أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مناهج العلوم الإسلامية - المناهج العامة وتطبيقاتها في العلوم الإسلاميّة - (الجزء الثالث)

مناهج العلوم الإسلامية - المناهج العامة وتطبيقاتها في العلوم الإسلاميّة - (الجزء الثالث)

تأليف :

مجموعة باحثين

 

فهرس المحتويات

الفصل الأوّل: المناهج العامّة الأساسيّة

المنهج العقلي: قراءة في مهام العقل وأدواره في المعرفة الدينيّة

أوّلًا: أدوار العقل ومهامّه

ثانيًا: أدوار ومهام العقل في المعرفة الدينيّة

المنهج النقليّ وتطبيقاته في النصوص الإسلاميّة

1- تعريف المنهج النقليّ

2-أسس المنهج النقليّ

المطلب الأوّل: كتاب الله

أوّلًا- تأكيد تواتر القرآن وقطعيّة صدوره

ثانيًا: سلامة القرآن من التحريف

المطلب الثاني: سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

أوّلًا: طرق إثبات السنّة

ثانيًا: التحقّق من سلامة النصّ من التحريف

ثالثًا: دراسة متن النص

رابعًا: حجيّة الأخبار

المنهج الاستقرائيّ وتطبيقاته في العلوم الإسلاميّة

أوّلًا: أصول منهج الاستقراء

ثانيًا: الاستقراء عند السيّد الشهيد الصدر (1935- 1980)

ثالثًا: تطبيقات الاستقراء في علم أصول الفقه

رابعًا: تطبيقات المنهج الاستقرائيّ في علم الكلام

خامسًا: المنهج الاستقرائيّ في علمي الدراية والرجال

المنهج التاريخي وتطبيقاته في العلوم الإسلاميّة

أوّلًا: المقدّمات النظريّة للمنهج التاريخي

ثانيًا: المنهج التاريخي والعلوم الإسلاميّة

ثالثًا: المنهج التاريخي وعلم الكلام

رابعًا: المنهج التاريخي في البحث الفقهي والأصولي

خامسًا: المنهج التاريخي والفلسفة الإسلاميّة

المنهج العرفانيّ وتطبيقاته في العلوم الإسلاميّة

أوّلًا: الكشف والشهود في العرفان:

ثانيًا: أدوات المعرفة في المنهج العرفانيّ

ثالثًا: خصائص المنهج العرفانيّ

رابعًا: تطبيقات المنهج العرفانيّ

الفصل الثاني: المناهج العامة الفرعيّة

المنهج الوصفيّ ومساراته في العلوم الإسلاميّة

أوّلًا: المنهج الوصفيّ: التعريف والمحدّدات

ثانيًا: أقسام المنهج الوصفيّ

ثالثًا: أدوات المنهج الوصفيّ

رابعًا: نقد المنهج الوصفيّ

خامسًا: العلوم الإسلاميّة والمنهج الوصفيّ

سادسًا: نماذج تطبيقيّة لموضوعات ومسائل من العلوم الإسلاميّة

المنهج المقارن والعلوم الإسلاميّة

أوّلًا: أصول المنهج المقارن وضوابطه

ثانيًا: المنهج المقارن في العلوم الإنسانيّة

ثالثًا: المنهج المقارن في العلوم الدينيّة

المنهج التكامليّ في البحوث الدينيّة

أوّلًا: مبادئ المنهج التكامليّ

ثانيًا: تطبيقات المنهج التكامليّ في العلوم الإنسانيّة

ثالثًا: تطبيقات المنهج التكامليّ في العلوم الإسلاميّة

المنهج الجدليّ: أصوله واستخداماته في التراث الإسلاميّ

أوّلًا: مفهوم المنهج والجدل

ثانيًا: تاريخيّة الجدل

ثالثًا: المنهج الجدليّ وتطبيقاته في التراث الإسلاميّ

منهج تحقيق المخطوطات

أوّلًا: التعريف بالتحقيق لغةً واصطلاحًا

ثانيًا: تطوّر منهج التحقيق

ثالثًا: دراسة نُسَخ المخطوط

رابعًا: نَسْخُ المخطوطِ ومقابلةُ نُسَخِهِ

خامسًا: تصحيح النصّ وتحريره وتقويمه

سادسًا: التعليق على النصوص وتخريجها

سابعًا: كتابة مقدّمة التحقيق

ثامنًا: إعداد فهارس المخطوط

 

مقدّمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

يتميّز الإنسان عن باقي الكائنات المشاركة له في وحدة الحياة، بأنّه باحثٌ عن الحقيقة، وصانعٌ للعلم، ومُنتِجٌ للمعرفة. وإنّ البحث العلمي والإنتاج المعرفي وليد قوّة التفكير الذهني المقرونة بفطرة حبّ الاستكشاف، والمتلازمة مع دهشة السّؤال عن الحقيقة، فلا معرفة بدون قضايا وأجوبة وتفسيرات، ولا أجوبة بدون أسئلة واستفهامات واستفسارات، ولا أسئلة بدون بحث وفعل التفكير في موضوع ما لاستكشاف خصائصه والاطّلاع على أحواله، والوصول إلى حقيقة صفاته. وللتفكير تجاه الموضوع أنحاءٌ مختلفةٌ للانتقال من المجهول إلى تكوين العلم به، وتبعاً لأنحاء التفكير تتعدّد أساليب وطرق الوصول إلى الحقيقة، وقد وقعت أساليب التفكير الذهني في الموضوع بحدّ نفسها؛ لتكون موضوعاً للتفكير والبحث والدراسة، أيّ التفكير في أساليب التفكير.

وقد احتلّت مسألة البحث عن المنهج، ودوره في بناء أيّ منظومة معرفيّة وإنتاج العلم، حيّزاً مهمّاً في الدّراسات الحديثة والمعاصرة. فالمنهج هو الطريق الواضح، ونهج لي الأمر: أوضحه، كما يذهب أهل اللّغة، ولهذا يشكّل المنهج خارطة الطريق التي يتغيّ الباحث بالاعتماد عليها والالتزام بقواعدها وشروطها التوصّل إلى النتائج والأجوبة المطلوبة في حقل معرفي معيّن.

ولتستقيم العمليّة البحثيّة وتُؤتي ثمارها العلميّة بشكل علمي وموضوعيّ وشفّاف، تمّ التّوافق بين أهل العلم والفنّ على ضرورة مراعاة مجموعة من الشروط والمواصفات، من أهمّها: الأمانة العلميّة والنزاهة والاستقامة، والموضوعيّة العلميّة وروح النقد البنّاء؛ فالأمانة العلميّة تفرض على الباحث أن يكون أميناً في نقله للأفكار أو التعبير عنها، دون أدنى تحوير أو تغيير فيها، ودقيقاً في اقتباسه للمعلومات. كما ينبغي على الباحث التحلّي بالاستقامة والنزاهة العلميّة وسلوك الطرق القويمة للوصول إلى هدفه أو غايته...[1]. هذا إلى جانب الموضوعيّة العلميّة وروح النقد البنّاء، فهي تفرض على الباحث أن يتحلّى بصفة الحياديّة والتجرّد عن الهوى الشخصيّ، والبُعد عن الأحكام المسبقة، والالتفات إلى أنّ معيار أحقّية نظريّة أو فكرة ما أو عدم أحقّيتها ليس في انتمائها إلى حقل قومي أو جغرافي أو مذهبي، أو ديني...، بل بالسؤال عنها: هل هي حقّ في ذاتها أم لا؟ بصرف النظر عن منشئها. وعليه أن يعرض آراءه مرفقة بالأدلّة، ومستندة إلى الشواهد والحجج المقنعة، وأن يناقش الآراء بروح يتعالى فيها عن الشتم والإهانة، بل يناقش الفكرة بذاتها، وينقدها نقداً بنّاءً. وعدم إهمال ما لا يتّفق ورأيه ومذهبه الذي يذهب إليه؛ وذلك لأنّ الموضوعيّة العلميّة تقتضي منه ذكر كلّ الأدلّة والحجج والآراء والنظريّات المتعلّقة بموضوعه بكلّ دقّة وأمانة وتجرّد ونزاهة. وهو ما ينسجم مع حقيقة البحث العلمي وغايته، التي هي الكشف عن الحقيقة والوصول إليها؛ تحقيقاً، واستقصاءً، وتحليلاً، ووصفاً، ومقارنة، وعرضاً، ونقداً...، بهدف تحصيل المعرفة بأحوال الموضوع، وكشف حقائق جديدة عنه، والتأكّد من صحّتها بالبرهنة عليها، وإسنادها بالشواهد والحجج والأدلّة.

