البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

November / 22 / 2021  |  67أحادية العقل الغربي لا تميز بين الاعتدال والتطرف في العالم الإسلامي

الحوار مع :أنطوان شاربنتييه
أحادية العقل الغربي لا تميز بين الاعتدال والتطرف في العالم الإسلامي

كيف يبدو تفكير الغرب اليوم في ظلّ التحوّلات الكبرى التي يعيشها العالم.. ولا سيّما لجهة التّعامل مع التعقيدات التي تعصف بالمنطقة العربية والإسلامية في إطار استراتيجيات الهيمنة الاستعمارية بأشكالها المتعدّدة.

هذا السؤال هو أحد أبرز المحاور التي تَركّز عليها الحوار مع الباحث في الفكر السياسي البروفسور أنطوان شاربونتييه. ومن الجدير بالإشارة أنّ شاربونتييه هو باحث فرنسي ذو أصولٍ لبنانيّةٍ، ويعيش في العاصمة الفرنسية؛ حيث يعمل مدرِّسًا ومحاضرًا في الفلسفة السياسية وخبيرًا في شؤون الشرق الأوسط.

«المحرّر»


* نريد من جنابكم في مستهلّ هذا الحوار وانطلاقاً من موقعكم كباحث في الاستراتيجيات الغربية، أن تقدّموا لنا رؤيةً إجماليّةً عن الكيفيّة التي يُفكّر فيها الأوروبيون حيال المشرق العربي والإسلامي، ولا سيّما لجهة الصراع على هذه المنطقة وإعادة الهيمنة عليها؟

- اليوم وفي ظلّ التّراجع والانحطاط السياسي، والأخلاقي، والعلمي، وبعض الشيء الحضاري، الذي يعاني منه الغرب بشكلٍ عام، ومع وجود المحافظين الجدد الأنجلو سكسونيين ومعهم المستشرقين الأوروبيين الجدد، يتغيّر بشكلٍ جذريٍّ منطق الفكر الأوروبي ومنهجه ونظرته إلى نفسه ومحيطه القريب والمتوسّط، وفي هذا المحيط نجد المشرق العربي والإسلامي. تغيّرت نظرة الرأي العام الأوروبي تجاه العرب والإسلام، وهذا منذ عقود بسبب سياسة أميركا في منطقة الشرق الأوسط، وبسبب الضّخ الإعلامي الذي واكب هذه السياسة منذ هجمات 11 أيلول، الذي أظهر للعالم الغربي أنّ الإسلام هو عدوّ الحضارة والديموقراطية. لكن يجب التنويه أنّ أميركا سعت بعد سقوط الإتحاد السوفيتي إلى تصوير الإسلام كعدو الغرب، وأنّ العرب شعوبٌ رجعيّةٌ ومتخلّفة. أتت حروب أفغانستان ومن ثم العراق؛ حيث دعمت السياسات الأميركية الحركات الأصولية ذات التّوجّه الإسلامي في الظاهر، ما أدخل الرأي العام الأوروبي المتأثّر بالفكر والنهج الأميركي بمتاهات ومغالطات تاريخيّة، وسياسية وعلمية. منذ هجمات 11 أيلول أصبح الإسلام بالنسبة للشعوب الغربية خطر وجودي. وتجذّرت هذه الفكرة مع ظهور داعش بعد ما يسمّى بالربيع العربي، وخاصّة مع الهجمات الإرهابية التي ضربت أوروبا.

يضع الرأي العام الأوروبي بشكل خاص كلَّ المسلمين والعرب بسلّة واحدةٍ، دون التمييز بين متطرف وبين معتدل، حتى إنّ المواطن الأوروبي المولود أبًا عن جد في أوروبا، وينتمي إلى الديانة الإسلامية، وجد نفسه فجأة غريبًا عن وطنه الأم، عن شعبه، عن بيئته، وأصبح يشعر أنّه مهدّد في كينونته، بينما الآخرين بدأوا يخافون منه. صعود اليمين المتطرف في أوروبا جرّاء فشل سياسات بعض من تسلّم السّلطة في العقود السابقة، واعتباره الإسلام في أوروبا غير مطابق للشروط، أدّى إلى عدم فهم وشرخ وانقسام كبير داخل المجتمعات وبين فئات الشعب الواحد. تصرّفات بعض المسلمين الأوروبيين يُعمّق الشّرخ بين الرأي العام الأوروبي بشكلٍ عامٍ والإسلام رغم محاولة بعض المسلمين أو غير المسلمين من إعطاء النّظرة الصحيحة عمّا هو الإسلام. عدم فهم الإسلام أتى بفعل الضّخّ الإعلامي الذي يخدم مصالح سياسيّة معيّنة، لكنّه أتى أيضًا من بعض المسلمين الذين لديهم ممارسات سوسيولوجيّة لا دينيّة ولا روحيّة إيمانيّة. 

أمّا بالنسبة للهيمنة من جديد على منطقة المشرق العربي، فهذا مشروع ليس خفيًّا على أحد، وهو سبب الحروب منذ 1990 وخاصّة القائمة حاليًا على سبيل المثال في سوريا والأزمات الأخرى في لبنان والعراق خاصّة من بعد الربيع العربي المشؤوم.  

* ما التّحوّلات التي طرأت على التفكير السياسي والاستراتيجي الأوروبي حيال المنطقة العربية بعد مرور أكثر من قرن على معاهدة سايكس-بيكو، خصوصاً بعد استيلاء أميركا على ميراث أوروبا الكولونيالي؟

- أوّلاً: يجب التنويه أنّ في التطوّرات الحاصلة في أيّامنا في المشرق العربي نلاحظ أنّ كلّ ما نتج عن معاهدة سايكس بيكو هو محال نقاش واهتزاز وجودي. بالخلاصة انتهت فعليًا معاهدة سايكس بيكو وكلّ ما نتج عنها؛ أوّلًا، بسبب عدم أخذ بعين الاعتبار مصالح شعوب المنطقة عند تقسيمها بين الفرنسيين والإنكليز، ووضع الحدود المعتمدة اليوم لمصالح هذه القوى الأوروبية، رهان بعض المجموعات والجماعات على ما نتج من معاهدة سايكس بيكو، وأخيرًا استيلاء أميركا على ميراث أوروبا الكولونيالي، تراجع هذه الأخيرة على الصعيد الدولي وانتقالها من قوى عظمى إلى قطب قوي بين أقطاب عدّة زاد على انهيار معاهدة سايكس بيكو، ومعها السياسات الغربيّة برمّتها. لكن هذا الاستيلاء الأميركي لن يكون ممكنًا دون خضوع أوروبا بشكلٍ شبه كلّي وطوعي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية للولايات المتحدة الأميركية. منذ ذلك الوقت دخلت أوروبا العصر الأميركي وأصبحت في شبه خضوعٍ كاملٍ للسياسات والإرادة الأميركية في مجالات عدّة سياسية، واقتصادية، وثقافيّة، وحضاريّة.

* ماذا عن الثّقافة الاستشراقيّة التي مهّدت للحركة الاستعمارية الغربية في الشرق ورافقتها، هل انتهت أم إنّها لا تزال تجري على خطوطٍ مستأنفةٍ ولكن بأشكال أخرى؟

- لم تنته الثقافة الاستشراقيّة التي مهّدت للحركة الاستعمارية الغربية في الشرق ورافقتها، وهي ما زالت على حالها بأشكال أخرى، منها التدخل في المنطقة تحت رايات حقوق الإنسان، والحرية، والديموقراطية.

* ألا تعتقد أنّ الأطروحات التي شاعت مؤخّرًا حول الإسلاموفوبيا هي استئناف لثقافة الاستشراق وتوظيفاتها في الفكر السياسي الاستعماري؟

- سرعان ما أصبح الاستشراق، الذي كان في يوم من الأيام دعوة للسفر والفضول، وسيلةً لخدمة مصالح سياسيّة خاصّة. الاستشراق الحديث مستمرّ من المنظور نفسه، ولكن مع رغبة متعمّدة لوضع الرأي العام الغربي في حالة عدم فهم وجهل.

تأتي راية الإسلاموفوبيا في هذا السياق كتهديد مباشر للمجتمعات الأوروبية، خاصة عندما يأتي توظيفها لأجل مصالح خاصّة وانتخابيّة تخصّ بعض الأحزاب السياسيّة، وحتى بعض الأشخاص. منطق الإسلاموفوبيا يضع الحواجز بين مكوّنات المجتمع الواحد. جهل الآخر، الخوف منه، هي أولى المكونات التي تستعمل لزعزعة المجتمعات بشكل عام، ما يكون له تداعياتٍ سلبيةٍ قد تؤدّي إلى أزمات وجوديّة وإلى حروب أهليّة. هناك من يسعى إلى ذلك في أوروبا، لكن لا يزال هناك وعي شعبي يجنّب لحدّ الآن أوروبا هذه المتاهات.

* في خلال العقود المنصرمة طرأت تبدَّلات جوهريّة على جملةٍ من المفاهيم الأساسيّة في الفكر السياسي، لا سيّما لجهة العوامل الموضوعيّة التي تتحكم بالثورات واستقرار المجتمعات وكذلك بالثوابت المتعلقة ببناء الدول وديمومتها.. هل لكم أن تضعونا بصورة إجمالية ومقتضبة بأبرز مظاهر هذه التبدلات؟

- لقد تبدلت كل المفاهيم الغربية في ظلّ ما يسمى بالعلمنة المقيّدة بالليبراليّة، وأصبحت القراءة اقتصاديّة وماديّة بحتة، سواء على الصعيد السياسي أو الصعيد الاجتماعي. وهو الأمر الذي أدّى إلى تعميق النزعات التفردية والفوقيّة لدى المجتمعات الأوروبية. ما غيّر مفاهيم كثيرة وأدّى إلى انحدارٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ.  في ظلّ هذه المتغيّرات وفي ظلّ صعود التيّارات المتطرّفة تغيّر مفهوم بناء الدولة وديمومتها. بالنسبة لأوروبا يجب علينا الأخذ بعين الاعتبار نشأة الإتحاد الأوروبي وتكوينه، الذي غيّر في مفهوم بناء الدولة وديمومتها بإخراج البلدان الأوروبية من نموذج الدولة الوطنيّة إلى شكل من أشكال التعاون الأوروبي مع 27 دولة داخل الإتحاد. فقدَ الفكر الغربي تقريبًا كلّ الروابط مع فكر الحداثة، بعد تربع الليبرالية الجديدة، فأصبح العلم والثقافة شيء ماديّ مبنيّ على المال والسلطة. رغم ذلك هناك من يُفتّش ويحاول الخروج من مجتمع الاستهلاك، لكن من مبدأ أنّ المجتمعات رازحه فكريًا منذ عقودٍ تحت راية الليبيرية، فالمبادرات تبقى محدودة فرديّة أو على نطاق مجموعات صغيرة ومتوسّطة وبغالبيّة الوقت ليس لها أيّ تأثير على المسار السياسي العام. سيطرة النزعة النفعية والماكيافلية المفرطة على منظومات القيم الأخلاقية والسياسية، هي التي تحكم الغرب اليوم، هي من تحدّد المسار الفكري والثقافي والسياسي للمجتمعات الغربية، فهي تحمل أخطارًا كثيرةً قد تسبب تداعيات سلبيّة جدًا على هيكليّة هذه المجتمعات ومستقبلها. يعي المواطن الغربي خطورة الأمر، ويرى تمامًا أين هي المشكلة، لكن تنطبق عليه المقولة الشعبية «ليس باليد حيلة».

* نال العالمان العربي والإسلامي قسطه الأعظم من النتائج الكارثيّة المترتّبة على الفوضى الخلّاقَّة خلال العقدين المنصرمين. كيف تقوِّمون ما عرف بثورات الربيع العربي وما أفضت إليه من تداعيات إلى الآن؟

- من وجهة نظري هناك عالم عربي متعدّد الإثنيات والديانات والأعراق، ويجب العمل على تعميق ثقافة التعدّديّة والانفتاح. طبعاً هذا لا يعني أنّها ليست موجودة، لكن يجب العمل عليها بشكل أكثر جديّةً. إنّ فصل العالم العربي عن العالم الإسلامي، وكأنّهما كيانان مختلفان، لا يخدمان قضايا الشرق، ولا شعوبه، مما يسمح للمحافظين الجدد بالاستفادة من هذا المصطلح من أجل فصل الكيانات الشرقية، مثل ما يحدث مع مفهوم «مسيحيي الشرق». من الواضح أنّ هذا لا يمكن أن يحدث دون موافقة بعض الجماعات وبعض القادة السياسيين والدينيين المحليين، نسمع البعض منهم اليوم يركزون على فكرة الحياد.

أمّا بالنسبة إلى الربيع العربي، نحن نعلم الآن ولم يعد ذلك سراً على أحد. والواقع أنّ هذه الحركة بعيدة كلّ البُعد عن كونها حركة عفوية للسكان المتحمّسين للتغييرات السياسية، ولكنّها في الواقع إعادة تشكيل مدروسة بعناية نظمتها الإدارة الأميركية. بالإضافة إلى ذلك، فقد تعوّدنا على هذه الأعمال من جانب الولايات المتحدة وحلفائها في العالم، وزعزعة استقرار الدول التي لا تخضع لإملاءاتها من خلال الثورات الشعبية، والثورات الملونة. إنّ راية الديمقراطية والحريّة، وتحت التسمية الإنسانية، هي السيناريو الوحيد الذي تنهجه الولايات المتحدة لكي تهيمن على العالم، وبمجرّد أن نفهم هذا السيناريو يُمكننا توقّع أفعالها ويمكننا مواجهتها. كما أنّ فشل الربيع العربي والأنظمة السياسية العربية على مدى عقود سهّل أيضًا على الولايات المتحدة تدمير العالم العربي.

لذلك، يجب ألا نتوقف فقط عند شكل ما هو الربيع العربي، ولكن يجب أن نتعمق أكثر في مسألة التوقيت السياسي والاقتصادي الغربي ثم العربي، وأهداف الدول. كلّ هذا يفسر لنا ـ مع تصريحات زعماء أميركيين مثل هيلاري كلينتون ـ أسباب ظهور الإرهاب العالمي في العراق وسوريا ولأيّ مصالح. وأستطيع القول إنّ الربيع العربي في حدّ ذاته، فلمٌ يجلب شيئًا للعالم العربي، بل على العكس حلم الحرية والتطور والازدهار تبخّر، سرعان ما تمّ إغلاق فخ الديمقراطية هذا على الشباب الذين أمنوا به مخلّفًا وراءه حروبًا دمويّة. إنّ عدد الضحايا كبير وبناء المستقبل لا يزال عرضة للخطر. لقد تبيّن أنّ الربيع العربي هو حكمٌ ذاتيٌّ مظلمٌ للغاية على الشعوب العربية.

* إلى أيّ مدى يُمكن الشّروع بإحياء حضاري ومعرفي على أساس فهم الغرب ونقده، فضلاً عن نقد ظواهره الثقافية والفكرية في المجتمعات العربية والإسلامية؟

- لمعرفة الغرب بشكل عام، وللاستفادة مما لديه من إيجابيات، مع تجنّب ما هو سلبيّ أو غير متوافق مع عالمنا العربي ومع ثقافتنا وعاداتنا، لا بدّ من معرفته جيّدًا. إنّ انتقاد الغرب يتعلّق أيضًا بمعرفته، ولكن أيضًا بالنّظر إليه في حالته، وليس دائمًا من خلال أعيننا وعاداتنا الدينيّة والاجتماعية. يفترض هذا العمل المعرفة، ولكنّه يفترض أيضًا الرغبة في تفكيك تحيّزاتنا وإسقاطاتنا على الغرب. كلّ ما يأتي من الغرب ليس جيدًا دائمًا، لكنّه ليس بالضرورة سيئًا دائمًا، ومن هنا عملنا البارع في أخذ ما يجب أخذه وتكييف ما هو جيد لعالمنا العربي من أجل مصالح شعوبنا.

كيف تنتفض الشعوب للمطالبة بمزيد من الديمقراطية، والمزيد من الحرية، وحياة أفضل، وهؤلاء المتطرفون والإسلاميون السلفيون هم الذين يفوزون في الانتخابات؟

ويمكن تفسير ذلك على النحو التالي:

في وقت ما، وتحديداً في 2005، كان هناك توافق في المصالح بين الولايات المتحدة الراغبة في إقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد والإسلاميين الذين يقاتلون ضدّ حكوماتهم من أجل إقامة إسلام راديكالي في المنطقة..

اعتقدت الولايات المتحدة أنّها من خلال تنصيب حكومات إسلاميّة، ستُحقّق أهدافها، ولا سيّما أنّ جميع الإسلاميين الراديكاليين الذين يمكنهم الوصول إلى السلطة هم حلفاؤها، مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج..

فشلت هذه التجربة بتغيّر لهجة الأميركيين والغربيين في الشرق الأوسط، بفشل الإسلاميين في الحكم والتكيّف مع الشروط الديمقراطية التي تريدها الشعوب ذات الأغلبية المسلمة، مما يعني أنّ الإسلام يعرف الديمقراطية ويشجع عليها..

لذلك يجب ألّا ننسى أولئك الذين يناضلون ضدّ هذا التوافق في المصالح والذين يقاومون حتى لا يتم مشروع الشرق الأوسط الجديد.

يجب أن يكون هناك عمل صادق وصادق من جانب أعضاء disaporas العرب، الذين هم الأكثر قدرةً على تعريفنا بالغرب، وإخبارنا بما هو جيّد أم لا في مصلحة عالمنا العربي، ترسيخهم في الغرب مفيدًا جدًا لنا، بشرط أن تكون لهم القدرة، والشجاعة، والنية الحسنة والصادقة، وأن يكونوا صلة الوصل بين العالم الغربي والعربي