البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحداثة الغربية المعولمة، سبعة تحديات حضارية

الباحث :  سهيل فرح
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى - خريف 2015 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 11 / 2016
عدد زيارات البحث :  1315
الحداثة الغربية المعولمة
سبعة تحديات حضارية

سهيل فرح [1]

يقرأ البروفسور الدكتور سهيل فرح في هذا البحث التحولات الأخيرة التي حلّت بفضاء الحداثة الغربية والآثار الناجمة منها على مجمل الأصعدة المكوّنة للبنية الحضارية المعاصرة في الغرب، في هذا البحث أيضاً تضمين لأفكار وتصورات مستقبلية لسبعة أجناس من الكوارث المجتمعية التي عصفت بمجتمعات الحداثة في الغرب على امتداد القرنين المنصرمين. ولإنجاز مثل هذه المحاولة لابد من الإشارة إلى أن الأمر تطلب توسيع دائرة الضوء والنظر إليها، من خلال تنشيط العقل الفلسفي التكاملي العلمي من أجل تشخيصها ورسم مؤشّرات حركيّتها وتحديد بعض المعالم والسيناريوهات المرتقبة.
نشير أيضاً إلى أن هذه الكوارث ـ كما يبيّنها الكاتب ـ متموضعة بشكل أساسي في الاقتصاد والديموغرافيا والبيئة والعائلة والعقل التقنوي والعلموي وإشكالية القوة والسلطة.
«المحرر»

لا يختلف أيّ فيلسوف أو باحث واقعي يدرس المشاكل المجتمعيّة السّبعة في الفضاءات الغربية والكونية للمسيرة الحضارية العالمية، بأنّنا نعيش أزمات عميقة الجذور لا بل عضويّة، وقد يضع المرء عينه ورأسه في الرّمال؛ إذا ما قام بتوصيفها بأنّها مرحليّة، وأنّ الحلول على باب الدار. المسألة تتطلّب استحداث علم جديد، أو تسمية جديدة للتشخيص ومحاولة إنقاذ المجتمعات من الاستمرار في جوّ الكوارث المجتمعيّة والنفسيّة والبيئيّة والعقليّة والروحيّة، وأطلق عليه تسمية «علم الطبّ الفلسفي المجتمعيّ».
فالحالة المجتمعيّة الكوكبية، هي مَرَضيّة بامتياز، وتمرّ بمرحلة عميقة من الأزمات... وهذا ليس من باب التشاؤم، أو من باب الوقوع بمعرض إطلاق تسميات النهائيّات على «التاريخ» و «الإنسان» و «المعنى» و «الله» وإلى ما هنالك من مصطلحات وتوصيفات تهيمن على الفكر الفلسفي الغربي العلموي وعلى الأفكار والإرهاصات الصادرة عن المؤسّسات الدينيّة في الشرق والغرب التي تبشر بنهاية العالم...
المسألة بكل بساطة تتمثل بأنه وانطلاقا من الرؤية الفلسفية للحضارات فإن في كل دورة من الدورات الحضاريّة والمحليّة والعالمية، هناك فترات زمنيّة أو مراحل من عوامل النهوض والأزمة والتفكّك التي تبرز أو تطبع أو تتصدّر هذه المرحلة أو تلك... وفي المراحل التي تعيش فيها المجتمعات والحضارات أزماتها تظهر العوارض الوَهَنيّة والمرضية التي تفتك بالجانب الأكسيولوجي (الأخلاق، الجماليّات، الروحانيّات غيرها)؛ وفي الإدارة الاقتصادية والسياسية لشؤون البشرية في ريفها وتجمّعاتها السكّانية الكبرى في المدن؛ في البيئة؛ في حسن أو سوء إدارة الرباعية المسبّبة لكل هذه الأمراض وأعني بذلك، المال، السلطة، القوّة والمعرفة...
وأزمة الحضارات الغربية والكوكبيّة الحالية تأخذ لدى هذا المجتمع أو ذاك أو هذه الحضارة أو تلك بعض الصّفات الخاصّة، والأخرى العامة التي تتمثّل في عولمة الاقتصاديات والمعلومات والثقافات وفي محاولة فرض أو تعميم نمط واحد على مستوى كلّ مجتمعات الغرب والشرق هو النمط المادي الاستهلاكي. هذا الذي دقّ بشدّة ناقوس الخطر حوله، النائب السابق لرئيس الولايات المتحدة الأميركية آل غور في كتاب له تحت عنوان “ الأرض على كفّ عفريت “ والذي صدر عام 1993. فيه يشير آل غور آنذاك، قبل ظهور الأزمة الاقتصادية الأميركية والعالمية، إلى أنّه وبصرف النظر عن التطوّر الهائل للاقتصاد، فإنّ المجتمع الأميركي يقف أمام معضلة وأزمة توسيع وتوزيع المنظومات الاقتصادية والثقافية. وعلى حدّ رأيه، فإنّ الحضارة المرتكزة على فكرة السوق والاستهلاك لم تعد فقط غير صالحة بل هي على حافة الزوال. لقد أدخلت المجتمع الأميركي في مأزق وجودي، وأضحت بالتدريج تَجُرُّ معها كلّ الكوكب باتجاه الهلاك. وكلامه الصادر من على أعلى منبر للسلطة في البلد الذي يوجّه أقوى اقتصاد على هذا الكوكب والذي يقود أوركسترا العولمة، له دلالاته ومعانيه العميقة. فهو يستدعي التأمّل الفلسفي والعلمي العام بهذا النموذج المريض الذي شدّ انتباه وأنظار لا بل وقعت عليه آمال المجتمعات الأنجلوساكسونيّة والفرانكفونيّة والقسم الأكبر من مجتمعات الغرب والشرق.
