البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

فشل المثقفين الاوروبيين، تصدع الثقة بالهوية

الباحث :  يان فيرنر مولر Jan-Werner Muller
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى - خريف 2015 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 11 / 2016
عدد زيارات البحث :  1229
فشل المثقفين الأوروبيين
تصدع الثقة بالهوية

يان فيرنر مولر Jan ـWerner Muller
[1]

يتهم المثقفون الأوروبيون بالفشل في إعادة ثقة أوروبا بنفسها. ومثل هذه التهمة جاءت ـ كما سيتبيّن لنا ـ إثر الاهتزاز الذي عصف بها نتيجة الأزمات المتعاقبة. وكما يبيّن يان فيرنر مولر فإن الدعوات إلى إضفاء طابع الشرعية على ما تقوله أوروبا ـ بالإضافة إلى الحنين إلى عصر أوروبا الذهبي ـ يظلان ملتزمين بمنطق بناء الأمم الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر. ماذا يجب أن يفعل المثقفون الأوروبيون إذن؟ المقالة التالية للباحث يان فيرنر مولر تلقي الضوء على هذا التساؤل الإشكالي وتقارب القضية بوجهيها النظري والتطبيقي في ضوء التطورات التي طرأت على المجتمعات الأوروبية حيث ضعفت الى حد لافت القيم التي بواسطتها تستعاد الثقة بالذات الحضارية لأوروبا.
«المحرر»

قرب نهاية العام الماضي، وفي حين كانت أزمة «منطقة اليورو» (اليوروزون) تتجه إلى ذروة جديدة، نبه عدد من الصحافيين في وسائل الإعلام الراقية في ألمانيا إلى جانب من الأزمة لم يلق إلا انتباهاً ضئيلاً حتى الآن: إن أزمة اليورو ليست مجرد مؤشر على فشل المصرفيين المركزيين في أوروبا أو البيروقراطيين اليونان أو الإيطاليين الذين لا يدفعون ضرائبهم أو حتى آنجيلا ميركل (كل ذلك يعتمد على الزاوية التي ينظر بها أحدنا إلى الموضوع)، بل أزمة اليورو تشير إلى فشل شامل من قبل المثقفين الأوروبيين، لماذا لا يدافع هؤلاء المثقفون عن الإنجازات العظيمة التي حققها التكامل الأوروبي؟ لماذا لا يتقدمون برؤى جذابة عن مستقبل القارة الأوروبية بدلاً من تضييع إرث عظيم من الثقة والتفاهم المتبادلين بين الأوروبيين غذتهما عقود طويلة من السلام والاستقرار؟ هل كانوا نائمين خلال أزمة قد تؤدي آخر الأمر إلى عودة النزعات القومية البشعة أو حتى الصراع العسكري المباشر الذي لا يفتأ بعض رجال الدولة المخضرمين في أوروبا مثل هيلموت كول من التحذير منه؟
نشأت فكرة «فشل» المثقفين الواضح المعالم أو حتى «الخيانة» من قبلهم في القرن العشرين، وهو القرن الذي ينظر إليه على العموم على أنه «قرن الأيديولوجيات» حيث لم تكن الأفكار هامة على صعيد عقلاني تجريدي غامض وحسب بل يمكن ترجمة الأفكار فوراً إلى سياسات وقد تتحول هذه بدورها إلى قوى مدمرة. دعونا فقط نفكر في ما الملاحظة الشهيرة التي أبداها الشاعر البولندي تشيسلاف ميلوش عن أوروبا في منتصف القرن العشرين: «إنّ سكان الكثير من البلدان الأوروبية اكتشفوا واقعاً كريهاً هو أن مصائرهم قد تتأثر بشكل مباشر بكتب فلسفية معقدة ومبهمة». لقد لعب المثقفون في الماضي أدوراهم في مسرح التاريخ العالمي مشاركين في دراما المعارك الدموية التي جرت بين الديموقراطية الليبرالية والفاشية والشيوعية السوفييتية.
