البحث في...
عنوان التقرير
إسم الباحث
المصدر
التاريخ
ملخص التقرير
نص التقرير
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

April / 29 / 2018  |  589أسلحة تنظيم الدولة الإسلامية ، تحقيق على مدى ثلاث سنوات في العراق وسوريا

منظمة أبحاث تسليح الصراعات كانون الأول  2017
أسلحة تنظيم الدولة الإسلامية ، تحقيق على مدى ثلاث سنوات في العراق وسوريا

 التحرير: في مقالة ترجمناها في العدد السابق [1]، يشير فريق من الباحثين من معهد «رون بول» إلى هذا البحث المطول لمنظمة «أبحاث تسليح الصراعات» كمصدر أساسي وموثق بطريقة عالية الحرفية، حول مصادر وطريقة وصول الأسلحة الحديثة إلى أيادي المنظمة الإجرامية «داعش» سواء في سوريا أو العراق. البحث بالغ الأهمية ويمكن استخدامه كوثيقة قانونية تنقل الدعم الأميركي - السعودي - التركي لداعش من مرحلة الثبوت إلى مرحلة الإثبات، ومن الاتهام السياسي إلى الأدلة القانونية الدامغة. في هذه الإدانة تعرض المنظمة النتائج والمنهجية وبلاد المنشأ التي صنعت السلاح وهي غير الدول التي اشترت ونقلت السلاح إلى أيادي الإجرام والإرهاب في سوريا والعراق.


مقدمة

في السنوات الثلاث التي توسطت شهر تموز 2014 وتشرين الثاني 2017، نشرَت منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» (CAR) فرقها التحقيقيّة في أرجاء المواقع الأمامية لقوات تنظيم الدولة الإسلامية. غطت هذه العمليات قوساً جغرافياً متتابعاً امتد من مدينة كوباني في شمال سوريا إلى جنوب العاصمة العراقية بغداد. بالرغم من أن هذا التقرير لا يقدم نظرة كلية إلى جميع أسلحة داعش ومصادرها، إلا أنه بالتأكيد أكثر الدراسات شمولية وموثوقية حول أسلحة التنظيم إلى حد الآن.

يقدم هذا التقرير تحليلاً لأكثر من أربعين ألف قطعة سلاح جرى استردادها من قوات داعش بين عامي 2014 و2016، وقد وصلت الكثير من هذه القطع إلى قبضة التنظيم عبر شحناتٍ ضمت الآلاف. اشتملتْ هذه القطع على أسلحةٍ وذخائر ومكوّنات قابلة للاقتفاء ومواد كيميائية استخدمتها قوّات داعش لتصنيع أجهزة التفجير المرتجلة (IED). بمعونة التآزر الكثيف للحكومات المحلية والشركات المصنعة، اقتفت منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» أثر العديد من هذه القطع لكي تحدد بدقة خطوط الإمداد المسؤولة عن نقل هذه الأسلحة من أماكن تصنيعها إلى مناطق النزاع في العراق وسوريا. لقد شكلت بعض المعلومات الواردة في هذا التقرير أساساً للعديد من الدعوات الجنائية ومن ضمنها تحقيقات أجرتها الشرطة البلجيكية حول الإمدادات التي تحتوي على مكونات أجهزة التفجير المرتجلة. توصل التقرير إلى النتائج التالية:

نحو 90 % من أسلحة تنظيم داعش وذخائره (97 في المئة من الأسلحة و87 في المئة من الذخائر) هي عيارات سبق أن جرى استخدامها في دول «حلف وارسو» ومنشأها الرئيسي هو الصين وروسيا والدول الأوروبيّة الشرقية المصنعة للأسلحة. تدنى بشكلٍ كبير استخدام تنظيم داعش لأسلحة الناتو وذخائره إذ شكلت 3 في المئة و13 في المئة من المجموع على التوالي. بالرغم من أنّ هذه النسب منخفضة، إلّا أنّ التنظيم قد استولى على كميّات كبيرة من أسلحة الناتو خلال الهجمات الأولية على القوات العراقية في عام 2014.

أحد المصادر المهمة لأسلحة تنظيم داعش وذخائره هو إعادة النقل غير المشروع، أي انتهاك الاتفاقيات التي تقوم عبرها الحكومة المصدرة بحظر إعادة نقل العتاد العسكري من قبل الحكومة المتلقية إلى جهة ثالثة من دون إذن مسبق. قدمت الولايات المتحدة والسعودية معظم هذا العتاد من دون ترخيص، ويبدو أنه أُرسِل إلى القوّات السورية المعارضة. يتشكل هذا العتاد العسكريّ الذي جرى استرداده من قوات داعش من أعيرة وذخائر «حلف وارسو» بشكلٍ حصري، وقد اشترته الولايات المتحدة والسعودية من دول شرق أوروبا ذات العضوية في الاتحاد الأوروبي.

تظهر وثائق منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» أن أسرع حالات النقل غير المشروع جرت عبر إيصال صواريخ متطوّرة مُوجَّهة ومضادّة للدبابات. صنعت هذه الصواريخ في الاتحاد الأوروبي، وبيعت للولايات المتحدة، وزودت بـها أحـــد الأحــزاب في الصـراع السوري، ونقلت إلى قوّات داعش في العراق. وثق فريق التحقيق الميدانيّ التابع لمنظّمة «أبحــاث تسليح الصراعــات» هذه الصواريخ بعد أن استولى عليها من قوّات داعش، وقد أُنجزت جميعُ المعاملات المتعلقة بنقل هذه الصواريخ خلال شهرين من موعد إرسالها من المصنع الرئيسي.

ساهمت عمليّة إدخال العتاد العسكري من قِبل جهات خارجية في النزاع السوري ـ خصوصاً الولايات المتحدة والسعودية ـ بشكل غير مباشر في تمكين قوات داعش من حيازة كميات كبيرة من الذخيرة المضادة للدروع. تضمنت هذه الأسلحة الصواريخ الموجهة ضد الدبابات والعديد من أنواع الصواريخ ذات الرأس الحربي المزدوج المصمّمة لإلحاق الهزيمة بالمدرعات التفاعليّة الحديثة، وما زالت تشكل هذه المنظومات تهديداً كبيراً لتحالف القوات المتراصّة ضدّ داعش.

تقف روسيا والصين معا وراء تصنيع أكثر من 50 في المئة من الأسلحة والذخائر التي استحوذت عليها قوّات داعش. أما البلدان المنخرطة سابقاً في «حلف وارسو» والمنضوية اليوم تحت الاتّحاد الأوروبيّ، فقد صنعت نسبة كبيرة من العتاد العسكري المتبقي (أي أكثر من 30 في المئة من الأسلحة و20 في المئة من الذخائر).

تختلفُ مصادر الأسلحة التي استخدمتها قوّاتُ داعش في العراق عن مصادر تلك الأسلحة التي استخدمتها في سوريا. أنتجتِ الصين معظم العتاد (بما فيه الأسلحة والذخائر) الذي استخدمه التنظيم في الدولتين، ولكن يفوق عدد الأسلحة المصنعة روسياً والمستخدمة من قبل التنظيم في سوريا عدد الأسلحة المصنعة في الصين ـ ويحتمل أن هذا الواقع يعكس الإمدادات الروسيّة المرسَلة إلى النظام السوريّ. تتطابق العديد من أسلحة التنظيم في مناطق عمليّاته مع أسلحة النظامين الروسي والسوري، وتدعم هذه الاكتشافات الافتراضات المنتشرة التي تفيد أن تنظيم داعش قد استحوذ بشكل أولي على عتاده العسكري من القوّات العراقية والسورية الحكومية.

نصف الأسلحة تقريباً التي وثقتها منظمة «أبحاث تسليح الصراعات»  (845) تمتازُ بأرقامٍ تسلسليّة تتشابهُ في سياقها مع الأرقام التسلسليّة للأسلحة الأخرى المماثلة في العيّنة، ويمكن تصنيفها ضمن 240 مجموعة صُنِّعت في مصانع الإنتاج نفسها وربما جرى تصديرها في نفس الدفعات أو عبر شحنات متتالية.

على خلاف أسلحة التنظيم، فإن مخزوناته من الذخائر تميل إلى أن تكون معاصِرة الصنع. شكلت الأسلحة المصنوعة خلال العقد الراهن (2010-2017) أقل من 2 في المئة من المجموع العام لأسلحة التنظيم بينما جرى تصنيع 60 في المئة من هذه الأسلحة قبل عام 1990. في تباين ملحوظ، يرجع تاريخ صناعة أكثر من 15 في المئة من ذخائر التنظيم إلى الفترة الزمنيّة الممتدّة بين 2010-2017، وقد جرى تصنيع معظم هذه الذخائر وإرسالها بعد بداية النزاع السوريّ. تؤكد هذه النتائج الدور المحوري الذي تلعبه مخزونات الذخائر المصنعة حديثاً ـ والمنقولة مؤخراً ـ على مواصلة التمرد العسكري والإرهاب حول العالم.