لم نقصد من هذا التمهيد في مقدّمة الكتاب، تكرار ما أورده الباحثون في مصنّفاتهم العديدة في هذا المجال، بقدر ما أردنا التأكيد على أهميّة هذا المشروع «دراسات في المنهج»، وضرورته في هذه المرحلة المفصليّة والحسّاسة في المواجهة الفكريّة والحضاريّة مع الآخر؛ إذ لا بدّ عند دراسة فكر الآخر وفلسفته ورؤاه...، من دراسة وتقويم جميع العناصر والأدوات المنهجيّة في مناهج العلوم المعتمدة عنده، تمهيداً لمناقشة منظومته الفكريّة والفلسفيّة والحضاريّة على اختلاف مصاديقها، وتنوّعها، وامتدادها التاريخي والجغرافي.

وحتى لا نقع في تقديمنا لفكرنا وعلومنا، وفي قراءتنا ونقدنا للآخر، في إشكاليّة التحزّب غير العلمي -كما وقع الكثير من الغربيين في دراستهم للإسلام- يجب أن نقدّم رؤيتنا الفكريّة والفلسفيّة والعقديّة الأصيلة وفق منهجيّة علميّة، تمتاز بمتانة أسسها، وتماسك عناصرها، وموضوعيّتها، وهو ما يفرض علينا إعادة ترشيد وتطوير وتبيين مناهجنا العلميّة بما يحقّق غايتنا الفكريّة والحضاريّة، ويُغني كلّ العمليات البحثيّة ويجعلها أكثر دقّةً وعلميّةً.

وهذا ما يخلق عملية تفكّر معمّقة وهادفة على قاعدة أنّ التفكّر مفتاح خزائن المعرفة الحقّة، وإذا لم يتفكّر الإنسان، فإنّه لن يعرف الحقائق الوجوديّة، وسوف يغفل أيضًا عن هويّته الحقيقيّة، وبالتالي لن ينال الكمال الإنسانيّ المطلوب، وهذا هو السرّ في اعتبار التفكّر عبادة، وفي مدحه والثناء عليه في القرآن والسنّة، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة، 219)، وروي عن الإمام الحسن(عليه السلام): «التفكّر حياة قلب البصير»[2]، وعن الإمام الصادق(عليه السلام): «كان أكثر عبادة أبي ذرّ -رحمه الله- التفكّر والاعتبار»[3].

 

الحمد لله رب العالمين

المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة

 

مقدّمة الكتاب

الحمد الله الذي هدانا لحمده، وجعلنا من أهله، لنكون لإحسانه من الشاكرين، وليجزينا على ذلك جزاء المحسنين. والحمد الله الذي حبانا بدينه، واختصّنا بملّته، وسبّلنا في سبل إحسانه لنسلكها بمنّه إلى رضوانه، حمدًا يتقبّله منّا، ويرضى به عنّا[4]، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين خير المصطَفين، حججه على خلقه، وسبل الهداية إلى طريقه، والأدلّاء على شرعته ومنهاجه.

أما بعد، فقد اختلفت الآراء وتنوّعت الاجتهادات في إحصاء مناهج البحث وتقسيمها، فلا نجد طريقة اُتُّفِق عليها في تنويع هذه المناهج، ولا أساسَ تقسيم واضحٍ مجمع عليه في ذلك. حيث ينطلق كلّ باحث، أو كلّ مصنّف، من المجال المعرفي الذي يشتغل فيه، وبالتالي تخضع التصنيفات أو أغلبها لِمجال علميّ معيّن، ونفقد بالتّالي التصنيفات الشاملة والمستوعبة. وربّما يرجع هذا الاختلاف إلى تبنّي جلّ الباحثين لمناهج نموذجيّة رئيسة واعتبارهم الأقسام الأخرى متفرّعة عن تلك، كما قد يختلف المختصّون في اعتبار هذا منهج أو هو مجرّد أداة أو أسلوب بحث...

ولذلك كان أحد الهواجس المؤرّقة لنا منذ إطلاق المشروع: أيّ تقسيم  نعتمد؟ وأيّها يُسعفنا في تغطية كلّ قضايا السلسلة، وموضوعاتها، ويتناسب مع شمولها واستيعابها. فنحن -وكما أوضحنا في مقدّمة الجزء الأوّل من هذه السلسلة- نُريد للقارئ أن يتعرّف على المناهج العامّة التي تُعتمد في أكثر من علم وأكثر من مجال علمي، وسياقات هذه المناهج العامة وعلاقاتها مع العلوم الإسلامية؛ هذا من جهة، ومن جهة ثانية، نريده أن يتهيّأ للمعرفة التفصيليّة المعمّقة للمناهج الخاصّة لكلّ علم من العلوم الإسلاميّة (علوم القرآن وتفسيره، علم الحديث، الكلام، الفقه، الأصول....)، والتي ستأتي تباعًا في الأجزاء اللّاحقة.

ولذلك، وجدنا أنّ التقسيم الذي اعتمده صاحب أصول البحث العلمي[5]، هو الأنسب بتوجّهات المشروع وأهدافه.

ولنستعرض أوّلًا أشهر التقسيمات التي نجدها عند مصنّفي مناهج البحث، بحسب شكل التقسيم: ثنائي، أو ثلاثي، أو رباعي...، ثمّ نعرّج إلى التقسيم المعتمد:

التصنيف الثنائي: من ذلك ما ذكره البستانيّ في منهجيّة البحث الجامعي[6]، بأنّ المناهج العامّة تنقسم إلى قسمين:

أ - استقرائي: يبدأ من الحقائق الجزئيّة ليصل منها إلى حقيقة عامّة أو مبدأ عام.

ب - استنباطي: يبدأ من المبادئ العامّة ليصل إلى الحقائق الجزئيّة.

وهذا موغل في الكلّيّة والعموميّة، وهو أقرب إلى تقسيم طرائق التفكير العامّة -كما يتصدّى علم المنطق-  منه إلى مناهج البحث العلمي والتي تتّسم بالدقّة والجزئيّة.

التصنيف الثلاثي: كالذي أورده عبد الرحمان بدوي في كتابه مناهج البحث العلمي[7]، فعنده المناهج ثلاثة:

أ- منهج استدلالي: في الرياضيات والعلوم العقليّة.

ب- منهج تجريبي: في العلوم التجريبيّة.

ت- منهج استردادي: في المجال التاريخي.

التصنيف الرباعي: على منوال ما ذكره -مثلًا- صاحب المنطق الحديث ومناهج البحث[8]، حيث قسّم مناهج البحث قسمةً رباعيّة:

أ - منهج البحث في الرياضيات.