فالطاقة الاستهلاكية للنموذج المجتمعي الأميركي التي تعد الأكثر اتساعاً واستفادة من ثروات الطبيعة والإنسان والتي كوّنت “ مجتمع الاستهلاك “ بامتياز، تعيش في حالة من التذبذب والتوتّر والوهن. وهذه الموجات من الوهن لا تدخل في سياق الحالة المؤقتة المرحلية القصيرة الأمد، بل إنّ العديد من كبار المفكرين وعلماء الاقتصاد والمستقبليّات الأميركيّين تحديداً يتنبئون باستمراريتها، لا بل ينبهون إلى تعمّق دائرة الأزمة وإلى الاقتراب من خطر الكارثة، وما لم يجدّد العقل الأميركي الفلسفي وغير الفلسفي بكلّ طاقاته ومعه كلّ العقول المبدعة على كوكبنا في دراسة أسباب الأزمة، وفي محاولة الخروج منها بأقلّ خسائر ممكنة؛ ما لم تتحدد الخطوط الواضحة من أجل بدائل مجتمعيّة وحضارية أكثر عدلاً وانسجاما بين الإنسان والطبيعة والكون.

الكوارث السبع
هذا البحث لا يسمح لنا، لضيق المجال، بتناول مفصّل ومدقّق لمجمل التغييرات في المجال الديموغرافي والأسرة وفي البيئة والمفاهيم والتطبيقات التكنولوجية، في منظومة العلاقات الاقتصادية والتمايزات الاجتماعية بين محور الشمال والجنوب، بين الفئات والشرائح الاجتماعية داخل الإثنية أو الشعب أو الجماعة الدينيّة والطائفية في إطار المجتمع الواحد، في الفلسفات المتنوّعة والمختلفة المحركة أو المكوّنة لعقائد الصراعات والحوارات، في الجوانب المتنوّعة والمكوّنات الأساسيّة للطاقة النورانيّة وللطاقة المعتمة والمخربة التي تنبثق من فضاء المؤسّسات الدينيّة؛ ولا من القوى البنّاءة والأخرى الهدّامة في الطاقات الروحيّة لشعوب المعمورة. الأمر يستدعي بطبيعة الحال تضافر كلّ الطاقات العلمية والروحية وتوظيف مجمل القدرات الإبداعية للذات المفكّرة ولمخزون الحكمة الفلسفية والتجربة الإيجابية عند الناس الأخيار على هذا الكوكب.
ما نرغب المضي في البحث فيه والإشارة إليه ومحاولة استقراء المستقبل فيه هو محاولة تفكيك عدد من العناصر التي اخترتها بشكل انتقائي ظنّاً منّي بأنّها تشكّل مفاتيح سبعة لبعض العناوين البارزة المكونة لبدايات الكوارث السبع والمحدّدة لسيناريو التفاؤل أو التشاؤم بالنسبة لمسيرة ومستقبل الحضارة الغربية ومعها الحضارة الكوكبية ككل...
في الإشارات، أعترف، بأنّها تسعى لتحديد الإشكالات الطاغية على وجه المشهد الإنساني ، تحاول تشخيصها وتبيان بعض نقاط التفاؤل أو التشاؤم فيها دون أن تدخل أفقيّاً في الحفر في أغوارها.

الديموغرافيا
فعلى الصعيد الديموغرافي، هناك تغييرات راديكالية أحدثت تحوّلات ديموغرافية هائلة على هذا الكوكب. فالرقم الآني لسكان الأرض الذي وصل إلى ما يُقارب 7 مليار إنسان في ازدياد مستمرّ قد يصل معه الرقم إلى الضعف في أواخر هذا القرن. فمن الناحية المنطقية والمبدئية فإنّ كلّ زيادة ديموغرافية تعكس ازدهار الحضارات، هذا ما شهدته أوروبا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين إلى حدّ ما، في حين وكما يشير إلى ذلك المفكّر الفرنسي فرنان بروديل فان “ الغزارة الفوضويّة للبشر تكون مفيدة في بداياتها. قبل أن تصبح في يوم ما مضرّة عندما يسير التزايد الديموغرافي على وتيرة أسرع من النموّ الاقتصادي فهكذا كان الأمر في أوروبا قبل أواخر القرن السادس عشر، وهكذا هو الأمر أيضاً بالنسبة إلى أغلب البلدان البطيئة النموّ أو المتخلّفة “.(1)
في المشهد الكوكبي الديموغرافي الراهن نلمس في البلدان الغنيّة، المتطوّرة اقتصاديّاً وعلميّاً وتكنولوجيّاً، انخفاضا كبيراً في النموّ السكّاني، في حين نجد المعادلة مغايرة في البلدان الفقيرة المتمركزة في القارتين الأفريقيّة والآسيوية بشكل أساسي...
والنموّ السكاني على هذا الكوكب سيكون على حساب النموّ الديموغرافي للمنحدرين من العرق الأبيض، والمتمركزين جغرافيّاً في القارة الأوروبية بغربها وشرقها وفي القسم الشمالي من القارة الأميركية وفي أستراليا وغيرها من البقاع الصغيرة في العالم.
على مستوى توزّع وتوسّع وتموضع السكان والأعراق على هذا الكوكب، فإنّ المدى الهند ـ صيني الياباني سيبقى محافظاً على اكتفائه السكّاني والعرقي الذي يغلب على لونه العرق الأصفر، في حين سنشهد الازدياد السكّاني العارم للعرق الأسمر المختلط مع الأبيض والأصفر في المدى العربي والإسلامي عموماً وللعرق الأسود والمتمركز في القارة الأفريقية وفي بقاع أخرى من العالم. وهكذا فإن المشهد المستقبلي للنموّ الديموغرافي وللتوسّع العرقي على الأمدين القريب والمتوسّط وحتّى البعيد سيشهد انكماشا كبيراً للعرق الأبيض الأمر الذي يثير في داخله موجات واسعة من التشاؤم على مصيره الكوكبي، في حين أنّ المستقبل الديموغرافي والعرقي سيكون بالمطلق لصالح الأعراق الأخرى، الأصفر والأسمر المتفاعل، مع الأعراق الأخرى، والأسود...
وفي هذا السياق فإنّ حالات الهلع بين الأوساط المفكرة في القارة الأوروبية والقسم الشمالي من أميركا وأوقيانيا ستشهد موجات من استنهاض الذاكرة المريضة المشحونة بروح العنصرية والتمييز العرقي والثقافي في بلدانها، في حين ينشأ عن هذا ردات فعل عنيفة لدى النخب الفكرية والدينية لدى الأعراق والثقافات الأخرى.
هذا في السيناريو المتشائم لتطوّر هذه الحالة الديموغرافية. أمّا وفي السيناريو المتفائل فسيكون حضور صوت الفلسفة الوسطية لدى الذات المفكرة في العرق الأبيض وظاهرات وحالات أخرى في الأعراق الأخرى تحرص على تعميم الفلسفة الإنسانية وثقافة السلم والتعاون والشراكة بين أبناء البشر بصرف النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية، انطلاقا من مسلمة بشرية بسيطة بأنّنا جميعاً نعيش على مركب إنساني واحد ونستظلّ بضوء شمس واحدة. ويشير بهذا الصدد العالم الروسي سرغي كابيتسا: “ لا يمكن وصف النمو السكاني وتقييمه عبر العالم أجمع وخلال مرحلة طويلة جدّاً من الزمن إلاّ إذا اعتبرنا العالم بأكمله والشعوب المتفاعلة في العملية الديموغرافية كأعضاء في فصيلة النظام الديموغرافي العالمي نفسه» ... علماً بأنّ اتّباع النمط الاستهلاكي البحت والنمو الديموغرافي الفوضوي لا يبشّر بأيّ اقتراب من السيناريو التفاؤلي على الأمدين القريب والمتوسّط.

الاسرة
ولكون موضوع الأسرة وهي الحامل الأساسي لاستمرار النسل على الكوكب، هو على صلة وثيقة بالديموغرافية فإنّ وضعها كأعرق مؤسّسة على هذا الكوكب، ولعلّها الأهمّ بين مؤسّسات المجتمع البشري، فإنّ وضعها ليس على أحسن حال وليس غاية في السوء.
فإذا ما دخل المرء في أيّ بلد وداخل كلّ جماعة إلى داخل لا بل الدواخل الحياتيّة اليوميّة المتنوّعة لكلّ أسرة يجد بأنّ كلّ أوجه الوجود بجانبها المضيء والمعتم موجودة فيها، بيد أنّ ظاهرة العتمة والتفكّك والاضطراب والتوتّر تكاد تطفو على حياة المؤسّسة العائلية في معظم مجتمعات الغرب والشرق معاً.
ولعلّ الحالة تبدو أكثر دراماتيكية ومأساوية في بلدان الغرب حيث ظواهر الطلاق وتعميم الحالة المثلية والإنجاب الفوضوي خارج الإطار المألوف في المؤسّسة العائلية، تكاد تكتسح مساحة العائلة هناك. كما أنّ تعميم كلّ حاجيّات الغريزة بشكل فاضح إلى أن تكون أمام أعين كلّ البشر، يجعل من هذه المؤسّسة حالة تنتظر تقديم ورقة «النعوة» لها.
فالتأمل الفلسفي الحياتي العيني في هذه النقطة قد يطول، إلاّ أنّ بعض الأمثلة والأرقام قد تفيد في وضع الأصبع على الجرح العميق لمؤسّسة العائلة. فمنذ أكتوبر من عام 1985 أصبحت ظاهرة السيدا (الإيدز) تأخذ طابع الكارثة الموبئة بالجنس البشري. ومنذ تعميم الفلسفة الفردانية والبراغماتية والحرية ـ المطلقة وتشجيع «ثقافة» التحرّر الجنسي في أواخر الستّينات وحتّى الآن، نشهد في الغرب تنامي خطر الفردانيّة القاتلة والنفعية المغرقة في أنانيتها والانفلات الصارخ من أي روادع أخلاقية... وبالتالي نشأ عن ذلك مشاكل على مستوى الفرد والجماعة لا طائل لها ولا مجال هنا للغوص في تفاصيلها... فعلى مستوى الأسرة فإن ظاهرة عيش الولد مع الأم أو الأب وليس مع الاثنين معاً. ففي بريطانيا على سبيل المثال ومنذ عام 1991 فإنّ كلّ طفل من أصل أربعة أطفال ولد من روابط خارج الزواج. وفي بعض المناطق الغنيّة في عاصمة أغنى بلد في العالم واشنطن في الولايات المتحدة فإنّ الرقم وصل إلى 90 % من الولادات خارج الزواج(3).
وحالات تفكّك العائلة تمتدّ لتطال التواصل الواسع بين ثنائية الوجود البشري ، وأعني المرأة والرجل، بين الأجيال، بين مؤسّسة العائلة كقيمة وجوديّة وغيرها من القيم الأخرى في المجتمع. والحالة المأساوية في الحاضرة الغربية، لا تعفى حالة التفكّك والمآسي المتنوّعة الأشكال والمضامين التي تعيشها الأسرة في البلدان الشرقيّة فلا الاجتهادات الكثيرة في الدراسات الفلسفية المجتمعية الملموسة ولا في علوم النفس والأخلاقيات وسائر العلوم الإنسانية والسلوكية ترجّح من كفة تفاؤل مستقبل العائلة في الغرب والشرق، ولا حتّى سلطة التقاليد الدينية والموروث الثقافي هنا وهناك من بلدان العالم تجعلنا نبتعد كثيراً عن الاقتراب من لجة التشاؤم... بكلمة إنّ الحالة الراهنة المَعِيشة لمؤسّسة العائلة ومستقبلها القريب لا يدخل الاطمئنان إلى دواخل النفس البشريّة، علماً بأنّ تفكّك وانقراض العائلة، يرادف تفكّك وانقراض أيّ مجتمع متحضّر متماسك.

البيئة
وضع البيئة التي تحتضن البشر والأعراق والأسر ليست بدورها على ما يرام. فهذا الإنسان العاقل الذي هو الكائن البيولوجي الأرقى على هذا الكوكب هو جزء لا يتجزأ من محيطه الطبيعي والكوني... في المرحلة الما قبل صناعية كان هناك نوع من التناغم والتعايش المقبول لا بل المتناغم بين الإنسان وأمّه الطبيعة، مع دخول البشرية في المرحلة الصناعية أو في سياق الثورة العلمية الأولى ومن ثمّ الثانية ونحن نعيش في فضاء الثالثة نشهد وعلى حدّ ما تنبه له أبحاث كبار الاختصاصيين في علوم الأرض حالة شبه كارثية من التلوث البيئي وبالذات من تراكم الأوساخ المتنوعة المصادر والمكونات على هذا الكوكب.
