البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

القضاء والقدر دراسة مقارنة بين الفلسفة وعلم الكلام الإمامي «القسم الأوّل»

الباحث :  الشيخ عقيل البندر
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  49
السنة :  السنة الثالثة عشر شتاء 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  325
القضاء والقدر
دراسة مقارنة بين الفلسفة وعلم الكلام الإمامي
«القسم الأوّل»

الشيخ عقيل البندر (*)

الجذور التأريخيّة للمسألة
يعدّ موضوع القضاء والقدر وما يلازمه من بحوث ومسائل من المواضيع القديمة التي تناولها أهل الكلام منذ العقود الأُولى في الإسلام. فبعد أن نزل القرآن الكريم وأشار في آيات عديدة إلى هذه المسألة، وبعد أن تناقل المسلمون روايات وقصص عديدة حولها (1)، منذ ذلك الوقت ظهرت مسألة الجبر والاختيار، وعرف المسلمون إلى حدّ ما موضوع القضاء والقدر.
هذا، ولكنّ بداية ظهور الصراع الكلامي وتبلوره على شكل نظريات وفرق كان بعد منتصف القرن الأوّل الهجري، حيث اشتهر في كتب التراجم والسير أنّ الخلاف بدأ بين المسلمين بعد أن ذهبت طائفة منهم إلى القول بالقدر.
وأوّل من نُقل عنه القول بالقدر والحرية المطلقة للإنسان هو معبد الجهني من معتزلة البصرة، والذي قتل على يدي الحجّاج سنة ثمانين للهجرة (2)، وتبعه على ذلك غيلان الدمشقي الذي قتله بنو أُميّة أيضاً (3).
ثمّ، وفي القرن الثاني الهجري، ظهرت فرقة أُخرى على الضدّ تماماً من الفرقة المتقدّمة، وهم الذين قالوا بالجبر.
________________________________________
(*)باحث في الحوزة العلمية، من العراق.
(1)راجع التوحيد، الشيخ الصدوق: 380 ـ 381.
(2)راجع: ميزان الاعتدال، الذهبي 4 : 131؛وكذا ابن حجر في تقريب التهذيب ـ القسم الثاني: 594.
(3)راجع: لسان الميزان، ابن حجر4 : 224; وكذا الأعلام للزركلي5 : 320; وراجع أيضاً الملل والنحل للشهرستاني 1 : 61.

[الصفحة - 84]


وأوّل من نُقل عنه القول بالجبر وأنّ أفعال العباد مخلوقة له سبحانه هو جهم بن صفوان السمرقندي إمام الجهمية (4).
هذا، وقد أحدث قول جهم ومن تبعه شرّاً عظيماً بين المسلمين، حتّى قُتل في خراسان سنة مئة وثمان وعشرين للهجرة (5).
وذُكر في بعض المعاجم المتأخِّرة: إنّ أوّل من قال بالجبر هو معاوية بن أبي سفيان، فكان يتستّر على ما يفعله بالمسلمين بهذا القول (6).
ومقابل هاتين الفرقتين كان هناك مذهب ثالث وهو مذهب الكلام الإمامي، وهو الحدّ الوسط بين القولين السابقين. ولمعرفة تفاصيل هذا الرأي في مسألة القضاء والقدر وفروعها عقدنا هذا القسم والذي يتكوّن من عدّة مباحث ستأتي تِباعاً إن شاء الله.
المبحث الأوّل
معنى القضاء والقدر في الكلام الإمامي
أوّلاً: المعنى اللغوي
لقد ذكر المتكلِّمون للقضاء والقدر عدّة معان لغوية أوصلها الشيخ الصدوق إلى عشرة معان (7)، واقتصر الشيخ المفيد على خمسة.
وبما أنّ المعاني التي ذكروها متقاربة ومتكرّرة، نذكر على سبيل المثال ما ذكره الشيخ المفيد(رحمه الله) في ذلك، قال: «فالقضاء على أربعة أضرب: أحدها: الخلق، والثاني: الأمر، والثالث: الإعلام، والرابع: القضاء في الفصل والحكم.
فأمّا شاهد القضاء في معنى الخلق، فقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ـ } إلى قولـه {ـ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ} (فصّلت: 11 ـ 12)، يعني خلقهنّ سبع سماوات في يومين.
وأمّا شاهد القضاء في معنى الأمر، فقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ...} (الإسراء: 23)، يريد أمر ربّك.
________________________________________
(4) الجهمية: أصحاب جهم بن صفوان، وهم من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بـ (ترمذ) فقتله سالم بن أحوز المازني بمرو في زمن آخر خلفاء بني أُميّة... لاحظ الملل والنحل للشهرستاني 1 : 97; وكذا الأعلام للزركلي 2 : 138; وكذا الفصل في الملل والنحل لابن حزم 3 :33.
(5)راجع الكامل في التاريخ، ابن الأثير 344:5 في حوادث سنة 128 هـ ; وكذا معجم الفرق الإسلامية، شريف يحيى الأمين: 86.
(6)موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي1 : 417.
(7)التوحيد، الصدوق: 384 ـ 386.

[الصفحة - 85]


وأمّا شاهد القضاء بالفصل بالحكم بين الخلق، فقوله تعالى: {وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} (غافر: 20)، يعني يفصل بالحقّ بين الخلق.
وأمّا شاهد القضاء في الإعلام، فقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ} (الإسراء: 4)، أي أعلمناهم ذلك وأخبرناهم به قبل كونه.
وقد قيل: إنّ للقضاء وجهاً خامساً: وهو الفراغ من الأمر، واستُشهد على ذلك بقول يوسف(عليه السلام): {قُضِيَ الاْمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} (يوسف: 41)، يعني فرغ منه، وهذا يرجع إلى معنى الخلق» (8).
وقال الشيخ(رحمه الله) في التقدير: «فأمّا التقدير: فهو الخلق في اللغة; لأنّ التقدير لا يكون إلاّ بالفعل، فأمّا بالعلم فلا يكون تقديراً، ولا أيضاً بالفكر، والله تعالى متعال عن خلق الفواحش والقبائح على كلّ حال» (9).
والظاهر أنّ التقدير غير القدر الذي نتحدّث عنه، لذلك قال: التقدير لا يكون إلاّ بالفعل، فأمّا العلم فلا يكون تقديراً.
ومن هنا قد يُقال: بأنّ التقدير ـ الذي ذكره الشيخ المفيد بمعنى الخلق ـ هو أحد معاني القضاء.
هذا، وقد ذكر العلاّمة الحلّي(رحمه الله) معنيين للقدر لم يذكرهما الشيخ المفيد، وهما:
ـ إنّ القدر يُطلق على الكتابة، كقول الشاعر:
واعلم بأنّ ذا الجلال قد قدّر في الصحف الأُولى التي كان سطّر
ب ـ ويطلق كذلك على البيان، كقوله تعالى: {إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ} (النمل: 57)، أي بيّنا وأجزنا بذلك (10).
وقد تؤول المعاني اللغوية للقضاء إلى ما ذكره العالم اللغوي ابن فارس في المقاييس، وهو: إتقان الشيء وإحكامه وإنفاذه، والفصل والصرامة بلا تغيير أو تخلّف.
ثانياً : المعنى الاصطلاحي
ذُكرت في كتب أهل الكلام بعض التعاريف للقضاء والقدر بمعناه الاصطلاحي، ونحن نذكر ما وجدنا في كتبهم، والذي لم نعثر على غيره.
________________________________________
(8)تصحيح اعتقادات الإماميّة، الشيخ المفيد: 54 ـ 55.
(9)المصدر السابق: 47.
(10)كشف المراد في شرح الاعتقاد، العّلامة الحلي: 88 .

[الصفحة - 86]


قال الشيخ الصدوق: «قضاء الله عزَّ وجلَّ في المعاصي حكمه فيها، ومشيئته في المعاصي نهيه عنها، وقدره فيها علمه بمقاديرها ومبالغها» (11).
وقال الشيخ المفيد: «والوجه عندنا في القضاء والقدر بعد الذي بيّناه في معناه: أنّ لله تعالى في خلقه قضاء وقدر، وفي أفعالهم أيضاً قضاءً وقدراً معلوماً، ويكون المراد بذلك: أنّه قد قضى في أفعالهم الحسنة بالأمر بها، وفي أفعالهم القبيحة بالنهي عنها، وفي أنفسهم بالخلق لها، وفيما فعله فيهم بالإيجاد لـه، والقدر منه سبحانه فيما فعله إيقاعه في حقّه وموضعه، وفي أفعال عباده ما قضاه فيها من الأمر والنهي والثواب والعقاب؛ لأنّ ذلك كلّه واقع موقعه موضوع في مكانه لم يقع عبثاً، ولم يصنع باطلاً. فإذا فسّر القضاء ـ في أفعال الله تعالى ـ والقدر بما شرحناه زالت الشنعة منه وثبتت الحجّة به، ووضع الحقّ فيه لذوي العقول ولم يلحقه فساد ولا إخلال» (12). ويفهم ذلك أيضاً من كلمات العلاّمة الحلّي عند تفسيره لكلمات النصير الطوسي (13).
معالم الطرح الكلامي عند المتقدِّمين
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ التبويب والتقسيم لبيان معاني ومراتب أو أقسام القضاء والقدر، وكما هو موجود ومتعارف في كتب العلماء المعاصرين، لم نجده في كتب المتكلِّمين ـ الأوائل ـ من أعلام الشيعة، وحتى لدى بعض أعلام المذاهب الأُخرى، حيث إنّ التعاريف التي ذكروها لا تعدو أن تكون معاني مقتضبة وجملات قصيرة، كما رأينا ذلك عند الشيخ الصدوق(رحمه الله) الذي كان همّه توجيه الرواية وتصحيح معناها، وهكذا ما ذكر من تعريف الشيخ المفيد(رحمه الله) حيث لم يكن تعريفاً مستقلاًّ عن التعاريف اللغوية التي ذكرها، بل تعريفه معدّ لبيان الرأي الفصل في مسألة القضاء والقدر.
وهكذا كان الحال بالنسبة إلى العلاّمة الحلّي والسيّد المرتضى(رحمهما الله) مع براعة الأخير في الأُسلوب والبيان.
وقد يعزى ذلك إلى سببين رئيسيين:
الأوّل: اختلاف طبيعة الكتابة، وأُسلوب الطرح والبيان من ذلك العهد إلى
________________________________________
(11)التوحيد: 370.
(12)تصحيح اعتقادات الإماميّة: 56.
(13)كشف المراد: 88 ـ 89 .