إذا تذكرنا هذا الدور فما هي مكونات «الفشل»؟ هل هي عدم قول الأسطر التي تفرضها أيّ أيديولوجية مثقف عليه بشكل صحيح؟ في عام 1927 اتهم كاتب المقالات والفيلسوف الأخلاقي الفرنسي جوليان بندا زملاءَه الكتاب والفلاسفة بأنهم خانوا رسالتهم من خلال الدعوة إلى مواقف قومية. كانت حجته أن المثقفين الحقيقيين يأخذون جانب الحقيقة الشمولية المنزهة عن تغير الأزمنة، جاعلين منها مركز القوة بدلاً من التحدث عن المصالح القومية الضيقة. لكن المثقفين المدافعين عن المثل الشمولية والشيوعية اتهموا بالخيانة أيضاً، والسبب الرئيسي لهذا الاتهام أنهم صدقوا أكاذيب ستالين وأعموا أبصارهم عن أوجه القصور في الاتحاد السوفييتي والتي تزايد وضوحها يوماً بعد يوم.

«لغة الفشل»
قد يبدو لنا مفهوم «لغة الفشل» هذا غريباً، فالمثقفون ليسوا طلاب مدارس سقطوا في امتحاناتهم التي أصلحها لهم مثقفون آخرون ولا هم مقيدون بالقيم العملية التي تحكم تصرفات وآراء المهنيين المحترفين، ولكن هذا لا يعني أن المثقفين لا يمكن أن يرتكبوا أخطاء جوهرية إذا ما حكمنا على آرائهم من منظار مجموعة القيم الديموقراطية الليبرالية، قد يتحول هؤلاء المثقفون أنفسهم إلى قوميين مسعورين أو قد يتغاضون عن تصاعد النزعات القومية من خلال عدم رفع أصواتهم ضدها. قد يفشلون أيضاً من خلال غض أبصارهم عما الظلم الواقع حاليّاً بإسم التقشف والاستقامة المالية.
علينا فقط أن نفكر في الأمثلة البديهية: اليونان وألمانيا، رغم أن العلاقات تظل «حضارية» بين البلدين على المستوى السياسي الأعلى لكن على مستوى المجتمعات المدنية فيهما فإن العلاقات تبدوا أقل تحضراً. في ساحة سينتاغما، الساحة الرئيسية في أثينا، حمل المتظاهرون لافتات ساوت بين النظام الجديد الذي فرضه الاتحاد الأوروبي ومعسكر داشاو النازي كما يوجد حزب سياسي يوناني الآن يتمركز كل شيء فيه ما عدا إسمه على معاداة الألمان (حزب «اليونانيين المستقلين» الذي وعد بالمقاومة ضد ما أسماه بالرايخ الرابع، مشيراً كل ما تسمح الفرصة بذلك إلى الاحتلال الألماني خلال أربعينات القرن العشرين). بينما في ألمانيا ورغم أنه لا يوجد أي أدبيات أو إشارات رمزية حتى تحاول مساواة الماضي بالحاضر (ولأسباب بديهية...) لكن هناك الكثير من الشكاوى عن «الجنوبيين الكسالى» ومما يزيد الطين بلة المحتوى غير المسؤول الذي تنشره بعض الصحف الشعبية.
لكن المطالبين بحضور أكبر للمثقفين الأوروبيين يريدون أكثر من مجرد أصوات منطقية تقف في وجه النزعات القومية، فهم يطالبون برؤى عظيمة وقصص أعظم ولا توجد قلة من هذه الأمور في الماضي الأوروبي، لقد عد المؤرخون ما لا يقل عن 182 خطة عظيمة لتوحيد أوروبا في الفترة الممتدة بين عامي 1306 و1945 (ويشمل ذلك بعض المشاهير مثل قس سان بيير وبالطبع كودنه وفهـكاليرغي الذين رسموا مخططات متميزة في هذا المجال)، ولكن رغم وجود الكثير من الاجتماعات الثقافية العالية المستوى في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والمخصصة لفكرة الوحدة الأوروبية أو «أزمة الحضارة الأوروبية» المفترضة (وفي الواقع لقد حضر جوليان بندا بعض هذه الاجتماعات) لكن من الصعب أن نقول: إنّ فترة الخمسينات والستينات في القرن العشرين كانت عصراً ذهبيّاً للنقاش الثقافي عن أوروبا.