فمنذ الستّينات من القرن الماضي وحتّى تاريخه أضحى هذا “ الإنسان ـ العاقل” نفسه هو المكوّن الأساسي لتراكم الأوساخ في الطبيعة فهو الذي تسبّب في الخمسين سنة الأخيرة بتكوين الأوساخ بألفي مرّة أكثر من غيره من الكائنات التي عاشت على هذا الكوكب طوال ملايين السنين.
فالمقولة التي دشنها العقل الفلسفي والعلمي في بدايات القرن السابع عشر بأن على الإنسان التحكّم بالقوانين المسيّرة للطبيعة من أجل التحكّم أو التسلّط عليها، أعطت الكثير من الفوائد المادية والأعظم من الكوارث البيئية. فالخلل أضحى بارزاً للعيان بين الإنسان والحيوان، الإنسان والنبات، الإنسان والمياه، الإنسان والهواء، الإنسان وثروات الطاقة، الإنسان والفضاء الخارجي. لقد دقّ ناقوسَ الخطر منذ بداية القرن الماضي العديدُ من كبار المفكرين والعلماء في الغرب والشرق، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر فرنادسكي، ليروا، كوندا، تشيجسكي، تيار شاردن وغيرهم...
بيد أنّ تصاعد الخطر الإيكولوجي أخذ منحى أكثر دراماتيكية في العقود الأخيرة، الأمر الذي استدعى تدخّل هيئات دولية اجتماعية وعلمية مثل نادي دي روما والمعهد الدولي للحياة في فرنسا (Institut international de la vie).
ورغم أنّ الاهتمام بهذه المشكلة يتصاعد محليّاً ودوليّاً والذي كانت باكورته في عام 1992 في ريو دي جنيرو حيث انعقد مؤتمر دولي هام حول هذه المعضلة وفيه حاولت العقول الحكيمة التنبيه إلى أنّنا أمام تكسّر عميق في منظومة الحياة على الكوكب. فالجميع يعلي الصوت ليبيّن بأنّه ما لم تتضافر جهود الجميع دولاً وشعوباً وأفراداً، فإنّ الكارثة تفتك في عقل وجسم الإنسان وفي المجتمع فحسب، بل ستطال المجال الحيوي للكوكب بأسره.
غير أنّ العديد من الإجراءات والحلول المسكنة التي تعتمدها حكومات الشرق والغرب لم تفلح حتّى الآن في التشخيص العقلاني والحكيم للخطر الإيكولوجي المستشري، وبالتّالي لا نرى في الحاضر ولا في الأفق القريب الحلول العملية السليمة والراديكالية للمعضلة الإيكولوجية المستعصية.
لذا وما لم يتمّ استحداث فلسفة ايكولوجية جديدة تماماً ترسم الطرق الفعّالة والناجعة لإيجاد بدائل أفضل للتعامل مع المحيط الطبيعي، وما لم يعد التوازن المتناغم بين الإنسان والطبيعة والكون فإنّ مخاطر حدوث الكارثة الإيكولوجية سيبقى جاثِماً بقوّة على صدر المجتمع الإنساني. علماً بأنّ هناك من يقول بأنّ البديل التفاؤلي ما زال يتمتّع بقوّة حضوره، وإمكانية تطبيقه على مساحة التواصل بين الإنسان والطبيعة.
فالتحوّل النوعي في حركية النشاط الإنساني على هذا الكوكب شهد مرحلتين رئيسيّتين الأولى مرحلة تطوّر الجنس البشري من طريق التطوّر البيولوجي إلى طريق التطوّر الاجتماعي. والثانية هي المقدرة الإنسانية على قيام الحضارة المتطوّرة في بعديها المادي والثقافي، دون أن يكون هذا على حساب التناغم مع المحيط. بيد أن تطور العلاقة العدوانية بين الجانب العلموي اللاأكسيولوجي في الشخصية الإنسانية والخرق الفاضح لقانون الحياة في عالم التطور البيولوجي، في عالم النبات والحيوان وحتى في الجينوم أوصلنا الى الاقتراب من هاوية الكارثة، هذه مخاطر تستدعي استنفار أوسع وأنشط للطاقات المبدعة الخلاقة لتعيد للتفاؤل حضوره وللتفاعل الخلاق بين الإنسان والطبيعة حضوره وتناغمه.

العقل التقنوي وممارسات التكنولوجيا
بعد أن أحدث العقل العلمي ثوراته المعرفية الكبرى والتي تركت انعكاساتها العميقة والمريحة ماديّاً، على مسيرة المجتمعات التي دخلت الأطوار المختلفة لعصر الصناعة والحداثة، ومع تدشين حقبة جديدة، بدءاً من الربع الأخير من القرن الماضي، لعصر المجتمع ما بعد الصناعي أو ما بعد الحداثوي، فلقد حدثت تبدلات واسعة في العمر الزمني للدورات الحضارية الحالية. حيث نجتاز حقبة تكنولوجية معينة ونشرع بتأسيس حقبة جديدة يغلب عليها علم تقنيات المعلوماتية واقتصاديات المعرفة المؤتمتة الموجهة لمجتمع ما بعد الصناعة، فإن العمر الزمني لاستتباب النمط الجديد للحضارة ما بعد الصناعية سيكون أسرع.
هذا في المجتمعات التي اجتازت حقبة الحداثة وبالتالي فإن أجواء من التبلور والاستقرار التقني ستعيشه تلك المجتمعات المرتكزة على موروث علمي وتقني وعلى قوة اقتصادية ومناخ سياسي ديمقراطي مقبول في بلدانها.
