تأليف :
غي بيرفيليه
ترجمة :
جمال عمّار
فهرس المحتويات :
المقدمة
الإمبراطوريّة الاستعماريّة
ما الاستغلال؟
هل الإسكانُ الحضَريُّ هو استعمارٌ؟
المصادر
مقدمة المرکز
باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.
إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.
من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.
وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.
المقدمة
يسعى هذا البحثُ من خلال المنهجِ التحليليّ إلى الكشفِ عن حقيقةِ الاستعمارِ[2]، بتجريدِ الاصطلاح دلاليًا عن باقي الاصطلاحاتِ المرتبطةِ به كاصطلاحِ السيطرةِ الهيمنة[3]، والاستغلالِ[4]، والاستيعابِ[5]، كما يفرّقُ بين الاستعمارِ والاستغلالِ؛ ليصلَ إلى أنّ الاستعمارَ وسيلةٌ خاصّةٌ للهيمنة، فهو شكلٌ خاصٌّ من أشكالِ الاستغلال؛ فالاستعمارُ هوَ عمليّةُ استغلالٍ لجميعِ مواردِ البلد، يقومُ بها سُكّانٌ جُدُدٌ يستقرّون فيه ويشكلّون مجتمعًا تامًّا كاملًا.
وتناولَ هذا البحثُ العديدَ من الأمورِ المهمّةِ والدقيقةِ، أهمّها موقفُ الاستعمارِ من السكّانِ الأصليينَ، كإشراكهم في مشروعه، أو إقصائهم وطردهم، أو استيعابهم كإيدٍ عاملة. والإقصاءُ في نظرِ الباحثِ، هو النّمطُ الأساسيُّ للعلاقاتِ بين الاستعمارِ، والسّكّانِ البلديّينَ الأصليّين؛ لأنّ المستعمراتِ الكبرى الحقيقيّةَ، الأشدَّ كثافةً سُكّانيّةً، لا تحتاج إلى السّكّانِ البلديّينَ الأصليّين، الذين يمثّلون أقليّةً ضئيلةً، ويُمكن نظريًّا ألّا يكونَ لهم وجودٌ. ويعدُّ المستعمِرُ المستوطِنُ الأرضَ شاغرةً، غيرَ مشغولةٍ، وهذا يُتيح له استغلالُها، واستعمارُها كما يريد. وفي البحثِ موضوعاتٌ عديدةٌ أُخر، سوف تطّلعُ عليها مفصّلًا في تضاعيفه.
غي بيرفيليه
إنّ «الفكرة الاستعماريّةَ»[6]، في فرنسا كما في غيرها، تتميّز بأدنى درجات الوضوح والجَلاء، ولا تسير نحو مزيدٍ من الوضوح، بل هي، على العكس من ذلك، تزداد إيغالًا في الغموض.
«الاستعمار»، و«الاستعمارويّة» «النّزعة الاستعماريّة»[7]، و«الامبرياليّة» «الاستكبار»[8]، إليكم البعض من المصطلحات التي تُستعمل بغموضٍ بدرجاتٍ متفاوتةٍ، والتي يمثّل تجميعُها رُكامًا خليطًا دلاليًّا ذا حدودٍ مُبهَمةٍ.
«ما المقصودُ؟»: لا أحدَ يسأل هذا السّؤالَ؛ لأنّ المفروضَ أنّ الجميع يملكون الجوابَ عنه؛ كلٌّ يحمل في ذاته جوابَه الخاصَّ به، الذي هو على قدرٍ كبيرٍ من الذّاتيّة وعلى قدرٍ متدنٍّ من الدِّقّة بحيثُ يبقى غالبًا مُضْمَرًا. من أجل ذلك نلحظ أنّ المناقشاتِ بين «أنصار الاستعمار»[9] و«الـمُعادين للاستعمار»[10]، مثلًا حول القضيّة الجزائريّة [الاستعمار الفرنسيّ]، أو في زمنٍ أقربَ إلينا، حول «الطابع الاستعماريّ» لدولة إسرائيل[11]، قد أخذت صبغةَ الجدال الفوضويّ العقيم. لكنْ مَنْ في زمننا هذا، يجرُؤ على التّصريح بأنّه من «أنصار الاستعمار»[12]؟ لقد فقد الاستعمارُ صيتَه وهيبتَه؛ إنّه الآن وصْمةُ عارٍ. وعلى الرّغم من ذلك فإنّ الاستعمارَ مجهولُ الحقيقة واقعًا.
عندما نسمع كلمةَ «استعمار» تسبق إلى أذهاننا «السّيطرة» الهيمنة، وهذه الأخيرة تستبطن «الاستغلال». حتّى أنّ الاستعمار، الـذي يكثر الكلام حوله، لم يُفكَّر فيه أبدًا. وبسبب هذا اللَّبْس المتواصل فإنّ الاستعمار هو الحالةُ المعاكسةُ لحالة الألزاس-اللُّورانْ[13] بعد معاهدة فرنكفورت: «نتكلّم عنها دائمًا، ولا نفكّر فيها البتّة!...».
نحن ضائعون طوْعًا في متاهة التّصنيفات المتعلّقة بـالاستعمار، بأنواعه المختلفة وبمنظوماته المتعدّدة: هي تصنيفاتٌ اقتصاديّةٌ، وقانونيّةٌ، وتاريخيّةٌ... يبدو أنّ الاستعمار من الأمور التي يتعذّر تعريفُها، مثل الكهرباء، إلّا من خلال مظاهرها وآثارها! هل من الشّطط أنْ نطالب بتعريفٍ نظريٍّ واضحٍ قادرٍ على حصر كلّ الحالات الخاصّة للاستعمار في صيغةٍ جامعةٍ بسيطةٍ؟ إذا ما تعذّر علينا إرجاعُ تشكيلة «الظواهر الاستعماريّة»[14] المتنوِّعة إلى هذه الوحدة الجميلة، فينبغي، على الأقلّ، أنْ نُشخِّصَ اثنين أو أكثرَ من العناصر الأساسيّة، التي يُمكِّننا توليفُها من إعادة بناء «الحالات الاستعماريّة»[15] المرصودة تاريخيًّا. في هذه الفرضيّة يُخشى أنْ يكون كلُّ اقتراحٍ عامٍّ متعلّقٍ بـالاستعمار خاطئًا في عموميّته، مع أنّه يمكن أنْ يكون صحيحًا جزئيًّا.
في الماضي فقط، وجدنا بعض الأمثلة المشجِّعة لهذه المنهجيّة التّحليليّة. يُميِّز مقالُ «مستعمرة»[16]، في الموسوعة البريطانيّة[17]، طبعة سنة 1877، يُميّز بشكلٍ قاطعٍ بين نوعَيْن من الاستعمار، واحد منهما فقط يتوافق مع هذا المفهوم. بعد ذلك، نجد أنّ جُول هارْمنْد[18]، مستوحِيًا من المفهوم البريطانيّ نفسِه، يخصّص اسم الاستعمار لما يُطلَق عليه بشكل عامٍّ اسم «استعمار الإسكان»[19]«استعمار التّوطين»، وذلك في كتابه، المنشور سنة 1910م، السيطرة والاستعمار (الهيمنة والاستعمار)[20]. ثم من بعده، ميّز جورج هارْدِي[21]، مثلًا، بين «الطّابع الاستعماريّ»[22] و «الطّابع الامبرياليّ (الطّابع الاستكباري)»[23]. لكنْ، وللأسف، لم يترسّخ هذَان الـمَثَلان فيكونا قدوةً علميّةً للباحثين، وبإمكاننا، ومن خلال مقال «مُستعمَرة»، في الموسوعة البريطانيّة نفسِها، الـمُحيَّن في طبعة 1969، أنْ نرصد مدى الانحدار الحاصل في الأفكار الواضحة ومدى ازدياد الخبل (الاختلاط العقليّ)[24]، في عالَمنا المضطرب أكثرَ من أيِّ زمنٍ مضى.
من أجل ذلك أرى أنّه من الواجب علينا أنْ نستعيد هذه المنهجيّةَ التّحليليّةَ، وأنْ ندفعَ بها إلى مدًى أبعدَ. سوف نسعى للقيام بـ«تحليلٍ طيفيٍّ شاملٍ»[25] للرُّكامِ الخليطِ الدّلاليّ. سوف يمكّننا هذا التّحليلُ من التّمييز ليس بين عنصرَيْن أساسيَّيْن فقط، بل بين أربعة عناصرَ[26]، يُؤْمَلُ أنّ التّوليف بينها يكفي لإعادة رسم الفروق الدّقيقة بين الظّواهر الملحوظة. هذه العناصر هي:
السيطرة الهيمنة؛
الاستغلال؛
الاستعمار بحصر المعنى[27]؛
الاستيعاب.
وهكذا يصبح بإمكاننا أنْ نميّز الاستعمارَ من الظّواهر المرتبطة به، والتي غالبًا ما يقع الخلط بينه وبينها، تمامًا كما يخلّص سَبّاكُ المعادنِ المعدنَ من الشّوائب.
من الخطأ أنْ يجنحَ ظنُّ البعض إلى أنّ هذا المشروعَ النّظريَّ الذي يروم «إضفاء معنًى أكثرَ وضوحًا على كلماتٍ مألوفةٍ عند أهل الاختصاص»[28]، يندرج تحت هوَسٍ نرجسيٍّ صادرٍ من صَفائيٍّ[29] هاوٍ لفنّ التأصيل اللّغويّ، أو من «مُجرِّدٍ خالصٍ»[30]. نحن ندرك جيدًا أنّ الكلماتِ لها تاريخٌ، وأنّها تغتني (تتطوّر) أو تبلى بالاستعمال؛ لكنّ الكلماتِ، التي نتكلّم عنها هنا، قد تآكلتْ عبر تاريخها إلى درجة أنْ لم يبقَ لها سوى مظهرٍ خادعٍ من المعنى. نحن نسعى، تحديدًا، إلى إعادة معنًى إلى كلماتٍ صارت جوفاءَ خاويةً من المعنى[31]. من أجل تحقيق ذلك من الضّروريّ أنْ نبحث عن الظّروف التّاريخيّة التي حصل فيها هذا التّآكل الدّلاليّ. كيف تكوّنت الفكرةُ الملتبسةُ عن الاستعمار التي نسعى إلى توضيحها؟ لماذا صمدت فاستمرّت إلى أيامنا هذه؟ هل إنّ النّاسَ قليلو الاهتمام بالتفكير من خلال مصطلحاتٍ صحيحةٍ ودقيقةٍ؟
أوّلا، يجب أنْ نُزيحَ عن عقولنا غشاوةَ الوهم حول هذه النّقطة: لقد حافظ اللَّبْسُ على وجوده في العقول؛ لأنّه يخدم مصالح الصّائدين في المياه العكرة.
«إحدى الأساليبِ الأكثر شيوعًا التي تنهجها الظّلاميةُ المعاصرةُ تتمثّل في اللّعب على الغموض المقصود الذي أُلْقيت في غَيابَته المفاهيمُ المستعملةُ. مقابل هذا النّزعة، يجب علينا أنْ نعود إلى متطلّبات القرن الثّامن عشر، أيْ إلى المتطلّبات الحقيقيّة لكلّ عملٍ علميٍّ جديرٍ بهذا الاسم: أنّ نُعرِّفَ، دائمًا، الكلمات التي نستعملها، وألّا نستعملَها إلّا في المعاني التي قد سبق أنْ وُضعت لها وذُكِـرتْ في تعريفها»[32].
لا يمكن لعلم التّاريخ ولعلم السّياسة، إنْ أرادا أنْ يكونا عِلمَيْن حقًّا، أنْ يظلّا تابعيْن خاضعيْن للمصطلحيّة الإيديولوجيّة.
تمثّل السيطرةُ (الهيمنة)، والاستغلالُ، والاستعمارُ، والاستيعابُ جوانبَ متكاملةً من ظاهرةٍ قديمةٍ قِدَم التّاريخ البشريّ: هي ظاهرة توسُّع المجتمعات والحضارات. لقد كسرتِ البشريّةُ حاجزَ الانغلاق القَبَليّ من خلال التمدّد العُنفيّ أو السِّلميّ، ووسّعتْ آفاقَها إلى مدًى يشمل مجموعاتٍ كبيرةً متّحدةً في حضارةٍ جامعةٍ واحدةٍ، إلى أنْ وصل الأمر بالبشريّة إلى الحالة الحاضرة لعالَـمٍ مُوحَّدٍ تقنيًّا من خلال وسائل التّواصل السّريعة، مع أنّه لا زال مُقسَّمًا من جهة المصالح والأفكار[33]. إنّ التوسّعَ الأوروربيَّ، الذي استمرّ بعنادٍ من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين، هو السببُ الأساسُ لهذا العبور إلى المدى العالمي؛ لكنْ، هذا لا يعني أنّه لم تحدث عمليّاتُ توسُّعٍ في ما سبق من تاريخ البشريّة، وأنّه لنْ تحدثَ عمليّاتٌ أخرى في المستقبل.
السّيطرةُ (الهيمنةُ) هي سلطةُ السّيد[34] المطلَقة على عبيده. وتُرادفها في المعنى، تمامًا، كلمةُ التسلّط السّطوة[35]، [ومنها أُخذ اسمُ الإمبراطوريّة[36]]، التي هي السّلطة غير المشروطة للقائد العسكريّ على جنوده، وتوسُّعًا في المعنى، تُضافُ سلطتُه على أعدائه المغلوبين. وهكذا، فإنّ الإمبراطوريّة، في العلاقات الدّوليّة، هي كيانٌ سياسيٌّ قائمٌ على الغزو العسكريّ، وعلى توطيد وجوده باستعمال القوّة العسكريّة، أو بمجرد استعراضها والتّلويح باستعمالها للتّرهيب. يمكن أنْ يتحوّل تحالُفٌ معقودٌ طوعًا إلى تسلُّطٍ: هكذا كانت الإمبراطوريّةُ الأثينيّةُ، أو الإمبراطوريّة الرّومانيّة في بداياتها. تُعرِّف الإمبراطوريّةُ نفسهَا بتعدّد الشّعوب والدّول القديمة التي تجمعها تحت سلطتها. من بين تلك الشّعوب يُوجَد عمومًا شعبٌ واحدٌ يجب تمييزُه عن البقيّة: إنّه الشّعبُ الغازي، الذي تأخذ الإمبراطوريّةُ منه اسمَها: الإمبراطوريّة الفارسيّة، الإمبراطوريّة الرّومانيّة، إمبراطوريّة الصّين تْصِنْ[37]، الإمبراطوريّة العربيّة، إلخ... .
يتسبّب تكوينُ الإمبراطوريّة في مشكلةٍ سياسيّةٍ، هي مشكلةُ وحدة المجموع المكوَّن بهذه الطّريقة. هل يجب الحفاظ على امتياز الشّعب الغازي، الغالِب، في العلاقة بكلّ الشّعوب الأخرى المغلوبة؟ سوف ينتج عن ذلك إمبراطوريّةٌ غيرُ متجانسةٍ[38] وهشّةٌ؛ لأنّ الصّرحَ الـمَشِيدَ على القوّة والفاقدَ للحسّ السّياسيّ العامّ[39] سوف يكون مهدَّدًا بالتفكّك منذ أنْ تفقدَ القوّةُ الغازيةُ سلطتَها، أو أنْ تغلبَها جهةٌ أخرى أقوى منها. أو هل سيتمّ، تدريجيًّا تصاعديًّا، بسْطُ وضعِ الشعب الغالبِ واسمِه إلى مجموع مواطنينه؟ وهكذا سوف يتكوّن جسمٌ سياسيٌّ جديدٌ، لن يحتفظ من الإمبرطوريّة سوى باسمها، وسوف يُصبح واقعًا أمّةً جديدةً، أوسع جغرافيًّا، وأشدًّ قوّةً من كلا الكيانَيْن السّابقَيْن. ظلّتِ الأمبراطوريّةُ الرومانيّةُ نموذجًا مثاليًّا لمثل هذا التّطوّر في الذاكرة الجماعيّة للشّعوب الأوروبيّة: منذ الدّستور الأنطونيّ لسنة 212 مرسوم كاراكالّا[40]، تحوّلتِ الإمبراطوريّةُ الرّومانيّةُ[41] إلى رومانيا[42]، ولقد رثا سقوطَ روما سنة 410 الغاليُّ من بلاد الغال[43] روتيليس ناماتيانوس[44] بعباراتٍ لا تُنسى: «لقد كنتِ مدينةً (عاصمةً) لما كان في ما مضى عالَمًا بذاته»[45]. في الطّرف الآخر من العالَم، كانت الإمبراطوريّةُ الصّينيّةُ تمثّل النّموذجَ المثاليَّ نفسَه للدّولة التي تجمع في كيانها الموحَّد أغلبَ ما كان يبدو أنّه هو العالَم أجمعَ.
في الحقيقة، يبدو أنّ الخاصيّةَ المميِّزةَ للإمبراطوريّات هي السّعي لتحقيق مشروعٍ ذي مدًى عالميٍّ. هو مشروعٌ مُفارِق غريبٌ غير معقول[46]، كما أنّ فاعليّته لم يتمَّ إثباتُها من خلال التّجربة بشكلٍ تامٍّ بعدُ. وذلك يعني بكلّ بساطةٍ، السّعيَ لفرض السّلام بتوسّل الحرب. لقد عرض شارل بيگْوِي[47] هذا الموضوعَ، في كتابه فيكتور ماري الكونت هيگُو[48]، وذلك في رثائه للقائد العسكري أرْنسْتْ بسيشاري[49]:
«لاتينيٌّ، رومانيٌّ، وريثٌ للسلام الرّومانيّ... رومانيٌّ وريثٌ للقوّة الرّومانيّة، رومانيٌّ وريثٌ للقانون الرّومانيّ... صانعٌ للسّلام، بانٍ مؤسِّسٌ، منظِّمٌ مدبِّرٌ، مُقنِّنٌ، متكلِّمٌ ذو حُجّةٍ...، أنت صانعُ السّلام، الذي أرسى السّلامَ تحت ظلال السّيف، وهو السّلامُ الوحيدُ الذي يصمد، والوحيدُ الذي يدوم، والوحيد المأمون في النهاية هو في الحقيقة السّلامُ الوحيد الشرعيُّ وسليمُ المعدن؛ أنت الذي يعرفُ ما يعني السّلامُ المفروضُ، ويعرف كيف يفرض السّلامَ، وسيادةَ السّلام؛ أنت الذي يحفظ السّلام بالقوّة، «أنت الذي يفرض السّلام بالحرب»[50]؛ وأنت الذي يعرف أنْ لا سلامَ صلبًا وثابتًا إلّا ما كان مفروضًا بالقوّة، وإلّا الذي تحفظه الحربُ، ومن دون حاجةٍ لاستعمال السّلاح؛ أنت الذي صنع السّلام بالأسلحة، وفرضَه، وحفظه بقوّة الأسلحة...»[51].
اقترح الأمريكـيُّ جيْمسْ بورْنْهامْ على بلده أنْ يلعب هذا الدّورَ الإمبرياليَّ (الاستكباريَّ)[52]. لكنّ رؤساءَ الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وإنْ كانوا منذ ثلاثين سنة يلعبون دورَ «دَرَكِيِّي العالم»[53]، لا يحبّذون بتاتًا عبارةَ «الإمبراطوريّة الأمريكيّة»، بل يحبّذون اسم «القائد»[54]. «القائدُ» يعني «الهيمنة»[55]، وهي العبارة التي نعتهم بها الجنرال ديغول[56]، والتي تعني إدارة تحالفٍ. كان اليونانيّون القدامى يميّزون بوضوحٍ، قبل انتصار إسبرطة على أثينا، «هيمنة» اللّاسيدوميّين (الدّوريّين / الإسبرطيّين القدامى[57]) المحترمين، مِن سيادة حلفائهم، ومن الحلف[58] الذي فرضه الأثينيَون على المدن التّابعة لهم. لكنْ، كما يُثبت مثال أثينا، ومثال إسبرطة بعد انتصارها، يمكن أنْ يتحوّل حلفٌ إلى إمبرطوريّةٍ، وعبارةُ «الإمبرياليّة الأمريكيّة» أصبحتْ شائعةً في أوساط اليسار، تمامًا مثل عبارة «الإمبرياليّة السوفياتيّة» في أوساطٍ أخرى.
يمكننا أنْ نعرّف الإمبرياليّة (الاستكبار) بأنّها سياسةٌ تهدف إلى غزو الآخرين، تمارسها إمبراطوريّةٌ بنحوٍ واعٍ ومتعمَّدٍ. هكذا شخّص هاينريش فريديُونْگْ[59] «عصرَ الإمبرياليَّة»: «تصبح الرّغبةُ في القوّة واعيةً، ولهذا فهي ترقى إلى درجة دافعٍ للحركة»[60]. وعلى العكس من ذلك، يرى رايمون آرون[61] أنّ قوّةً عظمى يمكنها أنْ تُطبّق سياسةً «تسلّطيّةً»[62] من دون قصدٍ «إمبرياليٍّ[63]»[64].لقد طال الجدالُ في محاولة معرفة التّاريخ الذي كفّ فيه التوسُّع الرومانيُّ عن كونه عَرَضيًّا[65] ليصبح منهجيًّا[66]؛ يزعم البعضُ أنّ الإمبراطوريّةَ البريطانيّةَ كانت قد غُزِيَتْ «في حين نوبةٍ من الذّهول وشرود الذّهن»[67]. يُصوَّر التكوُّنُ غيرُ الإراديِّ للإمبراطوريّات، بشكل عامٍّ، كحالاتٍ تحصل بعد وقوع حروبٍ دفاعيّةٍ أو هجوماتٍ وقائيّةٍ، الغرضُ الوحيدُ منها هو حمايةُ الحدود بتحسين الوضع الأمنيّ للحدود. أدان ليونارْد هوبْهَاوْسْ[68]، في كتابه الدّيموقراطيّة وردّ الفعل[69]، المنشور سنة 1904، أدان هذا التّفسيرَ الذي يُلْقي بالمسؤوليّة في وقوع الغزو على الشّعب الـمَغْزُوّ:
«يجد الـمُراقبُ المتتبّعُ المتحيِّرُ، الذي ينتظر بلا جدوى حدوثَ هذا السّلامِ البريطانيِّ الموعودِ طويلًا، يجد نفسَه في مواجهة تسلسُلٍ لا ينتهي إلى حدٍّ من الحروب الحدوديّة، التي تتفاوت في ضراوتها وخطورتها، والتي تنتهي جميعُها بضمّ أراضٍ جديدةٍ. تحت سلطة الإمبرياليّة، «معبدُ جانوس لم يُغلِقْ أبوابَه أبدًا». ولمْ تكفَّ الدماء عن السّيلان، ولم تكفَّ العيونُ الثّكلى عن بكاء الموتى. يقينًا، في كلِّ حالةٍ كان يُذْكَر تبريرٌ رائعٌ. نحن دومًا في حالة دفاعٍ في حروبنا. لم تكن لنا نيّةٌ للدّخول في الحرب. نعم لقد دخلنا الحرب، لكنْ لمْ يكن في نيّتنا احتلالُ أرضِ العدوِّ المغلوب. صحيحٌ أنّنا قد احتللنا أرضَه بشكلٍ مؤقَّتٍ، لكنّنا لا ننوي ضمّها. لقد ضممناها، لكنْ لقد كنّا على يقين منذ البداية أنّ سيرورة الأحداث كانت غيرَ قابلةٍ للتجنّب، وأنّ ما حصل كان قدرًا محتومًا. في جميع الحالات كنّا نقوم بحربٍ دفاعيّةٍ، وفي جميعها كانت الأحداثُ تنتهي بنا إلى احتلال أرض جيراننا المعتدين علينا».
هذه هي القصّةُ الخياليّةُ[70] التي تُدْعَم رسميًّا. والحقيقةُ هو أنّنا ننهجُ سياسةً حربيّةً هجوميّةً على نطاقٍ واسعٍ وبمثابرةٍ كبيرةٍ، وبأنّنا، لـمّا نجتهد في إغماض أعيننا باستمرارٍ، نكون قد نجحنا في خداع أنفسنا أو بعبارةٍ أبسطَ، نكون قد نجحنا في تقديم الدّليل على نهجنا السياسيّ المتخم بالنّفاق، والأشدّ إجرامًا من محكمة فاقدةٍ للعدالة[71].
إنّ صعوبة ترجيح أحد هذَين التّفسيريْن على الآخر هي بمقدار كون الاختلاف بين الدّفاع والاعتداء ليس دائما جليًّا. في الواقع، وكما أشار هانْسْ دلْبرُوكْ[72] و سيمونّْ ڥَيْلْ[73]، إنّ الأمن المطلق بالنّسبة للبعض يستتبع اللّاأمنَ المطلق بالنّسبة للآخرين، والعكسُ صحيحٌ.
إذا ما كانت الإمبرياليّةُ تتميّز بالوعي بالذّات والإحساس بها، تصبح هذه السّياسةُ بحاجةٍ إلى تبريراتٍ إيديولوجيّةٍ. يمكن أنْ تكون هذه التبريراتُ ذاتيّةً (عِرقيّةً[74] ، وقوميّةً[75]، ووطنيّةً[76]، أو دينيّةً بمعنى الدّين العِرقيّ[77]) أو خَلاصيّةً كونويّةً[78] (توسيع مجال الدّين الصحيح، رسالة الحضرنة[79]، توحيد العالَم)، أو تكون التبريراتُ من النوعيْن معًا. والإمبراليّة، ككلّ نهجٍ سياسيٍّ «استكباريٍّ تسلطيٍّ»[80]، ومُحدَّدٍ بالظّروف، يجب أنْ يمنح امتيازاتٍ في شكل عطايا مادّيةٍ، ولو في حدود ما يعوّض عن التّضحيات في الأرواح البشريّة والخسائر الماديّة التّي يتسبّب فيها. الغنائمُ، والفديات أو غرامات الحرب، وأموال الجزية، والضّرائبُ، الماليّة أو العينيّة أو التي في شكل عملٍ، المفروضةُ على المغلوبين، والوحدات العسكريّة التي توضَع في خدمة الجيش الغازي المنتصر، ذلك كلُّه ليس بالفوائد البسيطة. الأمنُ نفسُه، لو كان غرضًا مقصودًا ومتَّبعًا عمليًّا، هو امتيازٌ ملموسٌ في شكل تأمينٍ ضدّ الخسائر النّاتجة عن أيّ غزوٍ محتمَلٍ من الأعداء.
يُضاف إلى الفوائدِ غير الرسميّة، التي تنتج عن الغزو، الفوائدُ العاديّةُ الآتيةُ من استغلال المقاطعات الـمَغزُوّة، نظرًا إلى أنّ نفقات السّيادة عليها لا تتجاوزها. لقد أصبح من الأفكار العامّة المبتذَلة أنّ استغلال الأراضي الـمَغزُوّة يُؤدّي إلى إثراء الشّعب الغازي، بما يؤدّي إلى حدوث تحوّلٍ في العلاقات الاجتماعيّة والسّياسيّة في وسط هذا الأخير. في أثينا مكّن هذا الاستغلالُ من تطوير الديموقراطيّة بفضل الميستوُيْ[81]، التي هي تعويضاتٌ ماليّةٌ وظيفيّةٌ كانت تُدفع إلى أعضاء الجمعيّات والمحاكم. في روما مكّن هذا الاستغلالُ العائلاتِ الكبرى الباتريسيّة[82] والبليبيّة[83] من الإثراء، مع تأمين الهِبات والخبز والألعاب للجماهير العاطلة عن العمل. وفق المثال الرّومانيّ، وعلى الرّغم من المثال الأثينيّ، من المسلَّم به، بشكلٍ عامٍّ، أنّ ممارسةَ سلطةٍ غير محدودةٍ عل شعوبٍ أخرى يصيب السّياسةَ الدّاخليّةَ للدّولة الغازية بالعدوى، فتصبح سلطةً طاغوتيّةً: «الشعب الذي يضطهد شعبًا آخَرَ هو شعبٌ غيرُ حرٍّ»، حسب كارل ماركس[84]. يبدو، على أقل تقديرٍ، أنّ ممارسة السّلطة التسلّطيّة (الاستكباريّة) في نظلم حكمٍ ديموقراطيٍّ يطرح العديد من المشاكل: كان يُوجد، في الإمبراطوريّة الفرنسيّة، تناقضٌ أكيدٌ بين الإيديولوجيا الدّيموقراطيّة الـتي تنشرها المدرسةُ، وبين الاستبداد الذي تمارسه الإدارةُ الاستعماريّةُ. لكنّ الكُتَّابَ كلَّهم يتّفقون، إجماعًا، على الإقرار بأنّ إثراء الشّعب الغالب في الحرب أو إثراء طبقته الحاكمة تُجرّدهم من الخصال التي صنعت قوّتَهم. تاريخُ الإمبراطوريّات دَوْرِيٌّ[85]: الصعودُ يَعقبه الانحدارُ، ثمّ الهَوِيُّ (السّقوطُ). قدّم ابنُ خلدون، مثلًا، تفسيرًا سوسيولوجيًّا للتّعاقب الدَّوريّ للإمبراطوريّات في المغرب [الإسلامي] (إفريقيّة / شمال إفريقيا حاليًّا).
من الطّبيعيّ أن نجمعَ تحت مصطلح «السيطرة» («الهيمنة») الصِّيَغَ السّياسيّةَ المتنوّعةَ التي لا قاسمَ مشتركًا بينها سواها. لا مشاكلةَ البتّةَ بين إمبرطوريّة جنكيز خان وإمبراطوريّة الملكة فيكتوريا: يجب أن نَميزَ الإمبرطوريّات بعضَها مِن بعض حسب درجة النَّظْم، الاقتصاديّ والاجتماعيّ والسّياسيّ، التي بلغها كلٌّ من الشّعوب الغازِيَة. لقد عرف التاريخُ إمبراطوريّاتٍ للفلّاحين-الجنود (الرّومان، الصّينيّين)، وإمبراطوريّاتٍ للرُّعاة الرُّحّل (العرب، الأتراك، المنغوليّين)، كما عرف إمبراطوريّاتٍ بحريّةً (أثينا، قرطاج، البندقيّة، الإمبراطوريّات الاستعماريّة الحديثة). لقد غيّرت الثّورةُ الصّناعيّةُ مظاهرَ الإمبرياليّة.
من أجل ذلك من المفيد لنا أنْ نعرفَ بدقّةٍ تاريخَ كلمة «إمبرياليّة» ودلالاتِها المتتاليةَ. لقد تمّ إنجازُ هذه الدّراسةِ[86]، على الأقلِّ لأجل الممكلة المتّحدة [بريطانيا]، ولأجل فرنسا. من بين التحوّلات المتعدّدة في المعنى، يوجدُ واحدٌ مفيدٌ بشكلٍ خاصٍّ. في القرن التّاسع عشر، كان مصطلحُ «إمبرياليّة» يشير، عند الأنگليز، إلى السّياسة الخارجيّة العدوانيّة والغازِيَة، لِنابليون الأول، في أروربا، ثمّ مثيلتُها، لِنابليون الثّالث. بينما، في فرنسا، كان هذا المصطلحُ نفسُه، مطابقًا للنّظام البونابرتيّ الدّاخليّ، القائمِ على مبدأ السّطوة والمدعوم من الجيش. بعد سقوط الإمبراطوريّة ونهاية الهيمنة الفرنسيّة[87] في سنتَيْ 1870 و 1871، وبعد إرساء سلامٍ مسلَّحٍ، في أوروبا، تحت هيمنة الإمبراطوريّة الألمانيّة الجديدة، انتقل مجالُ تطبيق المصطلح من أروربا إلى القارّات الأخرى. أصبح مصطلحُ «الإمبرياليّةُ» يعني إذنْ، السّياسةَ التّوسُّعيّةَ المسلّحةَ التي تدفع القوى الكبرى إلى التّنافس المحموم على آخر الأراضي «الشّاغرة»[88]، في عمليّة «تقاسُمٍ للعالَم»[89]. بعبارةٍ أخرى، لقد تمّ الانتقالُ من الحُلم القديم بتوحيد أوروبا بالقوّة إلى تجديدٍ للمصلحة بالنّسبة للإمبراطوريّات «الاستعماريّة».
-------------------------------------
[1]. المصدر: مجلة الاستعمار، الصادر عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة للعتبة العبّاسيّة المقدّسة، العدد1، 2024، الصفحات: 176 إلي 243.
Pervillé, Guy. "Qu’est-ce que la colonisation?". Revue d’histoire moderne
et contemporaine, vol. 22, no 3, juillet-septembre 1975, pp. 321-368
[2]. colonisation
[3]. domination
[4]. exploitation
[5]. assimilation
[6]. idée coloniale
[7]. colonialisme
[8]. impérialisme
[9]. colonialistes
[10]. anticolonialistes
[11].Rodinson, “Israël, fait colonial?”, 17 -88.
[12]. مصطلح «الاستعمارويّة» (النزعة الاستعماريّة / colonialisme)، الذي ابتدعه المُعادون للاستعمار (موليناري (Molinari)، 1895)، كان تحقيريًّا منذ البداية. راجع:
Ageron, L’anticolonialisme en France de 1871 à 1914, 5.
[13]. Alsace-Lorraine
[14]. phénomènes coloniaux
[15]. colonialismes
[16]. Colony
[17]. Encyclopaedia Britannica
[18]. Jules Harmand
[19]. colonisation de peuplement
[20]. Domination et Colonisation
[21]. Georges Hardy
[22]. aspect colonial
[23]. aspect impérial
[24]. confusion mentale
[25]. analyse spectrale
[26]. لقد ميّز المركيز دو ميرابو ثلاثةً، وذلك في كتابه: صديقُ النّاس، انظر في ما يلي:
Mirabeau, L’ami des hommes, 23.
[27]. colonisation proprement dite
[28]. donner uns sens plus pur aux mots de la tribu
[29]. puriste
[30]. abstracteur de quinte essence
[31]. flatus vocis
[32]. Rodinson, Islam et capitalisme, 21 -22.
[33]. هذا الموضوع عَرَضَه في:
Lüthy, “Colonization and the Making of Mankind.”, 483 -495.
[34]. dominos
[35]. empire, imperium
[36]. empire
[37]. Tsin
[38]. hétérogène
[39]. conscience politique commune
[40]. édit Caracalla
[41]. Imperium Romanum
[42]. Romania
[43]. Gaulois
[44]. Rutilius Namatianus
[45]. Tu urbem fecisti ex quo orbis erat / حوّلتَ ما كان عالماً من قبلُ إلى مدينة.
[46]. paradoxal
[47]. Charles Pguy
[48]. Pguy, Victor Marie comte Hugo.
[49]. Ernest Psichari
[50]. bello pacem qui imposuisti
[51]. Girardet, L’idée coloniale en France, 113.
[52]. Burnham, L'ère des organisateurs.
[53]. gendarmes du monde
[54]. leadership
[55]. hégémonie
[56]. de Gaulle
[57]. lacédomiens
[58]. arche
[59]. Heinrich Friedjung
[60]. فريديُونْگْ، عصرُ الإمبراطوريّات، ذكره:
Gollwitzer, L’impérialisme de 1880 à 1918, 13.
[61]. Raymond Aron
[62]. impériale
[63]. impérialiste
[64]. Aron, République impériale, 260 -262.
[65]. fortruit
[66]. systématique
[67]. in a fit of absentmindedness
[68]. Leonard Hobhouse
[69]. Hobhouse, Democracy and reaction.
[70]. fiction
[71]. مذكور في:
Gollwitzer, L’impérialisme de 1880 à 1918, 118 -119.
[72]. Hans Delbrück
[73]. Simone Weil
[74]. ethniques
[75]. nationalitaires
[76]. nationales
[77]. religion ethnique
[78]. universalistes
[79]. mission civilisatrice
[80]. impérial
[81]. misthoi
[82]. patriciennes
[83]. plébéiennes
[84]. Karl Marx
[85]. cyclique
[86]. Koebner, Empire; Koebner, Impérialisme. The story and significance of a political word; Brunschwig, "Empires et impérialismes".
[87]. prépondérance française
[88]. vacantes
[89]. partage du monde