قد نفكر في بعض الاستثناءات وخاصة هؤلاء المثاليون الذين برزوا من حركات المقاومة المختلفة ليدعوا إلى فيدرالية أوروبية ديموقراطية، أعني أشخاصاً مثل والتر ديركس وألتييرو سبينيلي. ولكن الالتزام الفكري كان له مواضيع أخرى أكثر إلحاحاً من أوروبا في ذلك الوقت مثل الحرب الباردة وزوال القوى الاستعمارية، لم تكن أوروبا عندها تبدو كأكثر من لعبة بيد القوى العظمى أصلاً. في الواقع كان المفهوم العام أنه عندما تجد أوروبا موقفاً مناسباً بالنسبة للقضايا الأخلاقية الكبرى وحين يزول تلوث أوروبا نفسها بالنزعات الاستعمارية والرأسمالية فعندها فقط يمكن للمثقفين التكلم عن تكامل أوروبي من هذا القبيل. كان عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران على سبيل المثال واحداً من الكثيرين من المثقفين اليساريين الذين اعتبروا أن مصطلح «أوروبا» نفسه ظل ملوثاً بشرور الاستعمار، لم يبدأ اليسار في أوروبا بدعم فكرة الوحدة في القارة إلا بعد زوال القوى الاستعمارية في ستينات القرن العشرين.
بالرغم من ذلك تظل المشكلة العامة قائمة: لقد تقدم التكامل الأوروبي في ظل غياب لأي رؤية ثقافية واسعة. في الواقع سيركز أي كتاب مدرسي جيد عن الاتحاد الأوروبي أن الفكرة كلها كانت قائمة على التكامل من خلال خطوات صغيرة أو ـإذا شئنا صياغة الفكرة بشكل أقل تهذيباًـ التكامل في الخفاء. ربما كان عند مؤسسي الفكرة ـ وخاصة جان مونيه ـ أهدافاً أخلاقية عالية ولكن المشروع نفسه تقدم على أساس الضرورات التكنوقراطية وليس لأن الأوروبيين رأوا المزيد من القيمة الأخلاقية في بناء مجتمع سياسي متكامل على المستوى الأوروبي.
في أعين الكثير من المراقبين كانت هذه بالضبط هي المشكلة، كثيراً ما يشير هؤلاء الذين يرون أن الشيء الأساسي الذي ينقص الإتحاد الأوروبي هو افتقاده للمعنى والقدرة على أن يلهم «الولاء» أو حتى مجرد «الحماسة» إلى الجملة المنسوبة بطريق الخطأ إلى مونيه التي يفترض أنه قال فيها أنه كان عليه أن يبدأ بالثقافة قبل أي شيء آخر. يقول هؤلاء أن على المثقفين أن يلحقوا قطار هذا المشروع الذي نفذ دون الرجوع إليهم والذي يحتاج إليهم بشدة الآن حتى يصوغوا أسباباً وجيهة حتى يتقدم بشكل أكبر (وأيضاً يستحسن أن يقوم هؤلاء المثقفون باختراع رواية رائعة تبرر ماضي ذلك المشروع وحاضره ومستقبله في آن واحد).
لكن هذه مجرد طريقة أخرى للقول بأن على المثقفين أن يشتغلوا بنفس الدور الكلاسيكي الذي كانوا يمارسونه في القرن التاسع عشر: أن على الكتاب والمؤرخين على وجه الخصوص أن يضفوا صبغة شرعية على وحدة وطنية (أو في هذه الحالة على وحدة تتجاوز الأمم) من خلال قصص قوية وتعريف «القيم الأوروبية» وفي الحال الأمثل تحويل هذه القيم إلى بنود واضحة المعالم ربما حتى في شكل «الرواية الأوروبية الكبرى». هذا بالطبع مجرد صورة هزلية عن الواقع فلا ينتمي كل شخص يكتب كتاباً عن تاريخ أوروبا أو يتصور متحفاً أوروبيّاً موحداً إلى قطاع «بناء الأمم» ولا توجد عن الكثير منهم الرغبة في أن يروي رواية تبرر شرعية أسياد اللجنة الأوروبية في بيرليمونت، في الواقع يظل من المطلوب والمنطقي أن يستكشف المؤرخون من مختلف الدول وجهات نظر المؤرخين الآخرين ويختبروا لأي مدى يمكن لوجهات النظر المختلفة هذه أن تتكامل، ولكن المطالب بقصة أوروبية كبرى لا تزال مخلصة لمنطق بناء الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر. كثيراً ما يقال وبشكل واضح وصريح أنه لا يمكن التشكيك في القيمة العظيمة المزمع إعطائها لهذه القصة ـ فقط فكروا في الدعوات إلى اعتبار محرقة الهولوكوست على أنها «أسطورة تأسيس» أوروبا مع أن هذا من الناحية التاريخية هو محض هراء. دعنا نؤكد أن الأمر ليس تكراراً لتجربة الثورة الفرنسية حين تحول الفلاحون إلى مواطنين فرنسيين من خلال الخدمة العسكرية ومدارس الليسيه الجمهورية، إنّ الفكرة الكامنة، لكن الموجودة بوضوح في هذه المطالب، هي أن المجتمعات السياسية بحاجة إلى قصة مشتركة تؤسس لتكاملها، وإذا ما أردنا صياغة هذه الفكرة بوضوح صارخ فإن نزعة «الما فوق القومية» لا تزال في أساسها نزعة قومية. إن أمة إسمها أوروبا لا تزال في الواقع أمة، وإذا كان هناك أمر مشكل في النزعات القومية ـ ومن الواضح أنه في عين بندا وجميع من اعتمدوا القالب العام الذي عرفه لدور المثقف فإن هذا الأمر المشكل موجود بوضوح ـ فعلى المثقفين أن يبتعدوا عن أعمال إختراع الرؤى العظيمة وصناعة القصص الكبيرة شبه القومية.

