فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 46 التنمية أزمة الإنسان المعاصر تأليف : فاطمة السادات هاشميان تعريب : حسن علي مطر الهاشمي
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

التنمية

أزمة الإنسان المعاصر

 

تأليف: فاطمة السادات هاشميان

تعريب: حسن علي مطر الهاشمي

 

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

الفهرس

مقدّمة المركز5

مقدّمة المؤلِّف7

الفصل الأوّل: الكليّات والمفهوم 10

الفصل الثاني : دراسة وتحليل الأبعاد الوجوديّة للإنسان

في التفكير الإسلامي والغربي42

الفصل الثالث: دراسة نقديّة للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة

في التنمية الثقافيّة66

الفصل الرابع: دراسة نقديّة  للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة

في التنمية الاجتماعيّة88

الفصل الخامس: دراسة نقديّة للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة

في التنمية السياسيّة112

الفصل السادس: قراءة نقديّة للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة

في التنمية الاقتصاديّة138

النتائج والخلاصات 177

قائمة المصادر والمراجع 183

 

(3)

هاشميان، فاطمة السادات ، مؤلف .

التنمية : أزمة الانسان المعاصر / تأليف فاطمة السادات هاشميان ، تعريب حسن علي مطر الهاشمي . - الطبعة الاولى . - النجف ، العراق . - العتبة العباسية المقدسة ، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ، 1444 هـ . = 2023 .

214 صفحة ، 12x20 سم . - (سلسلة مصطلحات معاصرة ، 46)

يتضمن إرجاعات ببليوجرافية : صفحة 183-214 .

النص باللغة العربية مترجم من اللغة الفارسية .

ردمك : 9789922680200

1. التنمية البشرية . أ. الهاشمي ، حسن علي مطر . مترجم. ب. العنوان .

 

LCC:BF713 .H37 2023

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة

فهرسة اثناء النشر

(4)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيّةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانيّة؛ ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أوّلًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانيّة وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيّما وأنّ كثيرًا من الإشكاليّات المعرفيّة ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ

(5)

سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلاميّة، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكريّة بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميّين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

* * *

يتناول هذا الكتاب الذي يقع ضمن سلسلة مصطلحات معاصرة قضية التنمية بوصفها إحدى أهم القضايا التي تعيشها الحضارة الإنسانيّة المعاصرة، ولا سيّما في البلدان والمجتمعات الإسلاميّة مطلع القرن الحادي والعشرين. وهو يتطرّق إلى أصل المفهوم ومعناه وجذوره ثمّ يعقد مقارنة بين المفهوم الغربي للتنمية والمفهوم الإسلامي، ويبيّن الاختلافات الجوهريّة بينهما.

 

والحمد لله رب العالمين
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
(6)

مقدّمة المؤلّف

تُعدّ التنمية مِن بين أهمّ المفاهيم في العلوم الإنسانيّة؛ إذ تشتمل على مختلف الموضوعات في تفكير ونشاط المجتمعات الإنسانيّة في مختلف الأبعاد الثقافيّة/ الاقتصاديّة/ الاجتماعيّة/ السياسيّة. وفي ضوء تعريف التنمية المنبثق عن البنى التحتيّة والأسس الفكريّة لهذا المفهوم، ولا سيّما نوع الرؤية إلى الإنسان، تكون أهداف وتطبيقات ونتائج التنمية متغيرّة. وعلى هذا الأساس، يجب العمل -قبل أيّ شيء وقبل اتخاذ أيّ خطوة في إطار تحقّق الأبعاد المتعدّدة للتنمية- على بحث ثقافة التنمية بما يتناسب مع المنظومة القيَميّة للمجتمع، ثمّ العمل مِن خلال هذه المعرفة الأوليّة على إقامة فرضيّات خطط التنمية على أساسها؛ وذلك لحاجة كلّ مجتمع في سلوك مسار التنمية إلى نموذج فذّ ومتطابق مع الخصائص الثقافيّة والقيَميّة لذلك المجتمع.

إنَّ التنمية -في المنظور الإسلامي- عبارة عن مسار تعاملي متبادل وشامل لغرض إصلاح وتجديد المجتمع بما يتناسب مع النظام القيَمي مِن أجل تحقيق السعادة الدنيويّة والأخرويّة لبني الإنسان، وهي تهتمّ بكلا البُعدين الروحي والجسدي للإنسان. وعلى هذا الأساس، فإنَّ النموذج الإسلامي للتنمية، يختلف عن النموذج الغربي للتنمية الحديثة، الذي تكون نتيجته عبارة عن محوريّة وأصالة الإنسان والتأصيل الذاتي وطلب اللذّة ومحوريّة المنفعة، اختلافًا جوهريًّا ومبنائيًّا، ويرفض ماهية التنمية على أساس النموذج الغربي ويعتبره نموذجًا فاشلًا.

(7)

نسعى في هذا الكتاب، مِن خلال دراسة وتحليل رؤية الغرب إلى ماهية ومفهوم الإنسان، ونقدها ومقارنتها بالهوية الإسلاميّة للإنسان، إلى نقد المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية الحديثة ضمن المحاور الأربعة: الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، ونعمل على تقييم ونقد تأثير نوع نظريّة وهويّة الإنسان مِن زاوية الغرب ونظرته إلى مختلف أبعاد التنمية الحديثة، وذلك ضمن المنهجيّة الآتية؛ إذ يتمّ العمل أوّلًا على بيان وتقديم التعريف التفصيلي والمفهومي لشرائط تحقّق ونتائج ذلك البُعد، ومِن ثَمَّ نقوم ببيان المباني الأنثروبولوجيّة المؤثّرة عليه، وكذلك التداعيات الناشئة عن الأنثروبولوجيا لذلك المحور مِن التنمية الحديثة.

وهنا أرى مِن الواجب أنْ أتقدّم بالشكر الجزيل إلى الأستاذ والعالم الكبير سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور عبد الحسين خسروپناه على ما بيّنه لي مِن الموارد التي تستحقّ التصحيح مِن هذا الكتاب، كما وأشكر الأستاذ القدير سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الدكتور السيّد أحمد الغفاري، الذي أشرف على مسار تدوين وتكامل هذا الأثر، وكذلك الأستاذ المبدع سماحة الدكتور غلام حسين گرامي على ما أبداه مِن ملاحظات قيّمة فيما يتعلّق بموضوع هذا الكتاب. وفي الختام، أرفع هذا الكتاب بضاعة مزجاة إلى أمل العالم وليّ العصر وإمام الزمان عليه‌السلام ، عسى أنْ تكون هذه الدراسة خطوة في مسار تعجيل ظهوره وفرَجه الشريف.

فاطمة السادات هاشميان
خريف عام 1400هـ.ش
(8)

 

 

 

 

 

فصل الأوّل

الكليات والمفهوم

(9)

الفصل الأوّل: الكلّيات والمفهوم

المقالة الأولى: المفاهيم العامّة

أ- أهميّة بحث أسس التنمية

إنَّ التحوّلات الاجتماعيّة تابعة لأسس التفكير الضابط لجميع المساحات والأبعاد الاجتماعيّة. وفي التحليل والبحث العلمي للأحداث الاجتماعيّة لكلّ عصر، يجب الرجوع مِن الناحية المنطقيّة إلى التحليل العميق في خصوص الأفكار الجوهريّة لذلك المجتمع. مِن ذلك -على سبيل المثال- يمكن الإشارة إلى مفهوم محوريّة الإنسان في العصر الحديث، إذ أضحت منشأ لتبلور الأفكار الربحيّة في مجال التنمية الاقتصاديّة. إنَ هذه الرؤية الجوهريّة تقف إلى الضدّ تمامًا مِن الرؤية التقدميّة للإسلام في النظر إلى الله سبحانه وتعالى بوصفه محور الحاكميّة والربوبيّة. إنَّ الذي يحظى بالأهميّة في الثقافة الإسلاميّة قبل أيّ شيء آخر، هو الإنسان ومصيره في الوصول إلى السعادة الحقيقيّة، إلى الحدّ الذي تمّ معه التخطيط للنظام الاعتقادي للإسلام في إطار كمال وسعادة الإنسان، وإنَّ الخطاب الأصلي للأنبياء يسير بدوره في سياق حركة وارتقاء الإنسان نحو الله سبحانه وتعالى. بيد أنَّ القائمين على التخطيط لنموذج التنمية، قد أقاموا المباني والأسس الفكريّة لهذا الأمر بمعزل عن الهوية الحقيقيّة للإنسان وقيَمه الذاتيّة، ونتيجة لذلك لم يخفقوا في تلبية فطرة الإنسان ونزعته في البحث عن الحقيقة فحسب، بل وأخفقوا حتّى في تدبير الأمور الدنيويّة للإنسان أيضًا. وبذلك تتّضح أهميّة بحث الأسس الأنثروبولوجيّة، بوصفها أصلًا

 

(10)

للتأسيس لنموذج التنمية وشرطًا لتحقّق السعادة والكمال المطلوب والحقيقي للإنسان.

إنَّ الغرض والهاجس الأهمّ لكاتب السطور، يكمن في بيان طريقة الارتباط بين الأسس الفكريّة في العصر الحديث للغرب، وتداعياتها في مختلف أبعاد التنمية ونقدها على أساسس التفكير التقدمي الإسلامي.

ب- ضرورة نقد ودراسة التنمية الحديثة

إنَّ أركان التنمية تقوم بالضرورة على أساس النظريّة المنبثقة عن النظام القيَمي في المجتمع؛ وذلك لأنَّ كلّ مجتمع يحتاج في سلوك مسار التنمية إلى بنية فذّة ومتطابقة مع الخصائص الثقافيّة والقيَميّة لذلك المجتمع. وعلى هذا الأساس، يجب العمل -قبل اتّخاذ أيّ خطوة في إطار تحقّق جميع أبعاد التنمية- على البحث والتأسيس الدقيق لنظريّة متناسبة مع النظام القيَمي للمجتمع، والقيام بعد ذلك ومِن منطلق هذه المعرفة الأوليّة ببناء فرضيّات البرامج التنمويّة على أساس ذلك. وفي هذا الشأن، تلعب الأنثروبولوجيا والسعادة والهدف الذي تمّ تعريفه بالنسبة إلى الإنسان مِن قبل المجتمع دورًا محوريًّا في أركان وأهداف التنمية. وعلى هذا الأساس، تتّضح أهميّة وضرورة البحث والتحقيق في المباني الفكريّة، ولا سيّما في ذلك أنثروبولوجيا التنمية.

وقد تمّ العمل في الأدبيّات الكلاسيكيّة للتجديد والتنمية الحديثة بوساطة سلطة النظام الليبرالي المنبثق عن الرؤية الإنسانيّة

(11)

والفلسفة الوضعيّة الناشئة عن بنيتها الأنثروبولوجيّة، على تجزئة وتحليل أبعاد التنمية، كما تمّ العمل على إظهار البُعد الاقتصادي والمادّي لها، وكانت النتيجة التي ترتّبت على ذلك، هي حبّ الدنيا والتبرّج والتجمّل والنزعة الاستهلاكيّة والنظر إلى الدنيا بوصفها هي الغاية والمطلوب النهائي. وعلى هذا الأساس، فإنَّ التنمية المنشودة للإسلام، تختلف عن النموذج الغربي للتنمية اختلافًا جوهريًّا وبنيويًّا، وإنَّ النموذج الإسلامي للتنمية يَعتبِر ماهية التنمية القائمة على التجربة الغربيّة مرفوضة، وعمد إلى تقديم نظريّة فريدة لنموذج التقدّم.

المقالة الثانية: المفاهيم

أ- الإنسان

يُعدّ «الإنسان» في تعاليم الأديان السماويّة -ولا سيّما منها الإسلام- بوصفه المفهوم الأكثر محوريّة في الوجود بعد الله سبحانه وتعالى. إنَّ الإنسان مِن وجهة نظر الإسلام، هو خليفة الله على الأرض؛ وعلى هذا الأساس كانت معرفة الإنسان في التعاليم الإسلاميّة مِن أكثر المعارف نفعًا، وإنَّ عدم معرفة الإنسان يُعدّ بمنزلة الجهل بكلّ شيء؛ ومِن هنا فقد جاء في الروايات المأثورة عن الأئمة المعصومين عليهم‌السلام قولهم: «معرفة النفس أنفع المعارف»[1]، و«لا تجهل نفسك، فإنَّ الجاهل معرفة نفسه جاهل بكلّ شيء»[2].

(12)

إنَّ الإنسان كائن مركّب مِن جسم وروح، إذ تمثّل روحه حقيقة وجوده، وإنَّ للروح في المنظور الديني قيمة خاصّة ومنزلة سامية؛ بحيث أنَّ الله سبحانه وتعالى مِن بين جميع الأبعاد الوجوديّة للإنسان، لم ينسب إلى نفسه بشكل مباشر سوى الروح[1]. وفي الأنثروبولوجيا الدينيّة، يُعدّ الإنسان بوصفه كائنًا يمتلك بنية عامّة تحتوي على مختلف الأبعاد. وأمّا في الأنثروبولوجيا غير الدينيّة، فالإنسان يقع موردًا للبحث بشكل منفصل عن المبدأ والمعاد. ومِن بين الأساليب المختلفة للأنثروبولوجيا، يمكن للأسلوب الحسّي والتجريبي أنْ يساعدنا إلى حدّ ما على معرفة الأبعاد الجسمانيّة للإنسان، إلّا أنَّها لا تستطيع لوحدها أنْ تعمل على تعريف الإنسان لنا بشكل كامل؛ إذ إنَّها لا تمتلك القدرة على معرفة أبعاده غير الجسمانيّة وغير الماديّة. ومِن هنا، لا يمكن الحصول بوساطة العلم التجريبي على أيّ قانون في مورد الروح التي هي أمر مجرّد وغير مادّي أبدًا[2]. ومِن هنا، سوف نعمل في هذه الدراسة على تجاوز التعاريف الحسيّة والتجريبيّة في مورد الإنسان، ونتعرّض إلى بحث خصوص النظريّات غير التجريبيّة.

1 ـ التعريف اللغوي

يذهب بعض علماء اللغة، مِن أمثال صاحب كتاب «غيّاث اللغات» إلى القول بأنَّ مفردة الإنسان التي تعود إلى الأنس -وقد

(13)

ألحقت بها الألف والنون- تعني ألفة شخص بشخص آخر، وعلى ذلك قام أساس الحياة البشريّة[1]. وهناك مَنْ يرى أنَّ كلمة الإنسان مشتقّة مِن النسيان، ومِن هنا كان النسيان مِن طبيعة الإنسان[2].

2 ـ التعريف الاصطلاحي

بما أنَّ الأبعاد الوجوديّة للإنسان غاية في التعقيد، وهي بالإضافة إلى ذلك مثار للكثير مِن الجدل، فقد تمّ تقديم الكثير مِن التعاريف للإنسان مِن قبل العلماء والمفكّرين المسلمين، ومِن بينها: «الإنسان جوهر جسماني مكلّف»، أو «الإنسان حيوان ناطق»، أو «الإنسان حيوان عاشق»؛ إذ تكون زاوية الرؤية لدى الاتّجاهات الفلسفيّة لأصحاب هذه التعاريف في غاية التأثير والتدخّل[3]. وفي رؤية الحكمة المتعالية، نجد أنَّ التعاريف المذكورة للإنسان إنّما ترصد مجرّد بُعد واحد مِن الأبعاد الوجوديّة للإنسان ولا تبيّن تمام حقيقته. يرى صدر المتألهين[4] أنَّ الإنسان كائن ذو مراتب وتجلّيات متنوّعة لا يعرفها إلّا «الراسخون في العلم». وبناء على أصالة الوجود، تكون

(14)

حقيقة كلّ موجود عبارة عن وجود ذلك الموجود، وتكون ماهيته عبارة عن تحديد حدود ذلك الموجود، باستثناء الإنسان. إنَّ لكلّ واحد مِن الكائنات حدًّا خاصًّا، ويمكن بيان تعريف واحد له، وأمّا الإنسان فهو وجود متعدّد الأبعاد، ويمكن العمل على بيان ماهية لكلّ واحد مِن تلك الأبعاد. ومِن هنا، يكون الإنسان في مرتبة الحسّ عبارة عن بدن مادّي حقيقي، إذ يمكن تعريفه في هذه المرتبة بأنَّه «جوهر مادّي». وأمّا في المرتبة العقليّة، فهو في الحقيقة «حيوان ناطق»، وفي مرتبة ما فوق العقل فهو «حيّ متألّه». إنَّ رأي صدر المتألّهين فيما يتعلّق بتعريف الإنسان -في ضوء رؤية القرآن الكريم- هو أنَّه «خليفة الله»[1]. يرى صدر المتألّهين كما أنَّ الله واحد وله تجلّيات وآيات متنوّعة، فإنَّ الإنسان كذلك هو حقيقة واحدة وله تجلّيات متنوّعة، مِن قبيل: العقل والخيال والوهم ومختلف القوى الحسّية. وعلى هذا الأساس، فإنَّ البدن وقواه المختلفة يمثّل كلّ واحد منها تجلّيًا مِن تجليّات الإنسان، كما أنَّ العقل والعشق بدورهما مِن التجلّيات الأخرى للإنسان. وعلى هذا الأساس، فإنَّ صدر المتألّهين إذا كان يُعرّف الإنسان بـ«الحيوان الناطق»[2]، فهو لا يقصد المعنى ذاته الذي كان يعنيه الفلاسفة المتقدّمون. إنَّ الحيوانيّة والناطقيّة في الإنسان، ليسا جوهرين متمايزين، وإنَّما هما مظهران

(15)

وتجلّيان لحقيقة واحدة. وعلى هذا الأساس، يمكن تعريف الإنسان على النحو الآتي: «الإنسان كائن ثابت وسيّال»[1].

ب- التنمية

إنَّ التنمية واحدة مِن الموضوعات الأصليّة في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة؛ إذ كانت مثارًا للبحث منذ النصف الثاني مِن القرن العشرين للميلاد إلى يومنا هذا، في مختلف الأبعاد الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والإنسانيّة، وكان المسار الغالب فيها ناظرًا إلى القوانين التي تحكم العالم الرأسمالي؛ وذلك لأنَّ البلدان الغربيّة تعدّ مهدًا للتنمية، في حين أنَّ الشرط الأوّل والركن الأوّل للتنمية، هو المعرفة الصحيحة التي تتحقّق مِن خلال البحث المحوري لعلم المعرفة والعلوم الاجتماعيّة الإنسانيّة، كما يعتبر التعرّف على العالم مِن أهمّ العناصر المؤلّفة للتنمية. ومِن هنا، فإنَّ فهم الإنسان لمفهوم التنمية، إنَّما ينشأ مِن زاوية رؤيته وفرضيّاته القيَميّة والمعرفيّة.

1 ـ التعريف اللغوي

إنَّ التنمية في معجم أوكسفورد اللغوي، تعني الازدهار التدريجي في إطار التقدّم والاقتدار، وحتّى الكبر[2]. وإنَّ هذه المفردة في اللغة اللاتينيّة، تعني الخروج مِن «اللفاف». وقد ذهب المنظّرون الأوائل في مجال التنمية[3] بعد الحرب العالمية الثانية إلى الاعتقاد بأنَّ هذه

(16)

اللفافة هي المجتمع التقليدي وثقافة القيَم التقليديّة، إذ يجب على المجتمعات الحديثة إذا أرادت انتهاج التجديد أنْ تخرج مِن هذه المرحلة التقليديّ[1].

2 ـ التعريف الاصطلاحي

حيث تعدّ «التنمية» مفهومًا معياريًّا، يمكن مشاهدة مختلف القيَم والأفعال في تعاريفها، وليس لها إلّا تعريف إجمالي واحد يقع موردًا للقبول[2]. إنَّ الغموض والضعف الموجود في تعريف هذه المفردة، إنّما ينشأ مِن ماهيتها ذاتها؛ إذ تحتوي على ماهية قيَميّة معياريّة ونسبيّة. وبعبارة أخرى: إنَّ «التنمية» مفهوم يحصل كلّ فصيل ومجتمع مِن خلاله على المفهوم والقيمة المنشودة له. هناك مَنْ يعتبر هذا المفهوم معياريًّا جدًا، إذ لا يمكن لأيّ شخص أنْ يعرّفه بشكل مطلق، ولكنْ يوجد هناك توافق ضمني بين التعاريف، وهو أنَّ «التنمية» تعني «السرعة في مسار الحركة نحو الحياة السعيدة»[3].

إنَّ أساس التنمية الحديثة يقوم على أساس أصالة الربح والمنفعة الفرديّة؛ إنَّ العالم الحديث له ماهية تقوم على  النفعيّة والكميّة والربحيّة. وفي الحقيقة، فإنَّ الحافز الدائم نحو التقدّم المتبلور لدى الإنسان على شكل هاجس، يمثّل واحدًا مِن أركان الروح والتفكير

(17)

الحديث، إذ تكون صورة التنظير الاقتصادي/ الاجتماعي له، هي بيان نظريّة التنمية الحديثة ذاته.

إنَّ «التنمية» مِن وجهة نظر الإسلام، تعني الكفاءة والاستحقاق مِن أجل الحفاظ والاستفادة مِن الإمكانات والثروات الموجودة تحت تصرّف الإنسان[1]، وهي عبارة عن مسار يشتمل على الشرائط الحسنة والمناسبة في جميع مجالات الحياة الإنسانيّة الأعمّ مِن الماديّة والمعنويّة والأسس الاقتصاديّة/ الاجتماعيّة/ السياسيّة. إذ يحصل الإنسان في هذا المسار على حياة مقرونة بعزّة النفس والاعتماد على الذات مع توسيع دائرة الاختيار في الحدود المقبولة[2].

ج- الغرب الحديث[3]

1 ـ التعريف اللغوي للحديث

لقد تمّ تفسير «الحديث» في معجم (معين) اللغوي[4] بمعنى الجديد، كما تمّ تعريفه في معجم (لغت نامه) للعلّامة علي أكبر دهخدا[5] بمعنى الشيء الجديد والمستحدث. إنَّ مفردة الـ

(18)

(modern) مشتقّة مِن اللفظ اللاتيني (modernus) بمعنى: «مؤخّرًا، وحديثًا، وعاجلًا، وأخيرًا»، إذ ورد استعمال ذلك منذ حوالي القرن الخامس للميلاد. وهناك مِن الباحثين مِن أمثال أنطوني غيدنز[1] مَنْ يرجع بداية الحداثة إلى القرن السابع عشر للميلاد. وذهب آخرون، مِن أمثال ميشال فوكو[2] إلى الاعتقاد بأنَّ بداية عصر الحداثة كان في القرن الثامن عشر للميلاد[3].

2 ـ تفسير الغرب الحديث

بما أنَّ الدراسة والبحث والسير في المراحل التاريخيّة لتبلور ظاهرة ما، كانت دومًا مؤثرًّا في فهم تلك الظاهرة، لذا يجب علينا لفهم الغرب الحديث، دراسة مسار التحوّلات الفكريّة للغرب والبحث عن خلفيّات تبلور المرحلة الحديثة في الأفكار الفلسفيّة والدينيّة للمراحل السابقة عليها. وعليه، يمكن تقسيم مسار التحوّلات الفكريّة إلى ستّ مراحل متمايزة مِن بعضها، على النحو الآتي:

1 ـ الغرب القديم

إنَّ الغرب القديم يمثّل مرحلة التأثّر بالحضارات الشرقيّة وظهور

(19)

وتبلور مباني الأفكار الغربيّة، إذ تحظى -بسبب وجود المفكّرين والفلاسفة الكبار مِن أمثال: طاليس، وهراقليطس، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو- بمكانة خاصّة في إطار المسارات والتحوّلات الفكريّة والفلسفيّة والثقافيّة للغرب، وتبلور آراء المفكّرين مِن المتأخّرين[1][2]. إنَّ أساس فلسفة الغرب القديم، يقوم على آراء فلاسفة المدرسة الملطيّة. إنَّ المدرسة الملطيّة كانت تقول بالتطابق الذهني، وتؤمن بذلك دون استدلال بوصفه أمرًا بديهيًّا، وكذلك لم يكن يفصل بين المادّي والمجرّد، وإنَّ هذا الفصل بدأ بالتحديد في عصر سقراط. وعلاوة على ذلك، كان يتمّ اعتبار الطبيعة أزليّة، ولم يكونوا يقولون بوجود بداية لها، وبالتالي فإنَّهم كانوا يرون حياة الإنسان وقيمة وغاية الحياة الإنسانيّة في قيام العلاقة مع الله[3].

لقد كان سقراط أوّل مَنْ قال في ثقافة الغرب بأنَّ المعلومات أكثر مِن أنْ تحصى. وعليه، لا بدّ مِن البحث بين العلوم وانتقاء ما هو الضروري منها. لقد كانت نظريّات سقراط تميل إلى المسائل القيَميّة والأخلاقيّة، وكان يقول بضرورة معرفة الداخل وليس الخارج، وكان يعتبر أنَّ الشرط اللازم في الوصول إلى السعادة، يكمن في معرفة الإنسان لنفسه، وكان يعمل على تعريف الخير بوصفه عنصرًا في سعادة الإنسان، ويقول بأنَّ السعادة حالة نفسيّة تحصل مِن خلال

(20)

الجمع بين الفضيلة واللّذة. إنَّ المعرفة مِن وجهة نظره ليست مجرّد العلم، وإنَّما هي الإيمان؛ وبما أنَّ الفضيلة تساوي المعرفة؛ إذن يمكن تعلّمها، والعمل على نقلها إلى الآخرين[1].

وقد عمد أفلاطون للمرّة الأولى إلى بيان نظريّة «المُثُل». فهو يقول: إنَّ ما يراه الإنسان في هذا العالم، عبارة عن ظلال لسلسلة مِن الحقائق في عالم مجرّد مِن الزمان والمكان، ويرى أنَّ الجسم بالمنزلة الحجاب والمانع بالنسبة إلى الروح، وصار بذلك سببًا في نسيان الروح لتلك الحقائق[2].

وأمّا أرسطو، فإنَّه لا يستعمل النفس إلّا في مورد الكائنات الحيّة، وقال في كتاب بشأن النفس: إنَّ كلّ كائن حيّ -أي: جميع النباتات والحيوانات، ومِن بينها الإنسان- لها نفس، هي مبدأ الحياة بالنسبة إلى الكائنات الحيّة، وأمّا في مورد الأشياء غير الحيّة، فإنَّه يستعمل مفردة «الصورة»[3].

إنَّ الاختلاف بين نظريّة أفلاطون وأرسطو في باب هويّة الإنسان، يكمن في أنَّ هويّة ونفس الإنسان مِن وجهة نظر أفلاطون منفصلة عن كلّ إنسان، وأنّها كانت موجودة في مساحة سماويّة باسم «المُثُل». وأمّا أرسطو، فإنَّه مِن خلال رفض نظريّة المُثُل، قد خالف أستاذه،

(21)

وقال بأنَّ هويّة كلّ شيء، والتي هي صورته، تحلّ في ذات الشيء وتكون في داخله. إنَّ صورة الإنسان تقع هنا وفي هذا المحلّ، ولا تكون في عالم المُثل وبشكل منفصل عن الإنسان. والنقطة الثانية، هي أنَّ هذه الصوَر متشخّصة. إنَّ تعريف الصورة الإنسانيّة لكلّ إنسان خاصّ تتّحد عينًا مع أيّ إنسان آخر، بحيث أنَّ تعريف «ما كنت» يكون واحدًا في جميع الأشخاص، ويكون لها مصداق بعدد الأشخاص، وإنَّ كلّ واحد، على الرغم مِن أنَّه مثل الآخرين في الكيفيّة الذاتيّة أو بلحاظ الصورة، إلّا أنّه «من حيث العدد» يكون منحصرًا وفذًا، ويكون عدد الصوَر مساويًا لعدد الجواهر[1]. وعلى هذه الشاكلة، يكون التفكير الفلسفي للغرب القديم متأثّرًا إلى حدّ كبير بفلاسفة المدرسة الملطيّة، وخاضعًا كذلك لتأثير سقراط وأفلاطون وأرسطو.

2 ـ العصر الهلنستي

لقد تبلورت «الفلسفة الهلنستيّة» بعد وفاة الإسكندر الأكبر (323 ق.م) وأرسطو (322 ق.م) كردّة فعل على مصائب وكوارث ذلك العصر، ومِن بينها انهيار الدولة الإغريقيّة، والحروب الطاحنة بين الملوك الطامحين، والعذاب والأذى والقتل الذريع في مصر، وهجوم الروم على اليونان، وسقوط الإمبراطوريّة الروميّة الكبرى[2].

(22)

وقد سلكت الفلسفة الهلنستيّة طريقًا مختلفًا عن الفلسفة السابقة عليها، وبذلك فقد انتهت فلسفة أفلاطون وأرسطو بموت الإسكندر الأكبر.

إنَّ فلسفة هذا العصر وبتأثير مِن الشرائط التي كانت حاكمة على المجتمع، قد جعلت مِن الحياة السعيدة وخلاص الإنسان مِن الحزن والألم نموذجًا لها، وأدّت في أثينا إلى ازدهار الكثير مِن المدارس الفلسفيّة، ومِن بينها الفلسفة الأبيقوريّة -نسبة إلى مؤسّسها أبيقور (م: 341-241ق.م)- وبلغت شهرتها في روما بحيث طغت حتّى على أفلاطون وأرسطو. لقد كانت فلسفة أبيقور ذات صبغة ماديّة تسعى إلى الحصول على السكينة الذهنيّة، وكانت ترى أنَّ الموت ليس سوى انفصال الذرّات التي عملت على تكوين الجسم والروح. وعلى هذا الأساس، ليس هناك مِن وجود لما يدعو إلى الخوف والفزع. لقد كانت الفلسفة الأبيقوريّة تدافع عن الفضائل، ولكنْ لا بوصفها غاية نهائيّة -كما هو مذهب سقراط- وإنَّما بوصفها وسيلة للوصول إلى الطمأنينة والسكينة.[1]

وكانت «الفلسفة الرواقيّة» هي الفلسفة الثانية التي تحظى بالشهرة في روما، وكانت تعدّ مِن أنجح الحركات اليونانيّة/ الرومانيّة وأكثرها دوامًا. ويعدّ الاعتقاد الخرافي بالعقل مِن خصائص الفلسفة الرواقيّة؛ إذ عملت على مفاقمة النزاع والخصومة بين العقل والإحساس، فإنَّ العقل والإحساس -مِن وجهة نظرهم- لا يلتقيان ولا ينسجمان،

(23)

وإنَّ التكبّر والغضب يؤدّيان إلى تحطيم الإنسان، وكانوا يرون حتّى الحبّ والعشق يشكّلان خطرًا على الإنسان، ويعطون للعقل أهميّة عالية لينقذوا به أنفسهم مِن تفاهات الحياة[1].

وفي نهاية العصر الهلنستي، تمّ التأسيس لفلسفة أكثر تطرّفًا، وقد عُرفت هذه الفلسفة بـ«التشكيك». وقد كان شكّهم في مورد الأخلاق، ولم يتسلّل إلى حقل إمكان المعرفة. وقد ذهبت هذه المدرسة إلى اعتبار الشكّ منهجًا للخلاص والتحرّر مِن قيود المعتقدات والحصول على السكينة والطمأنينة الروحيّة[2].

3 ـ العصور الوسطى

إنَّ «العصور الوسطى» تمثّل حقبة طويلة نسبيًّا في تاريخ الغرب، إذ تبدأ مِن القرن الرابع للميلاد ؛ أي قبل قرنين مِن مولد النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، إلى منتصف القرن الخامس عشر؛ أي نهاية الغزو المغولي لإيران[3]. وخلال المرحلة الأولى مِن العصور الوسطى، تمّ الاعتراف رسميًّا بالديانة المسيحيّة مِن قبل الإمبراطوريّة الرومانيّة، وتمّ الإصرار على نشر التعاليم المسيحيّة المحرّفة وغير العقلانيّة، ونتيجة لذلك تمّ تعطيل العلم والحكمة، وآلت سلطة الحكّام إلى الضعف والخمود.

ويمكن لنا أنْ نذكر عاملين بوصفهما سببًا لانتشار المسيحيّة

(24)

واتّساع رقعتها في هذه المرحلة مِن تاريخ الغرب، وهما:

أوّلًا: انتشار الظلم والفساد مِن قبل النظام الحاكم في روما.

ثانيًا: المبشّرون المسيحيّون الذين حملوا الشعارات التي تلهم الناس الأمل في ظلّ ذلك الواقع الإنساني الخامد والخانع.

ومِن هنا، فقد اتّجه المجتمع الغربي في ذلك العصر نحو المسيحيّة، وانتشرت المسيحيّة هناك على نطاق واسع[1].

بالتزامن مع الترحيب الجماهيري الواسع بالمسيحيّة، قامت جماعة مِن المتأثّرين بالفلسفة الأفلاطونيّة المحدثة بنشر شبهات حول صحّة وجود وظهور السيّد المسيح في أذهان الناس[2]. إنَّ الأسباب الأولى للتحوّلات الفكريّة في الغرب، تعود بجذورها إلى هذه الحقبة المهمّة، وإنَّ العامل الأهمّ الذي يميّز فلسفة العصور الوسطى مِن فلسفة الغرب القديم، يعود إلى تطبيق فلسفة العصور الوسطى في إثبات المدّعيات الدينيّة والمذهبيّة للمسيحيّة[3].

وقعت في هذه الحقبة ثلاثة حوادث مهمّة، كان لها الأثر العميق في تبلور التحوّلات الفكريّة والثقافيّة والسياسيّة في الغرب لاحقًا، ويمكن بيان هذه الحوادث الثلاث على النحو الآتي:

(25)

الحادثة الأولى المهمّة في هذه الحقبة، عبارة عن الآثار التي هي نتيجة ردّة فعل الكنيسة تجاه نظريّات العلماء مِن أمثال كوبرنيق[1] وكيبلر[2] وغاليليو[3]. فقد تمّ سجن غاليليو بسبب قوله بحركة الأرض مِن قبل الكنيسة التي كانت تحتكر العلم والحكمة لنفسها؛ الأمر الذي اضطرّه في المحكمة إلى التخلّي عن نظريّاته العلميّة لصالح الكنيسة حفاظًا على نفسه مِن عقوبة الاعدام. وبعد الاعتراف الكاذب لغاليليو في المحكمة، خرجت حصص الدرس مِن الكنيسة، وتمّ فصل الأبحاث العلميّة عن الأبحاث الدينيّة. وقد شكّلت هذه الحادثة نموذجًا وبداية للدعوة إلى الفصل بين العلم والدين في الغرب. على خلاف العالم الإسلامي؛ إذ كان علماء الدين والفلاسفة مِن أمثال الخواجة نصير الدين الطوسي وأبو علي بن سينا وأبو ريحان البيروني، يعملون على الدوام على التنظير العلمي والتخصّصي في مختلف الحقول العلميّة[4].

وأمّا الحادثة الثانية المؤثّرة في هذه الحقبة، فهي عبارة عن

(26)

الاستبداد الاجتماعي للكنيسة. ففي هذه المرحلة، كان تعنيف الناس وسجنهم وقتلهم بسبب أدنى رأي يبدونه تجاه الكنيسة، قد سلب منهم حريّة الرأي والتفكير عمليًّا، وكان ذلك يحول دون الاستقلال الفكري في المجتمع، وكان كلّ مَنْ ينكر مضامين الكتاب المقدّس وأحكامه وتعاليمه، يتعرّض للتكفير والحبس والإعدام[1]. أمّا الحادثة الثالثة، فيمكن اعتبارها هي النفوذ الثقافي للإسلام في الغرب. ففي عام 21 للهجرة انتقل الإسلام إلى الأصقاع الغربيّة عبر مصر، وأعلن عن الحريّة الدينيّة لجميع الناس. ومِن هنا، فقد أخذ الناس هناك يعتنقون الإسلام بالتدريج.

ومنذ عام 711 إلى عام 1086 للميلاد، خضعت إسبانيا لسيطرة الخلافة الإسلاميّة. وقد رأى ويل ديورانت أنَّ وجود المسلمين في إسبانيا كان داعيًا إلى التطوّر والتحوّل على مختلف المجالات، ومِن بينها: التجارة والصناعة والعلم والفلسفة والرياضيّات والنجوم والفلك والطبّ والمنطق وما بعد الطبيعة وغيرها[2].

4 ـ المرحلة الجديدة

إنَّ «عصر النهضة» يعني الولادة الجديدة وتجديد الحياة والإحياء والمطالبة بالتجديد،[3] وهي بحسب المصطلح تعني الحقبة التي

(27)

ظهرت في أواخر العصور الوسطى وبداية القرن الرابع عشر للميلاد، واستمرّت حتّى القرن السادس عشر للميلاد. بيد أنَّ عصر النهضة في واقعه، ليس حقبة زمنيّة أو مرحلة تاريخيّة، بل هو أسلوب حياة وطريقة تفكير؛ إذ انتقل عبر التجارة والحروب مِن إيطاليا إلى أنحاء أوروبا كافّة[1].

إنَّ الدين المحرّف وما يشتمل عليه مِن الخرافات والأساطير في العصور الوسطى، والتعامل المرير والضغط غير العقلي وغير المنطقي الذي كانت تمارسه الكنيسة على الناس وعلماء العلوم الطبيعيّة، أدّى إلى عزل وخروج العلماء مِن الكنيسة؛ الأمر الذي أدّى بدوره إلى الفصل بين العلماء في العلوم الطبيعيّة وعلماء الدين، وإلى خلق الأرضيّة المناسبة لإعراض الناس عن الدين.

كانت الكنيسة تخطو حثيثًا على خلاف الفطرة الإنسانيّة في مختلف الأبعاد العلميّة والعمليّة. لقد كانت الأناجيل المختلقة مِن قبل البشر، والتي لم يكن لها أيّ صلة بالوحي، تتعارض مع العلوم الحسيّة المستحدثة في تلك الحقبة الزمنيّة، وبذلك ظهر التعارض في ذلك العصر بين العلم والدين[2].

بالتزامن مع الانفصال بين العلم والدين وخروج العلماء الطبيعيين مِن الكنيسة وانتشار خبر الحكم بالإعدام على غاليليو، عمد مونتني[3] إلى بيان شكّ عُرف لاحقًا بـ«شكّ مونتني»؛ بمعنى

(28)

أنَّ قواعد علم الهيئة البطليميّة[1] التي كانت مقبولة حتّى الآن، قد تمّ رفضها مِن قبل غاليليو ومَنْ هم على شاكلته الفكريّة، وأثبتوا خلاف ذلك؛ إذاً يمكن الشكّ في جميع العلوم الراهنة، والتي تظهر في المستقبل أيضًا. وبذلك فقد العلم دعامته الاعتباريّة، وتدحرجت الموجة الثانية مِن الشكّ في الغرب بعد الموجة الأولى التي كانت تتمثّل بالشكّ السفسطائي[2].

وقد عمد رينيه ديكارت[3]، الذي يُعدّ مِن الفلاسفة الأوائل في المرحلة الجديدة، من خلال بيانه لقانون الكوجيتو[4] القائل: «أنا أفكّر؛ إذن أنا موجود»، إلى بناء قاعدة معرفيّة مهمّة لتحصيل اليقين، فقد عمد مِن خلال طرح الشكّ القانوني إلى التوصّل مِن الشكّ في كلّ شيء، واليقين بالشكّ في كلّ شيء، إلى اليقين بوجود الأنا المفكّر، وبذلك أوجد صرحًا معرفيًّا حصينًا لليقين[5]. ومِن ناحية أخرى، فإنَّ رينيه ديكارت مِن خلال اختزاله «الأنا» في «المفكّر»، وتقديم الأنا المفكّر، كان أوّل منظّر مثالي في الغرب، وبقي هذا الاتّجاه المثالي في الغرب ثابتًا.

(29)

يمكن بيان الاتّجاهات الفلسفيّة في المرحلة الجديدة ضمن اتجاهين متضادّين، وهما: الاتّجاه العقلاني، والاتّجاه التجريبي. وكان رينيه ديكارت وإيمانوئيل كانط[1] مِن بين الشخصيّات المهمّة والمؤثّرة في الاتّجاه العقلاني في المرحلة الجديدة، وكانت بداية الفلسفة في المرحلة الجديدة مع رينيه ديكارت وقانونه في إطار الدفاع عن قلعة اليقين في مواجهة تشكيك مونتيني. وكان كلّ مِن جون لوك[2]، وجورج باركلي[3]، وديفيد هيوم[4]، مِن الشخصيّات المهمّة والمؤثّرة في الاتّجاه التجريبي في المرحلة الجديدة. وفيما يلي نعمل على بيان كلا هذين الاتّجاهين:

العقلانيّة أو الراشيوناليسم مأخوذة مِن مادّة «Ratio» اللاتينيّة والفرنسيّة، والتي تعني لغة: العقل والعقلانيّة[5]. في ضوء هذه الرؤية، يتمّ التعريف بالعقل بوصفه محور العلم وأساس المعرفة البشريّة والقادر على معرفة الوجود[6]. وأمّا العقل، فهو حقيقة كان لها مِن

(30)

زاوية بعض الاعتبارات مسار تاريخي مِن التحوّل، وظهر منه في كلّ مرحلة معنى ومرتبة ووجوه. إنَّ «العقلانيّة»، التي شكّلت في العصر الجديد أساسًا لـ«العقلانيّة الديكارتيّة» ومبنى للفلسفة الجديدة، هي الصورة الآليّة والتقديريّة والاستيلائيّة المتأصّلة للعقل الجزئي والمنفصل عن الوحي. إنَّ هذا العقل ينظر إلى العالم على شكل أمر للاستثمار النفساني مِن خلال الاستناد إلى اللغة الرياضيّة والكميّة ولجهة الغايات النفعيّة الموضوعيّة (الأنا النفسانيّة الحديثة)، وعلى أساس الذات الأصيلة. إنَّ هذا العقل هو مظهر العدميّة المضاعفة (العدميّة البشريّة والنفسانيّة) في العصر الحديث، واستنادًا إلى هذا العقل تمّ التأسيس لأساس التكنولوجيا الحديثة والبيروقراطيّة والعلاقات الاستثماريّة بين البشر.

إنَّ «العقل» و«العقلانيّة» تختلف ماهويًّا عن تعريف ومعنى التعقّل الوارد في الآيات القرآنيّة والروايات الإسلاميّة. إنَّ العقلانيّة الحديثة تمثّل أساسًا للأنظمة السياسيّة والبيروقراطيّة والمدارس الاقتصاديّة والعلاقات الإنسانيّة ومجمل النظام الجديد في عصر الحداثة. وقد تعرّضت العقلانيّة الحديثة منذ العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر للميلاد -مِن خلال ظهور المفكّرين مِن أمثال: «سورين كركيغارد»[1]، و«شوبنهاور»[2]، ولا سيّما «فريدريك نيتشه»[3]- إلى

(31)

انتقادات جادّة. ومِن هنا، فإنَّ العقلانيّة الديكارتيّة تعاني اليوم مِن خطر الزوال[1].

تذهب النزعة التجريبيّة أو العلميّة إلى الاعتقاد بأنَّ الإنسان الأوّل لم يكن له حظّ مِن العلم، ولم يكن يعرف العلل والأسباب الطبيعيّة، ومِن هنا فإنَّه كان يرى أنَّ الظواهر الطبيعيّة ناشئة مِن أسباب ميتافيزيقيّة وكائنات خارقة. ومع مجيء العلم، تمّ اكتشاف أسباب هذه الظواهر، واتّضح أنَّ اعتقاد الإنسان بالأسباب والعلل ما فوق الطبيعيّة كان ناشئًا عن جهله بالعلل والأسباب الطبيعيّة والماديّة. وعليه، فإنَّ الله والدين والأمور الغيبيّة وغير الطبيعية، ليس لها وجود خارجي. وفي ظلّ تطوّر العلوم الطبيعيّة، تبيّن عدم جدوائيّة العلوم غير الحسيّة أكثر مِن ذي قبل. وعليه، فإنَّ العلوم التجريبيّة أو ما يعبّر عنه بـ«Science» تكون هي المحور، وتكون لها المركزيّة.

إنَّ هذا الرأي إنَّما ينشأ حيث يتمّ اعتبار عالم الخلق منحصرًا في الظواهر الماديّة، وحصر العلم بالأمور التجريبيّة والماديّة، في حين؛

1ـ أنَّ مجهولات العلوم البشريّة بالقياس إلى معطياتها، أكثر مِن أنْ يمكن استيعابها وإحصاؤها.

2ـ أنَّ معطيات العلوم لا تحظى بالثبات والقيمة والاطمئنان والوثوق بضرس قاطع.

3ـ لا توجد هناك نظريّة محدّدة للوصول إلى هذه العلوم.

(32)

4ـ إنَّ حقيقة الآخرة أبعد مِن حدود العلوم البشريّة[1].

5 ـ عصر الحداثة

إنَّ الحداثة تعكس مجموعة متنوّعة وواسعة ومعقّدة للغاية مِن المفاصل الجماليّة لتراث الواقعية الأوروبيّة، التي تشكّلت منذ أواسط القرن التاسع عشر للميلاد فصاعدًا، وقامت على أساس توسيع الصناعة والتكنولوجيا والسرعة والحيويّة والتحرّك والنشاط في المجتمعات المدينيّة[2]، وسعت إلى التوفيق مِن الناحية التاريخيّة بين المسيحيّة والمعطيات الجديدة للعلم والفلسفة. لقد تمّ توظيف هذه المرحلة بوصفها مثالًا للأفكار والأساليب الحديثة، التي تمّ استبدالها بالأفكار والأساليب التقليديّة، والتي شملت جميع أبعاد وجوانب الحياة الفرديّة والاجتماعيّة للإنسان الغربي، ولا سيّما منها تلك الأبعاد المرتبطة بالدين والمعرفة الدينيّة والفنّ والجمال.

إنَّ «الحداثة» في الإبداع الديني والتجديد المذهبي، لا تعتبر الدين والمضامين الدينيّة أكثر مِن مجرّد تجارب شخصيّة للإنسان، أو هي تجارب نفسانيّة بالنسبة إليه، ولا تعتقد بحقيقة ذاتيّة وموضوعيّة وراء هذه التجارب[3]. وفي المجموع، فإنَّ «الحداثة مصطلح يطلق على أساليب مِن الحياة أو النظام الاجتماعي الذي ظهر في أوروبا

(33)

منذ القرن السابع عشر للميلاد فصاعدًا، وأخذ ينتشر بالتدريج في العالم بشكل وآخر»[1].

هناك ثلاث خصائص مهمّة في عصر الحداثة، وهي كالآتي:

1ـ تسارع المتغيّرات في العصر الحديث أدّى إلى تحريك نهضة الحداثة. كانت كلّ حضارة على الدوام أكثر حيويّة مِن سابقتها، بيد أنَّ التحوّل والتغيّر في الشرائط المرتبطة بمرحلة التجديد تحتوي بالقياس إلى مراحل ما قبل الحداثة والمراحل التقليديّة على سرعة أكبر بكثير، وإنَّ التسارع في الصناعة ملحوظ بشكل أكبر مِن سائر الأبعاد والمجالات الأخرى. ولهذا السبب، فإنَّها في سائر المجالات تقع تحت تأثير تسارع المتغيّرات في التكنولوجيا.

2ـ إنَّ مساحة المتغيّرات والتحوّلات هي الأخرى تمثّل واحدة مِن المعايير الحاسمة والمصيريّة التي تفصل الحداثة عن الأنظمة والمؤسّسات التقليديّة السابقة عليها؛ بمعنى أنَّ مساحة التحوّلات الحديثة ترتبط بحجم الارتباط بين المناطق المختلفة مِن العالم ببعضها بنسبة مباشرة[2].

3ـ الخصّيصة الثالثة مِن الأوجه التي تميّز الحداثة مِن المرحلة السابقة عليها، هي الماهيّة والمحتوى الواقعي للمؤسّسات الاجتماعيّة الحديثة. ومِن بين الصور الاجتماعيّة الحديثة، يمكن أنْ نذكر ظاهرة السكن في المدن الحديثة، التي تختلف عن أصول

(34)

ومعايير سكن المدن التقليديّة السابقة عليها اختلافًا كبيرًا[1]؛ وذلك لأنَّ الحداثة تحتوي في داخلها على صفتين متضادّتين، وهما أوّلًا: دافع الأمن والثقة والرفاه والسعادة. وثانيًا: أمواج ركوب الخطر والاضطراب والمرارة. ومِن هنا، فإنَّ ماكس فيبر[2] -وهو مِن المؤسّسين التقليديّين لعلم الاجتماع في الغرب- لم يكن متفائلًا بالحداثة والآثار المترتّبة عليها، ويرى «أنَّ العالم الحديث هو عالم التناقضات الذي لا يتمّ فيه تحقيق التطوّر والتقدّم المادي إلّا على حساب توسّع البيروقراطيّة، وهذا الأمر بدوره يعمل على تدمير عنصر الإبداع والإرادة والاختيار لدى الفرد، ولكنَّه مع ذلك لم يتمكّن مِن إدراك حجم الجانب الأسود والمظلم مِن الحداثة»[3].

لقد شهد القرن التاسع عشر للميلاد، الذي يمثّل عصر التحوّلات الفلسفيّة في الغرب، تبلورًا وانتشارًا واسعًا للروح النفعيّة ومبدأ اللّذة على نطاق واسع، وأدّت التحوّلات الليبراليّة والديمقراطيّة والليبراليّة الحديثة إلى التأكيد المفرط على الفردانيّة وأصالة الفرد؛ الأمر الذي أدّى بدوره إلى سيادة مذهب الذرائعيّة ومحوريّة الإنسان والبراغماتيّة، وأصبحت الرأسماليّة والثقافة العلمانيّة الشاملة والديمقراطيّة الليبراليّة والفردانيّة والعقلانيّة والإنسانويّة مِن أبرز سمات وخصائص وعناصر هذه المرحلة.

(35)
6 ـ ما بعد الحداثة

إنَّ مرحلة ما بعد الحداثة التي بدأت منذ أواخر عقد الستينيّات مِن القرن العشرين للميلاد وبداية عقد السبعينيّات منه، كانت عبارة عن المرحلة المطويّة لجانب مِن صراعات مرحلة الحرب الباردة واليأس مِن الثقافة الثنائيّة المتأرجحة ما بين الاشتراكيّة والرأسماليّة الغربيّة، والجهود الأخيرة للقضاء على الإلهيّات وما بعد الطبيعة والميتافيزيقا القديمة، وتدمير النماذج السياسيّة والاجتماعيّة في المجتمع الحديث[1]، وتجسيد الاتّجاه النقدي المتشكّك تجاه مبادئ وغايات الحداثة، وردّة فعل حقيقيّة في مواجهة التحوّلات والاضطرابات الناشئة عن تلك المرحلة. وهذه المرحلة بدورها لم تكن منفصلة أو مختلفة عن مرحلة الحداثة، بل هي صورة ومرحلة عن البسط، وإنَّ الخصّيصة الأصليّة لها عبارة عن الوعي الذاتي تجاه أزمة الحداثة، وإنَّ هذا الوعي الذاتي إنَّما يتمّ بيانه مِن الناحية السلبيّة فقط. إنَّ فكر ما بعد الحداثة تشكيكي ويفتقر إلى اليقين العقلي والقلبي، حيث يكون في تلازم ذاتي مع أزمة التفكير الحديث وصورة تفصيليّة عن العدميّة في الغرب الحديث[2]، ولم تتمكّن مِن تجاوز العدميّة والذاتانيّة الحديثة أبدًا.

إنَّ ما بعد الحداثة تتعارض مِن الناحية الميتافيزيقيّة مع الواقعيّة، وترى أنَّ الحديث عن المعنى بشأن الواقعيّة ذات الوجود المستقلّ،

(36)

أمر غير ممكن. ومِن هنا، فإنَّ الكثير مِن الأفكار التي تصدع بها ما بعد الحداثة لا تبدو واقعيّة، بل هي ذات صبغة مثاليّة طاغية جدًا، وتظهِر نوعًا مِن الفهم الاجتماعي/ اللغويّ والبنيويّ عن الواقعيّة[1]. إنَ لفلسفة ما بعد الحداثة رؤية انتقاديّة، ومِنْ هنا فإنَّ الفرضيّات الجوهريّة ذات الصلة بالشموليّة والقطعيّة، وكذلك عليّة وجامعيّة بعض الأمور التي كانت مورد تأييد فلسفة الحداثة، قد تعرّضت للنقد وإعادة النظر مِن ناحية فلسفة ما بعد الحداثة. إنَّ فلسفة ما بعد الحداثة مزيج مِن عدد مِن المدارس والفلسفات والنظريّات، ويمكن أنْ تكون حصيلة للكثير مِن الاتّجاهات الفكريّة المتعدّدة، والتي يمكن بالمقارنة إلى الحداثة، بوصفها انقلابًا في المحتوى والآراء وطرق التفكير وأساليب الحياة؛ أنْ تؤثّر في مستوى أجمع وأوسع مِن الثقافة.

(37)

الخلاصة

لقد أدّى ابتعاد المواطنين الغربيين في مرحلة التجديد الغربي عن الدين والتربية -التي وإنْ كانت ناقصة وضعيفة- إلى خلق أرضيّة واسعة لتبلور وإشاعة المفاسد الأخلاقيّة والثقافيّة، وإنَّ هذا الانفصال والابتعاد أدّى إلى أحداث وآثار مدمّرة بحقّ الأسر الغربيّة وانهيار النظام الأسري وانفصام عُرى النظام الأخلاقي والمعنوي.

لقد ظهر في الغرب خلال مرحلتين مجتمع متمسّك بالدين والعقائد الدينيّة، ومجتمع متفلّت مِن الدين والمعنويّة؛ الأمر الذي يشير إلى مدى تأثير التزام المجتمع بالدين والمعنويّات في الحدّ والحيلولة دون المفاسد والانحرافات السلوكيّة والنفسيّة لأفراد ذلك المجتمع، ورسم حدود الإصلاح الجوهري الأخلاقي والثقافي له. وحاليًّا، يعيش النظام الفكري والسياسي والثقافي للغرب حالة مِن خواء الروح الدينيّة وضمور الأخلاق الناشئ مِن التمرّد على الدين والأخلاق والمعنويّات. يمكن القول بأنَّ هذه التحوّلات التربويّة والثقافيّة المريرة في القرن الأخير، إنَّما تعود بجذورها إلى العصور الوسطى، التي ترعرعت منذ تلك القرون في عصر النهضة والتجديد في أحضان الإصلاح الديني وآمال الأفكار الاعتقاديّة والتربويّة. إنَّ حدود هذه التحوّلات تكمن في العبور مِن رقعة الدين والمعنويّة وتجاهل الحدود الإنسانيّة.

(38)

إنَّ الغرب في القرن العشرين للميلاد يُعدّ، مِن وجهة نظر الدين، قرن مناهضة الدين عن طريق حريّة التفكير، وإنَّ عدم اهتمام أرباب الكنيسة بالهجوم على ساحة الدين، قد أدّى إلى عزلة المؤسّسة الدينيّة مِن جهة، وإلى انتشار الفهم الخاطئ لأصل الدين مِن جهة أخرى. وطيلة هذه السنوات، شاعت دراسات موسّعة في حقل الدين، وبلغ التفسير والتأويل في مورد الدين ذروته، وتمّ تقديم ثلاثة أنواع مِن الاتّجاهات المختلفة إلى الدين، وهي عبارة عن: الاتّجاه الأدنى، والاتّجاه الأقصى، والاتّجاه المتوسّط إلى الدين، إذ تغلّب الاتّجاه الأدنى على الاتّجاهين الآخرين، وصار  هو الاتّجاه الحاكم لدى أصحاب الفكر التنويري في الغرب.

إنَ هذا الرأي مِن خلال تحديد قدرة وآليّات الدين، أدّى إلى تهميش الدين وعزله، وإلى تبلور العلمانيّة في نهاية المطاف. إنَّ الآثار المنبثقة عن هذه المباني الاعتقاديّة والأنطولوجيّة، قد عرّضت الغرب إلى الكثير مِن الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة.

إنَّ المباني الأنثروبولوجيّة في الغرب، وإنْ تخلّت اليوم في تفكيرها عن الاعتقاد بالأصول والمباني الدينيّة والفلسفيّة، إلَّا أنَّها سقطت في الوقت نفسه في شباك الفضاء الميكانيكي، واستبدلت المنظومة الآليّة بالروحيّة والأخلاق الإنسانيّة. إنَّ الغرب إثر الإحباط

(39)

واليأس مِن التعاليم الدينيّة المحرّفة، وكذلك الشعور بعدم الثقة بالفلسفات والمدارس والأيديولوجيّات الغربيّة في القرن الأخير، وكذلك بعد إدراكه عدم جدوائيّة التكنولوجيا في حلّ المعضلات النفسيّة والاجتماعيّة للناس، سوف يرى دواء دائه في النزوع إلى المعنويّة والعودة إلى الأصالة والقيَم الدينيّة والإنسانيّة[1].

(40)

 

 

 

 

الفصل الثاني

دراسة وتحليل الأبعاد الوجوديّة

للإنسان في التفكير الإسلامي والغربي

 

(41)

الفصل الثاني

دراسة وتحليل الأبعاد الوجوديّة

للإنسان في التفكير الإسلامي والغربي

المقالة الأولى: هويّة الإنسان في الفكر الإسلامي

فيما يتعلّق بالهويّة الحقيقيّة للإنسان واستعداداته وقابليّاته، هناك رؤيتان مختلفتان بالكامل، بل ومتضادّتان أيضًا. ففي إحدى الرؤيتين، يُنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا حرًّا ومستقلًّا بالكامل، إذ يكون مكتفيًا ذاتيًّا في معرفة سعادته الحقيقيّة والطريق الموصل إليها. وأنَّه هو الذي يُحدّد مصيره؛ فهو كائن مختار ولديه القدرة المطلقة، وقد تمّ إيكاله إلى نفسه، وهو متحرّر مِن الالتزام بأيّ تكليف خارجي بشكل مطلق.

وفي الرؤية الأخرى، يمتلك الإنسان القدرة اللازمة -ولكنْ غير الكافية- على المعرفة للوصول إلى السعادة الحقيقيّة. ومِن هنا، فإنَّه يحتاج إلى الهداية الإلهيّة، فهو خاضع لتدبير قوّة غيبيّة، ولكي يصل إلى سعادته، لديه تكليف وإلزام تمّ وضعه تحت تصرّفه واختياره مِن قبل الله عبر أنبيائه ورُسله[1].

إنَّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع -مِن بين جميع المخلوقات الملموسة والمحسوسة في العالم- أنْ يغيّر نفسه ويعمل على تطوير ذاته والسير نحو التعالي أو يعمل على سقوطها نحو

(42)

الأسفل. ومِن ناحية أخرى، فإنَّ الإنسان وحده الذي يستطيع أنْ يدرك هويّته الحقيقيّة بعلمه الحضوري أو يغفل عنها وينسى نفسه، وأنْ يبيع روحه الإنسانيّة ويغترب عن ذاته[1]. إنَّ حقيقة الإنسان في الرؤية القرآنيّة، عبارة عن روحه الخالدة التي هي مِن أمر الله تعالى، وأنَّها تعود إليه، وإنَّ للإنسان هويّة «منه» وراجعة «إليه»، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى، في هذا الشأن: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)[2]. إنَّ المعرفة الدقيقة والصحيحة للإنسان وسعادته في الرؤية الإسلاميّة، لا يمكن أنْ تكون إلّا مِن خلال  النظر في علاقته مع الله. إنَّ وجود الإنسان هو الارتباط عينه مع الله، وإنَّ فصل الإنسان عن الله يعمل على إخفاء هويّته الحقيقيّة خلف حجاب مِن الجهل والغموض، وهذه حقيقة تمّ تجاهلها  أو إنكارها في المدارس الماديّة وغير الإلهيّة، هذا من ناحية. ومِن ناحية أخرى، فإنَّ الحياة الحقيقيّة للإنسان إنَّما تكون في العالم الآخر، إذ يعمل على بنائها بإخلاصه المقرون بالإيمان في هذه الدنيا[3].

وفي هذا المقال سوف نعمل -قبل بحث ونقد التفكير القائم في الغرب حول بُعد الهوية الإنسانيّة- على تعريف مفردات الروح والنفس؛ وذلك لأنَّ هويّة الإنسان وسعادته الحقيقيّة -مِن وجهة نظر الإسلام- إنَّما يتمّ تعريفها في بُعده المجرّد، وهو البُعد المتمثّل بالنفس أو الروح، وفي الواقع فإنَّ هويّته وكذلك سعادة الإنسان متغيّر وتابع لبُعده المجرّد.

(43)
أ ـ الروح
1 ـ التعريف اللغويّ

إنَّ الروح لغة تعني النفس أو ما يكون مادّة لحياة الإنسان[1]، وإنَّ الشرط في اعتبار كلّ كائن حيّ، هو جريان الروح في بدنه[2].

2 ـ التعريف الاصطلاحي

إنَّ للروح الكثير مِن التعريفات في آثار العلماء والحكماء؛ ومع ذلك لا يمكن العثور على تعريف واحد تمّ الاتفاق عليه. ويمكن تعريف الروح بوصفها مادّة للحياة والشعور لدى الكائن[3]. إنَّ حقيقة وجود الإنسان رهن بروحه لا بجسمه المادي. إنَّ القرآن الكريم يرى أنَّ الروح هي تمام حقيقة الإنسان، وقد ورد التصريح بذلك؛ فقد تحدّث القرآن في بيان مراحل خلق الإنسان عن مرحلة تأتي بعد المراحل الماديّة مِن خلق الإنسان، وهي مرحلة «نفخ الروح» فيه. إنَّ جميع الناس يمتلكون -مِن وجهة نظر القرآن الكريم- روحًا ومرتبة خاصّة مِن الخلق. وإنَّ الإنسان بعد مرحلة «نفخ الروح»، يصبح مستحقًا لكي تسجد له الملائكة. وعليه، يجب البحث عن حقيقة

(44)

الروح وماهيتها التي جعلت منها ببيان القرآن الكريم أهمّ بكثير مِن البدن المادّي للإنسان[1].

يمكن لنا أنْ ندرك مِن خلال بيان القرآن الكريم، أنَّ روح الإنسان حقيقة متعالية، وأنَّها مِن سنخ الحقائق الملكوتيّة والمرتبطة مع المبدأ الوجودي للكائنات وساحة القدس الربوبيّة. وفي الأساس، فإنَّ حقيقة الإنسان هي روحه المرتبطة بمبدأ الوجود وخالقها، وهي ناظرة إلى عالم أسمى مِن المواهب والنعم الماديّة والدنيويّة، والتي تمّت إفاضتها عليه مِن ناحية الحقّ تعالى[2].

وقد ورد في لسان العرب، وكذلك في أمّهات المعاجم اللغوية الأخرى، أنَّ معنى الروح هو «الريح». و«الريح» بدوره يعني نسيم الهواء[3]. وربَّما كان ذلك بداعي تناسب الريح مع الروح مِن حيث الجريان والسريان، وإنَّ قوله تعالى: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي)[4]، إنَّما يُشير إلى وجود هذه الحقيقة في النسيم[5]. والنقطة الدقيقة الموجودة في هذا التشبيه، هو أنَّ الريح تحتوي على سرعة وحركة

(45)

خفيّة وغير مرئيّة، وهذه المعاني تسانخ الروح[1]. ومِن هنا، فإنَّ مؤلّف كتاب العين قد فسّر النفس والروح بمعنى واحد[2]؛ وذلك لأنَّ بين التنفّس والبقاء على قيد الحياة  صلة وثيقة. كما ورد إطلاق الروح بمعنى النفس الإنسانيّة أيضًا[3]. وكذلك تمّ إطلاق كلمة الروح بمعنى «قوّة الحياة» أيضًا؛ وهي القوّة التي تمنح النشاط إلى الطبيعة، وتجعل جميع العالم جميلًا وأثيرًا على القلب والنفس[4].

3 ـ الروح المجرّدة؛ هويّة الإنسان الحقيقيّة.

إنَّ روح الإنسان بالإضافة إلى التجرّد، تشكّل هويّته الحقيقيّة وما يكون سببًا في إنسانيّته؛ وذلك لأنَّ الهويّة الحقيقيّة للإنسان إذا كانت بجسمه المادّي؛ لوجب أنْ يفنى بالموت وفناء الجسد، في حين أنَّ آيات القرآن الكريم، تؤكّد على بقاء الإنسان وخلوده بعد فناء البدن[5]. قال الله تعالى في مورد خلق النبي آدمعليه‌السلام: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)[6].

إنَّ هذا الأمر يُثبت أنَّ هذا الإنسان الذي خلقه الله ليكون خليفة

(46)

له، لم يبلغ هذه المرحلة إلّا بعد نفخ الروح فيه. إنَّ الآيات التي تقول إنَّ الله يتوفّى الأنفس بتمامها وكمالها[1]، هي الأخرى تمثّل دليلًا على أنَّ روح الإنسان تشكّل جميع هويّته الحقيقيّة، وإلّا لو كان الجسم جزءًا مِن الوجود الحقيقي للإنسان، لا يُستوفى عند موت الإنسان بتمامه وكماله، ولزال بفناء الجسم جزء مِن الهويّة الحقيقيّة للإنسان أيضًا[2]. وعليه، فإنَّ الإنسان كائن ذو بعدين، فهو يتألّف مِن جسم وروح، وإنَّ الأصيل هو روح الإنسان، وليس جسمه المادّي.

ب ـ النفس
1ـ التعريف اللغويّ

إنَّ النفس لغة؛ بمعنى ذات وحقيقة كلّ شيء، وتستعمل في كلّ ما له نفس وروح[3]، والذي يتناسب مع البيان الاصطلاحي لهذه المفردة في البين، هو معنى الروح الذي يُستعمل بشأن نفس الإنسان[4].

2ـ التعريف الاصطلاحي

ورد تعريف النفس في الأنثربولوجيا بـ«كمال أوّل لجسم طبيعي

(47)

آلي»[1]. إنَّ «الكمال» بحسب المصطلح، هو الشيء الذي يصل فيه النوع في ذاته أو صفاته إلى شكله الكامل، و«الجسم» جوهر له أبعاد ثلاثة، وهي الطول والعرض والعمق. و«الجسم الطبيعي»، هو الجسم الذي يكون موجودًا في الطبيعة مِن تلقائه، ولا يكون مِن صنع البشر، و«الآلي» جسم له أعضاء، ويكون طبيعيًّا بحسب المصطلح[2].

لقد عمد صدر المتألّهين إلى إحداث تحوّل أساسي في تعريف النفس وتبعًا لذلك في موقع النفس، وعمل بمساعدة أصول مِن قبيل: أصالة الوجود، وتشكيكيّة الوجود، والحركة الجوهريّة، إلى نقل علم النفس مِن المباحث الطبيعيّة إلى أبحاث ما بعد الطبيعة. وهو يرى أنَّ النفس حقيقة واحدة ذات مراتب تشكيكيّة، ومِن خلال بيان نظريّة «النفس جسمانيّة الحدوث وروحانيّة البقاء»[3]، لا يرى للنفس في بداية الحدوث وجودًا مجرّدًا، ويرى النفس في بداية الحدوث بحيث يمثّل التعلّق بالجسم هويّتها وطريقة وجودها، ثمّ تطوي في مسارها الصعودي مراتب ومراحل متنوّعة؛ وذلك لأنَّ النفس مِن الناحية الوجوديّة حقيقة تضاف إلى البدن وتشكّل كيفيّة وجوده وهويّته وليس ماهيته، وإنَّ البحث عنها بحث عن وجودها وعوارضها الذاتيّة، وليس بحثًا عن الجسم بما هو جسم[4].

(48)

وقد لجأ صدر المتألّهين إلى التعبير عن بيان خصائص النفس بقوله: «النفس تمام البدن ويحصل منها ومِن المادة البدنيّة نوع كامل جسماني»[1]. وهو يذهب إلى الاعتقاد بأنَّ الحركة الجوهريّة أمر وجودي؛ بمعنى أنَّ الفاعل الإلهي يعمل في كلّ لحظة ـ وآنًا بعد آنٍ يخلق وجودًا يكون تمامُ هويّته حركَته عينَها، لا أنْ يكون ذاتًا لها حركة. وفي الحقيقة والواقع، فإنَّ معطي الوجود يخلق صورة تكون النفس مِن ثمارها، وتنتزع الحركة مِن حاق ذاتها. وبهذا التعريف، ينتقل مبحث النفس مِن الطبيعيّات إلى ما بعد الطبيعة، وتزول ثنائيّة النفس والبدن التي علق ابن سينا وأرسطو في شراكها؛ وذلك لأنَّ تعلّق النفس بالبدن مِن ذاتيّات النفس ويُعدّ داخلًا في هويةّ النفس، ولا يقول بوجود غير الوجود التعلّقي بالنسبة إلى ماهية النفس[2].

3ـ النسبة بين الروح والجسد

إنَّ النفس والروح كلتاهما تعود إلى هويّة الإنسان، ويمكن القول إنَّ الروح نفس يحيا الجسم بسببها[3]. إنَّ آيات القرآن الكريم التي يرِد فيها استعمال كلمة «النفس» والألفاظ المرتبطة بها[4]، ناظرة إلى الإنسان وأبعاده الوجوديّة بالمفهوم المادّي. في هذه الطائفة مِن الآيات، يُنظر إلى الإنسان مِن حيث ذات الإنسان وفي مرتبة

(49)

المخلوق والمعلول، ولذلك يتمّ في الغالب ذكر أبعاد الاحتياج والنقصان والمحدوديّة فيه؛ إذ يجب على الإنسان أنْ يبذل كلّ ما بوسعه مِن أجل الحركة في مسار الدين وبلوغ المراتب والدرجات الإنسانيّة العالية. وأمّا الآيات التي ورد فيها استعمال كلمة «الروح» والمفردات المرتبطة بها، فهي تهتمّ بشكل رئيس وعلى نحو بارز بالبُعد الإلهي للإنسان، ويكون المنظور فيها على الدوام هو المبدأ الوجودي للإنسان وتزويده بالوجود مِن قبل الله سبحانه وتعالى؛ الأمر الذي يثبت ارتباط مفردة الروح بالمبدأ الوجودي الإلهي والبُعد الملكوتي للإنسان.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ كلا المصطلحين؛ (أي: النفس والروح) في القرآن الكريم، ينظران إلى هويّة ووجود الإنسان؛ ببيان أنَّه في موارد استعمال مفردة الروح، يكون المنظور هو البُعد الإلهي والمبدأ المتعالي للإنسان، وفي موارد استعمال مفردة النفس يكون المنظور هو البُعد المادّي والمعلوليّة والمخلوقيّة للإنسان؛ وهو البُعد الذي يكون فيه الإنسان مخاطبًا مِن قبل الله سبحانه وتعالى، ومكلّفًا بسلوك طريق التعالي والوصول إلى التكامل الذي يليق بإنسانيّته. وعلى هذا الأساس، يكون لهويّة الإنسان بُعدان؛ إذ الروح تنظر إلى بُعده الملكوتي والربّاني، والنفس تنظر إلى بُعده الخلقي والدنيوي. وأمّا في الحقيقة والواقع، فإنّ كليهما حقيقة واحدة[1].

(50)
ج ـ الفطرة
1ـ التعريف اللغوي

قال الراغب الأصفهاني في تعريف كلمة «فطر»: «أصل الفطر الشقّ طولًا»[1]. وقد ورد استعمالها في القرآن الكريم بهذا المعنى، كما في قوله تعالى: (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)[2].

2ـ التعريف الاصطلاحي

هناك نقطتان مهمّتان تكمنان في تعريف الفطرة، إحداهما: الخصائص المودعة في الموجود عند خلقه، والأخرى: إبداع الخلق مِن العدم. إنَّ الفطرة تبيّن نوعًا خاصًّا مِن الخلق، الذي تمّ بيانه فيما يتعلّق بالإنسان، وتبحث في الخصائص الموجودة في خلق الإنسان، والمراد منها هو الإيجاد مِن العدم، ومِن دون أنْ تكون في البين مادّة سابقة تختلف عن الخلق[3]؛ بمعنى أنَّ الإنسان قد خُلق بشكل خاصّ، إذ يمتلك سلسلة مِن الخصائص في أصل الخلق، وإنَّ الفطرة الإنسانيّة تعني الخصائص الموجودة في أصل الخلق[4].

(51)
3ـ الفطرة الإنسانيّة السليمة

يرى العلامة الطباطبائي أنَّ الإنسان يدرك بفطرته -التي فطره الله عليها- أنَّ الله تعالى هو الذي خلق هذا العالم الواسع بنظامه المذهل وجميع ما يشتمل عليه مِن أدقّ القوانين الجارية فيه، وهو الذي زوّد الإنسان بالقوى والأدوات والأعضاء الداخليّة والخارجيّة، وهو الذي يهديه بمختلف الطرق والعواطف والمشاعر والإرادة نحو المقاصد التي تحقّق له السعادة الحقيقيّة. إنَّ الإنسان يستطيع بـ«مشيئة الله» بشعوره وإرادته الحرّة أنْ يميّز الخير مِن الشر والنفع مِن الضرر، وبالتالي فهو  «فاعل مختار».

إنَّ الإنسان بفطرته السليمة ومِن طريق عقله وتفكيره يُدرك أنَّ السعادة والغاية الحقيقيّة في الحياة، قد تمّ تحديدها مِن قبل الله، وأنَّ الطريق الوحيد إلى السعادة في مسيرة الحياة، يكمن في أنْ ينظر على الدوام إلى منزلته الوجوديّة، وأنْ يعتبر نفسه جزءًا لا يتجزّأ مِن عالم الخلق، وأنّه تحت سلطان الخالق الحقيقي، وهو الله سبحانه وتعالى، وأنْ لا يخضع ولا يذلّ نفسه في الحياة لأيّ شخص غير الله الواحد القهّار، وأن لا يأتي بأيّ عمل إلّا في ضوء مِن تقتضيه مشاعره الإنسانيّة ورغباته الْوجوديّة، على شرط تأييد العقل لذلك العمل[1].

المقالة الثانية: هُويّة الإنسان في التفكير الغربي

لقد أثبتنا في القسم السابق أنَّ الهويّة الحقيقيّة للإنسان -مِن

(52)

وجهة نظر الإسلام- عبارة عن نفسه أو روحه المجرّدة، كما تمّ ذكر وإثبات الفطرة الإنسانيّة أيضًا، وقلنا بأنَّ للإنسان خلقًا أوليًّا أودعه الله في قرارة وجوده، وأنَّ هذا الأمر مشترك بين جميع أفراد البشر، ويستوجب طموحهم إلى معرفة الحقيقة ورغبتهم في الحصول على الكمال، وأنَّ قبول أو رفض حقيقة الروح والنفس والفطرة، يُعدّ عنصرًا مؤثرًّا وجوهريًّا في توجيه طرق الحياة وما هي أهدافها والغايات المرجوّة منها. وفي الحقيقة، فإنَّ الأسس والقواعد المقبولة في الأنثروبولوجيا، لها تأثير جوهريّ وأساسيّ في أداء وغايات العلوم الأخرى.

لقد شهد العالم الغربي جهودًا فكريّة كثيرة حول الأبعاد الوجوديّة للإنسان؛ إذ أفرزت نتائج ومعطيات كثيرة ومتنوّعة. وفي عمليّة تجميع هذه المعطيات، تمّ توظيف مختلف أساليب ومناهج التحقيق. بيد أنَّ الأسلوب والمنهج التجريبي، كان هو الأوفر حظًّا مِن بين الأساليب والمناهج الأخرى، ويمكن القول: إنَّ الأنثروبولوجيا السائدة في الغرب حاليًّا، هي في الغالب فيزيقيّة وذات صبغة تجريبيّة في الغالب، وليس لديها الكثير لتقوله بشأن ماضي ومستقبل الإنسان وعالم ما بعد الموت، وهي عاجزة عن البيان التفصيلي بشأن العلاقة بين أفعال الإنسان وسعادته في الآخرة[1]. في هذا النوع مِن الأنثروبولوجيا، لا يكون الوصول إلى الكمال الحقيقي للإنسان مأخوذًا بعين الاعتبار، ويتمّ بحث ودراسة

(53)

الإنسان بمعزل عن المبدأ والمعاد تمامًا، أو يتمّ التعرّض إلى هذه المسألة في إطار كلّي للغاية، بحيث لا يمكن لذلك أنْ يكون مجديًا في بيان كيفيّة الحياة وكيفيّة سلوك طريق الكمال أبدًا.

لقد شاع المبنى والأساس لهذا الرأي في حدود القرن الرابع عشر للميلاد تحت عنوان «الإنسانيّة» أو «الأنسنة»، إذ أثّر طوال القرون الستّة الماضية -ولا سيّما منها القرن الأخير- على أكثر المدارس الفكريّة والسياسيّة والأدبيّة في العالم الغربي، بل وقد استقطب حتّى بعض أتباع الأديان السماويّة بوعيّ أو غير وعيّ منهم. وذهب بعض المفكّرين مِن أمثال «رينيه ديكارت»[1]، و«باروخ سبينوزا»[2][3]، إلى الحكم باستقلال العقل الاستدلالي لدى الإنسان عن الوحي، وتمّ اعتبار العقل معيارًا نهائيًّا للحقيقة، وذهب أمثال «ديفيد هيوم» -مِن خلال تأسسيه لقواعد الفلسفة التجريبيّة- إلى إبطال العليّة ونقد البراهين الإلهيّة[4]. وقال فيلسوف مثل «إيمانوئيل كانط» -بعد بحث حدود معرفة العقل- بأنَّ العقل البشري لا يستطيع الوصول

(54)

إلى معرفة وجود الله أو أنْ يقيم الدليل والبرهان على وجوده، وقال في ذلك: «إنَّ الله لا يمكن التعرّف عليه إلّا بمساعدة مِن العقل العملي فقط».[1]وقد ترك -مِن خلال مؤلّفاته حول نقد العقل النظري ونقد العقل العملي- ذلك التأثير العميق على المفكّرين اللاحقين له، بحيث قلّما تمّ التعرّض بعد ذلك إلى الفلسفة بوصفها علمًا يتناول موضوع الوجود[2]. وفي نهاية المطاف، ومِن خلال ظهور فلسفات الظاهراتيّة والمدرسة الوجوديّة، طرأ تأثير مهمّ في تعريف هويّة الإنسان في الغرب ومسألة الاغتراب عن الذات[3].

أ ـ الإنسانيّة بوصفها عنصرًا محوريًّا في الأنثروبولوجيا الغربيّة
1 ـ التعريف

تطلق الفلسفة الإنسانيّة على كلّ فلسفة ترى للإنسان منزلة خاصّة وتجعل منه مقياسًا لكلّ شيء، وتمنح له حقّ التقنين والتشريع في جميع الأشياء والأمور[4]. إنَّ الرؤية الإنسانيّة في قرونها الأولى لم تكن فلسفة أو أيديولوجيا، وإنَّما كانت مجرّد حركة أدبيّة وثقافيّة وفكريّة وتعليميّة، وقد تبلورت بالتدريج لتتّخذ في المراحل اللاحقة

(55)

بُعدًا سياسيًّا/ اجتماعيًّا. وبذلك فقد استوعبت جميع المدارس الفلسفيّة والأخلاقيّة والفنيّة والأدبيّة والأنظمة السياسيّة تقريبًا. أو بعبارة أخرى: إنَّ الفلسفة الإنسانيّة قد تركت تأثيرها على جميع هذه الأبعاد بشكل مقصود أو غير مقصود. وببيان آخر: إنَّ الإنسانيّة فلسفة تقدّس قيمة الإنسان ومكانته، وتجعل منه معيارًا وميزانًا لتقييم كلّ شيء، وتجعل مِن الطبيعة الإنسانيّة وحدودها وعلاقات طبيعتها موضوعًا لها[1].

2ـ عناصر الفلسفة الإنسانيّة

إنَّ جوهر وروح ومبنى الفلسفة الإنسانيّة، جعل الإنسان محورًا ومعيارًا لكلّ شيء، إذ يشتمل على العناصر الأصليّة والأساسيّة الآتية:

1- العقلانيّة المفرطة

إنَّ مِن بين أهمّ عناصر الفلسفة الإنسانيّة، القول بالقدرة المطلقة وغير المقيّدة لعقل الإنسان في الاستجابة لاحتياجات البشر، وهو ما يتمّ التعبير عنه بالعقلانيّة، ويراد بها العقلانيّة الآليّة، إذ تقع في قبال العقل الاستدلالي الذي هو نتيجة لفلسفة رينيه ديكارت في القرن السادس عشر للميلاد. فقد عمد ديكارت مِن خلال عبارته الشهيرة «أنا أفكّر؛ إذن أنا موجود»[2] إلى التعريف

(56)

بالإنسان بوصفه قائمًا بذاته ومكتفيًا بنفسه وأنّه مبدأ المعرفة؛ إذ يكون عقله في عرض العقل الكلّي[1].

وعلى هذا الأساس، فإنَّ بنية هذا التفكير تبدأ مِن الإنسان، وتصل في نهاية المطاف إلى الله، وتعتبر الإنسان كائنًا يقوم في معرفته لنفسه والوجود بذاته، وإنّه يُعدّ أصلًا وأساسًا في الوجود[2]. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الإنسان المتأصّل والمتمحور في الفلسفة الإنسانيّة، يثق بعقله وقدراته الخاصّة أكثر مِن اللازم، وإنَّ العقل الملازم والمرتبط بالتجربة والحسّ، يتحوّل عنده عالم المادّة والطبيعة إلى المصدر المعرفي الوحيد؛ بمعنى أنَّ المصادر الدينيّة والتراثيّة والأمور الميتافيزيقيّة والماورائيّة لا تستطيع أنْ تعمل على تزويد الإنسان بأيّ معرفة يمكن الركون إليها أو الوثوق بها، وأنَّ العقل يُعدّ نوعًا مِن الأداة الناجعة لحلّ مشكلات الإنسان مِن دون أنْ يكون له أيّ علاقة بما بعد الطبيعة والميتافيزيقا[3].

نقد

إنَّ التفكير في الفلسفة الإنسانيّة يمنح العقل مرتبة الوحي الإلهي، وإنَّ هذا الرأي، بسبب استناده إلى العقل البشري المتأصّل، يؤدّي إلى حرمان الإنسان مِن معين الوحي الإلهي، ويؤدّي إلى النقصان في الكمال البشري. إنَّ للعقل في تعاليم الإسلام مكانة

(57)

رفيعة ومرموقة، إلى الحدّ الذي تمّ التعريف به في الروايات بوصفه رسولًا باطنيًّا[1]. وقد ورد التأكيد على مكانة العقل وضرورة التبعيّة له في الكثير مِن آيات القرآن الكريم[2]. ولكنْ مع ذلك، لا يمكن للعقل أنْ يلبّي جميع الاحتياجات الدنيويّة والأخرويّة للإنسان؛ وذلك لأنَّ العقل عاجز عن الاستجابة للجزئيّات، ولا يستطيع سوى إصدار الأحكام الكليّة فقط.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ عقل الإنسان في التفكير الإسلامي -خلافًا لمذهب الإنسانيين الذين يعتبرون العقل كافيًا في تشخيص السعادة- وإنْ كان لازمًا في هذا المسار، ولكنَّه ليس كافيًا. وبفعل العقلانيّة الإنسانيّة، يتعدّد ملاك الحُسن والقبح بعدد أفراد البشر، وتفقد الحقيقة مكانتها ومنزلتها، ويُصبح ملاك القيَم نسبيًّا؛ الأمر الذي يؤدّي إلى إنكار جميع أنواع الطموح والنظام القيَمي.