في حين أن العمر الزمني لدخول استقرار ولمحاولة إنجاح نمط حياة ما بعد المجتمع الصناعي في الدول المتوسطة أو الضعيفة النمو، فإن العمر الزمني لاستقرار وولوج واسع وعميق في حركية وفعالية وإنتاجية العصر الما بَعْد صِناعيّ، سيأخذ فترة أطول وأكثر تعقيداً. بينما المسألة ستكون أكثر تعقيداً واغترابا لدى المجتمعات الأخرى التي هي أصلاً ما زالت حتى الآن تعيش على ضفاف الحداثة.
وفي ظل التمايز الحاد بين ثلاثة أنماط للتطور الثقافي والعلمي والاقتصادي والمعلوماتي، من المتوقع أن يشهد العالم كوارث اجتماعية كثيرة وتصاعد موجات الحقد والكراهية بين الدول الغنية والفقيرة. فعلى حد قول عالم المستقبليات الأميركي المشهور ألفين توفلر “ إن المراحل الأولى من تطور المجتمع الما بَعْد صِناعيّ ستشهد هزات اجتماعية كبرى، وتطورات متلاحقة ودراماتيكية في قواعد اللعبة التقنية والاقتصادية، من المتوقع أن تحدث كوارث تتمثل بحدوث عدم استقرار سياسي ونشوء موجات جديدة من العنف والحروب... وبهذا فإن صدام حضارتين متنازعتين سيشكل بحد ذاته خطراً كبيراً على مصير الإنسانية”.
وفي إطار تحكم معين للفكر التكنوقراطي وللتطور التقني والاقتصادي لدى أطراف فاعلة في الغرب تحديداً قد يضفي على مشهد العلاقات الدولية والمجتمعات البشرية جوّاً تشاؤميّاً، في حين أن مساهمات ومحاولات عاقلة ستحاول أن تصعد برأسها لتركز القول والفعل من أجل تأسيس خطاب إنساني شمولي يدعو لعلاقات أكثر عدلاً وتكافؤاً على المستوى التقني والاقتصادي بين محوري الشمال والجنوب. وهذا الخطاب سيسعى من أجل تحرير البشرية من مخاطر اقتحام وحشيّة الإنسان الآلي والعقلية التقنية العدوانية مع الإنسان والطبيعة. كما سيسعى لإقامة منظومة من علاقات التعاون العلمية والتعليمية والمعرفية، تكون أكثر مرونة ومعقولية وتكون رقابتها على تطبيق الديمقراطية في نشاط المنظمات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني أكثر فعالية وقوة.
فالبعض من المتشائمين يتنبأون بتصادم كبير بين العقليات والثقافات في ظل انفجار التقنيات المعلوماتية. فرغم تسهيلاتها الكبرى في تقريب التواصل المتنوع الوسائل والأهداف بين كل أصقاع الأرض، فإنها تحمل في طياتها مخاطر أكثر رعباً حتى من المخزون النووي للدول الكبرى...
فمن يتحكم بالثورة المعلوماتية بشكل أناني وجشع سيتحكم في عقول وأذواق البشر، وتصبح هذه الثورة المعلوماتية في زحفها المتواصل وفي طوفانها الهادر على عين وذهن المتلقي، أشبه بتسونامي كوكبي قاتل ومدمر لكل ما هو إنساني داخل الإنسان.
فالإنسان الذي يصبح عبداً للآلة والتقنيات يقتل في نفسه كل دفء مشاعر التواصل الإنساني ويدخل في مدى جاف من التصحر الروحي الذي يصعب التبوء بمصيره.
بكلمات موجزة وفي هذا السياق، فإن السيناريو المستقبلي القائم على إنجاز المجتمع التكنوقراطي ـ المعلوماتي سيصطدم مع الروح الإنسانية الساعية للتناغم بين البعدين المادي والروحي للشخصية الإنسانية. وسيشكل بدوره واحدة من معادلات الصراع بين الطرفين في المستقبل القريب والمتوسط.

في عقيدتي الصراع والحرب
إحدى المعضلات الأخرى التي تشكل المرض العضوي في سلوكية البشر هي تقديس القوة والتنظير النرجسي لفلسفة الصراع بين الإنسان ومحيطه. لقد مرت البشرية في مراحل متنوعة من صراع بقاء Homo sapiens مع الطبيعة ومع أخيه الإنسان، رافقتها نزاعات وحروب صغيرة وكبيرة، محلية وعالمية تعدت عشرات الآلاف من الحروب النوعية... ومع الزمن اجتهدت العقول الإنسانية في التنظير لفلسفة القوة والصراع إلى أن تكرست بشكل ممنهج في الفلسفة الداروينية الاجتماعية التي أسست لخطاب متكامل لفلسفة القوة للأقوى، مرتكزة في ذلك على العنصر البيولوجي وعلى الطاقة العدوانية في الشخصية الإنسانية. والتي كان من تطبيقاتها على المدى الأنجلو ساكسوني في البداية ومن ثم تعميمها عالمياً، هي تبرير كل أنواع الحروب الكولونيالية واستعباد الشعوب وتأجيج كافة الصراعات والحروب والانقضاض على كل مواقع الضعف عند المستضعفين ووضع ثقافة السلام والأخلاق الإنسانيّة في قائمة الذاكرة المتخفّية للشعوب، أو في قائمة العدو الدائم لها...
إن من السذاجة بمكان القول بأن الانفعال العنيف والعدوانية ليسا من صفات الإنسان في حياته اليومية... فالنزعة الغاضبة العدوانية تسكن فينا جميعاً في داخل العائلة، مع الجار، داخل الشارع، والقرية والمدينة، في الدين الواحد، في البلد الواحد، مع الشعب الآخر، مع المنتمين إلى إثنيات وأديان وحضارات أخرى... هذه مسلمات معروفة للجميع... ولعل ظاهرة العنف والصراع والحروب طبعت علاقات الحضارات الأقوى مع الحضارات الأضعف... وهي التي غذَّت دائما نزعة الهيمنة والتسلط عند الزاهي بانتصاراته الطاووسية.

والأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق:
السؤال الأول: هل يمكن أن نعيش على هذا الكوكب في عالمٍ خالٍ من الحروب، يشكل بديلاً عن حتمية العدوان والصراع والبقاء للأصلح؟
السؤال الثاني: هل يمكن التنبؤ بعالم يرتقي بإنسانية متسامية للإنسان، تجعل توسيع وتعميق ثقافة السلام نقطة أوميغا الوجود؟
السؤال الثالث: هل يمكن استعادة تقاليد تاريخية راقية للمنافسة منبثقة من الفكرة الأصلية للألعاب الأولمبية في عالم ما قبل الميلاد. والمستندة إلى فكرة البحث عن التنافس للأرقى. حيث كان على كل مقاطعة إغريقية أن ترسل أفضل رياضييها ليتنافسوا على قدسية وشرف الإله زفس بديلاً من الخشوع والطاعة والاستسلام لإله الحرب أزيس؟...
في الحقيقة منذ نشأت الفلسفة اليونانية العظيمة ويراود الإنسان العاقل الحكيم حلم السلم... بيد أن هناك من يقول بأن حلم السلام لا يمكن أن يتحقق رغم أهميته ومشروعيته بمجرد أن نتنازل عن فكرة الحرب، أو نخاف منها ومن مخاطر الإرهاب.
الحرب كما يشير المفكر الفرنسي كلود ليفي ستراوس: “ تنتهي حيث ينتهي زمنها الافتراضي، الذي يمكن إنتاجه وتحريكه من خلال جهودنا بتحمل المسؤولية المشتركة عن إيداع البديل، ومظاهر العنف والإرهاب حين تزول أسبابها، ويتكرر فشلها التطوري، وليس فقط الواقعي والمرحلي”.
ففكرة الحرب هي جزء لا يتجزأ من مفهوم سلطوي للقوة يتأسس عليه المجتمع والدولة، وتبنى على أساسها الأفكار والتشريعات الخاصة لحقوق الإنسانية وللقيم الحضارية الدينية. بل إن المنظرين لعقيدة القوة أمثال الأب الروحي للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الفيلسوف ليف شتراوس يعملون على تأسيس خطابات معينة حول مفهوم السلطة والتاريخ من خلال الحرب... ففي الحرب تتجسد مفاهيم ومضامين الهيمنة على الآخر بأقصى مضامينها وأكثرها بعداً عن النزعة الإنسانية.
في الحرب القاتل والمقتول، المنتصر والمهزوم، الاثنان معاً في جحيم النار، نار الدنيا، التي لا يجد القاتل «المنتصر» نفسه إلا في مستوى أقرب إلى الحيوانية الغرائزية العدوانية.
والحلم البشري البديل قد يتحقق إذا ما اعتقد البشر في الغرب والشرق بأن فلسفات تروج لفلسفة القوة والصراع والبقاء للأصلح أمثال العقيدة الداروينية الاجتماعية التي تأسست وتأصلت في العقيدة العسكرية لمجمل النخب السياسية الحاكمة في الغرب، والتي ما زالت مهيمنة للأسف في خطاب الجنرالات الكبار الموجهين للحروب والداعمين لشركات الموت، هذه الفلسفات هي في الحقيقة مصدر هلاك للقاتل والمقتول على المستوى الوجودي.
وإن الحروب كان بالإمكان أن تكون على وشك بلوغ عمرها الافتراضي بعد انتهاء الحرب الباردة، إلا إن نزعة الهيمنة وتقديس القوة وصرف الميزانية المالية الأكبر لها تبقى حاضرة وبقوة في البلدان الكبرى، وتبقى هذه السياسة فارضة نفسها على الميزانيات العسكرية للبلدان الصغرى ولكل الحركات المسلحة المشروعة وغير المشروعة في العالم.
منذ فلسفة الداروينية الاجتماعية التي نظّر لها سبنسر، ومفهوم الصراع الطبقي التي نظّر له ماركس وأنجلس ولينين وماوتسي تونع وستالين، وفكرة «تأكيد الذات العدوانية» عند فرويد وقبل هؤلاء جميعاً فكرة البقاء للأصلح لتشارلز داروين... ومع كل جوقة المنظرين الغربيين للحروب والذين تفرخ دائما مخيلتهم العدوانية المريضة كل أنواع الإجلال والتقديس للقوة وكل التبريرات والتنظيرات من «المستكبرين» و «المستضعفين» معا والتي جميعها بلا استثناء تبرر اللجوء إلى القوة بحجة الدفاع عن الهوية والنفس والدين والثقافة.
هذا الشبح الكوكبي كله لا يمكن أن يوجه بوصلة البشر نحو برّ الأمان... فالمخيلة البشرية عند «المنتصر» و «المهزوم» المهووسة بفكرة القوة والصراع والحروب، هي كلها مأزومة إنسانيّاً وأخلاقيّاً، كلها تمضي بفبركة الستريوتيبات عن نفسها وعن غيرها... الكل يمضي في لعبته الجهنمية وهي اللعب بالنار، في قتل البشر.... دون أن يشتغلوا بشكل جاد في قتل أوهامهم والعمل قبل كل شيء على كبح عدوانياتهم وحجز المناطق المعتمة في دواخلهم وإيقاظ دائرة السلام والنور والشراكة الإنسانية في ما بينهم.
ولعل بداية الخروج من نفق الحروب والصراعات وتقديس القوة هو تضافر العقلاء كل العقلاء في الغرب والشرق من أجل ضرب فكرة «العدو» في النظرة الداروينية الاجتماعية وأمثالها التي تروج بشكل عدواني وأرعن لفكرة البقاء للأصلح. يجب أن نسعى معاً لانتهاج فكرة تطور التعاون والشراكة الإنسانية والديمقراطية بين أبناء البيت الإنساني الواحد أو ما أسماه العالم الكندي جان ريليتفورد «الإيثار البيولوجي»، أو ما يسمّى بفكرة «تطور التعاون». أضيف إليها الحوار والتحالف الصادق والمكثف بين الحضارات والأديان والمستند إلى ميثاق مشرف أخلاقي عالمي يقره ويؤمن به الجميع.

في سلطة الحاكم والمحكوم
من النقاط الساخنة المَعِيشة يوميّاً التي تشوه المشهد الإنساني في مجتمعاتنا هي العلاقة مع السلطة المرتكزة على نزعة الهيمنة. فالسلطة ضرورية لعدم الوقوع في الفوضى ولحفظ النظام المعقول.