ثقافة نقد الأحوال
ولكن.. لماذا وببساطة لا نعتمد نموذج بندا ولكن في سياق أوروبي؟ لماذا لا نجعل مهمة المثقفين الأساسية هي كشف حالات الظلم وقذف مقالات الاتهام النابعة من القلب على من يستحقها وقول الحقيقة إلى السلطة القابعة في بروكسل؟ المشكلة هنا هي التالية: ليس من الواضح أبداً لماذا يجب أن تكون أوروبا ـ وبشكل أكثر تحديداً: الإتحاد الأوروبي ـ هي الإطار المرتبط بالأسئلة الأخلاقية هذه. دعونا نفكر في اللامساواة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي وهي بدون شك موجودة في أوروبا، ولكن حالات اللامساواة داخل أوروبا سرعان ما تتضاءل إلى التفاهة الأخلاقية حين نقارنها مع حالات اللامساواة على الصعيد العالمي. اللامساواة العالمية هي سلسلة من الفضائح اليومية بينما الفروقات في الدخل داخل أوروبا قد تستحق بعض الدراسة من علماء الاجتماع وربما تكون سبباً لبعض الاحتجاجات الاجتماعية ولكنها وببساطة لا تشكل سبباً للكثير من الشعور بالغضب الأخلاقي.
قد يعترض البعض ويتساءل: ماذا عن «العجز الديموقراطي» الذي كثيراً ما يشتكى منه في المؤسسات الأوروبية؟ هنا نحن نقترب ممّا يبدو بالنسبة لي أنه دور مناسب ـ وإن كان متواضعاً ـ للمثقف الأوربي اليوم، من الأسماء الشهيرة التي أطلقت على الاتحاد الأوروبي ـ من قبل رئيس لجنة الإتحاد نفسه شخصيّاً ـ هي أنه «جسم سياسي مجهول» (unidentified political object)، وإذا لم يتمكن جاك ديلور من التعرف على هذا «الجسم السياسي» فمن يمكنه فعل ذلك إذن؟ إذا صغنا الفكرة بدرجة أكبر من التعاطف فإن الاتحاد الأوروبي هو أهم إبداع مؤسساتي منذ اختراع الدولة الديموقراطية الحديثة القائمة على الرعاية الاجتماعية ولكنه من الصعب حقّاً أن نتعقل معناه ونفهم طريقة عمله الواقعية، يصعب فك شبكة العلاقات المعقدة القائمة بين الدول الأوروبية المختلفة ولجنة الاتحاد الأوروبي في بروكسل حتى بالنسبة لأذكى المطلعين على خفايا لعبة السياسة الأوروبية، كما أن الإجابة عن الأسئلة عن مدى شرعية هذا الاتحاد وكيف يمكن لهذه الشرعية أن تمد جذورها في الحياة اليومية للأوروبيين أصعب وأصعب. يمكن للمثقفين هنا أن يلعبوا دوراً بديهيّاً وهو ما أسميه «دور الموضحين»: يمكن للمثقفين هنا أن يحملوا على عواتقهم مسؤولية توضيح فكرة أوروبا لمستمعيهم وتأدية دور آخر في غاية الأهمية هو توضيح الخيارات المعيارية لتطور الاتحاد الأوروبي كما نعرفه اليوم وربما صنع نظام حكم من نوع آخر (مثل ديموقراطية فوق أممية بكل معنى الكلمة مقارنة مع الوضع الحالي حيث تستمد شرعية الإتحاد الأوروبي في نهاية المطاف من القوانين التي تقرها البرلمانات الأممية المحلية).
قد يجد البعض هذه الرؤية لما يمكن للمثقفين أن يفعلوه وكأنها مفرغة تماماً من أي معنى، ألا ينبغي على المثقفين أن يسعوا إلى فعل أكثر من مجرد ما يفعله من يطلق عليهم الأمريكيون الاسم المربك: «المثقفون العامُّون»؟ (بأنّ الذين يشير إليه الأمريكيون بهذه التسمية هم ببساطة أكاديميون قادرون على شرح وتوضيح شيء ما لجمهور متعلم، أي بكلمات أخرى: خبراء). ليس تماماً: النقطة هنا أن المثقفين الذين سيلعبون الدور الذي أتصوره هنا لا يجب أن يكتفوا بمجرد لعب الدور الذي يطلق عليه الفرنسيون مصطلحاً رائعا هو: «vulgarisation» (الذي قد يترجم: التعميم أو الابتذال)، بل عليهم أيضاً أن يزنوا الخيارات المعيارية هذه ولكن بطريقة يتمكن فيها المواطنون الأوروبيون من التوصل إلى أحكامهم الأخلاقية والسياسية الخاصة عما يجب فعله بهذا «الجسم السياسي المجهول». بكلمات أخرى: إن التوضيح والتبرير العام يجب أن يحصلا سوية وهذا دور ديموقراطي بارز إذ لا يتطلب إثارة الحماس لرؤية محددة (كما يحاول مسؤولو العلاقات العامة في الاتحاد الأوروبي أن يفعلوا في بعض الأحيان مما قد يؤدي إلى نتائج كارثية في بعض الأحيان لتروا مثالاً على ذلك شاهدوا فيلماً حديث الصنع عن إمرأة أوروبية بيضاء خارقة تخضع عدداً من البرابرة (الآسيويين والسود والعرب) من خلال تحويلهم إلى نجوم الاتحاد الأوروبي الصفراء! [2]) بل يتطلب توضيح الخيارات وما يمكن أن تعنيه هذه الخيارات أخلاقياً حتى تقرر الشعوب الأوروبية بينها.
إن المثال الرئيسي على هذا النوع من العمل ـ وسيفاجأ الكثير من القراء هنا ـ هو التدخلات المستمرة التي يقوم بها يورغن هابرماس، وهو ليس أهم مثقفي أوروبا فحسب بل هو أهم مثقف يحاول أن يتصارع مع معنى الاتحاد الأوروبي ومستقبله المحتمل. قد نجد بعض التفاصيل في تحاليل هابرماس ضيقة الأفق ثقافيّاً (أشار بيرّي أندرسون مؤخراً إلى أن هابرماس استخدم في آخر مقالة كتبها عن أوروبا كتاباً كانت ثلاثة أرباع مراجعه لكتّاب ألمان بينما كان الربع المتبقي كتاب أنجلو ـ أمريكان وكأن باقي أوروبا غير موجودة على المستوى الثقافي [3]). من الممكن أن ننتقد هابرماس لعدم تنبهه للتجربة الحية التي يعيشها أوروبيون حقيقيون عبر القارة نفسها وقد يجد العلاجات التي يصفها مثالية بشكل ميئوس منه، ولكن الحقيقة تظل هي أننا نرى هنا مثقفاً يحاول بالفعل أن يتعلم من الخبراء ليبين ما يعتقد ـ سواء أصاب في ذلك أم أخطأ ـ أنها إنجازات وعيوب وأيضاً إمكانيات معيارية للاتحاد الأوروبي وبذلك يتقدم بحوار سياسي جدي. يمكننا إعادة صياغة الفكرة بالقول أنه قد يرفض البعض محتوى ما يتقدم به هابرماس ومع ذلك يجد النموذج الذي يتقدم به للارتباط العاطفي مع أوروبا جذاباً.

الجمهورية الأوروبية القارئة
لكن هذا ليس النموذج الوحيد إذ يوجد دور آخر للمثقفين الأوروبيين، وهو دور كان يعتبر بديهيّاً في الماضي ولكنه أصبح مهدداً بالاختفاء الآن، فكما أشير إليه مراراً وتكراراً استمر وجود «جمهورية ثقافة مقروءة أوروبية حقيقية» حتى ثلاثينات القرن العشرين حيث كان الكتاب والفلاسفة يتلاقون ويشاركون أفكارهم بسهولة عبر حدود الدول وحيث كانوا قادرين على توضيح الثقافات الوطنية الأخرى لقُرَّائهم بسهولة وهنا قد نتذكر العلاقة الاستثنائية بين ستيفان زفيغ ورومان رولان أو أعمال الباحثين في مجال الأدب مثل إرنست روبرت كورتيوس. حتى نكون دقيقين فإن هذا لم يحدث إلا على مستوى ثقافي عال فقط ولكن تظل الحقيقة أن هذا التلاقي حصل بالفعل واستمر على الأقل لفترة وإن كان بأسلوب مختلف بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حين لاحت ضرورة المصالحة بشكل كبير وواضح في الأفق، دعنا هنا نتذكر أشخاصاً مثل ألفريد غروسر وجوزيف روفان الذين أعادا تقديم الفرنسيين والألمان إلى بعضهما البعض. لم يكن هؤلاء مجرد مدافعين ومبررين للفروق الثقافية أو أصحاب وساطة يختفون في اللحظة التي يتم فيها الوفاق، بل في الواقع لقد أدى الرجلان دور المترجمين الحضاريين بالإضافة للوساطة السياسية [4].
وماذا عن الآن؟ قد يغفر للمرء إذا فكر أنه كلما ازداد التكامل الأوروبي على المستويات السياسية والقانونية والاقتصادية كلما زادت المحلية الضيقة والنظرة الداخلية عند كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي على المستوى الثقافي. إن الطيران المنخفض الثمن عبر أوروبا الذي تقدمه شركة إيزي جت (Easyjet) ومسابقة الأغاني الأوروبية يوروفيجين (Eurovision) ليسوا بدائل عن «جمهورية الثقافة المقروءة» حيث ينال المثقفون شعوراً حقيقيّاً على الأقل بحضارتين أو ثلاثة مختلفة في أوروبا. يوجد استثناءات بالطبع فإنك إن كنت تقرأ هذا المقال فقد دخلت إلى واحد من أكبر المواقع التي يمكن للأوروبيين فيها أن يتعلموا عن الجدل الدائر في بلاد أخرى (على الأقل عن المثقفين في بلاد يرون فيها جيراناً لهم) [5].
لا يوجد علاج سحري لصنع محيط عام أوروبي حقيقي ولا يمكننا إلا أن نأمل بأن الأفراد قد يكونون أكثر فضولاً ورغبة في رؤية ثمار عملية الترجمة والوساطة. قد يبدو هذا الأمر مملاًّ للغاية ولكنه في الواقع مهمة عاجلة خاصة عند مفترق الطرق الخطير هذا، إذا أردنا أن نأخذ مثالاً واضحاً فالألمان (و«الشماليون» الآخرون) يحتاجون أن يفهموا تاريخ الحرب الأهلية اليونانية والطرق التي كانت الدولة اليونانية تُهدِّئ بها مجتمعاً مستقطَباً أشد الاستقطاب والطريقة التي ساعدت فيها النقود الأوروبية على خلق طبقة وسطى ساعدت الأحزاب السياسية أن تبقى في السلطة وقلصت من مخاطر تجدد الصراع الاجتماعي (لكن كل هذا ليس عذراً للفساد والدولة الفاشلة على العموم فإن فهمك الشيء لا يعني أنك تعذره) وبالمقابل فقد يكون من المفيد أن يقوم مراقبون من خارج ألمانيا بفهم نوع الإقتصاد الليبرالي ـ الذي حرك لفترة طويلة صنع السياسة في ألمانيا الغربية سابقاً وفي ألمانيا حاليّاً، هذا الشيء الغريب المسمى الأوردوليبراليسموس (Ordoliberalismus) والذي يتصور ممثلوه أنفسهم كالليبراليين الجدد الحقيقيين ـ أي الليبراليون الذين تعلموا من درس الكساد الكبير وبروز الديكتاتوريات في القرن العشرين والذين لم يريدوا أيضاً مساواة الليبرالية بسياسة عدم التدخل، بالنسبة لهؤلاء فالليبراليون الذين يريدون أن يظلوا بعيدين على مجرى الأمور مثل لودفيغ فون ميزيس هم ببساطة ليبراليون قدامى ظلوا ملتزمين بأفكار القرن التاسع عشر عن الأسواق القادرة على تصحيح نفسها بنفسها. من ناحية أخرى أراد الليبراليون الجدد الألمان دولة قوية لا تكون قادرة على تقديم الإطار للأسواق فحسب بل أن تتدخل فيها من أجل التأكد من المنافسة و«الانضباط».
نعيد ونكرر أن فهم أفكار كهذه لا يعني تقبلها (وخصوصاً مع الأوردوليبراليسموس حيث توجد أسباب وجيهة للتشكيك في جوانبه غير الليبرالية أو حتى الاستبدادية)، النقطة الهامة هنا هي أن جدلاً أكثر فائدةً وتقدماً لا يمكن أن يهمل نقاط البداية المختلفة بشكل كبير بين الدول المختلفة عند التفكير بالسياسة (وبالطبع بالاقتصاد أيضاً) وبهذا المعنى على هؤلاء الذين سميتهم «الموضحين» والشارحين المتبادلين للتقاليد الأممية أن يعملوا سوية.
لكن قد يعترض البعض بأنه ألا يوجد إلا «التوضيح» و«الشرح»؟ ألا يجعل ذلك كل الجدل الأوروبي مجرد مجموع ما يقوله الشارحون الأمميون إلى بعضهم البعض؟ هناك المزيد (وسوف نناقش هذا بعد قليل) ولكن يمكننا القول بأن هاتين المهمتين تشكلان مصدر همٍّ دائم وعلى كل جيل أن يتعامل معهما بطريقة جديدة وهما لا تتعلقان بالاستجابة لتحدٍّ معين بل إذا كان لهما دور فهما يساعدان الجماهير حتى تكون مستعدة بشكل أفضل للتفاعل مع الأزمات وخاصة الأزمات السياسية.
وهذا يفتح الطريق أمام نقطتي الأخيرة والتي تتعلق بالأزمة السياسية التي تقلق الجميع: إذا كان الاتحاد الأوروبي هو جسم سياسي موحد وإذا عنت المواطَنة الأوروبية أي شيء فإذن لا يجب أن يظل هناك «شؤون داخلية» لدول مستقلة وطنية لا يحق لباقي الأوروبيين التحدث عنها والحكم عليها. وإذا تعرضت الديموقراطية وسيادة القانون في أي دولة أوروبية للخطر فعلى كل مثقفي أوروبا أن يدقوا أجراس الخطر. المثال الواضح على ذلك هو هنغاريا التي قد تصبح أول دولة عضو في الإتحاد الأوروبي تتعرض لعقوبات جدية من الإتحاد الأوروبي لتراجعها إلى شكل من الأشكال غير الليبراليّة.
في وجه الانتقادات الشديدة التي وجهها البرلمان الأوروبي ولجنة الإتحاد الأوروبي بعث رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان في الأذهان صورة مؤامرة يسارية عابرة للدول يقودها أناس أمثال دانييل كوهنـبنديت الذي يفترض أنه لا يحمل إلا الكراهية للقيم التي يمثلها أوربان وحلفاؤه: الفخر الوطني، المسيحية، التصورات التقليدية للعائلة. كما حاول أوربان ـ وهو رجل يزدهر تحت ظروف الاستقطاب والصراع ـ أن يبدأ صراعاً ثقافيّاً في بلاده فقد حاول أن يقسم أوروبا ككل بين اليسار الليبرالي والذي يشمل بعض الأشخاص المحافظين مثل مانويل باروسو (والذي كان شيوعيّاً ماويّاً في الماضي) من ناحية ومن ناحية أخرى ما أسماه رئيس الوزراء الهنغاري «أوروبا الخفية» أو «السرية» الأوروبيون الذين يتفقون مع قيم حزبه من دون أن يجرؤوا على قول اسمه [6].
من المغري أن نرى أن صراعاً كهذا أمر مرغوب حتى لو كنا نختلف مع كل شيء يرمز له أوربان: ألن يكون من ذكاء من تاريخ التكامل الأوروبي أن يثير نزاعاً عابراً للدول يجلب معه أوروبا موحدة بشكل أكبر؟ أليس التسييس (وحتى الاستقطاب) بأمر جيد لأنه يعطي حيوية جديدة لمؤسسات مثل البرلمان الأوروبي ويجعل المثقفين من جميع الجهات ينضمون إلى المعركة بل حتى يجبر المواطن الأوروبي العادي على الانتباه؟
إن هذه الفكرة ديالكتكية زيادة عن اللزوم إذ توجد قضايا ملحة على المحك هنا ولا يمكن تبرير أي معاناة حالية للهنغاريين من خلال الفوائد البعيدة الأمد للقيم السامية للوحدة الأوروبية. قد يكون من النتائج الجانبية للخلاف القائم على «القيم الأروربية» هو بدء عملية يتم فيها الوصول إلى تعريف أوضح للقيم الأوروبية وفي النهاية زرعها بشكل أعمق ولكن هذا ليس الهدف الأساسي لهذا النزاع بأي شكل من الأشكال. من الواجب على المثقفين الأوروبيين أن يبينوا مثلاً سبب الفهم الأوروبي المشترك لسيادة القانون وكونه ليس مجرد محاولة حزبية أو محلية لتطبيق فكرة عالمية قد يحيد البعض عنها باسم «التنوع» أو «التعددية».
لقد أصبحت هذه المعركة الفكرية على وجه التحديد أصعب بسبب حقيقة أنه وبعد فشل الاتفاقية الدستورية بدأت النخب السياسية الأوروبية في ترديد مقولة أن الغرض من الإتحاد الأوروبي كان من الأصل، التعددية وسعي الدول في طرقها المستقلة نحو الديموقراطية والسعادة الوطنية أي بكلمات أخرى استخدام منطق لا يخلو من الإهمال ويهدف إلى تسكين المخاوف من قيام «دولة خارقة أوروبية» ولكنه أيضاً منطق يعطي شيكاً على بياض لأشخاص مثل أوربان الذي دافع عن موقفه بالقول أن دستوره الجديد متجذر في تقاليد بلاده والتحديات الحالية التي تواجهها.
التنوع والتعددية ليسا قيماً كما هو الحال في الحرية والديموقراطية إذ إنّ السؤال الذي يطرح في حالتيهما هو: «التنوع في ماذا؟»، على المثقفين الأوروبيين أن يدافعوا عن الحرية والديموقراطية إذا اضطروا لذلك وفي جميع الأوقات الأخرى عليهم أن يستمروا في مهام التوضيح والشرح وأن يستمدوا من جملة إميل زولا ـ الرجل الذي روج لمصطلح «المثقف» في أواخر القرن التاسع عشرـ: «دعونا نعمل!».
--------------------------------------------
[1] أستاذ العلوم السياسية في جامعة برنستون ـ أميركا، مؤسس بالشراكة للمعهد الأوروبي للفنون الليبرالية ببرلين ـ ألمانيا (ECLA).
ـ ترجمة: رامي طوقان.
ـ نقلاً عن مجلة Eurozine ـ www.Eurozine.com ـ 11ـ4ـ2012.

[2] راجع:
Anya Topolski, “Does it get more transparent than this?” in Open Democracy, 10 March 2012,
http://www.opendemocracy.net/anyaـtopolski/doesـitـgetـmoreـtransparentـthanـthis.

[3] راجع:
Perry Anderson, “After the event”, in New Left Review 73 (2012), http://www.newleftreview.org/?page=article&view=2938

[4] راجع الشكاوى المشوبة بالتشاؤم الثقافي التي أبداها بيير نورا مؤخراً في مقاله
«Man hat sich auseinandergelebt»: http://www.faz.net/aktuell/feuilleton/deutschـfranzoesischesـverhaeltnisـmanـhatـsichـauseinandergelebtـ11651980.html#Drucken

[5] من الاستثناءات الهامة أيضاً كتاب بيري أندرسون « The New Old World « (2009) وكذلك المسح ممتاز للجدل الثقافي الدائر عن الإتحاد الأوربي في الدول الأوروبية المختلفة قدمته كل من كاليبسو نيكولايديس وجستين لاكروا تحت إسم « European Stories: How National Intellectuals Debate Europe« (2010) (حتى أكون صادقاً تماماً فقد ساهمت بفصل كامل في هذا الكتاب). إن الاتجاه العام ليس مجشعاً بالرغم من ذلك: شاهد مثلاً نهاية موقع signandsight في نهاية آذار 2012 وقد كان موقعاً عظيماً في الجدل الأوروبي وتروج الفهم المتبادل بغض النظر عن إسمه المضحك.

[6] راجع:
http://www.faz.net/aktuell/politik/europaeischeـunion/viktorـorbanـimـgespraechـesـgibtـeinـverborgenesـeuropaـ11671291.html