ب - منهج البحث في العلوم الطبيعيّة.

ت - منهج البحث في العلوم الاجتماعيّة.

ث - منهج البحث في التاريخ.

ومن المؤلّفين الذين اعتمدوا تقسيمًا رباعيًّا أيضًا، ولكن مع اختلافهم في نتيجة القسمة، الدكتور فريد الأنصاري[9]:

- المنهج الوصفي

- المنهج التوثيقي

- المنهج الحواري

- المنهج التحليلي

التصنيف الخماسي: وقد ورد هذا التصنيف في كتاب «مناهج البحث العلمي في الإسلام»[10]؛ حيث ذكر خمسة أنواع:

أ- منهج الاستدلال أو الاستنباط: وهو منهج يبدأ من قضايا مبدأيّة مسلّم بها إلى قضايا أخرى تنتج عنها بالضرورة دون الالتجاء إلى التجربة.

ب- منهج الاستقراء التجريبي: يبدأ من جزئيّات أو مبادئ غير يقينيّة إلى قضايا عامّة بالاستعانة بالملاحظة والتجربة.

ت- منهج الاسترداد التاريخي: منهج يستند فيه إلى استرداد الماضي تبعًا لما تركه من آثار أيّا كان نوعها.

ث- المنهج الوصفي: يستند إلى وصف الظواهر الطبيعيّة والاجتماعيّة كما عليها، وهو مكمّل للمنهج الاستردادي التاريخي الذي يصف الظواهر في تطوّرها الماضي حتى يصل بها إلى الوقت الحاضر.

جـ- المنهج الجدلي: وهو منهج مكمّل للمناهج السابقة، ويُحدّد التناظر والتحاور بين الجماعات العلميّة أو في المناقشات العلميّة على اختلافها.

كما تبنّى أيضًا الدكتور أحمد بدر[11] تقسيمًا خماسيًّا بعد أن استعرض عدّة محاولات تصنيفيّة مرجّحًا التقسيم الآتي:

أ- البحث الوثائقي أو التاريخي

ب- البحث التجريبي

ث- المسح

ج- دراسة الحالة

ح- المنهج الإحصائي

ونشير هنا أنّ الدكتور بدر أورد أيضًا تقسيمات سداسيّة، وسباعيّة[12].

التصنيف الأشمل:

ذكره الدكتور عبد الهادي الفضلي في كتابه «أصول البحث»[13]؛ حيث قسّم أوّلًا المناهج إلى:

أ- منهج تلقائي: ويراد به ما يزاوله عامة الناس في تفكيرهم من دون أن يكون هناك التفات منهم إلى مسألة المنهج أو إلى أي خطة واضحة في أذهانهم ولا عجب من ذلك فأكثر الناس هم مناطقة دون التفات.

ب- منهج تأمّلي: وهو المناهج التي جاءت نتيجة التأمّل الفكري والنظري الذي أدّى إلى صياغة قواعدها وأصولها.

ثم يُقسّم صاحب هذا التصنيف المنهج التأمّلي إلى قسمين رئيسيين:

المناهج العامّة: وهي التي يُرجع إليها عند البحث في أيّ حقل من حقول المعرفة.

المناهج الخاصّة: وهي مجموعة القواعد التي تستخدم في حقل خاصّ من حقول المعرفة أو علم خاص من العلوم.

ثم يقسّم المناهج العامّة إلى سبعة أنواع:

أ- المنهج النقلي: ويتمثّل في مجموعة القواعد والآليّات المعتمدة في دراسة النّصوص المنقولة، ويقوم هذا المنهج بثلاث خطوات أساسيّة: توثيق إسناد النص، والتحقّق من سلامة النصّ من التحريف والتزييف، وفهم مدلول النصّ.

يُستخدم هذا المنهج في فروع عدّة من العلوم الشرعيّة، كالفقه، والتفسير، والأصول، وكذلك في البحوث التاريخيّة.

ب- المنهج العقلي: وهو المنهج الذي يستند إلى القواعد والمبادئ العقليّة، كاستحالة اجتماع النقيضين، واستحالة التسلسل، واستحالة الدور....إلخ.

فالعمدة في هذا المنهج: البديهيات العقليّة والمبادئ المنبثقة عنها، ويُستخدم في البحث الفلسفي والأصولي والكلامي....إلخ.

ت- المنهج التجريبي: ويتمثّل بالطريقة المعتمدة في دراسة الظواهر الطبيعيّة أساسًا، ويقوم على الملاحظة، والفرضية، والتجريب، فالقانون. وقد تغلغل هذا المنهج في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة.

ث- المنهج الوجداني: ويُسمّى بالمنهج الشهودي، ويعتمد على التأمّل الباطني وتزكية النفس، ويستند هذا المنهج إلى مبدأ مؤدّاه أنّ تهذيب النّفس وصقلها هو الطريق لمعرفة الحقائق، ويُستخدم خصوصًا في علوم التصوّف والعرفان.

ج- المنهج التكاملي: يُقصد به استخدام أكثر من منهج في البحث، بحيث تتكامل بينها لتصنع مستلزمات البحث موضع التطبيق، ومثال ذلك: المنهج الكلامي الذي يتكامل فيه المنهج النقلي والمنهج العقلي، وفي التصوّف يتكامل المنهج الوجداني والنقلي، وفي علم النحو القديم يُستخدم منهج نقليّ عقليّ.

ح- المنهج المقارن: والمراد منه الطريقة التي يتّبعها الباحث في الموازنة بين الأشياء والمقارنة ومقابلة الأحداث والآراء بعضها ببعض؛ لكشف ما بينها من وجوه تنتبه أو علاقات. ومثال ذلك في علم الاجتماع: مقارنة عادات وتقاليد مجتمعات في مناطق جغرافيّة مختلفة.

ج- المنهج الجدلي: وهذا المصطلح له معنيان: قديم، وجديد. ويُراد بالقديم طريقة المناظرة والمخاصمة، والتي تعتمد على أقيسةٍ منطقيّةٍ مقدّماتها من المشهورات والمسلّمات، فالجدل في المنطق القديم إحدى الصناعات الخمس كما هو معروف.

وفي المصطلح الجديد: يُراد من المنهج الجدلي المنطق الديالكتيكي، الذي تعتمده المدرسة الماركسيّة في تفسير الطبيعة من جهة والمجتمع والتاريخ من جهة أخرى. فالطبيعة وفق هذا المنطق الجدلي، هي في حركةٍ مستمرّةٍ «وصيرورة» على أساس صراع الأضداد (المادية الديالكتيكيّة). وعلى مستوى المجتمع والتاريخ، فالمجتمع البشريّ يتصوّر وفق مراحل تاريخيّة تُحدّدها الماديّة التاريخيّة، وهذا التصوّر يستند إلى مبدأ صراع الطبقات والتناقض بين «وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج (الماديّة التاريخيّة) كلّ مظاهر هذا الصّراع وذاك، تستند إلى ثلاثيّة المنطق الجدلي: الأطروحة، والطباق، والتركيب.

أمّا المناهج الخاصّة، فهي تتنوّع بتنوّع العلوم، فيمكن أن تتحدّث عن مناهج علوم القرآن والتفسير، ومناهج علوم الحديث، ومناهج الفقه، ومناهج الأصول، ومناهج الكلام ....

التقسيم المعتمد في هذه السلسلة وتبريراته

بعد هذا الاستعراض لبعض النماذج التقسيميّة للمناهج، نشرح التقسيم الذي اعتمدناه في هذه السلسلة، ودواعي ذلك.  فقد أشرنا أنّ التقسيم الأخير (للدكتور الفضلي) هو الأفضل والأشمل، وإن كنّا نتّفق معه في مبدأ التمييز بين المناهج العامة والمناهج الخاصّة، ولكن سنختلف معه في بعض الجزئيّات.

وفي هذا الكتاب -بين يدي القارئ- أي الجزء الثالث من المقدّمات التأسيسيّة، نتحدّث عن المناهج العامّة وسياقاتها وعلاقاتها بالعلوم الإسلاميّة، وفي الأجزاء اللّاحقة من هذه السلسلة ندرس تفصيليًّا المناهج الخاصّة لكلّ علم من العلوم الإسلاميّة، كعلوم القرآن وتفسيره، وعلم الحديث، وعلم الكلام، والفقه، والأصول ....

وقد قسّمنا في كتابنا هذا المناهج العامّة نفسها إلى قسمين: المناهج الأساسيّة والمناهج الفرعيّة.

أمّا المناهج الأساسيّة، فقد أرجعناها إلى خمسة:

1- المنهج العقلي.

2- المنهج النقلي.

3- المنهج الاستقرائي.

4- المنهج التاريخي.

5- المنهج العرفاني أو الشهودي.

وهي -كما يُلاحظ القارئ- المناهج الأصليّة التي تتماهى مع طرائق تحصيل المعرفة: مدركات العقل وفعّالياته في المنهج العقلي، والوحي وتسديداته في المنهج النقلي، والشّواهد الحسيّة والتجريبيّة في المنهج الاستقرائي، والكشف والشهود والإلهام في المنهج العرفاني، والتاريخ وإرث الماضين في المنهج التاريخي.

أمّا المناهج الفرعيّة، فقد عُدّت كذلك؛ لأنّها متفرّعة عن الأولى، وتأتي في مرتبة ثانية، وهي أيضًا خمسة أنواع:

1- المنهج الوصفي.

2- المنهج المقارن.

3- المنهج التكاملي.

4- المنهج الجدلي.

5- المنهج التحقيقي.

وهذا الكتاب يتألّف من فصلين اثنين: يدرس الأوّل منهما المناهج الأساسيّة في خمسة مباحث، ويناظره الفصل الثاني الذي يدرس المناهج الفرعيّة في مباحث خمسة أيضًا.

وهذه الدراسة لكلّ من هذه الأقسام العشرة من المناهج العامة تستهدف التعريف بكلّ واحد من المناهج العامّة: ماهيّته، ومبادئه، وأصوله، وأسسه، وأدواته... وتحليل سياقات هذا المنهج في العلوم الإسلامية وتطبيقاته في هذه العلوم، كما نرصدها في الساحة العلمية، أو كما ينظّر لها الباحثون والمتخصّصون. وهذا أمر طبيعيّ لأنّنا لا ندرس المناهج لذاتها، وإنّما ندرسها من جهة علاقتها بالعلوم الإسلاميّة وانعكاساتها على البحث في هذه العلوم، والكشف عن حقائقها، وتنقيح مطالبها ومسائلها.

والهدف الأبعد لذلك، أنْ نُمهّد -بكلّ ما يستوجبه التمهيد من عدّة علميّة ومعرفيّة- لدراسة المناهج الخاصّة بكلّ علم من العلوم الإسلاميّة في الأجزاء اللّاحقة من هذه السلسلة إن شاء الله تعالى.

وعلى المنوال الذي سلكناه في مقدّمة كلّ من الجزء الأوّل والثاني من السلسلة، نعطي للقارئ لمحةً عامةً عن مضامين مباحث فصْلَيْ الكتاب:

الفصل الأوّل: المناهج العامّة الأساسيّة

صار واضحًا أنّ هذا الفصل يتألّف من مباحث خمسة، يدرس كلّ مبحث منهجًا من المناهج الأساسيّة. وقد جاءت تباعًا، كالآتي:

1- المنهج العقلي: قراءة في مهام العقل وأدواره في المعرفة الدينيّة

هذه القراءة بقلم الدكتور رضا برنجكار، الأستاذ المساعد في جامعة طهران، الذي انطلق من قراءة الشيخ جوادي آملي لأدوار العقل في هندسة المعرفة الدينيّة، والذي أرجعها إلى ثلاثة أدوار أساسيّة: الميزان والمفتاح والمصباح؛ أي دور الموازنة بين المقبول والمرفوض، والثاني إيصال المرء إلى الوحي وإيكال أمره لما يقوله الوحي والنقل، وبالتالي ينتهي دور العقل عند هذا الحد، أما دور المصباح  فهو ألاّ يتوقّف العقل على تخوم الوحي، بل يساعد الإنسان في استكشاف مضامين الوحي ومداليله ويهدي بنبراس العقل كما يهتدي المرء بالمصباح في مجاهيل الظلمة.

إلاّ أنّ الدكتور برنجكار -في قراءته الخاصّة للموضوع- أرجع أدوار العقل إلى ثماني مهام، يُنجزها العقل في خمسة مدارات. أمّا الأدوار الثمانية، فهي: دور الميزان، ودور المفتاح، ودور الاستنباط، ودور الدفاع، ودور الآلة، ودور التكميل، ودور التعامل الاستقلاليّ، ودور التعامل غير الاستقلاليّ.

وأمّا المدارات التي تتمظهر فيها هذه الأدوار، فهي: العقل النظريّ، والعقل العمليّ، والعقل الآليّ، والعقل الاستنباطيّ، والعقل الدفاعيّ.

وفي هذا المبحث، يشرح الكاتب مفصّلًا هذه الأدوار، ويُحلّل طبيعة هذه المراتب الخمس للعقل.

2- المنهج النقلي وتطبيقاته في النصوص الإسلاميّة.

وكتبه سماحة الشيخ الدكتور إبراهيم بدوي، الأستاذ الحوزوي والجامعي من لبنان. وفي هذا المبحث أبرزَ الكاتب أهميّة المنهج النقلي، وأرجع أصوله إلى:

- إثبات صدور النصّ

- التحقّق من سلامة النّصّ من التحريف 

- دراسة متن النّصّ

- إثبات أو نفي حجيّة الدلالة

وسلك الكاتب مسلكًا عماده مرحلتين في البحث: فمرة يبحث في الدليل القرآني، وأخرى يبحث في الدليل الروائي، ويدرس في كلّ من الدليلين العناوين الأربعة التي ذكرناها في مقوّمات المنهج النقلي. وقاد البحث الكاتب إلى نتائج مهمّة نصّ عليها في خاتمة دراسته، لعلّ أبرزها:

أوّلًا: إنّ المنهج النقليّ ركيزة أساسيّة في مسار البحث عن الحقيقة، ولا يُمكن الاستغناء عنه في معرفة الأحكام الشرعيّة، بل معرفة كلّ ما مضى من أحداث وأقوال. وإنّ القرآن الكريم هو المصدر الأساسيّ والوحيد لمحاكمة ما يُنقل إلينا عمّن سبقنا، وخصوصًا في مجال الأمور الدينيّة؛ لأنّه قطعيّ الصّدور، بل ليس بين أيدينا اليوم كتاب إلهيّ قطعيّ الصدور غيره.

ثانيًا: في البحث الروائي، ورغم الاختلاف المنهجي في المسالك المعتمدة، إلّا أنّها جعلت عرض الرواية على القرآن العنصر الأساسيّ لمعرفة مدى صحّة الرواية. ولا يُمكن الركون إلى أيّ رواية ما دام القرآن الكريم يُعارضها.

ثالثًا: يوجد مسلكان مهمّان يُعتمدان لمعرفة مدى وثاقة الأحاديث، وهما: المسلك المضمونيّ، وهو المسلك الذي يعتمد على مضمون ما يُنقل إلينا عبر المرويّات، والمسلك السنديّ الذي يعتمد على صحّة سند الروايات ووثاقة روّاتها.

رابعًا: يختلف المسلك المضمونيّ عن مسلك أهل الحديث من الأخباريّين وغيرهم الآخذين بكلّ الروايات اختلافًا بيّنًا. ويختلف كذلك عن المسلك السنديّ الآخذ بالتوثيقات والاكتفاء بالظنّ المعتبر، والاكتفاء بالعرض على القرآن حين حصول التّعارض فقط. ويختلف عن مسلك القرآنيّين القدامى الرافضين للسنّة الحقيقيّة ولو جزئيًّا، وعن مسلك القرآنيّين الجدد الرافضين للسنّة المنقولة رفضًا كاملًا قولًا أو عملًا.

3-  المنهج الاستقرائي وتطبيقاته في العلوم الإسلاميّة

وقد كتبه الدكتور حاتم الكناني أستاذ التفسير التطبيقي في جامعة آل البيت D العالميّة بقم المقدّسة. وجاءت الدراسة في سياقين: نظريّ وتطبيقيّ. ففي السياق الأوّل، كان تعريف الاستقراء لغةً واصطلاحًا، وبيان أصول المنهج الاستقرائي في الفلسفة القديمة وعند الفلاسفة المسلمين، ومن ثمّ معالجة السيد محمد باقر الصدر لإشكاليات الاستقراء و تأسيسه للمذهب الذاتي في المعرفة، وكيفيّة تجاوزه مشكلة التعميم الاستقرائي، وهي معضلة أرّقت فلاسفة اليونان القدماء، كما أربكت فلاسفة الغرب المعاصرين، وانعكست في محاولاتهم العديدة والفاشلة في حلّ هذه المعضلة.

أمّا السياق التطبيقيّ، فتضمّن تطبيقات المنهج الاستقرائي في بعض العلوم الإسلاميّة، فكان تطبيق المنهج الاستقرائي في أصول الفقه، وما نتج عنه من مسالك جديدة عند الشهيد باقر الصدر في إثبات حجيّة الإجماع والشهرة والتواتر. وتطبيقات المنهج في العقائد وعلم الكلام، فكانت الطرق الجديدة اعتمادًا على هذا المنهج كما نُقّحت في المذهب الذاتي، لإثبات وجود الله، وكذلك إثبات نبوّة النبيّ محمد9، وإمامة أئمة أهل البيتD.

وفي البحث الرجالي والروائي، نبّه الباحث إلى بعض النكات في اعتماد هذا المنهج في الدراية والرواية.

4- المنهج التاريخي وتطبيقاته في العلوم الإسلاميّة

كتب هذا المبحث الشيخ الأسعد بن علي قيدارة، الباحث التونسي والمتخصّص في الكلام والمناهج. وقد مهّد الباحث لدراسته ببيان أهميّة التاريخ كمصدرٍ معرفيٍّ وينبوعٍ من ينابيع الفكر، وأنّ الخبرة الإنسانيّة نمت شيئًا فشيئًا في إحاطتها بأهميّة التاريخ ودوره في توجيه الإنسان وترشيد مسيرته. كما أشار الكاتب إلى أهميّة الكشف القرآني عن السنن التاريخيّة، والذي يُعدّ فتحًا كبيرًا للعقل البشري، بل اعتبره أحد أسباب ظهور النموذج الحضاري الإسلامي في عصور الازدهار وسيادته.

ومن ثمّ قسّم دراسته إلى قسمين: في القسم الأوّل، قدّم قراءةً وصفيّةً تحليليّةً لماهيّة المنهج التاريخي ومقوّماته، فعرّف التاريح لغة واصطلاحًا، وحدّد المراد من منهج البحث التاريخي بأنّه المراحل أو الخطوات التي يمضي فيها الباحث حتّى يصل إلى الحقيقة التاريخيّة عن طريق فحص وتحليل سجلّات الماضي وآثاره، ثمّ يدوّنها ليقدّمها للنّاس. وشرح أهميّة البحث التاريخي وفوائده وقيمة المنهج الاستردادي.

وحلّل مراحل عمل المؤرّخ من تجميع الوثائق، ونقدها خارجيًّا وداخليًّا، ثم التركيب وتنظيم الأفكار والنتائج التي ينتهى إليها. وفي ضوء هذه الهيكليّة الأساسيّة لعمل المؤرّخ، نقّح الكاتب خطوات منهجيّة البحث التاريخي خطوة خطوة.

وفي القسم الثاني، عالج الباحث علاقة المنهج التاريخي بالعلوم الإسلاميّة، وأهميّة الاستفادة منه. وفي هذا السياق، ميّز بين مجالين من العلوم الإسلاميّة:

- العلوم الإسلاميّة ذات الأرضيّة التاريخيّة: كالسيرة النبويّة، وسيرة الأئمة، والتراجم، والرجال....

- العلوم الإسلاميّة التي تكون موضوعاتها بعيدة عن الطبيعة التاريخيّة، كالعلوم الاستنباطيّة: الفقه، والتفسير، والكلام... والعلوم الممهّدة لها، كالأصول، والمنطق...

واستعرض الكاتب بحوثًا تطبيقيّةً لعلاقة المنهج التاريخي ببعض العلوم الإسلاميّة الاستنباطيّة من الفئة الثانية؛ لأنّ الفئة الأولى تخضع في العموم لآليات البحث التاريخي، وخطوات المنهج المزبور. فرصدت الدراسة تباعًا تطبيقات المنهج التاريخي في علم الكلام، وفي علمي الفقه والأصول، وأخيرًا في الفلسفة.

ومن خلال هذه التطبيقات، أكّدت الدراسة أنّ مسارات المنهج التاريخي في العلوم الإسلاميّة هي أبعد ما يكون عن التّرف الفكري؛ لخطورة النتائج التي كشفت عنها، سواء من جهة تنقيح المفاهيم والمصطلحات وتدقيقها، أو تحقيق الاستدلالات والبراهين، أو تشقيق المباني والطروحات في سائر هذه العلوم، كما أنّها تُزيح الستار عن الكثير من الأخطاء والاشتباهات في تاريخيّة بعض المسائل وبعض النظريات، بل هي في البحث الكلامي بالخصوص تُنتج أكثر من ذلك، فهي تُحدث نقلةً منهجيّةً من قراءة ستاتيكيّة ثبوتيّة وسكونيّة للعقيدة إلى قراءة ديناميكيّة.

5- المنهج العرفاني وتطبيقاته في العلوم الإسلاميّة 

كتب هذا المبحث الدكتور فادي ناصر الأستاذ بجامعة المعارف ببيروت. وقد استند في معالجته إلى مسار بحثيٍّ قوامه أربعة مطالب: في المطلب الأوّل، نقّح معنى الكشف والشهود في العرفان، وعرض أدوات المنهج العرفاني في المطلب الثاني، وحلّل خصائص هذا المنهج في المطلب الثالث، أما المطلب الرابع فخصّصه لتطبيقات هذا المنهج.

وقد كشف الباحث في معالجته هذه عن إيمانٍ عميقٍ بالمنهج العرفاني وأهمّيّته، ودوره في إنتاج المعرفة، وغايتها السامية، وهي معرفته سبحانه وتعالى. وأمّا أبرز النتائج التي أدركتها الدّراسة، فهي:

أوّلًا: إنّ المعرفة الحاصلة عن طريق الكشف هي معرفة يقينيّة لا تحتمل الشكّ، وهي لا تكتسب عن طريق الوسائط، سواء أكانت وسائط مادّيّة أم روحيّة.

ثانيًا: إنّ للكشف مراتب وأقساما، وهي: الكشف الشهوديّ الروحيّ، والكشف المعنويّ، والكشف الصوريّ. وأمّا الكشف الشهوديّ والمعنويّ، فهما مخصوصان بالأنبياء والرسل، والكشف المعنويّ والصوريّ أيضًا مخصوصان بالأولياء والأوصياء وتابعيهم من أمثالهم. وأمّا المراتب فهي كثيرة، كالوحي، والإلهام. كما أنّ للكشف طولًا وعرضًا.

ثالثًا: أدوات المعرفة في المنهج العرفانيّ هما القلب والعقل. والقلب عند العرفاء هو قوّة وراء طور العقل تصل العبد بالربّ‏، وهو مركز الكشوفات والمشاهدات الغيبيّة، وهو السبيل الوحيد إلى معرفة الحقّ تعالى. وأمّا العقل فهو موضع جدل كبير بين الفلسفة والعرفان، وقد ميّز الباحث بين العقل المقيَّد والعقل المؤيَّد.

رابعًا: إنّ العلاقة بين القلب والعقل في العرفان علاقة جدليّة؛ حيث اختلفت الآراء حول طبيعتها بين من يُقصي العقل من الشهود نهائيًّا وبين من يوفّق بينهما. وبكلّ الأحوال، فإنّ دور العقل يبقى في الأساس إعداد القلب وتهيئته لقبول المعارف الإلهيّة من الحضرة العلميّة؛ لذا يعتبر العقل مقدّمة وشرطًا أساسيًّا في هذه الرؤية العرفانيّة الخاصّة من أجل الوصول إلى مقام العلم بالأسماء والصفات الإلهيّة والتحقّق الوجوديّ بها.

خامسًا: يعتبر الكشف أساس المنهج العرفانيّ، ولأنّ المعرفة عند العارف هي في الأصل فطريّة ومودعة ومخزونة في أعماق الخلقة الإنسانيّة؛ لذا لا يُمكن أن تنال هذه المعرفة يد التأسيس البشريّ، مهما علت مرتبة الإنسان الوجوديّة؛ لذا كانت المعرفة عند العارف معرفة كشفيّة لا تأسيسيّة.

سادسًا: في تطبيقات المنهج العرفانيّ، درس الكاتب أثر هذا المنهج على الرؤية الوجوديّة والدينيّة العامّة، فالعارف عندما يرى الدين يراه على النحو الأتمّ والأكمل والأعمّ من الظاهر المقيّد بعالم المادّة والنشأة الدنيويّة، بل الدين عنده حقيقة متّصلة بالأفق الأعلى المسمّى بالملكوت وعالم الباطن.

سابعًا: وأمّا تطبيقاته في العقيدة، فعالج ذلك في مجال التوحيد، فذكر أنّ التوحيد ينقسم عند العارف إلى قسمين: الأوّل التوحيد الظاهريّ العامّ المسمى عنده بالتوحيد الألوهيّ، والثاني التوحيد الوجوديّ والمسمّى عنده بتوحيد الأولياء. ومقام الولاية عند العرفاء هو مقام خلافة الله في السماء والأرض، خلافة في الأسماء والصفات والأفعال لا في الأفعال فقط، وهذه الخلافة لا تتحقّق إلّا بعد فناء الإنسان في الحقّ والبقاء فيه.

ثامنًا: في تطبيقات المنهج في الأخلاق والعرفان العملي، أكّد الباحث أنّ التصفية عند العارف الطريق الرئيسيّ للمكاشفات القلبيّة؛ لذلك يجب درء كلّ الحجب المانعة من التصفية.

تاسعًا: أما فيما يرتبط بعلاقة العرفان بالفقه والشريعة، فقد بيّن الباحث أنّ الشريعة عند العارف لها معنيان: شريعة بالمعنى الأعمّ، وشريعة بالمعنى الأخصّ. فالمعنى الأخصّ منها، ينحصر بالأحكام الفقهيّة من عبادات ومعاملات؛ والأعم منها، يشمل رؤيته الجامعة لكلّ الأبعاد المتّصلة بالأحكام في مختلف الأبعاد الظاهريّة والباطنيّة.

بهذا ينتهي الفصل الأوّل باستيفاء مناهج البحث العلمي العامّة الأساسيّة، وعلاقتها بالعلوم الإسلاميّة، لنشرع بالفصل الثاني المخصّص للمناهج الفرعيّة.

الفصل الثاني: المناهج العامة الفرعيّة

هذا الفصل الثاني خصّصناه لمناهج البحث العامة الفرعيّة، وتوزّعت -مناظرة للفصل الأوّل- إلى مباحث خمسة أيضًا، وجاءت كالآتي:

1- المنهج الوصفي ومساراته في العلوم الإسلاميّة

وكتب هذا المبحث الشيخ الأسعد بن علي قيدارة الباحث التونسي والمتخصّص في الكلام والمناهج. والذي نبّه لخصوصيّة مهمّة لهذا المنهج وارتباطه الجوهري بالمنهج التجريبي الاستقرائي، ولعلّ ذلك يبرّر اعتبارنا المنهج الوصفي منهجًا فرعيًّا رغم موقعه الكبير في الدّراسات الاجتماعيّة والإنسانيّة. فقد أكّد الباحث أنّ بروز المنهج الوصفيّ وهيمنة أدواته البحثيّة على ميادين العلوم الإنسانيّة والتربويّة خصوصًا، هو ثمرة من ثمار الانتصارات الكبيرة والفتوحات الضخمة التي أنجزها المنهج التجريبيّ في مجال العلوم الطبيعيّة والتطبيقيّة.

وأمّا عن تحليله لموقعيّة هذا المنهج في دائرة العلوم الإسلاميّة، فالكاتب وإن كان يعترف بسبق علمائنا الأسلاف لتأسيس المنهج التجريبيّ واعتماد أدوات المنهج الوصفيّ في تراثنا العربي والإسلامي، وفي مجال العلوم التطبيقيّة والإنسانيّة بالخصوص، لكنّه ينتقد ما نراه اليوم من تأثّر في الجامعات والمعاهد ومراكز البحوث المهتمّة بالعلوم الإسلاميّة بهذا الاندفاع الأعمى نحو المنهج الوصفيّ في صيغه المعاصرة وبأدواته المستحدثة، وفي كثير من الأحيان دون مراعاة طبيعة موضوعات بعض العلوم الإسلاميّة، كالموضوع العقديّ، والتفسير، أو فقه الحديث...

وبعد بيان هذه المقاربة النقديّة لإشكاليّة البحث كما عرضها الكاتب، نشير إلى المنهجيّة التي عالج الكاتب من خلالها هذا الموضوع، فقد قسّم دراسته قسمين:

في القسم الأوّل: قدّم المنهج الوصفيّ من خلال المفهوم والأهداف والأدوات والأقسام، وسائر المحدّدات الأخرى.

وفي القسم الثاني: قام الباحث باستقراء وتتبّع مقاربات المفكّرين المهتمّين بالعلوم الإسلاميّة لتطبيقات هذا المنهج والاستفادة منه في مجال هذه العلوم، وانتهى به هذا الاستقراء والتّتبع إلى التفاوت العميق في هذه المقاربات، والذي برّره بالتنوّع الاجتهاديّ في تشخيص طبيعة المنهج الوصفيّ والخصوصيّات المتنوّعة لموضوعات العلوم الإسلاميّة، والتي وإن كان مصبّها واحدًا ومشتركًا هو «النصّ الدينيّ»، ولكن زاوية لحاظ دراسة هذا النصّ، وأهداف هذه الدراسة تتفاوت عميقًا من علم إلى آخر، ومن فنّ إلى آخر.

ومن الاستخلاصات المهمّة التي انتهى إليها الباحث، وأكّد عليها: أنّ الطريقة الأنجع للاستفادة من هذا المنهج ومن أدواته البحثيّة، إنما تتأتّى إذا عملنا في سياق رؤيةٍ تكامليّةٍ تُوظّف مجموعة مناهج وأدوات وتقنيات بحثيّة لدراسة الظاهرة في إنسانيّات الدين، أو دراسة الموضوع والقضيّة في العلوم الإسلاميّة الاستنباطيّة، أو العلوم الممهِّدة.

2- المنهج المقارن والعلوم الإسلاميّة

أعدّت هذه الدّراسة الدكتورة هوارية لولاسي الأستاذة المحاضرة بجامعة وهران بالجزائر. وهي تتألّف من ثلاثة مطالب:

- المطلب الأوّل: دراسة تعريفيّة شاملة لأصول المنهج المقارن وضوابطه

- المطلب الثاني: المنهج المقارن والعلوم الإنسانيّة

- المطلب الثالث: المنهج المقارن والعلوم الدينيّة

في المطلب الأوّل، عالجت  الباحثة قضايا عدّة: فعرّفت المنهج المقارن، ونقّحت خطواته، واستعرضت أنواع المقارنات وخصائصها وشرائطها، كما حلّلت الجذور التاريخيّة لهذا المنهج، ولم تغفل الباحثة عن أهداف المنهج وعوائقه.

أمّا المطلب الثاني، والذي خُصّص لدراسة تطبيقات هذا المنهج في العلوم الإنسانيّة، فقد شرحت فيه مسارات هذا المنهج في الدّراسات القانونيّة، وكيف تطوّر ليصبح فرعًا مستقلًّا يسمّى بالقانون المقارن، وأوضحت أيضًا علاقات المنهج المقارن بالأدب والدّراسات الأدبية واللغويّة، سواء في تاريخ الأدب العربي، أو الغربي (الفرنسي بالخصوص). وفي هذا السياق، نبّهت الباحثة لأهميّة علم اللغة المقارن ومدى تطوّر فقه اللغة في تراثنا العربي الإسلامي.

وأمّا المطلب الثالث، فكان هدفه الأساس الإلمام بموقعيّة المنهج المقارن ومكانته في مجالات العلوم الإسلاميّة، وكيف أنتج دخوله إلى هذه المجالات فروعًا عديدةً، كالتفسير المقارن، وعلم الحديث المقارن، وعلم الكلام المقارن، وعلم الفقه المقارن، وأصول الفقه المقارن... ولكن على مستوى الدراسة التطبيقيّة التفصيليّة، فقد حلّلت الدكتورة مسارات البحث وأهم نتاجات العلماء في مجموعة من الفروع، وهي: التفسير المقارن، وأصول الفقه المقارن، والفقه المقارن، وعلم الأديان المقارن. وأضاءت على أبرز النتائج التي بلغتها هذه الدّراسات وأهم الإنجازات التي حقّقتها.

وأكدت الباحثة في خاتمة دراستها أنّ المنهج المقارن وبالإضافة للفوائد العلميّة والمعرفيّة والمنهجيّة التي يحقّقها، لا شكّ أنّه يزيد من تسليط الضّوء على مفاصل التراث العلميّ للأمّة الإسلاميّة، وجوانب الالتقاء والافتراق بين أعلامها ومذاهبها ومدارسها. كما أنّه يحقّق الكثير من المكاسب الحضاريّة، كالتقريب بين المذاهب، وحوار الأديان، ونبذ التطرّف والآحاديّة في التفكير والرأي، وتعميق نزعة قبول الآخر وحسن إدارة الاختلافات.

3- المنهج التكاملي في البحوث الدينيّة

أعدّ هذه الدراسة الشيخ محمود علي سرائب، الباحث اللبناني والأستاذ في حوزة قم. واستند في دراسته هذه إلى قراءة تحليليّة تطبيقيّة للمنهج التكاملي؛ حيث خصّص قسمًا من بحثه للتعريف بالمنهج التكاملي وبيان أسسه وأهمّيته، وقسمًا آخر لتطبيقات هذا المنهج في العلوم النفسيّة واللغويّة، وقسمًا ثالثًا لتطبيقاته في العلوم الإسلاميّة. 

في القسم الأوّل، عرّف الكاتب المنهج التكاملي بأنّه استخدام أكثر من منهج في البحث، بحيث تتكامل فيما بينها في تنفيذ خطوات البحث وتطبيقها، واستعرض أسس هذا المنهج، ومن أهمّها التكامل المعرفيّ بين العلوم. واستدلّ بتاريخ العلم عند المسلمين الذي تتجلّى فيه العديد من النماذج التي جمعت بين العلوم الأدبيّة والعلوم العقليّة، والطب، والفلك، والحساب، وغير ذلك. حيث يلاحظ أنّ العلاقة التداخليّة والتكامليّة كانت هي السمة البارزة، والغالبة، والمهيمنة، على جميع العلوم التي نشأت، وتطوّرت، ونمت في أحضان الثقافة العربيّة الإسلاميّة.

ورجّح أن يكون السرّ وراء هذه التكامليّة بين العلوم في التجربة الحضاريّة الإسلاميّة هو قوّة حضور النص الديني، وخاصّة النص القرآني.

في القسم الثاني، حلّل الباحث نماذج من المنهج التكاملي في العلوم الإنسانيّة، واكتفى بحقلين في هذا السياق: حقل الدّراسات النفسيّة، وحقل الدّراسات اللغويّة، وساق نماذج للتكامليّة المنهجيّة في هذين الحقلين.

أمّا القسم الثالث، فقد خصّصه لتطبيقات المنهج في العلوم الإسلاميّة، فاستعرض بعض النماذج والأمثلة في مسائل كلٍّ من الدّراسات العقديّة، والدّراسات الفلسفيّة، والدّراسات القرآنيّة، والدّراسات الفقهيّة الأصوليّة.

ومهّد الباحث لكلّ هذه التطبيقات، باستعراض بعض آليات هذا المنهج في الدّراسات الدينيّة: كالجمع بين العقل والنقل، والأخذ بالقرائن، وتفسير القرآن بالسنّة القطعيّة...

4- المنهج الجدلي أصوله واستخداماته في التراث الإسلامي

حرّر هذا المبحث الأستاذ الدكتور حسين ياسين الويسي، أستاذ الفلسفة الإسلاميّة بجامعة بغداد، كلّيّة العلوم الإسلاميّة. وجاءت دراسته في ثلاثة مطالب أساسيّة: بيّن الأوّل منها مفهوم المنهج الجدليّ، في حين قدّم المطلب الثاني نبذةً تاريخيّةً عن المنهج الجدليّ والمراحل التي مرّ بها، وأمّا المطلب الثالث، فقد سلّط الضّوء على تطبيقات هذا المنهج في التراث الإسلاميّ، وذلك من خلال بيان مواضع استعماله في القرآن الكريم، والسنّة النبويّة، وروايات أهل البيت عليهم السلام، وكذلك الإشارة إلى بعض تطبيقاته في علم الكلام والفلسفة الإسلاميّين. ومن ثمّ، خُتم البحث بخاتمة تضمّنت أهمّ النتائج التي توصّل إليها. ومن أهمّ هذه الاستخلاصات: 

أوّلًا: إنّ للجدل معانيَ كثيرةً في اللّغة، واصطلاحًا ارتبط بمنهج خاصٍ قوامه إيراد الحجّة مقابل الحجّة.

ثانيًا: للجدل جذور عميقة في تاريخ الفلسفة اليونانيّة، كما اعتمد فلاسفة الإسلام جميعهم على الجدل في إثبات آرائهم وإبطال حجج الخصوم.

ثالثًا: ذهب المتكلّمون إلى اعتماد الجدل مستندين على أمرين: الأول، إنّ القرآن الكريم قد أعطى أمثلةً في الجدل، كمحاججة المنكرين للإله وللرسل واليوم الآخر. والأمر الثاني، إنّ الجدل مُلزمٌ للخصم إلزامًا عقليًّا، وإن كان الخصم خارجًا عن الملّة الإسلاميّة.

رابعًا: على مستوى تطبيقات هذا المنهج في النصوص: ففي القرآن الكريم أمثلة كثيرة في جدل المخالفين والمنكرين للشرائع، وقد أورد البحث بعض هذه المحاججات على سبيل المثال لا الحصر، فهي  مستعصية على الاستقصاء، وكذلك الحال في السنّة النبويّة التي بيّنت أمثلة القرآن الكريم وفصّلتها علميًّا، كما في محاججة نصارى نجران في (المباهلة)، وجدل النبيّ9مع المشركين. ولم تخلو روايات الأئمّة المعصومين من آل بيت رسول الله صلّى االله عليه وآله وسلّم من فنّ الجدل، وقد أورد البحث نموذجين: الأوّل، الجدل الداخليّ، وكان بين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وبين معاوية بن أبي سفيان. والثاني، كان جدلًا خارجيًّا بين الإمام عليّ الرضا(عليه السلام) وبين عدد من أصحاب الديانات السماويّة والوضعيّة وأرباب الكلام من الفرق الإسلاميّة.

خامسًا: حفلت العلوم الإسلاميّة عمومًا بتطبيقات المنهج الجدلي، وفي علم الكلام والفلسفة بشكل خاصّ. 

5- منهج تحقيق المخطوطات

أعدّ هذه الدّراسة الأستاذ الدكتور حسن رضا الباحث والمفكّر اللبناني. وعَنَتْ بمنهج تهمله عادة تصانيف المختصّين بمناهج البحث العلمي، لكن ندرك مكانة هذا المنهج وجدواه إذا التفتنا إلى الحاجة الماسّة إلى تنقيح جزء كبير من تراث العلوم الإسلامية وتحقيقه، وأنّ فهم هذا الإرث التاريخي ودراسته وتحليله واستنباط الحقائق منه متوقّف على تحقيقه ونشره محقّقًا على أسس علميّة قويمة، تستهدف إخراجه وفق الصورة التي أرادها أعلامه، مبرّأة من التحريف والتصحيف والأخطاء، مع ما تقتضيه خدمة النصّ من تعليقات وتتبّعات وفهارس لازمة.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، جاءت هذه الدراسة لتسلّط الضوء على هذا المنهج؛ من خلال التعريف به وبالتطوّرات التي شهدها، ومن ثمّ عرض أهمّ الخطوات التي يتوخّاها المحقّق في دراسة المخطوط وتحقيقه.

وحلّلت الدراسة كلّ هذه العناصر، وشرحت مفصّلًا خطوات تخطيط المخطوطة، بداية من دراسة نسخ المخطوطة والمقابلة بينها، ومن ثمّ تصحيح النص وتحريره وتقويمه، فالتعليق على النصوص وتخريجها، ثم كتابة مقدّمة المخطوط، وإعداد فهارس المخطوط.

وأكّد الباحث أنّ هذا المنهج آخذ في التطوّر، ولمّا تكتمل الآليّات والتقنيات التي أسهمت في تكوينه بعد، فإنّ ما أحدثته الطفرة التكنولوجيّة في الربع الأخير من القرن الماضي، والربع الأوّل من القرن الحادي والعشرين، سما بمكوّنات منهج التحقيق إلى مستوًى عالٍ من التقنيّة، لم يسبق أن شهده المشتغلون به، ولا المكبّون على تطبيقه؛ ما يدلّ على استمرار غايات التحقيق وأهدافه، مع تبدّل آليّاته ووسائله.

بهذا المبحث ينتهي الفصل الثاني، ويكتمل هذا الكتاب، ونكون بذلك قد عرضنا أهم المناهج العامّة الأساسيّة منها والفرعيّة، وهو عرض وافٍ بذل فيه فريق المؤلفين، من أعلام أجلاء، وباحثين فضلاء، وأكاديميين أكْفاء، الكثير من الجهد، والمتابعة، والمثابرة، ما يشي بإيمانهم العميق بهذا المشروع، وإصرارهم على نجاحه وحيازته المكانة اللّائقة به في المكتبة الإسلاميّة، كحاجة ماسّة، واستحقاق ملحّ.

فلهم من مدير المشروع، ومن إدارة المركز وفريقه، أسمى آيات الثّناء والتقدير، راجين لهم جميعًا دوام الانهمام البحثي، والعطاء العلمي، والتألّق في الكتابة والتأليف، داعين المولى أن يجعل مساهماتهم هذه في خدمة علوم ديننا العظيم، ومناهجها القويمة، في ميزان حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم.

وباكتمال هذا الجزء الثالث، نُنهي المقدّمات التأسيسيّة لهذا المشروع الكبير (الجزء الأول والثاني والثالث). وبهذه المقدّمات، نكون قد مهّدنا الأرضيّة العلميّة لدراسة المناهج الخاصّة لمختلف العلوم الإسلاميّة، كمناهج التفسير، وعلوم القرآن، ومناهج علوم الحديث، ومناهج الكلام، والفقه، والأصول، والتي ستأتي تباعًا انطلاقًا من الجزء الرابع من هذه السلسلة بإذنه تعالى.

فلك الشكر يا ربّ ولك الحمد على حسن بلائك، وسبوغ نعمائك، حمدًا يوافق رضاك، ويمتري العظيم من برّك ونَداك، يا عظيم يا كريم برحمتك يا أرحم الراحمين[14].

 

------------------------------

[1]  فضل الله، أصول كتابة البحث وقواعد التحقيق، ص 25-26 بتصرّف.

[2]  الشيخ الكلينيّ، أصول الكافي، ج1، ص28.

[3]  العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج22، ص431.

[4] من دعاء الإمام السجاد(عليه السلام) في استقبال شهر رمضان.

[5] انظر: الفضلي، عبد الهادي، أصول البحث، ط1، قم، ناظرين، ط1، 1426ه.

[6] البستاني، سعيد يوسف، منهجية البحث الجامعي، ط1، بيروت، مؤسسة نوفل، 1989م.

[7] بدوي، عبد الرحمن، مناهج البحث العلمي، لا.ط، بيروت، دار القلم، 1977م.

[8] محمود قاسم، المنطق الجديد ومناهج البحث، ط2، القاهرة، المكتبة الأنجلو مصرية، 1953م.

[9] الأنصاري، فريد، أبجديّات البحث في العلوم الشرعية، لا.ط، الدار البيضاء، منشورات الفرقان، د.ت.

[10] عناية، غازي، مناهج البحث العلمي في الإسلام، ط1، بيروت، دار الجيل، 1990م.

[11]  بدر، أحمد، أصول البحث العلمي ومناهجه، لا.ط، لا.م، المكتبة الأكاديمية، لا. ت.

[12] بدر، أحمد، م.س، وبعض التقسيمات في الأدبيات الأجنبية: كتصنيف ماركيز وتصنيف جود وسكيتس السداسيين، وتصنيف هويتني السباعي، ص 227-231.

[13] الفضلي، عبد الهادي، م.س، ص 55-73.

[14] مناجاة الشاكرين للإمام زين العابدين(عليه السلام).

 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف