البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

خليفتان في أمة

الباحث :  الأستاذ مصطفی خميس
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  3
السنة :  السنة الاولى خريف 1417هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 12 / 2015
عدد زيارات البحث :  938
خليفتان في أمة

الأستاذ مصطفی خميس (*)

المحور الذي يلم الشعث ويوحد المسلمين‏
قال اللَّه، تعالى، في كتابه العزيز: {إنَّا نحنُ نزَّلنا الذِّكر وإنَّا له لحَافظون} (1).
لقد حفظ اللَّه، تعالى، كتابه العزيز بنفسه. وتكفل بحفظه من كل زيادة أو نقصان أو تحريف أو تزوير. فهل حُفظت السنَّة كذلك؟
لقد كثر الكذب على رسول اللَّه(ص)، في زمانه، حتى وقف خطيباً، فقال: «أيّها الناس، سيكثر عليّ الكذابة، فمن كذب علي متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» (2).
القرآن الكريم هو المصدر الأوّل للتشريع بإجماع المسلمين، وهو معصوم، وهو إمام مبين، والسنَّة هي المصدر الثاني للتشريع بإجماع المسلمين أيضاً، لكنها غير معصومة، لإقرار الجميع بحصول التغيير والتحريف فيها، وكذلك الزيادة والنقصان، وطالما أن السنة غير معصومة فهي لا تعصم من الضلال، لأن فاقد الشي‏ء لا يعطيه.
العصمة من الضلال بيّنها اللَّه، وبيّنها رسوله، لكي لا يكون للناس حجة على اللَّه، قال تعالى: {وكيف تكفرون وأنتم تتتلى عليكم آيات اللَّه وفيكم رسوله} (3). في هذا البيان الإلهي، يوضح لنا، عز وجل، أن العصمة من الضلال، ومن الكفر الصريح تتجلى في اتباع القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفي اتباع الرسول الأكرم سيدنا محمد(ص)، الذي عصمه اللَّه بالوحي وسدد جميع أعماله ليكون قدوة وسبيل هداية.
لا إشكال في أن وجود النبي(ص) وقيادته للقرآن وتعليمه، هو سبيل الهداية، وهو
________________________________________
(*)کاتب سوري
(1)سورة الحجر، الآية: 9.
(2)متفق عليه.
(3)سورة آل عمران، الآية: 101.

[الصفحة - 80]


العصمة من الضلال، لمن تمسك بهديه واتّبع طريقته وسنته، ولكن بعد ذهاب رسول اللَّه(ص) والتحاقه بالرفيق الأعلى مؤدياً رسالته وناصحاً لأمته، فبمن تتمثل العصمةُ من الضلال؟
القرآن الكريم وحده لا يكفي، وإلا لماذا أرسل اللَّه رسولاً مبيّناً له وشارحاً لآياته ومحدداً لأحكامها، ومكملاً لها بوحي من اللَّه عز وجل؟ ولا يعقل أن يمضي رسول اللَّه(ص) من غير أن يبين للأمة من هم سُبُل الهداية من بعده ومن هم العصمة من الضلال، ومن هم ورثة الكتاب؟ وهو القائل: «قد تركتكم على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (4).
إنَّ العصمة من الضلال، ومعرفة سبيل الهداية، تتحقق في آيات عديدة من القرآن الكريم، وتتمثلان كذلك في أحاديث متعددة جاءت متواترة صحيحة عن رسول اللَّه(ص)، هذه الآيات والأحاديث تنص جميعها على أن أهل البيت عليهم السلام هم العصمة من الضلال وهم حبل اللَّه المتين الذي أمرنا عز وجل بالتمسك به، وهم ورثة الكتاب والنبوة، وقادة هذه الأمة بعد نبيها، ولو أن المسلمين جميعاً اقتدوا بهم، وانضووا تحت لوائهم، وأخلصوا لهم المحبة باتّباعهم، إذاً لنجوا كلهم واللَّه، ولما اختلف بعضهم عن بعض. لأن أهل البيت هم العصمة من الزيغ والضلال، وهم رمز وحدة المسلمين وقوتهم، فهم رحمة للمؤمنين وللناس جميعاً كما كان جدهم رسول اللَّه(ص) رحمة للعالمين. ولو أن كل المسلمين نهلوا من معينهم، وأخذوا الدين عنهم بأصوله وأحكامه وتشريعاته، لكانت حالهم غير ما هي عليه من الفرقة والانقسام، والتمذهب والاختلاف، فأهل البيت هم قطب الرحى والصراط المستقيم الذي يوصلنا ويربطنا برسول اللَّه(ص). فإذا كان المسلمون اليوم يحتاجون أكثر من أي وقت مضى إلى تلمّس المحور الذي يعيد وحدتهم إلى بنائها الحقيقي، فالمحور يتكون من حقيقتين اثنتين، كما عبر عنه الدكتور البوطي في مؤتمر الغدير بلندن 1990، فقال: (أولاهما: حب آل بيت رسول اللَّه(ص). وثانيتهما: الاقتداء بآل رسول اللَّه(ص)).
إذاً فالمحور الذي يلم الشعث ويوحّد المسلمين هو حبُّ آل بيت رسول اللَّه(ص)، والاقتداء بهم، والحب اتباع كما علمنا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في قوله: { قل إن}
________________________________________
(4)رواه ابن ماجه، 1/16، وغيره.

[الصفحة - 81]


{ كنتم تحبّون اللَّه فاتّبعوني يحببكم اللَّه ويغفر لكم ذنوبكم} (5).
حب أهل البيت يتمثل بمودتهم وطاعتهم‏
قيادة أهل البيت ومرجعيتهم:
وليس الحب، كما يدّعي ساسة تحريف الكلم عن مواضعه، الذين أبعدوا الناس عن أهل البيت وعن علومهم والاقتداء بهم، فقالوا: كلنا نحب آل البيت إكراماً لرسول اللَّه(ص)، هذا إذاً حب عاطفي فقط، أما الاتباع فلا علاقة له به. لكن القرآن يعلمنا ويفتح بصائرنا إلى حقيقة هذا الحب، النابع من الانسجام التام والتوافق مع سيرة أهل البيت وعلومهم واتّباع طريقتهم، لأنهم من رسول اللَّه(ص)، واتباعهم هو اتباع له ونجاة من العذاب.
وعلّمنا، عز وجل، في آية أخرى، أن حب أهل البيت هو مودتهم وطاعتهم، لأن طاعتهم تعني تلمّس طريقتهم والسير على هديهم، وأن الأجر في ذلك يعود لمن ودّهم وتمسك بهم، لأن رسول اللَّه(ص) ليس له أجر على ذلك، سوى ما يرغب به ويريده من هداية المسلمين ورشادهم، وخلاصهم من بحور الفتن التي أخبر عنها بأنها تموج كموج البحر.
قال تعالى‏: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} (6). وبيّن في آية أخرى، أن هذا الأجر هو للعباد، من حيث النفع والهداية، قال تعالى: {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على اللَّه} (7). وكل ذلك يؤكد قيادة أهل البيت ومرجعيتهم في أخذ الدين عنهم، وترك كل سبيل أخرى تبعد عن سبيلهم، وأن كل سبيل غير سبيلهم لا شك بأنه غير سبيل المؤمنين، وهو يبعد عن صراطهم المستقيم الذي يدعو اللَّه كلُّ مسلم في صلواته أن يهديه إليه: {اهدنا الصراط المستقيم} في الفاتحة. وكل أمر يبعد عن أهل البيت فهو ضلال وضياع لأنهم يمثلون أسمى عنصر في فاعلية الدولة الإسلامية، فهم صحابة إذا عُدَّ الصحابة، وهم معدن رسول اللَّه(ص) ولحمه ودمه، وهم منه وهو منهم كما جاء في البخاري في قول رسول اللَّه(ص) لعلي عليه السلام: «أنت مني وأنا منك» (8).
________________________________________
(5)سورة آل عمران، الآية: 31.
(6)سورة الشورى، الآية: 23.
(7)سورة سبأ، الآية: 47.
(8)صحيح البخاري، 2/299.

[الصفحة - 82]


وترك هذه السبيل الطاهرة ترك لسبيل رسول اللَّه(ص) لأنه منها وهي منه، وتركُ سبيل رسول اللَّه ترك لدين اللَّه الذي ارتضاه، وما جزاء ذلك إلا جهنم وساءت مصيراً.
قال تعالى‏: {ومن يشاقق الرسول من بعدما تبيّن له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نولّه ما تولّى‏ ونصله جهنم وساءت مصيراً} (9).
وأهل البيت هم الصفوة المختارة بأمر اللَّه، أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ثم اصطفاهم، عز وجل، وجعلهم ورثة الكتاب والنبوة، والحامل النوعي لرسالته بعد رسول اللَّه(ص)، لأن رسالته عز وجل لا تموت بموت نبيه(ص)، والقيادة المعصومة لا بد أن تستمر مع الكتاب المعصوم، لكي تتحقق حجة اللَّه على خلقه. قال تعالى‏: {والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه إن اللَّه بعباده لخبير بصير، ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن ذلك هو الفضل الكبير} (10). فالذي «أوحينا إليك» هو القرآن الكريم، والذي «أورثنا»: هو القرآن أيضاً، والوارث: «الذين اصطفينا»، فهم الصفوة المختارة، السابقون بالخيرات بإذن اللَّه وبأمره، وليس جميع العباد، لأن فيهم الظالم لنفسه، فلا يصلح للوراثة، وفيهم المقتصد. وهو بحاجة إلى قيادة مسدّدة معصومة.
النبيُّ(ص) يبين للأمة وصيَّه عليها
وبعد كل هذا نقول: ليس من الحكمة أن يتوفى اللَّه نبيه من غير أن يبيّن للأمة من بعده وصيه عليها ووارثه، والإمام من بعده، ويدلهم على الصراط الذي يسلكونه من أجل نجاتهم وعصمتهم من الضلال، ولم يقصر رسول اللَّه(ص) في ذلك، وهذا ما فعله في وصيته الخالدة للأمة، وأكده في مواضع كثيرة قبل وفاته، وبخاصة في حجة الوداع، حينما قفل راجعاً فوقف في غدير خم بين مكة والمدينة، المكان الذي يعتبر نقطة افتراق القوافل والحجيج إلى مكة والمدينة والطائف وغيرها، فخطب النبيّ(ص) خطبته المشهورة، مبلّغاً ما أنزل إليه من ربه، ثم بين بعد ذلك وصيّته لمعرفة طريق السالكين من بعده، عصمة من الضلال، وذلك في حديثه المشهور بحديث «الثقلين»، وقد سماها كذلك لأن الثقل هو الأمر العظيم، ولكي ينبّه على أهمية هذه الوصية، ويؤكد على أن هذا الأمر هو الفارق بين
________________________________________
(9)سورة النساء، الآية: 115.
(10)سورة فاطر، الآيتان: 31 - 32.

[الصفحة - 83]


الهداية والضلال، بين النور والظلام، فقال: «أيها الناس، يوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم «مخلف فيكم» الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب اللَّه، وعترتي أهل بيتي، ولقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض».
قال هذا بغدير خمٍ، تلك الأرض التي تشرفت بموقف رسول اللَّه(ص) عليها، وبيّن وصيته الخالدة في التمسّك بأهل البيت. وتبليغ ما أنزله اللَّه إليه في قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واللَّه يعصمك من الناس} (11).
فبلّغ رسول اللَّه(ص) أمرين عظيمين، في موقف واحد، ذلك الموقف المشهود والعهد المعهود، أولهما:
بيان وصيّه وخليفته من بعده في قوله: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قالها ثلاثاً. ثم قال: من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» (12). وثانيهما: بيان سبيل الهداية من بعده والعصمة من الضلال في قوله: «إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي» (13).
وأراد رسول اللَّه(ص) أن يؤكد للأمة هذه الوصية الخالدة عندما حضرته الوفاة، يوم الخميس، حين اشتد به المرض، فحال بعض من حضر دون كتابة الوصية، خوفاً من إثبات هذه الوصية مكتوبة وممهورة بخاتم رسول اللَّه(ص)، فقال بعض هؤلاء: «إن النبي ليهجر، قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب اللَّه». وقد أورد هذه الحادثة ـ التي سماها ابن عباس برزية يوم الخميس ـ جميع أصحاب السنن والصحاح كمسلم والبخاري وغيرهما وفي أبواب عديدة (14).
ولا شك بأن قول بعضهم: «حسبنا كتاب اللَّه» هو تجزئة لوصية رسول اللَّه(ص) وبتر لها. ومحاولة جادة للتفريق بين الكتاب والعترة، وإبعاد الناس عن أهل البيت، لذلك فقد غضب رسول اللَّه(ص) فطردهم من عنده، وهو في أجرح ساعات حياته الشريفة وأشدها حساسية في هذا الموقف. فقال لمن حسد أهل بيته وحال دون كتابة وصيته: «قوموا عني». ثم أوصى شفاها بثلاثة أمور. واستمرّ تأثير السياسة المعادية لأهل البيت إلى زمن التدوين،
________________________________________
(11)سورة المائدة، الآية: 67.
(12)رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وأحمد وغيرهم.
(13)رواه مسلم والترمذي والحاكم وأحمد وغيرهم.
(14)وحسب ما نقله البخاري في صحيحه مثل «كتاب العلم» 1/32 «كتاب الجهاد والسيرة»، 2/202 أو كتاب المرضى، 4/7 و «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» 4/271، و«كتاب المغازي، باب مرض النبي»د 3/91،

[الصفحة - 84]


وكتابة السنة، فبترت الوصية أيضاً حينما أجبر الرواة على كتم الأمر الثالث منها، كما جاء في الحديث: «ونسيتُ الثالثة، أو أُنسيتها». ولم يرجعهم رسول اللَّه(ص) بعد طردهم، ثم عبأهم في جيش أسامة بن زيد، وأخرجهم من المدينة، ولم يذكر أي مصدر تاريخي أنهم رجعوا إلى النبي واعتذروا له، أو أنه عفا عنهم وسامحهم. وقد روى البخاري هذه الحادثة بعدة طرق وهذا واحد منها: روى البخاري، في صحيحه، بسنده عن عبيداللَّه بن عبداللَّه، عن ابن عباس قال: لما حُضر النبي(ص) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال: «هلمّوا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده» قال عمر: إن النبي(ص) غلبه الوجع، وعندكم القرآن، فحسبنا كتاب اللَّه، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول اللَّه كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي(ص) قال: قوموا عنّي‏ (15).
لقد جاء هذا الحديث الهام في وصية رسول اللَّه(ص) لأمته بصيغتين اثنتين وهما:
1 - الصيغة الأولى: «إني تارك فيكم الثقلين... كتاب اللَّه وسنة نبيّه..» وقامت أقلام السياسة الحاكمية بنشره والترويج له، حتى صار مشهوراً على الرغم من تجنب جهابذة علماء السنة عن روايته خاصة في كتب الصحاح الستة وهي: «البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود».
2 - الصيغة الثانية: «إني تارك فيكم الثقلين... كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي...». وقد جرى على الحديث بهذه الصيغة التعتيم، وسعى حكام الجور ووعاظ السلاطين إلى إخفائه وكتمانه، وعدم إذاعته بين الناس، ومنعوا التحدث به حتى صار غريباً عن الأسماع، على الرغم من كثرة رواته من الصحابة حتى قارب الأربعين وصار متواتراً عن الصحابة والتابعين إلى وقتنا الحاضر.
والغريب، في الأمر، أن السائرين في دهاليز الفكر الأموي، لا يزالون إلى يومنا هذا، يخفون هذا الحديث عن العامة، ويتبجحون، في كل مناسبة، بما نسب إلى النبي(ص) في قوله: «كتاب اللَّه وسنة نبيه». متناسين أن السنة مختلف فيها حتى عند الصحابة أنفسهم، وعند الفقهاء من بعدهم، وقد قال رسول اللَّه(ص): «سيكثر علي الكذابة». فكيف تكون السنة عصمة من الضلال وهي غير معصومة لوقوع الكذب
________________________________________
(15)صحيح البخاري، 4/271.

[الصفحة - 85]


والتحريف فيها، وفاقد الشي‏ء لا يعطيه.
إنها كلمة حق أريد بها باطل، فالسنة مصدر للتشريع بعد القرآن، وهذا ما يقرُّه جميع المسلمين، لكنها ليست عصمة من الضلال، بل هي بحاجة إلى المعصوم كي يحفظها ويبينها.
ولو صحّ أن رسول اللَّه(ص) أوصى بكتاب اللَّه وسنته وأنهما عصمة من الضلال، لما جاز أن يكثر عليه الكذب، ولوجب أن تكون السنة معصومة كالقرآن، وهذا ما لم يقل به أحد.
ولو كانت السنة معصومة، كالقرآن، لما احتيج إلى أهل البيت، أو غيرهم لحفظ السنة والعصمة من الضلال، ولانتفت الحاجة إلى قيادة دينية ترث الكتاب والسنة معاً بعد رسول اللَّه(ص)،
ولما بقي معنى لقوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} ، ولكانت آية التطهير من الرجس عبثاً ـ والعياذ باللَّه ـ وهي قوله تعالى: {إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} (16).
وذلك لانعدام الحاجة إلى المعصومية في قيادة الأمة ووراثة القرآن.
ولكن لما كانت السنة غير معصومة، وقد كثر الكذب والتحريف فيها، وأشار القرآن إلى ضرورة وجود قيادة معصومة ترث الكتاب والنبوة سابق بالخيرات بإذن اللَّه،
فقد تبين عدم معقولية ارتباط السنة بالكتاب في مسألة العصمة من الضلال، وتبقى الحاجة ملحّة إلى وجود الحامل النوعي للرسالة بعد رسول اللَّه(ص)، وهذا الحامل النوعي للرسالة قائد لمصدريها الأساسيين: القرآن والسنة.
حديث الوصية بصيغتيه‏
ولا بد لنا من تسليط الضوء على هذا الحديث الوصية «بصيغتيه» لمعرفة الحقيقة منه، من حيث المتن والسند وما يرمي إليه.
________________________________________
(16)سورة الأحزاب، الآية: 33.

[الصفحة - 86]


أولاً: حديث «كتاب اللَّه وسنة نبيّه»
مصادر البحث:
لم يرد هذا الحديث، بصيغته، في كتب الصحاح المعتبرة لدى جمهور أهل السنة، كما أنه لم يردْ عن طريق غيرهم من المسلمين. ولم يروه أصحاب الصحاح الستة لعدم قناعتهم بصحة إسناده، وضعف رواته، وتناقض متنه ومعانيه مع الصحيح الأقوى.
وجاء هذا الحديث في مصادر غير الصحاح، مثل:
1 - موطأ الإمام مالك بن أنس (ت: 179هـ)
ورد هذا الحديث، في موطأ الإمام مالك بن أنس، في كتاب القدر، بالصيغة التالية:
ـ وحدثني مالك أنه بلغه أن رسول اللَّه(ص) قال:
«تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما: كتاب اللَّه وسنة نبيه» (17).
هكذا ورد هذا الحديث في الموطأ، من غير سند، ولا راوٍ للحديث، لا صحابي ولا تابعي، ولا حتى معاصر لمالك. وهذا في علم أصول الحديث، ليس بحديث، ولا يحتج به، ولا يعدُّ حديثاً، بأدنى درجات الضعف لانقطاع السند كلياً، ولبُعد الراوي عن زمن النبي(ص) وعدم سماعه من صحابي أو تابعي. والحديث في كل هذه الحالات، ليس بحجة، وهو من الضعيف المتروك.
ولنا أن نتساءل، بادى‏ء ذي بدء؛ لماذا لم يذكر مالك رواة الحديث وأسانيده كعادته في غيره من أحاديث الموطأ؟ ولماذا قطعه عن الإسناد هكذا، ورواه عن النبي(ص) مباشرة؟ علماً بأن الفاصل الزمني كبير جداً بين مالك وبين رسول اللَّه(ص) يصل إلى القرنين من الزمن تقريباً.
إن السرّ، في ذلك، يكمن في عدم قناعة مالك بصحة هذا الحديث، وإنما جاء به لأنه وافق هوى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ورغبته، وهو الذي أمر مالكاً بتأليف الموطأ، كما هو معروف في قضية تأليف الموطأ حين اجتمع معه الخليفة في الحج وأمره بذلك، وحاول مالك قدر الإمكان تجنب غضب الخليفة الذي عرفه التاريخ جباراً مستبداً سفّاك دماء، أكثر من السفاح نفسه.
________________________________________
(17)الإمام مالك بن أنس، موطأ مالك، كتاب القدر، 2/899.

[الصفحة - 87]


وخاف مالك إذا لم يفعل ما يريده الخليفة، أن يكسر كتفه اليسرى، كما كسر له واليه سليمان كتفه اليمنى بالمدينة، وعلم مالك أن أهم أمر يغضب الخليفة السلطان هو التعرض لذكر فضيلة في أهل البيت عليهم، وخاصة الإمام علي بن أبي طالب(ع)، وهذا ما تجنبه مالك في الموطأ، فلم يذكر شيئاً من فضائلهم، وعرف أن ما يرضي المنصور هو إبعاد الناس عن كل ما يربطهم بأهل البيت ويشدهم إليهم، وبالتالي الإقلال من شأن أهم شي‏ء في وصية رسول اللَّه وهي أهل بيته، وكذلك إيجاد البديل عنهم بصيغة يقبلها العامة. ولهذا كله قبل مالك رواية هذا الحديث في موطئه، إرضاء للخليفة وخوفاً من سطوته.
وإذا علمت أن أبا جعفر المنصور كان ينتقص من شأن علي، عليه السلام، وينال منه كما صرح بذلك الكثيرون، فقد عرفت السبب في قبول مالك لهذا الحديث الذي يقلل من شأن أهل البيت في وصية رسول اللَّه(ص). لقد كان السر، إذاً، يكمن في عدم قناعة مالك بهذا الحديث، لكن ضرورة إرضاء الحكومة والسياسة جعلته مرغماً على إغماض عينيه عن السند، ليبقى الحديث من بعده ثغرة كبيرة ومثار تساؤل دائم: لماذا أغفل مالك السند؟
لم يكن مالك هو الذي اخترع هذا الحديث، ولا يُتّهم في ذلك، لكن الذي وضعه وروّج له زمن مالك هو الوضاع والزنديق الشهير سيف بن عمر التميمي المعاصر لمالك والمتوفي سنة (171هـ) وعرف مالك حاله وسوء سيرته، وَمقْتَ الناس له، وكذلك نصبه العداء لأهل البيت عليهم السلام، لذلك لم يصرح مالك باسمه المشؤوم، حتى لا يكون عيباً ظاهراً يسقط حديثه من عيون الناس.
إن عدم ذكر مالك، رحمه اللَّه، للسند أدّى إلى التستر على كذبة سيف بن عمر، حتى انطلت على الكثيرين من العامة البسطاء في المجتمع الإسلامي، وراقت الحكاية لمن زانوا الحق بالرجال فظلموه، وليتهم زانوا الرجال بالحق فأنصفوه.
إذاً لم يذكر مالك السند لشهرة سيف بالكذب والزندقة، ولنفور الناس من أكاذيبه، فبتر الحديث وأسقط إسناده، وهذا غير مستغرب من مالك فقد ذكره الخطيب البغدادي في كتابه «الكفاية في علم الرواية»، في حديثه عن المدلسين، فقال:
«يقال إن ما رواه مالك بن أنس، عن ثور به زيد، عن ابن عباس، كان يرويه عن
________________________________________

[الصفحة - 88]


عكرمة عن ابن عباس، وكان مالك يكره الرواية عن عكرمة، فأسقط اسمه من الحديث وأرسله، وهذا لا يجوز وإن كان مالك يرى الاحتجاج بالمراسيل، لأنه قد علم أن الحديث عمن ليس بحجة عنده» (18).
2 - السيرة النبوية لابن هشام(ت: 213هـ):
وقد روى الحديث ابن هشام، عن ابن إسحق، في سيرته‏ (19) من غير سند أيضاً، كما هو شأن مالك. وجاء فيها:
قال ابن إسحق: «ثم نص رسول اللَّه(ص) على حجّه، فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجّهم، وخطب الناس خطبته التي بيّن فيها ما بين، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس اسمعوا قولي. فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً» إلى أن قال: «وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً: كتاب اللَّه وسنة نبيه».
وهكذا وردت هذه الرواية من غير سند، وهذا يكفي لإسقاطها عن الاعتبار، علماً بأن ابن هشام يسند، في تاريخه، الأحداث والأحاديث إلى الرواة الذين نقل عنهم ابن إسحاق، لكنه هنا لم يفعل، وربما كان السبب في ذلك أن ابن هشام فعل ما فعله مالك من إغفال اسم الراوي والمخترع الأول لهذا الحديث، وهو سيف بن عمر التميمي، علماً بأن ابن إسحق الذي روى عنه ابن هشام كان معاصراً لسيف ويعرف مثالبة وكثرة المطاعن فيه. وقد توفي ابن إسحق سنة (151هـ).
وقد طعن الإمام مالك في ابن إسحق ووصفه بأنه دجال، كما جاء في ترجمته في مقدمة السيرة النبوية لابن هشام‏ (20) وقال فيه: «وإنما طعن فيه مالك فلأن ابن إسحق كان يزعم أن مالكاً من موالي ذي أصبح، وكان مالك يزعم أنه من أنفسها، فوقع بينهما لذلك مفاوضة، فلما صنف مالك الموطأ. قال ابن إسحق: ائتوني به فأنا بيطاره. فنقل ذلك إلى مالك فقال: دجّال من الدجاجلة يروي عن اليهود. وقال عنه ابن نمير: إنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة».
________________________________________
(18)الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ص 365.
(19)سيرة ابن هشام، 4/185.
(20)المصدر نفسه، ص: ك.

[الصفحة - 89]


3 - المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري (ت: 405هـ)
روى الحديث في مستدركه‏ (21) في كتاب العلم، وذلك بطريقين اثنين:
الأول: عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن رسول اللَّه(ص) خطب الناس في حجة الوداع فقال: «أيها الناس قد يئس الشيطان أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع في ما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروا أيها الناس، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: كتاب اللَّه وسنة نبيه(ص)».
الثاني: عن صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز رفيع، عن أبي صالح عن أبي هريرة الحديث. ولا بد من معرفة هؤلاء الرواة في ميزان الرجال عند علماء الجرح والتعديل، وما مدى وثاقتهم وصحة مروياتهم، وذلك لمعرفة سند هاتين الروايتين عند الحاكم.
أ ـ عكرمة مولى ابن عباس:
يعدّ عكرمة مولى ابن عباس من الخوارج، ومن الذين دانوا بعقيدتهم، وقد صنفه أبو العباس المبرّد في كتابه «الكامل»، في باب الخوارج، في من ينسبون إلى الخوارج‏ (22)، وقد كان عكرمة مملوكاً لعلي بن عبداللَّه بن عباس، وقد باعه علي هذا إلى خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان، فصار عكرمة لسان حال الأمويين، فأعتقه خالد تكرمة لولائه لهم، ولما ناله من أهل البيت، وقد اشتهر بشدة نصبه العداء لأهل البيت عليهم السلام، وعرف عنه شتمه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
وقد جنّد عكرمة نفسه لحرب أهل البيت وطمس فضائلهم، وكان ينادي في الأسواق مظهراً بغضه ونصبه لهم. وسيرة عكرمة هذه تسقط مروياته، في ما يختص بأهل البيت وغيرها عن الاعتبار. أما علماء الجرح والتعديل فلم يذكر أحد منهم عكرمة بخير. وقد ترجم له العلامة الحافظ الذهبي، في كتابه الشهير: «ميزان الاعتدال»، وجاء فيه:
«أما مسلم: فتجنّبه، وروى له قليلاً مقروناً بغيره، وأعرض عنه مالك، وتحايده إلا في حديث أو حديثين» (23).
قال يحيى: كذاب.
________________________________________
(21)مستدرك الحاكم النيسابوري، 1/93.
(22)الكامل للمبرّد، ص 53.
(23)الحافظ الذهبي، ميزان الاعتدال، 3/93.

[الصفحة - 90]


جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبداللَّه بن الحارث، قال: دخلت على علي بن عبداللَّه، فإذا عكرمة في وثاق عند باب الحشّ، فقلت له: ألا تتقي اللَّه؟ فقال: هذا الخبيث يكذب على أبي.
ـ ويروى، عن ابن المسيب، أنه كذب عكرمة والخصيب بن ناصح.
ـ قال ابن أبي ذئب: رأيت عكرمة، وكان غير ثقة.
قال محمد بن سعد: كان عكرمة كثير العلم والحديث، وليس يحتجّ بحديثه، ويتكلم الناس فيه.
ـ قال مطرف بن عبداللَّه: سمعت مالكاً يكره أن يذكر عكرمة، ورأى ألا يروي عنه.
ـ قال ابن المديني: وقف عكرمة على باب المسجد فقال: ما فيه إلا كافر. قال: وكان يرى رأي الأباضية.
ـ وعن ابن المسيب أنه قال لمولاه برد: لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس، ويروى ذلك عن ابن عمر، قاله لنافع.
ب ـ صالح بن موسى الطلحي:
ترجم له الذهبي في «ميزان الاعتدال» (24)، وقال عنه: صالح بن موسى الطلحي: كوفي ضعيف، يروي عن عبد العزيز بن رفيع.
ـ قال يحيى ليس بشي‏ء، ولا يكتب حديثه.
ـ قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك.
ـ وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً عن الثقات.
ـ وقال ابن عدي: عاقه ما يرويه لا يتابعه عليه أحد.
وجاء في كتاب «سنن الدارقطني»، باب: في قدر الصدقة: لم يروه عن منصور بهذا الإسناد غير صالح بن موسى، وهو ضعيف الحديث‏ (25).
ـ وجاء في «التعليق المغني على الدارقطني»: صالح بن موسى: هو ضعيف الحديث، قال الشيخ في «الإمام»: هو صالح بن موسى بن عبداللَّه ابن إسحق بن طلحة بن عبيداللَّه. قال ابن معين: ليس بشي‏ء، وقال ابن أبي حاتم: فسألت أبي عنه فقال: منكر
________________________________________
(24)المصدر نفسه، 2/302.
(25)سنن الدارقطني، باب في قدر الصدقة، ط القاهرة، 2/182.

[الصفحة - 91]


الحديث جداً، لا يعجبني حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث‏ (26).
ـ وقد ضعّفه وطعن فيه بما يقارب ما جاء عند الذهبي، ابن حجر العسقلاني في كتابه الرجالي: «تهذيب التهذيب» (27).
ج ـ عبد العزيز بن رفيع وأبو صالح:
روى عنهما صالح بن موسى الطلحي، وقد ذكر ذلك الذهبي، في ميزانه: وهما أمويان ومن جملة المروّجين لأحاديث أبي هريرة، والمخترعين لأحاديث كثيرة ألصقوها به زوراً وبهتاناً، تأييداً لسياسة بني أمية وبني العباس من بعدهم، وخاصة ما يتعلق بأهل البيت(ع) (28).
4 - الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع. للقاضي عياض (ت‏544هـ):
روى الحديث، في كتابه، بسنده عن سيف بن عمر عن أبان بن إسحق الأسدي. عن الصباح بن محمد، عن أبي حازم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه(ص): «أيها الناس إني قد تركت فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وسنتي فلا تفسدوه» (29).
ويكفي، في إسقاط هذه الرواية، أن في سندها ثلاثة من الوضاعين، وإليك ما نقله الذهبي، علاّمة أهل السنة، في علم الجرح والتعديل، في هؤلاء الرجال:
أ ـ سيف بن عمر التميمي:
ترجم له الذهبي في ميزانه‏ (30)، ولم يوثقه أحد من علماء الجرح والتعديل وأجمعوا على تكذيبه، وتضعيفه، وهم قلّما يتفقون على توهين راوٍ كما اتفقوا عليه.
ـ قال الذهبي: يروي عن كثير من المجهولين.
ـ وقال عباس عن يحيى: ضعيف، وروى مطيّن عن يحيى: فَلْس خير منه.
ـ وقال أبو داود: ليس بشي‏ء، وقال أبو حاتم: متروك، وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر.
ـ مكحول البيروتي: كان سيف يضع الحديث وقد اتهم بالزندقة.
ب ـ أبان بن إسحق:
ترجم له الذهبي في ميزان‏ (31) وقال عنه:
________________________________________
(26)التعليق المغني على الدارقطني، الباب نفسه، الصفحة نفسها.
(27)ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، 4/354.
(28)ميزان الذهبي، 2/103.
(29)القاضي عياض، الإلماع إلى معرفة أصول الولاية وتقييد السماع، ص 9.
(30)ميزان الذهبي، 2/255.
(31)المصدر نفسه، 1/5.

[الصفحة - 92]


قال ابن معين وغيره: ليس به بأس. وقال أبو الفتوح: متروك روى عن الصباح بن محمد، والصباح واهٍ.
ج ـ الصباح بن محمد:
ذكره الذهبي في ميزانه‏ (32) وقال:
قال ابن حبان: يروي الموضوعات.
وذكره في ترجمة أبان بن إسحق عن أبي الفتوح، قال عنه أنه واهٍ.
د ـ أبو حازم:
ذكره الذهبي، أيضاً، في ميزانه‏ (33) وقال عنه:
قال ابن القطان: لا يعرف هو ولا أبوه ولا جده.
ثانياً: حديث «كتاب اللَّه وأهل بيتي»
لا بد، في البداية، من تعريف كلمة «العترة» التي وردت في بعض الروايات، وبيان من هم العترة، ومن ثم معرفة أهل البيت المعنيين في هذا الحديث.
معنى كلمة: «العترة»
قال الطريحي في كتابه «مجمع البحرين»:
سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول رسول اللَّه(ص): «إني مخلف فيكم الثقلين، كتاب اللَّه وعترتي»، من العترة؟ فقال عليه السلام: «أنا والحسن والحسين عليهما السلام، والأئمة التسعة من ولد الحسين عليه السلام تاسعهم مهديهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب اللَّه ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول اللَّه(ص) حوضه».
وفي حديث آخر: وسُئل: من عترة النبي(ص)؟ فقال: أصحاب العباء.
وعن ابن الأعرابي، حكاه عنه تغلب: العترة ولد الرجل وذريته من صلبه، ولذلك سميت ذرية محمد من علي وفاطمة: عترة محمد.
والعترة: العين الرائقة العذبة، وعلومهم لا شي‏ء أعذب منها عند أهل الحكمة.
والعترة: الرهط، وهم رهط رسول اللَّه(ص)، ورهط الرجل، قومه وقبيلته.
من هم العترة؟
________________________________________
(32)المصدر نفسه، 2/306.
(33)المصدر نفسه، 4/513.
(34)الطريحي، مجمع البحرين، 3/395.

[الصفحة - 93]


روى مسلم في صحيحه‏ (35)، عن زيد بن أرقم، حديث الثقلين «كتاب اللَّه وأهل بيتي» وجاء فيه: «فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، وأيم اللَّه، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حُرموا الصدقة بعده».
وروى أيضاً في صحيحه‏ (36) باب فضائل أهل البيت، عن عائشة قالت:
خرج النبي(ص) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: {إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} .
فبيّن، في هذا الحديث من هم أهل بيته المعنيون بهذه الآية، وأنهم محصورون بالخمسة فقط المذكورين كما روى مسلم أيضاً في الصحيح‏ (37)، بسنده عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما نزلت هذه الآية: {فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم} دعا رسول اللَّه(ص) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: «اللهم هؤلاء أهلي».
وروى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده‏ (38) بسنده عن أم سلمة قالت: إن رسول اللَّه(ص) قال لفاطمة «ائتيني بزوجك وابنيك»، فجاءت بهم، فألقى عليهم كساء فدكياً، ثم وضع يده عليهم، ثم قال: «اللهم إن هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وآل محمد إنك حميد مجيد» قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي وقال: إنك على خير.
وروى كثير من المفسرين، في أسباب نزول آية التطهير، أن أهل البيت عترة النبي هم الخمسة أهل العباءة مثل: فخر الدين الرازي، في تفسيره الكبير، ومثل ابن كثير في تفسيره «القرآن العظيم» (39)، ورواه عن اثني عشر صحابياً، من واحد وعشرين طريقاً.
مصادر الحديث:
1 ـ صحيح مسلم‏
رواه مسلم، في صحيحه، في كتاب الفضائل، باب فضائل علي بن أبي طالب عليه
________________________________________
(35)صحيح مسلم، 7/123.
(36)المصدر نفسه، 7/130.
(37)المصدر نفسه، 7/150.
(38)مسند الإمام أحمد بن حنبل، 6/323.
(39)تفسير الرازي، 8/80، وتفسير ابن كثير، 3/483.

[الصفحة - 94]


السلام، بسنده عن زيد بن أرقم، قال: قام رسول اللَّه(ص) يوماً فينا خطيباً، بماء يدعى خماً، بين مكة والمدينة، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وذكّر، ثم قال:
«أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب اللَّه، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب اللَّه، واستمسكوا به. فحثّ على كتاب اللَّه، ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي، أذكركم اللَّه في أهل بيتي» (40).
فقال له حصين: ومن أهل بيته يازيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
وجاء في حديث آخر: فقلنا: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا. وأيم اللَّه إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
2 - صحيح سنن الترمذي‏
رواه، في باب الفضائل، وذلك بسنده عن جابر بن عبداللَّه قال: رأيت رسول اللَّه(ص) في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: «يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي» (41).
ورواه في الباب نفسه عن كل من: زيد بن أرقم، أبي ذر الغفاري، أبي سعيد الخدري وحذيفة بن أسيد.
3 - كتاب السنّة، للحافظ أبي بكر بن أبي عاصم الشيباني (ت: 287هـ)
ذكره في باب «ما ذكر عن النبي(ص)، ورود حوضه». وقد رواه بسنده عن زيد بن ثابت قال: قال رسول اللَّه(ص): «إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض).
وأورده أيضاً بسنده عن أبي سعيد الخدري، وعن ابن عباس وعن علي عليه السلام‏ (42).
________________________________________
(40)صحيح مسلم، 7/122.
(41)سنن الترمذي، دار الفكر، ط بيروت، 5/329، وط الرياض، تحقيق الألباني، 3/226.
(42)كتاب السنّة للحافظ الشيباني، تحقيق ناصر الدين الألباني، ص 337 و629.

[الصفحة - 95]


4 - كتاب المصنف لمحمد بن أبي شيبة(ت: 235هـ)
روى الحديث في مصنفه، في كتاب الفضائل، بسنده عن زيد بن ثابت قال: قال رسول اللَّه(ص): «إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي: كتاب اللَّه، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» (43).
5 - المستدرك على صحيحي البخاري ومسلم للحاكم‏
رواه، في المستدرك بسنده، عن زيد بن أرقم قال: لمّا رجع رسول اللَّه(ص) من حجة الوداع، ونزل بغدير خم، أمر بدوحات فقممن، فقال: «كأني دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللَّه وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم قال: «إن اللَّه عز وجل مولاي، وأنا مولى كل مؤمن. ثم أخذ بيد علي عليه السلام فقال: من كنت مولاه، فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعادِ من عاداه» (44). صحيح على شرط الشيخين.
6 - الجامع الصغير للسيوطي‏
رواه في الجامع الصغير (45)، وجاء فيه: «إني تارك فيكم خليفتين: كتاب اللَّه حبل ممدود بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي. وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». ورمز له ب «حم طب» عن زيد بن ثابت (صحيح) أي رواه أحمد في المسند والطبراني في الكبير، والحديث صحيح.
7 - مسند الإمام أحمد بن حنبل‏
رواه الإمام أحمد في المسند، بسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي(ص)، قال: «إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه عز وجل وعترتي». ورواه أيضاً في المسند في مكانين بسنده عن زيد بن أرقم‏ (46).
8 - مجمع الزوائد للهيثمي‏
روى الحديث في المجمع، باب الخلافة في قريش، بسنده عن عبداللَّه بن حنطب، قال: خطبنا رسول اللَّه(ص) بالجحفة، فقال: «ألست أولى بأنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: فإني سائلكم عن اثنين: عن القرآن، وعن عترتي» رواه الطبراني.
________________________________________
(43)المصنف لمحمد بن أبي شيبة، بيروت، دار الفكر، 7/418.
(44)مستدرك الحاكم، 3/109.
(45)الجامع الصغير للسيوطي، 1/354، رقم 2631.
(46)مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط3، 17 و14 و26 و59، 4/371، 5/182.

[الصفحة - 96]


ورواه أيضاً في مجمعه، باب فضائل أهل البيت، بسنده عن زيد بن ثابت قال، قال رسول اللَّه(ص): «إني تارك فيكم خليفتين: كتاب اللَّه عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».
ورواه بلفظه عن حذيفة بن أسيد الغفاري، باب ما جاء في حوض النبي(ص)، ورواه أيضاً في باب الفضائل، عن كل من الصحابة: أبي سعيد الخدري، وحذيفة بن أسيد الغفاري، وعلي عليه السلام، وأبي هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبداللَّه بن عمر (47).
9 - مناقب أمير المؤمنين(ع) لابن المغازلي الشافعي‏
رواه في مناقبه عن امرأة زيد بن أرقم، قالت: أقبل نبي اللَّه من مكة في حجة الوداع حتى نزل(ص) بغدير الجحفة بين مكة والمدينة، فأمر بدوحات فقمّ ما تحتهن من شوك، ثم نادى: الصلاة جامعة! فخرجنا إلى رسول اللَّه(ص) في يوم شديد الحرّ، وإن منا لمن يضع رداءه على رأسه، وبعضه على قدميه من شدة الرمضاء، حتى انتهينا إلى رسول اللَّه(ص) فصلى بنا الظهر ثم انصرف إلينا فقال: «توشكون أن تردوا علي الحوض، فأسألكم حين تلقوني عن ثقليّ، كيف خلفتموني فيهما،... الأكبر منهما كتاب اللَّه تعالى، سبب طرفه بيد اللَّه، وطرف بأيديكم، فتمسكوا به ولا تضلّوا، والأصغر منهما عترتي.. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فرفعها ثم قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه، قالها ثلاثاً» (48).
10 - الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي المكي‏
أورد الحديث، في صواعقه، في الشبهة الحادية عشرة، وقال: قوله(ص) يوم غدير خم ـ موضع بالجحفة ـ مرجعه من حجة الوداع، بعد أن جمع الصحابة وكرر عليهم: ألست أولى بكم من أنفسكم، ثلاثاً، وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف، ثم رفع يد علي وقال: «من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار». ثم قال: إنه حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية أحمد: أنه سمعه من النبي(ص)
________________________________________
(47)مجمع الزوائد للهيثمي، 5/198 و9/165 و10/366 و9/165.
(48)مناقب أمير المؤمنين لابن المغازلي الشافعي، ص 29.

[الصفحة - 97]


ثلاثون صحابياً، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته، ولا لمن رده بأن علياً كان باليمن، لثبوت رجوعه منها، وإدراكه الحج مع النبي(ص)، فقد ورد ذلك من طرق صحيح الذهبي في الكثير منها.
ثم قال: ويرشدنا لما ذكرناه حثه(ص) في هذه الخطبة على أهل بيته عموماً وعلى علي خصوصاً، ويرشدنا إليه أيضاً ما ابتدى‏ء به هذا الحديث ولفظه عن الطبراني وغيره بسند صحيح أنه(ص) خطب بغدير خم تحت شجرات فقال: «يا أيها الناس، إن اللَّه مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فهذا مولاه، يعني علياً، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، ثم قال: يا أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون علي الحوض، حوض أعرض مما بين بصرى إلى صنعاء، فيه عدد النجوم قِدْحان من فضة، وإني سائلكم حين تردون عليّ الحوض عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، الثقل الأكبر: كتاب اللَّه عز وجل، سبب طرفه بيد اللَّه، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به، لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأ في اللطيف الخبير أنهما لن ينقضيا حتى يردا علي الحوض».
وأورد الحديث في صواعقه، في ذكر الآيات الواردة في أهل البيت عليهم السلام، الآية الأولى وهي قوله تعالى: {إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} قال: ومن ثمّ صح أنه(ص) قال: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا» كتاب اللَّه وعترتي» (49).
11 - فرائد السمطين للجويني الشافعي‏
أورد الحديث، في الباب الثالث والثلاثين من كتابه، بروايته عن زيد بن أرقم وعن زيد بن ثابت قال: قال النبي(ص): «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه عز وجل، وعترتي أهل بيتي، ألا وهما الخليفتان من بعدي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» (50).
وأخرجه عن أبي سعيد الخدري، وعن الحسين بن علي عليهما السلام، وعن حذيفة بن أسيد.
________________________________________
(49)الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي المكي، ص 42، وص 145.
(50)فرائد السمطين للجويني الشافعي، 2/143.

[الصفحة - 98]


12 - ينابيع المودة للقندوزي الحنفي‏
أخرجه في كتابه الينابيع، في الباب الرابع، عن أبي ذر الغفاري قال: أيها الناس إني سمعت رسول اللَّه(ص) يقول: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تركها هلك». ويقول: «مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل، من دخله غفر له» ويقول: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب اللَّه وعترتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (51).
وأخرج الحديث عن كل من الصحابة: جابر بن عبداللَّه الأنصاري، وعلي عليه السلام، وحذيفة ابن اليمان، وابن عباس، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسيد بن أبي وقاص، والحسن بن علي عليهما السلام، وحذيفة بن أسيد، وجبير بن مطعم، وسلمان الفارسي رضي اللَّه عنهم وعامر بن أبي ليلى بن ضمرة، وعن أبي رافع مولى رسول اللَّه(ص) وعن أبي هريرة وعن أم هانى‏ء بنت أبي طالب، وأم سلمة، وعن فاطمة الزهراء عليها السلام.
13 - المناقب للخوارزمي الحنفي‏
أخرج الحديث، بسنده عن زيد بن أرقم، قال: لما رجع رسول اللَّه(ص) من حجة الوداع ونزل بغدير خم، أمر بدوحات، فقممن، ثم قال: «كأني دعيت فأجبت، وإني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: إن اللَّه مولاي، وأنا ولي كل مؤمن ومؤمنة، ثم أخذ بيد علي عليه السلام فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه».
وأخرجه أيضاً بسنده عن أبي الطفيل عامر بن وائلة (52).
14 - الإمام النسائي في كتابه (الخصائص)
وهو صاحب السنن الكبرى من الصحاح الستة: أخرج الحديث في الخصائص ورواه بسنده عن زيد بن أرقم‏ (53).
________________________________________
(51)ينابيع المودة للقندوزي الحنفي، 1/27.
(52)المناقب للخوارزمي الحنفي، ص‏93 وص 130.
(53)خصائص النسائي، الحديث رقم 79، ص 150.

[الصفحة - 99]


15 - السيرة النبوية(الحلبية) لبرهان الدين الشافعي:
أورد الحديث، في خطبة رسول اللَّه(ص) في حجة الوداع من سيرته، وأورده مفتي الشافعية أحمد زيني دحلان في كتابه «السيرة النبوية» بهامش السيرة الحلبية، عن زيد بن أرقم وعن أبي سعيد الخدري‏ (54).
16 - كتاب «حديث الثقلين»
روى الحديث بصيغته المتعددة وطرقه الكثيرة، وقال ما يلي:
قال صاحب العبقات:
وروى حديث الثقلين «أي كتاب اللَّه وأهل بيتي»: «علي بن أبي طالب عليه السلام، وحسن بن علي عليه السلام، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبداللَّه الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان، وحذيفة بن اليمان، وأبو رافع مولى رسول اللَّه(ص)، وحذيفة بن أسيد الغفاري، وخزيمة ابن ثابت ذو الشهاتين، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبداللَّه بن حنطب، وجبير بن مطعم، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وطلحة بن عبيداللَّه التيمي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعمرو بن العاص، وسهل بن سعد، وعدي بن حاتم، وعقبة بن عامر وأبو أيوب الأنصاري، وأبو شريح الخزاعي، وأبو قدامة الأنصاري، وأبو ليلى الأنصاري وضميرة الأسلمي، وعامر بن ليلى بن ضمرة، والمعصومة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام وأم سلمة، وأم هانى‏ء».
هذه أهم مصادر حديث الثقلين «كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي». وقد نال هذا الحديث الشريف اهتمام لعلماء والباحثين، والجامعات الإسلامية، حتى نشرت «دار التقريب بين المذاهب» في الأزهر كتاباً خاصاً عنه هو: «حديث الثقلين» ذكر مؤلفه أكثر من سنين طريقاً لروايته، وقد قرب عدد الصحابة رواة الحديث من الأربعين صحابياً، فهو مشهور وصحيح ومتواتر بإجماع الأمة، وقد ركز عليه رسول اللَّه(ص) في عدة مواقف لأنه سبيل الهداية والعصمة من الضلال. ووصية رسول اللَّه(ص) الخالدة في أمته تنص على خليفتين في أمة، فمن تمسك بهما فقد ركب سفينة النجاة التي أخبر عنها رسول اللَّه(ص) في حديثه: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهلك».
________________________________________
(54)السيرة الحلبية لبرهان الدين الشافعي، 3/274 و330.
(55)حديث الثقلين، القاهرة، عن الأزهر الشريف، دار التقريب، محفوظ بالمكتبة الظاهرية في دمشق تحت الرقم 43226، ص‏14.

[الصفحة - 100]


وقد تعددت طرق الحديث حتى نال حظوة واهتماماً خاصاً لدى الرواة وأصحاب الصحاح والمسانيد ورواه جمّ غفير من الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم.
موارد ذكر الحديث‏
ورد ذكر هذا الحديث في مواطن متعددة. قال ابن حجر في صواعقه «اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى،
أنه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قاله لما قام خطيباً بعد انصرفه من الطائف كما مرّ، ولا تنافي: إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها. اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة».
قال: وفي رواية عند الطبراني عن ابن عمر: آخر ما تكلم به النبي(ص): «اخلفوني في أهل بيتي»(56).
1 ـ في عرفة بحجة الوداع.
2 ـ في المدينة، في مرض رسول اللَّه(ص) وقد امتلأت الحجرة بأصحابه.
3 ـ في غدير خم، بعد انصرافه من حجة الوداع بالحجفة.
4 ـ بعد انصرافه من الطائف.
أضواء على الحديث‏
لقد رأينا قوة سند حديث «كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي» وأنه من الصحيح المجمع عليه، وقد تعددت طرق روايته، ووصل عدد الصحابة الذين رووه عن رسول اللَّه(ص) إلى الأربعين، وتهيأ له من أسباب العناية والمتانة والتواتر، ما لم يتهيأ لغيره، على الرغم من تعتيم الفكر المناوى‏ء لأهل البيت عليه.
إذاً، قد صح بالتواتر والنقل الصحيح أن رسول اللَّه(ص) قال في وصيته الخالدة: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً، ولقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». فقرن(ص) بين القرآن والعترة المطهرة، وأنزلهما منزلاً واحداً، وسمّاهما بالثقلين، أي الأمرين العظيمين،
________________________________________
(56)صواعق ابن حجر، ص 150.

[الصفحة - 101]


وأمر بالتمسك بهما معاً، لأن في ذلك التمسك بالدين كله، والعصمة من الضلال.
إن التلازم بين الكتاب والعترة يعني أنهما معصومان، لأنهما عصمة من الضلال، وكما أن القرآن الكريم قد عصمه اللَّه وحفظه بقوله: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» فكذلك عصم العترة من أهل البيت وحفظهم وهيأهم لقيادة لأنه بقوله تعالى: {إنما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} .
إن هذه المنزلة العظيمة لأهل البيت عليهم السلام: ومعادلتهم بالقرآن الكريم، هي من الضرورات والأساسيات في حفظ الدين وتبليغ الرسالة والعصمة من الضلال، وهداية المتقين، قال تعالى: «ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين» (البقرة: 2) .
فلو أن اللَّه عز وجل أنزل كتابه العزيز على قرية، أو على أمة من غير أن يرسل نبياً رسولاً، يبلغ أمر اللَّه ويبين مضمون الرسالة وأحكامها، لما تمت أسباب الهداية، ولبقي الدين ناقصاً مبتوراً. ومن هنا جاء دور الرسل، وضرورة وجودهم مع رسالات ربهم، للتبليغ والتبيين والقيادة، والهداية، وبعد أن اختار اللَّه عز وجل نبيه الأكرم(ص) إلى جواره كان لا بد من وجود قيادة من بعده ترث هذه الرسالة العظيمة الخاتمة للرسالات التي سبقتها، ويجب أن تكون هذه القيادة من نوعية خاصة، وذات مزايا عالية في العصمة والحفظ والتسديد، وكما عرفها عز وجل في قوله: (ومنهم سابق بالخيرات بإذن اللَّه) تقود القرآن والسنة معاً وتحفظهما فتحفظ الدين كما أراده اللَّه عز وجل، لا سيّما وأن القرآن يحتاج دائماً إلى التفسير والتبيين، لأنه لكل زمان. وأن السنة التي تركها رسول اللَّه وهي المصدر الثاني للتشريع، لم تعد مأمونة لوقوع التحريف والكذب فيها. إن وراثة القرآن من قبل الصفوة المطهرة المسددة بأمر اللَّه يستوجب وراثة السنة النبوية، لأنهما متلازمان متكاملان، وهما المصدر الرئيسي لدين اللَّه وشريعته المقدسة. قال تعالى‏: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} (فاطر: 32)
ومن هنا فإن الآخذ بحديث «كتاب اللَّه وسنتي» آخذٌ بجانب واحد فقط هو القرآن الكريم من دون السنة، لأنه لم يأخذ السنة من مصدرها الصحيح المعصوم الوارث لها مع القرآن: ولما كانت السنة قطعية الدلالة ومصدراً للتشريع حين صدورها عن المعصوم: وتصبح ظنية الدلالة حين ابتعادها عن المعصوم سواء بتناقل الرواة أو المدة الزمنية الفاصلة،
________________________________________

[الصفحة - 102]


فإننا لا نستطيع أن نقرنها بالقرآن إلا بوجود حامل لها معصوم ومسدد بأمر اللَّه، يحفظها من التحريف والتزييف. وتبقى السنة بحاجة إلى حافظ لها يتمثل بالصفوة التي أورثها اللَّه الكتاب بعد النبي(ص)، وباجتماع هذه الصفوة مع القرآن يكون دين اللَّه تاماً كاملاً محفوظاً، وهو الذي أراده اللَّه لعباده المؤمنين. إن حديث «كتاب اللَّه وسنتي» يعني فقدان الصفوة المختارة، وضياع الثقل الآخر، وهو أهل البيت عليهم السلام، كما يعني ضمناً عدم حاجة الأمة إلى إمام معصوم بعد رسول اللَّه(ص) يرث الكتاب والسنة ويبلغهما للناس، ويعني أيضاً ضياع السنة والأحكام، وهذا كله لا يمكن تعويضه إلا بوجود الصفوة المختارة من أهل البيت الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرهم وأورثهم الكتاب والحكمة وسددهم إلى الخيرات بإذن اللَّه، فهم أهل السنة الحقيقيون، وهم حملتها الصادقون المسددون، وبهم تكون السنة قد دخلت تحت عبارة رسول اللَّه(ص)، وشع منها نور الهداية، والعصمة من الضلال، وغدت محور الهداية وسبيل النجاة، والمرجعية الدينية والفقهية والعقائدية.
ولقد أجاد الشيخ العلامة الأستاذ محمود عكام في كلمة ألقاها في مؤتمر الإمام الصادق عليه السلام سنة (1991م الموافق 1412هـ) في دمشق حين قال: «الإمامة اصطفاء إلهي في النهاية، تتجلى من خلال الواقع، من خلال النص، من خلال العلم والفهم والدعوة والجهاد، ومحلها الأوسع الذي تنبثق عنه هو العترة النبوية الطاهرة استناداً للحديث القائل: «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب اللَّه وعترتي».
وهذا الحديث يرويه الترمذي، ولئن وردت رواية أخرى تقول حسبما جاء في موطأ الإمام مالك: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب اللَّه وسنة رسوله».
فإن حمل الرواية الثانية على الأولى هو الأولى، فأولى الناس بفهم السنة والكتاب هم العترة النبوية، ومنها، من العترة النبوية يظهر الأئمة الذين يقنعون الناس بإمامتهم من خلال التميّز العلمي، والفقهي والفهمي، الإضاة للاصطفاء النسبي الذري».
ثم يقول الدكتور الأستاذ: «وقد ظهر فعلاً أئمة من هذه العترة الطاهرة على رأسهم الإمام علي عليه السلام وكرم اللَّه وجهه، الذي قال عنه عمر(رض): لولا علي لهلك عمر. وكان يردّد أيضاً: قضية ولا أبا الحسن لها. ثم تتابع هؤلاء الأئمة رضي اللَّه عنهم، فكان منهم الحسن والحسين، وزين العابدين، والباقر وجعفر الصادق(رض) وعليهم السلام».
________________________________________

[الصفحة - 103]


واعلم، عزيزي القارى‏ء، أن أية دلالة لحديث الثقلين غير أهل البيت هي محاولة لإبعاد السنة عن أهل البيت، وإبعاد أهل البيت عن المكانة التي أرادها لهم اللَّه ورسوله، والخسارة على الظالمين. وفي الحديث المنسوب إلى رسول اللَّه(ص) والقائل: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» يجب أن يكون المعني فيه هم أهل البيت عليهم السلام خلفاء رسول اللَّه بوراثة الكتاب والسنة والإمامة، وليس غيرهم، لأنه لا ينطبق على غيرهم، ولأنه لا يجوز أن يوصي رسول اللَّه(ص) بسنته من يخطى‏ء في الأحكام، وهو أحوج إلى الهداية. قال تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتّبع أم من لا يهدي إلا أن يهدّي فما لكم كيف تحكمون} (57). والدعوة إلى أخذ السنة لا تكون بأخذها عن الخلفاء والحكام والملوك، سواء الأوائل أو من جاء من بعدهم وإن اجتهدوا وفتحوا البلاد وحفظوا قوة الإسلام، لكن السنة شي‏ء آخر وذلك لثبوت اختلافهم فيما بينهم، وحروبهم، وعدم قبول بعضهم بسنة البعض الآخر، كما هو معروف في سيرة الخلفاء من مثل: عدم أخذ عمر بن الخطاب بسنة أبي بكر، واختلافهما في أهل الردة، وفي قسمة الأراضي المفتوحة، وفي طريقة الاستخلاف، وغير ذلك، ومثل اختلاف علي عليه السلام معهما، ورفضه لمنصب الخلافة في مقابل التزامه بسيرة الشيخين، حين ساومه على ذلك عبد الرحمن بن عوف فأبى، كما ذكره المؤرخون‏ (58).
فكيف يوصينا رسول اللَّه(ص) بسنة من لم يقبلوا بعضهم بسنة بعض.
وكيف نأخذ السنة من أناس لا يعلمون السنة كلها، وقد خالفوا في بعضها رسول اللَّه(ص) يقول الدكتور محمد عبد اللطيف فرفور، أستاذ الشريعة بجامعة دمشق، في مقالة له: «إن الصحابة كانوا يختلفون في المسألة الواحدة، إما في تطبيق النص، أو في مسوّغ الحكم، إذا كان اجتهادياً، تثبيتاً من وضع الشي‏ء في محله جهد الإمكان، وإنهم كانوا يعدلون عن النص عند الضرورة الداعية» (59).
ولم يأخذ الإمام الشافعي(رض) بكل أقوالهم، وهو القائل على ما رواه عنه الشاطبي في الموافقات: «كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحججته» (60) وهو في الصحابة عامة.
إن اختراع حديث «وسنتي» هو كلمة حق أريد بها باطل، إذ مَنْ من المسلمين لا يقبل
________________________________________
(57)سورة يونس، الآية: 35.
(58)تاريخ الطبري، 3/297.
(59)نهج الإسلام، العدد 46، ص 103.
(60)موافقات الشاطبي، 4/42.

[الصفحة - 104]


بالسنة؟ ومَنْ منهم يرفض أن تكون السنة مصدراً من مصادر التشريع بعد القرآن؟ لكن العصمة من الضلال شي‏ء آخر، وسبيل الهداية لا يتحقق فيها لعدم عصمتها «السنة».
ولا تتحقق العصمة من الضلال وسبيل الهداية إلا باجتماع القرآن الكريم والسنة المطهرة المحفوظة عند أهل البيت وتبقى لهم الريادة والرئاسة، وهم الذين يكنزون علم الكتاب والسنة ويحفظونها من غير تحريف أو تزوير.
ولابن حجر الهيثمي رأي في ذلك: يقول في صواعقه المحرقة، في رواية صحيحة:
«إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما وهما: كتاب اللَّه وأهل بيتي عترتي» وفي رواية «كتاب اللَّه وسنتي». وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على‏ الكتاب لأن السنة مبيّنة له، فأغنى ذكره عن ذكرها. والحاصل أن الحث وقع على التمسك بالكتاب وبالسنة وبالعلماء بهما من أهل البيت، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة.
وأورد في الآية الخامسة وهي قوله تعالى‏: {واعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ولا تفرقوا} قال: أخرج الثعلبي، في تفسيرها عن جعفر الصادق، رضي اللَّه عنه، أنه قال: «نحن حبل اللَّه الذي قال اللَّه فيه: «واعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ولا تفرقوا»، وكان جده زين العابدين إذا تلا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه وكونوا مع الصادقين} يقول: فإلى من يفزع خلف هذه الأمة وقد درست أعلام هذه الملة، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف، يكفّر بعضهم بعضاً؟ واللَّه تعالى يقول: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة، وتأويل الحكم، إلا أهل الكتاب وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، الذين احتج اللَّه بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدًى من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلاّ من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وبرأهم من الآفات، وافترض مودتهم في الكتاب)، وكلمة الإمام هذه تترجم كل ما قلناه في وصية رسول اللَّه(ص) ورجوع الأمة في أخذ ديتها وأحكامه من أهل البيت عصمة من الضلال، وحفظاً للدين، ولا مرجع لمن ابتغى مرضاة اللَّه وهدايته إلا بالتمسك بالخليفتين العظيمين: كتاب اللَّه، والعترة المطهرة من أئمة أهل البيت عليهم السلام‏ (61).
وللَّه در العلامة الطباطبائي في منظومته «السهم الثاقب» حين يقول:
________________________________________
(61)صواعق ابن حجر الهيثمي، ص 150.

[الصفحة - 105]


وأُسقطَ الخصمُ السَّقيط في يدهْ واستهدف السَّهمُ صميمَ كبدهْ
عند انضمام ما أتى‏ من الأثرْ ضمن حديث الثقلين المعتبرْ
ما إن تمسكتم بعترة الهدى وبالكتاب لن تضلوا أبدا
فمن تراه ترك التّمسكا بهم ففي نهج الضلال سلكا
إذ هو فعل واحدٌ أضيفا إليهما معاً فلا تحيفا
فمحكم الذكر الكتاب المنتقى وعترة النبي لن يفترقا
بنصّه الجليِّ حتى يردا على النبي صاحب الحوض غدا
وعود على بدء، ونحن نتلمس المحور الذي يعيد وحدة المسلمين إلى بنائها الحقيقي، فلا بد أن ندرك أن هذا المحور يتحقق في وصية رسول اللَّه(ص) الخالدة، التي أجمعت عليها الأمة. وهي المحجة البيضاء متمثلة بالتمسك بالثقلين كتاب اللَّه وأهل البيت الطاهرين عليهم السلام، ولا يمكن أن تتحقق الوحدة إلا باتباع وصية رسول اللَّه(ص) واحترام قوله لمعرفة سبيل الهداية والعصمة من الضلال، والالتفاف حول المحور الرئيسي لجمع الأمة وهو حب آل البيت واتباع سبيلهم، ونستنتج كذلك بقاء أهل البيت مع القرآن إلى قيام الساعة لقوله(ص): «ولقد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض» فلا تخلو الأرض من حجة، ولا يخلو زمان من أئمة أهل البيت للزوم بقائهم مع القرآن عصمة من الضلال. استناداً لهذا الحديث، وإلا لزم تكذيب الحديث وكثير من الحقائق التي أجمعت الأمة عليها وهذا قبيح جداً. إننا في بحثنا عن سبيل الهداية وعن العصمة من الضلال، نبحث عن الطريق الصحيح الذي يوصلنا إلى مرضاة اللَّه عز وجل، ويربطنا برسول اللَّه(ص) بشكل تعييني سليم، وحينما وُجدت الحكمة، وأينما كانت الحقيقة فهي ضالتنا المنشودة، المهم أن تخدم فكرة الهداية ووحدة الأمة والعصمة من الضلال وقوة المسلمين.
إن عصور الجهل والظلام والقسر الفكري قد ذهبت إلى لا رجعة، ومهما كانت الحقيقة مرّة فلا بد من الاعتراف بها، ولو وقف في طريقها الكثيرون ممن لم يفتح اللَّه بصائرهم قال تعالى: {لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون} (62).
والأهم من هذا وذاك، يجب البحث عن الحقيقة لمعرفة الحجة التي تلقى بها وجه
________________________________________
(62)سورة الزخرف، الآية: 78.

[الصفحة - 106]


اللَّه، لأنه عز وجل لا يرتضي لنا التقليد الأعمى، وتقديس الأوابد التاريخية التي صنعتها أيدي المتكسبين في بلاطات السلاطين، فلنا رأينا وحريتنا في البحث عن خلاص أنفسنا ونجاتنا يوم الحشر. قال تعالى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل اللَّه قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون} .
فالتمسك بالثقلين عصمة من الضلال، وتصريح رسول اللَّه(ص) بعدم افتراقهما دليل على عصمتهما معاً، لأن مخالفة القرآن افتراق عنه، وابتعاد عن أحكامه، ومعصية للَّه عز وجل. ولن يتفرقا لإخبار رسول اللَّه(ص) بذلك، ولو افترقا واختلفا لما صدقت نبوته، ولكان ذلك طعناً في عصمته، وهذا ممتنع في حقه صلوات اللَّه عليه وسلامه. ووجودهم مع القرآن وتلازمهم معه. يعني بقاءهم في كل عصر بعد رسول اللَّه(ص) ووراثتهم الكتاب والسنة معاً حتى ورودهم حوض رسول اللَّه(ص).
وذكر أهل البيت معناه ذكر السنة النبوية المطهرة، والتمسك بهم معناه التمسك بسنة رسول اللَّه(ص)، وهم الصادقون المخلصون المحفوظون في صيانتها عن التحريف وحفظها من التزوير والضياع. وكل ما عندهم من علم وحديث وسنة مأخوذ عن رسول اللَّه(ص) بأمانة وصدق. وقد أورثها أئمة أهل البيت لمن اتبع سبيلهم، ونهج طريقتهم، آخذاً بوصية رسول اللَّه(ص) بأخذ الدين عنهم والتمسك بهم، فوصلت علومهم، وميراث النبوة، منقولة بالتواتر جيلاً بعد جيل. وإماماً عن إمام، ولن يتفرقوا عن كتاب اللَّه المعصوم، ولن يختلفوا عنه، إلى يوم القيامة.
وأن المعتصم بهم معتصم بحبل اللَّه، والمتمسك بهم متمسك برسول اللَّه(ص) فطريقتهم طريقته وسنتهم سنته، والآخذ بعلومهم وفقههم آخذ من عين صافية لا شائبة فيها، معتصم من الزيغ والضلال بسفينتهم، وسائر على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وواصل إلى رسول اللَّه وإلى مرضاة اللَّه عبر سلسلة من نور تستقي من مشكاة نور اللَّه عز وجل. والحمد للَّه رب العالمين، وطوبى لمن عرف حق أهل البيت فتمسك بهديهم، وسلك سبل السلام الموصلة إليهم ورأي جدهم رسول اللَّه محمد(ص)، ولا شك بأن التعتيم الظالم عبر التاريخ على علومهم وعلى مذهبهم الرسالي الأصيل هو ناتج طبيعي لحقد وحرب أئمة السوء والحكام الظلمة الذين رأوا في طريقتهم وتعلق الناس بهم، خطراً
________________________________________

[الصفحة - 107]


داهماً على مكاسبهم الدنيوية وعلى عروشهم الطاغوتية، لأن أهل البيت والسائرين على نهجهم بقوا القوة التي تقول: «لا» في وجوه المنحرفين، فلم تأخذهم في اللَّه لومة لائم. ونحن حين ندعو إلى اتباع وصية رسول اللَّه، وإلى التمسك بالثقلين، فإننا بذلك نمتثل لأمر اللَّه تعالى في قوله: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون». وأي خير أعظم من التعريف والتذكير بوصية رسول اللَّه(ص) واتباع أهل بيته الطاهرين، وذلك يتمثل في معرفة علومهم وفقههم وسيرتهم، واتباع ذلك كله بكل إخلاص، فهم مدرسة رسول اللَّه(ص) وبابه الذي يؤتى منه، وهم رحمة للمؤمنين كما كان جدهم رسول اللَّه(ص)، ولقد عرف مدرستهم الكثير من الباحثين والمحققين، والعلماء العارفين، وشهدوا بهم وبوجود مدرستهم الرسالية الأصيلة، وهذا واحد منهم وهو عالم الشام الكبير وفقيهها الدكتور وهبة الزحيلي أستاذ الفقه الإسلامي بجامعة دمشق يقول: الإمام الصادق ـ رضي اللَّه عنه ـ إمام عظيم ومجتهد كبير في الفقه الإسلامي، شهد له الأئمة والعلماء بفقهه، ومقدرته على الاجتهاد والمطلق، لذا لا يخرج فقه الإمامية عن فقهه، وكل ما لديهم من أحكام فقهية مأخوذ عنه.
وروى عنه ـ أي الإمام الصادق ـ مسلم وأصحاب السنة: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني، وكان من الثقات عند أهل الحديث، وأخذ الكثيرون عنه فقهه المختلط بالحديث، وصارت هذه صبغة كتب الفقه عند الإمامية، فهي كتب فقه ورواية معاً، وحديثه حديث أبيه الباقر، وأجداده كما قال الكليني في الكافي:
سمعنا أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين ـ أي علي ـ وحديث أمير المؤمنين حديث رسول اللَّه، وحديث رسول اللَّه قول اللَّه).
وأخيراً أريد أن أذكر بعض أهل العلم، والمتزيين بزي المشايخ أن يتقوا اللَّه ولا يكتموا حديث الثقلين ويخفوه عن العامّة، بل يجب عليهم إذاعته وتعريف الناس به. وأذكرهم بقوله تعالى من سورة البقرة: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك}
________________________________________

[الصفحة - 108]


{ يلعنهم اللَّه ويلعنهم اللاعنون} (64).
وليتوبوا إلى اللَّه ويعلنوا الحق بعد أن عرفوه حتى يتوب اللَّه عليهم ويشملهم بقوله عز وجل: {إلا الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} (65).
________________________________________
(63)سورة البقرة، الآية: 170.
(64)السورة نفسها، الآية: 159.
(65)السورة نفسها، الآية: 160.

[الصفحة - 109]