البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الهداية والضَّلال معادلة الوجود

الباحث :  الأستاذ يوسف فجر رسلان
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  12
السنة :  السنة الثالثة شتاء 1419 هجـ 1999 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  773
الهداية والضَّلال
معادلة الوجود

الأستاذ يوسف فجر رسلان‏*

قاعدة البحث‏
ما نزّل اللَّه، تعالى، من رسالة، إلا وكان الناس حيالها فريقين: فريق الذين أنعم اللَّه عليهم، وفريق المغضوب عليهم، والضَّالين.
ولقد أخبر الباري، عزَّ وجل، عن خلقه البشر، منذ الذرو الأول (كَمَا بَدَأَكُم)، أنهم فريقان: فريق هداية وفريق ضلال، وأنهم عائدون إلى حفنتي الخير والشر، جِبِلَّةِ خلقهم الأوَّل.
________________________________________

[الصفحة - 151]


قال تعالى: { وادْعُوهُ مُخْلِصِيْنَ له الدِّين كَمَا بَدَأَكُم تَعُودُون * فَرِيْقاً هَدَى وفَرِيْقاً حَقَّ عليهم الضَّلالَةُ } [الأعراف/29 و30]. تلكم هي معادلة الخلق والوجود بحدَّيها المتقابلين. بلى، وما من شجرة تغتذي بغير سِنخها ونُسغها إلاَّ من رحم ربك { يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [النحل/93].
ومن تمام عدله، سبحانه وتعالى، أن جعل «استحقاق» الضلالة مشروطاً بتنزيل وتبليغ: { ومَا كُنَّا مُعَذِّبِيْنَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً } [الإسراء/15]. { لِيَهْلِكَ من هَلَك عن بَيِّنَةٍ ويَحْيَا من حَيَّ عن بَيِّنَة } [الأنفال/42].
شمول الدلالة الرسالات جميعها
سنمر (أعني بالجمع دائماً الكاتب والقارى) على الإبراهيمية والموسوية والنصرانية، بغير إطالة إلاّ بما نحسبه طريفاً أو جديداً على بعض القراء. فمطلبنا، في هذا البحث، هو الرسالة المحمَّدية بعد عيسى (عليه السلام) ، أو خاتمةُ الرسالات. لأنَّنا القوم والأمة في التاريخ الحديث والمعاصر. ولأن معاناتنا وأوجاعنا المعاصرة ترجيع لما خلَّفه «فريق الضلال» في الرسالة المحمَّدية، وفي الحياة الإسلامية، من مذاهب و «أديان»، ومن فرقة وتمزق واحتراب حتى كأن الإسلام لم يكن ـ والعياذ باللَّه ـ منذ تنزيله واحداً. دونك التراث والمذاهب، هذه جهة، ودونك الواقع الإسلامي. وهذه الجهة الثانية. فحيثما اتجهت وجدت التمذهب، ووجدت الاحتراب.
فريق الضَّلال حيال إسلام إبراهيم‏
في ابتداء الرسالة، أو في صدرها، يكون المؤمنون بها قلة، أو فئة خاصة يختارها اللَّه. وينذرها للرسول تفديه وتنديه وتزجيه أرواحها: { صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة } ، أمير المؤمنين (عليه السلام) يبيت في فراش رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) . والمشركون ـ وهم جميع القبائل، ومعهم إبليس ـ يبيِّتون القتل.
وفي صدر الرسالة، يكون فريق الضلال كثرة وعامة تتبع المألوف على قاعدة: { إنَّا وَجَدْنا آبَاءَنا على أُمَّةٍ وإنَّا على آثَارِهم مُهْتَدُونَ } [الزخرف/22].
________________________________________

[الصفحة - 152]


يوم عزم النمروذ على حرق إبراهيم (عليه السلام) ، ونفَّذ ما عزم عليه، متوهّماً حرق إبراهيم والقضاء على رسالته، يومذاك كانت مع إبراهيم خاصَّته مثل ابن أخيه لوط (عليه السلام)، وسارة امرأة إبراهيم. (قالوا: تزوجها قبل النار، وقالوا: تزوجها بعد النار) وهذا أمر عادي، أو كالعادي، لأن فيه خروجاً: (أبو لهب ـ امرأتا نوح ولوط ـ التحريم 10)، لكن العجب والإعجاب بحكمة اللَّه تعالى في خلقه أن تكون الصبية الصغيرة، ابنة النمروذ، مع إبراهيم، فتصوَّر نسخ الهداية وسنخها الأقدم!
{ يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}
يقول التراث: «أمر النمروذ، فبنوا بنياناً كالحظيرة بقرية يقال لها كوثى. وهي من سواد الكوفة.. وجمعوا الحطب ثلاثين أو أربعين يوماً، بعضهم يشتري وبعضهم يعمل. والنساء تنذر إن شفين ليجمعن الحطب لحرق إبراهيم.. (أُضرمت النار)، وكانت الطير تحترق في السماء.. رفض إبراهيم مساعدة الملائكة. وقال: حسبي اللَّه ونعم الوكيل. ولما أوثقوه ليلقوه بالنار قال: لا إله إلا أنت، سبحانك لك الحمد، ولك الملك لا شريك لك. ولما رموه استقبله جبريل فقال: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال جبريل: فسل ربك. قال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي. (وانطفأت نار إبراهيم) وما أحرقت منه إلا وثاقه. بقي عليه السلام في تلك الروضة سبعة أيام. قال إبراهيم: ما كنت في أيام قط أنعم من الأيام التي كنت فيها في النار» (1) .
ابنة النمروذ تدخل الإسلام وتنجب الأنبياء
«كان للنمروذ ابنة بالغت في الطلب إلى أبيها لترى إبراهيم في النار.. فرأته في أطيب عيش، فقالت: يا إبراهيم، ألا تحرقك النار؟ قال: من كان في قلبه معرفة اللَّه، وعلى لسانه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، لا تحرقه النار. قالت: أفتأذن لي بأن أدخلها؟ قال: قولي لا إله إلا اللَّه، إبراهيم خليل اللَّه، ثم ادخلي ولا تخافي، ففعلت.. ورجعت إلى أبيها، فعذبها بالمسامير لترجع عن دين إبراهيم. فأمر اللَّه جبريل، فرفعها من بين أظهرهم، ثم جاء بها إلى إبراهيم بعدما هاجر من أرض نمروذ، فزوجها إبراهيم من ابنه مدين، فحملت منه عشرين بطناً أكرمهم اللَّه بالنبوَّة» (2) .
________________________________________
(1)تاريخ الخميس، 1/82.
(2)نفسه: 1/82 و83.

[الصفحة - 153]


سبحانك اللهم { تُوْلِجُ اللَّيلَ في النَّهارِ وتُوْلِجُ النَّهارَ في الَّليل وتُخْرِجُ الحَيَّ من المَيِّتِ وتُخْرِجُ الميِّت من الحَيِّ } [آل عمران/27] فرحمةً بالعباد لم يجعل اللَّه تعالى البرزخ كتيماً. وإلا كان باب التوبة كتيماً { إنَّ اللَّه يُضِلُّ من يَشَاءُ ويَهْدي إليه من أنابَ } [الرعد/27]. كان النمروذ وقومه «فريق الضلال» الذي هيأه اللَّه (كما بَدَأكم)، أو هيأ فيه الاستعداد، ليكون خصيم الرسالة الإبراهيمية، رسالةِ الإسلام الإبراهيمي.
فريق الضلال في الموسوية والنصرانية
الضَّالون من اليهود قتلوا الأنبياء، وقتلوا عيسى، حسب النصرانية، أو ما قتلوه، حسب الإسلام، لكنَّهم كانوا خصومه الأشد كفراً، مثلما كانوا دائماً خصوم البشر وأعداء الإنسانية. فأخبارهم في الفواحش، والمجازر، والعنصرية، تنوء بها توراة الكهنة، ناهيك عن سواها.
الضَّالون، في زمان إبراهيم، عزموا على إنهاء رسالته السماوية، فأخزاهم اللَّه، والضَّالون من اليهود قتلوا أنبياء كثيرين، وإن هم لم يقتلوا داود وموسى ويوشع فقد قتلوا نبوتهم، وشوهوا سيرتهم، وأساؤوا إلى سمعتهم وذكراهم عند أبناء عمومتهم من الأكثرية النصرانية، من خلال كتاب ينقشون فواحشه، ومجازره، وعنصريته، في أقحاف (القحف: العظم الذي فوق الدِّماغ) أجيالهم المتعاقبة.
«فريق الضلال» اليهودي قضى على رسالة موسى (عليه السلام) بالوضع والتحريف والإخفاء وليِّ اللسان (لكل منها آيات قرآنية يعرفها القارى المسلم)، لم يسلم من رسالة موسى غير نثار بين تلك الأخلاط والشوائب. فمن أراد الموسوية فمطلبه في القرآن الكريم.
ولا يخفى على المسلم أن التابوت الذي يذكره القرآن { وَقَالَ لهُمْ نبيّهم: إنَّ آية مُلْكِه أن يأتيكم التّابوتُ فيه سَكِيْنَةٌ من ربِّكم وبَقِيَّةٌ ممَّا تركَ آلُ موسى وآلُ هَارُون تَحْمِلُه الملائكة } [البقرة/248] فأين منه تابوت الكهنة الزاخر بأخبار المجازر والفواحش والعنصرية؟ أين المجازر من السكينة؟ (يصف الباحثون سفر يشوع خصوصاً بسفر المجازر، وهو موضوع ومكذوب عليه)، وأين فواحش تابوت الكهنة من أخلاق الأنبياء؟ وأين العنصرية من الإنسانية التي تدعو إليها جميع
________________________________________

[الصفحة - 154]


السماويات؟ والقرآن يشير إلى { بقية مما ترك آل موسى.. } ، وهي ما أسميناه نثاراً بين الأخلاط والشوائب، فاقتضى التنويه حتى لا يقع التباس بين تابوت الكهنة والتابوت الذي يذكره القرآن، فضلاً عن أن الملائكة لا تحمل تابوتاً مشبعاً بتلك الكبائر.
فالضالون من اليهود قتلوا الأنبياء، وهذه نماذج نذكرها على سبيل المثال:
«يا أورشليم، يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين» (3) .
«ويل لكم، أيّها الكتبة، والفِرِّيسيُّون المراؤون.. فأنتم تشهدون على أنفسكم بأنكم أبناء قتلة الأنبياء.. أيها الحيات، أولاد الأفاعي. كيف تهربون من دينونة جهنم» (4) .
ومن كتاب اليهود العهد القديم: يخاطبهم «الرب» بلسان إشعياء: «أعيادكم بغضتها نفسي.. فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم.. أيديكم ملآنة دماً» (5) .
وهذا توثيق معاصر، يقول المفكر اليهودي الفرنسي برنار لازار (B. LAZAR) في كتابه اللاسامية: «إن اليهود قتلوا الأنبياء» (6) .
وكفاية المسلم قرآنه. قال تعالى: { ولو آمَنَ أهْلُ الكتاب لكان خيراً لهم.. ضُرِبَت عليهم الذِّلّةُ.. وباؤوا بِغَضَبٍ من اللَّه.. ذلك بأنَّهم كانوا يَكْفرون بآيات اللَّه ويقتلون الأنبياء } [آل عمران/110 - 112].
وعن ضلالهم وزيغانهم وطعنهم بعيسى (عليه السلام) هذه التوثيقات بالتتابع:
«اسمعي أيتها السماوات.. لأن الرب يتكلم. ربَّيتُ بنين ونَشَّأتهم. أما هم فعصوا عليَّ. الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه. أما إسرائيل (اليهود) فلا يعرف.. ويل للأمة الخاطئة، الشعبِ الثقيلِ الإثم، نسلِ فاعلي الشر، أولاد مفسدين.. تزدادون زيغاناً. كل الرأس مريض وكل القلب سقيم..» (7) .
«أنتم من أب هو إبليس» (8) .
وكانت اللازمة التي يرددها عيسى: «ويل لكم، أيها الكتبة والفريسيون المراؤون» وخاطبهم يوحنا، من قبل، بمثل ما خاطبهم عيسى عند الرسالة: «يا أولاد الأفاعي، من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي» (9).
________________________________________
(3)متى، 23/27.
(4)نفسه، 23/29 - 33.
(5)اشعياء، 1/14 و15.
(6)روجيه غارودي، إسرائيل والصهيونية السِّياسيَّة، ص 19. وثقتها على قِصَرها لأنها معاصرة، وجاءت على لسان واحدٍ منهم.
(7)اشعياء، 1/2 - 6.
(8)يوحنا، 8/44.
(9)متى، 3/7.

[الصفحة - 155]


وفريق الضلال اليهودي طعن بعيسى (عليه السلام) : «إنك سامري وبك شيطان» (10) وأكثر من ذلك كان أفراد هذا الفريق يسمون رئيس الشياطين الذي «يسكن عيسى» «بَعْلَزَبُول»(11) .
ونحجم عن ذكر تجديفهم بحق مريم (عليها السلام) ، ونقف على توثيقات مقصرة حول المسيحية بعامة اجتزأها وأوجزها محمد علي البار من التلمود، في كتابه «المدخل لدراسة التوراة»، وممّا قاله:
ـ «قتل النصارى من الأفعال التي يكافى اللَّه عليها، وإذا لم يتمكن اليهودي من ذلك فعليه أن يتسبَّب في هلاكهم في أي وقت وعلى أي وجه» (12) .
ـ «على اليهود أن يعاملوا النصارى كحيوانات دنيئة غير عاقلة» (13) .
ـ «يسوع ارتد عن دين اليهود، وعبد الأوثان، وكل مسيحي لا يتهوَّد عدو للَّه ولليهود» (14) .
ـ «يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين الزفت والقطران» (15) .
ـ «الكنائس قاذورات، والواعظون فيها كلاب نابحة» (16) .
كل هذا الضَّلال اليهودي (نحن مع ألفاظ الفاتحة). من قتل أنبياء الموسوية، إلى تحريف رسالتهم وإخفائها، وإلى تشويه سمعتهم والإساءة إلى ذكراهم بإسناد الفواحش إليهم حتى بالمحرمات واتهامهم بالدياثة والقوادة على نسائهم (وجدت الجهلة من المسيحيين العرب يصدقون كل تلك الأخبار، ووجدت جهلة مسلمين يصدقون أن داود زنى) أقول: كل هذا الضلال اليهودي حيال الموسوية، وكل ذلك الطعن بعيسى «وأمِّه»ف (عليهما السلام) ، وكل ذلك الكفر برسالة موسى، والمسيحيون لا يزالون يجمعون كتابهم وتوراة الكهنة في تجليدة واحدة، أو جلدة واحدة، يسمونها «الكتاب المقدس»! وعندما تسألهم عن ذلك يقولون: إن العهد القديم تمهيد للعهد الجديد. لكأن كتاب المحبة والرحمة والتسامح لا يصح أو يصدق ـ والعياذ باللَّه ـ بغير تمهيد ومقدِّمات. أو بغير ديباجة موسعة (ثلاثة أرباع المقدس) في الفواحش والمجازر والعنصرية.
________________________________________
(10)يوحنا، 8/48.
(11)متى، 12/25.
(12)محمد علي البار، المدخل لدراسة التوراة، دار القلم والدار الشامية، ط1، 1990، ص 248.
(13)نفسه.
(14)نفسه، ص 247.
(15)نفسه.
(16)نفسه.

[الصفحة - 156]


لعل المسيحيين يريدون بهذا الضم والجمع اتباع طريقة «سوداء العروس»: يقال إن بعض المجتمعات القديمة كانت تُجلِس، (أو تصمد، كما في لغة الأعراس) فتاة سوداء أو كحلية (المهم أن تكون بشعة) إلى جانب العروس، كي تبدو العروس على غاية من الجمال (حتى وإن كانت هي الأخرى غير جميلة).
وينطبق على ذلك تماماً بيت شعر من قصيدة قالها بولس سلامة، في حفل تكريمه بمناسبة صدور ملحمته الشعرية «عيد الغدير»، وهو:
شَرَفُ العروسة أنّها في عيدها تبدو بفضل الخيِّرين الأُولى‏ (17)
فإذا سحبت دلالات هذا البيت على حدَّي المعادلة (كما في لغة المنطق)، أعني العهد القديم والعهد الجديد، وجدت أن الخيِّرين والمتفضلين على النصارى هم اليهود وكتابهم المشبع لآخر الثمالة بالفواحش والمجازر والعنصرية، إنه السوداء «مصمودةً» بكل قبحها إلى جانب العروس، ولا أحد من أهل العروس يجحد فضل السوداء على بنتهم ما ظلت السوداء إلى جانبها، أو واقبة فوق رأسها.
لسنا المبتدئين بهذا الاعتراض، فقد سبقنا إليه مثقفون نصارى متنوِّرون يجي‏ء في مقدمتهم جورجي كنعان.
نحن لا نفسر هذا الضم وهذه التبعية بغير الخرق الصهيوني الأقدم للعقائد المسيحية الآخذة بتوراة الكهنة والعهد القديم. وقد أكملت الصهيونية المعاصرة هذا الخرق، فأجهزت على الفَريسة، وحولت الغرب ـ وضالين من غير الغرب ـ إلى عبيد لها. ونحن لا يعنينا من التجليدة الواحدة إلا مفرزاتها السمية، إذ صاروا جميعاً في خندق واحد ضد العرب والمسلمين، قتلوا بعضهم بعضاً، وأحرقوا بعضهم بعضاً. وكفّروا بعضهم بعضاً ثم صاروا بـ «نعمة» الأحبار والرهبان إخواناً. تنازلوا لليهود عن «دم» المسيح، والمسيحية كلها مؤسسة على ذلك «الدم».
أحسبك قبضت، أو أنك قابض من قبل، على فريقي الضلال في اليهودية والنصرانية متلبِّسَيْن بتشويه الرسالتين.
________________________________________
(17)تجد القصيدة في كتابه: مذكرات جريح.

[الصفحة - 157]


«إن الدين عنداللَّه الإسلام»
ذكرنا، من قبل، أن الخطاب الإلهي الذي أسسنا عليه البحث (الأعراف/29 و30) ينسحب على جميع الرسالات، وإنَّما نصدر، في هذا التعميم، من قوله تعالى: { إنَّ الدِّين عند اللَّه الإسلام } [آل عمران/19] فلعل اللَّه تعالى يشرح الصدر، وييسِّر الأمر بما يمكن من تَدَبُّرها وفهمها، وفي الخاطر والذهن ـ دائماً ـ قوله عز وجل: { وما يَعْلَمُ تأويلُه إلاَّ اللَّه } [آل عمران/7] :
«يروي الغزالي ـ حجة الإسلام ـ أن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) قال: أنا أول الأنبياء خلقاً وآخرهم بعثاً» (18) ولقد لفَّ السلفيون المتعصبون على هذا الحديث الشريف فعوَّموه لينسفوا أزلية الحقيقة المحمدية، وقالوا: «كل نبي قُدِّر له أزلاً أن يكون نبياً قبل خلق آدم» (19) .
فالبعث يكون إلى الأرض، لكن أقدمية النور المحمدي وكذلك أسبقيته حاصلتان من نص الحديث الشريف نفسه (أول الأنبياء)، والحديث صحيح، وهو يدحض «التعويم» تصريحاً.
يقول محي الدين بن عربي: «كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين. وإن تأخر وجود طينته، فإنه بحقيقته موجود، وهو قوله (صلي الله عليه و آله) : (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)، وغيره من الأنبياء ما كان نبياً إلا حين بُعث. وكذلك خاتم الأولياء (محمد)، كان ولياً وآدم بين الماء والطين، وغيره من الأولياء ما كان ولياً إلا بعد تحصيله شروط الولاية، (فمحمد) هو الولي الرسول النبي، وهو خاتم الأولياء، الوليُّ الوارثُ الآخذُ عن الأصل المشاهِدُ للمراتب» (20) .
ويقول أيضاً: «ليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يرى العلم أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم. ولا يراه أحد إلا من مشكاة الولي الخاتم. حتى أن الرسل (أصحاب الرسالات) لا يرونه ـ متى رأوه ـ إلا من مشكاة خاتم الأولياء: فإن الرسالة والنبوة ـ أعني نبوة التشريع ورسالته ـ تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً، فالمرسلون، مع كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء» (21) .
________________________________________
(18)تاريخ الخميس، 1/21.
(19)محيي الدين بن عربي، فصوص الحكم، دار الكتاب العربي، بيروت، تحقيق أبو العلاء عفيفي، 1946، ص 322.
(20)نفسه، ص 63.
(21)نفسه، ص 62.

[الصفحة - 158]


أما الديار بكري فيتصرف بنصوص ابن عربي على النحو التالي:
«في نصوص الحكم: ما كان من نبي يأخذ شيئاً من الكمالات إلا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر عنهم وجود طينته، إذ لا تَعَلُّق لمشكاته بوجوده الطيني، فإنه بحقيقته موجود قبلهم، لأنه أبو الأرواح وآدم أبو الأشباح» (22) .
نص الديار بكري جيد وموفق لتضمنه «المشكاة» ولربطه الأقدمية والأسبقية بها، لكنه قصر في ذكر «الولاية وخاتم الأولياء»، فكان لا بد من العودة إلى الكتاب الأصل (فصوص الحكم) لتقديم رأي ابن عربي كاملاً. ولم أجد في النصوص الأصلية ذكراً للأرواح والأشباح. فيكون الديار بكري قد استنتجها تأويلاً من الحديث الشريف: «وآدم بين الماء والطين».
هذا، وقد عرضنا نص الديار بكري من أجل الدلالة على «شيخ وإمام» سلفي بارز يأخذ بحقيقة النور المحمدي الأقدم، فبعضهم ينكر، وبعضهم يلف ويدور و «يعوِّم»، لكن الأكثرية السلفية تتفق على هذه الحقيقة، وتعرضها بشروح ضافية. والمتعصبون لا يشغلوننا، فطالما كانوا ضالين ومع فريق الضلال من الملوك والحكام، يلزمون مجالسهم ويسترزقون من على أطراف موائدهم وأسمطتهم الدسمة. يفتون لهم بالكبائر، يفتون حتى بسبِّ أهل النبي وقتلهم، ويسوِّغون قتل جماعات بالجملة.
ومن أجل تنويع المصادر السَّلفية في خبر النور المحمدي الأقدم نتابع:
«عن ميسرة الضبي قال: قلت يا رسول اللَّه، متى كنت نبياً؟ قال: وآدم بين الروح والجسد» (23) . ذكر الديار بكري إسناده فقال: «هذا لفظ الإمام أحمد، ورواه البخاري في تاريخه، وأبو نعيم في الحلية، وصححه الحاكم».
«كانت خطبة آدم الحواء أن يصلي على محمد بن عبداللَّه (صلي الله عليه و آله) » (24) .
«عند معصية آدم قال: اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي. قال: من أين عرفت محمداً؟ قال: رأيت مكتوباً في السماء: لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللَّه، فتاب اللَّه عليه، وقال: لولاه ما خلقتك» (25) .
وعليه، «فالكلمة المحمدية» و «الحقيقة المحمدية» و «النور الذي خلقه اللَّه قبل كل شي‏ء» و «العقل الإلهي» (كلها بلفظ ابن عربي، ولا يخالفه بها السلفيون
________________________________________
(22)تاريخ الخميس، 1/19.
(23)نفسه، 1/20.
(24)نفسه، 1/47.
(25)نفسه، 1/26.

[الصفحة - 159]


المتنورون). أو النور المحمدي الأقدم، كما نقول استدلالاً، هذه الأوصاف الجليلة جميعاً تصب في معنى المشكاة التي انبثقت منها الرسالات السماوية جميعاً. كتباً وصحائف: الكتب الأربعة والصحف المئة
فيكون:
ـ أن إسلام آدم وشيت (للصحف، قيل: نزل على آدم وقيل، لم ينزل) منبثق من النور المحمدي الأقدم، الإسلام المحمدي الأقدم: «إن اللَّه تعالى خلق نور محمد قبل خلق السموات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار والملائكة والإنس والجن. وكان نوره في فضاء وعالم القدس (الجنة) فيأمره اللَّه تعالى تارة بالسجود. وتارة بالتسبيح والتقديس» (26) .
ويقيناً أن محمداً كان يؤدي فروض الإسلام: يسجد ويسبح ويقدس بشعائر الإسلام.
ـ أن العقيدة الإبراهيمية منبثقة من إسلام آدم وشيث (نزلت على شيث خمسون صحيفة، فلعلها له ولأبيه).
ـ أن العقيدة الإبراهيمية، إسلامَ إبراهيم والمرحلةَ الإبراهيمية. أصلُ الرسالات اللاحقة جميعاً. هكذا نتدبر ونفهم قوله تعالى: { إن الدين عند اللَّه الإسلام } .
ماذا عند الغربيين؟
المفكِّرون الغربيون المتنورون يؤمنون بأن العقيدة الإبراهيمية أصل الموسوية والمسيحية والإسلام. يقول روجيه غارودي: «لقد خانت الصهيونية اليهوديةَ (الموسوية)، وأفسدت المسيحية. أليس في تحول المسيحيين عن عقيدة إبراهيم إفساد أساسي للمسيحية؟». ويتابع غارودي فيقول: «أشار (كيركغورد) إلى المركز المشترك للعقيدة لجميع الأجيال الإبراهيمية المخصوصة بالوعد الذي لم يكن وعد امتياز في نظر الطوائف الثلاث (الموسوية ـ النصرانية ـ الإسلامية) بل وعدَ مسؤولية هي إخضاع أعمال الإنسان لمشيئة الرب» (27) .
من كل ما قدمناه، في هذا القسم من البحث، نخلص إلى أن «فريقي الضلال» في كل من الموسوية والنصرانية هما اللذان نقضا العقيدة الإبراهيمية،
________________________________________
(26)نفسه، 1/19.
(27)إسرائيل والصهيونية، م.س.، ص 100. سورين كيركغورد (1813 - 1855)، فيلسوف دانيماركي، مؤسس الوجودية المؤمنة في العصر الحديث.

[الصفحة - 160]


الدينَ السماوي الواحد، فحرَّفا وزوَّرا ما فيه من وعد لخير الإنسانية عامة إلى وعد مكذوب مصادَر ومجيَّر لصالح اليهود بعنصرية فاضحة، فصاروا أشرار البشرية على مدى التاريخ، وأن فريق الضلال في النصرانية، من يأخذون بتوراة الكهنة، لا يقل شرَّاً وعدواناً على الجنس البشري بعامة، وعلى الشعوب الضعيفة والعرب والمسلمين بخاصة، بعد أن أضعفوا أنفسهم بتمزقهم واحترابهم لابتعادهم عن السنة المعصومة وتزويرها.
فريق الضلال حيال رسالة الإسلام‏
أهل الضلال، أو فريق الضلال كما في النص القرآني، كانوا حيال الإسلام على أحوال:
1 ـ مشركون كفروا بالرسالة، وجهروا بالعداوة، ونفَّذوا ما جهروا به ما وسعهم ذلك: آذوا رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) ، وسعوا مراراً إلى اغتياله، ليفعلوا فعلة اليهود في قتل الأنبياء، فحفظه اللَّه كما حفظ إبراهيم.
2 ـ ومنافقون أظهروا إسلامهم، أو تستَّروا به، وأبطنوا العداوة والشرك استشرافاً لزمان مقبل يتشاطرون فيه حلباً، وبين النمطين تتأرجح أحوال الضلال الأخرى.
كتيبة الشرك والكفر الأولى‏
فالمشركون المجاهرون بكفرهم، ابتداء، كانوا الأقصر حبلاً وعمراً. كان حبلهم ممتلئاً، مبروماً مفتولاً لا يتسع لزيادة. انتهوا بانتصار الإسلام وانتشاره وتحطيم أصنامهم حجارة ورجالاً: { إذا جاء نصر اللَّه والفتح.. } [النَّصر/1] .
كانوا الواجهة، أو كتيبة الشرك والكفر الأولى، هلكوا في بدر، أو أن من نزل منهم إليها قتله اللَّه بأيدي «رفاق السلاح»: الملائكةِ والسابقين الأبرار من أهل العترة الطاهرة ومن التابعين بإحسان. وأحسب أن المجاهرين بكفرهم كانت تعوزهم مراوغة الثعالب وتلون الحرابي.
ـ وإذ نذكر بدراً، أو نعود إليها، فلأنها مصدر الحقد الأموي على محمد وعلي، بل على محمد في المقام الأول، ويحسب المسطَّحون، أو أصحاب
________________________________________

[الصفحة - 161]


القراءات التاريخية المسطَّحة، أن الأمويين كانوا أصحاب محمد وأحبابه، وأنه كان حبة قلبهم وقرة أعينهم، وأن حقدهم كان مكرساً لعلي والحمزة، ثم لذرية علي من بعده، وهم ذرية محمد.
صحيح أن علياً والحمزة جندلا كبارهم، عتاةَ الكفر والشرك، وكان فيهم من يلقي «سَلاَ الجزور» على ظهر محمد وهو يصلي، وفيهم من الأمويين الأب والعم والأخ. هذا صحيح، وهو سبب للحقد على علي والحمزة. لكن الآمر بموقعة بدر هو اللَّه ورسوله، فيكون حقدهم على اللَّه ورسوله أشد وأضرم، ومن ذلك الحقد على اللَّه ورسوله غرفوا حقدهم على علي والحمزة، وعلى أهل بيت النبوة جميعاً والتابعين بإحسان.
وإذ يحقدون على المرحلة كلها، أو على الإسلام ثلاثاً وعشرين سنة، فإنما يحقدون على اللَّه ورسوله، وإذ يحقدون على الإسلام فإنما يحقدون على من ثبته وأرسى قواعده بإرادة اللَّه، وما كان أولئك غير محمد وعلي والحمزة وكواكب العترة الطاهرة وأشياعها الأبرار.
نسبق ببيت شعر قاله يزيد بن معاوية بن أبي سفيان لزومَ هذه الفكرة، فكرةِ الحقد على رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) تحديداً:
لستُ من عقبة إن لم أنتقم‏ من بني أحمدَ ما كان فَعَلْ‏
عقبة أو عتبة لا فرق فهما فرعان من تلك (الشجرة)
لاحظ التخصيص: ما كان فعل، أي ما فعله محمد في بدر. ويزيدُ يعبر هنا عن «الإسلام» الأموي، الإسلام المبطَّن بالشرك والكفر. فهو من ذلك الضرع اغتذى حقده على محمد، وعلى الإسلام. فحقد الأمويين مؤسس بداية بالحقد على محمد(صلي الله عليه و آله) .
قد يدور سؤال: لماذا نعود إلى بدراً بعد هذا الزمان المديد؟ وتزول الظنون والهواجس إذا ذكَّرنا بأن بدر لا تزال مستمرة، بل وبأساليب ووسائل أحدث. فبدر البعيدة كانت بوابة لظهور فريق الضلال المقرر ربانياً والمخلوق ربانياً (بدأكم)، والعائد بأمر رباني (تعودون) بعد أن حل زمانه، فكان على هذا الفريق ـ بأحواله
________________________________________

[الصفحة - 162]


ودرجاته المختلفة ـ أن يؤدي مهماته في تشطير دين اللَّه إلى مذاهب متناقضة، وتمزيق المسلمين إلى فرق وجماعات متباغضة متحاربة إلا مدرسة محمد وعلي، مدرسة أهل بيت الرسالة المحمدية. فهي ما سعت إلى تناقض، ولا دعت إلى تباغض، وما جاهدت فريق الضلال إلا عندما زوَّر الإسلام، وعتا في فجوره وشروره، وأعاد الجاهلية والشرك إلى الأرض، فكان على «فريق الهدى» أن يتصدى لفريق الضلال.
نحن لا نقول باطلاً، ولا ندعو إلى باطل، وما صدرنا إلا من كلام اللَّه تعالى. نحن لا نتجنَّى على الواقع العربي والإسلامي. وإلا فدونك ما يدور على الساحة الإسلامية كلها إن كنت تجد بدراً القديمة مستمرة أم لا (الصنيعة الأمريكية ـ الصهيونية ـ العربية ـ الإسلامية في أفغانستان تصب حقدها المزمن على الشيعة محمولة أنعامه المتجددة من تراث فرق الضلال).
المتستِّرون بالإسلام أحوال ودرجات‏
هؤلاء هم بـ «النص القرآني»، أهل النفاق الذين تستَّروا بالإسلام استشرافاً لزمان مقبل يتشاطرون فيه حلباً. دليلنا إلى هذا التوصيف وإلى رجاله قوله تعالى: { وممَّنْ حَوْلكُم من الأَعْراب مُنَافِقُون ومِنْ أَهْلِ المديْنَة مَرَدُوا على النِّفاق } [التوبة/101].
وينبغي الانتباه إلى أمرين في هذه الآية الكريمة، وهما: استخدام كلمة «مَرَدُوا»، وتعيين «من أهل المدينة»، إضافة إلى الأعراب.
وكان هؤلاء على أحوال ودرجات، لكنهم كانوا الأنكى والأدهى على الإسلام والمسلمين لرفعهم شعارات الإسلام وشعائره على الملأ وتلغيمها بالتحريف والتزوير وتبرير تجاوزهم حدود اللَّه. باسم التأويل حاربوا الإسلام بالإسلام كما تحارب الديكتاتوريات المعاصرة الشعب بالشعب.
فالأقدمون (من كانوا أعز أصحاب محمد ومن كان محمد حبة قلبهم وقرة أعينهم) باشروا الحكم باغتصاب ملك ابنته بحديث موضوع بطريقة الإدراج المعروفة في علم الحديث، سحبوه ووسعوه، فخلطوا العلم بالملك. ليقولوا: هذا يورث،
________________________________________

[الصفحة - 163]


ويبتدعوا ويضعوا على النبي: وهذا لا يورث. لكأن ملك فاطمة كان القضية الواجهة في مهمات دولتهم. وذلك الملك أصلاً هو أرض جاءت في سهم النبي (صلي الله عليه و آله)
(علیهم السلام) أعطاها ابنتَه وسيلةَ عيش. ووسيلةَ تصدُّق على الفقراء، فلا ينقطع إحسان أهله . وتلك كانت عندهم سنة، يتصدقون بما يملكون، يتصدقون حق بزاد يومهم.
احتجت بضعة النبي (عليها السلام) بكتاب اللَّه، ذكرتهم بآيات توريث الأنبياء الملك، ومنها: { يرُثني ويَرِثُ من آل يعقوب } [مريم/6] { وورثَ سليمان داود } [النمل/16]. احتجَّت نذيراً وامتحاناً وفي خاطرها قوله تعالى: { وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } [الذاريات/55]، صبرت واحتجَّت وذكَّرت، فما «نفعت الذكرى».
هذا كله من القرآن وعن توريث أنبياء لأنبياء، احتجَّت بضعةُ النبي (وحديث البضعة صحيحٌ مشهور) والركنُ الثاني لأمير المؤمنين (عليه السلام) (وحديث الركنين صحيح ومشهور). احتجَّت بكتاب اللَّه، والاحتجاج بكتاب اللَّه احتجاج باللَّه وبكتابه، والعَوْذ بكتاب اللَّه عَوْذ باللَّه وبكتابه.
لجأت إلى اللَّه وكتابه، وعاذت بهما من مظلمة كانوا يبطنونها من أيام الصحبة، وهو نقض الرسالة والبيعة تَنَمُّراً للحكم. وأورثت تلك المظلمةُ ريحانتيها وأهلَها الحاجةَ والفقر، ليكون أهل النبي (صلي الله عليه و آله) جميعاً في ما بعد ـ وكما ابتغى الحكام ـ في مِنَّة الصدقات الملكية، ونحن ما نصدق حرفاً واحداً مما يذكره السلفيون في هذا المجال (من مثل الشرط المزعوم أن يدفع معاوية مالاً سنوياً للحسن (عليه السلام) ).
لكنهم أوَّلوا إعطاءهم بناتهم الجواهر واللآلى والعقود من الغنائم بأنه «حسنة»، وأوَّلوا احتجاز المراعي لأنعامهم وإبلهم وضمَّ الأراضي لتوسيع ضياعهم وتحسينها وحَكْرَ الأسواق وتوزيعَ بيت المال على أبناء العم. ماذا نعدد؟! أوَّلوا ذلك كله بـ «إن اللَّه أوصاني بذوي قراباتي. وأنا مستوص بهم أبرُّهم» (28) .
أحب الرجل أبناء عمه، ومن الحب ما قتل. ولما نقضوا العهد والبيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) انتفض عليهم المسلمون في كل مكان لاشتهار البيعة الإلهية النبوية وانتشارها ولمعرفتهم أن محمداً(صلي الله عليه و آله) لم يعهد إلا بقرآن. آنذاك أوَّلوا انتفاض المسلمين بأنه ردة عن الإسلام. آنذاك تحولوا إلى فرسان، لم ينهزموا ولم
________________________________________
(28)تاريخ الخميس، 2/267.

[الصفحة - 164]


يختبئوا. قتلوا وأحرقوا المسلمين أحياء وارتكبوا الكبائر تحت غطاء الحفاظ على الإسلام، فأوصلوا الخلافة إلى سبعة وستين رجلاً بعدهم، ليس فيهم خمسة من الصالحين.
أرأيتم كيف يحارب الإسلام بالإسلام كما يحارب الشعب بالشعب؟ أرأيتم كيف يحارب المسلمون بالإسلام كما يحارب الشعب بشرائح القسر (اللفظ لسارتر) وبالشعارات المزيفة؟
احتجت فاطمة (عليها السلام) باللَّه وبكتابه، فما أجداها ـ على هذه الأرض ومع الرجال الأرضيين ـ لجوء إلى اللَّه واحتجاج بكتابه. أمَّا ما كان، أو ما يكون، في غير الأرض فعند اللَّه علمه.
توريث الأنبياء ملكهم لأبنائهم ثابت بالقرآن، ومحمد لا يخالف القرآن، وعليه فالمسلمون لا يصدِّقون أن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) يملك بضعته فاطمة ملكاً مؤقتاً. ملكاً يزول صكه بانتقاله إلى الرفيق الأعلى، لا يصدقون أنه ملكها قطعة أرض غير قابلة للتوريث. فهل أرادوا ـ والعياذ باللَّه ـ أن يسندوا له العبث والمخالفة؟
وماذا تساوي قطعة الأرض تلك لقاء ما كانوا يملكون وما آل إلى ملكياتهم الخاصة باسم الفتوح؟ وعليه، فهم ما كانوا يقصدون قطعة الأرض، وإنما الإساءة إلى أهل النبي، أو إلى النبي من خلال أهله.
ولو سألوا المسلمين في ملك ابنة نبيهم، فهل كانوا يأبون عليها ملكها؟ كانوا في واد والإسلام والمسلمون في واد، وبين الواديين جبال من الاجتهاد والتأويل وفق الأهواء الكئيبة المبيَّتة.
ولو كان ملك فاطمة مؤقتاً لا يورث، فهل تصدقون أنها تحتج وتطالب وتقاطعهم حتى ما تراهم بعد ذلك أبداً؟ كانوا مع النبي (صلي الله عليه و آله) بالصحبة الدائمة وحديثه: «وفاطمة بضعة مني» سمعوه وعرفوه، فكيف تكون حال من تقاطعه فاطمة بقية حياتها؟
ثم، هل تصدقون أن يكون أولئك القوم أعلم من فاطمة بما يورث وبما لا يورث؟
________________________________________

[الصفحة - 165]


في ختام الحديث عن ملك فاطمة (عليها السلام) أورد إشارة، وهي من روايات السلفيين أنفسهم مفادها أن صاحباً آخر قارب في أيامه أن يعيد الملك لأصحابه. لكنه «استحى»، فمخالفة «الصاحب» أسهل أحياناً من مخالفة صاحب آخر. واستغفر اللَّه على هذه المقايسة.
نحن نأخذ السير والوقائع من تراث الجماعة. ومن يتتبعه، ويتتبع ارتكاساته في الحياة اليومية، يدرك أن التيار لا يزال مستمراً بتأويلاته القديمة ورواسبه المعاصرة بكل ما خلفه ويخلفه من تمذهب وتمزق واحتراب وازورار عن سنة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) المعصومة الماثلة بتراث عترته الطاهرة.
ملك فاطمة لن يعود لأصحابه، لأنهم رحلوا بالغدر والسم والقتل، لكن الحدث والأحداث الكبائر لا تموت. وبعد، هذه المحطة حساسة ولم تكن مطلبنا، لكنها شحنة نفسية تفتَّقت فاستحال كتمانها، ومثلها كثير.
أختم هذه الفقرة بحديث شريف: لما رزق (صلي الله عليه و آله) بفاطمة قال: «ريحانة أشمها، ورزقها على اللَّه» (29) .
أجل، هي الريحانة تنجب الريحانتين. ثم، هل كان (صلي الله عليه و آله) يتنبأ بسلبها رزقها؟
الأمويون والإسلام‏
الضَّالون، في المجتمعات المنتمية إلى الإسلام، كُثُر، أفراداً وأنساقاً، ويجي‏ء في مقدمتهم الفريق الأموي، وذلك لأسباب منها:
ـ أن واجهة الشرك والكفر الأولى يوم بدر ـ وقبله وبعده ـ كانت منهم على الخصوص.
1 ـ أن فريق الضلال هذا كان أول من باشر تصفية أهل بيت النبوة بالغدر والسم وبقتلهم أفراداً وجماعات، كان معاوية يهزأ بخبر الملائكة في بدر، فيردد بعد كل غدر: إن للَّه جنوداً من عسل.
2 ـ أن معاوية هذا هو الذي استن له ولفريقه سب أمير المؤمنين (عليه السلام) .
________________________________________
(29)ابن عبد ربه، العقد الفريد، بيروت: دار الكتاب العربي، 7/49.

[الصفحة - 166]


واجترأ على رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) وعلى الوحي:
خطبة معاوية وضلال جماعته وجمهوره‏
«لما عاد معاوية من العراق إلى الشام (وخليت له الساحة) خطب فقال: أيُّها النَّاس، إن رسول اللَّه قال: إنك ستلي الخلافة بعدي.. وقد أخبرتكم، فالعنوا (...) فلما كان من الغد كتب كتاباً، ثم جمعهم فقرأه عليهم. وفيه: هذا كتاب كتبه أمير... معاوية صاحب وحي اللَّه، الذي بعث محمداً نبياً، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب.. فكان الوحي ينزل على محمد وأنا أكتبه، وهو لا يعلم ما أكتب، فلم يكن بيني وبين اللَّه أحد من خلقه، فقال الحاضرون: صدقت» (30) .
تأمَّل هذه الخطبة تجد فيها الاجتراء السفيه على النبي (صلي الله عليه و آله) بلغ حد رميه بالجهل، فهل ترضى، وأنت الإنسان العادي، أن يكتب لك أمين سرك ولو أمراً عادياً وأنت تجهله أو لا تعلمه؟ وفي خلفية النص إنقاص من مكانة النبي (صلي الله عليه و آله) ومن رسالته، حتى لكأن الوحي كان ينزل على معاوية لا على النبي.
تستدل، من «تصديق» الحاضرين، على أن معاوية كان قد حول جماعته أو جمهوره (الإسلامي) إلى غوغاء ومنافقين تسيطر عليهم غريزة القطيع، وبمثلها يستطيع الحاكم أن يكذب ويزوِّر كما يريد. وفي مثل هذا القطيع تكثر الذمم الفارغة، ويسهل لمعاوية شراؤها، ليكتبوا له التراث البديل والسنة البديلة.
ـ إليكم حديثاً نبوياً يكذِّب معاوية، ويدحض أباطيل مؤرخيه وعلمائه، ويضعه وفريقه في الخانة المناسبة: رأى رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) معاوية وعمرو بن العاص يسيران معاً في غزوة تبوك، فقال لأصحابه: «إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما، فإنهما لا يجتمعان على خير أبداً» (31) .
فهل مثل هذا الرجل يكون كاتب وحي؟ أبداً، وما رسخها في تراث الجماعة غير الذمم الرخيصة. ولهذا الحديث الشريف تتمة أنقصها ابن عبد ربه، وأتمها غيره من السلفيين. بل من أصحاب الأسانيد. فبعد أن انتهى (صلي الله عليه و آله) من الدعوة إلى تفريقهما، رفع يديه إلى السماء فقال: «اللهم اركُسْهما في الفتنة رَكْساً. ودَعَّهما إلى النار دَعًّا» (32) .
________________________________________
(30)أبو رية، أضواء على السنّة، ص 124.
(31)العقد الفريد، م.س.، 7/36.
(32)إدريس الحسيني، الخلافة المغتصبة بيروت، دار النخيل، ط1، 1995، ص 42، عن مسند أحمد، ج‏4، ص 421.

[الصفحة - 167]


فلنتدبَّر هذه التتمة من الحديث الشريف:
فرسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) لا يدعو ربه أن يردهما إلى الفتنة رداً، ويقلِّبهما فيها تقليباً (وهو معنى الركس) لمجرد رؤيتهما يسيران معاً، بل تأسيساً على علم ووحي تكشفت فيهما الجِبِلَّة الأولى لعمرو ومعاوية (كما بدأكم)، وهذا معروف في سيرة سيد المرسلين (صلي الله عليه و آله) حيال الماضي وحيال المستقبل وحيال الناس والأحداث. ورسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) لا يدعو ربه أن يدفعهما إلى النار دفعاً (الدَّعُّ) لرؤيتهما يسيران معاً. بل لمعرفته المتقدمة بمصيرهما إلى الفتنة ومنها إلى النار. ومحمد هو النور والعقل والقلم والعلم..
ولو تدبَّرت الحديث الشريف، وسحبته على الأحداث اللاحقة، لوجدت فيه الدُّعاء والنُّبوأة معاً: والنبي (صلي الله عليه و آله) لا يدعو عليهما بما قد لا يتحقق، بل بما هو متحقق ولكن بانتظار الامتحان وثبات الحجة، ومن ههنا قدم (صلي الله عليه و آله) ذكر الفتنة على ذكر النار.
والفتنة التي أحدثها ذلك الفريق، في الجمل وصفين، بدأت بعد انتقال النبي (صلي الله عليه و آله) إلى حوضه بخمس وعشرين سنة، وبعد هذه السنين، يتذكر ابن العاص حديث الفئة الباغية، ولعظمة هذه النّبوأة وهيبتها يقف عن القتال هنيهة، وهو المطعون بإسلامه باتفاق الجماعة، ويقف كثيرون معه، فيوبِّخه معاوية قائلاً: «تابع القتال، واللَّه إنك لتدحض في بولك» (33) . وكان عليه أن يتابع، لأن المؤامرة المعقودة بينهما قائمة على وعد بتنصيبه والياً على مصر، وهو يعرف خيراتها وطرق سلبها من عهد سابق. وما كان ذلك غير السبب المباشر. أما غير المباشر فهو الجبلَّة الأولى والعودة إليها (كما بدأكم تعودون).
والجدير بالذكر، هنا، هو أننا حافظنا على استخدام لفظ «الفتنة» لوروده في نص الحديث الشريف، ومرتكبو الفتنة، في الجمل وصفين وما تولد عنهما، هم طرف واحد هو فريق الضلالة. أما الفريق الثاني فهو فريق الهداية المكلف دائماً ـ في هذه وفي غيرها ـ بمحاربة الضلالة لتكتمل معادلة الخلق والكون.
ومن القرآن أيضاً ـ حيال ما وهبه اللَّه تعالى لأنبيائه من علم شامل مسبق ـ لنا
________________________________________
(33)تاريخ الخميس، 2/277.

[الصفحة - 168]


هذه الوقفة: قال تعالى: { وعلَّم آدم الأسماء كلها } [البقره/31] ، فالسطحيون من أهل الجماعة يجعلون من «ذاكرة» آدم (عليه السلام) وعاء أو دفتراً أو سجلاً، أو «أرشيفاً» أو قرص «كمبيوتر»، تراكمت فيه الأسماء هكذا مؤرشفة مصنفة باردة، أما نحن فنفهم الآية بأن اللَّه تعالى علَّم النبي الأسماء أسماء وتوصيفاً وجبلة ومعاداً وأحوالاً تدور بين هذه وهذه على مدى برجهم الآدمي، وهذا هو معنى الكلية أو «كلها». فاللَّه تعالى لا يهب نبيه علماً ناقصاً.
ومن ههنا، أيضاً، كان علم محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام بجبلَّة معاوية وعمرو وبمعادهما (واللَّه أعلم). ومحمد(صلي الله عليه و آله) لا يحتاج الأمثلة على علمه المسبق ونبوأته الصادقة، ومع ذلك لا بأس بإضافة ما يأتي:
ـ «هذا رجل آمن لسانه وكفر قلبه»، قالها(صلي الله عليه و آله) مشيراً إلى أمية بن أبي الصلت لما أنشد له مئة قافية، لم تجده الرشوة بمئة بيت مديحاًف (34) .
ـ إليكم، من قلب الجمل وصفين، قبل وقوعهما بربع قرن هذين الحديثين، نعيدهما لتنويع التوثيق السلفي: «يا ابن سمية [عمار بن ياسر]، لا يقتلك أصحابك، ولكن تقتلك الفئة الباغية» (35) .
«يا حميراء [عائشة]، كأني بك تنبحك كلاب الحُوَّب، تقاتلين علياً وأنت له ظالمة» (36) .
ـ وتنبحها كلاب الحوب فعلاً، وفي موضع الحوب، أو ما كان لتلك الكلاب إلا أن تنبحها، وتتذكر المرأة حديث النبي (صلي الله عليه و آله) ، وتهم بالرجوع وتسأل عن الموضع، وهي مكفوفة، فيكذب عليها فريق الضلال أنها في مكان غيره. هكذا، كان لا بد من أن يمتلى حبلهم (جلبوا لها خمسين شاهد زور على أنه موضعٌ خلاف، ولكن كيف وقع لديها أن تحيد عن النّبوأة وتصدق المزورين؟)
ـ كبيرة وأي كبيرة! معاوية ينبش شهداء «أُحُد»!
المؤرِّخون السلفيون يدلِّسون في هذه الواقعة على شكلين: أولهما إغفالها نهائياً، فإن لم يكن هذا داخلاً في معنى التدليس، فهو منتهى الغش. وثانيهما عرضها بسطر أو سطرين يضيعان في أخلاط مجلدات مضخمة يضيع فيها القارى
________________________________________
(34)العقد الفريد، م.س.، 7/61.
(35) نفسه، 7/64.
(36)نفسه.

[الصفحة - 169]


بدوره بين ما استقبل وما يستدبر. وأصحاب السطر والسطرين ـ رغم أنهم وحدهم في الميدان ـ يعرضونها بغير نقد أو استدلال. وبمثل ذلك السرد الأجوف سمِّي المؤرخ «جامعَ الرُّقَع». والذين يخفونها، ومثلهم الذين يخففونها، يتوهمون أنهم يحمون معاوية وفريقه من تذكار شنيع عالق برقابهم.
لهذه الأسباب وقع في حسباني أن «انبشوهم» ستكون جديدة على قراء كثيرين.
تمثل هذه الواقعة دلالة قاطعة على استهانة الطلقاء بالسنة الشريفة وعلى مروقهم من الإسلام: فرسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) استن لدفن شهداء «أُحُد» سنّة كريمة نبيلة إنسانية متفردة لم يلبث معاوية أن خرقها بأسلوب شنيع نكاية برسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) وتشفِّياً بعمه الحمزة. وما أحسب أن معاوية كان يطلب غير جسده الطاهر، وإن عمَّم النبش قولا: «انبشوهم»، وفعلاً «نبشهم جميعاً». والمسلمون يعرفون أن شهداء أُحُد هم ـ أو جلهم ـ فرسان بدر، تلك الموقعة التي كانت أول انعطاف بارز في انتصار الإسلام وترسيخه وظهوره على الشرك.
والمسلمون يعرفون أن فرسان بدر وأُحُد هم ـ أو جلّهم ـ من السابقين إلى الإسلام. وأنهم افتدوا دين اللَّه بأرواحهم الطاهرة الزكية.
وشهداء أحد لم ينهزموا، وغيرهم انهزم وصار في ما بعد خليفة. وشهداء أحد لم يطلبوا اللحاق باليهود والنصارى بالشام، وغيرُهم طلب بعد أن تزعزع إيمانهم من أول صدمة (وأحسبه كان مزعزعاً منذ البداية). والمؤمنون بالقرآن يعرفون مكانة أهل بدر، الذين كانوا فرسان أحد وشهداءها، يعرفون أنهم كانوا رفاق الملائكة في نصرة الإسلام، أو قل رفاق قضية وسلاح كما نقول اليوم.
والمسلمون يعرفون أن من لا يقرون بتلك المكانة ليسوا بمسلمين ولا بمؤمنين، فما بالك بمن يعتدي على حرمة قبورهم، فينبشها، وينبش أجسادهم الطاهرة؟
ففرنسا، حتى بعد خروجها من البلد الذي تستعمره، توظف حراساً لقبور موتاها، فتنفق عليهم وعليها، فما بالك لو كانوا من القديسين؟ لا يزال المسيحيون يحتفظون بعظمة واحدة ضمن قفص زجاجي من عظام القديس أوغسطين في الكنيسة المسماة باسمه في مدينة عنابة الجزائرية، ومشاهدتها متاحة للزائرين
________________________________________

[الصفحة - 170]


(شاهدتها مراراً على مدى أربع سنين). وأوغسطين يسبق شهداء أحد بقرنين ونصف القرن (354 - 430م) (ومقبرة الفرنسيين بحراسها لا تزال قائمة في أجمل موقع بعنابة إلى الشمال قليلاً من وسطها).
ولبدر وأحد مكانة عند عمر بن الخطاب، فقد قال: «الخلافة في أهل بدر ما بقي منهم أحد، وفي أهل أحد ما بقي منهم أحد، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شي‏ء» (37) . لكن واأسفاه، من أوصل إليها الطلقاء وأولاد الطلقاء ومسلمة الفتح؟
السنة النبوية في شهداء أحد
يقول الديار بكري: «جاء في المشكاة أن النبي (صلي الله عليه و آله) قال يوم أحد: احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد. رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة» (38) .
نلاحظ من تتابع الأفعال الأربعة اهتمامه (صلي الله عليه و آله) بأولئك الأبرار. وذكر الكلاعي كيف أنه (صلي الله عليه و آله) كان يأمر بدفن من كانوا متصافين في الحياة في قبر واحد، وما ذاك لضيق أرض، ولكن إكراماً لهم واحتراماً لاختياراتهم ومشاعرهم قبل استشهادهم.
«انبشوهم»
«في الصفوة لابن الجوزي عن جابر بن عبداللَّه (الصحابي الجليل) قال: لما أراد معاوية أن يُجري عينه التي بأحد (عين ماء) كتب إلى عامله بالمدينة بذلك. فكتبوا إليه: إنا لا نستطيع أن نخرجها إلا على قبور شهداء أحد، فكتب إليهم معاوية: انبشوهم» (39) . (للأمانة: عَنْوَن الديار بكري هذه الفقرة بكلمة: «غريبة»، مكتفياً بذلك).
هكذا اللفظ بحرفه: «انبشوهم». وكان يكفيه أن يقول: انبشوا القبور، لكنه الحقد المزمن على فرسان الإسلام، شهداءِ دين اللَّه، واللفظة الواحدة أحياناً مفتاح الروح بجبلَّتها وبمعادها.
«قال جابر: فلقد رأيتهم يحملون على أعناق الرجال وكأنهم قوم نيام، وأصابت المسحاة طرف رجل حمزة. فانبعثت دماً» (40) .
________________________________________
(37)السيوطي، تاريخ الخلفاء، الطبعة المصرية، ص 144.
(38)تاريخ الخميس، 1/443.
(39)نفسه.
(40)نفسه، وذُكر انبعاث الدَّم من الشهداء بعد تخصيص النص بحمزة.

[الصفحة - 171]


تمدنا هذه الحادثة المشينة بدلالات كثيرة تؤكد مروق فريق الضلال السفياني الأموي من السنة الشريفة، نقف على بعضها:
يبدو لمن يقف عند ظاهر النص أن معاوية الخليفةَ الطليق نبش شهداء أحد لغاية مادية هي ري أرضه وتحسين أملاكه وإكثار غلاله، وأن الأمر لم يتيسر له إلا على أجساد الشهداء، فكان نبشهم أولى وأيسر، حتى وإن اعتدى على حرمة قبورهم، واجترأ على سنة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) بإرساء أجسادهم إلى تلك الأعماق، وعلى تلك الصورة الإنسانية النبيلة من احترام مشاعرهم قبل الفداء والتضحية بأرواحهم الزكية المطمئنة.
هكذا، وكما رأيت، وقف المؤرخون السلفيون عند ظاهر النص ـ وبسطر أو سطرين ـ وبغير استنتاج أو نقد، لكأنه خبر هامشي. فكانوا سطحيين مسطَّحين، أو مواربين مدلِّسين. أو كانوا «جامعي رُقَع».
فالصحيح أن معاوية ما فعل ذلك إلا تنفيثاً لحقد غله الذي استجمعه من أبيه وأمه:
الأول: قائد العرب (وأبوه حرب من قبله) إلى الضغائن والحروب والكوارث وثارات لا تنقطع. والثانية هي المرأة المسترجلة هند التي قطعت أنوف شهداء أحد وآذانهم وصنعت منها قلائد وخلاخل (وأعطتها قاتل الحمزة).
أما الخلفيَّة النفسية لذلك الإرث من الحقد فهي قتل عتاة المشركين من أقاربهم يوم بدر على أيدي المسلمين والملائكة وأيدي شهداء أحد، فرسان بدر (كان من المقتولين لشدة كفرهم أبو هند وأخوها وعمها).
وقد حمل معاوية ذلك الحقد إرثاً لا ينتهي، ونقله في ذريته وذرية فريقه. وزاد عليه بهمته ودهائه، وأضمره في أعماقه، حتى توصل إلى الملكية الاستبدادية، وراح يصرف أوجاع صدره بالمسلمين أحياء وشهداء. وكيف لا يفعل وقد تلقى الحقد هو وفريقه مع حليب الرضاع. وامتلك استعداداته ومفرزاتها السمية من جبلته الأولى؟ (كما بدأكم تعودون).
________________________________________

[الصفحة - 172]


كان معاوية يمتلك «خزائن الدنيا»، كما يقول السلفيون أنفسهم: كان يعدّ بيت المال ملكه الشخصي، ويرفده بما يصادره ـ له ولأمرائه ـ من أملاك الشام كلها. ومن أموال أهل الشام الطائعين المطوعين، وهي بلا حصر. ولذلك كان أصحاب النفوس الضعيفة والذمم الفارغة يتهافتون إليه ليضعوا له (سنته).
فماذا تساوي عنده عين ماء بالحجاز؟ أين كان المدلسون أو جامعو الرقع من هذه القرينة؟ وعليه، فمعاوية الطليق، أو المؤلف قلبه، ما نبش الحمزة وشهداء أحد إلا تصريفاً لما في صدره وصدور شجرته من الحقد المزمن على اللَّه ورسوله وعلى آل بيته وعلى شيعتهم كلها.
ـ وها هو أبوه صخر بن حرب يكشف عن ذلك الحقد المزمن الذي كان يعتمل في صدور تلك الشجرة: «مر أبو سفيان بقبر حمزة، فضربه برجله وقال: يا أبا عمارة، إن الأمر الذي اجتلدنا عليه بالسيف أمس صار في يد غلماننا اليوم يتلعبون به» (41) .
وأكثر من ذلك، هاهو يعلن كفره، بل يقسم على كفره وأمام ابن عمه الخليفة الراشد أو الراشدي: «في أيام عثمان جاء إليه أبو سفيان وجماعة من أقاربه فقال: يا معشر بني أمية، إن الخلافة صارت في تيم وعدي (أبو بكر وعمر) حتى طمعت فيها، وقد صارت إليكم (عثمان أموي) فتلقَّفوها بينكم تلقُّف الكرة، فواللَّه ما من جنة ولا نار...» (42) ، فزجره عثمان وأمره بالخروج من مجلسه.
وهاهو ـ بعد نصف قرن من الإسلام ـ يعلن أن الديار ديار شرك وجاهلية، ويحث عثمان على تحويل الخلافة إلى ملك أموي جاهلي:
«دخل أبو سفيان ـ بعد أن كف بصره ـ على عثمان فقال: هل علينا من عين؟ (أي غريب أو غير أموي) فقال عثمان: لا. فقال: يا عثمان، إن الأمر أمر عالمية (أي زمني أرضي وحسب) والملك ملك جاهلية. فاجعل أوتاد الأرض بني أمية» (43) .
ولكن، دعونا نسأل: من هم الذين فتحوا الطريق «لغلمان الأموية كي يتلاعبوا بالخلافة، ويتلقَّفوها تلقف الكرة» ويحولوها إلى ملكية زمنية جاهلية؟
________________________________________
(41)الخلافة المغتصبة، م.س.، ص 41، نقلاً عن صاحب شرح نهج البلاغة.
(42)أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، 6/356.
(43)نفسه.

[الصفحة - 173]


بدر والجبلَّة
قال تعالى: { واتّقُوا الذي خلقكم والجِبِلَّة الأوّلين } [الشعراء/184] { ولقد أضلَّ منكم جِبِلاًّ كثيراً } [يس/62].
في موقعة بدر جندل السابقون الأولون والتابعون بإحسان (من وحي التوبة/100) عتاة المشركين، وفي مقدمتهم كبار الشجرة الأموية. فغل أبو سفيان ومعاوية وهند الحقد على النبي (صلي الله عليه و آله) جبالاً، وعمموا حقدهم على أهل بيته والتابعين بإحسان، وكفروا بالرسالة السماوية. إذ تحول حقدهم، بعد تسترهم بالإسلام، إلى كفر مبطن، ونزوع إلى الثأر من محمد وأهله وشيعته. وقد هيأ اللَّه تعالى الأسباب ليبقى أبو سفيان حياً. كان في العير يجمع المال والرجال، لأنه الأمرس في ذلك، وكان عمه عتبة بن ربيعة (والد هند) قائد المشركين لأنه الأمرس بالقتال. فقُتل، وظل أبو سفيان رمز المشركين وقائدهم وقدوتهم، ظل رأس «فريق الضلال». لم يهلكه اللَّه في تلك الحرب ولا في غيرها. لأنه فولحكمته تعالى في خلق معادلة الوجودف لم يهلك إبليس من قبل. أبو سفيان يجهر بالكفر ثلاثاً وعشرين سنة، ويقود فريقه إلى الضلال. وإبليس يجهر بعزمه على غواية الناس { ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلَصين } [الحجر/39و40]فلإبليس فريقه في كل زمان وفي كل أرض. هو ـ واللَّه أعلم ـ فريقُ قابيل، والنمروذُ وفريقه، والكتبةُ والفريسيون، وفريق أبي سفيان والحكم بن العاص، وطواغيت العباسية.. والرتل طويل.
بـ ويطلب إبليس النظرة إلى يوم يبعثون. ويعطيه عز وجل تلك النظرة، ويلعنه كما يلعن الأوزاغ في كل زمان ومكان، ولما كان فريق إبليس مستمراً «إلى يوم يبعثون» فإن فريق أبي سفيان مستمر. لقد رأيناه يجهر بكفره وشركه وجاهليته بعد نصف قرن من الإسلام. فما يعتلقه ويعتلق أسرته الجاهلية (وهذا من لسانه) غير مشرك، أَعَرفَ ذلك أم لم يعرف. الأحوال متطابقة، بل واحدة، وهي صادرة من الإرادة الإلهية المطلقة بخلق البشر في الأرض فريقين متجاورين متناقضين متحاربين، فريق الهداية وفريق الضلال، فريق الإيمان وفريق الكفر، وإلا فكيف تكون المحنة، ويكون الامتحان؟
________________________________________

[الصفحة - 174]


وبعد، فالحقد خلق شائن لا رصيد له في طباعنا، وما قدمناه إنما كان صادراً من القرآن، شرحنا وأوضحنا بما يسره اللَّه. وقدمنا القرائن من التاريخ على مصداقية الخطاب الإلهي، والأحداثُ الشائنة هي في رصيد أصحابها لا في رصيد من يكشفها ويعريها.
قال النبي (صلي الله عليه و آله) : «إن الإسلام بدأ غريباً. ولا تقوم الساعة حتى يعود غريباً كما بدأ»(44) .
فلما بعث محمد بالحق كان المستجيبون المؤمنون صفوة، وكان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر. ولا تقوم الساعة حتى يكون المؤمنون المستمسكون بالعروة الوثقى صفوة، تقبض على دينها كالقابض على الجمر.
ذلكم هو الحد الأول في معادلة الوجود، بداية ونهاية، «فريقا هدى»، وقد ضمنه النبي (صلي الله عليه و آله) هنا تضميناً، ولم يصرح به، لأنه حاصل بالنقيض.
أما الحد الثاني، بداية ونهاية، فهو فريق الضلالة «فريقا حق عليهم الضلالة». وكان ذلك الفريق زمان المبعث الشريف قبائل تملأ الأرض، وسينتهي إلى قبائل ومجتمعات وأنظمة تملأ الأرض.
ومن ههنا ـ لجهة الزمان والرجال والأحوال ـ بدأ الإسلام غريباً. وسيعود غريباً عند هذا الفريق وألحاقه. وما أحسب النبي (صلي الله عليه و آله) صدع بحديثه الشريف إلا تبليغاً وصدوراً من الخطاب الإلهي { كما بدأكم تعودون } [الأعراف/29] .
والإسلام بدأ غريباً في دياره، الدارِ التي اختارها اللَّه تعالى تكريماً: لبيته العتيق ـ وللنور المحمدي الأقدم ـ وللعترة التي طهرها اللَّه تطهيراً. ومن مصداقية الحديث الشريف أن يعود الإسلام أكثر غربة في الديار نفسها.
لم يكن لفريق الضلال من حجة كي يضل ويعمه عن دين اللَّه: فالرسالة أنزلت وباللغة العربية والكتاب أنزل آياتٍ وسُوَراً. أي منزلة بعد منزلة، حتى لا يعسر الفهم. ويتعذر الاستيعاب، وما من مسألة في شؤون الحياة والدين إلا وبلغها رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله) بأفضل وأيسر ما يكون البلاغ والتبليغ، { لئلا يكون للناس على اللَّه حجة } [النساء/165].
________________________________________
(44)العقد الفريد، م.س.، 7/40.

[الصفحة - 175]


فلم الضلالة إذن؟ إنها الجِبِلَّة الأولى، أرادها اللَّه هكذا. فخلقها هكذا لتكتمل معادلة الوجود، بعد نصف قرن من الإسلام يقسم أبو سفيان على كفره: «واللَّه ما من جنة ولا نار»، فلماذا لم يقتله «خليفة المسلمين وأمير المؤمنين»؟ ألم يكن هذا ارتداداً؟ لقد قتلوا وأحرقوا المسلمين تحت غطاء الارتداد، أما أبو سفيان فارتداده شائن فاضح، فلماذا لم يقتله خليفة الزمان؟ لعله كان منشغلاً بأبي ذر وعمار بن ياسر وعبداللَّه بن مسعود، فترك أبا سفيان يكفر بدين محمد، ويسب أمير المؤمنين، ويضرب برجله قبر الحمزة. هذه بطولة أموية، ومثلها البطولة التالية: فَغَبَّ موقعة أحد «كان أبو سفيان يضرب شدق حمزة بالرمح، ويصرخ بأعلى صوته: يوم بيوم بدر» (45) .
تدبروا الحديث الشريف، واسحبوا دلالته على تاريخنا المعاصر، وانسوا أربعة عشر قرناً بشؤونها وشجونها: هل مات أبو سفيان حقاً؟ أبداً، لم يمت، ولن يموت، إنه لغم الكفر والضلال يفجرونه بشيعة أهل البيت، يفجره المعسكر الواحد: الصهيونية والغرب والأنظمة العميلة، فجَّره بالشيعة في سورية والعراق وإيران أبو سفيان العراق، وها هو أبو سفيان العربي الباكستاني الأمريكي الصهيوني يتفجر بشيعة أهل البيت في أفغانستان حقداً مزمناً، فيتشظى قتلاً وحرقاً وذبحاً بالسكاكين تحز أعناق الشيوخ والنساء والأطفال في (مزار شريف) وغيرها.
المسلمون اليوم ممزقون، فمن مزقهم، ومن يمزقهم؟ إنه الشرك المستمر ماثلا بالرجال وبأطنان المجلدات الزاخرة بالوضع والكذب والتدليس (مصطلحات علم الحديث) قوامها الافتئاتُ على السيرة الشريفة وسيرة أهل البيت (علیهم السلام) وتزويرُ العقيدة، ولم يعد خافياً على مثقف واحد قرأ من التراث ولو كتاباً واحداً أن معاوية اشترى آلاف الذمم الفارغة والوجدانات المعطلة، فوضعوا له ديناً بديلاً، سنة بديلة، ومن ههنا بات الإسلام الحق غريباً على ذلك الفريق وألحاقه.
________________________________________
(45)تاريخ الخميس، 1/439.

[الصفحة - 176]