أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دراسات نسوية، بحوث في قضايا المرأة والأسرة - حقوق المرأة والأسرة في الغرب قراءة ونقد

دراسات نسوية، بحوث في قضايا المرأة والأسرة - حقوق المرأة والأسرة في الغرب قراءة ونقد

تأليف :

مجموعة باحثين

الموضوع :

حقوق المرأة والأسرة في الغرب قراءة ونقد

الهيئة العلميّة:

السيِّد ليث الموسوي، السيِّد هاشم الميلاني، السيِّد محسن الموسوي

مدير التحرير:

الشيخ حسن أحمد الهادي

 

فهرس المحتويات : 

حقوق المرأة في ظلّ الحضارة الغربيّة؛ قراءة تاريخيّة

إعداد: إدارة التحرير

المرأة في العالم الغربي بين التشريعات القانونيّة والإكراهات الاجتماعيّة

الدكتور محمد البشير رازقي

الخلفيّات الفكريّة والفلسفيّة في التشريعات الغربيّة حول المرأة

إيمان شمس الدين

السلامة والحقوق الجنسيّة والخصوبة في الوثائق والأعراف العالميّة

هالة حسيني أكبر نجاد

اتفاقيّة سيداو والتصادم مع فطرة الرجل والمرأة

د. محمود كيشانه

أزمة المرأة والأسرة في الغرب

الكاتب: عبد الرسول هاجري / تعريب: محمد حسين خليق

شكل المواجهة للتّداعيات القانونيّة والتّشريعيّة على الأسرة

أ. أميرة برغل

التّمكين المخادع توهين السّلطة الأبويّة وتفكيك المنظومة الأسريّة

طلال عتريسي

 

مقدّمة المركز

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيِّدنا محمّد وآله الطاهرين، وبعد...

لقد شهد العالم تغيّرات ثقافيّة وتربويّة واسعة في مجال العلاقة بين مكوِّنات الأسرة ومقوّماتها المتمثّلة بالزوجين (الأبوين)، ففقدت الأسرة في كثير من المجتمعات -وإن بدرجات متفاوتة- مفهومها في الطبيعة الفطريّة، وموقعها في البناء الاجتماعيّ، ووظيفتها في التنشئة والتربية، كلّ ذلك لصالح اتجاهات فردانيّة، تُعْلي من قيمة الفرد، وتجعلُه مركز الاهتمام. ولم تكن الأسرة العربيّة والإسلاميّة بمنأى عن هذه التغيّرات؛ إذ شهدت الأسرة نِسَبًا متنامية في حالات الطلاق، وارتفاعَ سن الزواج، وتطويرًا لأنواع من الزواج لا تحقِّق هدفه السامي في بناء الأسرة؛ وبذلك اضطرب مفهوم الأسرة؛ فشاع مصطلح الشريك والقرين، ووُصِف الزواج الطبيعيّ بالتقليديّ أو النمطيّ، وظهرت دعوات إلى بناء الأسرة اللانمطيّة... ولم تعد الأسرة تقوم بوظائفها، فقد أثّرت منظومة التفكير الاجتماعيّ الغربيّة القائمة في المنظومات المعرفيّة لباقي الشعوب، بتأثير العولمة والهيمنة السياسيّة والاقتصاديّة والأكاديميّة…، دون مراعاة للخصوصيّات الثقافيّة، والاجتماعيّة، والدينيّة… للمجتمعات والشعوب، وتطرّفت بعض التيّارات الفكريّة الغربيّة في نظرتها إلى الأسرة، فاعتبرتها شكلًا من أشكال السيطرة الأبويّة السلطويّة، وأنَّ شرط الإبداع والتجاوز يتمّ من خلال التمرّد على كلّ أشكال الأبويّة ومنها الأسرة.

وثمّة تيّارات تنادي بالتطابق المطلق بين الرجل والمرأة، دون مراعاة لما أودعه الله عزَّ وجلَّ من خصائص فطريّة ونفسيّة وجسميّة لكلا الصنفين؛ فانتشرت الحركات النسويّة، وبرز مفهوم النوع الاجتماعيّ «الجندر» تجلّيًا واضحًا للقضاء على سمات التفرُّد والتمايز الطبيعيّ بين الجنسين، ولقد حاولت المؤتمرات الدوليّة أن تغذّي هذا الإحساس بالتمرُّد والتفلُّت من القيام بالمسؤوليّة الأدبيّة والأخلاقيّة تجاه الأسرة، بإعطاء الشرعيّة للقوانين التي تقوّض عُرى الأسرة؛ مفهومًا وبناءً ووظيفةً.

