البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الهجاء السياسي في شعر دِعْبِل الخزاعي‏

الباحث :  الاستاذ علي البهادلي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  8
السنة :  السنة الثانية شتاء 1418 هجـ 1997 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  3183

الهجاء السياسي في شعر دِعْبِل الخزاعي‏

الاستاذ علي البهادلي‏(*)

تروي كتبُ الأدب العربي ـ الإسلامي أن صديقاً لِدِعْبِل لامَهُ في هجاء الخلفاء، فقال له دعبل: دعني من فضولك، أَنا واللَّه أستصلب منذ سبعين سنة، ما وجدتُ من يجود بخشبة..!
وفي حين نقرأ ذلك عن دعبل، فإنّ وزير المعتصم والواثق العباسيَّيْن الأديب والشاعر محمّد بن عبد الملك الزيّات (ت‏233هـ/847م) حين قيل له: لِمَ لا تجيب دعبلاً عن قصيدته التي هجاك فيها؟ قال: إنَّ دعبلاً حَمَلَ خشبته على عنقه يدور بها، يطلبُ من يصلبه بها، وهو لا يبالي‏ (1) .
فمن يا تُرى هو هذا الشاعر؟
ولماذا يحمل خشبة صلبه على كتفه يبحث عَمّن يصلبه بها؟
وما هي أسباب ما عُرِفَ عنه من هجاء مقذع لم يسلم منه أحدٌ من الخلفاء، الّذين عاصرهم: هارون الرشيد، محمد الأمين، المأمون، المعتصم، والمتوكِّل؟ كما لم يَسْلَم منه وزراء هؤلاء الخلفاء؟
البطاقة الشخصية لدعبل‏
في كتاب «الأغاني» يرد اسمه ونسبه كالتالي: «هو دِعْبِل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل [وقيل بهنس‏] بن خداش بن خالد بن عبد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر مزيقيا» (2) .
وينقل صاحب «الغدير في الكتاب والسنة والأدب» عن مجموعة مصادر: أن اسمه ونسبه هو كالتالي: «دعبل بن علي بن رَزِين بن عثمان بن عبدالرحمن بن
________________________________________
(*)باحث إسلامي من العراق.
(1)الذهبي: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (ت‏748هـ/1374م). سِيرَ أعلام النبلاء، 11/519 ترجمة رقم 141. ط. مؤسسة الرسالة فالطبعة التاسعة 1413هـ/1993م. بيروت ـ لبنان. الأصفهاني: أبو الفرج (ت‏356هـ/967م) الأغاني، 20/69، ط. دار الثقافة ـ بيروت ـ لبنان (غير مؤرّخ).
(2)الأصفهاني: الأغاني: 20/68، م.س.

[الصفحة - 231]


عبداللَّه بن بُديل بن ورقاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزّى بن ربيعة بن جزي بن عامر بن مازن بن عدي بن عمرو بن ربيعة الخزاعي» (3) .
ويميل صاحب «موسوعة أعيان الشيعة» إلى اعتماد القول الثاني‏ (4) .
وإذا كان مؤرّخو الأدب العربي متردّدين في تاريخ وفاته بين قائل أنها سنة (246هـ/860م)، وقائل إنّها سنة (248هـ/862م) (5) ، فإن الإجماع يكاد ينعقد بينهم على أن ولادته كان بمدينة الكوفة بالعراق سنة (148هـ/765م) (6) ، في خلافة أبي جعفر المنصور (136 ـ 158هـ/153 ـ 774م).
وإذ يمتد عمره إلى ما يقارب القرن من الزَّمن، يكون دِعْبِل الخزاعي قد عاصر تسعةً من خلفاء العبّاسيّين هم: المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، والأمين، والمأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكِّل. فقد بدأت خلافة المنصور سنة (136هـ/753م)، وانقضت خلافة المتوكِّل سنة (247هـ/861م). كما يتّضح معاصرة دِعبل لخمسةٍ من أئمة أهل بيت النبيّ محمد(صلي الله عليه و آله) ، وهم: الإمام جعفر بن محمّد الصادق، الإمام موسى‏ الكاظم، الإمام علي الرِّضا، الإمام محمد الجواد، والإمام علي الهادي (عليهم أفضل الصلاة والسلام). فلقد كانت وفاة الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام) سنة (148هـ/765م) ووفاة الإمام علي الهادي سنة (254هـ/868م). وعلى الرغم من معاصرته لأولئك الأئمة، إلاّ أن الباحثين الذين كتبوا عن دعبل وعصره لم يتحدَّثوا عن اتصال هذا الشاعر بغير ثامن أئمة أهل البيت علي بن موسى‏ الرضا (عليه السلام)، وليس من تفسير لذلك في المصادر التي بين يدينا. غير أن المتبِّع لحالة الحصار الخانقة التي عاشها أئمة أهل البيت قبل الإمام الرضا وبعده يستطيع أن يفسِّر سبب عدم إتصال دعبل بهم، فيما تنفَّس الصعداء أنصارُ أهل بيت النبيّ وموالوهم ـ ولو بشكل نسبي ـ إبّان تسلّم الإمام الرِّضا ولاية عهد المأمون.
عقيدة دعبل‏
ينتمي دِعْبِل في نسبه إلى قبيلة خزاعة المعروفة بولائها العريق للإسلام ولرسول اللَّه، ولأهل بيت الرسول. فعبداللَّه بن بُديل بن ورقاء، الجدّ الأكبر لدعبل، كان هو وأخوه عبد الرحمن رَسُولَيْ رسول اللَّه محمد(صلي الله عليه و آله) إلى اليمن‏ (7) . وكانا
________________________________________
(3)الأميني: عبد الحسين أحمد النجفي (ت 1371هـ/1952م)، الغدير في الكتاب والسُنّة والأدب، 2/513. تحقيق مركز الغدير للدراسات الإسلامية فإيران ـ قم، 1416هـ/1995م.
(4)الأمين: محسن، أعيان الشيعة، 6/400، ط. دار التعارف ـ بيروت ـ لبنان 1406هـ/1986م.
(5)قارن: الذهبي: وفيات الأعيان، 11/519. الأصفهاني: الأغاني، 20/90 فما فوق. الأميني: الغدير في الكتاب والسنة والأدب 24/542 فما فوق.
(6)قارن: الذهبي: وفيات الأعيان، 11/519. الأصفهاني: الأغاني، 20/90 فما فوق. الأميني: الغدير في الكتاب والسنة والأدب 24/542 فما فوق.
(7)انظر: العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (ت‏852هـ/1448م) الإصابة في تمييز الصحابة، 4/18 ترجمة رقم (4577) وترجمة رقم (5101) ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان 1415هـ/1995م.

