البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إعادة تحريف التاريخ الإسلامي قراءة في كتاب «أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري» للدكتور السَّلفي عبد العزيز محمد نورولي

الباحث :  السيد محمد الکثيري
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  9
السنة :  السنة الثالثة ربيع 1418 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1472

إعادة تحريف التاريخ الإسلامي
قراءة في كتاب «أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري»
للدكتور السَّلفي عبد العزيز محمد نورولي

السيد محمد الکثيري (*)

«يا أصحاب الحديث، أنقذوا التاريخ الإسلامي، لا تنقذوه من تلفيقات المستشرقين وأذنابهم من المستغربين فحسب، بل من بعض المؤرخين الإسلاميين الذين دخلوا ميدان التحقيق العلمي للتاريخ بلا سلاح، ورفعوا لواء «إعادة كتابة التاريخ الإسلامي» وهم يفتقدون أبسط أركان التحقيق العلمي».
الباحث السعودي
حسن بن فرحان المالكي‏
تمهيد
هناك مجموعة من المعطيات والدوافع جعلت الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي تأخذ بعداً متميّزاً داخل الأوساط الفكريَّة والثقافيَّة، في العالمين العربي والإسلامي، ابتداءً من مطلع هذا القرن، لتصبح مطلباً علميّاً ملحاً، تمّ من خلاله إنجاز مشاريع قراءات جديدة لهذا التاريخ، بل لمجمل التراث الإسلامي. من هذه المعطيات اطلاع المفكر العربي والمسلم على مجموعة من الدراسات والبحوث أنجزت في الجامعات الغربيَّة، وعالجت التاريخ الأوروبي بمناهج علمية جديدة، وقد شملت هذه المعالجة بعض الإبداعات العربية والإسلامية كذلك.
هذه الدراسات التحقيقية وما قدمته من أفكار جديدة، وما أثارته من تساؤلات وعلامات استفهام مختلفة وكثيرة، كانت بمثابة تنبيه للمفكِّر العربي ليأخذ المبادرة، وليقوم بنفسه بمعالجة تراثه الفكري الضخم والغني. طبعاً لسنا، الآن، في صدد متابعة هذه العمليَّة لبيان خطواتها والتعريف بنتائجها، لكننا ألمحنا إليها لأن عدَّة مشاريع ستنجز انطلاقاً من فكرة إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، لكن نتائجها جاءت رهينة المناهج والمنطلقات الايديولوجيَّة التي تحكَّمت في أصحابها. لذلك فقد جاءت هذه المحاولات لتقدِّم لنا قراءات مختلفة باختلاف المناهج: (مادية تاريخية، بنيوية، سلفية..الخ)، وبالتالي فإعادة
________________________________________
(*)کاتب إسلامي من المغرب.

[الصفحة - 240]


الكتابة لم تهتم بالتحقيق والغربلة والتمحيص، وإعادة صياغة الوقائع التاريخية، انطلاقاً من منطق تاريخي يصحح، ويكتشف، ويسد الثغرات، ويجيب عن التساؤلات الكثيرة المعلَّقة، وما تخفيه وراءها من حلقات مفرغة، لا يجد القارى‏ء المختصّ فضلاً عن القارى‏ء العام، أجوبة شافية عليها.
لقد سقطت الكتابات التاريخية الجديدة في انتقائية مقصودة غايتها كتابة تاريخ مشرق وحضاري بكل معنى الكلمة، وغض الطرف عن الجوانب المظلمة والسوداء في هذا التاريخ. وإن اضطرَّ المؤرخ لذكر هذه الجوانب، فإنَّه يشير إليها من دون التفصيل.
وإن كان هناك تفصيل فسيتبعه التسويغ والتشكيك والاستهانة بالأحداث والأرقام. والنتيجة أن هذه الكتابات أسهمت في تعميق الحالة «السلفية؟!» في وجدان الأمة.
وأصبح التغنِّي والبكاء على أطلال ماضٍ حضاري متفوق هو الدواء الشافي والمسكِّن الفعال الذي اخترعه هؤلاء المؤرخون لعلاج أزمة التخلف الحضاري التي تعاني منها الأمة العربية والإسلامية.
طبعاً لا يمكن أن نحكم على نتائج هذه العمليَّة التي انطلقت وما زالت تمشي بخطى بطيئة نحو أهدافها، بسلبية مطلقة، لأن عدداً من هذه الكتابات، وإن لم يتمكن أصحابها من إعادة صياغة وقائع التاريخ الإسلامي بمنطق ومنهج يقرِّبها إلى الحقيقة؛ ويبعدها عن الخرافة والتحريف، إلا أنَّ أصحابها نجحوا في تفجير الأسئلة المهمة والجيدة، التي ستشكِّل الإجابة عنها أهم الخطوات في إعادة كتابة التاريخ الإسلامي.
ليس هدفنا تثمين هذه العملية التي لها إيجابياتها الكثيرة لا محالة، لكن الملاحظ أن المشاريع التي انطلق أصحابها من خلفيات أيديولوجية ماركسية بالخصوص، قد أثمرت نتائج متهافتة، وأن الاستفادة منها كانت ضئيلة جداً، وقد عرفت طريقها سريعاً نحو النسيان والإهمال.
إلى جانب هذه المشاريع ظهرت مشاريع أخرى يمكن أن نسميها بالمشاريع السلفية لقراءة التاريخ الإسلامي وإعادة كتابته. وهذه المشاريع ليست جديدة في منهجها وغاياتها لأنها تدخل ضمن الكتابات التاريخية والدينية التي
________________________________________

[الصفحة - 241]


توجهها الاختيارات المذهبية، لكنها اليوم أصبحت تشكِّل ظاهرة، خصوصاً وقد انتشر المذهب الحنبلي «السلفي» في الآفاق، وهو يحاول اليوم جاهداً أن يقدِّم اختياراته المذهبية الفقهية والسياسية، على أنها حقائق إسلامية مطلقة لا يحيد عنها إلا ضالّ منحرف.
وفي ما يأتي جولة مع كتّاب المذهب السلفي، وهم يحرِّفون التاريخ الإسلامي، تحت شعار إعادة كتابته، في محاولة لتوجيه هذه الكتابة الجديدة نحو التأكيد والدفاع عن الاختيارات السياسية للمذهب السلفي. والطعن في اختيارات خصومهم، والإجهاز عليها بالتشكيك والرفض، ونزع لباس الحقيقة والموضوعيَّة عنها.
البحوث الجامعية في خدمة التحريف‏
ظهرت، في الآونة الأخيرة، كتب ومقالات ودراسات كثيرة، تنحو باتجاه واحد، هو إعادة كتابة تاريخ ملوك بني أمية بأسلوب يهدف إلى تنزيههم عن جميع الأخطاء والجرائم التي اقترفوها، والطعن في جميع الروايات التي نقلها الرواة، والتي تتّهم هؤلاء الملوك، ابتداءً من معاوية بن أبي سفيان، بالمسؤولية عن الأحداث الجسام التي عرفها تاريخ الإسلام مباشرة بعد وفاة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وإنفجار الفتن والحروب.
وهذا الطعن لا يحكمه المنهج العلمي الدقيق، بل يوجّهه الحقد والاختلاف المذهبي، أقول الحقد لأن ما بين التيار السلفي وبين المذهب الشيعي الإمامي، أكثر من اختلاف مذهبي نتيجة الاجتهاد، بل تحول الصراع بينهما إلى حقد تاريخي طويل وفظيع.
لقد ورث السلفيون الحنابلة، القدماء منهم والمعاصرون، على اختلاف مشاربهم، الحقد الأموي على أهل البيت.
لقد أعلن بنو أمية، بعد انتصار زعيمهم الأول معاوية بن أبي سفيان واغتصابه الخلافة، حرباً استئصالية شاملة على أئمة أهل البيت، وتمكنوا من قتل عددٍ منهم، ونكلوا بأتباعهم ومحبيهم وقتلوهم أنى وجدوهم، بذنب أو بغير ذنب، لكن ملوك بني أمية لم يتمكنوا من القضاء على فكر أهل البيت وتراثهم العلمي والحكمي، بل استطاع هؤلاء أن يحققوا الانتصارات المتتالية عليهم وعلى أتباعهم من الفقهاء والعلماء. فلم يحدِّثنا التاريخ الإسلامي عن أي غلبة
________________________________________