 40 في المئة تقريباً من جميع الصواريخ المضادة للدروع من نوع 40mm (PG-7) و73mm (PG-9) التي استخدمها تنظيم داعش في العــراق قد جرى تصنيعها في السـنوات الأربـــع الماضــية (2014-2017)، وهي الفترة التي أضحـى فيها التنظيم طرفاً أساسياً في الصراعين الدائرين في العراق وسوريا. أنتجت الدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبيّ نحو 20 في المئة من هذه الصواريخ المصنَّعة بعد عام 2014 (إضافةً إلى 40 في المئة من الصواريخ منذ عام 2010)، وهذا واقعٌ يتعارضُ بشكلٍ غريب مع الجهود الموازية للاتّحاد الأوروبيّ الرامية إلى تقويض قدرة تنظيم داعش على شنّ الحروب وارتكاب العمليّات الإرهابية وإلى التخفيف من حدّة الآثار الدوليّة للصراع السوريّ.

تظهر عينة واسعة من العتاد العسكريّ المسترجع من داعش الذي وثقته منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» أدلة على أنّ الأطراف المتورّطة قد سعت نحو إخفاء مصادر هذا العتاد. تضمنّت هذه الجهود إزالة الذخائر من صناديقها الأصليّة لكي لا تظهر المعلومات المتعلقة بعمليّة الشحن، وإعادة توضيب الذخائر، ومحو علامات الجهة المصنعة عن الأسلحة والذخائر من خلال طليها أو كشطها. تثبت هذه الإجراءات المحاولات المتعمدة التي قامت بها الأطراف المزودة من أجل إخفاء تورطها في إرسال الأسلحة إلى العراق وسوريا بالرغم من أن هاتين الدولتين لا تخضعان لحظر الأمم المتحدة على الأسلحة.

استخدمت قوات داعش الأسلحة والذخائر المصنعة في مناطق أخرى متضررة من النزاعات واستفادت من العتاد الجيد المنقول إلى تلك المناطق. تضمنت حالات النقل بين مناطق الصراعات : تحويل الأسلحة من المخزون الاحتياطي الوطني الليبي ونقلها إلى سوريا والعراق، نقل الذخائر التي شحنتها الدول الأوروبية الشرقية إلى الولايات المتحدة أساساً (وقد وثقت منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» وجود هذه الذخائر في الصومال أيضاً)، العثور على أرقام شحنات مماثلة على صواريخ داعش في العراق وسوريا واليمن، ووجود أسلحة متطابقة ومليئة بذخائر مماثلة في أوساط مقاتلي داعش في سوريا كانت قد تداولتها في السابق مجموعاتٌ مسلحة غير حكومية في جنوب السودان بعد أن زودتها بها الحكومة السودانيّة بشكل غير قانوني. تبرز هذه النتائج أنه قد جرى تفعيل قنوات تحويل الأسلحة نفسها بين مناطق النزاعات غير المرتبطة في أفريقيا والشرق الأوسط.

اعتمدت قوات داعش على تدفق ثابت من المنتجات التجارية والسلع التفجيرية من أجل تصنيع أعدادٍ غير مسبوقة من أجهزة التفجير المرتجلة (IED). شكلت الأراضي التركية المصدر الرئيسي ـ ولكن ليس الحصري ـ لسلائف المتفجرات الكيميائية (نترات الأمونيوم، نِترات البوتاسيوم، معجون الألومينيوم، والسوربيتول)، وأسلاك التفجير، والصواعق، والمستوعبات الحاوية للمواد الرئيسية للـIED والمكوّنات الثانوية لها التي استخدمتها قوّاتُ داعش. حدّدتْ منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» الأطراف المسؤولة عن شراء هذه المكونات في السوق التركي والتي قامت بتزويد مجموعة من قوات المعارضة في شمال سوريا بها ومن ضمنها المجموعات السلفية الجهادية.

وثقت منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» استخدام داعش لأعداد كبيرةٍ من السلائف الكيميائية في تصنيع المتفجرات والوقود الدفعي، وقد صنعت العديد من هذه السلائف في المعمل نفسه أوقام بتزويدها الموزع نفسه. حصلت قوات داعش على هذه السلائف بالجملة، وفي بعض الحالات تزودت بسلائف مختلفة في الوقت نفسه، ومن المرجح أن عملية الشراء بالجملة من مصدرٍ واحد ستكون بالغة الوضــوح في سجــلّات المبيعات التجارية.

وثقت منظمة «أبحــاث تسليح الصراعات» وجودَ مكونات أخرى حصلت عليها قوات داعش من المصدر نفسه ولكن في تواريخ مختلفة، وبكمّياتٍ كبيرة، وعلى مدى فترات زمنية طويلة. يشير هذا الأمر إلى امتلاك قوات داعش لسلسلة إمداد قوية تستطيع من خلالها الحصول مراراً وتكراراً على الموادّ الكيميائية من المزود نفسه.

لم يكن هذا البحث ليرى النور لولا الشراكة والمساعدة الثابتتين من قبل القوّات الأمنية العراقية والبشمركة في منطقة كردستان العراق ووحدات حماية الشعب الكرديّ في سوريا. أتاحت هذه القوات وقادتها السياسيون الفرصة التامة لفرق التحقيق الميداني التابعة لمنظمة «أبحاث تسليح الصراعات» للوصول إلى المواقع الأمامية، وسمحت باستخراج جميع الأدلة من مواقع مصادرة السلاح، وسيطرت على منشآت تصنيع الأسلحة التابعة لداعش، وضمنت سلامة الفرق خلال أشرس معارك الصراع.

تقعُ في القدر نفسه من الأهمّيّة بالنسبة لهذا البحث المساعدة الاختياريّة التي قدّمها العديد من مُصنّعي الأسلحة والذخائر والمنتجات التجاريّة المدرجة في هذا التقرير والحكومات التي ينتمون إليها. لم يتصرّف أي من هؤلاء المصنعين أو حكوماتهم بطريقةٍ غير قانونيّة، ويشهدُ تعاونهم مع منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» على قوّة التزاماتهم الوطنيّة والدوليّة للحدّ من وصول الأسلحة والعتاد إلى المستخدِمين المحظورين. تجدرُ الإشارة إلى أنّه من خلال تحديد مُنتجي الأسلحة التي جرى تحويلها بشكلٍ غير قانونيّ إلى القوّات الإرهابية، لا تلمح المنظمة بأن أيّاً من المصنّعين كان شريكا في عمليّة النقل بل الهدف هو تقديم الأدلة والمعلومات حول سلسلة الإمداد التامّة. لو أنّ منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» كانت قد فشلتْ في تقديم هذه المعلومات حول العمليّات الأساسية لسلاسل إمداد الأسلحة كبلد المنشأ، والمسار، والوجهة- لكانت نتائج هذا التقرير بلا معنى.

اتخذت منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» أكثر الخطوات حزماً لتخفيض النتائج السلبية المحتملة على أي من المنشآت التجاريّة أو الحكومات المذكورة في التقرير. بالرغم من أنّ المجموعات الاستقصائيّة قد مُنحتْ صلاحياتٍ منقطعة النظير لحيازة المعلومات حول الظروف الدقيقة لعمليّات نقل الأسلحة ـ إذ إن الحكومات الوطنيّة قد منحت المنظمة لوائح تحتوي على أسماء الوسطاء والشاحنين وأعداد الأسلحة والذخائر المشحونة بنحوٍ قانوني إضافةً إلى تفاصيل أخرى ـ إلّا أنّ المنظّمة قد امتنعت عمداً عن الإعلان عن معظم هذه المعلومات أمام المجتمع العامّ. توصلت المنظمة إلى هذا القرار من خلال إدراكها بأن المسؤول عن نقل إمدادات الأسلحة غير المشروعة ليس الشركات والدول المصنعة للأسلحة بل الحكومات والجهات التي تحصل على الأسلحة بشكل مشروع ولكنها تقوم فيما بعد بتحويلها إلى المستخدِمين المحظورين.

في أقل تقدير، ساهم التوثيق المذكور في هذا التقرير حول عملية تحويل الأسلحة بإزالة الثقة التي كانت تضعها السلطات المصدرة في الحكومات المتلقية. أما في أسوأ الأحوال، فقد وقعت عمليات التحويل بشكل مخالف للاتفاقيات الموقَّعة التي تُلزم الحكومات المتلقيّة بعدم إعادة نقل العتاد العسكري من دون إذن مسبق من المصدر الرئيسي.

يخلص هذا التقرير إلى نتيجةٍ مفادها أنّ الإمدادات الدوليّة من الأسلحة المرسَلة إلى أطراف النزاع في سوريا قد عزّزت بشكلٍ كبيرٍ من كميّة ونوع الأسلحة المتاحة لقوّات داعش، وقد تجاوزت هذه الأرقام بشكلٍ كبير أعدادَ الأسلحة التي كان التنظيمُ يمكن أن يحصل عليها على أرض المعركة فحسب.

جرى توثيق الاستيلاء المكثَّف لقوّات داعش على الأسلحة من وحدات قوّات الدفاع والأمن العراقيّ ـ خصوصاً في عام 2014 ـ بشكلٍ جيّد. ولكنّ المعلومة التي تفيد بأن التنظيم قد اكتسب الأسلحة بشكلٍ سريع (غالباً في غضون أشهر) من مجموعةٍ من الدول غير المحلّيّة ليست معروفةً بالمستوى نفسه. خصوصاً، يصعب تقدير أثر اقتناء التنظيم للأسلحة المضادّة للدروع في قدرته العملياتية، ولكن هذه الأسلحة ما زالت تشكل تهديداً بالغاً لقوات التحالف المسلحة.

تُمثِّلُ هذه النتائج تنبيهاً قوياً إلى التناقضات الكامنة في إدخال الأسلحة في النزاعات المسلَّحة حيث توجد العديد من المجموعات المسلّحة غير الحكوميّة المتنافسة أو المتداخلة، وتحت هذه الظروف تصعب السيطرة بشكلٍ فعال على المجموعات التي ستحصل في النهاية على هذه الأسلحة. كما يظهر في هذا التقرير، فإن قوات داعش في العراق وسوريا قد استخدمت عدداً كبيراً من الأسلحة المزوَّدة من دولٍ كالسعوديّة والولايات المتّحدة ضدّ التحالفات الدوليّة المتنوّعة المناهضة للتنظيم والتي تدعمها هاتان الدولتان.

ساهمتِ العمليات العسكريّة الدوليّة بتراجع القدرة العسكريّة لقوّات داعش بشكلٍ كبير وقلّصت من سيطرة هذه القوّات على الأراضي. يُحتمل أنّ انحسار الأراضي التي استحوذ عليها التنظيم قد أعاق قدرته على الاستفادة من الأسلحة المرسَلة إلى الأطراف غير الحكوميّة في النزاع السوريّ. بالرغم من ذلك، ما زال يشكل هذا التنظيمُ خطراً كبيراً على الأمن المحلّيّ والدوليّ، وتُعزِّز بعض الاكتشافات المذكورة في هذا التقرير تلك الملاحظات وتتضمّنُ التالي:

يمتلك التنظيم منظومات تسليحية متطورة سوف تشكل تهديداً للقوات المحلية والدولية في السنوات المقبلة.

أظهر التنظيم قدرته على صناعة الأسلحة المرتجلة وصواريخ الـIED على نطاق واسع وبشكل متطور.

يستطيع التنظيم الاستفادة من الأسواق التجارية المحلية والدولية للحصول على سلائف كيميائية ومنتجات جاهزة لتطوير أسلحة «جديدة».

حينما نضم النفوذ العالمي، والقدرة اللوجستية والتنظيمية المثبتة، والمجندين المستعدين حول العالم، فإن هذه العوامل تُترجم إلى قدرة قابلة للتصدير ترمي إلى نشر التمرد والإرهاب خارج حدود المنطقة.

ملاحظات على المنهجية

انتشرت فرق تحقيق منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» على امتداد الخطوط الأمامية لداعش من شهر تموز 2014 إلى تشرين الثاني 2017 في العراق، ومن تموز 2014 إلى أيلول 2015 في سوريا (بسبب القيود التي وضعتها حكومة إقليم كردستان العراقيّة على عبور الحدود)، وقد حالتْ الفترات المتباينة لعمليات انتشار الفرق دون التوصُّل إلى مقارناتٍ معيّنة.

باستثناء الفترات التي جرى إمضاؤها في السفر واتخاذ الترتيبات اللوجستية، أمضت المجموعات 111 يوماً في تفحص الأسلحة المنتشرة في أرجاء المنطقة وتوثيقها، وقد أجرَت الفرق 84 زيارة لمواقع داعش في العراق و27 زيارة لمواقعهم في سوريا. منذ تموز 2014، وثّقت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» 1,270 قطعة سلاح و29,168 وحدة ذخيرة في العراق، إضافةً إلى 562 قطعة سلاح و11,816 وحدة ذخيرة في سوريا، وقد بلغ مجموع هذه الأرقام 1,832 قطعة سلاح و40,984 وحدة ذخيرة جرى الحصول عليها من قوّات داعش في انحاء المنطقة.

تمتّع محقّقو منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بمؤازرةٍ كبيرة من مجموعةٍ من القوّات المسلَّحة الحكوميّة وغير الحكوميّة في العراق وسوريا منذ عام 2014. بسبب عدم وجود سياسةٍ أو منظومةٍ ثابتة لتخزين الأسلحة والذخائر أو تسجيلها في أوساط هذه القوّات المتباينة، استحال تحديد: أ) جميع الحالات التي حصلت فيها القوّات الحكوميّة أو غير الحكوميّة على أسلحةٍ وذخائر من قوات داعش؛ أو ب) أماكن وجود تلك الأسلحة. بالتالي، فإنّ الوصول إلى جميع العتاد المسترجَع من داعش يُمثِّلُ مهمّةً متعذِّرة ولكن بالرغم من هذه المحدوديّات إلّا أنّ العتاد الذي وثّقته منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» يُشكِّل أكثر العيِّنات شموليةً حول الأسلحة والذخائر التي جرى الاستيلاء عليها من داعش إلى هذا التاريخ.

تجدر الإشارة إلى أن منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» قد نشرت فرق التحقيق الميدانيّ التابعة لها على امتداد جميع خطوط داعش الأماميّة في العراق، إلّا أنّ انتشار هذه المجموعات في سوريا قد اقتصر على الأراضي التي تُسيطر عليها القوّات الكرديّة السوريّة في شمال شرق البلاد.

تتمثّلُ مهامّ المنظّمة بتصوير العتاد المحظور في موضعه الأصليّ وتوثيقه، والحصول على سجّلات أجهزة تحديد المواقع ومواضع التوثيق، وتخطيط المعلومات السياقيّة المستَخرجة من المقابلات مع السلطات الممتلِكة للأعتدة المحظورة أو الأفراد والمجموعات غير الحكوميّة المتورِّطة في تهريب الأسلحة. تقومُ المنظّمة أحياناً باستخدام المعلومات والصور الواردة في وسائل التواصل الاجتماعيّ ولكنّها لا تبني التحقيقات عليها لأنّه يصعبُ غالباً التثبُّت من مصادر هذه المعطيات. علاوةً على ذلك، لا تُقدِّمُ المعلومات المستقاة من المصادر المفتوحة على الدوام معالمَ تفصيليّة ملموسة خصوصاً العلامات الخارجيّة والداخليّة المطلوبة لاقتفاء آثار الأسلحة والذخائر. على العموم، لا يُمكن الحصول على المعلومات إلّا من خلال الفحص الحسّيّ.

لا تتعقب منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» إلّا جزءاً من القطع العسكرية التي قامت بتوثيقها ميدانياً، وغالباً ما يحملُ هذا العتاد المتتبَّع أهمّيةً خاصّة بالنسبة لتحقيقات المنظّمة. إذا أردنا تعقُّب كلّ قطعةٍ على حدة، فإن ذلك سوف يضعُ عبئاً ثقيلاً على الحكومات المحلّية والشركات المصنِّعة المعنيّة. علاوةً على ذلك، فإنّ بعض القطع الموثّقة هي غير قابلة للتعقُّب. على سبيل المثال، تفتقدُ معظم ذخائر العيارات الصغيرة المفكّكة على رقم الشحنة المطلوب من أجل تحديد إنتاجها ومبيعاتها وسجلات تصديرها. كذلك، فإن السجلّات التي تحتوي على معلومات إنتاج وبيع وتصدير العديد من الأسلحة القديمة لم تعد متوفِّرة.

ما لم ينصّ التقرير على خلافه، فإن أية إشارة إلى دول المنشأ، أو الشركات المصنِّعة، أو الأحزاب الوسيطة، أو الموزّعين، أو المستخدِمين المقصودين لا تُلمِّحُ إلى فعلٍ غير قانوني من قِبل الجهات المذكورة. تود منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» أن تُنوِّه بالتعاون الذي قدّمته الحكومات والشركات التي كان تجاوبها مع طلبات التعقُّب المطلوبة من قبل المنظّمة أمراً بالغ الأهميّة بالنسبة للتحقيقات المستمرة. وما لم يُذكر خلاف ذلك، فإنّ جميع العتاد الذي تناوله التقرير قد جرى الاستيلاء عليه من قوّات داعش وقامت المنظّمة بدورها بتوثيقه. حدّدت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» الدول المصنِّعة للأسلحة والعتاد من خلال استجابة الدول المنتِجة لطلبات التعقُّب أو استناداً إلى الميزات أو العلامات الموجودة على الأسلحة والذخائر بحدِّ ذاتها.

