البحث في...
عنوان الحوار
إسم المحاور
إسم مجري الحوار
المصدر
التاريخ
ملخص الحوار
نص الحوار
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

July / 13 / 2021  |  333لم يكن عصر النهضة سوى قطيعة دراماتيكية بين الإنسان وبعده الروحي

الحوار مع :د. غيضان السيد علي
لم يكن عصر النهضة سوى قطيعة دراماتيكية بين الإنسان وبعده الروحي

في هذا الحوار مع الباحث المصري الدكتور غيضان السيد نمضي وإيّاه في فضاءٍ بانوراميٍّ يُتاخم أبرز القضايا الإشكاليّة في فلسفة الحداثة، ولعلّ الجانب الأهم في الحوار أنّه تناول مسارات الحداثة الغربية بالتحليل والنقد مبيِّنًا الكثير من عناصر الأزمة التكوينيّة التي مرَّت بها على امتداد قرون خلت، وصولاً إلى تظاهراتها المعاصرة.

«المحرّر»


* تبعًا لقراءاتنا نلاحظ أنّ العقل الفلسفي الغربي قام على ثلاثة مرتكزات هي: الأنسنة والعقلنة والتاريخانيّة. ألا ترون أنّ هذه المرتكزات أدّت إلى تشييئ الإنسان وحرمانه من أبعاده الروحيّة والمعنويّة، وهو ما نشهد على آثاره الصارخة مع بداية القرن الحادي والعشرين؟

إذا جاز لنا أن نختصر البناء المعرفي لحركة العقل الفلسفي الغربي في هذه الدوائر الثلاث (دائرة الأنسنة- دائرة العقلانية- دائرة التاريخ) فإنّ ذلك يعكس نتائج كثيرة مختلفةً ومتباينةً، أهمّها على الإطلاق هي تشيّؤ الإنسان وتجريده من أبعاده المعنويّة والروحانيّة؛ ففي الدائرة الأولى وهي دائرة الأنسنة تلك النّزعة المادية اللا دينيّة التي تؤكد على مركزيّة الإنسان، وإحالة كلّ شيء إليه دون سواه، وأنّه هو الغاية المرجوة في هذا الكون. تلك النّزعة التي يمكن أن نجدها منذ أن وعى الإنسان الغربي ذاته، وبدأ يعقلن واقعه المعيش، وينتقل من طور الأساطير والميثولوجيا إلى التفكير المنظّم، فأوّل من استخدم هذا المصطلح اللاتيني هي مدرسة سكبيو (Scipio) ثم روَّج له شيشرون، وهو -عنده- أسلوب في التفكير يدور على إمكان تحكّم الإنسان في الكون، ورفض المرجعيات الدينية، وإنكار التفاؤل الخادع. ومن شأن كلّ هذا أن يصبح الإنسان شبيهًا بالإله غير الموجود، وهو الأمر الذي يمكن أن نلمسه عند الفيلسوف السوفسطائي «بروتاجوراس» صاحب المقولة الشهيرة «الإنسان مقياس كل شيء». ولقد تطوّرت هذه النّزعة حتى وصلت إلى مرحلة النّضج والاكتمال في عصر النهضة الأوروبية، فإذا بها تروج في إيطاليا في النصف الثاني من القرن الرابع عشر مع الشاعر الإيطالي الشهير «بترارك» وغيره من الإنسانيين أمثال: بوجيو، ولورانت فالا، وإرزم وبوديه، لتمتدّ بعد ذلك من إيطاليا إلى بقية بلدان أوروبا الغربية. وقد تمثّلت نزعة الأنسنة -وقتذاك- في الدعوة إلى العودة إلى القديم، أو إحياء الثقافة الأوروبية القديمة بوصفها ثقافةً يشغل الإنسان فيها المركز وما دونه هو مجرّد هوامش، وقد قامت هذه الدعوة على أركان ثلاثة، هي: المذهب العلمي التجريبي، ومذهب التطور، والإلحاد. لدرجة أنّه بمجرّد وصف مفكر أنه «إنسانوي» معناه أنّه ملحد لا يرى إمكانية أو ضرورة لوجود إله مفارق، ولا يؤمن إلا بما هو حسي وتجريبي. وهذا ما بدا واضحًا على نزعة (الأنسنة) في عصر النهضة حيث عملت على تحرير الإنسان من سلطة الكنيسة، فتخلوا عن التأمل في سماء تقوى العصور الوسطى وورعها، واتجهوا إلى تأليه الطبيعة معجبين بصرامة المناهج الرياضية، وافتتنوا بدراسة العلم الطبيعي الجديد، ونظروا إلى الإنسان بوصفه آلة، وفسّروا أنبل العواطف الإنسانية على أنّها انفعالاتٌ طبيعيةٌ بسيطةٌ، ونظروا إلى كلّ ما هو روحي ومعنوي ومقدس نظرة ازدراء وتحقير. فالطبيعة قوّة حاكمة لها قوانينها الأبدية التي لا تتغيّر، والإنسان جزء منها يسير وفقًا لها خاضعًا لقوانينها التي لا تتغير، وبذلك كلّ فعلٍ إنسانيٍّ يُمكن التّنبّوء به مقدّمًا إذا توفّرت المعرفة الكاملة لدوافع هذا الفعل بما يحيط بالإنسان من ظروف وأحوال. وبذلك تكون الأنسنة نزعةً ماديةً علمانيّةً دهريّةً تمثّل قطيعةً حاسمةً مع كلّ ما هو مقدّس لتنتهي معلنة عن موت الإله وتشيّؤ الإنسان وتفكيك النص بالنظر إلى تاريخيته مع تأنيس كلّ ما هو مقدّس، وهو ما نلمحه في أنسنة عصر النهضة التي وضعت الإنسان في المركز وقطعت العلاقة بينه وبين كلّ ما هو مقدس، في حين اهتمّت أنسنة عصر التنوير بنقد كلّ ما يتجاوز القدرات الممكنة للمعرفة الإنسانية، أمّا أنسنة القرن التاسع عشر فاهتمّت بالتقدّم التقني الصناعي الذي أصبح ملهمًا لصياغة القوانين والاقتصاد فتحوّل الإنسان معها إلى ترسٍ صغيرٍ في آلةٍ كبيرةٍ لا حول له ولا قوّة ولا إرادة ولا اختيار، وفي أنسنة القرن العشرين أصبح الإنسان هو مصدر المعرفة، وخلاصه لا يكون إلا بالقوى البشريّة وحدها التي تتحوّل إلى قوّة اقتصاديّة وعسكريّة وتقنيّة تضمن تفوّقه على غيره من الأمم. ومن ثم يصبح الإنسان كائنًا جمعيًا يندمج فيه الأفراد اندماجًا عقليًا وخلقيًا فحسب. أي هكذا جعلت الأنسنة الإنسان مكتفيًا بذاته وهو نقص محض في جوهره، يحتاج إلى غيره كي يأتنس به ويلجأ إليه، فلمّا جعلته الأنسنة وحيدًا مكتفيًا بنفسه، فلم يأنس بغربته، وتمّ فحصه على أنّه جزء من الطبيعة كباقي أجزائها فتم تشيؤه.

أما دائرة العقلانيّة فهي تلك الدائرة التي يبدو فيها العقل الإنساني كأداةٍ رئيسةٍ لمعرفة الوجود، ومن ثم تُعرف العقلانية بأنّها المنهجيّة أو النّظريّة التي يكون معيار الحقيقة فيها فكريًا أو استنباطيًا وليس تجريبيًا. وفي إطار العقلانيّة تبدو الطبيعة كآلة، وأنّ العقل الإنساني قادرٌ على إدراك حقيقة هذه الطبيعة. نظرًا لأنّ حقيقة الطبيعة حقيقة رياضيّة أساسًا، فإنّ الهندسة هي العلم النموذجي الذي يجب على العقلاني أن يقلّد دقّته وضرورته. وفي الحقيقة امتلك العقلانيون ثقةً عاليةً في العقل؛ فقد اعتُبرت الإثباتات التجريبية والأدلّة الماديّة غير ضروريّةٍ لتأكيد بعض الحقائق، بل أعطى العقلانيون العقل أفضلية على كافة طرق اكتساب المعرفة الأخرى، واعتبروه الطريق الفريد من نوعه إلى المعرفة. ففي العهد السقراطي استطاع سقراط أن يطرح فلسفته العقليّة اعتمادًا على المسلّمات العقليّة وحدها، واستطاع ديكارت في مطلع العصور الحديثة إثبات وجود النّفس والعالم والله اعتمادًا على العقل، وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين، سعى ليو شتراوس إلى إحياء «العقلانيّة السياسية التقليدية» بوصفها نظامًا يفهم مهمّة إعمال العقل على أنّها طريقة سقراط وليس أساسًا. ومع هذا يبقى السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لمثل هذه العقلانية بوصفها أداة التوسّل الوحيدة لمعرفة العالم أن تفهم العواطف الإنسانية الأعمق؟ فالإنسان ليس مجرّد آلة حاسبة، وليس مجرّد عالم هندسي، إنّه يقيّم عالمه، ولا يكتفي فقط بالتطلع إلى تفسيره في مصطلحات رياضية. كما أنّ لدى الإنسان اهتمامات دينية، فما الذي تستطيع أن تقوله العقلانيّة الاستنباطيّة الرياضيّة -التي تتخذ من فيزياء جاليلو وهندسة اقليدس مثلًا أعلى تحتذيه- عن هذه الاهتمامات الدينية. ألم يبدو العقل عاجزًا عن إثبات وجود الله مع كانط؛ حيث فنّد كلّ الأدلّة العقليّة على وجود الله في كتابه «نقد العقل الخالص». لتبدو العقلانيّة مجرد تجريد للإنسان من كافة أبعاده الروحيّة والمعنويّة وتصويره كشكلٍ هندسيٍّ محكومٍ بقوانين ثابتة يمكن التوصّل إلى ما غاب منها عن طريق معطيات معرفيّة معيّنة. أي يصبح الإنسان مجرّد شيء وليس كيان مادي وروحي له أبعاده المعنويّة الخاصة التي تختلف من إنسان إلى آخر.

أمَّا دائرة التاريخ، أي أن فهم حضور الإنسان في العالم ومصيره خاضع لقوانين الزمان والمكان، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الحتميّة التاريخيّة. فالحتميّة هي وجهة النّظر التي تقول إنّ لكلّ حدثٍ جملة شروط، فإذا توافرت فحتمًا لا بد أن يقع هذا الحدث دون غيره.  وهي نظرية مأخوذة في الأساس من الطبيعة الفيزيائية أو ما يمكننا تسميته الحتميّة الفيزيائيّة التي تردّ كلّ ما يحدث في الطبيعة إلى قوانين لا تحيد عنها. والحتمية التاريخية هي وجهة النظر التي تقول إنّ التاريخ يسير وفق قوانين معينه وله أنماط خاصة.  وقد ذهب العديد من الفلاسفة الغربيين إلى القول بالحتميّة التاريخيّة التي ترى أنّ التاريخ يمثّل مسارًا تنتظم حلقاته وفق تطوّر يؤدّي في نهاية المطاف إلى بلوغ لحظةٍ فاصلةٍ متوقّعةٍ؛ حيث رأى ماركس والماركسيون من بعده وسائر البراجماتيين أن التاريخ يلتزم مسارًا مستقيمًا على طريق التقدّم الصاعد أو التدهور. فيما يرى توينبي أنّ التاريخ يسير وفق دورات حضارية تمرّ بها الإنسانيّة عبر أطوار ثلاثة: هي طور البداوة والتحضّر والشيخوخة. ووفق هذه الدائرة التاريخيّة يبدو الإنسان بلا إرادة ولا حرية ولا اختيار، فكلّ شيءٍ حتمي. حتى العواطف البشريّة يتمّ تفسيرها على أنّها محكومةٌ بعددٍ من الخلايا والغدد الهرمونية ضمن العمليّة التي تسبّب الضحك والبكاء والحب والكره وغيرها من المشاعر التي تندرج تحت إطار العواطف الإنسانيّة، ولذلك فالإنسان ما هو إلا ريشة في مهبّ الريح يستقرّ به المقام باستقرار الرياح أو حسب الظروف التي تحيط به.

وهنا يبدو الإنسان في البناء المعرفي الغربي من خلال دوائره الثلاث (الأنسنة ـ العقلانية ـ التاريخ) عبارة عن شيء أو كائن كسائر الكائنات الأخرى، حيث يمثّل جزءًا من الطبيعة، أو هو مجرّد رقم تصلح معه المناهج الإحصائيّة التي تصلح مع غيره من الأشياء المادية، فهو مجرّد جسم له أبعاض وصور واحتياجات، ويمتاز عن سائر الكائنات بشكل جسده، أو بنطقه، فقد قال جمهور الفلاسفة والمناطقة الغربيون: «إنّ الإنسان حيوان ناطق». وهو بحسب نظريّة التطوّر التي تجد لها مكانة كبيرة في الفكر الغربي مجرّد حلقة في سلسلة التطور، وأنّه تطوّر في هذه السلسلة خلال عملية التطور من أدنى الكائنات إلى أن صار في شكله الحالي، الذي يبدو من خلاله ذا علاقة قریبة بالقردة العلیا مثل الشمبانزي والبونوبو والغوریلا والأورانج أوتان!

وتختلف تلك الرؤية الغربية إلى حدّ بعيدٍ مع رؤية الإسلام إلى الإنسان، فهو ذات عاقلة كرّمه الله بالعقل وفضله على كثير ممن خلق  ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70). وجعله خليفة له في أرضه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ﴾ (البقرة:30) وجعله في أحسن صورة ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (الانفطار :8) وفي أحسن تقويم، وجعله ممتلكًا للإرادة والوعي والحرية﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان:3)، وهو يسعى لإعمار الأرض وتحقيق الأفضل.

* من النقّاد من يرى أنّ النَّسَب التاريخي بين اليونان والغرب الحديث كان سببًا مورثًا للتشاؤم. وذلك عائد إلى الفكرة التي سادت عند الإغريق والقائلة بأنّ الإنسان متروك لحاله في هذا العالم وعليه أن يتدبّر أمره بنفسه.. كيف تبدو لكم هذه الفكرة وكيف تظهر شواهدها في مجتمعات الحداثة في الغرب المعاصر؟

- رأى فلاسفة اليونان القدامى أنَّ الإنسان متروك لحاله في هذا العالم بلا أيّ سندٍ أو عونٍ خارجيٍّ له، وقد سادت تلك النظرة التشاؤميّة الفلسفة اليونانيّة القديمة، التي رأت أنّ الإنسان قد قذف به إلى هذا العالم، دون أن يكون في وسعه أن يتخلص من هذا الوضع الذي يجد نفسه فيه. فالإنسان قد تُرك لنفسه، ووجوده قد أُودع بين يديه. وهذا دأب علاقة الإنسان بالإله في الفلسفة اليونانية القديمة، فآلهة الأوليمب كما جاءت في الإلياذة والأوديسة مشغولة بلهوها وصراعاتها، ولا تأبه بسعادة الإنسان بل تزيد من شقائه، فتحرمه من النار بأمرٍ من كبير الآلهة، ولكن بروميثيوس -وهو ابن عم كبير الآلهة، حسب الأسطورة- يسرق النار ويردها إلى البشر، وعندما علم كبير الآلهة قيد بروميثيوس إلى صخرة عظيمة بجبال القوقاز، وسلط عليه نسرًا ضاربًا ينهش كبده كل نهار؛ وعندما يجن الليل ينبت له كبد جديد لينهشه النسر في النهار ليستمر عذابه ولا يتوقف. ولم يكتفِ بعقاب برومثيوس الذي استمر ثلاثين ألف سنة! ولكنّه كاد للبشر فصنع لهم بوحي من الآلهة مخلوقًا جديدًا هو المرأة دعاه باندورا، وأرسل معها صندوق به ما لا يحصيه العقل من العلل والأوصاب والخطايا والشرور كعقاب لهم. ولم يتوقف الأمر عند الأساطير اليونانية القديمة بل تعدت تلك الرؤية إلى الفلاسفة اليونانيين أنفسهم، فإذا ما توقفنا مع ديمقريطس(470-361 ق.م) الذي تمثل فلسفته ذروة ما وصل إليه العلم والفلسفة عند الطبيعيين من اليونانيين، وجدنا أنه قد حاول تفسير كل شيء تفسيرًا آليًا محضًا. وقد اشترك مع لوقبيوس في تفسير نشأة العالم عن طريق التقاء الذرات المنتشرة في الخلاء العام، فقد تكون العالم- من وجهة نظره- من تطاير الذرات الصغيرة والكروية إلى الخارج، وبقيت الذرات الكبيرة في المركز، فتكونت الأرض، وظهرت الحياة نتيجة للتولد التلقائي الذاتي، فالإنسان لدى ديمقريطس ولوقيبوس نشأ من الطين كالديدان بغير خلق أو غاية وهو متروك في الكون ليواجه مصيره بنفسه دون مساعدة أو رعاية أو عون من أحد. أما أرسطوطاليس (384-322 ق.م) أشهر فلاسفة اليونان وأهمهم، فإنّه إن لم يكن قد أنكر وجود الآلهة إلا أنه قد رفض القول بالعناية الإلهية، ورأى أنّ البشر هم الذين يهتمون بالآلهة ويتقربون إليها، والآلهة منشغلة في حياتها السماوية لا تأبه لأحد من البشر. فإله أرسطو هو إله غريب تمامًا عن العالم، وليس له أي تأثير مباشر، وهو وإن كان المحرك الأوّل فإنّه ثابت لا يتحرك، ولا يمكنه أن يدرك الكون ويعلمه، ولا يمكنه أن يتدخل في أموره. وهو القول الذي يقترب جدًا من رأي أبيقور(341-270 ق.م) وسائر الأبيقوريين الذين رأوا أن الآلهة مخلوقات سعيدة تعيش في عالم يوتوبي ولا تريد أن تعكر صفو سعادتها بمشاكل البشر، ولذلك لا تأبه بالبشر الذين تتركهم ليلاقوا مصيرهم بأنفسهم.

وقد ظلّ هذا الميراث التشاؤمي عالقًا بالعقلية الغربية حتى مجتمعات الحداثة في العصر المعاصر، فقد رأى فويرباخ (1804-1872م) أنّ الإنسان قد خلق الله على صورته الجوهرية متفاديًا كل صفات النقص التي تشوب الإنسان مقرًا بنقيضها كصفاتٍ إلهيّة. وحين يكون الإله إنسانًا، وكلّ صفات الإله صفات بشريّة متضخّمة فلا مجال إذًا للحديث عن الإله بالمعنى المعياري للمصطلح. وإذا كان فويرباخ يعلن أنّه لا تهمّه السماء بقدر ما يهمّه الإنسان، وأنّ كلّ ما يُهمّه هو الارتقاء بالجنس البشري، واختزال كلّ ما هو إلهي في آمال الجنس البشري وطموحاته. فإنّ هذا المذهب الإنساني الإلحادي ينقلنا من مركزيّة الإله إلى مركزيّة الإنسان التي يستولي فيها «عدم الاعتقاد» على مكان الاعتقاد، ويحلّ العقل مكان الكتب المقدّسة، والسياسة محلّ الدين، والقانون البشري محلّ الشرائع الدينية، والعمل محلّ الصلاة، والمطالب المادية محلّ الجحيم، وماهيّة الإنسان محلّ المقدس.. وهي الفكرة ذاتها التي نجدها عند كارل ماركس(1818-1838 م) الذي رأى أنّ الإنسان قد ألقي به وحيدًا في هذا الكون وعليه أن يتدبّر أمره دون انتظار العون من قوى غيبيّة خارجيّة، وما الدين عنده سوى أفيون للشعوب؛ فهو نتاج المجتمع الإقطاعي الذي يريد أن يسخّر الشعوب لمصالحه. فابتدع لتحقيق ذلك الدين ومفاهيمه من آلهة مختلفة ومتنوّعة وأنبياء وحياة أخرويّة وفراديس وجحيم.. إلخ، ومن ثم رأى ماركس أنّ الدين سوف ينتهي بنهاية الجوع واختفاء آخر فقير من على وجه الأرض. فالإنسان- بحسب ماركس- لا يتديّن إلّا لأنّه يعاني الفقر المدقع والخوف الشديد، ومن ثم يرى أنّه لا بدّ أن يستعصم بالقدرة الإلهيّة لكي تحميه وتواسيه هو وأطفاله الجائعين. لينتهي إلى القول إنّه حينما ينتهي الفقر ينتهي الدين. وهو في الحقيقة الأمر الذي لم يحدث وأثبت الواقع الاستقرائي نقيضه. وتتشابه رؤى فويرباخ وماركس مع رؤية جان بول سارتر (1905-1980م) الذي يعدّ أبرز ممثل لهذا الاتّجاه، فقد صرّح بالقول في رواية «الغثيان» أن الإنسان متروك لنفسه لا يعتني به أحد؛ لأنّه لا يجد -في نفسه ولا خارجها- شيئًا يتمسك به ويتعلق بأهدابه. وهو الأمر الذي تكرّر عند هايدغر(1889-1976) الذي نظر إلى الإنسان بوصفه ذلك الذي ألقي به رميًا ونبذًا في هذا العالم، لكي يوجد. وكذلك ذهب ألبير كامو Albert Camus (1913- 1960م) إلى القول بأنّ الإنسان يحيا حياةً عبثيةً مليئة بالشقاء. فبحسب الميثولوجيا الإغريقية يعدّ سيزيف من أكثر الشخصيات مكرًا، الذي استطاع أن يخدع إله الموت مما أغضب الآلهة عليه، فكان أن عاقبته بالعذاب الأبدي والمتمثل في حمل صخرة من سفح الجبل والصعود بها إلى القمة.. وقبيل بلوغه قمة الجبل بقليل تُسقط الآلهة الصخرة من على عاتقه إلى السفح مرة أخرى، مما يضطر سيزيف إلى حمل الصخرة والصعود بها محاولا من جديد بلوغ القمة (للخلاص من اللعنة)، ولكن هيهات، لقد كان عذابه أبديًا، ويرى ألبير كامو في ذلك أن الإنسان لا عون له من خالق مفارق متعال، بل إنّ فكرة الإله نفسها قد تؤدّي إلى إفساد حياته وسعادته، وهو بذلك يعود إلى أسلافه المحدثين من أمثال الفيلسوف هولباخ (1723-1789) الذي أنكر الحياة الأخروية وقال إن عدم وجودها يحرّر الإنسان من سلطة القساوسة والكنيسة.

* من المؤرّخين لتطوّرات الفكر الفلسفي الغربي من رأى أنّ التاريخ الغربي لم يكن مسيرةً مظفرةً نحو النور والسعادة، بل هو بخلاف ذلك تمامًا، فلقد تخلّل ذلك التاريخ انحدار أساسي منذ ما قبل سقراط إلى زماننا الحالي. ودليلهم على قولهم أنّه كان كلّما ازدادت محاولة الإنسان الاستغراق في عالمه الاستهلاكي وإنجازاته التقنيّة، ازداد نسيانه ما هو جوهري وأصيل في الوجود. وهكذا كان التاريخ الغربي انحدارًا مما هو جوهري نحو دنيا الممكنات. ما رأيكم بهذه الفرضيّة وكيف تعلّقون عليها؟

- التاريخ الغربي تاريخ تغلب عليه النزعة المادية والتقدم الكمي اللانهائي الذي يعرّف النمو باعتباره نموا كميا صرفا في الإنتاج والاستهلاك دون النظر إلى أي غاية إنسانية صرفة، ولذلك فهو ليس تاريخًا للبحث عن المثل العليا والقيم الرفيعة، بخلاف ما يشاع عنه. حيث إن سعي الإنسان الغربي الحثيث كان ولا يزال نحو امتلاك القوة لقهر الآخر والسيطرة على ما يملك من خيرات، فهذا هو الهدف الأول له وغايته المنشودة، فإذا كان شعار «البقاء للأقوى» هو شعار أفرزته نظرية التطور في العصر الحديث، فيكاد يكون القول الصحيح إنه الشعار الذي يحكم الفكر الفلسفي الغربي منذ بداياته وحتى اليوم، فهو تاريخ تسوده نزعتي الاستعلاء والأنانيّة. ولذلك تصوّر اليونانيون القدماء آلهتهم على شاكلتهم، فكما يقول برتراند رسل: «إنَّ الآلهة في الأمم كلّها تزعم أنَّها خلقت العالم؛ أمَّا آلهة الأوليمب فلا يتقدمون لأنفسهم بمثل هذه الدعوى، وغاية جهدهم أن يفتحوا العالم غزوًا ... فلماذا يؤدون أي عملٍ شريف؟ إنَّهم وجدوا أنّهم أيسر لهم أن يعيشوا على الضرائب يفرضونها، وهم يصعقون بالصواعق من لا يدفع لهم ما يستحقون؛ إنّهم رؤوس غزاة، وقراصنة تجري فيهم دماء الملوك؛ وهم يقاتلون ويأكلون ويلعبون ويعزفون الموسيقي؛ إنهم يسرفون بالشراب ويقهقهون بالضحكات سخرية بالحدّاد الأعرج الذي يقوم بخدمتهم؛ إنَّهم لا يخشون شيئًا إلا مَلِكَهم، وهم لا يكذبون أبدًا إلا فيما يمس الحب والحرب».  هكذا تخيّل اليوناني القديم نفسه وآلهته لتظل هي رؤية الغربي في العصر الاستعماري وما بعده.

وقد تميّز الفكر الفلسفي منذ مرحلة ما قبل سقراط بانحصاره في إطار المادة والطبيعة، ويبدو أنّ ظاهرة التغيّر هي التي سيطرت على اهتمام الفلاسفة في هذه المرحلة المبكرة، فأخذوا يبحثون عن العنصر الذي يظلّ ثابتًا وراء التغيّر، واتّجه هذا الفكر إلى الطبيعة يحاول أن يفسّرها ويرجعها إلى مبادئ طبيعيّة مركزًا على التغير والصيرورة كطابع أساسي للكون، أو على الثبات والديمومة فيه أو على التناسق والعدد.  وفي ظلّ ذلك الإطار من الاهتمام بكلّ ما هو مادي نسي الغربي القديم ما هو جوهري وأصيل وجدير بالاهتمام، إذ قد عني الفلاسفة قبل سقراط بتفسير الوجود الخارجي، أمّا الاهتمام بالإنسان وسلوكه فكان يشغل مكانًا هامشيًا ثانويًا عارضًا. وعبَّر السوفسطائيون خير تعبير عن نزعة الأنانيّة، والتمركز حول الذات، وعدم الاهتمام أو الانشغال بالآخر، فالأنا مقدمة على ما سواها في كلّ شيء، ومصلحة الأنا معيار الخير والشر، ومقياس الصواب والخطأ. ليصبح بذلك كل مبادئ الخير ذاتيّة ونسبيّة تمامًا تتغيّر حسب مصالح ومنافع الفرد الشخصيّة. وفي هذه الحالة يكون الظلم أنفع لصاحبه من العدل؛ ويصبح ظلم الآخرين والاستيلاء على حقوقهم من الخير ومن العدل، فالظالم يتمتّع، وحياة المتعة خير من حياة الحرمان. ومن ثم كان معيار العدالة عند السوفسطائيين هو مصلحة الأقوى. بينما اتّفق كلّ من سقراط وأفلاطون وأرسطو على النّظرة الدونيّة والاحتقاريّة للآخر؛ فالآخر عندهم كلّ ما هو ليس رجل حرّ يوناني؛ إذ سلموا بنقاء العنصر اليوناني وتفوّقه على بقيّة الأمم التي لا تغدو سوى أمم بربريّة همجيّة، وسلموا -أيضًا- بإباحة الرق كنظام طبيعي فرضته الطبيعة، وسيادة الزوج على زوجته، والأب على أبنائه، ورفضوا المساواة بين الناس، وبين الرجل والمرأة، وخصوا الأقلية بأحسن الأشياء، وطالبوا الأكثريّة بالقناعة، بل رأوا في الأكثريّة مجرّد وسائل لإنتاج قلّة من الحكام. حتى إنّ أرسطو كما يأخذ عليه برتراند رسل (B. Russell) في تناوله لكتاب أرسطو «الأخلاق إلى نيقوماخوس» حيث يقول منتقدًا أرسطو: «تكاد لا تجد كلمة واحدة عند أرسطو عمّا قد يسمّى بحب الغير أو حب الإنسانيّة». وفي العصر الحديث بدا الإنسان عند توماس هوبز ذئبًا لأخيه الإنسان. لا يتردّد القوي في الاعتداء على الضعيف واغتصاب ما يملك، فإن أعوزته القوّة اصطنع الحيلة والدهاء حتى يبلغ مأربه. كان هذا حال الإنسان همجيًا ولم يزل هذا حاله متمدينًا، فإن المدنية لم تفعل أكثر من أنها حجبت العدوان بستار من الأدب، وأحلت القصاص – في ظل القانون- مكان استخدام العنف ومعالجة الأمور بالفظاظة. ورأى سارتر أن الأنا في صراع أبديّ مع الآخر، حيث يحاول كلّ طرفٍ منهما أن يستلب الآخر ويمتلكه. والآخر هو الموت المتحجب لإمكانياتي، فلا مجال لإقامة حوار بين الأنا الآخر؛ لأنَّ الآخر هو بمثابة الجحيم للأنا، وأيّ محاولة لمجرّد تبادل النّظرات هي صراع وليست حوار؛ بل إنَّ الحوار سيتحوّل إلى تبادل مواقع استراتيجي يستعدّ فيه كلّ طرف للانقضاض على الآخر. وفي الوقت الراهن مع التقدم التقني للإنسان الغربي واستغراقه في عالمه الاستهلاكي وإنجازاته التقنيّة، ازداد نسيانه لما هو جوهري وأصيل في الوجود من حقوق الآخرين واحترام خصوصياتهم، وقد تبدّى هذا في النزعة الإمبرياليّة الغربيّة التي أثمرت الداروينيّة الاجتماعيّة، التي تؤكّد أنّ الجنس الأبيض هو الذي أحرز قمة  التقدم، مما يسبغ عليه حقوقًا مطلقة، فيصبح من حقّه أن يستولي على أية بقعة في العالم، ويوظف سكانها «المتخلفين» لتحقيق مصالحه وأغراضه، وأعطى لنفسه الحق في أن يهدم تراثها مهما كان عظيمًا ليقيم عليها جزءًا من حضارته التي ربما تكون هشة، مرتئيًا أنّها تعبر عن التقدم، وهذا التقدّم عند الغربي هو تقدّم ماديّ يرتبط إلى حدّ كبير بما يسميه روجيه جاردوي «اللا نهائي الكمي» وهي عبارة تنظر إلى الحياة من خلال مقولة الكم (السلع- معدلات الإنتاج- معدلات الاستهلاك) وأنّ الهدف من الحياة هو مراكمة الكم إلى ما لا نهاية. وهو ما يمكن وضعه في مقابلة «اللا نهائي الكيفي» الذي يسمو بالإنسان، والذي يمكن تعريفه – كما يقول عبد الوهاب المسيري- بأنّه المثاليات غير المادية مثل الكرامة والإحساس بالانتماء والإيمان بالمقدّس وإدراك أهميّة أسلوب الحياة وكل ما لا يخضع لعالم الحواس الخمس وآليات السوق والقوانين، وإن كان يتبدى من خلاله. فالعالم بالنسبة للغربي المعاصر حيز بلا تاريخ، مادة بلا ضمير أو روح، مجرّد مجال تتحرّك فيه التقنية ورأس المال والبضائع دون اكتراث بالأفراد. إنّ غاية الغربي الراهن هو التقدّم الكمي الذي هو نموًا كميًا في الإنتاج والاستهلاك بصرف النّظر عن أيّ غائيّةٍ إنسانيّةٍ ودون الرجوع إلى مشروع إنساني أو إلى صفة الحياة. ويصبح النجاح التكنولوجي هو المعيار الوحيد حتى لو كان نجاحًا مدمّرًا. وبذلك يصبح كلّ تقدّم تقني أمرًا مرغوبًا فيه حتى لو كان مهددًا لكلّ القيم الإنسانية العليا أو حتى خطرًا على الإنسانية ذاتها (الاستنساخ- أسلحة الدمار الشامل). وهكذا كان التاريخ الغربي انحدارًا مما هو جوهري نحو دنيا الممكنات، فينتفي فيه كلّ إمكانيّة لتنمية شاملة تهتمّ بالتنمية الجسديّة مع التنمية الروحيّة، أو إمكانيّة بلوغ مستقبل مفتوح على آفاق لا نهاية لها. أو إمكانيّة قيام مشروع عالميّ يبحث عن العلاقات الاجتماعية وعلاقة الحب مع الآخرين، وتصبح كلّ دعوة للسلام العالمي من قبل الغرب هي دعوى شكليّة لتجميل الجوهر الغربي القبيح.

* تميَّز الفكر النقدي الغربي بتيّاراته ومذاهبه المختلفة بنزعة تجاوزيّة للثقافة السائدة، لكن المفارقة أنّ هذا الفكر بقي على الإجمال يمارس لعبته النقديّة في إطار مجموعة من الثوابت المرجعيّة التي تعود في جذورها إلى الحقبة اليونانيّة، وخصوصًا ظاهرة الإلحاد والشكوكيّة وعَلْمَنة العالم، ناهيك عن الموقف السلبي حيال الإيمان الديني.. برأيكم ما السبب الذي يكمن وراء هذه المفارقة؟

- يتميّز الفكر الغربي طوال تاريخه وبسائر تيّاراته ومذاهبه بنزعةٍ تجاوزيّةٍ تحمل نقدًا لاذعًا للثقافة السائدة، ومع ذلك من الممكن أن نقول إنّ الفكر الفلسفي الغربي فكرٌ في أغلبه يدور في فلك الإلحاد والشكوكيّة وعلمنة العالم ولم يحد عنها إلى نقدها إلّا في محاولاٍت قليلةٍ نجدها صريحة مع الفلاسفة الآباء في فلسفة العصور الوسطى، وعلى استحياء في الفلسفة الحديثة مع ديكارت وليبنتز وبسكال ومالبرانش. إنّها حقًا مفارقةٌ جديرة بالتوقّف عندها طويلا... ولكن يمكن تفسير هذه المفارقة بقليل من النظر المتأني؛ فالنقد من أهم خصائص الموقف الفلسفي، ولا يمكن لفيلسوف أن يتشكّل موقفه الفكري دون موقف نقدي من سابقيه، ولذلك كانت السمة المميزة لغالبية الفلاسفة الغربيين في كلّ الأزمنة الفلسفيّة هي النقد ومعارضة ما هو سائد من ثقافة مرتئية أنّها بحاجة إلى نقدٍ وفحصٍ وتمحيصٍ. ولأنّ الموقف الفلسفي أيًا كان هو موقف شكيّ يرفع صاحبه فوق الاعتقاد الساذج، والتسليم الموروث السهل أو المتعسف الذي لا يستند إلى تبرير يصل به إلى اليقين البرهاني، كان الشكّ المنهجيّ في الدين هو أمر لازم يصاحب كل فيلسوف؛ لأنّه بدون هذا الشكّ المنهجيّ الذي ينشد معرفة الحقيقة لا يكون هناك تفلسف، فالفلسفة موقف عقلي إزاء نظريات أو معتقدات يسلّم بها الناس دون تبرير منطقي. وقد بدا الدين ببعض معتقداته غير القابلة للتبرير العقلي كذلك أمام هؤلاء الفلاسفة. ومن ثم كان نقد الدين أو الموقف السلبي حيال الإيمان الديني عاملًا مشتركًا بين جُل الفلاسفة الغربيين؛ فقد نظر الكثير من فلاسفة اليونان إلى الدين اليوناني السائد على أنّه مليءٌ بالتّصوّرات الساذجة التي يسلم بها الناس عن جهل أو عن سذاجة، لدرجة أنّ أحد الفلاسفة اللاحقين على فلاسفة اليونان القدامى تمنى لو أنّه أمسك بهوميروس ليذيقه كل ألوان العذاب جزاءً له عن تلك التعاليم الدينية الفاسدة التي أغوى بها العوام والتي انتشرت بينهم رغم عدم منطقيتها، وأنكر السوفسطائيون الآلهة وعدّوها من اختراع البشر. ورأى فلاسفة الغرب أن الدين في العصور الوسطى كان هو العقبة الكؤود أمام كل إصلاح علمي أو سياسي، وأن العَلمانية كانت الحل الأمثل لتجاوز تلك العقبة، وأنّ الغرب لم يتقدّم وينطلق إلا بعدما تحرّر من طبقة رجال الدين وكهنوته، واتّجه إلى العلم والعقل، يحتكم إليهما ويستضيء بنورهما. كما رأى بعض فلاسفة القرن التاسع عشر أنّ الدين أفيون الشعوب تستخدمه الطبقة المستبدّة لتخدير الطبقات الكادحة بينما هي تأكل حقوقها وتستولي على مقدّراتها، ولذلك تنبّأ ماركس صاحب هذه النظرية بأنّ الدين سينتهي من على وجه الأرض باختفاء آخر فقير. ولذلك كان الموقف السلبي حيال الأديان جزءًا من النزعة النقدية التي صاحبت الفلسفة في كل العصور وسارت نزعة الإلحاد والعلمنة والشكوكية جنبًا إلى جنب مع الموقف الفلسفي عند معظم الفلاسفة الغربيين الذين غفلوا بالفعل- باستثناء ليبنتز وكانط- عن قصور العقل عن إدراك الحقائق الدينية التي تفوق قدرات العقل الإنساني المحدود. كما أن معظم الفلاسفة الغربيين قد قصروا رؤيتهم للدين على الديانة المسيحية بتحريفاتها المتعددة التي ابتعدت بها كثيرا عن المسيحية الحقيقية النقية كدين سماوي. فغفلوا عن حقيقةٍ مهمّةٍ باتت تفرض نفسها على العالم اليوم بشكلٍ ملحوظٍ، وهي أنّ دور الدين لم ولن ينتهي؛ لأنّه فطرة الإنسان التي فطره الله عليها. وإنّ حاجة الإنسان إلى الدين لا يمكن أن تنتهي فهي حاجة قلبية وعقلية يحتاجها الفرد ويتماسك بها المجتمع.

