البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أزمة الهوية في العالم الغربي، الجهل بالآخر جهل بالذات

الباحث :  دودو ديان Doudou Diène
اسم المجلة :  الاستغراب
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى - خريف 2015 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 11 / 2016
عدد زيارات البحث :  1623
أزمة الهوية في العالم الغربي
الجهل بالآخر جهل بالذات

دودو ديان Doudou Diène
[1]

هل العالم الغربي في خطر؟ يثير هذا السؤال فوراً بفعل صياغته تساؤلاتٍ كثيرة لجهة التعريف الدقيق لكل من مصطلحاته: العالم، الغرب، الخطر. وهو يدعو بكل الأحوال ليس فقط إلى إعادة النظر في موضوعه الرئيسي، المطروح على أنه واضح المعالم، إنما أيضاً إلى التساؤل عن الدلالة القلقة والمتعذّر تعريفها لكلمة الخطر. لذا فإن تفكيك المصطلحات المستخدمة في هذا الشأن بالذات، سوف يكشف عن العمق التاريخي والثقافي للقضية الأساسية في السؤال ألا وهي علاقة الغرب بالعالم.
في هذه المقالة للباحث السنغالي دودو ديان إضاءة على عمق الهوة التي تفصل بين فهم الغرب لنفسه وفهمه للآخر الممتد على مساحة العالم غير الغربي كله.
«المحرر»

يعاني العالم الغربي راهناً من أعراض “ أزمة هويتية ” [2] عميقة يبدو أنه غير مدرك لواقعها وأبعادها. وتبرز هذه الأعراض بشكل خاص في التوتر الواضح بين تضخّم موقفه (أو خطابه) المرتبط بالحضارة الكونية، والطابع المحوري الذي تتخذه أزمة الهوية فيه، وكذلك في علاقته ببقية العالم. هذه العلاقة تُختزلُ بالتسليع وإرساء الأمن وتعميم الطابع الإنساني، وفي اضطرابه وضيقه الشديد أمام التنوّع الثقافي والإثني والديني.

موقف العالمية ـ المرآة
لطالما شكّل «العالم الغربي» موضوع تساؤلاتٍ متعدّدة حول وجوده وتعريفاتٍ شتى لهويته. فقد تم استدعاء التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة الى غيرها من العناصر من أجل تركيب الهوية التي رأى العالم الغربي نفسه ورآه العالم من خلالها. غير أنّ المفهوم الأنطولوجي الواقع في قلب تعريفه الذاتي والذي استقت منه كل هذه العوامل معناها ومحتواها هو مفهوم عالمية حضارته. لقد طرح الغرب نفسه عبر التاريخ كمفهوم عالمي، أي كنموذج معياري وتعبير نهائي عن التطور البشري. إنّ جغرافيا الغرب الأولية التي تمثلت بأوروبا أعطت لنفسها رسالة تحضيرية [3] في علاقتها مع الشعوب الأخرى. فقد انصبغت عدساته الثقافية مع الوقت برؤية عالمية. وهو ما عرف بـ «العالميةـالمرآة»، التي تعتبر أن «كل ما يشبهني هو عالمي». ولقد أعطت مرحلة توسّع الغرب التاريخي الشرعية لنفسها، إثر الخروج «خروجه من أوروبا» ومن الركن الغربي وأوراسيا، وذلك من خلال رسالة تحضّرية تغذيها عقيدة غير ملموسة ألا وهي فوقية حضارة الغرب. وقد انبنت رؤيته التاريخية للغيرية مذّاك على اعتبار التنوع اختلافاً جذرياً. فقدّم فلاسفته وعلماؤه، لا سيما علماء الطبيعة، أساساً علميّاً وفلسفيّاً لشرعنة الرسالة التحضيريّة حيث تم إبراز هرمية الثقافات والأعراق والأجناس. لا شك أن رسوخ هذا البناء الهويتي أثّر في العمق وفي المدة على علاقة الغرب بالعالم. فقد أسّست عالمية نموذجه الثقافي والبشري والديني للصياغة الأخلاقية والنموذج الفكري العرقي والإثني ولتشويه نظرته للآخر، للآخرين جميعهم. وترجمت شرعنة السلطة لفترة طويلة هذه الرؤية بعبارات من مثل «إمبراطورية عالمية» و«حاكم عالمي» استخدمها ملوك الغرب لتوصيف أنفسهم. من ذلك الحين فصاعداً، وجد العالم «الخاضع للحضارة» عبر السيف والصليب والتجارة نفسه ضمن خطر داهم.
