البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الفرق والمذاهب‏ تحقيق في النشأة والمعالم(2)‏

الباحث :  الأستاذ صائب عبد الحميد
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  7
السنة :  العدد 7 السنة الثانية خريف 1418 هجـ 1997 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1184

الفرق والمذاهب‏
تحقيق في النشأة والمعالم(2)‏

الأستاذ صائب عبد الحميد (*)

«إنّما بَدْءُ وقوعِ الفِتن أهواءٌ تُتَّبع، وأحكامٌ تُبتدع، يُخالفُ فيها كتابُ اللَّه، ويتولَّى عليها رجالٌ رجالاً على غير دين اللَّه»
علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، الخطبة 50.
تبحث هذه الدّراسة في العوامل الأساسيَّة التي أدّت إلى نشوء الفرق والمذاهب، في الإسلام، وتناول القسم الأول منها، المنشور في العدد السادس من «المنهاج»، العامل الأول، وهو الواقع التاريخي للخلافة ونظام الغلبة، ويتناول القسم الثاني، والأخير الواقع الفكري، ويتمثل بعلم الكلام والفلسفة والتطرُّف الديني.
العامل الثّاني: الكلام‏
الكلام هو العلم المعنيّ بإثبات العقائد الدينيّة من طريق الحجج والبراهين: العقليّة والنقليّة، كما عرّفه غير واحد من أهل العلم‏ (1).. وهو عند المسلمين، من حيث النسبة إلى مصدره، يمكن تقسيمه إلى الأقسام الثلاثة الآتية:
أ ـ كلام يدور في حدود المعارف القرآنيّة.
ب ـ كلام مصدره العقليّة الإسلاميّة.
ج ـ مصادر الكلام الأجنبيّة عن الواقع الإسلاميّ.
أ ـ كلام يدور في حدود المعارف القرآنيّة، ينطلق منها ويعود إليها.. وهذا لا ينبغي النزاع في أصالته، ولا نزاع أيضاً في أنّ رائده وأميره هو الإمام عليّ (عليه السلام) في العديد من خطبه المحفوظة في التوحيد وفي الصفات وفي النبوّة، والمعاد، والإمامة.
________________________________________
(*)باحث إسلامي من العراق
(1)انظر: السيّد علي الحسينيّ الميلانيّ، الإمامة في أهمّ الكتب الكلاميّة، ص 17 و18.

[الصفحة - 149]


ب ـ كلام مصدره العقليّة الإسلاميّة، المتأثّرة سلباً أو إيجاباً بالعوامل المؤثّرة في تشكيل الموقف العقيدي وصياغة المتبنّيات العقيديّة.. ومن أمثلته، الكلام في الجبر الناشى‏ء في ظلال نظام الغَلَبة، الذي أدّى‏ إلى ظهور الكلام في التفويض المناقض له، ومثله الكلام في الإرجاء والتكفير، الذي كان سبباً في ظهور عقيدة «المنزلة بين المنزلتين» التي تقول: إنّ مرتكب الكبيرة، لا هو مؤمن كما تقول المرجئة، ولا هو كافر كما تقول المارقة، وإنّما هو في منزلة بين المنزلتين. وكانت هذه المقولة أساساً في ولادة فرقة جديدة إلى جانب الفرق الأخرى. وفرق علم الكلام هي:
1 ـ المعتزلة.
2 ـ الأشاعرة.
3 ـ الماترديّة
المعتزلة
عُرفت هذه الفرقة ب «المعتزلة»؛ وذلك أنّ أوّل من قال بهذه المقولة، وهو واصل بن عطاء ثمّ تابعه عمرو بن عبيد، قد كانا في مجلس الحسن البصري، فكلّماه في قولهما هذا، فأمرهما باعتزال حلقة درسه، فاعتزلا عند أُسطوانة في المسجد وانضمّ إليهما جماعة فسمُّوا المعتزلة (2).
فكانت هذه هي النواة الأُولى‏ لتكوين فرقة «المعتزلة».
وترقّى بالمعتزلة الكلام، على صعيد تقرير هذه المقولة، إلى قضيّة «العدل الإلهي»، وأكثروا الكلام في تدعيمها وإبطال كلّ ما يقدح ولو ظاهراً بالعدل الإلهي، حتّى لُقِّبوا ب «العدليّة».. وكان العدل الإلهي عندهم يدور حول صدق الوعد والوعيد، فاللَّه تعالى العادل لا يعذّب المحسن ولا يكافى‏ء المسي‏ء، ولا يخلف وعده في ثواب المحسن وعقوبة المسي‏ء وقبول التوبة، ولا عفو بلا توبة لأنّ ذلك إخلاف للوعيد، ولأجل ذلك أيضاً نفوا الشفاعة.
وفي خضمّ النزاع الدائر بين الجبريّة والمفوّضة اختار المعتزلة القول بالتفويض، وجعلوه من أهمّ أركان العدل الإلهي، فسمّوا لأجله بالقدَريّة.
هذه الدائرة الواسعة من الكلام، والتي شكّلت أركاناً أساسيّة في عقيدة المعتزلة، كان مصدرها الواقع الإسلاميّ والصراع (الفكريّ ـ السياسيّ) الدائر فيه.
وهذه المبادى كلّها، مع ملاحظة العوامل المؤثّرة في نشأتها تؤكّد أنّ فرقة «المعتزلة» لم تكن في يوم ما امتداداً لأُولئك النَّفر الذين اعتزلوا الصراع أيّام عثمان وأيّام
________________________________________
(2)الفرق بين الفرق، 15.

[الصفحة - 150]


الإمام عليّ، كسعد بن أبي وقّاص وعبداللَّه بن عمر، بل الذي تفيده هذه المبادى هو أنّ اعتزال واصل وأصحابه كان موقفاً تحرّريّاً معارضاً لجماعة الحكم ومدرسته الثقافيّة، وهذا هو السرّ في رواج هذا اللقب عليهم، ولم يكن مصدره اختيارهم تجنّب جميع الفرق وتجنّب الدخول في النزاع! لم يكن هذا من مواقفهم أبداً، بل هو أبعد شي‏ء عنهم، يؤكّد ذلك نضالهم الفكريّ العنيد ضدّ الإرجاء والجبر اللّذين تدعمهما مدرسة السلطة، ويؤكّده أكثر وأكثر الأصل الخامس من أُصول عقيدة «المعتزلة». وتقضي هذه الأصول ألاَّ يسمّى‏ المرء معتزليّاً إلاّ بالإيمان بها جميعاً، وهذه الأركان هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (3).. ومثل هذا المبدأ الأخير لا تتبنّاه فرقة أصلاً من أُصولها ثمّ يقال: إنّها تعتزل السياسة والخوض في النزاعات الدائرة بين الفرق، أو إنّ سَلَفها هم أُولئك الذين اعتزلوا عليّاً والحسن (عليه السلام).
إذن كان مصدر تسميتهم بالمعتزلة هو خصومهم بلا شكّ، سواء كان الحسن البصري، أم قتادة كما في رواية (4). فلمّا غَلَب عليهم ولم يستطيعوا دفعه بتسمية ينتخبونها هم، صاروا إلى الدفاع عنه والرضا به، وفسّروه بأنّه اعتزال الباطل وأهله، وبالغ القاضي عبد الجبّار في مدّ جذور هذه التسمية إلى القرآن الكريم، فقال: إنّ كلّ ما ورد في القرآن من ذكر الاعتزال فإنّ المراد منه الاعتزال عن الباطل! لكنّ الرازي فنّد هذا الكلام حين أورد، في الرَّدِّ عليه، قوله تعالى‏ حكاية عن موسى (عليه السلام) في خطابه لقوم فرعون: { وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ } (5)!
الأشاعرة
في الآونة التي ضعف فيها دور المعتزلة وقوي موقع أصحاب الحديث، ظهر في البصرة أبو الحسن الأشعري بمذهب جديد يعارض فيه المعتزلة وينتصر لأصحاب الحديث. والأشعري، المولود سنة 260هـ والمتوفّى سنة ثلاثمئة ونيّف وثلاثين للهجرة، قد كان أوّل أمره معتزليّاً، تلميذاً لشيخ المعتزلة في عصره أبي عليّ الجُبّائي، وقد كان أحياناً ينوب عن شيخه في الجدل. ثمّ طلع على الناس بعد عُزلة قصيرة، قيل خمسة عشر يوماً، فأعلن توبته عن مقالة المعتزلة في القدر، وقال بقول الجبريّة إلاّ أنّه أدخل عليه مفهوم الكسب، ليكون الإنسان مسؤولاً عن فعله بالكسب. كما ردّ على
________________________________________
(3)الخيّاط، الانتصار، ص 188 و189.
(4)ابن خلكان، وفيّات الأعيان 4: 85، وترجمة قتادة.
(5)انظر: د. عائشة يوسف المناعي، أُصول العقيدة بين المعتزلة والشيعة الإماميّة، ص 26. والآية من سورة الدخان 44: 21.

[الصفحة - 151]


المعتزلة عقيدتهم في الصفات وتبنّى قول أحمد بن حنبل باتّباع الظاهر من دون تأويل. لكنّه تراجع بعد ذلك إلى التأويل في كلّ ما يوهم التشبيه، إلاّ الاعتقاد برؤية اللَّه تعالى في الآخرة.
وناقض المعتزلة في منزلة العقل ودوره في الشرع، وخالفهم في مسألة الحُسن والقُبح العقليّين، فجعل الحَسَن ما حسّنه الشارع والقبيح ما قبّحه الشارع وليس للعقل دور في معرفة ذلك.
ولم يفرّق في العقيدة بين السنّة المتواترة وأحاديث الآحاد.
وجعل الصفات الثبوتيّة (العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر) صفات قديمة قائمة بذاته، لا يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا لا هو، ولا غيره.
وجوّز تكليف ما لا يطاق، وتعذيب المحسن، وثواب المسي‏ء.. أمّا مصدر عقيدته في الإمامة والتفضيل فإنّما هو الواقع التاريخيّ لا غير (6).
الماتريديّة
سُمِّيت هذه الفرقة بهذا الإسم نسبة إلى مؤسّسها أبي منصور الماتريدي الذي توفّي سنة 333هـ، وكان معاصراً للأشعري، غير أنّه كان بعيداً عنه، في «ما تريد» من ولاية سمرقند، وهو حنفيّ المذهب، درس فقه أبي حنيفة ورسائله الصغيرة في الكلام، وقد قرّر بعض العلماء أنّ آراء أبي حنيفة في العقائد هي الأصل الذي تفرّعت منه آراء الماتريدي.. ولمّا كان أبو حنيفة يمنح العقل دوراً كبيراً في الفقه والمعرفة، خلافاً لأصحاب الحديث، فقد ظهرت آثار ذلك في المذهب الماتريديّ وميّزته كثيراً من المذهب الأشعريّ.
فالأشعريّ قال: إنّ معرفة اللَّه واجبة بالشرع. أمّا الماتريديّ فقال: يمكن للعقل إدراك وجوبها.
ونفى الأشعريّ الحُسن والقُبح العقليّين، فيما أثبتهما الماتريديّ.
والماتريديّ خالف أصحاب الحديث منذ البداية في الصفات، وقال بوجوب حمل المتشابه على المحكم وتأويل كلّ ما يوهم التشبيه.
________________________________________
(6)انظر: الملل والنحل، 1، ص 85 و94، المذاهب الإسلاميّة، ص 265 و279.

[الصفحة - 152]


والأشعريّ يرى أنّ أفعال اللَّه لا تعلّل لأنّه لا يُسأل عمّا يفعل، وهم يُسألون. ويرى الماتريديّ أنّ أفعال اللَّه لا تكون إلاّ على مقتضى الحكمة من دون أن يقال: إنّ ذلك واجب على اللَّه تعالى لأنّه مختار مريد.
وجوّز الأشعريّ على اللَّه أن يعاقب الطائع ويثيب العاصي، ومنع من ذلك الماتريديّ لأنّ ثواب الطائع وعقاب العاصي إنّما هو لحكمةٍ قَصَدَها وإرادةٍ أرادها.
وأجاز الأشاعرة أن يُخْلِفَ اللَّه وعده، ومنع الماتريديّة ذلك.
وكان الأشعريّ قد فارق المعتزلة في الجبر والاختيار، وميّز قوله عن قول الجبريّة الخالصة بإضافة عنصر الكسب، والكسب عنده هو الاقتران بين الفعل الذي هو مخلوق للَّه تعالى وبين اختيار العبد، من غير أن يكون للعبد تأثير في الكسب! هذا القول الذي وصفه العلماء بأنّه يؤدّي إلى الجبر لا محالة، لأنّ هذا الكسب مخلوق للَّه تعالى كالفعل نفسه! فبعضهم وصفه بأنّه الجبر المتوسّط، وبعضهم وصفه بأنّه الجبر الكامل.
أمّا الماتريديّ فقد قال بالكسب أيضاً، ولكنّ الكسب عنده من فعل الإنسان بقدرة أودعها اللَّه سبحانه وتعالى فيه.
وفي جميع هذه الأقوال ترى الماتريديّ يقترب من المعتزلة أحياناً ويوافقهم أحياناً أُخرى، لذا وضع الكوثري تخطيطاً لأربعة مذاهب، جعل الطرفين: أصحاب الحديث، والمعتزلة، وبينهما الأشاعرة أقرب إلى أصحاب الحديث، والماتريديّة أقرب إلى المعتزلة.
ومن الأُمور التي تقارب فيها الماتريديّ والأشعريّ القول في الرؤية وفي مرتكب الكبيرة، وفي الإمامة (7).
جـ ـ مصادر الكلام الأجنبيّة عن الواقع الإسلاميّ، وهي على قسمين:
أوّلهما: ما اضطرّ إليه العلماء الذين وجدوا أنفسهم معنيّين بالدِّفاع عن العقيدة الإسلاميّة أمام متكلّمي الأُمم الأُخرى‏ الوافدة على الإسلام أو المجاورة لحدوده، والتي ترجع إلى تراث كلاميّ عريق.. فوجد بعض العلماء المسلمين أنفسهم أمام غزو فكريّ مدجّج بالسلاح، ولا بدّ لأجل محاربته أن يواجهوه بسلاح من جنس سلاحه، وبخاصَّةٍ أنّ المنهج الحديثي الغالب على العلماء آنذاك لم يكن وافياً في متابعة كلّ شاردة وواردة تقذف بها المدارس الكلاميّة تلك.
________________________________________
(7)انظر: المذاهب الإسلاميّة، 287.

[الصفحة - 153]


فكان هذا دافعاً نحو ولوج علم الكلام وسلوك سُبله ودخول مداخله واستخدام أساليبه في الحجاج والبراهين والتفريعات ونحو ذلك. وهذا في نفسه غير مستنكَر، بل هو حَسَن ومحبّذ جدّاً حين يكون أصحابه من أهل العلم والمعرفة واليقين. ولقد أفلح كثير منهم في الردّ على شبهات متكلّمي الأُمم الأُخرى‏ من صابئة ونصارى‏ ومجوس وهنود وغيرهم، في كتب ومناظرات، ودحضوا حجج كثير من الزنادقة المتأثّرين بهم.
وثانيهما: ما وقع عليه طلبة العلوم، من مختلف المستويات، من كتب الكلام والفلسفة الأجنبيّة في عصر الترجمة وبعده. فهذا وإن كان يمثّل ظاهرةً حضاريّة هامّة، إلاّ أنّه قد خلّف أثراً سلبيّاً، تمثّل في تسرّب كثير من المقولات الفلسفيّة الواردة إلى الثقافة الإسلاميّة، ودخوله في أُمّهات المسائل العقيديّة التي تناولها المتكلّمون.
وأسوأ الآثار التي تركها هي تلك التي دخلت في بحوث «الصفات»: صفات الخالق البارى‏ء ذي الجلال والإكرام..
والحقّ أنّ مباحث الصفات كانت قبل عصر الترجمة مصدراً للنزاع والانقسامات، ثمّ زادها ذلك تعقيداً وتعميقاً.
الصفات محور فرقٍ جديدة
انقسم المسلمون، في تفسير صفات اللَّه تعالى‏، إلى ثلاث طوائف، ولكلّ طائفة فريقان‏ (8):
1 - الطائفة الأُولى: ذهبت إلى أنّ آيات الصفات وأحاديثها يجب أن تجري على ظواهرها.. ثمّ انقسموا في معنى‏ هذا الكلام إلى فرقتين:
الفرقة الأولى: ذهبت إلى‏ أنّ المستفاد ممّا جاء في القرآن والحديث في الصفات، من قبيل «يداللَّه» و «عين اللَّه» و«وجه اللَّه» ونحوها، أنّها جوارح (أعضاء) كجوارح المخلوقين! ووصفوه ـ تعالى شأنه ـ بالجسميّة، فقالوا: هو جسم، وهؤلاء هم «المشبّهة» و«المجسّمة». وقد ثبت على هذا الاعتقاد فرقتان، هما: «الظاهريّة» و«الكراميّة».
________________________________________
(8)هذا التقسيم الشامل تجده عند ابن تيميّة، مجموع الفتاوى، 5: 113.

[الصفحة - 154]


الفرقة الثانية: أجرت هذه الألفاظ على ظاهرها، ولكن خالفوا المجسّمة بالتصريح بالتجسيم والتشبيه، فقالوا: نقول إنّ له تعالى يداً ووجهاً وعيناً وجارحة يسمع بها، وإنه مستقرّ على العرش استقراراً، وإنه ينزل إلى سماء الدنيا كلّ ليلة وإنه يغضب ويفرح، ولكن من دون أن نُشبّه ذلك بشي‏ء من المخلوقات، بل نقول إنّها بالمعنى اللائق به تعالى!
وهؤلاء هم «الحشويّة» من «أصحاب الحديث» و «السلفيّة»، وهم لا يختلفون في النتيجة عن الفرقة الأُولى إلاّ بالألفاظ، فأُولئك وصفوا جسماً مركّباً منفعلاً متغيّراً وصرّحوا بأنّه جسم، وهؤلاء وصفوا الأوصاف نفسها، ثمّ قالوا: بلا كيف‏ (9)!
والفريقان معاً يتّفقان على خبر غريب، يرويه واحد عن واحد؛ تفرّد به إسرائيل عن أبي إسحاق، وتفرّد به أبو إسحاق عن عبداللَّه بن خليفة، وتفرّد به عبداللَّه بن خليفة عن عمر، وتفرّد به عمر عن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم). وعبداللَّه بن خليفة الذي عُرفت الرواية باسمه مختَلَف فيه‏(10)!: تقول روايته هذه: إنّ كرسيّه ـ تعالى ـ وسع السماوات والأرض، وإنّه ليقعد عليه فما يفضُل منه مقدار أربعة أصابع، وإنّ له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد إذا رُكب من ثقله‏ (11)! وفي رواية أُخرى‏ لهذا الخبر: «وما يفضل منه إلاّ أربع أصابع»! واعتقد الحشويّة والسلفيّة بهذه الرواية ليشاركوا بها المجسّمة (12).
والفريقان يتّفقان على امتناع التأويل ولزوم الأخذ بالمعنى‏ المستفاد من الظاهر، وهم لأجل ذلك أنكروا وجود المجاز في اللغة العربيّة، وجعلوا هذه الألفاظ كلّها على الحقيقة! وهذا كلام غريب جدّاً على لغة العرب، دعت إليه العصبيّة المذهبيّة! وعلى هذا تعاملوا مع المتشابه كتعاملهم مع المحكم! يقول ابن الجوزي: «اعلم أنّ عموم المحدّثين حملوا ظاهر ما تعلّق من صفات الباري سبحانه على مقتضى‏ الحِسّ، فشبَّهوا، لأنّهم لم يخالطوا الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى‏ الحكم.. فوجود المتشابه في القرآن والسنّة أمر مسلّم» (13).
وهذه الطائفة اتُّهمت بالمشابهة باليهود، وبالقرّائين منهم خاصّة، إذ وقف هؤلاء على ظواهر تفيد التجسيم في التوراة (14)! ولقد استدلّ ابن تيميّة لهذه العقيدة بنصوص من الإنجيل أيضاً (15)!
________________________________________
(9)انظر: ابن تيميّة، شرح حديث النزول، الحمويّة الكبرى، العقيدة الواسطيّة، مجموع الفتاوى‏، 5: 113 - 114 وغيرها كثير.
(10) انظر: ميزان الاعتدال، 2 ت/4290، تقريب التهذيب، 1: 412. ولأجل هذا ولعلل أُخر في سند الحديث ومتنه عدّه ابن الجوزي من الموضوعات، وقال: هذا حديث لا يصحّ عن رسول اللَّه(ص). انظر: العلل المتناهية، 1: 21، باب ذكر الاستواء على العرش.
(11)تفسير الطبري، 3: 10، آية الكرسي.
(12)انظر: منهاج السنّة، 1: 260 ـ 261.
(13)تلبيس إبليس، ص 134.
(14)الملل والنحل، 1: 84، 97.
(15)انظر: مجموع الفتاوى‏، 5: 406.

[الصفحة - 155]


لكنّ هذا، أيضاً، لا يدلّ على الاقتباس المباشر، وإنّما يدلّ على أنّه قد وقع في أُمّة الإسلام كالذي وقع في الأُمم السابقة لا سيّما اليهود والنصارى‏... وإنّما يأتي دليل التأثّر من ملاحظة اهتمام بعض أصحاب تلك الديانات الذين دخلوا في الإسلام بهذا النوع من الحديث، الحديث الدالّ على التشبيه والتجسيم، كما في أحاديث كعب الأحبار الذي أكثر عنه أبو هريرة ونسب بعض أحاديثه إلى الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، كما نسب ذلك رواة حديثه الذين سمعوه يحدّث عن كعب مرّة وعن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) مرّة، فخلطوا ونسبوا بعض أحاديث كعب إلى الرسول، وقد تقدّم هذا سابقاً.. فيكون التأثّر من طريق متابعة أحاديث مدسوسة عن هذا أو عن غيره، وهذا أرجح بكثير من التلقّي المباشر عن اليهود والنصارى‏.
2 - الطائفة الثانية: حملت ما يتعلّق بصفات الباري تعالى على خلاف الظاهر، إذا كان الظاهر مفضياً إلى التشبيه أو التجسيم.. وهي فريقان:
الفريق الأوّل: قَطَعَ بأنّ المراد لا يمكن أن يكون صفات خارجيّة، من قبيل الحلول والتحيّز والأعضاء والانفعال، لكنّهم لم يدخلوا في البحث عن المراد منها، بل قالوا: اللَّه أعلم بما أراد، وقد عرفنا بمقتضى‏ العقل أنّ اللَّه تعالى ليس كمثله شي‏ء، فلا يُشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شي‏ء منها، وقطعنا بذلك، إلاّ أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى: { الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى‏ } ، وقوله تعالى: { خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } ، وقوله تعالى: { وَجَاءَ رَبُّكَ } (16) إلى غير ذلك، ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له، وليس كمثله شي‏ء، وذلك قد أثبتناه يقيناً (17). وعدّ الشهرستاني من هؤلاء: مالك بن أنس، إذ قال: الاستواء معلوم، والكيفيّة مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. كما عدّ منهم: أحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود بن عليّ (الظاهريّ) (18). والأصحّ أنّ كلام هؤلاء أقرب إلى الفرقة الثانية من الطائفة الأولى‏؛ الحشويّة وأصحاب الحديث الذين تقدّم التعريف بهم آنفاً، فهو إجراء على الظاهر دون تكييف، لكنّ هذا الفريق من الحشويّة وأصحاب الحديث و«السلفيّة» قد تقدّم على أُولئك في التفسير والبيان ولم يلتزم قولهم: «السؤال عنه بدعة» فتورّط في التشبيه. وإلى‏ هذا أشار الشهرستاني نفسه‏ (19).
________________________________________
(16)الآيات على التوالي، طه 20: 5، ص 38: 75، الفجر 89: 22.
(17)انظر: الملل والنحل، 1: 84 (الصفاتيّة).
(18)الملل والنحل، 1: 85، 95.
(19)المصدر نفسه، ص 84.

[الصفحة - 156]


الفريق الثاني: قطع، أيضاً، بأنّ المراد لا يمكن أن يكون صفات خارجيّة، ثمّ ذهب إلى ضرورة تأويل ما يتعلّق بالصفات إلى المعاني اللائقة بجلاله تعالى والموافقة لما قطع به العقل وثبت به التنزيل المحكم من أنّه تعالى شأنه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ } ، { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } (20) فهذه نصوص محكمة ليس فيها من التشابه شي‏ء، وقد قطع العقل بمعانيها، فلا بدّ من ردّ المتشابهات إليها.
فهم لأجل ذلك اعتمدوا المجاز في اللغة، وأحالوا إليه كلّ ما يتعلّق بالصفات من المتشابه الذي لا يستقيم ظاهره مع تلك المحكمات التي قطع بها العقل أيضاً.
وعلى هذا المبدأ جمهور «أهل السنّة والجماعة» أتباع الأشعريّ، والمعتزلة، وأتباع أهل البيت (عليه السلام) «الشيعة»؛ غير أنّ الجماعات الثلاث اختلفت في ما بينها في مدى‏ اعتماد التأويل، على ثلاث مراتب:
1 - فكان الأشاعرة أقلّهم رجوعاً إلى التأويل، لما اعتمدوه من الأخبار الواردة في الصفات، فكأنّهم أجروا التأويل على القرآن من دون الحديث! فما ورد فيه الحديث تمسّكوا بظاهره غالباً، فجوّزوا رؤية العباد ربَّهم ـ جلّ شأنه ـ يوم القيامة، رجوعاً إلى أخبار عندهم، فلم يؤوّلوا قوله تعالى: { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة/75: 23].
أمّا الآيات التي فيها الوجه والأيدي والأعضاء فقد أوّلوها باعتماد المجاز، ولم يجروها على ظواهرها المؤدّية إلى التشبيه‏ (21)، ووافقوا فيها الجماعتين الأُخريين.
2 - أمّا المعتزلة فكانوا على خلاف الأشاعرة، إذ أطلقوا العنان للتأويل، اعتماداً على الدور الذي منحوه للعقل، ومنهجهم في الحديث الذي يقتصر على قبول المتواتر فقط، فيما اعتمد الأشاعرة أحاديث الآحاد التي لم ترد إلاّ من طرق رجالٍ متّهمين غالباً، عند المعتزلة على الأقلّ.
يقول البغداديّ (من الأشاعرة) في الطعن على أبي الهذيل العلاّف (من أئمّة المعتزلة): ومن فضائحه قوله: إنّ الحجّة من طريق الأخبار في ما غاب عن الحواس من آيات الأنبياء (عليه السلام) وفي ما سواها لا تثبت بأقلّ من عشرين نفساً فيهم واحد من أهل الجنّة، أو أكثر.. ولم يوجب بأخبار الكَفَرة والفَسَقة حجّة وإن بلغوا عدد التواتر الذي لا يمكن معه تواطؤهم على الكذب، إذا لم يكن فيهم واحد من أهل الجنّة.. وزعم أنّ خبر
________________________________________
(20)الآيتان على التوالي، الشورى 42: 11، الأنعام 6: 103.
(21)الفرق بين الفرق، 90، وانظر هذه المواضع في سائر تفاسيرهم، كتفسير الطبري، والبغوي، والماوردي، والرازي، وأبي حيّان وغيرهم.

[الصفحة - 157]


ما دون الأربعة لا يوجب حكماً.. ومن فوق الأربعة إلى العشرين قد يصحّ وقوع العلم بخبرهم، وقد لا يقع العلم بخبرهم‏ (22).
ومن هذا يظهر أنّ القسم الأعظم من الأحاديث التي تتعلّق بهذا الباب، ويعتمدها الأشاعرة فيتوقّفون عن التأويل بسببها، هي عند المعتزلة ساقطة الاعتبار، ما وسّع من دائرة التأويل عندهم.
ولقد نُسب إلى بعض المعتزلة، في هذا الباب، ما لا يمكن تصديقه، كالذي نسبه الذهبي إلى عمرو بن عبيد من أنّه عُرض عليه حديث للنبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) فقال: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذّبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدّقته، ولو سمعت ابن مسعود يقوله ما قبلته، ولو سمعت رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) يقول هذا لرددته! ولو سمعتُ اللَّه يقول هذا، لقلتُ: ليس على هذا أخذت ميثاقنا (23). والذهبي قد روى، في عمرو بن عبيد، حتّى الأشياء التافهة من أطياف الحانقين عليه وتعليقاتهم.. وحتّى لو صحّ عنه ما تقدّم فغلطه الفاحش إنّما هو في ما وجّهه إلى الرسول وإلى اللَّه تعالى، وكان الصواب أن يقول: إنّ مثل هذا لا يصحّ عن رسول اللَّه البتّة.. ونحن لا ندري ما هو هذا الحديث الذي عُرض عليه، ولعلّ الذهبي نفسه قد استحيى من ذكره، لعلّه من أحاديث المجسّمة أو موضوعات الجبريّة المكذوبة على الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)!
ومهما كان فالمعتزلة قدّموا العقل على الحديث، بخلاف الأشاعرة، وجعل بعضهم العقل هو الأصل الأوّل، وهو الأصل للكتاب وللسنّة، وقد شذّ النّظَّام وأتباعه فأسقطوا السنّة بالكامل‏ (24).
وعلى هذا اتّسعت دائرة التأويل عند المعتزلة، ولم يقفوا عند ما يدلّ على التحيّز والانفعال، بل تعدّوا ذلك حتّى إلى الصفات الثبوتيّة، كالعالم، القادر، الحيّ، السميع، البصير، وقالوا: ليس لهذه الصفات معنى أكثر من الوصف، وهو قول القائل بأنّ اللَّه عالم، قادر... وأنّه ليس هناك صفات على الحقيقة هي العلم والقدرة والحياة.. وإنّما الصفات كلمات ملفوظة أو مكتوبة (25).
ولأجل مقولتهم هذه عُرفوا بالمعطّلة لأنّهم عطّلوا جميع الصفات حتّى الثبوتيّة منها.
________________________________________
(22)الفَرق بين الفِرَق، ص 90.
(23)ميزان الاعتدال، 3: 278.
(24)راجع أيضاً: د. عائشة يوسف المناعي، أُصول العقيدة بين المعتزلة والشيعة الإماميّة، 84 - 93.
(25)المصدر نفسه، ص 146.

[الصفحة - 158]


وأوّل من قال بهذا: الجهم بن صفوان، وتابعه واصل بن عطاء ـ مؤسّس هذه الفرقة «المعتزلة» ـ فأصبح المعطّلة كلّهم ينتسبون إلى الجهم بن صفوان، فيقال: «الجهميّة» كما يقال: «المعطّلة».
وعقيدتهم بأنّ الصفات كلمات ملفوظة نتج عنها اعتقادهم بأنّ اللَّه تعالى كان في الأزل بلا صفة ولا اسم من أسمائه وصفاته العليا، إذ ليس هناك ألفاظ وكلمات في الأزل، لأنّ اللَّه تعالى لا يجوز أن يصف نفسه في الأزل. من هنا أصبح كلامه تعالى مخلوقاً له كسائر المخلوقات‏ (26). ومن هنا ظهرت مقولة: «إنّ القرآن مخلوق» التي دار حولها نزاع كثير جرّ إلى سفك دماءٍ كثيرةٍ وتعذيبٍ وافتتان، ظهر فيه «المعتزلة» في مظهر «مفتّشي العقائد» بلا مسوّغ من شرع ولا عقل، فكان منهم ظلم كثير على مدى حكومة المأمون والمعتصم والواثق.
3 - لم تخضع الجماعة الثالثة لأخبار الآحاد المتّهمين، ولا سلّطت العقل على السنّة، بل اتّبعت في ذلك منهجاً يقول: «ما دلَّك القرآن عليه من صفته فائتمَّ به واستضى بنور هدايته. وما كلَّفك الشيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فرضه، ولا في سنّة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وأئمّةِ الهدى‏ أثَرُه، فكِلْ علمهُ إلى اللَّه سبحانه» (27).
فهناك في القرآن الكريم محكمات يُستضاء بنورها ويؤتمّ بها، وفي سنّة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) وأئمّة الهدى بيان صدق لا تشوبه شائبة وفيه تمام الهدى‏، وليس وراء ذلك شي‏ء إلاّ إيكال العلم إلى اللَّه تعالى.
ويقول: «إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مذاهب: مذهب إثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه.. فمذهب الإثبات بتشبيه لا يجوز.. ومذهب النفي لا يجوز.. والطريق في المذهب الثالث: إثبات بلا تشبيه» (28). إذن لا تعطيل، إنّما هو إثبات ولكن بلا تشبيه.
ويقول: «ما وحَّدَه من كيّفه.. ولا إيّاه عنى من شبّهه» (29) في نفي التكييف والتشبيه.
ويقول: «لا يجري عليه السكون والحركة.. ولا يوصَف بشي‏ء من الأجزاء ولا الجوارح والأعضاء.. ولا يقال: له حَدّ.. ولا أنّ الأشياء تحويه.. أو أنّ شيئاً يحمله» (30) فهو ردّ صريح على من يُجري أخبار الصفات وآياتها على ظواهرها وعلى الحقيقة دون المجاز.
________________________________________
(26)إنّ بحث الصلة بين الصفات وبين وضع الألفاظ بحث فلسفيّ فيه عمق وأخذ وعطاء يخرج بنا عن موضوع اهتمامنا.
(27)عليّ بن أبي طالب(ع)، انظر: نهج البلاغة، 124 خ/91.
(28)عليّ الرضا(ع)، انظر: التوحيد، باب 6 ح/10.
(29)عليّ بن أبي طالب(ع)، انظر: نهج البلاغة، 124 خ/91.
(30)المصدر نفسه، 124 خ/91.

[الصفحة - 159]


وعلى خطى‏ هذا المنهج سار من اهتدى‏ بهذا الهدي، هدي الكتاب والسنّة، فأثبتوا المحكمات أُصولاً للعقيدة، وعمدوا إلى المتشابهات فردّوها إلى أُصولها المحكمة، واتّبعوا فيها سنّة النبيّ وبيانات أئمّة الهدى‏ من آله. فقالوا إذن بوجود المجاز في اللغة واعتمدوه في إرجاع المتشابه إلى المحكم، فعملوا بالتأويل في هذه الحدود مقتفين الأثر الصادق الذي وجدوه كلّه منسجماً مع المحكم، رادّاً المتشابه إليه، فنفوا كلّ ما يدلّ على التشبيه والتجسيم، ثمّ أثبتوا له تعالى الصفات الثبوتيّة، على أنّها صفات قائمة بذاته، وليست هي أشياء منفصلة عنه زائدة عليه كما ذهب إليه الأشاعرة.
كما نفوا جواز الرؤية التي أثبتها الأشاعرة في الآخرة، عملاً بقوله تعالى: { وَلاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ }[الأَنعام/103] ورجوعاً إلى أحاديث أهل البيت القاطعة بهذا المعنى‏، وتأكيداً بالبرهان العقليّ وأدلّته المانعة لأحكام الرؤية (31).
3 - الطائفة الثالثة: وتضمّ الذين اتّخذوا السكوت عمّا يتعلّق بالصِّفات، وهم فريقان:
الأوّل: يقول بجواز كون المراد منها هو الظاهر اللائق بجلال اللَّه تعالى، كما يجوز أن يكون المراد خلاف الظاهر كما يذهب أصحاب التأويل، ولكن لا يقول إنّ المراد هذا أو ذاك.
قال ابن تيميّة: هذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم‏ (32). فهي ليست مقولة لفرقة من الفرق بل مذهب لأشخاص بأعيانهم.
والثاني: أمسك عن الكلام فيها بالكليّة، ولا يزيد على تلاوة القرآن وقراءة الحديث. وهؤلاء أيضاً لا يشكّلون فرقة، بل أفراد لم تهتدِ قلوبهم إلى الحقيقة، فآثروا السكوت على الخوض بما نهى‏ عنه الشرع المقدّس.
العامل الثالث: التطرّف الدينيّ‏
من أخطر المشكلات التي تعرّض لها الفكر الدينيّ هي مشكلة تطرّف أتباعه في تفسير معانيه وفي تطبيق أحكامه، فيتجاوزون الضوابط الثابتة في تفسير نصوصه ومفرداته، والحدود المعلومة في تطبيق أحكامه.
________________________________________
(31)راجع: أبو جعفر الصدوق، التوحيد: باب 8، ابن المطهّر الحلّي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، 281 - 391.
(32)مجموع الفتاوى، 5: 116.

[الصفحة - 160]


هذا التطرّف هو الذي سمّاه الدين «غلوّاً» وهو يقابل التقصير في معرفة الدين وتطبيق أحكامه.
والغلوّ إنّما تصاب به النفوس الوالهة المتعلّقة بشي‏ء من الدين غير أنّها لم تكن تفقه روح الدين، ولم تتذوّق معانيه، ولا أدركت مقاصده وأهدافه الكبرى‏، ولا قرأت القرآن الكريم كلّه قراءةً واعيةً وعلى مستوىً واحد من الاهتمام، ولا تذوّقت جمال القرآن ولا وقفت عند خطابه اللاذع للمغالين، ولا لفت انتباهها أُسلوب القرآن الحكيم في سدّ جميع منافذ الغلوّ.. فبعد أن فقدت كلّ هذا جنحت مع أهوائها فجاوزت الحدّ في معشوقها، وكثيراً ما وقعت في تأليهه بشكل سافر، أو على درجة أقلّ من ذلك.
ومنذ أقدم مراحل التاريخ البشري، وقبل نوح (عليه السلام)، بلغ الغلوّ بالناس أن عبدوا سَلَفهم الصالح واتّخذوهم آلهةً من دون اللَّه، فلمّا دعاهم نوح (عليه السلام) إلى التوحيد قالوا: { وَلاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعَاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ ونَسْراً } [نوح/71: 23]! وهذه الأسماء (ودٌّ) و(يغوث) و(سواع) و(يعوق) و(نَسْر) إنّما هي أسماء عباد صالحين كانوا قبلهم بأجيال، فكانوا يعظّمونهم، ويزداد التعظيم جيلاً بعد جيل حتّى بلغ الأمر أن اتّخذوا لهم تماثيل بأسمائهم ليعبدوها (33)!
وظهر الغلوّ عند أتباع الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة، وبلغ بالنصارى‏ أن ألَّهوا عيسى‏ بن مريم عليهما السلام، قالوا: ابن اللَّه! وقالوا: ثالث ثلاثة! كلّ ذلك من فرط حبٍّ معه جهالة، ونزعة وثنيّة في اتّخاذ الوسائط إلى اللَّه تعالى والتوجّه إليها بالعبادة، ولو من طريق مجاوزة الحدّ في تعظيمها وإضفاء الصفات الإلهيّة عليها، من قبيل الخالقيّة والرازقيّة والإحاطة علماً وقدرةً، فقالت النصارى‏: إنّ المسيح يصنع المعجزات بقدرته الذاتيّة وليس بإذن اللَّه!
وجاء الإسلام فكان أكثر دقّةً في تشخيص الغلوّ وسدّ الأبواب دونه، فكان القرآن يخاطب الأنبياء مخاطبة العبيد الفقراء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، ويعاتبهم وينذرهم إنذار من لم يكن له مع اللَّه عهد، كلّ ذلك ليصرف أفئدة المؤمنين وأرواحهم عن مسالك الغلوّ.. فيتلو علينا نبأ آدم (عليه السلام)، فيقول: { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [طه/20: 115] .
________________________________________
(33)انظر: تفسير القمّي، 2: 387، تفسير الطبري، م‏14 - ج 29: 98 - 99، تفسير الزمخشري، 4: 19د، مجمع البيان، 10: 547، تفسير البغوي، 4: 399، تفسير البرهان، 4: 388 وغيرها.

[الصفحة - 161]


ويخاطب داود (عليه السلام) فيقول: { يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ... }وبعد هذا، بعد أن يخبر عن خلافته للَّه تعالى في الأرض، لا بالغَلَبة، ولا بالشورى‏، ولكن بجعل من اللَّه تعالى‏، يقول على الفور: { وَلاَ تَتَّبِعِ الهَوَى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ } [صر 38: 26] !
ويخاطب سيّد البشر وخاتم النبيّين بما يغلق أمام الناس بعده كلّ منافذ الغلوّ لو أنّهم يعقلون، فيقول:{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَّيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } [الكهفر 18: 110] .. وهو قادر على أن يقول: «قل أنا بشر» ويتمّ المعنى، ولكن هذا التأكيد ثمّ الحصر ب «إنّما» ثمّ التمثيل ب «مثلكم» أبلغ تعبير في تثبيت المعنى‏ وقطع كلّ الطرق أمام الشبهات والجهالات.
وإلى‏ أكثر من هذا ذهب النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم)، فأكّد أنّ الغلوّ لا ينحصر بعبادة البشر، بل هو حاصل حتّى في التشدّد والتطرّف بالعبادات، فما جاوز فيها السنّة فهو غلوّ.. حدّث الفضل بن العبّاس، فقال: قال لي رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) غداة يوم النحر: «هات فالتقط لي حصىً» فلقطت له حُصيّات مثل حصى الخذف، فوضعهنّ في يده فقال: «بأمثال هؤلاء، بأمثال هؤلاء، وإيّاكم والغلوّ، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين» (34)!
ظهور الغلوّ بين المسلمين‏
الغلوّ بمعناه الواسع، الشامل لكلّ ما جاوز الحدّ، كثير جدّاً بين المسلمين، دخل في كافّة مجالات الاعتقاد والعبادات وحتّى المعاملات والأعراف، ممّا يصعب الوقوف معه على حدّ.. ومن حالاته الظاهرة هذا الكمّ الهائل من الخرافات والأكاذيب المصنوعة في مناقب الأولياء والصالحين وفضائلهم، وقلّما تجد رجلاً تعلّقت به طائفة لم تنسج حوله الأساطير! وكتب المناقب عامّة طافحة بهذا اللون من الغلوّ.
أمّا الغلوّ في العبادات؛ فهو كثير عند أهل الانقطاع، كما قد يقع فيه المتنطّعون الذين يجاوزون الحدّ في التدقيق والتشدّد في السنن.
والذي سوف يتوجّه إليه البحث من أصناف الغلوّ هو ما اتّخذ شكل المقالة، أو صحّ أن يسمّى مقالة يدعو إليها رجل أو طائفة.
________________________________________
(34)ابن سعد، الطبقات الكبرى، 2: 180 ـ 181، البيهقي، السنن الكبرى‏، 5/127، ابن كثيرر السيرة النبويّة، 4: 371.

[الصفحة - 162]


وقد ظهر هذا النوع من الغلوّ مبكّراً جدّاً، منذ ساعة وفاة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم)، إذ خرج عمر بن الخطّاب مكذّباً موت النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) يصرخ بالناس: «إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللَّه توفّي، وإنّ رسول اللَّه ما مات، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى‏ بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلةً ثمّ رجع بعد أن قيل قد مات، واللَّه ليرجعنّ رسول اللَّه فليقطعَنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنّ رسول اللَّه مات» (35)!
وبالمقارنة نجد أنّ كثيراً من مقولات الفرق الغالية لم تخرج في البدء عن إطار هذه الكلمة، كما هو عند الكيسانيّة وغيرهم.. فهذه أوّل مقولة غالية في الإسلام، ظهرت ثمّ انطفأت من ساعتها، كان الباعث إليها ـ كما يروى‏ عن عمر نفسه ـ تأويلٌ خاطى‏ء لبعض آي القرآن! فروي عنه أنّه كان يتأوّل قوله تعالى: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } على أنّها خبر عن النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) في حال حياته، فلا يموت حتّى يعمّ الإسلام البشريّة (36)! وقد قال: كنتُ أرى أنّ رسول اللَّه سيدبّر أمرنا! يعني أنّه يكون آخرنا (37)! دون أن يتنبّه إلى قوله تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَئِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى‏ أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران 3: 144] .
وهذا هو الأصل في معظم الشبهات التي تقود إلى الغلوّ والانحراف بشتّى‏ ألوانه؛ بتأويل آية أو آيتين بحسب الرأي من دون النظر في الآيات الأُخر التي تتّصل معها في الموضوع، ولو تحقّق مثل هذا النظر لما بقيت دعوة متأوّلة باطلة إلاّ اكتشفت سرّ توهّمها. إنّها القراءة القاصرة للقرآن الكريم، والجهل بروح الإسلام وبمقاصده النبيلة.
وفي تلك الأيّام ظهر تكذيب موت النبيّ انتهى بأصحابه إلى الردّة! أولئك «بنو عبد القيس» قوم من البحرين، لمّا بلغهم نبأ وفاة النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم) قالوا: لو كان محمّد نبيّاً لما مات! وارتدّوا!!
فجمعهم سيّدهم الجارود بن المعلّى، فقال لهم: إنّي سائلكم عن أمر فاخبروني به.. قالوا: سل عمّا بدا لك.
قال: أتعلمون أنّه كان للَّه أنبياء في ما مضى‏؟ قالوا: نعم.
قال: تعلمونه أو ترونه؟ قالوا: لا بل نعلمه.
قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا.
________________________________________
(35)تاريخ الطبري، 3: 200 ـ 201، وانظر: البداية والنهاية، 5: 262 - 263.
(36)ابن أبي الحديد، 12: 195، والآية من سورة التوبة 9: 33.
(37)البداية والنهاية، 5: 268 - 269.

[الصفحة - 163]


قال: فإنّ محمّداً(صلي الله عليه و آله) مات كما ماتوا، وأنا أشهد ألاّ إله إلاّ اللَّه وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله. فعادوا إلى رشدهم ودينهم‏ (38).
وهذا هو ثاني مصادر الغلوّ، وعليه تقوم الكثير من شبهات الغلاة، إنّه ما يظنّونه حججاً عقليّة، فيتساءلون عن أشياء تخفى‏ على عقولهم هم فيظنّون أنّها من المحال، كتساؤل هؤلاء: كيف يكون نبيّاً ثمّ يموت؟ لو كان نبيّاً حقّاً لم يمت!
ثمّ اتّخذ الغلوّ أشكالاً مختلفة، وأصبح يؤلّف فرقاً وأحزاباً تتعصّب لمقولاتها أشدّ التعصّب حتّى تموت دونها! وكان أبشع تلك المقولات ما انتهى إلى تأليه البشر وهدم النبوّة والإمامة.
غلوّ المارقين وآثاره‏
كان أكثر أنواع الغلوّ خطراً على تاريخ الإسلام ومستقبله غلوّ المارقة، الذي كان أساسه: السذاجة، والسطحيّة في التفكير، مع تطرّف شديد في ما يظنّونه الموقف الدينيّ! ذلك الذي بلغ بهم أن مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية، مع أنّه ليس في الأُمّة أحد يجتهد في العبادة اجتهادهم، كما وصفهم الحديث النبويّ الشريف: «تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم»!
فكان أوّل مظاهر سطحيّتهم في التفكير: تأويلهم الفاسد لقوله تعالى: { إنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ } [الأنعام 6: 57] . فظنّوا أنّ تحكيم شخص في قضيّة بين اثنين شرك باللَّه تعالى! وكان أوّل مظاهر تطرّفهم: تكفير خصومهم واستباحة دمائهم وأعراضهم. وبقيت هاتان الخصلتان ملازمتين للتطرّف الدينيّ أيّاً كان اتّجاهه: السطحيّة في التفكير المتمثّلة بالتأويلات الفاسدة، وتكفير الخصوم واستباحة دمائهم وأعراضهم.
تعدّد طوائف الغلاة
لقد توزّعت طوائف الغلاة على المذاهب الإسلامية كافّة، حتّى لم يبقَ مذهب من المذاهب إلاّ وظهر الغلوّ بين أصحابه:
فمن بين المارقين أنفسهم ظهرت طوائف غلت في الدين فوق غلوّهم الأوّل، فقال بعضهم: إنّ الصلاة ركعة واحدة بالغداة وركعة بالعشيّ فقط.
________________________________________
(38)تاريخ الطبري، 3: 302.

[الصفحة - 164]


وآخرون استحلّوا نكاح المحرّمات من بنات البنين وبنات البنات، وبنات بني الأُخوة والأخوات، وقالوا: سورة يوسف ليست من القرآن.
وطوائف كانوا من المعتزلة ثمّ غلوا وقالوا بتناسخ الأرواح..
وطوائف من المرجئة، قالوا: إنّ إبليس لم يسأل قطّ النظرة، ولا أقرّ بأنّ خلقه من نار وخلق آدم من تراب.
وآخرون كانوا من «أهل السنّة» فقالوا: قد يكون في الصالحين من هو أفضل من الأنبياء ومن الملائكة (عليه السلام)، وأنّ من عرف اللَّه حقّ معرفته فقد سقطت عنه الأعمال والشرائع، وقال بعضهم بحلول الباري في أجسام..
وطوائف كانوا من «الشيعة» ثمّ غلوا، فقال بعضهم بألوهيّة عليّ بن أبي طالب والأئمّة (عليه السلام) من بعده، ومنهم من قال بنبوّته، وبتناسخ الأرواح، وقالت طائفة منهم بألوهيّة أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب مولى بني أسد، وقالت طائفة بنبوّة المغيرة بن سعيد مولى بني بجيلة، وبنبوّة أبي منصور العجلي، وبزيغ الحائك، وبيان بن سمعان التميميّ وغيرهم‏ (39).
ومن العبّاسيّة طائفة ألّهت أبا جعفر المنصور، فشهدوا أنّه هو اللَّه، وأنّه يعلم سرّهم ونجواهم‏ (40).
كما يُعدّ التشبيه والتجسيم غلوّاً في إثبات الصفات، يقابله غلوّ آخر في التعطيل الذي قد يعدّ أيضاً طرف التقصير المقابل للغلوّ.. ومثله الغلوّ في القدر عند الجبريّة الكاملة، ويقابله التقصير في القدر عند المفوّضة، الذي هو غلوّ في الاختيار ونفي القدر.
وهكذا تعدّدت أوجه الغلوّ ومقولاته على يمين الصراط المستقيم وشماله.
الغلوّ بأهل البيت (عليه السلام)
كان أكثر الغلوّ الذي توجّه إلى هدم التوحيد والنبوّة والإمامة هو الغلوّ بأهل البيت (عليه السلام) الذي انتحلته جماعات عديدة، ثمّ تفرّقت هذه الجماعات إلى عشرات الفرق اتّخذت آلهةً شتّى وأنبياءَ كثيرين ومقالات تتقارب حيناً وتتنافر أحياناً أُخرى، غير أنّ أهمّ تلك الطوائف والتي إليها تنتهي سائر هذه الفرق، هي:
________________________________________
(39)إلى هنا في تعدّد طوائف الغلاة مأخوذ من: الفصل في الملل والأهواء والنحل ،2: 114، الغلوّ والفرق الغالية، 81 - 82.
(40)المقالات والفرق، ص 69 و70.

[الصفحة - 165]


1 - السبئيّة: المنسوبة إلى عبداللَّه بن سبأ الذي ظهر أيّام الإمام عليّ (عليه السلام) فادّعى له الألوهيّة! فأحرقه الإمام عليّ مع أصحابه في النار، وأطفأ بدعتهم‏ (41).
2 - الكيسانيّة: القائلون بإمامة محمّد بن عليّ بن أبي طالب، المعروف بابن الحنفيّة، وقد ظهرت هذه الفرقة ظهوراً حقيقيّاً بعد مقتل المختار ووفاة محمّد بن الحنفيّة، فقالوا: إنّ محمّد بن الحنفيّة استعمل المختار على الطلب بدم الحسين (عليه السلام) وسمّاه «كيسان» لكياسته، فهم المختاريّة الخلّص.. قالوا بالتناسخ وزعموا أنّ روح اللَّه صارت في النبيّ، وروح النبيّ صارت في عليّ، وروح عليّ صارت في الحسن، وروح الحسن صارت في الحسين، وروح الحسين صارت في محمّد بن الحنفيّة، ثمّ صارت روحه في ابنه أبي هاشم، وروح أبي هاشم انتسخت في عبداللَّه بن عمرو بن حرب، فهو الإمام إلى خروج محمّد بن الحنفيّة الذي قالوا إنّه حيّ غائب عنهم في شعب رضوى! وإنّه هو المهديّ الموعود!
وهؤلاء تفرّقوا فرقاً عديدة جدّاً، منهم من ألّه ابن الحنفيّة، ومنهم من ألّه آخرين كأبي جعفر المنصور، وعبداللَّه بن معاوية بن عبداللَّه بن جعفر، ومنهم من اتّبع بيان بن سمعان الذي ادّعى النبوّة (42)!
3 - المنصوريّة: أتباع أبي منصور، وهو عبد القيس، سكن الكوفة، ادّعى أنّ الإمام محمّد الباقر قد فوّض إليه أُموره وجعله وصيّه من بعده، ثمّ ادّعى أنّ الأئمّة كانوا أنبياء، وأنّه النبيّ بعدهم وأنّ النبوّة والرسالة في ستّة من ولده من بعده، آخرهم المهديّ القائم! وكان يأمر أصحابه بخنق مخالفيهم، فعُرفوا بالخنّاقين، وأباحوا المحرّمات، وزعموا أنّ آل محمّد هم السماء والشيعة هم الأرض، وأنّ الكسف الساقط هو أبو منصور، ذلك في تأويلهم لقوله تعالى: { وَإِنْ يَرَوْا كِسْفَاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطَاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ } (43)!
4 - المغيريّة: أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي، الذي صحب الإمام الباقر (عليه السلام)، ثمّ أبعده الإمام لكونه كذّاباً مبتدعاً، وقد اشتهر أمره بالكذب ودسّ الحديث المكذوب في كتب أصحاب الإمام الباقر، وانتهى أمره إلى ادّعاء النبوّة، واتّبعه طائفة من الكيسانيّة الذين كانوا أصحاب عبداللَّه بن معاوية، ثمّ قتله خالد بن عبداللَّه القسري وصلبه‏ (44).
________________________________________
(41)راجع ترجمة «عبداللَّه بن سبأ» في «رجال الكشي» وغيره من كتب الرجال، وانظر أيضاً: ابن قتيبة، المعارف، 622.
(42)انظر تفصيلها في: المقالات والفرق، 26 - 43، الملل والنحل، 1: 131 - 137.
(43)المصدر نفسه، 46 - 48، والمصدر نفسه، 1: 158، والآية من سورة الطور 52: 44.
(44)المصدر نفسه، 55 - 74، والمصدر نفسه، 1: 157.

[الصفحة - 166]