فقد اجتَهَدَ الغربُ ومن تبعه من المستغربين كثيرًا في محاوَلة إقناعنا بأنَّ الإسلامَ لا يُقيم موازين العدل بين أفراد الأسرة، وأنَّ أحكام الشريعة الإسلاميّة، التي أنزلها الله -سبحانه وتعالى- لإسعاد البشر -تَتَسَبَّب في تعاسَة الأسرة، وأنَّ قوانين الحضارة الغربيّة وقواعدها وتقاليدها هي النموذج الأمثل لسعادة الأسرة، وقد تأثّر بعض المسلمين بهذه الادِّعاءات، وقرَّروا أن يُطَبِّقُوا تلك التَّقاليد والقوانين في حياتهم، وكان المنتَظَر- والحال صارتْ هكذا -أن نرى هؤلاء، ومجتمعاتهم - سواء الغربيّة، أم المسلمة التي اتَّبَعَتْ خُطاهم- قد صارتْ في سعادة وهناء، وخلَتْ منَ المشاكل التي تعجّ بها الأسرة المسلمة في السيرة النبويّة -على حدِّ زَعْمِهم-، ولكن ما رأيناه من نتائج ما اقترفوه في حقّ أنفسهم، وفي حقّ المسلمين من أمراض اجتماعيّة أقضَّت بنيان الأسرة، ومن ذلك؛ ارتفاع مُعَدَّلات زنا المحارِم بحسب الإحصاءات الدوليّة، وانتشار العُنف الأسريّ، وهناك نسبة رجل من بين ستة رجال يكون ضحيّة للعنف الزوجيّ في إحدى لحظات حياته، بحسب الدراسات الميدانيّة في أكثر من بلد، كما تُوَضِّح الدِّراسات أنَّه بينما توجد 120 امرأة تموت سنويًّا بسبب العنف الزوجيّ، فإنّه يوجد 30 رجلًا يموتون سنويًّا للسبب نفسه وفي الظروف نفسها. إضافة إلى ظاهرة انتشار العنوسة، وانتشار ظاهرة هُرُوب الفتيات، وارتفاع معدّلات الطلاق، وهجران الأزواج واتخاذ الأصدقاء بدل الأزواج، كلّ ذلك بُني على ثقافة الجندر التي أشاعوها وقنّنوها في العالم الغربيّ.

ولهذا فإنّ البشريّة -اليوم- تعاني من انحراف أخلاقي وثقافي خطير وجلي، وقد أبعد المجتمع البشريّ عن صوابه، وجعل البشريّة تُنْخَرُ من داخلها، وأدّى إلى فقدان الإيديولوجيّة والنظرة الصحيّة إلى السلوك الإنسانيّ، وهذا ما ينبئ عن الحاجة الأكيدة لمواكبةٍ علميّةٍ منهجيّة أصيلة تلبّي كلّ حاجيّات المجتمع المعاصر، وفق الرؤية والأصول الإسلاميّة الأصيلة.

وعليه إنّ كل ما ذكرناه في هذه العجالة المكثّفة يرتبط بسبب مركزي واحد وحاكم على كل ما جرى ويجري في العالم، وهو إسقاط النظام الحقوقي وإخضاع الموجود منه لخلفيات فلسفية وفكرية مادية محضة لا علاقة لها بالسماء، علمًا بأن وظيفة هذا النظام الحقوقي لا تُختزل بتنظيم العلاقات بين الأفراد، أو بمجرّد حفظ الحقوق والواجبات لفلان أو فلانة من الناس، فإن هذا –مع أهميّته والحاجة إليه- يشكّل جانبًا من الموضوع، يبقى الجانب الأهم المتمثّل في خلق الروابط والعلاقات الإنسانيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، وكل ما يترتّب عليها من آثار إيجابية تساهم في التماسك الأسري والاجتماعي. وإن النظام الحقوقي الإسلامي الجامع بين الحقوق والواجبات والقيم والآداب والسنن هو المؤهّل لخلق مثل هذه الروابط العميقة على مستوى الزوجين، والأبوين، وسائر أفراد الأسرة القريبة والبعيدة، إذ تحتاج هذه الروابط الإنسانيّة إلى ما يحيها ويحرّكها أو يهيّئ لها البيئة المناسبة التي يمكن أن تحيا بها وتولّد الأمان والاستقرار والسعادة والطمأنينة.

هذه السلسة «دراسات نسويّة» التي يشارك فيها نخبة من العلماء والباحثين والمتخصّصين، في قضايا تخصّ المرأة والأسرة والنسويّة وكل ما يرتبط بهما، تسعى لتؤسّس منظومة بحثيّة تخصّصية تغطّي مختلف الجوانب والقضايا المرتبطة بالمرأة والأسرة، بلا فرق بين البحوث التأصيليّة الإسلاميّة، وبين البحوث التي تقدم نقدًا لكل ما طرحه الغرب والمستغرب في قضايا المرأة والأسرة. وهي لهذه الغاية توجّه دعوة مفتوحة للباحثين والباحثات للمشاركة في هذا المشروع.

وهذا الكتاب «حقوق المرأة والأسرة في الغرب «قراءة ونقد» هو الجزء الرابع من هذه السلسلة، وقد خصّصناه للبحث في قضايا وموضوعات ترتبط بالمرأة والأسرة بملاحظة الأبعاد الحقوقيّة الغربية وتطبيقاتها، والآثار المترتّبة على ذلك في الأسرة والمجتمع وتحليلها ونقدها.

 

المدخل

لقد اختار الغربيّون مسلكهم الخاصّ وفلسفتهم المادّيّة في النظرة إلى الإنسان والحياة، وهو ما انعكس على منظومة القيم والحقوق والواجبات الخاصّة بالمرأة، والثقافات التي ينبغي أن تكون دخيلةً أو حاكمةً في السلوك الفردي والاجتماعي عند كلٍّ من الرجل والمرأة.

ويبدو أنّ الدعوة إلى إحياء حقوق المرأة في الغرب، قد جاءت بعد سُبات تاريخي عميق لاقت المرأة فيه أشدّ أنواع الظلم والتنكيل والاضطهاد، ومع هذا فبدلًا من التوجّه إلى إقرار تشريعات تحفظ أنثويّة المرأة وخصوصيّاتها كامرأة لها دورها ووظائفها التي تنسجم مع طبيعة خلقها وفطرتها، فقد تمّ اختزال ذلك والعمل على إشراكها بمنظومة الحقوق الخاصّة بالرجل، ظنًّا منهم أن مشكلة المرأة مع الرجل وليس باختزال شخصيّتها الأنثويّة بالشخصيّة الذكوريّة للرجل.

ومن هنا فإنّ الغربيّين بدلًا من العمل على تقديم فهم نسويّ عن الحقوق الإنسانيّة، والعمل بعد ذلك على إعطاء هذه الحقوق للمرأة، فقد انصبّ سعيهم على إعطاء المرأة تلك الحقوق على طبق المقاييس الذكوريّة؛ ولهذا نرى أنّ جميع الحركات الاجتماعيّة الغربيّة منذ القرن السابع عشر وحتى القرن الراهن ـكانت تدور في محورين رئيسين، وهما: «الحرّيّة» و«المساواة»، خاصّة وأنّ تاريخ حقوق المرأة في أوروبا -من زاوية الحرّيّات والمساواة- كان حافلًا بالمرارات والمآسي، لم يتمّ التأكيد في هذا الشأن على غير «الحرّيّة» و«المساواة»[1]. لقد ذهبت طلائع هذه الحركة إلى اعتبار حرّيّة المرأة ومساواتها في الحقوق مع الرجل مكملًا ومتمّمًا لنهضة حقوق الإنسان التي ظهرت منذ القرن السابع عشر للميلاد، وذهبوا إلى الادّعاء بأنّه ما لم يتمّ ضمان حرّيّة المرأة ومساواتها في الحقوق مع الرجل، فإنّ الكلام عن الحرّيّة وحقوق الإنسان لن يكون له معنى.

يضاف إلى ذلك أنّ جميع المشاكل الأسريّة إنّما تنشأ من عدم حرّيّة المرأة وعدم تساوي حقوقها مع الرجل، ومع ضمان هذه الجهة، فإنّ المشاكل الأسريّة سيتمّ القضاء عليها بضربة واحدة [...]. وقد دارت جميع الأحاديث حول هذه النقطة، وهي أنّ المرأة تشترك مع الرجل في الإنسانيّة، وهي بذلك إنسان بكلّ ما للكلمة من معنى، وعليه يجب أن تتمتّع مثل الرجل بجميع الحقوق الفطريّة للإنسان، وأن يتمّ التعاطي معها على قدم المساواة مع الرجل. ولكن تمّ تجاهل كونها امرأة، وأنّها تتّصف بخصائص تكوينية مختلفة عن الرجل، ولو تمّت ملاحظة هذه الاختلافات، لكانت طريقة إحياء مكانتها وحقوقها قد اكتسبت صبغة أخرى.

وبنظرة موضوعيّة فاحصة لمواثيق الحقوق والتشريعات الدوليّة الغربيّة حول المرأة، يتّضح بأنّ الخلفية والمنطلقات التي استندوا إليها لم تكن المرأة كإنسان أنثى لها خصائصها الخَلقية، وولها أهداف وفلسفة خاصّة في الحياة؛ أسرة ومجتمعًا، وهي التي تميّزها عن الرجل الإنسان الذكر، بل كانت تستند إلى نزعة انفعاليّة وردّ فعل على وضع قائم أودت بالمرأة إلى الوقوع في أسرٍ جديد ولحقَ بها ظلم من نوع مختلف. وحول هذه الحقيقة يقول الشهيد مرتضى مطهّري: «لقد تأخّرت المجتمعات الغربيّة في التفكير في حقوق المرأة، وأدّى هذا التأخّر إلى تغليب العواطف والمشاعر على العقل والعلم اللذَيْن لم يُسمح لهما بإبداء رأيهما في هذا الصدد، وقد نجحت هذه الحركة في فتح بعض الأبواب، ولكن تسرّبت من هذه الأبواب التي فُتحت في وجه المرأة إلى المجتمع الإنسانيّ والمرأة على وجه التحديد، آلامٌ ومصائب ربّما كانت أسوأ ممّا سبقها»[2].

ولهذا إنّ المرأة الغربيّة بدلًا من أن تحدَّد الطريق الذي ترغب في عبوره لتحقّق هدفها في الوجود، أعلنت أنها تريد السّير بجانب الرّجل، وغاب عنها أنّ المشي بجانب الرّجل على حدّ المساواة مجرّد نظريّة لا يمكن تحقيقها عمليًّا؛ وذلك لأنّ المساواة لا يمكن تحقّيقها إلّا إذا تشابهت الأهداف تشابهًا تامًا... والحياة لا تحتمل هذا التشابه؛ لأنّ كلّ نوع يؤدّي مهمّة تختلف عن الآخر، ويستمدّ بقاءه الطبيعي من هذه المهمة وحدها[3].

والملاحظ هنا انعكاس النتيجة، فبدلًا من أن تتحرّر المرأة من قيود الرّجل وأسره حُرّرت من قيود الأخلا،ق لتتحوّل إلى وسيلة من وسائل إشباع شهوة الرّجل نفسه. وقد أدّى هذا التحوّل إلى اهتزاز كيان الأسرة في المجتمعات الغربيّة. ومّا يدلّ على الشعور الغربيّ بهذا الخطر تحوّل الدفاع عن الأسرة وحمايتها إلى شعار من الشّعارات العامة. ومن هنا بدأنا نسمع أصواتًا غربيّة عالية تدعو من جديد إلى استعادة الحقوق الواقعيّة للمرأة، بهدف التخفيف من حدّة تلك الحركة العجولة التي أطاحت بكرامة المرأة وأخلاقها بعد أن أدّى الابتذال وسهولة نيل المرأة والحصول عليها إلى الزهد بها وعدم الرغبة فيها.

فثمّة فرق واضح بين الدّعوة إلى تحرير المرأة وإنصافها والحركات التي تبنّت هذه الدّعوة، سواء في البلاد الغربيّة أو الشرقيّة، وبين النّزعة الأنثويّة المتطرّفة (Feminism) التي تبلورت في الغرب، والحركات التي تبنّت هذه النّزعة المتطرّفة... فأقصى ما طمحت إليه حركات تحرير المرأة هو إنصافها من الغبن الاجتماعي والتّاريخي الذي لحق بها، والذي عانته أكثر مما عانه الرّجال مع الحفاظ على فطرة التميّز بين الأنوثة والذّكورة، وتمايز توزيع العمل وتكامله في الأسرة والمجتمع على النّحو الذي يحقّق مساواة الشقّين المتكاملين بين الرّجال والنّساء... من دون إعلان للحرب على الدّين ذاته وسائر القيم الاجتماعيّة في هذا المجال، ولا سيما ما يرتبط بالحرب على الرّجال.

أمّا النّزعة الأنثويّة المتطرّفة (Feminism) أو الأنثويّة الراديكاليّة، فهي حركة فكريّة سياسيّة اجتماعيّة متعدّدة الأفكار والتّيارات، تسعى للتغيير الاجتماعي والثقافي وتغيير بناء العلاقات بين الجنسين، وصولًا إلى المساواة المطلقة كهدف إستراتيجي. وتختلف نظريّاتها وأهدافها وتحليلاتها تبعًا للمنطلقات المعرفيّة التي تتبنّاها، وتتّسم أفكارها بالتطرّف والشذوذ، وتتبّنى صراع الجنسين وعداءهما، وتهدف إلى تقديم قراءات جديدة عن الدّين والّلغة والتّاريخ والثقافة وعلاقات الجنسين[4].

وبغض النظر عن الفلسفة التي قامت على أساسها الحركة النّسويّة (الجندر)، وعن الغاية والأهداف التي رسمتها لنفسها، فإنّها حقّقت تغييرًا اجتماعيًّا واضحًا وقويًّا في قيم المجتمعات والشعوب وثقافاتها، إذ لم يكتف دعاة هذه الحركة بتياراتها وألوانها المتعدّدة في كل العالم بطرح النظريات والصدح بالشعارات ومواجهة أفكار الآخر الدينيّة وغير الدينيّة، بل تمكّن هؤلاء من خلال المؤتمرات الدّوليّة والتغلغل في المؤسّسات التربويّة والإعلاميّة وغيرها من الحضور بفاعليّة في المحافل الأمميّة، والتحرّك لسنّ الشرَع الدّوليّة، وتعديل الكثير من قوانين الدّول بما ينسجم وثقافة الجندر وتطلّعاته. ولم يقتصر ذلك على قوانين الأحوال الشخصيّة والعمل والتّعليم ونحوها...، بل سرى إلى تفاصيل الحياة وجزئيات الإدارة، كالكتابة على تذاكر الطيران وغيرها من الوثائق الرّسميّة كلمة الجندر بدل الجنس للإشارة إلى الذّكورة أو الأنوثة.

ومن أخطر الآثار الناشئة عن الجندر، والتي انعكست على حياة المجتمعات الغربيّة أوّلًا وبدأت بالتسلّل إلى مجتمعاتنا المحافظة ثانيًا، ما يرتبط بحرف دور المرأة في تشكيل الأسرة الطبيعيّة المنسجمة مع فطرة الإنسان وخلقه، وتربيتها وتحصينها من الرذائل عن مساره الفطري. ففُتحت العلاقات بين الذكر والأنثى، وأصبح الإنجاب خارج إطار الأسرة أمرًا طبيعيًّا ومشرّعًا، بل وفُتح الباب القانوني للعلاقات المثلية (الزواج المثلي) الذي يلغي كليًّا فكرة الأسرة...، وفي الواقع إنّهم قتلوا الروح في البناء والروابط الأسريّة التي تشكّل المرأة (الزّوجة والأم) ركنه الأهم والأساس.

وبالمقابل عندما ندقّق في البحث عن نظام حقوق المرأة في الإسلام، يتبيّن أنّها تستند على مجموعة من المبادئ، من أهمّها:

- إنّ الهدف من القوانين المرتبطة بالمرأة، كما سائر القوانين، هو الأخذ بيد الإنسان للوصول إلى السّعادة والقرب من الله سبحانه وتعالى. وهذا ما يسوّغ اهتمام الإسلام بعفّة المرأة وطهارتها، ومن هذا الاهتمام ينشأ الاختلاف في بعض الحقوق والتّكاليف.

- يهتمّ الإسلام بشكل واسع بالأسرة؛ فهي المهد الّذي يحتضن حياة الإنسان من مرحلة طفولته، وفيها يكتسب أهمّ العناصر المكوّنة لهويّته وشخصيّته. وقد نظّم الإسلام رؤيته الحقوقيّة والقانونيّة في ضوء هذا الاهتمام ما أدّى في بعض الأحيان إلى شيء من الاختلاف بين الرّجل والمرأة في بعض التفاصيل القانونيّة.

- إنّ الاختلاف المشار إليه بين الرّجل والمرأة في الحقوق والواجبات يستند إلى منهج واقعيّ حكيم، ولا يستند إلى التحكّم والظلم أو التمييز. وبعبارة أوضح: إنَّ الاختلاف بين الرّجل والمرأة يُعطي كلًّا منهما دورًا خاصًّا به في المجتمع وموقعًا كذلك. ومن الطبيعيّ أن تترتّب على الأدوار المختلفة حقوق وواجبات مختلفة، فكما أنّ اختلاف القوانين يكون ظلمًا مع وحدة الواقع، كذلك وحدة القوانين مع اختلاف المواقع. والإسلام يُعارض الظلم بكلا نوعيه. ومن هنا، فإنّه في العناصر المشتركة قد شرّعَ للرجل والمرأة أحكامًا متطابقة، وميّز بينهما في جهات الاختلاف.

 - في ضوء ما تقدّم، يتّضح سرّ اجتماع أكثر نقاط التمايز القانونيّ والحقوقيّ بين الرّجل والمرأة في البيئة الأسريّة. وذلك أنّ الرّجل كما المرأة يأخذ كلٌّ منهما موقعًا خاصًّا في الأسرة يُميّزه عن موقع الآخر، ولا يمكن أن يحلّ محلّه بأيّ وجه من الوجوه. وربّما يُفسّر هذا الأمر النهي الإلهيّ عن تمنّي الرّجل ما فضّل الله به المرأة والعكس[5].

- وعلى المستوى الحقوقي والتشريعي يتّضح أنّ اشتراك المرأة والرّجل في الهويّة والمقام والمنزلة بل والأصول القانونيّة الكليّة، لا يمنع من اختلاف التفاصيل المرتبطة بكلٍّ منهما. إذ يقتضي اشتراك الرّجل والمرأة في الهويّة والطبيعة اشتراكهما في الحقوق والتكاليف. ومن هنا، فإنَّ اختلاف بعض الحقوق أو التكاليف لا تؤدّي بأيّ وجه إلى رفعة المرأة أو الرّجل أو دناءة مقامهما، ولا تؤدّي تاليًا إلى تقسيم النوع الإنسانيّ إلى مرتبتين. فإنّ أكثر هذه الاختلافات الحقوقيّة والقانونيّة ينشأ نتيجة طروء عناوين خاصّة على الرّجل أو المرأة جرّاء موقعهما الذي يأخذانه داخل الأسرة. ومن هذه العناوين: أب، أمّ، زوج وزوجة، أخ وأخت، عمّ وعمّة، وهكذا... وليست هذه الاختلافات مترتّبة على عنوان الرجولة أو الأنوثة. وما يؤكّد هذا المدّعى هو أنَّ اختلاف الرّجل والمرأة في الحقوق ميدانه ساحة الأسرة. وهذا لا ينفي وجود بعض الاختلافات الجزئيّة المترتّبة على عنوان الرجولة والأنوثة.

--------------------------------------------

[1]- وبحسب الكثير من الباحثين كانت هذه الحركات على مدى هذه القرون موجّهة إمّا ضدّ استبداد الكنيسة أو استبداد الرأسماليّة. فإن كانت المسألة الأساسيّة هي «الاستبداد الاجتماعيّ»، فإنّ المطالب الأهمّ المطروحة في قبال ذلك هي «التساوي في الحقوق مع المستبدّين» و«التحرّر في قبال المستبدّين». ولكن هل المظالم التي تعرّضت لها المرأة على طول التاريخ هي من سنخ «الاستبداد الاجتماعيّ» من قبل الرجال، حتى نلتمس حلّ ذلك في «المساواة في الحقوق» و«الحرّيّة» للنساء؟ أم أنّ هذه المظالم هي من سنخ «الظلم بين أفراد الأسرة» (من قبيل: ظلم الوالدين بحقّ الأولاد) الذي هو من جذور أخرى، ولذلك فإنه يستدعي طرق حلّ أخرى؟

[2]- مطّهري، مرتضى، نظام حقوق المرأة في الإسلام، ص184.

[3]- الينهوم، الصادق، الحديث عن المرأة والديانات، ص49.

[4]- حلمي، كاميليا، رئيس الّلجنة الإسلاميّة العالميّة للمرأة والطفل والدكتور مثنى أمين نادر الكردستاني - باحث دكتوراه في العقيدة والفلسفة، موقع الّلجنة الإسلاميّة العالميّة للمرأة والطفل، الجنـــدر ... المنشأ - المدلول - الأثر. بتصرّف.

[5]- (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَليمًا) (النّساء: 32).

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف