تأليف :
م. م رقية حيدر طاهر القاضي
الموضوع :
دراسات نسوية، بحوث في قضايا المرأة والأسرة - المرأة بين ثقافة التمكين والتشريعات النسوية دراسة تحليلية نقدية
الإشراف العلمي :
الشيخ حسن أحمد الهادي
مدير التحرير :
محمد حسين خليق
فهرس المحتويات :
المبحث الأوّل: (تمكين المرأة: المفهوم، الخلفيّات، البرامج، الآثار والنتائج)
المطلب الأوّل: مفهوم التمكين والمصطلحات التي يتضمّنها
المطلب الثاني: مكانة المرأة بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي وأبعاد تمكينها وفقًا للرؤية الإسلاميّة
المطلب الثالث: أبعاد تمكين المرأة وفقًا للشريعة الإسلاميّة
المبحث الثاني: تأثير أدبيّات تمكين المرأة على واقع المرأة العربيّة والمسلمة
المطلب الأوّل: مصير أدبيّات تمكين المرأة الغربيّة ومقوّماتها وبرامجها المعتمدة
المطلب الثاني: مجالات أدبيّات التمكين النسويّة الغربيّة ونقدها
المطلب الثالث: أهمّ التحدّيات التي تواجهها المرأة المسلمة المعاصرة، وكيفيّة مواجهتها، ودورها في الفاعليّة
المبحث الثالث: الحركة النسويّة: (التاريخ، المفهوم، الأهداف، الوقائع، التحديات)
المطلب الأوّل: مفهوم النسوية الغربية، نشأتها، مآلاتها، آثارها
المطلب الثاني: النسوية الإسلاميّة: تعريفها، نشأتها، أهدافها، مبادئها
المطلب الثالث: الشبهات التي أثارتها النسوية ونقد النسوية ومبادئها.
المطلب الرابع: نقد مفهوم النزعة النسوية الغربية ومبادئها، نقد النسوية الإسلاميّة
المبحث الرابع: المرأة المعاصرة في المنظومة الإسلاميّة: بين التأصيل الشرعي والوعي المؤسّساتيّ
المطلب الأوّل: دور المؤسّسات في تنمية وعي المرأة بقضاياها وبيان حقوقها التي كفلتها الشريعة الإسلاميّة
المطلب الثاني: مكانة المرأة في الوصايا النبويّة، سيرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام) مِثالًا
المطلب الثالث: المثال الأعلى والقدوة العظمى من النساء في حياة المرأة المعاصرة
مقدّمة المركز
الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيِّدنا محمّد وآله الطاهرين، وبعد...
لقد بات من الواضح والجليّ من خلال دراسة مجموعة الوثائق والتشريعات الغربيّة في قضايا المرأة والأسرة وتحليلها وجود منظومة من الأهداف الاستراتيجيّة في الغرب تهدف إلى إحداث تعديلات بنيويّة في المكانة والوظائف والأدوار، وتاليًا إعادة ترتيب لموقعها في الانتظام الاجتماعي والتوسّع في التأثير على معتقداتها ومنظومتها القيميّة، ويبدو ذلك جليًّا في مجال الروابط الأسريّة، حيث يزداد الميل إلى إضعاف مكانة الأبوّة والأمومة في الأسرة والمجتمع. حيث يجري تقديم الأبوّة والأمومة والأخوّة ووظائفها بوصفها مجرّد موروثات ثقافيّة اجتماعيّة، حتى إذا تغيّرت هذه الثقافة فقدت الموروثات مكانتها ووظائفها؛ ولهذا فقد عملوا بمختلف الوسائل والأساليب من التشريعات الحقوقيّة الدوليّة، إلى مناهج التعليم، وتسخير وسائل الإعلام، والإنتاج الهوليودي الضخم، ومنظّمات المجتمع المدني، وإجبار دول ترفض منظومتهم بالابتزاز حينًا والترغيب حينًا آخر...، كل ذلك لتحقيق هدف تغيير هويّة المرأة والأسرة.
ولهذه الغاية، فقد حدّدت منظّمة العمل الدولية «مفهوم تمكين المرأة بالعمليّة التي تكتسب النساء من خلالها وعيًا بشأن علاقات السلطة غير المتكافئة القائمة على أساس النوع الاجتماعي، ويحظى بصوت أعلى يخوّلها مواجهة عدم المساواة السائدة في المنزل ومكان العمل والمجتمع المحلي. ويهدف التمكين إلى حثّ النساء على التحكّم بحياتهنّ من خلال: وضع برامج عمل خاصة بهنّ، واكتساب المهارات، ومعالجة المشاكل، وتطوير قدرتهم على الاعتماد على أنفسهنّ. يقضي منظور تمكين المرأة ضمن سياق منظّمة العمل الدوليّة بتعزيز موقع النساء المتساوي في عالم العمل وتعزيز هذه الغاية على أكثر من صعيد من خلال:
- تعزيز بناء قدرات النساء لتمكينهم من المشاركة على قدم المساواة في مختلف النشاطات المجتمعيّة وفي صنع القرارات على المستويات كافة.
- تعزيز النفاذ المتكافئ إلى الموارد وفوائد النشاطات الإنتاجيّة والإنجابيّة والمجتمعيّة والتحكّم بها عبر اتّخاذ إجراءات إيجابيّة لصالح النساء.
- تعزيز وتدعيم قدرة المنظّمات النسائيّة/ الإنمائيّة على العمل في سبيل تمكين المرأة وتحقيق المساواة بين الجنسين.
- تعزيز التغييرات في الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة السائدة في المجتمع والتي غالبًا ما تخضع النساء فيها لسلطة الرجال، مثل القوانين وأنظمة التعليم والمشاركة السياسية، والعنف ضدّ النساء وحقوق الإنسان الخاصّة بالنساء.
- توعية الرجال بشأن أهميّة المساواة بين الجنسين"[1].
وبناءً عليه، تستهدف قضيّة تمكين المرأة تفكيك الهياكل المجتمعيّة التي تعيق المساواة، وتوسيع خيارات المرأة، وضمان وصولها العادل إلى الموارد والفرص من خلال التمكين الاقتصادي؛ بمعنى تحقيق الاستقلال المالي عبر تكافؤ الفرص في الأجور، وزيادة تمثيل النساء في الوظائف القياديّة وسوق العمل. والتمكين السياسي؛ بمعنى ضمان حقّ التمثيل المتساوي في البرلمانات، ومراكز صنع القرار، والمناصب الحكوميّة. والتمكين الاجتماعي؛ بمعنى تعزيز الثقة بالنفس، ومحاربة الصور النمطيّة، والتحرّر من الأعراف التقليديّة التي تحدّ من دور المرأة. والتمكين القانوني والحقوقي؛ بمعنى ترسيخ حقوقهنّ في القرارات الشخصيّة، بما في ذلك حقوق الأسرة والخيارات الإنجابيّة.