القسم الأول

العتاد العسكري التقليدي

تختلفُ مصادر الأسلحة والذخائر التقليديّة المنتَجَة في المصانع والمستَخدَمة من قبل قوّات داعش عن مصادر التنظيم من سلائف ومكوّنات الـIED، فالصنف الأوّل يتشكّل على نحوٍ رئيسيّ من الأسلحة العسكريّة وأمّا الصنف الثاني فإنّه يتألّفُ بمعظمه من السلع المدنيّة التي تُباع في السوق. يأخذُ التقرير هذه الاختلافات بعين الاعتبار، فيتّجه لمناقشة «السوقين» أحدهما بمعزل عن الآخر. يتناولُ هذا القسم مسألة حيازة تنظيم داعش للأسلحة والذخائر التقليديّة بينما يستعرضُ القسمُ الثاني الاكتشافات المتعلِّقة بحصول التنظيم على سلائف ومكوّنات الـIED والعتاد المرتبط بها.

البيانات الأساسيّة حول أسلحة وذخائر الدولة الإسلاميّة

أ) البيانات الأساسيّة حول الأسلحة

أنواعها

يهدفُ هذا القسم من التقرير إلى بيان أعداد الأسلحة التي استخدمتها قوّات داعش في العراق وسوريا وأنواعها ومصادرها. على نحوٍ إجماليّ، وثّقت فرق التحقيق الميدانيّ التابعة لمنظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» والعاملة على جانبي الحدود العراقيّة ـ السوريّة 1,832 قطعة سلاح مخصَّصة بأجمعها للتناسُب مع ذخائر دول حلف وارسو. صُمِّمتْ هذه الأسلحة في الاتّحاد السوفييتيّ ولكنّها صُدِّرت في وقتٍ لاحق وأُنتِجت في دولٍ مُصطفّة كالصين وحكوماتٍ مختلفة في شرق أوروبا والعراق. بالرغم من التشابه في الأعيرة الناريّة، توجدُ اختلافاتٌ كبيرة في أنواع الأسلحة التي حصل عليها التنظيم وقام باستخدامها على جانبي الحدود، وتكشفُ هذه التباينات عن مصادر تصديرٍ مختلفة.

يُشيرُ تحليل الأسلحة التي تمّ توثيقها وفقاً لأعيرتها إلى أنّ أغلبيّة الأسلحة الخفيفة التي جرى الاستيلاء عليها قد خُصِّصتْ لذخائر حلف وارسو (97 في المئة من العيّنة المحلّية من الأسلحة الخفيفة) بينما خُصِّصتْ نسبةٌ صغيرةٌ فقط لأعيرة حلف الناتو (3 في المئة من العيّنة).

أكثر أنواع الأسلحة انتشاراً في المنطقة هو البندقية الهجوميّة من نوع AK المخصّصة لعيار 7.62x39mm، أمّا البنادق المخصَّصة لعيار 5.56×45mm فإنّها تُشكِّلُ جزءاً صغيراً فحسب من مجموع الأسلحة الموثَّقة.

يبدو أنّ معلومات منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» حول الأسلحة المستعادة من داعش تُناقضُ الرواية التي تُفيدُ أنّ قوّات التنظيم قد استخدمت كمّيةً كبيرةً من البنادق المصنوعة في الولايات المتّحدة المخصّصة لأعيرة حلف الناتو والتي حصل عليها التنظيم وفق التقارير خلال هجماته في عام 2014 التي أدّت إلى سيطرته على الموصل. لقد قام تنظيمُ داعش بترويج هذا الخبر في حملته الدعائية حيث عرض مراراً من خلال الصور والفيديوات على الشبكة العنكبوتيّة أسلحةً مصنوعةً في الولايات المتّحدة.

قد تُساهمُ عدّة عوامل في توضيح هذه النتائج. أوّلاً: في المناطق التي تسودُ فيها أعيرة حلف وارسو المستخدَمَة من قبل المجموعات الحكوميّة وغير الحكوميّة، فإنّ استخدام الأعيرة الموحَّدة يُسهِّلُ العمليّات اللوجستيّة وإعادة التموين. ثانياً، تُعتبر البنادق المخصَّصة لعيار 5.56×45mm بشكلٍ عام لقطةً ثمينة ومن الممكن أنّه أُعيدَ توزيعها وتحويلها مجدّداً بعد مدّةٍ قصيرة من استعادتها من قوّات داعش وذلك قُبيل وصول فرق التحقيق الميدانيّ التابعة لمنظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» إلى الموقع.

شكّلت مجموعةٌ كبيرةٌ من الرشّاشات الخفيفة المخصّصة لعيار 7.62x39mm التي جرى تحصيلها في أواخر تموز من عام 2017 قرب الموصل أغلب الأسلحة من هذا النوع التي تمّ توثيقها في العراق.

بلاد المنشأ

تقفُ الصين والدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبيّ التي كانت تنتمي سابقاً إلى حلف وارسو (كهنغاريا ورومانيا) وراء تصنيع أغلبيّة الأسلحة التي جرى توثيقها من قبل منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» في العراق. أمّا المعطيات في سوريا، فإنّها تُظهرُ اتّجاهاً مختلفاً حيث يعود تصنيعُ أغلبيّة الأسلحة هناك إلى روسيا وتتبعها الصين وتأتي بعدها دول الاتّحاد الأوروبيّ التي كانت جزءاً من حلف وارسو (رومانيا، هنغاريا، وبلغاريا).

صنّعتْ الولاياتُ المتّحدة نسبةً ضيئلةً فقط (2 في المئة) من الأسلحة التي جرى تحصيلها من قوّات داعش وتوثيقها في المنطقة.

صنّعت دول الاتّحاد الأوروبيّ المنتمية سابقاً إلى حلف وارسو 28 في المئة من الأسلحة الموثَّقة في العراق و42 في المئة من الأسلحة الموثَّقة في سوريا. تُظهرُ هذه النتائج أنّه إضافةً إلى الأسلحة الموجودة في العراق قبل 2003 وفي سوريا قبل 2011، قامت دولٌ منتمية إلى طرفٍ ثالث بتزويد الفاعلين في هاتين الدولتين بأسلحةٍ إضافيّةٍ من عتاد حلف وارسو. تتطابقُ هذه الأسلحة مع ذخائر حلف وارسو ذات التداول الواسع في المنطقة.

يُمثِّلُ الإنتاج المحلّيّ 3 في المئة من العتاد العسكريّ الذي جرى توثيقه في العراق. إضافةً إلى ذلك، تُظهِرُ 127 قطعة سلاح جرى توثيقها في العراق (10 في المئة من عيّنة الأسلحة التي جرى توثيقها هناك) علاماتٍ واضحة تدلّ على مستودعاتها العراقيّة ممّا يعني أنّه جرى استيرادها إلى العراق قبل بدء الحرب في 2003 وجرى ضمّها إلى المخزون الاحتياطيّ العراقيّ. أمّا في سوريا، فقد قامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيق 17 قطعة سلاح مصنَّعة في العراق و44 قطعة سلاح تحملُ علامات مستودعات الأسلحة العراقيّة (أي 8 في المئة من عيّنة الأسلحة التي جرى توثيقها في البلاد).

تُظهرُ هذه المعلومات أنّه جرى إنتاجُ نسبةٍ كبيرة من الأسلحة ـ واحتمال تصديرها إلى المنطقة ـ بين أعوام 1960 و1989. بما أنّ أغلبيّة الأسلحة التي جرى توثيقها في المنطقة قد صُنِّعتْ في الدول المنتمية سابقاً إلى حلف وارسو، يُفسَّر ذلك على نحوٍ معقول كنتيجةٍ لعمليّات نقل الأسلحة التي جرت خلال الحرب الباردة والتحويلات الإضافيّة التي حصلت فوراً بعد نهاية الحرب.

خضع العراق منذ شهر آب عام 1990 إلى حظرٍ للأسلحة من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة. بعد غزو العراق في عام 2003، عدّل مجلسُ الأمن من قرار الحظر ورفَعَ القيود عن عملية تصدير الأسلحة والموادّ المتّصلة بها إلى الحكومة العراقيّة والقوّات المتعدِّدة الجنسيات. تُعَدُّ العقوبات السابقة عن عام 2003 سبباً منطقيّاً للأعداد المتدنِّية نسبيّاً من الأسلحة التي جرى إنتاجها في سنوات التسعينيّات.

تقفُ الصين وبلغاريا ورومانيا وراء إنتاج أكبر نسبةٍ من الأسلحة المصنّعة حديثاً المستَولى عليها من قوّات داعش التي جرى توثيقها من قبل منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات». يعودُ منشأ أكثر من 50 في المئة من الأسلحة الموثَّقة في سوريا والمصنَّعة بعد عام 2000 إلى دولة بلغاريا، وتأتي الأسلحة المصنَّعة في إيران ورومانيا خلف الإنتاج البلغاري حيث يبلغُ مقدار كلٍّ منها 15 في المئة من عيّنة الأسلحة في سوريا.

خُلاصة

تركّز اهتمامٌ دوليٌ كبيرٌ على قيام قوّات داعش بالسيطرة على أسلحةٍ مصنَّعة في الولايات المتّحدة إلا أنّ هذه الأسلحة قد شكّلتْ 2 في المئة فقط من حصص التنظيم في العراق وسوريا. معظم الأسلحة التي استخدمها التنظيم هي أعيرة حلف وارسو التي يكثرُ استخدامها من قبل القوّات العراقيّة والسوريّة ومن قبل القوّات المعارِضة المنضوية في النزاع السوريّ أيضاً. تعكسُ المصادر النهائيّة لهذه الأسلحة توجُّهاتٍ واسعةٍ في السوق العالميّة نحو العتاد المخصّص لمنظّمة حلف وارسو. تأتي الصين في المرتبة الأولى من حيث إنتاج الأسلحة، وتُشكِّلُ الأسلحة المصنَّعة في دول شرق أوروبا ذات العضويّة في الاتّحاد الأوروبيّ معظم العتاد المتبقّي الذي استخدمته قوّات داعش على جانبي الحدود العراقيّة ـ السوريّة. تأتي الأسلحة المصنَّعة روسياً في المرتبة الثانية من حيث الاستخدام من قبل قوّات داعش في سوريا ولكن ليس في العراق (ولعلّ السبب في ذلك هو الدعم الروسيّ للنظام السوريّ ونجاح قوّات داعش بالاستيلاء على هذه الأسلحة لاحقاً).

ب) البيانات الأساسيّة حول الذخائر

تُقدّم الأقسام الفرعيّة التالية معلوماتٍ حول كميّات الذخائر التي استخدمتها قوّات داعش في العراق وسوريا وأنواعها ومصادرها. على نحوٍ إجماليّ، وثّقتْ فرقُ التحقيق الميدانيّ التابعة لمنظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» 40,984 وحدة ذخيرة في العراق وسوريا (تنقسم إلى 29,168 وحدة في العراق و11,816 وحدة في سوريا)، وقد صُنّعت هذه الذخائر في 38 دولة.

تُشكّل ذخائر العيارات الصغيرة المستخدَمَة في البنادق الهجوميّة والمدافع الرشّاشة نحو 93 في المئة من مجموع الكميّة التي قامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيقها. يفرضُ هذا الواقع قيوداً على التحليل لأنّه نادراً ما تُوضع العلامات الرقميّة على ذخائر العيارات الصغيرة غير الموضوعة في الصناديق، وهذه العلامات ضروريّةٌ لتحديد شحنات الذخائر في سجلّات الإنتاج أو التصدير. بشكلٍ عام، توضع المعلومات الضروريّة على صناديق الذخائر، وقد استولت  منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» على العديد من هذه الصناديق واقتفت مصادرها. بالرغم من ذلك، تعذّر اقتفاء أثر أغلبيّة العيارات الصغيرة لأنّ المنظّمة قامت بتوثيقها بعد إفراغها من حاويات المصانع. وعليه، بالرغم من أنّ مجموعة البيانات المذكورة في هذا القسم تُقدّم نظرةً مهمّة إلى حجم إمدادات الذخائر المرسَلَة إلى مناطق النزاع في العراق وسوريا وتؤكِّد بشكلٍ قابلٍ للإثبات بعضَ الافتراضات الأساسيّة حول الاتّجاهات العامّة في حيازة قوّات داعش للذخائر، إلّا أنّها لا تستطيعُ تحديدَ خطوط الإمداد الفرديّة إلى التنظيم.

أنواعها

تُثبتُ عمليّة توثيق الذخائر وجودَ اتّجاهٍ مُشابه لما سبق أن تمّت ملاحظته فيما يتعلّق بالأسلحة حيث تُشكِّلُ ذخائر حلف وارسو 87 في المئة من عيّنة العيارات الصغيرة بينما تُشكِّل ذخائر الناتو فقط 13 في المئة فقط من هذه العيّنة.

في تمام عيّنة الذخائر، تُشكِّل العيارات الصغيرة نحو 93 في المئة من الذخائر التي جرت مصادرتها من قوّات داعش وقامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيقها. في هذه الفئة، يفوقُ عدد أعيرة 7.6×39mm و7.62×54mmR جميع الأعيرة الأخرى.

بالرغم من أنّ ذخائر 5.56×45mm تعدلُ أقلّ من 1 في المئة من العيّنة المحلّيّة المؤلَّفة من العيارات الصغيرة، إلّا أنّ فرق التحقيق الميدانيّ التابعة لمنظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» قد عثرتْ عليها في 20 موقعاً مُختلفاً. كذلك، قامت المنظّمة بتوثيق الأسلحة المخصَّصة لذخائر 5.56×45mm  في ثمانية مواضع مختلفة. تُشيرُ عمليّةُ توثيق الذخائر إلى أنّ قوّات داعش قد استخدمتْ أسلحةً مخصّصةً لذخائر الناتو إلّا أنّ هذه الأسلحة لم تُوجد في أماكن التوثيق التي قامت بزيارتها منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات».

بلاد المنشأ

تُشكِّل الذخائر الروسيّة والصينيّة أكثر من نصف العيّنة التي جرى جمعُها في العراق وسوريا، وقد صنّعتْ روسيا والصين ورومانيا معاً زُهاء 65 في المئة من العيّنة المحليّة. أمّا الدول المصنِّعة المتبقيّة التي تبلغُ نسبتها خمسةً وثلاثين في المئة، فقد قامت بتصنيع كميّاتٍ أقلّ بكثير.

إنّ الدول المصنِّعة الموجودة بشكلٍ أبرز في عيّنة الذخائر التي جرى توثيقها في العراق هي: روسيا (27 في المئة)، الصين (18 في المئة)، ورومانيا (16 في المئة). أمّا في سوريا، فإنّ الذخائر الصينية هي الأكثر شيوعاً حيث بلغتْ نحو 43 بالمئة من العيّنة وتبعتْها الذخائر الروسيّة (23 في المئة).

يُشكِّلُ الإنتاجُ المحلّيّ نسبةً ضئيلةً من العيّنة في كلٍّ من العراق (2 في المئة) وسوريا (6 في المئة).

صنّعت دول الاتّحاد الأوروبيّ قرابة 21 في المئة من الذخائر الموثَّقة في العيّنة المحلّيّة (25 في المئة في العراق و12 في المئة في سوريا) وقد بلغ عددها 8,761 قطعة جرى توثيق كلّ واحدةٍ منها على حدة.

مع أخذ تناسُق الذخائر بعين الاعتبار، من غير المفاجئ أن نجد أنّ كلّ العتاد العسكريّ تقريباً الذي يعود منشأه إلى الاتّحاد الأوروبيّ قد جرى تصنيعه في الدول المنتمية سابقاً إلى حلف وارسو. صنّعتْ رومانيا وبلغاريا وحدهما 7,251 قطعة في العيّنة، ممّا يعدل أكثر من 83 بالمئة من مجموع عيّنة الذخائر المصنَّعة في الاتحاد الأوروبيّ. قامتْ ثلاثُ دولٍ أخرى فقط في الاتّحاد الأوروبيّ بتصنيع أكثر من 100 وحدة ذخيرة في العيّنة وهي: بلجيكا، جمهورية التشيك، وسلوفاكيا.

صنّعتْ البلدان المرشَّحة للانضمام إلى الاتّحاد الأوروبيّ 7 في المئة من الذخائر الواردة في العيّنة.

   يبدو أنّ بداية الحرب الأهليّة السوريّة في عام 2011 وما تبعها من تصاعد قوّات داعش وانهيار المراكز العراقيّة المدنية الرئيسيّة كالفلوجة والموصل وتكريت في عام 2014 قد غيّر الأنماط المحلّيّة لتحويل الأسلحة والذخائر. بالتالي، فإنّ تحليل الذخائر المصنَّعة منذ عام 2010 هو أمرٌ ضروريٌّ من أجل فهم الكيفيّة التي تبدّلتْ من خلالها الاتّجاهات المحلّيّة كنتيجةٍ للصراع القائم الممتدّ.

جرى إنتاج 15 في المئة من مجموع عيّنة الذخائر في عام 2010 أو بعده، وتختلفُ المصادر الأصليّة لهذه الذخائر (راجع الرسم البيانيّ رقم 10) عن تلك الواردة في العيّنة الإجماليّة (الرسم البيانيّ رقم 6).

صنّعتْ روسيا ورومانيا النسبة الأكبر من الذخائر المتأخِّرة عن عام 2010 والتي جرى توثيقها في العراق وسوريا، وقد بلغت نسبتها أكثر من نصف العيّنة الفرعيّة.

إنّ الدول الرئيسيّة المصنِّعة للذخائر التي جرى إنتاجها بعد العام 2010 والتي جرى توثيقها في العراق هي: رومانيا (32 في المئة)، الولايات المتّحدة (19 في بالمئة)، روسيا (18 في المئة)، وبلغاريا (11 في المئة). معاً، تتحمّلُ هذه الدول مسؤولية تصنيع أغلب الذخائر المتأخِّرة عن عام 2010 التي وردتْ في العيّنة العراقيّة.

أكثر من 99 في المئة من الذخائر المصنَّعة في الولايات المتّحدة ورومانيا بعد عام 2010 وأكثر من 85 في المئة من الذخائر المصنَّعة في بلغارايا وإيران بعد عام 2010 قد انصبَّتْ في العيِّنة العراقيّة التي قامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيقها في المنطقة.

أكثر من 80 في المئة من عيّنة الذخائر المصنَّعة بعد عام 2010 التي جرى توثيقها في سوريا تعودُ في تصنيعها إلى الصين وروسيا.

في سوريا، توجدُ أدلّةٌ أقلّ بكثير من العراق على وجود الذخائر المصنّعة في الاتّحاد الأوروبيّ والولايات المتّحدة بعد عام 2010. 6 في المئة فقط من عيّنة الذخائر السوريّة هي بلغاريّة الصنع، وقد قامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيق خرطوش ذخيرةٍ واحدٍ فقط جرى تصنيعه في الولايات المتّحدة.

تُشكِّل الذخائر الصينيّة 25 في المئة من تمام العيّنة المحلّيّة للذخائر إلّا أنّه جرى تصنيع 6 في المئة فقط من هذه الذخائر بعد عام 2010.

مقارنةً مع الدول الأخرى، فإنّ كمّيات الذخائر المصنّعة في إيران التي جرى توثيقها هي قليلة. بالرغم من ذلك، فإنّ أكثر من نصف عيّنة الذخائر الإيرانيّة التي جرى توثيقها في المنطقة يعودُ تصنيعُها إلى ما بعد عام 2010. في العراق، يعود تاريخُ تصنيع 57 في المئة من الذخائر الإيرانيّة التي وثّقتها منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» إلى ما بعد 2010، وأمّا نسبة هذه الذخائر في سوريا فقد بلغتْ 28 في المئة.

انعدم التصنيع المحلّيّ العراقيّ للذخائر بعد عام 2010 حيث إنّ قرار إعادة اصطفاف الشركات الصناعيّة العسكريّة الصادر في 2004 (أمر سلطة الائتلاف المؤقّتة رقم 75) قد أخرج مصانع الأسلحة العراقيّة عن حيّز العمل.

ولكن من ناحيةٍ أخرى، قامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيق 18 خراطيش سوريّة جرى تصنيعها بين عامي 2010 و2012 وثمانية خراطيش جرى تصنيعها في 2013. تُشيرُ هذه الاكتشافات إلى أنّه بالرغم من الحرب الأهلية المستمرّة في سوريا، إلأ أنّ الحكومة السوريّة قد حافظت على جزءٍ من قدرتها على تصنيع الذخائر.

من بين الذخائر التي جرى توثيقها، جرى تصنيع ما مجموعه 212 وحدة ذخيرة في عام 2016، وقد أنتجت إيران أغلبية هذه الذخائر وتبعتها بلغاريا والصين.

صواريخ الـ40 mm و73 mm

تُشكِّل الصواريخ ثاني أكبر مجموعة من الذخائر التي جرى توثيقها، ولكن مع ذلك فإنّها تُمثِّل 3 في المئة فقط من مجموع العيّنة المحلّيّة. تُشكِّل هذه الصواريخ  ـ مع شحناتها الدافعة الرئيسيّة (صواريخ الـ40 mm لقاذفات الآر.بي.جي، وصواريخ الـ73 mm لمدافع الـSPG-9 عديمة الارتداد)- 55 في المئة و37 في المئة من العيّنة المحلّيّة للصواريخ على التوالي.

أنتج المصنِّعون في بلغاريا والصين وإيران أغلب صواريخ الـ40 mm التي جرى استردادها من قوّات داعش في العراق. أمّا في سوريا، فإنّ الصواريخ البلغاريّة من نوع 40 mm كانت الأكثر شيوعاً وتبعتها الصواريخ الروسيّة والصينية والرومانية. أمّا مُصنِّعو الاتّحاد الأوروبيّ، فقد قاموا بإنتاج نحو ثلث صواريخ الـ40 mm التي جرى تحصيلها من قوّات داعش في المنطقة.

قامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيق أغلبيّة صواريخ الـ73 mm التي جرى استردادها من قوّات داعش في العراق، وقد صُنِّعتْ نحو 70 في المئة من هذه الصواريخ في دول الاتّحاد الأوروبيّ المنتمية سابقاً إلى حلف وارسو. تحمّلتْ بلغاريا مسؤولية تصنيع 41 في المئة من هذه الصواريخ بينما صنّعت رومانيا 28 في المئة منها.

صَنَّعتْ الصين وإيران أغلبيّة صواريخ الـ40 mm المنتَجَة في 2010 وبعدها والتي جرى استردادها من قوّات داعش في العراق. كما في العيّنة الإجماليّة من صواريخ الـ40 mm، فإنّ أوّل ثلاث دول مُصنِّعة لهذه الصواريخ بعد عام 2010 هي الصين، إيران، وبلغاريا، وقد قامت هذه البُلدان معاً بإنتاج 97 في المئة من هذه الصواريخ.

جرى تصنيع أكثر من ثلث صواريخ الـ40 mm المنتَجَة بعد عام 2010 في عام 2016، وصُنِّعت 91 في المئة من كامل العيّنة المتأخِّرة عن 2010 بين عامي 2014 و2016. قد يعكسُ هذا الواقع الإمدادات الحديثة من العتاد العسكريّ الذي جرى إرساله إلى القوّات العراقيّة والسوريّة بعد سقوط الموصل بيد قوّات داعش في عام 2014، ويعكسُ أيضاً نسباً أعلى من تورُّط الفاعلين الدوليِّين في المنطقة.

تختلفُ عيِّنةُ صواريخ الـ73 mm عن الصواريخ الأخرى من ناحية تحمُّل الصين لمسؤوليّة إنتاج نسبةٍ ضئيلةٍ منها، فقد قامتْ بلغاريا وإيران ورومانيا بتصنيع كامل العيّنة تقريباً من صواريخ الـ73 mm المصنَّعة بعد عام 2010 التي جرى توثيقها في العراق. صنّعت بلغاريا وحدها نحو 60 في المئة من هذه الصواريخ بينما صنّعتْ إيران 31 في المئة منها.

جرى إنتاج 88 في المئة من صواريخ الـ73 mm البلغاريّة المتأخِّرة عن 2010 في عامي 2010 و2011، بينما جرى تصنيع تقريباً جميع صواريخ الـ73 mm الرومانيّة المتأخِّرة عن 2010 في عام 2014. في القسم التالي من التقرير، سوف نقومُ باستكشاف أنماط تحويل هذه الصواريخ إلى قوّات داعش.

جرى تصنيع تقريباً جميع عيّنة صواريخ الـ73 mm الإيرانيّة المتأخِّرة عن 2010 ـ والتي تمّ توثيقها في العراق ـ بعد عام 2014، وتجدرُ الملاحظة إلى أنّه جرى تصنيع 59 في المئة منها في عام 2015 وحده.

خُلاصة

   كما في الأسلحة التي ناقشناها سابقاً، فإنّ عيارات حلف وارسو تُشكِّلُ أغلبيّة حصص قوّات داعش من الذخائر. ولكن على خلاف الأسلحة، فإنّ ترسانة الذخائر هي أحدث بشكلٍ ملحوظ. بالرغم من أنّ الأسلحة المصنَّعة في العقد الراهن (2010-2017) قد شكّلتْ أقلّ من 2 في المئة من مجموع أسلحة التنظيم، إلّا أنّ زمن تصنيع أكثر من 15 في المئة من الذخائر التي يمتلكها التنظيم يعود إلى هذه المدّة تحديداً. كذلك، توجدُ اختلافاتٌ واضحة بين أنواع الذخائر التي استخدمها التنظيم على جانبي الحدود العراقيّة ـ السوريّة، وتعكسُ هذه التباينات بشكلٍ واسع الاختلاف في مصادر إمدادات الذخائر المرسَلَة إلى الحكومتين العراقيّة والسوريّة. يبدو أنّ هذه الاكتشافات تُثبتُ التأكيدات أنّ قوّات داعش قد استولتْ على كميّاتٍ كبيرة من الذخائر من القوّات العراقيّة والسوريّة ـ على الأقلّ في المراحل الأوليّة من التوسُّع الجغرافيّ للتنظيم.

يعودُ مصدرُ أكبر قسمٍ من الذخائر التي يمتلكها التنظيم إلى ثلاثة بُلدان مُنتِجة وهي: الصين وروسيا (بنسبٍ مُماثلة تقريباً) ورومانيا. تَوزّع العتادُ العسكريّ الصينيّ تقريباً بالتساوي في العراق وسوريا (52 في المئة، و48 في المئة على التوالي). بالرغم من أنّه قد جرى توثيقُ ما يقربُ من ثلاثة أرباع ذخائر العيّنة الإجماليّة الروسيّة (74 في المئة) في العراق، إلا أنّه تمّ تسجيل أكثر من نصف الذخائر الروسيّة المنتَجَة في فترة 2010-2017 (54 في المئة) في سوريا. بالتالي، من المعقول أنّ هذه النتائج تعكسُ الدعم الروسيّ المتزايد إلى النظام السوريّ في الصراع.

على نحوٍ مماثل، فإنّ الذخائر الرومانيّة التي شكّلتْ مُكوِّناً رئيسيّاً في الجهود الدوليّة الرامية إلى إعادة تجهيز قوّات الدفاع والأمن العراقيّة هي أكثر تمثيلاً في عيّنة الذخائر المستخرَجَة من العراق (تفوق 16 في المئة) من عيّنة الذخائر في سوريا (7 بالمئة). في هذا الصدد، يبدو أنّ مجموع حصص قوّات داعش من الذخائر تعكسُ عيّنةً واسعةً من أنواع وكميّات الذخائر الموجودة في المخزون الاحتياطيّ الوطنيّ العراقيّ والسوريّ، وتشتملُ على الذخائر القديمة (التي تعودُ إلى الخمسينيّات) والذخائر الحديثة.

إنّ استيلاء قوّات داعش على كميّاتٍ كبيرة من الذخيرة من القوّات الحكوميّة العراقيّة والسوريّة ليس اكتشافاً جديداً، ولكنّ وجود الذخيرة المصنَّعة حديثاً في العتاد العسكري المستعاد من داعش يُوفِّرُ دلالاتٍ أوضح على مصادر إمدادٍ إضافيّة ـ خصوصاً في السنوات التي تبِعَتْ عام 2014 حينما تباطأت عمليات التقدم الأوليّة للتنظيم وتوقّف عن الاستيلاء على كميّاتٍ كبيرة من العتاد العسكري خصوصاً من القوات العراقية.

   يؤدِّي مخزونُ التنظيم المؤلَّف من صواريخ 40 mm و73 mm التي جرى تصنيعها منذ عام 2010 وظيفةً توضيحيّة. أنتجتْ دولٌ ذات عضويّة في الاتّحاد الأوروبيّ 40 في المئة من هذه الصواريخ. يمنعُ قرار حظر الأمم المتّحدة على الأسلحة الذي سرى مفعوله منذ أيّار 2011 إرسالَ الإمدادات إلى النظام السوريّ، وقد أكدّت منظّمةُ «أبحاث تسليح الصراعات» أنّ أعداداً كبيرةً من الصواريخ لم تأت من قوّات الأمن والدفاع العراقيّة. تُثبتُ هذه النتيجة ـ إضافةً إلى نتائج عمليات التعقُّب الرسميّ التي أطلقتْها المنظّمة ـ أنّ قوّات داعش قد قامت بالتدرّج بالاستفادة من المصادر البديلة للذخائر خلال الصراع وخصوصاً الإمدادات الأجنبيّة المخصَّصة لقوّات المعارضة السوريّة كما سوف يظهر في القسم التالي.

ديناميكية تغيير وجهة الإرسال

يقعُ التحويل «أثناء الطريق» حينما يجري تسليمُ الأسلحة إلى جهةٍ ليست المستخدِم النهائيّ المقصود، وأمّا التحويل «في مرحلة ما بعد الشحن» فإنّه يحصلُ حينما يخسر المالكون الشرعيّون للأسلحة والذخائر (أي المستخدِمون النهائيّون المقصودون) عتادَهم العسكريّ أو يُسلّمونه ممّا يؤدّي إلى استيلاء مُستخدِمين نهائيين غير شرعيين عليه. إنّ بعض عمليّات التحويل المختلفة ـ التي تشيعُ في أغلبيّة الصراعات المسلّحة التي تتورّطُ فيها مجموعاتٌ غير حكوميّة ـ قد انطبقتْ أيضاً على حيازة قوّات داعش للأسلحة. تضمّنتْ هذه العمليّات الاستيلاء المكثَّف على الأسلحة خلال المعارك من القوّات الحكوميّة وغير الحكوميّة، وإعادة تحويل الأسلحة بشكلٍ غير قانوني إلى القوّات غير الحكوميّة في الصراع السوريّ حيث قامتْ بعض الدول بانتهاك الاتّفاقيّات التي أجرتْها مع الحكومات الأصليّة المزوِّدة لهذه الأسلحة والتي تقتضي عدم إرسالها إلى جهاتٍ ثالثة.

تستكشفُ الأقسامُ التالية هذه الديناميكيّات حيث تقومُ أوّلاً بعرض المعلومات المحدودة المتوفِّرة حول المخازن الاحتياطيّة للحكومتين العراقيّة والسوريّة ومن ثمّ تُبرزُ الدور الحاسم للأسلحة المرسَلَة من قِبل الحكومات الأجنبيّة إلى قوّات المعارضة السوريّة باعتبارها مصدراً مهمّاً للأسلحة التي استخدمتْها قوّاتُ داعش.

الاستيلاء على الأسلحة في ساحة القتال

تدّعي تقاريرُ المصادر المفتوحة ومقاطعُ الفيديو التي أصدرتْها قوّاتُ داعش أنّ التنظيم قد استولى على عددٍ كبيرٍ من أسلحته وذخائره من قوّات الأمن العراقيّة والسوريّة. بالرغم من أنّ منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» لا تُعارض هذه الأقوال إلّا أنّه يصعبُ إثبات هذه الدعاوى بشكلٍ تجريبيّ وذلك لسببين: أوّلاً، تستخدمُ القوّات العراقيّة والسوريّة تشكيلةً واسعة من الأسلحة التي حازتها على مرِّ العقود من دولٍ مُنتِجة ومُصدِّرة متعدّدة، وهذا الأمر يُصعِّبُ التحديد الدقيق فيما إذا كانت هذه الأسلحة تعودُ إلى المخازن العراقيّة والسوريّة الوطنيّة أو أنّها قد أتتْ من القوّات الوطنيّة المسلّحة أو المجموعات غير الحكوميّة الموجودة في أماكن أخرى في المنطقة. ثانياً، السجلّات الوطنيّة في العراق ليستْ مُكتملة وأمّا في سوريا فإنّه يمتنعُ الوصول إليها، وهذه الوقائع تحولُ دون التحقُّق من الحصص الوطنيّة.

من خلال مزيجٍ من الأدلّة الماديّة، وإعلانات الشراء الرسميّة، واستجابة الحكومات المزوِّدة لطلبات التعقُّب الرسميّة، استطاعتْ مُنظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» أن تؤكِّد ما يلي:

من بين 67 استجابة للحكومات المصنِّعة أو المزوِّدة ـ التي أتتْ كردٍّ على طلبات منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» لاقتفاء أثر الأسلحة التي جرى توثيقها في العراق وسوريا قبل 16 تشرين الثاني 2017 ـ تُشيرُ 42 منها إلى أنّ العتاد العسكريّ قد جرى بيعُه في الأصل للحكومة العراقيّة ويُحتمل أنّ قوّات داعش قد سيطرت على أغلبيّة هذه الأسلحة في أرض المعركة.

في العراق وسوريا، قامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيق 171 قطعة سلاح تحملُ علامة مستودع الأسلحة العراقيّ. تُشيرُ علامةُ الاستيراد الفريدة هذه إلى أنّ الأسلحة قد ضُمَّتْ إلى مخازن قوّات الدفاع والأمن العراقيّة قبل سقوط النظام العراقيّ في 2003.

على أقلّ تقدير، تُشيرُ هاتان النتيجتان إلى أنّ 12 في المئة من الأسلحة التي جرى استردادها من قوّات داعش تعودُ إلى المخازن العراقيّة الوطنيّة، وقد سيطر التنظيمُ على نسبةٍ كبيرةٍ من هذا المخزون الاحتياطيّ خلال هجماته الكبيرة ضدّ القوّات العراقيّة المسلَّحة في منطقة الموصل خلال منتصف عام 2014. نجحتْ فرقُ التحقيق الميدانيّ التابعة لمنظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» ـ التي كانت موجودة على الأرض في كلٍّ من العراق وسوريا آنذاك- في الحصول على بعض الأدلّة حول الدور الذي يُمكنُ أن يكون هذا العتاد العسكريّ قد لعبه في المكاسب العسكريّة اللاحقة لقوّات داعش.

   قامتْ قوّات داعش بشكلٍ فوريٍّ بنقل الأسلحة والذخائر من منطقة الموصل لدعْم الهجمات العسكريّة ضدّ مدينة كوباني السوريّة الخاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب (التي تعرّضت للحصار منذ 13 أيلول 2014 إلى 27 كانون الثاني 2015). قامت فرق التحقيق الميدانيّ التابعة لمنظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» التي عملت في كوباني بعد الحصار مباشرة (شباط 2015) بتوثيق القطع التالية واقتفاء أثرها:

صاروخPG-7VM 40mm  كانت بلغاريا قد صدّرته بشكلٍ قانونيّ ضمن شحنتين كبيرتين إلى وزارة الدفاع العراقيّة بتاريخ 7 أيلول 2010 و14 آذار 2011.