[الصفحة - 232]


وشقيقهم عثمان من فُرسان جيش الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في «صفّين» (8) . أمّا الأخ الرابع لعبد اللَّه بن بُديل: نافع بن بديل «كان قديم الإسلام، واستشهد على عَهْد النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) (9) الذي قتله أهلُ نجد حين بعثه الرسول محمد(صلي الله عليه و آله) مع سبعين رجلاً من خِيار المسلمين‏ (10) .
ويروي ابن مزاحم عن معاوية بن أبي سفيان وقد وقف على جثمان عبداللَّه بن بديل في «صفّين» أنه قال من جملة ما قال: «أنّ نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلاً عن رجالها فَعَلَتْ»(11) .
عاش دعبل وتربّى‏ في أجواء أسرةٍ موالية لأهل البيت، ومحبّة لها، وعلى‏ الرغم من كلّ الصور المشوَّهة التي نسجها بعض المؤرِّخين حول شخصية دعبل‏ (12) ، إلاّ أن أحداً لم يستطع أن يطعن في عقيدة دعبل، ولا أن يتّهمه بالإنحراف عن ولائه لأهل البيت. ويتجلّى هذا الوفاء ـ من ضمن ما يتجلّى ـ في مدحه للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام) في قصيدةٍ لم يبقَ منها سوى هاذين البيتين:
وكان سنانه أبداً ضميرٌ فليس له عن القلب إنقلابُ‏ُ
وصارمُه كبيعتِه بِخُمٍ‏ (13)
فموضعها من الناس الرقابُ‏ (14)
(بحر الوافر)
إنّ قراءة للنزر اليسير مما وصل إلينا من شعر دعبل الخزاعي قياساً إلى سنوات عمره التي امتدت إلى ما يقارب القرن؛ يمكن أن تعكس بجلاء وجهة نظره العقيدية في الولاء لأهل بيت النبي محمد(صلي الله عليه و آله) بل أن شعره يتمحّض في مدح أهل البيت وفي هجاء الأمويين والعباسيين وسواهم. يقول الشيخ كامل محمد عويضة في دراسته عن الصورة الفنيّة، عند دعبل: «يعكس شعر دعبل وجهة نظره العقائدية في فهم التشيّع، والتعبير عن سماته الفكرية باعتباره عقيدة مقدّسة ووجهة نظر ملتزمة... كذلك يتّصل بفكرة التشيع عند دعبل كثيرٌ مما آمن به المسلمون الشيعة من إمامة علي بن أبي طالب، وأحقّية بنيه في الخلافة... فلم يكن دعبل متطرفاً أو مغالياً في فكره، بل استمدت الصورة الشعرية لديه عناصرها من الواقع ومن التاريخ الإسلامي، مؤيِّداً صورَه بنصوصٍ من القرآن الكريم والحديث» (15) .
________________________________________
(8)المنقري: نصر بن مزاحم (ت 212هـ/827م) وقعة صفّين، 102. ط/2 المؤسسة العربية الحديثة. القاهرة (1382هـ/1962م). تحقيق عبد السلام هارون.
(9)العسقلاني: أحمد بن علي بن حجر (ت‏852هـ/1448م) الإصابة في تمييز الصحابة، 6/319 (ترجمة رقم 8671) ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان 1415هـ/1995م.
(10)المصدر نفسه.
(11) المنقري: وقعة صفّين، 247، م.س.
(12)انظر: الذهبي: سِيَر أعلام النبلاء، 11/519 ترجمة (141). الأصفهاني: الأغاني، 20/135 وما بعدها (م.س). الذهبي: شهاب الدين محمد بن أحمد بن عثمان، (ت‏748هـ/1374م) ميزان الاعتدال في نقد الرجال، 2/27، ترجمة رقم (2673) ط. دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان (غير مؤرّخ).
(13)خُمْ: غدير معروف بين مكة المكرّمة والمدينة المنوّرة بالجحفة، وفيه قال رسولُ اللَّه للإمام علي بن أبي طالب: «من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه».
(14)الخزاعي: ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 24 تحقيق الدكتور محمد يوسف نجم. ط. دار الثقافة ـ بيروت ـ لبنان (1409هـ/1989م).
(15)عويضة: كامل محمد، دعبل بن علي الخزاعي ـ الصورة الفنّية في شعره، 132ـ133 (بتصرّف)، ط. دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان (1413هـ/1993م).

[الصفحة - 233]


يقول دعبل معبِّراً عن حبّه للنبي محمد(صلي الله عليه و آله) ، وحبِّه لعلي ( عليه السلام) ، ولفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام):
بأبي وأُمّي سبْعَةٌ أحْبَبْتُهُم‏ للّهِ لا لِعَطيَّةٍ أُعطاهاُ
بأبي النبِيُّ مُحمّدٌ ووَصِيُّهُ‏ والطيِّبانِ وبِنْتُهُ وابْنَاها (16)
(بحر الكامل)
ويقول أيضاً:
أَعَدَّ للَّهِ يومَ يلقاهُ‏ دِعبِلُ أَنْ لا إلهَ إلاّ هُوُ
يقُولُه صادِقاً عساه بها يَرْحمُهُ في القيامةِ اللّهُ‏ُ
اللَّهُ مولاه والنبيُّ وَمِنْ‏ بَعْدِهما فالوصيُّ مولاه‏ (17)
(بحر المنسرح)
ويلاحَظ هنا أن كلمة (الوصي) تردَّدت في المقطوعتين أَعلاه، فقد عبَّر عن محمد(صلي الله عليه و آله) بـ(النبي)، فيما جاءت الإشارة إلى أَمير المؤمنين علي ( عليه السلام) بعبارة (الوصيّ)، وليس دعبل ممّن يطلق الألفاظ اعتباطاً، بل هو يعي جيداً ما لها من مدلول عقيدي واضح.
ويعثر قارى‏ءُ ديوان دعبل على جملة قضايا عقيدية يأتي عليها دعبل بشكل عابر، فقضية تتصل بعلم الكلام عند المسلمين كقضية التحسين والتقبيح العقليَّين من القضايا الاجتهادية بين علماء المسلمين. يعالجها دعبل شعراً، ويختزل الدليل على ما يعتقده كمسلم شيعي، فيقول:
هيَ النفسُ ما حَسَّنْتَهُ فَمُحَسَّنٌ‏ لدَيْها وما قبَّحْتَهُ فَمُقَبَّحُ‏ (18)
(بحر الطويل)
وفي هذا البيت يختزل دعبل الخزاعي عقيدة الشيعة الإمامية بالقول بالحسن والقبح العقلِيَّين، فالناس وحتى من ليس لهم دين منهم؛ يحكمون على أن من الأفعال ما هو حَسَن ومنها ما هو قبيح، دون توقّف حكمهم ذمّاً أو مدحاً على معرفة أن الشرائع أمرت بما مدحوه من الأفعال أو نهت عمّا ذمّوه منها.
________________________________________
(16)ديوان دعبل، 161 (م.س.).
(17)نفسه.
(18)نفسه، 55.

[الصفحة - 234]


ويغلب على الظن، أن الشاعر قال ذلك البيت من الشعر أَيام خلافة الواثق باللَّه هارون بن محمّد المعتصم، إذ عُرِفَ عن الأخير انشغاله بالاختلافات الكلاميّة.
وإذا كان الشاعر يتحدّث بلغة المنطق والعقل، وهو يتناول بعض قضايا العقيدة، ففي رثائه لأهل البيت (عليهم السلام) تطغى على شعره «رقّة الأُسلوب، وحدّة العاطفة، وتدفّق الإحساس حتى صار رثاؤه في آل البيت دموعاً غزيرة نابعة من عاطفة حزينة غطَّت بكائياته في آل البيت بثوبٍ استوحاه من مآسي آل البيت وحوادثهم التي قاسوا منها ما قاسوه» (19) . وتروي جلُّ مصادر الدراسة عن دعبل قصّة زيارته للإمام علي بن موسى الرّضا في (مَرْو) (20) مع صديقه الحميم إبراهيم بن العبّاس الصولي في شهر المحرّم، وكان أئمة أهل البيت يولون مسألة إحياء مأساة الإمام الحسين في كربلاء بالتأكيد على محبِّيهم ومواليهم من الشعراء والأدباء للمشاركة في تخليد ذكرى هذه الثورة فالمأساة، فلما رأى الإمام الرضا دعبل الخزاعي مقبلاً قال له:
مرحباً بمادحنا ومحبِّنا، ومرحباً بناصرنا بيده ولسانه. ثمّ قال ( عليه السلام) :
يا دعبل، أحب أن تنشدني شعراً، فإن هذه الأيام أيام حزن كانت علينا أهل البيت وأيام سرور على أعدائنا بني أُمية.
ثم نهضَ الإمامُ الرضا (عليه السلام) وضرب ستراً بيننا وبين حَرِمَه، وأجلس أهل بيته من وراء السِّتر وقال لدعبل: إِرثِ الحسين. فأنتَ ناصرنا وما دحنا ما دمتَ حيّاً. قال دعبل:
فاستعبرتُ وسالت عبرتي وقلت:
مَدَارِسُ آياتٍ خَلَتْ من تِلاوةٍ ومَنْزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ العَرَصاتِ‏ُ
لآلِ رَسولِ اللَّهِ بالخَيْفِ من مِنىً‏ وبالرُّكْنِ والتَّعْريفِ والجَمَراتِ‏ُ
ديارُ عليٍّ والحُسيْنِ وَجَعْفَرٍ وحَمْزَةَ والسَّجَّادِ ذي الثَفِنات‏ (21) ُ
ديارٌ لِعَبْدِ اللَّهِ والفَضلِ تِلْوَهُ‏ نَجِيِّ رَسُولِ اللَّهِ في الخَلَواتِ‏ُ
مَنازِلُ كانَتْ لِلصَّلاةِ ولِلتُّقَى‏ ولِلصَّوْمِ والتَّطْهيرِ والحَسَناتِ‏ُ
مَنازِلُ جِبْريلُ الأمينُ يَزورُها مِنَ اللَّهِ بالتَّسْلِيم والرَّحماتِ‏ُ
________________________________________
(19)عويضة: دعبل بن علي الخزاعي ـ الصورة الفنية في شعره، (م.س.).
(20)مَرْو: مدينة في شمال شرق إيران ضمن إقليم خراسان.
(21)جعفر: هو سادس أئمة أهل البيت الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) (ت‏148هـ/765م)، وحمزة هو بن عبد المطّلب عم الرسول محمد (صلي الله عليه و آله) . السجّاد ذو الثفنات، هو لقب أبي محمد علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، والسجّاد لُقّب بذلك لأنّ مساجده كانت كثفنة البعير من كثرة صلاته.

[الصفحة - 235]


مَنازِلُ وَحْيِ اللَّهِ مَعْدِنُ عِلْمِهِ‏ سَبيلُ رَشادٍ وَاضحُ الطُّرُقاتِ‏ُ
دِيارٌ عَفاهَا جَوْرُ كُلِّ مُنابِذٍ وَلَمْ تَعْفُ بالأيَّامِ وَالسَّنَواتِ‏ُ
قفَا نَسْألِ الدَّارَ التي خَفَّ أهْلُها مَتى عَهْدُهَا بِالصَّومِ والصَّلَواتِ‏
فوأيْنَ الأُلى شَطَّتْ بِهِمْ غُرْبَةُ النَّوى‏ أفانينَ في الأطْرافِ مُنقَبضاتِ‏ُ
هُمُ أهْلُ مِيراثِ النَّبيِّ إذا اعْتَزَوْا وَهُمْ خَيْرُ قاداتٍ وَخَيْرُ حُماةُِ
مَطاعيمُ في الإعْسارِ في كُلِّ مَشهَدٍ لَقَدْ شَرُفُوا بِالْفَضْلِ والبَرَكاتِ‏ُ
أَئِمَّةُ عَدْلٍ يُقْتدى بِفِعالِهِمْ‏ وتُؤمَنُ مِنْهُم زَلَّةُ العَثراتِ‏ُ
وما النَّاسُ إلا غاضِبٌ ومُكَذِّبٌ‏ ومُضْطَّغِنٌ ذو إحْنَةٍ وَتِراتِ‏ُ
إذا ذَكَروا قَتْلى بِبَدْرٍ وَخَيْبَرٍ وَيَوْمِ حُنَيْنٍ أسْبَلوا العَبراتِ‏ُ
وَكَيْفَ يُحِبُّونَ النَّبيَّ وأهْلَهُ‏ وَقدْ تَركُوا أحشاءَهُمْ وَغِراتِ‏ُ
لَقَدْ لاَينوهُ في المقَالِ وَأضْرمُوا قُلوباً على الأَحقادِ مُنْطَوياتِ‏ُ
قُبورٌ بِكُوفاتٍ وَأُخرى بِطَيْبةٍ وأُخْرَى بِفَخٍّ نالَها صَلَواتِي‏ُ
وآخَرُ من بَعْدِ النَّبيِّ مُبَارَكٌ‏ زَكِيٌّ أَوَى بَغْدادَ في الحُفُراتِ‏
واستمر دعبل بالإنشاد إذ تخلَّل الأبيات تعليقات الإمام الرضا وتصديقه لدعبل وبكائه، وإلى أن قال دعبل:
خُروجُ إمامٍ لا مَحالةَ خارِجٌ‏ يَقومُ على اسمِ اللَّهِ وَالبَرَكاتِ‏ُ
يُمَيِّزُ فِينا كُلَّ حَقٍّ وباطِلٍ‏ وَيَجْزِي على النَّعْماءِ والنَّقَماتِ‏
فبكى الإمام الرضا في البيتين الأخيرين بكاءً شديداً ثم رفع رأسه، وقال لدعبل:
يا خزاعي: نطق روحُ القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام، ومتى‏ يقوم بها؟
أجاب دعبل: يا مولاي إني سمعت بخروج إِمام منكم يطهِّر الأرض من الفساد، ويملأها عدلاً.
قال الإمام ( عليه السلام) : يا دعبل: الإمام بعدي محمد إبني، ومن بعد محمّد ابنه علي، وبعد عليّ ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته.
________________________________________

[الصفحة - 236]


المطاع في ظهوره، لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللَّه ذلك اليوم حتى يخرج ليملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً. وأمّا متى؟ فإخبارٌ عن الوقت، وقد قال رسول اللَّه حين سُئِلَ: متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: «مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها إلاّ هو. ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة».
ولما وصل دعبل إلى:
لقد خفتُ في الدنيا وأيّام سعيها وإِني لأَرجو الأَمن بعد وفاتي‏
قال الإمام ( عليه السلام) :
آمَنَك اللَّهُ يوم الفزع الأكبر.
وواصل دعبل إلقاء أبيات هذه القصيدة، حتى إذا وصل إلى:
وقَبرٌ ببغدادٍ لنفسٍ زكيّةٍ تضمّنها الرحمن في الغرفاتِ‏
قال الإمام الرضا (عليه السلام): أفلا أُلْحِق بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟ قال دعبل: بلى‏ يا ابن رسول اللَّه!
فقال الإمام علي بن موسى‏ الرضا (عليه السلام):
وقبرٌ بطوسٍ، يا لها من مصيبةٍ تَردَّد بين الصَّدر والحَجَباتِ‏ُ
إلى اللَّه حتّى يبعثَ اللَّهُ قائماً يُفَرِّجُ منها الهَمَّ والكُرُباتِ‏
(بحر الطويل)
دعبل: هذا القبر الذي بطوس قبرُ مَن؟
الإمام: قبري‏ (22) .
تتفجر غنائية ملحوظة في أبيات دعبل هذه، بحيث لا يكاد يردّدها أي متذوق فنّي حتى يسحر من غنائيتها الحزينة، لذلك لا نعجب حينما نجد الإمام الرضا (عليه السلام) عندما يستمع إلى قوله:
أرى فيئَهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فَيئهم صفراتِ‏
إذا به يعلِّق قائلاً: (صَدَقْتَ)، فهذه الكلمة تعبير عن انفعاله ( عليه السلام) حيال البيت. ويعلِّق على البيت الآتي:
إذا وُتِروا مَدّوا إلى‏ واتريهِمُ‏ أكفّاً عن الأوتار مُنقبضاتِ‏
________________________________________
(22)انظر مصادر هذه القصّة والقصيدة على اختلافٍ في بعض ألفاظها: الأصفهاني: الأغاني: م.س.ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 35 وما بعدها. الأمين: أعيان الشيعة، 400 فما فوق (م.س.).

[الصفحة - 237]


يعلِّق الإمام ( عليه السلام) قائلاً: (أجل واللَّه منقبضات) وهو يقلب كفّيه.. «حيث إنّ عملية تقليب الأكف تعد انفعالاً كبيراً حيال البيت، وما يتضمَّن من دلالة مصوغة بلغة فنّية غنائية بالغة الإمتاع» (23) .
هجاء الخلفاء
تبرز ظاهرة الهجاء في شعر دعبل الخزاعي بشكل يجعلها تطغى على بقيّة أغراضه من خلال أبيات شعره. وإذا كان الحطيئةُ قد هجا حتى نفسه حين نظر في البئر فقال:
أرى لي وجهاً شَوَّه اللَّه خلقه‏ فَقُبِّح من وجهٍ وقُبِّح حامِلُه‏(24)
إذا كان الحطيئة يفعل ذلك؛ فإن دعبل الخزاعي لم يَهْجُ سوى خلفاء عصره وحواشيهم. ولم يكن هجاؤه للخلفاء والحاكمين عهدئذ إلاّ بدافع العقيدة والمبدأ وموالاة أهل البيت (عليهم السلام). يقول الشيخ الأميني: «وما يُنْقم من دعبل الخزاعي من التوغّل في الهجاء في غير واحدٍ من المعاجم، فإنّ نوع ذلك الهجو والسباب المُقذع فيمن حَسِبَهم أعداء للعترة الطاهرة وغاصبي مناصبهم، فكان يتقرَّب به إلى اللَّه وهو من المُقَرِّبات إليه سبحانه زُلفى‏، وإِنَّ الولاية لا تكون خالصةً إلاّ بالبراءة مِمَّن يُضادُّها ويعاندها، كما تبرّأ اللَّهُ رسولُه من المشركين، وما جعل اللَّه لرجلٍ من قلبين في جوفه، غير أن أكثر أرباب المعاجم من الفئة المتحيّزة إلى أعداء هذا الشاعر، حسبوا ذلك منه ذنباً لا يُغفر كما هي عادتهم في جُلِّ رجالات الشيعة» (25) من الذين يكتبون تراجمهم في موسوعات الأدب، والفقه، والبلدان، وغيرها.
«وعندما يتّجه دعبل إلى هجاء السلاطين إنّما يكون بذلك قد مارس عملية دفاع مشروعة عن الحق» (26) .
هجاؤه لهارون الرشيد
تعود علاقة الشاعر دعبل الخزاعي بهارون الرشيد إلى بيت شعر قاله دعبل، وعُرِفَ به، وهو قوله:
لا تَعْجبي يا سَلْمُ من رَجُلٍ‏ ضَحِكَ المشِيبُ برأسِهِ فبكى‏ (27)
(بحر الكامل)
________________________________________
(23) البستاني: تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، 522. ط. مجمع البحوث الإسلامية فقم ـ إيران (1413هـ/1993م).
(24) الأصفهاني: الأغاني، 2/136، (م.س).
(25)الأميني: الغدير في الكتاب والسنة والأدب، 2/522 (م.س.)
(26)البستاني: تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، 520.
(27)ديوان دعبل، 117، (م.س.).

[الصفحة - 238]


فغنّى‏ بهذا البيت بعضُ المغَنّين، وشاع، فَغُنِّيَ بين يديْ هارون الرشيد، فطرب وسأل عن قائل الشعر، فقيل له غلام من خزاعة يقال له: دعبل بن علي، فأرسل الرشيد خادمَه إلى خزاعة وأرسل له بعض المال قائلاً له: «إذهب به إلى خزاعة فاسأل عن دعبل، فإذا دُللت عليه، فاعطِه هذا، وقلْ له: ليحضر إن شاء، وإنْ لم يحب ذلك فدعه. فصار [أو فسار] الغلام إلى دعبل وأعطاه الجائزة وأشار عليه بالمصير إليه، فصار معه إليه» (28) .
في قراءة متأنّية لرواية أبي الفرج هذه، يجد الباحث ضرورة البحث عن السبب الذي يدفع بهارون الرشيد لتقريب شاعر تمتد جذوره لأسرة موالية لشرعية الخلافة المتمثّلة بعلي بن أبي طالب وأولاده المعصومين، ولقد حفلت الكتب التي تؤرّخ لصفّين ببطولات أجداد دعبل وأعمامه وإخوته فيها، حتّى‏ لقد قال معاوية فكما قلنا سابقاًف: «أن نساء خزاعة لو قدرت على أن تقاتلني فضلاً عن رجالها فعلت« (29) . ودعبل لم يخرج عن خط الولاء هذا؟
يبدو أن الرشيد كان قد وضع خطّة في اجتذاب شعراء عصره، وإجراء الصِّلات لهم والهبات عليهم، ليكونوا بمنأى عن خصوم الخلافة، فلا يُتّخذوا وسائل إعلام لخط أُولئك الخصوم.
ولكن، هل استطاع الرشيد تحقيق ذلك فيما فعله مع دعبل؟
وهل نَسِيَ الخزاعيُّ آلَ البيت في ظل رغبة «الخليفة»، ونَسِيَ حقَّ آل البيت في الخلافة؟ أم هل نَسِيَ المصائب التي جرت عليهم من قبل الأمويين ومن بعدهم العباسيين؟
يذكر أبو الفرج الأصفهاني رواية عبداللَّه بن طاهر التي يقول فيها: «وما بلغ الشاعر [دعبل‏] أن الرشيد مات حتّى كافأه على فعله بأقبح مكافأة، وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت (عليهما السلام) وهجا فيها الرشيد:
[يا أُمَّةَ السُّوءِ ما جَازَيْتِ أحْمَدَ في‏ حُسْنِ البَلاءِ على التَّنزِيلِ والسُّوَرِ]
________________________________________
(28) الأصفهاني، الأغاني، 20/137 (م.س.).
(29)المنقري، وقعة صفّين، 247 (م.س.)

[الصفحة - 239]


وَليْسَ حَيٌّ من الأحْياءِ نَعْلَمُهُ‏ من ذي يَمَانٍ ولا بَكْرٍ ولا مُضَرِ
إلا وهُمْ شُركاءٌ في دِمائِهمِ كما تَشارَك أَيْسارٌ على جَزَرِ
قَتْلٌ وأسْرٌ وَتحْرِيقٌ وَمنْهَبَةٌ فِعْلَ الغُزاةِ بأرْضِ الرُّومِ والخَزَرِ
أَرَى‏ أُمَيَّةَ مَعْذُورينَ إنْ قَتَلُوا ولا أرى لِبَنِي العبَّاسِ من عُذُرِ
أبناءُ حَرْبٍ ومروانٍ وأُسرَتُهُم‏ بنو معيطٍ وُلاةُ الحِقْدِ والوَغَرِ
قومٌ قتلتم على الإسلامِ أوَّلَهُمْ حَتّى إذا اسْتَمكنُوا جازوا على الكُفُرِ
أرْبَعْ بِطُوسٍ على القَبْرِ الزَّكِيِّ بها إنْ كُنْتَ تَرْبَعُ مِنْ دينٍ على وَطَرٍ
قَبْرَانِ في طوس: خَيْرُ النَّاسِ كُلِّهِمُ‏ وَقَبْرُ شَرِّهِمُ، هذا مِنَ العِبَرِ
ما يَنْفَعُ الرِّجْسُ من قُرْبِ الزَّكِيِّ ولا على الزَّكِيِّ بِقُرْبِ الرِّجْسِ من ضرَرِ
هَيْهاتَ كُلُّ امرِى‏ءٍ رَهْنٌ بِمَا كَسَبتْ‏ له يَدَاهُ فَخُذْ ما شِئْتَ أوْ فَذَرِ
ولم يذكر صاحب الأغاني البيت الأوّل، وإنّما وجدناه في ديوان دعبل الذي جمعه وحقّقه الدكتور محمد يوسف نجم، كما ويُوجد في الديوان هذان البيتان ضمن أبيات هذه القصيدة:
أبْناءُ حَرْبٍ وَمَرْوانٍ وأُسْرَتُهُمْ‏ بنو مَعيطٍ وُلاةُ الحِقْدِ والوَغَرِ
________________________________________

[الصفحة - 240]


قَوْمٌ قَتَلْتُمْ على الإسْلامِ أَوَّلَهُمْ‏ حتَّى إذا اسْتَمْكَنوا جازوا على الكُفُرِ(30)
(بحر البسيط)
فالشاعر يهجو العباسيين موضحاً مظالم الحكّام في آل بيت النبي محمد(صلي الله عليه و آله) ، فإذا كانت الثورات الإسلامية الشيعية قد استطاعت تقويض أركان الحكم الأموي، فإنّ العباسيين قد صادروا تلك الثورات والانتفاضات، ومن ثم انحراف العباسيين عمّا طرحوه من رد الاعتبار لأهل البيت (عليهم السلام)، وبالتالي ليتحوّل العباسيون إلى ملوك زمنيين لا يختلفون عن الأمويين كثيراً في عدائهم لآل البيت ولمُواليهم ومحبّيهم، حتّى لقد قابل العباسيون الانتفاضات الشيعية بوحشيّة بالغة لا تقلّ قساوةً عن الوحشيّة الأَمويّة.
ولكن، لماذا يعذر الشاعرُ دعبل الخزاعي الأمويين على قتل آل البيت حين يقول:
أرى أُميّة معذورين إن قَتَلوا ولا أرى لبني العباس من عُذُرِ
إن دعبل يعذر الأمويين على أَفعالهم لأنهم أعداء الهاشميين في الجاهلية والإسلام. أمّا العباسيون فإنهم بنو عمّهم، فليس لهم عذر فيما فعلوا، ويخص الشاعر دعبل في قصيدته الرائية هارون الرشيد بالهجاء، فلقد وصف هارون بالرجس، وراح يقابل بينهما، ويتساءل: كيف يجتمع الضدّان في مكان واحد:
قبران في طوس خير الناس كلّهم‏ وقبرُ شرِّهم هذا من العِبَر
إشارة من الشاعر إلى قبر الإمام علي بن موسى الرِّضا (عليه السلام)، وقبر هارون الرشيد في مدينة (طوس) بإيران.
إن تلك الأبيات الشعرية «تتضمن مقارنة بين قبرين متجاورين (الإمام الرضا (عليه السلام) والرشيد) وقد صاغها وفق صور (تضمينية) و(استدلالية). أما الصورة التضمينية فتتمثّل في قوله: (كل امرى رهن بما كسبت يداه)، وأما الصورة الاستدلالية فتتمثل في قوله: (ما ينفع الرجس من قرب الزكي) و (لا على الزكي بقرب الرجس من ضرر). إن نجاح هذه الصور يتجسَّد في ركونها إلى الاستدلال
________________________________________
(30)الأصفهاني: الأغاني، 20/138، (م.س.) وديوان دعبل بن علي الخزاعي، 178ـ179.

[الصفحة - 241]


القائم على أن تجاور قبرين، يفترقان في هويتهما إيجابياً وسلباً لا يعني تماثلهما من جانب، كما لا ضرر على ذلك من جانب آخر، وهو استدلال فنّي ممتع كل الامتاع» (31) .
وعلى الرغم من أن جُلّ مصادر الدراسة عن دعبل الخزاعي قد ذكرت هذه الأبيات كما أوردناها هنا (32) ، إلاّ أن بعض الباحثين يعمد لتغيير كلمة (الزكي)، فيذكرها (الركي) مرّة، ويجعلها في صدر البيت ما قبل الأخير من المقطوعة. فيما يجعل كلمة (الزكر) بدل (الزكي) في عجز البيت‏(33) ولا أدري كيف يستقيم الوزن الشعري لديه مع هذا التغيير، قبل أن تستقيم لديه الأمانة العلمية، والحقيقة التاريخية!!
هجاؤه للمأمون‏
ثمّة هدنة ـ إذا صحّ هذا التعبير ـ بين المأمون وبين دعبل الخزاعي، ولعل من أحد أسباب تلك الهدنة موضوع ولاية العهد التي قَبِلَها الإمام الرضا (عليه السلام)، وكُتبت صيغتها النهائية في (8 رمضان 201هـ/816م). وسبب آخر من أسباب تلك الهدنة ما تظاهر به المأمون من حب آل البيت (عليهم السلام) والعطف على أشياعهم ومحبّيهم. وحين بدا واضحاً لذوي البصائر النافذة أن ما فعله المأمون لم يكن إلاّ سياسة مرحلية لدعم جبهته في صراعه المحموم على الحكم سياسياً وعسكرياً مع أخيه الأمين. وما أن قُتِلَ الأمين في بغداد والمأمون لم يزل في (طوس) التي اتّخذها عاصمة لدولته؛ راح يتردّد في أرجاء قصر المأمون ترشيح المغنّي المعروف ابراهيم بن المهدي ـ وهم عمّ المأمون ـ لخلافة المسلمين بعد المأمون.
وإذا كان دعبل لا يرى شرعية الخلافة في المأمون أو الأمين، ويحصر شرعيتها في أصحابها الحقيقيين أهل بيت النبي محمد (عليه السلام)، فكيف بمغنٍّ خليعٍ؟ فراح يصوِّر هذا المرشَّح للخلافة والملقَّب بابن شُكْلَة بما عُرف به دعبل من نقدٍ سياسي لاذع، مصوِّراً وكأنَّ قَدَر المسلمين أن تحكمهم سلالة من (الفنّانين)، يقول دعبل:
عِلْمٌ وتحكيمٌ وشيْبُ مَفارِقِ‏ طَمَّسْنَ ريعان الشباب الرَّائِقِ‏ (34) ُ
وإمارة في دَوْلةٍ مَيْمونَةٍ كانت على‏ اللّذاتِ أشغبَ عائِقِ‏ (35) ُ
فالآن لا أغْدو وَلَسْتُ برائِحٍ‏ في كِبْرِ معشوقٍ وذِلَّة عاشِقِ‏
________________________________________
(31)البستاني: تاريخ الأدب العربي: م.س.، 524.
(32)منها: الأصفهاني: م.س. 20/138. الحموي: ياقوت بن عبداللَّه الحموي (ت‏626هـ/1228م) معجم البلدان، 4/57، مادة (طوس) ومادة (خزر). ط. دار الكتب العلمية 1410هـ/1990م. بيروت ـ لبنان. ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 178 م.س.
(33)عويضة: دعبل بن علي الخزاعي ـ الصورة الفنية في شعره، 42.
(34)التحكيم: التجربة. طَمَّسنَ: أضعنَ.
(35)أشغب: من شغب بمعنى عاق وجارَ به عن الطريق.

[الصفحة - 242]


فأَنّى يكون وليس ذاك بكائنٍ‏ يرث الخِلافة فاسقٌ عن فاسقِ‏ُ
نَعَرَ ابنُ شُكْلَة بالعراقِ وأهلِهِ‏ فهفا إليه كُلُّ أطْلَسِ مائقِ‏ (36) ُ
إن كان ابراهيمُ مضطلِعاً بها فلتصلُحَنْ مِنْ بعده لمُخارِقِ‏ (37) ُ
وَلْتَصْلُحَن من بعد ذاك لِزُلْزُلٍ‏ وَلْتَصْلُحَن من بَعدِهِ للمارقي‏ (38)
(بحر الكامل)
يقول أبو الفرج الأصفهاني بعد أن ذكر بعض هذه الأبيات: «فلمّا قرأها المأمون ضحك، وقال: قد صفحتُ عن كل ما هجانا به، إذ قرن إبراهيمَ بمخارق في الخلافة وولاة عهده» (39) .
وليس ببعيد عن أجواء هذه الأبيات نقرأ لدعبل في هجائه لابراهيم ـ عم المأمون ـ نقداً جمع فيه دعبل بين السخرية والدُعابة، وذلك لمّا بلغه أنَّ جُند ابراهيم قد اجتمعوا حوله يطالبونه بالمعاش، فماطلهم مدّة، وسوّفهم مدّة. وبعد يأسهم أَحاطوا بقصره في بغداد وأَعلمهم الخليفة (المُغنّي) أن لا مال لديه.. فانبرى‏ أحد الظرفاء من بين الجند، وطلب من إبراهيم أن يغنّي لأهل الرّصافة فحَيُّ من أحياء بغداد ـ ثلاثة أصوات، أي ثلاثة ألحان، ولأهل الكَرْخ ـ حيٌّ من أحياء بغداد أيضاً ـ ثلاثة أصوات بدل المعاش. فأخذ دعبل هذا المعنى، ونظمه شعراً، وقال متهكّماً:
يا مَعْشرَ الأجْنادِ لا تَقْنَطُوا وارْضَوْا بِمَا كانَ ولا تَسْخَطُواُ
فَسَوْفَ تُعْطَونَ حُنَيْنِيَّةً (40)
يَلْتَذُّها الأمْرَدُ والأشْمَطُُ
وَالمعْبَدِيَّاتُ‏ (41) لِقُوَّادِكُمْ‏
لا تَدْخُلُ الكِيسَ ولا تُرْبَطُُ
وَهَكذا يَرْزُقُ قُوَّادَهُ‏ خَلِيفَةٌ مُصْحَفُهُ‏ (42) البَرْبَطُ (43)
(بحر السريع)
فدعبل يهجو إبراهيم بن المهدي بأنه مغنٍ لا يهب إلاّ الغناء، فاستخفّ الشاعر به، كما استخفّ بخلافته حيث هبطت وَهَوت فتولاّها مغنٍ متهتّك.
ولم يُسكِت دعبلَ صفحُ المأمون عنه، لأن دعبل يعلم أن باطن المأمون لم يكن كظاهره، فلم يستكن إليه دعبل كما لم يستكن للرشيد من قبل. فاشتعل الغضب في أعماقه، والتَهَب وكتب في نقده قائلاً:
________________________________________
(36)نعر: صرخ. الأطلس: اللص على التشبيه بالذئب. مائق: أحمق. وابن شُكلة هو إبراهيم بن المهدي ـ عم المأمون ـ وشُكلة أمّ إبراهيم.
(37)مُخارق وزلزل والمارقي الذين سترد أسماؤهم في البيت اللاحق من المغنّين.
(38)انظر: الطبري: محمد بن جرير ت(310هـ/923م) تاريخ الرّسل والملوك، 8/661 أحداث سنة 218هـ، تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم ط. 3 دار المعارف ـ مصر/القاهرة (غير مؤرّخ). الأصفهاني: الأغاني: 20/139(م.س.). ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 115ـ116، (م.س.).
(39)الأصفهاني: 20/139، م.س.
(40)الحنينية نسبة إلى المغنّي حنين.
(41)المعبديات نسبة إلى معبد. يسخر الشاعرُ منه ومن عطائه. ويقول: إنه لا يهب إلاّ الأغاني، لأنّه مغنٍّ.
(42)البربط: آلة موسيقية قديمة تشبه العود.
(43)الأصفهاني: الأغاني: 69ـ70، (م.س.). ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 97، (م.س.)

[الصفحة - 243]


وَيسُومُني المَأمُونُ خُطَّةَ عَاجِزٍ أوَما رَأى بالأمْسِ رأسَ مُحمَّدُِ
يُوفي على رُوسِ الخَلائِقِ مثلَ مَا تُوفي الجِبَالُ على رؤُوسِ القَرْدَدِ (44) ُ
وَيَحُلُّ في أكْنَافِ كُلِّ مُمَنَّعٍ‏ حتَّى يُذَلِّلَ شاهِقاً لم يُصْعَدُ
لا تَحْسَبَنْ جَهْلي كَحِلْمِ أبي فمَا حِلْمُ المشَائِخِ مِثِل جَهْلِ الأمْرَدِ
ويشتدّ غضب دعبل فيقول للمأمونِ مهدِّداً:
إنِّي من القَوْمِ الذينَ سُيُوفُهُمْ‏ قَتَلَتْ أَخَاكَ وَشرَّفَتْكَ بِمَقْعدُِ
شَادوا بذِكْرِكَ بَعْدَ طُولِ خُمولِهِ‏ واستَنْقَذوكَ مِنَ الحضيضِ الأوْهَدِ
ثمّ يحذّر المأمون من أن يتمادى في غيّه:
إنّ التِّرَات مُسَهَّدٌ طُلاّبُهَا فاكْفُفْ لُعابَك عَن لُعابِ الأسْوَدِ (45) ُ
كَمْ من كَريمٍ قَبْلَهُ وخلِيفةٍ أضْحى لنا دَمُهُ لذيذَ المقْصِدُِ
مثلِ ابْنِ عَفَّانٍ ومِثْلِ وَليدِهِمْ‏ أو مِثْلِ مَرْوانٍ ومِثْلِ مُحمَّدِ (46)
(بحر الكامل)
يعلِّق الشيخ عويضة على هذه الأبيات قائلاً: «ولم نَرَ شاعراً غير دعبل يخاطب الخليفة بمثل هذا التحدّي» (47) .
هجاؤه للمعتصم‏
ما أن تولّى‏ المعتصمُ العباسي محمد بن هارون ثامن الخلفاء العباسيين الحكمَ سنة (218هـ/833م)؛ حتّى وجد دعبل نفسه في صميم المعارضين لخلافته وحكمه، ولا سيّما مع تصاعد كُره المعتصم لشيعة آل البيت (عليهم السلام) ومحبّيهم، ولم يكن دعبل ليسكت عن كل هذا الحيف الذي ألحقُه المعتصمُ بالمسلمين الشيعة. ويؤكِّد هذا ما يذكره أبو الفرج الأصفهاني، إذ يقول:
«كان المعتصم يبغض دعبلاً لطول لسانه، وبلغ دعبلاً إنه يريد اغتياله وقتله، فهرب منه إلى الجبل وقال يهجوه:
بَكى لِشَتاتِ الدِّينِ مُكتئِبٌ صَبُ‏ وفاضَ بِفَرْطِ الدَّمْعِ من عَيْنِهِ غَرْبُ‏ُ
وقامَ إمامٌ لَمْ يَكُنْ ذَا هدايةٍ فَلَيْسَ لهُ دِينٌ ولَيسَ لَهُ لُبُ‏
________________________________________
(44)القَرْدَدِ: المكان الغليظ المرتفع.
(45)الأسود: الأفعى.
(46)انظر: الأصفهاني: الأغاني، 20/132 (م.س.). ديوان: دعبل بن علي الخزاعي، 69ـ70، (م.س.)
(47) عويضة: دعبل بن علي الخزاعي ـ الصورة الفنية في شعره، 45 (م.س.).

[الصفحة - 244]


فوما كانت الأنباءُ تأتي بِمِثْلهِ‏ يُمَلَّكُ يَوْماً أو تَدِينُ لَهُ العُرْبُ‏ُ
ولكن كما قالَ الذينَ تَتَابعُوا من السَّلَفِ الماضِينَ إذْ عَظُمَ الخَطْبُ‏ُ
ملوكُ بني العبَّاسِ في الكُتْبِ سَبْعةٌ ولم تأتِنا عن ثامِنٍ لَهُمُ كُتْبُ‏ُ
كذلِكَ أهْلُ الكَهفِ في الكَهْفِ سَبْعَةٌ خِيارٌ إذا عُدُّوا وثامِنُهُمْ كَلْبُ‏ (48) ُ
وإنّي لاعْلي كَلْبَهُمْ عَنْكَ رِفْعَةً لأِنَّكَ ذو ذَنْبٍ ولَيْس لهُ ذَنْبُ‏
وحين يضمِّن دعبل شعره نصاً قرآنياً، «فإن الأهمية لهذا التضمين ليس هو نقل أثر من القرآن بنصّه، بل (تحريره) وفقاً للهدف الذي ينشده الشاعر. فملوك بني العباس لا يفرق أحدهم عن الآخر من حيث الهوية السياسية، ولكن الشاعر عرض لثامنهم وهو (المعتصم) إتساقاً مع أصحاب الكهف الذين كان ثامنهم (كلبهم).. دون أن يلتزم بحرفية النقل. نظراً لأن أصحاب الكهف لم يتحدد عددهم أولاً. كما أنهم جميعاً (إيجابيون) بعكس السلاطين الذين ذكرهم. فضلاً عن أن (الكلب) لم يحمل سمة سلبية بل فكما تقول بعض النصوص المفسِّرة ـ تبعهم لهدف خاص» (49) .
لقد ضَاع مُلْكُ النَّاس إذ سَاسَ مُلْكَهُمْ‏ وَصيفٌ وأشناسٌ وقَدْ عَظُمَ الكرْبُ‏(50)
وفَضْلُ ابنِ مَرْوانٍ سيَثْلُمُ ثلْمَةً يَظَلُّ لها الإسلامُ ليْسَ لَهُ شَعْبُ‏ (51)
(بحر الطويل)
ويضيف الدكتور محمد يوسف نجم في تحقيقه لديوان دعبل إلى القصيدة الأبياتَ الثلاثة التالية:
كأنَّكَ إذ مُلِّكْتنا لشَقائِنا عَجوزٌ عليها التَّاجُ والعِقْدُ والإتْبُ‏ (52) ُ
وإنِّي لأَرجو أن ترى من مَغيبِها مَطالِعَ شَمْسٍ قَدْ يَغَصُّ بها الشَّرْبُ‏ُ
وَهمُّكَ تُرْكِيٌّ عَلَيْهِ سَماحةٌ فأنْتَ لَهُ أُمُّ وانتَ له أبُ‏ (53)
(بحر الطويل)
وبسبب هذه القصيدة أهدر المعتصمُ دم دعبل، أي حكم عليه بالإعدام فكما نعبِّر اليوم ـ بأن أعطى‏ الحقّ لكل من يشاء قتله، فهرب دعبل إلى مصر، ومنها إلى
________________________________________
(48)كان المعتصم يُعرَف بالثامن، وفي البيت إشارة إلى الآية القرآنية الكريمة:وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُم كَلْبُهُم [الكهف: 22].
(49)البستاني: تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، 522 (م.س).
(50)الأصفهاني: الأغاني: 20/97 (م.س.) ووصيف وأشناس: غلامان من غلمان الأتراك الذين جلبهم المعتصم وقد صاروا فيما بعد من قوّاده. وكان لهما دور كبير في حكم المعتصم والواثق.
(51)شعب الشي‏ء شعباً جمعه وأَصلحه، أو فرّقه وأفسده، (ضد). وقد قصد الشاعرَ هنا المعنى الأوّل. وفضل بن مروان كان وزيراً للمعتصم.
(52)الأتب: برد يشق في وسطه، فتلبسه المرأة في عنقها من غير جيب ولا كُمّين.
(53)ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 19ـ20 (م.س.)

[الصفحة - 245]


بني الأغلب في المغرب، وظل مختفياً هناك أكثر سِنِيّ حكم المعتصم، ولمّا مات المعتصمُ سنة (227هـ/842م) تنفَّس دعبلُ الصعداءَ. وسمع دعبلُ أن وزير المعتصم محمد بن عبد الملك الزيّات يرثي المعتصم، قائلاً:
قد قلتُ إذ غيّبوه وانصرفوا في خير قبرٍ لخير مدفونِ‏ُ
لن يجبر اللَّهُ أُمَّةً فَقَدَتْ‏ مثلك إلاّ بمثلِ هارونِ‏ (54)
(بحر المنسرح)
فقال دعبل يعارضه بالوزن والقافية:
قَد قُلتُ إذْ غيَّبوه وانصرَفوا في شرِّ قبْرٍ لشرِّ مَدْفُونِ‏ُ
إذهَبْ إلى النّارِ والعذابِ فما خِلْتُكَ إلاّ مِنَ الشياطينِ‏ُ
ما زِلْتَ حَتّى عَقَدتْ بيعةَ مَن‏ أضَرَّ بالمسلمين والدِّينِ‏ (55)
(البحر المنسرح)
هجاؤه للواثق والمتوكّل:
الواثق باللَّه هارون بن محمد المعتصم هو تاسع الخلفاء العباسيين، حَكَمَ لخمس سنين، تمتد من (227هـ/842م) حتّى (232هـ/847م). وما أن سمع دعبلُ بِنَعْيْ المعتصم، وقيام الواثق حتى قال دعبل لمحمّد بن قاسم بن مهرويه وكان معه بالصيمرة: أمعك شي‏ء تكتب فيه؟ فقال محمد: نعم. وأخرج قرطاساً، فأَملى دعبل عليه بديهاً:
الحمدُ للَّهِ لا صَبْرٌ ولا جَلَدُ ولا عَزاءٌ إذا أهل البَلا رمدواُ
خليفةٌ مات لم يحزن له أحدٌ وآخر قام لم يفرح به أحَدُ (56) ُ
فَمَرَّ هذا ومَرَّ الشؤم يَتْبَعَهُ‏ وقام هذا فقام الظّلم والنَكَدُ (57)
(البحر البسيط)
وَيُعَدّ هذا اللون من الهجاء «قمة الشعر الساخر الذي عرفته عصور الأدب، ويُعد وثيقة لمهزلة حكم السلاطين الذين يموتون فلم يحزن عليهم أحد، ويُنصبون فلم يفرح بهم أحد، حيث تظل أمثلة هذا الشعر الساخر تعبيراً واحداً من أشكال التعبير عن الحقائق الاجتماعية التي تتحدث عن أصوات الرأي العام وتصوراتهم للسلاطين، بعكس شعراء المديح الزائف الذين خلعوا على السلاطين صفات الزهد
________________________________________
(54)الأصفهاني: الأغاني، 20/97 (م.س.) ويروي الطبري هاذين البيتين بلفظٍ مختلف قليلاً، مضيفاً إليهما البيت التالي: لا جَبَرَ اللَّهُ أُمّةً فَقَدَتْ‏ مثلَك إلاّ بمثل هارونِ‏ الطبري: تاريخ الرُّسل والملوك، 9/119. أحداث سنة (227هـ) (م.س.).
(55) الأصفهاني: الأغاني، 20/79. (م.س.) ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 158.(م.س.)
(56)الأصفهاني، الأغاني، 20/100 (م.س.). ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 59.
(57)ديوان دعبل، م.ن.

[الصفحة - 246]


والتقوى ونحوهما، مما يثير سخرية القارى من أمثلة المديح الذي لا يُعنى بقيمة الكلمة مما يفقدها كل دلالاتها الإنسانية» (58) .
وحين يذكر بعض المؤرّخين هذه الأبيات؛ يذكر أن دعبل قد أرسل بها كبطاقة تهنئة للواثق بمناسبة تسلّمه منصبه الجديد على طريقة دعبل الخاصّة في السخرية، وسلّمها للحاجب وقال له: إقرى أمير المؤمنين السلام، وقل له: هذه أبيات إمتدحك بها دعبل، فلمّا قرأها الواثق أمر بالقبض عليه بكل وسيلة فلم يقدر لاختفاء دعبل عن الواثق وعيونه.
ولم يسكت عن الواثق على الرغم من إختفائه وتواريه، فحين بلغه أن الواثق قَتَلَ أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي وصَلَبَه قال دعبل:
بَني مالِكٍ صُونوا الجفونَ عن الكَرى‏ ولا تَرْقُدوا بعدَ ابنِ نصْرِفبنِ مالِكِ
فقد حَمَلَتْهُ للقُبورِ مَطِيَّةٌ أَنافَتْ بِهادِيهِ على شَخْصِ بَابَكِ
وَسُلُّوا من الأجْفانِ كُلَّ مُهَنَّدٍ بَصِيرٍ بِضرْبٍ للطُّلى مُتَدَارِكِ
يَقُومُ بها للهاشميَّاتِ مأتَمٌ‏ لَهُ ضَجَّةٌ يَبْكِي بها كُلُّ ضاحِكِ
تُذَكرُهُمْ قَتْلَى بِبَدرٍ تنوشُهُمْ‏ سِباعٌ وَطَيْرٌ من سِباعٍ بوارِكِ
كما فَتَكَتْ أسْيافُهُمْ بِمُحَمَّدٍ وَهَدَّتْ مَباني عَرْشِهِ المُتماسِكِ
فَطُلَّ دمُ المَخْلوعِ وانْتُهِكَتْ لَهُ‏ ذخائرُ من مَنْقوشَةٍ وسبائِكِ
إن غُصَّ هارونٌ بِجُرْعَةِ عَمِّهِ فَأيْسَرُ مَفْقودٍ وأَهْونُ هالِكِ (59)
(بحر الطويل)
________________________________________
(58) البستاني: تاريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي، 526 (م.س).
(59)ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 119ـ120.

[الصفحة - 247]


وعلى الرغم ممّا حفل به ديوان دعبل الخزاعي من نقد سياسي لاذع، فلم يصل إلينا من نقدٍ في الخليفة العباسي العاشر المتوكِّل على اللَّه جعفر بن محمد المعصتم، الذي امتدت خلافته من سنة (232هـ/847م) حتى وفاته سنة (247هـ/861م) سوى بيت واحد من الشعر يهجو دعبلُ به المتوكِّلَ ويقول فيه:
ولسْتُ بقائلٍ قَذْعاً وَلكن‏ لأمرٍ ما تعبَّدك العَبِيدُ (60)
(بحر الوافر)
يعلِّق صاحب الأغاني فيقول: «يرميه في هذا البيت بالأُبنة» (61) .
ومع محاولة بعض مؤرّخي الأدب العربي وبتحريض من «السلطان» طمس معالم شخصية هذا الشاعر وآثاره وشعره، فلقد حفظ لنا المنصفون من المؤرخين والباحثين شذراتٍ من كلمات نظمها دعبل الخزاعيّ شعراً، فبقيت خالدةً حتى يومنا هذا، تشير إلی الحق والخير والفضيلة.
________________________________________
(60)الأصفهاني: الأغاني، 20/99. ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 62.
(61)الأصفهاني: الأغاني، 20/99. ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 62. ديوان دعبل بن علي الخزاعي، 62.

[الصفحة - 248]