وبغضّ النظر عن صوابيّة بعض هذه الأطروحات على المستوى النظري، وخطأ بعضها وعدم صوابيّتها، فإنّ توهين النظام الأبوي، وتبخيس دور المرأة الأموميّ، وتعظيم حريّة الفتيات، لن يؤدّي سوى إلى تفكيك المنظومة الأسريّة، كما حصل في النموذج الأسريّ الغربي، حتى لو ظنّ بعض الباحثين أنّ التعلّق بمثل هذه الدّعوات هو دفاع عن المرأة من خلال «التّمكين»، و«تقدير الذات»، فقد أدّى إلى تفكّك المنظومة الأسريّة الغربيّة بعدما فقدت هذه المجتمعات مرجعيّتها الدينيّة والأخلاقيّة، وباتت محكومة بمرجعيّة السوق ورأس المال. وليس علينا لأيّ سبب من الأسباب أن نقبل، أو أن ننخدع، بأن نُؤخذ إلى ثقافة فقدت مرجعيّتها الدينيّة والأخلاقيّة بشعارات «الحريّة والمساواة والتّمكين والتمدّن والحداثة»...، وإن ما جرى على الأسرة والمرأة في معظم دول العالم من تحوّلات كبيرة تغيّر معها وجه المجتمعات الإنسانيّة عمومًا، من الألفة والتماسك إلى التفكّك والانحدار، حيث بات معيار الحريّة إنجاب طفل خارج رحم الأسرة الشرعيّة، وبات من الحريّة زواج المثليين (الشذوذ). وبدأنا نشهد تعميم إلغاء شيفرة الأنوثة والذكورة عند الأطفال، بمحو الميول الفطريّة في تحديد الجنس، والتي تعمل عليها بعض الدّول الأوروبيّة حاليًا حتى في رياض الأطفال المدرسيّة. وفي سبيل هذا التغيير اصطنع منظّرو الحضارة الغربيّة نظريات غريبة عن الطبيعة الإنسانيّة، من قبيل «النّسويّة» و«الجندريّة»، فما يحدث في العالم، حاليًا، هو مسار طويل لتغيير هويّة المرأة والأسرة على حدّ سواء.
تقتضي المسؤوليّة أمام هذا الواقع إجراء قراءة موضوعيّة لواقع المرأة والأسرة، بغية استكشاف مستوى الأداء لأدوارها، بوصفها مرتكزًا أساسيًّا في بناء المجتمعات وبلوغ غايات ساميَة تتطلّع إليها الإنسانيّة. ويزداد هذا المطلب أهمّية، في ظلّ ما يشهده العالم من تحوّلات كبرى تتّسع دائرة انعكاساتها جاعلة من الحياة الإنسانيّة أكثر تعقيدًا، وهذا ما يفتح النقاش في سُبل حماية الهويّة، وتعزيز التماسك، وتقوية المنعة، ومواجهة كل تلك السلوكيات التي تتناقض ومرتكزاتنا البنيويّة في النظام الأسري.
هذا الكتاب «المرأة بين ثقافة التمكين والتشريعات النسويّة» هو الجزء السادس من سلسلة «دراسات نسويّة» التي يشارك فيها نخبة من العلماء والباحثين والمتخصّصين، في قضايا تخصّ المرأة والأسرة وكل ما يرتبط بهما، تسعى لتؤسّس منظومة بحثيّة تخصّصية تغطّي مختلف الجوانب والقضايا المرتبطة بالمرأة والأسرة، بلا فرق بين البحوث التأصيليّة الإسلاميّة، وبين البحوث التي تقدّم نقدًا لكل ما طرحه الغرب والمستغربون في قضايا المرأة والأسرة. وهي لهذه الغاية توجّه دعوة مفتوحة للباحثين والباحثات للمشاركة في هذا المشروع.
نشكر الباحثة في كلية العلوم السياسيّة في جامعة الكوفة م. م رقية حيدر طاهر القاضي على إنجاز هذه الدراسة التحليليّة النقديّة في قضايا المرأة.
مقدمة المؤلِّف
شهدت العقود الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الاهتمام بقضايا المرأة، حتى غدت في طليعة القضايا الأكثر حضورًا وتداولًا على الصعيد الدولي، إلّا أنّ اللافت في هذا السياق هو أن أدبيّات «تمكين المرأة» -وبدلًا من أن تفتح آفاقًا للحوار البنّاء لتجاوز العوائق التي حالت دون فاعليّتها في تنمية المجتمعات- أصبحت مصدرًا لإشكالات معقّدة؛ فمن جانب، أفرزت مضامين هذا التمكين تباينات فكرية وجدليّة عميقة، ومن جانب آخر، تزايدت الهواجس المشروعة حول استغلال هذه العناوين كأدوات لعولمة القيم والأنماط الغربية وفرضها كنموذج أحاديّ.
إن البحث في أدوار المرأة ليس ترفًا فكريًّا مستحدَثًا، بل هو امتداد لسجال معرفيّ متّصل، لكونها ركيزة جوهريّة في النسيج المجتمعيّ؛ لذا فإن إعادة قراءة قضيّة المرأة في الواقع الراهن تهدف إلى تجلية مكانتها في الخطاب الإسلامي المعاصر، بوصفها من أبرز القضايا التي استقطبت اهتمام روّاد الفكر؛ بدءًا من جدليّة «الحجاب والسفور»، وصولًا إلى طروحات «الجندر» وما صاحبها من تحوّلات قيميّة. وتسعى هذه الدراسة إلى البرهنة على أن الرؤية الإسلاميّة للمرأة تنبثق أساسًا من مبدأ «الكرامة الإنسانيّة» وصونها.
فجميع الخصائص الإنسانيّة مشتركة بين المرأة والرجل، فالإنسان قبل أن يتّصف بالأنوثة والذكورة فإنه متّصف بكونه إنسانًا، وفي الإنسانيّة الجميع سواسية، كما جعل الله سبحانه خصائص جسمانيّة في كلٍّ من الجنسين يكون لها دور في استمرار الخلقة وفي تكامل الإنسان ورقيّه وفي حركة التاريخ، كذلك استطعنا الوقوف على مكانة المرأة وفق ما روّجت له الحركات النسويّة الغربيّة والشبهات التي أرادوا بثّها حول المرأة ومفهوم الحجاب وقضايا المرأة المعاصرة، وبعد ذلك تعرّفنا على مكانة المرأة في الإسلام الدين الحنيف الذي ارتقى بالمرأة إلى إنسانيّتها وحقّق كرامتها بما يتناسب وحقيقتها الخلقية والنظرة الإلهيّة لها، والتي تجسّدت في المنظور القرآني من حيث بنيتها الفسلجيّة، وتركيبتها السيكولوجية، وعطاؤها المهني والعقلي والفنّي، ودورها الرياديّ في بناء المجتمع الصالح، كما تطرّقنا في بحثنا لأحد أهم المصطلحات تداولًا وشيوعًا في أدبيّات التمكين وفي قضايا المرأة المعاصرة عمومًا، وهو مصطلح «حرية المرأة» وحقوقها في كل المجالات والجزئيات، إذ لم يكن ذلك المصطلح بعيدًا عن مباحث القرآن الكريم وخطاباته، كما إنّ ديننا الإسلامي نادى بحرية المرأة ورفع من شأنها، ورسمها وحدّدها وحدّد أحكامها بما يمكّنها أن تأخذ دورها كاملًا في البناء الاجتماعي.
يُشيرُ مفهوم «تمكين المرأة» في الرُّؤية الغربيَّة إلى توفير كافّة الموارد والمعارف والمهارات والخبرات الَّتي تُمَكِّنُ النِّساء من المشاركة في تحمّل المسؤوليَّة، ومساعدتهن على التَّطوَّرِ وزرع الثِّقة بالنَّفس والتَّخلُّصِ مِنْ مُعَوَّقَات الإنجاز، ولا بدّ من تعزيز مجالات مشاركة المرأة الفعَّالة في المسؤوليَّات من خلال تدريبها وتوفير للخبرات الفنيَّة والمِهَنيَّة لها، والضَّمانات القانونيَّة الَّتي تُمَكِّنُها من الانخراط والمشاركة الفاعلة في مختلف المجالات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، كما إنَّ مفهوم تمكين المرأة في المنظور الغربيّ ذو طابع مَطّاطٍ وعام، لا يكشف عن أسسه ومنطلَقاته العميقة في الفِكر النّسويّ الغربيّ التي تستهدف المرأة في كافّة جوانب حياتها وهُويَّتها الشَّخصيَّة: الجسديَّة والفِكريَّة والدينيّة والثقافيَّة، ويرتبطُ مفهوم تمكين المرأة الغربيّ بنظريَّة الجندر وفلسفة الحياة الغربيَّة الَّتي تلغي الفوارق النَّوعيَّة، وتُصرُّ على ضمان الحُرّيَّة الجنسيَّة، وتحريرها مِنْ كُلِّ أشكال المسُّلطة الُسَريَّة، وكافَة المعايير الشّرعيَّة والقيَميَّة والأخلاقيَّة السَّائدة، بل وتوجيه القوانين الدَّوليَّة والوطنية إلى ضمان ذلك.
إنَّ الاتجاه المُتَقَبَّل للرُّؤْيَةِ الغربيَّة لتمكين المرأة -وهو الاتجاه الرَّسميّ- ما زال مُنقادًا للغرب، ولا يتبنَّى أيَّ توجّهات ناقدة أو مناهضة، نظرًا لرضوخه لضغوط المُنَظَّمات الدَّوليَّة، والعمل في إطار الفلسفة الأيديولوجيَّة والقانونيَّة الّتي يتبنّاها الغرب ويسعى إلى فرضها على جميع الدُّول والمُجتمعات.
استنادًا إلى كل ما تقدم، فإنّ وجود وحضور الإنموذج الإسلاميِّ لتمكين المرأة -الذي يستندُ إلى المنظور القرآنيّ الشَّامل والمتكامل- بشكل فاعل ومؤثّر ما زالَ الأقلُّ حضورًا وتأثيرًا، إلَّا أنَّه أثبت وجوده وقدرته على التَّقَدُمِ والارتقاء، وعلى أنْ يكونَ مُؤَهّلًا للقيام بدورٍ فاعلٍ في قيادة حركة التّغيير وتوجيهها نحو بناء مُجتَمَعِ إسلاميِّ مُتَمَكِّنّ من تعزيز قدرات أفرادهِ وإمكاناتِهم، سواء أكانوا من الرِّجال والنساء، دون تمييز أو تهميش أو إقصاء.
وقد تمثّلت مشكلة هذه الدراسة في بيان مكامن الخلل في المفاهيم التي قدّمتها الاتجاهات التي تدعو إلى تمكين المرأة والحركات النسويّة في حقوق المرأة وتشريعاتها وحرّيتها وقضاياها المعاصرة في شتىّ التوجّهات، والسعي إلى طرح حلول ناجعة لتجاوز المعضلات الأخلاقية التي باتت عقبةً جادّةً أمام الفكر النسوي الذي تحوّل بالتدريج إلى ظاهرة عالميّة تهدّد كيان الأخلاق الحميدة والسلوكيات المثلى للمرأة، فالغرب قد خلص إلى تصوّر خاصّ لهذه القضيّة؛ لذلك ومن هذا المنطلق ارتأيت أن أقدّم دراسة في هذا الموضوع، وفي هذا الكتاب نتناول جزءًا أو حلقة من هذا الواقع الإشكاليّ من النواحي الفكريَّة والثقافيَّة والحقوقيَّة، حيث يتناول بالعرض والتحليل كيف تعامل الآخرون من الغربيِّين والمستغربين مع الواجبات والحقوق الرئيسة الخاصَّة بالمرأة -والتي ترتبط بخصوصيّاتها كأنثى- كذلك كثرة الطعون والشبهات المثارة حول تلك الحقوق والرغبة في بيان رأي الشريعة الإسلاميّة من تلك الشبهات، ومن ثم الرَّد على هذه الدعاوى الباطلة ونقدها.
كما تتمحور مباحث هذه الدراسة للإجابة على الإشكالية الآتية: هل تمكين المرأة وما دعت إليه الحركات النسويّة من مبادئ وغايات يهدف إلى استنهاضها فعلًا وأخذها الدور الطبيعي في حركة الاجتماع البشري، أم أنّه يمتدّ نحو مسائل تتعلّق بالهويّة؟
والهدف من هذه الدراسة: هو قياس ما قدّمته أدبيّات تمكين المرأة والحركة النسويّة في موضوعاتهم التي تخصّ قضايا المرأة المعاصرة وتمكينها في المجتمع، ومدى ملائمة أدواتهم البحثية في تعاملهم مع القضايا التي اختصّت بتشريعات تخصّ المرأة كالزواج والأمومة والحجاب والإرث... وغيرها، وتقويم مدى فاعليّة حصيلة جهودهم في خدمة قضايا المرأة ومشاكلها المعاصرة، كما نشير من خلال البحث إلى النقد الذي يُطرح بخصوص تمكين المرأة وتحرّرها وتداعياته على المجتمع والمرأة بذاتها، فالرؤية النسويّة تجاه فلسفة تحرّر المرأة وتمكينها قائمة ومستندة على مبادئ وأفكار غربية تتعارض بشكلٍ صريحٍ مع فلسفة حقوق المرأة وفق المفهوم الإسلامي.
وقد استخدمت في هذا الكتاب المنهج (الوصفي- التحليلي- النقدي)؛ وذلك لملاءمته لطبيعة البحث وأهدافه، واعتمد البحث على العرض والتحليل، وقد حاولت تسليط الضوء على المناقشات النقديَّة المباشرة والإشكاليات والشبهات التي أثارتها النسويّة وتوضيح عثرات تلك المبادئ التي روّجت ودعت لها النسويّة والكشف عن تناقضاتها الداخليّة وتهافتها وعدم تماسكها، وحتى لا يخرج البحث عن هدفه المحدّد كان هدفه هو التصدّي والردّ والنقد على كل ما أُثير حول الأفكار التي دعت وروّجت لها النسويّة حول حقوق المرأة وقضاياها في أبعادها المختلفة، وإن منهج النقد المتّبع في البحث هو النقد المزجيّ، حيث كان النقد متضمّنًا داخل فقرات البحث، كما كان من ضمن النقد ومن متممّاته بيان الموقف الديني (من النصوص الدينيّة والتراث الإسلامي) حول الشبهات والإشكالات التي وجّهنا عليها بوصلة بحثنا.
وقد اشتملت هذه الدراسة على ثلاثة مباحث:
المبحث الأوّل: كان بعنوان: (تمكين المرأة: المفهوم، الخلفيّات والآثار والبرامج)
في ضوء قراءة أدبيّات تمكين المرأة التي باتت في صلب القرارات الأمميّة ذات الصلة، وتحوّلت إلى مجال حيويّ من مجالات الأمم المتحدة، فإنّ المتابع لأدبيات التمكين يلحظ حجم التشديد على مصطلح «تأنيث الفقر»، والذي ظهر منذ سبعينات القرن العشرين والمناداة بضرورة استقلال المرأة مادّيًّا واجتماعيًّا وتمكينها، باعتبار أنّ معدّلات الفقر عند النساء هي أعلى منها عند الرجال، وسرعان ما يستدلّون بتفسير لهذا المعطى بأن أولى مظالم النساء أنهنّ يقمن بأدوار (الأمومة ورعاية الأسرة). وقد عالجت هذه القضيّة في ثلاثة مطالب:
المطلب الأوّل والذي عالج عدة موضوعات، وهي: (المعنى المفاهيمي لتمكين المرأة، الخلفيّات، والآثار الاجتماعية والثقافية التي خلّفها وأنتجها في المجتمع والبرامج التي أعدّوها لترسيخ تلك الأدبيّات في المجتمع)، ولأجل جذب أكبر عدد من النساء واستقطابه، كذلك سنضمن هذه الجزئية من البحث بنوع من المقارنة بين آثار الالتزام بمبادئ ديننا الحنيف على المجتمع الإسلاميّ، وبين آثار شعارات أدبيّات تمكين المرأة على المجتمع الغربيّ من أجل تعزيز جانب التّأصيل الفكريّ؛ لأنّ أغلب هذه الشّبهات ترجع إلى محور أساسيّ -وهو عدم فهم المنظومة التّشريعيّة والحقوقيّة للإسلام فهمًا صحيحًا- ولذا سوف نذكر مجموعة من النّقاط التي يمكن أن تكون مُعيْنة على فهم المنظومة التّشريعيّة والحقوقيّة لأحكام الدّين الإسلاميّ، إذ إنّ من أساليب المواجهة النّافعة في عرض الشبهات والردّ عليها هو أسلوب التّأصيل الفكريّ، وذلك من خلال عرض الإسلام بصورته الشّاملة النّاصعة، وبيان حكمة تشريع الأحكام فيه، وآثاره الإيجابيّة على المجتمع.
والمطلب الثاني من البحث كان بعنوان: «مكانة المرأة بين الفكر الغربي والفكر الإسلامي وأبعاد تمكينها وفقًا للرؤية الإسلاميّة»؛ إذ يقوم هذا المطلب على مقارنة فلسفية بين مدرستين في النظر إلى كيان المرأة، حيث انطلق الفكر الغربي من الصراع التاريخي للمطالبة بالمساواة المطلقة (المماثلة)، حيث يُنظر إلى المرأة كفرد مستقلّ عن الإطار الأسري أحيانًا، ويركّز على التمكين من منظور مادّي وحقوقيّ بحت.
حينما ينظر الفكر الإسلامي إلى المرأة من منظور «التكامل» لا الصراع، فإنّه ينظر إليها بوصفها مكلّفة ومكرّمة بذاتها. التمكين هنا ينبع من التكريم الإلهي: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وهو تمكين يحفظ خصوصيّة الفطرة وتوازن الأسرة، وإن أبعاد التمكين في الرؤية الإسلاميّة ترتكز على البعد العقدي من حيث المساواة في أصل الخلقة والاستحقاق الأخروي، والبعد الإنساني من حيث كون المرأة شقيقة الرجل في الأحكام والكرامة الإنسانيّة.
ويتضح التباين بين الفكرين في فلسفة «المنطلق» و«الغاية» من حيث إن الفكر الغربي ينطلق من مبدأ «المساواة التماثلية»؛ حيث سعى لتحرير المرأة من سلطة المجتمع الأبوي التقليدي، مركّزًا على الفردانيّة والحقوق المدنيّة والسياسيّة كأدوات أساسيّة للتحرّر من أيّ قيود اجتماعيّة، أمّا الفكر الإسلامي، فينطلق من مبدأ «المساواة التكامليّة»؛ فالمرأة والرجل كلاهما مُخاطب بالتكليف الإلهي. المكانة في الإسلام نابعة من «الكرامة الفطريّة»، حيث يُنظر إلى التمكين كوسيلة لتحقيق الاستخلاف في الأرض، مع مراعاة التوازن بين الحقوق الفردية والتماسك الأسري.
والمطلب الثالث كان بعنوان: أبعاد تمكين المرأة وفقًا للشريعة الإسلاميّة، حيث ترتكز الشريعة الإسلاميّة في قضيّة تمكين المرأة على أسس ثابتة تضمن لها القوّة والفاعليّة دون صدام مع فطرتها، تتجاوز الشريعة الإسلاميّة المفهوم الضيّق للتمكين لتجعله حقًّا شرعيًّا وواجبًا اجتماعيًّا عبر عدّة أبعاد:
- البعد العلمي (المعرفي): إلزامية التعليم كحقّ أصيل لا يُنازَع، والمشاركة في بناء الوعي الجمعي، إقرار وجوب طلب العلم للمرأة (طلب العلم فريضة)، ما يمكّنها عقليًّا وفكريًّا.
- البعد الاقتصاديّ والماليّ: الاستقلال التامّ في الذمّة الماليّة (حقّ البيع، الشراء، الهبة، والوقف) وإعفاء المرأة من أعباء الإنفاق الواجبة على الرجل، ممّا يجعل مالها وسيلة لتقويتها لا لاستنزافها، ومنحها ذمّة مالية مستقلّة تمامًا، وحقّ التملّك، والتصرّف، والإرث، وهو ما يسبق القوانين الوضعية بقرون.
- البعد الاجتماعي والأسريّ: تمكينها داخل مؤسّسة الزواج عبر اشتراط الرضى، وضمان حقوق الحضانة والنفقة، كذلك حماية كرامتها من أيّ شكل من أشكال العنف أو الامتهان (الولاية رعاية لا تسلّط).
- البعد القانوني والسياسي: المساواة أمام القضاء، وحماية حقوقها من خلال التشريعات (المهر، النفقة... وغيرها) وأهليّتها الكاملة في الشهادة (في مواضعها)، والحماية القانونية التي تضمن أمنها المادي والمعنوي.
وكانت الخلاصة: أنّ تمكين المرأة في التصوّر الإسلامي ليس تنازلًا من المجتمع لصالحها، بل هو استرداد لأصل شرعيّ يعيد بناء المجتمع على أسس من العدل والتكافؤ، أي أن التمكين في المنظور الإسلامي هو «تمكين استخلاف»، يهدف إلى بناء إنسانة قوية، واعية، ومساهمة في عمارة الأرض، ضمن منظومة قيمية تحفظ تماسك المجتمع.
المبحث الثاني: كان بعنوان: (تأثيرات أدبيّات التمكين الغربية على المرأة المسلمة)
إذ يُشير هذا العنوان إلى دراسة نقديّة وفلسفيّة للمفاهيم الوافدة تحت مسمّى «التمكين» (Empowerment)، ورصد كيفية تغلغل هذه الأدبيات في البناء الاجتماعي والقيمي للمجتمعات الإسلاميّة، ويهدف المبحث إلى تفكيك المصطلحات الغربية ومقارنتها بالمرجعية الإسلاميّة، لبيان أوجه الصراع أو التوافق، وقياس أثر ذلك على هوية المرأة المسلمة ودورها الوظيفي في الأسرة والمجتمع، وذلك استنادًا إلى معطيات يكثر تداولها عن جذب ناعم للمرأة في المجتمعات الإسلاميّة نحو الأفكار والقيم الغربيّة الوافدة كمدخليّة لتمكينها، وبالتالي خلاصها من الموروثات التي أسهمت في مظلوميّتها -بحسب ادّعائهم- وإن تعارضت هذه الأفكار مع الدين والقيم، فضلًا عن أنّ صوابيّة أيٍّ من المقاربات المطروحة لمسألة تمكين المرأة، ترتبط برصد دقيق لمؤشّرات موضوعية تعكس واقع المرأة لجهة ما تُحدِثه طروحات تمكينها من تأثيرات، وبالتحديد، تلك التي ترسم خطًا فاصلًا بين طروحات تسهم في نهضة المرأة وتخلّصها من معوقات تطوّرها وتقدّمها، وبين طروحات باتت تُحدِث بمفاعيلها تهديدات لهويّتها بشكل خاص، وللمجتمع عامة. وقد تمّت معالجة هذه القضايا في مطالب ثلاث:
المطلب الأوّل: مسيرة أدبيات تمكين المرأة ومقوّماتها ومصادرها المعتمدة: حيث يركّز هذا المطلب على تتبّع الجينالوجيا (الأصول) الفكرية لمصطلح التمكين، وكيف تحوّل من «مفهوم تنمويّ» إلى «أيديولوجيا عالمية»:
- المسيرة والتطوّر: رصد الانتقالة من حركة «حقوق المرأة» التقليديّة إلى مفهوم «التمكين» الذي ظهر في أدبيّات الأمم المتّحدة (مؤتمر نيروبي 1985م)، وتتبّع تطوّر المصطلح من الحركات النسويّة الراديكالية والمؤتمرات الدولية (مثل مؤتمر بكين 1995م)، وكيف أصبحت هذه الأدبيات عابرة للقارات عبر القوى الناعمة والمنظّمات الدولية.
- المقوّمات الهيكليّة: تحليل الركائز التي يقوم عليها التمكين، وأهمها «الفردانية» (Individualism) التي تجعل الفرد وحدة مستقلّة تمامًا عن المحيط الأسري، ومبدأ «الندّية الكاملة» التي لا تراعي الخصائص الفطرية.
- المصادر المعتمَدة: استعراض المرجعيّات التي تستقي منها هذه الأدبيات شرعيّتها، يتناول هذا القسم الجذور التاريخية والسياقات المعرفيّة التي وُلدت فيها فكرة التمكين، ومصادرهم المعتمدة في ذلك هي التركيز على المواثيق الدولية، ونظريات النوع الاجتماعي (الجندر): «التي تنفي الفوارق البيولوجية وتعتبرها مجرد صياغات اجتماعية»، وبعض الاتفاقيات الدولية مثل «سيداو» (CEDAW) وإعلان حقوق الإنسان.
- المقوّمات الفكرية: استعراض المرتكزات التي تقوم عليها هذه الأدبيات، مثل «الفردانيّة المطلقة»، و«الاستقلال المادّي التام»، و«المساواة التماثليّة» التي تلغي الفوارق البيولوجية والوظيفيّة، والفلسفات المادّيّة التي تعتبر المادة والإنتاج المعيار الوحيد لقيمة الإنسان.
- المسيرة والتحوّل: كيف تحوّل التمكين من مفهوم «إتاحة الفرص» إلى أداة لفرض نمط ثقافي عولمي موحّد.
أمّا المطلب الثاني فكان بعنوان: «مجالات أدبيات التمكين النسويّة الغربية ونقدها وفقًا للمنظور القرآني»: يُجري هذا المطلب مقاربة نقدية عميقة تفصل بين التمكين كحقّ إنساني والتمكين كأيديولوجيا، كما يقدم هذا المطلب مقاربة نقديّة تفكيكيّة للمجالات التي ركّزت عليها النسويّة الغربيّة، مع عرض البديل المعرفي القرآني:
- المجالات المستهدَفة: التمكين السياسي (المحاصصة)، والتمكين الاقتصادي (الاستقلال عن الأسرة)، والتمكين الجسدي (الحرية المنفلتة والعلاقات المحرّمة والإنجابيّة).
- النقد القرآني للأسس: بيان الفرق بين «المساواة» الميكانيكيّة الغربيّة وبين «العدل» المتوازن في القرآن الكريم.
- المرجعيّة القيميّة: نقد المفهوم الغربي الذي يجعل المرأة في صراع مع الرجل، مقابل الرؤية القرآنيّة التي تؤصّل لـ«الولاية المتبادَلة» (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
- نقد الغايات: توضيح أنّ التمكين في الإسلام غايته «الاستخلاف وإعمار الأرض» وفق الضوابط الشرعيّة، وليس التحلّل من الروابط الأسريّة.
- المجال السياسي والتشريعي: نقد السعي للمساواة الحسابيّة في الوظائف والولايات، مقابل الرؤية القرآنية التي تؤسّس لمبدأ «الأهليّة والكفاءة» مع حفظ المودّة والسكينة.
- المجال الاقتصادي والاجتماعي: تحليل فلسفة «الاستقلال المالي المطلق» كأداة للتمرّد على مفهوم القوامة، ونقد ذلك من منظور القرآن الكريم الذي قرّر للمرأة ذمّةً ماليّة مستقلّة (لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ) مع إبقاء واجب النفقة على الرجل كحماية اجتماعيّة لها، لا بوصفها قيدًا عليها.
- المجال الثقافي والجسدي: نقد مفهوم «ملكية الجسد» في الفكر الغربي، ومقابلته بمبدأ «الأمانة والاستخلاف» في القرآن الكريم، حيث الجسد والنفس ملك لله تعالى وحده، وتصرف الإنسان فيهما محكوم بضوابط الحلال والحرام لصيانة العرض والنسل.
- جوهر النقد القرآني: هو التركيز على أن التمكين الغربي «صراعي» (المرأة ضد الرجل)، بينما التمكين القرآني «تكاملي» (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).
المطلب الثالث: أهمّ التحدّيات التي تواجه المرأة المسلمة المعاصرة وكيفيّة مواجهتها ودورها في الفاعليّة: يركّز هذا المطلب على الجانب التطبيقي والحلول الاستراتيجيّة؛ إذ ينتقل هذا المطلب من التنظير إلى الواقع، لاستشراف سبل النهوض بالمرأة المسلمة في ظلّ الهجمات الفكرية. وذلك من خلال دراسة الآتي:
التحدّيات المعاصرة
- تحدّي «التغريب»: الضغوط الثقافيّة التي تحاول جعل النموذج الغربي هو المعيار الوحيد للتحضّر، أي ضغط النموذج الغربي ومحاولة التأثير على الهوية الإسلاميّة.
- تحدّي «الجمود»: الممارسات التقليديّة الخاطئة التي تُنسب للدين وهي منه براء، ممّا يُنفّر المرأة من هويّتها، كذلك ضعف الوعي بالحقوق التي كفلها الإسلام، ممّا يجعلها فريسة للأفكار المتطرّفة أو الوافدة.
- تحدّي «الازدواجية»: الصراع بين الواجبات الفطرية (الأمومة والأسرة) ومتطلّبات الحياة المادّيّة الحديثة، صعوبة التوفيق بين دور الأمومة وبين المساهمة في الشأن العام.
آليّات المواجهة
- الوعي المرجعي: أي التأصيل المعرفي من خلال بناء وعي شرعي يفرّق بين العادات والتقاليد الراكدة وبين الأحكام الإسلاميّة الثابتة. ضرورة العودة إلى المنابع الصافية لفهم حقوق المرأة بعيدًا عن التأويلات المتشدّدة أو التمييعيّة.
- تفعيل «الاجتهاد النسائي»: حضور المرأة في ساحات العلوم الشرعيّة والدينيّة والفكريّة لتقديم إجابات على تساؤلات عصرها، أي تفعيل دور المرأة في الاجتهاد الفقهي والقانوني بما يخدم قضاياها المعاصرة.
- دور المرأة في الفاعليّة الحضاريّة: استعادة دور المرأة كعنصر بناء في «المجتمع الحضاري» من خلال التوفيق بين التميز العلمي والمهني وبين الحفاظ على حصانة الأسرة كنواة للمجتمع، والتأكيد على أن دور المرأة لا ينحصر في كونها مجرّد «مستهلك» للأدبيات، بل هي صانعة للقيم، ومربّية للأجيال، وشريكة في التنمية الاقتصاديّة والفكريّة بما يحقّق مفهوم «عمارة الأرض».
وكانت خلاصة المبحث: إن تمكين المرأة المسلمة لا يتحقّق بالاستنساخ الحرفي للتجارب الغربيّة، بل باستعادة ثقتها بمرجعيّتها القرآنيّة التي تمنحها كرامتها كإنسان، وفاعليّتها كشريك في النهضة.
أمّا المبحث الثالث: فكان بعنوان: (الحركة النسويّة: التاريخ، المفهوم الأهداف، الوقائع، التحدّيات)، حيث تعدّ «الحركة النسويّة» واحدة من أكثر الحركات الفكرية والاجتماعيّة إثارة للجدل والتحوّل في التاريخ الحديث، حيث تجاوزت كونها مجرّد مطالبة بحقوق المرأة لتصبح نسقًا فلسفيًّا يعيد قراءة الهياكل السلطويّة والاجتماعيّة. وذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأوّل: النسويّة الغربيّة (النشأة، المآلات، الآثار)
- النشأة الفلسفيّة: وُلدت النسويّة الغربيّة من رحم «عصر الأنوار» والحركات الليبراليّة، حيث استلهمت مبادئها من فكرة «الحقوق الطبيعيّة». بدأت كمطالبة قانونيّة (الموجة الأولى) لنيل حقّ التصويت والتعليم، ثم تحوّلت مع سيمون دي بوفوار إلى نقد وجودي وفلسفي (الموجة الثانية) يفرّق بين «الجنس البيولوجي» و«النوع الاجتماعي».
- المآلات: انتهت النسويّة الغربية في نسختها المعاصرة (الموجة الثالثة وما بعدها) إلى «النسويّة الراديكاليّة» و«السيولة الجندريّة». انتقلت من المطالبة بـ«المساواة مع الرجل» إلى «نفي الفوارق الطبيعيّة»، وأصبحت تركّز على تفكيك مفاهيم الأسرة والبيولوجيا، وتبنّي أطروحات «التقاطعيّة» التي تدمج حقوق المرأة بصراعات سياسيّة وعرقيّة وجنسيّة معقّدة.
- الآثار: أحدثت تحوّلًا جذريًّا في القوانين الدوليّة (مثل اتفاقية سيداو)، وغيّرت بنية سوق العمل والتعليم في الغرب، إلّا أنّها خلّفت آثارًا اجتماعيّة مثيرة للجدل، مثل تآكل مفهوم الأسرة التقليديّة، وانخفاض معدّلات الإنجاب، وظهور حالة من الصراع الصِفري بين الجنسين.
المطلب الثاني: النسويّة الإسلاميّة (التعريف، النشأة، الأهداف، المبادئ)
- التعريف: هي تيّار فكري يتبنّى قضايا المرأة من داخل المرجعيّة الإسلاميّة، معتمدًا على «إعادة قراءة النص الديني» بآليّات هرمينوطيقيّة (تأويليّة) حديثة، للتمييز بين أحكام الوحي والتفسيرات التاريخيّة التي تنعتها النسويّة بـ«الذكوريّة».
- الأهداف: تسعى لتحقيق «المساواة الكلية» بين الرجل والمرأة في الفضاءين الخاص والعام، وتفكيك منظومة «القوامة» و«الولاية» بمفهومها التقليدي، وإثبات أنّ الإسلام في أصله حثّ على التحرّر والمساواة.
- المبادئ: ترتكز على مبدأ «التوحيد» الذي يقتضي عدم خضوع بشر لبشر، ومبدأ «العدالة» كقيمة عليا فوق النصوص الظنّية، واعتبار التفسير البشري للقرآن عملًا تاريخيًّا قابلًا للتغيير بتغير الزمان.
المطلب الثالث: الشبهات ونقد النسويّة ومبادئها
- إثارة الشبهات: تتبنّى النسويّة (بشقوقها المختلفة) تساؤلات حول أحكام الميراث، القوامة، الدية، وتعدّد الزوجات، معتبرة إيّاها انعكاسًا لثقافة صحراوية قديمة وليست ثوابت تعبّدية، كذلك الترويج لفكرة أن «الأمومة قيد»، والمساواة المطلقة التي تتجاهل الفوارق البيولوجية والوظيفية.
- النقد العام: تُنتقد النسويّة بكونها أداة للهيمنة الثقافية الغربية التي تفرض نمطًا واحدًا للتحرّر لا يتناسب مع خصوصيّات المجتمعات الأخرى.
- نقد المبادئ: يُنتقد الفكر النسوي بأنه ينطلق من «مركزية الأنثى» بدلًا من «مركزيّة الحق»، مما يؤدّي إلى اختلال التوازن الاجتماعي، ويُعاب عليها أحيانًا تبنّي «نزعة صراعية» تعتبر الرجل عدوًّا تاريخيًّا، مما يهدّد الاستقرار الاجتماعي، كما يُنتقد بتبنّي معايير مادية محضة لقياس قيمة الإنسان، واختزال دور المرأة في الإنتاج الاقتصادي والتمكين السياسي مع تهميش الدور التربوي والأسري.
- نقد المنهج: يُؤخذ على النسويّة الإسلاميّة تحديدًا ليّ عنق النصوص لتوافق معايير ليبرالية غربية، والقفز فوق القواعد الأصولية واللغوية الراسخة في فهم الوحي.
المطلب الرابع: نقد النزعة النسويّة الغربية ومبادئها
- نقد الاستعلاء الثقافي: وهو محاولة فرض معايير ليبرالية متطرّفة (مثل الجندر) كقيم عالميّة، مما أحدث فجوة بين التنظير والواقع الفطريّ للإنسان، حيث تُتّهم النسويّة الغربيّة بـ«الإمبرياليّة الثقافيّة»، حيث تحاول فرض نموذج «المرأة الغربيّة المتحرّرة» كنموذج وحيد وأوحد لجميع نساء العالم، متجاهلة الخصوصيات الدينيّة والثقافيّة للمجتمعات الشرقيّة والإسلاميّة.
- نقد الفلسفة المادّية: تقوم النسويّة الغربيّة على فلسفة مادّية تنكر «الفطرة»، وتعتبر أنّ كلّ الفوارق بين الجنسين هي «صناعة اجتماعية» فقط، وهو ما يصادم الحقائق البيولوجيّة والارتباطات الفطريّة.
- نقد مآلات الصراع: يرى النقاد أن النسويّة الغربية حوّلت العلاقة بين الرجل والمرأة من «تكامل وتراحم» إلى «ندّية وصراع سلطوي»؛ مما أدّى إلى اغتراب المرأة وفقدانها لهويتها الأنثوية في محاولتها لمحاكاة الرجل في كلّ شيء.
- التمركز حول الذات: تُنتقد لكونها عبّرت تاريخيًا عن «المرأة البيضاء» فقط، وتجاهلت معاناة نساء العالم الثالث.
- الفردانية المفرطة: تغليب مصلحة الفرد على كيان الأسرة، مما أدّى إلى أزمات ديموغرافية واجتماعية في الغرب.
وستكون دراستنا للحركة النسويّة -الغربية والإسلاميّة- على نحو (القراءة والتحليل والنقد): إذ بات مصطلح «النسويّة» مرتكزًا أساسيًّا يتشبّث به المفكّرون والناشطون لاجتثاث الفكر السائد بين الناس، وأثاروا بذلك العديد من الشبهات حول حقوق المرأة ومفهوم الحجاب وقضايا المرأة المعاصرة، ارتأينا في هذه الجزئية من البحث وضع تصوّر أوّلي يحاول تصحيح المسار والنهوض بنموذج حضاري إسلامي حول شخصية المرأة، يواكب العصر ولا يتخلّى عن الثوابت، وقد شكّلت النسويّة رأس الحربة في الحرب الغربية على المفاهيم الإسلاميّة، وهي تمثّل تجلّيًا شديد الوضوح للهدف من تلك الحرب؛ إذ تسعى النسويّة الإسلاميّة في الأخير إلى التماهي مع مسلّمات الحضارة الغربية من خلال ما يُدّعَى أنه تفسيرٌ نسويٌّ جديدٌ للإسلام، وإنّ واحدة من أخطر الاستراتيجيّات الغربية هي الترويج لمفاهيم اجتماعيّة جرى إعدادها بإتقان تحت لافتة «تمكين المرأة»، وغايتها الأساسيّة عولمة القيم الليبراليّة الأمريكيّة، وفيها الكثير مما يتعارض مع قيم الإسلام وضوابطه.
وكان المبحث الرابع بعنوان: (المرأة المعاصرة في المنظومة الإسلاميّة: بين التأصيل الشرعي والوعي المؤسّساتي، وتنمية الارتباط بالقضيّة المهدويّة)
يتناول هذا المبحث صياغة رؤية تكامليّة لدور المرأة المسلمة، تبدأ من التمكين المؤسساتي، مرورًا بالتأصيل النبوي والنموذج القدوة، وصولًا إلى الدور الاستراتيجي في عصر الانتظار، وذلك من خلال المطالب الآتية:
المطلب الأوّل: دراسة دور المؤسسات في تنمية وعي المرأة وحقوقها الشرعية، إذ يركّز هذا المحور على الآليات التنفيذيّة التي تضمن نقل الحقوق من «النص» إلى «الواقع»، ويركّز على دور المؤسّسة الدينيّة والتعليميّة: أثر الحوزات والجامعات في تفكيك القراءات المغلوطة للنصوص، وإظهار الشخصيّة الحقوقيّة المستقلّة للمرأة في الإسلام، ويستعرض كذلك دور المؤسّسات الإعلاميّة والثقافيّة في التصدّي للغزو الثقافي الذي يحاول قولبة المرأة ضمن نماذج استهلاكيّة واستبدالها بنموذج «المرأة الواعية» بحقوقها المالية والمعنويّة (الإرث، الملكية، النفقة، الكرامة)، كذلك صناعة الوعي بكيفية مساهمة هذه المؤسّسات في تعريف المرأة بواجباتها تجاه المجتمع وحقوقها التي نصّت عليها الشريعة بعيدًا عن التقاليد الاجتماعيّة المقيّدة.
أمّا المطلب الثاني، فتناول مكانة المرأة في الوصايا النبوية وسيرة أهل البيت(عليهم السلام)، وينتقل البحث هنا إلى العمق الوجداني والتشريعي عبر قراءة السلوك العملي للمعصومين(عليهم السلام) والخطاب النبوي، حيث جرى تحليل الأبعاد التربويّة، وبيان كيفيّة تأسيس النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لمنظومة احترام المرأة كشريك وجودي.
واستعرض كذلك تعامل أهل البيت مع المرأة كعنصر محوري في حفظ الرسالة، وتأصيل الكرامة من حيث إثبات أن مكانة المرأة في الإسلام تنبع من كينونتها الإنسانيّة بوصفها مكلّفة، لا من كونها تمثّل مكانة هامشية أو تبعية.
والمطلب الثالث بيان المثال الأعلى والقدوة العظمى في حياة المرأة المعاصرة، ويهدف هذا المطلب إلى تجسير الفجوة الزمنية عبر استحضار النماذج الكاملة كخارطة طريق للمرأة اليوم: من خلال الأنموذج الزهرائي: كيف تمثّل السيّدة الطاهرة مولاتنا الزهراءh قمّة التوفيق بين الدور المنزلي (الأمومة والزوجية) وبين الدور الرسالي (الدفاع عن الحق)، وكذلك المنهج الزينبي: استلهام القوة والثبات والوعي السياسي من السيِّدة زينبh في مواجهة التحدّيات المعاصرة.
المعاصرة والأصالة: كيف يمكن للمرأة المسلمة اليوم أن تكون «معاصرة» في أدواتها، و«أصيلة» في قيمها، اقتداءً بهذه القمم السامقة.
وتمحور المطلب الرابع حول معالجة موقع المرأة المسلمة المعاصرة في القضيّة المهدوية، إذ يمثّل هذا المطلب الغاية النهائيّة والبعد الغيبي المرتبط بحركة التاريخ، من خلال التمهيد المعرفي لدور المرأة في بناء المجتمع المنتظر عبر التربية الرسالية ونشر الوعي بآفاق الدولة العادلة، والمشاركة في المشروع الإصلاحي من خلال إظهار الدور المحوريّ للنساء في حركة مولانا بقية الله الإمام المهدي(عليه السلام)، سواء في الإعداد أو في النخبة المختارة، وبيان المسؤوليّة العقائديّة من حيث: كيف تتحوّل المرأة من عنصر منفعل بالواقع إلى عنصر فاعل يسعى لتغيير موازين الظلم العالمي، انطلاقًا من إيمانها بالقضيّة المهدويّة.
والربط الموضوعي بين موضوعات المبحث هو: إن تفعيل دور المؤسسات (المطلب الأوّل) يمهّد الطريق لفهم السيرة (المطلب الثاني)، ممّا يسهل الاقتداء بـ القدوة (المطلب الثالث)، لتصل المرأة في النهاية إلى مستوى الجهوزيّة المهدويّة (المطلب الرابع).
ختامًا أهدي هذا العمل إلى سيِّدة العُمر والرُوح، وإلى محور النورُ الذي رافقني طوالَ عُمري، إلى مولاتي العظيمة السيِّدة الطاهرة فاطمة الزهراء (أميرةُ الكون) «روحي وأرواح العالمين لها الفداء»، فلهذه السيِّدة العظيمة الطاهرةُ لديّ ممّا لا تُجزي عنه الكلمات... من الحُبِ والشعور المغروسُ كما الجذور في روحي...، هي سرّ الولاية... وصِنوان النبوةِ والإمامة، هي أُمي... هي روحي.