* في مرحلة متأخّرة دعا الفيلسوف الألماني المعاصر مارتن هايدغر إلى تأسيس ميتافيزيقا جديدة تشكّل نقطة انعطاف في تاريخ الفلسفة منذ اليونان إلى عصر ما بعد الحداثة. وكانت دعواه مستندة إلى أطروحته الشهيرة حول ما أسماه «نسيان الكينونة». أي الغفلة عن المبدأ المؤسّس للوجود والانشغال بمنجزات العقل التقني.. ما تعليقكم ولو بإيجاز على هذه الأطروحة؟

- إنّ فلسفة هايدغر في الواقع تعدّ محاولةً لتفكيك الأسس الفكريّة للغرب انطلاقًا من نسيان الحدث الأصلي الذي ينبع منه هذا الفكر، وهو مسألة الكينونة، أو ما يمكن تسميته بـ «نسيان الكينونة»، ولتحليل هذا المصطلح الهايدغري الذي يبدو غامضًا إلى حد كبير، نقول إنّ النسيان معلومٌ أمّا الكينونة فتعني الحضور، أو الوجود ذاته أو ما يمنح الوجود (وبالتالي الموجود) إمكانيّة وجوده، أو هي النّور الذي يضيء الكائنات فيجعلها مرئيّة، دون معرفة مصدره. ويرى هايدغر أنّ مقولة الحضور فُهمت فهمًا خاطئا في تاريخ الميتافيزيقا الغربية نأى بها عن معناها الأصلي. ويعني المصطلح الهايدغري «نسيان الكينونة» في مجمله وباختصار لا يخل بالمضمون أنّ الكينونة تتخفى وتتحجب وتنسحب بقصد الاحتماء، فالتقنّع أو التحجّب هو في الأصل احتماء، ونسيان الكينونة هو تحجب الكينونة-الحاضر لصالح الكائن- الحاضر الذي لا يعود فقط إلى إهمال من طرف الفكر، بل هو من صلب الكينونة نفسها. وبناء على ذلك رفض هايدغر كل المقولات الميتافيزيقية التي سادت الفلسفة الغربية منذ الميتافيزيقا اليونانية حتى عهد هايدغر، مرتئياً أن تاريخ الميتافيزيقا هو تاريخ «نسيان الكينونة»، فاتّجه منعطفًا بتاريخ الميتافيزيقا الغربية نحو عهد جديد أو ميتافيزيقا جديدة تقوم على مساءلة الكينونة، أي ليس التفكير في كينونة الكائن أو كافة الكائنات الموجودة أو حتى التفكير في كينونة الكائن الأسمى حسب ما اهتمت به الميتافيزيقا التقليدية، ولكن التفكير في حقيقة أو معنى الكينونة من حيث اختلافها عن الكائن، هذا الاختلاف الذي يدعوه هايدغر «الثنية». ومن ثم يتوصّل هايدغر إلى مقصده وهو تحرير الميتافيزيقا من سرّ قوّتها العدميّة أي ألّا تكون تاريخًا لـ «نسيان الكينونة». وهنا انشغل هايدغر عن المبدأ المؤسّس للوجود حيث فصل بين مسألة الله ومسألة الكينونة؛ أي قاوم ذلك الخلط الذي قام به التقليد الفلسفي بين الكينونة والثيولوجيا أو بين الكينونة والكائن الأسمى. لتنشغل الميتافيزيقا الهايدغرية الجديدة بمنجزات العقل التقني، والعقل عند هايدغر هو العدو الشرس للفكر، فالعقل الحديث لم يعد مجرّد تأمّل في الكينونة وللكينونة كما كان الأمر في تاريخ الفلسفة السابق على هايدغر، ولكنّه أصبح قدرة الذات الإنسانية على تمثّل الموضوعات واستحضارها وحسابها. فالعقل الحديث عند هايدغر -كما يقول محمد سبيلا- «هو عقل حسابي، تحكمي، موضوعي يعكس إرادة ورغبة في التوحيد الشكلي الكامل بين الكائنات». أي يوحّد الكائنات ويجعل منها موضوعًا واحدا يستطيع أن يخضعه للدراسة والفحص والتحكم، ومن ثم تصبح أكبر مميزات الإنسان هي قدرته على التفكير في العالم والانفتاح عليه بغرض إخضاعه والسيطرة عليه. ومن ثم يختزل هايدغر العقل الإنساني في العقل الأداتي أو العقل التقني الذي يروم السيطرة على العالم، ولا شكّ أنّ هذا اختزال مُخلّ لقدرات العقل الاستدلالية والجمالية والأخلاقية وغيرها. ومن ثم إذا نظرنا إلى التقنية بوصفها ميتافيزيقا؛ لأنّها تنظر إلى الكينونة والكائن والحقيقة من منظور نفعي خالص، فما ليس مفيدًا هو غير موجود تقنيًا، وتسري هذه النّظريّة الميتافيزيقية على كلّ شيء حتى على تصوره لله(تعالى)، فإن لم يكن مفيدًا –حسب منظور هايدغر- فهو غير موجود. ومن ثم تكون نهاية الميتافيزيقية التقليدية على يد هايدغر لتصبح الميتافيزيقا الجديدة هي «ميتافيزيقا التقنية» التي تتغيا إعادة صياغة لمعنى العالم، والكون، والغاية من الحياة، بشكل ينزع القداسة الدينيّة عن كلّ شيء لصالح نزعة نفعيّة مقيتة، فلا مراعاة للنفس الإنسانية ولا لغرائزها التدينية وسائر قواها الروحية والمعنوية.

* شهدت العقود القليلة المنصرمة نموًا لافتًا لسؤال الدين بين النخب الفكريّة والأكاديميّة في أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة، بعضهم فسّر ذلك بأنّه يعكس بداية النهاية لتاريخ العلمنة بعدما استنفدت أغراضها الكبرى سواء في مجال التنظير الفلسفي أو على مستوى تطبيقاتها في الحضارة الغربيّة المعاصرة.. كيف تقاربون هذه القضيّة؟

- «العودة إلى الدين» كان هذا هو شعار العقود القليلة المنصرمة، على العكس تمامًا ممّا توقّعه الكثير من فلاسفة الحداثة من أمثال: كونت وماركس ودور كايم وفيبر، من أنّ القرون التالية عليهم ستشهد نهاية الدين واندثاره؛ إذ عدّه بعض فلاسفة الأنوار على أنّه وهمٌ ودجلٌ سيموت بتقدّم العقل، وعدّته الماركسيّة أداة هيمنة طبقيّة.  لكن ما حدث كان عكس ذلك، فلقد ظهر سؤال الدين ملحًا مع نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين، وتجلّى هذا واضحًا من خلال تلك الندوة الدوليّة التي عقدت مع مطلع القرن الواحد والعشرين في كابري بإشراف جاك دريدا (Jaque derrida) وجياني فاتيمو (Gianni vattimo) تحت عنوان «الدين في عالمنا» والتي ناقشت موضوعات عدّة تدور حول العودة الراهنة للدين، والتي ارتأت أنّ ترك الدين معناه سيادة العدميّة العبثيّة وغياب الغائية، وانتشار الاغتراب الناتج عن فقدان المعنى، وأفول القيم العليا المقدّسة. ومن ثم كانت العودة إلى الدين بمثابة الركيزة القويّة الذي يتمّ من خلال الاستناد إليها تفسير التاريخ، واستعادة الأصل الضائع المنسي الذي ينشأ منه كل شيء وإليه يعود، وذلك بعد سقوط السرديات الكبرى في عالم ما بعد الحداثة. وكان هذا أمر طبيعي كرد فعل على معايب وقصور فترة الحداثة الغربية التي استمرت ما يقرب من أربعة قرون متتالية، كانت العلمانية أبرز ظواهرها. حيث انطلقت أوروبا في بناء نهضتها الحديثة وبناء المشروع الحداثي الغربي من إيمانها المطلق بالعلم وتهميشها التام للدين أو بالأحرى الثورة عليه، إذ حدث ما أطلق عليه دانيال بل D.Bell « الانتهاك العظيم لحرمة المقدسات». فقد تميزت تلك الفترة بالتحرر الديني وانتشار موجات الإلحاد.  ولذلك كانت ما بعد العلمانية رد فعل على ما ساد في عصر الحداثة، وقد وضعت ما بعد العلمانية شعارها على غرار شعار العلمانية نفسها، فعندما بدأت العلمانية جعلت شعارها «إزالة السحر عن العالم»، أما ما بعد العلمانية فجعلت شعارها كما صرّح به عالم الاجتماع الأميركي «بيتر بيرغر (Peter Berger)» في بداية التسعينيات من القرن الماضي هو «إزالة العلمنة من العالم»، ذلك الأنثروبولوجي الذي رأى أنّ العالم ما زال شديد التديّن كما كان في السابق. فكلمة «إزالة» الواردة بالشعارين هي مفردة هندسيّة تعني سقوط بعد صعود، مما يعني أنّ العلمنة سقطت بعد صعودها، وأنّه رغم إزالة الدين ومظاهره من الفضاء العام في عصور الحداثة حتى بدا كفضاء خال من الدين، محايد ومستقل. إلّا أنّ الدين – رغم ذلك- كان ولا يزال كامنًا في نفوس البشر في الفضاء الخاص، راسخًا لم يتزعزع في نفوس الأفراد ووعيهم الفردي. مما يعني أنّ مرحلة ما بعد العلمانية لا تعني إزالة العلمنة بقدر ما تعني تآلف وانسجام بين ما هو ديني وما هو علماني.

ومع ذلك يبقى في رأيي أنّ مقولة «عودة الدين» هي مقولة خاطئة؛ فالدين لم يغب أبدًا عن حياة البشر، فهو حاضر في كلّ الأزمنة وفي كلّ العصور، إذ إنّه من الممكن أن تجد جماعات بلا علوم أو فنون أو فلسفات لكن من الصعب جدًا أن تجد جماعة بشريّة بلا دين. ولذلك يكون الصواب -في وجهة نظري- هو عودة الإنسان إلى الدين، وقد كانت عودته الاختيارية إلى الدين عندما أيقن من إفلاس كل الفلسفات والإيديولوجيات التي حاولت أن تلعب دور البديل للدين. ولذلك كان من الصواب أن نقول: عودة الإنسان الراهن إلى الدين، وليس عودة الدين إلى الإنسان الراهن. فمن الخطأ البيَّن القول بأن الدين قد ولّى الأدبار أو اندثر في أي عصر من العصور، ولكن يمكن القول بأنّ الإنسان تحت انبهاره بأنوار الحداثة ومنجزاتها التقنية التي حققت له الكثير من سبل الرفاهية والراحة، أعرض بوجهه عن الدين وتمرد عليه، وثار على التدين، ولكنه وجد نفسه أمام خواء روحي وشكوك وحيرة لا نهاية لها في أخص ما يخصه: في حقيقة نفسه، وسر وجوده، وغاية حياته. الأمر الذي حدا بفيلسوف من أكبر فلاسفة القرن العشرين وهو «أرنولد توينبي» يقول عن نفسه: «إنه من المؤمنين بأن الدين هو أهم ما في الوجود». فعاد الإنسان إلى الدين، وعاد الإنسان إلى الدين، فعاد الدين إلى الفضاء العام الإنساني الذي أُقصي منه بفعل فاعل وعن عمدٍ وقصدٍ إيديولوجي، ومن ذلك ما نلحظه من عودة تركيا العلمانية إلى الدين فالحزب الحاكم هناك اليوم هو حزب ديني، ومن ذلك أيضًا مظاهر عودة روسيا الشيوعية إلى الدين والتي باتت تتصدر المشهد.

* هل نستطيع أن نقول إنّنا بتنا عند أبواب هذه اللحظة من تاريخ الإنسان التي تدعونا إلى تنظير جديد يتصالح فيه الفكر الفلسفي مع الإيمان الديني والبعد الروحي والكائن الإنساني؟

- لا شكّ أنّ الإنسان الراهن هو ذلك الكائن الذي يحدوه نزوع لا يقاوم نحو المقدس، وتتشوق نفسه إلى الإله الخالق، حيث أصبحت الأسئلة الوجودية تؤرقه وتقض مضجعه من قبيل: من أين؟ وإلى أين؟ هل وُجِدت مصادفة أم خُلِقت لأجل غاية محدّدة؟ وإذا كنت مخلوقًا لخالق فمن هو هذا الخالق؟ ولماذا خلقني؟  وماذا بعد الموت؟ هل إلى الفناء أم إلى الخلود؟ وهل يمكن أن تكون القصة بأكملها «أرحام تدفع وأرض تبلع» ولا شيء بعد ذلك؟ أم إنّ هناك بعد الموت حياة أخرى يُجزى فيها الذين أساءوا بما عملوا والذين أحسنوا الحسنى؟ وتحت إلحاح هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة التي باتت تؤرق الإنسان الغربي المعاصر زاد اهتمامه بالدين، فلم يعد يقنع بما قُدم على مدار القرون السابقة من بُعد عن الدين ومجافاة له، حيث وجد نفسه على حافة هاويةٍ عميقةٍ من الشقاء والحرمان، فصار وضعه بلا دين أشبه ما يكون بالحيوانات التي تدبّ على الأرض من حوله التي تعيش وتأكل وتشرب وتتكاثر ثم تموت وتنفق، دون أن تعرف لها هدفًا أو تدرك لحياتها سرًا. ومن ثم زاد الشغف في الآونة الأخيرة في الغرب بكل ما هو ديني، وانعكس ذلك الظمأ إلى كل ما هو ديني تحت رغبة الإنسان العارمة في معرفة حقيقة نفسه، وحقيقة ربه وخالقه، ومعرفة حقائق الوجود الأخرى. ولم يروِ هذا الظمأ الديني التقدمُ العلمي أو التقني ولا تلك الإبداعات الفنيّة والأدبية التي تعجّ بها الأوساط الغربية. فالإنسان بفطرته لا يقنعه علم ولا أدب، ولا فنّ ولا ثقافة، ولا يملأ فراغ نفسه زينة أو متعة، ويظلّ قلق النّفس، مضطرب المشاعر، ظمآن العقل، جوعان الروح، ممتلئ بالاغتراب والشعور بالفراغ والنقص، حتى يهتدي إلى ربه. فتهدأ نفسه، وتستقرّ روحه، ويُروى ظمأ عقله، ويشبع نهم روحه، ويجد ذاته بعيدة عن كلّ اغتراب. وهذا ما عبّر عنه الكثير من الفلاسفة المعاصرين الذين رأوا أنّهم أصبحوا أمام مرحلة جديدة من مراحل التفلسف، وهو التفلسف الذي يُعلن عن نفسه عبر قطيعةٍ معرفيّةٍ مع فلسفة الأنوار وفلسفة القرن التاسع عشر، أي أنّه نوع من التفلسف الذي يتصالح فيه التنظير الفلسفي مع الإيمان الديني. ولا شكّ أنّ إرهاصات هذه المرحلة قد بدأت مبكرًا جدًا، ففيلسوف البرجماتية الأكبر وليم جيمس وهو الطبيب النفسي الشهير يقول: «إنّ الإيمان الديني هو – بلا شك- أعظم علاج للقلق»، وأفاض في تأكيد هذه الحقيقة عالم النفس والطبيب النفسي الشهير «هنري لنك» عبر كتابه الأشهر «العودة إلى الإيمان» ، كما زادها تأكيدًا المؤرخ الفيلسوف الشهير أرنولد توينبي، حيث قال: «الدين إحدى الملكات الطبيعية البشرية، وحسبنا القول إنّ افتقار المرء للدين يدفعه إلى حالة من اليأس الروحي، تضطره إلى التماس العزاء الديني على موائد لا نملك منها شيئًا». ومن ثم فما أحوجنا ونحن نتفلسف أن نضع الدين نصب أعيننا، ونعي أنّ للعقل حدودًا إذا تعداها وقع في الوهم والضلال، أو وقع في منطقة العماء Chaos حسب الفلسفة اليونانية القديمة، أو منطقة الشيء في ذاته بتعبير كانط.

* مع بداية القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا في العام (2020) بدأ العالم كلّه يعيش تحوّلات هائلة وجذريّة في المنظومة القيميّة الغربيّة مع انتشار وباء كورونا.. فقد تبيّن أنّ الآثار المترتّبة على هذا الوباء تتعدّى الجانب البيئي لتطاول مجمل الثوابت التي قامت عليها العلوم الإنسانيّة بما فيها الفلسفة.. كيف ترون هذا الحدث الجلل انطلاقًا من رؤيتكم الفلسفيّة؟

- قد داهمت جائحة الكورونا العالم على حين غرّة منه، وبدا العجز البشري واضحًا جدًا في التصدي والمقاومة لهذا الفيروس المتناهي في الصغر، وراح أهمّ المنظرين والمفكرين والأطباء بل والقادة السياسيين حول العالم يعلنون صراحة عن العجز البشري في مواجهة الفيروس المستجد الغامض، وأنّ الأمر أصبح بيد السماء بعدما تبيّن عجز البشر. ومن ثم انتقل هذا العجز العلمي من مجال العلوم الطبية والتقنية ليلقي بظلاله على مجال العلوم الإنسانيّة بما فيها الفلسفة. فقد طال التغيّر الجذري مباحث الفلسفة الرئيسة، ففي مبحث الوجود بدأ يتقدّم مبحث «الله» الحافظ للكون الكاشف للغمة، على مبحثي «الإنسان» و«الكون» اللذين سادا في عصور سابقة. فكما هو شائع أن الفكر الذي يُغَلِّب- مثلا- مفهوم (الإنسان) فإنّه يؤنسن كلّ شيء تطويعًا له، ويترتّب القول في الله والكون منطقيًا على القول في الإنسان، ويكون الصراع حول (الله والكون) هو صراع للتصوّرات البشريّة عنهما، بحيث تكون صراعات عاكسة لظروف هؤلاء المتصارعين الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. كما كان الأمر عليه في الفكر الإغريقي الذي غلَّب مفهوم الإنسان فأنسن كلّ شيء وجعل الآلهة في صورةٍ بشريّةٍ ونسب إليها الطبائع البشرية، كما نظر إلى الكون وعزا له قوى الإنسان وطبيعته وسعى لاسترضائها. كما أنّ الفكر الذي يُغلّب مفهوم (الكون) فإنّه يرى مفهوم (الإله والإنسان) عبر قوانين هذا الكون، وهي الرؤية الماديّة الخالصة. وقد كان تغليب وتقديم مفهوم الله على مفهومي (الكون) و (الإنسان) مواكبًا لسيادة عصر ما بعد العلمانية الذي بدأ يسود في الغرب بشكل ملحوظ، وكما سبق أن أشرنا أعلاه. فمع تفشي الجائحة في مقابل العجز الإنساني الواضح عن المواجهة أو مقاومة الجائحة بمفرده، أعلن الإنسان المتغطرس بقوته البشرية الزائفة في إقرار واضح بالعجز البشري أن الأمر أصبح بيد الله، فإليه يرجع الأمر كلّه.

كما طال التغيير الجذري للجائحة مبحث الأخلاق والقيم حيث أظهر مواجهة الفيروس ضرورة توحيد الجبهة البشريّة، فكان ذلك دعوة حقيقيّة لرأب الصدع الإنساني الذي أحدثته الانتصارات القوميّة والشعبوية، مؤكدًا على المصير المشترك للإنسانية كلّها، وفاضحًا لأخلاق الأنانيّة الموصومة بالعار، وكاشفًا لزيف الاختلافات الدينية والطائفية والعرقية؛ ليتأكّد الجميع أنّ المصير البشري واحد. وتتجلّى رسالة كورونا الأخلاقيّة في التأكيد على سعي العالم أثناء كورونا وما بعدها إلى مزيد من القيم الأخلاقية التي تنشد الحوار، والعيش الآمن، ومواجهة الموت والبحث عن غدٍ يحمل اطمئنان أكثر للإنسانية كلّها.

كذلك فضح الفيروس المستجد الفشل الذريع للبرجماتية وقيمها وأنصارها الراهنين، تلك النزعة الأنانية التي أعلنت سيطرتها على العالم، وتخيّلت برأسماليتها المسيطرة بأنّها قد وصلت لنهاية التاريخ. فقد تهاوت أصولها الفكرية والفلسفية التي دارت حول هذا الإنسان المتمترس وراء دروع حصينة ظنَّ أنّها قادرة على حمايته من قبيل: السلطة، والمال، والشهرة، والقبيلة، والأمة أو الدولة الوطنية. والذي وجد نفسه فجأة أعزلًا بصدرٍ عارٍ أمام الموت الذي مثَّل طوفان لا عاصم منه. فالسّلطة والجاه وأسوار القصور الرئاسيّة والحرس الجمهوري والملكي لم تستطع إيقاف الهجوم الفيروسي الذي أصاب أمراء، ورؤساء وزراء، ومستشاري ومساعدي رؤساء بعض الدول الكبرى. ولم يسعف المال المتراكم في البنوك حول العالم، أصحابه الذين سقطوا صرعى جراء الإصابة بالفيروس رغم حساباتهم البنكية الطائلة التي لم يأبه لها الفيروس ولم يُعرها اهتمامًا. ولم تُجْدِ الشهرة الطاغية للفنانين ولاعبي الكرة من الإصابة بالفيروس. ولم تعصم القبيلة والعائلة الفيروس من قتل العديد من أبنائها صغارًا وكبارًا. كما أنَّ الأمة والدولة القوية والحدود الجغرافيّة وقفت عاجزة أمام اقتحام الفيروس لحدودها دون استئذان أو تصريح دخول. وأمام سقوط المتاريس والحصون الكلاسيكية ووضوح الوهن الإنساني تهاوت بعض القيم التي انبنت على الأنانيَّة والمصلحة الذاتية، وسقطت مفاهيم الجغرافيا ودول العالم الأول في مقابل دول العالم الثالث، أو دول المركز في مقابل دول الهامش، فقد آن الأوان لسكان دول الهامش أن يتجاوزوا الاغتراب الذي مورس عليهم تاريخيًا وجغرافيًا، فالفيروس الصغير أسكت ضجيج العواصم الكبرى ونال من غرورها وكبريائها، وبرهن على أن الهيمنة الغربية لم تكن أبدًا قدرًا مقدورًا على دول الهامش ولا فكاك منها، بل أصبح بمقدور هذه الدول تجاوز تلك الهيمنة والعبور نحو غدٍ مشرق تستعيد فيه هذه الشعوب ذاتها وإرادتها المسلوبة.  لكنهم- أيضًا- لم يكونوا بمنأى عن هجوم الفيروس ودروسه العميقة التي كشفت- مع الأسف الشديد- عن هشاشة أخلاق دول الهامش ووضاعتها أيضًا. وما زالت تأثيرات جائحة كورونا تحدث تحوّلات هائلة وجذريّة في المنظومة القيميّة الغربيّة، والتي أعتقد أنها ستأخذ جهودًا كثيرة لعقود مقبلة بعد نهاية الجائحة للوقوف على آثارها الفلسفيّة المتعدّدة والمتباينة.