[الصفحة - 242]


أو انتصار في احتجاج أو مناظرة قامت بين أئمة أهل البيت وأتباعهم، وبين خصوصهم من أتباع بني أمية وغيرهم.
لقد كانت الحجَّة الواضحة والقوية دائماً إلى جانب الأئمة وأتباعهم، لذلك وأمام هذه الهزائم المتتالية، وهذا الافتقار إلى الحجة والبرهان، اتّجه أتباع بنو أمية إلى سلوك طرق ملتوية تحريفية وتمويهية علَّهم يحققون انتصارات وهمية، على فكر أهل البيت (عليهم السلام) وعلمهم وحججهم.
لكن، ومع الحجم الكبير لعملية التحريف والوسائل الخفية والغريبة التي ركبها أتباع بنو أمية لتغليف باطلهم بحقائق مزيَّفة، فإن قوة الحقيقة ظلت ساطعة كالشمس، ما أن تتاح لأشعّتها التسرب وراء الحيطان والحواجز، حتى تنير الدروب المظلمة وتبعث الدف‏ء والحرارة في الأماكن الرطبة والمتعفنة، فتنظفها وتطهّرها من أدران الكذب والتحريف.
لقد كانت، وما زالت، حقائق مدرسة أهل البيت، والتي هي حقائق النبوة المحمدية كعصا موسى (عليه السلام)، ما إن تلقى حتى تبتلع أوهام السحرة وما جاؤوا به ليضلوا به الناس، وعند ذلك يهتدي من كتب عند اللَّه سعيداً، وتزداد الغشاوة سمكاً وقوةً عند من تحكمت بهم الأهواء وتلاعبت بهم الشياطين لتصدَّهم عن الحق وعن السبيل القويم.
هناك العشرات من الدراسات الجامعيَّة تتنوَّع بين بحوث تمهيدية لنيل درجة الماجستير في العلوم الإسلامية، ورسائل ماجستير وأطروحات دكتوراه، أُنجزت خلال السنوات الماضية داخل الجامعات السعودية، كان الغرض منها أولاً وأخيراً، الانتصار لمذهب الحنابلة في الأصول والفروع، بالإضافة إلى تزييف الحقائق التاريخية وتحريفها، دفاعاً عن ظلم بني أمية، والتستر عمَّا ارتكبوه من جرائم في حق الإسلام والمسلمين والإنسانية جمعاء.
وسنعرض بعد قليل لمجموعة من هذه الدراسات عند تعرضنا لذكر ما قام به الباحث السعودي حسن بن فرحان المالكي، الذي كشف عن خطة محكمة، الغرض منها تحريف حقائق التاريخ الإسلامي وقلبها.
________________________________________

[الصفحة - 243]


كتاب: «أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري»
أول ما يثير انتباهنا، في مقدمة الكتاب وتمهيده، التعريف الذي وضعه المؤلف للشيعة الإماميَّة، فهو مع اختصاره المتعمد، لا يترك مجالاً للقارى‏ء إلا الاعتقاد الجازم بأن الشيعة فرقة منحرفة، غالية وضالة. وأن المحققين والباحثين قد اتّفقوا على تسميتهم بالرافضة، لأنهم رفضوا الخروج مع زيد بن علي عندما رفض البراءة من الخليفتين الأول والثاني، كما طلبوا منه.
وهذه الأحكام المطلقة التي تعوَّدناها في الكتابات السلفية، مجرَّد وهم لا غير، لأن التحقيق ينفيها وينقضها، وقد أثبت المحقق جعفر السبحاني‏ (1) ، بأن تسمية الشيعة بالرافضة سابق على ثورة زيد بن علي، لأن كل من يرفض الحكم القائم، ويركب سبيل المعارضة يسمى رافضياً. فالرفض هنا مصطلح لا يختصُّ بالشيعة، وإنما يطلق على كل من امتنع عن الانصياع لحكومة أو قيادة ما.
وعليه، فلا يوجد أي مسوِّغ علمي لإعطاء الكلمة مفهوماً اصطلاحياً يختص بالشيعة. كما نلاحظ كثرة الافتراءات التي جمعها الكاتب وحشرها كأنها حقائق لا تقبل النقاش، وإنما ضرورة البحث العلمي اقتضت إيرادها لتذكير القارى‏ء بها!! كما يعتبر تقديم الإمام علي (عليه السلام) على الخليفتين الأول والثاني غلواً عظيماً؟! ولست أدري لماذا لا يكون العكس هو الصحيح.
الشيعة لا يقدِّمون الإمام علياً (عليه السلام) بمحض إرادتهم، فرسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) هو الذي قدمه، جهاد علي (عليه السلام) وخدماته للإسلام ولرسول الإسلام، وعلمه وزهده وصفاته الخاصة هي التي جعلته مقدماً على الجميع. وبعد، فاللَّه سبحانه وتعالى هو الذي قدمه عندما جعله وصيَّ نبيه وعيَّنه خليفة رسوله. وقد زاده بسطة في القوة والعلم.
نسأل الذين يقدِّمون أبا بكر وعمر: هل السيف الذي نصر الإسلام وأدخل الرعب في قلوب المشركين والكفار، هل كان في قبضة الشيخين أم كان بيد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟! نسألهم كذلك عن علم الإمام علي وحكمته، وهل هناك في الأمة من يعتقد بأن أبا بكر أو عمر كانا
________________________________________
(1)انظر، بحوث في الملل والنحل، جعفر السبحاني، ج‏1، ص 120 ـ 123.

[الصفحة - 244]


أعلم من الإمام علي (عليه السلام)؟! لو وجد من يعتقد ذلك فلا شك أنه جاهل بالتاريخ جملةً وتفصيلاً، لأن تراث علي (عليه السلام) العلمي والحكمي لا يمكن مقارنته بأحاديث معدودة رواها القوم أو أسندت لهم.
وقد اعترف ابن أبي الحديد المعتزلي بذلك عندما أكَّد على أن علماء الأمة قاطبة يرجعون بعلمهم إلى مصدره الثاني بعد رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) الإمام علي (عليه السلام). فإليه ترجع الأمة في الفقه والتفسير والعرفان والبلاغة وسائر العلوم.إذاً من الجهل والغلو أن نقدّم لشيخين على الإمام علي (عليه السلام). طبعاً نحن نعرف سبب هذا التقديم الذي يلهج به السلفيون، إنه تقدمهم في الخلافة، وهذه قيمة لها جذور عميقة في أعراف الأعراب والبدو وتقاليدهم داخل الجزيرة العربية، وليست قيمة إسلامية، فليس من تولى منصباً قيادياً داخل المجتمع اعتبر أفضل الناس.
فالأنبياء عاصروا ملوكاً وجبابرة ولم يحكموا، بل عاشوا مستضعفين؟! وهذا الغلو، في اعتبار هذه القيمة، هو الذي جعل الحجاج بن يوسف الثقفي، سفاح بني أمية، يفضل الخليفة على الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، لأنه اعتبر فكما أعلن ذلك على المنبرف إن خليفة المرء في أهله أفضل من رسوله إليهم.
هذا إذا اعتبرنا أن خلافتهم كانت شرعية، وهي ليست كذلك؟! لأن الإمام علياً (عليه السلام) قد طعن فيها واعتبرها اغتصاباً لحقِّه، فهو القائل في قريش: «إنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، قبلي، فجزت قريشاً عني الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي..» (2) .ولم يكن الإمام علي (عليه السلام) وحده الذي رفض خلافتهم، بل هناك مجموعة من كبار الصحابة وأكثرهم علماً وخدمةً للإسلام رفضوا هذه الخلافة واعتبروها اغتصاباً لحق علي (عليه السلام)، منهم: سلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وغيرهم.
نجد، كذلك، عزفاً مكرراً على سمفونية قديمة ومتهالكة ورثَّة لدرجة إن البحث فيها يعد مضيعة للوقت وللكتابة، وهي أسطورة عبداللَّه بن سبأ. هذه الشخصيَّة الوهميَّة التي يُفترض أنها حرَّكت جميع الأحداث قبيل مقتل عثمان وبعده، واعتبرها
________________________________________
(2)نهج البلاغة، الكتاب رقم 36، ص 409.

[الصفحة - 245]


السلفيون المسؤولة عن اختلاق مجمل آراء التشيع وعقائده. وغير ذلك من الأحداث والوقائع كأن مجتمع الصحابة تحوَّل إلى دمى لا حياة ولا عقل لها، يحرِّكها رجل يهودي مجهول بخيوط خفية في الظلام. لقد رفض المحققون المعاصرون ممن لا علاقة لهم بالصراعات والتوجهات المذهبية، هذه الشخصية واعتبروها مجرد أسطورة ابتدعها الخصوم لإدخال عنصر يهودي في عقائد التشيع القوية الحجة والبرهان. ذهب إلى ذلك الدكتور طه حسين، واعتبرها الدكتور ابراهيم بيضون مناقضة تماماً لعقائد التشيع الأمامي. وقد أثبت المحقق مرتضي العسکري، في بحث هو الأول من نوعه دقة علمية وشمولية، أن ابن سبأ شخصية أسطورية لا وجود لها، وأن «ابن السوداء» اللقب الذي أطلق على ابن سبأ، إنما هو أشد التصاقاً بالصحابي عمار بن ياسر، لأن دوره في الأحداث والحروب التي خاضها الإمام علي (عليه السلام) ضد خصومه كان متميزاً.
لماذا لم يرجع الباحث إلى هذه المصادر ليطّلع على هذه الحقائق؟ لقد انطلق في بحثه كأنَّ القضيَّة لم تبحث. وأن السلفيين وحدهم هم من اكتشف سرَّ هذه الشخصية الفريدة، وكيف برسالة دكتوراه لا تلتفت إلى هذا الكم الهائل من الدراسات في هذا الموضوع، ولو للنقد والرد والرفض، لكن الحقيقة أن الدكتور السلفي يعرفها، لكنَّه فضَّل أن يضل مسجوناً بين جدران كتابات بعض السلفيين‏ (3) . وغيرهم ممَّن كتب حول الموضوع مكرِّراً ما قاله القدماء من دون نقد أو تمحيص.
كذلك نجد، في هذه المقدمة أو التمهيد، ادِّعاءات رخيصة لا نصيب لها من الصحة، بل هي كذب صريح على التاريخ والحقيقة، يقول المؤلف: «أما الأحاديث التي تساق في أن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) أوصى، فقد ذكر القرطبي أنها من وضع الشيعة» (4) . هكذا ومن دون عناء بحث أو إيراد لبعض هذه الأحاديث حتى يتيقن القارى‏ء من أنها من وضع الشيعة، يحسم المؤلف في الموضوع، مع أن أحاديث الوصية وعلى رأسها حديث الولاية في غدير خم، رواه (110) من الصحابة، منهم: أبو بكر، وأبو ذر الغفاري، وحذيفة بن اليمان، وأبو
________________________________________
(3)مثل سليمان العودة الذي كتب عن: «عبداللَّه بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام»، صدر سنة 1985 - أعاد فيه المؤلف كتابة هذه الأساطير من دون تمحيص أو تحقيق كأنها حقائق منزلة من السماء؟!
(4)أثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري، عبد العزيز محمد نورولي، ص 20.

[الصفحة - 246]


