البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العلويون والفكر الشيعي في الأندلس

الباحث :  د. سيد مهدي جوادي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  61
السنة :  السنة السادسة عشر ربيع 1432 هجـ 2011 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 21 / 2015
عدد زيارات البحث :  603
العلويون والفكر الشيعي في الأندلس

د. سيد مهدي جوادي (*)

لعب حضور العلويِّين والفكر الشيعيّ في أقصى بقاع الأرض دوراً هاماً في استقرار وتنمية الإسلام والأمّة الإسلاميّة. ومن العوامل الهامّة في ظهور وانتشار العلويِّين والفكر الشيعيّ توفّر الأرضيّة السياسيّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة العقائديّة الملائمة في شتَّى المناطق الجغرافيّة. ومع أنَّ الأندلس كانت من البلاد الخاضعة للنفوذ الإسلاميّ، ولا تتجاوز نطاق هذا الأمر، إلا أنَّ الإنصاف يفرض علينا الاعتراف بأنَّها لم تشكِّل أرضيةً ملائمة للشيعة والعلويّين، بل نراها خلقت عراقيل شديدة أمام نموِّ وازدهار الفكر السياسيّ والدينيّ للعلويّين مقارنةً بغيرها من البلدان.
المقدمة
أَطلق المسلمون اسم الأندلس على جزءٍ من شبه الجزيرة الإيبيريّة يقع على سواحل البحر المتوسّط جنوب اسبانيا، وجنوب شرقيِّ البرتغال. ويُطلق هذا الاسم أحياناً على تمام شبه الجزيرة الإيبيريّة، واسم الأندلس مشتقٌّ من (الوندال) وهم شعب جرمانيّ نزح في أوائل القرن الخامس الميلاديّ إلى جنوب أسبانيا بعد تقسيم إمبراطوريّة الروم الغربيّة (1) .
________________________________________
(*) دكتوراه في تاريخ الشعوب الإسلامية وحضارتها، من إيران. ترجمة السيد حيدر الحسيني.
(1) أطلقت تسمية (جزيرة الأندلس) في العالم الإسلامي وحتى أواخر القرون الوسطى على كل شبه الجزيرة الأيبيرية (اسبانيا والبرتغال الحاليين). وكذلك أطلق المؤلفون العرب اسم الأندلس على اسبانيا الواقعة تحت الحكم الإسلامي بقطع النظر عن سعة تلك البلاد، غلام حسين مصاحب، دايره المعارف فارسى، (تهران، امير كبير، 1381ش)، ذيل مدخل »أندلس«.

[الصفحة - 141]


تُعدّ الأندلس اليوم أكبر محافظة في أسبانيا. وتشتمل بحسب التقسيم الإداريّ على ثماني نواحٍ: المرية، قادش، قرطبة، غرناطة، ولبه، جيان، ملقة، وإشبيلية. وقد اهتمَّ المسلمون بهذه البلاد منذ العهود الإسلاميّة الأولى كما هو ديدنهم في بقيَّة المناطق الواقعة تحت النفوذ الإسلاميّ، وفي عام (92هـ) دخل الإسلام بلاد الأندلس ليُنهي حكم (رودريك) آخر ملوك سلالة القوطيين.
تزامن دخول الإسلام إلى الأندلس مع حالة اضطرابٍ شديدة شهدتها الأوضاع العامّة للبلاد. وكانت التركيبة الاجتماعيّة مبنيّةً على أساس طَبَقيّ، يَنقسم فيه الناس إلى الأعيان والأشراف، والعبيد، والمزارعين والأقليّات الدينية. ولو تجاوزنا مشاكل خطيرة أُخرى كانت تعصف بالبلاد من قبيل شدَّة وطأة الضرائب على كاهل طبقات الشعب، فقدان الحريّة والعدالة الاجتماعيّة، انعدام المساواة، انتشار الرقّ، الجهل والفقر، فقد كانت المسيحيّة الديانة الرسميّة للبلاد ولا يُسمح لأتباع الأقليّات الدينيّة بإظهار عقائدهم، ولا القيام بشعائرهم الدينيّة. وقد يضطرّون أحياناً إلى اعتناق الدّين الرسميّ للبلاد خشية أن يقعوا في رقّ المسيحيين.
لكن أوضاع البلاد سرعان ما شهدت تحوّلاً جذرياً عندما بسط المسلمون سيطرتهم عليها وأرسوا قواعد حكمهم، فزال النظام الطَبَقيّ، وساد التعايش الأخويّ بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، وفُتح الباب على مصراعيه أمام أتباع الأقليّات الدينيّة لإظهار عقائدهم وإقامة مراسمهم الدينيّة بحريّة. ويُمكن القول إنَّ حضور العرب في بلاد الأندلس لمدَّة سبعة قرون أسهم بشكل متميِّز في إغناء الحضارة البشريّة في تلك البلاد، فانبعاث الحياة العلميّة والثقافيّة في أوروبا في القرن الخامس عشر الميلاديِّ كان مديناً بجزءٍ هام منه لحضور المسملين الفعَّال في بلاد الأندلس.
وبالرغم من نموِّ مختلف الأفكار العلميّة والدينيّة في بلاد الأندلس (إبَّان العهد الإسلاميّ) إلا أنَّه وبسبب عدَّة عوامل لم يكن الطريق معبَّداً أمام انتشار
________________________________________

[الصفحة - 142]


وترسيخ الفكر العلويّ. ومن هنا فإنّ هذه المقالة تحاول البحث والتنقيب باختصار في نشاطات وجهود العلويّين والفكر الشيعيّ منذ اللحظة الأولى لدخول الإسلام بلاد الأندلس إلى حين تأسيس دولة بني حمود (في النصف الأوّل من القرن الخامس الهجريّ). وفي هذا المضمار بالإضافة إلى تقييم المناخ السياسيّ، والاجتماعيّ، والثقافيّ، نُقيّم الموانع والمشاكل التي عرقلت ظهور عقائد الشيعة في بلاد الأندلس.
بدايات حضور العلويّين والفكر الشيعيّ في بلاد الأندلس
بقراءة متأنِّية لتقدّم المدّ الإسلامي وانتشار العلويّين والفكر الشيعيّ في أقصى بقاع المعمورة يتجلَّى لنا أنّ العلويِّين وُجدوا في أوروبا كوجودهم في بقيَّة المناطق الواقعة تحت النفوذ الإسلاميّ والشيعيّ. وينبغي أن نبحث عن تأثيرهم في أسلمة أسبانيا والمناطق المجاورة لها؛ لأنَّ العرب بعد فتح الأندلس في سنة 92هـ، حافظوا على تقسيمهم (القحطانيّين) والمضَريِّين (العدنانيّين) (2) ، وعلى رأس هذا التقسيم للقبائل في الأندلس يأتي بنو هاشم وقريش حيث شكّلوا طبقة خاصة لقرابتهم من رسول الله (عليهما السلام) والمؤسّسات الحاكمة، كما أنَّهم تمتَّعوا بمزايا خاصّة كالعطايا الماليّة التي تُمنح لهم شهرياً من بيت المال.
حاز العلويّون محبَّة واحترام الناس بسبب ابتعادهم عن المناصب الحكوميّة. وكان يتعهّد شؤون بني هاشم أحد كبرائهم ويُدعى النقيب أو نقيب الأشراف، ويؤدِّي دور الوسيط بينهم وبين الخليفة أو الهيئات الحاكمة، فكان لبني هاشم منزلةٌ خاصّة تتجلّى في الأعياد أو مراسم استقبال السفراء والوفود الرسميّة فاقت منزلة الوزراء وتقدّموا حتَّى على قاضي قضاة الأندلس (3) .
ومن ناحيةٍ أُخرى تحدِّثنا الوثائق التاريّخية والجغرافيّة عن حضور سياسيّ واجتماعيّ وفكريّ محدود للعلويِّين في العهد الأندلسي، فنرى ابن القوطية
________________________________________
(2) عبد الله ناصري طاهري، فاطميان در مصر، (قم، حوزه ودانشكاه، 1379ش)، ص 70، محمد ابراهيم آيتي، أندلس يا تاريخ حكومت مسلمين در اروبا، (تهران، دانشكاه تهران، 1376ش)، ص 31.
(3) نور الدين آل علي، اسلام در غرب، (دانشكاه تهران، 1370ش)، ص 286.

[الصفحة - 143]


(368هـ) المؤرِّخ الأندلسيّ الشهير المعاصر لأمويّي الأندلس يحدّثن (4) عن ثورة شعبيّة ضدَّ عبد الرحمن بن معاوية (132ـ 172هـ) منتسبة للإمام علي(عليه ‏السلام) أو للسيدة الزهراء (عليها السلام) في منطقة (حواريين) الواقعة بمقربةٍ من (جيان). وحسب نقل ابن الأثير (630هـ) وابن خلدون (808هـ) ففي حوالي سنة 151هـ ثار شخص يدعى الشقنا أيَّام خلافة عبد الرحمن الدّاخل في (شنته بريه) بعد أن جمع حوله مجموعةً كبيرةً من البرابرة المكانسة، اسم هذا الثائر هو عبد الله بن محمّد (الشقنا بن عبد الواحد) وكان معلِّماً للصبيان، واسم أمِّه فاطمة، وكان يَنسب نفسه في بداية أمره إلى فاطمة(عليها السلام) ثمَّ بعد ذلك نسب نفسه إلى الحسين الشهيد(عليه ‏السلام). وتمكَّن عبد الله من قتل سليمان بن عثمان بن مروان بن أَبَان بن عثمان بن عفان، وجمع كثيراً من الأمويين، وسيطر على بعض نواحي شرق الأندلس، لكنه قُتل غدراً في سنة 161هـ على يد اثنين من أتباعه (5) .
نشطت في العهد الأندلسيّ تيَّارات سياسيَّة، دينيّة، اجتماعيّة، غير أنَّنا لا نرى لها ذكراً واضحاً في كتب التاريخ بسبب القيود السياسيّة والدينيّة المسيطرة على الأندلس. وفي صورة التعرّض لها نراها أُلبست عناوين أُخرى تحت تأثير العديد من العوامل. ولا يبعد أن يكون بعض تلك التيّارات له مناشئ علويّة. وفي هذا المجال يُمكن ذكر التحرّك الذي قامت به مجموعة شبيهة بالخوارج في زمان (الحكم) (180- 206) في الجزيرة، ووَصَفهم ابن القوطية بأنَّهم مجموعة من الخوارج (6).
وعلى هذا، وبغضِّ النظر عن الشواهد المتقدِّمة المشيرة إلى أنَّ حضور العلويّين وفكرهم في الأندلس يعود إلى بداية العهد الإسلاميِّ في هذه البلاد، فإنَّه يجب الإذعان بأنَّ التشيّع دخل الأندلس مع بداية الضعف والانحلال السياسيّ الذي بدأ يَسري في أوصال الخلافة العباسيّة ونشوء العديد من الدول العلويّة، كالدولة الفاطميّة (297- 567هـ) في شمال أفريقيا والشام والحجاز، الدولة
________________________________________
(4) أبو بكر محمد بن عمر ابن قوطية، تاريخ فتح أندلس، ترجمة حميدر رضا شيخي، (مشهد، آستان قدر رضوي، 1378ش)، ص 54، 70، 78.
(5) ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، (مؤسسة الأعلمي للمنشورات 1971م)، ج4 ص 123؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ، (بيروت، دار بيروت 1402ق)، ج5 ص 605.
(6) ابن قوطية، السابق، ص 70.

[الصفحة - 144]


الحمدانيّة (317- 394هـ) في الموصل وحلب والعواصم ودمشق، ودولة آل بويه (320- 447هـ) في العراق وإيران، وكذلك تمتّع الشيعة بنسبة الأكثريّة السكانية في مصر والمغرب والجزيرة العربيّة (7) .
نفوذ الفكر العلويّ إلى الأندلس وردود فعل السلطات الحاكمة
أثار دخول التشيّع إلى بلاد الأندلس وظهور شخصيَّات علميّة بارزة من العلويّين في مجال علمَي الكلام والفلسفة قلقاً شديداً لدى أمويّي الأندلس، ممَّا دفعهم للتصدِّي بشدَّة لنفوذ وانتشار الفكر الفلسفيّ أو الكلاميّ، وضربوا حصاراً منع الفلسفة والكلام من اختراق تلك المنطقة لما يزيد على ثلاثة قرون سيطر فيها الأمويُّون على زمام السلطة في الغرب. وفي الحقيقة فإنَّ معاداة العقلانيّة تُعدّ طبيعة ثانوية للفكر في غرب العالم الإسلاميّ. وفي ظلِّ هذه الأجواء السياسيّة والدينيّة الخانقة نرى أنَّ عالماً مثل محمّد بن عبد الله بن مسرة القرطبي (270- 317هـ) وهو من المؤسِّسين الروَّاد للفلسفة في الأندلس وقد أبدع أسلوباً في تدوين المعاني الخفيّة للكلمات لا يفهمه سوى المتبحِّرين، وجَّه إليه الأمويُّون تهمة السعي لتأسيس حزبٍ فاطميّ من خلال جماعة الإخوان، ونتيجةً لذلك تعرّض لضغوط واضطهاد جهاز الحكم الأمويّ فاضطرَّ للفرار من قرطبة إلى شمال أفريقي (8) .
ومن الوجوه العلميّة المعروفة لشيعة الأندلس في تلك الفترة أبو القاسم محمّد بن هانئ الأزديّ المهلبيّ الأندلسيّ (326- 361هـ) (9) . ولد هذا الشاعر الشيعيّ المفوّه في إشبيلية، وله ديوان كبير. وقد تعرَّض هذا الشاعر لعدَّة اتِّهامات من قِبَل الحكم الأمويّ حيث اتُّهم بالفسق، والشرب، والكفر والزندقة، وكذا تمَّ اتِّهامه بالميل نحو فلاسفة اليونان، وتعرَّض للملاحقة فاضطرّ إلى الفرار من الأندلس ولجأ إلى الخليفة الفاطميّ المعز (حكم: 341- 365هـ) فأحسن الخليفة وفادته وخدم الفاطميّين إلى أن قُتِلَ في مدينة برقة على يد أحد أعدائه (10) .
________________________________________
(7) السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، (دار التعارف، بيروت) ج1 ص 26.
(8) فيليب حتي، تاريخ عرب، ترجمة أبو القاسم ?اينده، (تهران، آ?اه، 1380ش)، ص 666؛ محمد رضا ?اك، »انديشه كلامى وفلسفى در مغرب و...»، (www.Shareh.com)
(9) بي. ام. ان. هولت، تاريخ اسلام (كمبريج)، ترجمه أحمد آرام، (تهران، امير كبير، 1377ش)، ص 257.
(10) محمد بن احمد الذهبي، سير أعلام النبلاء، (بيروت، مؤسسة الرسالة، 1413ق)، ج16 ص 132- 133؛ آل علي، السابق، ص 286؛ مصاحب، السابق، ج1 ص23.

[الصفحة - 145]


وبالإضافة إلى الأجواء السياسيَّة السائدة داخل الأندلس تجاه العلويّين والفكر الشيعيّ، وقد تقدّمت الإشارة إلى بعضها، فقد كانت السياسة الخارجيّة لحكَّام الأندلس هي مجابهة الدول العلويّة، خصوصاً الدول المجاورة لهم مثل دولة الأدارسة (172- 312هـ) والدولة الفاطميّة (297- 567هـ). وهذا يكشف عن التوتّر السياسيّ الدينيّ المسيطر على مناطق نفوذ أمويّي الأندلس في ذلك العهد (11) . فنرى أنّ دولة الأدارسة، وهي أوّل دولة شيعيّة وقد تأسّست في سنة 172هـ في المغرب وامتدَّ حكمها إلى سنة 312هـ ، تعرَّضت لضغوط الدولة الأمويّة في الأندلس، وفي نهاية المطاف سقطت إثر الضربات التي ألحقها بها أحد قادة العهد الثاني الخليفة القرطبيّ (350- 366هـ) (12) . وسبب هذه السياسة لأمويّي الأندلس، وبعيداً عن التأثير الفكريّ للأدارسة العلويّين في الأندلس، يعود لقيام قبائل البربر التي تقطن الأندلس بمبايعة إدريس بن عبد الله منذ اليوم الأوّل لتأسيسه دولة الأدارسة (13) .
كان أمير الأدارسة في عهد عبد الرحمن الناصر يُدعى حسن بن كنون (قنون). وكنون لقب للقاسم بن محمّد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(14) . والحسن هذا هو الذي سقطت دولة الأدارسة في المغرب في عهده. بايع الحسن بن كنون العبيديّين، وعندما سيطر جوهر الصقليّ على المغرب أخذ الحسن يدعو إليه، ونقض عهده مع عبد الرحمن الناصر، وعندما عاد جوهر إلى أفريقيا في أواخر سنة 349هـ رجع الحسن إلى طاعة أمويّي الأندلس. وما إن توفِّيَ عبد الرحمن الناصر أعلن الحسن ولاءه لابنه الحكَم المستنصر الذي وصل إلى سدَّة الحكم سنة 350هـ، ولكن هذا لم يكن إلا رياء من ابن كنون حيث إنَّ العداء كان مستحكَماً بين الأدارسة والأمويّين، وطالما سعى الأدارسة للخروج على الخلافة الأمويّة. وفي نهاية المطاف اشتبك الحسن سنة 362هـ مع جيش (الحكم) فانتصر عليهم في
________________________________________
(11) عبد الله ناصري طاهري، تاريخ سياسى واجتماعى شمال افريقا، (تهران، مؤسسة جاب وانتشارات، 1375ش)، ص 263.
(12) حتي، السابق، ص 578.
(13) هولت، السابق، ص 257؛ حسن ابراهيم حسن، تاريخ سياسى اسلام، ترجمة أبو القاسم باينده (جاويدان، 1366ش)، ص 193.
(14) ابن حزم الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، (بيروت، دار الكتب العلمية، 1421ق)، ص 49.

[الصفحة - 146]


المغرب. وحينما عبر (غالب) البحر عائداً إلى الأندلس أواخر سنة 363هـ رافقه الحسن ابن كنون وابنه وزوجته، وأتباعه من زعماء الأدارسة, فاستُقبل في قرطبة استقبالاً لائقاً، واستقرَّ الأدارسة في منـازل أُعدَّت لهم سلفاً. لكـن (الحكم المستنصر) أخرج الحسن وعشيرته من قرطبة ووجَّههم إلى مصر في سنة 365هـ، فلبثوا فيها إلى سنة 373هـ في حماية العزيز بالله الفاطمي (15) .
يُعتبر التصدِّي للدولة الفاطميّة الشيعيّة (297- 567هـ) في المغرب ومصر أحد ثوابت سياسة الأمويِّين في الأندلس؛ لأنَّ الفاطميين شكّلوا نداً عنيداً للعباسيّين في بغداد والأمويّين في الأندلس. ولم يَقتصر قيام الخلافة الشيعيّة الفاطميّة في شمال أفريقيا على تمزيق وحدة الخلافة العباسيّة فحسب، بل خلق حالة جديدة وخطيرة للدولة الأمويّة في أسبانيا، فالدولة الفاطميَّة بالإضافة إلى قطعها طرق التواصل بين سنَّة الأندلس في الغرب مع سنَّة المشرق، قد هدَّدت عقائد السنّة من خلال التبليغ للعقائد الشيعيّة. وأشدّ ما أثار مخاوف الحكّام الأمويّين في قرطبة هو النجاح الذي حقَّقه المبلِّغون الشيعة الذين كان الخلفاء الفاطميّون يرسلونهم إلى الأندلس متخفِّين بزيِّ التجّار(16) . وعلى هذا الأساس فإنَّ ظهور الدولة الفاطميّة كداعيةٍ ومروّج للمذهب الإسماعيليّ، واتِّساع النفوذ السياسيّ والمذهبيّ للفاطميّين في عموم المغرب الإسلاميّ وتغطيته للأندلس، ونفور أهل السنّة وخصوصاً أتباع الفقه المالكيّ في الأندلس من تقبّل الأفكار الجديدة خصوصاً الفكر الشيعيّ، وأخيراً الاختلافات المذهبيّة والعداء القديم الذي تمتدّ جذوره إلى أيَّام الأمويّين في الشام وحتّى قبل ذلك، كلُّ هذه العوامل زادت هوَّة التباعد بين حكَّام الأندلس والعلويّين (17) . ولعلّه يمكن القول إنّ سعي الفاطميّين العلويّين لنشر العقيدة الإسماعيليّة في أرجاء العالم الإسلاميّ ـ هذا السعي الذي يتجلّى في قصيدة ابن هانئ الأندلسي شاعر الخليفة المعزّ الفاطمي ـ كان من أهمِّ الأسباب التي دعت أمويّي الأندلس لأن يضعوا مسألة إسقاط الدولة
________________________________________
(15) لين بل و...، تاريخ دولت هاى اسلامى وخاندان حكومتكر، ترجمة صادق سجادي، (تهران، نشر تاريخ ايران، 1363ش)، ج1 ص 487، 489، 491.
(16) عبد المجيد نعنعي، دولت امويان اندلس، ترجمة محمد سبهري، (قم، حوزه ودانشكاه، 1380ش)، ص 319؛ ناصري طاهري، فاطميان در مصر، ص 107.
(17) نعنعي، السابق، ص 327.

[الصفحة - 147]


الفاطميّة على رأس أولويَّاتهم السياسيَّة، فعمل الأمويون في الأندلس على تحريك بعض قبائل البربر في شمال أفريقيا ضدَّ الفاطميّين وانتهى الأمر بسيطرة البربر على بعض المناطق التي كانت تحت نفوذ الدولة الفاطميّة ممَّا أوصل هذه الدولة الشيعيّة إلى مشارف الانهيار (18) .
بملاحظة ما تقدَّم يتّضح أنّ الجوّ السياسيّ السائد في الأندلس كان يتّجه ضدّ العلويّين والفكر الشيعي. وإذا استثنينا بعض الفترات التاريخيّة، خصوصاً إبَّان قيام بعض الدول العلويّة أو المنسوبة للعلويّين مثل دولة بني حمّود (407- 449هـ) ودولة الموحِّدين (541- 668هـ)، نرى أنّ مختلف مناطق بلاد الأندلس لم توفِّر الأرضيّة المناسبة للفكر الشيعيّ لكي يظهر ويزدهر في أوروبا؛ لأنّ الأمويّين في الأندلس واصلوا نهجهم في التصدِّي الشديد للأفكار العلويّة، واستمرّ هذا النهج في مختلف عهود حكمهم سواء في داخل الأندلس أو خارجها، فنرى بعض الدول مثل دولة المرابطين (448 - 541هـ) التي كانت تستند فقهيّاً إلى المذهب المالكي، منعت حتّى تأسيس المدارس الخاصّة، وتبنّت هذه الدولة الاتِّجاه الأشعري فآمنت بضرورة البيعة للخلافة العباسيّة، ممّا أدّى إلى انعدام الأجواء المناسبة لظهور الفكر الشيعيّ في المغرب والأندلس بشكل نهائيّ (19) . وقد وقع المفكِّرون والناشطون العلويّون في الأندلس تحت وطأة الملاحقة، حتَّى أنَّ مؤلِّفاً شيعيّاً شهيراً مثل محمد بن أبي بكر القضاعي المعروف بابن الأبار (595- 658هـ) صاحب كتاب (معدن اللجين في مراثي الحسين (عليه ‏السلام)) ، (الحلة السيراء) و(در السمط في أخبار السبط) ـ وهو كتاب نثرٍ مسجّع يروي فيه واقعة كربلاء ـ انتقل إلى تونس بعد سقوط بلنسيه، فقُبِضَ عليه بتهمة التشيّع ومعارضة السلطان الحفصي محمد الأوّل، وفي سنة 658هـ أمر السلطان بقتله وإحراق جميع كتبه (20) .
وممَّا تقدَّم يتَّضح أنَّ مختلف الأساليب اتُّخذت لمواجهة العلويين وأتباعهم في الأندلس. ولا تختلف تلك الأساليب عمّا اتُّبِعَ في بقيّة البلاد الإسلاميّة، وقد
________________________________________
(18) هولت، السابق، ص 257.
(19) باك، السابق.
(20) آل علي، السابق، ص 286؛ باك، السابق، الأمين، السابق، ج9 ص 388.

[الصفحة - 148]


تقدَّمت الإشارة إلى بعضها، ومنها سياسة الاتِّهام، وأهمُّ التّهم الموجَّهة للعلويّين في بلاد الأندلس إنكار نسبهم العلويّ، اتّهامهم بمعاقرة الخمر، الفسق، الكفر والزندقة، اتّهامهم بأنّهم خوارج. وقام أعداء العلويّين أيضاً بتشويه حقيقة التشيّع ونسبته إلى اليهوديّة والمسيحيّة. واللافت للنظر أنّ هذه التُّهم الموجّهة للعلويّين لم تقتصر على حكَّام الأندلس بل تجاوزتهم إلى العلماء المعاصرين للحكم الأمويّ في الأندلس، فعندما ثار عبد الله بن محمد ضدّ عبد الرحمن الدّاخل الأمويّ في الأندلس، اشتهر في مصادر أهل السنة التاريخيّة بلقب (الشقنا) ومعناه النزر القليل. ويرى ابن خلدون أنّه كان مدّعياً في انتسابه إلى الحسين الشهيد (عليه ‏السلام) (21) . والأنكى من ذلك أنَّ ابن حزم الأندلسيّ في كتابه (الفصل في الملل والنحل) وبعد سنوات من سقوط دولة بني حمّود العلويّة في الأندلس أظهر الكثير من العداء للشيعة، وأخذ يُكيل لهم الأكاذيب والتُّهم ويظهر عداءه الجليّ لأهل بيت النبي(عليهما السلام) وللشيعة، فأخرج الشيعة من دائرة المسلمين، وأجرى عليهم حكم اليهود والنصارى (22) .
ويُمكن القول إنَّ الفاطميّين هم أكثر فرق العلويين تعرّضاً لهجوم المعادين خصوصاً أيّام المعزّ الفاطميّ، ويعود ذلك إلى أنّ الفاطميّين أعلنوا بعض شعائر الشيعة، مثل مجاهرتهم في الأذان بـ (حيّ على خير العمل)، وإقامة مراسم عاشوراء والاحتفال بعيد الغدير بشكل رسميّ علنيّ، واختيار التسميات الشيعيّة كإطلاق اسم السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) على دولتهم، وتسمية المسجد الأزهر باسم الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله (عليهما السلام) جدَّة الخلفاء الفاطميّين، ممّا جعل أعداءهم يضعون على رأس أولويَّاتهم إنكار انتساب الفاطميّين للسيدة الزهراء(عليها السلام)، ونفي كونهم من العلويّين أصلاً. ولم يقتصر الأمر في هذا المجال على دائرة أتباع المذهب السنيّ، بل تعدَّاه إلى بعض الفرق الشيعيّة والدول العلويَّة أيضاً، حيث قاموا بخطوات ضدَّ بعض الفرق العلويَّة الأخرى وخصوصاً ضدّ الفاطميين، فنرى
________________________________________
(21) ابن خلدون، السابق، ص 123.
(22) الأمين، السابق، ج1 ص 40.

[الصفحة - 149]


أن دولة آل بويه رفضت التعاون مع الفاطميّين لمجابهة الدولة الغزنويّة السنيّة (518- 351هـ)، وشكَّك البويهيّون في نسب الفاطميّين. وفي أيَّام عضد الدولة البويهيّ (372- 338هـ) شعر بالخطر من الفاطميين فأمر بتشكيل هيئة من بعض العلويّين تسعى لإبطال نسب الفاطميّين ممَّا أدَّى إلى إيجاد انشقاق سياسيّ بين الدولتين العلويِّتين (23) .
أدّى استحكام العداء والتنافر بين حكَّام الأندلس والفاطميّين إلى أن يتَّخِذَ كلٌّ منهما مختلف الأساليب ضدَّ خصمه، وتمثَّل ذلك بقيام حرب باردةٍ بينهما، ورواج عمليّة إرسال الجواسيس بين البلدين. وقد وجّهت لبعض المؤرخين الأندلسيين مثل ابن حوقل وابن هارون البغداديّ تهمة التجسّس لصالح الدولة الفاطميّة، وأدَّت هذه التوتّرات في نهاية المطاف إلى أن يرى عبد الرحمن الناصر في سنة 316هـ أنَّ الخلافة في الأندلس في حالة حربٍ مع الدولة الفاطميَّة، فقام بتحريك وتحريض قبائل المغرب ضدّ الفاطميِّين (24) .
لم يقتصر التعصّب ضدَّ الدول الشيعيّة المتقدِّم ذكرها على تلك العهود، بل ما تزال بعض مؤلَّفات المعاصرين مشحونةً به، فنرى أنّ مؤلِّفَ كتاب (الدولة الأيوبيّة) يُطلق تسمية (مؤامرة عمّار) على الثورة التي قادها عمّار اليمنيّ الشاعر الفاطميّ (648- 567هـ) ضدّ الدولة الأيوبيّة السنيّة وسعى من خلالها إلى إعادة الحكم الفاطميّ في مصر (25) . ومؤلِّف كتاب الدولة الأمويّة في الأندلس يُنكِر تشيّع الأدارسة وهم بلا شك مؤسِّسو أوّل دولة شيعيّة في العالم (26) .
وبناءً على ما تقدَّم فإنَّ الأوضاع المتشنِّجة وما تمخَّضت عنه من أجواء سياسيّة دينيّة خانقة في الأندلس لم يقتصر تأثيرها على نطاق العلويّين فحسب بل تجاوزهم وشملت المفكِّرين غير الشيعة أيضاً، وجعلتهم في حرجٍ من إعلان عقائدهم بصراحة، فأدَّى ذلك إلى عرقلة نموِّ وازدهار روح النقد في مجال البحث العلميّ بشكل عام. وبمطالعة الكتب التاريخيّة المدوَّنة في تلك الحقبة نلاحظ أنَّ
________________________________________
(23) أحمد بن علي المقريزي، المواعظ والاعتبار، (بيروت، دار الكتب العلمية، 1418ق)، ج2 ص 329؛ هولت، السابق، ص 258.
(24) خليل ابراهيم السامرائي، تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، (بيروت، دار المدار اسلامي 2004م)، ص 169 171.
(25) محمد سهيل طقوش، دولت ايوبيان، ترجمة عبد الله ناصري طاهري (قم، حوزه ودانشكاه 1380ش)، ص 41.
(26) نعنعي، السابق، ص 323؛ السامرائي، السابق، ص 169 171.

[الصفحة - 150]


هناك قواعد حاكمة على تدوين التاريخ في العهد الأندلسيّ يُمكن لنا أن نستكشف من خلالها وبنحوٍ ما سيطرة أجواء الانغلاق على تلك البلاد الإسلاميّة، فكان من العلائم الشاخصة للتدوين التاريخيّ في الأندلس ندرة النقد أثناء عمليَّة التدوين التاريخيّ، فباستثناء ابن حزم الأندلسيّ (د: 462هـ) والقاضي ساعد الأندلسيّ (د: 462هـ)، لم يجرؤ أحد من المؤرِّخين على تحليل الأوضاع السياسيّة والدينيّة السائدة في تلك البلاد، وقد وقع بعض المؤرِّخين الذين حاولوا تقديم تحليل لتلك الأوضاع في شراك التعصب الطائفي أو في مصائد أُخرى (27) .
أحمد بن زيدون المخزوميّ الأندلسيّ (464 ـ 394هـ) أحد الشعراء المشاهير، وهو من الشخصيّات الثقافيّة والعلميّة الدينيّة الأندلسيّة التي تعرَّضت في ذلك العهد لمضايقة حكَّام الأندلس، فهرب في نهاية الأمر من قرطبة مركز الخلافة الأمويّة في الأندلس، ولجأ إلى المعتضد العباديّ في أشبيلية، وتعرَّض ابنه أبو بكر لهذه المضايقة أيضاً، وقتل في سنة 484ه (28) بعد فتح قرطبة على يد يوسف بن تاشفين (500 ـ 479هـ) مؤسِّس دولة المرابطين. وكذا يوسف بن عبد الله بن عبد البرِّ القرطبيّ الأندلسيّ (463 ـ 368هـ)، صاحب الاستيعاب في معرفة الأصحاب، هاجر عن وطنه بعد الاضطرابات والمِحَن التي شهدتها قرطبة، ويقال: إنَّه كان أوَّل أمره على مذهب الظاهريّة ثمّ تحوَّل إلى المذهب المالكيّ مع ميلٍ إلى فقه الشافعيّ في الأحكام (29) . وأيضاً محمد بن سليمان بن الحنَّاط الزعيني القرطبيّ، الشاعر نزيل قرطبة، اختفى منها بعد اتِّهامه في دينه، وبعد أن دخل الجزيرة لجأ إلى القاسم بن حمود (414 ـ 408هـ)، وانتهى به الأمر إلى أن قُتل مع القاسم في الجزيرة سنة 473ه (30) . ومن العلماء الذي كان يخشاهم حكَّام الأندلس، محمّد بن عمّار الأندلسيّ الشلبيّ (477 ـ 422هـ)، يكتب ابن خلكان عن هذا الشاعر الأندلسي: «... وكانت ملوك الأندلس تخاف من ابن عمّار المذكور لبذاءة لسانه وبراعة إحسانه...». وكان مصير ابن عمار القتل على يد المعتمد بن عبّاد (31) سنة 477هـ .
________________________________________
(27) هادي عالم زاده، تاريخ نكاري در اسلام (تهران، سمت 1379ش)، ص 70.
(28) الأمين، السابق، ج1 ص139؛ حتي، السابق، ص 715.
(29) ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب (اردن، دار الاعلام، 1423ق)، ص 11.
(30) ابن سعيد مغربي، المغرب في حلي المغرب (قاهرة، دار المعارف 1955م)، ج1 ص 121 123.
(31) ابن خلكان، وفيات الأعيان، (دار الثقافة، لبنان).

[الصفحة - 151]