البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحركية التاريخية لولاية أهل البيت(عليهم السلام) دراسة في دور الإمام الصادق(عليه السلام)

الباحث :  أ. نبيل علي صالح
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  48
السنة :  السنة الثانية عشر شتاء 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 20 / 2015
عدد زيارات البحث :  153
الحركية التاريخية لولاية أهل البيت(عليهم السلام)
دراسة في دور الإمام الصادق(عليه السلام)

أ. نبيل علي صالح (*)

مقدمة البحث
يبدو لي البحث التاريخي ـ وبخاصة البحث في تاريخ أمة كأُمتنا لم يتبق لها من أمجادها التليدة إلا ما سطرته كتب التاريخ التي أصبحنا نتغنى بها على مذبح حقائق العصر الراهن ـ موضوعاً شديد الحساسية، وربما يكون سيفاً ذي حدين.. لأن أي حديث عن فكرة تاريخية أو شخص عاش في الزمن الماضي، فهذا يعني ـ في الواقع العملي- أنك تتحدث عن سيرة قرون من الزمن، فيها تفاصيل كثيرة، وحوادث متشعبة ومتشابكة ورواة مختلفون يعون الخبر عقل رواية لا عقل رعاية..
وعلى وجه العموم أقول: إننا عندما نتناول التاريخ فإننا نحاول اختصاره في مشاهد أو لوحات جمالية محدودة خالية من أي تشويه أو تعقيد، نستطيع أن نفهمها ونصنفها على أنها «خير محض» أو «شر محض». وهذا ما يتجلى عندما نتناول شخصية تاريخية ما، فنحن نميل لأن نقول إنه كان رجلاً عظيماً أو رجلاً ظالماً مستبداً، فالحجاج جبار ظالم، وهارون الرشيد عظيم عند بعضنا، ومجرم عند الآخر، أما صلاح الدين فهو أعظم الناس، وإذا أحب البعض أحد الأئمة فلا يمكن؛ نقده لأن النقد معناه هنا نقله من ضفة الخير إلى ضفة الشر، وإذا كره البعض عالما فلا يمكن مدحه للسبب نفسه. التاريخ لدينا أبيض وأسود فقط لا غير.
بناءً على ذلك فإنه من غير الممكن ـ علمياً وموضوعياً ـ اعتبار التاريخ (أي تاريخ) فكرة نهائية مغلقة أو معرفة مقدسة منتهية لا تشوبها شائبة، ولا تمسها حركة التفكير، ولا تداخلها عوامل الزمان والمكان.. فالتاريخ عموماً ـ وعلى الأخص منه تاريخنا العربي والإسلامي ـ هو حركة للإنسان في محيطه خلال الزمان.. إنه سجل
________________________________________
(*) باحث وكاتب من سورية.

[الصفحة - 316]


مبادلات البشر ومكتسباتهم فيما بينهم سلماً أم حرباً, اجتماعاً أم سياسةً, ديناً أم دنياً. ويظهر التاريخ مليئاً بالأفعال والحوادث والمعطيات والحركات التي يقترب قليلها من الالتـزام بالنص المقدس, ويبتعد كثيرها عن مثل ذلك الالتـزام. ولا تحتاج مثل هذه الفكرة إلى جهد كبير لإثباتها؛ لأن أية نظرة سريعة على تاريخ المسلمين سواء أكانوا خلفاء أم أُمراء, أو مجتمعات وأفراداً من عامة الناس تنقض فكرة «قداسة التاريخ» من أساسها وتجعلها مثيرة للسخرية. والإبداع الحقيقي والإثارة الحقيقية التي يقدمها تاريخ الحضارة العربية والإسلامية، تأتي بالضبط من فكرة عدم قداسته وجمعه للأضداد بشكل تعايشي خلاق. أنّ التاريخ بالنسبة لنا غير موجود؛ لأنه مضى زمن وقوعه وحدوثه، وما لدينا فقط ما دوّنه قراء لهذا التاريخ، قراء من البشر لديهم أهواؤهم وميولهم وأخطاؤهم وحماقاتهم وعقدهم النفسية ومصالحهم، كما أن لهم عظمتهم أيضاً.
نفهم الأحداث من خلال عيونهم، رغم أنهم عاشوا في زمن محروم من وسائل الاتصالات الحديث فكيف نفهم التاريخ ثم نقدسه ونستلهم أمجادنا منه، وهو ضبابي فيه الكثير من الأخطاء والروايات؟
انطلاقاً مما تقدم تأتي دراسة وتحليل بعض شخصيات التاريخ الإسلامي ـ الذين عاشوا في الماضي وكانت لهم أفعالهم وسلوكياتهم التي مارسوها وعاداتهم التي كسبوها وأفكارهم التي أنتجوها وأبدعوها- لتلقي الضوء على بعض ما قدموه من فكر وعمل للإنسانية جمعاء، ولتطلع الأجيال اللاحقة على كثير من تلك النتاجات التي لا يزال قسم كبير منها صالحاً للحياة في حجم الحاضر والمستقبل، باعتبار أن الفكرة الخلاقة والمبدعة التي تحرض أجمل ما في الإنسان من قيم الجمال والمحبة والعمل والخير، لا زمن لفعاليتها وصلاحيتها، ولا تاريخ لوجودها سوى تاريخها الأولي الذي انطلقت منه ابتداءً.
ضمن هذا السياق نحاول هنا تقديم فكرة بسيطة وسريعة عن شخصية إسلامية عظيمة في إبداعها وأخلاقها وتسامحها وعملها من أجل رفعة الإسلام
________________________________________

[الصفحة - 317]


والإنسانية.. إنه الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) الذي كان بحق أمة في رجل.. وسنركز الحديث في دراستنا هذه عن مساهمته الفعالة في النهوض بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وإعطائه طابعاً مدرسياً بالمعنى المعرفي العلمي..
أولاً ـ من المعالم الحيوية للحالة الانتمائية الشيعية
يعتبر الإمام الصادق(عليه السلام) المؤسس العملي لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) الذي اتسع نطاقه وامتدت معالمه بعد أن توافرت في ذلك العصر المضطرب الذي عاش فيه الامام الصادق- شروط البناء الفكري والعلمي، وعوامل النهوض النظرية والسلوكية اللازمة للنمو ولامتداد حركة علمية ومعرفية على مستوى الإسلام والمسلمين، ساهمت في إيضاح أُطروحة (ومبادئ ومعالم) رسالة الإسلام من موقع مدرسة ونهج أهل البيت(عليهم السلام) بما تحمله من طموحات كبيرة في استمرارية الإسلام الأصيل المنفتح والمتسامح، ولذلك كان من غير المنطقي اعتبار التشيع والولاء لأهل البيت مجرد ظاهرة طارئة على الوجود الإسلامي، وإغفال كل هذا الكم الهائل من النصوص والأحاديث والتواريخ التي حملت دلالات حية واضحة في رسم الإطار الفكري والعقيدي الممنهج لحركة التشيع كونها امتداداً طبيعياً وتجسيداً عملياً لخط (وأُطروحة) الإمام في مسار الحركة القيادية الرسالية للإسلام المحمدي الأصيل، وتوضيح الوصايا المدونة في كتب التراجم والسير من جملة معطيات عقيدية حيوية عامة تؤسس للحالة الإسلامية الشيعية.. وهنا نستعرض مثالين عن هذا التحديد العملي:
مثال أول ـ التوحيد الإلهي
وهو العنصر الأساسي في البنية المفاهيمية والروحية الإسلامية التي تحدد مجموعة الصيغ والمفاهيم العقائدية النظرية عن الكون والوجود والإنسان، وتنطلق من خلالها كل المعالم الحركية الحضارية للصيغة الإسلامية في واقع الحياة والإنسان.. إنه المحور (والمركز) الذي تتمحور حوله وتتقوم به سائر التعاليم والأحكام.. لاحظ قوله(عليه السلام) في التوحيد، (وهي رسالة بعث بها إلى أحد أصحابه) (1): «إن المذهب الصحيح في التوحيد ما نـزل به القرآن من صفات الله عزّ وجلّ، فانف عن الله تعالى
________________________________________
(1) الصدوق لتوحيد: 102 و 228؛ الكليني، أُصول الكافي 100:1 ح1 باب النهي عن الصفة، واللفظ له.

[الصفحة - 318]


البطلان، والتشبيه فلا نفي ولا تشبيه، هو الله الثابت الموجود تعالى الله عما يصفه الواصفون، ولا تعدوا القرآن فتضلوا بعد التبيان..».
مثال ثاني ـ النبوة
تحتاج البشرية في حركتها المستمرة إلى ترشيد إلهي، ووعي كوني لإعطاء مسيرتها الحضارية ثباتاً ومضموناً أصيلاً يحدد حركتها المنفلتة، ويضبط اتجاهاتها في المنطلق والمنهج والهدف.
لذلك انطلقت حركة النبوة منذ فجر التاريخ البشري لتمارس عملية ترشيد ورعاية المسيرة الإنسانية في ضوء المناهج والمعطيات والربانية، من خلال ارتباطها بالوعي التوحيدي عند الإنسان، وبالمسؤولية الأخلاقية لحمل رسالة الدعوة، وبخط التطور النوعي والكمي لحركة الصيرورة البشرية في التاريخ..
روى سماعة قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال: «إن الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان». فقلت: فصفهما لي، فقال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)…» (2).
ثانياً ـ المعنى الواقعي والمضمون الحقيقي للولاء الانتمائي
يعكس الانتماء الطبيعي إلى مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) ـ في عمقه وأصالته- الصورة النموذجية الأرفع لنهج (وخط) الإسلام نفسه؛ لأنه انتماء يقدم السلوك الإسلامي في أبهى صوره، وأجلى عناوينه، وأنقى تلاوينه من خلال نموذج الولاء الحسن والتأسي الواعي (نموذج الأسوة الحسنة) بأئمة أهل البيت(عليهم السلام)، الذين جسدوا بسلوكهم التطبيق الحي لقيم رسالة الإسلام في كل مضامينها ومستوياتها الروحية والعملية.
لقد حدد الإمام الصادق(عليه السلام) القيمة الحقيقية لحالة الانتماء عبر توفير مكوناتها الواقعية التي تهدف إلى بناء الكتلة الإسلامية الشيعية المؤمنة، والملتـزمة بنهج أهل البيت في خط الولاء للإسلام المبني على قاعدة الانفتاح على الله تعالى في كل ما يتصل بحركة الإنسان في الحياة بما يجعل (هذا الإنسان) قادراً على استيعاب كل المواقع والمساحات المتحركة في كل الحياة الفكرية والاجتماعية.
________________________________________
(2) أُصول الكفافي25:2 ح1 باب أهّ الإيمان بشرك الإسلام...

[الصفحة - 319]


1ـ يقول الإمام الصادق(عليه السلام) في وصيته التاريخية (3) لعبد الله بن جندب (4) والتي حملت خلاصة تجاربه، وجواهر حكمته: «.. يا بن جندب، بلّغ معاشر شيعتنا، وقل لهم: لا تذهبنّ بكم المذاهب، فوالله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا، ومواساة الأخوان في الله، وليس من شيعتنا من يظلم الناس.. يا بن جندب، إنما شيعتنا يعرفون بخصال شتى بالسخاء والبذل للإخوان، وبأن يصلوا الخمسين ليلاً ونهاراً، شيعتنا لا يهرون هرير الكلب، ولا يطعمون طعام الغريب، ولا يجاورون لنا عدواً ولا يسألون لنا مبغضاً ولو ماتوا جوعاً، شيعتنا لا يأكلون الجري (5)، ولا يمسحون على الخفين، ويحافظون على الزوال، ولا يشربون مسكراً…» (6).
2 ـ ويقول(عليه السلام) في وصية أخرى لشيعته: «إن الرجل منكم إذا ورع في دينه، وصدق الحديث، وأدى الأمانة، وحسن خلقه مع الناس، قيل: هذا جعفري، فيسرني ذلك، ويدخل عليَّ منه السرور، وقيل: هذ أدب جعفر وإذا كان على غير ذلك، دخل علي بلاؤه وعاره، وقيل هذا أدب جعفر..» (7).
3 ـ وأوصى(عليه السلام) شباب شيعته: «لست أحب أن أرى الشاب منكم إلا غادياً في حالتين: إما عالماً، أو متعلماً، فإن لم يفعل فرط، فإن فرط ضيع، وإن ضيع أثم..» (8).
4 ـ ومن وصاياه الرائعة والرفيعة لأصحابه وشيعته أنه قال لهم: «.. اتقوا الله، وأحسنوا الركوع والسجود، وكونوا أطوع عباد الله، فإنكم لن تنالوا ولايتنا إلا بالورع، ولن تنالوا ما عند الله إلا بالعمل…» (9).
بعد دراسة وتحليل هذه النصوص الهامة، نستطيع تحديد المعنى الواقعي والمضمون الحقيقي للولاء والتشيع من خلال مقومات النهوض (والارتقاء) بالمستوى الإنتمائي وهي:
المقوم الأول: الاستقامة في السلوك وتطبيق تعاليم أئمة أهل البيت(عليهم السلام)
تعبّر مسألة الولاء لأهل البيت(عليهم السلام) (وضرورة تطبيق تعاليمهم في الفكر والممارسة) عن تجسيد حي لعمق التفاعل والتواصل مع رسالة الإسلام، التي ذاب فيها الأئمة(عليهم السلام) وكانوا بحق امتداداً نوعياً للنبوة من حيث قوة ارتباطهم بها على
________________________________________
(3) وصية بالغة الأهمية نقلها بتمامها ابن شعبة الحراني من أعلام القرن الرابع في كتابه (تحف العقول)، وتحت أوردتا منها موضع الحاجة.
(4) هو عبد الله بن جندب البجلي الكوفي، ثقة، جليل القدر، من أصحاب الصادق والكاظم والرضا(عليهم السلام)، وكان وكيلاً للإمامين الكاظم والرضا(عليهم السلام)، عابداً رفيع المنزلة، ولما مات قام مقامه علي بن مهزيار.
(5) الجري: سمط طويل أملس، ليس له فلس، محرّم الأكل.
(6) ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول: 303، تحقيق علي أكبر الغفاري، ط. الثانية، مؤسسة النشر الإسلامي 1404 هـ .
(7) أٌصول الكافي 636/2 ح5 باب ما يجب من المعاشرة، تحقيق علي أكبر الغفاري، ط. الرابعة، دار الكتب الإسلامية 1365 هـ .
(8) الشيخ الطوسي، الأمالي: 303ح 604/51 تحقييق قسم الدراسات الإسلامية في مؤسسة البغثة، ط. الأُولى، نشر دار الثقافةـ قم 1414 هـ .
(9) المصدر السابق: 679 ح 1441/20.

[الصفحة - 320]


مستوى العقيدة والقيم والمفاهيم، وعمق تفاعلهم المتحرك مع مضامينها الحية والهادفة.. وقد أثبتت ممارسة الأئمة(عليهم السلام) لمسؤولية العمل والدعوة ـ وتحملهم الكبير لمشقات الحركة والنشاط التبليغي العلمي في تمثلهم الواقعي لكل المضامين الإسلامية الأصيلة ـ خطأ النظرية القائلة بالفصل بين الانتماء لأهل البيت وبين الانتماء لرسالة الإسلام.. كما وأكدت على أن الولاء لأهل البيت(عليهم السلام) مرتكز أساساً على قاعدة الانتماء للإسلام، يستمد منه طاقته، وحركته، وقدرته على مواصلة المسيرة الإنسانية المتصاعدة.
والواضح أنّ تصدي الأئمة(عليهم السلام) لمهام البناء الروحي والفكري للأُمّة، وممارستهم للمعارضة الإيجابية الفاعلة، وتأسيسهم لمدارس العلم والمعرفة، وقيامهم بمهام صيانة الرسالة، وحماية ما تبقى من التجربة الصحيحة من السقوط والانحراف..
أقول: إن ذلك كله، يدل على أن الولاء لهم كان يشكل ضمانة عملية للواقع الاسلامي الفكري والروحي كله. وهذا الأمر لم يكن ليحدث إطلاقاً (أو حتى يأخذ دوره العام) لولا عمق الصلة العاطفية الفكرية بين الإسلام كدين وحالة في الفكر والإحساس والممارسة، وبين الإنتماء لأهل البيت كخط إسلامي في وعي أهل بيت النبوة(عليهم السلام).
من هنا نعتبر أن التفريط (أو زعزعة الإيمان) بخط الولاء لأهل البيت ـ كمقوم إيماني ومرتكز رسالي انتمائي- قد يحدث اضطراباً في مجمل البنية الفكرية التصورية الإيمانية، ويساهم في تفريغ محتوى الإسلام ومضمونه الداخلي من بعض عناصر قوته وسر حيويته ونضارته، ويحرف مسيرته عن طريقها الطبيعية في خط الدعوة والرسالة.. ولذلك نقول (ونحن لا نتعصب في هذا القول): إن خط أهل البيت هو وليد طبيعي كامل للإسلام والقرآن.. نشأ وترعرع بين أحضانه، وعاش بين جوانحه وهو ليس أبداً (كما يصوره البعض) حالة طارئة على الوجود الإسلامي في فكره ومعارفه وحركته.
المقوم الثاني: البناء العقائدي لحركية الوعي الإسلامي، وذلك عبر:
________________________________________

[الصفحة - 321]