هريرة، وغيرهم من كبار الصحابة. أما مصادر الحديث والتفسير فلا تكاد تخلو من ذكره لدرجة أن المحققين عدّوه حديثاً متواتراً. فقد ذكره الترمذي وابن ماجه والبغوي والحاكم في مستدركه والحافظ السجستاني وذكره، أيضاً، أصحاب التفاسير مثل ابن كثير والنيسابوري والسيوطي والشوكاني والألوسي والرازي والقرطبي، وغيرهم كثير. ولولا مخافة التطويل لذكرنا كل من أثبت هذا الحديث الذي أكد فيه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) على المسلمين كافة (5) .
ليس من البحث العلمي الأكاديمي في شي‏ء أن نمرَّ بهذه القضايا الإشكالية مرور الكرام، ونأتي بكلمة نقتطفها من كلام القرطبي، وابن تيمية، لنغلق الباب أمام معرفة حقائق مهمة، هكذا من دون تمحيص أو تدقيق، لكننا نعرف أن السلفيين لهم حقائقهم الخاصة وليس استشهادهم بالقرطبي أو غيره سوى تحصيل حاصل؟!
وبالجملة، فقد جمع المؤلف في تمهيده جميع الأكاذيب والافتراءات التي قيلت وكتبت عن الشيعة، والغرض واضح تماماً، وهو رسم صورة سوداء غريبة لهذه الفرقة في مخيَّلة القارى‏ء، وتجعله يستعد نفسياً وعقلياً لتقبل كل التشكيكات والطعون التي سيأتي بها في الأبواب الخمسة والفصول العشرة التي يتألف منها الكتاب.
يخصِّص المؤلِّف الباب الأول للحديث عن الرواة والإخباريين المغالين في التشيُّع، فيعرض لمجموعةٍ من أسماء الرواة الذين كانوا يوالون الإمام علياً (عليه السلام) ونصروه وشاركوا في حروبه، وفيهم عدد من الصحابة والتابعين، ثم يهرع مسرعاً لكتب الجرح والتعديلوأقوال علماء أهل السنة والسلفية، ليعرض أقوالهم في هؤلاء الذين وصفهم بالغلوِّ، مع أن مبلغ هذا الغلو هو الحب والموالاة، ولم نسمع عنهم أكثر من ذلك. لكن هناك مشكلة تعترض المؤلِّف، بين الحين والآخر، وهي عدم إجماع علماء الجرح والتعديل على تضعيف الراوي أو الإخباري. فإذا ضعَّفه بعض منهم فإن الآخرين يصفونه بالصدوق، وهذا مما يخرق الإجماع الوهمي على تضعيفه ووصمه بالغلو، كما أن علماء الجرح والتعديل
________________________________________
(5)جاء في نص الخطبة: «ومن كنت مولاه فهذا علي مولاه... اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار» انظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج‏4، ص 281. وكنز العمال ج‏6، ص 397.

[الصفحة - 247]


الشيعة يصفونه بالصدق والعدل. أمَّا إذا أردنا أن نعرف سبب هذا التضعيف والغلو، فإننا سنجد أن الروايات التي رواها هؤلاء الشيعة تنتصر للإمام علي (عليه السلام) بوجه من الوجوه، وتتهم أعداءه بالظلم والعدوان، أو تحكي وقائع مختلفة، على اعتبار أن مجمل الرواة شاركوا في الأحداث التي تحدَّثوا عنها.
لكن منهج المؤلف لم يكن يهتم بما قيل أو روي إلا بمقدار معرفة هل أن الرواية تطعن في عثمان أو معاوية وأتباعهما، فإذا كانت كذلك؛ فالراوي شيعي، مغال، ضعيف، كذاب.
لقد تتبع المؤلِّف جل الإخباريين الذين اتهموا بأنهم كانوا شيعة، مثل سليم بن قيس والأصبغ بن نباتة وجابر الجعفي ومحمد بن السائب الكلبي وهشام بن محمد الكلبي ومحمد بن أبي عمير ونصر بن مزاحم والرواجني الأسدي ومحمد بن زكرياء الغلابي، وهؤلاء لا نجد مؤرخاً جاء بعدهم إلا وأخذ عنهم واعتمد رواياتهم، لسبب بسيط هو أنهم ألفوا كتباً مهمة تروي الأحداث التي شاركوا فيها أو عاصروها، مثل مقتل عثمان وبيعة الإمام علي (عليه السلام) وحروب الجمل وصفين وحرب الخوارج، وخلافة معاوية وابنه يزيد.
طبعاً لم يأل المؤلف جهداً في إيجاد المطاعن على روايات هؤلاء، لكن مشكلة المشاكل التي كانت تعترضه هي أن علماء الجرح والتعديل من أهل السنة والحنابلة يوثقون بعض هؤلاء،
فابن حبان مثلاً يوثِّق محمد بن زكرياء الغلابي كما وثق نصر بن مزاحم، وقد وثق أبو حاتم وابن خزيمة وابن حجر، الرواجني الأسدي، وهؤلاء الإخباريون جميعهم موثّقون عند علماء الجرح والتعديل الشيعة، لكن وهذا من سوء الأدب والفحش في الكلام الذي يشتهر به السلفيون في كتاباتهم، أن المؤلف عندما يتعرَّض لهذا التوثيق الشيعي لهؤلاء الإخباريين يقول مثلاً: «أما أهل الأهواء فهم على توثيقه» (6) ، أو ينقل كلاماً لا علاقة له بالعلم أو الحقيقة، فينقل مثلاً عن البغدادي رأيه في الشيخ المفيد؛ حيث قال فيه: «كان أحد أئمة الضلال، هلك به خلق من الناس». أي كان أحد علماء الشيعة الإمامية، وقد كان منتصراً في جميع مناظراته مع علماء
________________________________________
(6)عبد العزيز نورولي، أثر التشيع، المصدر السابق، ص 98.

[الصفحة - 248]


أهل السنة والسلفية، لذلك فقد تشيَّع على يديه خلق كثير من العلماء والعامة، فهم لم يهلكوا، بل تحرروا من التعبّد بأهواء ملوك بني أمية ومن ادّعاءات الرواة الذين أوكل إليهم معاوية بن أبي سفيان إنتاج الحديث المكذوب على النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) لكي يتم القضاء على فكر أهل بيت النبوة وحكمتهم.
أما نتيجة هذا الطعن والنقد والكشف عن الروايات التي رواها الشيعة، فليس وراءه سوى محاولة تنقية الموسوعات التاريخية من كل ما يطعن في بني أمية وأتباعهم، على اعتبار أن مجمل الكتب التي ألَّفها هؤلاء الرواة الشيعة عرفت طريقها، جملة أو بعضها، واستقرت في بطون هذه الموسوعات التاريخية. لكن الحقيقة التي يستطيع القارى‏ء أن يكتشفها بسرعة، هي انتفاء صفة الغلو عن كل من ذكرهم من الرواة والإخباريين، وأنهم كانوا موالين للإمام علي (عليه السلام)، محبِّين له ولأهل بيت النبوة، مصدقين لما قاله الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) في حقهم. كما أن الأخبار التي ذكروها ورووها ليست من الأخبار التي يصعب تصديقها باعتبارها مغرقة في الخيال والتهافت، بل أن ما رووه لا يجانب الحقيقة، ولا يبعد عن الواقع الذي عايشوه وشاركوا في صنعه.
يتابع الباحث السلفي، في الباب الثاني، تتبع أسماء الرواة والإخباريين الذين رموا بالتشيع، فيذكر مجموعة منهم: عبداللَّه العامري، أجلع بن عبداللَّه الكندي، بريدة بن سفيان الأسلمي، وعلي بن زيد بن جدعان، وغيرهم. وعندما يضع أسماء هؤلاء الرواة في ميزان الجرح والتعديل يخرج بالنتيجة التي توصل إليها في المرَّة الأولى. بعضهم يوثق والآخر يضعف، منهم من يعترف بتشيع الراوي لكنه يأخذ عنه ويعتبره صدوقاً لأن تشيعه كان قليلاً، لم يصل إلى درجة الغلو والبراءة من أعداء أهل البيت جملةً وتفصيلاً؟! ومنهم من يحسم الأمر في البداية عندما يصف الراوي بأنه كان مغالياً في حب الإمام علي (عليه السلام)، فيرفض رواياته جميعها، ويكتب عنه سواء صدق أم كان من الكاذبين.
ونجد الكلام نفسه بالنسبة للإخباريين الذين اتهموا بالتشيع مثل أبان بن تغلب، يقول عنه ابن عدي:
________________________________________

