البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التشيّع بين السياسة والتأريخ

الباحث :  مجيد محمّد علي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  54
السنة :  السنة الرابعة عشر صيف 1430هجـ 2009 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  167
التشيّع بين السياسة والتأريخ

مجيد محمّد علي (*)

صدر هذا الكتاب في مايو عام 2007 ومؤلِّف الكتاب هو الأستاذ مختار الأسدي، وجاء في أربعة فصول، جاء الفصل الأوّل منه تعليقات وهوامش سريعة على كتاب الأستاذ حسن العلوي «عمر والتشيّع», وجاء الفصل الثاني تحت عنوان: وقفه سياسيّة مع السيِّد حسن العلوي في كتابه: «الشيعة والدولة القوميّة»، فيما كان الفصل الثالث وهو الأهمّ تحت عنوان: «تأملات في التشيّع .. قراءة جديدة»، وتناول الفصل الرابع والأخير عرضاً سريعاً لسيرة وشخصيَّة الإمام عليّ (عليه ‏السلام) باعتباره منهجاً وسلوكاً وليس هويةً وانتماءً ـ حسب العنوان الذي وضعه الكاتب لهذا الفصل.
جديرٌ ذكره أنّ هذا الكتاب أو جزءاً منه كان قد نشره «مركز الهدى للدِّراسات الحوزويّة» ووضعه تحت عنوان: «حسن العلويّ وشيعة العراق»، وقد أخذَ المركز المذكور الفصل الخاص بالهوامش والتعليقات ونشره في كرَّاس خاصٍ جاء على ظهر غلافه ما يلي:
«تبقى المسافةُ شاسعة بين السياسة والتاريخ، كما هي بين الدِّين والسياسة، وأنّ أيّة محاولة للتجسير بين هاتين المُعادلَتين تبقى ناقصةً إذا لم يكن المُجسّر مُلِّماً بأبعاد كلٍّ منهما». وأضاف: «كان يُمكن للسيِّد العلويّ أن يجعل من مقولته الشهيرة: «كان عُمر دولة الإسلام، وعليّ إسلام الدولة» مدخلاً جيَّداً لكتابه، ولكنَّه مع الأسف لم يمرّ
________________________________________
(*)كاتب من العراق.

[الصفحة - 253]


على هذه المقولة، فترك القوم في طرقٍ شتَّى لا يهتدي فيها الضالّ ولا يَستيقن المهتدي... نعم لقد وُفّق الرجل كثيراً في السياسة، ولكنَّه أخفق في التأريخ... ».
أمَّا ما أورده السيَّد الأسديّ على ظهر كتابه : «التشيّع بين السياسة والتاريخ» فكان ما يلي:
«جاء هذا الكتاب تعليقات وهوامش سريعة على كتاب الأُستاذ حسن العلويّ «عمر والتشيّع»، لعلّه يبيّن معماريَّة جديدة غير تلك التي بناها السيِّد العلويّ أو حاول بناءها مشكوراً، وذلك بتقديم قراءة جديدة للتشيّع تقوم على أساس المنهج والسلوك، وليس على أساس الهويَّة والانتماء» مُضيفاً:
«لقد مرّ الكتاب على السياسة مروراً، ولكنه توقف عند التاريخ؛ ... لكي يجعل السياسة في خدمة التاريخ ـ وليس العكس ـ كما هو حاصلٌ مع الأسف الشديد.
نعم إنّ التشاهر في خطاب الملاعنة الموجود في التأريخ والمُقيم في الحاضر، سيظلّ يبحث عمّن ينفُخ في مادةٍ لإذكاء نيران الصراع الطائفيّ البَغيض، وجرّ المسطّحين إلى ميادين القتال...
وكما ستظلّ الحاجةُ قائمةً للتمييز بين المذهبيَّة والطائفيَّة، أو بين الإنتماء الطائفيّ والتمييز الطائفيّ، فإنّ هذه الحاجة ستبقى قائمةً للتمييز بين سخط الأقلّية ورضا الأكثريّة، أي في ضوء مقولة الإمام عليّ(عليه ‏السلام): «فإنّ سخط العامة يُجحف برضا الخاصّة، وإنّ سخط الخاصَّة يُغتفر مع رضا العامة.
وهذه المعادلة لم ينتبه إليها «السيِّد العلويّ» في كتابه المذكور عن «عُمر»، فجاء خلطاً مُجحفاً بين السياسة والتأريخ مع الأسف الشديد.
ويروح المؤلِّف «مختار الأسدي» في كتابه «التشيّع بين السياسة والتاريخ» وتحديداً في الفصل الأوّل من الكتاب، يُناقش السيِّد العلويّ في أهمِّ ما ثبّته الأخير في كتابه «عُمر والتشيّع» وتحت عناوين لافتةٍ استقاها «الأُستاذ الأسديّ» من مضامين كتاب «العلويّ»، ولم يخرج عنها إطلاقاً، فجاءت تعليقاته وهوامشه فعلاً
________________________________________

[الصفحة - 254]