والحديث هنا يجري عن مفهوم آخر غير المتداول في القاموس السياسي الدولي، السلطة التي نقصدها هي التي فتح آفاق حضورها وأسرارها ومخاطرها المفكر الفرنسي ميشال فوكو الذي قال: “ السلطة متواجدة في كل مكان وزمان... وهي مشتتة ومتعددة البؤر وأنماط الاشتغال”. بمعنى آخر تمتد على كل المساحات التي يتواجد فيها أمر أو إرادة القوة لدى المتسلط أو الحاكم، هي أداة جذرية لإخضاع المرؤوس للرئيس، الضعيف للقوي، الصغير للكبير، الآني للماضي. تبدأ داخل جدران العائلة لتمتد إلى الشارع وإلى كل مؤسسات الدولة والحكم وإلى سائر أطياف المجتمع المدني.
هي، بهذا المعنى، تُمارَس بشكل واضح أو قسري في مواقع ومواقف كثيرة، أحياناً يصعب الإمساك بها، لأنها لم تعد تعمل فقط انطلاقا من مركز موجود في أعلى هرم السلطة الرئاسية أو الحكومية أو البرلمانية أو القضائية أو الدينية، بل هي ممتدة ومتغلغلة في كل أنماط تفكير وسلوكيات البشر.
ولكونها كذلك، فهي في مضمونها ومعناها وبنيتها العضوية إكراهية غير ديمقراطية. الأمر الذي يجعلها تخلق البؤر المتوترة الحياتية والنفسية والعقلية في عالم السياسة والاقتصاد والإعلام والجيش والإيديولوجية والمعرفة والتربية والثقافة والحزب والدين والطائفة وغيرها.
والسلطة في الجانب الردعي والمظلم فيها، تتضخم دائرة خطرها في الأمكنة التي تتمركز فيها لعبة الهيمنة على الممتلكات والقدرات، على المال وصنع القرار السياسي، على القوة والمعرفة.
ففي عالم مغربن معولم يريد أقوى الأقوياء أن يفرض سلطته لا بل هيمنته على مقدرات الضعفاء. والضعفاء بدورهم يريد كل واحد منهم انطلاقا من موقعه أن يفرض هيمنته على محيطه. ولعل هذا يأخذ طابعاً أكثر تنظيماً وأكثر قوننة في البلدان المتقدمة، إلا أنه في هذا المجال “ المقونن “ وفي ذاك المجال الذي لا يخضع لآليات وتقاليد أخرى للهيمنة وللنزاعات، ينتقل وضع السلطة، وأستعير الكلام مرة أخرى من فوكو، من «الشكل القانوني للسيادة إلى الشكل الإستراتيجي للصراعات والمجابهات». وهذا الشكل إلى جانب الأشكال الأكثر بدائية أو الأوسع حضورا في مساحات العلاقات بين البشر لا يمكنه أن يعيش بدون تجديد عقيدة القوة المتسلطة في داخله وبالتالي استحداث التقنيات العسكرية والنفسية واستخدام ديكتاتورية سلطة التخلف والتقاليد من أجل الهيمنة... وهذا الذي يشعل الخلافات الحادة وبالتالي الحروب ويخلق النزاعات ويسبب الطلاق بين أعضاء الأسرة الواحدة ويجفف مصادر السلام والمساواة والمحبة بين البشر... وهذا بدوره ينعكس تكسيراً وتمزيقاً لثقافة الحوار والشراكة والسلام ولفكرة السيادة والحرية بين مكونات النسيج الحضاري لسكان شعوب الشرق والغرب معاً.
ولا مجال في رأينا للخروج من هذه الحالة الجهنمية المتعلقة بالسلطة، بعلاقة الحاكم بالمحكوم، بعلاقة كل أنواع الهيمنة بين البشر، إلا بمحاولة تفكيك وفضح هكذا نوع من السلطة في أماكن وأزمنة وجودها وهيمنتها. الضرورة تستدعي تغذية كل أنواع المقاومة الديمقراطية والسّلميّة والعقلانية داخل كل سلطة، وشرط كل مقاومة هو الحرية المسؤولة... وهنا يبرز التصور المتفائل القائل بأننا لسنا ضد السلطة كسلطة إيجابية يتوجب وجودها للحفاظ على النظام وعلى شرعية القيم الإنسانية التي تنتج القيم المادية والروحية، وإنما ضد كل سلطة تقهر الحرية وتقتل ضوء التكافؤ والعدل والمساواة والديمقراطية الحق عند الجميع.

إما الفكر الأنسي وإما الكارثة
إن المسار الحالي المجتمعي للحضارة الكوكبية انطلاقا من النموذج المادي الاستهلاكي في الغرب والشرق ومروراً باستراتيجيات وسياسات متنوعة خاطئة حيال البيئة والاقتصاد والتكنولوجيا والقوة والسلطة، يمضي في مسار لا يوحي على الأمد القريب بنجاح السيناريو التفاؤلي، بل هو يسير في مسار خاطئ بما هو عليه من تقديس للمال وللسلطة وللفردانية الأنانية والاستسلام للذة حضارة «الشهوة»... فالمرض لا يطال فقط النموذج الغربي للتطور، إنما يفتك أيضاً في ممارسات وتصورات ثيوقروسطية نابعة من المؤسسات التقليدية الدينية وغير الدينية والتي تسكن بقوة في المدى الشرقي للكوكب.
لذا ليس هناك، على الأمدين القريب والمتوسط، ما يهم قوى العطالة الفكرية ولا سلطة المتسلطين في الغرب والشرق، ولا العدد الهائل من جيش الفساد والمفسدين القاطنين في الغرف البيروقراطية الحاكمة في البلدان المتخلفة والمتقدمة ولا في قلب كل المعايير في معظم التخصصات والمهن. حيث تجد القسم الأعظم من العلماء والباحثين والمدرسين والأساتذة والمهندسين والأطباء والفنانين وسائر المنتمين الى أهل المعرفة والتعليم والإبداع يعيشون في معظم أنحاء العالم في حالة من الضيق الماديّ، بينما نجد أن هناك جحافل من أنصاف المتعلمين والمتخصصين الذين يلجأون الى كل أنواع الاحتيال على القانون والتملق والسرقات ويتبوّأون أحيانا أعلى المناصب الإدارية في السياسة والتعليم وإدارات الدولة والمؤسسات الحزبية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، وهم يعيشون في بحبوحة مادية وفقر مدقع أخلاقي وروحي...