[الصفحة - 249]


«هو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة» (7) ، كما قال عنه الذهبي: «شيعي جلد لكنه صدوق، فلنا صدقه وعليه بدعته» (8) ، وفي بعض الأحيان نجدهم يتصارعون ويتعاركون على شخص معيَّن؛ حيث توثقه جماعة منهم مع علمهم بتشيعه الظاهر، ويطعن فيه آخرون لأجل تشيُّعه فقط، مثلما وقع مع عبد الرزاق الصنعاني الذي دافع عنه الذهبي واتهم العباس بن عبد العظيم العنبري بأنه خرق الإجماع على توثيقه وأن أرباب الصحاح احتجُّوا به‏ (9) .
أمَّا سبب رمي هؤلاء الإخباريين ورفضهم فلأنهم رووا أحاديث عن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) في فضل الإمام علي (عليه السلام) وفاطمة والحسن والحسين، وأما دليل عدم الغلو أو البراءة من التشيع فهو روايتهم كذلك لأحاديث في فضل أعدائهم. انظر ماذا يقول الذهبي في النسائي: «فيه قليل تشيع وانحراف عن خصوم الإمام علي كمعاوية وعمرو واللَّه يسامحه» (10) ، وقيل في الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك: «إمام في الحديث، رافضي خبيث» (11) ، لكن الذهبي ردَّ على ذلك قائلاً: «ما الرجل رافضي، بل شيعي فقط» (12) . ويبلغ الصراع والاختلاف مبلغاً من التهافت، فهذا يصدَّق وهذا يتَّهم بالكذب، وتبقى الحقيقة معلقة إلى حين!؟، والسبب هو تركيزهم على السند والهوية المذهبية للرواة من دون الاهتمام بما رووه والبحث فيه تدقيقاً ومعالجة، حتى يتبيَّن قربه من الحق أو بعده. لذلك فقد تم قبول الخرافات الواضحة لا لشي‏ءٍ إنما لأن سندها ورواتها عدول ثقاة، ورفضت روايات صحيحة فقط لأن رواتها مطعون فيهم وفي عقائدهم واختياراتهم الفقهية والسياسية. كما حاول الباحث السلفي تبرئة مجموعة أخرى من الإخباريين من تهمة التشيع لأن بعضهم كان قد نسبهم إليه لأنهم فضلوا الإمام علياً (عليه السلام) على عثمان بن عفان، منهم محمد بن إسحاق الذي رفض بعضهم الاحتجاج بروايته، وإن كان ابن سيد الناس لم يرفض روايته لأنه «لم يكن داعياً لبدعته» (13) . أما الطبري الذي اختلف فيه فإن الذهبي قد فصل في أمره حين اعتبره سنياً مع «تشيع يسير وموالاة لا تضر» (14) لكن
________________________________________
(7)المصدر نفسه، ص 184.
(8)نفسه، ص 185.
(9)نفسه، ص 191.
(10)نفسه، ص 218.
(11)نفسه، ص 226.
(12)المصدر نفسه، ص 226.
(13)نفسه، ص 206.
(14)نفسه، ص 223.

[الصفحة - 250]


المؤرخ الذهبي لم يعرفنا على المتضررين من هذه الموالاة للإمام علي (عليه السلام)!؟
الباب الثالث خصَّصه المؤلف لذكر المؤرخين المغالين في التشيع، فاليعقوبي مغالٍ في التشيع لأنه ذكر مثالب عثمان بن عفان ومظالمه التي أدَّت إلى خروج المسلمين عليه وقتله. أما المسعودي فقد اختلف في تشيعه لأن بعضهم حسبه على الاعتزال، لكن دليل تشيعه حسب المؤلف السلفي هو ذكره خبر عدم بيعة عبداللَّه بن عمر للإمام علي (عليه السلام)، وبيعته ليزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان، والغريب في الأمر أن هذه الأخبار لم تكن حكراً على الشيعة، بل رواها غيرهم، ويبلغ التهافت مداه الأوسع عندما يستدلُّ المؤلف على تشيع المسعودي، باتهامه ليزيد بن معاوية بقتل الحسين بن علي (عليه السلام) والعجب كل العجب، من قتل الإمام الحسين (عليه السلام) هل هو نابليون بونابرت يا ترى؟!
كما تحدث عن الاختلاف في تحديد الهوية المذهبية لكل من المؤرخين ابن أعثم وأبي الفرج الأصفهاني وطبعاً يبقى أساس المشكلة، وهو وجود روايات تذكر علياً وأهل بيته بخير، وربما مدحتهم، وانتصرت لمظلوميتهم.
وهذا هو الذنب الذي لا يغفره السلفيون لأي مؤرخ أو راوٍ، والتهمة جاهزة، غال، مبتدع ضال» وصولاً إلى تكفيره وإخراجه من دائرة الإسلام جملةً وتفصيلاً.
في الباب الرابع وعنوانه: «أثر التشيع في روايات العهد النبوي وخلافة أبي بكر» تبدأ فعلاً مرحلة التنقية للتاريخ الإسلامي من كل رواية أو خبر فيه طعن بأحد الخلفاء، ليس ذلك فقط، بل تبدأ مرحلة سلب الإمام علي (عليه السلام) من كل فضائله، وخصائصه التي رويت فيه وحوله.
يبدأ المؤلف السلفي بالتشكيك في حديث المؤاخاة لأن هذه الفضيلة تدعم القول بأفضليّته وتقدّمه على الخلفاء الثلاثة، فإذا كان الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) قد آخى بينه وبين الإمام علي (عليه السلام)، فمن يكون أفضل منه يا ترى؟! أما الدليل القطعي والحاسم على رفض المؤاخاة فهو رفض ابن تيمية في منهاجه للأحاديث التي تحدثت عن ذلك. وقد رد عليه ابن حجر واعتبر
________________________________________

[الصفحة - 251]