لعلّ أبرز التجليات لامتداد خطر المركزية الأوروبية، وهي التجسيد التاريخي للعالمية ـ المرآة، إلى بقية العالم ولطبيعته المتعدّدة الأشكال الصفات الأربعة التي يتم إطلاقها على العالم الغربي[4]: العسكري، المبشّر، التاجر ومؤلف المذكرات. العسكري يرمز إلى الصورة الأصلية لتطوير الحضارة، أي عبر فرض القوة، النظام والسلطة. وتكلفته البشرية والثقافية التي تتكبّدها المناطق الأخرى ما وراء الغرب كبيرة. يلي العسكري المبشّر الذي يعمل على تحويل الأنفس والمعتقدات والقيم عن طريق رسالة المحبة والأخوة في الله الواحد والنسف الضروري من قبل الضحايا لإرثهم الروحي أو الثقافي وأوثانهم وأقنعتهم وتمثيلاتهم لقدسيِّ بات ضرباً من الخرافات والشعوذة. أما التاجر، فيحذو حذوه حيث يفرض علاقة تجارية جديدة مع الأشياء تحت قناع التّحضير وتحويل التقاليد إلى حداثة ويغيّر طرق الوجود والنظر إلى الآخر وإلى النفس وحتى طرق الاستهلاك عن طريق ممارسات ثقافية ومعايير جمالية جديدة. إنّ إعادة الهيكلة العميقة والجذرية للهوية الدينية والثقافية الخاصة بما تم إخضاعه للتحضير هي الهدف النهائي لهاتين القوتين منذ التّماسّ التاريخي الأوّليّ. وأخيراً يأتي مؤلف المذكِّرات (وهو صورة رمزية عن المثقف، المؤرخ، المختص في المعلومات والاتصالات، عن الكاتب بشكل عام) ليتمّم هذا الفوج. هو من ينظّم الذاكرة والمعرفة، ومن يقرّر للمستقبل ما ينبغي حفظه أو معرفته وما المعنى الذي يجب إعطاؤه للأسباب والظروف ومدلولات الأحداث المرتبطة بالتحضّر. وللكاتب مجالان متميّزان يعمل فيهما هما الكتابة، لا سيما كتابة التاريخ، ونقل المعرفة من خلال التعليم والثقافة. أما صورته الرمزية الحديثة فهي أنّه «حارس البوابة» لإعلامٍ يدبّر الوقائع والأحداث. إن مؤلف المذكرات هو المحرّك الرئيسي للصمت إزاء الاضطهاد والسيطرة وإخفاء الضحايا، حيث تكمن غايته الأساسية في طمر صفة الضحية عبر الحث على نسيانها أو تجاهلها. فهو من يحوّل الاستعمار إلى رسالة حضارية ومقاومة الاستعمار إلى إرهاب وتخريب...إن كافة هذه الصور المجازية السابق سردها تشكّل، من خلال تكاملٍ تنظّمه السلطة السياسية، البنية الأنطولوجية للسيطرة. فالقضايا التي هي موضع اهتمامهم كثيرة، ولعل الهوية من أهمها. فعبر إعادة بناء الهوية، أي ما تعرف الضحية به نفسها، تُنظَّم عملية طمرها. إذاً هي عملية «تجريد من الوعي الذاتي» يتم خلالها إعادة بناء الضحية بعد إفراغها من كل المراجع وقطعها من كل الجذور بشكل يجعلها تتقبّل وضعها الجديد كطرف خاضع للسيطرة وتُقِرُّ بِه وترضى. الذاكرة هي بالطبع الأرضية الأمثل لإعادة بناء الهوية. وهكذا يصبح المؤرخ، مؤرخ السلطة الجديدة المسيطرة، هو «المدير المحلَّف» المسؤول عن الذاكرة، فيعطي الروح والمضمون إلى مؤسسة الحضارة ويحوّل سفينة تجارة الرقيق إلى أداة اكتشاف وتجارة. هو أيضاً من يعيد إعطاء هوية جديدة للأماكن عبر تحويل سوق العبيد إلى «مكان تجاري»، وحصون اعتقال العبيد ونقلهم إلى «قلاع للدفاع والحماية»، ومقابر الرقيق، خاصة المقابر الجماعية منها، إلى أراضٍ مجهولة الهوية سرعان ما تخفيها المباني الإدارية أو التجارية.
ويشارك عالم الأنثروبولوجيا في هذا التمرين عبر إعادة نعت تاريخ الشعوب الخاضعة للسيطرة بـ «الأساطير» وآلهتهم بـ «الأوثان» وروحانياتهم بـ «المعتقدات السحرية والبدائية» ولغاتهم بـ «اللهجات». من أهم الأدوات المستخدمة في عملية «التجديد» هذه، التعليم، لا سيما كتابة التاريخ وتدريسه، إضافة إلى تحديد شخصيات رمزية لتبجيلها وتعيين أحداث ومناسبات لتخليد الذكرى الواجب الاحتفاء بها.
يتبيّن إذاً أنّ تعريض بقية العالم للخطر هو أمرٌ ناتجٌ عن العمل الدؤوب الذي يبذله صنّاع رسالة الغرب ـ العالم التحضيريّة (Civilistrice).

الصور الرمزية والتحولات الحديثة في علاقة الغرب مع العالم
تبلورت «العالمية ـ المرآة» في ثلاثة مجالات حديثة: حقوق الإنسان، والعمل الإنساني، والاقتصاد.
في إطار ديناميكية المركزية التاريخية التي نصّبها نموذج الحضارة الغربي لنفسه، تكتسب عالمية حقوق الإنسان شرعيتها بفعل عالمية مصدرها الأنطولوجي، (أي الحضارة الغربية)، المكان الوحيد والمتميّز والحصري الذي تنبثق منه القيم التي تحدّد وتعبّر عن المرحلة النهائية من التطور البشري والدرجة الأعلى من الإنسانية. الرسالة التحضيريّة هي إذاً التعبير الطبيعي عن هذه الشرعية الأنطولوجية. وقد تترجم بناء هذه الإيديولوجية الجديدة عبر مسلّمتَين حول علاقة الغرب بالعالم هما: الإيمان بعالمية القيم الغربية والمماثلة القطعية بين حقوق الإنسان والقيم الغربية. وتأسيسا على ذلك، يُنظَر إلى أي معارضة سياسية للقيم الغربية على أنها تشكيك بعالمية حقوق الإنسان. فقد تم استخدام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في السياق التاريخي لما بعد الحرب، كأداة إيديولوجية تستهدف المعارضَين السياسيَّين التاريخيَّين للغرب : العالم الشيوعي والعالم الثالث المستعمَر. وهدفت القراءة الانتقائية لحقوق الإنسان المختزلة بالحريات الفردية فقط إلى انتزاع الشرعية من البعد الجماعي والاجتماعي للاشتراكية وحق الشعوب في تحديد مصيرها الذي كانت تطالب به الشعوب المستعمَرة. غير أنّ هذه الشعوب ما لبثت أن استعملت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من أجل شرعنة حقوقها في المساواة والحرية ومن أجل المطالبة بملاءمة المبادئ التي ينادي بها الإعلان مع واقع الهيمة الكولونيالية. مذّاك، وجدت العالمية نفسها في حالة ارتباك وحيرة ما بين مطالبة بجردة تاريخية لهذا الإعلان والتأكيد على القيم المعتبرة عالمية في الإعلان. وقد أدى ذلك إلى هزتَين في «العالميةـ المرآة»: الأولى معارضة البناء الأيديولوجي لمعادلة حقوق الإنسان ـ القيم الغربية، والثانية توسيع حقوق الإنسان لتشمل حقوق الشعوب والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
إنّ إضفاء الطابع الإنساني على العالم هو التجسّد الأحدث للوضع الحضاري الخاص بالغرب ـ العالم، حيث إن العلاقة مع الشعوب الأخرى غير الغربية، المصوّرة على أنها علاقة تبشيرية بالحضارة، لا يمكنها إلا أن تكون جزءاً من عملية الأنسنة. فتكمن الغاية في إيصال القيم الإنسانية إلى شعوب وجماعات ومجتمعات مجرّدة ثقافيّاً أو جينيّاً منها، ولو بالقوة إذا لزم الأمر. على هذا النحو، يعيد حق التدخل الإنساني تدوير ممارسة التدخل التحضيريّ ويشرعنها وذلك في مرحلة بعدية. فعملية «الإنقاذ» الأخيرة لمئة طفل من التشاد التي نفّذتها منظمة «لارش دي زويه» (L’Arche de Zoé) الفرنسية غير الحكومية الشبيهة بطرائقها بحملة استعمارية، تبيّن مدى مرونة الرسالة الحضارية التي ينسبها الغرب ـ العالم لنفسه في إضفاء الطابع الإنساني على العالم.
تشكل نظرية نهاية التاريخ التي تقدّم بها فرانسيس فوكوياما، التعبير الأبلغ عن مفهوم «العالميةـ المرآة» الذي يميّز الغرب ـ العالم، حيث إنها تسلّم بأن النصر الأيديولوجي النهائي سيكون لليبرالية السياسية والاقتصادية. فقوانين السوق تبرّر المعاملة الإنسانية لسكانٍ لا يمكن تفسير حالتهم من التأخر والبؤس والفقر المستديم إلا بعدم احترام اقتصادياتهم لهذه القوانين وعدم التلاؤم الثقافي بين مجتمعاتهم وبين هذه القواعد.

أزمة الهوية في الغرب ـ العالم
يعزى ظهور أزمة الهوية العميقة التي تعيشها المجتمعات الغربية إلى تناقض أساسي في الغرب ـ العالم وهو: الثنائية بين وضعها الكوني والبعد العالمي لنموذجها الاقتصادي الليبرالي من جهة وحالة الانقباض الهويتي في مجتمعاتها الوطنية من جهة أخرى. لطالما انطمر التوتر الهويّتي الملازم للتناقض بين الغرب ـ العالم وحقيقة دولها الوطنية بفعل الإيديولوجية المشتركة التي حملتها الرسالة التحضيريّة والمنافع المادية المتنوعة خاصة الاقتصادية منها المتأتية من الغزوات الإمبراطورية. في الوقت الراهن، نلحظ أن التعددية الثقافة التدريجية للمجتمعات الغربية تحوّل هذا التوتر إلى أزمة هوية. في الواقع، طالما أن غيرية الغرب ـ العالم كانت بعيدة عن الغرب وخارجه بفعل الجغرافيا والعرق والدين والثقافة، كان التوتر الهويّتي الأصلي يقع خارج حدود الغرب ويجد حله الطبيعي في «العالمية ـ المرآة» التي تتميّز بها الرسالة التحضيريّة. لكن بفعل الترابط الطبيعي بين الإمبراطوريات الناتج عن حركة البضائع، وكذلك عن حركة البشر، فإن هذا العالم الآخر (الذي تصطلح الجغرافيا على تسميته بعالم ما وراء البحار) وجد نفسه تدريجيّاً في قلب مجتمعات الغرب ـ العالم، ما يعني أن العالمية ـ المرآة وجدت حدودها وكشفت عن نفسها كإيديولوجية لا تتلاءم مع واقع التنوّع. كذلك تجد البناءات الهويّتي القومية القديمة نفسها في مواجهة انهيار أساساتها التاريخية من عرق ودين