وتتحكم المافيات في اقتصادات الدول وتتنامى أنانية الشركات العابرة للقارات، إن الشبح الوحش يفتك بعقول ونفوس معظم البشر القاطنين على الكوكب الذين جعلوا من المال الإله الأرضي الذي تكاد تتمثل فيه كل معاني القوة والسلطة.
إن الطاقة المتوحشة جعلت فلاسفة الاقتصاد في كل النماذج المطبقة في الألفيات الثلاث من عمر الحضارات من المال وكأنه هو الألف والياء في الوجود.
أولئك الوحوش من البشر الذين يفتكون بثروات الطبيعة عليهم أن يغيروا مساراتهم الموغلة في الأنانية، والبراغماتية السيئة..
هؤلاء يسعون بما لديهم من قوة من أجل عدم تأسيس استراتيجية كوكبية جديدة للنمو لا بل للتناغم بين البعدين المادي والروحي في الشخصية الإنسانية، لأن في الاستراتيجية الجديدة عوامل ورؤى وأفكاراً واقتراحات عملية وبديلة وطرق جديدة لإدارة وتسيير الاقتصاد والسياسة وتوجيه الثقافة والروح والأخلاق.
في الاستراتيجية الجديدة هناك تغيير نوعي في دور العلم والتعليم والتقنيات وفي رسم الإستراتيجيات الفلسفية والسياسية لتنظيم المدينة الأرضية ولتجديد روحانيات القيم، لكي تتواصل بشكل أكثر نورانية وسلاماً مع المدى السماوي والكوني.
الاستراتيجية الجديدة تتطلب إقامة مجتمع ثقافي تكاملي يكوّن لمنظومة العلم والتعليم وللأخلاق والدين والمعتقدات والفلسفات الخيرة الأخرى مساحة إنسانية أشمل وأعمق، رسالة تستجيب لحاجيات المجتمع المابعدالصناعي: المابعدليبرالي والمابعداشتراكي، أو لعلها في المرحلة الانتقالية المزيج الإبداعي والعادل بين إيجابيات التجربتين معاً.
العالم بحاجة إلى استراتيجية فلسفية نهضوية روحانية ثقافية اقتصادية إنسانية حوارية تركز في المقام الأول على أنسنة المجتمعات وروحنة العلوم وعقلنة الأديان، ومنح الأولوية المطلقة لقدرات وطاقات الإنسان المبدعة الإيجابية...
منذ فجر الحضارة وتوق الإنسان العاقل ـ النقي في داخله، متوجّه نحو قيم الخير والعدل والعمل والمعرفة والجمال والسلام الداخلي والتناغم الخلاّق بين الإنسان والطبيعة والله أو العقل الكوني في المفهوم البوذي.
فالبشريّة، كما تشير المجموعة الأكاديمية التي أسهمت في صنع كتاب (حوار الحضارات: المعنى، الأفكار، التقنيّات)، تعيش أمام «منعطفات مهمّة جداً لم تشهدها في كلّ تاريخها: إمّا الانهيار الشامل في حال تأجيج الصدام بين الحضارات أو الازدهار في حال تضافر جميع القوى لخلق ظروف ملائمة أكثر للشراكة العادلة. والمسؤولية لا تقع فقط على الحكومات وصناع القرار في أمكنة مراكز القرارات، بل على عاتق كلّ إنسان يعيش على هذا الكوكب».
الاستراتيجية الفلسفية التفاؤلية المنشودة يتوجّب أن تعطي الدور الأكبر لصياغة البدائل الحضارية للمبدعين الذين لا يعملون فقط على تأسيس الأفكار الخلاّقة والاقتراحات العملية المجابهة لقوى التسلّط والظلام والحروب، بل يسعون لتأسيس ميثاق أخلاق جديد للبشرية يحاول إنقاذها من كارثة حضارة الاستهلاك والشهوة وانفلات الغريزة العدوانية وعبادة المال والأشياء وتعميم ثقافة «اللاثقافة» في الفنون والجماليات وتسعى لاستغلال التواقين إلى المطلق ـ المتسامي من اجل استعادتهم من حراس العقائد الكبرى وتسلط المؤسسات الدينية، إستراتيجية تسعى إلى التجديد الدائم لتعميم وتعميق ثقافة الحوار والشراكة والتعاون بين بني الإنسان على هذا الكوكب.

المراجع
نص مأخوذ من نص ترجم لفرناند بروديل من كتابه قواعد الحضارات، النهار اللبنانية، عدد 8، آذار 2009، ص 15.
سرغي كابتسا. الديموغرافيا ومستقبل الحضارة الإنسانية. نص منشور في كتاب « حوار الثقافات: تجربة روسيا والمشرق الغربي» إصدار المركز الدولي لعلوم الإنسان والبيت اللبناني الروسي. بيروت 2002، ص. 130.
راجع كتاب: الأزمة الشاملة للحضارة الغربية وروسيا. مؤلّف جماعي بالروسية. موسكو 2009، ص 8 و9. (بالروسية).
ألفين توفلر. الموجة الثالثة. موسكو 1999. ص 194 (بالروسية).
ClaudeـLeviـStrauss، The savage Mind. The university of Chicago Press، 1968, P. 223 ـ 225.
Relethford، John.H. The Human species and introduction to biological anthropology. Toronto, Mayfield publishing company, 1997, P. 114, third edition.
حوار الحضارات: المعنى، الأفكار، التقنيات، تحرير سهيل فرح وأليغ كولوبوف. دار علاء الدين، 2008، ص. 11.
-----------------------------------
[1] أستاذ محاضر في الفلسفة الغربية المعاصرة في الجامعة اللبنانية، عضو أكاديمية التعليم الروسية، وعضو الأكاديمية الدولية للدراسات المستقبلية.