رحاب الزمن كله.
إن المسؤولية الخطيرة التي تلقيها تلك المهمات والواجبات الكبيرة، على عاتق النخب الملتزمة إسلامياً، توجب أن يأخذ إعلامنا بأسباب التطور الحديث في أساليب الدعوة والإعلام‏ (18) ؛ وذلك من خلال التخصص العلمي الذي يمنح صاحبه قدرة على مراعاة الدقة في جميع مواقع الإعلام والعمل الدَّعوي. وبخاصة أن الإعلام قد تحول، حالياً، إلى علم واسع الآفاق يشتمل على القواعد التقنية والفنية التي تركز الثقافة الإعلامية على قواعد فكرية وعملية واسعة. لذلك يجب أن ينتفع إعلامنا، بالسرعة القصوى، من وسائل الإعلام الحديثة؛ إذ إن الباطل والشر قد يتراءيان حقاً وخيراً لدى قطاعات واسعة من الناس نتيجة الضغط الإعلامي، والكثرة الخبرية، والتكرار المبرمج. من هنا تتضح أهمية استفادة أتْباع «النهج الحق» من وسائل التأثير الحديثة. وضرورة ذلك، فالحق الساكت لا يُعرف ولا يُتّبع بحد ذاته. في هذا المجال تكون الاستفادة المدروسة من خلال العمل على خطين:
الأول داخلي: أن نقوم بتحصين الحالة الداخلية للمسلمين وتوعيتهم بحقيقة الدين الإسلامي وجوهره وشخصيته وتراثه وقيمه والتركيز على ثقافته المقاوِمة،والثاني خارجي: وذلك بتعريف الإسلام لغير المسلمين ونشر صورته الناصعة في أنحاء العالم. من هنا نقول: إن حاجتنا إلى إعلام مبني على روح ديننا وأخلاقه، وعلى روح المنجزات الإنسانية النبيلة لهي حاجة مُلحّة وضرورية في ظروف عصرنا الراهن، الذي بتنا نعاصره في زحمة الحياة واشتداد أحداثها، وتسارع وقائعها، ولسوف تتوقف عليها (على تلك الحاجة) نتائج صراعنا مع أنظمة القوة والاستحواذ. ولما كان هذا الصراع يعبّر، في حقيقته، عن تنافس حاد بين أنظمة قيم كونية، يجب أن نمارس فيه أقصى درجات الحذر والوعي لفكرنا ورسالتنا، ونبيّن للآخرين (خاصة للشعوب الغربية) (19) ـ في هذه الأجواء التنافسية والصراعية ـ أن الإسلام دين منفتح
________________________________________
(18)إننا، في هذا المجال، نثني على مواقعنا الإسلامية الرفيعة التي أخذت بأساليب الإعلام التقنية الحديثة في عملية الدعوة والإبلاغ... أي التي انفتحت على الإعلام الحديث من أوسع أبوابه، وتعاطت، بوعي عميق، مع مقتضيات المرحلة الإعلامية وما تلقيه من تبعات على مستوى الفرد والأمة.
(19)علينا أنْ نَدْخُلَ ـ في إعلامنا، وثقافتنا، وحركيتنا العامة ـ في حوار جاد وموضوعي مع تلك الشعوب (بمختلف تياراتها الفكرية ومثقفيها وعلمائها ونخبها) غير المحكومة بفكرة القوي والضعيف... المتقدم والمتأخر.. فإننا نشعر بضرورة محاورتها بالكلمة، والموقف الهادى‏ء. وأن نصبر على هذا الحوار، لأن هذه الشعوب قد اختزنت في داخل شخصياتها الكثير من التعقيدات والأفكار السلبية حول الإسلام والمسلمين بفعل الإعلام المضاد، وبفعل الواقع المتخلف الذي تعيشه بعض البلدان الإسلامية، وبفعل الظلم والقهر اللذين يعانيهما الناس من قبل أنظمتنا السياسية. إن هذه المسائل يجب أن نثيرها بقوة ووعي في إعلامنا الإسلامي، في ظل واقعنا الحالي الملي‏ء بالقلق والفوضى النَّفسية والعملية والذي يخطط فيه الغرب، الرسمي السياسي، ويتحرك ـ بإداراته ومراكز بحوثه ومخابراته ـ من أجل أنْ يسيطر على كل مواقع الإسلام والمسلمين في ثرواتهم واقتصادهم وسياستهم وأمنهم ليجعله تابعاً له في إطار علاقة القوي بالضعيف والمستكبر بالمستضعف.

[الصفحة - 248]


وعقلاني في طرحه الفكري، وأسلوبه للحياة والحركة والوجود، وأنه ليس دين عنف وإرهاب وتخلّف كما يُصوِّره الإعلام الدولي، وأنه لا يمارس القوة والجهاد والمقاومة إلاَّ كما مارستها (وتمارسها) شعوب العالم الأخرى، وقائياً ودفاعياً، عن وجودها وأرضها وكرامتها وحريتها، لأن الرفق هو الأصل عنده.. وأنه دين إنساني يحترم إنسانية الإنسان ويهتم بالداخل الإنساني، ويحترم شخصية الفرد وحريته ويقر به خليفة للَّه في الأرض. ويدعو إلى التعارف والتواصل والتفاهم مع ثقافات الآخرين وحضاراتهم. ولا يدعو، أبداً، إلى إلغائها والاستعلاء عليها. ويؤكد على التقوى والعمل الصالح باعتبارهما معيار القرب والكرامة بين الجميع، ويؤكد في الوقت نفسه على الحوار المؤسس على المنطق والعلم والعدالة، لأن ذلك هو رسالتنا في الانطلاق إلى العالم كله، لندعو إلى الإسلام بالوسائل التي تنفتح على عقول هؤلاء وقلوبهم، لأن الدعوة إلى اللَّه وقيم الإسلام والتعريف بحقائق الرسالة وأهدافها وتأصيل منطقها الحضاري الطموح والعالي تفرض علينا أن نشرح للناس أركان الإسلام وحقائقه ومواقفه في عقائده وشريعته وواقعه الثري والأصيل.
رابعاً: أهمية المنهج العلمي والموضوعي في تركيز ثقافة الانتظار الرسالي (الثقافة المقاوِمة)
لقد عاش إمامنا المنتظر (عليه السلام) حياته، ولا يزال يعيشها، من موقع التخطيط والهدفية والمرحلية من أجل الوصول إلى أهداف الإسلام وتحقيق قيمة الرسالية الأصيلة (20) . لذلك نؤكد ـ في سياق وعينا لهذه المسألة ـ أنه بات واجباً علينا، في خضم تحدياتنا وأزماتنا وانكساراتنا وهزائمنا، أن نبدأ العمل والحركة باتجاه الأفق المطلوب بكل امتداداته في الواقع المعاصر من خلال التخطيط المرحلي المركَّز للفكرة والمبدأ والقيمة، لأن قيمة ما نلتزمه، نظرياً، ينبغي أن يتحول إلى كائن حي يتحرك في الخط العملي الإنساني، وذلك في وعيه والإيمان به، ومن ثم التزام مفرداته التي ترتبط ـ في الأساس ـ بحركية الهدف الكبير والطموح، في امتداد الوجود ورحابة الحياة.
________________________________________
(20)إننا عندما ندرس الإمام الحجةف(عج)، في مرحلتنا الراهنة، التي نعايش مفاهيمها وتلوناتها واختلافاتها، فإننا نريد أن ندرس طبيعة الخطوط الفكرية التي أرادنا (عليه السلام) أن ننطلق باتجاهها ونستهدي بها على خط اللَّه تعالى ورسوله (صلي الله عليه و آله) والأئمة (علیهم السلام) .. لأن دورنا، أمةً ومجتمعاً وأفراداً في علاقتنا مع فكرنا ومع أئمتنا، هو دور الأمة التي تعيش مع أهل البيت (علیهم السلام) في امتداد حركتها في الحياة، وفي تصوراتها الفكرية والمفاهيمية، وفي علاقاتها بجميع المسؤوليات التي تتحملها، وفي معرفتها العميقة بالقيم الإسلامية..

[الصفحة - 249]


لذلك، وطالما أن الهدف هو تحقيق مشروعنا وفكرنا في العمل والدعوة والهداية ـ في تعميق روحية الانتظار الإيجابي الرسالي الهادف في ذهنية المجتمع، والسعي الدؤوب والصادق لبناء المجتمع المهدوي المعصوم «التمهيد الحركي الفعال» ففلا بد من أن نعمل بوعي وضمن خطة مرحلية حكيمة ومتوازنة، على أن ندخل إلى عقول الناس وأفئدتهم، وأن نعيش جميعاً «دعاة رساليين» تجربة الواقع العملي وحسه، ونبض عصرنا وأسلوبه، أي أن يفهم الداعية لغة عصره وثقافة زمنه الراهن‏ (21) .. أن يفهم لغته ولغة الآخرين، لا أن يسقط تحت تأثير قيم عصره ويتحجَّم (ويتحجَّر) في ممارسته لقيمه.. ولكن أن يفهم عصره جيداً، أن يفهم حساسيته وذهنيته ونقاط ضعفه ونقاط قوته، حتى يكلِّم الناس بلغتهم بعيداً عن التصنع والمغالاة والتكلُّف، فالذهنية لغة والجو لغة. لذلك نقول: نحن مسلمون، ومشروعنا حضاري منفتح، ولكن علينا أن نطوّر هذا الخطاب (المشروع) بحيث نُبقي له مضمونه الإسلامي الذي يطل على القضايا المعاصرة من دون إسقاط أو تشويه لمعالمه وخصائصه. وبالمقابل، ومن دون أن نبتعد عن لغة العصر وأسلوبه، نحاور الإنسان.. نعيش في قلب الساحة ونطلق خطابنا ومشروعنا الثقافي والسياسي التغييري العام في جميع قضايا الصراع من دون أن نفقد أي شي‏ء من إسلامنا ومن طهارتنا ومن نقائنا، شريطة أن نكون المسلمين الواعين الذين يعيشون ـ في واقع التحدي ورد التحدي المعاصر ـ حالة طوارى في فكرهم وفي أسلوبهم وفي وعيهم للواقع، وفي حركتهم من أجل هذا الواقع.
من خلال هذا المضمون، نجد أن تركيز الإسلام على ضرورة الالتزام بالنهج العقلي الحكيم والمتوازن ـ في إطار الدعوة إلى تأصيل ثقافة الانتظار الرسالي وقيمه وأبعاده في وعي الأمة الإسلامية، في محاولة منه لضبط نزعات الإنسان وعواطفه وانفعالاته ـ يقدم لنا منهجاً علمياً وموضوعياً في دراسة حالات العصبية والانفعال والتشنج التي تضج بها ساحتنا العربية والإسلامية، والتي تطبع شخصية الكثير من العاملين للإسلام في هذه الظروف، ما أدَّى إلى أن يأخذ العمل نفسه هذا الطابع (الطابع الإنفعالي). ومن الطبيعي أن تؤثر هذه الظاهرة على مبادرات العمل والانتاج وعلى نوعية الرؤيا للواقع والأشياء والأشخاص، فيفقد العاملون وضوح
________________________________________
(21)نبيل علي صالح، وجع الحرية، ص 114 (مخطوط).

[الصفحة - 250]


الرؤية، وتختلط الصورة الحقيقية في العيون، وترتبك الخطوات في الطريق، لأن الانفعال يُغرق الشخصية في أجواء ضبابية، غارقة في السحر والإغراء في جانب آخر، لأنه يتعامل مع الإحساس والشعور والعاطفة، ولا يتعامل ـ غالباً ـ مع الفكر والعقل، الأمر الذي يجعل للسرعة دورها الكبير في ما يصدره من حكم، وفي ما يخلقه من انطباع، وفي ما يتجه إليه من غايات. وبذلك يفقد الحكم حيثياته الهادئة المتزنة، ويغيب التركيز عن الانطباع في غمار الضباب‏ (22) . من هنا نجد ضرورة أنْ يتحرك الإسلاميون في الخط الثقافي والسياسي ليقدموا الإسلام إلى الإنسان المعاصر بوصفه خطاً فكرياً عاقلاً ومستنيراًف (23)يملك مذهباً واسعاً في السياسة والاقتصاد والاجتماع، بحيث تكون له رؤية منهجية واسعة عقلانية ودقيقة لكل الواقع الاجتماعي والسياسي الذي يتخبط فيه الإنسان.
ولا يعود الإسلام مجرد فتاوى ضبابية متناثرة هنا وهناك، أو مجرد قيم حماسية انفعالية ليس لبعضها أدنى ارتباط ببعضها الآخر أو بالواقع، مع العلم أن الثقافة الإسلامية قادرة على أن تستجيب لتحديات العصر الراهن، وأن تخطط للمنهج العملي وترسمه، وأن تصنع جميع المعالم والعناوين التي يمكن من خلالها حل مشاكل الإنسان على كافة الصعد والمستويات. إنها ليست مشكلة الفكر الإسلامي والمعرفة الإسلامية، ولكنها مشكلة العاملين والدعاة إلى هذا الفكر في وعيهم وفي أسلوبهم وفي إرادتهم.
خاتمة البحث.. (انتظار المجاهدين)
إن الإلتزام بثقافة المهدي (عج) ورسالته وخطه لا يعني أن نعطل حركتنا الفكرية والسياسية والاجتماعية داخل الأمة.. كما ولا يعني، مطلقاً، أن نُوْقف نشاطاتنا وأعمالنا الرسالية في الدعوة إلى اللَّه والوقوف في وجه الظلم والاستكبار، ومحاربة الفساد والانحراف، لأن ذلك العمل يجمد مسؤولياتنا الرسالة (الفكرية والجهادية) في داخل الشخصية الإسلامية، ويصادر أدوار الرسالة ومواقفها وطموحاتها وغاياتها الإنسانية النبيلة.
من هنا، فالمطلوب ـ في وعينا لمسألة الأبعاد الرِّساليَّة للانتظار ـ هو:
________________________________________
(22) العلامة السيد محمد حسين فضل اللَّه، الحركة الإسلامية.. هموم وقضايا، ص 294.
(23)إننا، في هذا الصدد، نحيي الدعوة الإسلامية الأصيلة والمباركة التي أطلقتها قيادة حزب اللَّه في لبنان على لسان أمينها العام سماحة السيد المجاهد حسن نصر اللَّه، في ضرورة أن ينفتح الإسلاميون على الواقع، وأن تتصالح التيارات الوطنية والقومية والإسلامية، شعبياً ورسمياً، مع بعضها بعضاً على قاعدة وجود أولوية قاهرة في التصدي المشترك للمخاطر المصيرية التي تهدد مستقبلنا فوق أرضنا.. ودعوته إلى تقديم خطاب إسلامي حضاري مستنير، ونموذج راقٍ ومتطور ومتلألى‏ء لحركة إسلامية ينظر إليها العالم فيحاول أنْ يقرأ الإسلام صحيحاً بأعلى نسبة ممكنة. ونحن نعتقد أنّ أهمية هذه الدعوة التصالحية الحضارية تكمن في كونها قد انطلقت في اللحظة المناسبة على لسان مجاهد ارتدى فبشهادة نجله الأكبرف جلباب الشهادة، وتعزّز بتجربة غنية وثرية لف«حزب اللَّه» في المقاومة والجهاد وممارسة أقصى درجات الوعي الفعّال للظرف الواقع والحدث المستجد. إنّ إطلاق هذه الدعوة يعبر عن ارتقاء في مستوى الوعي السياسي والفكري عند قيادة حزب اللَّه، وتَطَهُّر من النرجسية التنظيمية، وتنبّه إلى فداحة الأخطاء التي ترتكب أو تنسب إلى الحركات الإسلامية العاملة على أراضي الوطن العربي والعالم. إننا نجلُّ ونكبر مواقف حزب اللَّه وتضحياته ومقاومته الإسلامية الباسلة في لبنان.. وقدوتها الحسنة ونموذجها الفريد، الذي جاء لبنان كله ومعظم العرب والمسلمين (في إشارة إلى الحشود الهائلة من البشر التي جاءت لتهنئة نصر اللَّه بشهادة ولده الأكبر) ليقروا بأنهم ومنذ زمنٍ بعيد لم يعرفوا في قيادتهم مثل هذا الإخلاص المشفوع بالوعي أو مثل هذا الإيمان الراسخ بالقضية، ومثل هذه الشجاعة والقوة في مواجهة العدوان الصهيوني العاتي المتلازمة مع معرفة تفصيلية ودقيقة لنقاط ضعفه التي لا يمكن أن يخفيها تفوقه العسكري المطلق (راجع السفير، 28/9/1997م).

[الصفحة - 251]


1 -أن نهيى‏ء أنفسنا جميعاً لاستقبال المهدي (عليه السلام) كأنه سيقوم غداً؛ وذلك من خلال إعداد أنفسنا إيمانياً وعقائدياً وفكرياً وثقافياً وروحياً وسلوكياً وسياسياً وجهادياً ورسالياً. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) :«من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده، كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا...» .
2 -أن يكون إحساسنا بقضية الإمام المنتظر عالي المستوى في الفكر والممارسة، فنركز ذلك في وعينا وسلوكنا من خلال الارتباط الفعّال بالقيادات التي تجسّد خط الإمام (عج) في الساحة (25) ، والتي تعد امتداداً رسالياً موضوعياً لقيادته (عليه السلام) ، أي التي تكون على صورة الإمام المنتظر في علمه وروحيته وشجاعته ووعيه وأخلاقه ورساليته المنفتحة على الإنسان كله وعلى الحياة كلها، لتعيش (تلك القيادات) الهم الكبير للناس كافة، ولتكون جميع طاقاتها في خدمة قضاياهم الكبيرة باعتبار أنهم (أي الناس) ساحة رسالته وجنود حركته ومنطلق مسؤوليته.. وهذا هو الذي يعطي حركتنا، في جميع الاتجاهات، المصداقية (الشرعية)، والضمانة الحقيقية لصيانة الخط وحمايته من الضياع والانفلات والانصهار (الذوبان) في قيادات منحرفة وغير شرعية تتناقض مع أهداف العقيدة المهدوية ومبادئها.
3 -ضرورة أن يتحلى العاملون على هذا الخط بالصبر الواعي العميق والواقعية الرسالية الهادئة لأنه إذا كنا نريد أن نجعل من انتظارنا انتظار المجاهدين الصابرين، فلا بد لنا من أن نرسم الخطة الفكرية والسياسية على أساس ربط الحاضر بالمستقبل، بحيث نتحرك على خط سياسة النفس الطويل القائم على الصبر والحكمة والتوازن والفهم العميق لجميع الظروف المحيطة بالواقع، ولجميع الأوضاع المتغيرة المتحركة في تعقيدات الحاضر والمستقبل، لنستطيع الاستمرار في خط الدعوة والجهاد، الذي تتلاحق محطاته، وتتواصل أجياله حتى تلتقي بالقائم المؤمل والعدل المنتظر الذي يقيمه إمامنا الحجة (عليه السلام) على الأرض ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً (26) .
________________________________________
(24)سفينة البحار، ج‏52، ص 140.
(25)ممن تتوافر فيهم الخصال التالية التي ذكرها(عج) في هذا الحديث: «من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه».
(26)في إشارة إلى الحديث الشريف: «أبشِّركم بالمهدي يُبْعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلزال.. فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».. راجع: مسند أحمد، ج‏3، ص 37.. ط: 1313هـ، وراجع: صحيح سنن المصطفى لأبي داود، 2/207، وراجع: التاج الجامع للأصول للشيخ منصور علي ناصف، 5/343.

[الصفحة - 252]