وثقافة التي باتت عرضة للتشكيك من قبل الديناميكيات المتعدّدة الثقافات في المجتمعات. حينذاك غيّر الخوف معكسره. وتعدّدت أشكال مؤشرات وتجليات إدراك الخطر المعبِّر عن هذا الخوف. على المستوى الدلالي، أبْدِلت «الرسالة» التحضيريّة المتميّزة بالتوسع الخارجي منذ ذلك الحين بحالة «دفاعية» عن الغرب موسومة بانقباض وانغلاق الهويّتي. الأوجه المعاصرة لهذا الخطر، أو بالأحرى أعداء اليوم هم تحديداً الشعوب «التي خضعت للحضارة» أمس. أما المجالات التي يتوجّب الدفاع عنها، فهي الدين والثقافة، وفي الخلفية، «العرق»، حيث يُنظَر إلى التنوع هنا على أنه اختلاف جذري وعدم تلاؤم. العامل التاريخي الثقيل الكامن وراء هذا الشعور بالخطر هو الهجرة التي تشكّل التعبير عن الانقلاب الحديث للحركة التاريخية لشعوب ما كان «أراضي الرسالة». يُترجَم الاستخدام السياسي لهذا الخطر بالفعالية الانتخابية للبرامج العنصرية والكارهة للأجانب المتمحورة حول «الدفاع عن الهوية الوطنية» المهدّدة. وقد ظهرت الصياغة النظرية لهذا الإدراك للخطر من خلال الازدهار الحماسي لإصدارات ومقالات حول فوقية الحضارة الغربية وتحديداً نشأة الإيديولوجية الجديدة لـ «صراع الحضارات والأديان» الحتمي بين الغرب وبقية العالم الذي يُختزَل حيناً بديانة الإسلام ويُنظَر إليه حيناً آخر على أنه «دخيل» بفعل أصله وثقافته. لهذا الغرض، يقوم هؤلاء المنظّرون الجدد في العالم الأكاديمي والإعلامي بإعادة تدوير الخطاب المانوي الخاص بالحرب الباردة والذي غالباً ما ينتمون إليه، بين الحضارة والبربرية، بين الحداثة والظلامية، بين حقوق الإنسان والديكتاتوريات. تتألف المجموعة الاجتماعية المسؤولة عن الخطاب الفاجع حول الخطر المحدق بالغرب وثقافة الخوف الجديدة من النخب، خاصة المثقفة، التي يقضي دورها الاجتماعي الجوهري ببناء الهوية الوطنية والغربية والحفاظ عليها. غير أن وضوح ساحة المعركة الجديدة هذه التي يُخيّم أبطالها بكل دَعَة، تُشوِّشهُ التعددية الثقافية للمجتمعات التي أصبحت، مُذّاك، تُموضع العدوّ «الدّخيل»، لا في التّنائي الجغرافي لـ «ما وراء ـ العالم» (Loutre ـ monde) الغابر، بل أصبحت تموضعه مادّياً وثقافيّاً داخل المجتمعات الغربية، هنا والآن. ويُستنفَر الحق والقانون، بحجة الارتياب والمراقبة والدرء، من أجل مواجهة الخطر المُحدق ليس فقط بالنظام الاجتماعي المتزعزع بسبب الكفاحات المنادية بالمساواة وعدم التمييز إزاء الأقليات حيث يُنظَر إلى تنوع هذه الأخيرة الإثني أو الديني أو الثقافي على أنه اختلاف، إنما أيضاً بالأمن القومي المهدّد في إطار التحديد المفرط لمكافحة الإرهاب بسبب الطبيعة «االحاضنة للإرهاب» لبعض الأقليات لا سيما الدينية منها التي يجسّد الإسلام الصورة الأكثر رمزية لها.

المفاهيم الدفاعية للغرب ـ العالم «الواقع في خطر»
لكن في العمق ومع الزمن، فإن الجبهة المثقفة هي التي تبني أدوات الشرعنة المعنوية والتبرير المفهومي الرامية إلى «الدفاع عن الهوية الوطنية» والتي تكشف عن أزمة الهوية. وتشمل هذه الاستراتيجيا إنتاج مفاهيم دفاعية لتعطيل أو انتزاع شرعية أي معارضة لأهم معالم البناءات الهويّتيّة مثل الأمة والذاكرة والقيم. يتمحور هذا المعتقد الجديد حول ثلاث صور رمزية تبني الإدراك السائد للغيرية هي: «الدمج ـ الاستيعاب» (intégrationـassimilation)، الجماعوية (Communautarisme) والتنافس التذكاري (Concurrence mémorielle). إن سياسة الدمج ـ الاستيعاب وهي المسيطرة في أوروبا تختزل الدمج، تبعاً لمنطق الرسالة التحضيريّة، بإقرار المهاجر أو الغريب بـ «قيم» البلد المضيف وقبوله بها. فـ «الدخيل»، المهاجر أو الأجنبيّ، القادم عامة من بلدان وقارات «خضعت سابقاً للتحضير»، هذا «الدخيل» ليس من شأنه إثراء المجتمع المضيف بقيمه الثقافية والدينية الأصلية التي تُعتبَر رجعية وغير ديمقراطية بطبيعتها. وهو بالتالي مدعو إلى العمل على أن يَقبله و «يُدمجه» المجتمعُ المضيف، وذلك عن طريق دمجٍ «بالتعرّي» حيث يتخلّص مسبقاً عند الحدود من أي تنوّع وأي فرادة وأي ميزة بما يجعله يستحق حينذاك، كما في فرنسا، أن «يدخل الجمهورية»، هذا الكيان الـ «خارق للأرض» (extraterrestre)، القائل بالمساواة إلى الأبد في جوهره والخارج عن التاريخ والمطهّر بالتالي من أي مسؤولية عن أفعال ومظاهر العنف والتمييز والأفكار المسبقة التي عاشها المهاجر أو الغريب في الماضي في بلده الأصلي. أما الجماعوية، فهي تعرَّف على أنها علامة مميزة للانغلاق الذاتي للمجموعات أو الجماعات التي تستبعد نفسها عن الأمة، غير أن طبيعتها الإيديولوجية كمفهوم دفاعي عن هوية وطنية في خطر يتولّد من سياقها السياسي والخصائص الاجتماعية الثقافية للمجموعات التي عادة ما تُقرَن بها. في الواقع، يعود انبثاقها المفهومي إلى فترة ما بعد الاستعمار الحديثة نسبيّاً، عند نهاية السبعينيات من القرن الماضي، التي برزت فيها مطالبات هويتيّة لشعوب كانت قديماً مستعمَرة، كرد على العنصرية والتمييز والتهميش الاقتصادي والاجتماعي في المجتمعات الغربية. ويرمي الاستغلال الإيديولوجي لها من قبل النخبة المثقفة والسياسية بشكل أساسي إلى منع تصوّرَين للتهديد المحدق بالحضارة الغربية. الأول، وهو التصوّر المسيطر، هو الخطر الهويّتي الذي يعبّر عن القراءة المختزلة للمطالبة بالحق وللتنوع الثقافي والديني الذي تتمتّع به هذه الشعوب. إنه إذاً يشير إلى معارضة التعددية الثقافية في المجتمعات الغربية. أما الثاني، فهو الخطر الاجتماعي الذي يشكّل، تبعاً للمنطق الدفاعي نفسه، ردّ فعل على التشكيك بالانسجام الاجتماعي لسكان يطمحون للخروج من التهميش الاقتصادي والاجتماعي ولأجل ذلك فإنهم ليسوا فقط يرفضون الانغلاق ضمن المعازل (الغيتوات) الحضرية والضواحي التي سجنهم وأخفاهم فيها النظام، إنما أيضاً يحاربون كافة أنواع التمييز في العمل وفي المسكن. مع العلم أن عملية التمييز المشار إليها هي عوائق أساسية أمام اندماجهم الجسدي في المساحات الحضرية في هذه المجتمعات. لقد تم وصم السكان الذين يُقال عنهم «نتاج الهجرة» بوصمة «الطبقات الكادحة، الطبقات الخطرة» المميِّزة لمرحلة صراع الطبقات في بداية العصر الصناعي. إن مفهوم الجماعوية ختاماً يترجم عجزَ مبتكريه ومستخدميه عن التفكير في عامل القلق الملازم لبناء العيش المشترك في المجتمعات المتعدّدة الثقافات ألا وهو الجدلية الدائمة المتعلقة بالوحدة وبالتنوع. بمعنى آخر، يتمحور تزعزع الهوية الذي يراه الغرب ـ العالم كخطر وتهديد حول جبهتين مترابطتين هما التنوع الثقافي والمساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. الجماعوية هي القراءة الحديثة لمفهوم السكان المحليين الذين كانوا يرمون إلى سجن المستعمَر، المستبعد نفسه عن الحضارة والتقدّم، في هوية على شكل معزل (غيتو) وفي مساحة خارج المناطق الحضرية يَضمن بُعدُها خفاءَهم. أما صورة التنافس التذكاري وهو مفهوم تمت تهيئته في نفس سياق الأزمة الهوياتية، فتهدف إلى نزع المصداقية من أي مطالبة تذكارية معينة ناتجة عن التنوع ومن شأنها التشكيك في المصادر وزعزعة الأساسات وتعريض الذاكرة القومية للخطر علماً أن هذه الأخيرة هي العمود الفقري لبناء الهوية القومية. وقد أُبرِز هذا التنافس بالذات في اللحظة التي كانت فيها الأقليات الإثنية والثقافية والدينية تفتح، إضافة إلى جبهة التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، جبهة إدخال ذاكرتهم الخاصة ضمن الذاكرة القومية. وحدّد المسؤولون عن هذه المطالبة، وهم المكوّن الأصغر سنّاً ضمن هذه الأقليات، انطلاقاً من تجربتهم التي عاشوها في الداخل الغربي لا في خارجه، المصدر العميق للعنصرية وأشكال التمييز المتنوعة التي كانوا يعانون منها. فالتهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يعود مصدره إلى خفائهم في الهوية الوطنية وتحديداً في آليتها التأسيسية، أي الذاكرة. الوقائع التاريخية الواجب تضمينها في الذاكرة القومية هي إذاً تلك الوقائع التي تبيّن العمليات السياسية والتاريخية الكامنة وراء وجود أهاليهم في المجتمعات الغربية أي الاسترقاق والاستعمار وهي وقائع تاريخية مهمَّشة في كتابة تاريخ أمم الغرب ـ العالم وتعليمه. أما منهجهم الشامل والهادف إلى جعل الذاكرة القومية مساحة للحوار والتشارك واللقاء بين مختلف مكوّنات المجتمع فقد تُعرَّض من قِبَل النخب المصنّعة للذاكرة والحافظة لها إلى قراءة اختزالية: تنافس تذكاريّاً يخفي في العمق خوفاً تذكاريّاً من ناحيتهم.
بعد تعريض العالم للخطر على مدى قرون، يمر الغرب ـ العالم الذي لحق به التنوع الإثني والثقافي والديني في العالم بأزمة هويتيّة عميقة، بمخاض هويّتي، مؤلم بطبيعته، تعيشه نخبه، المنغلقة على نفسها بفزع في هويات محصّنة، على أنه خطر. على هذا النحو، يتم إخفاء الخطر الحقيقي الذي يتهدّد المجتمعات المسمّاة بالغربية: الخطر على الديمقراطية والعيش المشترك، وخطر نشوء قوى سياسية تنشر الخوف من التنوع الإثني والثقافي والديني وتعمل على ابتذال العنصرية ورهاب الأجانب عبر الشرعنة الديمقراطية لبرامجها السياسية. لطالما حمل الغرب ـ العالم في جوفه تيارات سياسية تتغذى بشكل حصري من إيديولوجية هرمية الأعراق نشأت منذ القرن التاسع عشر من نظرتها لتنوع الأعراق والأجناس. وانتقلت هذه القوى السياسية إلى الفعل، كما تظهر المحرقة، عن طريق الشكل الأقصى للإخفاء والتصفية الجسدية، في كل مرة تمكّنت فيها من الوصول إلى السلطة السياسية. هذه النزعة الثقيلة، تعزّزت، ولم تنشأ، بفعل العنف السياسي لأقليات من عالم إسلامي متميّز بتنوّعه. إنّ أزمة الهوية الحالية في الغرب ـ العالم المستوهَمة من ثقافة الخوف من الغيرية والمؤدلجة في فكرة صراع الحضارات والأديان تنشئ ظروفاً مؤاتية لوصول هذه القوى بطريقة ديمقراطية إلى السلطة السياسية بنجاح انتخابي مؤكد في عدد متزايد من الدول الغربية. كان برتولت بريشت (Berthold Brecht) قد أعلن عن ذلك غداة الحرب العالمية الثانية حيث اعتبر أنّ «الرحم الذي خرج منه الوحش الأرمد ما زال خصباً». يبدو إذاً أنّ الغرب ـ العالم الذي وَلَد في نهاية مساره التاريخي وحشاً بات يهدّد بالتهامه، قد وصل إلى نهاياته الأخلاقية والحضارية وصار مرة أخرى في مواجهة قيمه العالمية. كان فرويد (Frevd) يقول كإجابة على القلق الحضاري الذي كان يساور النخب إزاء مجازر الحرب العالمية الأولى: «ليست المسألة في أننا سقطنا إلى أدنى المستويات (عبر قتل بعضنا البعض) بل أننا لم نرتقِ إلى المستوى الذي كنا نظن». هناك عالم جيوسياسي ثقافي جديد في طور الظهور لم يعد بمقدور التسمية القديمة للغرب تعريفه من الآن فصاعداً. تمرّ عملية إعادة بناء الهوية حاليّاً بمرحلة تاريخية تحمل في طياتها الانقباض والتمييز والرفض وبالتالي العنف وتعرّض للخطر قواها التحويلية (التّغيريّة) عميقة الديناميكيّة أقلياتها (الإثنية والثقافية والدينية) التي تخرج عن الخفاء والصمت عبر الكفاح لأجل التنوع. كما هو الحال دائماً، تبحث عُصبة ساقة الغرب ـ العالم عن عدو لها كي تواصل التعرّف على نفسها في مرآتها. ويمثّل المهاجر الصورة الرمزية عن هذه القوى التحويليّة في الغرب ـ العالم، هذا «الغريب الأجنبي» الذي كان محتقَراً في السابق لكن يبقى دوماً مثيراً للخوف.
-------------------------------------------
[1] باحث مقرّر الأمم المتحدة الخاص المعني بمسألة التمييز العنصري بين 2002 و 2008.
ـ العنوان الأصلي للمقال: Crise identitaire du monde occidental. نقلاً عن:
Revue internationale et stratégique.
[2] هويتية (Identitaire): نسبة إلى هويّة (Identité).
ـ نقله من الفرنسية إلى العربية: رواد الحسيني.

[3] تحضيرية: من حضَّر أي أدخل في الحضارة أو جعل (ه) متحضّراً، ترجمة كلمة (Civilisation) في صيغتها المصدريّة التفعيليّة.
[4] عبّر المؤلف بالفرنسية عن هذه الصفات بطريقة رمزية لطيفة، فسمّاها بـ: (4M): العسكري (Militaire) والمبشّر
(Le Missionnaire) والتاجر (Le Marchand) ومؤلف المذكرات (Le Mémorialiste).