تأليف :
السيد د. هاشم الميلاني
فهرس المحتويات:
الأمر الأول: الفهم والمعرفة
الأمر الثاني: آليات الفهم والمعرفة
القسم الأول: المباني
1. المبنى الأنطولوجي
الله تعالى
المعرفة الحضوريّة
المعرفة الحصوليّة
نطاق معرفة الله
النبوّة
الإمامة
2. المبنى الإبستمولوجي
أ. المدرسة الواقعيّة
ب. القصديّة
ج. حجيّة الظهور
د. الخلفيّات الفكريّة
هـ. المعرفة
أهميّة المعرفة
طرق المعرفة ومناهجها
معيار المعرفة
نسبيّة المعرفة
المعرفة الدينيّة
3. المبنى الأنثروبولوجي
تعريف الإنسان
أهميّة معرفة الإنسان
هويّة الإنسان
خصائص الإنسان
أوّلًا: آيات التذكرة
ثانيًا: آيات النسيان
ثالثًا: آيات الميثاق
رابعًا: فطريّة معارف الدين
خامسًا: اللجوء إلى الله عند إحساس الخطر
سادسًا: الالتجاء إلى الله تعالى في السفر
سابعًا: تبيين الفطرة عن طريق المحبّة
عوامل ازدهار الفطرة
موانع ازدهار الفطرة
4. المبنى الديني
تعريف الدين
فطريّة الدين
ضرورة الدين
الدليل النقلي
الدليل الكلامي
الدليل الفلسفي
الدليل العرفاني
الدليل الأخلاقي
منشأ الدين
مصادر الدين
نطاق الدين
لغة الدين
الجوهر والصدف
العلم والدين
التعدّديّة الدينيّة
5. المبنى القيمي والأخلاقي
القسم الثاني: المناهج
تعريف المنهج
المنهج والمنهجيّة
المنهج والنظريّة
تعدّد المناهج
أولًا: المنهج النقلي
1. التعريف
2. التاريخ
3. حجيّة الدليل النقلي
القرآن الكريم
الحديث الشريف
4. تقسيمات الدليل النقلي
تقسيمات القران الكريم
تقسيمات الحديث الشريف
5. نطاق المنهج النقلي
6. المستخدمون للمنهج النقلي
الفئة الأولى: الفقهاء
الفئة الثانية: الخطباء والوعّاظ
الفئة الثالثة: المفسّرون
الفئة الرابعة: المحدّثون
الفئة الخامسة: المتكلّمون
الفئة السادسة: الأخباريّون
الفئة السابعة: مدرسة التّفكيك
ثانيًا: المنهج الفطري
أوّلًا: مباحث تمهيديّة
تعريف الفطرة
أهميّة الفطرة
ثبات الفطرة
الفطرة الساذجة
ثانيًا: مباحث عَقَديّة
التوحيد وإثبات الخالق تعالى
الدين
النبوّة
المعاد
الهداية والضلال
السعادة
ثالثًا: مباحث اجتماعيّة
نظريّة الاستخدام
الحكومة
الحريّة
رابعًا: مباحث فقهيّة
الجهاد
الزواج
الإرث
خامسًا: مباحث إبستمولوجيّة
سادسًا: مباحث تربويّة
ثالثًا: المنهج العقلي
العقل في القرآن
العقل في الروايات
حجيّة العقل
الطائفة الأولى: الإنكار
الطائفة الثانية: القبول المشروط
الطائفة الثالثة: القبول المطلق
تقسيمات العقل
أولًا: التقسيمات الأنطولوجيّة
ثانيًا: المراتب الوجوديّة للعقل
ثالثًا: أقسام العقل الإدراكي بحسب الموضوع
رابعًا: التقسيمات المنهجيّة للعقل الإنساني
خامسًا: التقسيمات العمليّة للعقل
سادسًا: التقسيمات بحسب المناشئ والأسباب الوجودية
سابعًا: تقسيمات العقل باعتبار مساحة الحضور
ثامنًا: تقسيمات العقل بحسب الاعتبار المعرفي والإبستمولوجي
رابعًا: المنهج الكلامي
تعريف الكلام
نشأة علم الكلام
1. دور الخلفاء
2. ظهور البدع
3. ظهور المعتزلة
4. مسألة خلق القرآن
5. الآيات المتشابهة في القرآن
6. ترجمة كتب اليونان
7. التأثير المسيحي
8. المناظرات
9. الانقلاب الأموي
10. العامل السياسي
11. مجموعة عوامل مختلفة
حجيّة علم الكلام
1. الآيات القرآنيّة
2. الروايات
3. إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة لم يناظروا
4. نهي الفقهاء الأربعة عن علم الكلام
مصادر المنهج الكلامي
خامسًا: المنهج الفلسفي
تعريف الفلسفة
مصدر الفلسفة
نشأة الفلسفة في العالم الإسلامي
أصالة الفلسفة الإسلاميّة
الدين والفلسفة
تقسيمات الفلسفة الإسلاميّة وبيان المنهج الفلسفي في ضوئها
1. الفلسفة المشائيّة
2. الفلسفة الإشراقيّة
سبب التسمية
مصادر الفلسفة الإشراقيّة
3. الفلسفة اليمانيّة
التسمية
المنهج
4. الفلسفة الصدرائيّة
المنهج
مباني المنهج الصدرائي
سادسًا: المنهج العرفاني
النشأة والتأسيس
أدوار العرفان
تقسيمات العرفان
أسباب ظهور العرفان النظري
المحكّ والميزان
سابعًا: المنهج الأصولي
التعريف
النشأة
الازدهار والتوسّع
المنهج الأصولي
المنهج المختار
المنهج الكلامي
المنهج الفلسفي
المنهج الأصولي
كلمة المركز
لم يَعُد مفهوم الاستراتيجيّة في عالمنا المعاصر محصورًا في إطار الخرائط العسكريّة، أو التخطيطات السياسيّة، أو الحسابات التجاريّة؛ بل إنّ كلّ ساحةٍ حَيَويّة تَتَطلّب تدبيرًا للمستقبل، وإدارةً للتحدّيات، ورسمًا لآفاقٍ جديدة، باتت مضطرّة، لا محالة، إلى تَبنّي نهجٍ استراتيجيّ رصين. وفي خضمّ ذلك، أضحت مجالات الدين والثقافة والاجتماع ـ التي تتعرّض لتلاطم أمواج التيّارات الفكريّة المتنافسة والتحوّلات العالميّة المتسارعة ـ بحاجة ماسّة، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، للانتقال من موقع ردود الأفعال الانفعاليّة والجزئيّة، إلى صدارة المبادرات التأسيسيّة والمدروسة.
وانطلاقًا من إدراك هذه الضرورة الحَيَويّة، وسعيًا لصيانة الثغور العقائديّة، تأسّس «المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة» التابع للعتبة العباسيّة المقدّسة في النجف الأشرف؛ ليكون بمثابة مرصدٍ ذكيّ يترصّد التحوّلات الفكريّة والثقافيّة بدقّة، ويعمل على صياغة الخرائط الاستراتيجيّة في حقل المعرفة الدينيّة. وتتجسّد الرسالة الكبرى لهذه المؤسّسة في إعادة قراءة التراث الإسلاميّ العظيم برؤية معاصرة، والإجابة عن الشبهات الناجمة عن تحوّل النماذج المعرفيّة العالميّة من الإيمان بالغيب إلى الرؤية المادّيّة، فضلًا عن تزويد نُخَب العالم الإسلاميّ بسلاح المنطق والاستدلال؛ لمواجهة الغزو الناعم للمدارس والأفكار المنحرفة.
وقد أثمرت هذه الجهود، بفضل الله تعالی، عن تأليف ونشر ما يربو على (300) عنوان من الكتب والمجلّات التخصّصيّة، التي غطّت مساحةً واسعةً من الموضوعات الحيويّة، أمثال: الكلام والعقائد، ونقد الاستشراق، والاستغراب ونقد الفكر الغربيّ، وتاريخ العلوم الإسلاميّة، ودراسات في المنهج، وفلسفة العلم ونظريّة المعرفة، ودراسات المرأة والأسرة، ونمط الحياة، وتاريخ الاستعمار، والفكر الإسلاميّ المعاصر.
وفي سياق هذه الأهداف السامية، وبُغية سدّ الفراغات الماثلة في الأدبيّات الدينيّة المعاصرة، بادر المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة إلى إعداد ونشر مجموعة بحثيّة موسومة بـ «سلسلة الدراسات الدينيّة المعاصرة»، صدر منها حتّى الآن تسعة عشر مجلّدًا. وتُمثّل هذه السلسلة محاولةً جادّة للمواجهة العلميّة مع التساؤلات النابعة من التفاعلات والتحدّيات العميقة التي يواجهها الفكر الدينيّ والمتديّنون أمام مبادئ العالم الحديث ومقوّماته، وذلك بالاستعانة بآراء كبار المفكّرين وأصحاب النظر في حقل الدراسات الدينيّة.
لقد تجاوز النطاق الموضوعيّ لهذه السلسلة حدود المباحث التجريديّة المحضة، ليمتدّ ويشمل الساحات العينيّة والتطبيقيّة. ومن أهمّ المباحث التي جرى تناولها في المجلّدات السابقة: المجتمع، والحضارة، والتنمية، والثقافة، والتكنولوجيا، وعلم النفس، والروحانيّة، وحقوق الإنسان، والأخلاق.
ويرمي المركز الإسلاميّ من خلال نشر هذه الآثار إلى وضع نصوص بين يَدَي النخبة الحوزويّة والأكاديميّة، تمتلك القدرة على مواجهة تحدّيات وتعقيدات الإنسان المعاصر، وتكون خطوة في طريق تبيين المعارف الإلهيّة وتعميق المعتقدات الدينيّة في عالم اليوم.
ويُعَدّ الكتاب الماثل بين أيديكم، والموسوم بـ «المباني والمناهج: مقدمات تمهيديّة لفهم الخطاب الديني»، الحلقة التاسعة عشرة من هذه السلسلة، ليمثّل حجر الزاوية في مشروعنا المعرفي؛ إذ لا يمكن الولوج إلى عمق المسائل الكلامية المستجدة أو معالجة إشكاليات فلسفة الدين دون امتلاك العدّة المنهجية الكافية. إنّ هذا الأثر العلمي، لا يتوقف عند حدود عرض الآراء، بل يغوص في تحليل الإطار النظري والمنهجي العام الذي يسبق عملية «الفهم»، مؤسّساً بذلك لما يمكن تسميته بـ «فلسفة الفهم الديني».
لقد توخّى المؤلف في هذا الكتاب رسم خارطة طريق إبستمولوجية تضبط حركة العقل الباحث، وذلك عبر استنطاق مستويين متداخلين: المباني والمناهج.
أما في صعيد «المباني»، فقد انطلق الكتاب من رؤية مفادها أنّ كلّ موقف ديني أو استنتاج عقدي هو في الحقيقة ثمرة لافتراضات مسبقة صامتة، لذا عمد المؤلف إلى تشريح هذه الركائز وتفكيكها؛ فبدأ بـ (المبنى الأنطولوجي) الذي يبحث في أصل الوجود وعلاقة المبدأ بالأثر، مركّزاً على المعرفة الإلهية كمبدأ أول لكل معرفة. ثم انتقل إلى (المبنى الإبستمولوجي) ليحدّد إمكانية المعرفة وحدودها ومصادر اليقين، مؤكداً أنّ الاضطراب في هذا المبنى يؤدي بالضرورة إلى انحراف في فهم النص وتأويله. ولم يغفل الكتاب (المبنى الأنثروبولوجي)، إذ إنّ فهم «الإنسان» - بصفته المتلقي للخطاب الإلهي - ومعرفة قواه الإدراكية وغايات وجوده، يمثّل ركيزة أساسية في تحديد كيفية تفاعله مع الدين. كما استعرض (المباني الدينية والقيمية) التي تضفي الصبغة المعيارية على السلوك البشري، وتجعل من الخطاب الديني منظومة متكاملة تخاطب العقل والوجدان في آن واحد.
وفي الجانب الآخر، وهو «المناهج»، قدّم الكتاب جردة علمية دقيقة للأدوات الإجرائية التي اعتمدها العقل الإسلامي عبر تاريخه الطويل؛ فحلّل (المنهج النقلي) بآلياته الاستظهارية، و (المنهج العقلي) بمساراته البرهانية، مفرّقاً بين ما هو كلامي يهدف للدفاع عن العقيدة، وما هو فلسفي يبحث في كنه الحقائق. كما سلّط الضوء على (المنهج الفطري) الذي يربط المعرفة بجذور النفس البشرية، و(المنهج العرفاني) الذي يعتمد الكشف والشهود طريقاً للوصول، وصولاً إلى (المنهج الأصولي) الذي يضبط قواعد الاستنباط. إنّ هذا التعدّد المنهجي الذي يعرضه الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو تحليل وظيفي يبيّن للباحث متى وكيف يستخدم كل أداة في موضعها الصحيح.
إنّ الأهمية الاستراتيجية لهذا العمل تكمن في تصدّيه لظاهرة «الفوضى المنهجية» التي اجتاحت الكثير من القراءات المعاصرة للدين؛ حيث نجد خلطاً بين الأدوات، وتوظيفاً للمباني المادية في فهم النصوص الغيبية، مما أنتج خطابات قاصرة أو مشوّهة. ومن هنا، يأتي هذا الكتاب ليعيد الاعتبار لـ «الانضباط المعرفي»، موضحاً أنّ الانفكاك عن هذه المقدمات التمهيدية يجعل الباحث عرضة للتأثر بالتيارات الفكرية المتقلبة دون وعي بجذورها.
إنّ ما يميّز قلم الدكتور الميلاني في هذا البحث هو الجمع بين الدقة التخصصية والبيان الواضح، حيث استطاع تحويل المباحث التجريدية المعقدة إلى هيكل معرفي متسق يخدم المتخصص والأكاديمي، ويمدّ طالب الحقيقة برؤية شاملة.
وختاما، نتقدّم بجزيل الشكر والامتنان للمؤلّف الفاضل سماحة الحجّة الدكتور السيّد هاشم الميلانيّ، على دقّة نظره وعمق طرحه وسعة تتبّعه في هذا المبحث المهمّ. كما نشكر مسؤول وحدة النّشر الأستاذ السيّد محمّد رضا الطباطبائيّ، لِما بذله من دقّةِ نظرٍ علميّة وفنيّة ومتابعاتٍ تنفيذيّة فعّالة.
ونأمل أن يكون هذا الكتاب نافعًا للباحثين والمهتمّين بهذا المجال، ولطلبة الحوزات العلميّة والجامعات، وسائر النخب الفكريّة والثقافيّة، وأن يساهم في الرقيّ الثقافيّ للمجتمع نحو الصلاح والتخلّق بالأدب الإلهيّ، بمنّه وكرمه، إنّه سميعٌ مجيب.
المقدّمة
لم يكن هذا الكتاب كتابًا كلاميًّا قديمًا أو جديدًا، بل مقدّمة تمهيديّة تبيّن الإطار النظري والمنهجي العام الذي يلزم التأطّر به قبل الخوض في المسائل الكلامية المعاصرة، أو مباحث فلسفة الدين؛ إذ لولاه يقع الإنسان في فوضى منهجيّةٍ ومعرفيّةٍ من حيث لا يشعر.
وفي البدء لابدّ أنْ نشير إلى أمرين محوريين في هذه المقدّمة يُعدّان الأساس في تدوين هذا الكتاب:
الأمر الأول: الفهم والمعرفة
إنّ الله تعالى خلق الخلق شعوبًا وقبائل، وأودع في الإنسان قوى مختلفةً ليدبّر بها حياته في الدنيا، ومن تلك القوى - وربّما أهمّها - قوّة الإدراك والفهم والمعرفة، التي يدرك الإنسان عن طريقها مصالحه ومفاسده، فيتمكّن من الارتباط مع الآخرين، وعمارة الأرض التي تعدّ من مهام الإنسان في هذه الدنيا: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}(هود: 61).
ثمّ إنّ عمليّة الفهم والإدراك هذه ربّما تبدو في الوهلة الأولى سهلةً بسيطة، غير أنّ الدراسات الحديثة كشفت عن تعقيد المسألة، وعن العوامل التي تؤثّر على عمليّة الفهم والإدراك، فظهرت الدراسات الهرمنوطيقيّة والألسنيّة الحديثة.
وربّما يشير قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}(الإسراء: 84) إلى هذا التعقيد، إذ تربط الآية الكريمة العمل بالشاكلة، والعمل أعمّ من عمل الجوارح والجوانح؛ وعليه فالمعرفة والإدراك عمل أيضًا، فهذا العمل الإدراكي مرتبطٌ بالشاكلة الموجودة في كلّ إنسان. فلهذه الشاكلة دورٌ محوريٌّ في عمليّة الفهم والإدراك.
ويأتي سؤالٌ آخر: ما هي هذه الشاكلة وكيف تتكوّن؟ إنّ الشاكلة هي المنظومة المعرفيّة، وهي كينونة الإنسان وهويّته الشخصيّة، وهذه الشاكلة تُصاغ من قبل عدّة عوامل، قال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}(النحل: 78).
فالمولود الجديد عندما يخرج من بطن أمّه يخرج ساذجًا وخالي الذهن، ومن دون شاكلة، وتبدأ عمليّة صياغة الشاكلة بعد الولادة مباشرة، بفضل ما أودعه الله تعالى في الإنسان (السمع والبصر والفؤاد)، فيدرك حاجته إلى الغذاء فيتّجه نحو صدر أمّه، وهكذا تبدأ عمليّة صياغة الشاكلة بالتدريج[1].
إنّ العوامل التي تُؤثّر على صياغة هذه الشاكلة عديدة، منها العوامل الوراثيّة، والمحيط، والبيئة، والتربية الأُسريّة، والتربية المدرسيّة، والمجتمع، والعوامل السياسيّة والاقتصاديّة والنفسيّة المختلفة، فكلُّ هذه الأُمور تُؤثّر في عمليّة صياغة الشاكلة، وبالتبع تُؤثّر على عمليّة الفهم والإدراك، ومن هنا يظهر الاختلاف بين بني البشر، وتظهر التعارضات والتناقضات، ويختلط العقل الفِطريّ بالعقل الأداتيّ المادّيّ، كما يختلط الوهم بالخيال، فتتداخل الأمور وتحدث الفوضى. وهنا يأتي التدخُّل الإلهي:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ}(البقرة: 213).
وفي آيةٍ أخرى تؤيّد أصل الاختلاف قال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا}(يونس: 19).
فالله تعالى العالم بعباده وكيفيّة خلقتهم، والعالِم بحصول هذا الاختلاف بسبب تركيبة الخلقة، وطبيعة القوى والغرائز المودعة في كلّ إنسان، أرسل الأنبياء والحجج ليكونوا ميزانًا لمعرفة الحقّ من الباطل، والصحيح من الخطأ، فالمعرفة التي يقدّمها الحجّة هي المعرفة الصائبة التي يمكن الاطمئنان بها والركون إليها. فالنبيّ والإمام هما المعيار والمحك. قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}(الأحزاب: 36). وفي آيةٍ أخرى تؤكّد هذا الأمر أيضًا: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}(الحديد: 25). فالنبيّ يأتي بالميزان والبيّنات وينير على المعرفة الصحيحة ليتمسّك بها الناس، ويقيموا القسط والعدل في جميع المستويات الفرديّة والاجتماعيّة، والثقافيّة والسياسيّة، والاقتصاديّة.
إنّ النبيّ والإمام المعصوم يمثلان حجّة الله الظاهرة، وهناك حجّة أخرى أودعها الله في ضمير كلّ إنسان وهي حجّة العقل، وأحدهما يعين الآخر، إذ ربّما تسدل الأهواء والذنوب الستار على نور العقل فيختفي {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ}(الروم: 10). وهنا يأتي دور الحجّة الظاهرة لتميط اللثام عن وجه العقل، وتحاول أن تعطيه صعقة كهربائيّة ليفيق ويبدّد الأوهام، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ»[2].
بعدما ثبت من خلال الواقع المعاش، وطبيعة خلقة الإنسان من حدوث الاختلاف المعرفي والإدراكي عند الإنسان بشكل عامّ، لم يكن موضوع الدين بمعزلٍ عن هذا الاختلاف، صحيح أنّ الله تعالى أرسل الدين لرفع الاختلاف، لكن هذا الدين رغم ثبوته وحقانيّته ومعياريّته يُصاب بسوء الفهم وتعدّد القراءات لا سيّما بعد موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعدم التمكين للوصيّ، إذ مهمّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تتحوّل إلى الوصي ليكون عاصمًا من الانحراف والضلال كما هو مفاد حديث الثقلين المتواتر.
إنّ الدين الذي جاء لحلّ الاختلاف، سوف يُصاب باختلافٍ آخر في كيفيّة فهمه وتفسيره وإدراكه؛ لذا ظهرت الفرق والمذاهب المختلفة، وكلّها تدور مدار كيفيّة فهم الدين وإدراكه، وهنا يأتي دور حديث (الفرقة الناجية)، وهل أنّ جميع هذه القراءات صحيحة وحقّة؟ أم أنّ هناك قراءةً صحيحةً واحدةً دون غيرها؟!
إنّ الله تعالى لا يدير المجتمع بالمعجزة والإجبار على سلوك طريق واحد، بل إنّ سنّة الله في الخلق جرت على وضع المنهاج والمعيار الصحيح {وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ}، ليكون مصباح الطريق، ويتمسّك به الناس للوصول إلى الهداية والابتعاد من الضلال {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}، فالهداية اختياريّة وليست إجباريّة، والله تعالى قادرٌ على إجبار الناس لسلوك طريق الهداية {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}، ولكن جرى قضاء الله وقدره خلاف هذا {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}(الأنفال: 42).
فليست هناك قراءاتٌ صحيحةٌ مختلفةٌ -كما يزعم العلمانيّون- بل هناك قراءة صحيحة واحدة توجب الهداية، وقراءات زائفة تدعو إلى الهلاك والضلال، ولا بد أن يسعى الإنسان نحو الوصول إلى الحقيقة والتمسّك بها.
فالتعدديّة ونسبيّة المعرفة وعدم إمكان الوصول إلى الحقيقة المطلقة التي نسمعها اليوم جرّاء التثاقف مع الغرب، واستيراد آرائه ونظريّاته التي لا تتوافق مع بيئتنا وثقافتنا وهويّتنا، خاطئة تمامًا وتعدّ من أهم أسباب الانحراف الفكري والمعرفي والتي أدّت إلى تغليب الخطاب العلماني في تفسير الدين، فبدل البحث عن الحقيقة الواحدة تتمّ الدعوة إلى التعدديّة، والقول بأنّ جميع المعارف صحيحة، ولها قسط من الحقيقة وإنْ كانت متعارضةً ومتخالفةً.
يقول الشيخ مصباح اليزدي(رحمه الله): «هذه الشبهة هي أخطر شبهة واجهها الدين من بدء تاريخ الإنسان إلى اليوم، ولم يواجه أيّ دينٍ بشبهةٍ أخطر من هذه الشبهة، ولم يسبق لها نظيرٌ في أيّ عصر وفي أيّ قطر ٍمن أقطار العالم، فهي شبهةٌ مستجدّةٌ، ولها خطرها الأعظم على الدين كلّه، وعلى المعرفة الإنسانيّة بصورةٍ عامّة»[3].
الأمر الثاني: آليات الفهم والمعرفة
يرى بعض المختصين بالشأن الحضاري أنّنا اليوم نشهد انبثاقًا حضاريًّا جديدًا بدأت بوادره الأولى من خلال استفحال أزمات الغرب لا سيما الخُلقية والإنسانية من جهة، وظهور قوى دوليةٍ مؤثرةٍ في صنع القرار العالمي من جهةٍ ثانية، وظهور بوادر نهضة الأمة الإسلاميّة من جهةٍ ثالثة، وما المخاضات العسيرة التي تشهدها المنطقة اليوم إلّا شاهد صدقٍ على هذه الولادة الجديدة.
ومع قطع النظر عن قبولنا، أو ردنا لنظرية صراع الحضارات، فإنّ المشروع الحضاري الجديد لا بد أنْ يكافح على عدة جبهاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ ليتمكن من ترسيخ أقدامه على الأرض أمام سائر المنافسين.
وربما يكون أهمّ كفاح تقوم به الحضارة الإسلاميّة هو الكفاح النظري والمعرفي الذي يعد قوام الحضارة وشاكلتها الثقافيّة التي تميّزها عن سائر الحضارات المنافسة والبديلة، وتكون بمنزلة العمود الفقري لتلك الحضارة. وأهم مصاديق هذا الكفاح النظري والمعرفي، إنّما هو تبيين آليات الفهم والمعرفة الصحيحة، وهذه الآليات هي المباني والمناهج التي يتخذها كل شخص وكل تيار للفهم والمعرفة.
فالدين الإسلامي في قراءته الصحيحة، والحضارة الإسلاميّة في انبثاقها الجديد، لابد أن يعتمدا في بعدهما النظري على المباني والمناهج السليمة، وبما أنّ الدين الإسلامي هو المقوّم الأساس لهذه الحضارة، فلا بد أن تُستنبط هذه المباني والمناهج من حاق الدين الإسلامي وصميمه لتكون إسلاميّةً بحتةً {لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ}(النور: 35).
والمباني هذه تعد المياه التي تسقي شجرة الحضارة الإسلاميّة، فإذا كانت عذبةً وصالحةً انبتت نباتًا حسنًا، وإن كانت آسنةً لم تنبت إلّا عفنًا، وقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام):
«واعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتًا، وكُلُّ نَبَاتٍ لَا غِنَى بِه عَنِ الْمَاءِ، والْمِيَاه مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُه طَابَ غَرْسُه وحَلَتْ ثَمَرَتُه، ومَا خَبُثَ سَقْيُه خَبُثَ غَرْسُه وأَمَرَّتْ ثَمَرَتُه»[4].
لقد سعى الخطاب العلماني في العالم الإسلامي، وبهدف مواكبة العصر واللحاق بالغرب إلى تبنّي المباني والمناهج الغربيّة لتفسير وفهم المنظومة الدينيّة وبناء الحضارة عليها، إذ زعم بعد ما رأى تقدّم الغرب الصناعي والتقني والحداثي، أنّ سبب ذلك ترك السماء والغيب، والالتفات إلى الأرض والمادة؛ لذا اعتقد أنّ الطريق الصحيح هو تبنّي تلك الطرق نفسها التي سلكها الغرب.
غير أنّنا نرى مجانبة هذا الرأي للصواب؛ إذ لكلّ حضارةٍ مبانيها وظروفها الخاصّة، نعم لا ندعو إلى القطيعة الحضاريّة، والشروع من الصفر، بل نعتقد بالتعاون والتبادل الإيجابي والخلّاق بين الحضارات، ولكن لا نقرّ بالتبعية المحضة، واستنساخ وصفة الغرب للعالم الإسلامي، بل نرى لزوم اعتماد الحضارة الإسلاميّة على مبانيها الخاصّة التي تستنبطها من الدين الإسلامي، مضافًا إلى الاستفادة من تجارب الآخرين.
وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الكون على قاعدة التسخير، وسخّر الكائنات بأجمعها بعضها لبعض، لاستمرار الحياة، فلا ضير في الاستفادة من الغرب لتسخير ما أودعه الله فيه لرفع الحوائج الخاصّة والعامّة، قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا}(الزخرف: 32).
سنتطرّق في هذا الكتاب إلى أهمّ المباني والمناهج التي ينبغي الاعتماد عليها في رسم خارطة المستقبل، وفهم الدين وتفسيره بشكل صحيح، وقسّمناه إلى قسمين: القسم الأول نتطرق فيه إلى المباني الأنطولوجية والإبستمولوجية والأنثروبولوجية والقيميّة والدينيّة. أما القسم الثاني فيختصّ بالمناهج التي تعطينا آليات تطبيق المنظومة الدينيّة والمباني النظريّة على أرض الواقع، وهي كلٌّ من المنهج النقلي والعقلي والكلامي والفطري والفلسفي والعرفاني والأصولي، وبتلك المباني وهذه المناهج نبني واقعنا المعاصر، ونناقش سائر المذاهب والمدارس الفكريّة والنظرية، وتكون كمدخلٍ نظريّ وإطارٍ فكريّ للباحث، قبل الولوج في مباحث علم الكلام الجديد وفلسفة الدين او سائر المباحث المعرفية والنظرية والمساجلات الفكرية.
-------------------------------------
[1]. وليُعلم أنّ الشاكلة هنا غير الفطرة التي أودع الله تعالى فيها بعض المعارف بالإجمال، فالإنسان وفق الرؤية الدينية يحمل عند الولادة مجموعة معارف في فطرته، تكون هي اللبنة الأولى لسائر المعارف.
[2]. نهج البلاغة، الخطبة الاولى.
[3]. مصباح اليزدي، أصول المعارف الإنسانيّة، 60.
[4]. نهج البلاغة، الخطبة رقم: 154.