مناقشةً علميَّةً هادئةً لسطور كتاب السيِّد العلويّ وما اكتنفته تلك السطور، في أفكار وتحليلات من قبيل: اعتراف السيِّد العلويّ بالقطيعة بين «علي» و«عمر»، والتي سمَّاها «خصومة أو منابذة»، وإنْ قال إنّها لم تدُم أكثر من ستَّة شهور، وهكذا الصلاة المُشتركة التي أحصاها السيِّد العلوي بأكثر من ثمانية عشر ألف صلاة كان الخليفتان يُفترض أنّهما صلّاها معاً في المسجد النبويّ، وإنْ لم يُحدّثنا التاريخ عنها كثيراً، ومثلها عدم تمييز السيِّد العلويّ بين منقبة «عمر» التي سمّاها «منقبة إملاء فراغ السلطة»، ومنقبة الإمام عليّ (عليه ‏السلام) سمّاها «منقبة الانشقاق»، فيما الفرق كبير بين المنقبتين كما أوضح ذلك «الأُستاذ الأسدي» وبلغةٍ متينةٍ، وتحليلٍ متين، ورؤية علميّة تستحقّ هذه القراءة.
هذا وقد جاءت التعليقات الأُخرى بنفس المستوى من التحليل والدراسة المتأنيَة رغم اختصارها، إذْ راح «الأسديّ» يناقش «السيِّد العلويّ» في منهجيَّة الخليفتين، وأيّهما أجدر بالأتّباع أو أولى بالترجيح وبلغةٍ هادئةٍ ابتعدت عن أيّ تجريحٍ أو تعريضٍ، أو لغة مزايدات أو مساومات أو تسويات ربَّما لا تُسعف القارئ المطّلع أو دارس التاريخ الموضوعيّ عند دراسته لهاتين الشخصيَّتين التاريخيَّتين.
وقد ركّز «السيّد الأسدي» في هوامشه هذه على تحليل مشهد احتضار النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)، وكيف طلب كتفاً ودواة ليكتب كتاباً لن «يضلَّ المسلمون بعده أبداً»، ورفْض «عُمر» أو عدم استجابته لطلب النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بقوله: «حسبُنا كتاب الله»، وغَضب النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) بعد ذلك وما في هذا المشهد والطَّلب والرفض من حيويَّة حركيَّة تختزن الكثير الكثير ممَّا يُمكن تحليله والتعليق عليه.
هذا المشهد الحاضر في ضمير التاريخ وضمائر المسلمين ـ حسب تعبير الأُستاذ الأسديّ ـ حظيَ بتعليقٍ مفصَّل في الفصل الثالث من الكتاب، تناول فيه الكاتب رغبة النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) هذه بالتعليق والتحليل، لا لأصالة المكتوب، وإنّما لأصالة الطلب وعدم تلبيته من قبيل العديد من الصحابة، وموقف النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) من عدم الاستجابة هذه، وقضيّة الابتلاء، وتجربة الخطأ والصواب، ومسألة الشورى واحترام
________________________________________

[الصفحة - 255]


النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) لأصحابه، وما إلى ذلك في رؤىً عميقة كان «مختار الأسدي» قد أتى عليها بتأمّلٍ جديرٍ بالقراءة، وبأُسلوب ممتَازٍ وقراءةٍ متأنيِّة دقيقة لهذا الحدث وغيره.
سبُّ الصحابة
أمّا موضوع سبّ الصحابة، الذي أفرد له الكاتب عدَّة صفحات، فقد جاء هو الآخر تحليلاً علميَّاً يُعبّر عن شعورٍ عالٍ بالمسؤوليّة حيال ما جرى ويجري على المسلمين اليوم بسبب هذه «اللُّغة التاريخيّة»؛ وكيف جرّ السياسيِّون المسلمين إليها لتعبئتهم وتجييشهم لتحقيق مكاسب وأهداف سياسيّة لا علاقة لها بمواقف الصحابة أو اجتهاداتهم أو آرائهم.
كما ميّز الكاتب بين السبّ والتخطئة، وبين اللعن والمساءلة، مشدّداً على ضرورة دراسة موضوعة «عدالة الصحابة»، وهل الصحابة جميعهم «عدول»؟ أم أنّ فيهم «الكرام البررة» فعلاً، وفيهم «الفسقة الفجرة» ـ حسب تعبيراته ـ من أمثال الحكم بن أبي العاص، ومسلم بن عقبة، والوليد بن عقبة، وعدد من الطلقاء وأبناء الطلقاء ممَّن لعنهم الله تعالى في كتابه ولعنهم رسوله ولعنهم المؤمنون.
نعم، لقد ندّد «السيّد الأسديّ» بقيام بعض عوام الشيعة بسبّ «الشخصيّة» واعتبر ذلك شيئاً بغيضاً لا يصحّ أن يستمرّ في أوساط المسلمين رغم أنّ أساس هذا السبّ جاء كردّ فعل على سبّ الأمويين للإمام عليّ(عليه ‏السلام) على المنابر، مؤكّداً أنّ هذا السبّ لم يخدم المسلمين في ماضيهم، ولن يخدمهم في حاضرهم، ولا في مستقبلهم، كما أشار في كتابٍ آخر له سمّاه «سبّ الصحابة بين الموجبة الجزئيَّة والسالبة الكليَّة»، والذي يبدو أنه نُشر في بيروت قبل هذا الكتاب.
تأمّلات في التشيّع
الفصل الثالث الذي قلنا إنّه أهمُّ ما في الكتاب، والذي وضعه تحت عنوان «تأمّلات في التشيّع» أو قراءة جديدة للتشيّع، جاء دراسة تحليليّة متأنية جديدة للمشهد المذكور، أي «مشهد احتضار النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم)» وضع فيه المؤلِّف أجوبةً شافيةً
________________________________________

[الصفحة - 256]


للعديد من التساؤلات التي تُزاحم العقل المسلم «الشيعيّ والسنيّ» على حدّ سواء، وربما تُثير تساؤلات عديدة أُخرى قلّما يجرؤ على إثارتها الكتّاب والمؤرِّخون الإسلاميِّون المُعاصرون بحكم ما قيّدهم به الموروث الدّيني من جانبٍ، وبحكم سطوة قبضة المؤسَّسة الدّينيّة على التراث وتفسيره وقراءته من جانب آخر.
ولعلّ أهم التساؤلات التي أثارها الكاتب هي:
1ـ لماذا لم يصرّ النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) على الكتابة لتحديد معالم تلك «الوصاية العقائديّة» ـ حسب تعبيرات السيد الشهيد الصدر الأوّل ـ؟ ولماذا لم يحدّد النبيّ شخصها بلا غضبٍ أو ألم ما دامت المسألة على ذلك المستوى من الأهميّة، ولأنّها نصّ جليّ وأمر صريح وواضح ومن السماء ولا يقبل أيّ جدل أو نقاش أو تأويل؟ بل، لماذا دفعه «جدل القوم» الذين اجتمعوا حوله ساعة احتضاره(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) إلى الصمت والتنديد بهم فقط، واكتفائه بقوله لهم «قوموا» معتبراً ذلك كافياً لتلقينهم الدرس الذي يجب أن يتعلّموه ويدفعوا ثمن تعلّمه أو تعليمه؟
2ـ ما دامت عمليَّة الشورى لم تُمارس زمن النبيّ، ولم يجرِ التثقيف عليها، ولم يحدّد نظامها وآليّاتها، فلماذا قبل عموم المسلمين بتلك «السقيفة الشورويّة» الهشّة، وخاصَّة الأنصار، ولم يعترض عليها إلاّ القلّة القليلة منهم «وهم الشيعة»، علماً بأنّ انتخاب الأوّل «الشورويّ» كان (فلتةً وقى الله شرّها) كما وصفها الثاني؟ وإنّ الثانية جاءت بنصّ من الأوَّل، فلم يعترض عليها أحد؟! وجاءت الثالثة في نفس السياق ودون اعتراض، وهذا ما ذكرته الكُتُب المُسندة والمعتَبرة في المدرستين.
3ـ إذا كانت الأكثريّة قد رضيَت بتلك السقيفة، ولم يحاول المُعترف الأوّل عليها أنْ يصول «بيد جذّاء»، بل رأى أن يصبر على «طخيَة عمياء»، وما دام أكثر الصحابة الذين كانوا حاضرين ساعة احتضار النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) قد رضوا بعدم ضرورة الكتابة، وترْك النبيّ للموضوع، فهل يعني هذا أنّ النبيّ(صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) اختار لهم في النهاية طريق «الابتلاء» الذي لا بدّ منه لتأهيلهم ولو بدفع ضريبة عدم الطاعة وتحمّل نتائجها؟!
________________________________________

[الصفحة - 257]


وهذا ما قاد المؤلِّف إلى إثارة التساؤل الرابع وهو:
4ـ هل نستطيع القول هنا: إنّ هناك طريقين للتأهيل والقيمومة، هما: طريق «الوصاية العقائديّة» بتعيين واحدٍ يعقبه آخر، وهذا هو الطريق الأقلّ كلفة في مسيرة كلِّ ثورة تغييريّة لاختصار المعاناة طبعاً، أو طريق «الابتلاء» الذي تختاره الأكثريَّة من أجل الوصول إلى التأهيل المطلوب؟
وبالتالي، فهل يمكن القول بأنّ النبيّ (صلى‏ الله ‏عليه ‏و ‏آله ‏و سلم) ألقى الحجَّة وترك تلك الأكثريَّة تُواجه مصيرها الذي اختارته لتستذكر غضب النبيّ، ولا تلوم إلاّ نفسها أيام المِحَن والابتلاءات والتي ما نزلت إلاّ بسبب عدم انصياع الأكثريَّة لأمر نبيّ ما أراد بأمره ذاك إلاّ الخير لأُمّته، فاختارت الأُمّة «الأكثريَّة» الطريق الوعِرَ المرض لها، تاركةً المفيد والنافع الأفضل؟ وهكذا همُ الناس دائماً، وهذا هو الابتلاء المرغوب، بل المطلوب أحياناً ومِنْ أكثريَّة الناس لا من أقلّيتهم، طبعاً، وفي كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
وهكذا يستمرّ السيِّد المؤلِّف يُحلِّل ويَستنتج ويُضيف ويُعمّق إلى ما لا يُمكن عرضه جميعاً في هذه القراءة السريعة، مع تساؤلات وإضافات أُخرى جديرة بأن تُتابَع في متن الكتاب؛ لدقّة ما جاء فيها وحساسيّته وجدّيته، بل جِدَته على المدرستين «السنّية والشيعيَّة».
وقفة سياسيّة مع كتاب العلويّ الشيعة والدولة القوميّة.
وفي الفصل الثاني من الكتاب الذي سمّاه «وقفة سياسيّة مع الأُستاذ حسن العلويّ ومظلوميّة الشيعة في العراق» راح الأُستاذ الأسديّ يُناقش العلويّ في كتابه الموسوم بـ «الشيعة والدولة القوميّة»، وكيف أنّ الأخير قد ناقضَ بعض الشيء في كتابه «عمر والتشيّع» ما كان كتبه في كتابه الأوّل «الشيعة والدولة القوميّة»، مُشيداً طبعاً بوقفة السيِّد العلويّ الشُجاعة في كشف مظلوميّة الشيعة في حقبة «صدام حسين» تحديداً، ومذكّراً بأهمِّ ما أورده «السيِّد العلويّ» عن التمذهب الرسمي لحكومة صدام، وما جرّته على الشيعة أو ألحقته بهم من حيفٍ وإقصاءٍ واضطهاد
________________________________________

[الصفحة - 258]


أفصح عنه العلويّ وبالأرقام والشواهد، ما أثار وما زال يُثير الإعجاب في وثائقيّة الرجل واستدلالاته وتأكيد ما أراد توثيقه أو توثيق ما أراد تأكيده.
ولعلّ أهمَّ ما أشار إليه المؤلِّف حول كتاب العلويّ هذا وأرقامه وشواهده المُعتَبرة، وفي معرض المقارنة بين كتاب العلويّ الأخير «عمر والتشيّع» قوله:
1ـ لقد أشار العلويّ أنّ بسطاء الشيعة وعوامّهم يسبّون عمر بن الخطاب، ولكنَّهم لم يمارسوا القتل بحق السنّة تأريخياً، وهذا امتياز لهم ـ حسب تعبيره ـ فيما السنّة لا يسبّون علياً ـ وذلك امتياز لهم أيضاً ـ ولكن عوامّهم يلعنون الشيعة وبعضهم يقتلونهم أو يبرِّرون قتلهم، ولهم في ذلك صولات وجولات.
2ـ أشار العلويّ أنّه كتب كتابه «الشيعة والدولة القوميّة»؛ لأنَّ الأغلبيَّة الشيعيَّة، «أي شيعة العراق» كانوا مظلومين ـ وتحديداً في عهد صدّام ـ بسبب الطائفيّة السياسيّة المقيتة التي استُخدمت ضدَّهم، وها هو اليوم يكتب كتابه الجديد «عُمر والتشيّع» لعقد مصالحةٍ وبناء المعماريّة الجديدة، لأنّ السنّة ـ كما يصوّر ـ ظُلموا أو سوف يُظلمون في العراق المحكوم شيعيّاً... وبالتالي فإنّهم مستعدِّون اليوم لتنفيذ عمليَّاتهم «الاستشهاديّة». انتحاريون... استشهاديون يقتلون بدم بارد وعن عمد وسبق إصرار (1)؛ دون أن يميّز السيد العلويّ، أو يكشف الفرق بين من يلعن ويكفّر وبسبّ ويشتم فقط، وبين من يلعن ويكفرّ ويقتل أيضاً وبدمٍ بارد وبنيّة الجهاد، تأسيّاً لمشروعيّة القتل وشَرعنته والتنظير له.
4ـ تأكيد «السيِّد العلويّ» بأنّ «الطائفية الشيعيّة» تأريخيّاً أيضاً ذات طابع نظريّ تتحدّث عادة عن أفضليّة الإمام عليّ في الخلافة وتؤكّد على مسألة النصّ والتعيين في التأريخ، فيما «الطائفية السنّية» لا تعيش في التاريخ هكذا، ولا تبحث عن حقِّ عُمر في الخلافة أو حقّ عليّ، وإنَّما تبحث عن قريبٍ يحتلّ المركز الفلانيّ في السلطة، ونسيب يحتلّ الوظيفة الكذائية فيها وهكذا (2)).
5ـ تأكيد السيِّد العلويّ أيضاً على أنَّ الطائفيّ الشيعيّ البسيط إنِّما هو داعية
________________________________________
(1)في إشارة طبعاً إلى ما مارسه أو يُمارسه عناصر تنظيم القاعدة في العراق من قتل وإبادة بحقّ الشيعة.
(2)راجع كتاب (الشيعة والدولة القوميّة): 206، الطبعة الأُولى والثانية، مطبعة قلم.

[الصفحة - 259]


حزين يمارس «طائفيّته» بوحدة مشاعر عاطفيّة، في البكاء على مصائب أهل البيت والتذكير بمناقبيّتهم ومظلوميّتهم على امتداد التاريخ، ولم تكن هذه الطائفيّة يوماً قائمة على وحدة المصالح والمغانم وتوزيع الامتيازات والمشاركة في السلطة، بل إنَّها وحسب تعبيراته المعبرّة تصنيفيّاً كما يلي:
«إنّ هؤلاء )أي الشيعة( يَتشاركون في البكاء، وهؤلاء )أي السنّة( يتشاركون في السلطة... وقد يكون ذلك طبيعيّاً؛ فهذا يَلطم وهذا يحكم، والبكاء صراخ، والحُكم حكمة وصمت وعمل... » (3).
ولعلَّ من جميل ما أورده «السيّد حسن العلويّ» وأثنى عليه «السيّد مختار الأسدي» في مسألة الطائفيّة هذه هو قوله الأوّل:
«إنَّ التمييز الطائفيّ وليس الانتماء هو الذي يجعل الإنسان طائفيّاً. لكن المألوف الرسميّ للمعنى الطائفيّ أفسحَ المجال لتداخُل مفهومات المذهبيّة والطائفيّة والتمييز الطائفيّ. وقد أدَّى هذا التداخل دوره في حماية المؤسَّسة الطائفيَّة. فلم يقترب من الردّ على صيغة تمذهب الدولة القوميَّة كاتب عراقي هروباً من تهمة مخيفة تزرع الرعب في أوصاله... » (4).
وفي معرض التعليق على هذا الكتاب وكاتبه يُشير «الأُستاذ الأسديّ» إلى هذه الإثارة المعبّرة للسيّد العلوي بالتحديد، قائلاً:
«هذا ما ذكره السيّد العلوي نصّاً، وذيّليه بتوقيعه في لندن عام1990 عندما كان مركوناً ـ حسب تعبيره ـ قرب حديقة الهايد بارك، وهو يسمع ويشاهد بأُمّ عينيه فقراء الشيعة المنزوعي الهوية مركونين على الأرصفة في شرق الأرض وغربها، وليس على رصيف السيِّدة زينب فقط، فينبري شجاعاً لا ترتعد أوصاله ليقول وبكلِّ صراحةٍ ووضوح: إنّ أزمة الدولة الواقعيّة ستحتاج إلى الكثير من الكتابات الطائفية».
ويُضيف الأسدي:
________________________________________
(3)المصدر السابق: 268.
(4)المصدر السابق: 9.

[الصفحة - 260]


«وإذا اكتفينا بهذه الإشارات... هل يحِقّ لنا أن نسأل أنّ كتاب السيِّد العلوي ـ عمر والتشيّع ـ جاء عن هذا السياق، أم أنّ تغيّر الظروف والأحوال وتبدُّل مراكز القوّة هو الذي جعله يَنبري لكتابة هذا الكتاب؟ وهل تصحّ ثلاث سنوات مقياساً لتغيّر البوصلة ـ أي السنوات التي مرّت على سقوط الطاغية في بغداد ومجيء العراق الجديدـ لا سيَّما وأنّ هذه السنوات كان فيها من أجندات الإرهاب، ومشاهد الموت والدم، وتدخّل الشارد والوارد، ومَنْ هبّ ودبّ في شؤون العراق؟ هذا أولاً.
وثانياً: هل يتحّمل العراق «الشيعيّ»، الأمريكي القرار!! وليس العكس، المستهدَف صدّامياً وتكفيريّاً وزرقاويّاً ووهابيّاً، مسؤوليَّة صياغة أجندته الداخليّة والخارجيّة وتداعيات ذلك على وضع الناس الفقراء المنزوعي الهويّة داخله وخارجه؟!
أقول ـ والكلام للسيّد الأسدي طبعاًـ : هل يصحّ لأخينا العلويّ أن يُبرّر نقلته هذه، بهذه السرعة، ويُصدر حكماً على شيعته فيه من التسرّع، إنْ لم نقل الاستعجال أو التجنّي بقوله: «إنّ كتاب الشيعة والدولة القوميّة يَستهدف نقد تمذهب الدولة وظهور مذهبٍ حاكمٍ يستأثر بالسلطة وامتيازاتها، ومذهبٍ محكومٍ ومحرومٍ في دولة تَطرح خطاباً قوميَّاً في الداخل والخارج؟ ومن العدالة انتصار كتابنا للمذهب المحكوم والمحروم».
ويُضيف الأُستاذ الأسديّ هنا وبلا فاصلة، قائلاً:
«ولكنه )أي العلويّ( وفي نفس الصفحة وحرصاً على إنقاذ الشيعة من تحمّل أعباء العزلة والقطيعة، خاصَّة وأنّ القضيَّة تنتقل من تخوم التاريخ إلى أزقّة الحاضر، نراه يقول: «أمّا وقد سقَط النظام القديم، وظهر نظام أعطى للشيعة دوراً أساسيَّاً في صناعة القرار السياسيّ، وبرلماناً هم فيه الإغلبيّة شبه المطلقة، فقد أوشك أن يكون الشيعة همُ المذهب الحاكم وأهل السنّة هم المذهب المحكوم». وكأنّ القضية قُسّمت هكذا بين حاكمٍ ومحكومٍ بهذه العجالة، وأنّ المحكوم الحالي حقّ له على السيّد العلوي أن ينتصر له كما انتصر للمحكوم الأوّل الذي استمرت (محكوميّته) سبعين سنة فيما الثاني (أوشك) أن يكون الحاكم، دون أن يُنصف
________________________________________

[الصفحة - 261]


الحاكم الجديد أو يمهله ولو شهوراً للخروج من أزمته الحاليّة وهو بين (زرقاويّ) و(وهابي) و(صدّامي) و(تكفيريّ) يعرَفهم السيِّد العلويّ قبل غيره، ويعرف ما فعلوه ويفعلوه في اللطيفيّة ومثلث الموت من ذبحٍ في الهواء وقطع رؤوس وعبوات وأحزمة ومفخّخات، يبدو أنّ إخواننا السنّة سبقوا السيد العلوي صحوتهم لتشخيصها (5)مع اعتذارنا له طبعاً، وراحوا يَتصدّون لمواجهة في أعدائهم وأعداء هذا (المحكوم التاريخيّ) بُغية إيجاد الثنائيّة الموعودة التي بشّر ويبشّر بها السيِّد العلوي وتحقيق لحظة اللقاء بين (رَبع) جماعة عليّ (ورَبع) جماعة عمر ليعودوا إلى الصلاة في المسجد النبويّ ويستكملا ثمانية عشر ألف صلاة مشتركة بين عليّ وعمر هناك».
ولم يفُت على الأُستاذ الأسديّ في كتابه هذا وفي هذا الفصل تحديداً أن يَستحضر أهمَّ الأرقام التي ثبتّها السيّد حسن العلويّ في كتابه عن الشيعة والدولة القومية من قبيل: تمذهب الوزارات، وكيف أنّ من بين 59 وزارة ملكيّة مثلاً لم يكن هناك أكثر من الجمهوريّ وبين الأعوام 1958ـ1988 فقد أشغل الوزارة رجل شيعيّ مرة واحدة ولمدَّة عشرة شهور فقط خلال ثلاثين عاماً.
وعلى نفس الشاكلة، بل أسوأ سار مخطَّط البعث أو ما سمّاه الكاتب (المخطّط للبعث) من قبيل: تَمذهب الصحافة، وتَمذهب الإعلام، عدا ما يأتي هنا وهناك أحياناً من أجل ذرّ الرماد في العيون أو توظيف بعض الشخصيّات الشيعيّة ليكونوا رأس حربة أو مروّجين ومطبّلين لنظام صدّام، حيث شغل السيِّد العلويّ نفسه منصب رئيس تحرير مجلة ألف باء الرسميّة الحكوميّة، قبل إبعاده عنها بعد فترة، حيث راح النظام يطارده ـ كما يقول ـ وهكذا ما فعله وزير الإعلام الشيعيّ السيّئ الصيت محمّد سعيد الصحّاف وأمثال ذلك.
التشيّع منهج وسلوك وليس هويّة وانتماء
وفي الفصل الرابع من الكتاب الذي وضعه الأُستاذ المؤلِّف تحت عنوان
________________________________________
(5)إشارة إلى ما سميّ (صحوة المحافظات) وتشكيل مجالس (إنقاذ) و(إسناد) لدعم التحرّك الجماهيريّ في مواجهة عناصر القاعدة، بعد أن كانت بعض هذه المحافظات حواضن وملاذات لهذه العناصر لشهور وسنين.

[الصفحة - 262]


«التشيّع منهج وسلوك أم هويّة وانتماء؟» أوضح الكاتب أنّ الإمام عليّاً(عليه ‏السلام) كان النموذج الحقيقيّ والصادق لتشيّع المنهج، وراح قائلاً في مقدّمة هذا الفصل:
«ما كتبتُه في هذا الفصل هو شيءٌ عن (عليّ والتشيّع)، ولكنْ ليس على طريقة السيِّد العلويّ ومنهجيَّته في كتابه (عمر والتشيّع)، حيث حرص الرجل على ترسيخ ما أسماه (خطاب المُشاركة)، ونبذه (فقه القطيعة)، ودعوته النبيلة لإيجاد أو بلورة منهجيَّة (شراكة) قادرة على إعادة بناء (معماريّة) الإسلام الجديدة المطلوبة فعلاً، ولكنّي سأكتب عن (التشيّع) كمنهجٍ وسلوكٍ، وليس كهويّة وانتماء، ومن خلال نموذجه الأعلى (الإمام عليّ (عليه ‏السلام))، ومواقفه، وأقواله، ومتبنيّاته المتميّزة التي كانت وستظلّ عناوين شامخة لما يسمِّيه البعض (الإسلام المحمديَّ الأصيل)، وتمييزه عن إسلام (المجتهدين) القديمة والجديدة التي تنأى قليلاً أو كثيراً، وربَّما (تشطح) ـ حسب تعبيرات العلويّ ـ في شطحات الدرّة (أي درّة عمر) عن مدرسة النبيّ أو أوامره في هذا الاجتهاد أو ذاك. وهو ما رأيناه في ما سمّاه ابن عباس (رزيّة الخميس) (أي عدم إحضار كتفٍ ودواة)، والفلتة التي وقى الله شرَّها (في السقيفة)، ومنْع سهم المؤلَّفة قلوبهم، وتحريم (أو منع) الزواج المؤقَّت، واستعاضة البعض عنه بما صار يُسّمى اليوم زواج المسفار أو زواج المسيار أو الزواج العرفيّ أو زواج الصداقة أو (الشراكة) والبوي فريند boy friend والكيرل فريند girl frind وما إلى ذلك من نصوص تولّدت عن نصوص أو استُنبطت منها لهذا الفرض أو ذاك أو لهذه النيّة البيضاء (نيّة العلويّ) أو تلك إذا أُحسن الظنُّ بطبيعة الحال.
وهنا يروح السيِّد المؤلِّف متماهياً، بل غارقاً تماماً في شخصيَّة الإمام عليّ(عليه ‏السلام) النموذج ـ المنهج ـ السلوك ـ الفعل ـ التطبيق، وليس الإمام الهويَّة ـ الانتماء ـ الأُسطورة ـ الفوق البشريّ.
نعم، يتَحدَّث المؤلِّف في هذا الفصل عن الإمام الذي ضحَّى بكلِّ شيءٍ من أجل أن يسْلم المسلمون «لأسلمنّ ما سلمت أُمور المسلمين، ولو لم يكن فيها
________________________________________

[الصفحة - 263]


جورٌ إلاّ عليّ خاصّة، التماساً لأجر ذلك وفضله، وزهداً في ما تنافستموه من زخرفه وزبرجه».
ولم يُبالِ أن يُشتم سبعين أو ثمانين سنةً على المنابر بعد موته من أجل أن يُمنح الدهر كلّه مجداً وعزّة وخلوداً في ما بعد. وقد أفرد المؤلِّف لهذا الشتم وفلسفته و(فائدته) عدَّة صفحات وضعها تحت عنوان: (لماذا يُشتم العظماء؟)
ثمَّ تحدّث الكاتب عن بعض مواقف الإمام عليّ (عليه ‏السلام) مع ولاته ورعيَّته، وفي عنوانٍ آخر سمّاه (مواقف شديدة مع الولاة وليّنة مع الناس)، جاء فيها على ذكر بعض رسائله (عليه ‏السلام) لبعض ولاته، وخاصَّة تلك التي خاطب فيها واليه على اليمن المنذر بن الجارود العبديّ والتي جاء فيها:
«أمّا بعد يا فلان... لقد غرّني صلاح أبيك فيك، فظننت أنّك تتّبع هديَه، وتسلك سبيلَه، فإذا أنت في ما رُقّي إليَّ عنك، لا تَدعْ لهواك انقياداً، ولا تُبقِ لآخرتك عتادا، تعمُرُ دنياك بخراب آخرتك، وتَصل عشيرتك بقطيعة دينك».
إلى أن يقول (عليه ‏السلام):
«لئن كان ما بلغني عنك حقّاً، لجمَل أهلك وشسع نعلك خيرٌ منك، ومن كان بصفتك فليس بأهلٍ أن يُسدّ به ثغرٌ، أو يُنفذ به أمرٌ، أو يُعلى له قدر، أو يُشرك في أمانة، أو يُؤمن على حياته. فأقبل إليَّ حين يصل إليك كتاب هذا.. » (6).
وهكذا مع ولاةٍ آخرين أتى المؤلِّف على ذكر بعضهم مستشهِداً بهم كنماذج، أو بالإمام عليّ(عليه ‏السلام) في تعامله معهم، في الوقت الذي يخاطب رعيَّته والمستضعفين منهم قائلاً:
«فلا تكلّموني بما تُكَّلم به الجبابرة، ولا تتحفَّظوا مني بما يُتحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولا تظنُّوا بي استثقالا في حقٍ قيل لي، و لا التماس إعظامٍ لنفسي ، فإنَّه من استثقل الحقَّ أن يُقال له أو العدل أن يُعرَض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفُّوا عن مقالةٍ بحقٍ أو مشوَرةٍ بعدلٍ، فإنِّي لست
________________________________________
(6)نهج البلاغة: 132:3.

[الصفحة - 264]


بفوقَ أن أُخطِئ ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني... » (7).
وهذه السياسة ـ كما يقول الأُستاذ الأسديّ ـ هي التي جرّأت الأُمّة، وأطلقت مكنونها الطاهر البريء في محاكمة الحكَّام ومحاسبتهم، وهي التي أَحرجت معاوية بن أبي سفيان حين ضاق يوماً بأهل العراق فخاطبهم قائلاً: «يا أهل العراق... لقد لمّظكم أبن أبي طالب الجرأة على السلطان وبطيء ما تُفطمون... »، بعد أن يحدّد المصدر والمقولة طبعاً وفي إطار علميّ دقيقٍ، أستحق ويستحق الامتنان على الصبر والتأنّي في ملاحقة المصادر وتدوينها وتحليلها والتغليق عليها ممَّا تركناه إلى متن الكتاب لمن يريد المزيد من الاطلاع والمتابعة. ويَستطرد الكاتب في هذا الفصل دقيقاً متأنيَّاً موجِزاً بأدّق ما يكون الإيجاز، محاولاً إيصال الفكرة إلى القارئ بأوجز العبارات وأبلغها دون إتعابه أو إجهاده، فيضع عناوين معبّرة هي الأُخرى من قبيل: (إشكاليّة المقياس أو المقاييس المتدافقة بين السياسيّين والثوّار) أو الانتقائيَّة بين (السياسة والمُبادئ) و(الردّ على المغالطات) وأمثال ذلك، ما يجدر بالمتابع ملاحقته والتأنّي في قراءته.
أمّا عن المواقف العمليَّة الخالدة للإمام عليّ(عليه ‏السلام) فيستعرض السيِّد الأسديّ بعضاً منها بأُسلوبٍ مُمتعٍ وشيّق، وإذ تراه يقول ما نصّه:
«فلا يترك الإمام عليّ (عليه ‏السلام) مشهداً إلاّ ويعلّق عليه، ولا حادثةً يمرّ بها إلاّ وله فيها قولٌ مأثور، وكلامٌ خالد. فحين يرى تكالب بعض الناس مثلاً أو تهافتهم على أكلةٍ يقول: «من كان همّه في الدنيا بطنه كان والذي يخرج منها سواء».
وحين يرى بعض المتخاصمين من أصحاب السرائر الخبيثة الذين يصفهم الشاعر:
أشقاءٌ ولكنْ في شقاقِ لقاءاتٌ ولكن لا تلاقي
يقول (عليه ‏السلام) : «ما تناكرتم إلاّ بخبث سرائركم».
وحين يرى بعض الناس يتذمّرون من رائحةٍ كريهةٍ أثناء مرورهم على
________________________________________
(7)نهج البلاغة: 200:3.

[الصفحة - 265]


مزبلة، فيقول: «هذا ما حرصتم عليه بالأمس».
وحين يَختلف بعض الناس على تصنيفِ أو توصيفِ أطيب الأطعمة وألذّها فيروح كلُّ واحدٍ منهم يسمّي أكلة أو طبخة، نسمعه يقول: «إنّ الطيّب ما طيّبته العافية»، وحين يَختلفون على تسمية أمهر الطبَّاخين يقول: «أمهر الطبَّاخين الجوع».
وحين يرده خبر تهوّر بعض المتهوّرين في تصرّفٍ أو قولٍ سمعه يقول: كلامك في وثاقك أو (لسانك في وثاقك) ما لم تتكلَّم (أو ما لزمته)، فإذا تكلّمتُ صرتَ في وثاقه... فربَّ كلمةٍ سلبت نعمة وجلبت نقمة».
وهكذا تراه حين يضيق ذرعاً بمكر المغيرة وهو يسمعه يحاور عمَّار بن ياسر أو يجادله بعنادٍ ودهاءٍ، فيلتفت إلى عمَّار ويقول له: «دعه يا عمَّار، فإنّه لن يأخذ من دينك إلاّ ما يقرّبه إلى دنياه»، وهكذا.
المعارك المُفتعَلة
وفي ثنايا سطور الكتاب وفي معرض تعليقه على المعارك المُفتعَلة وغير المُفتعَلة حول الإمامة والخلافة، وكيف تقاطع المسلمون حول هذه المسألة وتدافعوا تدافعاً كبيراً. يذكر الباحث الأسديّ عدَّة قَصص وحكايات معبّرة، ويسردها بإيجازٍ كبير، وهي تعبّر جميعها عن قيام السياسة بديلاً عن التاريخ بتوظيفِ هذه المسألة واستخدامها في المعارك والحملات الانتخابيّة، وبشكلٍ متعمَّدٍ ومقصودٍ، ولا يسعِ المجال في المرور على هذه الحكايا جميعها، إلاّ أنّنا نتوقَّف عند ما توقَّف عنده المؤلِّف الذي راح يقول في الهامش الثامن من الهوامش النقديَّة للسيَّد العلوي مثلاً:
قرأنا في كتب التاريخ القديم حكايةً نقلها «الثعالبيّ» في كتابه المعروف «يتيمة الدهر179:3»، ويردّدها الدكتور علي الورديّ في كُتبه ويتندّر بها على البسطاء والسذّج من السنّة والشيعة. هذه الحكاية هي الأُخرى تسخر من
________________________________________

[الصفحة - 266]


القصَّاصين المُغرِضين الذين كانوا يتَّفقون على نسجِ أو افتعال مشادّات هادفةٍ وحاذقةٍ تدرّ عليهم أرباحاً، كأن يتّفق القاصّ السنّي مع زميله الشيعيّ ويقف كلٌّ منهما إلى جانبٍ في الأسواق والميادين العامّة، فيبدأ الشيعيّ بالحديث عن فضائل عليّ، والسنّي عن فضائل أبي بكر وعمر، فإذا مرّ الشيعيّ يدفع لمن يُحدّث بفضائل عليّ وأهل البيت، وإذا مرّ السني يدفع إلى الطرف الآخر، وهكذا حين يستولي الحماس على الاثنين يبذل المارّة لكلٍ منهما بسخاء ـ حسب الحماس ـ فلمَّا يكون آخر النهار يجتمع القصَّاصان الحاذقان الماكران في خلوةٍ بعيدةٍ عن الأنظار ويتقاسمان (المقسوم).
وهكذا ـ والكلام للمؤلِّف ـ يستمرُّ هذان «الذكيَّان الماكران» اللذان افتعلا معركةً وهميّةً بينهما، الهدف منها دراهم معدودة، ربَّما يصل الحدّ بهما أو يوصلاه إلى أنّهما يتباكيان أو يتضاربان، فيستدرِّان عطف المارّة وفضولهم، ويجمعان بذلك مبلغاً ثم ينتقلان إلى مكانٍ آخر لافتعالِ معركةٍ أُخرى مماثلةٍ، وهكذا بحيث عاشا فترةً طويلةً على هذه الحيلة (اللُّعبة) قبل أن يكتشفها الناس ـ إذا اكشتفوها طبعاًـ!!
أمّا خلاصة ما يُريد «الأُستاذ الأسديّ» الوصول إليه في مجمل كتابه، فهو عدم الانجرار إلى معارك وهميَّة يقوم بحياكتها وإعدادها السياسيِّون المتحاربون المتنازعون لتوظيف هذه القصّة الدّينيّة أو تلك، أو هذا النصّ الدّينيّ أو ذاك من أجل تمرير مصالح ومنافع ذرائعيّة لا علاقة لها في الحقيقة بالدّين وأهل الدّين، وهو نفس الهدف الذي حاول «الأُستاذ العلويّ» الوصول إليه، وإن كان الأخير قد تعسّف كثيراً في استخدام هذا النصّ ـ وفي محاولةٍ غير موفَّقةٍ كثيراً ـ في بناء ما سمّاه (معماريَّة) الإسلام الجديدة بين السنّة والشيعة، الذين تقاتلوا فعلاً أو أُريد لهم أن يتقاتلوا أكثر وأكثر في عراق ما بعد صدّام.
هذه المعماريَّة التي حاول بناءها السيِّد العلويَّ، عبر التسويَة غير الموفَّقة بين منهجيَّ علي وعمر باعتبارهما من بناة الإسلام، حاول «السيِّد الأسديّ» تعديلها عبر
________________________________________

[الصفحة - 267]


ترجيح منهجٍ على منهج، وليس الضرورة ترجيح شخصٍ على شخص، لا سيَّما حين قدّم (منقبةَ درء الفتنة) على (منقبة إملاء الفراغ) مثلاً اللَّتين حاول السيِّد العلويّ التسوية بينهما، كما قدّم السيِّد الأسدي (إسلام الدولة) على (دولة الإسلام) اللَّتين مرّ عليهما مروراً في معرض الإشارة إلى مقولة العلويَّ هذه التي يبدو أنّه تخلّى عنها في خضمّ دفاعه عن عمر، ناسياً أنّ إسلام الدولة أهمّ من دولة الإسلام إذا كان ولا بدّ من اختيار أحدهما.
هذا في جانب من الكتاب، أمّا في الجانب الآخر وفي ثنائيَّة المعادلتين السياسيّة والتاريخيَّة يقول الأسديّ:
«أقول لو قصَرَ السيَّد العلوي موضوعه على السياسة لكان أفضل كثيرا، وهو صاحب القدح المعلّى في ذلك، ولو كان عقد المقارنة بين منهج عمر ومنهج عليّ من جهة وبين مناهج حكّامنا المعاصرين وإدارتهم من جهة أُخرى، لنال من التوفيق الشيء الكثير الكثير..... ولكنه (أي السيد العلوي) ـ مع الأسفي وكعادته في الانسلال من ثنائيَّة الفاضل والمفضول، وإصراره على تكريس خطاب المصالحة (المطلوب أحياناً فعلاً)، لم يوضّح هذه الحيويَّة في التاريخ الإسلاميّ التي قال عنها في معرض كتابه أنّها من أسرار بقاء هذا الدين وخلوده».
بقي أن نقول في ختام هذه القراءة السريعة لكتاب الأُستاذ الأسديّ إنّه بحث مضغوط جداً، وربَّما تعمَّد الكاتب ذلك لعدم رغبته في إجهاد المُتابع بتفاصيلَ يعرفها الكثيرون، ولكنَّه جاء وافياً في تحقيق قفزةٍ مطلوبةٍ في الرؤية والتحليل، إذ تحدّى الكثير من المألوف التقليديّ، وكَتب في المحظور، وتناول الممنوع بشكلٍ علميّ يفرض نفسه على القارئ المُنصف، وربَّما تجاوز بعض الخطوط الحُمر التي لا بدّ من تجاوزها أحياناً لتهشيم التكلّس في التُّراث الإسلاميّ، أو إزالة الصدأ عنه، وبالأحرى رمي حصاةٍ ولو صغيرةٍ من قبيل تلك التي رماها السيِّد المؤلِّف في بحيرة هذا التُّراث الراكدة، فحّرك أجواء، وأثار مُمكناتٍ معرفيّة، يجدر بحماة الدين والتاريخ ودعاتها ورجالهما أن يعمّقوها بشجاعةٍ، وأنْ لا يستمر التهيّب من
________________________________________

[الصفحة - 268]


تقحّم الممنوع إلى ما لا نهاية، لا سيما وأنّ الباحثَين «الأسديّ والعلوي» كانا أشارا وبشكلٍ واضحٍ إلى أنّ حيويَّة الإسلام تكمن فعلاً في تلك المشاهد التاريخيَّة التي قاربها المؤرِّخون، وإنْ لم يستطع الكثيرون منهم الانسلال من تمذهباتهم أو أحكامهم القبْليَّة مع الأسف.
إنّ كتاب (التشيّع بين السياسة والتاريخ) وباختصارٍ شديد مرافعة تاريخيَّة شيّقة، وحوار تحليليّ مُمتع، استطاع «الأسديّ» من خلاله توظيف كتاب العلويّ (عمر والتشيّع) في الغوص عميقاً في حيويَّة المشاهد التاريخيَّة وتفعيلها في منتَجٍ جديدٍ ونظرةٍ جديدةٍ وجريئة تستحقّ التأمّل والقراءة والتأصيل.
الهوامش:
________________________________________

[الصفحة - 269]