[الصفحة - 87]


عصرنا هذا، حيث إنّ الكتابات المعاصرة حوت أفكاراً جديدة وأساليب مختلفة، بسبب ما طرأ على علم الكلام من تطوّر في القرون المتأخّرة.
الثاني: انشغال العلماء في ذلك العصر بردّ وتضعيف الشبهات المطروحة آنذاك من قبل الأشاعرة وغيرهم من الفرق، فنرى في بحثهم لهذه القضايا أنّهم لا يبدأون بمقدّمة أو تمهيد، بل يشرعون مباشرةً بذكر أقوال الخصوم وآرائهم، نحو: (قالت الأشاعرة، ورفض المعتزلة، وقول العدلية كذا...) وأمثال ذلك، ويبدأ المتكلِّم بردّ هذا الإشكال وقبول ذاك، حتّى يصل إلى المطلوب، فلا يذكر أمراً لغويّاً إلاّ وأعقبه بقضيّة مُختلَف فيها آنذاك. وعليه، قد لا يكون هناك مجال للقارئ أو الباحث أن يفصل ويميّز بين ما هو لغويّ وبين ما هو اصطلاحي، حيث تكاد أن تكون مثل هذه المعاني معدومة عندهم، ولذلك ليس بسهل الفصل بين التعريف الذي يذكره والرأي الذي يرتضيه.
أجل، لا يمكن إنكار بعض التعابير والكلمات التي ذكروها (بين الأسطر) إشارةً إلى القضاء الفعلي أو الحتمي، التي يراها بعض المعاصرون أساساً ويفرد لها بحثاً مستقلاًّ في مصنّفاته، ولكن مثل هذه الإشارات لم تكن سوى لمحات عابرة وبسيطة لم تبوّب بالشكل الذي عليه الآن.
النهي عن الخوض في القضاء والقدر
أُثير هذا الموضوع بعدما اعتمد بعض المتكلِّمين الإماميّة على بعض الروايات عن أهل البيت(عليهم السلام)، فحواها هو النهي عن الغور والتعمّق في مسألة قضاء الله وقدره، معتبرةً إيّاه سرّاً وعلماً من علومه سبحانه لا يدركه ولا ينال شأنه كلّ أحد.
فذهب بعض المتكلِّمين إلى الأخذ بها، ورفضها وردّها بعض آخر، فكانت المدرسة القمّية المتمثِّلة بالشيخ الصدوق وجمع من المحدِّثين آنذاك قد أخذت بهذه الروايات واعتمدت عليها، وترتّب على ذلك القول بالنهي.
ولكن ذهبت مدرسة بغداد وعلى رأسها الشيخ المفيد إلى طرح هذه الروايات وعدم الاعتماد عليها، وبالتالي لم يقولوا بالنهي المذكور.
________________________________________

[الصفحة - 88]


قال الشيخ الصدوق(رحمه الله): «اعتقادنا في ذلك قول الصادق(عليه السلام) لزرارة حين سأله: ما تقول ـ يا سيّدي ـ في القضاء والقدر؟ فقال: أقول: إنّ الله إذا جمع العباد يوم القيامة سألهم عمّا عهد إليهم ولم يسألهم عمّا قضى عليهم» (14).
ثمّ قال: «والكلام في القدر منهيٌّ عنه، كما قال أمير المؤمنين(عليه السلام) لرجل قد سأله عن القدر، فقال: بحرٌ عميق فلا تلجه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، فقال: طريقٌ مظلم فلا تسلكه، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، فقال: سرّ الله فلا تتكلّفه...» (15).
وهناك روايات أُخرى يمكن أن يستدلّ بها على ما ذهب إليه الشيخ الصدوق أو غيره.
منها: ما رواه في البحار ونور البراهين; عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام)في القدر: ألا إنّ القدر سرّ من سرّ الله، وحرز من حرز الله، مرفوع في حجاب الله، مطوي عن خلق الله، مختوم بخاتم الله، سابق في علم الله، وضع الله عن العباد علمه، ورفعه فوق شهاداتهم؛ لأنّهم لا ينالونه بحقيقة الربّانية، ولا بقدرة الصمدانية، ولا بعظمة النورانية، ولا بعزّة الوحدانية; لأنّه بحرٌ زاخر موّاج، خالص لله عزّ وجلّ، عمقه ما بين السماء والأرض، عرضه ما بين المشرق والمغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيّات والحيتان، تعلو مرّة وتسفل أُخرى، في قعره شمس تضيء، لا ينبغي أن يطّلع عليها إلاّ الواحد الفرد، فمن تطلّع (يطّلع) عليها فقد ضادّ الله في حكمه، ونازعه في سلطانه، وكشف عن سرّه وستره، وباء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير (16).
وهناك روايات أُخرى قريبة من هذا المعنى استدلّ بها على المدّعى، استغنينا عن ذكرها بذكر ما تقدّم منها.
وقد نوقشت هذه الروايات من وجهين:
الأوّل: ضعف السند، وهو ما ذكره الشيخ المفيد، فقال: والذي ذكره أبو جعفر (الصدوق) (رحمه الله) قد جاء به حديث غير معمول به، ولا مرضيّ الإسناد، والأخبار الصحيحة بخلافه (17).
وقد يتّجه ضعف السند عند ملاحظة بعض رجال الروايات المتقدِّمة، حيث يلاحظ أنّ الرواية الثانية المرويّة عن أمير المؤمنين(عليه السلام) جاءت عن طريق عبد الملك
________________________________________
(14)التوحيد: 365، الحديث 2.
(15)التوحيد: 365، الحديث 3; وبحار الأنوار، العلاّمة المجلسي 2 :295; وراجع كتاب الاعتقادات، الشيخ ابن بابويه الصدوق: 34 ـ 35.
(16)بحار الأنوار 2 : 287; ونور البراهين 2 : 353.
(17)تصحيح اعتقادات الإمامية: 42.

[الصفحة - 89]


ابن عنترة عن أبيه عن جدّه، وهي ضعيفة بأبيه وجدّه من جهة الجهل بحالهما، حتّى إنّ السيّد الخوئي ذكر عنترة ولم يصفه بشيء (18).
هذا، وقد يُقال أيضاً بضعف رواية الأصبغ عن الإمام عليّ(عليه السلام) بمحمّد بن سنان الذي ضعّفه النجاشي (19)، ولكن يبقى أن نقول: إنّ حال هذا الرجل مختلف فيه، حتّى نُقل عن الشيخ المفيد(رحمه الله) القول بوثاقته (20).
الثاني: بعد التسليم بصحّة هذه الروايات ووثاقة سندها، ناقش الشيخ المفيد في دلالتها على المدّعى بما يلي:
1 ـ قد تكون هذه الروايات دالّة على النهي الإرشادي، وليس النهي التكليفي، من حيث إنّ مطالب القضاء والقدر مطالب عميقة وصعبة، فقد يضلّ الإنسان عند التعمّق بها، خصوصاً أنّ بعض الروايات المتقدّمة تصف القضاء والقدر بأنّه واد مظلم وبحر عميق، إضافة إلى ذلك أنّه لو كان محرّماً لم نجد الأئمّة يجيبون عليه، ويعلّمونه لمن سألهم، كما في رواية زرارة المتقدِّمة (21).
ومن هنا، قد نجد طريقاً للتوفيق بين كلام الشيخ الصدوق وردّ الشيخ المفيد، فقد يكون النهي عند الشيخ الصدوق هو النهي الإرشادي الذي يراه الشيخ المفيد أيضاً.
2 ـ إنّ النهي الموجود خاصّ بمن لا يستطيع ولا يتحمّل مطالب القضاء والقدر، وأمّا من له القدرة على ذلك فلا يشمله النهي المذكور (22).
وأمّا الحديث عن رواية زرارة المتقدِّمة، فلا غبار عليها من ناحية السند فقد وثّق أغلب العلماء رجالها، لكنّها ليست دالّة على ما ادّعاه الشيخ الصدوق، بل يرى الشيخ المفيد أنّ فيها دلالة واضحة على أنّ الإنسان مسؤول مسؤوليّة مباشرة عن عمله وفعله.
قال ـ بعد ذكر الرواية ـ : «وقد نطق القرآن بأنّ الخلق مسؤولون عن أعمالهم، فلو كانت أعمالهم بقضاء الله تعالى لما سألهم عنها، فدلّ على أنّ قضاء الله تعالى ما خلقه من ذوات العباد وفيهم وأنّه تعالى لا يسألهم إلاّ عن أعمالهم التي عهد إليهم فيها، فأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبحها، وهذا الحديث موضع لمعنى القضاء والقدر، فلا وجه للقول حينئذ بأنّه لا معنى للقضاء والقدر معقول; إذ كان بيّناً حسبما ذكرناه» (23).
________________________________________
(18)معجم رجال الحديث، السيد الخوئي 14 : 181.
(19)رجال النجاشي: 328.
(20)معجم رجال الحديث 17 : 148 ومابعدها.
(21)راجع المصدر السابق نفسه.
(22)تصحيح اعتقادات الإمامية: 57.
(23)المصدر السابق: 59.

[الصفحة - 90]


المبحث الثاني
الإرادة والمشيئة
وقع كلام كثير في هذا البحث عند أهل الكلام وبسطوا الحديث فيه، حتّى كانت هذه المسألة محلّ خلاف وجدل بينهم، فاختلفوا في معنى الإرادة وحقيقتها، وهل هناك فرق بين إرادة الله سبحانه وإرادة الإنسان؟ ثمّ إنّهم اختلفوا في إرادته سبحانه هل هي مطلقة كما عليه الأشاعرة، أو مقيّدة بإرادة الإنسان كما عليه المعتزلة والإماميّة؟
ونجد هذا الاختلاف أيضاً مطروحاً في الأبحاث الأُصوليّة (24)، فضلاً عن الأبحاث الفلسفيّة، كما سيأتي في القسم الثاني.
وما يهمّنا هنا هو تسليط الضوء على موضوع الإرادة الإلهيّة، ومدى انعكاسها وتأثيرها على حريّة الإنسان واختياره، حيث نجد أنّ هناك خلافاً في هذا المجال، وإن كان المتكلِّمون قد اتّفقوا في معنى الإرادة الإنسانية وبُعدها النظري، حيث يظهر من كلماتهم أنّ الإرادة والكراهة من الأعراض والكيفيّات النفسانيّة، والتي ـ أي الإرادة ـ تعني الشوق والمحبّة أو التصميم والعزم، والكراهة ضدّ ذلك.
وقد عبّر الشيخ المفيد(رحمه الله) عن الإرادة بقوله: «إنّ الإرادة في الخلق هي الضمير وأشباهه ممّا لايجوز إلاّ على ذوي الحاجة والنقص...» (25).
وقال السيّد المرتضى: «وليس المحبّة هي الشهوة، ولا شركة بين الشهوة والإرادة (...) وإنّما توصف الإرادة بأنّها رضىً...» (26).
وكيف كان التعبير عن الإرادة الإنسانية والأُسلوب الذي طرح لها، فقد أجمع متكلِّمو الإماميّة على استحالة اتّصاف الإله العظيم بمثل ذلك، لكنّهم اختلفوا في الإرادة الإلهيّة، هل هي من صفات الفعل أو من صفات الذات أو هي شيء آخر غير ذلك؟
حقيقة الإرادة الإلهيّة وتفسيرها
لربّما تكون معاني الإرادة هنا كثيرة ومتشعِّبة، والأقوال فيها متعدّدة، لمن يقرأ كلام المتكلِّمين في ذلك، لكنّا نذكر هنا قولين مع ما يتناسب وحجم المقالة ومنهجها:
الأوّل: إنّ إرادته تعالى هي علمه تعالى الموجب لوقوع نفس الفعل، وإرادته
________________________________________
(24)راجع محنة التراث الآخر، إدريس هاني: 168 ـ 169; وراجع كفاية الأُصول، الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني ـالمقصد الأوّل، الفصل الأوّل.
(25)النكت الاعتقاديّة، الشيخ المفيدـ مسألة في الإرادة : 11.
(26)الذخيرة في علم الكلام، السيد الشريف المرتضى: 600.

[الصفحة - 91]


لأفعال عبيده هي أمرهم بالطاعات ونهيهم عن المعاصي.
وهذا القول يظهر من كلمات الشيخ الصدوق في كتابه التوحيد: «مشيئة الله تعالى وإرادته في الطاعات الأمر بها والرضا، وفي المعاصي النهي عنها بالزجر والتحذير» (27).
وكذا ما يظهر من الشيخ المفيد(رحمه الله): «فإرادة أفعال نفسه عبارة عن علمه الموجب لوجود نفس الفعل في وقت دون وقت، بسبب اشتماله على مصلحة داعية إلى إيجاد الفعل في ذلك الوقت دون غيره. وإرادة أفعال عبيده عبارة عن طلبه إيقاعها منهم على وجه الاختيار» (28).
ثمّ إنّه فسّر الكراهة بضدّ ذلك (29).
هذا، ولكن ذكر في مسألة الإرادة: أنّ اتّصاف الذات الإلهيّة بالإرادة إنّما هو من باب المجاز والمسامحة، وليس الاتّصاف بها حقيقي، وعلّل ذلك بأنّ صفة الإرادة إمّا أن تكون قديمة وإمّا أن تكون حادثة ـ بعد فرض وجودها واتّصاف الباري بها طبعاً ـ وعلى كلا الاحتمالين يلزم الإشكال; لأنّه إذا كانت قديمة لزم تعدّد القدماء، وإذا كانت حادثة فلا بدّ من حلولها في محلّ، والمحلّ إمّا أن يكون الذات المقدّسة وهو واضح البطلان; لأنّ الذات ليست محلاًّ لذلك، وإمّا أن يكون غيرها فيلزم التسلسل، وهو باطل أيضاً (30).
الثاني: إنّ الإرادة نفس الداعي وليست زائدة عليه، بمعنى أنّ وجود الفعل في وقت دون آخر لا بدّ أن يكون بمخصّص ومرجّح، وليس ذلك إلاّ الإرادة، والإرادة في هذا القول مغايرة للعلم والقدرة.
وهذا ما ذهب إليه العلاّمة الحلّي(رحمه الله) ـ تبعاً للمحقّق الطوسي الذي سيأتي تفصيل رأيه ـ فقال: «الحقّ عندي أنّ الإرادة ليست زائدة على الداعي في حقّ الله تعالى; لأنّه لو كان مريداً بإرادة زائدة على ذاته، لكان إمّا أن يكون الإرادة ذاته فيلزم عدم اختصاصها بمراد دون مراد، كما قلنا في القادر لذاته، العالم لذاته. وإمّا أن يكون لإرادة أُخرى صدرت عنه، فيلزم التسلسل» (31).
وقال في كشف المراد: «اتّفق المسلمون على أنّه تعالى مريد لكنّهم اختلفوا في معناه، فأبو الحسن جعله نفس الداعي، على معنى أنّ علمه تعالى بما في الفعل من المصلحة الداعية إلى الإيجاد، وهو المخصّص والإرادة، وقال النجّار: إنّه سلبي وهو
________________________________________
(27)التوحيد: 346 ـ 347.
(28)النكت الاعتقادية: 25 ـ 26.
(29)المصدر السابق نفسه.
(30)المصدر السابق: 7 ـ 8 .
(31)مناهج اليقين في أُصول الدين، العّلامة الحلي: 279 ـ 280; وراجع نهج المسترشدين في أُصول الدين، له أيضاً : 40.

[الصفحة - 92]


كونه تعالى غير مغلوب ولا مستكره (...) إلى أن يقول العلاّمة: والدليل على ثبوت الصفة مطلقاً: أنّ الله تعالى أوجد بعض الممكنات دون بعض مع تساوي نسبتها إلى القدرة، فلا بدّ من مخصّص غير القدرة التي شأنها الإيجاد مع تساوي نسبتها إلى الجميع، وغير العلم التابع للمعلوم، وذلك المخصّص هو الإرادة، وأيضاً بعض الممكنات مخصّص بالإيجاد في وقت دون ما قبله وبعده مع التساوي، فلا بدّ من مرجّح غير القدرة والعلم» (32).
ويظهر من السيّد المرتضى(رحمه الله) ذلك أيضاً، فقال: «والقديم تعالى إذا قدّر المكلَّف ومكّنه وخلق فيه بالشهوة وأمكن أن ينال بها المشتهي، كما أمكن أن يتجنّبه على وجه يشقّ فيستحقّ عليه الثواب، فليس يتخصّص أحد الوجهين دون الآخر إلاّ بالإرادة» (33).
ويفهم من كلامه في كتابه (الأمالي) أنّ الإرادة صفة حادثة: «... بطل قول من قال منهم أنّه مريد لنفسه أو مريد بإرادة قديمة، وصحّ ما نقوله من أنّ إرادته محدثة مجدّدة (...) ويكون المعنى في قوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير: 29)، وما تشاؤون شيئاً من فعالكم إلاّ أن يشاء الله في تمكينكم من مشيئتكم، وإقداركم عليها والتخلية بينكم وبينها...» (34).
وبذلك يكون العلاّمة قد خالف السيّد المرتضى بقوله: إنّ الإرادة ليست قديمة وليست حادثة أيضاً، كما تقدّم ذكره.
هل الإرادة صفة فعلية أو ذاتية؟
من الملاحظ عند قراءة كلماتهم في مسألة الإرادة أنّه لا يوجد جدل واضح بينهم على كون الإرادة صفة فعليّة أو صفة ذاتيّة، بل إنّ الاتّصاف عندهم هنا هو اتّصاف مجازي وليس اتّصافاً حقيقيّاً، فليس الأمر عندهم كما هو معروف بين المعاصرين وبعض الفلاسفة السابقين، حيث لم نجد إصراراً في كلماتهم على أنّها من صفات الفعل أو من صفات الذات، كما يفهم ذلك من كلام الشيخ الصدوق: «وليست الإرادة والمشيئة والغضب وما يشبه ذلك من صفات الأفعال بمثابة صفات الذات; لأنّه لا يجوز أن يُقال: لم يزل الله مريداً شائياً، كما يجوز أن يُقال: لم يزل الله قادراً عالماً»(35).
________________________________________
(32)كشف المراد: 30.
(33)الذخيرة في علم الكلام: 109.
(34)أمالي السيّد المرتضى3 : 3.
(35)التوحيد: 148.

[الصفحة - 93]

بل، قد رفض بعضهم أن تكون هذه الصفة قديمة أو تكون حادثة، وقد تقدّم منّا الإشارة إلى رفض الشيخ المفيد لذلك.
ويظهر ذلك من السيّد المرتضى(رحمه الله) أيضاً، عندما قال: «اعلم أنّ كونه مريداً ليس بمشتقّ من فعل الإرادة، وإنّما وصف تعالى بذلك لكونه على هذه الحالة المعقولة، فوصفه عند التحقيق، بأنّه مريد ليس من صفات الله، وإذا مضى في كلام الشيوخ أنّه من صفات الأفعال; فلأنّه تعالى لا يستحقّ هذا الوصف إلاّ عند فعل الإرادة وإن لم يكن مشتقّاً منها، فهذا هو العذر في إلحاق هذا الباب بصفات الأفعال» (36).
ومن هنا، فقد يكون السيّد معذوراً عندما ذكر كلاماً في كتاب الأمالي يفهم منه أنّ الإرادة صفة الفعل وليس صفة الذات، وقد تقدّم منّا نقل ذلك الكلام، عند التعرّض إلى حقيقة الإرادة (37).
ولم نجد العلاّمة(رحمه الله) هو الآخر تعرّض إلى بحث الإرادة من جهة أنّها صفة الفعل أو صفة الذات، بل كان يؤكّد على أنّ الإرادة صفة مخصّصة لا قديمة ولا حادثة.
لكنّه من جهة أُخرى جعل الأمر والنهي لازمين للإرادة والكراهة ودليلان عليهما، فقال: «كلّ عاقل يريد من غيره شيئاً على سبيل الجزم، فإنّه يأمره به، فإذا كره الفعل فإنّه ينهى عنه، وأنّ الأمر والنهي دليلان على الإرادة والكراهة» (38).
وقد يُقال: إنّ النزاع المطروح في هذا الباب إنّما هو نزاع لفظي، فيمكن أن تكون الإرادة ـ بمعنى من المعاني ـ صفة للفعل، وبمعنى آخر صفة للذات، وكلا المعنيين صحيح.
وتقريب ذلك: أنّ الإرادة إذا أُخذت وأُريد بها التقديس والإجلال، بمعنى أن يكون هذا المفهوم مجرّداً عن نقائص عالم الإمكان وتدرّجاته وأحداثه، كأن يكون المعنى حبّ الخير والكمال أو حبّه لذاته ـ كما يقولون، فتصير الإرادة هنا صفة ذاتية قديمة عين ذاته سبحانه.
وأمّا إذا أُريد بها الوقوع والحدوث في عالم الإمكان ومراتبه، ولوحظ الربط والإضافة بين إرادة الخالق سبحانه وبين وقوعها ضمن شرائط معيّنة على فعل العبد، فهذه الإرادة لا تنفكّ عن التدرّج والتصرّم بعد وقوع المراد، فهي بهذا المعنى صفة فعليّة.
________________________________________
(36)الذخيرة في علم الكلام: 600.
(37)كشف المراد العلاّمة الحلي: 30ـ31.
(38)نهج الحقّ وكشف الصدق، العّلامة الحلي : 63.

[الصفحة - 94]


إرادة الله وحريّة الإنسان في المدرسة الكلاميّة
بعدما تقدّم الحديث عن حقيقة الإرادة، نريد هنا أن نعرف: أنّ إرادة الله سبحانه إذا تعلّقت بفعل الإنسان، هل تعني إجباره على ذلك الفعل؟ وهل وقوع الظلم والقبح من البشر مراد لله سبحانه؟ وبذلك تكون إرادته مطلقة، بمعنى أنّ الله كما يريد ما حسُن من الأفعال فكذلك يريد ما قبح منها!!
ثمّ ما معنى إرادة الإيمان والصلاح من الإنسان؟ هل يعني أنّه ملجأ ومجبور على فعل ذلك؟ أو أنّ له إرادة وحرّية تدفع به إلى الفعل أو عدمه؟ وإذا ثبت للإنسان تلك المشيئة والاستقلاليّة في الفعل، هل يعني أنّ الله عاجز عن إنفاذ وإيقاع مراده وطلبه؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المتوقّعة هنا.
يكاد يجمع متكلِّمو الإماميّة هنا على أنّ إرادة الله مقيّدة باختيار الإنسان وحرّيته، وإن اختلفت عبائرهم وأدلّتهم على ذلك.
قال الشيخ المفيد(رحمه الله): «... وإرادة أفعال عبيده عبارة عن طلبه إيقاعها منهم على وجه الاختيار» (39).
وقد يستدلّ لـه بقولـه تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الاَْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99).
وقال السيّد المرتضى في رسالته الحواريّة: ـ (إنقاذ البشر من الجبر والقدر)، عند ذكر الآية المتقدّمة: «معنى ذلك: لو شاء ربّك لألجأهم إلى الإيمان، لكنّه لو فعل ذلك لزال التكليف، فلم يشأ ذلك، بل شاء أن يطيعوا على وجه التطوّع والإيثار لا على وجه الإجبار والاضطرار» (40).
وذلك بناءً على نظريّته في تفسير الإرادة الإلهيّة تجاه أفعال الإنسان، حيث يرى السيّد المرتضى(رحمه الله) أنّ الإرادة هنا هي إرادة بلوى واختيار وليست إرادة قسر وإجبار، لذلك يفرّق هو بين قوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (البقرة: 65)، وقوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ}(النساء: 135)، فجعل الإرادة في الآية الأُولى إرادة إجبار، فصاروا كلّهم قردة، والإرادة الثانية إرادة اختيار وبلاء، حيث نشعر بالوجدان أنّ الناس لم يكونوا قوّامين بالقسط بأجمعهم، بل من شاء أن يفعل منهم ذلك فعل، ومن لم يشأ لم يفعل (41).
________________________________________
(39)النكت الاعتقادية: 25.
(40)رسائل السيد المرتضى2 : 234 ـ 235.
(41)المصدر السابق2 : 229.

[الصفحة - 95]


واستدلّ(رحمه الله) بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ...}(الأنفال:67)، حيث أخبر أنّ ما أراد غير ما أرادوا، وأنّ هناك إرادة واختيار غير إرادة الله سبحانه.
ومنها: قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 32)، فأخبر أنّه يأبى ما أراده العباد من إطفاء نوره (42).
وبذلك تكون الإرادة هنا مختلفة عن أمره تعالى، لا كما قال الشيخ المفيد قبل ذلك.
وقال في موضع آخر: «هل تكون للعبد إرادة؟ قيل: نعم، شاء ما أمكنه الله من مشيئته ويريد ما أمره الله بإرادته، فالقوّة على الإرادة فعل الله والإرادة فعل العبد، دليل ذلك قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} (المزمّل: 19)، وقوله تعالى: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً} » (النبأ: 39) (43).
من هنا نعرف أنّ القول بأنّ العبد مستقل في الإرادة والاختيار، ليس معناه أنّ للإنسان قوّة وإرادة غير القوّة والقدرة التي أعطاها الله سبحانه لـه، بل الاستقلال المذكور معناه نفس الاختيار والمشيئة في إرادة الفعل وعدمها.
وقال العلاّمة الحلّي(رحمه الله): «ذهبت الإماميّة وجميع المعتزلة إلى أنّ الإنسان مريداً لأفعاله، بل كلّ قادر، فإنّه مريد; لأنّها صفة تقتضي التخصيص وإنّها نفس الداعي» (44).
ويستدلّ على ذلك بدليل وجداني، فيقول في مقام الردّ على الأشاعرة : «فلينظر العاقل المنصف من نفسه، هل يجوز لـه اتّباع من ينكر الضروريّات ويجحد الوجدانيات؟ وهل يشكّ عاقل في أنّه قادر مريد، وأنّه فرق بين حركاته الإراديّة وحركة الجماد؟ وهل يسوغ لعاقل أن يجعل مثل هؤلاء وسائط بينه وبين ربّه...» (45).
وما قاله العلاّمة الحلّي هنا من أنّ صاحب الفطرة السليمة يحكم بذلك، ولا يتردّد في التفريق بين إرادته وحركاته وحركة من لا شعور لـه ولا إحساس، كما مثّل(رحمه الله) بحركة الجماد، دليل فطري ضروري سيعتمده العلاّمة في أغلب تضاعيف المسائل القادمة.
________________________________________
(42)المصدرالسابق 2 : 229ـ 230.
(43)المصدر السابق 2 : 237.
(44)نهج الحقّ وكشف الصدق: 131.
(45)المصدر السابق: 131ـ 132.

[الصفحة - 96]


امتناع إرادة القبيح في حقّه تعالى
والمعنى الذي يتصوّر هنا في حقّه تعالى هو أنّ الجور والظلم والعدوان والمعاصي التي تقع من بني البشر هل هي مرادة لله سبحانه، أو أنّ الأمر غير ذلك؟ وبعبارة أُخرى، إنّ الفعل القبيح الذي صدر عن الإنسان بإرادته واختياره، هل هو مراد الله سبحانه أيضاً، أو أنّه تعالى يريد ما حسن من الأفعال فقط؟
ذهب أكثر المتكلِّمين إلى أنّ الله جلّ وعلا لا يريد ولا يحبّ إلاّ ما حسُنَ من الأفعال، ولا تتعلّق إرادته إلاّ بما هو جميل ولطيف وحسن، واستدلّوا على ذلك بأدلّة نقليّة وعقليّة.
قال السيّد المرتضى: «وممّا يدلّ من القرآن على أنّ الله أراد بخلقه الخير ولم يرد بهم الكفر والضلال قولـه سبحانه: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ} (الأنفال: 67)».
فأخبر أنّ ما أراد غير ما أرادوا، وقال أيضاً : {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة: 32) (46).
ثمّ يذكر آيات عديدة دليلاً على مراده، إلى أن يقول:
«فإنّه لو جاز أن يريد الكفر به، ويكون بذلك ممدوحاً، لجاز أن يحبّ الكفر ويرضى به، ويكون بذلك حكيماً ممدوحاً، فلمّا لم يجز أن يرضى بالكفر )لما ذّكر من الآيات( ولا يحبّه، لم يعجز أن يريده، فإنّ من أمر العباد بما لا يريده فهو جاهل، فلمّا كان ربّنا أحكم الحاكمين، علمنا أنّه لم يأمر بشيء لا يريده...» (47).
وقريب من ذلك ما أفاده العلاّمة الحلّي(قدس سره) مكتفياً بذكر الدليل العقلي على المطلوب، حيث قال: «المقصد الثاني: في بيان أنّه يستحيل عليه إرادة القبيح، وحينئذ يستحيل عليه إرادة القبيح; لأنّها قبيحة» (48).
وربما تكون عبارته مبهمة، لكن المراد منها أنّ الله لا يريد القبيح؛ لأنّ ذلك قبيح عليه، والله لا يشاء ولا يفعل القبيح; لأنّه خلاف حكمته.
ومن هنا، قال الفاضل المقداد(رحمه الله) تعقيباً على ذلك: «فقول المصنّف: فحينئذ (وحينئذ) أتى بفاء النتيجة، أي ما يلزم من امتناع فعل القبيح امتناع إرادته» (49).
________________________________________
(46)رسائل السيد المرتضى: 2 : 230.
(47)المصدر السابق: 231 ـ 232.
(48)الباب الحادي عشر، العّلامة الحلي: 21.
(49)المصدر السابق نفسه.

[الصفحة - 97]


هذا، وقد يفهم من كلام الشيخ الصدوق(رحمه الله) في كتاب الاعتقادات أنّ إرادته تعالى متعلِّقة بما قبح من الأفعال، وهو «إنّ الله تعالى أراد أن تكون معصية العاصين خلاف طاعة المطيعين، وأراد أن تكون المعاصي غير منسوبة إليه من جهة الفعل، وأراد أن يكون موصوفاً بالعلم بها قبل كونها. ونقول: أراد الله أن يكون قتل الحسين خلاف الطاعة، ونقول: أراد الله أن يكون قتله منهيّاً عنه غير مأمور به، ونقول: أراد الله تعالى أن يكون قتله مستقبحاً غير مستحسن، ونقول: أراد الله تعالى أن يكون قتله سخطاً لله غير رضاً، ونقول: أراد الله أن لا يدفع القتل عنه(عليه السلام)، كما دفع الحرق عن إبراهيم، حين قال: {يَا نَارُ كُونِي...} ، ونقول: لم يزل الله عالماً بأنَّ الحسين سيقتل ويدرك بقتله سعادة الأبد، ويشقى قاتله شقاوة الأبد، ونقول: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. هذا اعتقادنا في الإرادة والمشيئة، دون ما نسبه إلينا أهل الخلاف والمشنّعون علينا من أهل الإلحاد»(50).
وقد استدل على ذلك بقول الصادق(عليه السلام): (شاء الله وأراد ولمن يحبّ ولم يرض، شاء أن لا يكون شيء إلاّ بعلمه وأراد مثل ذلك، ولم يحبّ أن يقال له ثالث ثلاثة، ولم يرض لعباده الكفر)(51).
ولذا، واجه قول الشيخ الصدوق هذا ردوداً قويّة من قبل الشيخ المفيد، عندما تعرّض لذلك، فقال هناك:
«الذي ذكره الشيخ أبو جعفر(رحمه الله) في هذا الباب لا يتحصّل، ومعانيه تختلف وتتناقض، والسبب في ذلك أنّه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة ولم يكن ممّن يرى النظر فيميّز بين الحقّ منهما والباطل ويعمل على ما يوجب الحجّة، ومن عوّل في مذهبه على الأقاويل المختلفة وتقليد الرواة، كانت حاله في الضعف ما وصفناه، والحقّ في ذلك: أنّ الله تعالى لا يريد إلاّ ما حسن من الأفعال، ولا يشاء إلاّ الجميل من الأعمال، ولا يريد القبائح، ولا يشاء الفواحش، تعالى الله عمّا يقوله المبطلون علوّاً كبيراً» (52).
إلى أن يستدلّ بقولـه تعالى: {وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ} (غافر: 31)، وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الاْرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99).
________________________________________
(50)الاعتقادات: 32 ـ 33.
(51)التوحيد: 339، باب الإرادة والمشيئة; وراجع الكافي، الكليني: 5 : 117، باب الإرادة والمشيئة.
(52)تصحيح اعتقادات الإماميّة: 49 ـ 50.

[الصفحة - 98]


وقد لا يرد ذلك كلّه من المفيد(رحمه الله) على كلام الشيخ الصدوق إذا نظرنا إلى كلامه في كتاب التوحيد حيث قال في تفسير قول الإمام: (فمن زعم أنّه يقوى على عمل لم يرده الله (عزّ وجلّ)، فقد زعم أنّ إرادته تغلب إرادة الله تبارك وتعالى): «معنى ذلك، أنّ من زعم أنّه يقوى على عمل لم يرده الله أن يقوّيه عليه، فقد زعم أنّ إرادته تغلب إرادة الله، تبارك الله ربّ العالمين» (53).
ويفهم من ذلك أنّ إرادة الله متعلّقة بالقوّة على الفعل، وليست بالفعل نفسه حتّى ترد الإشكالات المتقدِّمة.
المبحث الثالث
القراءة الكلامية لمسألة خلق الأفعال
بعدما أُثيرت هذه المسألة في القرن الثاني الهجري، وقال جهم بن صفوان: بأنّ فعل الإنسان مخلوق لله تعالى. ظلّت هذه المسألة مثار بحث وجدل بين علماء المسلمين حتّى عصور قريبة، وإن كان اصطلاح (خلق الأفعال) أضحى مهجوراً في الأوساط العلميّة المعاصرة.
وبغضّ النظر عمّا ذهبت إليه الفرق المسلمة أو ما قالت به الروايات الشريفة، والتي عبّرت بنفس التعبير كما سيأتي ذكر بعضها، فإنّ هذه المسألة طرحت عند غير المسلمين أيضاً لما لها من أهمّية بالغة وارتباط وثيق بمصير الإنسان وحريّة أفعاله وتصرّفاته، بل تؤثّر تأثيراً مباشراً على تطوّر الإنسان ونموّه في جميع مجالات الحياة، فقضيّة حريّة الإنسان تمثِّل نتيجة هامّة بما لها من بُعد شعوري ضارب في العمق الإنساني، حيث يقف الإنسان بين قطبين رئيسيّين في حياته، وهما: الحريّة أو الاختيار، فتعني هذه القضية بالنسبة إليه أنّ ما يصدر منه من قول أو فعل، هل هو من صنعه واختراعه وتأليفه، أو هو من صنع الله سبحانه وخلقه؟ وبعبارة ثانية: إنّ الفعل الصادر من هذا الإنسان هل هو فعل الله من دون أن يكون للعبد يدٌ فيه ولا دخل لـه في إيجاده؟ أو أنّ ذلك الفعل هو فعل الإنسان ولا علاقة لله سبحانه به من حيث الإيجاد والصنع؟
________________________________________
(53)التوحيد: 143.

[الصفحة - 99]


وقد طرقت هذه الأسئلة فكر الإنسان منذ أقدم العصور حتّى انتهت إلى علماء الكلام ومفكِّريهم، فذهبت الأشاعرة إلى القول بالجبر بحجّة أنّه لا مؤثّر في الكون إلاّ الله، حيث أنكروا جميع العلل والأسباب غير العلّة الوحيدة لخلق الكون والإنسان مع ما يصدر عنه من قول أو فعل.
مقابل ذلك، ذهب المعتزلة إلى القول بالتفويض لتبرير نظرية العدل وقبح الظلم منه سبحانه، إذ يلزم من الجبر ذلك، بل صرّح معتزلة البصرة بأنّ الإنسان خالق لأفعاله كما سيأتي.
والرأي الثالث ما ذهب إليه متكلِّمو الإماميّة، وهو أنّ الإنسان فاعل لما يصدر عنه، محدث لما يقوم به، مختار لما يشاء من الأفعال غير مقهور ولا مجبر، دون أن يسلّموا للمعتزلة بنظرية التفويض ـ كما مرّ منّا في المبحث الأوّل ـ ومن دون إطلاق صفة الخالق على الإنسان ; لأنّ بعضهم يرى أنّ الوحي أطلق هذه الصفة على الله ولم يطلقها على غيره، فلا يجوز أن نصف بها غير الله; لأنّ أسماء الله توقيفيّة، من هنا فهم يخالفون الأشاعرة ويتّفق بعضهم إلى حدٍّ كبير مع المعتزلة، كما سيتّضح ذلك فيما بعد.
خلق التقدير وخلق التكوين
ذكرت بعض الروايات الشريفة نوعين من خلق الفعل، وهما: خلق التقدير، وخلق التكوين. وقد ذهب بعض الأعلام إلى صحّة الأوّل دون الثاني، في حين ذهب آخرون إلى طرح كلا المعنيين.
قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام) فيما وصف له من شرائع الدِّين: «إنّ الله لا يكلِّف نفساً إلاّ وسعها، ولا يكلّفها فوق طاقتها، وأفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، والله خالق كلّ شيء، ولا نقول بالجبر والتفويض...» (54).
لقد كان لهذه الرواية أثرٌ كبير على آراء علماء الكلام الإماميّة حتّى إنّ بعضهم اعتمدها بنصّها في تحرير رأيه في هذه المسألة، كما صنع الشيخ الصدوق(رضي الله عنه) الذي وافق أن يكون فعل الإنسان مخلوقاً خلق تقدير لا خلق تكوين، وفسّر ذلك بقوله: «...وقد يجوز أيضاً أن يقدّر الله أعمال العباد بأن يبيّن مقاديرها وأحوالها من حسن
________________________________________
(54)التوحيد: 406 ـ 407;وانظر أيضاً بحار الأنوار، العلاّمة المجلسي 2 : 245.

[الصفحة - 100]


وقبح، وفرض ونافلة وغير ذلك، ويفعل من الأدلّة على ذلك ما يعرّف به هذه الأحوال لهذه الأفعال، فيكون الله (عزّ وجلّ) مقدّراً لها في الحقيقة» (55).
ثمّ قال: «... وإنّما أنكرنا أن يكون الله (عزّ وجلّ) حكم بها على عباده ومنعهم من الانصراف عنها، أو أن يكون فعلها وكوّنها، فأمّا أن يكون الله (عزّ وجلّ) خلقها خلق تقدير فلا ننكره» (56).
وعلى هذا، لا يلزم القول بالجبر ـ كما قد يفهم ـ حيث إنّ الخلق هنا ليس المقصود منه الجعل التكويني ومنع الانصراف إلى الضدّ، بل المراد منه بيان مقادير الفعل وحدوده وأحواله، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك من السيّد المرتضى.
إنّ الصدوق(رحمه الله) عرّف القدر سابقاً: بأنّه العلم بمقادير الفعل وأحواله، وهو قريب جدّاً ممّا ذكر هنا، وظاهر في عدم القول بالجبر.
ويؤيّد ذلك ما ذكر في كتاب الهداية: «ويجب أن يعتقد أنّ الله تبارك وتعالى لم يفوّض الأمر إلى العباد ولم يجبرهم على المعاصي، وأنّه لم يكلِّف عباده إلاّ ما يطيقون، كما قال الله (عزّ وجلّ) {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286)، وقال الصادق: (لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين)» (57).
هذا، ولكننا لم نجد في كتب الصدوق بياناً يوضّح فيه حقيقة الأمر بين الأمرين، وماهيّة النظرة الوسطية التي يعتمدها المذهب الإمامي، بل اكتفى بنصّ الرواية في بعض كتبه لبيان رأيه في حقيقة الفعل الصادر من الإنسان، فقال: «واعتقادنا في أفعال العباد أنّها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك أنّه لم يزل الله عالماً بمقاديرها» (58).
الله غير خالق لأفعال العباد
بعدما رأينا من الشيخ الصدوق اعتماده وقبوله للرواية المتقدِّمة، نرى وجهة نظر أُخرى في الكلام الإمامي، وهي الطرح والرفض لهذه الرواية، وذلك ما ذهب إليه الشيخ المفيد(رحمه الله)، حيث يستند إلى روايات أُخرى تقول: إنّ أفعال العباد غير مخلوقة لله سبحانه، «والصحيح عن آل محمّد أنّ أفعال العباد غير مخلوقة لله» (59).
________________________________________
(55)التوحيد: 384.
(56)المصدر السابق: 385.
(57)الهداية في الأُصول والفروع، الشيخ ابن بابويه الصدوق: 17 ـ 18.
(58)الاعتقادات: 29.
(59)تصحيح اعتقادات الإماميّة: 42.

[الصفحة - 101]


هذا، وقد فسّر المفيد حقيقة صدور الفعل من الإنسان بما يلي: «إنّ الخلق يفعلون ويحدثون ويخترعون ويصنعون ويكتسبون، ولا أطلق القول عليهم بأنّهم يخلقون، ولا أقول أنّهم خالقون، ولا أتعدّى ذكر ذلك فيما ذكر الله، ولا أتجاوز به مواضعه من القرآن، وعلى هذا القول إجماع الإماميّة والزيديّة والبغداديّين من المعتزلة، وأكثر المرجئة وأصحاب الحديث. وخالف فيه البصريّون من المعتزلة وأطلقوا على العباد أنّهم خالقون، فخرجوا بذلك عن إجماع المسلمين» (60).
من هنا نفهم أنّ الشيخ المفيد لا يأخذ بنظرية خلق الفعل لا لله سبحانه ولا للعبد، فمن جهة يؤكّد على أنّ الفعل الصادر من الإنسان هو فعله وهو صاحبه وهو صادرٌ عنه، ومن جهة أُخرى يرى الشيخ أنّه لا يصحّ أن نقول: إنّ الإنسان هو الخالق لفعله ولما يصدر عنه، بل بمعنى أنّه مختار في فعله، إن شاء فعل وإن شاء ترك، وأنّه متمكِّن من إيجاد الفعل وضدّه.
«إنّ الإرادة للشيء هي اختياره، واختياره هو إرادته وإيثاره (...) ويعبّر بلفظ مختار على القادر خاصّة، ويُراد بذلك أنّه متمكّن من الفعل وضدّه، دون أن يُراد به القصد والعزم، وهذا مذهب جماعة من المعتزلة البغداديّين وكثير من الشيعة، ويخالف فيه البصريّون من المعتزلة وأهل الجبر كافّة» (61).
وقد استدل الشيخ على ذلك بروايتين في هذا الباب، نذكر واحدة منهما:
ما روي من أنّ الإمام الهادي(عليه السلام) سُئل عن أفعال العباد، فقيل لـه: هل هي مخلوقة لله تعالى؟ فقال(عليه السلام): «لو كان خالقاً لها لما تبرّأ منها، وقد قال سبحانه: {أَنَّ اللهَ بَرِىءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} (التوبة: 3)، ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم، وإنّما تبرّأ من شركهم وقبائحهم»(62).
هل قال الشيخ الصدوق بالجبر؟!
إنّ اعتماد الشيخ منهج الحديث والتنصيص الروائي في بيان وطرح الآراء الكلاميّة، قد يكون أحد الأسباب المهمّة التي دعت بعض الأعلام إلى الردّ والإشكال على بعض آرائه، ولربما من خلالها اتّهم بالجبر، فعدم توضيح الصدوق لرأيه الكلامي
________________________________________
(60)أوائل المقالات في المذاهب المختارات، الشيخ المفيد: 58 ـ 59.
(61)المصدر السابق: 112 ـ 113.
(62)راجع تصحيح اعتقادات الإماميّة: 44; وكذا بحار الأنوار 2 : 238.

[الصفحة - 102]


بأُسلوبه وإنشائه في بعض الأحيان أدّى إلى وجود بعض الغموض في آرائه، ولعلّ من أهمّها حقيقة الأمر بين الأمرين.
من هنا جاءت إشكالات الشيخ المفيد والتي انصبّت على ما ذكر الشيخ الصدوق في كتاب الاعتقادات، وقد نقلناه سابقاً، وهو الذي دفع الأوّل إلى الردّ عليه مستنكراً على ما فهمه من المساواة بين العلم بالشيء والخلق له، فلا يعتبر أنّ هناك ملازمة بين علم الله بمقادير الأفعال وكونه خالقاً لها، مضافاً إلى ما استند إليه من أدلّة سمعيّة اعتبرها الشيخ المفيد صحيحة، تفيد عكس ما أفادت به الرواية التي اعتمد عليها الصدوق(رحمه الله).
قال الشيخ المفيد: «الصحيح عن آل محمّد(عليهم السلام) أنّ أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى، والذي ذكره أبو جعفر (الصدوق) (رحمه الله) قد جاء به حديث غير معمول به، ولا مرضيّ الإسناد، والاخبار الصحيحة بخلافه، وليس يُعرف في لغة العرب أنّ العلم بالشيء هو خلق له، ولو كان ذلك كما قال المخالفون للحقّ لوجب أن يكون من علم النبيّ(صلي الله عليه و آله و سلم) فقد خلقه، ومن علم السماء والأرض فهو خالق لهما، ومن عرف بنفسه من صنع الله تعالى وقرّره في نفسه لوجب أن يكون خالقاً له، وهذا محال لا يذهب وجه الخطأ فيه على بعض رعيّة الأئمّة(عليهم السلام) فضلاً عنهم» (63).
وقد يكون كلام الشيخ المفيد صحيحاً بردّه على ما قاله ابن بابويه القمّي، لا سيّما إذا نظرنا إلى ما تقدّم في كلامه عن الإرادة عندما قال: «ونقول لم يزل الله تعالى عالماً بأنّ الحسين سيُقتل، ويدرك بقتله سعادة الأبد، ويشقى قاتله شقاوة الأبد، ونقول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن» (64).
حيث قلنا هناك: إنّ هذا الكلام قد يفهم منه الجبر؛ لعدم تعرّضه إلى إرادة أو اختيار الإنسان مقابل سعة إرادة الله سبحانه والتي تفهم من كلامه; إذ قال(رحمه الله): «اعتقادنا في ذلك قول الصادق(عليه السلام): شاء الله وأراد ولمن يحب ولم يرض، وشاء (عزّ اسمه) أن لا يكون شيء إلاّ بعلمه وأراد مثل ذلك» (65). وقد أشار إلى ذلك بعض المعاصرين (66).
فالإرادة عند الشيخ الصدوق: هي علم الله السابق بحدود الأفعال الصادرة من العباد.
لكن، قد يرد على الشيخ المفيد: أنّ الشيخ الصدوق لم يفسّر العلم بأنّه خلق،
________________________________________
(63)تصحيح اعتقادات الإماميّة، الشيخ المفيد: 42 ـ 43.
(64)الاعتقادات، الشيخ الصدوق: 33.
(65)المصدر السابق: 30.
(66)الإلهيّات على هدى الكتاب والسنة والعقل، الشيخ جعفر السبحاني2 : 289.

[الصفحة - 103]


حتّى يأتي ما أفاده المفيد: من أنّه يلزم من العلم بالشيء خلقاً له، وأنّ من علم شيئاً فقد صنعه وخلقه، بل إنّ الشيخ فسّر خلق التقدير: بأنّه العلم بالمقادير والحدود، فمعنى قولـه(عليه السلام): (إنّ أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير) ـ على فرض صحّة الرواية طبعاً، حيث قلنا سابقاً بضعفها ـ هو أنّ الله سبحانه علم حدود تلك الأفعال ومقاديرها.
مضافاً إلى استعمال هذا المعنى لا سيّما في بني الإنسان، كما سيأتي من السيّد المرتضى(رحمه الله) (ت/436هـ): من كون هذا المعنى مستعمل في لغة العرب مستساغ عندهم. ولذا، استخدم الشريف المرتضى هذا المعنى في أفعال العباد بأنّهم خالقين لأفعالهم.
ومن هنا، فقد تستعمل الألفاظ ولا يُراد منها معانيها الحقيقيّة، بل ربما أراد الإمام من التعبير بالخلق المعنى المجازي.
ولعلّ تبنّي الشيخ المفيد لنظريّة توقيفيّة الأسماء والصفات هو الذي دفعه لذكر هذا الإشكال; إذ لم يجوّز إطلاق أي اسم أو صفة على الله (عزّ وجلّ) إلاّ بما نطق به القرآن أو جاءت به السنّة (67)، وكذلك لا يرتضي إطلاق الصفات والأسماء الخاصّة به تعالى على خلقه، وقد مرّ بنا أيضاً كيف أنّه يسمّي الإنسان صانعاً لفعله ولا يُسمّيه خالقاً له.
ويرد على الشيخ المفيد أيضاً: بأنّه أنكر على الصدوق اعتماده على الروايات الضعيفة في حلّ القضيّة، ولكنّه قد استدلّ أيضاً بأحاديث مرسلة، في حين قال: «الصحيح عن آل محمّد...» في مطلع ردّه على كلام الشيخ الصدوق، والرواية التي استدلّ بها سابقاً والمنقولة عن الإمام الهادي(عليه السلام) هي رواية مرسلة، ففي الكتب الروائية التي تعرّضت لهذه الرواية إمّا أن تنقلها عن الشيخ المفيد نفسه من دون ذكر السند، أو تنقلها من دون الشيخ المفيد، فترسل عن الإمام مباشرةً.
ففي كتاب الفصول المهمّة (68) وبحار الأنوار (69) ومستدرك سفينة البحار (70)، نقلت عن الشيخ المفيد.
وفي كتاب نور البراهين (71) نقلت عن الإمام(عليه السلام) مباشرةً دون التعرّض لأيّ راو. علماً أنّ الشيخ المفيد حينما نقل الرواية لم يذكر لها سنداً، بل أسندها إلى الإمام مباشرةً، اللّهمَّ إلاّ أن يُقال: إنّ هذه الرواية حجّة عنده، خصوصاً أنّهم كانوا يبنون في
________________________________________
(67)راجع في ذلك: أوائل المقالات: 53.
(68)الفصول المهمّة في أُصول الأئمة، الحر العاملي1 : 258 ـ 259ح 266.
(69)بحار الأنوار2 : 238.
(70)مستدرك سفينة البحار2 : 12.
(71)نور البراهين2 : 29.

[الصفحة - 104]


الغالب على الموثوقيّة لا على الوثاقة.
هذا، وقد تنخفض حدّة الخلاف بين العلَمين إذا ما لاحظنا كلام الصدوق في كتاب التوحيد، سواء كان في تفسير حقيقة القضاء والقدر أو في بحث الإرادة أو مسألة خلق الأفعال، حيث يمثِّل كلامه في هذا الكتاب منعطفاً كلاميّاً جديداً يمكن من خلاله فهم رأيه في تلك المسائل.
ولكن، لا ندري إن كان كتاب التوحيد من كتب الشيخ المتأخّرة عن كتاب الاعتقادات، كما قال ذلك الباحث مارتن مكدرموت (72)، أو أنّه لم يكن كذلك.
تشير بعض الكتب المحقّقة التي تتعرّض لحياة الشيخ الصدوق إلى أنّه نزل الري وأقام فيها إلى حين وفاته سنة(381) (73)، وكتاب التوحيد من مؤلّفاته في تلك البلاد، ولكن لم تذكر تلك الكتب أنّ كتاب الشيخ هذا من كتبه المتأخّرة، فقد يكون الكتاب متأخّراً باعتبار أنّه قال في مقدّمة كتاب التوحيد (أنّه نزيل الري)، وقد يكون هذا النزول بعد عودته من الرحلة التي طاف بها بلاد ما وراء النهر، وهي البلاد التي تقع بعد بلاد خراسان، وقد فرغ عند رحلته تلك من كتاب من لا يحضره الفقيه سنة(372). وبعد تلك الرحلة لم يذكر أنّه خرج من بلاد الري (74).
ولكن، قد يكون نزوله الري وتأليفه لهذا الكتاب عند خروجه من قم والاستقرار في الري أي قبل البدء برحلته المذكورة عام(352)، إذ يشار إلى أنّ بلاد الري كانت مقامه قبل هذه السفرة التي قد تكون طالت لسنين عديدة (75)، وبذلك فيكون كتاب الاعتقادات الذي أُلّف عام(368) بنيشابور(76) متأخّراً عن كتاب التوحيد.
هذا، ولم يشر صاحب الذريعة إلى تاريخ تأليف هذا الكتاب، مكتفياً بذكر شروحه (77).
وسواء كان كتاب التوحيد متأخّراً أو متقدِّماً على كتاب الاعتقادات، يبقى السؤال وهو أنّه: لماذا لم نجد ولو إشارة واحدة من قبل الشيخ المفيد إلى آراء الشيخ الصدوق في هذا الكتاب؟ فهي تمثِّل منعطفاً آخر ـ كما قلنا ـ إذا قيست آراؤه في كتاب الاعتقادات.
________________________________________
(72)نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد، مارتن مكدرموت 440 ـ 441.
(73)الهداية في الأُصول والفروع، الصدوق: 115ـ 116.
(74)المصدر السابق نفسه.
(75)علل الشرائع، الصدوق1 : 6.
(76)من لا يحضره الفقيه، الصدوق 1 : 43.
(77)الذريعة، الشيخ آقا بزرك الطهراني 4 : 482.

[الصفحة - 105]


خلق الإنسان لأفعاله وبلوغ الذروة في تصوير حرّيته
وسار التلميذ على خُطى أُستاذه، حيث شهد القرن الخامس الهجري تشييداً قويّاً لنظرية الاختيار على يدي السيّد المرتضى (ت/436هـ)، فذهب أيضاً إلى أنّ أفعال الإنسان غير مخلوقة لله سبحانه، وأنّه قائم ومباشر لجميع ما يصدر عنه، فقال: «أمّا أفعال العباد فليست مخلوقة لله عزّ وجلّ، وكيف تكون خلقاً وهي مضافة إلى العباد إضافة الفعليّة؟ ولو كانت مخلوقة لكانت من فعله، ولو كانت من فعله لما توجّه الذمّ والمدح على قبحها وحسنها إلى العباد، كما لا يذمّون ويمدحون بخلقهم وصورهم» (78).
وما يقوله السيّد هنا ـ وسيتعرّض له العلاّمة ـ وجيه، حيث لو كانت كلّ أعمال البشر مخلوقة لله غير منسوبة إليهم، وهي مقدّرة ومحسومة منذ الأزل؛ لبطلت جميع الأنظمة الإيديولوجية والتكاليف السماوية لهداية البشر وتنظيم حياة الناس، بل لتزلزلت نظرية الثواب والعقاب، وكذلك كلّ القوانين البشرية في الجزاء والعقوبات، وجميع المؤسّسات القضائية، وحتّى الأنظمة السائدة في المجتمع; وذلك لأنّ العبد عبد الله والفعل فعل الله، وما يصدر من الإنسان من الأعمال والأفعال غير مسؤول عنها; لأنّها ليست أفعاله وإن كانت قد صدرت عنه بالشكل والصورة، إلاّ أنّها أفعال الله بالحقيقة بناءً على نظرية الجبر.
لذلك أنكر السيّد الشريف علي بن الحسين ذلك، وذهب إلى: «أنّ الأفعال مضافة إلى الإنسان إضافة الفعليّة، بمعنى أنّ الفعل فعل الإنسان وهو الذي قام به، فما يصدر عنه فهو مسؤول عنه».
وقد استدلّ على ذلك بأدلّة قرآنية عديدة: يفهم منها أنّ الأعمال الصادرة من بني البشر منسوبة إليهم نسبة مباشرة، لا إلى الله جلّ وعلا.
منها قولـه تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ...} (المائدة: 30)، حيث نسب القرآن القتل إلى قابيل ولم ينسبه إلى الخالق جلّ وعلا.
ومنها كذلك قوله تعالى: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ} (المائدة: 80)، وما قدّمته أنفسهم لم يقدّمه لهم ربّهم.
وكذا قولـه تعالى: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} (القصص: 16)، إذ
________________________________________
(78)رسائل السيد المرتضى 1 : 135; وراجع شرح مجمل العلم والعمل: 92.

[الصفحة - 106]


نسب الظلم إلى نفسه لا إلى الربّ جلّت قدرته (79).
هذا، ولكن الظاهر من السيّد المرتضى أنّه لا يؤمن بتوقيفيّة الأسماء والصفات الخاصّة به سبحانه، فقد استعمل صفة الخالق بحقّ المخلوق، وقد يكون في ذلك إشارة أكثر وضوحاً إلى حريّة الإنسان واختياره وتطوّراً إلى حدٍّ ما في مسألة خلق الأفعال.
«الصحيح كون العباد خالقين لأفعالهم المقصودة المجرى بها إلى الأغراض الصحيحة، وهو مذهب أكثر أهل العلم» (80).
من هنا نفهم أنّ السيّد الشريف قد يستعمل صفات وأسماء بحقّ الله أو بحقّ الإنسان لم ترد في القرآن أو الأحاديث الشريفة (81).
أمّا الخلق في حقّه تعالى لأفعال الإنسان الوارد في الرواية المتقدّمة فقد فسّره بما يلي:
أوّلاً: أن يكون الخلق بمعنى الإنشاء والإحداث والتكوين، فيكون الله سبحانه هو المبتكر والمُحدث والخالق لفعل الإنسان، وهذا هو معنى خلق التكوين.
ثانياً: أن تكون الأفعال مخلوقة خلق تقدير وترتيب وتنظيم من دون أن يعقبه الإلجاء والفعليّة، وذلك هو معنى خلق التقدير في الرواية، فجوّز المعنى الثاني دون الأوّل:
«ولو كانت مخلوقة لكانت من فعله، ولو كانت من فعله لما توجّه الذمّ والمدح على قبحها وحسنها إلى العباد، كما لا يذمّون ويمدحون بخلقهم وصورهم وهيئتهم (...) هذا إن أُريد بالخلق هاهنا الإحداث والإنشاء على بعض الوجوه. وإن أُريد بالخلق التقدير الذي لا يتبع الفعليّة، جاز القول: بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله (عزّ وجلّ) فيكون بمعنى أنّه مقدّر لها مرتّب لجميعها، ألا ترى أنّ أهل اللغة يسمّون مقدّر الأديم خالقاً له، وإن كان الأديم من فعل غيره، قال الشاعر:
ولأنت تعرى ما خلقت وبعض القـوم يخـلق ثمّ لا يـعتري» (82)
العلاّمة الحلّي ونظرية الإنسان فاعل بالضرورة
ويأتي هنا تأكيد آخر لموقف متكلِّمي الإماميّة إزاء فاعليّة الإنسان واختياره في
________________________________________
(79)رسائل السيد المرتضى 2 : 194 ـ 195.
(80)المصدر السابق 1 : 136.
(81)الذخيرة في علم الكلام : 572 وما بعدها.
(82)رسائل السيد المرتضى 1 : 135 ـ 136.

[الصفحة - 107]


تقرير المصير، فذهب العلاّمة الحلّي(رحمه الله) (ت/726هـ)، إلى ما ذهب إليه أسلافه في إثبات أنّ الإنسان فاعل بالاختيار، يقوم بما يصدر عنه من الأفعال، وإن اختلف عنهم بطريقة الاستدلال أو أُسلوب التفسير والبيان لهذه المسألة، حيث يركّز العلاّمة ـ كما سيأتي ـ على أنّ قضيّة فاعليّة الإنسان وحريّته في اختيار ما يصدر عنه، أمر ضروري وبديهي عند كلّ إنسان، حتّى عند الأطفال والمجانين ـ حسب تعبيره ـ فالفرق واضح بين الحركات الاختياريّة والاضطراريّة، وغالباً ما يمثل هنا بقول الهذيل: حمار بشر أعقل من بشر; لأنّ الحمار يفرّق بين الجدول الصغير فيعبره، لكنّه إذا واجه النهر العريض فلا يعبره، فالحمار يفرّق بين ما يقدر عليه من الأفعال وبين من لا يقدر عليه منها، وصاحب الحمار لا يفرق بين الاثنين; لاعتقاده بمذهب الجبر، فحماره أعقل منه.
وقد تعرّض العلاّمة الحلّي(رحمه الله) لهذه المسألة في كتابه نهج الحقّ وكشف الصدق، وكذا في كتاب الباب الحادي عشر، وتعرّض لها أيضاً في كتاب مناهج اليقين، وهناك رسالة مختصرة في القضاء والقدر ذكر فيها هذه المسألة أيضاً، وكما أشرنا سابقاً فإنّ العلاّمة يركّز ويعتبر هذه المسألة ضروريّةً بحكم العقل، وأغلب الأدلّة التي ذكرها هنا هي أدلّة عقليّة، بل لم يذكر أدلّة سمعيّة أو نقليّة إلاّ في بعض الإشارات العابرة، كما سيأتي، وكأنّ العلاّمة الحلّي لا يجد جواباً أجدى وأنفع لمن يقول بخلق الله لأفعال الإنسان من ضرورة العقل وحكمه.
«اتّفقت الإماميّة والمعتزلة على (إنّا فاعلون) وادعوا الضرورة في ذلك، فإنّ كلّ عاقل لا يشكّ في الفرق بين الحركات الاختياريّة والاضطراريّة وأنّ هذا الحكم مركوز في عقل كلّ عاقل، بل في قلوب الأطفال والمجانين (...)، قال أبو الهذيل: حمار بشر أعقل من بشر; لأنّ الحمار إذا أتيت به إلى جدول كبير فضربته لم يطاوع على العبور، وإن أتيت به إلى جدول صغير جاز; لأنّه يفرّق بين ما يقدر عليه وما لا يقدر عليه، وبشر لا يفرّق بينهما فحماره أعقل منه» (83).
ونجد هذا الأُسلوب والاستدلال في كتاب الباب الحادي عشر أيضاً؛ ليكون تأكيداً للقول السابق، فقال: «المبحث الثاني في إنّا فاعلون بالاختيار، والضرورة قاضية بذلك، للفرق الضروري بين سقوط الإنسان من سطح، ونزوله منه على الدرج،
________________________________________
(83)نهج الحقّ وكشف الصدق: 101; وراجع رسالة القضاء والقدر، العلاّمة الحلي: 7 ـ 8 ; وكذا الرسالة السعدية، له أيضاً: 64 ـ 67.

[الصفحة - 108]


ولامتناع تكليفنا بشيء فلا عصيان، ولقبح أن يخلق الفعل فينا ثمّ يعذّبنا عليه، وللسمع» (84).
فقد استعرض هنا عدّة أدلّة على حريّة الإنسان وصدور أفعاله منه بمحض اختياره، ومن الملاحظ أنّ الأدلّة هنا كلّها أدلّة عقلية سوى ما يشير إليه أخيراً عند قوله: وللسمع، وقد ذكره ـ بحسب الظاهر ـ مؤيّداً للأدلّة التي سبقته وليس دليلاً أساسيّاً، وهذا يؤكّد ما قلناه سابقاً.
أدلّة العلاّمة الحلّي على نظريّة (الفاعل بالضرورة).
إنّ دعوى القول بخلق أفعال الإنسان من قبله سبحانه باطل لما يلي:
أوّلاً: إنّ الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري أمرٌ ضروريّ، والعقل يحكم بأنّ ما يصدر من الإنسان قد صدر بمحض اختياره.
ثانياً: إنّ هذا القول يفضي إلى بطلان التكليف وإرسال الرُّسل والأنبياء، فالعاصي وفاعل الخير متساويان عند الله (جلّ وعلا) !!
ثالثاً: يؤدّي هذا القول إلى بطلان العقاب، حيث يقبح عليه تعالى معاقبة الإنسان على فعل قد خلقه فيه.
رابعاً: الآيات والروايات الواردة في ذلك، ولم أطّلع على استدلال العلاّمة الحلّي بالأدلّة السمعيّة إلاّ في هذا المورد.
وحتّى يوطّد هذا الرأي بهذا المنهج والأُسلوب، يذكر العلاّمة ذلك في كتاب آخر وهو كتاب مناهج اليقين، فقال: «ادّعى أبو الحسين البصري (85) وجماعة أنّه ضروريّ، وهو الحقّ عندي» (86).
وممّا يؤكّد ما قلناه: من أنّ العلاّمة حسم الموقف من بدايته يكون الإنسان صانع لما يفعل مختار لما يريد، بحكم العقل والضرورة، قبل أن تصل النوبة إلى الأدلّة النقليّة، هو قوله الآخر من نفس هذا الكتاب: «والحقّ عندي المذهب الأوّل (أنّ الحكم بهذه المسألة) ويدلّ عليه ما دللنا به في المسألة الأُولى، فإنّا نستحسن المدح على ما يقع من أفعالنا المتولّدة كالكتابة والبناء، ونستحسن الذمّ على بعض آخر كالقتل، وهذا إنّما ذكرناه استدلالاً على ضروريّة هذا الاعتقاد لا عليه نفسه» (87).
________________________________________
(84)الباب الحادي عشر: 68.
(85) هو محمّد بن علي الطيّب، أبو الحسين البصري: أحد أئمّة المعتزلة، قال الخطيب البغدادي: له تصانيف وشهرة بالذكاء والديانة على بدعته، ولد في البصرة، وسكن بغداد وتوفّي بها في سنة 436هـ . الملل والنحل للشهرستاني1 : 93، نقلاً عن وفيّات الأعيان1 :482; وراجع تاريخ بغداد 3: 314 ـ 315.
(86)مناهج اليقين: 365.
(87)المصدر السابق: 373.

[الصفحة - 109]


فالفقرة الأخيرة من هذا الكلام تكشف عن أنّ العلاّمة يعتبر هذا الموضوع ضروريّاً لا يحتاج إلى مزيد عناء واستدلال.
لكن قضيّة (إنّا فاعلون) وإن كانت ضروريّة وبديهيّة ـ كما يقول العلاّمة الحلّي ـ من حيث أصل الاستدلال عليها ومنشئها، أمّا الحديث عن نتائجها وما تؤول إليه، وتأثيرها وانعكاسها، فليس كذلك، فإنّ ذلك من أهمّ الأُمور التي بحثها أكثر المتكلِّمين ومعظم الفلاسفة وقد اختلفوا في ذلك، كما مرّ عن بعض المتكلِّمين وسيأتي ذلك من الفلاسفة; وذلك لما لها من تأثير واسع في أذهان هؤلاء، حيث فرضت نفسها كقضيّة من أهمّ القضايا التي تلزم المتكلِّم والفيلسوف بطرحها وتناولها ومعرفة ما تؤول إليه.
ومن هنا، فقد يكون مقصود العلاّمة الحلّي ذلك عندما صرّح بضرورة هذه القضيّة، فإنّها إذا لوحظت كقضيّة تمسّ مصير الإنسان ومسيرة حياته وتكامله ورقيّه، فقد لا تكون كذلك، خصوصاً إذا تصفّحنا أوراق التأريخ ورأينا ما مرّت به هذه القضيّة من ظروف وتقلّبات وما وقعت فيها من ملابسات وسوء فهم، حيث إنّ للزمان والمكان هنا دخلاً في تطوّر وتبلور أفكار ونتائج واكبت هذه المسألة، فهي جديرة بالبحث والتصنيف.
المبحث الرابع
الهداية والإضلال وقبول المتكلِّمين لمنهج التأويل
لم تكن مسألة الهداية والضلالة بمنأى عمّا بحثناه سابقاً، من موضوع اختيار الإنسان وخلق أفعاله، ولم تكن هذه القضية بعيدة عن الجدل والبحث بين أعلام الفرق الإسلامية، حيث ما دام السؤال عن مصير الإنسان وحريّته يوجَّه إلى علماء العقائد والكلام، وما دام السؤال عن إرادة الله وإرادة الإنسان مُثاراً عندهم، فإنّ السؤال التالي باق أيضاً، وهو: هل أنّ موضوع الهداية والإضلال ـ الذي تحدّث عنه القرآن كثيراً ـ يعني إجبار الإنسان واضطراره إلى أحد السبيلين؟ وهل يُراد من ذلك أن يدخل الإنسان الجنّة أو يدخل النار دون أن تسبقه الحريّة في تقرير المصير؟ أو أنّ للهداية والضلال معان أُخرى غير ذلك؟ هذا ما سنحاول طرحه في هذا المبحث.
________________________________________

[الصفحة - 110]