رشّاشMG-M1 7.62x54Rmm  كانت بلغاريا قد صدّرته بشكلٍ قانونيّ إلى وزارة الدفاع العراقيّة بتاريخ 21 نيسان 2005.

19 صندوق يحتوي على ذخائر7.62x54Rmm  كانت قد أرسلته صربيا بشكلٍ قانونيّ إلى القيادة الانتقاليّة الأمنيّة المتعدّدة الجنسيّات في العراق بتاريخ 3 كانون الأوّل 2004 لكي يجري استخدامه من قِبل القوّات الأمنيّة العراقيّة. في جوابها لمنظّمة «أبحاث تسليح الصراعات»، ذكرتِ الحكومة الصربيّة أنّ العتاد العسكريّ الذي أرسلتْه إلى العراق بعد التدخُّل الحربيّ في عام 2003 كان جزءاً من جهود المجتمع الدوليّ لتزويد الحكومة العراقيّة بالسلاح وتقويتها.

   تُظهرُ هذه النتائج ـ إضافةً إلى استخدام قوّات داعش الواسع لمجموعةٍ من المعدّات العسكريّة المخصَّصة للجيش العراقيّ خلال حصار كوباني ومن ضمنها المجنزرات المزوَّدة من الولايات المتّحدة ـ الأثر الأوليّ الذي تسبّب به الاستيلاء على الأسلحة في ساحة القتال على القدرة القتاليّة لتنظيم داعش في ميادين أخرى.

أمّا في سوريا، فليس هناك الكثير ممّا يُمكن قوله بشكلٍ حاسم حول مسألة الاستيلاء على الأسلحة والذخائر من القوّات الحكوميّة السوريّة سوى التقييم الكمّيّ لأنواع الذخائر. على خلاف الأسلحة العراقيّة قبل عام 2003، فإنّ أسلحة الحكومة السوريّة لا تحملُ علامات التصدير. وجدتْ منظّمةُ «أبحاث تسليح الصراعات» في سوريا الكثير من العيارات الصغيرة غير الموضوعة في صناديق إلّا أنّ هذه العيارات لا توردُ أرقاماً قابلة للاقتفاء. مع ذلك، فمن المحتمل أنّ مصادر الذخائر المصنَّعة في سوريا والمستخدَمة من قبل قوّات داعش تعودُ إلى القوّات الحكوميّة السوريّة. تُشيرُ الكمّيّة الكبيرة من الذخائر الروسيّة المصنَّعة حديثاً (التي بلغتْ أكثر من 50 في المئة من العيِّنة السوريّة المصنَّعة بعد عام 2010) إلى الاستيلاء المكثَّف على هذه الذخائر من القوّات الحكوميّة السوريّة. حينما تجتمعُ هذه العوامل مع التقارير ومقاطع الفيديو التي تُظهرُ المكاسب التي حصلتْ عليها قوّات داعش في مقابل القوّات السوريّة، فإنّها تُشيرُ إلى أنّ أخذ العتاد من القوّات السوريّة في ساحة القتال هو مصدرٌ مهمٌّ لأسلحة وذخائر تنظيم داعش.

إضافةً إلى حيازة الأسلحة من المخازن الوطنيّة في العراق وسوريا، أظهرتْ قوّاتُ داعش قدرتها على الاستفادة من قنوات الإمداد التي وضعتها الكثير من الدول المنتمية إلى جهةٍ ثالثة مُستثمرة في الصراع المحلّيّ. منذ تموز 2014، قامت منظّمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيق العديد من هذه الخطوط التحويليّة الرئيسيّة.

المزودون المثبتون للعتاد العسكري المحول

تستخدم قوّات داعش مجموعة من الأسلحة التي يمكن وصْلُها بعمليّات النقل المخصَّصة لقوّات المعارضة في النزاع السوريّ. بالرغم من أنّ الظروف الدقيقة للإمداد المباشر عبر الحدود السوريّة ليست واضحة، إلا أن الحكومتين الأردنيّة والتركيّة قد عملتا كوسيطتين في إيصال الأسلحة التي اشترتها السعوديّة والولايات المتّحدة. تُشير المعلومات الأساسيّة التي جمعتْها منظّمةُ «أبحاث تسليح الصراعات» إلى أنّ قوّات داعش قد حصلتْ على هذا العتاد العسكريّ بطرائقٍ مختلفة، من ضمنها الاستيلاء عليه من ساحة القتال ودمج المجموعات السوريّة المعارِضة المختلفة في صفوفه. لا تستطيع المنظّمة أن تستبعدَ وصولَ الإمدادات العسكريّة بشكلٍ مباشر إلى قوّات داعش من الأردن وتركيا، خصوصاً مع الأخذ بعين الاعتبار وجود مجموعاتٍ معارِضة متنوِّعة ذات ولاءات متقلِّبة في مواقع إعادة النقل العابرة للحدود.

 قامت قوّاتُ داعش لاحقاً بنقل معظم هذا العتاد إلى العراق ليجري استخدامه في دفاعها عن مدنٍ كالفلوجة والموصل والرمادي في وجه قوّات التحالف. تكشفُ الفحوص الماديّة، وعمليّات ضبط شحنات الأسلحة، واستجابة الحكومات للطلبات الرسميّة لتعقُّب الأسلحة التي قدّمتها المنظّمة عن وجود عددٍ من ظروف التزويد المختلفة.

الولايات المتحدة الأمريكية

   قامت منظمة «أبحاث تسليح الصراعات» بتوثيق واقتفاء أثر منظوماتٍ تسلحية متنوّعة استخدمتها قوّاتُ داعش. تعودُ العديد من هذه المنظومات إلى الشحنات المرسَلة إلى الولايات المتّحدة أو إلى الوحدات العاملة تحت العقود الحكوميّة الأمريكيّة. اعترفتْ الولايات المتّحدة بدعمها لقوّات المعارضة السوريّة، وقد جرى إيصال هذا الدعم بشكلٍ رئيسيّ عبر عمليّة إعادة التزويد المنطلِقة من الأردن وتركيا. يعودُ مصدر جميع هذه الشحنات إلى دولٍ ذات عضويّةٍ في الاتّحاد الأوروبيّ، وفي أغلب الأحيان فإنّ عمليّات إعادة التحويل من قِبل الولايات المتّحدة (أيّ عمليّات التصدير التي جرتْ بعد شراء الولايات المتّحدة للعتاد) قد جرت بشكلٍ مناقض لبعض البنود الواردة في «شهادات المستخدِم النهائيّ» (EUC) التي أرسلتها الولايات المتّحدة لحكومات الاتّحاد الأوروبيّ المزوِّدة بالعتاد. قامتْ الولايات المتّحدة بالتوقيع على هذه البيِّنات قبل عمليّة نقل العتاد، وأعلنتْ أنّها المستخدِم النهائي الوحيد له، وألزمتْ نفسها بعدم إعادة تحويله من دون نيل إذنٍ مسبق من الحكومة المزوِّدة. بالرغم من ذلك، لم تقم الولايات المتّحدة بإعلام الدول المزوِّدة قبل إعادة تحويل العتاد العسكريّ.

تُخَصَّص البنود الواردة في «شهادات المستخدِم النهائيّ» بشكلٍ صريح لمنع إعادة التحويل، وذلك من أجل توفير مقدارٍ من الثقة بالنسبة للدول المصدِّرة التي تسعى للتقيُّد بالالتزامات الدوليّة الراميّة للحدِّ من عمليّة تحويل الأسلحة. في حالة الدول ذات العضوية في الاتّحاد الأوروبيّ، تنسجمُ البنود مع الالتزامات الواردة تحت الدستور السابع في الموقف المشترك للاتّحاد الأوروبيّ. يُحدِّد هذا الدستور القواعد المشتَرَكَة المتحكِّمة بعمليّات تصدير الأسلحة ويُلزِمُ الدول الأعضاء بتقويم «سجلّ الدولة المتلقّية الذي يتعلّقُ بالتزامها بعدم إعادة التصدير» وذلك قبل الترخيص بحصولها على صادراتٍ إضافيّة. وقّعتْ الدول ذات العضوية في الاتّحاد الأوروبيّ والولايات المتّحدة أيضاً على «معاهدة تجارة الأسلحة» حيث تندرجُ البنود التي تمنعُ إعادة التحويل تحت عنوان «تدابير بناء الثقة» و»الضمانات» الإضافيّة الرامية إلى منع التحويل، وتُشدِّدُ «معاهدة تجارة الأسلحة» على أنّه ينبغي لكلّ دولة أن تتّخذ الإجراءات لمعالجة التحويل إن جرى الكشْفُ عنه.

-------------------------------

[1] رأي آخر 15 : ذهبت الأسلحة من وكالة المخابرات المركزية الأميركية إلى داعش في أقل من شهرين، العدد 15، تشرين ثاني/كانون أول 2017، ص160.