أنه قدم القياس على النص. كما رفضها ابن كثير تلميذ ابن تيمية اعتماداً على نقل أستاذه من دون إيراد دليل واحد على هذا الرفض؟! كما رفض بشكل قاطع حديث غدير خم الذي سبق أن تحدثنا عنه، مع أن الألباني المحقق السلفي المعاصر صحَّحه وقال بأن رجاله ثقاة (15) وإن إسناده صحيح على شرط الشيخين.
ماذا نعمل أمام هذا التناقض؟ هل نرفض الحديث كما رفضه ابن تيمية من دون دليل، أو نؤمن بصحته كما أكَّد ذلك الألباني المحقق السلفي؟!
المؤلف السلفي يقترح علينا، ضمناً، مخرجاً من هذه الورطة، فإذا أجمع على صحة الحديث فإنه، كما يرى المؤلف، لا يدلّ بالضرورة على أفضليّة الإمام علي (عليه السلام) ولا على النص عليه بالولاية. وحتى هذه الفكرة ليست من بنات أفكار الدكتورالألمعي؟! إن ابن تيمية في منهاجه كثيراً ما ردَّد مثل هذه التخريجات الغريبة والتحريفية، كلَّما اصطدم بحديث صحيح أو مشهور، ترى حقده الأموي على أهل البيت يهيج به ويدفعه لإيجاد هذه المخارج المتهافتة.
نجد كذلك رفضاً للروايات المشهورة في قصّة السقيفة وما دار فيها من أحداث، أهمها بيعة الخليفة الأوَّل وإقصاء الإمام علي (عليه السلام) عن منصب الخلافة، لأنه كان منشغلاً بتغسيل الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) وتجهيزه. كما شكَّك في قصَّة إنفاذ جيش أسامة ورفض أن يكون الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) قد أمر أسامة بن زيد على جيش فيه أبو بكر وعمر. أما حوادث الردة فقد ذهب فيها مذاهب مختلفة، يكاد يكذب خبر الردة لولا شهرته الكبيرة بين الخاص والعام.
وبالنسبة لخلافة عثمان، ابتداءً من أحداث توليته والظروف والملابسات التي أحيطت بهذه التولية وإلى مقتله، نجد أن المؤلف السلفي يتتبع كل رواية يشتم منها رائحة الطعن أو الذم ليجهز عليها نقداً وتشكيكاً، أما الميزان الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فأقوال ابن تيمية. لا وجود لتحليل منطقي أو عرض منهجي يعيد ترتيب الأحداث وتحليلها وفق منهج علمي دقيق، وإنما هناك إيراد لأقوال ابن تيمية بوصفها نصوصاً حاسمة وفاصلة، يقول شيخ السلفية؟! هذه الأقوال
________________________________________
(15)انظر السلسلة الصحيحة، ج‏4، ص 335.

[الصفحة - 252]


والروايات خطأ وكذب، فتتحول الأحداث والوقائع إلى سراب كأنها لم تكن؟! بهذه الطريقة تتم إعادة كتابة التاريخ الإسلامي، إلغاء وحذف وتكذيب من دون دليل أو برهان.
المنهج نفسه والكلام عينه عندما تحدَّث عن وقعة الجمل وخروج طلحة والزبير وعائشة على الإمام علي (عليه السلام)، أسئلة كثيرة ستظل معلقة لا جواب لها سوى أن القوم نكثوا البيعة وخرجوا في طلب الملك ولقوا مصارع السوء، وقد حزن الإمام علي (عليه السلام) لمصرعهم، وبعد ذلك لا يمكن تبرئتهم من الدماء التي سفكت أنهاراً في حرب الجمل؟! لأن تبرئتهم تعني الإتهام الضمني للإمام علي (عليه السلام) وهذا مربط الغرس بالنسبة للسلفيين، إنهم يبحثون ويجهدون أنفسهم لإيجاد السبل للطعن في الإمام (عليه السلام)، ومدح خصومه وتبرئتهم من كل ذنب أو خطأ، وهذا هو التحريف والتزوير للتاريخ مع سبق الإصرار والرصد.
وفي وقعة صفين نجد قلباً واضحاً للأحداث وتوجيهاً تحريفياً للنصوص وإخفاءً لبعض الأحداث الحساسة، كقتل الصحابي عمار بن ياسر والزاهد أويس القرني وغيرهم؟!
في الباب الخامس والأخير يبلغ الغلو السلفي درجة كبيرة لأنه سيحاول أن يثير جملة من الشكوك حول حقائق مهمة أجمع المؤرخون على وقوعها واتفقوا على من كان وراءها، فالإمام الحسن بن علي (عليه السلام) استشهد مسموماً والذي سمَّه هو معاوية بن أبي سفيان حتى تخلو الساحة لابنه يزيد الذي عزم على توليته على رقاب المسلمين، بالقوة والكيد والمؤامرات.
ولما كانت هذه الحادثة مشهورة لم يتمكن الباحث السلفي من إلغائها، واكتفى بالقول: «واستبعد ابن كثير أن يكون لمعاوية أي دور في تسميمه» (16) . وهذا الاستبعاد لا يقوم على دليل أو برهان، إلا حب معاوية والتشكيك في جميع جرائمه.
وبالنسبة لمقتل حجر بن عدي يعترف الباحث السلفي بأن خبر مقتله لا تنفرد الروايات الشيعية بذكره، لكنه يخفي أن الجميع مجمعون على أن معاوية أمر بقتله هو وسبعة من أصحابه في مرج عذراء، وأن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) كان قد أخبر بمقتلهم، وأن اللَّه
________________________________________
(16)عبد العزيز نورولي، م.س. ص 367.

[الصفحة - 253]


سيغضب لمقتلهم. وقد عاتبت عائشة معاوية على قتلهم، فأجابها بأن ذلك قدر محتوم. وكما عوَّدنا الباحث السلفي عندما يصطدم بأحداث مؤلمة وفظيعة تدين معاوية بشكل واضح وصريح، أن يمرَّ بها سريعاً ولا يفصل فيها ولا يذكر ماذا قيل فيها وحولها من طرف المؤرخين.
المنهج نفسه سلكه مع حادثة كربلاء وقتل الإمام الحسين (عليه السلام) مع سبعين أو أكثر من أهل بيته. هذه الجريمة في حق الإسلام والإنسانية جمعاء حاول الباحث، كما فعل شيخه ابن تيمية من قبل، أن يبرى‏ء يزيد بن معاوية منها، عندما حمَّل جيش العراق مسؤوليَّة القتل، وأن يزيد لم يصدر أمره بقتل الإمام الحسين (عليه السلام).
وهذا التوجيه المتهافت الذي جاء به ابن تيمية لا يقوم أمام كثرة الوقائع المروية من طرف العامة والخاصة والتي تحمِّل يزيد بصراحة، ومن دون ريب، المسؤولية الكاملة في قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته. هذا التوجيه المتهافت نجده كذلك يشمل وقعة الحرة، فأهل المدينة هم المذنبون لأنهم خلعوا بيعة يزيد.
أما قتل(700) رجل من الأنصار والمهاجرين و(10) آلاف من عامة الناس، واغتصاب أكثر من 1000 عذراء، كما أثبت المؤرخون، فإن الباحث السلفي يقول لنا: «وقد أنكر ابن تيمية ذلك» وبذلك يكون قد أراح واستراح. وقد كفى شيخ الإسلام السلفيين شر البحث العلمي ونتائجه المزعجة؟!
ملاحظات حول المنهج‏
1 - تهافت منهج الجرح والتعديل‏
إنَّ النتائج التي أسفر عنها منهج الجرح والتعديل الذي جعل كل همه منصباً على السند من دون المتن، كانت كارثية من جهة أنها أدَّت إلى ترك المئات، بل الآلاف من الأحاديث، بحجة أن في سندها علة من العلل التي ابتكرها علماء هذا الفن. من جهة أخرى، أدَّى الاعتماد على صحة السند إلى تصحيح عدد كبير من الأحاديث متهافتة المتن لغة ومضموناً، ما دفع الفقهاء إلى عدم العمل بها رغم أنها أثبت في كتب «الصحاح؟!». كما أن علماء العقائد لم يقبلوا بها على ظاهرها، بل عملوا على توجيهها بالتأويل والتفسير
________________________________________

[الصفحة - 254]


والشروحات اللغوية الغريبة، من أجل أن تتلاءم مع المفاهيم العامة للعقائد الإسلامية. أفضل مثال على ذلك، أحاديث التشبيه والتجسيم. فعدد من هذه الأحاديث صحَّح علماء الجرح والتعديل سندها، لكن علماء العقائد رفضوها إمَّا مباشرةً أو ضمناً ولم يصرِّحوا بذلك مخافة الاتهام برد سنة الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم). لكن رفضها بالتأويل والتوجيه كان ضرورياً لأنها تتناقض مع عقيدة التنزيه التي أكَّدتها الآيات القرآنية بوضوح لا غموض فيه.
كما أن هذا المنهج لا يمكن الاعتماد عليه للوصول إلى الحقائق المطلقة، لأن علماء الجرح والتعديل، سواء كانوا من أهل السنة أو السلفية أو من الشيعة الإمامية، كثيراً ما يختلفون وتتناقض أحكامهم وتقييماتهم، والسبب يعود في غير حالة إلى الهوية الذهبية للراوي.
أنظر مثلاً ماذا قالوا في جابر الجعفي، لقد وضعه الباحث السلفي في خانة المغالين. وقال عنه ابن حجر: رافضي لا يقبل حديثه، لكن سفيان الثوري يقول فيه: «ما رأيت أورع في الحديث من جابر»، وقد كتب الإمام أحمد بن حنبل عنه. وقد مرَّ بنا غير مثال على ذلك. بالإضافة إلى الاختلاف والتناقض بين علماء الطرفين السنة والشيعة في الحكم، فالأخباري أصبغ بن نباتة متروك عند ابن حجر، موثوق عند المارقاني من علماء الشيعة.
كما اعترضت المؤلف معضلة أخرى موضوعيَّة لها علاقة بالتوجه المذهبي للراوي أو الأخباري، فما دام الراوي شيعياً فلن نقبل بأي رواية أو حديث يتعلَّق بخصومه من بني أمية أو غيرهم. وهذا المنهج لا يخدم الحقيقة، كما لا يخدم التأريخ، فليس كل ما يقوله الخصوم يكون كذباً ومخالفاً للواقع.
وقد اكتشف الباحث السلفي ذلك، فقال: «نجد في الروايات الشيعية التاريخية بعض الأمور التي وافقت الروايات الصحيحة، ولكنهم مثلهم مثل الكهَّان يأخذون من مسترقي السمع من الشياطين الخبر الصادق ويخلطون معه مئة كذبة» (17) ، طبعاً هذا سوء أدب عرف به الكتَّاب السلفيون فهم لا يتحرَّزون من السب والشتم والقذف، من دون دليل أو برهان. لكن اعترافه بهذه الحقيقة التي أشرنا إليها يكفينا، لأنَّه يدعم قولنا بأن
________________________________________
(17)نفسه، ص 413.

[الصفحة - 255]


منهج الجرح والتعديل يجب أن يتجاوز السند إلى المتن، وأن يتبع المقارنة والتمحيص وإعادة ترتيب الوقائع والأحداث لتكتمل الصورة، لا بدَّ لنا من اعتماد جل الروايات والمصادر والبحث في طرقها ومضامينها من دون إعطاء الأولويَّة للهويَّة المذهبيَّة للراوي، وبعد ذلك يمكننا أن ندعي بأننا سنقارب الحقيقة لا محالة نتيجة هذا العرض المتعدد والبحث الدقيق.
2 - المنهج السلفي في تحريف التاريخ الإسلامي‏
يمكن أن نجزم بأن ما قام به الباحث السلفي، في بحثه هذا، ليس سوى تطبيق وفي لمنهج ابن تيمية وتلامذته في تحريف التاريخ والتراث الإسلامي بشكل عام. لذلك سنعرض لهذا المنهج باختصار شديد، لأن هذه الدراسة لا تتحمل التفصيل، لكن المهم هو تنبيه أبناء الصحوة الإسلامية والباحثين في مجال التاريخ الإسلامي، لهذه الطرق والوسائل التي يتبعها السلفيون لقلب حقائق التاريخ الإسلامي لغاية وحيدة ونهائية وهي الدفاع عن بني أمية وتبرئتهم من كلّ ظلم وطغيان، أو كفر ونفاق.
أ ـ الإجماعات الوهمية عند ابن تيمية، بحيث إذا أراد نفي مسألة تخالف هواه المذهبي، يدَّعي أن هناك إجماعاً عاماً بين العلماء على نفي تلك الواقعة، أو ذلك الفهم أو التفسير. وقد لاحظ عدد كبير من المحققين القدامى والمعاصرين ذلك. أما أتباعه وتلامذته اليوم فيكتفون بنقل هذا الإجماع الوهمي الذي يتبين تهافته بمجرَّد الرجوع إلى مصادر الفكر الإسلامي، سواء في مجال الفقه والتفسير أو في العقائد والتاريخ.
ب ـ كثرة الادِّعاءات الكاذبة، نتيجة القراءات السريعة والسطحية، والحكم على المخالفين انطلاقاً من تلك النتائج التي توصل إليه بسرعة، وعادة ما تكون تلك النتائج غريبة عن مذاهب المخالفين.
ج ـ تضعيف الأحاديث النبوية المخالفة لتوجهات المذهب السلفي واختياراته، وقد أشار الحافظ الذهبي لذلك عندما قال مخاطباً ابن تيمية: «يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإصدار أو التأويل والإنكار» (18) .
________________________________________
(18)انظر بحوث في الملل والنحل، م.س. ج‏4، ص 40، نقلاً عن تكملة السيف الصقيل للمحقق الكوثري ص 193.

[الصفحة - 256]


د ـ انتقاء الأحاديث الموافقة فقط وغض الطرف عن الأحاديث المخالفة والتي قد تكون أصح وأقوى سنداً ومتناً، وذلك لإيهام القارى‏ء بعدم وجود ما يخالف الرواية المعتمدة في القضية، وبالتالي لا مفرَّ من الإيمان بالتوجيه الذي يتم وضع الرواية المختارة فيه.
ه ـ رفض الأحاديث والروايات والأخبار الصحيحة دون مسوِّغ، اللهمَّ إلا كونها تخالف الاختيار المذهبي المسبق، وهذا الرفض كما كان يمارسه ابن تيمية يأتي بلغة حاسمة، تجعل القارى‏ء يتخيَّل بأن الشيخ السلفي لديه من الأدلة ما جعله يحسم بجرأةٍ وقوة في هذه المسألة، لكن التحقيق يثبت عكس ذلك تماماً.
و ـ الفهم السطحي لأفكار المخالفين وعقائدهم، ومن ثُمَّ التهاون في الاستنتاجات من دون تمحيص أو بحث علمي عميق، ما يؤدي إلى تشويه أفكار المخالف وآرائه.
من نتائج تطبيق المنهج السلفي‏
هذا المنهج السلفي الذي عرضنا لخطوطه العريضة اعتمده عدد كبير من الباحثين والطلبة السلفيين، وكانت النتائج إعداد دراسات وإصدار كتب غايتها تحريف التاريخ الإسلامي، وقلب حقائقه. نذكر منها ما تحدث عنه الباحث السعودي حسن بن فرحان المالكي في كتابه القيِّم: «نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي»، الذي كشف فيه أخطر عملية تحريف وتزوير تقوم داخل الجامعات السعوديَّة، وغيرها من الجامعات العربيَّة. كما تمكن من الكشف عن معالم المنهج السلفي من خلال قراءته لهذه الكتب والرسائل الجامعية. وفي ما يأتي عرض لهذه الكتب والملاحظات التي كشف عنها هذا الباحث:
1 - الكتب والدراسات السلفية التحريفية
1 -كتاب الخلافة الراشدة للدكتور أكرم ضياء الدين العمري.
2 - خلافة علي بن أبي طالب(رضي اللَّه عنه)، عبد الحميد بن علي ناصر فقيهي، رسالة ماجستير من كلية الدعوة وأصول الدين.
3 - كتاب عبداللَّه بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام، سليمان بن أحمد العودة، رسالة ماجستير، جامعة الإمام، كلية العلوم الاجتماعية، قسم التاريخ.
________________________________________

[الصفحة - 257]


4 - تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة، محمد أمحزون، رسالة دكتوراه، جامعة محمد الأول (المغرب).
5 - كتاب الإمام العظمى، عبداللَّه بن عمر بن سليمان الدميجي، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، كليَّة الشريعة.
6 - صحابة رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) في الكتاب والسنة، عيادة أيوب الكبيسي، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى.
7 - عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام، ناصر بن علي بن عائض حسن الشيخ، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية.
8 - جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين. الدكتور محمد السيد الوكيل، الجامعة الإسلامية.
9 - أثر التشيُّع على الرواية التاريخية، عبد العزيز نورولي، رسالة دكتوراه، الجامعة الإسلامية. وهو الكتاب الذي عرضنا له قبل قليل وبيَّنا بشكل مفصل ما احتواه من تحريف وتزوير للحقائق.
بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الكتب اكتشف أنها سلكت النهج نفسه، وتوصلت إلى النتائج عينها، مثل كتاب «بنو أمية» للدكتور عبد الحليم عويس الذي ضرب بعرض الحائط؛ أحاديث صحيحة رواها كلٌّ من البخاري ومسلم في صحيحيهما لأنها تنسب لمعاوية بعض الأعمال والأفعال المخالفة للإسلام مثل سبِّ الإمام علي (عليه السلام) على المنابر. كذلك كتاب «العهد الأموي» في موسوعة التاريخ الإسلامي للمؤرخ محمود شاكر، الذي يفتقد لشروط التحقيق كما يقول الباحث حسن المالكي، ما دفع به لرفض أحاديث مشهورة رواها البخاري لا لشي‏ء وإنَّما لأنها تطعن في معاوية.
أمَّا الملاحظات التي اكتشفها والتي ترسم معالم النهج السلفي في تحريف التاريخ والتراث الإسلامي فهي:
1 -اعتماد الروايات الكاذبة والرواة الكذبة كسيف بن عمر، مع أن علماء الجرح والتعديل السنة مجمعون على كذبه وتضعيفه. لكن هذه الكتب والدراسات اعتبرته العمدة في التاريخ، واستقت منه مادة البحث، والنتيجة الطعن المباشر في الإمام
________________________________________

[الصفحة - 258]


علي (عليه السلام) وبعض كبار الصحابة كعمار بن ياسر.
2 - اختصار الأحداث وعدم ذكر عدد من الوقائع لجعل القارى يتوهم أن ما ذكر هو ما وقع، وقد حدث ذلك عند معالجة بيعة الإمام علي (عليه السلام)، فهذه الكتب تحاول جادة أن تلقي ظلالاً من الشكّ حول شرعيَّة خلافة الإمام علي (عليه السلام).
وذلك عندما تبرز وتضخّم حركة المعارضة لبيعته مع أن بيعته كانت جماهيرية، وشارك فيها أهل الحل والعقد من الصحابة. وهي ليست أقل من بيعة أبي بكر وعمر وعثمان. والغرض من هذا التحوير هو تسويغ خروج معاوية عن طاعة الإمام علي (عليه السلام) الخليفة الشرعي آنذاك.
3 - البحث عن المسوِّغات الكثيرة لكلِّ من خرج على الإمام علي (عليه السلام) وحاربه، وذلك لإضعاف موقف الإمام وخلط الأوراق ليلتبس الحقّ بالباطل، ومتى يثبت أن كل من حارب الإمام علياً (عليه السلام)، إنما هو مجتهد مأجور على اجتهاده وإن أخطأ.
4 - التفسير الخاطى‏ء أو الأموي للأحداث، وعدم ذكر الحقائق المخالفة لهذا التفسير التحريفي، مثل ذكر تأويلات معاوية في الخروج على الإمام علي (عليه السلام) وعدم ذكر وجهة نظر الإمام الشرعي ومن معه.
5 - إهمال عدد كبير من الروايات الصحيحة التي لو اعتمدت في التأريخ لتغيَّرت النتائج.
6 - الكذب المباشر على التاريخ، مثال قول الفقيهي في رسالته: «إن أهل مكة أجمعوا على رفض بيعة علي»، وهذا ـ يقول الباحث المالكي ـ ما لم يرد في رواية صحيحة، ولا يؤيِّده الواقع التاريخي.
7 - اتِّهام الإمام علي (عليه السلام) بالسقوط في أخطاء متعددة والتعريض به. وغيرها من الملاحظات القيمة التي تصب كلها في الكشف عن عمليات تحريفية لتاريخ الإسلام.
وأخيراً إن الكتب التي يؤلفها اليوم من ينتصر للسلفية ولمذهب السلف، كلها محشوة بالكذب
________________________________________

[الصفحة - 259]


والافتراء والتحامل على الحق، والانتصار للظلم وأهله. يقول المالكي: «خلال البحث رأيت أن السمة الغالبة على الكتب التي انتقدتها أنها تربط التحقيق العلمي بالدفاع عن بني أمية فقط!! بل نجد أن بعض المؤرخين كمحب الدين الخطيب لا يتورَّع أن يطعن في علي أو الحسين أو ابن الزبير أو عبداللَّه بن حنظلة من أجل تبرئة بني أمية والدفاع عن يزيد والحجاج وأمثالهم!! وهذا غير لازم، بل هذا من بدع النواصب التي يقع فيها بعضهم وهو لا يدري‏ (19) .
________________________________________
(19)نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي، حسن بن فرحان المالكي، كتاب الرياض، عدد 42 يونيو 1997، مؤسسة اليمامة الصحفية ص 40 و41.

[الصفحة - 260]