2ـ المطالبة بالحريّة

تذهب الفلسفة الإنسانيّة إلى الاعتقاد بالإنسان الذي يحظى بالحريّة وحقّ الاختيار، وأنْ يكون في دائرة محدّدة قادرًا على تقرير مصيره. وكذلك مِن خلال التأكيد على اختيار الإنسان وامتلاكه لزمام أموره، ترى أنَّ الإنسان قد وُلد حرًّا، وهو متحرّر مِن جميع

(58)

القيود، وعليه أنْ يقرّر مصيره بنفسه، وأنْ يُخطّط لحياته في هذا العالم، وأنْ يحدّد اتّجاهه نحو الحريّة والسلام والعدل، وتحديد حقوقه وخياراته.

إنَّ الفلسفة الإنسانيّة تقدّم حريّة الإرادة على كلّ شيء آخر، وترفض القيَم الإلهيّة والدينيّة؛ وذلك لأنَّ القيَم الإلهيّة معايير يجب الإيمان بها ويستحيل تغييرها، وهذا في حدّ ذاته يتعارض مع حريّة الإنسان واختياره مِن دون قيد أو شرط[1].

نقد

إنَّ الفلسفة الإنسانيّة تؤمن بالحريّة المطلقة بلا قيد ولا شرط، في حين أنَّ الإسلام يعارض الحريّة المطلقة ولا يقبل بها، وإنَّما يقدّم إلى الإنسان حريّة محدودة ومقيّدة؛ وذلك لأنَّ الإنسان بسبب طبيعته ذات البُعدين، يستحيل عليه أنْ يحظى بالحريّة المطلقة في كلا بُعديه الوجوديَّين. إنَّ التحرّر في كلّ واحد مِن القسمين العالي والسافل مِن وجود الإنسان، يساوي محدوديّة وتقييد القسم الآخر[2].

3ـ التّساهل والتّسامح

إنَّ التّسامح والتّساهل في المصطلح يعني المداراة والتعايش السلمي مع الآخر؛ وفُسّر كذلك بتحمّل الممارسات السياسيّة والاجتماعيّة والأفكار والعقائد المخالفة. إنَّ رؤية الفلسفة الإنسانيّة

(59)

في التّساهل والتّسامح، لا تعني مجرّد التعايش السلمي بين أتباع الأديان، وإنّما يقوم على وحدة المبدأ الذي يحول دون الاختلافات الدينيّة مهما كان مقدارها أو قيمتها.

نقد

إنَّ هذا العنصر مِن الفلسفة الإنسانيّة -مِن خلال تأصيل الإنسان وجعله محورًا- أبدى قاطعيّة في مورد ما يرتبط بالإنسان ومنافعه ولذاته الماديّة. بيد أنَّها ترى ما يتعلّق بالله تعالى والقيَم الإنسانيّة والمعنويّة قابلًا للتّسامح والاستبدال والتّساهل وغضّ الطرف. والمبنى الأهمّ في التّساهل والتّسامح، هو النسبيّة المعرفيّة، إذ تكون نتيجتها أنَّ القيَم الأخلاقيّة لا تحظى بالواقعيّة، وإنَّما يتمّ اعتبارها أمورًا ذهنيّة واعتباريّة، وأنَّها ثمرة عقد اجتماعي يتناسب مع ثقافة كلّ مجتمع، خلافًا للرؤية الإسلاميّة التي تقدّم طرقًا متعدّدة للحصول على المعارف الصادقة والحقيقيّة، وتعدّ العلم الحضوري والوجدانيّات والبديهيّات الأوليّة والثانويّة والنظريّات والقضايا الاستدلاليّة والمعارف الدينيّة المستندة إلى الوحي والعقل، جزءًا مِن اليقينيّات، وأنَّ النسبيّة في المعرفة الدينيّة مرفوضة، وأنَّ التساهل والتسامح مرفوض في موردها أيضًا.

4 ـ الاغتراب عن الذات

لقد تمّت نسبة مفهوم الاغتراب عن الذات بشكل فنّي وعلمي في الغرب إلى بعض المفكّرين مِن القرن الثامن عشر والتاسع عشر

(60)

للميلاد، ولا سيّما منهم جان جاك روسّو[1]، وفريدريش هيجل[2]، ولودفيغ فوير باخ[3]، وكارل ماركس[4]. فقد ذهب فويرباخ إلى الاعتقاد بأنَّ هناك تفاوتًا ذاتيًّا بين الإنسان والحيوان في الوعي والإدراك، وأنَّ موضوع الدين بدوره عبارة عن إدراك الأمر اللامتناهي. وعليه، فإنَّ موضوع الدين عبارة عن إدراك الإنسان لذاته التي تحتوي على ماهيّة شاملة ولامتناهيّة. إنَّ الدين عبارة عن مواجهة الإنسان لذاته ونفسه؛ وذلك لأنَّ الذات الإلهيّة ليست شيئًا آخر غير الذات الإنسانيّة. وبعبارة أفضل: إنَّ الذات الإنسانيّة متحرّرة مِن قيود المحدوديّات والكوابح الفرديّة للإنسان الحقيقي الجسماني، إذ شوهد بوصفه ذاتًا أخرى مختلفة عن ذاته وصارت موضعًا للتقديس والعبادة[5]. وفي الأساس، فإنَّ الدين حصيلة إلقاء الصفات البشريّة على الإله وإسقاطها على المعبود. ومِن هنا، فإنَّ الدين يحتوي على ماهيّة تبعد الإنسان عن

(61)

ذاته، وتمثّل حالة اغتراب الإنسان وانفصاله عن ذاته[1].

نقد

إنَّ الكمال الحقيقي للإنسان -في ضوء التفكير الإسلامي- يكمن في الوصول إلى الحقّ. ومِن هنا، فإنَّ الاهتمام بخالق الوجود والتسليم له، يؤدّي إلى السلوك في مسار التعالي والتعلّق بالكمال النهائي للإنسان. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الغفلة عن الله تستوجب نسيان الكمال الحقيقي للإنسان، وتكون سببًا لغفلته عن نفسه واغترابه عن ذاته، وسقوط القيَم الإنسانيّة، ومسخ ماهية الإنسان. وبالتالي، فإنَّ هذا الأمر سوف يكون مقرونًا بتبعيّة الإنسان لغير الله وتعلّقه بالماديّات. وفي ضوء ما ورد في القرآن الكريم، فإنَّ الله سبحانه وتعالى هو أقرب شيء إلى الإنسان؛ إذ يقول تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ)[2]. وعليه، فإن التوجّه إلى الله عزّ وجل، لا يعني الغفلة عن الذات ونسيان النفس أبدًا، وإنَّما يعني الاهتمام بالكمالات الإنسانيّة. وفي آية أخرى، تمّ اعتبار القرآن الكريم مساويًا لنسيان النفس والغفلة عن الذات، إذ يقول تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)[3]. وعلى هذا الأساس، فإنَّ التبعية لغير الله تكون سببًا لنسيان القيَم الذاتيّة الإنسانيّة، وإنَّ التبعيّة لله سبحانه وتعالى تكون عين الكمال وإحياء وتقوية القيَم الإنسانيّة.

(62)

إنَّ مسألة الاغتراب عن الذات في الرؤية القرآنيّة، تكون بعكس هذه القضيّة في الغرب تمامًا[1]. فقد حذّر القرآن الكريم مِن الغفلة عن الذات وتبعيّة الإنسان لغير الله مرارًا وتكرارًا، وشجب عبادة الأصنام واتّباع الشيطان وهوى النفس والتقليد الأعمى للآباء والأجداد[2]. كما ورد التحذير في القرآن الكريم مِن سيطرة الشيطان على الإنسان والإنذار في هذا الشأن مرارًا وتكرارًا، وتمّ التأكيد كذلك على خطر انحراف الإنسان بسبب وسوسة شياطين الإنس والجنّ. قال الله سبحانه وتعالى في هذا الشأن: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)[3]. وقال أيضًا: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ)[4].

ب ـ مكانة الإنسان في منظار الفلسفة الإنسانيّة

إنَّ الله سبحانه وتعالى والوصول إليه، لا يُعتبر غاية للإنسان مِن وجهة نظر القائلين بالفلسفة الإنسانيّة، بل هو غاية في خدمة الإنسان، وإنَّ الإنسان هو المحور والذي يتحلّى بالأصالة؛ وذلك لأنَّهم يرون أنَّ الإنسان هو محور الوجود، وأنَّ سائر الموجودات والكائنات في العالم مسخّرة لخدمته. وبالتالي، فإن الأصالة

(63)

الحقيقيّة، إنَّما هي مِن نصيب الإنسان. ولو سلّمنا وجود الله والأمور الغيبيّة والميتافيزيقيّة، فإنَّه لا حاجة إلى الارتباط بها؛ لأنَّ الإنسان كائن مستقلّ بالكامل، ويكتفي بذاته وفارغ البال مِن كلّ تكليف، ويجب أنْ يقوم كلّ شيء في الوجود على خدمته. وعلى هذا الأساس، تكون مرضاته متقدّمة على كلّ شيء، كما أنَّ مركزيّته وتمسّكه برغباته ومطالبه، تكون هي الأخرى متقدّمة على محوريّة الله والتمسّك بأوامره والعمل بتكاليفه[1].

نقد

إنَّ النتائج التي تترتّب على النظرة الإنسانيّة هي مِن جهة عبارة عن: المصلحة والنفعيّة وتأصيل الذات الماديّة وفساد العالم الغربي، ومِن جهة أخرى: نبذ الأخلاق والفضائل والكمالات المعنويّة والسعادة الأخرويّة، في حين أنَّ الإنسان مِن جهة يمتلك بُعدًا غير مادّي ومنه تتشكّل هويته الحقيقيّة، وأنَّ كمالاته وفضائله وسعادته الإنسانيّة رهن بتطويرها، ومِن ناحية أخرى فإنَّ الإنسان لا تفنى حياته بالموت، ولا تقتصر حياته على هذا العالم المادّي، وإنَّ الله سبحانه وتعالى ليس وجودًا افتراضيًّا وثمرة ظنون وآمال وتطلّعات الإنسان، بل هو موجود حقيقي وعيني وهو محور الوجود ومصدر القيَم، وأنَّ جميع العالم صادر عنه وتابع له وخاضع لتدبيره وربوبيّته التكوينيّة والتشريعيّة[2].

(64)

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

دراسة نقديّة للمباني الأنثروبولوجيّة

الحديثة في التنمية الثقافيّة

 

(65)

الفصل الثالث

دراسة نقديّة للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة في التنمية الثقافيّة

المقدَّمة

بالنظر إلى دور ومنزلة الأنثروبولوجيا في التنمية الثقافيّة، وبالتالي التنمية الشاملة وإقرار العلماء والمفكّرين بأنَّ التحوّل والتغيير لدى الإنسان وفي نوع النظرة إليه، منشأ لجميع التحوّلات، ولا سيّما ظهور التطوّر المتسارع في العالم الصناعي الحديث، يلعب الإنسان -بوصفه عنصرًا في التنمية- دورًا محوريًّا في مسار التنمية، ولا سيّما منها التنمية الثقافيّة، وحيث يكون الإنسان كائنًا مفكّرًا ومختارًا، فإنّه لا يضطلع بهذا الدور إلّا إذا كانت القيَم والمعتقدات والتطلّعات المتناسبة مع التنمية متأصّلة في صقع ذاته. فإذا لم يكن الأمر كذلك، يكون توقع التنمية منه أمرًا مستبعدًا. إذاً، يمكن القول إنَّ هناك بين عناصر التنمية والثقافة والقيَم ارتباطًا مفهوميًّا وثيقًا[1].

إنَّ الإنسان هو المحرّك والمحور والهدف النهائي في التنمية، إذ يكون لديه الكثير مِن التطلّعات والاحتياجات والأهداف والغايات التي لا يمكن إحصاؤها، ويمكن للمسار المعقّد والجامع المتعدّد الأبعاد في التنمية، أنْ يعمل على تسهيل الوصول إليها. وعلى الرغم مِن أنَّ الإنسان هو المحور والغاية مِن التنمية الشاملة، بيد أنَّ دوره الأبرز يكمن في الغالب في التنمية الثقافيّة بشكل أكبر مِن سائر

(66)

الأبعاد التنمويّة الأخرى، وإنَّ خصائص مِن قبيل: مقدار الاتساع الكمّي والكيفي في التربية والتعليم، والتعليم العالي، ومقدار إيجاد الفضاء المناسب للبحث والإبداع الثقافي وحجم القدرة على تطوير قابليّات الإنسان وما إلى ذلك مِن الأمور الأخرى، تؤكّد بأجمعها على محوريّة الإنسان[1].

المقالة الأولى: معرفة التنمية الثقافيّة

إنَّ التنمية الثقافيّة مِن المفاهيم التي تحظى بالقياس إلى سائر أقسام التنمية الأخرى -مِن قبيل: التنمية الاقتصاديّة، والتنمية الاجتماعيّة، والتنمية السياسيّة- بأبعاد وقيَم أكبر، وهي تشتمل على تأكيد أكثر على الاحتياجات غير الماديّة لأفراد المجتمع.

أ ـ مفهوم التنمية الثقافيّة

إنَّ المراد مِن التنمية الثقافيّة، هو إيجاد الظروف والشرائط والإمكانات الماديّة والمعنويّة المناسبة لأفراد المجتمع في إطار معرفة مكانتهم وتطوير علم ومعرفة الناس وخلق الأرضيّة المناسبة للتحوّل والتطوّر بالنسبة إلى آحاد المجتمع[2]. وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إنَّ التنمية الثقافيّة مسار يتمّ فيه العمل -مِن خلال إيجاد تغييرات في الأبعاد الإدراكيّة والمعرفيّة والقيَميّة وتوجّهات الأشخاص وقابليّاتهم ومعتقداتهم- على إيجاد شخصيّة خاصّة لديهم، إذ تكون نتيجة هذه المعتقدات والقابليّات عبارة عن

(67)

سلوكيّات ومواقف خاصّة متناسبة مع التنمية.

إنَّ النقطة الجديرة بالاهتمام في البحث عن الفضاء المفهومي للتنمية الثقافيّة، أنَّهم يعتبرون التنمية الثقافيّة في بعض الموارد مساوية لنسيان السنن القديمة والانفصال عنها، في حين أنَّ «التنمية الثقافيّة لا تعني الانفصال عن السنن القديمة؛ وذلك لأنَّ السنن في الحقيقة والواقع، عبارة عن تراكم وادّخار التجارب الماضيّة في المجتمع»[1]. إنَّ التنمية تقوم على أساس توسيع دائرة السنن والتجارب الماضية، لا على أساس العمل على تدميرها وتحطيمها؛ وذلك لأنَّ التنمية أمر شامل يتمّ فيه العمل على تجديد السنن والتجارب القديمة وإصلاحها في ضوء الاحتياجات والشرائط الجديدة، وبذلك يؤمن المجتمع مِن خلالها بنفسه، وتزدهر الطاقات الإنسانيّة الكامنة في وجود الأشخاص بالقوّة. ومِن هذه الناحية، لا يكون مفهوم «الهويّة الثقافيّة» منفصلًا عن مفهوم «التنمية الثقافيّة»[2].

ب ـ شرائط تحقّق التنمية الثقافيّة

إنَّ التنمية الثقافيّة إنَّما يمكن لها أنْ تكون خلّاقة ومنتجة إذا تمكّنت مِن الحفاظ على هويّتها وصورتها الفريدة والحيويّة والنقاط الإيجابيّة للسنن والآداب والتقاليد والقيَم الاجتماعيّة، وتستوجب تنقية وتصفية العناصر الغثّة وغير المطلوبة أيضًا، كي تتمكّن مِن

(68)

الاحتفاظ بدورها الخلّاق والبنّاء في المجتمع. إنَّ التنمية الثقافيّة القائمة على البحث الواعي والعاقل، هي التنمية التي تسير في اتّجاه الحفاظ على الهويّة الوطنيّة والثقافيّة وتوظيف جميع طاقات المجتمع في هذا السياق[1].

وفي الحقيقة والواقع، فإنَّ التنمية الثقافيّة إنَّما تتحقّق إذا كانت تقوم على أساس ثقافي سليم، وإنَّ هذا الأمر إنّما يتحقّق إذا توفّرت الأمور الآتية:

1ـ أنْ تقوم هويّة الناس على الثقافة الأصيلة والحقيقيّة.

2ـ أنْ تعمل جميع الطبقات والفئات على فهم المعتقدات والقيَم الصحيحة وتقبّلها.

3ـ أنْ تكون السنن والتقاليد محترمة، وأنْ يكون لها دور في البرامج التنمويّة.

4ـ أنْ تكون الخلاقيّة والإبداع واضحًا.

5ـ أنْ تزدهر النماذج التراثيّة والإضافات والاستعارات التنمويّة، وتتغيّر لكي تكون جديدة في قبال الحقائق المستحدثة.

6ـ أنْ يتمّ الكشف فيها عن صورة المستقبل.

7ـ أنْ تتمّ الاستفادة فيها مِن بنية الاقتدار التقليدي للتعرّف على الأفكار الجديدة.

(69)

8ـ أنْ يزدهر فيها الشعور بالإثارة والحماسة والشغف المعنوي في المجتمع.

وأنْ يكون مسار حلّ المسألة واتّخاذ القرارات وتنفيذها مفهومًا على نحو جيّد[1].

ج ـ نتائج التنمية الثقافيّة

إنَّ التنمية الثقافيّة مِن خلال تأكيدها على الهوية الثقافيّة، تعمل على التبشير بتحسين الشرائط والظروف الثقافيّة والازدهار الكمّي والكيفي للمسائل الخاصّة بها، وتعمل على ترشيد الأخلاق والآداب والسنن الاجتماعيّة. وبعبارة أخرى: إنَّ نتيجة مسار التنمية الثقافيّة هي التخلّي عن الثقافات الجزئيّة الناشزة التي لا تتناسب مع التنمية. ويمكن القول: إنَّ النتيجة الأولى التي تترتّب على التنمية الثقافيّة، هي العثور على الطرق المناسبة لإشباع وتلبية الاحتياجات الإنسانيّة وإبداع الأدوات والوسائل المناسبة لتحقيق هذه الغاية؛ بمعنى أنَّه كلّما كان المجتمع وأفراده يتمتّعون بالقدرة على التفكير والحصول على المزيد مِن العلم والمعرفة، كانت حظوظهم في الوصول إلى تحقيق أهدافهم وغاياتهم أكبر. وعلى هذا الأساس، فإنَّ التنمية الثقافيّة في الدرجة الأولى، تعني التنمية والتطوّر الفكري، والتنمية الفكريّة بدورها تعني مقدار ما يمكن للفرد أنْ يتقدّم به في سلسلة العلاقات العلميّة، وأنْ يفكّر في عدد أكبر مِن العناصر

(70)

والروابط القائمة بينها[1]. إنَّ المهمّ في التنمية الثقافيّة، هو الإيمان بالكنوز الإنسانيّة. والمراد مِن الكنوز الإنسانيّة، هو العلم والمعرفة والكفاءات والتجارب والنظم والانضباط، ممّا تعمل الأدوات الثقافيّة على إيجاده في المجتمع.

د ـ نسبة التنمية الثقافيّة إلى سائر أبعاد التنمية

إنَّ مشروع التنمية الثابتة والمستدامة، يجب أنْ يكون مشتملًا على أربعة أبعاد مِن أبعاد النشاط، وهي: التنمية السياسيّة، والتنمية الاقتصاديّة، والتنمية الاجتماعيّة، والتنمية الثقافيّة. وإنَّ مقدار الأهميّة النسبية لكلّ واحد مِن هذه الأبعاد والنشاطات وكيفيّة تأثيرها على بعضها، يتمّ رصده وتحديده بوساطة الثقافة. إن البُعد الثقافي بُعد جوهري ويحتوي على جميع الموارد ويجعلها تحت تأثيره، بل ويجب العمل في بعض الموارد على تغيير الثقافة مِن أجل تحقيق التنمية. إنَّ الثقافة كائن حيّ، وإنَّ جميع الكائنات الحيّة يعتريها التغيير والتحوّل. لو تحقّقت التنمية، سوف تصبح بعض الأعمال الثقافيّة قويّة، ويجب العمل على إبداع بعض الأعمال مِن جديد[2]. وفي الحقيقة، فإنَّ التنمية الثقافيّة حيث تكون عنصرًا في التحريك والإبداع، فإنّه يفوق سائر أبعاد التنمية، بما في ذلك التنمية الاقتصاديّة. ويمكن لنا أنْ نبيّن طريقة ارتباط سائر أبعاد التنمية على النحو أدناه:

(71)

التنمية الثقافيّة O التنمية الاقتصاديّة O التنمية السياسيّة O التنمية الاجتماعيّة

المقالة الثانية: أسس أنثروبولوجيا التنمية الثقافيّة الحديثة

إنَّ الأنظمة الاجتماعيّة مأخوذة في الأساس مِن المباني الأنثروبولوجيّة ونوع نظرة هذا النظام إلى الإنسان، ولا سيّما منها النظام الثقافي، إذ هو شديد التأثّر بهذا الأمر، وإنَّ المباني الأنثروبولوجيّة وتعريفها الخاصّ للإنسان، لها تأثيرها المباشر على التنمية الثقافيّة. وفيما يلي سوف نستعرض المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية الثقافيّة الحديثة.

أ ـ الفلسفة الإنسانيّة

إنَّ الفلسفة الإنسانيّة تعني جعل الإنسان هو المحور والمركز، وهي صورة لمرحلة تاريخيّة. إنَّ العصر الجديد أو العصر الحديث الذي بدأ منذ حوالي منتصف القرن الرابع عشر للميلاد فصاعدًا، يُسمّى بـ «الفلسفة الإنسانيّة» أو «محوريّة الإنسان». في هذه المرحلة، يتمّ النظر إلى المفهوم النفساني للبشر بوصفه مدارًا ومعيارًا لجميع الأمور. في الثقافة الحديثة يتمّ اعتبار الإنسان واحتياجاته وغرائزه ورغباته النفسانيّة بوصفها هي المبنى والمعيار، وبعبارة أخرى: تحلّ محوريّة الإنسان محلّ محوريّة الله. يذهب الفيلسوف الألماني في القرن التاسع عشر للميلاد «لودفيغ فويرباخ» إلى اعتبار شأن ومنزلة البشر مقامًا ومرتبة إلهيّة، وذهب «مارتن هايدغر»[1] إلى الاعتقاد بأنَّ

(72)

الإنسان هو مركز وملاك جميع المخلوقات[1].

يتمّ التعريف بحقيقة الإنسان في الثقافة الحديثة -على أنحاء مختلفة- بوصفه كائنًا قائمًا بذاته، وأنَّه متأصّل بنفسه. إنَّ الثقافة الحديثة تقول بأصالة الإنسان، وتجعل هذه الأصالة في قبال أصالة الله. إنَّ الإنسان في التفكير الإسلامي محترم ويحظى بالكرامة الوجوديّة والحقوق الإنسانيّة، إلّا أنَّ هذه الكرامة والحقوق إنَّما يُكتب لها التحقّق في ضوء مقام العبوديّة، في حين أنَّ الثقافة الحديثة في ظلّ الفلسفة الإنسانيّة الحاكمة عليها، تجعل الإنسان هو الأصل والمحور الذي يدور حوله العالم، وتعمل على تحديد الوحي -الذي هو روح متأصّلة ومنفصلة عن الوحي- بوصفه مرشدًا ومعلّمًا للحياة البشريّة. وبما أنَّ الفلسفة الإنسانيّة في المعنى المذكور، تقع في قبال محوريّة الله، تكون الثقافة الحديثة غير دينيّة بالذات، بل وحتّى معارضة للدين.

ب ـ العلمانيّة

إنَّ العلمانيّة -التي تعني عبادة الدنيا، والاعتقاد بأصالة الأمور الدنيويّة، والنزعة اللادينيّة، وفصل الدين عن الدنيا، والنزوع نحو الدنيا والدنيويّة- مِن المباني الأساسيّة والمؤثّرة على الثقافة الحديثة. وهناك مَنْ يعرّف العلمانيّة بأنَّها عبارة عن تنظيم أمور المعاش، مِن قبيل: التربية والتعليم، والسياسة، والأخلاق، والأبعاد الأخرى مِن

(73)

الحياة الإنسانيّة، دون أخذ الله سبحانه وتعالى والدين بعين الاعتبار، وتنزل بدور الدين إلى حدود تنظيم علاقة الإنسان مع الله فقط. وهناك جماعة أخرى أخذت تعارض الدين بشدّة، وتدعو إلى محو الدين مِن صفحة الحياة البشريّة بالكامل. وقد ذهب إلى هذا الرأي كلّ مِن كارل ماركس، وسيغموند فرويد[1]، وبرتراند راسل[2]، وغيرهم مِن الذين يعتبرون الدين أفيون الشعوب ومنشأ للأمراض النفسيّة والاجتماعيّة. إنَّ هاتين الرؤيتين قد عملتا على شطر العلمانيّة إلى شطرين، وهما: الشطر الناعم، والشطر الخشن[3]:

1ـ العلمانيّة الخشنة والمتطرّفة، وهي تمضي قدمًا بهدي محاربة الدين، وترفع شعار إلغاء الدين وحذفه مِن مسرح الحياة البشريّة بوصف هذا الشعار هدفًا أصليًّا لها.

2ـ العلمانيّة المرنة، وهي العلمانيّة التي تقنع بتحديد الدين في حقل المجالات الفرديّة والشخصيّة، وتدعو إلى مجرّد فصل الدين عن مسرح الحياة الاجتماعيّة[4].

ومِن ناحية أخرى، فقد تمّ التعريف بالثقافة بأنَّها عبارة عن

(74)

مجموعة مِن المعتقدات والآراء والقيَم والأخلاق الحاكمة على المجتمع. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الاعتقاد بأصالة الأمور الدنيويّة، يؤدّي مِن جهة إلى إفراغ الثقافة الحديثة مِن القيَم والأخلاق والاعتقاد الديني، كما تؤدّي مِن ناحية أخرى إلى توجيه الثقافة الحديثة توجيهًا دنيويًّا، وتدعو إلى الانفصال عن الدين أيضًا.

ج ـ الذاتانيّة

إنَّ الذاتانيّة[1] التي تعني النزعة الذهنيّة والإيمان بالذهن والباطن وأصالة الذهن، وتأصيل الذات، وموضوعيّة النفس وأصالتها[2]، مِن بين المباني المهمّى الأخرى في الثقافة الحديثة. إنَّ مصطلح الذاتانيّة قد تمّ بيانه ضمن فلسفة رينيه ديكارت في التفكير الحديث. لقد أطلق رينيه ديكارت على «الأنا المفكّرة» -التي كانت تعتبر نفسها دائرة مدار العالم- مصطلح «الذات». إنَّ الذات الديكارتيّة تحتوي على عدد مِن الخصائص المهمّة في تاريخ التفكير الديكارتي، وهي كالآتي:

1ـ يتمّ تعريفها بالبُعد المادّي والاحتياجات النفسانيّة والطبيعيّة والغريزيّة.

2ـ كانت تضع نفسها ميزانًا ومركزًا لجميع الأمور، وتقدّم الإبستيمولوجيا على الأنطولوجيا، وتجعل الاتّجاه الإنسانوي؛

(75)

بمعنى الكينونة الإنسانيّة، أصلًا لكلّ شيء.
3ـ إنَّ لها في الانتساب مع العالم وسائر الموجودات وغيره مِن الأشخاص، وحتّى مع نفسها، علاقة آليّة وشيئيّة؛ وذلك لأنَّ الذات متأصّلة مع الماهية النفسانيّة والاستيلائيّة. وعليه، فإنَّ الاستيلاء والاستثمار كامن في صلب الذاتانيّة.
4ـ إنَّ الذات - على حدّ قول فريدريك نيتشه - تجسيد للإرادة الناظرة إلى القوّة، وإنَّها بهيميّة تعتلي صهوة التعقّل. إنَّ جوهر الذاتانيّة يستند إلى هذه الذات المتأصّلة الدائرة مدار النفسانيّة؛ إذ تؤدّي إلى أصالة الموضوعيّة النفسانيّة وفردانيّة الثقافة الحديثة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الذاتانيّة بنظرتها المتأصّلة ورؤيتها الماديّة والغريزيّة البحتة إلى الإنسان، قد عملت على فصل الثقافة الحديثة عن الثقافة الدينيّة والإلهيّة وميّزتها منها، ووضعتها في قبال الثقافة الدينيّة والقيَميّة.
نقد
في الثقافة الغربيّة الحديثة، وبناء على الأصول الآنف ذكرها، مِن خلال تأصيل النفس المتأصّلة، تمّ العمل على إبعاد الإنسان وفصله عن هويّته وفطرته الإلهيّة، وحرمانه مِن إدراك الحقيقة والكمال الحقيقي، وتمّ عزل الخالق وكلّ ما يرتبط بالدين والتشريعات الدينيّة والقوانين الإلهيّة ومدرسة الأنبياء، وتمّ استبدال جميع مفردات

(76)

وأصول الدين بأمور ماديّة أخرى؛ وذلك لأنَّ المفكّرين والفلاسفة الغربيّين عمدوا بعد عصر النهضة إلى عزل جميع الأصول والقواعد الحاكمة على الثقافة الدينيّة واستبدلوها بأصول أخرى؛ فبدلًا مِن تأصيل الله وحاكميّة القوانين الإلهيّة، تمّ تأصيل الإنسان وسيادة البشر والقوانين المتمخّضة عن بنات أفكار الإنسان، واستعاضوا عن الوحي الإلهي بالعقول والعلوم البشريّة. وبدلًا مِن العبوديّة، تمّ التشريع للحريّة المطلقة والمنفلتة مِن جميع القيود، وبذلك شاعت الديمقراطيّة والعقلانيّة والعلمانيّة. وبدلًا مِن أصالة محوريّة الدين لإيجاد الاتّحاد بين الناس، تمّ التأصيل للاشتراكيّة ومحوريّة اللغة واللون والعرق. وبدلًا مِن تأصيل الاعتقاد والتمسّك بالدين، تمّ الإقرار بالعلمانيّة ونبذ جميع المظاهر الدينيّة؛ وذلك لأنَّ مجمل تاريخ الفلسفة في الغرب الحديث منذ عصر رينيه ديكارت إلى فريدريش هيجل، عبارة عن بسط مختلف شؤون الذات؛ إذ أدّى ذلك -مِن خلال تأصيل الإنسان في قبال الله سبحانه وتعالى- إلى محوريّة الإنسان وموضوعيّة النفس المتأصّلة للإنسان. قال سماحة الإمام الخميني في كتابه (شرح حديث جنود العقل والجهل): «إنَّ حجاب حبّ النفس والأنا مِن الحجب الغليظة التي تحول دون إدراك الإنسان لجميع الحقائق ويعمى عن رؤية حسنات وكمالات الآخرين، ويمنعه مِن رؤية قبح ونقص نفسه»[1].

وقال في موضع آخر: «إنَّ الأنانيّة والاستبداد بالرأي وإعجاب

(77)

المرء بنفسه على خلاف فطرة الله، ولو عادت الفطرة إلى حالتها الأصليّة ولم تحتجب بحجاب الطبيعة؛ فإنَّه لن يستبدّ برأيه في الأمور، ولن يُظهر مِن نفسه صبغة نفسانيّة، وسوف يستجيب لسلامة الفطرة في التسليم للحقّ»[1].

وفي نهاية المطاف، فقد آمنوا بأصالة الفلسفة الماديّة بوصفها بديلًا عن أصالة الفلسفة الإلهيّة[2]، والنتيجة هي أنَّ الثقافة الحديثة واقفة إلى الضدّ مِن الثقافة الإلهيّة بكلّ ما للكلمة مِن معنى؛ إذ إنَّ جميع أصولها وقواعدها تسير على خلاف الأصول المقبولة في الأديان الإلهيّة.

المقالة الثالثة: التداعيات الأنثروبولوجيّة للتنمية الثقافيّة الحديثة

إنَّ الغرب يعاني اليوم مِن أزمات ثقافيّة عميقة وحادّة، ناتجة عن نوعيّة نظرته إلى الإنسان. إنَّ الحداثة قد تسبّبت بتقويض الثقافات البشريّة، وعرّضت العالم إلى فقر ثقافي، بحيث أخذ الإنسان يشعر بالفقر والضياع والانفصال عن ماهيته الإنسانيّة؛ وذلك لأنَّ الإنسان يفقد حاصل أتعاب لا متناهية مِن الجهود التي قام بها الناس قديمًا وحديثًا، وقد بدأ ذلك مِن خلال بناء القرية العالميّة واتّخاذها معقلًا للهجوم على الثقافات الأصيلة مِن قبل البلدان التابعة للأيديولوجيات الحديثة، والتي هي بدورها تابعة لمعتقدات خاصّة وأنثروبولوجيا مختلفة.

(78)
أ ـ منزلة الوحي والنبوّة

إنَّ النقطة الجديرة بالاهتمام في الحضارة الغربيّة الراهنة والناشئة مِن «أصل الإنسانيّة ومحوريّة الإنسان»، عبارة عن حذف الوحي والنبوّة. إذ لا موضع لـ«الدين والنبوّة» في هذه الحضارة؛ وذلك لأنَّ ظهور النزعة الإنسانيّة في الغرب، والذي اقترن بإنكار العقلانيّة الدينيّة وإخراجها مِن دائرة الفهم البشري، وإبطال السنن الإلهيّة في المجتمع، ونفي القداسة عن القوانين الاجتماعيّة؛ قد عمل على تظهير القوانين ضمن إطار العقد الاجتماعي؛ إذ يعمد الإنسان إلى اعتبارها مِن أجل الحفاظ على مصالحه، سواء أكانت طبيعته الأوليّة هي الوحشيّة أو التعايش الجماعي[1]، خلافًا لثقافة الإسلام، التي ترى أنَّ القوانين صادرة عن قوّة فوق الإنسان تتمثّل بالوحي الإلهي.

نقد

إنَّ جميع إخفاقات نموذج التنمية الغربيّة بجميع أبعادها، ناشئة عن إلغاء دور الله، وبالتالي حذف الأمور التكوينيّة والتشريعيّة التي يحتاج إليها الإنسان لضمان الأسس والقواعد الأخلاقيّة. إنَّ الابتعاد عن الوحي والنبوّة والتعاليم الدينيّة، قد أدّى إلى حبّ الرفاه والانحرافات الأخلاقيّة والانغماس في الذنوب، ممّا يُشكّل عقبة رئيسة وكأداء في طريق التنمية الثقافيّة. وأمّا في النظام الإسلامي، فإنَّ الذي تكون له الأصالة ويحظى بالأهميّة ويكون عنصرًا ومادّة رئيسة في التقدّم والتطوّر، هو التقرّب إلى الله

(79)

والحصول على مرضاته وإطاعة أوامره وتعاليمه الدينيّة.

إنَّ الأمثلة والنماذج التي تعمل هذه الثقافة على تقديمها إلى الإنسان المعاصر في لحظته الراهنة، والطرق والتقاليد والأخلاق والعادات التي تضعها أمام الإنسان، وإنَّ المسار الذي يسلكه الغرب حاليًّا، هو مسار زاخر بالمخاطر بالنسبة إلى البشريّة؛ لأنَّ العلم والعقل يجب أنْ يؤدّيا إلى تقدّم الإنسان وتطوّره وفي خدمة حياته، وإنَّ هذا الأمر المهمّ لا يتحقّق إلّا بوساطة الوحي الإلهي؛ وذلك لأنَّ العقل لا يستطيع وحده ومِن دون الوحي أنْ يعمل على إنقاذ البشر. إنَّ أكبر نقص تعاني منه الثقافة الغربيّة حاليًّا، هو البعد عن الوحي وسعيها إلى إنقاذ الناس بوساطة العقل والعلوم التجريبيّة فقط، وحيث أنَّ العقل المحض لا يفهم الحقيقة العليا، وأنَّ العلم الجديد محروم مِن الارتباط بما وراء المادّة والميتافيزيقا، فقد وصل إلى طريق فكري مسدود، وأبعد الإنسان عن الوصول إلى الحقِّ والحقيقة[1].

ب ـ منزلة العلم والعقل

إنَّ محوريّة الإنسان في الحضارة الغربيّة الحديثة والاعتقاد بأصالته، قد أدّى إلى حذف الوحي والنبوّة، وقد أدّى هذا الأمر بدوره إلى أنْ يحظى العلم والعقل الإنساني بمنزلة سامية وفريدة في نوعها، وأمّا «موضوع العلوم في هذه الحضارة، فهو منحصر بالعلوم التجريبيّة، ولا مجال في تفكيره للموضوعات المعنويّة وما

(80)

وراء الماديّة، وإنَّ العقل القدسي يتمّ العمل على تعطيله في هذه الحضارة»[1]. وعلى هذا الأساس، فإنَّ المجتمع المعرفي يتحوّل في «الحداثة» إلى مجتمع علمي؛ وذلك لأنَّ الإنسان قد عمل في العصور الوسطى على تبديل عقله بالعلم المحسوس، كما عمل في عصر النهضة على استبدال معارفة المعنويّة والروحيّة بهذا العلم أيضًا.

نقد

«يمكن للإنسان بمساعدة العقل القدسي أنْ يحصل على معرفة مباشرة بالله والحقائق الكامنة فوق العالم المحسوس»[2]. وأمّا حذف هذا العقل في الحداثة، فقد أدّى إلى مركزيّة الثقافة الإلحاديّة والماديّة ومعارضتها للثقافة الدينيّة، ويمكن الإشارة مِن بينها إلى الأسباب والعوامل الآتية:

1ـ ضعف المفاهيم الفلسفيّة في الغرب.

2ـ ضعف المفاهيم الاجتماعيّة والسياسيّة.

3ـ ضعف الحجّة والمنطق.

4ـ جهل آباء الكنيسة بحقيقة المعرفة الإلهيّة.

5ـ تعارض المعرفة الإلهيّة الغربيّة مع شؤون الحياة.

إنَّ التنمية الثقافيّة في الغرب تُعدّ واحدة مِن عناصر التجديد،

(81)

والتجديد الحديث بدوره هو ثمرة مِن ثمار العلوم الجديدة، والعلوم الجديدة هي الأخرى تقوم على أساس العلوم التجريبيّة والحسيّة، والتجربة والحسّ بدورهما ينتهيان إلى المادّة. إنَّ أساس الأخلاق ومبناها في الثقافة الحديثة، لا يكون غير عقلاني فحسب، بل ويقوم على أساس أصالة اللذّة، في حين أنَّ الأخلاق في الإسلام تعدّ واحدة مِن الأبعاد الأصيلة والفطريّة للإنسان، وأنَّ للحُسن والقبح مبنى أخلاقيًّا، وأنَّ جميع العالم وسيلة لإيصال الإنسان إلى كماله المطلوب.

ج ـ المنزلة المعنويّة والسنن الإلهيّة

لا يوجد في التفكير الثقافي للغرب أيّ نظر إلى المعنويّة الحقيقيّة أبدًا، وإنَّ جميع الأنظار تتّجه في هذه الثقافة إلى عالم المادّة والإمكانات الموجودة فيها. يقول رينيه غينون[1] في كتابه: «لا يوجد في الحضارة الغربيّة أيّ نوع مِن السنن المعنويّة الأصيلة ليتمكّن الناس مِن الاستناد إليها؛ ومِن هنا فإنَّهم يتشبّثون بسنن مصطنعة وزائفة لم يكن لها أيّ وجود خارجي، ولذلك فإنَّها تؤدّي إلى الفوضى والهرج والمرج»[2].

(82)

نقد

بما أنَّ الإنسان لا يستطيع الحياة مِن دون تقاليد وآداب وسنن، فإنّه كلّما غفل أو تمّ حرمانه مِن السنن المعنويّة، لجأ إلى اصطناع سُنن كاذبة، وركن إلى التعايش مع هذه السنن الكاذبة، ولو غفل الإنسان عن السنن الإلهيّة الثابتة والراسخة، فسوف تتعرّض جميع حياته إلى الأزمة وإلى الهرج والمرج مِن دون أنْ يفهم الجذور الأصليّة لهذه الأزمة. وحيث أنَّ الثقافة الغربيّة الراهنة، قد قطعت علاقتها مع السنن الإلهيّة، فإنَّ هذا الأمر يُعتبر في حدّ ذاته الأزمة والفوضى عينها. ومِن الناحية العمليّة، فإنَّ التكنولوجيا الموجودة لا تكون نتيجتها سوى الدفع بالبشريّة خطوة نحو الاضطراب والأزمة[1]؛ وذلك لأنَّ المادّة في ذاتها عين الحركة والكثرة، وإنَّ عالم الكثرة إذا لم يتمّ تدبيره بعالم هو في وجوده عين الوحدة، فإنَّ ذلك سيكوّن الاضطراب والفوضى وانعدام النظم عينها. وعلى هذا الأساس، كلّما اقترب الإنسان مِن المادة أكثر، سوف يكون أقرب إلى الفوضى وعدم النظام، وكلّما اقترب مِن عالم المعنى كان أقرب إلى النظم والاتحاد. يقول رينيه غينون في كتابه: «إنَّ السبب في عدم تطابق أفكار العالم المتجدّد مع النظم الحقيقي، هو أنَّ هذه الأفكار قد نشأت وترعرت مع الروح المخالفة للمعنويّة إلى حدّ كبير»[2].

(83)
د ـ الهشاشة الذاتيّة في التنمية الثقافيّة

إنَّ الغاية الأهمّ في التنمية الثقافيّة تكمن في«تثمين الإنسانيّة والعمل على رفع قيمتها»، بيد أنَّ الإنسانيّة فقدت قيمتها في نموذج التنمية الثقافيّة الحديثة؛ وذلك لأنَّ التنمية لم يتمّ توظيفها في خدمة الإنسان، وإنَّما الإنسان هو الذي صار خادمًا لها. وعلى الرغم مِن ضمان الرخاء والرفاء للبشر، واكتسب الوصول إلى الاستثمار محوريّة أكبر، ولكنْ لم يكن هناك فشل في تحقيق الرفاه والسعادة للإنسان فحسب، بل وأصبحت الإنسانيّة نفسها في خطر.

إنَّ جميع أفعال الإنسان يجب أنْ تتطابق في الثقافة الإسلاميّة مع إرادة الله، وذلك على نحو ما هو متجسّد في القانون الإلهي والشريعة الإسلاميّة. إنَّ ذلك البُعد مِن التنمية بالمعنى المعاصر المقترن برفاه الإنسان، مِن قبيل: توفير الطعام والسكن وما إلى ذلك في الحدود المطلوبة والمتعارفة والمعتدلة، يمكن الدفاع عنه مِن الناحية الدينيّة، إلّا أنَّ غاية التنمية بوصفها ازدهارًا اقتصاديًّا وماديًّا لامتناهيًا للإنسان، وذلك بحيث يتمّ اعتبار الإنسان مجرّد كائن أرضي وحيواني ومقتصد؛ فهو ما لا يمكن تبريره أو الدفاع عنه بحال مِن الأحوال[1].

إنَّ الدور الإنساني في هذه التنمية غير ثابت، وإنَّ الحفاظ على المجتمع وتنميته هو المطروح. إنَّ الحركة في هذا النوع مِن التنمية القسريّة منظومة خطيّة وتكامليّة، ولا تقدّم إلّا مفهومًا واحدًا عن التنمية، هذا في حين أنَّ الإسلام لا يحتوي على نظريّة في التنمية

(84)

الخطيّة بشكل عام. إنَّ التقدّم الخطّي إنَّما يتّجه نحو الله فقط، ولو بدأت الحركة في هذا المسار، فإنَّ الإنسان سوف يكتسب بُعدًا وجوديًّا، وتفتح له أبواب السماء والأرض، وتحصل القلوب والأفئدة على الهدوء والسكينة[1].

إنَّ ما هو الأصيل في «الثقافة الإسلاميّة» ويكون مادّة للتقدّم والتطوّر، هو التقرّب مِن الحقّ، وإنَّ الغاية النهائيّة لا تكمن في الوصول إلى التنمية، وإنَّما التنمية مجرّد وسيلة لتربية وإعداد القوى الإنسانيّة. وفي الحقيقة، فإنَّ ما يُعدّ في الثقافة الغربيّة هدفًا وغاية وأصيلًا، يُعتبر في الإسلام وسيلة وأداة للوصول إلى كمال الإنسان. إلّا أنَّ التنمية الحديثة بما تنطوي عليه مِن الدعوة إلى الدعة والبذخ والغفلة عن الروح والحصول على المزيد مِن الربح الاستثماري والرأسمالي للحكّام وفصل الدين عن السياسة، فقد شكّلت مانعًا رئيسًا دون وصول الغرب إلى الرقيّ والازدهار مِن الناحية الإنسانيّة.

(85)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

دراسة نقديّة

للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة في التنمية الاجتماعيّة

 

(87)

الفصل الرابع

دراسة نقديّة

للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة في التنمية الاجتماعيّة

المقدَّمة

إنَّ أساس الحياة الفرديّة والاجتماعيّة للإنسان، قد تمّ إرساؤه على ركيزة التحوّل والتغيير الأعمّ مِن المادّي والمعنوي. إنَّ أهميّة التقدّم والتعالي في المجتمع الراهن بحيث أنَّ عدم مضيّ المجتمع قُدُمًا في اتجاه التنمية والتقدّم، يُعدّ بمنزلة الموت التدريجي والقضاء عليه بالمرّة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ التحوّل الذي هو سنّة إلهيّة في حياة الإنسان، يجب العمل على إدارته لينتهي إلى التقدّم والتطوّر[1].

وأمّا «المجتمع، فهو يمتلك وجودًا حقيقيًّا وروحًا واحدة، وأنَّ هذه الروح الواحدة قد حلّت في آحاد أفراد المجتمع وتتفرّق بينهم»[2]. في ضوء كلام الشهيد الشيخ المطهري، فإنَّ مبنى التكامل والتنمية الاجتماعيّة هو تكامل أفراد الإنسان في المجتمع، ويمكن القول إنَّ العناصر المؤثّرة في التنمية الاجتماعيّة،

(88)

عبارة عن: الفرد، والمجتمع، والعلاقات المتبادلة فيما بينهما؛ وذلك لأنَّ التنمية الاجتماعيّة لا تقتصر على البُعد الاقتصادي والرفاه العام في المجتمع، بل إنَّ الثقافة والقيَم الحاكمة على العلاقات الاجتماعيّة، مؤثّرة للغاية في التنمية الاجتماعيّة من ناحية، ومِن ناحية أخرى فإنَّ التنمية الاجتماعيّة تؤدّي إلى تقوية وحفظ القيَم وثقافة المجتمع. وفي الحقيقة والواقع، هناك علاقة متبادلة بين الثقافة والتنمية الاجتماعيّة. وفي ضوء هذه الرؤية، فإنَّ الهويّة التي تمّ التعريف بها للإنسان ونوع النظرة إليه، تحتوي على تأثير بنيويّ في كيفيّة التنمية الاجتماعيّة.

المقالة الأولى: إطلالة على التنمية الاجتماعيّة

تعود جذور التنمية الاجتماعيّة إلى عقد التسعينيّات مِن القرن العشرين للميلاد (1999م)[1]، إذ قامت المنظمة العالميّة ذات الصلة بتخصيص قسم مستقلّ تحت هذا العنوان، وكان ذلك في الغالب ناشئًا عن مقتضيات عصر ظهوره، وكذلك بتأثير مِن العناصر السياسيّة بعد الحرب العالميّة الثانية وبداية الحرب الباردة. وحيث كانت إستراتيجيّات التنمية الاجتماعيّة مِن أجل تحسين كيفيّة حياة الإنسان، وتنظر إلى تلبية الاحتياجات الأساسيّة له؛ وعليه فإنَّ هذه الإستراتيجيّات تشمل الاحتياجات الرفاهيّة والثقافيّة والنفسيّة، والحاجة في القابليّة على التطبيق، والحاجة إلى التنمية والازدهار

(89)
أ ـ مفهوم التنمية الاجتماعيّة

إنَّ التنمية الاجتماعيّة مِن بين الموضوعات التي تحتوي -مثل بحث التنمية ذاتها- على أبعاد مختلفة، ونتيجة لذلك فقد تمّ بيان تعاريف متعدّدة ومتنوّعة لها. إنَّ التنمية الاجتماعيّة تُعدّ بالنسبة إلى التنمية -ولا سيّما التنمية الاقتصاديّة- مفهومًا متأخّرًا، بحيث عدّه البعض في تعاريفهم مرادفًا للتنمية الشاملة، وأنَّه مِن المفاهيم المرتبطة بكيفيّة وأسلوب حياة الأفراد في المجتمع ارتباطًا وثيقًا، وهي في الأبعاد العينيّة ناظرة في الغالب إلى رفع مستوى الحياة العامّة مِن طريق إيجاد الشرائط المطلوبة والعمل على إدخال التحسينات في مجال مكافحة الفقر، وترشيد التغذية والصحّة والسكن والعمل والتعليم وكيفيّة قضاء أوقات الفراغ.

ومِن بين التعاريف المصطلحة للتنمية الاجتماعيّة، هناك مَنْ فسّرها بمعنى التنمية الشاملة، وبعضهم قال إنَّها لا تعني التنمية الشاملة، بل إنَّها تُعدّ أمرًا متقارنًا مع التنمية الشاملة، وهناك مَنْ يؤكّد في التنمية الاجتماعيّة على دور الفرد ومساهمته في المجتمع، وهناك مَنْ يعتبره مترادفًا مع التجديد. وقد تمّ تقديم التعاريف أدناه للتنمية الاجتماعيّة:

أ ـ إيجاد التحسين في وضع أفراد المجتمع، والتحرّك نحو كيفيّة الحياة الأفضل[1].

(90)

ب ـ مرتبة مِن البنية الاجتماعيّة التي لا تمنع الأكثريّة المحرومة في المجتمع مِن المطالبة بنصيبها مِن المصادر الوطنيّة، بل وتساعدها في الحصول على تحقيق هذه الغاية أيضًا[1].

ج ـ إنَّ التنمية الاجتماعيّة عبارة عن أنماط وأشكال مختلفة للتعاطي المتبادل يحدث في مجتمع خاصّ مقرونًا بتنمية الحضارة. إنَّ التنمية الاجتماعيّة والأبعاد المتمّمة والمتّصلة، عبارة عن ظاهرة واحدة، وكلا النوعين يؤدّيان بالضرورة إلى إيجاد وجوه مِن الاختلاف والتمايز المتزايد في المجتمع[2].

وبالتالي، لا بدّ في تعريف التنمية الاجتماعيّة مِن أخذ ستّة محاور أساسيّة بعين الاعتبار، وهي كالآتي:

1ـ العدالة الاجتماعيّة.

2ـ الاتحاد والوفاق الوطني.

3ـ مستوى الحياة.

4ـ كيفيّة الأفراد والظرفيات الإنسانيّة.

5ـ الأمن.

6ـ نظام تقسيم الأدوار الاجتماعيّة.

(91)
ب ـ شرائط تحقيق التنمية الاجتماعيّة

إنَّ التنمية الاجتماعيّة في جميع المجتمعات، إنَّما تتحقّق فيما لو توفّرت خمسة أهداف أو شروط في الحدّ الأدنى، وهي كالآتي:

أ ـ إمكان الحصول الأكبر على البضائع والخدمات الضروريّة التي تساعد الإنسان على مواصلة الحياة، مِن قبيل: الطعام والسكن والملبس.

ب ـ زيادة مستويات وكيفيّات الحياة واستفادة الناس مِن النِعَم الإلهيّة.

ج ـ اتّساع دائرة الخيارات وانتخاب الأفراد والأمم في الحياة الاجتماعيّة.

د ـ ارتقاء ظهور قابليّات الأشخاص في الجهات كافّة.

هـ ـ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرَص.[1]

ج ـ نتائج التنمية الاجتماعيّة

إنَّ التنمية الاجتماعيّة ترتبط بمقولات، غالبًا ما تكون اجتماعيّة في مشروع التنمية والتقدّم في المجتمع، وتسعى إلى ترشيد وتحسين الخصائص الاجتماعيّة للمجتمع مِن أجل الوصول إلى حياة أفضل. ترى منظمة اليونسكو العالميّة أنَّ تحقّق التنمية الاجتماعيّة، سوف يؤدّي إلى تحقيق النتائج الآتية في المجتمع:

(92)

1ـ توفير فرص التربية والتعليم والصحّة لجميع أفراد المجتمع.

2ـ استمرار  وسلامة وازدهار الأسر.

3ـ الحيلولة دون المحاباة وإصدار الأحكام المسبقة في المجتمع.

4ـ بسط الأمن في المدن وخلوّ الشوارع والبيوت مِن مظاهر التخويف والإرهاب.

5ـ المسار التنازلي لتعاطي المخدّرات وارتكاب الجرائم والموبقات وأعمال العنف.

6ـ مشاركة المواطنين في إيجاد وإدارة الخدمات والمشاريع المدنيّة.

7ـ تساوي الجماعات والأحزاب والأقلّيات أمام القانون.

8ـ التنمية الإيجابيّة لخصائص التنمية الاجتماعيّة[1].

لكي ندرك نتائج التنمية الاجتماعيّة، التي تعني باختصار الرقي المستمرّ والمتواصل للمجتمع والنظام الاجتماعي بأسره نحو الحياة الأفضل أو الأكثر إنسانيّة، يجب أنْ نأخذ بعين الاعتبار  في الحدّ الأدنى ثلاثة قيَم أصليّة بوصفها أسسًا فكريّة وأهدافًا عمليّة. إنَّ هذه القيَم الأصليّة عبارة عن: المعاش والحياة، والثقة بالنفس، والحريّة التي تعكس الأهداف والغايات المشتركة والمنشودة مِن قبل جميع

(93)

الأشخاص والمجتمعات. يمكن اعتبار تحقيق العدالة الاجتماعيّة، والاتحاد والوفاق الاجتماعي، ورفع مستوى وكيفيّة الحياة، وارتقاء كيفيّة أفراد المجتمع، وزيادة نسبة الأمن الاجتماعي، بوصفها نتائج أصليّة للتنمية الاجتماعيّة.

د ـ تقييم نسبة التنمية الاجتماعيّة إلى سائر أبعاد التنمية

في التنمية الاجتماعيّة، تمّ إدراج رفع الحاجات الماديّة والثقافيّة والاجتماعيّة للإنسان، وتسعى بالنظر إلى الأبعاد الاجتماعيّة والعناصر الثقافيّة والوطنيّة إلى إزالة مواضع النقص المترتّبة على البرامج التنمويّة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ التنمية الاجتماعيّة تسعى إلى إدخال التحسينات في الوضع الاجتماعي لأفراد المجتمع، وتسعى في إطار تحقيق هذا النوع مِن التحسين إلى التعرّف والإقبال على الرؤية والمثال والاعتقاد المطلوب بشكل أكبر؛ بحيث يمكن معه القضاء على المشكلات الاجتماعيّة. ومِن هنا، فإنَّ التنمية الاجتماعيّة تحتوي -بالقياس إلى سائر أبعاد التنمية الأخرى- على دائرة أوسع، وهي مثل التنمية الاقتصاديّة تحتاج إلى استثمار، بيد أنَّ الغاية مِن الاستثمار الاقتصادي هو زيادة الثروة، بينما المراد مِن الاستثمار الاجتماعي هو زيادة الرفاه والثقافة[1].

المقالة الثانية: المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية الاجتماعيّة الحديثة

إنَّ التنمية الاجتماعيّة تحظى مِن بين سائر أبعاد التنمية الأخرى

(94)

بالوجه الإنساني الأسمى، وهي ترتبط بالأبعاد الوجوديّة المختلفة مِن الإنسان، ومِن هنا فإنَّ نوع النظرة إلى الإنسان والتعريف والرؤية التي يتمّ تقديمها عن الإنسان، وكذلك القيَم المستنبطة مِن الدين، تترك أثرًا موجّهًا على التنمية الاجتماعيّة، وتعمل على تعيين وتحديد مسار التنمية الاجتماعيّة. إنَّ الاختلاف الموجود في مختلف نماذج التنمية بمعناها الاجتماعي، يُشير إلى أنَّ كلّ مذهب يطوي مسار التنمية على أساس قيَمه الخاصّة وبناء على بنيته الفكريّة والاجتماعيّة والثقافيّة، ويسعى إلى الحصول على نموذج ومثال عن التنمية. ولا شكّ قطعًا في أنَّ التنمية الاجتماعيّة الحديثة بدورها منبثقة عن نوع رؤية وتفكير الغرب إلى الإنسان أيضًا.

أ ـ أصالة الإنسان

إنَّ مِن بين الأصول الجوهريّة في الحداثة وتعريف البُعد الأنثروبولوجي منه، هو أصالة الإنسان أو الفلسفة الإنسانيّة. وقد حظي هذا المصطلح في عصر النهضة بأهميّة كبيرة، وعلى حدّ تعبير «رينيه غينون»: إنَّ هذا المصطلح قد عمل منذ البداية على اختزال الرؤية الكليّة للحضارة الجديدة في ذاته[1]. إنَّ الفلسفة الإنسانيّة أو النزعة الإنسويّة تعني القول بأصالة الإنسان وجعله هو المحور، والقول بوجود مكانة ومنزلة خاصّة له، واعتباره مقياسًا ومعيارًا لكلّ شيء[2].

(95)

نقد

إنَّ الانحطاط الأخلاقي الذي تعاني منه المجتمعات الغربيّة، إنَّما هو نتيجة لترويج وإشاعة المدارس الفكريّة المنحرفة «الفلسفيّة الإنسانيّة/ محوريّة الإنسان»، و«الليبراليّة/ الحريّة المنفلتة» وتبعًا لذلك «العدميّة/ التفاهة» الذي تمّ التأسيس له بعد عصر النهضة في سياق محاربة الدين. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الإنسان الغربي الحديث مِن خلال تأصيله لذاته أصبح فاقدًا ومفتقرًا لجميع أنواع الفضائل والمعاني الهادفة، ونتيجة ذلك -في نهاية المطاف- هي العدميّة والتفاهة[1].

من خلال تطوّر النظرة الإنسانيّة، والتأسيس لمحوريّة الإنسان في بيئة ازدهار الإنسان الحديث، وبلوغ النظرة الماديّة إلى الإنسان ذروتها، وجعل اللذّة والمنفعة والربح والمصلحة الشخصيّة في المجتمع هي المحور، لا يفكر أيّ شخص إلّا بمصلحته الخاصّة، ولكي يحصل على الربح والفائدة الأكبر لن يبالي في خوض أيّ نزاع، وسوف يكون على استعداد ليعتدي حتّى على حقوق الآخرين. إنَّ الإنسان الذي يسعى إلى طلب اللامتناهي، ويبحث عن ذلك في الحقائق الماديّة والمحدودة، لن يكون أمامه مِن طريق سوى العدوان على الآخرين والتكالب على حطام الدنيا، وحتّى ارتكاب جريمة القتل أيضًا. إنَّ أخلاق التنازع لا تمتلك ظرفيّة السيطرة على

(96)

الرغبات النفسيّة لدى البشر؛ وذلك لأنَّ نتيجة انتشار هذه المعرفة، سوف يكون عبارة عن التشتّت الأخلاقي والهرج والمرج في قيَم المجتمع. إنَّ سيادة هذه الرؤية تؤدّي إلى سلوكيّات تمهّد لظهور الأزمات والكثير مِن التحدّيات والتهديدات في مجتمع يبحث -في ظلّ الاستناد إلى التنمية الماديّة- عن السكينة والسعادة. إنَّ نتيجة هذه الرؤية إلى الإنسان، لن تكون سوى الانحطاط وتفشّي الكثير مِن الأزمات الاجتماعيّة[1].

ب ـ أصالة اللذّة

إنَّ معرفة الإنسان للعالم ولنفسه تنتهي إلى رؤية، نتيجتها هي الأهداف والأبنية الاجتماعيّة. إنَّ هذه الرؤية الكليّة تشكّل دعامة لتقييم الإنسان للظواهر المحيطة به. في الأنثروبولوجيا الغربيّة الحديثة[2]، يُعدّ الإنسان في ذاته حيوانًا، وإنَّ النتيجة الأولى التي تترتّب على هذا التعريف، عبارة عن طلب اللذّة والنظرة الماديّة إلى هذا العالم. إنَّ البحث عن اللذّة، خصوصيّة متأصّلة في ذات الإنسان، وهي المحرّك الوحيد له[3]، وإنَّ المجتمع الغربي المعاصر قد قبل بهذا المعنى.

إنَّ الأنثروبولوجيا الحديثة التي لا تقول بالحقيقة الغائيّة لوجود

(97)

الإنسان، وتعطي الأصالة لحيوانيّة الإنسان، فإنَّها لا ترى أيّ قيود يمكن أنْ تفرض على الرغبات الحيوانيّة للإنسان سوى العقود الاجتماعيّة، وإنَّ العقود الاجتماعيّة بدورها إنّما تعود إلى المصالح الفرديّة بشكل بحت.

نقد

إنَّ الإسلام لا يعارض الرفاه والعمران، وإنَّما المذموم في المدارس الإلهيّة هو التبعيّة والتعلّق المادّي المفرط، بحيث يتمّ اعتبار الرفاه الدنيوي هو الهدف الوحيد، وتجاهل البُعد المعنوي والغاية مِن خلق الإنسان وكماله وسعادته الأبديّة، على غرار ما نشاهده حاليًّا في المجتمعات الغربيّة المعاصرة؛ وذلك لأنَّ الإسلام يرى أنَّ الغاية مِن الخلق، هي التعالي والتكامل الروحي والمعنوي لنوع الإنسان في ظلّ عبوديّته السامية لله سبحانه وتعالى[1]. في حين أنَّ المفكّرين في الغرب المعاصر، قد أقاموا في نظريّاتهم أركان التفكير الحديث بحيث يتمّ فيه تعريف الإنسان -خلافًا لما كان عليه الأمر في السابق- منفصلًا عن فطرته الإلهيّة بشكل كامل، ولا يرون لحياة الإنسان مِن غاية سوى طلب المزيد مِن الاستمتاع واللذّة[2].

والسؤال الذي يرِد هنا، هو أنَّ الإنسان كان على الدوام ملازمًا للاحتياجات الماديّة والغرائز الحيوانيّة على طول مراحل التاريخ،

(98)

فلماذا ظهرت هذه المطالب منه بعد آلاف السنين مِن الحياة البشريّة على وجه الأرض، وبالتحديد في القرن الثامن عشر للميلاد وفي عصر الحضارة الصناعيّة؟ ألم يكن الإنسان في القرون الماضية يلبّي احتياجاته الماديّة ويستجيب لغرائز وجوده؟ والجواب هو أنَّ الإنسان كان على الدوام ملازمًا للاحتياجات الماديّة والغرائز الحيوانيّة، بيد أنَّ الذي حدث في القرون الأخيرة في هذا الشأن، يختلف عن جميع مراحل التاريخ مِن جهتين، وهما:

1ـ لم يكن الإنسان ليرى أصالة لحيوانيّته واحتياجاته الماديّة أبدًا.

2ـ إنَّ الإنسان المعاصر في المجتمعات الغربيّة لا يعترف بأيّ قيود أخلاقيّة أو دينيّة تحدّ مِن إشباعه لشهواته والتبعيّة لغرائزه وأهوائه[1].

في نموذج التنمية الحديثة، يكمن الهدف النهائي للتنمية الاجتماعيّة في وصول الإنسان إلى المستوى الأعلى مِن الرفاه، إذ يتمّ في هذا المسار تجاهل الأخلاق والمعنويّة في المجتمع. وعلاوة على ذلك، حيث يكون المحور في النموذج الغربي هو الوصول إلى الرفاه والربح المادّي، فسوف تكون نتيجة هذا الأمر بالنسبة إلى الأمم الأخرى هي العبوديّة والاستغلال والاحتقار والاستعمار وهيمنة المستعمرين. في حين أنَّ حريّة الإنسان مِن

(99)

أيّ قيد غير العبوديّة لله عزّ وجل، تُعدّ في الإسلام أصلًا ثابتًا، وإنَّ غاية التنمية الاجتماعيّة الإسلاميّة عبارة عن الإنسان والإنسانيّة في البُعدين المادي والمعنوي[1].

ج ـ الإنسان ذو البُعد الواحد

إنَّ الحضارة الغربيّة هي اليوم مِن أكثر الحضارات انتشارًا على سطح الكرة الأرضيّة؛ حتّى إنَّه لم يسلم بلد في الأرض مِن تأثيرها، بل ويتمّ وصف حتّى استعمار المجتمعات غير الأوروبيّة بوصفه منشأ للتقدّم والتطوّر في هذه المجتمعات أيضًا؛ في حين أنَّ الاستعمار بدلًا مِن التنمية، قد تسبّب للكثير مِن بلدان العالم بالتخلّف والفشل[2].

وبمقدار العظمة التي سجّلتها هذه الحضارة لنفسها، فإنَّها أصبحت اليوم أقرب إلى انحطاطها وانهيارها مِن أيّ وقت آخر[3]. إنَّ انهيار نظام الأسرة، وظهور المشكلات الاجتماعيّة، والأزمات البيئيّة، والفقر والعنصريّة، والهيمنة الجائرة لوسائل الإعلام وما إلى ذلك مِن الأمور الأخرى، إنَّما هو مجرّد جانب صغير مِن الأزمات التي ألقت بجرانها وكَلّها على المجتمعات الغربيّة المتطوّرة، إذ تعود بجذورها إلى نظرتها الماديّة إلى الإنسان والعالم المحيط بها.

(100)

نقد

إنَّ الإسلام يقدّم للإنسان تعريفًا لبُعدَيْن منه، وهما: الروح والجسم، وإنَّ بعده الروحي أهمّ بكثير مِن بعده الآخر؛ وذلك لأنَّ حقيقة الإنسان، إنّما تكمن في روحه التي ستبقى خالدة بخلاف الجسد. إنَّ الإسلام يهتمّ بتنمية الجسم والروح، ولكنَّه يرى أنَّ كمال الإنسان يكمن في تربيته لروحه بما يتطابق مع تعاليم الإسلام ومفاهيمه.

د ـ محوريّة الحقّ بدلًا مِن محوريّة التكليف

إنَّ لبحث الحقّ والتكليف ارتباطًا وثيقًا بالمباني الإبستيمولوجيّة والأنطولوجيّة والأنثروبولوجيّة لكلّ مذهب أو مدرسة فكريّة. وقد ذهب المنظّرون الحداثويّون[1] إلى القول في تعريف الحقّ: «إنَّ الحقّ قوّة تعتمد على القانون، إذ يمكن لصاحبه أنْ يحصل عليه بمساعدة القانون أو أنْ يحول دون استيلاء الآخرين عليه». إنَّ هذه النظرة الحديثة إلى الحقّ نظرة غائيّة؛ لأنَّها تنظر في الغالب إلى النتائج والثمار العمليّة. ويذهب هؤلاء المنظّرون الحداثويّون إلى القول بأنَّ منشأ الحقّ هو الإرادة الإنسانيّة أو إنسانيّة الإنسان، كما أنَّ الحقوق مِن وجهة نظرهم إمّا اختصاصيّة وإمّا طبيعيّة، فإنْ كان الحقّ اختصاصيًّا كان منشؤه إرادة الإنسان، وإنْ كان طبيعيًّا فإنّه

(101)

يتحقّق بالنسبة إليه مِن منطلق كونه إنسانًا لا أكثر[1].

إنَّ منشأ الحقّ في رؤية أغلب المفكّرين الغربيين[2]، هو العقد الاجتماعي. يذهب الكثير منهم إلى الاعتقاد بأنَّ تشكيل المجتمع وبلورته على أساس العقود الاجتماعيّة، وإنَّ جميع حقوق الناس إنّما يتمّ ضمانها على أساس هذه القوانين. وعليه، ليس هناك مِن شكّ في أنَ حقوق الإنسان يجب أنْ تنشأ مِن هذه العقود الاجتماعيّة، ولا يجب البحث لها عن مناشئ أخرى وراء هذا المنشأ[3].

نقد

إنَّ مبنى الإسلام في الحقوق يقوم على محوريّة الله؛ بمعنى أنَّ منشأ الحقوق هو الإرادة والعلم الإلهي، وإنَّ الكتاب والسنّة بمنزلة البرهان العقلي المعبّر عن الإرادة والعلم الأزلي لله سبحانه وتعالى، في حين أنَّ المبنى الفكري للذين أقرّوا شرعة حقوق الإنسان، يقوم على محوريّة الإنسان.

إنَّ الحقّ والتكليف في الإسلام -إذا ما استثنينا العلاقة مع الله- طرفان في جميع الموارد، وهناك تلازم بينهما، بحيث لن يكون للتكليف مصداق مِن دون الحقّ، ولن يكون للحقّ مصداق مِن

(102)

دون التكليف[1]. إنَّ محوريّة التكليف والحقّ في الإسلام، تقوم على أساس وعقيدة لا يقع بينهما التعارض أبدًا، بل ويجمع بينهما وفاق تام وتناغم كامل. وأمّا المطالبة بالحقّ ومحوريّته مِن وجهة نظر المنظّرين الحداثويين، فهي تقوم على أساس لا يبقي أيّ معنى حقيقي لعنوان الحقّ أبدًا. إنَّ المبنى الذي يقدّمه هؤلاء للأنطولوجيا والإبستيمولوجيا والأنثروبولوجيا والثيولوجيا، يختلف كثيرًا عن ذلك الشيء الذي يفهمه المجتمع الإسلامي مِن هذه المعاني والمفاهيم؛ بمعنى أنَّ طريقة إدراكهم لهذه المفاهيم لا تنسجم مع رؤية الأمّة الإسلاميّة لهذه المفاهيم في الكثير مِن الموارد[2].

هـ ـ تحويل الخلافة الإلهيّة للإنسان إلى الهيمنة الشيطانيّة على الأرض

إنَّ الخلافة تأتي مِن مادّة «خَلَفَ» وهو كلّ ما يقع في الخلف[3]، والمعنى الذي يُفهم منها هو «المجيء بعد الشيء»، ولازمه «الاستخلاف»[4]. وقد عرّف القرآن الكريم مقام الإنسان بأسمى ما يمكن مِن التعابير؛ إذ وصفه بأنّه «خليفة الله»[5]، وأثبت له شأنًا ومنزلة تجعله أهلًا ليكون خليفة لله عزّ وجل. وأمّا في المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية الاجتماعيّة الحديثة، فقد حلّت الرئاسة

(103)

والهيمنة الشيطانيّة للإنسان على سائر الناس والعالم المادّي محلّ الكرامة والخلافة الإلهيّة، وتمّ تجاهل مقام الإنسان في خلافته لله، في حين أنَّ الله سبحانه وتعالى قد حصر هذا المقام السامي والمقدّس بالإنسان؛ إذ ليس هناك مِن كائن آخر يستحقّ هذا المقام، وأمر ملائكته المقرّبين لذلك بالسجود أمام هذا المقام. إنَّ سرّ هذا المقام الخاصّ والمتميّز للإنسان، يكمن في العلم الحقيقي دون العلم الاعتباري، وفي العلم الحضوري والشهودي دون العلم الحصولي، إذ الإنسان وحده هو الذي يمتلك الجدارة اللازمة والذاتيّة والقدرة الكافية للوصول إلى المرتبة العليا في هذا الشأن. وفي ضوء الحصول على هذا العلم، يمكنه التعرّف على الأسماء الإلهيّة الحسنى وحقائق الوجود، وأنْ يصبح مرآة للصفات الإلهيّة الجماليّة والجلاليّة. يمكن للإنسان في ضوء تطويره لكفاءاته وقابليّاته أنْ يصل إلى الكمالات المعنويّة ومقام القرب الربوبي، وأنْ يصل بمقدار مراتب الكمال والقرب الربوبي إلى مقام «الخلافة الإلهيّة»[1].

المقالة الثالثة: التداعيات الأنثروبولوجيّة للتنمية الاجتماعيّة الحديثة

إنَّ المباني الأنثروبولوجيّة للغرب قد أدخل جميع أبعاد التنمية في وحل الأزمة. بيد أنَّ البُعد الاجتماعي مِن التنمية الحديثة بسبب ارتباطه المباشر بالإنسان، قد تعرّض لتداعيات وآفات أشدّ عمقًا.

(104)
أ ـ التراكم

إنَّ مِن بين التداعيات البنيويّة في التنمية الاجتماعيّة الحديثة، هو التراكم؛ أي التراكم في البنية والمعرفة؛ بمعنى أنَّ الحداثة مِن الناحية الاجتماعيّة تعمل بشدّة على قيام علاقات معقّدة في الاتّجاه الكمّي والكيفي، إذ تصبح هذه العلاقات المعقّدة مظهرًا للمجتمع النامي. إنَّ بنية هذا النوع مِن المجتمعات يتراكم مِن حيث العلاقات يومًا بعد يوم.

إنَّ العلاقات والبنية تأخذ بالتراكم إلى الحدّ الذي يؤدّي معه الأمر إلى اغتراب الإنسان عن ذاته وعن مجتمعه؛ تتمّ ممارسة ضغوط كبيرة في الحياة على الإنسان، بحيث يكون هناك شعور بعدم الخلاص منه، ويعمل على توجيه الأشخاص في هذه العلاقات المعقّدة بشكل جبري وعلى نحو غير مباشر.

ومِن ناحية أخرى، يحدث تراكم معرفي أيضًا؛ بمعنى أنَّ الإنتاج الكثير للمعارف البشريّة يفضي إلى شدّة العلاقات الاجتماعيّة وتراكمها وتعقيدها بوساطة الأفكار الكثيرة والمتنوّعة مِن جهة، وإنَّ هذا التراكم يعمل على ابتلاع الأشخاص في ذاته، ثمّ يتحقّق التخصّص الفكري، وتصبح المعرفة ذات تشعّبات كثيرة، حيث يأخذ كلّ شخص منها ما يُناسبه؛ الأمر الذي يؤدّي إلى إيجاد حالة مِن الاغتراب عن الذات والمجتمع من جهة أخرى[1].

(105)
ب ـ استبدال الأخلاق بالقوانين الاجتماعيّة

في الحضارة الغربيّة، تحلّ العقود الاجتماعيّة والقوانين محلّ الأخلاق، وإنَّ الإنسان الغربي يسعى مِن خلال تأصيل القوانين المدنيّة والمقرّرات الاجتماعيّة إلى الاستغناء عن الشريعة والأخلاق الدينيّة؛ بمعنى أنَّه يؤسّس لمجتمع لا يحتاج في أحد إلى الصلاح، وأنْ يتمكّن الجميع -في الوقت الذي لا يكون فيه لأحد أيّ التزام أخلاقي تجاه وجدانه- مِن إشباع غرائزه وشهواته والاستمتاع المادّي في الحدود القصوى مِن دون أنْ يكون هناك اعتداء مِن أحد منهم على حقوق الآخرين، وإنَّ النظام السياسي الذي يستطيع تلبية هذه الأهداف بشكل أفضل، هو النظام الديمقراطي[1].

ومِن ناحية أخرى، فإنَّ «الفردانيّة» التي هي واحدة مِن الخصائص المهمّة في التنمية الاجتماعيّة الحديثة، تدفع بكلّ شخص في المجتمع كي يبحث عن مصالحه والانغماس في المزيد مِن لذّاته، إلى الحدّ الذي تكون فيه الأولويّة لمصالح الفرد على مصالح المجتمع. ولكنْ، حيث أنَّ المجتمع ليس له مِن هويّة سوى اجتماع الأفراد؛ فإنّه في جميع نظريّات التنمية إنّما يتمّ التنظير إلى مجرّد سلوك الفرد في حقل الإنتاج والاستهلاك فقط دون أصالة الفرد. وعلى هذا الأساس، ففي هذا النموذج مِن التنمية الاجتماعيّة، إنّما تكون النظريّة أو الأيديولوجيّة الاجتماعيّة إذا اختصّت بالقيمة الأخلاقيّة الأعلى في قبال المجتمع، وبالتالي فإنّها تدافع عن حريّة أفعال الأشخاص فيما يتصوّرونه للمصلحة الشخصيّة لذات الفرد.

(106)
ج ـ أزمة العقلانيّة

إنَّ مِن بين الموارد المهمّة جدًّا فيما يتعلّق بتداعيات الأنثروبولوجيا الحديثة في نظام التنمية الاجتماعيّة -حيث النظرة الآليّة إلى الإنسان بدورها مِن نتائج هذا المسار- هي «أزمة العقلانيّة». إنَّ الغلبة التدريجيّة لحقل المصلحة على الحقول العاطفيّة والعقل في مرحلة الحداثة، قد أفضت إلى التأسيس لرؤية أحاديّة البُعد للإنسان. يُضاف إلى ذلك، أنَّ أزمة العقلانيّة في العالم الحديث، أدّت إلى بلورة أزمات أخلاقيّة. لو عمدنا إلى تعريف الأخلاق بمعنى «الاعتقاد ببعض المعايير والقيَم التي تكون مرشدة إلى الفكر والعمل»[1]، وجب علينا الاعتراف بأنَّ العقلانيّة المسيطرة على العالم الحديث غريبة عن هذا المفهوم إلى حدّ كبير. إنَّ العقلانيّة الحديثة تعتبر رعاية الأخلاق بوصفها مانعًا يحول دون الوصول إلى أهداف النظام الاجتماعي. إنَّ هذه العقلانيّة قدّ عمدت إلى التعريف بديناميّتها على أساس اختيار أنجع الأدوات مِن أجل الحصول على أكثر الأهداف والغايات عقلانيّة، ومِن الطبيعي ألّا تستطيع الانسجام مع القيود الأخلاقيّة كثيرًا. يبدو أنَّه مِن خلال أخذ العقلانيّة الذاتيّة المستندة إلى تقديس القيَم التي هي مِن قبيل: السلام والعدل والإنسانيّة وحقوق الإنسان، يمكن التفاؤل يإيجاد التوازن الحديث في المجتمع الحديث وإيجاد القيَم الأخلاقيّة. إنَّ المجتمع الحديث قد استغنى عن الفضيلة الأخلاقيّة وتخلّى عنها واكتفى بالفائدة والمصلحة الأخلاقيّة، وهو الأمر المنسجم مع

(107)

خصائص العقلانيّة الصوريّة، ويعتبر الأخلاق مفيدة للحفاظ على تماسك المجتمع.

إنَّ أزمة العقلانيّة بوصفها مِن أهمّ الأزمات التي تحيق بالمجتمعات الحديثة، لا تؤدّي إلى التعارض في النظام الاجتماعي فحسب، بل تذهب إلى أبعد مِن ذلك، وتفضي إلى بلورة التعارض في النظام الشخصي للإنسان، وتوفر الأرضيّة للآفات الشخصيّة، مِن قبيل: الاغتراب عن الذات، واعتبار الإنسان شيئًا، وخلق الإنسان ذي البُعد الواحد، وأزمة المفهوم والمعنى وما إلى ذلك[1].

د ـ أزمة الجدوائيّة

إنَّ هذه الأزمة تُعدّ مِن جملة الأزمات الشاملة في التنمية الاجتماعيّة الحديثة. إنَّ أزمة الجدوائيّة، والتي يتمّ تعريفها بالقول: «عدم وصول نظام اجتماعي إلى أهدافه المحدّدة»[2]؛ قد عرّضت التنمية الاجتماعيّة الحديثة مِن الناحية العمليّة إلى هذا التحدّي؛ حيث لم تتمكّن مِن تحقيق أهداف مِن قبيل الحريّة والعقلانيّة والكرامة الإنسانيّة - التي هي حصيلة عقود مِن جهود المفكّرين في عصر التنوير- بشكل كامل. وبطبيعة الحال، فإنَّ الجزء الأكبر مِن أزمة الجدوائيّة الراهنة، ناظرة إلى أزمة العقلانيّة، حيث زيادة الفقر، والاتساع المتزايد للشرخ الطبقي، والمشكلات البيئيّة، والحروب العالميّة المدمّرة وما إلى ذلك، تُعدّ مِن

(108)

الدلائل الواضحة على أزمة الجدوائيّة في الأنظمة الاجتماعيّة الحديثة[1].

هـ ـ الشرخ الطبقي

إنَّ الحدود الضارّة التي نراها في أغلب المجتمعات الصناعيّة الراهنة، لم تكن لها سابقة في أيّ مرحلة مِن المراحل التاريخيّة. إنَّ هذه المجتمعات تشتمل في الحقيقة على شرخ العصور السابقة على الصناعة وكذلك التقسيمات الناشئة عن التنمية الصناعيّة. إنَّ الشرخ الأكثر جوهريّة، هو الشرخ الطبقي بين الأقليّة المهيمنة على مصالح المجتمع والأكثريّة الواسعة التي تعاني مِن الحرمان، وهي الأكثريّة التي تشكل القوّة العاملة في المجتمعات. وإنَّ الحكومات المستبدّة تسعى عادة إلى التغطية على هذه التناقضات والنزاعات بشكل وآخر كي لا تظهر إلى الخارج. ولكنْ، كما أثبتت التجارب، فإنَّ تغطية هذه النزاعات لا يعني بالضرورة إزالتها؛ وذلك لأنَّ أيّ تأسيس للضغط مِن قبل الحكومات المقتدرة، ينتهي بشكل وآخر إلى نوع من النضال الجديد مِن أجل الاستيلاء على السلطة[2].

بيد أنَّ النقطة الجديرة بالتأمّل هنا، هي أنَّه مع تحسّن ظروف حياة الجمهور الكبير مِن الناس في المجتمع التقليدي، فإنَّ مستوى اعتراضهم على الأوضاع الاجتماعيّة القائمة، سوف يزداد ويتفاقم أيضًا. إنَّ عدم المساواة الاجتماعيّة تكتسب بالتوازي مع التطوّر الفنّي ظهورًا أكبر؛ وذلك لأنَّ العلاقة المباشرة القائمة بين القدرات

(109)

الطبيعيّة لكلّ شخص ومكافآته، قد آلت مع تقدّم المجتمع إلى الانحطاط. وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الأنظمة الجافّة وغير المرنة في الطبقات الاجتماعيّة، تحبس الأفراد وتحشرهم -مِن الناحية العمليّة- في أدوار وموقعيّات لا تقبل التغيير، بحيث لا يكون هناك إمكان لتطوّر وازدهار الإنسان، ولا تبقى له فرصة لاستخدام الطاقات والقابليّات التي أودعها الله في وجودهم بشكل طبيعي[1].

وبالتالي، يمكن القول: إنَّ التنمية الحديثة بجميع أبعادها كانت مثيرة للأزمات، بيد أنَّ البُعد الاجتماعي للتنمية بسبب ارتباطه المباشر مع الإنسان، قد انطوى على أكثر الأزمات شدّة. وإنَّ هذه التداعيات تعمل على إظهار التمايز بين خصائص التنمية الاجتماعيّة الحديثة والإسلام؛ إذ في مسار التنمية الاجتماعيّة الإسلاميّة، بالإضافة إلى ضمان الاحتياجات الماديّة؛ يتمّ الاهتمام بالاحتياجات المعنويّة أيضًا، ويحصل الأشخاص في ضوء الإيمان والعمل الصالح على حياتهم الإنسانيّة والإلهيّة، وكذلك فإنَّهم يصلون إلى أهدافهم مِن خلال تلبية الاحتياجات الماديّة والرفاه النسبي، وازدهار الأخلاق والمعنويّات، وبسط الأمن والهدوء، والحريّات المشروعة والعدالة الاجتماعيّة. إنَّ الإسلام، بالإضافة إلى الاهتمام بالتنمية الاجتماعيّة، عمد إلى توسيعها بشكل أكبر واهتمّ بالأبعاد المعنويّة للإنسان والمجتمع أيضًا. وفي الحقيقة، فإنَّ الإسلام إنّما يعمل على بيان التنمية الاجتماعيّة مِن أجل نشر ثقافة المطالبة بالمعنويّة وبسط العبوديّة في جميع الشؤون الفرديّة والاجتماعيّة، ومِن هنا فإنه يشكّل أرضيّة مناسبة لازدهار الأخلاق.

(110)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

دراسة نقديّة

للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة في التنمية السياسية

(111)

الفصل الخامس

دراسة نقديّة للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة في التنمية السياسيّة

المقدَّمة

إنَّ بحث التنمية السياسيّة في الغرب، هو مِن مختصّات القرن العشرين للميلاد، بيد أنَّ إرهاصاته تعود إلى ما قبل ذلك بقرون، ولا سيّما الأنثروبولوجيا الحديثة. وبالتالي، فإنَّ دخول العناصر الجديدة إلى دائرة التفكير البشري، كان له تأثير عميق جدًا في بلورة بنية التنمية السياسيّة في الغرب.

المقالة الأولى: إطلالة على التنمية السياسيّة

إنَّ مفهوم التنمية السياسيّة هو مِن المفاهيم التي ورد استعمالها في أدبيات التنمية بعد الحرب العالمية الثانية، وعملت على تشكيل وبلورة حقل الأبحاث المهمّة في العلوم السياسيّة وعلم الاجتماع، إلى الحدّ الذي ذهب معه بعض المفكّرين إلى الاعتقاد بأنَّ التنمية السياسيّة ذات تأثير على جميع أبعاد التنمية، ولا سيّما في البُعد الاقتصادي مِن هذه المقولة[1].

أ ـ مفهوم التنمية السياسيّة

لقد ورد ذكر الكثير مِن التعاريف للتنمية السياسيّة. وقد ورد في

(112)

بعضها اعتبار التنمية السياسيّة بوصفها شرطًا لازمًا وأساسيَّا للتنمية الاقتصاديّة والصناعيّة. وعلى هذا الأساس، فقد تمّ تعريف التنمية السياسيّة بمعنى إيجاد الشرائط السياسيّة والحكوميّة اللازمة مِن أجل تحقيق المزيد مِن الجدوائيّة الاقتصاديّة[1].

وقد ورد تعريف التنمية السياسيّة في الاتّجاه القائل بترادف التنمية مع الاغتراب والابتعاد عن المجتمع التقليدي والثقافة والقيَم التقليديّة على النحو الآتي: الميزان الذي تتقدّم فيه النماذج السلوكيّة «الحديثة» على النماذج  السلوكيّة «التقليديّة»[2]. إنَّ هذا التعريف يرى أنَّ التنمية السياسيّة تعني زيادة ظرفيّة النظام في تلبية حاجات ومطالب الناس، والتنوّع البنيوي، والاتّجاه نحو تخصّص البنى، وكذلك رفع مستوى المشاركة السياسيّة أيضًا من ناحية. ومِن ناحية أخرى، فإنَّ التنمية السياسيّة تعني التأسيس للسياسة. إنَّ هذه التنمية إنَّما تتحقّق فيما لو تمّ تأسيس أنظمة ومؤسّسات مِن أجل تنظيم التنوّعات والتعقيدات الجديدة التي تظهر بفعل التجديد، الأمر الذي ينتج عنه الانسجام والتلاحم في المجتمع السياسي. وفي المجموع، يمكن القول: إنَّ التنمية السياسيّة مسار يُمهّد الأرضيّة اللازمة لتأسيس العناصر والمشاركة السياسيّة التي تكون نتيجتها زيادة القدرات في النظام السياسي. إنَّ هذه التنمية إنّما تتحقّق فيما لو تمّ تأسيس أنظمة ومؤسّسات مِن أجل تنظيم التنوّعات

(113)

والتعقيدات الجديدة التي تظهر بفعل التجديد؛ الأمر الذي ينتج عنه الانسجام والتلاحم في داخل المجتمع السياسي.

ب ـ شرائط تحقّق التنمية السياسيّة

خلافًا لما عليه الحال في معايير التنمية الاقتصاديّة -القابلة للقياس الكمّي ويمكن حسابها مِن طريق بعض المعايير مِن قبيل: خالص الإنتاج الوطني أو فائض الإنتاج العام- لا يمكن قول الشيء ذاته في مورد التنمية السياسيّة؛ وذلك لأنَّ العناصر الكيفيّة في التنمية السياسيّة، لا يمكن تحديدها بالكم[1].

إنَّ المعايير التي يرد ذكرها بالنسبة إلى التنمية السياسيّة متنوّعة وواسعة، بحيث وصل عددها عند بعض المحقّقين إلى أكثر مِن اثني عشر معيارًا.  ومِن بين أهمّ معايير التنمية السياسيّة، يمكن الإشارة إلى الموارد الآتية:

1ـ الاهتمام بالأشخاص في المجتمع.

2ـ الاهتمام بالعقل والتفكير في المجتمع؛ الأمر الذي يمهّد الأرضيّة للحركة والنشاط الفردي والجماعي نحو التنمية السياسيّة.

3ـ توفير مناخ التربية والتعليم للأفراد في المجتمع.

4ـ تشجيع الناس على القيام بالأعمال الجماعيّة.

5ـ الاتحاد والانسجام والتلاحم في المجتمع.

(114)

6ـ فرض القوانين واحترامها في المجتمع.

7ـ مستوى مشروعيّة النظام وثقة الناس بالمسؤولين في الدولة.

8ـ مشاركة الناس عن طريق المؤسّسات الاجتماعيّة والسياسيّة مِن أجل العمل على إصلاح المجتمع.

9ـ استجابة الدولة لاحتياجات الناس الضروريّة.

10ـ العزم على تطبيق الإصلاحات ونشر الثقافة الإصلاحيّة في المجتمع.

11ـ انتخاب واختيار المسؤولين على أساس كفاءة الأفراد[1].

ج ـ قياس نسبة التنمية السياسيّة إلى سائر أبعاد التنمية الأخرى

إنَّ التنمية السياسيّة هي أساس التنمية في القطر، وإنَّ الأنواع الأخرى إنَّما تتفرّع عن التنمية السياسيّة. وإنَّ تقديم التنمية الاقتصاديّة على التنمية السياسيّة، إنّما ينشأ عن قصور في الرؤية السياسيّة. إنَّ التنمية المدنيّة والسياسيّة، يمكنها العمل أبدًا على إيجاد التناغم والتلاحم بين الناس بحيث يصبح بمقدورهم تحمّل الصعاب الاقتصاديّة والضغوط الخارجيّة بشكل أيسر[2].

د ـ خصائص التنمية السياسيّة في الغرب

إنَّ مِن بين أهم خصائص التنمية السياسيّة الحديثة، أيديولوجيّة

(115)

الإمبرياليّة الغربيّة، حيث كانت لها الغلبة مِن خلال بسط القوى الكبرى سيطرتها على البلدان الضعيفة؛ الأمر الذي اقترن بانتشار ظاهرة استعمار القوى العظمى للبلدان الأخرى.

1ـ الإمبرياليّة

إنَّ التنمية بوصفها مسارًا ومفهومًا عامًّا يشمل عددًا مِن المظاهر السياسيّة والاقتصاديّة، قد تمّ بحثها منذ الحرب العالمية الثانية في حقل «التنمية السياسيّة الشاملة للتجديد والقوميّة»، و«الإمبرياليّة وعدم التنمية». حيث تكون مفاهيم التنمية السياسيّة والتنمية الاقتصاديّة مِن وجهة نظر الغرب، تكميليّة وعمليّة. تعدّ الإمبرياليّة وعدم التنمية في الارتباط مع التنمية السياسيّة أصوليّة ويساريّة، وتركّز على التغييرات البنيويّة والجذريّة[1].

أوّلًا: مفهوم الإمبرياليّة

إنَّ كلمة الإمبرياليّة مشتقّة في اللغة مِن الإمبراطوريّة؛ بمعنى التأسيس للإمبراطوريّة، وتشمل في مفهومها جميع أنواع بسط السيطرة واجتياح الأراضي والبلدان وسلطة القوي على الضعيف[2]. وأمّا في المصطلح، فهي تعني بسط البلدان الغربيّة المتقدّمة لسلطتها على سائر بلدان العالم على مدى القرون الخمسة الأخيرة. وقد تمّت نسبة هذا النوع مِن السيطرة والتوسّع قريبًا إلى ولادة وبلوغ الرأسماليّة؛ بمعنى أنَّ تطوّر الرأسمالية والتحوّلات التكنولوجيّة

(116)

والاحتياجات الناشئة مِن الحيويّة والضرورة الداخليّة لهذا الأسلوب مِن الإنتاج، قد أدّى إلى انتهاج سياسة توسعيّة والسيطرة على البلدان الأخرى[1].

ثانيًا: أهداف الإمبرياليّة

إنَّ جوهر الإمبرياليّة لا ينحصر في مجرّد الاستعمار وتجريد البلدان الأخرى مِن استقلالها فقط، بل ويشمل حتّى استثمار واستغلال الشعوب مِن طريق الإبقاء على تبعيّتها الاقتصاديّة والماديّة أيضًا. وفي الحقيقة، فإنَّ الإمبرياليّة الحديثة مسار سياسي/ اقتصادي انتشر في العالم على نحو متزايد مِن قبل البلدان النامية. وعلى الرغم مِن أنَّ التنافس وإيجاد الاتحاد بين البلدان الإمبرياليّة، كان قائمًا قبل الحرب العالميّة الثانية، بيد أنَّ مركز الثقل قد انتقل حاليًّا مِن التنافس بين البلدان الإمبرياليّة إلى الحفاظ على النظام الإمبريالي والحيلولة دون الانكماش؛ ويعود هذا الأمر إلى مسار مكافحة الاستعمار وظهور الحركات والتيّارات التحرريّة في مختلف بلدان العالم. إنَّ غاية البلدان الإمبرياليّة هي الحفاظ على تبعيّة البلدان حتّى بعد حصولها على الاستقلال الظاهري؛ وذلك مِن خلال الإبقاء على تبعيّتها الاقتصاديّة والماليّة عبر أنواع التدخّل العسكري والتدخّل في الشؤون الداخليّة، والعلاقات الدبلوماسيّة والمساعدات العسكريّة والماليّة في إطار الحفاظ على

(117)

النظام الإمبريالي[1]. إنَّ النظام الفكري لقادة الإمبرياليّة في العالم، يقوم على أساس التفكير القومي/ الاشتراكي، وإنَّ مخطّطاتهم ومشاريعهم إنّما تنشأ -في إطار الإمبرياليّة السياسيّة والاقتصاديّة- مِن هذه الأيديولوجيّة[2]. وفي الحقيقة، فإنَّ العلاقات الأيديولوجيّة والمعتقدات السياسيّة للإمبرياليّة، قد اقترنت بشكل وآخر بالشعور القومي. كما أنَّ النماذج الإمبرياليّة هي في ماهيتها تقليليّة؛ بمعنى أنَّها تصرّ بشكل مؤكّد على العينيّة الحصريّة لفرضيّاتها المحوريّة[3].

2 ـ الاتّجاهات التوسعيّة

إنَّ مِن بين خصائص الحضارة الحديثة وبتبعها النظام السياسي لهذه الحضارة، هو الجنوح المتزايد لتوسيع وبسط السيطرة على العالم وتحقيق هذه الرغبة على أرض الواقع، وهو أمر لم يسبق له نظير في التاريخ. إنَّ جنوح الرأسماليّة نحو التوسّع وبسط سلطتها، ينشأ مِن النزعة الاستيلائيّة والسلطويّة، ويظهر في حقل الاقتصاد على شكل نهب واستعمار الشعوب والبلدان الأخرى[4].

3 ـ الاستعمار

يجب اعتبار التحوّل الصناعي في أوروبا نتيجة لتبلور النزعة

(118)

البرجوازيّة[1] في الغرب، الذي لجأ إلى المدركات العلميّة والتقنيات المتبلورة في الغرب، وأدّى إلى تراكم الثروة. وهذا هو نوع التنمية الذي تمّ تحليله منذ عصر أوجست كونت[2] وكارل ماركس إلى يومنا هذا بوساطة علم الاجتماع. هذا من ناحية، ومِن ناحية أخرى، فإنَّ هذا الشكل مِن التنمية يُنظر إليه منذ زمن طويل بوصفه نموذجًا عالميًّا وحصريًّا، إذ يجب على جميع المجتمعات النامية أنْ تمرّ به بالضرورة، ولكنْ لا بدّ مِن الالتفات إلى أنَّ البلدان النامية في الوقت الراهن لم تعد كما كان عليه الغرب في القرن الثامن عشر للميلاد؛ وذلك لأنَّ هذه البلدان مِن ناحية، كانت وما تزال تحت سيطرة القوى العظمى، وتنافس البدان النامية جدًا، وإنَّ العناصر الأولى والعاملين على التجديد قد تمّ إدخالها وفرضها مِن قبل هذه البلدان المتقدّمة. ومِن ناحية أخرى، فإنَّ المانع الأساسي دون التنمية في هذه البلدان، يكمن في التبعيّة لهذه القوى. وفي الحقيقة، فإنَّ هذه التبعيّة هي التي تعمل على إيجاد الاستعمار، وإنَّ هذه الظاهرة عبارة عن: التبعيّة العميقة جدًّا، والتي لا تقتصر على البُعد الاقتصادي والسياسي فقط، بل وتشمل حتّى التبعيّة مِن النوع الاجتماعي والنفسي أيضًا[3].

(119)

إنَّ ظاهرة الاستعمار المعقّدة والمتعدّدة الجوانب، ناشئة عن التفكير المادّي للغرب، والذي ليس له مِن هدف ودافع سوى الحصول على المزيد مِن الأرباح الماديّة، دون أخذ نوع الوسائل والأدوات المستعملة للوصول إلى هذه الغاية بعين الاعتبار. لقد نشأ الاستعمار في الغرب كنتيجة لبلوغ هذا النوع مِن التفكير في الحضارة الغربيّة؛ إذ وُجد بالتزامن مع دخول الغرب إلى حضارته الحديثة وتبلور التنمية في ذلك المجتمع، ورؤية بسط السيطرة على سائر المجتمعات الأخرى. إنَّ الغرب لم يكتفِ بمجرّد السيطرة أو الاستثمار الاقتصادي فقط، وإنَّما صار بصدد فرض حضارته بجميع أبعادها الثقافيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة على المجتمعات الأخرى، وعمل على تسخير الشخصيّة الفرديّة والاجتماعيّة لجميع الأشخاص[1].

4 ـ الأيديولوجيا

إنَّ الأسس الأيديولوجيّة للتنمية السياسيّة في الغرب، عبارة عن التجديد أو الحداثة، حيث تمثّل الرؤية الفلسفيّة والمعرفيّة المهيمنة على العالم المعاصر، وهي تقوم على عناصر مِن قبيل: الفردانيّة، والتجريبيّة، وفصل الدين عن الدولة، والحريّة الاجتماعيّة، وأصالة المنفعة، وأصالة اللذّة، ولا سيّما النزعة الإنسانيّة. يقول الشهيد المطهري في كتابه (المجتمع والتاريخ): «إنَّ أصل تقدّم المادّة على الروح، وتقدّم الجسم على النفس، والقول بعدم أصالة القوى النفسيّة والقيَم الروحيّة

(120)

والمعنويّة، تعدّ مِن الأصول الأساسيّة للماديّة الفلسفيّة»[1].

حيث الماديّة الفلسفيّة تمثّل نسيج وجذر حقول التنمية الحديثة، بما فيها التنمية السياسيّة في الغرب.

ومِن ناحية، فإنَّ القوميّة والاشتراكيّة تتّخذ في الغالب صبغة الأيديولوجيا شبه الدينيّة، وتتجلّى على شكل بديل لـ«الشعور المذهبي» الآخذ في الاضمحلال سريعًا. وفي هذا الشأن، غالبًا ما يتمّ اعتبار عدم التديّن، نتيجة للصيرورة الصناعيّة. وبطبيعة الحال، فإنَّ الحداثة تؤدّي إلى اختلاف بارز بين المقدّس وغير المقدّس، إلّا أنَّ ظاهرة عدم التديّن لا تعني بالضرورة عدم المبالاة الدينيّة، بل يمكن أنْ تقترن بظهور مذاهب جديدة. وعلى هذه الشاكلة، فإنَّ القوميّة والاشتراكيّة بدلًا مِن الحلول محلّ الدين، تعملان في الغالب على التسلّل إلى صُلب الدين أو تتماهيان معه، وبذلك يتمّ تأسيس جماعات الضغط السياسي/ الديني[2].

المقالة الثانية: المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية السياسيّة الحديثة

إنَّ المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية السياسيّة الحديثة مِن خلال الاستناد إلى الأفكار الإنسانيّة والليبراليّة والقول بأصالة الإنسان، تلعب دورًا مؤثّرًا في الأبنية والقواعد الفكريّة للتنمية السياسيّة

(121)

الحديثة. وحيث أنَّ الأنطولوجيا الليبراليّة تقوم على أساس المعرفة الماديّة، وتعدّ أدوات معرفتها حسيّة، وليس للعقل الحقيقي والشهود أيّ موضع في هذه الرؤية[1]؛ فإنَّها تشتمل على نظريّتين مختلفتين عن الأنطولوجيا الإسلاميّة فيما يتعلّق بالارتباط بالكمال النهائي[2]. وهاتان النظريّتان هما كالآتي:

1ـ أنْ يتحقّق كمال مطلوب الإنسان في دائرة الغرائز الحيوانيّة وبُعده المادّي.

2ـ إنَّ هذا الكمال يُعدّ أمرًا مرتبطًا بالعالم المادي، ويتمّ السعي إلى تحقّقه في هذه الدنيا. ومِن هنا، فإنَّ الليبرالي يرى أنَّ عقل الإنسان كافيًا في الوصول إلى الكمال النهائي، وينكر الحاجة إلى الوحي؛ لأنَّه يدّعي أنَّ إشباع الاحتياجات الماديّة لا تخرج عن قدرة العقل البشري[3]. إنَّ هذه الأنطولوجيّة الليبراليّة -القائلة بأصل الربوبيّة[4]؛ بمعنى القول بأنَّ الله هو منشأ عالم الوجود الذي خلق العالم ثمّ تركه ليدير نفسه بنفسه دون أن يتدخّل في أموره- مأخوذة ومتأثّرة بالمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة. وبعبارة أخرى: الفلسفة الإنسانيّة

(122)

أو القول بمحوريّة الإنسان وتأصيل الإنسان. إنَّ ماهيّة الإنسان في المفهوم الليبرالي وأفعاله، تنشأ مِن طاقته الطبيعيّة وتطلّعاته ورغباته الذاتيّة، وإنَّ العقل وسيلة لهداية الإنسان إلى إشباع هذه المطالب والغرائز. إنَّ هذه المطالب والغرائز مِن القوّة بحيث تدفع الفرد إلى إشباعها دفعًا. إنَّ عمل وسلوك الإنسان يتبلور في ضوء المشاعر والآمال بشكل طبيعي؛ وذلك لأنَّ الفرد يسعى إلى تحقيق سعادته ولذّاته وإشباع غرائزه. إنَّ الرغبات والغرائز حقائق لا تقبل التغيير، وقد تمّ إقرارها في طباع البشر، إذ يجب على الأخلاق والقيَم أنْ تنسجم معها. وعلى هذا الأساس، كلّما كان الشخص بصدد الحصول عليها، كان صالحًا مِن وجهة نظره[1]. إنَّ هذا الإنسان هو الملاك والعيار بالنسبة إلى جميع الأمور، وهو في غنى عن الله المدبّر. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الليبراليّة تعتبر الإنسان كائنًا قد آمن بقيادة غرائزه الحيوانيّة، وأنَّه مضطرّ إلى الرضوخ لسلطان الغرائز، وأنَّ كماله رهن بالعمل على إشباع غرائزه الحيوانيّة ومطالبه الماديّة بشكل أكبر.

نقد

إنَّ «الحقيقة» تنقسم في الفلسفة الإسلاميّة إلى قسمين، وهما: المادّي والمجرّد، وإنَّ العالم يتألّف مِن النظام العلّي والمعلولي والمادّي والمجرّد، إذ هما منسجمان فيما بينهما، وإنَّ تدبير كلا النظامين بيد الله سبحانه وتعالى، وإنَّ جميع الأمور تنتهي إليه.

(123)

وفي الحقيقة والواقع، فإنَّ الله هو علّة العلل؛ فهو علّة إيجاد العالم وهو علّة بقائه أيضًا، وسائر الموجودات لها وجود فقري وإنَّها عين الحاجة والارتباط بالوجود الحقيقي، ولو أنَّ الله رفع اهتمامه بهذا العالم، ولو للحظة واحدة، فإنَّ هذا العالم سوف ينهار بالمرّة. وإنَّ الهداية التكوينيّة لجميع الكائنات، وكذلك الهداية التشريعيّة للإنسان، بيد الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا الأساس، فإنَّ المباني الأنثروبولوجيّة الإسلاميّة تشتمل على المفاهيم الآتية:

1ـ إنَّ الإنسان كائن ذو بعدين؛ بُعد مادّي وبُعد مجرّد وغير مادّي؛ حيث البُعد المادّي للإنسان هو الجسد، وبُعده المجرّد هو الروح[1].

2ـ إنَّ الغاية مِن خلق الإنسان، هي الحركة نحو الكمال[2].

3ـ إنَّ كمال الإنسان النهائي يرتبط بروحه وبُعده غير المادّي، خلافًا لما هي عليه الحال في الأنثروبولوجيا الليبراليّة، التي تبحث عن الكمال المطلوب للإنسان في إطار تحقّق الرغبات والغرائز الماديّة.

4ـ إنَّ الأنثروبولوجيا الإسلاميّة ترى الكمال النهائي للإنسان أمرًا أخرويًّا وميتافيزيقيًّا. وأمّا في الرؤية الليبراليّة، فإنَّ هذه المسألة تُعدّ أمرًا مرتبطًا بالمادّة والعالم المادّي.

(124)

إنَّ الثروة والسلطة والعلم، تعدّ في الفكر الإسلامي وسائل لازدهار الإنسان، وأرضيّة لإقامة العدل ودولة الحقّ والعلاقات الإنسانيّة في المجتمع والعالم المزدهر. في الرؤية الإسلاميّة بالنظر إلى اختيار الإنسان في سلوك المسار مِن عبادة الأنا إلى عبادة الله مِن أجل الوصول إلى السعادة والفلاح، وذمّ التعلّق بالدنيا، بيد أنَّ الإسلام في الوقت نفسه ومِن الزاوية الاجتماعيّة، يرى أنَّ مِن واجب الإنسان أنْ يعمل على إدارة الدنيا والاستفادة مِن النعم الطبيعيّة الكثيرة مِن أجل إعمار الدنيا[1]. وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار الدين الإسلامي دينًا جامعًا؛ وذلك لأنَّ الإسلام يعمل -مِن خلال المفاهيم والقيَم التي يلقيها إلى الإنسان- على إعطائه روح المسؤوليّة تجاه المجتمع والمصالح العامّة. إنَّ الإنسان المسلم يخصّص جانبًا مِن جهوده ونشاطاته الشخصيّة إلى المجتمع، ولكنْ لا لأنَّه قد سرق حقوق الآخرين؛ بل لأنَّ التفكير في مصالح الآخرين تعدّ -مِن وجهة نظر الإسلام- جزءًا مِن مصالح الشخص. وهنا تقترن الفردانيّة والاجتماعيّة في نقطة واحدة، وتتحوّل العدالة والمساواة مِن مجرّد مفهوم أخلاقي إلى حقيقة عينيّة وخارجيّة[2].

إنَّ المباني الأنثربولوجيّة المذكورة في الغرب قد أدّت إلى بلورة وإيجاد المباني الإستراتيجيّة في التنمية السياسيّة الحديثة. وفيما يلي سوف نعمل على بحث ونقد هذه الأصول والمباني.

(125)

المقالة الثالثة: تداعيات أنثروبولوجيا التنمية السياسيّة الحديثة

إنَّ الحداثة تفتقر إلى الروح؛ إذ تخوض في مجرّد الإطار الحقوقي والسياسي والاقتصادي للإنسان، ولا تدخل في حساباتها الأبعاد الداخليّة مِن الحياة في دائرة اهتمامها. وبشكل عام، يمكن اعتبار الإنسان سعيًا إلى محوريّته، ولا سيّما محوريّة العقل في جميع الشؤون، حيث يترتّب على ذلك القول بالعلمانيّة والليبراليّة والحريّة الاجتماعيّة وأصالة المنفعة واللذّة، والتأكيد على الرفاهيّة والفردانيّة، ولا يكون نتيجة ذلك غير اتّساع رقعة ظاهرة الاستهلاك، وعدم القناعة في الحياة، والانحراف عن الأهداف المتعالية والمتسامية فيها. ويمكن الإشارة مِن بين أهمّ تداعيات أنثروبولوجيا التنمية السياسيّة الحديثة، إلى مباني المشروعيّة، وكذلك التفكير الفردي، ونسبيّة الأركان فيها أيضًا.

أ ـ قانونيّة التنمية السياسيّة

إنَّ أساس الديمقراطيّة الغربيّة في حقل التقنين يقوم على عدم وجود حقيقة وراء مطالب الناس ورغباتهم، وإنَّ مبنى المشروعيّة عبارة عن إرادة الناس ومطالبهم أو ما يُصطلح عليه بـ«العقد الاجتماعي». وفي الأمور الماديّة، تقع الواجبات والمحظورات في زمرة الأمور التجريبيّة وترتبط بالعلوم التجريبيّة. وفي الارتباط مع الله، تقع الواجبات والمحظورات في حقل الدين، ويجب العمل بكلّ ما يأمر به الدين، ولا ربط لذلك بالعلم. وأمّا واجبات

(126)

ومحظورات الناس في الحياة الاجتماعيّة، فهي تخصّ الناس أنفسهم، ولا دخل للدين والعلم في هذا المجال، ولا يمكن لهما العمل على تعيين واجب أو محظور[1].

نقد

إنَّ جميع شؤون حياة الإنسان -مِن وجهة نظر الإسلام- مرتبطة ومعلّقة بمصيره النهائي؛ بمعنى أنَّ كلّ عمل أو سعي يصدر عن الإنسان في هذه الحياة الدنيا، سوف يكون له تأثير في سعادته أو شقائه الأبدي في الآخرة. إنَّ القانون مِن وجهة نظر الإسلام يجب أنْ يكون بحيث يوصل الإنسان إلى مصالحه ومنافعه المعنويّة والروحيّة أيضًا، وإنَّ ضمان الأمن الاجتماعي لا يلقى على عاتق القانون فقط. وأمّا في الرؤية الليبراليّة، فحيث تكون الغاية هي الحصول على المزيد مِن اللذّة في هذه الدنيا، فإنَّ رسالة القانون تتمثّل في الإعداد لأسباب الحصول على هذه الغاية. وما دامت إصابة اللذّة والسلطة لا تعرّض حريّة الآخرين إلى الخطر، فالقانون لا يتدخّل في فرض الحدود والقيود عليها. وعليه، فإنَّ فلسفة القانون تقتصر على المحافظة على حريّات الآخرين، وتوفير إمكانيّة وصول الناس إلى تلبية حاجاتهم ورغباتهم في الحصول على المزيد مِن الربح والمتعة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ مساحة القانون سوف تكون محدودة للغاية، ويجب على الدولة أنْ لا تقوم إلّا بالحدّ الأدنى مِن التدخّل في حياة الناس؛ لأنَّ الأصل يقوم على أساس الحريّة،

(127)

وإنَّ المحافظة على الحريّات تكون في التفكير الإنساني والليبرالي الغربي فوق القانون. وأمّا مِن وجهة نظر الإسلام، فإنَّ «القانون» يعمل على رسم المسار الصحيح لحياة البشر، ويهدي المجتمع إلى المصالح الماديّة والمعنويّة، وإنَّ الحكومة الإسلاميّة تتولّى بدورها مسؤوليّة تطبيق هذه المصالح في المجتمع، وتحول دون كلّ ما يعرّض هذه المصالح للخطر[1].

إنَّ النظام الإسلامي لا يضع المشروعيّة في هامش المقبوليّة والعقود الاجتماعيّة، وهو كذلك -على خلاف الأنظمة الغربيّة- لا يضع مشروعيّة الحكم والنظام ضمن دائرة مقبوليّة وإرادة الناس؛ لأنَّ غاية القانون في القياس إلى الغاية النهائيّة مِن حياة الإنسان هدف متوسّط، وإنَّ السلوك الاجتماعي إنَّما يكون مطلوبًا فيما إذا كان -بالإضافة إلى ضمان المصالح الدنيويّة- يُلبّي المصالح الأخرويّة ويكون منسجمًا معها أيضًا؛ وذلك لأنَّ الله سبحانه وتعالى، هو العالم على الإطلاق، إذ هو المطّلع على جميع الأبعاد الوجوديّة للإنسان ومصالحه، والحاكميّة تقتضي الربوبيّة التكوينيّة والتشريعيّة، وعليه فإنَّ المقنّن والمشرّع الحقيقي الوحيد، هو الله سبحانه وتعالى[2]. وعلى أساس هذا الملاك، تكون المشروعيّة في الإسلام قائمة على الإرادة الإلهيّة، خلافًا لما عليه الحال في التفكير الغربي؛ إذ الملاك في المشرعيّة يستند إلى العقد الاجتماعي والإرادة

(128)

العامّة التي يتمّ بيانها في ضوء المقبوليّة والرضا مِن قبل عامّة الناس.

ب ـ التفكير الفردي في التنمية السياسيّة

إنَّ للإنسان في الرؤية الليبراليّة خصائص فرديّة. إنَّ الإنسان في هذه الرؤية كائن واحد حيث هو المالك المطلق لوجوده وأمواله، بحيث أنَّ رغباته هي التي تحدّد أهدافه وقيَمه، وإنَّ عقله هو الذي يدلّ على الطريق الموصل إلى تلك الأهداف والغايات بوضوح، ويستند في معرفة الحقائق إلى تجاربه فقط، ولا يكون مكلّفًا أو ملتزمًا بالرضوخ للأوامر الأخلاقيّة الصادرة عن الدين والمجتمع والدولة، وفي هذا الشأن إنّما يتبع رغباته ومتطلّباته الفرديّة[1].

كما أنَّ مفهوم السيادة على الذات بدوره، يمثّل واحدًا مِن وجوه الفردانيّة الليبراليّة أيضًا. في ضوء هذا المفهوم، يُعدّ كلّ شخص مالكًا لنفسه وحياته وأمره. وهذه الأمور لا شأن لله والمجتمع والدولة بها، بل المالك لها هو الإنسان الفرد، ويمكنه أنْ يتصرّف بها كما يشاء. وعلى أساس هذه الملكيّة، تكون الثروة الماليّة لكلّ شخص بيانًا محدّدًا لتلك المالكيّة التي سبق له أنْ امتلكها على نفسه وأعماله وأموره -وحتّى لو لم يمتلك الفرد شيئًا مِن المال- يبقى مالكًا لجسمه ومهاراته وشؤونه، ويمكن لهذا الأمر أنْ يُعدّ واحدًا مِن أدلّة المبنى الأيديولوجي لحريّة الفرد ومالكيّته الخاصّة في النظام الليبرالي[2].

(129)

نقد

إنَّ الليبراليّة تنفي جميع أنواع الأصول العالية والتي تفوق الفرديّة الماديّة المحدودة للإنسان، وتنكر مِن الناحية العمليّة أيّ رؤية روحانيّة إلى الإنسان. إنَّ هذا الأمر يشكّل أساسًا وجذرًا لأنواع التضاد بين أفراد المجتمع؛ وذلك لأنَّ الأنانيّات البادية مِن هذه النظرة لا تسمح لأحد بتحمّل غيره. قال رينيه غينون في كتابه (أزمة العالم المتجدّد):

«إنَّ عبادة الفرد لنفسه هي العلّة المحدّدة والأساسيّة لسقوط الغرب وانحطاطه؛ وذلك لأنَّ هذه الفردانيّة قد أضحت -بنحو مِن الأنحاء- هي المحرّك والموجد لنموّ وتكامل أسوأ إمكانات النوع البشري، وهي الإمكانات التي لا تستلزم تنميتها أيّ عامل يفوق الإنسان، وحتّى في حالة غياب هذا العامل، يمكن له أنْ ينتشر ويزدهر بشكل كامل»[1].

إنَّ «الفرد» و«المجتمع» يُعدّان مِن العناصر الأساسيّة في النظام السياسي، إلّا أنَّ النظام الإسلامي -خلافًا للرؤية الليبراليّة التي تفترض الفرد حقيقة، والمجتمع وجودًا ذهنيًّا واعتباريًّا- يقيم نوعًا مِن الارتباط الحقيقي بين الفرد والمجتمع. وقال العلّامة الطباطبائي في بيان العلاقة بين الفرد والمجتمع في النظام الإسلامي [ما معناه]:

(130)

«حيث تقوم علاقة حقيقيّة بين الفرد والمجتمع، فإنَّ ذلك يؤدّي لا محالة إلى ظهور خصائص وآثار الفرد في المجتمع، وبالنسبة ذاتها التي يعمل فيها الأفراد على رفد المجتمع بالطاقات والخصائص والآثار الوجوديّة لهم، فإنَّ هذه الحالات تكتسب كينونة اجتماعيّة. ومِن هنا، نجد القرآن الكريم قد اعتبر لـ«الأمّة» وجودًا وأصلًا وكتابًا وشعورًا وفهمًا وعملًا وإطاعة ومعصية، ويقول في ذلك: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)»[1][2].

إنَّ التفكير الإسلامي بخلاف التفكير الليبرالي، يؤثِر الآخر ولا يدعو إلى الفردانيّة، وبخلاف التفكير الشيوعي لا يعدّ اشتراكيًّا، وإنَّما يدعو إلى رعاية المصالح. إنَّ مصلحة الفرد والمجتمع ليست أصيلة، وإنَّما الأصالة مِن نصيب مصلحة المجتمع الإسلامي.

ج ـ نسبيّة أركان التنمية السياسيّة

تقوم الحضارة الغربيّة الحديثة على مبنى القول بأنَّ الحقيقة ليست أمرًا ثابتًا ومطلقًا، بل الحقيقة ليست سوى علاقة ونسبة خاصّة بين ذهن الإنسان والخارج، وليس هناك مِن وجود لحقيقة فوق الذهن، ولا يوجد تصوّر مشترك عن الحقيقة[3]. وعلى هذا

(131)

تقوم الحضارة الغربيّة الحديثة على مبنى القول بأنَّ الحقيقة ليست أمرًا ثابتًا ومطلقًا، بل الحقيقة ليست سوى علاقة ونسبة خاصّة بين ذهن الإنسان والخارج، وليس هناك مِن وجود لحقيقة فوق الذهن، ولا يوجد تصوّر مشترك عن الحقيقة[1]. وعلى هذا الأساس، فإنَّهم يعتبرون القيَم نسبيّة واعتباريّة من ناحية، ومِن ناحية أخرى وضعوا المفاهيم الدينيّة ضمن القيَم. وعلى هذا الأساس، تكون هذه المفاهيم والقضايا الدينيّة نسبيّة واعتباريّة، وليس لها قيمة مطلقة وثابتة. وإنَّ نتيجة النسبيّة القيَميّة والفلسفيّة في النظام الليبرالي الغربي، عدم التفكيك والفصل بين المشروعيّة والمقبوليّة في النظام السياسي الغربي. وحيث لا تكون الحقيقة أمرًا ثابتًا ومطلقًا، وليست خارجة عن وجود الإنسان؛ إذاً تكون المقبوليّة الجماهيريّة للنظام السياسي دليلًا على مشروعيّته. وفي الواقع، فإنَّ قيام مشروعيّة النظام الساسي على آراء الأكثريّة مِن الناس، إنّما ينشأ عن نسبيّة الحقيقة في الغرب.

نقد

إنَّ الإسلام -بخلاف الرؤية الليبراليّة الغربيّة، في باب نسبيّة الحقيقة والقيَم بالإضافة إلى بعض الأحكام النسبيّة والمتغيّرة والتابعة لعنصري الزمان والمكان- يرى أنَّ بعض الأمور ثابتة ومطلقة ولا تقبل التغيير حيث هي تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة والذاتيّة. إنَّ القيَم الإسلاميّة الثابتة تكون على هذا الأساس مطلقة ودائمة وتكون معتبرة في كلّ مكان. ومِن هنا، فإن النسبيّة الليبراليّة في الغرب لا تنسجم مع الإسلام[2]؛ وذلك لأنَّ «الحقيقة

(132)

أمر كيفي ولا يمكن استنتاجها مِن الانقسامات العدديّة القائمة على المباني الكميّة، وبالتالي لا يمكن اعتبار مجرّد المقبوليّة ملاكًا للمشروعيّة»[1].

في التنمية السياسيّة المعاصرة في الغرب، لا تنطوي الحريّة خلف الكواليس المبهرجة، وخلافًا لما تدّعيه الحكومات المقتدرة وساسة الغرب والمستغربين، إلّا على بُعد رمزي، وإنَّ الذين يديرون الأحزاب الحاكمة في المجتمع السياسي في الغرب يمارسون الاستبداد والحكم الشمولي والمطلق بمختلف الأساليب والطرق[2]. وفي الحقيقة والواقع، فإنَّ التنمية السياسيّة في ضوء الفهم الحديث والغربي لها، لم تظهر بشكل متوازن، وإنَّها على الرغم مِن عمليّة التسريع والتسهيل في مختلف المجالات التكنولوجيّة، فقد ترتّبت عليها هذه التداعيات الإنسانيّة المتمثّلة في: الغفلة والإسراف والطمع وتأليه الإنسان والتمرّد والطغيان، والشره والنزعة الاستهلاكيّة، والاغتراب عن الذات، واستثارة الشهوات الخامدة، وتكبيل الإنسان، والتنافس العبثي وغير الهادف، وإيجاد التناقضات السلبيّة بين الأفراد، وإيثار الكسل والتبطّل، ووضع القدرات الكبيرة في أيدي الطالحين وما إلى ذلك؛ إذ يمكن القول: إذا كان أحد أضلاع التنمية السياسيّة الحديثة عبارة عن العلم والعقلانيّة والتقدّم

(133)

التكنولوجي، فإنَّ ضلعها الثاني عبارة عن تقوية الروح الاستكباريّة والاستغلاليّة، وضلعها الثالث عبارة عن إشاعة النموذج الغربي للتنمية الذي هو عبارة عن نموذج فاشل؛ إذ على الرغم مِن حصول البلدان الغربيّة على الثروة والسلطة، إلّا أنَّها لم تتمكّن مِن الحفاظ على القيَم الإنسانيّة والمعنويّة والحريّة الحقيقيّة للإنسان، وحلّ محلّها حبس الروح الإنسانيّة خلف قضبان الشهوات. في حين أنَّ المجتمع في التنمية السياسيّة الحقيقيّة والثابتة، يتحرّر مِن الجور والظلم، ويعيش الناس تجربة الحياة تحت راية العدل والرخاء والمساواة.

إنَّ الوجود في الفكر الإسلامي لا يُحدّ في المادّة، كما أنَّ الإنسان لا ينحصر في الجسم والاحتياجات الجسديّة والطبيعيّة، ولا يتمّ تهميش الله والدين، بل إنَّ الله والدين، خلافًا لما عليه الحال في التفكير الغربي، هما مِنْ مباني الفكر التنموي، وتلعب مسألة التوحيد دورًا محوريًّا في النموذج التنموي. إنَّ الإنسان في الفكر الإسلامي هو خليفة الله وطالب للكمال، في حين أنَّ الإنسان الليبرالي منفصل عن البُعد المعنوي الإلهي والربّاني، ومتحرّر مِن القيود الدينيّة، وبين الرؤيتين بون شاسع واختلاف جوهري، وإنَّ الغاية التنموية المتمحورة حول الإنسان تقوم على البُعد المادّي، وأما البُعد المعنوي في ذلك إنّما يكون في الفكر الإسلامي، وعليه هناك اختلاف وتمايز جادّ بينهما. إنَّ الدين مِن جهة لا ينطوي على

(134)

قداسة مِن وجهة نظر الإنسان الحداثوي، ومِن جهة أخرى فإنّه قد عمد إلى إحلال أشياء أخرى محلّ المقدّسات، إذ لا تحتوي على أيّ قداسة معنويّة. مِن ذلك على سبيل المثال، أنَّهم يستقبحون إهانة الأنبياء، ولكنَّهم يلتزمون بالسماح للصحافة بالإساءة إليهم بذريعة الحفاظ على حريّة الصحافة؛ بمعنى أنَّ حريّة الصحافة تحظى بالقداسة التي تمنحها الحصانة المطلقة تحت أيّ ظرف مِن الظروف، أو أنَّ رأي الناس مقدّس حتّى إذا كانوا يدعون إلى أمور مِن قبيل الشذوذ الجنسي، أو أنَّ التجديد في حدّ ذاته مقدّس؛ لأنَّ الإنسان آخذ في التطوّر، وإنَّ كلّ جديد أفضل مِن نوعه القديم. والأهمّ مِن ذلك كلّه، تساوي الأفراد في مورد حقّ الحاكميّة والسيادة. إنَّ الأفراد في التفكير الإسلامي لا يمتلكون حقوقًا متساوية في مورد حقّ الحاكميّة؛ لأنَّ الحاكميّة إنَّما تكون بتنصيب مِن الله سبحانه وتعالى[1]. في حين أنَّ الناس في التنمية السياسيّة الحديثة، يتمتّعون بحقوق متساوية تجاه الحاكميّة، والملاك في ذلك هو رأي الأغلبيّة حتّى إذا أفضى هذا الأمر إلى انتخاب شخص يفتقر إلى الصلاحيّة الأخلاقيّة. وفي التفكير الإسلامي، لا يقتصر الأمر على القول بأنَّ الحاكميّة إنَّما هي لله سبحانه وتعالى، بل حتّى في طريقة وأسلوب التقنين والتشريع يجب على المقنّن في وضع القوانين النافعة للبشر أنْ يكون عالمًا بالقوانين الإلهيّة، وعليه أنْ يراعي تطابق التشريعات

(135)

التي يضعها مع القوانين الإلهيّة؛ وعلى هذا الأساس يكون الشخص الذي يتصدّى لقيادة الناس في الأمور الدينيّة، هو الحاكم السياسي أيضًا، وعليه فبالنظر إلى هذه الرؤية لا يكون لمقولة فصل الدين عن السياسة في الإسلام موضع مِن الإعراب.[1] وبالتالي، فإنَّ التنمية السياسيّة في الغرب حيث تقوم على أساس الأنثروبولوجيا وسائر أبعاد وعناصر الليبراليّة والعلمانيّة، فإنَّها لا تحتوي على حياة ثابتة، ولا يمكن اعتبارها نموذجًا صالحًا وناجحًا للتنمية.

(136)

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

قراءة نقديّة للمباني الأنثروبولوجيّة

الحديثة في التنمية الاقتصاديّة

(137)

الفصل السادس

قراءة نقديّة للمباني الأنثروبولوجيّة الحديثة في التنمية الاقتصاديّة

المقدَّمة

إنَّ مِن بين أهمّ موازين التنمية الاقتصاديّة في الغرب، والذي يتمّ توظيفه عادة في التعريف بمسار المتغيّرات في المجتمع، وكذلك في المقارنة بين المجتمعات المختلفة أيضًا؛ عبارة عن الناتج المحلّي الإجمالي، والذي يتمّ التعبير عنه اختصارًا بـ(G. N. P)[1]،  بمعنى:  «القيمة الإجماليّة للبضائع والخدمات المنتجة سنويًّا في البلاد» حيث يتمّ تقديره بوسائل متعدّدة،[2] ويتمّ بيانه في نهاية المطاف على شكل رقم نقدي محّدد يحكي عن الوضع الاقتصادي لكلّ مجتمع بالقياس إلى ما كان عليه الوضع في السابق، وكذلك بالقياس إلى المجتمعات الأخرى. بيد أنَّ الإشكال الرئيس الذي يتّجه على هذا الشاخص، عبارة عن المحدوديّة الواسعة التي يعاني منها، وعدم تغطيته للمفاهيم غير الماديّة في ظلّ حساباته. وفي الحقيقة، فإنَّ معيار الـ (G. N. P) يؤمن بمقدار الاستفادة والاستمتاع المادّي وعبادة المادّة بوصفها غاية نهائيّة للحياة الإنسانيّة، ويعتبر حجم النمو والازدهار في المجتمع مرادفًا لزيادة ونقصان مقدار الإنتاج الإجمالي، ولا يُعير أيّ أهميّة أو تأثير لغير النسبة الماديّة والعينيّة

(138)

لها في مقدار الإنتاج الإجمالي المحلّي[1]؛ وذلك لأنَّ مبنى تقييم الظواهر في هذه الرؤية يكمن في مقدار إسهامها في زيادة الإنتاج وتطوير الإمكانات.

المقالة الأولى: إطلالة على التنمية الاقتصاديّة

إنَّ التنمية الاقتصاديّة هي أوّل وأهمّ بُعد مِن أبعاد التنمية في الحداثة، إذ إنَّهم كانوا، حتّى ما قبل عقود قليلة، يعتبرون التنمية بشكل عام مرادفًا للتنمية الاقتصاديّة، وكانوا يعتبرون التنمية الاقتصاديّة رديفًا للازدهار الاقتصادي، في حين أنَّ لكلّ واحد مِن هذه المفردات مفهومه المختلف والمحدّد.

أ ـ مفهوم التنمية الاقتصاديّة

إنَّ مصطلح «التنمية الاقتصاديّة» مصطلح جديد نسبيًّا. فحتّى ما قبل عقد الخمسينيّات مِن القرن العشرين للميلاد (1950م)، لم يكن علماء الاقتصاد يفرّقون بين الازدهار الاقتصادي وبين التنمية الاقتصاديّة، وكانوا يرون أنَّ التنمية الاقتصاديّة عبارة عن «الانتعاش المحدّد للدخل العام الواقعي» في البلدان النامية؛ في حين أنَّهم منذ ذلك الحين فصاعدًا أخذوا يعتبرون التنمية الاقتصاديّة أعمّ مِن الازدهار الاقتصادي، ويؤكّدون على أنَّ التنمية الاقتصاديّة بالإضافة إلى الازدهار تشمل التغيير أيضًا، ولا سيّما التغيير في القيَم والمؤسّسات[2]. بيد أنَّ بعض خبراء الاقتصاد يرون أنَّ هناك علاقة

(139)

وثيقة بين التجديد والتنمية الاقتصاديّة، إلى الحدّ الذي يتمّ معه تحديد التجديد بوساطة التنمية الاقتصاديّة، وإنَّ التنمية الاقتصاديّة بدورها تنشأ عن الاتّجاه نحو التصنيع، وهو الآخر نتيجة للتطوّر التقني؛ وذلك لأنَّ التنمية تقوم على فرضيّة أنَّ الاقتصاد المعاشي بناتجه الضعيف المترتّب على توفير الاستهلاك الداخلي على المدى القصير والملبّي للاحتياجات الأوليّة والأساسيّة في الحياة، يتحوّل إلى اقتصاد  قائم على الإنتاج الصناعي؛ وبهذا المعنى فإنَّ التنمية في الوهلة الأولى تتضمّن مسار التصنيع[1].

تقوم رؤية الإسلام في التنمية الاقتصاديّة على هذا المبنى القائل بأنَّ الله سبحانه وتعالى قد خلق العالم وأعطى للإنسان مِن بين الكائنات كرامة ذاتيّة استحقّ في ضوئها أنْ يكون خليفة له في الأرض ليعمل بتكليفه على تطبيق السنن والشريعة الإلهيّة، ويصل إلى الكمال والتعالي مِن خلال سلوكه في طريق الحقّ سبحانه وتعالى، وإنَّه في ضوء قاعدة اللطف قد وفّر للإنسان جميع الإمكانات الضروريّة التي يحتاج إليها في القيام بهذه المهمّة الخطيرة. وطبقًا لقوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)،[2]يعدّ الاستثمار المطلوب والاستهلاك الرشيد والتوزيع العادل للمصادر والإمكانات التي

(140)

خلقها الله سبحانه وتعالى في الأرض وسخّرها للإنسان وتوسيع العلاقات الإنسانيّة على أساس الحقّ والعدالة، مِن بين الأسباب الضروريّة واللازمة للتكامل والتعالي واضطلاع الإنسان بالمهمّة الملقاة على عاتقه. وعلى هذا الأساس، فإنَّ التنمية الاقتصاديّة في الإسلام ليست مجرّد مشروع للإنتاج فقط، بل هي استقلال اقتصادي للحكومة الإسلاميّة وعدالة في توزيع الإنتاج، الذي هو ليس مجرد مسار مادّي، بل هو كذلك مسار معنوي وإنساني يهدف إلى تنمية وتطوير الإنسان في البُعدين المادّي والمعنوي، وعلى أساس الأبعاد الأخلاقيّة والقيميّة والتربويّة، مِن قبيل: الاستقلال والحريّة والعدالة والعزّة والشرف والإيثار وحبّ الآخرين والابتعاد عن الطمع والبخل وسوء الظن والاستبداد والمحاباة والنهب.

ب ـ نسبة التنمية الاقتصاديّة إلى سائر أبعاد التنمية

إنَّ التنمية الاقتصاديّة مِن الأبعاد المهمّة في التنمية بشكل عام، إذ مِن دون الازدهار والتنمية الاقتصاديّة لن تكون التنمية في المباني الثقافيّة الوطنيّة، وتوسيع دائرة الخدمات الصحيّة والعلاجيّة والاجتماعيّة والحصول على القوّة الدفاعيّة الناجعة، والحفاظ على حرمة الشؤون الوطنيّة والثقافيّة والتلاحم الاجتماعي؛ أمرًا ممكنًا. إنَّ القطر الذي لا يحظى بالتنمية والازدهار الاقتصادي المناسب، لا يمكنه الحصول على مكانة مناسبة ومرموقة على المستوى الدولي. ومِن هنا، يكون للتنمية الاقتصاديّة تأثير على سائر أركان التنمية الأخرى، ومِن بينها التنمية الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، ومِن دون التنمية الاقتصاديّة يبقى الوصول إلى التنمية بشكل عام في

(141)

حدود النظريّة التي لن تجد طريقها إلى التطبيق العملي.

ج ـ الرأسماليّة؛ ماهية التنمية الاقتصاديّة الحديثة
1 ـ التعريف

إنَّ النظام الاقتصادي في الغرب الحديث يقوم على الرأسماليّة وسيادة الثروة، وهو نظام يطالب بالمزيد مِن الربح، و«إنَّ غاية المنتجين فيه تتلخّص في الحصول على المزيد مِن الربح، وليس مِن أجل الاستفادة مِن الحياة بشكل أكبر، وإنَّما لمجرّد الحصول على الأرباح فقط»[1]. لقد ظهرت الرأسماليّة بوصفها مسارًا عالميًّا ونظامًا دوليًّا، وصارت لها المركزيّة والمحوريّة في القارّة الأوروبيّة؛ وذلك أنَّ النزعة الاستعماريّة أعطت هذه القدرة للأوروبيّين ليعملوا على تطوير مجتمعاتهم والحيلولة دون تطوّر المجتمعات الأخرى. وفي الحقيقة، فإنَّ هذه الحيوية والتعاطي بين التنمية وعدم التنمية، هو الذي يعمل على بيان وتفسير النظام الاقتصادي الحديث[2].

2 ـ الأركان

إنَّ ماهية الرأسماليّة عبارة عن الحصول على الحدّ الأقصى مِن الأرباح الاقتصاديّة، بغضّ النظر عن جميع أنواع القيود أو الموانع التي تحول دون تحقيق هذه الغاية. إنَّ أركان وأطر الرأسماليّة تتبلور ضمن تحقّق الموارد الآتية:

(142)

1ـ إنَّ غاية المنتجين هي الحصول على المزيد مِن المنفعة للوصول إلى الربح الأكبر.

2ـ إنَّ الأنشطة العلميّة والفنيّة في المجتمع، يجب أنْ تصبّ في إطار تحقيق الغاية المذكورة وتقليل النفقات، وإنَّ كلّ نشاط علمي لا يصبّ في اتجاه الحصول على المزيد مِن الربح، يُعدّ عديم الفائدة وغير ضروري.

3ـ يجب على جميع أفراد المجتمع أنْ يعملوا لوقت أطول مِن ساعات الليل والنهار، ويجب القضاء على الأشخاص الذين يعجزون عن العمل وإخراجهم مِن المجتمع كي لا يكونوا كلًّا وعالة عليه، وإنَّ ملاك ومعيار فائدة كلّ شخص، يكون في عدد الساعات التي يقضيها في العمل وكيفيّة تطابقه وانسجامه مع المنظومة الاقتصاديّة.

4ـ يجب العمل على رفع الإحساس والشعور بالحاجة إلى الاستهلاك في المجتمع، كي لا يكون هناك مانع يحول دون اجتذاب المحاصيل والمنتوجات في المجتمع. إنَّ على المجتمع أنْ يعمل على تطبيق احتياجاته مع الفنون الجديدة، وإنَّ كلّ تقنيّة يجب أنْ تضطلع بدورها في بلورة طلب جديد. إنَّ عدم المانع -الأعمّ مِن الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي- في الأركان أعلاه، هو الذي يؤدّي إلى تحقّق النظام الرأسمالي[1].

(143)
3 ـ الأهداف والغايات

إنَّ غاية النظام الراسمالي هي زيادة الإنتاج الاقتصادي والوصول به إلى الحدود القصوى، وإنتاج المزيد مِن البضائع والخدمات والازدهار الاقتصادي. وفي هذا المسار، كلّما وقع التعارض بين الازدهار الاقتصادي والعدالة، كانت الأوليّة للازدهار الاقتصادي، وإنَّ العنصر الذي يجب حذفه وإلغاؤه في البين، هو العدالة[1].

والنقطة المهمّة الأخرى، هي أنَّ الرأسماليّة ترى قيمة للنشاط الاقتصادي ذاته، وتعتبره أمرًا قيّمًا في حدّ ذاته. هذا من ناحية، ومِن ناحية أخرى، فإنَّ «العمل» يتمّ ذكره وبيانه بوصفه أمرًا تخصّصيًا وشاملًا، ويجب على الأفراد في النظام الرأسمالي أنْ ينهمكوا في العمل ويواصلوا البحث عن مصالحهم الفرديّة. وهذه هي نقطة الاشتراك بين الرأسماليّة والليبراليّة، إذ  «يتمّ التركيز على وسائل الوصول إلى الغاية دون الغاية نفسها»[2].

4 ـ الخصائص

إنَّ سلطة الملكيّة الخاصّة على رأس المال الفيزيقي والمالي والعمل بأجرة مِن دون ملكيّة، والذي يلعب دورًا محوريًّا في النشاط الاقتصادي في السوق والدولة المحدودة، عبارة عن الخصوصيّة

 
(144)

والشاخص الأصيل في النظام الرأسمالي[1]. إنَّ الرأسمالية التي هي مِن اللوازم الذاتيّة للحداثة، ليست مجرّد نظام اقتصادي/ اجتماعي، بل هي عقل آلي وتنظيم لمفهوم العمل على أساس العقل الكمّي والتفكير الحديث والنفعي والدنيوي البحت لإنسان العصر الجديد. وفي الحقيقة، فإنَّ المفهوم الحديث لـ «رأس المال» يختلف اختلافًا ماهويًّا عمّا كان يسمّى في السابق «ثروة». وفي رؤية إجماليّة، يمكن بيان خصائص الرأسماليّة على النحو الآتي:

1ـ الأصوليّة النفسانيّة. 2ـ النظرة الكميّة. 3ـ النزعة الاستيلائيّة. 4ـ محوريّة الربح البحت. 5ـ اقتصاد البضائع. 6ـ تقسيم العمل التخصّصي. 7ـ التراكم المستمرّ لرأس المال. 8ـ المفهوم الحديث لـ«رأس المال». 9ـ «العمل»، و«السوق». 10ـ مكافحة الفقر. 11ـ الملكيّات الكبرى، الخصوصيّة والانحصاريّة، أو الانحصاريّة الحكوميّة.[2]

هـ ـ نقد الرأسماليّة

إنَّ رأس المال في النظام الرأسمالي الحديث، هو مِن ثمار النسبة التقنيّة مع الوجود، والذي لا يُكتب له التحقّق إلّا بوساطة العقل الآلي. وتقع عجلة رأس المال على شكل تجاري ومالي في امتداد  الثروة الصناعيّة، والتي هي الأخرى نتيجة وثمرة لنسبة التقنيّة إلى العالم. إنَّ الرأسماليّة هي نتاج الفلسفة الإنسانيّة ومحوريّة

(145)

الربح البحت. وبعبارة أخرى: إنَّ النظام الرأسمالي الذي يعني تجسيد الروح والنزعة الربحيّة والنفعيّة والعقلانيّة الآليّة والنفسانيّة والمتأصّلة الحديثة، لم يكن له إمكان التحقّق مِن دون وجود نسبة تقنيّة بين الإنسان والوجود، ومِن دون حضور أركان الإنسانيّة وأصالة الإنسان وتمحور النفس الأمّارة.[1] وإنَّ هذا النظام المنبثق عن محوريّة الإنسان بالنسبة إلى العالم، يقع في قبال محوريّة الله.

يذهب «ماكس فيبر» إلى الاعتقاد بأنَّ المسألة الأهمّ في التنمية الاقتصاديّة هي «بسط الروح الرأسماليّة». ويرى أنَّ هذه الروح الرأسماليّة ذاتها، هي التي تؤدّي إلى مثل هذا التحوّل العظيم والمنظّم في الغرب. ويرى فيبر أنَّ «عقلانيّة الاقتصاد» هي الخصوصيّة الحصريّة والفذّة للحضارة الغربيّة.[2] إنَّ الحضارة الغربيّة الحديثة وليدة الرأسماليّة، وإنَّ جميع الأنظمة السياسيّة والاجتماعيّة المعاصرة في الغرب، منبثقة بأجمعها عن غلبة الاقتصاد على سائر أبعاد الحياة البشريّة، وهي متمخّضة عن هذه الرؤية، وهي «أنَّ تكامل وتعالي الإنسان يكمن في التنمية الاقتصاديّة».[3] لقد تمّ اعتبار وجوب التنمية الاقتصاديّة بالأساليب المعروفة أمرًا مطلقًا، وأنَّ جميع الأنظمة الاجتماعيّة والمؤسّسات الحكوميّة، قد تبلورت على أساس هذا المحور، وهذا يُعدّ واحدًا مِن أبرز تجليّات غلبة

(146)

الاقتصاد على سائر وجوه الحياة البشريّة.

وكان عنوان «دكتاتوريّة الاقتصاد» هو العنوان الذي عثر عليه «إرنست شوماخر»[1] لهذه الغلبة في كتابه «الصغير جميل»[2]. إنَّ الاقتصاد هو المستبدّ الأوحد، والذي ليس له ما ينافسه أو ينازعه في التنمية الحديثة؛ إذ يعمل على بلورة الأنظمة والمعادلات والعلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، وتفسيرها على أساس مِن احتياجاتها[3].

وبالتالي، فإنَّه على الرغم مِن الثروات الخياليّة الهائلة المتوفّرة في البلدان المتطوّرة، والتي حصلت عليها مِن خلال استعمار البلدان الأخرى على مدى القرون الأخيرة، وعلى الرغم مِن جميع أنواع التقدّم الاقتصادي والسياسي في هذه البلدان؛ ما يزال الفقر وعدم المساواة ضاربًا بجرانه وملقيًا بأطنابه في هذه البلدان، ويعود سبب ذلك إلى الماهيّة والمباني والأهداف التي تحكم النظام الرأسمالي. إنَّ هدف وغاية هذا النظام، ليست سوى الوصول إلى الحدِّ الأقصى مِن الناتج الاقتصادي المترتّب على التنمية الاقتصاديّة، إلى الحدِّ الذي تقدّمه على العدالة الاجتماعيّة أيضًا.

(147)

المقالة الثانية: المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية الاقتصاديّة الحديثة

إنَّ الرؤية الليبراليّة التي هي الأساس لنموذج تنمية الثروة الرأسماليّة[1]، تقدّم الأنثروبولوجيا الحديثة على أساس الفردانيّة ومحوريّة الإنسان. إنَّ هذا النوع مِن الأنثروبولوجيا يُعدّ مِن أركان الاقتصاد الرأسمالي.

أ ـ النزعة الماديّة

إنَّ معرفة الإنسان لعالم الوجود يؤدّي به إلى رؤية تمثّل دعامة أعماله وأفعاله. إنَّ تقييم الإنسان للعناصر المحيطة به وتقسيمه للظواهر مِن حوله، ولا سيّما تقسيم شعوب العالم إلى نامية وغير نامية وفي طريقها إلى النمو، يحكي بدوره عن تلك الرؤية الخاصّة، ويُشير إلى أنَّ مجمل الأفق الفكري للإنسان المعاصر مشبع بتطلّعه نحو النموّ والازدهار، وأنَّ التنمية هي الطموح الخلّاب لعصر الغفلة عن الله والميتافيزيقا وتجاهل الخلود للروح الإنسانيّة، وهي الرؤية التي تفسّر العالم بالمادّة، وتضع البُعد الاقتصادي لحياة الإنسان مبنى لمعرفة الوجود وتعريف الإنسان.

إنَّ بداية نظريّة التنمية قد تبلورت بعد عصر النهضة[2]، وهي

(148)

المرحلة التي تمّ فيها حذف التدخّل الإلهي المتواصل والمستمرّ في الوجود لحظة بلحظة، وإلغاؤه مِن تفكير البشر. وبعد فصل الله، اتّجه فكر الإنسان الغربي إلى الأرض وانقطع عن السماء، وكانت نتيجة ذلك نفي محوريّة الله في العالم، وتمّ استبدال التقرّب مِن الله بالتقرّب مِن المادّة والنزعة الماديّة. والآن، لم يعد هناك في نظريّة التنمية الاقتصاديّة كلام عن تعالي الإنسان في حقل العلاقات الأنطولوجيّة؛ بمعنى علاقة الإنسان بنفسه وخالقه والطبيعة وأبناء جلدته. في النظريّة الأنطولوجيّة للتنمية الرأسماليّة، يختلف الاعتقاد بنظام عالم الوجود والنظام العلّي والمعلولي لهذا العالم عن الرؤية الإسلاميّة في نقطتين رئيستين، وهما:

أوّلًا: إنَّ النظام العلّي والمعلولي يجري في الأنطولوجيا الإسلاميّة بمشيئة الله؛ بمعنى أنَّ العلل إنّما تكون لها العلّية ما دامت مشيئة الله تقتضي ذلك، خلافًا لما عليه الحال في الأنطولوجيا الحداثويّة؛ إذ ترى نظام العالم نظامًا طبيعيًّا بالكامل، ومستقلًّا عن أيّ قوّة مؤثّرة أسمى.

ثانيًا: إنَّ عالم الوجود في التفكير الإسلامي أعمّ مِن المادّة والمجرّدات، وإنَّ النظام العلّي والمعلولي جار في كلا عالمي المُلك والملكوت، في حين أنَّ عالم الوجود في الرؤية الرأسماليّة يتلخّص في المادّة، وإنَّ النظام العلّي نظام مادّي بالكامل، ولا يمكن تصوّر علّة غير ماديّة فوق عالم المادّة[1].

(149)

نقد

إنَّ العالم في الرؤية الإسلاميّة قد وُجد بمشيئة حكيمة. وإنَّ ماهية العالم صادرة عن الله وراجعة إليه[1]، ولو انقطعت عناية الله عن الوجود لحظة واحدة، فسوف ينهار ويُصبح في عداد العدم. وعلى هذا الأساس، يكون العالم حقيقة متغيّرة ومتحرّكة، ومِن هنا يكون حدوثًا مستمرًّا، وهو في حالة مِن خلق دائم. إنَّ العالم يحتوي على نظام علّي متقن، وإنَّ الفيض المستمرّ للخالق وتقديره، إنَّما يجري مِن طريق العلل والأسباب الخاصّة[2]. ويمكن بيان هذه الأنطولوجيا ضمن ثلاثة أركان أساسيّة:

1ـ إنَّ عالم الوجود قد خلق مِن أجل تلبية حاجة الإنسان في مسار الحركة نحو الكمال والسعادة.

2ـ إنَّ عالم الوجود يحتوي على نظام العليّة والمعلوليّة الماديّة والمجرّدة، وإنَّ الله سبحانه وتعالى هو علّة العلل.

3ـ إنَّ عالم الوجود يشتمل على الدنيا والآخرة؛ إذ إنَّ الإنسان يتّجه في حركته نحو عالم الآخرة، وسوف يرى هناك نتائج أعماله الحسنة والقبيحة، فينال جزاءه على شكل ثواب أو عقاب[3].

وعلى هذا الأساس، فإنَّ المبنى الأنطولوجي للاقتصاد الإسلامي

(150)

هو الإيمان بالله الواحد، وإنَّ مالكيّة الله لجميع الوجود وأصالة مالكيّة الله واعتباريّة مالكيّة الإنسان على روحه وماله. إنَّ كلّ ما يمتلكه الإنسان يعدّ مِن وجهة نظر التعاليم الإسلاميّة أمانة في يده، وإنَّ المالكيّة الحقيقيّة بالذات هي لله سبحانه وتعالى، وإنَّ مالكيّة الإنسان تقع في طول المالكيّة الإلهيّة، وهي بالإضافة إلى ذلك مالكيّة مؤقّتة واعتباريّة[1]. قال العلامة الطباطبائي في تفسير الآية 107 مِن سورة البقرة في هذا الشأن:

«لا يملك شيء شيئًا، لا ابتداء ولا بتمليكه تعالى، فإنَّ التمليك الذي يملكه غيره، ليس كتمليك بعضنا بعضًا شيئًا بنحو يبطل ملك الأوّل ويحصل ملك الثاني، بل هو مالك في عين ما يملك غيره ما يملك، فإذا نظرنا إلى حقيقة الأمر، كان الملك المطلق والتصرّف المطلق له وحده، وإذا نظرنا إلى ما ملكنا بملكه مِن دون استقلال، كان هو الوليّ لنا، وإذا نظرنا إلى ما تفضّل علينا مِن ظاهر الاستقلال -وهو في الحقيقة فقر في صورة الغنى، وتبعيّة في صورة الاستقلال- لم يمكن لنا أيضًا أنْ ندبّر أمورنا مِن دون إعانته ونصره، كان هو النصير لنا»[2].

إنَّ أهمّ شاخص في الرؤية الحداثويّة إلى الوجود، جعل أدنى درجات الوجود هي المعيار. وهي المرتبة التي تكون في نظرة الباحث عن الحقيقة ذات شأن آلي لا مستقلّ ولا حقيقي. ومِن هنا، فإنَّ الله في هذه الرؤية لا يُعدّ مالكًا للعالم على الإطلاق،

(151)

بل ولا يعتبر رأس سلسلة العلل أيضًا، ومِن هنا يكون الإنسان في الفكر البشري الحديث مالكًا وفي يده اختيار روحه وماله، ويمكنه الاستفادة منهما كيفما يشاء، وبمقدوره القضاء عليهما إذا أراد ذلك أيضًا. إنَّ الحضارة الغربيّة كانت ناجحة جدًا في الإعداد لأدوات الظواهر الماديّة، بيد أنَّها فقدت هذا العالم المعنوي تمامًا. إنَّ الله سبحانه وتعالى يقول بأنَّ علل زوال الحضارات يكمن في العمى الذي يصيب بصائرها[1]، ومِن هنا فإنَّ التقدّم العلمي لحضارة الغرب لم ينطو على فائدة حقيقيّة لها[2]. إنَّ التنمية الاقتصاديّة في الأنطولوجيا الإسلاميّة، يجب أنْ تقع ضمن المالكيّة المطلقة لله، وفي سياق تحقّق الهدف والغاية مِن الخلق؛ أي سلوك طريق الكمال مِن قبل الناس في إطار تعاليم الوحي، ويشتمل على جميع الاحتياجات الروحيّة والجسديّة، وإنَّ المالكيّات والحريّات تتحقّق في دائرة قوانين الشريعة والحكومة.

ب ـ محوريّة الإنسان

إنَّ الإنسان في التفكير الإنساني والمتمحور حول الإنسان، هو الذي يمتلك القدرة على معرفة جميع الحقائق واحتياجاته كافّة، ولا يحتاج إلى حقيقة سواه لكي تعرّفه على الحقائق أو تقضي له احتياجاته.[3] إنَّ الرأسماليّة تضرب بجذورها في النزعة الإنسانيّة،

(152)

ولها نظرة تأصيليّة وكمّية واستيلائيّة تجاه الإنسان، وهي تطالب بالإنسان النفعي والرأسمالي الإنساني، وتقوم على أساس عقلانيّة لم تتحقّق إلّا في عصر الحداثة، ولم يكن لها لتظهر في غياب سيادة تأصيل الإنسان والرأسماليّة الحديثة[1].

نقد

إنَّ الإنسان في فكر التنمية الاقتصاديّة الحديثة كائن واحد هو مالك على الإطلاق لوجوده وأمواله، وإنَّ رغباته هي التي تحدّد وتختار أهدافه وقيَمه، وإنَّ عقله هو الذي يحدّد طريق الوصول إلى تلك الأهداف بوضوح، وهو كائن لا يستند في معرفة الحقيقة إلى غير تجربته الشخصيّة، ولا يلتزم بالتعاليم الأخلاقيّة للدين والمجتمع والدولة، وإنَّما ينصت ويستجيب إلى نداء رغباته الداخليّة فقط[2]. في حين أنَّ ماهية الإنسان في التفكير الإسلامي، تختلف عن ماهيته في التفكير الليبرالي الغربي مبنائيًّا، ويمكن القول إنَّ هاتين المدرستين تقدّمان تفسيرًا متناقضًا عن الإنسان. إنَّ الأنثروبولوجيا الإسلاميّة تقوم على أساس محوريّة التكليف والشعور بالمسؤوليّة، وإنَّ المسؤوليّة والتكليف مِن وجهة نظر الإسلام، لا يجتمعان مع القول بمحوريّة الإنسان[3].

(153)

يمكن تلخيص المباني الأنثروبولوجيّة الإسلاميّة ضمن الفقرات الآتية:

1ـ إنَّ الغاية مِن خلق الإنسان، تكمن في حركته باتجاه التكامل في ضوء تعاليم الأنبياءعليهم‌السلام​[1].

2ـ إنَّ للإنسان بُعدين: ماديّ ومجرّد؛ إذ يتمثّل بُعده المادّي بالجسم وبعده المجرّد بالروح[2]، وإنَّ حقيقته وأصالته تكمن في بُعده المجرّد.

3ـ إنَّ لدى الإنسان إرادة واختيارًا، وفي ظلّ الإيمان بهذا الأصل يكون هناك معنى للنبوّة والمعاد[3].

4ـ إنَّ الإنسان هو خليفة الله وأمينه في الأرض[4].

وعلى هذا الأساس، يكون الله مالكًا لكلّ شيء، وتكون ملكيّته مطلقة؛ إذ إنَّها تكوينيّة، وإنَّ جميع النعم الإلهيّة، ما هي إلّا أمانة في يد الإنسان مِن أجل بلوغ أهدافه المتعالية. ومِن هنا، يتمّ اعتبار الإنسان مسؤولًا أمام الله، ولا يكون غير حرّ بشكل تامّ ومطلق فيما يتعلّق بروحه وماله فحسب، بل وإنَّ حريّة ومالكيّة الإنسان محدودة بحدود وضعها الله سبحانه وتعالى أيضًا.

(154)
ج ـ الفردانيّة

إنَّ «أصالة الفرد»، و«اعتباريّة المجتمع»، و«تقدّم الفرد على المجتمع»، و«أصالة الرغبات»، و«المصالح»، و«الغايات الفرديّة»، و«الإرادة»، و«الأهواء الشخصيّة»[1]، تعدّ مِن أركان الأنثروبولوجيا في التنمية الاقتصاديّة الحديثة. إنَّ محوريّة الفرد والفردانيّة، نظريّة أو أيديولوجيّة اجتماعيّة تمنح الفرد قيمة أخلاقيّة أكبر في قبال المجتمع أو الجماعة، وبالتالي فإنَّها تدعم ترك الحريّة للأفراد في العمل بما يرونه ضامنًا لمصالحهم الشخصيّة. إنَّ المجتمع -طبقًا للرؤية الإنسانيّة والمحوريّة الإنسانيّة للفرد - لن يكتسب معناه إلّا إذا عمل على خدمة الفرد، وتمّ توظيفه بشكل كامل مِن أجل الحفاظ على الفرد وحمايته ودعمه وتكميله وتقوية مصالحه. وعليه، فإنَّ المهمّ في البين، هو حياة وسعادة الفرد، حتّى إذا كان ذلك على حساب تدمير الآخرين والقضاء عليهم[2]. تذهب هذه الرؤية إلى اعتبار التنمية الاقتصاديّة مطلوبة لتلبية الرغبات النفسيّة والمصلحة الشخصيّة، دون التفات إلى الأبعاد الأخلاقيّة والمعنويّة[3]. وعلى أساس هذه الرؤية الفردانيّة، فيما لو وقع التعارض بين مصالح الفرد

(155)

ومصالح المجتمع، يكون التقدّم للمصالح الفرديّة[1]؛ وذلك لأنَّ هذه الرؤية تفترض المجتمع أمرًا اعتباريًا وافتراضيًّا؛ إذ لا تتحقّق مصالحه إلّا مِن خلال تحقيق مصالح الأفراد.

نقد

في التفكير الإسلامي، بالإضافة إلى اعتبار الفرد أمرًا حقيقيًّا، فإنَّ المجتمع كذلك حيث يكون منشأ انتزاعه أمرًا حقيقيًّا، يُعدّ أمرًا حقيقيًا أيضًا وليس مستقلًا عن هوية أفراده. في آيات القرآن الكريم، يقع أفراد الإنسان موردًا للخطاب بشكل فردي تارة، وتارة أخرى يتمّ توجيه الخطاب إلى الأمم على نحو جماعي؛ بمعنى أنَّ هويّة المجتمع هي التي تقع موردًا للخطاب، حيث الوجه المشترك عبارة عن كلّ واحد مِن أفراد المجتمع، إلّا أنَّ هذا لا يعني سلب الإرادة عن كلّ واحد مِن أفراد المجتمع[2].

وقال العلّامة جوادي الآملي في كتاب (النسبيّة بين الدين والدنيا) في مسألة الفردانيّة:

«إنَّ هذا الأصل يقوم على أساس التضادّ بين المصالح، لا على أساس التنسيق بين المصالح، وفي ظلّه يسعى كلّ شخص إلى تحقيق مكانته التي يحتاج إليها بوساطة الحرب والتنازع، وبذلك إمّا أنْ يعمل على دحر الآخرين وإمّا أنْ يندحر مِن قبلهم»[3].

(156)
د ـ الأصوليّة (الذاتانيّة)

إنَّ تحقّق النظام الرأسمالي يحتاج بالضرورة إلى النسبة المتأصّلة للإنسان مع العالم والبشر، وعلى أساس ذلك يعتبر الإنسان نفسه «ذاتًا» والآخرين «موضوعًا». وبطبيعة الحال وبالضرورة، يُستنتج مِن هذه النسبة الذاتيّة وأصالة الموضوعيّة النفسانيّة «الموضوع» ورؤية الآخرين بوصفهم أدوات وآلات وأشياء. في ظلّ هذه النسبة، يُكتب التحقّق للرأسماليّة بأيديولوجيّتها الخاصّة[1]؛ إذ بناء على ذلك لن يكون للأخلاق والصفات النفسانيّة للإنسان حُسن وقبح ذاتي، بل وحتّى الرذائل الأخلاقيّة، مِن قبيل: الحسد والتهالك على الدنيا، إذا كانت الغاية منها هي العمل على زيادة الأمور الماديّة، سوف تُعدّ مِن الفضائل والحسنات، وإنَّ الأشخاص الذين يتّصفون بهذه الصفات، يتمّ عدّهم مِن العقلانيين والمنطقيين.

نقد

إنَّ الأفراد في الحضارات الحداثويّة بمثابة الذرّات المنفردة والمستقلّة، التي تقوم على علاقة  بضائعيّة وآليّة مع الآخرين. إنَّ كلّ واحدة مِن هذه الذرات نفس أمّارة متأصّلة تسعى وراء تحقيق مصالحها الشخصيّة واكتناز الثروة، وهي في مقام الـ«الموضوع» تنظر إلى الآخرين بوصفهم «أشياء» وأدوات صالحة للاستخدام. إنَّ هذه النظرة الذريّة موجودة في النظام الرأسمالي ذاته، وإنَّ هذه الرؤية ذاتها هي التي تؤدّي إلى تقديم المصالح وتحريك عجلات

(157)

النظام الرأسمالي؛ إذ يكون نظامًا رأسماليًّا، ويقوم على سيادة الثروة والمال، والذي يقوم بدوره مِن الناحية الحقوقيّة والسياسيّة على الذاتانيّة والذريّة النفسانيّة[1]. إنَّ هذه الرؤية قد تبلورت في الغرب الحداثوي لغرض إنكار محوريّة الله سبحانه وتعالى، والقول بأصالة الإنسان في جميع مراحل الحياة الفرديّة والاجتماعيّة وتحوّل القيَم الإنسانيّة، حيث لا تكون نتيجة ذلك سوى السعي وراء اللذّة والاستمتاع الأقصى مِن اللذات الماديّة، وما يترتّب على ذلك مِن توسيع دائرة أخلاق التنازع والتكالب.

المقالة الثالثة: التداعيات الأنثروبولوجيّة للتنمية الحديثة

إنَّ المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية الحديثة، قد أفضت إلى تداعيات مدمّرة في جميع أبعاد التنمية. إنَّ هذه التداعيات، ولا سيّما في البُعد الاقتصادي بفعل ارتباطها الوثيق بحياة الأشخاص، لعبت دورًا سلبيًّا وتدميريًّا أعمق في الحضارة الغربيّة.

أ ـ سيادة العقل المتأصّل

إنَّ العقل الآلي المحاسب والمتأصّل، هو الحاكم والمهيمن بناء على الأيديولوجيّة الخاصّة لنظريّة التنمية الاقتصاديّة الحديثة. وهذه هي العقلانيّة التي لا تقبل أيّ نوع مِن أنواع القيود، وهي عقلانيّة كميّة واستيلائيّة، وعلى حدّ قول «ماكس فيبر» فنيّة وآليّة وعملانيّة؛ بمعنى تخصصيّة أمور الحياة والاستفادة مِن التقنيّة واستخدام

(158)

الأدوات والوسائل العلميّة والفنيّة والحصول على مقاصد الحياة، ولا تتقيّد بقيود أخلاقيّة؛ إذ هي ماديّة ودنيويّة بشكل بحت[1]؛ وذلك لأنَّ الذهن الغربي المفكّر، قد تمخّض بعد عصر النهضة عن نظريّة وضعيّة منطقيّة بوصفها نموذجًا في العصر الحديث للعمل على دعم نظريّة التنمية الاقتصاديّة مِن الناحية العلميّة. في ضوء هذه النظريّة، لا تكون التجربة الحسيّة والعقلانيّة المحاسبة سوى أدوات تستخدم لتطوّر العلوم وتحريرها مِن الميتافيزيق.

وبعد نقد نظريّة المفهوميّة التجريبيّة لأصحاب الفلسفة الوضعيّة، يصل الدور إلى نظريّة «القابليّة على الإبطال» لبوبر[2] الذي لعب دوره في تطوير أهداف وغايات التنمية الاقتصاديّة[3].

وقد ظهر في الغرب بعد عصر النهضة واضمحلال المعرفة الدينيّة تيّاران، وهما: التيّار الحسّي، والتيّار العقلاني. وإنَّ هذين التيّارين على الرغم مِن الاختلافات الموجودة بينهما، قد لعبا دورًا مشتركًا في ظهور بعض الآراء الإنسانيّة والاجتماعيّة. إنَّ العقلانيّة بعد أنْ قطعت صلتها بالمعرفة الدينيّة، سلكت طريق الزوال سريعًا،

(159)

وفسحت الطريق للتيّار الحسّي. وبعد هيمنة التيّار الحسّي، ظهرت آراء أخرى تركت أثرًا مهمًّا في تكميل نظريّة التنمية الاقتصاديّة، ومِن بين ذلك فصل العلم عن القيم والأخلاق؛ الأمر الذي أدّى بدوره إلى تحرير الاقتصاد مِن قيود الأخلاق والقيَم والمعنويّات[1].

نقد

إنَّ علاقة الإنسان بالوجود في نظريّة التنمية الاقتصاديّة الحديثة، علاقة آليّة. وإنَّ عقل الإنسان وسيلة وأداة للتصرّف والاستيلاء والانتفاع المحوري وممارسة الهيمنة والسلطة. إنَّ العقلانيّة تفقد قداستها وهدايتها وتوجيهها، وتتّخذ حالة آليّة. إنَّ الإعراض عن العقلانيّة والاتّجاه الشديد نحو التجربة والمعارف التجريبيّة بين العلماء والمفكّرين الغربيّين بسبب ضعف المنظومة الفكريّة والمباني الفلسفيّة والمباني الإبستيمولوجيّة والمعرفيّة للغرب في ناحية تعيين وتوجيه المعقول إلى العالم والحصول على معرفة معقولة ومعيّنة عن عالم الواقع؛ قد أدّى إلى فهم مادّي عن الإنسان والوجود وإنكار البُعد المجرّد مِن الإنسان والميتافيزيق. وبذلك، يتمّ إنكار جميع المجرّدات، ويبقى مجرّد البُعد المادّي للهدف بوصفه موضوعًا للدراسة فقط[2]. وعلى هذا الأساس، تمّ نفي الدين وجميع التعاليم والأخلاقيّات الفرديّة والاجتماعيّة، وكانت نتيجة ذلك إلغاء المعارف الدينيّة والتعاليم الإلهيّة والقيَم الأخلاقيّة مِن الاقتصاد ونظريّة التنمية.

(160)

وأمّا في الإسلام، فإنَّ شأن العقل لا ينحصر بالعقل الآلي فقط، بل هناك مرتبة أعلى مِن العقل، وإنَّ وظيفة هذه المرتبة عبارة عن كشف أبعاد مِن الحقيقة، هذا أوّلًا. وثانيًا: إنَّ العقل الآلي بمهمّته الحسابيّة ذاتها، والتي تتمحور على الربح، يقع موردًا لقبول الإسلام، بيد أنَّ النهج الانحصاري للغرب تجاه هذه المرتبة مِن العقل، هو الذي يقع موردًا للنقد مِن قبل الإسلام؛ وذلك لأنَّ حصر العقل بالعقلانيّة الآليّة يستلزم نفي التفكير الميتافيزيقي والتفكير في موضوع الآخرة والمعاد، في حين أنَّ الإنسان المعتدل والمتوازن يحظى بالعقلانيّة الآليّة والعقلانيّة الدينيّة أيضًا. وعليه، فإنَّ الإنسان الذي يفكّر في صلاح معاشه الدنيويّ، ويفكّر في الوقت نفسه في إصلاح معاده وآخرته، يكون طبقًا لقول الله سبحانه وتعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[1] موردًا لقبول الإسلام، وإنَّ الإسلام إنّما ينفي وينتقد مجرّد الانحصاريّة في العقلانيّة الآليّة، ولا يُنكر أو ينتقد العقلانيّة الآليّة ذاتها.

ب ـ تغيير معيار القيَم

إنَّ التنمية الاقتصاديّة الحديثة بنظرة علمانيّة إلى العالم، ترى أنَّ الهدف والغاية مِن الحياة عبارة عن الحصول على الحدّ الأعلى مِن اللذّة والرفاه المادي. إنَّ مفهوم القيمة في التنمية الاقتصاديّة الحديثة، هو الاتّجاه نحو مذهب اللذّة الماديّة مِن أجل الوصول إلى غاية اللذّة ومنتهاها. يذهب الغرب إلى الاعتقاد بأنَّ أساس الحياة يقوم على الاقتصاد المتحرّر عن القيَم الواقعية؛ إذ ليس

(161)

للأخلاق سهم في التنمية الغربيّة. ومِن هنا، فإنَّ للتنمية في الفهم الحديث وبصيغتها الغربيّة، تنحو بالاتّجاه المادّي والطبيعي. وإنَّ الإنسان المنبثق مِن مهد هذا النوع مِن التنمية، ينزع نحو العواطف إلى حدّ كبير؛ بمعنى أنّه يعتبر المشاعر والعواطف منشأ لجميع الأفعال الأخلاقيّة، وهو المعيار والحكم الوحيد في تحديد الحسن والقبح والصواب والخطأ. وعلى هذا الأساس، يكون معيار الحسن والقبح والقيَم عبارة عن الأذواق والأمزجة والعواطف والمشاعر والانفعالات والرغبات النفسانيّة -ليس للأخلاق أيّ مبنى واقعي أو عقلاني- وفي الواقع، فإنَّ معيار القيمة في نظريّة التنمية الاقتصاديّة الحديثة، يقوم على أساس أصالة اللذّة[1].

نقد

إنَّ القيمة في الرؤية الإسلاميّة عبارة عن الشيء الذي يستوجب تقرّب الإنسان مِن الله وتعالى الإنسان، وسلوك الفرد في مسار التكامل والوصول إلى الكمال، وإنَّ كلّ ما يحول دون تحقّق هذا التقرّب والتكامل يعدّ مخالفًا للقيَم. وعلى هذا الأساس، يتمّ اعتبار تزكية النفوس بوصفها مِن القيَم[2]. وأمّا في الرؤية الحديثة، فلا وجود للقيَم الحقيقيّة، وإنَّ القيَم نسبيّة، وتقع في حقل انتخاب الأشخاص، وهي تابعة لرغبة وانتخاب الأفراد، ويمكن أنْ تتعدّد

(162)

بتعدّد الأفراد، خلافًا لما عليه الأمر في الإسلام القائل بالحسن والقبح الذاتي والحقيقي. وإنَّ القيَم ثابتة ومستقلّة، وليست متغيّرة أو تابعة للفرد. لقد تمّت الغفلة في نظريّة التنمية الحديثة عن القيَم الحقيقيّة، التي تمثّل سببًا في تعالي البُعد الإنساني المجرّد. وإنَّ العناصر التي تعدّ مِن القيَم، هي تلك التي تستوجب اعتلاء التنمية الاقتصاديّة، وأمّا تعالي الإنسانيّة فقد تمّ نسيانه.

ج ـ نفي السنن والتقاليد

إنَّ التنمية الاقتصاديّة الحديثة تتعارض مع جميع أنواع السنن والأعراف، الأعمّ مِن السنن الدينيّة أو الوطنيّة أو القوميّة؛ إذ إنَّ مِن بين المفاهيم الليبراليبّة -التي تتكوّن منها أيديولوجيّة التنمية الحديثة- نفي جميع أنواع السنن والأعراف القديمة، وفوق ذلك كلّه اعتبار التمسّك بالسنّة معارضًا للقيَم، واعتبار جميع أنواع التجديد والتحديث فضيلة تستحقّ المدح والثناء، ولازم ذلك هو الترويج للمخالفة مع السنن الدينيّة والمذهبيّة[1]. وقد ذهب «روستو»[2] إلى الاعتقاد قائلًا:

«إنَّ جميع الأبنية الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة والذهنيّة للمجتمع التقليدي، تتعارض مع المجتمع الصناعي، ولا يمكن للتقدّم الاقتصادي أنْ يتحقّق إلّا في ظلّ القيام بتغيير عميق وشامل في المجتمع التقليدي. وعلى هذا الأساس، فإنَّ السنن والتقاليد المتوارثة

(163)

تتعارض مع التنمية. وفي الحقيقة، فإنّها تمثّل النقيضة لها، وإنَّ مرحلة النهضة تقترن بالمحو الكامل للخصائص التقليديّة والتراثيّة»[1].

نقد

إنَّ السنّة تعني النهج والطريقة والأسلوب، وإنَّ السنّة الإلهيّة تعني المنهج والتعاليم الإلهيّة الثابتة فيما يتعلّق بالإنسان والمجتمعات الإنسانيّة. وقد ساد الأذهان منذ القدم هذا التصوّر القائل بأنَّ السنّة والتنمية يقفان في تضادّ مع بعضهما، وأنَّ كلّ واحد منهما يسعى إلى طرد الآخر. في حين نرى اليوم، أنَّ هذا المورد لا يتمّ تأييده والقول بأنَّ السنة والتنمية لا يمكنهما أنْ يتعايشا على وئام فحسب، بل ويمكن لهما حتّى أنْ يتضافرا فيما بينهما ويدعم كلّ واحد منهما الآخر أيضًا. وفي الحقيقة، فإنَّ الاتّجاه التصنيعي لا يعمل على عدم إضعاف السنن فحسب، بل وقد يحدث أحيانًا للسنّة في حدّ ذاتها أنْ تتغيّر وتصبح على شكل أيديولوجيّة مناسبة أيضًا[2]. وبالإضافة إلى أنَّ السنن الوطنيّة يمكن لها أنْ تؤيّد نظريّة التنمية، فإنَّ السنن الإلهيّة هي الأخرى تمثّل مصباح الهداية والمرشد إلى الطريق في هذا المسار أيضًا. وقد أكّد القرآن الكريم على استحالة تغيير السنن الإلهيّة وحاكميّة هذه السنن على المجتمعات أيضًا[3]؛ الأمر الذي يثبت ضرورة وجود السنن الصحيحة في المجتمعات الإنسانيّة.

(164)
د ـ أصالة المنفعة

إنَّ «أصالة المنفعة» هي النواة في الأخلاق الرأسماليّة، إذ هي الأيديولوجيا المهيمنة والمسيطرة على نظريّة التنمية. وعلى أساس هذه النظريّة، يكون المحرّك الحقيقي لجميع الأحداث التاريخيّة والنشاطات الاجتماعيّة والاقتصاديّة هو الرغبات والتوجّهات المتمحورة حول الذات[1]. وهي محور جميع الجهود الاقتصاديّة وحتّى الاجتماعيّة والفرديّة وغايات الحياة الإنسانيّة، وفي الكثير مِن الأحيان تكون هي التي تحدّد «الخير» و«الشرّ» في دائرة الحضارة الإنسانيّة. إنَّ «أصالة المنفعة» تقوم على مبنى المعايير الكميّة والنقديّة، وإنَّ هذه الآليّة الربحيّة وروح المنفعة الماديّة تجري في جميع أبعاد الحضارة الحديثة، وتعدّ هي المحرّك الرئيس للاقتصاد الرأسمالي. وعلى الرغم مِن ادّعاء الأنظمة الحكوميّة والاشتراكيّة أنَّها لا تنظر في مسار الإنتاج إلى الدوافع الربحيّة، وتعمل على تنظيم بنية الإنتاج على أساس حاجة المجتمع؛ بيد أنَّ الحقيقة هي أنَّ المحرّك الحقيقي لاقتصادات الرأسماليّة الاشتراكيّة، يقوم هو الآخر على أساس الربح وتراكم الثروة أيضًا، مع فارق أنّها تدّعي العمل -مِن خلال إلغاء الملكيّة الخاصّة بالنسبة إلى آدوات الإنتاج- على جعل الربح الفردي تابعًا للربح الجماعي. ولكنْ، على الرغم مِن هذا الادّعاء، فإنَّ المنطق والآليّة الربحيّة لا تخرج عن الاقتصاد. وإنَّ أساس النظام الرأسمالي وسيادة الثروة ومراكمة رأس المال، لن

(165)

يكون ممكنًا إلّا في إطار منطق الربح المادّي المحض. إنَّ مفهوم «التنمية الاقتصاديّة الحديثة»، لا يكون له مفهوم ومعنى محدّد إلّا في ظلّ الرؤية الكميّة والربحيّة والماديّة[1].

نقد

إنَّ أصل الربح أو أصالة المنفعة، تترتّب على أصالة الفرد أو الفردانيّة، وتقوم على ثلاثة محاور، وذلك على النحو الآتي:

1ـ إنَّ سعادة ولذّة الفرد يجب أنْ تكون هدفًا وغاية في سلوك الإنسان.

2ـ إنَّ كلّ سعادة ولذّة بالنسبة إلى الفرد، إنَّما تكون لشخص واحد لا أكثر.

3ـ إنَّ الغاية مِن العمل الاجتماعي، يجب أنْ تكون عبارة عن زيادة المطلوبيّة بالنسبة إلى الجميع.

وعلى هذا الأساس، فقد ذهب «آدم سميث»[2] إلى الاعتقاد بأنَّ المنفعة الشخصيّة هي المحرّك للنشاط الاقتصادي، وقال صراحة بأنَّ الاقتصاد الحديث والنامي، يقوم على أساس محوريّة رأس المال وتراكم الثروة الفرديّة، ويقول: إنَّ كلّ شخص يسعى إلى تشغيل ثروته على النحو الأفضل والأنفع لشخصه وليس للمجتمع[3].

(166)

ولهذا السبب، فإنَّ أيديولوجيّة الرأسماليّة الجديدة، تضحّي بجميع الأصول والقيَم الأخلاقيّة والأحكام الدينيّة على مذبح «الربح»، وترى أنَّ المسؤوليّة تجاه الناظر المقدّس ليست سوى وهم، وليس هناك قيمة أسمى مِن اللذّة والسعادة، وأنْ ليس للإنسان حاجة إلى شيء وراء تلبية الغرائز. وفي الحقيقة، يتمّ تعريف الإنسان في هذه الرؤية بأنّه «حيوان اقتصادي»؛ إذ يمتلك فلسفة ماديّة تعبد الربح وتقدّم القيَم قربانًا لـ«الربح»، وتخالف الروح الدينيّة والأصول الأخلاقيّة والوحيانيّة[1].

هـ ـ الرؤية الماديّة إلى العمل

في نظريّة التنمية الاقتصاديّة الحديثة، ينقطع الارتباط الاعتقادي للناس مع «العمل» بشكل كامل. وفي هذه المنظومة، يكون الحافز الوحيد الذي يدفع الأشخاص نحو العمل، هو «الحصول على المزيد مِن النقود»؛ وذلك لأنَّ كلّ أمر يمكن توجيهه اقتصاديًّا يُعدّ مقبولًا، وإنَّ كلّ عنصر لا يمكن تقييمه بالنقود، لا تكون له هويّة ولا كينونة.[2] وفي الحقيقة، يمكن القول: إنَّ واحدًا مِن الأركان المؤسّسة للرأسماليّة، هو تغيير مفهوم العمل. إنَّ العمل في العصر الجديد، يعني السلوك الاستيلائي والنفعي في الأشياء وفي الأمور في إطار إجراء التغيير عليها والتصرّف فيها، واستخدام تلك الأمور

(167)

في مسار أهدافها وغاياتها. إنَّ النشاط المفتقر إلى الربح المادّي أو إيجاد التغيير العيني في الطبيعة الخارجيّة، لا يُعدّ في التفكير الحديث «عملًا»، أو في الحدِّ الأدنى لا يُعدّ «عملًا مفيدًا». إنَّ العمل والنشاط المفيدين في الرؤية الحديثة، يعني خلق وإيجاد الثروة والربح وتغيير الطبيعة أو الأشخاص في مسار أهدافها. وفي هذا التفكير، إذا كان المجهود مِن أجل ارتقاء المقام الوجودي والكمال الفردي والتعالي المعنوي، مفتقرًا إلى الربح المادّي، لا يعتبر داخلًا في مفهوم «العمل»[1]. إنَّ هذه النظرة إلى العمل، تقع في نسبة مباشرة مع التفسير المادّي للإنسان والوجود.

نقد

إنَّ الإنسان إنَّما يُمارس إرادته في مجرّد المسار الذي يؤدّي إلى تحقيق غاياته ومطالبه، وإنَّ هذه الغايات أو الأهداف هي التي تخلق لديه الحافز للقيام بالعمل. إنَّ الإنسان إنّما يمارس إرادته في إطار تلبية احتياجاته، وإنَّ هذه الاحتياجات إذا اقتصرت على مجرّد الحدود الماديّة مِن وجود الإنسان، فإنّها لا تُلبّى إلّا بوساطة النقود، وحيث تكون النقود مقدّمة لتلبية جميع الاحتياجات الماديّة، فإنَّها سوف تصبح غاية آمال الإنسان، وتتحوّل إلى العامل الوحيد الذي يستثير إرادته[2]. وأمّا عندما يقيم الإنسان أساس عمله وحياته على أساس «العقائد الدينيّة»، فإنَّ أوّل شيء سوف يفقد دوره المحوري،

(168)

هو «النقود». إنَّ العمل في النظام القيَمي للإسلام، يُعدّ بوصفه سرّ الوجود والحكمة. إنَّ الإنسان إنّما يعمل على إظهار جوهر وجوده مِن خلال السعي والعمل، ويُحدّد قيمته الحقيقيّة بوساطة العمل[1]. وعلى هذا الأساس، يُعدّ العمل واحدًا مِن الموارد المهمّة لعوامل التقدّم المعنوي في المجتمع، وعنصرًا مقدّسًا يُنظر إليه بوصفه أمرًا عباديًّا، ويجب على كلّ شخص أنْ يتولّى عملًا في حدود قدرته العلميّة والفنيّة التي مَنَّ الله عليه بها؛ وذلك لأنَّ القرآن الكريم قد نهى عن قيام الشخص بعمل يفوق طاقته، وإذا تحامل على نفسه وقام به، فإنّه لن يكون غير مثاب فحسب، بل ويكون مستحقًّا للوم والعتاب أيضًا[2]. وقد ورد في المأثور عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنَّه قال في هذا الشأن: «ما أبالي ائتمنت خائنًا أو مضيعًا»[3].

إنَّ العمل في المفاهيم والتعاليم الإسلاميّة ممتزج بالرؤية الأنطولوجيّة والإبستيمولوجيّة والأنثروبولوجيّة. إنَّ إصلاح الدنيا لا يتنافى مع القيام بالتكاليف الأخرويّة، وحتّى المشاريع والبرامج الدنيويّة، يجب ألّا تكون قصيرة النظر وضيّقة الأفق[4]. وعلى هذا الأساس، فإنّه مِن خلال القبول بالعمل مِن قبل الأفراد على أساس

(169)

الكفاءات والقابليّات العلميّة والتخصصيّة والفيزيقيّة والروحيّة، يمكن اتّخاذ خطوة مهمّة في اتّجاه الازدهار والتنمية الاقتصاديّة الإسلاميّة.

و ـ تجرّد الاقتصاد مِن الأخلاق

إنَّ الغرب المعاصر والحداثوي قد تجاوز جميع الخطوط الأخلاقيّة والقيَميّة مِن أجل وصول الإنسان الغربي إلى الربح على المدى القصير؛ لأنَّ غاية الحياة بالنسبة إلى هذا الإنسان، تنحصر في الحصول على اللذّات الماديّة فقط. في نظريّة التنمية الحداثويّة، يمكن لكلّ شيء أنْ يكون متغيّرًا باستثناء الاقتصاد والسوق الذي يجب أنْ يحظى بالثبات والاستقرار، ويمكن مِن أجل تحقيق ذلك التخلّي حتّى عن العقائد والأخلاق، وتدمير الثقافة، وتلويث البيئة، وقتل البشر، ونهب البلدان، والشيء الوحيد الذي يجب الإبقاء عليه هو عجلة الاقتصاد التي يجب القيام بكلّ شيء مِن أجل بقاء حركتها، وهذا الأمر يعدّ أصلًا[1].

نقد

إنَّ نموذج التنمية الحداثويّة الناقصة، إنّما ينشأ عن نظرة المجتمع الغربي وفلسفته إلى الإنسان، وهي تختلف عن رؤية الإسلام ونظرته إلى الإنسان اختلافًا مبنائيًّا وجذريًّا وجوهريًّا. إنَّ الإنسان في التفكير الغربي عنصر مادّي، والتنمية بدورها هي الأخرى ماديّة أيضًا؛ بمعنى أنّه يمكن الحصول عليها، ولكنْ يمكن التضحية بالأخلاق

(170)

والمعنويّة، وهذا الأمر مرفوض مِن وجهة نظر الإسلام[1]. إنَّ فشل التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة، يعود سببه إلى اقتصار هذه التنمية على المادّة وعدم وجود أيّ موضع للأخلاق والمعنويّة فيها، بل ويمكن التضحية بهما أيضًا. وأمّا مِن وجهة نظر الإسلام، فإنَّ التنمية والتقدّم المطلوبين، يمكن أنْ يكونا وسيلة وأداة لتنمية الإنسان وتكامله[2].

في النموذج الإسلامي، لا يمكن لأيّ ربح أنْ يكون صحيحًا مِن أيّ طريق كان، ولا يمكن إنفاق النقود كيفما اتّفق وعلى أيّ مورد كان، وهذا الأمر ليس له مفهوم في أيديولوجيّة التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة. لو تمّ اليوم القضاء على جميع مصادر وطرق الكسب غير المشروع واللاأخلاقي في الغرب، فإنَّ الكثير مِن المصانع والمؤسّسات الاقتصاديّة الكبرى، سوف تنهار وتغلق أبوابها.  في النظرية الغربيّة، يتمّ توظيف كلّ شيء في خدمة الاقتصاد، في حين أنَّ الاقتصاد مِن وجهة نظر الإسلام، يجب أنْ يكون في خدمة تعالي الإنسان وتقرّبه مِن الله سبحانه وتعالى. إنَّ التقدّم المادّي مطلوب في الإسلام، ولكنْ بوصفه وسيلة لا غاية، وإنَّما الهدف والغاية في هذا الشأن هو تعالي الإنسان وتكامله. إنَّ أساس الرؤية الإسلاميّة إلى التنمية والتقدّم، يقوم على دعامة النظرة إلى الإنسان. إنَّ الإسلام يعتبر الإنسان كائنًا له بُعدان، وإنّه قد اهتمّ بكلا البُعدين في وقت واحد وبشكل متزامن، وقد وضع خطّة ومشروعًا لكلّ واحد مِن

(171)

هذين البُعدين، خلافًا لنظريّة التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة، التي تجاهلت أو أنكرت البُعد المعنوي والملكوتي مِن وجود الإنسان[1].

ز ـ تداعي قيمة الإنسانيّة في نظريّة التنمية

إنَّ التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة، لن تكون ممكنة دون تدخّل مِن فلسفة جديدة تستوجب حدوث تغيير عميق في نمط تفكير ومزاج الأفراد. إنَّ مشاهدة وتقييم هذه المتغيّرات أكثر تعقيدًا بدرجات مِن المتغيّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وهي تشكّل القسم الأكبر مِن المتغيّرات الثقافيّة والنفسيّة ضمن التنمية المرتبطة بالأيديولوجيّة الاقتصاديّة[2]. إنَّ الإنسانيّة في هذه الأيديولوجيّة قد فقدت قيمتها؛ وذلك لأنَّ إنسانيّة الإنسان، إنّما هي ثمرة عنصرين وخيارين رئيسين، وهما: الانتخاب الحرّ، والتكامل الروحي. بيد أنّنا نرى أنَّ الإنسان في عصر التنمية، ولا سيّما في عصر الحداثة قد تمّ تفريغه مِن كلا العنصرين أعلاه؛ وذلك لأنَّ الإنسان قد اتّخذ بوصفه مجرّد أداة في خدمة التقدّم الصناعي، وإنَّ الذي كان يتطوّر ويتكامل في البين، هو الصناعة فقط دون الإنسان. وبعبارة أخرى: لو أنَّ الإنسان لم يستفد مِن مقتضيات كمالاته في ارتباطاته الأربعة؛ مع نفسه، ومع الله، ومع الطبيعة، ومع الآخرين، وقامت الصناعة في الوقت نفسه بمواصلة تنميتها بشكل تاريخي، لم يُعتبر

(172)

في ذلك إشكالًا مِن وجهة نظر المخطّطين للثورة الصناعيّة[1].

إنَّ النظام الرأسمالي ليس هو الشكل الأسمى للنظام السياسي/ الاقتصادي الذي يتطابق مع الفطرة والعقل البشري، فهو يحتوي في داخله على الكثير مِن التناقضات الجادّة. وقد أخذت مشكلات هذا النظام تظهر اليوم بالتدريج، وهي بأجمعها منبثقة عن هذا النوع مِن الأنظمة، وكانت أنواع مِن المشكلات والمعضلات النفسيّة -مِن قبيل: عبثيّة وتفاهة الحياة، وهيمنة الاقتصاد على الأذهان والأفكار، وازدهار الرأسماليّة، وحذف وإلغاء جميع القيَم الإنسانيّة العالية مِن المجتمع- مِن بين ثمار هذا النظام الذي تذهب التوقّعات إلى انهياره في المستقبل. إنَّ النظام الذي لا يكون فيه حدّ للثروة، لا يمكن أنْ يكون منسجمًا مع فطرة الإنسان، وإنَّ هذا النظام لا يحتوي على كمال الإنسان المنشود لكي يضمن له الحصول على المستقبل المشرق والزاهر[2].

وعلى هذا الأساس، فإنَّ نموذج التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة، نموذج فاشل؛ وذلك لأنَّ البلدان الغربيّة على الرغم مِن الحصول على القوّة والثروة، إلّا أنَّ إنسانيّة الإنسان أضحت مِن دون قيمة. إنَّ الإنسان يُعدّ -بالنظر إلى القواعد والأصول الأساسيّة في الإسلام- هو المحور الأصلي في التنمية الاقتصاديّة. وإنَّ الإنسان بوصفه المتغيّر

(173)

المهمّ والغاية مِن الخلق، قد تمّ التأكيد عليه مِن قبل الإسلام في جميع خططه ومشاريعه، ولا سيّما في التحوّل الاقتصادي. إنَّ القرآن الكريم يرى ازدهار الاقتصاد مع شاخص النعمة، رهن بتغيّر الإنسان، وينظر إلى الإنسان -بوصفه متغيّرًا مستقلًا- هو العامل الأصلي في التحوّل الاقتصادي؛ ولكنْ لا بنظرة المذهب الاقتصادي الرأسمالي والاشتراكي، إذ يتمّ الاهتمام بالحركة الفرديّة أو الاجتماعيّة/ الاقتصاديّة مِن دون النظر والاهتمام إلى المكانة والمنزلة المعنويّة للإنسان؛ بل إنَّ النشاط الاقتصادي للإنسان في الرؤية الوحيانيّة، يلعب دورًا في إطار خلافته الإلهيّة؛ بمعنى أنَّه كلّما كانت جهوده الاقتصاديّة في اتّجاه خلافته الإلهيّة وتكامله، سوف يكون التغيير الذي يترتّب على ذلك مِن نوع وفور النعمة، والازدهار والبركة، والثبات والاستمرار والكمال الفردي والاجتماعي[1]، كما قال الله سبحانه في محكم كتابه الكريم: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[2].

ح ـ الهشاشة الذاتيّة لغاية التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة

لقد كان يتمّ تصوير الغاية مِن التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة في بادئ الأمر على أنَّها عبارة عن خدمة يتمّ تقديمها إلى الإنسان، في حين أنَّ الإنسان الحديث هو الذي أصبح في خدمة التنمية الاقتصاديّة؛ إذ بناء على تبعيّة الإنسان في مرحلة ما قبل الصناعة

(174)

للقوانين الحاكمة على عالم الوجود، وكذلك بسبب المعنويّة التي كانت تحكم بشكل وآخر على الأهداف ونوع الرؤية إلى عالم الوجود ونتيجة لذلك على أعماله؛ إنَّما كان عدم معرفة بعض تلك القوانين، هو الذي يهدّد حياة الإنسان فقط. ومع الدخول إلى عصر الصناعة، أخذ الإنسان يصل إلى اكتشاف القوانين الحاكمة على عالم الوجود على نحو متسارع ويبادر إلى استخدامها وتوظيفها، ومِن خلال تركيز الإنسان على القوانين المكتشفة والغفلة عن سائر القوانين الأخرى وتجاهل الوحدة والكليّة الواحدة لعالم الوجود وفقدان الرؤية المعنويّة، تعرّض التعادل الموجود في الطبيعة إلى الخدشة والضرر. إنَّ هذا الخروج عن الاعتدال، برز بوصفه عنصرًا في اتّجاه تهديد الإنسان. إنَّ التنمية التي توصّل إليها الإنسان في عصر الصناعة، كانت تنمية ظاهريّة ومحدودة وماديّة، وتحتوي في أحشائها على نبتة التدمير والضياع[1]. هذا في حين أنَّ الغاية مِن التنمية الاقتصاديّة في الإسلام -خلافًا للنموذج الغربي المتمحور حول الربح- تعدّ غاية قيَميّة وأخلاقيّة، وليس لها مِن هدف سوى العمل في الحدود القصوى على إيصال الإنسان إلى السعادة والفلاح في جميع المجالات. وفي الحقيقة، فإنَّ التنمية الاقتصاديّة الإسلاميّة عبارة عن مسار يهدف إلى زيادة الإنتاج ومستوى ومعايير جودة الحياة، وإمكان الوصول المرتفع إلى البضائع والخدمات في إطار سعادة الأشخاص وفي سياق الحصول على القيَم الإنسانيّة السامية

(175)

والابتعاد عن الرذائل والآفات الأخلاقيّة. وبطبيعة الحال، فإنَّ الركن الأهمّ في ذلك، هو توظيف نتائج وثمار التنمية الاقتصاديّة في خدمة المتّقين والمحرومين والمستضعفين في المجتمع الإسلامي. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)[1].

إنَّ الثقافة الحداثويّة تعمل على الترويج للثقافة الاستهلاكيّة، وتبتلي الإنسان بأنواع الاحتياجات الزائفة وغير الضروريّة؛ إذ إنَّ الحضارة الغربيّة -على حدّ قول رينيه غينون- تعمل على خلق الاحتياجات قبل قدرتها على إيجاد الحلول لها وإشباعها، ولذلك فإنَّها تؤدّي إلى سلب الهدوء والطمأنينة مِن الإنسان وتقوم بخلق الاضطراب والتنازع، وتبعد الإنسان عن التعالي والتكامل، الذي هو الهدف الرئيس مِن الخلق. إنَّ الذي يحكم في التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة هو النفس الأمّارة للإنسان، وإنَّ هذه الحاكميّة تضع الإنسان في البُعد عن الحقّ والحقيقة، وإنَّ الإنسان الذي يكون وجوده ذاته عين الربط والتعلّق والقرب مِن الله سبحانه وتعالى، لا يمكن تحمّل البُعد عن الحقّ تعالى لفترة طويلة؛ وذلك لأنَّ هذا الأمر مخالف لفطرته الأصيلة والمتعالية، وسوف ينفر الإنسان في يوم ما مِن هذا الوضع، ويعترض على تجاهل الفرديّة المتعالية وجوهر وجوده[2].

(176)

النتائج والخلاصات

إنَّ نوع الرؤية التي تنظر بها كلّ فلسفة إلى الإنسان، والتعريف الذي تقدّمه هذه الفلسفات عن الإنسان، يشكّل ركيزة وأساسًا للعلوم الإنسانيّة في تلك المدارس الفلسفيّة، ومِن بينها: العلوم الاجتماعيّة، والعلوم السياسيّة، والعلوم الاقتصاديّة، وعلم النفس وعلم الاجتماع، ولا سيّما التنمية التي تحدّد مسارها وأهدافها أيضًا. وفي هذا البين، فقد تمّ التعرّض مِن قبل المفكّرين والمنظّرين إلى البحث في ماهية الإنسان وحقيقته، وحيث تمّ إثبات البُعد المجرّد مِن الإنسان في تعاليم الإسلام، فإنَّ الأساليب الحسيّة والتجريبيّة لا تستطيع الإحاطة علمًا بجميع الأبعاد والمساحات في وجود الإنسان. إنَّ رؤية الحكمة المتعالية فيما يتعلّق بالإنسان، تتطابق مع مقامه في خلافة الله، وكما أنَّ الله واحد له تجلّيات وآيات مختلفة ومتعدّدة، كذلك الإنسان بدوره حقيقة واحدة ذات تجلّيات متنوّعة، وهي تعمل على تعريف الإنسان بوصفه وجودًا ثابتًا وسيّالًا؛ فهو مِن حيث الروح ثابت، ومِن حيث البدن ماديّ وسيّال ومتغيّر. وعلى هذه الشاكلة، تكون الهوية الحقيقيّة للإنسان في التفكير الإسلامي، هي النفس أو الروح المجرّدة لديه، وأمّا الجسم فهو مجرّد وسيلة وأداة في إطار تكامل النفس. وإنَّ للإنسان خلقة أوليّة باسم الفطرة التي تعدّ مشتركة بين جميع أفراد الإنسانيّة، وتؤدّي إلى التوجّه نحو الحقيقة والميل إلى الكمال في الإنسان.

إنَّ الرؤية الغالبة حاليًّا في الغرب في حقل الأبعاد والمساحات الوجوديّة للإنسان، هي -بخلاف الأنثروبولوجيا الإسلاميّة- رؤية

(177)

فيزيقيّة وماديّة، وتمّ فيها الاهتمام بمجرّد البُعد المادّي للإنسان والساحة الأرضيّة مِن وجوده، وليس هناك في البين مِن حديث بشأن التركيب ما بعد الطبيعي والبُعد الميتافيزيقي مِن وجود الإنسان؛ وذلك لأنَّ المفكّرين في الغرب الحداثوي، لم يتوصّلوا إلى حقائق مِن قبيل: تجرّد الروح، ومفهوم الأبديّة، ودوامها وبقائها وخلودها، ومِن خلال إنكار المعاد والمرجع النهائي للإنسان، فقد اضطروا إلى تقديم نظريّة أصالة الفرد، وقالوا بوجود منزلة خاصّة للإنسان، وجعلوه مقياسًا ومعيارًا لكلّ شيء، بل ومنحوه حتّى الحقّ في تقنين وتشريع جميع الأمور، واعتبروا الكمال الإنساني في إعطائه الحريّة المطلقة وغير المحدودة،  وتأصيل الاختيار والإرادة لدى الإنسان.

إنَّ الإنسان الذي كان منشأ لجميع التحوّلات، ولا سيّما ظهور وتبلور المجتمع الصناعي الراهن، يلعب -بوصفه عاملًا في التنمية- دورًا محوريًّا وجوهريًّا في التنمية في جميع أبعادها.

إنَّ مِن بين الأبعاد المهمّة في التنمية، هو البُعد الثقافي لها، إذ المراد منه إيجاد الشرائط والإمكانات الماديّة والمعنويّة المناسبة لجميع أفراد المجتمع في إطار مكانتهم ومنزلتهم، وتنمية وزيادة العلم والمعرفة للأفراد، وإعداد الأرضيّة لإيجاد التحوّل والتقدّم لآحاد أفراد المجتمع، وهو متأثّر ومقتبس مِن الأصول الثقافيّة الحاكمة على النظام الفكري في المجتمع. إنَّ الأصول الحاكمة على الثقافة الغربيّة، التي هي عبارة عن النزعة الإنسانيّة والعلمانيّة والذاتانيّة، قد أدّت إلى تأصيل الإنسان الغربي وجعله هو المعيار، بعد تجريده عن هويّته وفطرته الإلهيّة والمعنويّة، وحرمانه مِن إدراك الحقيقة والكمال الحقيقي.

(178)

إنَّ التنمية الثقافيّة في الغرب، تقوم على أساس الأنثروبولوجيا ذات البُعد الواحد، والغفلة عن روح وفطرة الإنسان. وإنَّ الإحصاءات حول المشكلات والأمراض الجسديّة والنفسيّة التي يعاني منها الإنسان الغربي، تشير إلى عدم توصّل الغرب إلى النموذج الصحيح للتنمية الثقافيّة تحت المباني والأصول الحاكمة على ثقافة الغرب. في حين أنَّ التفكير الإسلامي، قد اهتمّ بالجسم في إطار تنمية الروح وإعلاء المراتب الوجوديّة مِن الإنسان. إنَّ الأنثروبولوجيا الحداثويّة في التنمية الثقافيّة، قد أدّت إلى ظهور الكثير مِن التداعيات، ومِن بينها التغيير  في موقع الوحي والنبوّة والعقل والمعرفة والمعنويّة؛ الأمر الذي أدّى بدوره في نهاية المطاف إلى الهشاشة الذاتيّة في الغاية والهدف مِن التنمية الثقافيّة، وزوال القيَم الإنسانيّة في هذه النظريّة.

إنَّ البُعد الآخر مِن التنمية، والذي يحظى بأهميّة كبيرة، هو بُعد التنمية الاجتماعيّة التي تقوم حول ستّة محاور أساسيّة، وهي: العدالة الاجتماعيّة، والوحدة والوئام الوطني، وكيفيّة مستوى حياة الأفراد، والظرفيّات الإنسانيّة، والأمن ونظام تقسيم الأدوار الاجتماعيّة، والغاية منها هو الارتقاء المستمرّ لكلّ المجتمع والنظام الاجتماعي نحو الحياة الأفضل التي تضمن السعادة للإنسان. إنَّ مباني أنثروبولوجيا التنمية الاجتماعيّة الحداثويّة، تقوم على أساس أصالة الإنسان وأصالة اللذّة، واستبدال الرئاسة الشيطانيّة بدلًا مِن الخلافة الإلهيّة والقول بمحوريّة الحقّ بدلًا مِن محوريّة التكليف، والذي هو نتيجة للنظرة أحاديّة البُعد إلى الإنسان، ونتيجة لذلك أصبحت

(179)

العلمانيّة هي الحاكمة في المراتب الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والعلميّة والإداريّة في المجتمع الغربي؛ إذ تمثّل واحدة مِن الأصول الجوهريّة في الحداثة، وتعمل على التعريف بالبُعد الأنطولوجي والوجودي منها، ونتيجة ذلك هي الفصل بين العلم والأخلاق والقيَم والقول بنسبيّة الحُسن والقبح. لا معنى في التنمية الاجتماعيّة الغربيّة للعدالة الاجتماعيّة والسعادة والكمال والعبوديّة، وليس لهذه الأمور أيّ مفهوم علمي في هذا النوع مِن التنمية، ولا يمكن البحث عنها بوصفها مقدّمة لبناء المجتمع وتحقيق التنمية؛ وذلك لأنَّ جميع الأهداف، غير عقلانيّة، وخارجة عن دائرة العقل، وتقع تحت توجيه الرغبات والأهواء والسلوكيّات الصادرة عن الإنسان، وذلك خلافًا لما عليه مسار التنمية الاجتماعيّة في الإسلام؛ إذ تقوم على أساس تقدّم الإيمان على العمل، وتقدّم التكليف وحفظ الكرامة الإنسانيّة، حيث يتمّ التأكيد على الاحتياجات المعنويّة بالإضافة إلى ضمان وتلبية الاحتياجات الماديّة للإنسان، ويمكن للأفراد أنْ يحصلوا -في ضوء الإيمان والعمل الصالح- على حياتهم الإنسانيّة والإلهيّة.
إنَّ مِن بين أبعاد التنمية الأخرى، هو بُعد التنمية السياسيّة، الذي يُمهّد الأرضيّة لتأسيس التكتّلات والأحزاب والمشاركة السياسيّة، ونتيجة ذلك زيادة الإمكانيّة والقدرة السياسيّة. في الأنظمة السياسيّة في العالم، يتمّ تعريف حقّ الحاكميّة على نحوين: بشري وإلهي. في ضوء الرؤية التوحيديّة، يكون حقّ الحاكميّة سواء في الأمور التكوينيّة والخلق أو في الأمور التشريعيّة ووضع القوانين لله سبحانه

(180)

وتعالى. وإنَّ الله في بعض الموارد قد أعطى هذا الحقّ لبعض الأشخاص مِن البشر، وبذلك يجري امتداد الحاكميّة الإلهيّة في الأنبياء والأئمّة وخلفائهم عليهم‌السلام ، ويتمّ التعبير عن هذه الحاكميّة بالولاية الإلهيّة. إنَّ انحصار الحاكميّة بالله، أساس رئيس ومتين وراسخ في النظام السياسي للإسلام، وليس لأيّ إنسان الحقّ في وضع القوانين وتنظيم العلاقات الإنسانيّة على أساس رغبته أو مزاجه أو إدراكه ومعرفته الخاصّة؛ وذلك لأنَّ الإنسان في النظام السياسي للإسلام، هو عبد الله ومخلوقه، وهو مسؤول ومكلّف تجاه الأوامر الإلهيّة. إنَّ التنمية السياسيّة في الغرب، ذات ماهيّة إمبرياليّة واستعماريّة تقوم على السلب والنهب؛ إذ تبلورت على أساس المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية السياسيّة الحداثويّة واستنادًا إلى التفكير الإنساني والليبرالي وعلى رؤية أصالة الإنسان، وكان لها دور مؤثّر في تأسيس أبنيتها التحتيّة، ومِن بينها: الأنطولوجيا، والإبستيمولوجيا، ومعرفة القيم والنتائج.

إنَّ البُعد الأخير مِن أبعاد التنمية التي تمّ بحث مبانيها الأنثروبولوجيّة، هو البُعد الاقتصادي مِن التنمية الحداثويّة؛ إذ ينطوي هذا النوع مِن التنمية على ماهيّة رأسماليّة. ومِن بين أركانها، الحصول على الحدّ الأقصى مِن الربح الاقتصادي، بمعزل عن جميع القيود والحدود التي تحول دون تحقيق هذه الغاية. إنَّ الرأسماليّة ترى قيمة للنشاط الاقتصادي ذاته، وإنَّ نقطة اشتراك الرأسماليّة مع الليبراليّة، تكمن في التركيز على وسيلة الوصول إلى الغاية والهدف، وليس الهدف ذاته. وقد أعلن ماكس فيبر عن أنَّ

(181)

أهم مسألة في التنمية الاقتصاديّة، عبارة عن بسط روح الرأسماليّة، ويرى أنَّ عقلنة الاقتصاد يمثّل الخصوصيّة الفذّة للحضارة الغربيّة. إنَّ المباني الأنثروبولوجيّة للتنمية الاقتصاديّة الحداثويّة، تقوم على الرؤية الليبراليّة، وعلى أساس النزعة الماديّة، ومحوريّة الإنسان، والفردانيّة، والذاتانيّة وتأصيل الذات. ومِن تبعاتها، النزعة الربحيّة والنفعيّة، والنظرة الماديّة إلى العمل، وتجريد الاقتصاد مِن الأخلاق، وفقدان الإنسان لقيمته في نظريّة التنمية، وتغيير معيار القيمة، ونفي السنن الإلهيّة، وبالتالي الهشاشة الذاتيّة لغاية التنمية الاقتصاديّة الحداثويّة.
وبذلك، فإنَّ التنمية التي أسّس لها الإنسان الحداثوي، كانت عبارة عن تنمية ظاهريّة ومحدودة وماديّة، وتحتوي في أحشائها على بذرة التدمير والضياع، ولم تكن نتيجتها وثمرتها سوى ابتعاد الإنسان عن فطرته الإلهيّة، وكان مِن آثارها أزمة الإنسانيّة وفقدان الإنسان لقيمته في الغرب؛ خلافًا للتنمية الإسلاميّة، التي تؤدّي إلى الثبات والأمن والاستقرار في إطار الفطرة الإلهيّة للبشر، إذ يقوم بالتحرّك قُدُمًا وخطوة بخطوة، وبشكل حيويّ وفعّال، ويُعدّ ثمرة ونتيجة مشتركة للنشاطات والمواقف العقلانيّة والوعي الجماعي للمجتمع تحت ظلّ المفاهيم والتعاليم الإسلاميّة.

(182)

قائمة المصادر والمراجع

ـ القرآن الكريم.

1ـ آجرلو، إسماعيل، توسعه اجتماعي وانديشه اسلامي، دانشگاه امام صادق عليه‌السلام، ط1، طهران، 1390هـ.ش.

2ـ آربلاستر، أنطوني، دموكراسي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسن مرتضوي، نشر آشيان، ط1، طهران، 1379هـ.ش.

3ـ آربلاستر، أنطوني، ظهور وسقوط ليبراليسم غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عباس مخبر، مركز نشر، ط1، 1367هـ.ش.

4ـ آزاد أرمكي، تقي، جامعه شناسي توسعه، انتشارات علم، طهران، 1386هـ.ش.

5ـ آشوري، داريوش، دانشنامه سياسي، نشر مرواريد، ط16، طهران، 1387هـ.ش.

6ـ آقا بخشي، علي؛ مينو افشاري راد، فرهنگ علوم سياسي، نشر چابار، ط3، طهران، 1389هـ.ش.

7ـ آوتويت، ويليام وتام باتامور، فرهنگ علوم اجتماعي قرن بيستم، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسن چاوشيان، نشر ني، طهران، 1392هـ.ش.

8 ـ آوي، آلبرت، سير فلسفه در أروپا، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: د. علي اصغر حلبي، نشر زوار، 1368هـ.ش.

(183)

9ـ آويني، السيّد مرتضى، توسعه ومباني تمدن غرب، نشر ساقي، طهران، 1386هـ.ش.

10ـ آويني، السيّد مرتضى، فردايي ديگر، نشر واحه، ط2، طهران، 1390هـ.ش.

11ـ إبراهيميان، سيّد حسين، انسان شناسي اسلام، اگزيستانسياليسم، اومانيسم، نشر معارف، ط1، قم، 1381هـ.ش.

12ـ ابن سينا، حسين بن عبد الله، رسالة في السعادة، ترجمها إلى اللغة الفارسيّة: محمود شهابي، نشر آيت إشراق، قم، 1388هـ.ش.

13ـ ابنشتاين، ويليام وادوين فاغلمان، مكاتب سياسي معاصر، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسين علي نوذري، انتشارات نقش جهان، ط3، طهران، 1376هـ.ش.

14ـ ابن عربي، محيي الدين، الفتوحات المكيّة، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد خواجوي، نشر مولى، طهران، 1388هـ.ش.

15ـ ابن منظور الأفريقي، محمّد بن مكرم، لسان العرب، دار الفكر، بيروت، 1375هـ.

16ـ أحمدي، بابك، مدرنيسم وانديشه انتقادي، نشر مركز، طهران، 1373هـ.ش.

17ـ أحمدي، بابك، معماي مدرنيته، نشر مركز، طهران، 1377هـ.ش.

 

(184)

18ـ اختر شهر، علي، «توسعه در غرب واسلام، نتايج وپيامدها»، مجلة: نشريه پيشرفت، العدد 124.

19ـ اختر شهر، علي، اسلام وتوسعه، پژوهشگاه فرهنگ وانديسشه اسلامي، ط1، طهران، 1386هـ.ش.

20ـ أرسطو، درباره نفس، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي مراد داوودي، نشر حكمت، طهران، 1366هـ.ش.

21ـ أزكيا، مصطفى، جامعه شناسي توسعه، نشر كيهان، ط5، طهران، 1384هـ.ش.

22ـ أزكيا، مصطفى، مقدمه اي بر جامعه شناسي روستايي، نشر اطلاعات، ط2، طهران، 1364هـ.ش.

23ـ أسدي، علي، «توسعه بر جاده تكنولوژي»، مجلّة تدبير، العدد 2، 1369هـ.ش.

24ـ أسدي، علي، «مديريت استراتژيك از ديدگاه اجتماعي»، مجلّة: نشريه مديريت دولتي، العدد 14، عام 1370هـ.ش.

25ـ اسلامي، محمّد تقي، تساهل وتسامح، مركز مطالعات وپژوهش هاي فرهنگي، ط1، قم، 1381هـ.ش.

26ـ اسلامي فر، محمّد تقي، چيستي انسان در اسلام، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، طهران، 1393هـ.ش.

27ـ إقبالي، فرشيد، مكتب هاي سياسي، نشر إقبال، ط3، طهران، 1387هـ.ش.

 

(185)

28ـ الإمام الخميني، السيّد روح الله، شرح حديث جنود عقل وجهل، نشر تبيان، طهران، 1377هـ.ش.

29ـ الإمام الخميني، السيّد روح الله، صحيفة امام، ج 20، نشر تبيان، ط5، طهران، 1389هـ.ش.

30ـ أنوري، فرهنگ بزرگ سخن، (ثمان مجلدات) ج8، نشر سخن، ط7، طهران، 1390هـ.ش.

31ـ باتومور، تي. بي، جامعه شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سيد حسن حسيني كلمجاهي، نشر كتاب هاي جيبي، طهران، 1370هـ.ش.

32ـ باربور، إيان، علم ودين، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: بهاء الدين خرمشاهي، نشر دانشگاهي، ط2، طهران، 1374هـ.ش.

33ـ بريجانيان، ماري، فرهنگ اصطلاحات وعلوم اجتماعي، مؤسّسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي، طهران، 1390هـ.ش.

34ـ بشلر، جان، خاستگاه هاي سرمايه داري، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: رامين كامران، نشر ألبرز، طهران، 1370هـ.ش.

35ـ بهشتي، مهدي «جايگاه خدا در فلسفه هيوم ولايب نيتس»، فصليّة عقل ودين، السنة الخامسة، العدد 8، عام 1392هـ.ش.

36ـ بيات، عبد الرسول، فرهنگواژه ها، مؤسسه انديشه وفرهنگ ديني، ط1، طهران، 1381هـ.ش.

 

(186)

37ـ پازارگاد، بهاء الدين، مكتب هاي سياسي، نشر إقبال، ط3، طهران، 1361هـ.ش.

38ـ پاشايي، محمّد، انسان شناسي، انتشارات دانشگاه علوم پزشكي بابل، 1390هـ.ش.

39ـ پاي، لوسين، «فرهنگ سياسي وتوسعه سياسي»، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مجيد محمّدي، نامه فرهنگ، العدد 5-6، سنة 1370هـ.ش.

40ـ پولاد، سيدني، انديشه ترقي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسين أسد پور، انتشارات أمير كبير، طهران، 1354هـ.ش.

41ـ بيتر، أندريه، ماركس وماركسيسم، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: شجاع الدين ضيائيان، انتشارات دانشگاه طهران، طهران، 1360هـ.ش.

42ـ تقي زاده، محمّد، «جهان بيني اسلامي، توسعه پايدار وشهرهاي بياباني ايران»، مجلّة محيط شناسي، العدد 27.

43ـ التميمي الآمدي، عبد الواحد، غرر الحكم ودرر الكلم، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1407هـ.

44ـ العلّامة الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، نهاية الحكمة، تحقيق: علي سبزواري، مؤسّسة النشر الإسلامي، ط5، قم، 1430هـ.

45ـ طهراني دوست، فاطمة، كرامت هاي انساني، مركز فرهنگي انتشاراتي منير، طهران، 1383هـ.ش.

46ـ تودارو، مايكل، توسعه اقتصادي در جهان سوم، ترجمه إلى 

(187)

اللغة الفارسيّة: غلام علي فرجادي وحميد سهرابي، سازمان برنامه وبودجه، طهران، 1366هـ.ش.

47ـ تورن، آلن، نقد مدرنيته، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مرتضى مرديها، نشر گام نو، ط3، طهران، 1385هـ.ش.

48ـ توسلي، غلام عباس، «جامعيت مفهوم توسعه»، مجموعه مقالات سمينار جامعه شناسي توسعه، نشر سمت، ط1، طهران، 1373هـ.ش.

49ـ توكل، محمّد، جامعه شناسي علم، نشر نص، طهران، 1370هـ.ش.

50ـ تيليش، بول، إلهيات فرهنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مراد فرهادپور وفضل الله پاكزاد، انتشارات طرح نو، ط3، 1398هـ.ش.

51ـ ثابت، عبد الحميد وآخرون، ماهيت وچيستي پيشرفت در اسلام، نشر المصطفى، ط3، قم، 1396هـ.ش.

52ـ جعفري، محمّد تقي، ترجمه وتفسير نهج البلاغة، ج12، فرهنگ اسلامي، ط9، طهران، 1381هـ.ش.

53ـ جعفري، محمّد تقي، رسائل فقهي، نشر تهذيب، طهران، 1380هـ.ش.

54ـ جعفري، محمّد تقي، فرهنگپيرو، فرهنگپيشرو، مؤسسه تدوين ونشر آثار علامه جعفري، طهران، 1379هـ.ش.

 

(188)

55ـ جعفري، محمّد تقي، فلسفه دين، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط5، طهران، 1394هـ.ش.

56ـ جغتائي، فائزة وآخرون، «ابعاد ومؤلفه هاي توسعه اجتماعي در برنامه هاي توسعه»، فصلية علمي پژوهشي رفاه اجتماعي، السنة السادسة عشرة، العدد 63، شتاء عام 1395هـ.ش.

57ـ مجموعة مِن المؤلّفين، الگوي اسلامي ايراني پيشرفت، ج1، و4، نشر فرهنگ وانديشه اسلامي، طهران، 1392هـ.ش.

58ـ مجموعة مِن المؤلّفين، آيين عرفي، پژوهشگاه علوم وفرهنگ اسلامي، ط1، 1390هـ.ش.

59ـ مجموعة مِن المؤلّفين، پيشرفت از منظر قرآن وحديث، انتشارات آفتاب توسعه، طهران، 1394هـ.ش.

60ـ مجموعة مِن المؤلّفين، جامعه ايده آل اسلامي ومباني تمدن غرب، انتشارات دبيرخانه، طهران، 1377هـ.ش.

61ـ مجموعة مِن المؤلّفين، يادنامه مفسر كبير استاد علامه طباطبائي، انتشارات شفق، ط1، قم، 1361هـ.ش.

62ـ جهانيان، ناصر، چالش فقر وغنا در كشورهاي سرمايه داري، كانون انديشه جوان، ط2، طهران، 1388هـ.ش.

63ـ جوادي آملي، عبد الله، ادب فناي مقربان، نشر إسراء، قم، 1381هـ.ش.

 

(189)

64ـ جوادي آملي، عبد الله، اسلام ومحيط زيست، نشر إسراء، ط1، قم، 1386هـ.ش.

65ـ جوادي آملي، عبد الله، انتظار بشر از دين، نشر إسراء، ط1، قم، 1381هـ.ش.

66ـ جوادي آملي، عبد الله، تفسير انسان به انسان، نشر إسراء، قم، 1385هـ.ش.

67ـ جوادي آملي، عبد الله، تفسير تسنيم، ج3، وج12، نشر إسراء، قم، 1378هـ.ش.

68ـ جوادي آملي، عبد الله، جامعه در قرآن، نشر إسراء، ط4، قم، 1391هـ.ش.

69ـ جوادي آملي، عبد الله، حق وتكليف در اسلام، نشر إسراء، قم، 1385هـ.ش.

70ـ جوادي آملي، عبد الله، حيات حقيقي انسان در قرآن، نشر إسراء، قم، 1378هـ.ش.

71 ـ جوادي آملي، عبد الله، دين شناسي، نشر إسراء، قم، ط1، 1381هـ.ش.

72ـ جوادي آملي، عبد الله، شريعت در آينه معرفت، نشر إسراء، ط3، قم، 1381هـ.ش.

 

(190)

73ـ جوادي آملي، عبد الله، كرامت در قرآن، نشر أديان، قم، 1391هـ.ش.

74 ـ جوادي آملي، عبد الله، نسبت دين ودنيا، نشر إسراء، ط1، قم، 1381هـ.ش.

75 ـ جوادي آملي، عبد الله، منزلت عقل در هندسه معرفت ديني، نشر إسراء، قم، 1386هـ.ش.

76 ـ جوان آراسته، حسين، شريعت در آينه معرفت وسياسي در اسلام، دفتر نشر معارف، ط8، قم، 1391هـ.ش.

77 ـ جوئل، شارون، ده پرسش از ديدگاه جامعه شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوچهر صبوري، نشر ني، ط 10، طهران، 1391هـ.ش.

78ـ جيرام، م. ع.، اسلام وتوسعه اقتصادي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد نقي نظر پور وسيّد إسحاق علوي، انتشارات مفيد، طهران، 1383هـ.ش.

79ـ حاج فتح علي، عباس، توسعه تكنولوژي، انتشارات علامة طباطبائي، ط2، طهران، 1373هـ.ش.

80ـ حاجي صادقي، عبد الله، فلسفه ونظام سياسي اسلام، انتشارات زمزم هدايت، ط1، قم، 1383هـ.ش.

81ـ حداد عادل، غلام علي، مقالات كانتي، نشر هرمس، ط1، طهران، 1392هـ.ش.

 

(191)

82ـ الحرّ العاملي، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة، ج19، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم، 1367هـ.ش.

83ـ حسن زاده آملي، حسن، انسان در عرف عرفان، انتشارات سروش، ط11، طهران، 1391هـ.ش.

84ـ حسن زاده آملي، حسن، انسان وقرآن، انتشارات قيام، ط ، قم، 1381هـ.ش.

85ـ حسني، سيّد علي، تأثير اومانيسم بر بزرگان نهضت پروتستان، مؤسسه آموزشي پژوهشي امام خميني (قدس سره)، ط1، 1393هـ.ش.

86ـ حسيني جبلي گرگاني، السيد أبو القاسم، روح شناسي، انتشارات اسلامي، قم، 1387هـ.ش.

87ـ حقيقت پور، حسن، كرامت انسان در فقه وحقوق اسلامي، دانشگاه امام صادق عليه‌السلام، ط1، طهران، 1392هـ.ش.

88ـ خسروپناه، عبد الحسين، ومجموعة مِن الباحثين، انسان شناسي اسلامي، دفتر نشر معارف، ط1، قم، 1392هـ.ش.

89ـ خسروپناه، عبد الحسين، پرسمان مدرنيسم وپست مدرنيسم، مؤسسه حكمت نوين اسلامي، قم، 1395هـ.ش.

90ـ خسروپناه، عبد الحسين، كلام نوين اسلامي، نشر تعليم وتربيت اسلامي، ط2، قم، 1394هـ.ش.

91ـ خطيبي كوشكك، محمّد، بررسي تطبيقي جامعه اسلامي 

(192)

وجامعه مدني، انتشارات زمزم هدايت،  ط1، قم، 1384هـ.ش.
92ـ خيري، حسن، مباني نظام اجتماعي اسلام، پژوهشگاه علوم وفرهنگ اسلامي، قم، 1393هـ.ش.
93ـ درسلر، ديفد، وويليام ام. ويليس، جامعه شناسي وبررسي تعامل انسان ها، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مهرداد هوشنگ وغلام رضا رشيدي، نشر اطلاعات، ط1، طهران، 1388هـ.ش.
94ـ دژاكام، علي، تفكر فلسفي غرب از منظر استاد شهيد مطهري، دفتر نشر معارف، قم، 1384هـ.ش.
95ـ دلوز، جيل، تجربه گرايي وسوبژگتيويته، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عادل مشايخي، نشر ني، ط3، طهران، 1395هـ.ش.
96ـ دهخدا، علي أكبر، لغت نامه دهخدا، ج7 (48 مجلّدًا)، تحقيق: د. محمّد معين، مدخل: إنسان، جامعة طهران، طهران، 1342هـ.ش.
97ـ ديورانت، ويل، تاريخ تمدّن (قصّة الحضارة)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: صفدر تقي زاده وأبو طالب صارمي، شركت انتشارات علمي وفرهنگي (طبعة مِن ستة مجلدات)، 1381هـ.ش.
98ـ ديركس، هانس، انسان شناسي فلسفي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد رضا بهشتي، انتشارات هرمس، طهران، 1391هـ.ش.
99ـ ديل، ر. ج هالينغ، مباني وتاريخ فلسفه غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عبد الحسين آذرنگ، انتشارات كيهان، ط2، طهران، 1370هـ.ش.

(193)

100ـ رادا كريشنان، سروپالي، تاريخ فلسفه غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: جواد يوسفيان، ج2، انتشارات علمي وفرهنگي، ط2، طهران، 1382هـ.ش.
101ـ راسل، برتراند، تاريخ فلسفه غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: نجف دريابندري، انتشارات كتاب پرواز، ط7، طهران، 1390هـ.ش.
102ـ الراغب الأصفهاني، حسن بن محمّد، المفردات في غريب ألفاظ القرآن، دار القلم، دمشق، 1412هـ.
103ـ رباني گلپايگاني، علي، درآمدي بر كلام جديد، انتشارات هاجر، ط1، قم، 1385هـ.ش.
104ـ رباني گلپايگاني، علي،ريشه ونشانه هاي سكولاريسم، انتشارات كانون انديشه جوان، ط4، طهران، 1386هـ.ش.
105ـ رباني گلپايگاني، علي،فطرت ودين، انتشارات كانون انديشه جوان، ط2، طهران، 1388هـ.ش.
106ـ رباني گلپايگاني، علي، نقد مباني سكولاريسم، مركز مديريت حوزه علميه قم، قم، 1382هـ.ش.
107ـ رجبي، أبو ذر، جايگاه روح در معارف اسلامي با رويكرد رسانه اي، نشر قم، قم، 1391هـ.ش.
108ـ رجبي، محمود، انسان شناسي ديني، مؤسسه آموزشي پژوهشي امام خميني (قدس سره)، قم، 1395هـ.ش.

(194)

109ـ رحيم پور ازغدي، حسن، عقلانيت (جامعه شناسي توسعه)، نشر طرح فردا، ط5، طهران، 1388هـ.ش
110ـ رحيمي، حسن، وفاطمة حسيني، «مقايسه مباني انسان شناختي پيشرفت وتوسعه در انديشه اسلام ونظريه ليبرال دموكراسي»، مجلّة: سياست متعاليه، السنة الخامسة، العدد 16، سنة 1396هـ.ش.
111ـ رحيمي، سلمان علي، دين وعقلانيت ارتباطي، انتشارات مؤسّسة آموزشي پژوهشي امام خميني (قدس سره)، قم، 1390هـ.ش.
112ـ رفيع پور، فرامرز، آناتومي جامعه، نشر افشار، طهران، 1382هـ.ش.
113ـ رهنمائي، سيّد أحمد، غرب شناسي، مؤسسه آموزشي وپژوهشي امام خميني (قدس سرّه)، ط2، 1388هـ.ش.
114ـ روح الأميني، محمود، زمينه فرهنگ شناسي، انتشارات عطارد، ط7، طهران، 1382هـ.ش.
115ـ روسو، جان جاك، قرار داد اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مرتضى كلانتريان، انتشارات آگاه، ط1، طهران، 1379هـ.ش.
116ـ روشه، جي، تغييرات اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منصور وثوقي، نشر ني، ط10، طهران، 1379هـ.ش.
117ـ ريمون، آرون، مراحل اساسي انديشه در جامعه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: باقر برهام،انتشارات علمي فرهنگي، طهران، 1370هـ.ش.

(195)

118ـ رينولدز، تشارلز، وجوه امپرياليسم، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسين سيف زاده، مؤسسه چاپ وانتشارات، طهران، 1374هـ.ش.

119ـ زاكس، فولفانغ، نگاهي نو به مفاهيم توسعه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: فريدة فرّهي ووحيد بزرگي، انتشارات مركز، طهران، 1377هـ.ش.

120ـ زرشناس، شهريار، توسعه، نشر كتاب صبح، طهران، 1377هـ.ش.

121ـ زرشناس، شهريار، سرمايه سالاري، انتشارات كتاب صبح، ط3، طهران، 1389هـ.ش.

122ـ زرشناس، شهريار، مباني نظري غرب مدرن، انتشارات كتاب صبح، ط2، طهران، 1383هـ.ش.

123ـ زرشناس، شهريار، واژه نامه فرهنگ سياسي، نشر معارف، ط1، قم، 1393هـ.ش.

124ـ زرين كوب، عبد الحسين، كارنامه اسلام، انتشارات أمير كبير، طهران، 1387هـ.ش.

125ـ زيبا كلام، فاطمة، سير انديشه فلسفي در غرب، دانشگاه طهران، ط3، طهران، 1390هـ.ش.

126ـ جيلسون، إيتين، تاريخ فلسفه مسيحي در قرون وسطى، ترجمه

(196)

إلى اللغة الفارسيّة: رضا گندمي نصر آبادي، دانشگاه اديان ومذاهب، ط1، قم، 1389هـ.ش.

127ـ جيلسون، إيتين، نقد تفكر فلسفي غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سيد أحمد أحمدي، نشر سمت، ط4، طهران، 1389هـ.ش.

128ـ سازمان علمي فرهنگي وتربيتي بين الملل، راهبردهاي علمي توسعه فرهنگي (يونسكو)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد فاضلي، نشر تبيان، ط1، طهران، 1379هـ.ش.

129ـ سبحاني، جعفر، سيماي عقايد شيعه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: جواد محدثي، نشر مشعر، ط 7، طهران، 1393هـ.ش.

130ـ سبحاني، جعفر،مسائل جديد كلامي، مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام، ط3، قم، 1390هـ.ش.

131ـ سبحاني نيا، محمّد، كاركرد دين در زندگي، نشر بوستان كتاب، ط3، قم، 1389هـ.ش.

132ـ سجادي، جعفر، فرهنگ معارف اسلامي، ج1، انتشارات كومش، طهران، 1372هـ.ش.

133ـ سجادي، سيّد مهدي، هويت ديني وآموزه هاي چالش برانگيز معاصر، نشر بين الملل، ط1، طهران، 1391هـ.ش.

134ـ سريع القلم، محمود،«أصول ثابت توسعه، مجلّة اطلاعات سياسي واقتصادي، العدد 2، 1369هـ.ش.

 

(197)

135ـ سريع القلم، محمود، توسعه جهان سوم ونظام بين الملل، انتشارات مفيد، طهران، 1375هـ.ش.
136ـ سريع القلم، محمود، عقل وتوسعه يافتگي، نشر فرزان روز، ط13، طهران، 1395هـ.ش.
137ـ سعيدي، علي، انسان مطلوب، پژوهشگاه تحقيقاتي زمزم هدايت، ط1، 1389هـ.ش.
138ـ سن، أمارتيا كومار، توسعه به مثابه آزادي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: وحيد محمودي، نشر داستان، طهران، 1381هـ.ش.
139ـ سهرابي فر، محمّد تقي، چيستي انسان در اسلام، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، طهران، 1380هـ.ش.
140ـ سولومون، روبرت؛ وكاتلين هيجينز، تاريخ فلسفه در جهان، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوچهر شادان،، نشر بهجت، ط2، طهران، 1392هـ.ش.
141ـ شاكر، كمال مصطفى، ترجمه خلاصه تفسير الميزان، ج3، نشر اسلام، ط3، طهران، 1384هـ.ش.
142ـ شاكرين، فاطمه، هستي شناسي جامعه، مؤسسه آموزشي امام خميني (قدّس سرّه)، قم، 1390هـ.ش.
143ـ شجاري، مرتضى، انسان در حكمت صدرايي، نشر معارف، ط1، قم، 1394هـ.ش

(198)

144ـ شريفي دوست، حمزة، كاوشي در معنويت هاي نو ظهور، نشر معارف، ط1، قم، 1392هـ.ش.

145ـ شفيعي مطهر، علي رضا، خود باوري فرهنگي، نشر امام عصر، قم، 1379هـ.ش.

146ـ شيرواني، علي، ترجمه وشرح كشف المراد، انتشارات دار العلم، ط6، قم، 1392هـ.ش.

147ـ صادقي، أحمد وسيّد رضا موسوي، هويت غربي، ج2، انتشارات فرهنگ وانديشه اسلامي، ط1، 1390هـ.ش.

148ـ الصدر، السيّد محمّد باقر، سنت هاي تاريخ در قرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: السيد جمال الموسوي، جامعة المدرسين، قم.

149ـ صدر الدين الشيرازي، محمّد بن إبراهيم، أسفار، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد خواجوي، نشر مولى، ط2، 1383هـ.ش.

150ـ صدر المتألّهين الشيرازي، محمّد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج9، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1980م.

151ـ صدر المتألّهين الشيرازي، محمّد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية، ج8، بنياد حكمت اسلامي صدرا، ط1، طهران، 1383هـ.ش.

152ـ صدر المتألّهين الشيرازي، محمّد بن إبراهيم، تفسير القرآن الكريم، إعداد: محمّد خواجوي، ج6، انتشارات بيدار، قم، 1366هـ.ش.

(199)

153ـ صدر المتألّهين الشيرازي، محمّد بن إبراهيم، الشواهد الربوبيّة، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد خواجوي، نشر مولى، ط1، طهران، 1389هـ.ش.
154ـ صدر المتألّهين الشيرازي، محمّد بن إبراهيم، عرشيه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد خواجوي، نشر مولى، ط1، طهران، 1391هـ.ش.
155ـ صولتي، مهران، جامعه شناسي سلطه، نشر جامعه شناسان، طهران، 1390هـ.ش.
156ـ طاهر زاده، أصغر، علل تزلزل تمدن غرب، نشر لب الميزان، إصفهان، 1388هـ.ش.
157ـ طاهري، حبيب الله، بررسي مباني فرهنگ غرب وپيامدهاي آن، بوستان كتاب، ط1، قم، 1383هـ.ش.
158ـ العلامة الطباطبائي، السيد محمّد حسين، اسلام وانسان معاصر، دفتر انتشارات اسلامي، ط1، قم، 1382هـ.ش.
159ـ العلامة الطباطبائي، السيد محمّد حسين، اصول فلسفه وروش رئاليسم، انتشارات صدرا، قم، 1379هـ.ش.
160ـ العلامة الطباطبائي، السيد محمّد حسين، الميزان في تفسير القرآن الكريم، ج1، وج7، وج17 (عشرون مجلدًا)، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1372هـ.ش.

(200)

161ـ العلامة الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، ترجمه تفسير الميزان، ج2، (عشرون مجلّدًا)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد باقر موسوي همداني، دفتر انتشارات اسلامي، ط 5، قم، 1374هـ.ش.
162ـ العلامة الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، شيعه در اسلام، انتشارات بوستان كتاب، ط2، قم، 1387هـ.ش.
163ـ طلوعي، محمود، فرهنگ جامع سياسي، انتشارات علم، طهران، 1385هـ.ش.
164ـ عبد المحمّدي، حسين، تساهل وتسامح از ديدگاه قرآن وعترت، انتشارات ظفر، ط1، قم، 1381هـ.ش.
165ـ عبوديت، عبد الرسول، نظام حكمت صدرائي، انتشارات سمت، ط1، طهران، 1391هـ.ش.
166ـ عظيمي، حسين، مدارهاي توسعه يافتگي در اقتصاد ايران، نشر ني، ط2، طهران، 1371هـ.ش.
167ـ علوي سرشكي، سيد محمّد رضا، نقدي بر هيوم، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط1، طهران، 1389هـ.ش.
168ـ علي تبار فيروزجايي، رمضان، معرفت ديني، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط1، طهران، 1391هـ.ش.
169ـ عميد زنجاني، عباس علي، مباني انديشه سياسي اسلام، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط6، طهران، 1387هـ.ش.

(201)

170ـ غفاري، أبو الحسن، حدوث جسماني نفس، فرهنگ وانديشه اسلامي، ط1، طهران، 1391هـ.ش.

171ـ غياث الدين، محمّد بن جلال الدين، غياث اللغات، مفردة إنسان، انتشارات أمير كبير، ط3، طهران، 1388هـ.ش.

172ـ الفارابي، أبو نصر، آراء أهل المدينة الفاضلة، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: السيد جعفر سبحاني، كتابخانه طهوري، ط2، طهران، 1361هـ.ش.

173ـ فتح علي خاني، محمّد، فلسفه دين ديويد هيوم، پژوهشگاه حوزه ودانشگاه، ط1، قم، 1390هـ.ش.

174ـ فتح علي، محمود، نظام ارزشي وسياسي در اسلام، انتشارات مؤسسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، ط2، قم، 1385هـ.ش.

175ـ الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، دار الهجرة، قم، 1405هـ.

176ـ فرهنگ لغت آكسفورد (معجم أوكسفورد اللغوي)، جامعة أوكسفورد، 2001م.

177ـ فروغي، محمّد علي، سير حكمت در أروبا، نشر نيلوفر، ط5، طهران، 1387هـ.ش.

178ـ فروغي، محمّد علي، سير حكمت در أروبا، ج1 و3، نشر ألبرز، طهران، 1375هـ.ش.

(202)

179ـ فروند، جولين، جامعه شناسي ماكس وبر، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عبد الحسين نيك گهر، انتشارات رايزن، طهران، 1368هـ.ش.
180ـ فكوهي، ناصر، تاريخ انديشه ونظريه هاي انسان شناسي، نشر ني، ط1، طهران، 1381هـ.ش.
181ـ فياض، إبراهيم، مردم شناسي ديني توسعه در ايران، نشر بين الملل، ط1، طهران، 1389هـ.ش.
182ـ فياضي، غلام رضا، علم النفس فلسفي، انتشارات مؤسّسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، قم، 1390هـ.ش.
183ـ فيروزي، رضا، انسان در آموزه هاي وحياني، انتشاراتمعارف، قم، 1393هـ.ش.
184ـ قاضي شريعت پناهي، سيّد أبو الفضل، بايسته هاي حقوق أساسي، انتشارات الميزان، ط13، طهران، 1382هـ.ش.
185ـ قاضيان، محمّد علي، «پست مدرنيسم وفروپاشي ذهنيت توسعه»، مجلّة اطلاعات سياسي/ اقتصادي، العدد 121-122، 1376هـ.ش.
186ـ قراكوزلو، محمّد، فكر دموكراسي سياسي، انتشارات نگاه، ط1، طهران، 1378هـ.ش.
187ـ قره باغيان، مصطفى، اقتصاد رشد توسعه، ترجمه إلى اللغة 

(203)

الفارسيّة: غلام علي فرجادي، ج1، انتشارات كوهساران، طهران، 1382هـ.ش.

188ـ كابلستون، فريدريك تشارلز، تاريخ فلسفه غرب (دكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي كرباسي زاده إصفهاني، انتشارات مدينه، ط1، 1379هـ.ش.

189ـ كابلستون، فريدريك تشارلز، تاريخ فلسفه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: جلال الدين مجتبوي، مركز انتشارات علمي وفرهنگي وابسته به وزارت فرهنگ وآموزش عالي، طهران، 1362هـ.ش.

190ـ كابلستون، فريدريك تشارلز، تاريخ فلسفه، ج 4، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: غلام رضا أعواني، انتشارات سروش، طهران، 1385هـ.ش.

191ـ كانط، إيمانوئيل، بنياد ما بعد الطبيعه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حميد عنايت وعلي قيصري، انتشارات خوارزمي، طهران، 1369هـ.ش.

192ـ كاوياني، محمّد، جوانان وتهاجم فرهنگي، مركز مطالعات وپژوهش هاي فرهنگي حوزه علميه، قم، 1381هـ.ش.

193ـ كجباف، محمّد باقر، علم النفس از ديدگاه دانشمندان اسلام، نشر روان، طهران، 1393هـ.ش.

194ـ كرايب، يان، نظريه اجتماعي كلاسيك، ترجمه إلى

(204)

اللغة الفارسيّة: شهناز مسمّى پرست، انتشارات آگه، ط2، طهران، 1384هـ.ش.

195ـ كرم، يوسف، فلسفه كانت، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد رضائي، دفتر تبليغات اسلامي، ط2، قم، 1375هـ.ش.

196ـ كلمن، ديفد وفريد نيكلسون، اقتصاد شناسي توسعه نيافتگي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: غلام رضا آران، انتشارات وثوقي، طهران، 1387هـ.ش.

197ـ الكُليني، محمّد بن يعقوب، أصول الكافي، ج1، كتاب العقل والجهل، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مهدي آية اللهي، نشر جهان آرا، طهران، 1378هـ.ش.

198ـ كمالي، اراداني، بررسي ونقد مباني سكولاريسم، انتشارات دانشگاه امام صادق عليه‌السلام، ط2، طهران، 1391هـ.ش.

199ـ كود، إن، «ترجمه ونقد مقاله قراردادگرائي دايرة المعارف استونفورد»، مجله معرفت اخلاقي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسن محيطي اردكان، السنة الرابعة، العدد 4، 1392هـ.ش.

200ـ كوشكي، محمّد صادق، هويت ايراني والگوي اسلامي/ ايراني پيشرفت، پژوهشگاه فرهنگ وهنر وارتباطات، ط1، طهران، 1391هـ.ش.

201ـ گروه غرب شناسي پژوهشگاه علوم انساني ومطالعات

(205)

فرهنگي، رهيافت هاي فكري/ فلسفي معاصر در غرب، ج4، انتشارات پژوهشگاه علوم انساني ومطالعات فرهنگي، طهران، 1387هـ.ش.
202ـ جيري، جون ليبراليزم، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي رضا حسيني بهشتي، انتشارات بقعة، ط1، طهران، 1384هـ.ش.
203ـ غينون، رينيه، بحران دنياي متجدّد، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسن عزيزي، نشر حكمت زبان، ط1، طهران، 1378هـ.ش.
204ـ غينون، رينيه، سيطره كميت وعلائم آخر الزمان، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي محمّد كاردان، مركز نشر دانشگاهي، طهران، 1361هـ.ش.
205ـ غيدنز، انطوني، پيامدهاي مدرنيست، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محسن ثلاثي، انتشارات مركز، طهران، 1377هـ.ش.
206ـ لاريجاني، محمّد جواد، تدين حكومت توسعه، مؤسسه فرهنگي انديشه معاصر، ط1، طهران، 1377هـ.ش.
207ـ لوفان باومر، فرانكلين، جريان هاي اصلي انديشه غربي، (مجلدان)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: كامبيز كوتن، انتشارات حكمت، ط3، طهران، 1389هـ.ش.
208ـ لوين، اندرو، طرح ونقد نظريه ليبرال دموكراسي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سعيد زيبا كلام، انتشارات سمت، ط1، طهران، 1380هـ.ش.

(206)

209ـ لوئيس كورز وبرنارد روزنبرك، نظريه هاي بنيادي جامعه شناختي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مؤسسة إرشاد وفرهنگ طهران، نشر ني، طهران، 1378هـ.ش.
210ـ مايكل جي، راسكين، درآمدي بر علم سياست، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي اردستاني، نشر قومس، ط1، طهران، 1393هـ.ش.
211ـ متوسلي، محمود، توسعه اقتصادي، مفاهيم، مباني نظري، رويكرد نهادگرايي وروش شناسي، نشر سمت، طهران، 1382هـ.ش.
212ـ المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج67، مؤسّسة الوفاء، بيروت، 1403هـ.
213ـ محمّد پور، سيما، دهكردي وآخرون، «نسبت ميان عقلانيت وكرامت انسان در فلسفه ملا صدرا وكانت»، فصلنامه معرفت فلسفي، العدد 4، 1388هـ.ش.
214ـ محمّدي، تيمور، اقتصاد كلان، نشر برادران، ط16، طهران، 1378هـ.ش.
215ـ مدد پور، محمّد، فلسفه هاي پست مدرن غربي وگريز وگذر از مدرنيته، نشر سوره مهر، ط2، طهران، 1388هـ.ش.
216ـ مشكاة، عبد الرسول، درآمدي بر مكاتب وانديشه هاي معاصر، نشر سمت، طهران، 1390هـ.ش.
217ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، فلسفه اخلاق، انتشارات مؤسّسة

(207)

آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، ط12، قم، 1382هـ.ش.

218ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، اخلاق در قرآن، ج1، انتشارات مؤسسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، قم، 1376هـ.ش.

219ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، آموزش عقايد، ج1 و3، انتشارات سازمان تبليغات اسلامي، ط1، قم، 1367هـ.ش.

220ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، آموزش فلسفه، ج1، شركت چاپ ونشر بين الملل سازمان تبليغات اسلامي، طهران، 1378هـ.ش.

221ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، تهاجم فرهنگي، انتشارات مؤسّسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، ط1، قم، 1376هـ.ش.

222ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، جايگاه وتاريخ از نگاه قرآن، انتشارات سازمان تبليغات اسلامي، ط1، قم، 1378هـ.ش.

223ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، معارف قرآن، مؤسسه آموزشي پژوهشي امام خميني (قده)، قم، 1380هـ.ش.

224ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، نظريه حقوقي اسلام، تحقيق: محمّد مهدي نادري، انتشارات مؤسّسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، قم، 1380هـ.ش.

225ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، نظريه سياسي اسلام، ج1ـ2، انتشارات مؤسّسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، ط1، قم، 1378هـ.ش.

(208)

226ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، نظريه سياسي اسلام، ج 1، انتشارات مؤسسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، قم، 1386هـ.ش. 
227ـ مصباح اليزدي، محمّد تقي، نظريه سياسي اسلام، ج2، انتشارات مؤسّسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، قم، 1386هـ.ش.
228ـ المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، نشر كتاب، طهران، 1360هـ.ش.
229ـ المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، نشر وزارت فرهنگ وارشاد اسلامي، ط 1، طهران، 1368هـ.ش.
230ـ المطهري، مرتضى، آشنائي با علوم اسلامي/ حكمت عملي، انتشارات صدرا، ط15، طهران، 1374هـ.ش.
231ـ المطهري، مرتضى، امدادهاي غيبي در زندگي بشر، انتشارات صدرا، قم، 1362هـ.ش.
232ـ المطهري، مرتضى، بررسي اجمالي مباني اقتصاد اسلامي، انتشارات حكمت، طهران، 1362هـ.ش.
233ـ المطهري، مرتضى، پيرامون انقلاب اسلامي، انتشارات صدرا، طهران، 1378هـ.ش.
234ـ المطهري، مرتضى، جامعه وتاريخ، انتشارات صدرا، طهران، 1377هـ.ش.

(209)

235ـ المطهري، مرتضى، ده گفتار، انتشارات صدرا، طهران، 1372هـ.ش.
236ـ المطهري، مرتضى، فطرت، انتشارات صدرا، ط14، طهران، 1382هـ.ش.
237ـ المطهري، مرتضى، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج2 و4 و7 و27 و31، انتشارات صدرا، ط 6، قم، 1380هـ.ش.
238ـ المطهري، مرتضى، مقدمه اي بر جهان بيني اسلامي، جامعه وتاريخ، انتشارات صدرا، ط2، قم، 1369هـ.ش.
239ـ معظم بور، إسماعيل، نقد وبررسي ناسيوناليسم تجددخواه در عصر رضا شاه، انتشارات مركز اسناد انقلاب اسلامي، طهران، 1383هـ.ش.
240ـ معلمي، حسن، معرفت شناسي، انتشارات بوستان كتاب، ط1، قم، 1390هـ.ش.
241ـ معموري، علي، نظرية سياسي شهيد صدر، انتشارات إشراق، ط1، قم، 1379هـ.ش.
242ـ معين، محمّد، فرهنگ فارسي، ج3 (أربعة مجلّدات)،  نشر دبير، ط1، طهران، 1382.
243ـ مفروضي، محمّد جواد، فلسفه سياست، انتشارات مؤسّسة آموزشي پژوهشي امام خميني (ره)، ط6، قم، 1379هـ.ش.

(210)

244ـ مغداف، هاري وتام كمب، امپرياليسم: تاريخ، تئوري وجهان 3، ترجمه إلى الغة الفارسيّة: هوشنگ مقتدر،، انتشارات كوير، ط4، طهران، 1369هـ.ش.
245ـ ماغي، برايان، فلاسفة بزرگ، آشنائي با فلسفه غرب، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عزت الله فولادوند، نشر خوارزمي، ط5، طهران، 1394هـ.ش.
246ـ ملكيان، مصطفى، تاريخ فلسفه غرب،نشر پژوهشكده حوزه ودانشگاه، قم، 1379هـ.ش.
247ـ ملكيان، مصطفى، راهي به رهائي، انتشارات نگاه معاصر، ط1، طهران، 1381هـ.ش.
248ـ منصوري، جواد، فرهنگ استقلال وتوسعه، انتشارات وزارت خارجه/ مؤسسه چاپ وانتشارات، طهران، 1374هـ.ش.
249ـ مهدوي زادگان، داود، اسلام وسنت وبري، انتشارات طه، ط1، قم، 1377هـ.ش.
250ـ مورفي، نانسي، چيستي سرشت انسان، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي شهبازي وسيد محسن اسلامي، انتشارات دانشگاه اديان ومذاهب، قم، 1391هـ.ش.
251ـ بلاوث، جيمز موريس، غرب چگونه غرب شد، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مرتضى مداحي، انتشارات سروش، طهران، 1392هـ.ش.

(211)

252ـ مولانا، حميد، ظهور وسقوط مدرن، انتشارات صبح، طهران، 1380هـ.ش.
253ـ نايجل، واربرتون، آثار كلاسيك فلسفه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مسعود عليا، نشر قنوس، طهران، 1382هـ.ش.
254ـ نصرتي، علي أصغر، نظام سياسي اسلام، انتشارات هاجر، ط8، قم، 1390هـ.ش.
255ـ نصري، عبد الله، انسان از ديدگاه اسلام، انتشارات پيام نور، ط13، طهران، 1381هـ.ش.
256ـ نظر پور، محمّد نقي، ارزش ها وتوسعه، پژوهشگاه فرهنگ وانديشه اسلامي، ط1، طهران، 1378هـ.ش.
257ـ نوذري، حسين علي، صورت بندي مدرنيته وپست مدرن، انتشارات نقش جهان، ط2، طهران، 1378هـ.ش.
258ـ نوذري، حسين علي، مجموعه مقالاتي در سياست فرهنگ ونظريه اجتماعي مدرنيته ومدرنيسم، ترجمها إلى اللغة الفارسيّة: حسين علي نوذري، نشر نقش جهان، ط 3، طهران، 1391 هـ ش.
259 ـ نوروزي خياباني، مهدي، فرهنگ جامع لغات واصطلاحات سياسي، نشر ني، طهران، 1387 هـ ش.
260 ـ نوروزي، محمّد جواد، استقلال در الگوي اسلامي ايراني پيشرفت، مؤسسه آموزشي پژوهشي امام خميني (قدس سرّه)، ط 1، قم، 1394 هـ ش.

(212)

261 ـ نولان، باتريك، وجرهارد لنسكي، جامعه هاي انساني، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: ناصر موفقيان، ص 509، نشر ني، ط 1، طهران، 1380 هـ ش.
262 ـ نويهاوزر، فردريك، نظريّة سوبژكتيويته در فلسفه فيخته، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: السيد مسعود الحسيني، انتشارات ققنوس، طهران، 1391 هـ ش.
263 ـ كهون، لارنس، از مدرنيسم تا پست مدرنيسم، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عبد الكريم رشيديان، نشر ني، ط 14، طهران، 1384 هـ ش.
264 ـ کهون، لارنس، مارتن، نيچه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: إيرج قانوني، نشر آگه، ط 1، طهران، 1388 هـ ش.
265 ـ هدايت خواه، ستار، تهاجم فرهنگي، انتشارات ضريح آفتاب، مشهد، 1374 هـ ش.
266 ـ همتي، عبد الناصر، نگرشي بر ديدگاه ها ومسائل توسعه اقتصادي، انتشارات سروش، طهران، 1388 هـ ش.
267 ـ هيكس، ستيفن آر. سي.، تبيين پست مدرنيسم شك گرائي وسوسياليسم از روسو تا فوكو، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسن سفيد پور، انتشارات ققنوس، ط 1، طهران، 1391 هـ ش.
268 ـ هيوم، ديفيد، تحقيق در مبادي اخلاق، ترجمه إلى اللغة 

(213)

الفارسيّة: رضا تقيان، انتشارات گويا، طهران، 1377 هـ ش.
269 ـ واعظي، أحمد، انسان از ديدگاه اسلام، انتشارات سمت، ط 12، طهران، 1391 هـ ش.
270 ـ ويليام آوتويت وتام باتامور، فرهنگ علوم اجتماعي قرن بيستم، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسن چاوشيان، نشر ني، طهران، 1392 هـ ش.
271 ـ يزداني مقدم، أحمد رضا، انسان شناسي وپيامدهاي آن در انديشه سياسي هابز وعلامه طباطبائي، پژوهشگاه علوم وفرهنگ اسلام، ط 1، قم، 1391 هـ ش.

(214)
المؤلف في سطور فاطمة السادات هاشميان - حائز على شهادة دكتوراه في اصول الاسلام النظرية واستاذ مساعد في جامعة فرهنگيان . المؤلفات : كتاب (أزمة الأنثروبولوجيا في التطور الحديث) الصادر عن جامعة التربية الإسلامية ، 2022 . كتاب (الأسس الأنثروبولوجية في نظرية التقدم الثقافي) الصادر عن جامعة التربية الإسلامية . لها العديد من الكتب والمقالات البحثية العلمية .
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف