البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قراءة في كتاب ابن تيمية: «حياته وعقائده»

الباحث :  د. علي زيتون
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى ربيع 1416هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  March / 11 / 2015
عدد زيارات البحث :  1340
قراءة في کتاب ابن تيمية:
«حياته وعقائده»
د. علي زيتون(*)
صدر عن دار الغدير للدراسات والنشر، في بيروت، كتاب السيد صائب عبد الحميد «ابن تيمية حياته وعقائده». يحرك هذا العنوان، في الذاكرة الإسلامية، وقبل الدخول في تضاعيف الكتاب، مسألة بالغة الحساسية في تاريخنا الإسلامي تتعلق بمبدأ قبول الآخر من ناحية، وبإمكانية قيام الوحدة الإسلامية من ناحية ثانية.
والمسألتان ركنان أساسيان من الأركان التي رسمها الإسلام لحياته العملية. فهو لا يقبل وضع الوحدة الإسلامية موضع النقاش: {كُنْتُمْ خَيْرَ امَّةٍ اخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأمْرونَ بالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ } (آل عمران، 3/110) محدداً للأمة الواحدة دورها الرسالي في هذا العالم. وهو، وإن أقام العلاقة بينها وبين سائر الناس على قاعدة المعلم (المسلمون الآمرون الناهون)، والمتعلم (الآخرون المأمورون بالمعروف المنهيون عن المنكر) إلا أن ذلك بهدف الوصول إلى مستوى آخر من الوحدة يتحقق على مستوى العالم أجمع، لأن اللَّه تعالى يخاطب الناس قائلاً: {يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَاَنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتعارَفوا إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ } (الحجرات، 49/13).
وهو إذ يشير إلى تحدّر الجنس البشري من الأبوين نفسيهما (آدم وحواء)، وما يعنيه الأصل الواحد على صعيد الوحدة، إنما يؤكد الوحدة البشرية في قوله تعالى: {وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا } . فلا يعني هذا التركيب اللغوي تقسيم البشرية إلى شعوب وقبائل متمايزة في انتمائها العنصري، لأن كلمة (تعارفوا) لا تشير إلى التقسيم إلا على مستوى أسماء تلك الشعوب والقبائل، فيكون لكل شعب أو قبيلة اسم يعرف به
________________________________________
(*)رئيس قسم اللغة العربية في الجامعة اللبنانية.

[الصفحة - 296]


ويميزه عن سواه تماماً كما لا يكون في اسم الفرد أية فضيلة له إلا أن يميزه عن غيره ويجعله يعرف به. والذي يعزز ما ذهبت إليه الجزء الأخير من الآية «إن أكرمكم عند اللَّه أتقاكم» حيث يكون مقياس الكرامة خارجاً عن الموروث في بنية الإنسان وشخصيته إلى المكتسب (التقوى).
توجب هذه النظرة إلى الوحدة البشرية انفتاحاً في الموقف خصوصاً وأن الإسلام كان واضحاً في قبول الآخر والاعتراف به وبحقه في الحياة الكريمة وحريّة التفكير. كما كان سديداً في قبول الاختلاف داخل الحياة الفكرية الإسلامية. ذلك أن إباحة الاجتهاد ووجود الآيات المتشابهات في القرآن الكريم التي تحتمل أكثر من دلالة إشارة واضحة إلى السماح بوجود الاختلاف في وجهة النظر. ويؤدي ذلك إلى غنى الحياة الفكرية الإسلامية، خصوصاً إذا كان الاختلاف عائداً إلى الزوايا المختلفة التي يمكن النظر منها إلى المسألة الواحدة. صحيح أن القرآن قد أشار إلى حقيقة واحدة تحملها الآية المتشابهة التي لا يعلم تأويلها إلا اللَّه. ولا شك أنها حقيقة مطلقة مرتبطة بالمسألة، موضوع الآية المتشابهة، إلا أن هذه الحقيقة المطلقة ليست بسيطة التكوين ذات بعد واحد، إذ لا بد من أن تكون متعددة الجوانب ولا تضيئها نظرة بشرية واحدة، لأن هذه النظرة، مهما عظمت، لا تستطيع أن تنير سوى جانب واحد منها. وهي تحتاج إلى نظرات عديدة للسير في عملية الكشف عنها باتجاه وضعيتها المطلقة التي حصر اللَّه مسألة علمها بنفسه. ويعني هذا أن الاختلاف مطلوب ومرغوب به إذا ظل في إطار الفهم السليم لهذه المسألة.
تؤكد استمرارية النهج النبويّ في عليّ(ع) مشروعية الاختلاف في وجهات النظر، طلب الرسول(ص) من المسلمين في خطبة الغدير أن يوالوا علياً(ع) بما يعني أنه سيمثل استمرارية له في مرجعيته الدينية والدنيوية. وهذه دعوة إلى عدّ التجربة العلوية التي ستُمارس بعد
________________________________________

[الصفحة - 297]


غياب الرسول(ص) قاعدة تقاس عليها الحياة الإسلامي المقبلة. ولا تنفي هذه القياسية مشروعية الاختلاف بل تؤكدها، لأن علياً(ع) يمثل الخط الاجتهادي الذي مثله الرسول والذي شرع القرآن الكريم أبوابه، كيف لا وعلي(ع) لم يجبر كلاً من سعد بن أبي وقاص، والمغيرة بن شعبة، وعبداللَّه بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وغيرهم على مبايعته ولا غاضبهم أو عاملهم معاملة الخصوم؟ كما أنه لم يحسب موقف الخوارج من سياسته خروجاً على الإسلام، ولم يعادهم بسبب ما يعتنقون من آراء مخالفة لآرائه. قال لهم: «مساجد اللَّه لا نحرمكم إياها، وفيئكم لا نمنعكم إياه ما دامت أيديكم في أيدينا. ولا نبدأكم بقتال ما لم تبدأونا به». يعني أن علياً(ع) قد أقرّ بمشروعية اختلاف الخوارج عنه. لهم أن يبثوا آراءهم بين الناس وأن يحاولوا إقناع الغالبية الإسلامية بوجهة نظرهم، بالطرق السلمية، إذا استطاعت تلك الآراء أن تكون مقنعة. ولن تدخل علاقته بهم دائرة القتال إلا إذا بدأواهم به، فاستخدام القوة من قبل الحاكم المسلم دفاع عن النفس لا قمع للمخالفين.
ويمثل موقف علي(ع) هذا وجهة النظر الإسلامية في هذا المجال. وهي مثال جدير أن يحتذى على صعيد كل من الفكر والممارسة، لأن الإسلام مبادى‏ء عقيدية عامة يلتقي حولها جميع المسلمين، وتفاصيل للمارسة يتم التنافس في حسن أدائها، وفي حسن انتمائها إلى المبادى‏ء العقيدية العامة.
وحين يثير هذا العنوان، عنوان الكتاب، مثل هذه المشكلية بما ارتبط به من آراء حساسة في الاجتهاد والتقليد من ناحية، وفي الفتاوى الجريئة من ناحية ثانية يجعلنا نتساءل إن كان المؤلف قد استطاع أن يقدم إلينا موقع ابن تيمية في هذه المشكلية تقديماً علمياً يمكن أن يقبله كل من يستطيع استخدام عقله استخداماً منهجياً منطقياً؟
تتطلب الإجابة عن هذا السؤال أن نعالج الأمور التالية:
________________________________________

[الصفحة - 298]


ـ عرض المسائل التي عولجت في الكتاب.
ـ محاورة المنهج الذي اتُّبع في الدراسة والتحليل.
ـ مراقبة موضوعية المؤلِّف وعلميته.
ـ رأي أخير.
1 ـ عرض الكتاب:
الكتاب تمهيد وأربعة أبواب وخاتمة.
درس الباب الأول العَلَمَ وبيئته وعصره وحياته في ثلاثة فصول:
تناول الفصل الأول العلم وأسرته وبيئته، فاستطاع أن يرينا كيف كان ابن تيميّة، بما يمثله من فكر وموقف، نتاجاً منطقياً لأسرة حملت لواء المذاهب الحنبلي وتصدّت لزعامته، ولبيئتين ثقافيتين هما: حرّان ودمشق.
وتناول الفصل الثاني سمات عصره الأساسية فأبرز عملية تداول السلطة بين السلاجقة والزنكيين والفاطميين والأيوبيين والمماليك، مشيراً إلى الفقر والجهل والاضطرابات، وإلى ازدهار العلم والتأليف، وإلى انتشار المذاهب المنحرفة.
أما الفصل الثالث فقد تناول حياة ابن تيمية من خلال ميادين العلوم التي خاض فيها: الفقه والحديث والتفسير من دون أن ينسى ما دار بينه وبين خصومه من صراع.
وخصص الباب الثاني لميادين عقائد ابن تيميّة الكبرى عبر ثلاثة فصول أيضاً.
عالج الفصل الأول موقف ابن تيمية من الاجتهاد والتقليد. إذ كان يرى أن ما جاء عن الفقهاء لا يُقبل كله، بل يُعرض على الكتاب والسنة فما وافقهما وجب قبوله، وما خالفهما كان مردوداً. وإذا وافق المؤلف رأي ابن تيمية في هذا راح يتسقط المواضع التي خالف فيها ابن تيمية نفسه.
رأى ابن تيميَّة أنه ليس لأحد أن يعارض الحديث الصحيح، ثم خالف رأي الرسول(ص) في المتعة واتبع رأي عمر. ورأى أنه لا
________________________________________

[الصفحة - 299]


يؤخذ برأي صحابي إلا بشرطين: ألا تقتضي السنة خلافه، وألا يخالفه رأي صحابي آخر، ومع ذلك تبنّى فهماً خاطئاً لقول الصحابي عمر حول التوسل بالنبي(ص) ورفض قول الصحابي الآخر عثمان بن حنيف في إمكانية التوسل بالرسول(ص) بعد موته. ويخلص المؤلف إلى أن ابن تيمية لم ينجح في إلغاء المذهبية والتعصب المذهبي، ولكنه أسس لمذهب جديد ولتعصب أقوى.
وعالج الفصل الثاني مسألتي الصفات والتفسير. شرح، في المبحث الأول، المقصود بالتجسيم ليشير إلى انتماء ابن تيمية إلى هذا المذهب وليسوق الشواهد المبطلة لموقفه. وأشار في المبحث الثاني إلى أنَّ ابن تيمية لم يفسر من القرآن إلا ما احتاج إليه في التشبيه أو في الردّ على المتصوفة، ووصفه من خلال الشواهد، بأنه قد ساق الآيات سوقاً عجيباً إلى هذين الموضوعين. كما أوضح أن عقيدته في الصفات قد أثرت على منهجه في التفسير ودفعته إلى رفض أن تكون الآيات المتشابهات محتاجة إلى التأويل، لأن ذلك يبطل عقيدته في تفسير آيات الصفات.
وتعرّض الفصل الثالث لأسلوب ابن تيمية في الكشف عن وجوه أخطاء المتصوفة، ليرى بعد ذلك أنه لم يكن مصيباً في كل ما اتهمهم به، خصوصاً في ما وجهه إلى ابن عربي من أنه يفضل الأولياء على الأنبياء، ويمدح الكفار، وينتقص من الأنبياء، ويقول باتحاد المحدث والقديم حيث أتى بعد كل رأي من هذه الآراء بشواهد من كلام ابن عربي نفسه تنفي هذه الاتهامات. ولم ينس المؤلف أن يحاول بكل ما أوتي من حجة أن يُسَفِّه آراء ابن تيمية المتعلقة بالتوسل بالأنبياء وزيارة قبورهم وقبور الصالحين.
ووقف، في الباب الثالث، «مع الشيعة» من خلال تمهيد
________________________________________

[الصفحة - 300]


وثلاثة فصول: ناقش التمهيد علاقة الشيعة الإمامية بغيرهم من الفرق الشيعية مقرّراً أنهم ليسوا مسؤولين عما تعتقده الفرق الشيعية المنحرفة. والتشيع هو الاعتدال، وعلي والأئمة من بنيه بشر عبيداللَّه، متبعون لنبيّه، هم الأئمة في الدين والخلفاء في الدنيا. فهل فهم ابن تيمية الشيعة الإمامية فهما سليماً أم أن غاية ما في نفسه؟
قدّم الفصل الأول حياة علاّمة الشيعة ابن المطهر: ولادة وأسرةً علمية وتلمذةً على يد نصير الدين الطوسي مروراً باتصاله بعلماء المذاهب الأخرى اتصالاً أخوياً وبنشاطه الثقافي والديني الذي استطاع أن يحوّل سلطان المغول إلى التشيع، ليصل بعد ذلك إلى أن ابن المطهر يمثل مرحلة بارزة في تاريخ الفكر الشيعي خصوصاً في ما يتعلق بالحديث وعلومه، وبعلم الأصول، وبالإصلاح الديني ونشر التشيع.
أما الفصل الثاني الذي يحمل اسم كتاب ابن تيمية «منهاج السنة» فيعالج مسائل عديدة في مبحثين: تناول الأول «الكتاب وردود الفعل»؛ حيث أشار إلى أن الكتاب «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية» هو رد على كتاب ابن المطهر «منهاج الكرامة في إثبات الإمامة»، ثم بدأ بعرض ردود أهل السنة عليه. حيث عرض رأي السبكي الذي نسب ابن تيمية إلى الحشوية وإلى الموقف الشاذ في صفات اللَّه، ورأي العسقلاني الذي أخذ على ابن تيمية تنقيصه علياً(ع)، وتحامله على ابن المطهر والشيعة، وارتباكه في تطبيق المنهجية السليمة؛ إذ ردّ الأحاديث الجياد التي اعتمدها ابن المطهر. وإذ أحسّ المؤلف أنه قد بلغ وطره من خلال رأيي السبكي والعسقلاني عرض ردوداً شيعية كثيرة على الكتاب.
وسمّى المبحث الثاني «نظرة في بطون الكتاب». رد فيه بالشاهد
________________________________________

[الصفحة - 301]


الواضح والحجة القوية على رأي ابن تيمية الذي وصف قدماء الشيعة بالقول بالتجسيم ومتأخريهم بتقليد المعتزلة.
ويعالج الفصل الثالث مسألة أساسية هي: «تعريف الشيعة»، فيذكر إشارتين لابن تيمية: الأولى هي أن عبداللَّه بن سبأ، اليهودي الأصل، هو مؤسس المذهب الشيعي، والثانية أن الشيعة أصحاب فتنة وهم من قتل عثمان، ثم يرد عليه كاشفاً التناقض الذي تحمله هاتان الإشارتان، منصرفاً إلى دفع تهمة تأسيس المذهب الشيعي على يد ابن سبأ. وما كان المؤلف ليكتفي برد تلك التهمة ولكنه كان يلجأ في كل مرّة إلى تقديم بعد جديد من أبعاد الصورة الحقيقية للشيعة الإمامية. ولقد أشار المؤلف، وهو يعالج تعريف ابن تيمية للشيعة، إلى المنهج الذي يعتمده ابن تيميَّة، ويقوم على سوء النية ومفاده أن ابن تيمية يعرف حقيقة الإمامية ومع ذلك فهو يحشرهم مع الآخرين باستمرار، قصد تمويه الحقيقة وإلصاق عيوب الغلاة بابن المطهر وبهم.
وتعرّض المؤلف، في هذا السياق، للاتهام الذي وجهه ابن تيمية إلى الشيعة الإمامية، وهو أنهم ممن يكفرون الطوائف الأخرى كلها، فردّه؛ لأن كتابات الشيعة تثبت إسلامية المسلم حتى ولو لم يكن موالياً لآل البيت، وصحّح له حقيقة موقفهم من الناصبيّ، مذكراً إياه بأنه هو من يكفّر المذاهب الأخرى حين يرى أن أهل السنة وحدهم هم الناجون من النار.
ولم ينس المؤلف أن يصحح له حقيقة الموقف الشيعي من رجال الصحابة. فهم وإن قالوا بأن الصحبة لا تعصم صاحبها من الخطأ، إلا أنهم نظروا بعين الانصاف إلى الجميع فمن الصحابة الجليل، ومنهم المنافق، ومنهم من ـ أخطأ الخطأ الذي اضطر الرسول(ص) لكي يهدر دمه. وهم
________________________________________

[الصفحة - 302]


بالنسبة إلى موقفهم من علي(ع) إمَّا موالون وإما نواصب، وأما حياديون.
أما عنوان الباب الرابع فهو «أهل البيت في عقيدة ابن تيمية»، وهو عبارة عن تمهيد وستة فصول: عالج المؤلف في التمهيد جرأة ابن تيمية في دفاعه عن الأمويين، وفي تكذيبه أحاديث صحيحة من خلال نموذجين: الأول مع معاوية الذي ألّف فيه كتاباً أسماه «فضائل معاوية وفي يزيد وأنه لا يسب». وإذا لم يصلنا هذا الكتاب تتبع المؤلف ما ذكر من فضائل معاوية لينفيها استناداً إلى الأحاديث التي صححها أهل السنة أنفسهم. وذلك دون أن ينسى تسفيه ابن تيمية في دفاعه عن قضيّة إلحاق زياد بأبي سفيان.
والأنموذج الثاني مع طريديّ رسول اللَّه(ص) اللَّذين قلّص ابن تيمية خطأهما إلى درجة القول: «لم يكن لمروان ذنب يُطرد عليه على عهد النبي».
أما الحَكَمُ فهو من الطلقاء «ومجرد ذنب يعزّر عليه لا يوجب أن يكون منافقاً في الباطن». وهذا ما دفع المؤلف استناداً، إلى المراجع التاريخية، ليبرهن على شطط ابن تيمية الذي يسوق الدين ليجري على أبواب الملوك.
عالج الفصل الأول «الاعتقاد بتقديم أهل بيت الرسول» حيث عرّف بهم وحصرهم بعلي وفاطمة والحسن والحسين، استناداً إلى آيتي المباهلة والتطهير وما رواه رواة الحديث الصحيح. وبعد أن عرض قضيّة تقديم أقرباء الأنبياء ومنهم محمد(ص) من خلال الآيات القرآنية، نقل رأي ابن تيمية في فكرة تقديم آل الرسول(ص) بأنها: «من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء» ليعلق ساخراً «كل هذا الذي في القرآن هو من أثر الجاهلية... ولا تقبل لك صلاة ما لم تمزجها بأثر الجاهلية» إشارة إلى الصلاة على محمد(ص) وآله. ويذكر المؤلف قولاً لابن
________________________________________

[الصفحة - 303]


تيمية «قالت الشيعة: لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي، وقالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في آل داود». ثم يرد عليه بآيات تتحدث عن إمامة ذرية ابراهيم وغيره من الأنبياء ـ ليعرض بعد ذلك عدداً من أحاديث الرسول(ص) الصحيحة في أهل البيت متسائلاً: إن كان كل ما قاله الرسول(ص) ـ هو من كلام اليهود؟.
أما الفصل الثاني فعنوانه «مع فضائل أهل البيت(ع)» حيث يمر المؤلف على كل فضيلة منها بهدوء وتأنٍ: مؤاخاة الرسول لعلي، وحديث الطائر الذي دعا فيه محمد(ص) اللَّه أن يرسل إليه أحب خلقه كله، ليشركه في أكله، فكان علياً، وآية الولاية التي تصدّق فيها علي بخاتمة وهو يصلي، وآية «يطعمون»، وحديث الغدير، وحديث الثقلين. ثم يذكر نكران ابن تيمية لحديثي المؤاخاة والطائر، وأن تكون الآيتان المذكورتان قد نزلتا في عليّ، وليأخذ من حديثي الغدير والثقلين قدر حاجته وبما ينفي أيّة مزية لعلي ولآل البيت. وإذا ما اطمأن المؤلف إلى ما عرضه من آراء ابن تيمية راح يحقق الأحاديث تحقيقاً علمياً دقيقاً، ويقدم لنا تفسير أهل السنّة للآيتين المذكورتين، ليرينا بطلان ما ذكره ابن تيمية بأم أعْيُننا.
ويسير الفصل الثالث «مع خصائص علي(ع)»؛ حيث يعرض المؤلف آراء ابن تيمية التي تنتقص من عدل علي(ع) وعلمه وجهاده، بل تكاد تنفيها، ليتولى الرد من خلال تحقيق النصوص التي تقدمه أتقى الناس بعد الرسول(ص) في عدله وأكثرهم علماً وأثبتهم جهاداً. كل ذلك والنصوص لرواة ومفسرين ممن أعلن ابن تيمية ثقته بهم وبعلمهم.
ويعالج الفصل الرابع موضوع «علي(ع) والخلافة» حيث يفند المؤلف آراء ابن تيمية المتعلقة بهذا الأمر: نفي المخاصمة في إمامة الثلاثة، وتفضيل عثمان على علي(ع)،
________________________________________

[الصفحة - 304]


وغيرها، داحضاً إياها من خلال الروايات الصحيحة التي يثق ابن تيمية بأصحابها.
ويعالج الفصل الخامس موضوع «نهضة الحسين(ع) واستشهاده»، حيث يعرض المؤلف آراء ابن تيمية الخاصة بمعاوية ويزيد، ذلك أن معاوية «حين أمر بسمِّ الحسن فهو من باب قتال بعضهم بعضاً»، ورأى أن يزيد حين استباح مدينة الرسول «لم يقتل جميع الأشراف ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء إلى قبر النبي»، ورأى «أن حريق الكعبة لم يقصده يزيد»، ورأى «أن يزيد لم يظهر الرضى بقتله [الحسين(ع)]، وأنّه أظهر الألم لقتله، واللَّه أعلم بسريرته»، ورأى «أن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفرون أهل القبلة [ويزيد منهم‏] بمجرد الذنوب ولا بمجرد التأويل» ورأى أنه «لم يكن في خروجه [الحسين(ع)] مصلحة لا في دين ولا في دنيا، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده». يتساءل المؤلف عن سبب هذا الدفاع، ويتولَّى تفنيد هذه الأقوال قولاً قولاً وإظهار بطلانها من خلال تحقيق النصوص التاريخية التي يؤمن ابن تيمية بصدق أصحابها وعلمهم.
أما الفصل السادس والأخير، فعنوانه «من هم أتباع أهل البيت(ع)»، عرض فيه المؤلف رأي ابن تيمية القائل بأنه لا يوجد مصلحة للمسلمين، من وجود أهل البيت(ع)، ليتولى، بعد ذلك، إبطال دعواه هذه من خلال الحجج المستندة إلى ما أثر من الحديث الصحيح.
أما الخاتمة فقد حاول المؤلف فيها أن يركز مرّة أخرى على العوامل والمؤثرات التي أنتجت ابن تيمية متوقفاً عند التربية والبيئة والعزوف عن الزواج، منتقلاً إلى الحديث عن منهجه وعن أهم النتائج التي توصل إليها.
2 ـ المنهجية المتبعة:
________________________________________

[الصفحة - 305]


رسم السيد صائب عبد الحميد في التمهيد، المنهجية التي سيتبعها في معالجة موضوعه. وأن يحدد مؤلفٌ منهجه سلفاً يعني أنه يتمتع بوضوح نظري وبرؤية تعرف كيف تسير وإلى أين تريد الوصول.
وجرياً على القواعد العلمية المتبعة، في مثل هذه الأحوال، بدأ بنقد المناهج التي كانت سائدة قبله، معلناً أن التاريخ الإسلامي إنما كتب تحت راية السلطان على مر الزمان. ويعني ذلك أن يُساق التاريخ إلى ما يرضي السلطان لا الحقيقة. ويصير هدفه بناء على هذا النقد أن يسهم في إخراج الصورة الحقة لأول اس في هذا البناء التاريخي، أن يكتب التاريخ للحقيقة وحدها. كما انتقد مسألةً منهجيةً أخرى مفادها أن الكتب المؤلفة عن ابن تيمية قبله إنما ألجمته ونطقت عنه. أي أنها حمَّلته ما لا يحتمل.
ويصير منهجه البديل بناء على ذلك متابعة ما كتبه ابن تيمية نفسه عن عقيدته، لكي تكون مادّة أوليّة للدراسة. ودعا المؤلف إلى تجاوز الاكتفاء بالإطار العام إلى الصورة الكاملة الناطقة عن ابن تيمية من خلال التركيز على القسمات الأساسية من دون التفاصيل المتكررة. ولئن اتسم نقده للمناهج المتبعة قبله بالسلامة والأهمية، إلا أن ذلك لا يخرج موقفه المنهجي الجديد عن كونه منهجاً مضاداً يسعى للخروج من شوائب المناهج الأخرى، وهذا ما يطرح علينا سؤالاً مهماً هو: هل سيتلافى السيد عبد الحميد ما وقع فيه سلفه؟ وهل سيسلم من شوائب من نوع جديد؟
نستطيع القول إن المؤلف قد نجح في اتباع ما رسمه لنفسه، إلى حد ما، وإن كان بإمكاننا أن نسجل بعض الملاحظات المنهجية.
أولاً: انتقد لجوء ابن تيمية، حين تعوزه الحجة، إلى الكلام الغامض من مثل: «باتفاق أهل العلم» و «إجماع السلف» و «قول السلف»، ثم عاد فوقع بمثل ما انتقده به. وإن كان بشكل جزئي لم يتكرر خصوصاً حين وقف عند تفسير كل
________________________________________

[الصفحة - 306]


من ياقوت وابن الفقيه لإحدى الآيات بما لا يوافق وجهة نظره، فقال «وهو عند أصحاب التفسير نادر جداً». (ص 22) مستخدماً الكلام الغامض (أصحاب التفسير) بعد أن كان انتقده.
ثانياً: اتهم ابن تيمية بأنه يفسّر الآيات ويسوق التاريخ بما يتناسب ووجهة نظره، ثم عاد فساق هو الأمور باتجاه ما يرغب عندما رأى أنه «يجوز أن يكون أسقف حرّان تيودور أبو قرة هو الجاثليق المجهول الذي كان يناظر الإمام الرضا(ع) (ص‏23) وذلك في معرض حديثه عن حرّان، بيئة ابن تيمية.
ثالثاً: استند، في حديثه عن عصر ابن تيمية السياسي، إلى التاريخ الرسمي مخالفاً منهجه الذي رسمه لنفسه في التمهيد (ص‏36). إذ اكتفى بمتابعة الحياة السياسية كما وردت في كتب التاريخ دون أن يكلف نفسه مشقة طرح الأسئلة التي يمكن أن تثار في وجهها. فلم يذكر هجمة صلاح الدين الأيوبي على المذاهب التي تخالفه الرأي بكلمة واحدة خصوصاً وأن ابن تيمية، مثل صلاح الدين، نتاج الهجمة المضادة للانتشار الشيعي الديني والسياسي، كما أنه لم يشر إلى فتوى ابن تيمية الشهيرة أيام المماليك والتي قضت بتكفير أحد المذاهب وذبح أفراده.
رابعاً: أورد معلومات كثيرة دون أن يعيدها إلى مرجع أو مصدر (ص 25 مثلاً). وكان يلجأ، في بعض الأحيان، إلى مراجع وسيطة فيعتمدها دون المراجع الأمهات.
خامساً: طريقته في الكتابة لا تساعد القارى‏ء على تنظيم أفكاره، ولكنها تشوشها بسبب التكرار والتناقض أحياناً. فإذا تحدث عن الجهل والخرافات (ص‏43) تحدث عن نهضة علمية مهمة (ص 45 ـ 46) إنه لم يحسن تنسيق المعلومات تنسيقاً منهجياً يضع كل فكرة في موضعها الذي لا تتعداه إلى غيره فيتلافى بذلك التكرار والتناقض. أضف إلى ذلك الاستطرادات والتفريعات التي قد تستدعيها فكرة
________________________________________

[الصفحة - 307]


تذكّرها المؤلف وتخص التشيع، فرأى من واجبه أن يوضح ملابساتها دون أن يكون لهذا التوضيح موقع قوي في سياق البحث. وكثيراً ما يشعر القارى‏ء بأن المؤلف قد تخلّى عن الحيادية في بعض تعابيره التي استخدمها خصوصاً في وصف ابن تيمية، وهذا ما قد ينفر قارئاً معيناً كان بالإمكان استجلابه لو تخلينا عن تلك التعابير.
3 ـ موضوعية المؤلف وعلميته:
إن أول ما يجب أن يسجله القارى‏ء هو أن المؤلف متبحّر في العلم. اعتمد أكثر من مئتين واثنين وثلاثين مرجعاً كانت مصدراً لمعلوماته التي أعادها إلى مظانها في الحاشية. وأن يَسْتَعْلِم من المراجع ويُعْلِمَ القارى‏ء بها يعني أنه يتصف بالأمانة العلمية. وهذه ميزة مطلوبة بقوة في أثناء بحث مثل هذه الأمور الشديدة الحساسية.
وإذا دل عدد المراجع على غنى اطلاعه وسعته، فإن العلمية الموضوعية هي علامته الفارقة. صحيح أنه لا يخفي عليك نظرته الإيجابية إلى التشيع إلا أنه يبقي الحدود بارزة بين ذاته وموضوعه. ذاته محبة لآل البيت مقدمة لهم، وموضوعه رفع الظلامة عنهم وعن التيار المنتمي إليهم مما أصابهم على يد أحد العلماء المسلمين. ولئن أدى حبه لآل البيت إلى تقاطع بين الذات والموضوع، فإن ذلك مما يزيد في الصعوبة لا الحرج، خصوصاً إذا عرف المؤلف كيف يتبع المنهجية العلمية التي تبقيه حيادياً وموجوداً على مسافة كافية من موضوعه المتداخل مع ذاته. والسيد صائب عبد الحميد قد أجاد اتباع المنهج العلمي بشكل عام، وذلك من خلال مسألتين أساسيتين:
الأولى: تحاشى العودة إلى المراجع التاريخية الشيعية وإلى كتب الحديث والتفسير التي ألفها علماء شيعة. وذلك ليس انتقاصاً من علمية هذه الكتب وأهميتها ولكن لكي لا يتهم بأنه أسير الحياة الثقافية الشيعية التي قد يراها بعضهم منحازة غير حيادية.
الثانية: لم يعد المؤلف إلى كل
________________________________________

[الصفحة - 308]


المراجع التاريخية السنيّة، ولا إلى كل كتب الحديث والتفسير التي يثق بصدق مؤلفيها وعلمهم، ولكنه اقتصر من بينها على تلك التي وثّقها ابن تيمية نفسه وقال بصدقها وبعلم مؤلفيها وتقواهم، وذلك لكي يصل إلى أن ما قاله ابن تيمية وما رآه يمثل خروجاً على الحقائق الإسلامية البديهية، ويشكل ظلماً لطائفة إسلامية ترتكز في مجمل عقيدتها وسلوكها على ما رسمه آل البيت روايةً عن علي(ع)، عن الرسول(ص). وتخيّر المراجع بهذه الطريقة يقدم المؤلف مفكراً مستنيراً واسع الصدر يقوم تفكيره على العلمية الموضوعية التي يقبلها كل ذي فكر متفتح مستنير.
4 ـ كلمة أخيرة:
أرى، إذا اتيح للكتاب أن يخرج بحلة ثانية، أن يستفيد من كل الثغرات التي وقعت فيها الطبعة الحالية. على أن تُراعى أهمية أن يكون الكتاب موجهاً إلى العقل العلمي الموضوعي، وبأسلوب مقبول من جميع الناس؛ لأن الموضوع الذي يعالجه الكتاب شديد الحساسية؛ خصوصاً وأن آراء ابن تيمية قد باتت جزءاً أساسياً من الذاكرة الشفوية لقسم كبير من المسلمين، والذاكرة الشفوية العامة تعني سلوكاً وموقفاً آلياً شديد الخطورة على الحياة الإسلامية السليمة. أضف إلى ذلك أن مذاهب إسلامية معاصرة ما زالت تمارس وجودها في هذه الأيام وهي تعتمد على آراء ابن تيمية ومواقفه. ولقد جرّها هذا التوجه إلى ارتكاب مجازر ضد الآخرين. وهي ما زالت تمتلك قابلية تكرارها إذا أتيحت لها الفرصة المناسبة، وكتاب السيد صائب عبد الحميد إذا ما وصلت حقائقه إلى جمهور المسلمين الواسع، فإنها جديرة بأن تخلصهم من كثير مما علق في أذهانهم عن المذهب الشيعي الإمامي. وهذا ما يدفع الأمور باتجاه حياة إسلامية معافاة وباتجاه الوحدة الإسلامية التي نحن بأمس الحاجة إليها في مواجهة الاستفراد الأميركي بالعالم.

[الصفحة - 309]