فهرس المحتويات

المقدمة | 7

الفصل الأوّل: تعريف التاريخانيّة | 19

الفصل الثاني: مسار التطوّر المفهومي للتاريخانيّة | 27

هيجل والتاريخانيّة | 27

بوبر والتاريخانيّة | 30

الرؤية التاريخانيّة في الآراء والمعتقدات | 36

الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة | 39

الفصل الثالث: نقد أساس الرؤية التاريخانيّة | 47

روي كلوزر ونقد الرؤية التاريخانيّة | 48

النقد الثاني لـ «روي كلوزر» على الرؤية التاريخانيّة | 50

النقد الثالث لروي كلوزر على الرؤية التاريخانيّة | 54

كارل بيج ونقد الرؤية التاريخانيّة | 57

الإنكار التلقائي لنظرية الرؤية التاريخانيّة | 59

النقد الثاني لكارل بيج على الرؤية التاريخانيّة | 66

هل يمكن للبراغماتية (العملانيّة) أن تنقذ أصالة التاريخ؟ | 70

الردّ على رأي ريتشارد رورتي | 72

الفصل الرابع: الرؤية التاريخانيّة والدين | 77

أبعاد المواجهة بين الرؤية التاريخانيّة والدين | 78

الرؤية التاريخانيّة في أصل ومنشأ الدين | 78

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة أخذ الدين وإبلاغه | 80

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة التطبيق والجدوائية | 81

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة بقاء الدين بسبب تحوّله إلى معرفة دينيّة بشريّة | 84

البحث التطبيقي لتاريخية التعاليم الدينيّة في العالم الغربي وعالم الإسلام | 85

منشأ تاريخية الدين في العالم الغربي | 87

نماذج من القول بالتاريخانيّة في منشأ الدين | 113

نقد تاريخية الدين في العالم الغربي | 124

جذور ومصادر تاريخيّة التعاليم الدينيّة في العالم الإسلامي | 136

لوازم الرؤية التاريخانيّة إلى الدين | 145

بشريّة الدين | 145

إنكار الجوهر الثابت للدين | 147

إبطال الأمثلة والمفاهيم الثابتة والخالدة | 151

علمنة الدين | 152

النسبية | 157

الفصل الخامس: تحليل نقدي لبعض مدعيات التاريخانيّة | 163

نقد الأنثروبولوجيا في الرؤية التاريخانيّة | 163

ادّعاء من دون دليل | 170

ذاتيّة وفطريّة الإنسان | 170

قابليّات وطاقات الإنسان الكامنة بالقوّة | 180

الإنسان المتكامل أو الإنسان المتبدّل | 186

عدم التنافي بين المحدوديّة الذاتية للإنسان وما فوق  التاريخانيّة | 187

النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله إنسان ما فوق تاريخي | 188

نقد الفردية والبسط في العلوم الإنسانية من وجهة نظر الرؤية  التاريخانيّة | 202

نقض المباني التاريخانيّة لذاتها | 205

مبنى من دون دليل | 206

إنكار الأمور الواقعيّة والبديهيّة | 206

العدميّة والنهلستيّة | 207

لزوم تعطيل وتعليق جميع العلوم الإنسانيّة | 208

نقد تاريخية الدين في مرحلة تحوّل الدين إلى المعرفة الدينيّة | 209

رأي غادامير حول تدخّل الفرضيات السابقة في الفهم | 212

نتائج رأي هانس غادامير | 215

مسألة الفرضيّات المسبقة والإشكالات التحليليّة والعقليّة | 216

خاتمة وتبويب الأبحاث | 236

خلاصة الفصول الخمسة المتقدّّمة | 236

التذكير ببعض النقاط | 242

الاختلاف في سندية الكتاب السماوي | 243

الشخصية المُلغزة لبولس وتأليف الإنجيل | 244

اختلاف الإسلام عن المسيحية الراهنة في التعاليم والعقائد الأساسيّة | 245

الخاتميّة في الإسلام والتلازم المستمر بين القرآن والعترة | 246

عنصر العقل في الإسلام والمسيحيّة | 247

التناقضات والاختلافات في «العهد الجديد» | 248

الخرافات في «العهد الجديد» | 249

الإسلام والعلوم الإنسانيّة والتجريبيّة | 251

المصادر | 254

الكتب والمقالات العربيّة والفارسيّة | 254

فهرسة الكتب والمقالات الأجنبية | 272

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية التاريخانيّة دراسة نقدية في الأسس والمباني تأليف: محمد عرب صالحي تعريب: حسن علي مطر
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

التاريخانيّة

دراسة نقديّة في الأسس والمباني

تأليف: محمد عرب صالحي

ترجمة: حسن علي مطر

(1)

صالحي،محمد عرب،1383 هجري-مؤلف.

التاريخانية : دراسة نقدية في الاسس والمباني / تأليف محمد عرب صالحي ، ترجمة حسن علي مطر:-الطبعة .-النجف، العراق .-العتبة العباسية المقدسة ، المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية ، 1443ه.2022.

275صفحة ، 12x20سم.-(سلسلة مصطلحات معاصرة:44)

يتضمن إرجاعات ببليوجرافية : صفحة 254-275.

ردمك : 9789922680071

النص باللغة العربية مترجم من اللغة الفارسية .

1- التاريخانية - - تاريخ. أ.الهاشمي ، حسن علي مطر ، مترجم . ب. العنوان 

LCC:D16.9 .S25 2022

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة 

فهرسة اثناء النشر 

 

 

 

(2)

الفهرس

المقدمة7

الفصل الأوّل: تعريف التاريخانيّة19

الفصل الثاني: مسار التطوّر المفهومي للتاريخانيّة27

هيجل والتاريخانيّة27

بوبر والتاريخانيّة30

الرؤية التاريخانيّة في الآراء والمعتقدات36

الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة39

الفصل الثالث: نقد أساس الرؤية التاريخانيّة47

روي كلوزر ونقد الرؤية التاريخانيّة48

النقد الثاني لـ «روي كلوزر» على الرؤية التاريخانيّة50

النقد الثالث لروي كلوزر على الرؤية التاريخانيّة54

كارل بيج ونقد الرؤية التاريخانيّة57

الإنكار التلقائي لنظرية الرؤية التاريخانيّة59

النقد الثاني لكارل بيج على الرؤية التاريخانيّة66

هل يمكن للبراغماتية (العملانيّة) أن تنقذ أصالة التاريخ؟70

الردّ على رأي ريتشارد رورتي72

الفصل الرابع: الرؤية التاريخانيّة والدين77

أبعاد المواجهة بين الرؤية التاريخانيّة والدين78

(3)

الفهرس 

الرؤية التاريخانيّة في أصل ومنشأ الدين78

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة أخذ الدين وإبلاغه80

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة التطبيق والجدوائية81

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة بقاء الدين بسبب تحوّله إلى

 معرفة دينيّة بشريّة84

البحث التطبيقي لتاريخية التعاليم الدينيّة في العالم الغربي

وعالم الإسلام85

منشأ تاريخية الدين في العالم الغربي87

نماذج من القول بالتاريخانيّة في منشأ الدين113

نقد تاريخية الدين في العالم الغربي124

جذور ومصادر تاريخيّة التعاليم الدينيّة في العالم الإسلامي136

لوازم الرؤية التاريخانيّة إلى الدين145

بشريّة الدين145

إنكار الجوهر الثابت للدين147

إبطال الأمثلة والمفاهيم الثابتة والخالدة151

علمنة الدين152

النسبية157

الفصل الخامس: تحليل نقدي لبعض مدعيات التاريخانيّة163

(4)

الفهرس 

نقد الأنثروبولوجيا في الرؤية التاريخانيّة163

ادّعاء من دون دليل170

ذاتيّة وفطريّة الإنسان170

قابليّات وطاقات الإنسان الكامنة بالقوّة180

الإنسان المتكامل أو الإنسان المتبدّل186

عدم التنافي بين المحدوديّة الذاتية للإنسان

وما فوق  التاريخانيّة187

النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله إنسان ما فوق تاريخي188

نقد الفردية والبسط في العلوم الإنسانية من وجهة

نظر الرؤية  التاريخانيّة202

نقض المباني التاريخانيّة لذاتها205

مبنى من دون دليل206

إنكار الأمور الواقعيّة والبديهيّة206

العدميّة والنهلستيّة207

لزوم تعطيل وتعليق جميع العلوم الإنسانيّة208

نقد تاريخية الدين في مرحلة تحوّل الدين

إلى المعرفة الدينيّة209

رأي غادامير حول تدخّل الفرضيات السابقة في الفهم212

نتائج رأي هانس غادامير215

مسألة الفرضيّات المسبقة والإشكالات التحليليّة والعقليّة 216

(5)

الفهرس

خاتمة وتبويب الأبحاث236

خلاصة الفصول الخمسة المتقدّّمة236

التذكير ببعض النقاط242

الاختلاف في سندية الكتاب السماوي243

الشخصية المُلغزة لبولس وتأليف الإنجيل244

اختلاف الإسلام عن المسيحية الراهنة في التعاليم

والعقائد الأساسيّة245

الخاتميّة في الإسلام والتلازم المستمر بين القرآن والعترة246

عنصر العقل في الإسلام والمسيحيّة247

التناقضات والاختلافات في «العهد الجديد»248

الخرافات في «العهد الجديد»249

الإسلام والعلوم الإنسانيّة والتجريبيّة251

المصادر254

الكتب والمقالات العربيّة والفارسيّة254

فهرسة الكتب والمقالات الأجنبية272

(6)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيّةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانيّة؛ ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أوّلًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانيّة وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيّما وأنّ كثيرًا من الإشكاليّات المعرفيّة ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلاميّة، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات

(7)

الفكريّة بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميّين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

* * *

كانت الرؤية التاريخانيّة منذ القدم، ضمن دائرة الأبحاث الواسعة في فلسفة الغرب، ولا سيّما في ألمانيا التي تعدّ معقلاً ومهداً لهذه الأبحاث، إن هذه الرؤية لم تحصر نفسها ضمن الأبحاث الفلسفية البحتة، ويمكن لنا أن ندعي اليوم أن آثارها ملحوظة في جميع حياة الإنسان المعاصر، ويمكن اعتبارها بنحو من الأنحاء توأم الحداثة وقريبة من آفاقها.

والمعاصر بمعنى "الراهن والحالي" هو في الحقيقة والواقع يشتمل على نوع من النظرة إلى الماظي، وذلك في نفيه، وهكذا يتجه المذهب التاريخانية بدوره إلى الاعتقاد بأن كل شيء يصبح من الماضي فإنه ينتمي إلى التاريخ.

يسعى هذا الكتاب ـ ضمن نقد التاريخانيّة ومبانيها ـ إلى تحليل انتقادي حول  التاريخانيّة والإلهيّات، والإجابة المنهجية عن الأسئلة والإشكاليات المطروحة في فصوله الخمسة.

والحمد لله رب العالمين
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
(8)

مقدمة المؤلف 

بسم الله الرحمن الرحيم وصلی الله علی سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

لقد كانت الرؤية التاريخانيّة منذ القدم، ضمن دائرة الأبحاث الواسعة في فلسفة الغرب، ولا سيّما في ألمانيا التي تعدّ معقلًا ومهدًا لهذه الأبحاث. إن هذه الرؤية لم تحصر نفسها ضمن الأبحاث الفلسفيّة البحتة، ويمكن لنا أن ندعي اليوم أن آثارها ملحوظة في جميع حياة الإنسان المعاصر، ويمكن اعتبارها بنحو من الأنحاء توأم الحداثة وقريبة من آفاقها؛ وذلك لأن الحداثة في اللغة الإنجليزيّة مأخوذة من كلمة «Modo» بمعنى «Of Today»، أي: في اللحظة الراهنة، والآن وفي هذا اليوم[1]. إن الحديث والمعاصر بمعنى «الراهن والحالي» هو في الحقيقة والواقع يشتمل على نوع من النظرة إلى الماضي، وذلك في نفيه؛ وهكذايتجه المذهب  التاريخانيّ بدوره إلى الاعتقاد بأن كل شيء يصبح من الماضي فإنه ينتمي إلى التاريخ.

وكما أن بحث العلمانية بدوره كان مواكبًا للمفردتين أعلاه، وقد كان نشوؤهما من فكرة واحدة؛ فإن الكلمة اللاتينيّة
«Saecularm» بمعنى: «هذا العصر» أو «الزمن الراهن»، وإن هذا

(9)

العصر أو الزمن الراهن يُشير إلى أحداث العالم؛ أي الأحداث المعاصرة، بذرة المعنى مستقرّة بشكل طبيعي ومنطقي في دائرة عالم في حالة من التغيير المستمر، والتي يتبلور فيها مفهوم نسبيّة القيَم البشرية؛ إن الدنيوية عبارة عن التحرّر من الأفهام الدينيّة، وانفراط عقد جميع العقائد المتصلة والمترابطة وانهيار جميع الأساطير ما فوق الطبيعيّة والنماذج المقدّسة[1].

إن الرؤية التاريخانية ـ بغضّ النظر عن سلبيّته أو إيجابيّته، ومن دون القصد إلى الحكم القيَميّ على أنواعه المختلفة ـ قد شمل جميع أبعاد حياة الإنسان المعاصر، وإن كل تفكيره ونشاطه وآرائه تقوم على هذا الأمر. إن كيفية حياته الشخصية ـ الأعم من ملبسه وزينته، ومحل إقامته وسكناه، ووسائطه النقلية، ووسائل اتصالاته، والعلاقات الاجتماعية، والأجهزة الإلكترونية، ومسألة الثقافة، والأخلاق، والقانون، والقيَم، والمعتقدات، والدين، والحقوق الجزائية، والعلاقات الدولية، والصناعة، والاقتصاد، والسياسة، وحكومات الإنسان الحديث، كلها في حالى من التغيير الدائم والمستمر، ولا بدّ من أن يتمّ العمل على تحديثها حتمًا أو وضعها في رفوف المتاحف  التاريخانيّة.

إن الكلام عن الأمر الثابت ـ الأعم من القانون، والقيَم، والدين ـ والحديث بشكل عام عن ما وراء التاريخ وما وراء الزمان، يُختم عليه مباشرة بميسم الرجعية والتخلّف، وفي الحدّ الأدنى يتمّ إنكار هذا الأمر في دائرة المعطيات البشرية، إن عنوان الإنسان والبشر

(10)

يتساوى مع المحدوديّة والقيود وجواز الخطأ والزمنيّة و التاريخانيّة. ليس هناك من شك في أن التغيير والتحوّل أمر مطلوب وإيجابي في حياة الإنسان، بل هو في بعض الموارد واجب وضروري أيضًا. ولكن لا بالنسبة إلى جميع أبعاد حياته، بحيث تكون جميع معتقداته الحقة والثابتة مشمولة لقانون التغيير والرؤية التاريخي أيضًا.

هناك نصّ لجان جاك روسو يبيّن هذه المسألة بشكل واضح؛ حيث تعرّض في رواية «لوئيزنو» إلى وصف أوضاع الحداثة في هذه الرواية؛ إذ يصوّر حكاية فتى يافع وفتاة مخطوبين لبعضهما، وقد حزم الفتى أمتعته وهاجر من القرية إلى المدينة ـ وهي الهجرة التي تمثل في الواقع غاية مطمح بالنسبة إلى الآلاف من الأشخاص رجالًا ونساءً من شباب هذا القرن، وهي بالنسبة لهم بحكم الطموح الأزلي ـ ولكنه بعد أن واجه هناك أنواع المتغيّرات، أرسل من أعماق إعصار الحياة في المدينة خطابًا إلى خطيبته، وقد بيّن لها فيه انبهاره وخوفه على النحو الآتي:

«جميع الموجودين هنا ينقضون أقوالهم وأفعالهم باستمرار، وكل شيء صامت ومهمل، ولكن لا شيء يدفع إلى الإثارة؛ إذ سرعان ما يعتاد الجميع على كل شيء، إنّه عالم يكون فيه للحسن والسوء والجمال والقبح والحقيقة والفضيلة مجرّد كينونة محلية ومحدودة، وتعرض الكثير من التجارب الجديدة على الشخص، ولكن لو أراد الاستفادة منها تعيّن عليه تغيير أصول عقيدته مواكبة لمخاطبيه بسهولة، وأن يعمل على أقلمة مزاجه مع الظروف والشرائط

(11)

القائمة في كل خطوة. وإني بعد بضعة شهور من الإقامة في المدينة، بدأت أشعر توًّا بتلك الحالة من السكر والضياع، وأن هذه الحياة الصاخبة تعمل على إغراق الإنسان. وعلى الرغم من وجود هذا العدد الكبير من الأشياء التي تجتذبني، ليس هناك ولو شخص واحد يأسر قلبي، وعلى الرغم من ذلك فإنّها بمجموعها تعمل بشكل وآخر على إثارة وتحريك مشاعري وأحاسيسي؛ بحيث أنسى أيّ شيء أنا وإلى إيّ شيء أنتمي ... فأنا اليوم لا علم لي بما سوف أحبّه غدًا، فأنا لا أرى سوى الأشباح التي تظهر أمامي، ولكني ما أن أسعى إلى التشبّث والإمساك بها حتى تختفي وتتلاشى»[1].

وهنا يتجلى معنى الحديث القيّم ـ المأثور عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وعن الإمام علي عليه‌السلام بعد مضيّ أربعة عشر قرنًا ـ بشكل أوضح؛ إذ يقول:

 «ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان: اتباع الهوى وطول الأمل. أمّا اتباع الهوى فيصدّ عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة»[2].

إن الآمال المتعاقبة والمستجدة هي ما يقتضيه المذهب التاريخي.

وقال غادامير في حوار أجري معه ـ وكان له من العمر في حينها

(12)

ستة وتسعون عامًا ـ في وصف واقع الدين في العالم المعاصر: 

«بالنسبة إلى الأديان الغربيّة لا يبدو الوصول إلى الإنسان سهل المنال. وفي الواقع فإن الإلحاد وعدم المبالات تجاه الإنكار الواضح للدين قد ضرب بجرانه. وفي المجتمع المرفّه والصناعي، يتبلور في بعض الأحيان دين حقيقي وفذ، ألا وهو الدين العالمي للاقتصاد. إن التقدّم المدمّر للتقنية قد أدّى إلى زيادة في تداعيات التنمية الاقتصادية، وأحدث تبلورًا لسلطة مستقلة، حيث يسعى الناس حاليًا إلى السيطرة عليها بصعوبة بالغة. ... وفي سائر المجالات الأخرى يبدو التعقّل ـ الذي هو وليد (عصر) التنوير ـ مفتقرًا إلى الكفاءة والجدوى. ...من ذلك أن هذا (التعقّل) ـ على سبيل المثال ـ عاجز عن الإجابة عن أسرار الحياة الإنسانيّة، من قبيل: الموت والتوارد. وبطبيعة الحال فإن التعقّل العلمي يمثّل تهديدًا للعالم، حيث نشهد منذ الآن عفن التنمية الصناعيّة والتجاريّة والتكنولوجيّة»[1].

لا تخفى ضرورة بحث موضوع على مثل هذه السعة والأبعاد الهامّة على أحد. إن مسألة النزعة التاريخانيّة والرؤیة التاريخي إلى الدين، وإن كان لها جذور في الغرب تمتد لقرنين من الزمن، حيث خاضت طوال هذه المدّة الكثير من التطوّر المفهومي، إلا أنها في العالم الإسلامي ـ على الرغم من أن الاستفادة من ثمار ونتائج

(13)

هذه الرؤية، واضحة في وضع أسس الإيمان الديني بشكل جيّد ـ إلى أنه لم يتمّ بيان أساسها. إن الكثير من الشبهات المطروحة في دائرة الدين الإسلامي والمعرفة الدينيّة، إنما هي صدى وانعكاس اعتباطي ـ من دون الاستناد إلى دليل ـ لتلك الأمور التي تمّ ذكرها منذ عصر النهضة فصاعدًا بشأن المسيحيّة، حيث يتمّ اقتفاء أثرها في مورد الإسلام حذو القذة بالقذة، ويتمّ إسقاطها عليه دون النظر إلى الفرق الشاسع بين الإسلام والمسيحيّة، وبذلك فقد تمّ السعي إلى إحلال الإنسوية محل الإسلام. ومن هنا فإن بيان أصل هذا التفكير ومناشئة ومصادره ومبانيه وأسباب نجاحه في الغرب، من شأنه أن يحلّ لنا الكثير من المسائل في هذا المجال.

إن لأصل الرؤية التاريخي سابقة في العالم الغربي، حيث تمّ تناوله بالتحقيق والنقض والنقد على مدى فترة ترقى إلى ما يقرب من قرنين من الزمن؛ بيد أن كاتب السطور لم يعثر على تحقيق في هذا الشأن باللغة الفارسيّة ولا باللغة العربيّة في العالم الإسلامي، ولم يفض المزيد من البحث والتحقيق في الكتب ومختلف المواقع والمجلات إلا إلى المزيد من اليأس والإحباط. وفي باب الدراسة الانتقادية للرؤية  التاريخانيّة والإلهية لم نقف على تحليل جامع وكامل أيضًا. نعم كان هناك في حقل بعض أبواب الدين، من قبيل القرآن الكريم، والأحكام الاجتماعية، والأحكام الجزائية، والأحكام الحقوقية للإسلام، تأليف لكتب في هذا الشأن، وكان هناك من قال بتاريخية هذه الأمور، ويمكن العثور على الكثير من هذه الموارد في مؤلفات محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي في

(14)

العالم العربي، ومحمّد مجتهد شبستري، وعبد الكريم سروش، ومصطفى ملكيان [في إيران] أيضًا. إن المحتوى الراهن لهذا الكتاب مقتبس في الغالب من كتاب تاريخ نگري و دين[1] وكتاب فهم در دام تاريخي نگري[2] وكلاهما من تأليف كاتب السطور، وقد أضفنا إليه ـ بطبيعة الحال ـ الكثير من المطالب المضمونية، كما تمّ تقديمه بتقويم علمي جديد يتناسب مع المسلمين في خارج إيران، واستعراضه بحلة جديدة.

وفيما يلي نواجه بعض الأسئلة الرئيسة، وإليك بيانها على النحو الآتي:

1 ـ ما هو مفهوم  التاريخانيّة، وما هي أسسها ومبانيها؟

2 ـ هل الإنسان كائن تاريخي وزمني، وفي حالة من التغيّر الدائم والمستمر؛ لتكون احتياجاته بدورها متغيّرة بشكل دائم، ويكون افتراض الحاجة الثابتة ونتيجة لذلك الإجابة الثابتة افتراضًا خاطئًا، أم هو يتصف بذات وروح واحدة متكاملة، حيث تكون له احتياجات ثابتة ودائمة؟

3 ـ على فرض إثبات الذات الثابتة للإنسان، فهل الدين الذي يتكفّل بهداية الإنسان أمر تاريخي وبشري ومؤقت ومتغيّر أم أن تعاليم الأديان ثابتة بالجملة أو في الجملة، وتفوق التاريخ وتفوق الزمان؟

(15)

4 ـ هل الإنسانويّة وفصل الإنسان عن الله، والتبعية للعقل الآلي والناجع في قبال العقل الباحث عن الحقيقة، هو المصير المحتوم للإنسان؟ ما هي ردّة فعل الأديان الإلهية ـ ولا سيّما الدين الإسلامي الحنيف ـ تجاه هذه الرؤية؟ وبعبارة أخرى: هل الإسلام محكوم بذات المصير الذي تعرّضت له المسيحيّة الغربيّة؛ بمعنى الزوال والانسحاب من ساحة الحياة الاجتماعيّة وحتى الفرديّة للإنسان؟ وإذا كان الجواب هو النفي، فما هي وجوه الاختلاف بينه وبين المسيحية؟

نسعى في هذا الكتاب ـ ضمن نقد التاريخانيّة ومبانيها ـ إلى تحليل انتقادي حول  التاريخانيّة والإلهيّات، والإجابة المنهجية عن الأسئلة أعلاه في خمسة فصول وخاتمة.

محمد عرب صالحي
أستاذ مساعد في كلية الثقافة والفكر الإسلامي
(16)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأوّل

تعريف التاريخانيّة

 

(17)
(18)

الفصل الأوّل: تعريف التاريخانيّة

حيث يتمّ استعمال التاريخانيّة في مختلف الموارد ولها أنواع متفاوتة، فقد تمّ تقديم تعاريف مختلفة لها، وفيما يلي نُشير إلى بعضها:

1ـ نظريّة يتمّ في ضوئها تعريف التاريخ على أساس من القوانين الثابتة، وليس على أساس العوامل البشريّة والإنسانيّة.

2ـ نظريّة يتم في ضوئها تعيين جميع الظواهر الثقافية على نحو تاريخي، ويتعيّن على المؤرّخين دراسة جميع القرون التاريخانيّة دون فرض أيّ منظومة شخصية أو منظومة تقييميّة مطلقة.

3ـ الملاحظة الأصيلة للأبنية التاريخانيّة بوصفها من القوانين أو السنن.

4ـ البحث عن قوانين التقييم التاريخي التي تلعب دورًا في تفسير الظواهر التاريخانيّة والتنبّؤ بها واستشرافها[1].

5ـ الاعتقاد بوحدة وانحصارية المراحل التاریخانیّه: وهي النظرية التي تشتمل في ضوئها كل مرحلة تاريخية على عقائدها وقيمها الخاصة، ولا يمكن فهمها إلا ضمن إطارها التاريخي[2].

(19)

6ـ وجاء في موسوعة بول إدواردز في بيان تعريف المذهب التاريخي، ما يلي:

بالنظر إلى الاستعمال الواسع لهذه المفردة: هل يمكن الحصول على مفهوم للتاريخيّة بحيث يشمل جميع موارد استعمالها، والعمل في الوقت نفسه على تقديم معنى واضح للمذهب التاريخي؟

ربما أمكن القول إن التعريف أدناه، قد قرّبنا من الهدف إلى حدّ ما:

«إن  التاريخانيّة تعني الاعتقاد بأن الفهم المناسب للطبيعة ولكل شيء، والتشخيص المناسب لمعيار الفهم، يجب أن يتحقق ضمن ملاحظة ذلك الشيء بحسب الفضاء [الزمني والمكاني] الذي يشغله والدور الذي يلعبه في مسار التنمية والتكامل»[1].

7ـ وقد أشارت موسوعة راتلج إلى رأيين في هذا الشأن، وهما:

أـ إن الرؤية التاريخيّة ـ على ما قال بينيدتو كروتشه ـ بمعنى الروايات المتنوّعة من الفكر التاريخي الذي شاع في القرن التاسع عشر للميلاد على نحو بارز، ولا سيّما في ألمانيا. إن  التاريخانيّة تأكيد على تأريخية جميع العلوم والمعارف، وتمثل نقدًا على الأبستيمولوجيا والمعرفة المناهضة لتاريخية الفكر التنويري.

إن من بين أهم المنظرين والمؤرّخين ـ الذين تتصل آراؤهم مع 

(20)

التاريخانيّة ـ يمكن أن نشير إلى الأسماء الآتية:

«ليوبولد فون رانكه»، و«فيلهم دلتاي»، و«يوهان جوستاف دريزن»، و«فريدريش ماينكه»، و«بينيدتو كروتشه»، و«روبن جورج كولينجوود»، حيث اتّخذوا موقفًا أكثر إثباتيّة في آثار «هايدغر»، و«إدموند هوسرل» و«هانس جورج غادامير» في قبال  التاريخانيّة، وتمّ القبول بـ التاريخانيّة.

بـ لقد ذكر «كارل هيوسي»[1] عددًا من الخصائص للتاريخيّة، وذلك على النحو الآتي:

1ـ الإيمان الشكي بأن التاريخ لا يستطيع أن يرشدنا إلى أحكام يقينية.

2ـ إن المعرفة العلميّة إنما تمكن في دائرة الحدود  التاريخانيّة.

3ـ سعي إلى القراءة الداخلية للتاريخ من أجل الوصول إلى الحقائق الفلسفة والإلهيّة[2].

يرى كارل هيوسي أن  التاريخانيّة تقوم على ثلاث فرضيّات أو ثلاثة أصول، وهي:

أ ـ إن الإنسانيّة ليست لها ذات وطبيعة خاصّة، وإنما لها تاريخ؛ بمعنى أن التجربة والمعرفة إنما أصبحت محصورة ومشروطة  

(21)

بواسطة التاريخ.

ب ـ إن القوانين التي تحدد وتعيّن حياة الإنسان، لم تتقرّر بشكل طبيعي، بل هي حصيلة الخلفيّات التاريخانيّة الخاصة.

ج ـ إن المحتوى الواقعي للمعرفة لا ينتمي إلى منطق معقول، بل يقوم على أساس موقعيّته في التاريخ والاهتمام الراسخ والثابت بالتاريخ[1].

إن التعاريف أعلاه ناظرة من جهة إلى التطوّرات التي شهدها الرؤية التاريخي على طول التاريخ، وهو ما سوف نتناوله بالبحث في الفصل اللاحق، ومن ناحية أخرى ينظر البعض إلى حقل خاص، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن التعريف السادس والسابع يتعلقان بتاريخية الفهم ويرتبطان بالأبستمولوجيا، والتعريف الثاني والثالث ينظران إلى عنصر الفردية وانحصارية العلوم الإنسانيّة. ولكن بشكل عام فقد اكتسبا معنيين مختلفين، ليست هناك بينهما صلة كبيرة، بل نتيجتهما متضادّة؛ أحدهما المصطلح الذي أبدعه كارل ريموند بوبر، وهو يقرّ بأنه الوحيد الذي استعمل هذه الكلمة في هذا المعنى[2]، والتي تعني السعي من أجل كشف القوانين الثابتة القطعية والكلية عن متن التاريخ من أجل التكهّن بأحداث المستقبل. (لقد أراد كارل ريموند بوبر هذا المعنى وقام بنقده معتقدًا أن التاريخ عاجز عن بيان هذا النوع من القوانين الثابتة). إن التعريف الأوّل والثالث والرابع  

(22)

ناظر إلى مصطلح بوبر من التاريخانيّة. والمعنى الثاني ـ الذي هو المعنى الأصلي ومورد بحثنا ـ هو الرؤية التاريخي بمعنى الرؤية والاعتقاد الذي يعتبر التاريخ ـ في شكله الكامل ـ محيطًا ومؤثّرًا في جميع شؤون الإنسان، الأعم من وجوده وفهمه وعقله ومعرفته وعقائده ودينه ومذهبه وقيَمه وأخلاقه وثقافته، وأنها هي التي تحدد مسار حياته. إن كل واحد من هذه الأمور خاص ومتمخض عن شرائطه وظروفه التاريخانيّة الخاصّة، ولا يقبل التعميم على الأزمنة والأوضاع والحالات الأخرى. إن كل إنسان محدود بظروفه الخاصة؛ حيث أن ماضيه ومستقبله مختلف عن أيّ إنسان آخر، وإنه لا يستطيع الذهاب إلى أبعد من البيئة المحيطة به؛ لأنه جزء من ذاته، وليس بمقدور أحد أن يخرج من ذاته[1].

(23)
(24)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

مسار التطوّر المفهومي للتاريخانيّة

(25)
(26)

الفصل الثاني: مسار التطوّر المفهومي للتاريخانيّة

هيجل و التاريخانيّة

يمكن القول بكل ثقة إن جورج فيلهلم فريدريتش هيجل هو الفيلسوف الذي تأثر الكثير من التاريخيين بفلسفته؛ حيث آمنوا بأصالة التاريخ. إلى الحدّ الذي ورد التعبير معه في بعض الكتب عن «التاريخانيّة الهيجليّة»[1] بوصفها واحدة من أنواع التاريخانيّة. وقد تعرّض كارل بيج إلى بحث هذه المسألة في واحد من الفصول الأخيرة من كتابه. إن  التاريخانيّة الهيجليّة ـ من وجهة نظره ـ نظريّة تقوم على أن العقل قد أصبح من الموقعيّة[2] بحيث لم تعد الفضيلة العقلانيّة التامّة تابعة للظرفيّات والقابليّات الروحيّة الفرديّة، بل ولم تعد تابعة لها بالإضافة إلى فرصة الحياة ضمن مجتمع سياسي يحظى بالحرية والحبّ والرفاه والتحمّل، بل تابعة إلى القابليات والظرفيات الطبيعية للروح والموقعيّة الخارجيّة لمجتمعه في تاريخ الحضارة التي يتمّ التعبير عنها بـ «المسار التكاملي للروح».

إن غاية الظاهراتية لروح هيجل هي المعرفة المطلقة، و«المعرفة المطلقة» تعني: الوجود الإنساني الذكي حيث يعمل على التعبير عن نفسه بشكل واع ومدرك، وينطبع على صقع وجوده وسم الاضطراب العجيب والغريب؛ فهو غريب لأنه يفصل إدراك كل من يعبّر عنه من التجذّر في الموقعية التي جعلت هذا التعبير ممكنًا؛ إن هذه الحالة السلبيّة والانفصاليّة، تنتج معنى التشرّد وعدم الاستقرار. وأمّا  

(27)

عدم استقراره فلأن الانفصال ليس مرضيًّا ولا يوافق الطبع، وهو في حدّ ذاته ليس معطىً معرفيًّا فعليًّا، بل هو نمط من البحث الدائم عن التكامل من طريق تكميل الفهم. يرى هيجل أن الفلسفة هي الميل إلى إيصال هذه الحالة اللامستقرّة من الاضطراب إلى الهدوء والسكينة. إن التعقّل يعني الحصول على هذا التغيير والتبديل.

إن العقل يبحث عن منزله الأصلي الذي انفصل عنه، وحيثما وصل إلى العلم المطلق يكون قد عاد إلى منزله. وبطبيعة الحال فإن الوصول إلى المطلق ليس هو الوصول إلى العلم الذي لا ينضب، وإنّما هو الوصول إلى نقطة طمأنينة العقل، وفي الأصل نقطة استحقاق العقل من أجل معرفة ما يجب عليه معرفته أو الذي يستحق أن يُعرف، وعندها تكون الروح قد تحررت من الاضطراب وعدم الاستقرار، لا أنها قد وصلت إلى النقطة الأخيرة من السعي والحركة والغليان، وإنما يكون قد وصل إلى الدائرة الإلهيّة «التفكير الذاتي بالنفس»[1].

وكما يقول والتر تيرينس ستيس فإن المطلق والله في فلسفة هيجل كلمتان مترادفتان، وإن الروح المطلق هو الروح القادر على إدراك المطلق، ومن هنا يمكن القول إن مهمة الروح المطلق هو إدراك المطلق[2]. وبطبيعة الحال فإن هيجل ـ كما قال بعضهم ـ لا يروقه الاستدلال كثيرًا، وإن فلسفته فلسفه إعلامية[3] (توصيفية  

(28)

وبيانيّة)[1]. وعلى الرغم من استدلاله في معرض الردّ على آراء الآخرين بطبيعة الحال، إلا أن نظامه الفلسفي لا يشتمل على استدلال وبرهان قوي؛ فهو شيء يشبه ما يدّعيه العرفاء.

لقد استفاد الماركسيّون الاستفادة القصوى من هيجل، مع فارقين رئيسين بينهم وبينه؛ الفارق الأول: إنهم يذعنون بأن كل ما كان جديدًا فهو أفضل، إلا أنهم لم يقبلوا بدليله المتمثّل بـ (القرب من المبدأ والله). والفارق الآخر: إن هيجل كان يتحدّث عن معادلته حول مجموع عالم الطبيعة، بيد أن الماركسيّين لم يكونوا يقولون بهذا النوع من المعادلة إلّا فيما يرتبط بشأن التاريخ البشري. لقد كان الماركسيّون يعتقدون أن مجموع التاريخ البشري يجتاز خمس مراحل، وفي هذه المراحل الخمسة يكون الوضع بحيث تكون كل مرحلة أكمل من المرحلة السابقة عليها، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن المرحلة الرأسمالية أكمل من المرحلة الإقطاعية[2].

يقول هيجل في كتابه (العقل في التاريخ):

إن لدى الإنسان استعدادًا حقيقيًّا إلى التحوّل، وله ميل إلى التحسّن نحو الأفضل ونحو الكمال والصيرورة الأكمل ... إن الكمال ليس مفهومًا مشخّصًا ومتعيّنًا؛ لإننا عندما ندقق فيه نصل إلى مفهوم التغيّر ثانية. ليس هناك أيّ معيار لقياس التغيّر، كما ليس لدينا أيّ معيار لمعرفة ما مدى كون ما هو موجود على حق وجوهري.

(29)

وليس هناك أيّ أصل في متناول أيدينا لكي يكون (تعريف الكمال بالإضافة إلى جامعيّته) ـ على أساسه ـ مانعًا أيضًا، وأن يُبيّن لنا هدفًا وغاية؛ وعليه فإن الشيء الوحيد الذي يبقى لدينا ويكون متعيّنًا، هو «التغيّر»[1] دون سواه[2].

يذهب هيجل فيما يتعلّق باستمرار ودوام هذا التغيّر الروحي، إلى الاعتقاد قائلًا:

«إن الروح تبدأ ببذرة لإمكانية لا متناهية، لكنها إمكانية فحسب، تشمل وجودها الجوهري في شكل غير متطوّر، كموضوع وهدف لا تصل إليه في نتيجتها، وهذه النتيجة هي تحققها الواقعي الكامل. ويبدو التقدّم في الوجود الفعلي أنه سير من شيء ناقص إلى شيء أكثر كمالًا»[3].

بوبر و التاريخانيّة

لقد استعمل كارل ريموند بوبر[4] مفردة «Historicism» في معنى ومفهوم جديد لم يسبقه إليه غيره[5]؛ حيث يمثل هذا المفهوم اتجاهًا إلى العلوم الاجتماعيّة التي ترى في التكهّن التاريخي هدفًا غائيًا ونهائيًّا لها، وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن هذه الغاية قابلة للتحقق

(30)

من خلال كشف النماذج والقوانين أو الرغبات التي تؤيّد التحوّل التاريخي. إن تاريخية بوبر مذهب حول طبيعة التغيير والتحوّل الاجتماعي والمجتمع الإنساني، والاهتمام التام بالنشاطات الاجتماعيّة الفلسفيّة والاهتمام بهذا الاعتقاد القائل بأن هذا النوع من الأعمال يتشكّل من قبل الحقائق التي تفوق المعرفة البشرية.

لقد عمد كارل بوبر ـ في كتابيه المعروفين عُقم المذهب التاريخي[1]، و«المجتمع المفتوح وأعداؤه»[2] ـ إلى نقد هذه النظريّة. يرى كارل بوبر أن التاريخ عاجز عن تزويدنا بالقوانين الثابتة للتغيير المستمر، وبالتالي لا توجد هناك إمكانية للإنسان كي يتنبّأ في هذا العالم.

الرؤية التاريخية الكلاسيكيّة[3]

لقد ذكر كارل بيج خمس مراحل للمذهب التاريخي، وقد رجحنا ذكر المرحلة الأولى من كتب كارل بوبر، وأمّا المراحل التالية فقد نقلناها من خلال الاستعانة بمؤلّفات كارل بيج نفسه. لقد كانت الأكاديميّة الألمانيّة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين للميلاد المعقل الأصلي للمذهب التاريخي الكلاسيكيّة  .

لقد تم التعريف بعالم الاجتماع «كارل مانهايم» مرارًا وتكرارًا بوصفه منتسبًا إلى الرؤية التاريخي الكلاسيكيّة  ، فلو كان فهمه للعلم  

(31)

البشري بوصفه موضوعًا يبحث ـ بحسب المصطلح ـ في تاريخيّة العلوم الاجتماعيّة، فهو مصداق للمذهب التاريخي الكلاسيكيّة، وبوصفه النوع الثالث أو المرحلة الثالثة للمذهب التاريخي الذي يُعدّ هو الأقرب إلى الرؤية التاريخي الفلسفي. إن الخصوصيّة الذاتية للاتجاه التاريخي بالنسبة إلى «فريدريش ماينكه» تكمن في إمكانية حكمه بفردية وانحصارية الظواهر التاريخانيّة والثقافية. إن مركز ولبّ الرؤية التاريخي لماينكه يكمن في استبدال مشروع الفردانية بنظريّة التعميم أو النزعة التعميميّة. بمعنى أن البيان النهائي والبناء التفسيري لظاهرة التاريخانيّة، يجب أن لا يُبحث عنه في الأصول المشتركة[1].

وعليه فإن العنصر الأوّل في تشكل الرؤية التاريخي الكلاسيكيّة   إلى الفرديّة أو الفردانيّة[2]، والعنصر الثاني ـ من وجهة نظر «ماينكه» ـ هو «بسط والتنمية»[3]، بمعنى أن جوهر المعنويّة والباطنيّة للأشخاص التاريخيين يتجلّى في مسار بسطها. إن هذا التحوّل والتكامل رهن بجوهر الفردانية الذي سيتّضح في مسار البسط لاحقًا.

كما ذهب إرنست ترويلتش ـ على غرار ماينكه ـ إلى الدفاع عن الرؤية التاريخي بوصفه رؤية كونيّة، وهذا يعني القول بتاريخيّة جميع علومنا وتجاربنا عن العالم الثقافي. إن كل شيء من وجهة نظره في

(32)

حالة من السيرورة والصيرورة. وفي مسار التفرّد اللانهائي والجديد دائمًا يتمّ هضم السياسة والقانون والأخلاق والدين والصناعة والفن بأجمعها في مسار الصيرورة  التاريخانيّة، ولا تفهم إلّا بوصفها أجزاء مؤلفة لتنميتنا التاريخانيّة. إن الحياة الثقافيّة تيار متتابع ومتواصل، وهي في الوقت نفسه في حالة تغيير ثابت من الحياة حيث تكون فيها الحلقات النافرة بظاهرها المستمر والموجود، في حالة من التشكّل والتبلور.

وهكذا نرى أن «ترويلتش» يرى «الفرديّة والبسط» بوصفهما عنصرين أساسيين، وكذلك يعتبر الرؤية التاريخي بمعنى القول بتاريخية جميع علومنا وتجاربنا حول العالم الثقافي؛ بمعنى أن كل محتوى ومضمون يسعى إلى تقديم تقرير بشأن العلم الموجّه في باب العالم الثقافي، يجب أن يتطابق مع هذا الأصل الأنطولوجي والوجودي القائل بأن الحقائق الثقافيّة عبارة عن أعاصير تبدو ثابتة في مسار من الصيرورة (وليست نماذج من الحقائق الثابتة والراسخة)[1].

وقد قام ترويلتش ـ على غرار ويلهلم دلتاي، وويلهلم ويندل باند، وهاينريش ريكرت وآخرين ـ برسم خطوط تميّز بين العلوم الطبيعيّة والعلوم  التاريخانيّة. والذي كان يحظى بالأهمية بالنسبة إليه ليس هو الاختلاف بين هذين العلمين في المنهج، بل في هذه الحقيقة القائلة بأن لكل واحد منهما رؤية إلى العالم تختلف عن العالم جذريًّا.

(33)

وكان قد ارتضى بدوره هذه النظريّة القائلة بأن جميع العلوم وجميع صور التجربة البشرية إنما تتحقق في مسار التغيير، وكان يعلم من ناحية أخرى أن هذا الرأي يؤدّي إلى أخلاق منفلتة وإلى شك عقلاني، ولهذا السبب فقد عمد إلى نقد المدرسة  التاريخانيّة، وصار بصدد البحث عن حلّ للتغلّب على هذه المعضلة.

وعلى كل حال فإن النظريّات الإيجابيّة والدينيّة لترويلتش، لم تحظ ببيان شامل؛ وذلك لأنه فارق الحياة قبل أن يكمل ما كان قد بدأ العمل عليه[1].

بيان عدد من النقاط الضروريّة

النقطة الأولى: إن القول باعتبار تاريخيّة جميع العلوم من قبل «ترويلتش» لا يزال بعيدًا جدًّا عن السيطرة الكاملة والضرورية للتاريخ على العقل. إلى هنا لم تكن كفاية العقل البشري للقول باعتبار تاريخية المحتوى المعرفي؛ لتقع موردًا للبحث الجاد، وهو الأمر الذي يكمن موضعه في المدرسة  التاريخانيّة الفلسفيّة.

النقطة الثانية: إن رفض الظنون والتصوّرات المطلقة من خصائص التاريخانيّة الفلسفيّة، وإن ترويلتش لا يعتبر نفسه من القائلين بالنسبيّة. فهو من جهة كان يرى جميع الإشكالات  التاريخانيّة نسبيّة، ومن جهة أخرى كان لا يزال متفائلًا باعتبار المعايير والقواعد المطلقة ولا سيّما القواعد والقوانين المسيحيّة.  

(34)

وقد ذهب فجأة تحت تأثير هذه النقطة، وقال بأن التاريخ يحجم عن مخالفة الفضائل والقيَم. ومن ناحية أخرى فقد واجه ترديدًا لم يعثر على طريق للتغلّب عليه.

إن الذي أقضّ مضجعه هو هذه النقطة وهي أن القول بنسبية المسار التاريخي، لازمه عدم وجود أيّ فكرة مطلقة، ولا يوجد أيّ مثال أو نموذج مطلق، وفي دائرة الاحتمال لا يوجد هناك أيّ شيء حقيقي بلا عيب أو نقص. وإن كل معيار في التاريخ، يمتدّ بجذوره في تلك الزاوية التي نشأ عنها[1].

النقطة الثالثة: إن  التاريخانيّة الكلاسيكيّة على ما عمد إلى تبويبها وصياغتها كل من «فريدريش ماينكه»، و«إرنست ترويلتش»، تشتمل على مضمون وصفي[2]، وعلى مفاد إرشادي[3] أيضًا.

ومن الناحية الوصفية تكون التاريخانيّة الكلاسيكيّة نظريّة في حقل الأنطولوجيا والواقعيّة السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة.

وهي من الناحية الإرشاديّة عبارة عن ادّعاء في باب كيف يجب أن يكون عليه واقع مسار فهم الأمور الإنسانيّة؛ ليؤدّي إلى غايات علميّة وفلسفيّة. في هذه الرؤية لا تتّضح ماهية هذه الأشياء ولا ما هو مفهومها، إلا إذا تمّ تفسيرها بحسب النظريّات الوصفيّة للتاريخيّة الكلاسيكيّة.

(35)

النقطة الرابعة: إن المفهوم الذي يكون فيه معنى التاريخانيّة الكلاسيكيّة في مواجهة مع كيفية نشاط العقل، خصوصي[1] كما أنه إجرائي[2] أيضًا، وأما كونه خاص فلأنه بحث العقل من زواية أنه يدرك العالم الثقافي/ الاجتماعي فقط، ويركن الفهم النظري جانبًا. وأما كونه إجرائيًّا؛ فلأنه قد اختار منهجًا يتمّ فيه توظيف ذات قدرات الفهم التي تبلورت وتمّ افتراضها مسبقًا، وقد سبق أن تمّ بيان خلفيّات التحقيق في ذلك المنهج، ولا يسأل أبدًا كيف توصّل المؤرّخ إلى هذا الموقف، وأن عليه أن يمضي قدمًا على نحو تاريخي، أو ما هي الشرائط الضروريّة واللازمة لهذا الموقف؟

الرؤية التاريخانيّة في الآراء والمعتقدات

أصدر كارل مانهايم كتابه حول «علم اجتماع العلم»[3] سنة 1920م. في حين أنه كان قد كتب أشهر مقالاته في عام 1929م. وفي عام 1924م كتب مقالته في حقل الرؤية  التاريخانيّة فور ظهور آثار إرنست ترويلتش. طبقًا لرؤيته إن المفاهيم التي تعمل في حقل العالم على بيان خصائص العصور الوسطى بشكل ثابت وموافق للإلهيات، قد بقيت في الفكر التنويري على نحو علماني؛ إذ يذهب كلاهما إلى الاعتقاد برأي يتقبّل الخصوصيّة اللازمنيّة لأحكام العقل.

يرى مانهايم أن هذه المفاهيم الثابتة أصبحت متروكة في الحدّ  

(36)

الأدنى، وإن جميع الحقائق الثقافيّة والاجتماعيّة أضحت بواسطة «التغيير» محدودة ومحصورة. وهو يُسمّي هذا الرأي الذي يعمل على تزمين العالم إلى حدّ بعيد بـ «الرؤية  التاريخانيّة».

إن مانهايم ـ خلافًا لترويلتش ـ لم يتراجع عن نسبية جميع المعايير والقيَم التي كانت نتيجة للرؤية التاريخانيّة، بل واعترف بذلك رسميًّا. على الرغم من أنه في أساس نظرياته حيث يبحث العلاقات بين النظرية والعمل، لا يذهب إلى الاعتقاد بأن لا شيء من الشك العقلاني والشك الأخلاقي نتيجة ضروريّة للنسبيّة التاريخانيّة، بيد أن الرؤية التاريخانيّة لا تؤدّي إلى الشكاكيّة الأخلاقيّة، وذلك لأن مانهايم يذهب إلى الاعتقاد بأن جميع القيَم تضرب بجذورها في عمق شرائط وأوضاع وأحوال الوجود الاجتماعي بالفعل، وإن اكتشافها ليس رهنًا بأن تكون لدينا ظرفية ثابتة وغير قابلة للتغيير للبصيرة الأخلاقيّة. يضاف إلى ذلك أن الشك العقلاني قابل للاجتناب من طريق الاعتراف رسميًّا بالأفق الرؤيوي للعلم، كما يمكن في ضوء استعداد علم الاجتماع من إظهار طبيعة مختلف الآفاق الرؤيويّة، وإيقاف كل واحد بواسطة الآخر. وعلى هذا الأساس فإن توظيف مانهايم للرؤية  التاريخانيّة ـ خلافًا لترويلتش ـ لا يحتوي على سوء ظن تجاه الرؤية التاريخانيّة[1].

لو أقررنا بأن الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة بوصفها بديلًا عن نقد العقل، عندها سوف يمكن الخوض في توقّع الارتباطات الموجودة بالقوّة بين الرؤية  التاريخانيّة الفلسفيّة والفكر من الزاوية  

(37)

الاجتماعيّة. ومن ناحية أخرى فإن قوّة هذا النوع من الارتباطات رهن بصحّة تحليل نشاط التعقّل بوصفه ظاهرة ثقافية يتمّ تعيينها بواسطة الحيويّة الاجتماعيّة.

في الوقت الذي كان يركز ماينكه على التاريخ السياسي، واقتنع بأن الأصول التاريخانيّة تحكي عن مسار الثبات والنظم، ذهب ترويلتش إلى الحدّ الذي قال معه بأن القوانين والقيَم الإنسانيّة تتغيّر تبعًا لمعتقداته؛ وأمّا مانهايم فقد أخضع ذات أفكار ومعتقدات الإنسان إلى الاختبار، وقال بأن الأفكار والمعتقدات والآراء البشريّة نفسها هي نتاج ثقافي، وبالتالي فإنها سوف تكون تاريخية[1].

ولا بد من العلم ـ بطبيعة الحال ـ إن علم اجتماع مانهايم في دائرته يمتاز من الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة؛ إذ أن هذه النظريّة ليست شاملة لجميع الإمكانات المعروفة، ولا يمكن لها التحدّث في باب قيود ومحدوديات العقل بشكل أصولي، فإن الذي فهمه مانهايم من علم الاجتماع هو أمر موردي وجزئي. وقد واجه مانهايم في معضلته انعكاسًا نقديًّا[2] أيضًا، توضيح ذلك: أن كل ما يتفق مع مشروع العقل الناقد، يجب أن يتمكن من ملاحظة العلاقة البيّنة لنفسه مع ذات فكرته في مورد العلم والمعرفة. من ذلك على سبيل المثال: كيف يمكن لعلم الاجتماع ـ الذي هو نتاج الظروف والشرائط الخاصة ـ أن يُفسّر اعتباره بوصفه علمًا؟

(38)

لقد أدرك مانهايم ذلك جيّدًا؛ فهو يذعن بأن كلًّا من الرؤية  التاريخانيّة وعلم الاجتماع من نتائج الظروف والشرائط  التاريخانيّة وكلاهما يمثل رؤية محدودة. إن هيجل ـ من وجهة نظر كارل مانهايم ـ ذو رؤية تاريخية، إلا أنه يرى نفسه بوصفه فيلسوفًا منطقيًّا وعقلانيًّا بالنسبة إلى الروح، في قبال الفلاسفة من ذوي النزعة الحياتيّة من غير العقلانيين تجاه الحياة. إن مانهايم المتأثر جداً بهيجل، يرضى بـ «الروح العينيّة»[1] لهيجل، ويرفض إمكانية إدراك الروح المطلق بوصفه شيئًا مطلقًا، وهذا أمر مغاير لقولنا إن مانهايم ينكر «المطلق» بشكل مطلق. فإن الذي ينكره هو أن يعثر على مطلق معرفة نهائيّة أو تجسيد واقعي وحقيقي في حقل الزمانيّات. إن التاريخ بأسره زاخر بالأبنية والنماذج التي تحظى بالاستحكام المؤقت. إلا أن نموذج الثابت المطلق في كل عصر مختلف، وحتى العمق الساري للرؤية  التاريخانيّة بوصفها وعيًا وإدراكًا للعصر الراهن ليس مصونًا من بديل من قبل نموذج ثابت آخر. نحن نرى أن المطلق عبارة عن كمال غير معيّن لا يكتب له التعيّن ولا يصبح واقعيًّا أبدًا[2].

الرؤية  التاریخانیّة الفلسفيّة

إن «الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة»[3] هي ـ على حدّ تعبير كارل بيج ـ من أشدّ القراءات تطرّفًا للإشارة التاريخانيّة[4]، وهي نظرية

(39)

تقول بأن العقل يمتاز ويتغيّر بواسطة التاريخ[1]. إن نشاط العقل البشري ـ طبقًا لهذه النظريّة ـ يتعيّن بشكل كامل وبالضرورة في ضوء الواقعيّات التي تعمل على تحديد وتقييد الشرائط التاريخانيّة، وعلى الرغم من أن الأفكار الكلية والكاملة قابلة للفهم، إلّا أن العقل البشري قد تمّ تحديده وحصره بواسطة الإمكان الصرف، ولم يعد بمقدوره أن يصل إلى هذه الأمور[2].

إن للرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة ناحيتين بارزتين تعرّفان بها، وهما:

1ـ رفض أيّ نوع من أنواع المعاني المعرفيّة النهائيّة القابلة للتحقّق.

2ـ الدعوة إلى تجديد الفلسفة بشكل جذري[3].

توضيح ذلك أن ما تمّ بيانه حتى الآن من أنواع الرؤية التاريخانيّة، قدّم كل واحد منها فرضيّة مسبقة لفهم الأمور الإنسانيّة بشكل منضبط، حيث كانت تقوم بأجمعها على الأنطولوجيا التي تؤكد على الفردية والتنمية. ولكن لم يتجه أيّ منها إلى العقل نفسه؛ بل وحتى «علم اجتماع المعرفة» لمانهايم ـ الذي جرّ البحث عن الذهنيّة والفرديّة نحو العقائد والأفكار، وفسّرها بوصفها من المواقف الثقافية ـ  لم يُفسّر العقل بهذا الشكل، وبقيت مسألة العقل في حقل  التاريخانيّة الجامعة من دون حلّ. إن التعميم إلى ذات العقل البشري كان هو  

(40)

الحلقة المفقودة لأنواع الرؤية التاريخانيّة غير الفلسفيّة.

وأمّا الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة، نظريّة كونها جزءًا تامًّا وضروريًّا للعقل البشري، والمراد من العقل هو ذات نشاط الفهم البشري، وهذا يختلف عن الأنواع الأخرى للرؤية  التاريخانيّة؛ لأن موضوعه هو الفاعليّة العقلانية[1]. ويمكن أن نذكر من بين القائلين بهذه الطريحة كل من جورج غادامير، وجوزيف مارغوليس، وإلى حدّ ما ريتشارد رورتي، ومؤخراً ألسدير ماكينتاير.

يقول جوزيف مارغوليس في مقالة له بعنوان (عمق تاريخيّة الوجود البشري والتحقيق الإنساني)[2]:

«إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي أصبح وجوده تاريخيًّا، إن الإنسان قد تبلور ضمن مفهوم عميق وبخلقة من لغة وثقافة تاريخيّة، وبناء على هذا فإن معرفته قد تمّ تنظيمها وتحديدها في ضوء أفق تاريخي لثقافته الخاصّة»[3].

إن التأريخ في الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة على طبقتين؛ الطبقة الأولى: أن الآفاق التاريخانيّة ليست دخيلة في تمكين الإنسان من الفهم فحسب، بل وتعمل على التقييد والتحديد بشدّة أيضًا؛ فإن هذه هي الحدود النهائية والتي يتحقق أمر المعرفة في ضوئها، ولا يمكن له أن يذهب إلى أبعد من ذلك. والطبقة الثانية: على الرغم

(41)

من أن هذه الآفاق أصول أوليّة لنشاط العقل، بيد أنها في حدّ ذاتها محتملة وممكنة بالكامل. وإنّها ليست مرتبطة بشكل واقعي مع المطلق ولا هي مرتبطة مع الكليّة. إن العقل لا يستطيع أن يذهب إلى أبعد من شرائطه التاريخانيّة، في حين أن ذات هذه الشرائط المحيطة بالعقل رغم أنها شرائط واقعيّة، إلا أنها لا تملك مرسى لها بعنوان الكلية أو المطلق، وليس هناك سوى قوتها ما يستطيع أن يحول دون تحللها وزوالها؛ إن حقيقتها هي ذات واقعيتها؛ حيث ليس لها دعامة كلية أو مطلقة سواها.

العنصر الثالث في الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة ـ والذي سبقت الإشارة إليه ـ هو عموميّة مساحتها. إن الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة تدّعي أنها تشمل حتى الأحكام الإمكانيّة في المستقبل أيضًا، وتنكر أن  تكون نتائج التحقيق البشري ثابتة وغير متأثرة بتغيير صوَر التحقيق، بل وتؤكّد على عدم ثبات كل ما هو موجود في نشاط هذا التحقيق. يقول جوزيف مارغوليس: «لا يمكن لأيّ أحد أن يهرب من تاريخه الموضعي والمحلّي». و«ليس هناك من طريق للفرار من الشراط والظروف التاريخانيّة». وقد وافق ريتشارد جايكوب بيرنستاين على هذا التعبير أيضًا، وقال:

«ليس بمقدورنا الفرار من القوّة الديناميكية للتاريخ المؤثر؛ وهو التاريخ الذي يعمل على بلورة ما نكون عليه ونصبحه دائمًا»[1].

(42)

إن العقل في الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة لا يصل إلى كفاية المذاكرات أبدًا، إن ثمار العقل مؤقتة ومحدودة ومحلية في ذاتها، وإن التفكير البشري لا يصل إلى الأسس والأصول الأولية بتاتًا، ولا يمكن له أن يدرك جذور الأمور، بل لا يستطيع أن يدرك حتى جذور وأصل نفسه أيضاً. إن العقل لا يمتلك القدرة على القيام بالمدعيات الكليّة.

إن الاختلاف الجوهري بين هاتين الرؤيتين يكمن في أنه طبقًا للرؤية  التاريخانيّة الكلاسيكيّة، يقع كل الفهم ـ ونتيجة لذلك العلم والمعرفة البشريّة ـ تحت تأثير العوامل التاريخانيّة الخارجية، ويُصبح متغيّرًا ونسبيًّا، بيد أن هذه  التاريخانيّة لم تتمّ تسريتها إلى ذات الوجود والعقل والفهم الإنساني، خلافًا للرؤية التاريخانيّة الفلسفية التي تعدّ ذات الوجود والعقل البشري تاريخيًّا وزمنيًّا. وبعبارة أخرى: طبقًا للرؤية  التاريخانيّة الفلسفيّة يكون التراث والتاريخ والجذور الثقافيّة لكل شخص حيثيّة وجوديّة لا تقبل الانفكاك عنه، وإن التاريخانيّة تكون من ذاتيّات الإنسان وفهمه؛ إن  التاريخانيّة تنبثق من داخله، لا أن تكون أمرًا عارضيًّا وخارجيًّا[1].

طبقًا لهذه الرؤية يكون العبور على التراث والفرضيّات المسبقة في الرؤية التاريخانيّة الكلاسيكيّة، والتماهي مع مؤلّف المتن، والوصول نتيجة لذلك إلى المعنى المراد للمؤلف ممكنًا، وأما في الرؤية  التاريخانيّة الفلسفيّة فلا يمكن الانفصال عن التراث والتاريخ  

(43)

والفرضيّات المسبقة، ولا يكون السعي من أجل الوصول إلى مراد المؤلف مطلوبًا، بل ويكون مستحيلًا أيضًا[1].

وكذلك بالنظر إلى الرؤية التاريخانيّة الكلاسيكيّة، ذهب أمثال «جين هيرش» في الردّ على نظرية هانز جورج غادامير ـ القائمة على تعدديّة وسائليّة معنى المتن[2] ـ إلى التمييز والتفريق بين «المعنى الحقيقي والواقعي للمتن» الذي هو أمر ثابت والذي هو ذات مراد صاحب المتن، وبين «المعنى والمفهوم بالنسبة لنا» الذي هو أمر تاريخي ومتغيّر[3].

(44)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

نقد أساس الرؤية التاريخانيّة

(45)
(46)

الفصل الثالث: نقد أساس الرؤية التاریخانیّة

على الرغم من إمكان القول بأن الأشكال والآراء الهيجليّة والماركسيّة بشأن الرؤية التاريخانيّة قد انتهت صلاحيّتها، ولم يعد لها ذلك البريق السابق، بيد أن المحقّقين المعاصرين من مختلف الحقول أخذوا يذعنون ويؤيّدون الأشكال الجديدة المطروحة بشأن الرؤية التاريخانيّة. وعلى الرغم من أن رفض ونقد الرؤية التاريخانيّة قد تزامن طرحه معها، بيد أن تأثير ونفوذ هذا المذهب كان ـ على حدّ تعبير «روي كلوزر» ـ من سرعة الانتشار والاتساع، بحيث يمكن تشبيهه بمرض الـ (HIV) أو الأيدز ونقص المناعة المكتسبة في الأعوام الأخيرة[1].

ومن بين الانتقادات التي تمّ توجيهها إلى «الرؤية التاريخانيّة» بمعناها الكلاسيكيّة أو الفلسفي، سوف نتعرّض في هذا الفصل إلى الانتقاد الذي ذكره الأستاذ روي كلوزر ـ الأستاذ المتقاعد من جامعة فرجينيا وصاحب المؤلّفات المتنوّعة ـ والأستاذ كار بيج، وكلا هذين النقدين يبدو منهجيًّا ومتينًا. وبطبيعة الحال على الرغم من وجود الاتحاد بينهما في العنوان وشكل الانتقادات في بعض الموارد، ولكن حيث توجد هناك اختلافات في طريقة دخولهما إلى المسألة من جهة، وتفرّد كل واحد منها في ذكره لعبارات إضافية ونافعة من جهة أخرى، سوف نتعرّض إلى كل واحد من هذين النقدين بشكل منفصل.

(47)

روي كلوزر ونقد الرؤية التاريخانيّة

لقد عمد البروفيسور روي كلوزر في مقالة له بعنوان «نقد على الرؤية التاريخانيّة» أوّلًا إلى ذكر المُدّعى الأصلي للرؤية التاريخانيّة، ثم أخذ يردّ على مدعياتها بشكل مستدل، وفي الختام انتقل إلى نقد رؤية ريتشارد رورتي التي يعتبرها من أكثر أشكال الرؤية التاريخانيّة انتشارًا وخطورة، وأنها في الواقع ملحقة بمذهب أصالة العمل (البراغماتية).

النقد الأوّل

إن هذا المذهب يعاني من عدم الانسجام الذاتي، بمعنى أنه يُبطل نفسه بنفسه. توضيح ذلك أن فيلهم دلتاي في سعيه إلى تحرير الإنسان من سلطة «العلم المفهومي»[1]، وتخليصه من قيود النظريات الجافة والسلطوية، عمد إلى نسبة أيّ مذهب أو عقيدة ـ مهما علا كعبها ـ إلى قدرة البشر. إن الإشكال يكمن في أننا لو قلنا بأن جميع المعتقدات ـ إذ لا يمكن لنا أن نحدّد بشكل دقيق إلى أي شيء كانت تشير، وما هو الموضوع التي تتحدّث عنه ـ تحظى بمكانة متكافئة ومتساوية، ألا ينبغي ملاحظة ذات هذه النتيجة في مورد نظرية الرؤية  التاريخانيّة نفسها؟ إن هذه النظرية ـ على حدّ تعبيرها ـ هي في ذاتها حكاية قد أبدعناها وأسسنا لها، دون أن يكون لدينا طريق إلى تحديد وإثبات تطابقها مع الواقع، وفي هذه الحالة تفشل نظرية الرؤية التاريخانيّة بوصفها رؤية بشأن التجربة والعلم

(48)

البشري؛ إذ من خلال الرجوع إلى ذات هذا المذهب، نرى أنها تعاني من التناقض وعدم الانسجام في ذاتها. وقد عبّر روي كلوزر عن هذا الإشكال بـ «عدم الانسجام من حيث المرجعية أو التناقض الناظر إلى الذات»[1][2].

الجواب عن النقد وردّه

في الجواب عن هذا الإشكال، من الممكن لأنصار الرؤية  التاريخانيّة الادعاء بأنه على الرغم من أن جميع المدعيات في مورد المعرفة، عبارة عن حقائق ثقافية مختلقة قد تبلورت من أجل الحصول على أهدافنا، إلا أن ما تدّعيه نظرية الرؤية  التاريخانيّة ليس من هذا النوع من الحقائق، وربما كان مراد دلتاي من قوله إن القوّة المستمرّة الخلاقة تقف في وجه كل ما هو نسبي، لم يكن لمجرّد استثناء «القوّة الخلاقة» فقط، بل إنه يشمل حتى هذا الاعتقاد أيضًا، وهو الاعتقاد الخلاق لجميع الأشياء الأخرى.

وبعبارة أخرى: إن مدّعى أنصار الرؤية التاريخانيّة هو أن الإدراك التاريخي أو نظرية الرؤية التاريخانيّة تقف على قمّة سائر الإدراكات، وناظرة إلى سائر الآراء في باب العلم والمعرفة، وفي الحقيقة  إنها تنظر إلى العلم من زاوية استعلائية، وهي لا تدخل ضمن هذه الدائرة، وعليه فإنها لا تكون مشمولة لحكمها على ما في هذه الدائرة، بل حكمها صادر عن أفق غير تاريخي.

(49)

ردّ الجواب: إن هذا الجواب بالإضافة إلى كونه عاميًا، يحتوي على ثلاثة إشكالات:

الإشكال الأوّل: ما هو الدليل على أن هذا الادعاء مقتبس من زاوية استعلائية وما وراء التاريخانيّة؟ والإشكال الثاني: إن وجود زاوية أخرى لا تاريخية وما فوق تاريخية هو بالتحديد ما تسعى نظرية الرؤية التاريخانيّة إلى الردّ عليه ورفضة بل وإثبات استحالته، فإن القائل بالرؤية التاريخانيّة إنما يرى إمكان المعرفة العينية في حدود التاريخ فقط. والإشكال الثالث: يمكن للآراء المنافسة في حقل المعرفة أن تدعي لنفسها ذات هذا الادعاء أيضًا، فما هو الدليل على ردّها؟ ومن أين وبأيّ رؤية يجب أن يأتي ذلك الحكم الذي يقضي بين هذه الآراء ويرجّح إحداها على غيرها؟ سوف يأتي المزيد من التوضيح والتجريح والتعديل حول هذا النقد.

النقد الثاني لـ «روي كلوزر» على الرؤية  التاريخانيّة

يرى روي كلوزر أن الدفاع عن هذه النظرية يستلزم إنكارها[1]. توضيح ذلك أنه ليس هناك صيغة للرؤية التاريخانيّة إلا وترى أن هذا المذهب متطابق مع الواقع. وعليه فإنها أولًا: تعتبر نفسها مطابقة للواقع وتعتقد بذلك. وثانيًا: لقد عمد كل واحد منها إلى إقامة أدلّة لإثبات نظريته حيث تراها متطابقة مع الواقع. وثالثًا: لقد ذكروا في الجواب عن الانتقادات والردود براهين كانوا على يقين واطمئنان من صحتها ومطابقتها مع الواقع. ورابعًا: لقد استندوا في

(50)

بطلان وعدم مطابقة سائر الآراء في مورد «العلم البشري» مع الواقع، عن يقين واطمئنان، وقد تمسكوا لإثبات بطلانها بالأدلة والبراهين التي كانوا يعتبرونها مطابقة للواقع، وإن القول بجميع هذه القضايا والبراهين بوصفها متطابقة مع الواقع أو بوصفها من الحق (أيًّا كان المعنى المراد منه) يتعارض بأجمعه مع نظرية الرؤية  التاريخانيّة، ويستلزم نقض وإنكار هذه النظرية. ولو لم تعتبر أي واحد من القضايا أعلاه أو حتى واحدة منها مطابقة للواقع، سوف يكون أصل النظرية معلقًا.

وفي الواقع فإن هذا المذهب من خلال التمسّك بعلم غير تاريخي قد اكتسب مقبولية زائفة، وفي الرؤية السطحية والعادية أعلن عن نفسه بوصفه مذهبًا تاريخيًّا. بمعنى أن تحصيلنا ومعرفتنا له تنطوي على تاريخ، في حين أن الفهم الدقيق لهذه النظرية يقوم على هذا المعنى وهو أن هذا المذهب في المجموع مخلوق للمسار التاريخي. وبعبارة أخرى: إنه قد ارتضى ذات هذه الأمور ـ التي وقف مذهب أصالة التاريخ في وجهها ـ وقال بها دون تصديق وتأييد وبشكل خفي. وقد عبّر روي كلوزر عن النقد الثاني بـ «عدم الانسجام من حيث التسليم الذاتي»[1].

إن هذا النوع من التناقض الخفي والظاهر أحيانًا يمكن العثور عليه في كلمات أصحاب الرؤية التاريخانيّة بكثرة، وفيما يلي نذكر نموذجًا آخر له:

(51)

قال أوسفالد شبينغلر ـ وهو بنفسه من أصحاب الرؤية التاريخانيّة ـ في كتابه (تدهور الحضارة الغربية): يرى الذين ينظرون إلى الأمور بطريقة تاريخية، أنه لا يوجد سوى «تاريخ علم الفيزياء» فقط. إنّ جميع الأنظمة الفيزيائية ـ من وجهة نظر صاحب الرؤية التاريخانيّة ـ لا تنقسم إلى أنظمة صحيحة وخاطئة، بل هناك أنظمة هي من الناحية التاريخانيّة والسايكولوجيّة تتعيّن بواسطة مرحلة زمنية محدّدة وبشكل وآخر بواسطة ممثل أو مظهر كامل منها.

كما أن لشبينغلر كلمة مماثلة في مورد علم الرياضيات أيضًا؛ حيث يقول:

«هناك أكثر من عالَم رياضي؛ إذ هناك أكثر من ثقافة واحدة، فإننا على طول التاريخ نشهد الكثير من الأنظمة العدديّة، وهي تختلف من حضارة إلى حضارة أخرى، وإن كل رمز يشير إلى عدد خاص، وهو على الرغم من عدم استناده على أساس علمي، إلّا أنّه تابع بشكل دقيق إلى نوع ثقافة، وهو خاص بتلك الثقافة»[1].

لا يمكن التشكيك في أن هذا الكلام الثاني أمر بعيد عن الذهن تمامًا، والشواهد  التاريخانيّة تشهد على خلاف ذلك؛ إذ أن الذي يختلف في الثقافات هي الرموز والمقاييس، وأمّا قيمتها العددية فتبقى ثابتة وواحدة في جميع الثقافات العرضية والطولية؛ فإن حاصل الجمع بين الواحد والخمسة هو ستة في جميع الثقافات

(52)

وبجميع الرموز، وإن للعدد ستة قيمة عددية ثابتة أبدًا. يُضاف إلى ذلك أن مدعيات أوسفالد شبينغلر تقوم على فرضيّات نهائيّة تتهافت مع ذات هذا الادّعاء.

إنه يقول: يوجد هناك أكثر من علم رياضيات واحد؛ إذ لدينا أكثر من ثقافة واحدة. إذن، فهو في الوقت الذي يقول إن مفهوم العدد «واحد» نسبي، يذهب في الوقت ذاته إلى الادعاء بأن مدّعاه يقوم على أنه يوجد أكثر من علم رياضيات واحد صحيح؛ إذ لدينا أكثر من ثقافة واحدة؛ فإنه ما أن يقيم دليلًا على مدعاه، سوف يعني ذلك أنه يرى أن مدّعاه مطابق للواقع، وهذا لا ينسجم مع القول بنسبية قيمة الأعداد. كما أن مدّعاه الآخر القائل بأننا لا ندرك واقعية الفيزياء، وإنما ندرك مجرّد تاريخ الفيزياء فقط، يواجه مصيرًا مشابهًا لهذا المصير. فمن أين أدرك أن هناك ثقافات متنوّعة؟ ومن أين علم أن لهذه الثقافات تاريخًا مستقلًّا ومنفصلًا؟ فلو لم يكن هناك أيّ علم بشأن الأشياء الفيزيائيّة والطبيعيّة بحيث تختلف عن الأفكار المتعيّنة في ثقافته، كيف أمكنه التوصّل إلى هذه الحقائق؟ وعلى هذا الأساس فإن كل ما يعمل أصحاب الرؤية التاريخانيّة على تصديقه وتأييده، وكل ما يتمسكون به، سوف ينقضون به مذهبهم تمامًا. فإذا كان ثابتًا على مذهبه، تعيّن عليه التخلّي عن جميع مدعياته، وأن لا يتمسّك بأيّ شيء، بما في ذلك مذهبه، وإنما يمكنه أن يدّعي شيئًا إذا عمل مسبقًا على ردّ الرؤية التاريخانيّة.

(53)

النقد الثالث لروي كلوزر على الرؤية التاريخانيّة

هذا وإن الرؤية التاريخانيّة تعاني من التعارض والتناقض حتى في التنفيذ والتطبيق أيضًا، وبعبارة أخرى: إنها تختلف عن أدواتها ووسائلها البناءة أيضًا. توضيح ذلك أن كل رأي يحتاج في طرحه وبيانه إلى التمايز والانتزاع من سائر الآراء الأخرى. كما أن الرؤية التاريخانيّة تحتاج في التجربة والعلم التفسيري بدورها إلى الانتزاع والتمايز من سائر الآراء الأخرى في باب الفهم والمعرفة. بيد أن الذي تحقق هو أن الرؤية التاريخانيّة، قد اتجهت فوراً إلى التصديق بوجود آراء مناظرة ومنافسة، وعملت على ردّها جملة واحدة. إن آراء من قبيل: الصور المثالية والعليا لـ (أفلاطون) و(أرسطو) ، ومادية الطبيعة أو جسمانيتها لـ (توماس هوبز) و(جون سمارت)، والأفكار الواضحة والمتمايزة لـ (رينيه ديكارت) ، والصور الحسية بالإضافة إلى مقولات الفاهمة لـ (إيمانوئيل كانط)، من بين الآراء القليلة المنافسة، والتي تصلح أن تكون بديلًا لنظرية الرؤية التاريخانيّة.

إن كل نظريّة في حقل الأبستمولوجبا تدافع عن نفسها في قبال سائر الآراء الأخرى بواحد من الأسلوبين أدناه:

إمّا أن يتمّ الذهاب إلى الاعتقاد بأن جميع النظريات في حقل المعرفة واحدة ومتشابهة، وفي مثل هذه الحالة لا تكون هناك في الحقيقة والواقع نظرية بديلة أو منافسة أصلًا، أو يتمّ القبول بوجود نظريّات أخرى في حقل المعرفة، ولكن مع الادّعاء بأن نظريّته من النوع المعرفي الذي تنتمي إليه سائر العلوم الأخرى دون العكس.

(54)

فلو تمسّكت الرؤية التاريخانيّة بالنوع الأوّل من الاستدلال، وقالت بأن جميع أنواع المعرفة تاريخيّة، وإنه ليس لدينا معرفة غير تاريخيّة؛ فإن ذات هذا الادعاء يعاني من التناقض وعدم الانسجام؛ وذلك لأنّه لو كان هناك مجرّد معرفة تاريخية فقط؛ إذن من أين ظهرت أنواع المعرفة؛ ليحكم بأنها تاريخيّة بأجمعها. وعليه يتّضح أن هناك أنواع النظريات البديلة والمتمايزة في حقل المعرفة، وإن الرؤية التاريخانيّة لا مندوحة لها من التمسّك ـ لتوجيه وإثبات رؤيتها ـ بالأسلوب الثاني، وتقرّ بأن لدينا أنواعًا من المعرفة الكمّية والفضائيّة والفيزيقيّة والأحيائيّة والحسّية والمنطقيّة والتاريخانيّة والاقتصاديّة والحكوميّة والأخلاقيّة وما إلى ذلك، ليُدّعى بعد ذلك بأن جميع أنواع المعرفة تابعة لنوعها التاريخي، في حين أن النوع التاريخي ليس تابعًا لسائر الأنواع الأخرى. لأن الفرض يقوم على أن الرؤية التاريخانيّة تبحث عن بيان رأي يحتوي على جميع أنواع الفهم والمعرفة ويصبغه بلونه. ولا يعترف بأيّ معرفة مستقلة من خارج هذه الدائرة.

لنفترض الآن أن هذا الادعاء التاريخي صحيح، إلّا أنّ الإشكال الرئيس هو أن هناك في مقام العمل تشكيك جادّ في إمكانية هذه المعرفة. وذلك لأننا لو فصلنا «المسار التاريخي»، وبدأنا عملية التصوّر في عزلة وتجرّد تام عن الطرق التجربيّة والمعرفيّة الأخرى، بمعنى أننا لو حذفنا الكميّة والفضاء والمعنى والجسم والحياة والحسّ والشعور والمنطق واللغة والعلاقات الاجتماعيّة والقيَم من وجهة نظرنا بشأن التاريخ، فهل سيبقى هناك في الحقيقة والواقع  

(55)

شيء ليمكن أن يكون له تاريخ؟ وعلى هذا الأساس فإن فكرة «المسار التاريخي» تعمل على إلغاء المعاني مرّة واحدة.

وعليه إذا لم يمكن تصوّر انفصال المسار التاريخي عن سائر أنواع المعرفة الأخرى، كيف يمكن الادعاء بأنّه معرفة مستقلّة عن سائر المعارف الأخرى؟

كيف يمكن لهذا المذهب أن يثبت أن هناك حقيقة في مسار قوّة خلاقة، وأنّه يجب تحديد نسبية جميع العقائد الأخرى على أساسها وفي ضوئها؟ لا مندوحة من التوسّل ثانية بأنواع العلوم والمعارف الأخرى، وهي علوم لا تتطابق مع الواقع من وجهة نظر مذهب أصالة التاريخ! وعلى هذا الأساس فإن الرؤية التاريخانيّة تعاني نوعًا ثالثًا من عدم الانسجام أيضًا، وهو الذي يُطلق عليه روي كلوزر عنوان «التناقض من حيث تنفيذه»[1].

والنتيجة هي أن مدّعى الرؤية التاريخانيّة ـ التي تمّ التعرّف عليها بوصفها ذات وماهية ضرورية لجميع المعارف ـ تاريخية وقابلة للزوال والفناء. نحن لا نستطيع أن نأخذ أيّ أرضية علمية بوصفها النوع المعرفي الوحيد الذي تستند وتنتمي إليه جميع الأنواع الأخرى[2].

(56)

كارل بيج ونقد الرؤية التاريخانيّة[1]

لقد ذكر كارل بيج في مستهل نقده مقدّمة، ثم انتقل بعد ذلك إلى الردّ على هذه النظرية:

إن الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة ليست أطروحة تجريبيّة، بل هي تقرير سابق على حدود الفهم البشري، بمثابة الفلسفة في دراسة التجربة البشريّة التي هي وراء الظواهر اللاحقة ومتأخرة عنها. إن مواجهة هذه النظريّة مع الفلسفة الأولى [التي كانت تسعى إلى الحصول على الحقائق الثابتة] أدّى إلى إثارة تساؤلات حول تماسك هذا الرأي بوصفه رأيًا تفسيريًّا، والتوافق بين جزئيّاته. إن البراغماتيين [من أمثال رورتي] والهرمنيوطيقيين [من أمثال غادامير] يقدّمون الرؤية  التاريخانيّة بيسر بوصفها المدّعى الحقيقي والصحيح لهما. فلو أنهم في باب هذه النظرية لم ينظروا إليها بوصفها ادعاء صحيحًا مخالفًا للفلسفة الأولى، ويرونها بشكل مشروع أعلى منها، لوجب على نظريّاتهم البراغماتيّة أن تثبت أنها قد قبلت بتراث الفلسفة الأولى.

وعلى هذا الأساس فإن إنتاج وتقديم نظرية بيّنة ـ سواء أكانت نهائيّة أو لم تكن كذلك ـ سوف تستتبع اللوازم الأصيلة الآتية بوصفها من اللوازم المنطقية:

الثبات والتماهي[2]: لأن عدم التقيّد والتساهل في مورد عدم  

(57)

الانسجام والتضاد، يقوّض عمود وأساس التمايز الذي تقوم عليه كل نظريّة وتقرير.

عدم اعتباطية[1] الأدلّة: لأن كل تقرير ورأي يدّعي تقديم الشرائط الواقعيّة للظاهرة التي عمدت إلى تقديم التقرير في موردها.

القدرة على الانعكاس النقدي الذاتي[2]: بمعنى أنه يجب أن يكون هناك طريق جيّد للتقرير والتقييم؛ لأن كل تقرير وتقييم في جميع الآراء الفلسفيّة، يجب أن يكون في حدّ ذاته قابلًا للتقرير والتقييم أيضًا[3].

إن هذه اللوازم المنطقيّة عبارة عن محدودية في الحدّ الأدنى لقول الحقيقة والواقعيّة. إن الرؤية التاريخانيّة الفلسفية، قراءة غير عادية للتجربة البشرية؛ لأن هذه القراءة تمثل شرائط ذات القراءة. وهي تسعى إلى إضفاء المعنى على المعنى. إن أصحاب الرؤية التاريخانيّة الفلسفية يستندون إلى دليلية جهودهم النقدية، ويرون أنهم قد استندوا ـ ما أمكنهم ـ إلى تعزيز مدّعياتهم بالأدلة والبراهين، ولكن يبدو أنهم عاجزون عن تفسير مشروعهم. والسؤال هو: ألم تعمل الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة على إفراغ نفسها من المعنى بمقدار ما أضفت من المعاني على الأشياء الأخرى؟

لقد تمّ طرح تحدّي عدم الانسجام وعدم ترابط طريحة الرؤية   

(58)

التاريخانيّة الفلسفية، على شكلين. (وفي الحقيقة فإن الإشكال الأوّل والثاني يندرجان تحت مجموعة الافتقار إلى اللازم المنطقي الأوّل في نظرية ما).

الإنكار التلقائي[1] لنظرية الرؤية التاريخانيّة

إن النظريات التي تعمل على تحديد توصيف الأشياء بشدّة، متهمة بطرد ذاتها من طرق مختلفة. والتحدّي الماثل هنا يتمثّل في السؤال القائل: ألا يوجد هنا تناقض مدمّر بين الشرائط الإمكانية الكاملة للرؤية وبين ذات الرؤية  التاريخانيّة التي تجعل الفهم مشروطًا لا محالة؟ إذا كان كل علم وكل رؤية مفتوحة على التغيير والاستبدال، فما هو الشأن بالنسبة إلى ذات نظرية الرؤية  التاريخانيّة بوصفها موقفًا علميًّا، وكيف يمكن لها بيان موقعية العلم والبصيرة؟ في بيان الرؤية  التاريخانيّة الفلسفية يبدو من الواضح أنها قد اجتازت حدود طريحتها في باب الفهم البشري بسهولة.

بيان آخر:

إن الرؤية  التاريخانيّة الفلسفية، توافق «الكلية»[2] بوصفها نموذجًا معرفيًّا مثاليًّا، وإن التحقيق على حدّ تعبير جوزيف مارغوليس ـ وهو من أنصار الرؤية التاريخانيّة الفلسفية ـ لا يستلزم ترك البحث عن القواعد الكلية. إن الكلية بالنسبة إلى الرؤية التاريخانيّة عبارة عن نموذج مثالي منضبط، ويراها قابلة للفهم، غاية ما هنالك أنه ينكر إمكانيّة أن يصل الإنسان إلى معرفتها بشكل تامّ وكامل.

(59)

ومن ناحية أخرى فإن الكلية لم تظهر في خصوص استعمال الرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة فقط، بل وتمّت الاستفادة منها وتوظيفها حتى في بيان ذات هذه النظرية أيضًا [ولم يكن أصل النظرية ـ بوصفها قضية كلية ـ وحده هو المطروح فحسب، بل وحتى براهينها بأجمعها تعدّ من القضايا الكلية أيضًا].

تذهب الرؤية التاريخانيّة إلى الاعتقاد بأن جميع أشكال المعرفة البشرية تندرج ضمن إطار من الإمكان، ويتم تعيينها بواسطته، ولا يمكن لأيّ حكم بشري ـ بأيّ أسلوب أو منهج كان ـ أن يتغلّب على هذه الموقعية الإمكانية؛ ليس هناك إشكال في القول بأن التفكير البشري محدود على الدوام؛ وليست هناك مشكلة في أن تكون محدوديات الفهم البشري كامنة في ذات الأمر الإمكاني، وليست هناك مشكلة في هذه الفكرة القائلة بأن فهم الإنسان في ذاته لا يمكن أن يكون شيئًا غير أمر جزئي وموضعي؛ إن جميع محتويات الرؤية  التاريخانيّة والحقيقة التي تعمل على تصويرها ليست سوى أمر كلي وعام.

وأمّا غادامير فإنه يقول مباشرة وبشكل صريح:

«لو أن أصل التاريخ المؤثر[1]، قد انبثق من عنصر شامل في بنية الفهم، عندها لن تكون هذه النظرية مشتملة على أيّ نسبة تاريخيّة، بل إنها تبحث عن اعتبار مطلق»[2].

(60)

والإشكال الوارد هنا يقول: أوّلًا: ألا تكون جميع هذه القضايا الكلية ناقضة لطريحة الرؤية التاريخانيّة المنكرة للمعرفة الكلية والثابتة؟ وثانيًا: ألا يقوم المدّعى الأصلي للنظرية التي يتمّ طرحها بشكل عام بأزالة ذات هذه النظرية بعد إلقائه بظله عليه؟ ألا تعمل هذه النظرية ـ دون أن تدري ـ على طرد ذاتها، ونتيجة لذلك ألا تعمل على سلب الصلاحية من نفسها بوصفها نظرية فلسفية[1]؟

جواب الإشكال

إن الرؤية التاريخانيّة وإن ألزمت نفسها بتصوير شرط عام، ولكنها على الرغم من هذا لا تتعهّد بادعاء المعرفة التامّة والكاملة بشأن الحقيقة التي تعمل على توصيفها بشكل عام. إن بيان الحكم يمكن إظهاره بدرجات مختلفة من الاطمئنان الممكن.

توضيح ذلك أن الأحكام أو القضايا يتمّ تحليلها إلى جزئين، وهما: المحتويات والمندرجات من جهة، والادعاء من جهة أخرى. إن المحتوى هو ذلك الشيء الذي تمّ الإعراب عن صحّته، والادعاء هو الحكم في باب المحتوى بوصفه صحيحًا. إن هذا الفصل والتفكيك بين الحكم وموضوعه أمر لازم. إن محتوى قضية ما يمكن أن يكون موضوعًا لمجرّد فرض أو ظن أو حدس أو إلهام أو تخمين أو معتقد صحيح أو فرضيّة موجهة أو يقين حقيقي أو معرفة كاملة. إن كل واحد من هذه الموارد يتمّ استعمالها بدرجة من الاطمئنان في بيان محتوى واحد. إن الرؤية التاريخانيّة تبيح  

(61)

لموقعيّة العقل البشري أن تجيز قابلية فهم التصوّر الكلي، دون أن يتمّ التعرّف على ذلك  الكلي ضرورة. يتمّ التعبير عن التصوير الكلي للمعرفة التاريخانيّة عن الوضعيّة المعرفيّة للإنسان بسيناريو الرؤية التاريخانيّة. إن التمايز بين سيناريو الرؤية التاريخانيّة والمعرفة البشرية في مورد هذا السيناريو في كليته، يجرّ بحثنا إلى ما وراء إنكار الذات.

إن وجوب طرح سيناريو الرؤية التاريخانيّة ضمن تعبير عام، لا يحتوي على تناقض مع القول بأن هذه النظرية تنكر إمكان المعرفة العامّة والكلية بالنسبة إلى الكائنات الإنسانية. إن قضية «أن المعرفة الكلية وغير  التاريخانيّة بالنسبة إلى الكائنات الإنسانيّة، غير موجودة» يمكن لها مثلًا أن تكون هي حكم الله. إذن لا يوجد هناك تناقض منطقي في البين.

لو قيل: «ليس هناك أيّ إدراك ذاتي يعمل على توجيه وجود المعرفة بالنسبة إلى الكائنات غير العاقلة»، فإن هذه القضية لا تنطوي على أيّ مشكلة، وإنما تتعرّض إلى عدم الانسجام والتناغم إذا نطقت الصخور والأشجار والحيوانات، وقالت بصريح العبارة: إن ما ذكرتموه نحن نعلمه أيضًا، وأنه صادق في حقنا. في هذا المورد ليس محتوى الحكم بل توظيف الادعاء في مورد المحتوى من قبل الكائنات غير العاقلة هو الذي أصبح مثيرًا للإشكال، وأخذ يطرح عدم انسجام الإنكار الذاتي. في الموضوع مورد بحثنا ما معنى أن يحكم الفاعل الإنساني بأن سيناريو الرؤية التاريخانيّة صحيح حتى  

(62)

في مورده أيضًا، ولا ضرورة لأن تدعي الرؤية التاريخانيّة مثل هذا الأسلوب الذي ينكر ذاته بالمطلق. وبالتالي فإن إشكال الإنكار الذاتي يكون على النحو الآتي: «على نحو غير تاريخي لا يمكن أن ندرك عدم إمكان العلم غير التاريخي بالنسبة إلى الإنسان». وهذا لا يستلزم أيّ تناقض في البين[1]

ردّ الجواب

إن أصل إشكال الإنكار الذاتي، يرتبط بنوع من التوظيف الذاتي للمعرفة، وليس تناقضًا منطقيًّا وصوريًّا. لو كانت الرؤية التاريخانيّة تقول: «لقد علمنا بشكل غير تاريخي أن المعرفة غير التاريخانيّة ليست ممكنة بالنسبة إلى البشر»، لكان هذا الادعاء مشتملًا على تناقض منطقي واضح، لأنه من قبيل الجمع بين النقيضين (إن المعرفة غير  التاريخانيّة ممكنة/ إن المعرفة غير التاريخانيّة ليست ممكنة). إن هذا النوع من الأحكام ـ من دون الحاجة إلى التوظيف الذاتي ـ متناقضة، وهي خاطئة من الناحية المنطقية. ولكن نوع الإنكار الذاتي الموجود في ادعاء الرؤية التاريخانيّة هو عدم التوافق بين المحتوى وشرائط إثباته، لا أن يكون هناك تناقض وعدم انسجام في ذات فكرة المحتوى. إن الرؤية التاريخانيّة لا من الناحية المنطقية، بل هي عديمة المعنى من الناحية المعرفية. عندما يصبح التناقض وعدم الانسجام مورد البحث معرفيًّا، فلربما احتفظت أحكام الإنكار الذاتي بشأنها المفهومي والمنطقي، وكانت منسجمة

(63)

من حيث الشكل، ومع ذلك تكون خاطئة في الواقع.

النقطة الأخرى أنه إذا كان أصل السيناريو صحيحًا، إلا أن الكائنات البشريّة لا تستطيع أن تقرّ صحّته في موردها، لا معنى لأن تقوم ذات هذه الكائنات البشرية بالدفاع عن صدقها وصوابيتها بأقصى درجات الاطمئنان. إن الرؤية التاريخانيّة الفلسفية تدعي بأعلى درجات الاطمئنان أن أصولها قادرة على تنظيم جميع أنواع التحقيق، ويجب أن تتفوّق على جميع المدعيات التقليدية للفلسفة غير  التاريخانيّة.

إن جميع عناصر الدفاع عن المعرفة اللامتغيّرة الكلية التي تكون في متناول الفاعل المعرفي بشكل طبيعي، هي ـ من وجهة نظر صاحب الرؤية التاريخانيّة ـ إمكانية من تلقائها وفي حدّ ذاتها، أو هي منفتحة على تجديد النظر، ولا يمكنها أن تضمن ثبات ذاتها، ولا يمكن لأيّ محتوى كلي أن يُعرف بوصفه كليًّا.

والآن لو طبقنا ذات هذا الأمر على هذه النظرية نفسها، فإن الحقيقة التي تمّ تصويرها من قبل صاحب الرؤية التاريخانيّة، تمنع بشكل رتيب من توجيه أيّ نوع من أنواع الكلي حيثما كان. إن هذا الأمر يُستنبط من المعرفة الكاملة للمعنى المفترض من قبل ذات النظرية[1].

(64)

الإجابة الثانیة للتاریخیّة عن إشکال الإنکار التلقائي

التنزل من النظریّة إلی الفرضیّة

  من الممكن لأصحاب الرؤية التاريخانيّة الادّعاء والقول بأنا قد ذكرنا فرضية تقوم على أنه في ضوء الواقعية التاريخانيّة لا يكون العلم غير التاريخي ممكنًا بالنسبة إلى الإنسان، وبذلك فإن أصل سيناريو الرؤية التاريخانيّة من خلال الحفاظ على كليّته، يكون مستثنى من الشمول لأدلته. وفي مثل هذه الحالة يكون من مهمّة سائر الآراء في مورد العلم والمعرفة البشرية أن تعمل من أجل تحكيم مباني رؤيتها على إبطال الآراء المنافسة، حتى وإن كانت مطروحة على نحو الفرضية فقط[1].

ردّ الجواب الثاني

أوّلًا: إن هذا الادعاء على خلاف الواقع؛ وذلك لأن الرؤية  التاريخانيّة أطروحة قد اتّخذت شكل النظريّة الانتقاديّة الجامعة التي تحتوي على قابليّة الهيمنة على الفلسفة الأولي والهداية العمليّة للعقل في جميع مواردها.

ثانيًا: لم يكن الإشكال واردًا في باب عدم الانسجام المنطقي، بل الإشكال إنما أوردناه في باب عدم الانسجام المعرفي، وهو نتيجة تطبيق النظرية بل وحتى الفرضية في مورد ذاتها.

(65)

ثالثًا: إن كل رأي حتى ولو تمّ ذكره على شكل فرضية، يجب أن لا ينطوي على عدم الانسجام والتناقض، ويكفي لردّه نفس إشكال الإنكار المعرفي الذاتي.

النقد الثاني لكارل بيج على الرؤية التاريخانيّة

إن الرؤية التاريخانيّة تنتهي إلى العدمية؛ حيث لن تكون نتيجتها سوى اعتباطية التفسير التاريخي. إن العدمية تعني أن يكون التبويب الحاسم والقطعي للصائب والخاطئ، والأفضل والأسوأ، والقيّم وغير القيّم وما إلى ذلك، هو في الحدّ الأدنى يدعو إلى الإحباط، ولربما كان عملًا غبيًّا، وبكلمة واحدة فإن العدمية والخواء لا يحمل أيّ تمايز وتفكيك للأمور عن بعضها[1].

إن عدمية الرؤية التاريخانيّة لا تعني أن ذات النظرية في نفسها تمثّل تفسيرًا وبيانًا اعتباطيًّا. بل إنها بوصفها رؤية بشأن إضفاء المعنى على الأشياء تتعرّض إلى الفوضى والهرج والمرج. يقوم الادعاء على أن الرؤية  التاريخانيّة الفلسفية قد جعلت إضفاء المفهوم عديم المعنى، وعلى الرغم من أنها في حدّ ذاتها ليست جزافًا واعتباطًا، إلا أنها في تفسيرها للإمكان والمحدودية  التاريخانيّة ـ بوصفها مصيرًا حتميًّا لكل تقرير ـ قد اتهمته بالاعتباطية التي لا يمكن اجتنابها في جميع الموارد والمجالات. وعليه لو لم تتمكن أصول هذه النظرية في نهاية المطاف من دعم إمكان التوجيه الثابت للتفاسير، فسوف تكون عاجزة عن طرحها بوصفها نقداً للعقل التاريخي.

(66)

إن الرؤية التاريخانيّة لا ترفض كلية الأحكام فحسب، بل وتعجز عن تفسيرها وتبريرها أيضًا، فهي بالتالي تتعاطى مع تفكيك التقارير الأفضل والأسوأ، مع بيان سبب وجوب ترجيح أحد طرق القراءة التجريبية على الطريق الآخر.

كما أن الرؤية التاريخانيّة تنكر بلوغ الفهم إلى أصل الأشياء بشكل جيّد، والحصول على فهم الأصل الأولي للظاهرة التي يجسّدها أيضًا؛ فنحن في أحسن الأحوال إنما نحدس الكلي أو الحقيقة الأولية للأشياء. إن الرؤية التاريخانيّة لا تقبل بالتمايز التقليدي بين الاعتقاد بالشيء ومعرفة ذلك الشيء [فلا وجود للقطع واليقين بالواقع في أيّ واحد منهما]، وإن هذا القطع لرأس الإمكان المعرفي يؤدّي إلى ظهور الكثير من المشاكل. فلو لم يكن هناك طريق لتبرير عقيدة ما بشكل أكبر أو أقل، فلن يكون من العقل اختيار أحدهما دون الآخر، وهذا يعني العدمية[1].

في حين أن الواقع على خلاف هذه الإلزامات الموجودة في الرؤية التاريخانيّة؛ فلم يقل أحد بأن كل عقيدة مهما كانت فهي بوزن وحجم سائر العقائد الأخرى، ولم يقل أحد بأن الطريق إلى التمايز بين الحسن والقبيح مغلق.

إن أصحاب الرؤية التاريخانيّة أنفسهم وإن تراجعوا عن المعرفة الكلية، إلا أن هذا التراجع والانسحاب لم يدفع بهم نحو الهرج  

(67)

والمرج، بل لا يزالون يدّعون أنهم يستطيعون التمييز بين الحسن والقبيح وبين الخرافة والعلم. وإنهم لا يزالون يعتقدون بالمعرفة المنتظمة ويعملون على طبقها.

يقول جوزيف مارغوليس:

«إن التحقيق البشري يسعى إلى الأحكام الكلية دون أن يكون من القائلين بالكلية، ويسعى إلى الأصول دون أن يكون أصوليًّا، ويسعى إلى الذوات والجواهر دون أن يكون ذا نزعة ذاتية، ويسعى إلى الضرورة في الإمكان، ويسعى إلى السوابق في ضوء التجربة»[1].

في حين أن هذه التعهّدات لا تنسجم مع تعاليم الرؤية التاريخانيّة. إن الفهم من وجهة نظر الرؤية التاريخانيّة قاصر عن العثور على البصيرة بالأصول الأولية. لو أننا لا نرى الحقيقة الكلية في وعينا الذاتي، فإن عقائدنا بشأن الكلي ستقف عند فهمها في حدود التجارب التي يمكن أن تحظى بشكل وآخر بثبات مؤقت.

إن الأصول المتعارفة في الرؤية التاريخانيّة الفلسفية تثبت أن المعيار المركزي للرؤية المعقولة التي ولدت في أثناء مشروع تاريخي وإمكاني، منفتحة على المتغيّرات المضطربة والفوضويّة التي لا يمكن التكهّن بها.

إننا في كل موقف تنويري أو عمل تفسيري، يمكن لنا بيسر ـ  

(68)

في ضوء الرؤية التاريخانيّة المحدِّدة والمقيّدة ـ بل وحتى من دون دليل متصل بالموضوع مورد البحث، أن نفسّر الأشياء ونعمل على بيانها بشكل مختلف. وهذا يؤدّي إلى الاعتباطية والجزاف والهرج والمرج في البيان والتفسير.

الجواب عن النقد الثاني

من الممكن لصاحب الرؤية  التاريخانيّة، أن يقول أوّلًا: إني من خلال التركيز على الإمكان الجذري والمتأصل على جميع صور التحقيق، قد توصلت إلى شيء أكبر من إبداء نتيجة منشودة، وهذا الشيء هو التعهد بانفتاح طريق المعرفة وعدم الوصول إلى نهاية الشيء. وثانيًا: على الرغم من أن قوالب التحقيق بأجمعها ليست نهائية، إلا أن هذا لا يردعنا عن التفكير العقلاني في المراحل المؤقتة.

ردّ الجواب

الجواب هو أن هذا الكلام صحيح بمعنى من المعاني، فكلما تبلور إطار من خلال التجربة، سوف يصبح هذا الإطار في متناول جميع الأشخاص المتواجدين ضمن ذلك الأفق المفهومي، بيد أن هذا يُعدّ انحرافاً عن الموضوع. ليست المشكلة في أن صاحب الرؤية  التاريخانيّة يشير إلى عدم وجود أيّ مجموعة كاملة من المعايير للتحق، وإنما المشكلة تكمن في أن صاحب الرؤية التاريخانيّة يمنع من أن تكون هناك أيّ مجموعة من المعايير ـ مهما كان شأنها ـ

(69)

حتى قريبة من الصحّة والصواب[1]. يُضاف إلى ذلك: ما هو المعيار العقلي الذي يؤمن به صاحب الرؤية التاريخانيّة؟ ومن أي له أن يعلم أن هذا الأسلوب والمنهج عقلاني أم لا؟ فإنه لم يترك لنفسه أيّ معيار في هذا الشأن. إنهم لو استطاعوا أو أرادوا أن يعملوا على طبق نظريّتهم، لن يكون لهم من طريق سوى الانجرار وراء الفوضى والهرج والمرج والعدمية. لو لم يؤدّ الأسلوب الواقعي إلى الدفاع عن اقتراب التحقيق والرؤية من النماذج المثالية السابقة والكلية، فإن هذا الأمر لن يكون ميسورًا في دائرة الأصول التاريخانيّة. إن التحقيق الواقعي يشتمل في باطنه على نمط استعلائي مهيمن على الأصول الثابتة للرؤية التاريخانيّة. ولأجل ذلك يسعى أنصار الرؤية التاريخانيّة من مختلف الطرق إلى تبرير وتوجه أحكامهم، وفيما يلي نذكر موردًا واحدًا في هذا الشأن:

هل يمكن للبراغماتيّة (العملانيّة) أن تنقذ أصالة التاريخ؟

يذهب ريتشارد رورتي إلى الاعتقاد بأن البراغماتية يمكن تلفيقها وتركيبها مع الرؤية التاريخانيّة، لتقدّم توضيحًا أكمل في باب العلم بما يحتوي عليه كل منهما على انفراد. إنه يرى أن مذهب أصالة العمل ـ بغض النظر عن الجهود المبذولة من أجل تعيين الحقيقة واستبدالها بالمعتقد القائل بأن الحقيقة شيء يكون نافعًا على المستوى العملي ـ يمكنه تدارك التحديات السابقة. وقال في هذا الشأن:

(70)

«إن الأحكام الصحيحة بالنسبة إلى الشخص البراغماتي لا تكون صحيحة بسبب مطابقتها مع الواقع، وليس هناك قلق من أن تكون القضية الصادرة متطابقة مع أيّ واقعية. هذا إذا كان هناك واقعية أصلًا، وليس هناك قلق في باب ما هو الشيء الذي جعل هذه القضية صحيحة ... وإن الشخص البراغماتي يغض الطرف عن الاهتمام بالحقيقة والواقعية، ويقول بأن العلم الحديث لا يجعلنا نتفوّق على الأمور بسبب مطابقته مع الواقع، وإنما يعمل على مجرّد تسهيل تفوّقنا على المشاكل لا أكثر»[1].

وعلى هذا الأساس

«ليست هناك أي طريقة لإدراك هذا الموضوع القائل متى يصل الشخص إلى الحقيقة أو متى يكون أقرب إلى الحقيقة من السابق»[2].

إن المعايير من وجهة نظر هذه الرؤية بمثابة منازل الاستراحة المعاصرة التي يتمّ بناؤها لغايات نفعية خاصّة. إن المعيار (بمعنى الشيء الذي يتمّ اقتفاء أثره من قبل الأصول البديهيّة والقواعد الكلية، وما ينظر إليه بوصفه هدفًا، والذي يتمّ طرحه من قبل نظام بعينه)، إنما يُعدّ معيارًا من وجهة النظر البراغماتية؛ لأن بعض الأعمال الاجتماعيّة الخاصّة تحتاج إليها من أجل إغلاق طريق التحقيق

(71)

والبحث وكتمان بعض المسائل. وعلى هذا الأساس ليس هناك من معيار غير ذلك الذي أوجدناه نحن أثناء القيام بعمل ونشاط ما، وليس هناك أيّ اعتبار عقلاني يحول دون القدرة على التوسل بهذا المعيار[1].

من الواضح في ضوء ما تقدم أن يتصوّر ريتشارد رورتي أن الرؤية التاريخانيّة يمكنها من خلال اللجوء إلى الحاجات والضرورات المصلحية والنفعية والعملانية أن تتفوّق بوصفها أدلة تحفيزية في سياق بناء الثقافة.

الردّ على رأي ريتشارد رورتي

1ـ إن هذا الرأي ـ مثل أصل نظرية الرؤية التاريخانيّة ـ عبارة عن ادعاء متناقض ومتهافت. إذا لم نتمكن من بيان شيء متطابق مع الواقع، فإن الادّعاء الأخير لرورتي بدوره لا يستطيع أن يكون متطابقًا مع الواقع أيضًا، وسوف ينهار من الأساس. في حين أن ريتشارد رورتي يرى أن رأيه متطابقًا مع الواقع، وأنه يستطيع رفع تحديات الرؤية التاريخانيّة في باب المعرفة.

2ـ يذهب رورتي بالتحديد إلى الاعتقاد بأن معيار وقيمة النزعة النفعية، رهن بالاعتقاد أو العمل الذي يجعلنا أكثر سعادة مما نحن عليه. فيما لو أننا لا نعلم أيّ قضية أو مطلب متطابقًا مع الواقع، لن نستطيع أن نعلم ما إذا كنا أكثر سعادة أم لا، أو كيف نصبح سعداء  

(72)

أساسًا، وكيف تقاس سعادتنا الراهنة إلى سعادتنا السابقة[1].

3ـ يضاف إلى ذلك أن ليس جميع القضايا رهن بربحنا أو خسارتنا؛ فإن المعادلات الرياضية النظرية المعقدة، وعلم الهيمة وعلم الأحياء وغير ذلك من الأمور الكثيرة الأخرى، لا صلة لها بمصلحتنا.

وبطبيعة الحال هناك إشكالات أخرى، من قبيل: استلزام نسبية المعرفة، وعدم وجود دليل إثباتي على مدعيات الرؤية التاريخانيّة، وأن نظرية الرؤية التاريخانيّة إعلانية أكثر منها برهانية، وما إذا كانت دائرة تدخل الموقعيات والبيئة والثقافة هي مجرّد إمكانية أو تصل إلى حدّ الضرورة أيضاً، وما إلى ذلك من الإشكالات الهامّة الأخرى والقابلة للطرح على الرؤية التاريخانيّة، وقد اكتفينا بهذا المقدار الذي أسلفناه رعاية للاختصار.

(73)
(74)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

الرؤيّة التاريخانيّة والدين

(75)
(76)

الفصل الرابع: الرؤية التاريخانيّة والدين

منذ بيان مسألة الرؤية التاريخانيّة في الغرب، كانت المخاوف قائمة هناك من سراية هذه الرؤية إلى حقل الدين أيضًا، وكانت هناك خشية من أن يتم استدراج الدين إلى هذا الحقل.

من ذلك أن إرنست ترويلتش ـ على سبيل المثال ـ كان قد ارتضى هذه النظرية القائلة بأن جميع العلوم وجميع صور التجربة البشرية إنما تحصل من خلال مسار التغيير، ومن ناحية أخرى كان يعلم أن هذا الرأي يؤدّي بدوره إلى أخلاق متحررة وإلى شك عقلاني، ولهذا السبب قام بنقد الرؤية التاريخانيّة، وكان بصدد التغلّب على هذه المعضلة.

إن النتائج المشكوكة من وجهة نظره إنما يمكن أن تقع مغلوبة للواقع من طريق ذات التاريخ، ولا يمكن الحيلولة دون غلبتها من خلال اللجوء إلى المعايير ما فوق  التاريخانيّة. وعلى كل حال فإن النظريات الإيجابيّة والدينيّة لترويلتش لم تتبلور على شكل بيان شامل؛ إذ وافته المنية قبل أن يسعفه الوقت في إتمام ما كان قد بدأ بالعمل عليه من آثاره ومؤلفاته[1].

فهو من جهة كان يعتبر جميع الأشكال التاريخانيّة نسبية، ومن جهة أخرى كان لا يزال متفائلًا باعتبار المعايير والقواعد المطلقة، ولا سيّما منها القواعد والقوانين المسيحيّة. وقد توصّل فجأة تحت تأثير هذه النقطة إلى القول بأن التاريخ يتجنّب مخالفة الفضائل  

(77)

والقيَم. ومن ناحية أخرى واجه شكًّا لم يجد طريقًا إلى التغلّب عليه. وإن الذي أعياه هو أن لازم القول بنسبيّة المسار التاريخي، أن لا يكون لدينا أيّ فكرة مطلقة ولا أيّ نموذج ومثال مطلق، وفي دائرة الإمكان والاحتمال ليس هناك أيّ شيء يمثل الحقيقة الناصعة والتي لا يشوبها نقص ولا عيب. إن كل معيار في التاريخ، يعود بجذوره إلى ذلك الأفق الذي انبثق عنه[1].

أبعاد المواجهة بين الرؤية التاريخانيّة والدين

إن الرؤية التاريخانيّة في نظرة عامّة وكلية، يمكن لها في مراحل مختلفة أن تتعرّض للدين والمباني اللاهوتية، وأن تحكم في تلك المراحلة على تاريخية الدين، والتعاليم الدينيّة، والمباني اللاهوتية. وفيما يلي نشير إلى هذا الأمر باختصار.

الرؤية التاريخانيّة في أصل ومنشأ الدين:

إن القائلين بهذه النظرية يرون أن أساس تبلور وظهور الدين هو وليد الظروف والشرائط الاجتماعيّة والنفسيّة للإنسان أو الطبيعة وما إلى ذلك، وينكرون المنشأ الإلهي للدين.

وهناك كلام لـ «روي كلوزر» يبيّن ارتباط هذا البحث بالرؤية التاريخانيّة بوضوح؛ إذ يقول:

«إن الرؤية التاريخانيّة بالنظر إلى الله والطبيعة يدّعي أن الإنسان هو الذي يختلق هذه الأمور، لا أن الإنسان مخلوق

(78)

لها. وعلى هذا الأساس كان دلتاي يصرّ منذ أمد بعيد على هذا الاستنتاج ويقول بأن جميع المشاهدات والتجربيات وكافة المعارف والعلوم، ليس لها أيّ نوع من أنواع الواقعيّة الوجوديّة والخارجيّة بشكل مستقل أبدًا، بل هي مجرّد أشكال ثقافية، من صنع البشر. تذهب الرؤية التاريخانيّة إلى الاعتقاد بأن استمرار القوّة البشرية الخلاقة وحدها هي التي تحظى بمنزلة عالية بالقياس إلى النسبيّة وتكون جديرة بالاحترام والتقدير. وهذا مجرّد استثناء، وذلك لأن القوّة الخلاقة هي التي تعمل على إيجاد جميع مفاهيم العالم الطبيعي، والعالم الاجتماعي، والعلوم، وأنواع المصنوعات والفنون، والعقائد الدينيّة والمذهبيّة وما إلى ذلك، وتعمل على خلق الفرضيّات المشابهة والأبستمولوجيّة والمعرفيّة الأخرى في كيفيّة تفسير ماهية التجربة وماهية العلم»[1].

إن القول بتاريخيّة الدين يتساوى في الواقع مع إنكار الله سبحانه وتعالى، ويغدو الله في هذه الرؤية أمرًا بشريًّا وعُرفيًّا أيضًا؛ ينتهي دون كوبيت في نهاية كتابه بحر الإيمان إلى عدم الإيمان أو الإيمان بالله الذي هو من صنع ذهن البشر، وذلك إذ يقول:

«إن عادة الذهن القديمة في «التَشيُّؤ»، التي ملأت العالم بالكائنات الغيبية، لم تعد مجدية، وصار بالإمكان بيان وإيضاح القيَم الغيبية بأساليب أخرى على نحو أفضل

(79)

بكثير. إن ما قيل بشأن القيَم، يصدق بشأن الله أيضًا؛ إذ أن موقع الله في اللغة قريب جدًّا من موقع القيَم. إن الله بلغة مبسّطة هو الوحدة المثالية لجميع القيم، والتكاليف والقيَم الملقاة على عاتقنا والقوّة الخلاقة لها. (إن الله خالق حقًّا؛ لأن القيَم هي التي تخلق العالم في الحقيقة). فهل هذا في حكم قولنا: إن الله البسيط مثال من صنع الإنسان، وحيث لا يعود هناك من إنسان في البين، لن يكون هناك إله أيضًا؟ هذا سؤال خاطئ؛ لأنه قد تبلور من وجهة نظر واقعية منسوخة. إن طرح هذه الرؤية القائلة بأن الله من صنع الإنسان، إنما سوف يدعو إلى الحيرة عندما نضعها في قبال شيء ليس من صنع الإنسان؛ ولكن حيث يكون فكرنا هو الذي يعمل على بلورة جميع متعلقات التفكير في أذهاننا، لن يكون هذا الأمر ممكنًا»[1].

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة أخذ الدين وإبلاغه:

إن هذه الطائفة تذهب في الحقيقة والواقع إلى القول باستحالة ارتباط الإنسان بالوحي المحض، وترى أن الوحي الإلهي ما لم يتأنسن فإنه لن يكون في متناول البشر، وهذا الأمر لا يعود إلى قصور في ذات الله، وإنما يعود سببه إلى القصور الذاتي للإنسان. ولتقريب هذا الأمر إلى الذهن يمكن تشبيه هذا الرأي بنظرية المعرفة عند إيمانوئيل كانط ومقولاته حول الحاسّة والفاهمة؛ حيث كان

(80)

كانط يقول هناك: إن مقولات من قبيل الزمان والمكان هي من الصنع الذاتي للحاسّة والفاهمة الإنسانية. إن كل ما يمكن له أن يقع ضمن البنية الزمانية/ المكانية، يكون بدوره قابلًا لفهم الإنسان، وما لم يمرّ بهذا الإطار وهذه البنية لن يصبح مفهومًا. إن البنية الذاتية للفاهمة بحيث تدرك النومينون ضمن هذا الإطار، وفي الحقيقة فإن الذي يتم إدراكه في الواقع هو الظاهر والفينومينون[1]، وليس لدينا فيما عدا ذلك معرفة بالنومينون؛ إذ خلق الإنسان وبنيته الذهنية على هذه الشاكلة[2].

وقيل هنا أيضًا بأن الوحي الإلهي لكي يصبح مفهومًا بالنسبة إلى الإنسان، يجب لا محالة أن ينزل على قلب الإنسان ويتمّ صبّه في قالب بشري، وأن يكتسب بالضرورة صبغة بشرية، وإلا فلن يكون فهمه بالنسبة إلى الإنسان أمرًا ممكنًا.

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة التطبيق والجدوائية:

إن الدين ـ في ضوء هذه الرؤية ـ حتى وإن كان له منشأ إلهي، وبلغ الإنسان دون انحراف ودون امتزاج بالثقافات البشرية، بيد أن جدوائية التعاليم الدينيّة إنّما ترتبط بالأوضاع والشرائط الخاصّة لعصر حدوثه وظهوره، ولو افترضنا جدلًا تكرار تلك الشرائط والظروف، فإن الأديان سوف تعود إلى الظهور في مسرح حياة الإنسان مجددًا، وأمّا في ظل الظروف الراهنة للإنسان فلا جدوى

(81)

لها. وبعبارة أخرى: إن هذه الجماعة قد أعلنت في الواقع عن نهاية عصر الدين بشكل وآخر، وتعتقد أن الإنسان الحديث ـ بالنظر إلى عقله المستجد ـ لم يعد بحاجة إلى التعاليم الدينية[1]. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن ألبرت شفايتزر كان يرى أن تعاليم الأديان، إلهية وليست بشرية، ولكنه على الرغم من ذلك لا يراها متناسبة إلا للمخاطبين المباشرين في عصر نزول الدين، ومن هنا فإنه على الرغم من اعتباره الديانة المسيحية ذات منشأ إلهي، ولكنه كان يقول بأن التعاليم المسيحية إنما كانت تناسب عصر السيد المسيح عيسى، ولا تجدي شيئًا في عصرنا. إن النبي عيسى التاريخي إنما ينتمي إلى عالم تختلف أفكاره ونظرياته عن الأفكار والنظريات المتداولة في عالمنا تمامًا، ومن هنا فإنه أجنبي عن عصرنا بالكامل. ثم يعمد شفايتزر إلى تقديم هذا الحلّ، وهو أننا يجب أن نعثر على ذلك «العنصر الروحاني» في تعاليم السيد المسيح والتي ترتبط مع جميع المعتقدات بشكل واحد[2].

ومن الجدير ذكره أن هذا الرأي شبيه بالكلام الذي قيل بشأن الإسلام والذي ينسب إلى بعضهم؛ إذ قال:

«إن للأستاذ مصطفى ملكيان مشروعًا آخر، ويرى أن الدين المألوف لم تعد له تلك الجاذبية في العالم المعاصر ولا حتى في قطرنا، ولم يعد بمقدوره تلبية الحاجات

(82)

المعنويّة والروحيّة للإنسان ولا يجيب عن تساؤلاتهم، بل وهو في الكثير من الموارد يلحق ضررًا بالإنسان، ومن هنا فإنه يتحدّث عن نوع من الروحانيّة المتحرّرة من قيود الدين، وفي الالتزام بالروحانيّة لا يرون ضرورة حتى للأركان الأصلية في الأديان التقليديّة»[1].

وهناك من سقط لا شعوريًّا عند تفسير خاتمية النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في ورطة نظرية نهاية عصر الدين؛ وكان هؤلاء يصفون عصر ما قبل النبي بعصر هيمنة الغريزة على الإنسان، ويسمون عصر ما بعد النبي عصر هيمنة العقل التجريبي، وكلما ابتعد الإنسان عن هيمنة الغريزة أكثر ورضخ لحكم العقل، يكون أكثر استغناءً عن التعاليم السماوية والوحيانية، وإن النبي يقف على شفير هاتين السلطتين، ولهذا السبب كان هذا النبي خاتمًا للأنبياء[2].

وقد قال الأستاذ مرتضى المطهري في الردّ على هذا القول: إن  

(83)

الغريزة أمر أدنى من الحسّ والعقل، في حين أن الوحي أمر أسمى من الحسّ والعقل؛ فقد اعتبر لازم الكلام المتقدّم ختمًا للدين وليس خاتمًا للنبوّة[1]؛ وإن قائل هذا الكلام غير معتقد قطعًا بختم الدين، وإن هذا التفسير للخاتمية لا يبدو صحيحًا.

الرؤية التاريخانيّة في مرحلة بقاء الدين بسبب تحوّله إلى معرفة دينيّة بشريّة

إن الدين في هذه الرؤية وإن كان له أصل ومنشأ إلهي، وأن الأنبياء قد أخذوا ذات التعاليم الدينيّة من الله، وأبلغوها للناس بعينها، إلا أن الذي صار بأيدي الناس بعد ذلك لن يعدو أن يكون مجرّد معرفة دينية بشرية، وبذلك فإنها تتصف بالنسبيّة والتاريخانيّة، ويجوز عليها الخطأ وتكون قابلة للنقد والنقاش، ولن تنطوي على أيّ قداسة، ويجب التعامل معها والنظر إليها كما يُنظر إلى سائر المعارف البشرية الأخرى. والمطروح هنا في الغالب هو المعرفة الدينية، وأن فهم الإنسان تابع للفرضيّات المسبقة، وإن مسألة القراءات المختلفة للنصوص الدينيّة، وقصة قبض وبسط الشريعة، وبالتالي نسبية المعرفة الدينيّة، من أبحاث هذه المرحلة.

إن بحث الرؤية التاريخانيّة قد تسلل في الغرب إلى جميع الحقول الأربعة، والذي كان مطروحاً في عالم الإسلام أكثر من غيره إنما يرتبط بالحقل الرابع، وفي نهاية المطاف شهد القرن الراهن حضورًا لبعض الكتاب الذين وصلوا إلى الحقل الثاني، واعتبروا الدين في  

(84)

مرحلة الأخذ والإبلاغ بشريًّا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن القول: إن كتاب «القبض والبسط النظري للشريعة» يندرج ضمن الفئة الرابعة من القائلين بالرؤية التاريخانيّة، ونتيجة كلام المؤلف في هذا الكتاب هي القول ب التاريخانيّة المطلقة للمعرفة البشريّة، وتبعًا لذلك الرؤية التاريخانيّة والزمنيّة للمعرفة الدينيّة، والنسبيّة المطلقة للمعرفة الدينيّة، وسلب القداسة عنه، كما أنه نفسه في كتابه اللاحق ـ «بسط التجربة النبوية» ـ والمقالات والكتابات الأخرى ينتمي إلى المجموعة الثانية؛ حيث نتيجته تاريخية وجود وشخصية النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتبعًا لذلك تاريخية القرآن الكريم، وبالتالي يتحول القرآن الكريم إلى نصّ بشري بجميع لوازمه وملحقاته.

البحث التطبيقي لتاريخيّة التعاليم الدينيّة في العالم الغربي وعالم الإسلام

إن من بين الأبحاث الهامّة التي أخذت تطرح ويتمّ الترويج لها في عالم الإسلام في القرنين الأخيرين من قبل بعض المستنيرين المسلمين الذين يمكن تسميتهم بـ «المعتزلة الجُدُد»، بحث  التاريخانيّة في خصوص التعاليم الدينية في أبعادها المختلفة. وأين يكمن منشأ هذه الأبحاث، وهل هي داخلية ومنبثقة من صلب العالم الإسلامي، أو هي مستوردة وتابعة للأبحاث الفلسفية في الغرب، ولا سيّما منها بحث الهرمنيوطيقا والرؤية التاريخانيّة، وقد امتدّت بفعل تأثيرها إلى القضايا الدينيّة أيضًا. إن دائرة الحقول المشتملة على هذه الأبحاث، والمسارات والتحليلات المختلفة التي تمّ سلوكها

(85)

من أجل إثبات تاريخيّة القضايا الدينيّة، كلها من الموضوعات الهامّة التي يبدو نقدها وبحثها أمرًا ضروريًّا. إن هذه المقالة تتكفل بالجواب عن هذا السؤال. إن الدراسة المقارنة للأبحاث في الإسلام والمسيحيّة وقياس مصدرها وجذورها  التاريخانيّة في كل واحد منهما، وإن كان في الغالب يحمل صبغة الوصف والتحليل، بيد أنها من الأبحاث الهامّة والمؤثّرة في المقالة الراهنة؛ حيث يمكن لها من تلقائها أن تشكل نقدًا على هذا الاتجاه، كما تمّت الإشارة إلى بعضها أيضًا. وهذا النوع من التحقيق يُعدّ بدوره عملًا بديعًا[1].

إن الرؤية التاريخانيّة بمعناها العام، تعني:

«إخضاع الوجود ـ بما فيه ـ لرؤية ماديّة زمکانيّة علی الحتميّة والنسبيّة والصيرورة». كما أن تاريخية النصّ تعني: «إخضاع النص لأثر الزمان والمکان والمخاطب مطلقًا»[2].

وبطبيعة الحال فإن هذا التعريف ينطوي على شيء من الإجمال ويحتاج إلى المزيد من الشرح والتوضيح. إن  التاريخانيّة والزمنيّة والوقتيّة من العناوين والصفات التي ما أن تلتصق بشيء حتى تشكل كناية عن توقيت ذلك الشيء وعرَضيّته؛ من حيث كونه وليد الظروف والشرائط الخاصة، وتكمن جدوائيتها بما يتناسب وتلك الشرائط، وفي الأزمنة أو الأمكنة أو الشرائط الأخرى إما أن لا تكون

(86)

ذات جدوى أصلًا أو تكون قد فقدت جدوائيّتها الأصلية في زمانها، وتحوّلت إلى ماهية أخرى تختلف عن تلك التي كانت عليها في السابق؛ إن النظرة التاريخانيّة إلى القرآن الكريم وتعاليم الدين ترد من هذا الباب أيضًا، وإن القائلين بتاريخية الدين والقرآن أو بعض التعاليم الدينية، قد أرادوا هذا المعنى؛ بمعنى أنهم إما أن يرونه من صنع الشرائط التاريخانيّة، أو يرونه في الحدّ الأدنى تلك الشرائط دخيلة في كيفية وكمية تعاليمه، وتبعًا لذلك يضعون للدين أو بعض تعاليمه مدّة صلاحية تتحدّد ببداية الإنتاج ونهاية الاستهلاك، حيث يستدعي ذلك البحث عن بدائل أخرى عندما تنتهي فترة الصلاحية.

منشأ تاريخية الدين في العالم الغربي

إن بيان المنشأ والمنبت لفكرة ما، يمكن أن يكون مجديًا في التأكّد من قابليّة تعميمه أو عدم إمكانية تعميمه إلى الموارد الأخرى؛ كما يمكن له أن يظهر أرضية وعلل ظهور فكر ما، ويجعل الحكم في موردها أيسر.

المنشأ المعرفي

في العالم الغربي سرَت الرؤية التاريخانيّة لتطال أصل ومنشأ الدين أيضًا، وذهب الكثير من القائلين بهذه الرؤية إلى القول ببشرية أصل الدين، وأنكروا أن يكون له منشأ إلهيًّا، واعتبروا الدين من صنع الذهن البشري والأوضاع والأحوال الخاصّة؛ وقد تم التأسيس لهذه الرؤية بعد انتهاء مرحلة العصور الوسطى وتأسيس الحداثة على يد رينيه ديكارت (1596 ـ 1650م) وإيمانوئيل كانط (1724 ـ

(87)

1804م). وعلى الرغم من أن هذين الفيلسوفين كانا من المؤمنين بالله، إلا أن عزل الله عن صلب العالم البشري وحياة الإنسان قد تمّ التأسيس له بأفكارهما، حيث كان إله هذين الفيلسوفين يختلف عن إله المسيح إلى حدّ كبير، ومن خلال إحلال اليقين بدلًا من الحقيقة، والعقل بدلًا من الوحي، والإنسان بدلًا من الله، وعزل الوحي والعصمة عن الوقوع حدًّا وسطًا في القياسات والأدلة، وانسحابهما إلى الزوايا الفردية للحياة والتأثير الباهت لهما في حياة الإنسان، قد أدّى بأجمعه إلى بلوغ الدين ذروة العزلة والاغتراب عن مسرح الحياة. ومع تصرّم الزمن أخذت أخطاء العقل البشري تظهر تباعًا وعلى التوالي واحدة إثر أخرى، حتى فقدت هذه العروة والدعامة البشرية اعتبارها، وأخذ الإنسان المتجدّد يرى فجأة أن بصيرته بالأمر الثابت قد صارت نهبًا؛ ولذلك لم يكن أمامه من حل سوى اللجوء إلى البراغماتية والعملانية[1]، واستبدال العقل الآلي ـ الذي ليس له من مهمّة سوى التقدير المؤقت للأمور البشرية ـ بدلاً من العقل الباحث عن الحقيقة وغير الضامن لليقين، فقد وصل الأمر بعد موت الحقيقة إلى موت اليقين، وحلّت محله الرؤية  التاريخانيّة القائلة بالنسبية المطلقة والتغيير والتحوّل المستمر.

وفي بيان هذه المسألة يجب القول: لا ينبغي اعتبار الفلسفة الحديثة امتدادًا وتكاملًا لفلسفة العصور الوسطى، وذلك لأن هناك اختلافات جوهرية بين المباني في هاتين الفلسفتين؛ فإن الموجود والكائن في فلسفة العصور الوسطى يعني المخلوق،  

(88)

وهناك في الموجود على الدوام نسبة يتمّ أخذها مع الخالق، وأما في الفلسفة الحديثة، فالموجود إنما يتمّ طرحه على الدوام من حيث (الموضوع)[1]، والشيئيّة هي شيء قائم بـ (الذات)[2]؛ وبطبيعة الحال يصعب العثور على معادل لهذه الألفاظ التي تمّ استعمالها في الفضاء الفلسفي الحديث وذلك لأن هذا المعادل لا يُظهر المعنى الدقيق والكامل لهذه المفردات، ولذلك نضطرّ إلى توضيحهما من خلال العبارات والجُمَل بدلًا من الكلمات المفردة. إن الفلسفة الحديثة ليس لها شأن بالماهية التي يكون عليها الشيء في نفسه، وإنما المطروح بالنسبة لها هو الأشياء من حيث وقوعها متعلّقًا معرفيًّا للفاعل المعرفي. إن أصل الـ «كوجيتو» المعروف لديكارت هو الذي أسس لهذا المبنى في الفلسفة الحديثة، ويمكن القول: على أساس هذا الأصل حدث التغيّر والانقلاب في مسار فلسفة الغرب والإنسان الغربي.

لقد كانت الفلسفة السابقة على المرحلة الحديثة تقول بأنها تعرف الموجود الحقيقي، وترى أن الله والمسيح والنصوص الدينيّة ضامنة ليقينها. وبعبارة أخرى: إن كلام الله وكلام السيد المسيح والكتاب المقدّس كان يقع حدًّا وسطًا في القياسات، وكان يقال في كل جواب على سؤال: «لأن الله هو الذي قال ذلك». وأما بعد الأصل الديكارتي، فقد انحسر هؤلاء الثلاثة بالتدريج وعلى طول الزمان من الحدود الوسطية في الأقيسة، وأصبح الفكر البشري  

(89)

المحض هو الملاك دون الاتصال بالوحي والعصمة الخارجيّة. لو أن الفكر ـ في الأصل القائل: «أنا أفكر؛ إذن أنا موجود» ـ قد سبق الوجود، فعلى الرغم من أن الفكر في الواقع من صفات الوجود، أخذ يحتوي على هذا الثقل المفهومي، وهو أن الشيء إنما سيكتب له الوجود والتحقق من الآن فصاعدًا، إذا كان متعلقًا لتفكير الإنسان ومعرفته.

يقول إتيان جيلسون: يقول رينيه ديكارت إن اليقين بوجودي إنما يتحقّق إذا كنت أفكر وأكون على علم بذاتي، وإن هذا اليقين يستمر ويتواصل ما دمت مفكّرًا؛ إذ متى ما توقّف تفكيري ربما توقّف وجودي في ذات ذلك الوقت؛ بل يمكن القول: عندما لا أفكر ولا أكون مدركًا لذاتي، لا أكون موجودًا[1].

وهنا تعمل الحقيقة على إخلاء مكانها لصالح اليقين، وينسحب الوجود الحقيقي والعيني ويترك موضعه للموجود اليقيني، ومن الآن فصاعدًا يكون الوجود بمعنى اليقين لا بمعنى المخلوق. وكان يقين ديكارت متمحورًا حول ذاته، ولم يكن متمحورًا حول الله، وذات هذا اليقين البشري هو الذي حلّ محلّ الله ليكون مبنى لجميع الحقائق.

وكما يقول دون كوبيت: لقد حدث تغيير معقد في إدراك الإنسان لذاته والعالم المحيط به؛ فبدلًا من مشاهدة العالم على أساس الشعر والأساطير والمثال ـ بمعنى النظر إلى كل شيء  

(90)

باعتبار شيء آخر، ورؤية كل شيء تقريبًا في ضوء القصص وصور الخيال البشري ـ أخذنا اليوم ننظر إلى العالم على طبق القوالب الرياضيّة والموازين البنيويّة. وبدلًا من اللجوء إلى القوى الغيبيّة والروحيّة، أخذنا نرى كل شيء بوصفه تابعًا للقوانين الذاتية، وفي هذا الشأن اتسعت دائرة العلم وتضخّمت بحيث أخذ الأمر يبدو لنا وكأن أجدادنا كانوا يعيشون في الأحلام؛ حيث كانوا يبحثون عن إيضاح كل شيء في الأعلى والسماء، بينما أخذنا نحن نبحث عنه في الأسفل والأرض...

لقد حدث التغيير على النحو الآتي: من الأساطير إلى العلوم الدقيقة، ومن الإيمان بالروح[1] إلى الولاء للأدوات والآلات[2]. لقد تحوّل البحث السبب من الأعلى إلى الأسفل ليصبح بحثًا من الأسفل إلى الأعلى، وحيث تحدّثت الرؤية الكونية للناس، أخذوا لا يشعرون بحاجة كبيرة إلى الدين. والآن لم تعد هناك ـ بحسب الظاهر ـ حاجة ماسّة لكي تعمل الأرواح على إدارة مسرح الحياة من خلف الكواليس. ولم نعد نعتبر كل حادثة مريرة مما يقع لنا بشكل رتيب تنبيهًا وإنذارًا إلهيًّا لنا على نحو غريزي. وأخذنا نعتقد أن الذين يظنون باستمرار أنهم يوحى إليهم، أشخاص خرافيون أو ... . وبذلك فقد انمحت الناحية البيانيّة للأفكار الدينيّة، وأخذت الأسطورة شيئًا فشيئًا تفقد سمعتها وبريقها وأصبحت مرادفة للخطأ، وفقد الدين محتواه التوصيفي المتمثل بالقدرة على البيان والشرح  

(91)

والتوضيح، ولم يعد بمقدوره أن يُفسّر لنا ماهية الأشياء وكيف  يكون العالم، وكأن العلم أخذ اليوم يشرح العالم أفضل من الدين بكثير. وعلى هذه الشاكلة فإن الدين يتعاطى في الغالب مع الإلهام أكثر من تعاطيه مع التوضيح، إن الدين في داخله بيان للتقوى، وفي خارجه جهد أخلاقي يهدف إلى تحقيق آماله وغاياته[1].

وقد بلغت هذه المسألة ذروتها مع إيمانوئيل كانط، وتعطلت أبحاث معرفة الوجود وتخلت الأنطولوجيا عن موقعها لصالح المعرفة والأبستمولوجيا[2]، وتغيّر موضوع بحث فلسفته من الوجود والحقيقة إلى التفكير واليقين. وهنا تكررت الثورة الكوبرنيقية في علم الفلك للمرةّ الثانية، ولكنها حدثت هذه المرّة مع إيمانوئيل كانط وذلك في حقل المعرفة؛ فبينما كانت مطابقة الذهن مع الخارج حتى الآن هي المعيار في الصدق والحقيقة، حلّت محلها مطابقة الخارج مع الذهن[3]. وبذلك فقد اكتمل بدر محورية الإنسان في المعرفة، وتم التأسيس في الوقت نفسه للإنسانويّة التي هي وليدة التفكير الحديث؛ وتربّع الإنسان على عرش الله، وأصبح عقله بديلًا عن الوحي وأصبحت له السلطة والهيمنة، وحلّ الإنسان الذي كان خليفة الله ومتمحورًا حول الإله؛ ليصبح هو الإنسان الحرّ والمتمحور حول ذاته. وفي هذه الرؤية اكتسب الله مفهومًا ضمن الإطار الفكري للإنسان، وأضحى كل شيء لا يندرج ضمن حدود  

(92)

وبنية الزمان والمكان ومقولات الفاهمة، غير قابل للفهم، وعلى هذا الأساس فإن ما هو محسوس وقابل للتجربة الحسيّة يقع متعلقًا للمعرفة، ومن الآن فصاعدًا سوف يكون معنى المعرفة[1] مساويًا للعلم التجريبي[2]، واقتصرت مهمة إيمانوئيل كانط على تفسير كلية وقطعية القضايا التجريبية. ولهذا السبب لا تجد الأمور الغيبية وغير المادية وغير الزمانيّة مكانًا لها في المعجم المعرفي لإيمانوئيل كانط، وإنه بعد ردّ جميع الأدلة على إثبات الله، آمن بوجوده من باب الأصل الموضوع.

يقول كانط في مقدمة كتاب (نقد الحقل المحض):

«وقد كان زمن كانت فيه ما بعد الطبيعة تدعى فيه ملِكة كل العلوم، ولو حسبنا القصد بمثابة فعل؛ لكانت تستحق فعلًا هذا اللقب ورتبة الشرف بفضل الأهمية الفريدة لموضوعها، ولكن موضة العصر الآن تريد منا أن لا نظهر لها سوى الازدراء. وها هي السيّدة العظيمة وقد أبعدت وأهملت تنتحب مثل السيدة هيكوب[3] .. وفي العصور الأخيرة يبدو من الواجب وضع حدّ للبحث والجدل حول ما بعد الطبيعة»[4].

(93)

وكتب دون كوبيت:

«إن المسألة الأخرى التي تأتي برفقة هذه الأمور، عبارة عن تغيّر فلسفي مترامي الأطراف يُسمّى بحسب المصطلح «نهاية الميتافيزيقا»؛ وبالتدريج نرى أنه ليس هناك شيء آخر يمكن أن يكون له من وجود بالنسبة لنا غير العناصر التي هي نتاج اللغة وأنشطتنا. إن المفاهيم والحقائق والقيَم، كلها من صنع الإنسان ولا يمكن أن تكون شيئاً غير ذلك. إن جريان التجربة متواصل وليس له من الأمر شيء، ونحن الذين نعمل على بلورته، ونصنع منه عالماً للعيش والحياة»[1].

لو رأينا في بعض المذاهب العرفانية ـ ومن بينها ما نجده في العرفان الإسلامي ـ اعترافًا بهذه النظرية القائلة باعتبار الإنسان معيارًا في العالم؛ فذلك لأنها وجدت في الإنسان ظهورًا وتجليًّا كاملًا لأسماء الله وصفاته. وأمّا في الغرب فقد تمّ الاعتراف بالإنسان ـ في مقام الكائن الأرضي والدنيوي ـ بوصفه معيارًا لجميع الأشياء والعالم. إن هذا الأمر أدى إلى ظهور وانتشار ظاهرة التأليه؛ بمعنى: تشبيه الإنسان بالله، وقد هيمنت هذه الظاهرة على جميع أبعاد التفكير الغربي طوال القرون الخمسة المنصرمة؛ ومنذ ذلك الحين أصبح العقل البشري ـ بمعزل عن النقل والوحي بمفهومه التقليدي ـ مقرونًا بالمدركات الحسيّة وحده هو المعيار في إثبات العلم.

لقد تسلّح الإنسان المتجدّد بعلم كانت ماهيّته غير دينيّة وتقوم  

(94)

على أساس من الهيمنة على نظام الطبيعة، وبذلك أخذ يُباشر عملية غير مسبوقة للتدمير على الكرة الأرضية؛ إذ لم يعد هناك أيّ رادع أو قيد لتحديد حقوقه من قبل القوانين الروحيّة والدينيّة[1].

لقد ظهر بعد رينيه ديكارت وإيمانوئيل كانط في الواقع نوع من الشرخ والانقطاع التام في رؤية الإنسان الغربي بين المادّة والروح، وبين المادية أو أصالة المادّة وبين المثالية أو أصالة الروح، ولا يزال هذا الشرخ واسعًا ولم يندمل.

لقد ترك إيمانوئيل كانط تأثيرًا عميقًا على الفلسفة وعلى من تلاه من الفلاسفة الغربيين، وكما يقول إميل برييه: منذ نهاية القرن الثامن عشر للميلاد وحتى الآن، يمكن القول بكل ثقة: ليست هناك رؤية في الفلسفة إلا وقد نشأت من فلسفة كانط بشكل مباشر أو غير مباشر. فليس الوضعيون من الأنجلوساكسون والفلسفة الوجوديّة الظاهراتيّة لأمثال كارل ياسبرس، وجان بول سارتر، وإدموند هوسرل وحدهم من تأثر بفلسفة كانط بشكل وآخر، بل تأثر بهذه الفلسفة حتى أتباع هيجل، وكارل ماركس أيضًا. يقول برتراند راسل: صحيح أن هيجل كان ينتقد كانط على الدوام، ولكن لو لم يكتب الظهور لإيمانوئيل كانط، لما تبلورت المنظومة الفلسفية لهيجل؛ فإن من بين الأركان الهامّة للديالكتيك الهيجلي، هو الجدول المعروف لمقولات كانط. إن إيمانوئيل كانط من خلال التمييز بين الشيء في نفسه وبين تجلياته وظهوراته، فتح أمام الإنسان بابًا إلى الحركة  

(95)

والصيرورة في الرؤية العلميّة، وقد عمد هيجل إلى إدراج ذات هذه الحيويّة والحركيّة في التعقّل التاريخي؛ بحيث يشتمل على جميع المسار التكاملي للوجود. لقد كانت غاية هيجل من ظاهرية الروح التي غرست بذرة الماركية فيها، هي فتح هذا المسار التكاملي[1].

كما ترك إيمانوئيل كانط تأثيرًا كبيرًا على المعرفة الدينيّة بعده، بحيث يمكن الادعاء بأن النظريات التي ترى الدين من صنع أذهان البشر ـ والتي سوف نشير إلى بعضها ـ قد تأثرت بأفكار وآراء كانط، ولا سيّما رؤيته القائمة على استحالة معرفة أنواع النومينون، وعدم إمكان إثبات ما وراء الطبيعة.

جاء في كتاب (بحر الإيمان): لقد كان كارل غ. يونغ ـ عالم النفس والمفكر السويسري ـ في الفلسفة تبعًا لإيمانوئيل كانط، ويرى أننا لا نعرف الأشياء في نفسها. وقد بقي على الدوام لا أدريًا بشأن الصدق العيني أو ما وراء الطبيعة للقضايا الدينيّة، ولذلك كان يرى في الجانب العيني للدين والمؤسّسات والأحكام والأساطير والمناسك الدينيّة، تخرّصات نفسية تمّ وضعها رهن الطلب بوصفها مصادر موثوقة، لكي نستفيد منها في خدمة الروحانيّة المستحدثة. إن إنسانية كارل يونغ في الدين تقول لنا: إن الأقسام المتنوّعة لمذاهب العالم تحكي عن نوع من الطبيعة العميقة والمتجذّرة في وجود البشر بشكل مشترك، حيث نسهم فيها جميعًا.

إن الجانب العيني من الدين بعيد المنال أو حتى منقطع الصلة  

(96)

بالنسبة إلى كارل يونغ؛ لأنه يتحدّث في الغالب وكأن المرجع والمقابل الحقيقي لجميع العقائد الدينيّة «نفسي». إنّ الإله العيني «الغيبي» هو مجرّد تخرّص عن الإله الحقيقي، والإله الحقيقي هو صورة الله في دواخلنا وأنفسنا[1]. إن تأثير نظريّة المعرفة لإيمانوئيل كانط على كلمات كارل يونغ ملحوظ جدًّا.

وحتى جون هيك ـ من الفلاسفة المعاصرين ـ قد تحدّث عن تأثره بإيمانوئيل كانط، قائلاً:

«إن موقفي الشخصي هو أن للإنسان تدخلًا تامًّا في مسار تكوّن الصور المختلفة، وإن حدوث كل مستوى من الوعي وتصوّر الله وإدراكه يصبح ممكنًا بتدخّل من الإنسان. إن التبويب الكانطي ربما كان أهم بيان لهذه النقطة التي أنا بصدد شرحها. ولكن قبل التفكيك الكانطي بين النومن والفينومينون، سبق لتوما الأكويني أن أشار إلى هذا التفكيك أيضًا»[2].

انحرافان كبيران في الكنيسة

لقد قامت الكنيسة منذ بدايتها على تحريفين كبيرين، وهما:

التحريف الأوّل: القول بأن المسيح ابن الله وتأليه النبي  

(97)

عيسى عليه‌السلام وروح القدس؛ حيث كان القول بالتثليث يمثل انحرافًا عقائديًّا كبيرًا في أهم أصول الأديان الإلهية، ونعني به أصل التوحيد.

التحريف الثاني: فصل الشريعة عن دين السيد المسيح.

وقد حدث كلا هذين التحريفين بعد الغيبة الدائمة للسيد المسيح عليه‌السلام . عندما يتحوّل الدين إلى مجرّد اعتقاد، وهو بالإضافة إلى ذلك اعتقاد لا يمكن أن ينسجم مع عقل الإنسان، عندها من الواضح أن تتجه كلّ همّة الكنيسة إلى مجرّد إقناع الناس بهذا الإله الذي يمكن له أن يكون واحدًا وثلاثة في وقت واحد. ومن ناحية أخرى فإنه بعد انفصال الشريعة عن تعاليم السيد المسيح عليه‌السلام ، فقد تمّ حذف وجود الله من مسرح حياة الناس. إن الشريعة تعني حضور الله ووجوده في حياة الإنسان، وإضفاء صبغة إلهية على جميع أفعال الإنسان الجوارحية والجوانحية، وحذف الشريعة يعني حذف حضور الله والدين عن مسرح الأعمال والنوايا، وإحلال الأفكار البشرية محلها. وبفصل الشريعة عن الدين، لا يتم تفسير الوقوف بوجه أحكام الكنيسة، على أنه وقوف بوجه الأحكام الإلهية، وبالتالي سوف تأول قوّة الكنيسة إلى الضعف، وسوف تخلو الساحة للنظريات البشرية الناقصة، والتي لن تجد هناك ما ينافسها أو يزاحمها على مكانتها. وبالتالي فإن هذا المجتمع الذي يشهد تحوّلًا وتغييرًا مستمرًا في القوانين والسنن، واستبدالها بما يراه الإنسان المعاصر هو الأفضل والأنسب مع مزاجه دون التفات إلى أيّ واحد منها يضمن سعادة الإنسان بشكل أفضل، أو أنه يضمن  

(98)

سعادة الإنسان أم لا، يغدو من السهولة بمكان الإعلان عن موت الإله. وأما في تلك المجموعة من الأديان السماوية التي حافظت على الشريعة، فلم يتمكن أحد حتى الآن من التصريح والإعلان عن موت الله في المجتمع، لا في الإسلام، ولا في اليهوديّة ـ بحسب معرفتي ـ رغم التحريفات والانحرافات الكثيرة في الديانة اليهوديّة.

لو كان الله ـ في ضوء العقائد المعقولة ـ هو الحاكم على حياة الإنسان من طريق القانون الإلهي وفقه الشريعة (دون الخرافات والمختلقات المزاجيّة)، ويأخذ على عاتقه أدق الزوايا والتفاصيل المتداخلة من حياة الإنسان، فإن هذا الإله سوف يقف بوجه كل هجوم مهما بلغ، ويردّه على أعقابه، ولا يتراجع أمام الخصوم والمنافسين بسهولة، ولا يبدو من السهل العمل على علمنة المجتمع المؤمن بهذا الإله. وربما هذا هو مكمن سرّ القدرة الفذّة للفقهاء؛ إذ أنهم بالإضافة إلى التخلّق بالأخلاق الإلهيّة، يمتلكون وسائل وأدوات تطبيق السلطة والنفوذ بين مختلف طبقات المجتمع، وأن النقص والخلل في كل واحد من هذين الركنينن يؤدّي إلى ضعف الأساس رأسًا، وإن السرّ في هذه الهجمة الشرسة على الفقه والفقهاء واتهامهم بشتّى أنواع التهم، والجهود والمساعي الحثيثة والمتواصلة من أجل فصل الشريعة عن الدين في حقل الإسلام، يعود إلى هذه الناحية. لقد فقدت المسيحيّة مثل هذا الركن الهام منذ البداية. وسوف نعمل في الفصل الأخير من القسم الثاني على تقديم المزيد من الأبحاث في هذا الشأن، مقرونة بالوثائق والمستندات.

(99)

يذهب القرآن الكريم إلى التأكيد على أن الدين المسيحي الحقيقي الذي نزل على النبي عيسى بن مريم عليه‌السلام كان مشتملًا على الشريعة، بل وعدّد بعض أحكام هذه الشريعة التي كانت موجودة حتى في الأديان السابقة، من قبيل: الصلاة، والزكاة، والإحسان إلى الوالدين، والصوم، وحرما الربا، والقصاص وما إلى ذلك. ومن ذلك ما ورد في سورة مريم حكاية عن النبي عيسى عليه‌السلام، قوله:
(وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)[1]. وقد ورد التذكير في سورة البقرة بوجوب الصوم على الأمم السابقة أيضًا: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) [2]. وفي سورة المائدة جاء التعريف بالإنجيل بوصفه مصدقًا للتوراة[3].

يقول دون كوبيت إن المسيحية بدأت بوصفها دينًا يؤمن بالغفران والمعاد؛ وهذا يعني تلويحًا أنه كان يدرك البُعد الناسوتي دون أن يكون له شأن به، وذلك لأنه يعتبر البُعد الناسوتي ـ الذي يتعلّق كل ما فيه بنظم وترتيب هذا العالم ـ شيطانًا يترقب الحكم الإلهي وغير ثابت. إن الفرد المسيحي عليه أن يتخلى عن هذه الدار الفانية، ويُعرض عن الدنيا وجميع مظاهرها، وأن يجعل أكبر همّه في الوصول إلى السعادة والفلاح في الآخرة وما وراء الطبيعة. إن الدنيا قبيحة وعابرة، ولذلك يتعيّن على الشخص المتديّن أن يصدّها عن نفسه وأن يتنكّر لكل ما فيها[4].

(100)

تقدّم العلوم التجريبيّة (الثورة العلميّة)

قبل الثورة الفكريّة لديكارت وكانط، ظهرت التطوّرات المذهلة والمحيّرة للعقول والمتسارعة للعلوم التجريبية بوصفها عنصرًا وعاملًا آخر في عزل التعاليم الدينيّة من الزوايا المتنوّعة لحياة الإنسان. لقد أظهر العلم الجديد تفاهة الكثير من الخرافات المتمخّضة عن الكنيسة، والمؤسف له أن الناس قد عبّروا عن ذلك بتراجع الدين. من ذلك على سبيل المثال أن دون كوبيت أشار إلى تأثير التطوّرات في علم الطب على سلب الاعتبار عن تعاليم الكنيسة، وقال: إن ثقافاتنا وقيَمنا التقليدية مهما كانت جميلة وراسخة، إلا أن الحقيقة هي أن الطب في العالم الغربي (وأذكر نموذجاً بارزاً على ذلك) على ما هو واضح أكثر تأثيراً ونجاعة؛ يتوجّه فريق طبّي إلى قبيلة، ويقوم بمعالجة مئات العميان بتكلفة بسيطة جداً، من الطبيعي ـ والحال هذه ـ أن ينبهر أفراد القبيلة بهذا الإنجاز، وتهتزّ عظام آلهتهم في أجداثها، ولا يعود لمعتقداتهم وقيَمهم التقليدية ذلك الثبات والكمال والشمولية السابقة، إن الوجع والألم الذي كان يُنظر إليه على الدوام من قبلهم بوصفه عقوبة تفرض عليهم من قبل الآلهات بسبب ما صدر عنهم من الذنوب وانتهاكهم للمحرّمات الدينيّة، أخذت أسبابه تتّضح لهم شيئًا فشيئًا، وأخذوا يعلمون أنه معلول لأمور من قبيل: المكروبات والجراثيم والفيروسات، وأنها قابلة للعلاج سريعًا وبأسعار منخفضة دون الحاجة إلى استدعاء الدين؛ وعليه فما الحلّ من وجهة نظركم؟

(101)

يقال لنا على الدوام: إن النظريات إنما هي وليدة أذهان البشر المحدودة، وهي لذلك تكون مؤقتة، وسوف يتمّ إدراك نقاط ضعفها ومواطن الخلل فيها عاجلًا أو آجلًا، وسوف نعمل إما على التخلي عنها أو إعادة صياغتها من جديد[1].

إن التحوّل الديني أمر لا يمكن اجتنابه؛ إذ سواء شئنا أم أبينا فإنه مع تغيّر البيئة الثقافية، سوف تتغيّر المفاهيم الدينية أيضًا، وكان من بين تداعيات هذا النوع من المتغيّرات الجبرية وغير الإرادية تنزّل الدين إلى مستوى الخرافة، وكلما زاد تطوّر العلوم والفنون العلمية الراهنة وأصبحت أكثر ثراء وقوّة، كان العلم يأخذ على عاتقه توضيح الأحداث وشرحها وبيان طرق العلاج في مختلف مجالات الحياة بدلاً من الدين على نحو أوسع وأكثر.

إن التفسيرات الميتافيزيقية وما وراء الطبيعية أخذت تفقد بريقها وتأثيرها شيئًا فشيئًا، ومن خلال نظرة إلى الماضي نجد أن هذه الكلمات لم يعد لها منذ عصر تشارلز دارون فصاعدًا دور في أيّ واحد من الحقول العلمية الرئيسة تقريبًا؛ وتحوّل التصوّر والسلوك الديني على نحو الإجبار إلى شكل ذوقي، ورؤية أقلية، ونوع من التسلية والهواية الطوعية، والفاقدة للأهمية أساسًا، وتقتصر على أولئك الذين يشعرون بالحاجة النفسية إلى التجذّر في التاريخ القومي أو التراث الثقافي[2].

(102)

لقد أثبتت العلوم على طول الزمان ـ كما يقول جون هيك ـ استقلالية النظام الطبيعي على نحو متزايد، ابتداءً من المجرّات ذات السعة والعظمة المذهلة والمحيّة للعقول إلى الأحداث المتناهية في الصغر وكائنات العالم الأدنى والموجودات المجهرية، يمكن البحث في الطبيعة دون أن نشعر بالحاجة إلى الرجوع إلى الله. إن أحداث العالم ـ التي يشتغل العلماء على التحقيق فيها ـ تجري بحيث وكأنه لا يوجد إله في البين[1].

وبطبيعة الحال فإن جون هيك يعلم جيّدًا أن العالم البصير لا يرى أيّ ملازمة بين هذه الأمور المذكورة أعلاه وبين إنكار الله ونفي أحقية الأديان، وذلك لأن الذي تكشف العلوم التجريبية النقاب عن بطلانه وخطئه، لم يكن أيّ شيء منه ينتمي إلى تعاليم الدين، بل هو مجرّد خرافات وأوهام آمن بها الناس سواء من المتدينين وغير المتدينين، وتمّ إلصاقها بالدين وأصبحت جزءًا منه مع مرور الوقت، ومن ناحية أخرى فإن اكتشاف الأسباب المادية لجميع الظواهر التجريبية لا يتنافى مع التوحيد والتدخل التام في جميع الظواهر؛ ففي الرؤية التوحيدية تكون جميع كائنات العالم بالإضافة إلى جميع حركاتها وسكناتها واقعة تحت إرادة الله واختياره، والجميع جنود له وممتثل لإرادته ومستمع لأوامره، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [2]. إن الرؤية المادية تظن أن تدخل الله يجب أن يكون على نحو شخصي؛ بمعنى أن يأتي الله بشخصه وبمعزل  

(103)

عن سائر العلل ويدخل إلى دائرة الطبيعة ويمارس تأثيره المستقل مثل العلل الأخرى، في حين أن الإنسان الموحّد الخالص، يعتبر مثل هذا التدخل شركًا وتقليلًا وخفضًا لمقام الله واجب الوجود، وتنزيله إلى موجود في عرض سائر العلل والأسباب، إنه يرى الله في كل مكان ومهيمناً على جميع الأشياء، وفي ذلك يقول الله تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [1][2].

(104)

ومن هنا فقد قال جون هيك: على الرغم من أن العلوم لم تبطل أيّ واحد من مدعيات الدين، إلا أنها قد ألقت بشعاعها الساطع على العالم بقوّة (دون أن تبحث في موضوعات الدين أبدًا)، حتى أن الظن الغالب والسائد حاليًا يقول بأن الدين لم تعد له أيّ موضوعية، ويبدو أنه قد قدّر له بأن يُبعد ويُنفى من حقول المعارف البشرية أكثر وأكثر[1].

وبالتالي فإن الرؤية العلمية والانتقادية سوف تنتهي إلى أصالة الطبيعة؛ أي إلى المفهوم القائل بأن التفسير المقنع الوحيد لكل ظاهرة في الطبيعة يكمن في ربطه بشكل منظم بظواهر أخرى، وإظهار هذه الحقيقة القائلة بأن تلك الظاهرة مصداق ونموذج لمثال يتكرر. ومهما كان فإن جميع أنماط التفكير التي كانت تبحث للأحداث والمؤسسات الاجتماعية عن علل غيبية وميتافيزيقية أخذت تجنح نحو الضعف بالتدريج. أخذ الناس يدركون العلل الطبيعية للزلازل والنجم المذنب والأوبئة والأمراض وتراجع المحاصيل، وكانت هذه العلل أكثر تأثيرًا وقوّة من التفسيرات السابقة؛ وكان هذا المنوال  

(105)

كلما ارتفع منسوبه زاد من رصيد المسيحيّين في عدم اعتبار الأحداث  اليوميّة أمورًا قهريّة من صنع الواحد القهار، وأخذت أفكارهم نحو الله تجنح إلى التغيير، فلم يعودوا يتصوّرونه كائنًا مخيفًا ومستقلًّا وشخصيًّا، وشيئًا فشيئًا قلّ تدخل الله في شؤون الحياة، وخفض من غموضه وتعقيده، وأخذ الناس العاديين ينظرون إلى هذا الواقع بوصفه سقوطًا تدريجيًّا للدين وفقدان الإيمان[1].

لقد تحدّث «رينيه غينون» ـ الكاتب والمفكر الفرنسي ـ بشأن مبلغ الإنسان الحديث والمتجدّد من العلم، قائلًا:

«يمكن أن يُنظر إلى العلم الدنيوي ـ الذي هو علم المُحْدَثين ـ كـ (معرفة جاهلة): معرفة من مستوى سفلي تقف بكليتها على مستوى الحقيقة الدنيا [مرتبة الحقيقة المحسوسة أو المادية]، إنها معرفة تجهل كل ما يتجاوزها، إنها جاهلة بكل غاية أسمى منها كما بكل مبدأ يمكنه أن يؤمّن لها مكانة شرعية ـ ولو متواضعة ـ من بين مختلف مراتب المعرفة الكاملة. إن العلم الدنيوي بانغلاقه نهائياً في المجال النسبي والمحدود، حيث أراد إظهار نفسه مستقلًا حارمًا نفسه بذلك من أيّ تواصل مع الحقيقة المتعالية ومع المعرفة العليا، إن العلم الدنيوي بواقعه هذا لم يعد سوى علم عبثي ووهمي لا يأتي في الحقيقة من شيء ولا يؤدّي إلى شيء»[2].

(106)

وهناك كلمة لـ «جون باسمور» تشير إلى هذا الأمر بوضوح، حيث يقول:

«من خلال الثقة الممنوحة للإنسان من قبل عصر النهضة، والتي جعلته يقتنع أن كماله يكمن في ارتباطه بأبناء جلدته وليس الله والأخلاق، والحصول على الخير الأكثر في الدنيا، وليس في الارتباط بما وراء الطبيعة بالضرورة، وإن على الإنسان أن يستبدل «حبّه لذاته» بجميع أنواع التعلقات الأخرى، قد رفع خطوة كبيرة نحو العالم الجديد»[1].

وعلى حدّ تعبير أحد المؤلفين:

«إن الإنسان الذي كان ينظر على الدوام ـ طبقًا لخصلته الذاتيّة والباطنيّة ـ إلى عالم المعنى والروحانية، وكان على تواصل مباشر مع هذه العوالم من طريق الدين والوحي ـ كما هو الحال بالنسبة إلى أكثر الناس ـ ومن طريق العرفان والشهود ـ كما هو الحال بالنسبة إلى الخواص ـ أخذ يركز اهتمامه على الظلّ العابر لهذا العالم، الذي هو العالم المسال المادي، أو الدنيا في المصطلح الديني، وحيث أدار ظهره للشمس، فمن الطبيعي أن ينكر وجودها، أو يكتفي بقواه الذهنية الضعيفة في البحث عن الأدلة والبراهين على الشمس، غافلًا عن أن عقله وفكره ما هو إلا من شعاع تلك

(107)

الشمس التي يبحث عنها.

إن عصر النهضة قد وضع الإنسان في موضع الإله المعبود، وهو الإنسان الذي لا يعدو أن يكون كائنًا أرضيًّا، ويرى الأرض موضعًا وموطنًا طبيعيًّا له. لقد تحدّثت جميع الأديان عن أن حياة الإنسان في هذه الدنيا حياة عابرة، وأن روح الإنسان تنتمي إلى عالم آخر، ثم حدث للمرّة الأولى في التاريخ الأخير أن نسي الإنسان الأوروبي موطنه الحقيقي ذاك، وبدلًا من أن يعتبر نفسه غريبًا في هذا العالم، اعتبر نفسه كائنًا أرضيًّا ودنيويًّا بالكامل، وأخذ ينظر إلى البُعد المتعالي والحقيقة الملكوتية بوصفها مجرّد ظن شاعري ووهمي، وانطلق يفتح الأرض ويستعمر الحضارات متسلحًا بهذه الروحيّة[1]».

الانحرافات العمليّة للكنيسة

إن الكنيسة كانت تسعى من وراء السلطة الروحية، إلى الحصول على السلطة السياسيّة والسلطة الاقتصاديّة، والأنكى من ذلك أنها كانت تسعى إلى السلطة العلمية أيضًا. وفي البُعد المعنوي عمدت الكنيسة إلى إدخال الكثير من الأمور في الدين، رغم أنها لم تكن لها صلة بالدين أبدًا، وقد كان مفهوم الرهبانية، وترك الدنيا، وتحريم الزواج على الرهبان وأعضاء الكنيسة، من جملة هذه البدع. بحيث أن القرآن الكريم قد اتخذ موقفًا صريحًا في هذا الشأن؛ إذ قال الله

(108)

تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) [1].

يقول المؤرّخ الإنجليزي هربرت جورج ويلز:

«لقد شهد القرن الثالث عشر للميلاد تطوّر منظمة جديدة في الكنيسة هي «محكمة التفتيش» البابوية ... وبهذه الأداة نصبت الكنيسة نفسها لمهاجمة الضمير الإنساني بالنار والعذاب .. و قبل القرن الثالث عشر للميلاد لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرًا بالملاحدة والكفار. فأما الآن فإن كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون في مئة ساحة من ساحات الأسواق في أوروبا ليراقبوا حرق أجسام أعدائها ... تحترق بالنار وتخمد أنفاسهم بحالة محزنة، وتحترق وتخمد معهم في نفس الحين الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية، فتصبح رمادًا تذروه الرياح»[2].

كما يلوح من الأساطير القديمة أن كل نوع من الميل الجريء في الماضي نحو التقدّم والتطوّر العلمي والمهارة الفنية في الطبيعة، كان يتمّ سحقه وضربه بعنف وقسوة ويتمّ قمعه بوصفه دليلًا وأمارة على التكبّر وحبّ الجاه المنفلت ونوعًا من التطاول على حدود الله سبحانه وتعالى.

(109)

وفي المرحلة الجديدة أضيفت لها بعض الأساطير أيضًا. إن جوهر جميع هذه القصص هو أن لحرية الإنسان وقدرة الإنسان ومعرفة الإنسان حدّ محدّد ومعلوم، فقد وضعت الآلهات حدودًا واضحة، والإنسان لا يستطيع أن يتجاوز هذه الحدود دون أن تناله العقوبة، إن التمرّد والطغيان على هذه الحدود يعدّ تجاوزًا للخطوط الحمر وانحرافًا عن الصراط المستقيم، وفتحًا لباب الكوارث والمصائب[1].

لقد كانت الطبيعيّات وعلم الهيئة والنجوم في فترة ما قد دخلت ضمن التعاليم المسيحية، وكانت جزءًا من عقائدهم. وفي منتصف القرن الثالث عشر للميلاد كان تدريس وتعلم كتب أرسطو إجباريًّا في المدارس المسيحية، وكانت الأروقة المسيحية تدين وتعاقب الذين يُعرضون عن تعاليم أرسطو. وقد كانت هذه التعاليم عبارة عن موسوعة ودائرة للمعارف تشمل المنطق والإلهيات والرياضيات والطبيعيات[2].

إن الكنيسة الكاثوليكية والمتكلمين المسيحيين في ضوء أفهامهم السطحية والحرفية للكتاب المقدس والقول بإطلاق وتقديس بعض نظريات فلسفة اليونان والطبيعيات الأرسطية وعلم الفلك والهيئة البطليمية، قد أقحمت نفسها في حقل لم يكن من اختصاصها، الأمر الذي أدّى إلى سقوط آرائها عن الاعتبار حتى في الحقول  

(110)

التخصصية للأخلاق والإلهيات. لم تكن هناك أيّ ضرورة لتدخّل الكنيسة في أبحاث حول تحديد عمر الأرض وكيفية ظهورها وتوقع نهاية الزمن، والدفاع المستميت عن فرضيات بطليموس وأرسطو بشأن شكل وحركة الكرات والأجرام السماوية، ووضع الأرض في مركز الكون، وجعل النجوم والكواكب الثابتة مثل الشمس تدور حولها، واعتبار الخروج على هذه الثوابت بزعمهم أو التشكيك فيها كفراً وبدعة، تجعل من صاحبها عرضة للملاحقة القانونية وعرضة لأنواع العذاب، الأمر الذي تعرّض له العلماء بسبب دفاعهم عن فرضيات أكثر بساطة ومنطقية، هذا في حين لم يكن لهذا الموقف من الكنيسة أي ضرورة لاهوتية أو وجوب إيماني أبدًا، ولا يمكن فهم هذا الموقف المتشدد الذي اتخذته الكنيسة في أيّ واحد من التعاليم الأخلاقية للسيد المسيح[1].

وفي تلك المرحلة حيث كان أنصار أصالة العقل يهجمون على اليمين الديني، كانت العلوم الطبيعية تشقّ طريقها نحو التطوّر والتقدم، وظهرت الكثير من المؤلفات حول تعارض العلم والدين. وفي الغالب كان يتمّ تصوير العلم بوصفه بطلًا مدججًا بالسلاح وهو يبحث عن الحقيقة على الدوام، بينما يتمّ تصوير الدين وكأنه تنين مخيف يسعى إلى ابتلاع الحقيقة.

كان هناك الكثير من العلماء الذين يعارضون التقدّم والتطوّر  

(111)

العلمي؛ وكان الدين بوصفه سلطة قوية ومنظمة قد تحوّل في الغالب إلى مركز للاعترافات ضدّ العلم، ونتيجة لذلك فقد الدين ـ ولا سيّما اليمين الديني ـ مصداقيته واعتباره، وكان الأمر يبدو وكأن العلم على صواب أبدًا، وكان الدين في المقابل دائمًا على خطأ، وعليه فقد شاع هذا الاعتقاد بالتدريج، وهو أن العلم يستطيع أن يحلّ جميع مشاكل البشر، ووحده الجهل وعدم التحرّك ـ ولا سيّما الجهل وعدم التحرّك في الكنيسة ـ يحول دون التطوّر والتقدّم السريع للعلم؛ بمعنى المنقذ والمنجي الجديد.

تمّ سحب البساط بالتدريج عن مركزية الأرض في الكون واعتبار الإنسان أشرف المخلوقات على التوالي بواسطة كوبرنيق وتشارلز دارون. وتغيّرت الصورة بفعل هبوط الإنسان إلى كائن كان يرقى باستمرار من الحيوان إلى الإنسان[1].

إن الذي نسعى إلى بيانه من خلال هذه الأبحاث هو أن الأديان الإلهية لم تتجه إليها أصابع الاتهام أبدًا بسبب تعاليمها السماوية والإلهية، بل إن المسائل الأخرى وغير الدينية التي دخلت بالتدريج ولأسباب مختلفة لتصبح جزءًا من الدين، ويتمّ التعرّف عليها من قبل الأجيال اللاحقة بوصفها من التعاليم الأصلية والتي لا يمكن فصلها عن الدين، هي التي أعدّت الأرضية الخصبة والمناسبة للإضرار بالدين.

(112)

وفي هذا الشأن، قال الكاتب المصري المعاصر محمد قطب:

«كانت تجربة أوروبا مع الدين تجربة بئيسة إلى أقصى حدّ .. كان الدين بالنسبة إليها ظلامًا وجهلًا واستبدادًا وغلظة وانصرافًا عن عمارة الأرض ... ووقر في حسّ أوروبا من خلال تجربتها الخاصّة أن هذا هو الدين .. ولذلك نفرت منه، ثم هاجمته وأبعدته عن واقع الحياة، وحبسته في نطاق ضيّق في ضمائر الناس ـ إن بقي للناس ضمائر بعد أن أبعدوا عن الدين! ـ وأوروبا في هذا معذورة من ناحية، ولكنها ـ من ناحية أخرى ـ غير معذورة .. معذورة في النفور من «ذلك الدين» والسعي إلى تقليص نفوذه ونزع سلطانه وحبسه في أضيق نطاق ممكن ... بل نبذه والخروج عليه جهرة .. ولكنها غير معذورة في أن يكون هذا موقفها من «الدين» بعامّة، الصحيح منه وغير الصحيح! .. لم تعرف أوربا دين الله الحقيقي الذي أنزل على عيسى بن مريم عليه‌السلام ، إنما عرفت صورة محرّفة منه»[1].

نماذج من القول بـ التاريخانيّة في منشأ الدين

هناك الكثير من الموارد الشاهدة على هذا الموضوع، وفيما يلي سوف نكتفي بذكر بعض الموارد في هذا الشأن مع ذكر الجواب الإجمالي عنها في العالم الغربي:

(113)

النظريّة الاجتماعيّة للدين

إن هذه النظرية المطروحة من قبل إميل دوركهايم، إنما تختصّ بالرؤية التاريخانيّة إلى أصل ومنشأ الدين. إن هذا النوع من التحليل تمّ بيانه وتكميله في بدايات القرن العشرين للميلاد من قبل علماء الاجتماع الفرنسيين خصوصًا، ولا سيّما منهم إميل دوركهايم. طبقًا لهذه النظرية تكون الآلهات التي تعبد من قبل الناس، كائنات خيالية اخترعها الناس بشكل لا شعوري لكي يسيطروا بذلك على أفكارهم وأفعالهم. إن هذا المجتمع الإنساني الذي يكتسب الصفات الإلهية فيما يتعلق بالصلة مع أعضائه، ويوجد تصوّر الله في أذهان أعضائه، ويتحوّل تبعًا لذلك إلى مثال للمجتمع. وعلى أساس هذا التفسير يكون هذا الحيوان العاقل هو الذي عمد إلى خلق الله من أجل الحفاظ على وجوده الاجتماعي[1].

لقد ذهب إميل دوركهايم بعد تحليل الظاهرة الطوطمية بين سكان أستراليا الأصليين إلى الاستنتاج قائلًا:

«إن إله القبيلة هو ذلك الأصل الطوطمي، وليس الأصل الطوطمي سوى المجتمع والقبيلة نفسها، حيث تشخّصت وتحوّلت في مخيّلة أفراد القبيلة إلى شكل مرئي لحيوان أو نبات طوطمي[2]».

يقول جون هيك في ردّه على هذه النظرية: إن هذا الرأي لا

(114)

يستطيع تحليل المساحة العامة لحقل وجدان الدين الواعي، حيث يتجاوز حدود كل مجتمع ويرتبط بنوع الإنسان، يضاف إلى ذلك [ثانيًا] أن الأنبياء عمومًا كانوا مبدعين وكانوا يقدمون أمورًا وراء الفهم العام للمجتمع؛ فكيف يمكن لما يقع وراء التجربة العامة أن يكون منبثقًا عن تلك المجموعة. وثالثًا فإن الكثير من الأنبياء إنما وقفوا في وجه الوضع القائم والفهم العام في المجتمع. ورابعًا إن أصل هذا الكلام إنما هو فرضية لم يتمّ تقديم دليل على إثباتها[1].

كما أورد هملتون بدوره إشكالات كثيرة على نظرية إيميل دوركهايم، وقال في ذلك:

«لقد أقام إيميل دوركهايم كل أبحاثه على دين مجموعة من القبائل الأصلية في أستراليا، وهي بالإضافة إلى ذلك مجموعة لا تحظى بالأهمية حتى بين السكان الأصليين في أستراليا نفسها، ولا يوجد أي دليل يثبت ظهور الطوطمية على النحو الذي يدّعيه دوركهايم؛ وعليه هل يمكن الاطمئنان ـ والحال هذه ـ أن جوهر جميع الأديان متحد مع الدين الذي أخضعه دوركهايم لدراسته؛ فلو أنه درس الأديان الأخرى أيضًا، فإنه من المستبعد أن يُعمم حكمه عليها أيضًا [وإلا كان تعميمه من دون دليل]؛ إذ لا يوجد أيّ مستند يثبت أن الطوطمية مصدر لجميع الأديان.

إن الوصف المشترك للمفاهيم الدينيّة والماهية الاجتماعيّة  

(115)

للدين أمر مقبول، ولكن هل يمكن من خلال مشاهدة هذا التشابه أن نصل إلى نتيجة مفادها أن الدين ليس شيئًا آخر سوى انعكاس لمثال ونموذج المجتمع الذي عمد أعضاؤه إلى إيجاد الارتباط مع مجتمعهم من طريق الدين ... ؟»[1]

الدين والإيمان دعامة نفسيّة

ومن هذا القبيل نظرية سيغموند فرويد أيضًا؛ إذ يعتبر الدين نوعًا من الدفاع الذهني في مواجهة الأبعاد والظواهر الطبيعية المرعبة، من قبيل: الزلازل والسيل والطوفان والأمراض والموت؛ يذهب فرويد إلى الاعتقاد بأن الطبيعة تثور في وجهنا بهذه القوى بشكل مبهر وقاس وعلى نحو لا يُقاوَم، بيد أن خيال الإنسان يحوّل هذه القوى إلى قوى متشخّصة وخفيّة لا يمكن الاقتراب منها؛ لأنها ستبقى أبدًا بعيدة عن متناول البشر[2].

إن هذه النظريّة بدورها ـ كما يقول جون هيك ـ تفتقر إلى الدليل المعتبر مثل سابقتها، وتبقى قابعة في مرحلة الادعاء[3]. إن سيغموند فرويد قد عمد بدوره من خلال قراءاته الجزئية إلى تعميم النتائج التي توصّل إليها على نحو الاعتباط، واعتبرها عللًا عامّة لاعتناق الدين؛ فهل إله الأديان التوحيدية هو مجرّد إله جبّار وقهّار لا يقوم بغير كبح الناس دون تلبية رغباتهم الطبيعية والذاتية، أو أنه على  

(116)

العكس من ذلك يعمل على إشباع جميع رغبات الإنسان بالطرق العقلانية والصحيحة، وتلبية الغرائز الطبيعية للبشر بشكل معقول؟

ثم إنه على فرض أن يكون الدافع لدى البشر نحو الدين وعبادة الله دافعًا نفسيًّا، إلا أن هذا الأمر لا ينتج عنه أن يكون أصل الدين وأصل الله بدوره أمرًا ذهنيًّا ووهميًّا أيضًا؛ فهل الطفل الذي يلجأ إلى حضن أمّه وأبيه بسبب خوفه من ظلام الليل أو من منظر شبح توهّه، يشكل دليلًا على كون الأب والأم وهميان، لأن خوف الطفل قد نشأ من أمور وهمية؟ إن الذي يمكن قوله هنا هو أن الطفل لو أدرك أن سبب خوفه من الظلام أو الشبح كان وهميًّا، فإن خوفه سوف يزول، ولا يعود هذا السبب يشكل دافعًا له كي يلجأ إلى أحضان والديه (أو الدين)، بيد أن ذلك لن يضرّ بأصل وجود الدين أبدًا.

وقال مك كواري في الردّ على نظرية سيغموند فرويد:

«إن هذه النظرية لا تقبل الإطلاق والتعميم على كل دين، وهي من دون أساس بالنسبة إلى اليهوديّة والمسيحيّة وسابقة النبي موسى عليه‌السلام تقريبًا؛ ولكن لو غضضنا الطرف عن هذه النقطة، فإن الذي يُستفاد من نظرية سيغموند فرويد هو مجرّد أن الأشخاص الذين أخضعهم لدراسته كانوا يتصوّرون الله على هذه الصورة، وهذا لا يمكنه أن يُسقط جميع المعتقدات الدينية عن الاعتبار[1]».

(117)

إله الفجوات والثغرات[1]

إن ديتريش بونهوفر ـ الذي أعدم شنقًا في سجن النازيين ـ قد توصّل في سجنه إلى نتيجة مفادها أن الإنسان قد وصل إلى مرحلة البلوغ، ولم يعد بحاجة إلى الدين، ولم يعد استخدام الناس للنزعة الدينية في استعراض الدين المسيحي تجديهم شيئاً. وقد زالت آخر حجج وذرائع المسيحية للدفاع عن الدين.

إن الإنسان الحديث يجيب عن جميع الأسئلة والمسائل التي تعرض له دون أن يأخذ وجود الله بنظر الاعتبار. يذهب بونهوفر إلى الاعتقاد بأن الأمر يبدو وكأن الله يريد أن يُفهم الناس بأن في مقدورهم مواصلة حياتهم من دون الله، وقد أذن الله لهم بأن يركنوه جانباً، بل وقد توجّه نحو الصليب بنفسه.

وعلى هذه الشاكلة فإن العالم الذي وصل إلى مرحلة البلوغ قد تخلّى عن إله الكتاب المقدّس. وإن النبي عيسى [عليه‌السلام] يعرض على الناس شيئًا مخالفًا تمامًا لتوقعات الأشخاص المتدينين.

إن الإنسان البدائي كان يلجأ إلى الآلهات في تفسير وشرح أغلب تجاربه، وبالتدريج حيث أخذ التفكير البشري ينمو وينضج بشكل أكبر، أخذ يلتمس عللًا طبيعية لأغلب تجاربه، ولكن كانت هناك لا تزال بعض الثغرات والفجوات في معلوماته ومعارفة، وكان يواصل السعي إلى شرح وتفسير هذه الموارد من خلال الرجوع إلى الله. وحتى اليوم هناك من المسيحيين من يقولون: لا يمكن لأيّ عالم أن  

(118)

يخلق الحياة في مختبره، ولهذا السبب يرى أن عملية الإحياء وخلق الحياة هي من صنع الله فقط. ولكن سيأتي الوقت الذي يعمل فيه العلماء على إيجاد الحياة في أنابيبهم المخبرية، وسوف يتمّ بذلك سدّ فجوة وثغرة أخرى ممّا تبقى من الفجوات والثغرات.

إن أعمال إله الثغرات آخذة بالتناقص على نحو كبير. فقد أخذ العلم يسدّ هذه الثغرات والفجوات واحدة بعد أخرى، ومن هنا يذهب بونهوفر إلى الاعتقاد بأن الإنسان عندما يصل إلى مرحلة البلوغ لا يعود بحاجة إلى افتراض وجود الله من أجل حلّ مسائله. إن الدين بمعناه الميتافيزيقي وما وراء الطبيعي حيث يسعى إلى جمع آرائنا ومعلوماتنا حول العالم في موضع واحد، قد أصبح قديمًا وباليًا[1]. لم يُقم بونهوفر في كلماته دليلاً من الإنجيل أو من تعاليم الكنيسة يثبت التعريف بالله بوصفه مالئًا للثغرات والفجوات فقط؟ أو كيف يمكن للتقدّم العلمي أن يحدّ من تدخّل الله؟ وهل للتأثيرات العلية للأمور المادية على بعضها تبطل عليّة الله فوق سلسلة العلل؟ ومن الجدير ذكره ـ بطبيعة الحال ـ أن بونهوفر لم يكن يُنكر الله سبحانه وتعالى، وإنما يرى أن الله الذي تمّ التعريف به في الكنيسة ـ بزعمه ـ بوصفه مالئًا للفجوات والثغرات، يتجه نحو الزوال. ويقول في ذلك:

«لا ينبغي البحث عن الله في الأشياء التي لا نعرفها، بل يجب علينا العثور عليه في صلب الحياة. وبطبيعة الحال

(119)

فإنه لا يقدّم لهذا الإله إلا تفسيرات مبهمة وغامضة وغير مقبولة أيضًا[1]».

إله الآمال والتطلعات المستحيلة (رأي ستارك وبين بريج)

كانت هذه النظرية مطروحة ما بين عامي 1980 ـ 1987م. طبقًا لهذه الرؤية يكون الناس في بحث عن المكافآت، ومن أجل ذلك يتصوّرون وجود آلهات قادرة على منحهم ما يرغبون بالحصول عليه من المكافآت. يذهب كل من ستارك وبين بريج إلى الاعتقاد بأن الإنسان يسعى إلى تحقيق رغباته بنفسه، فإن لم يستطع ذلك صار إلى تحقيق رغبته عبر التعاطي مع الأشخاص الآخرين من طريق التعامل والتبادل؛ فإن عجز الآخرون عن تلبية رغبته، عمد إلى اختراع عنصر يتدارك به هذا النقص، ويقول بوجود جهة ميتافيزيقية وما فوق طبيعية صالحة لأن تكون طرفًا في عملية التبادل؛ فيمكن لهذه الجهة الغيبية أن تلبي رغباتنا، وفي المقابل فإن الآلهات لديها تطالب بالمكافآت جزاءً على تلبيتها لرغبات أطراف المبادلة.

إن الناس لا يدخلون في المعاملة مع الآلهات إلا إذا شعروا بعدم وجود طريق أقل كلفة وأكثر تأثيرًا لتحقيق آمالهم وتلبية رغباتهم، وهذه المسألة بدورها لا تقبل الخضوع للتجربة والاختبار في المختبرات، ولذلك فإنها تبقى خالدة، وتكتسب المؤسّسات الدينية قدرات ضخمة ومذهلة في المجتمع[2].

(120)

وقد عمد هاملتون إلى نقد هذا الرأي بنفسه، وقال: إن هذه النظرية عاجزة عن بيان السبب الذي يدعو الناس إلى تصوّر أن بمقدورهم الحصول على آمالهم وتطلعاتهم التي يتمنونها من مصادر غيبية وغير طبيعية. ثم هل يمكن في الحقيقة توصيف جميع أبعاد التعاطي البشري المتبادل بوصفها بمجرد لغة المبادلة بشكل ناجح، وهل تعدّ نظرية التبادل لبيان ومعرفة الاعتقاد الديني مناسبة؟ ولماذا يتعيّن على الكثير من المعتقدات الدينية أن تعمل بشكل ما على نوع من التدارك؟ إن هذا المدخل يمثل في الواقع تدخل بغير حق نوعًا من المعرفة الإلهية الذاتية في تحليل الدين[1].

ترويلتش وتاريخية الدين

كما أن إرنست ترويلتش[2] بدوره من القائلين بشمول وسريان  التاريخانيّة إلى الدين أيضًا؛ إنه يؤمن بالمنشأ الإلهي للدين، ولكنه ينكر التاريخانيّة والدوام الأبدي له؛ وقد ذهب إلى الاعتقاد بأن كل شيء يُرى على حالة من السريان والصيرورة، وفي مسار التفرّد اللامتناهي والمتجدد أبدًا، تنفسخ السياسة والقانون والأخلاق والدين والصناعة والفن بأجمعها في مسار الصيرورة، وإنما يمكن فهمها بأجمعها بوصفها أجزاء مؤلفة لتنميتنا التاريخانيّة[3].

لقد وضع إرنست ترويلتش ثلاثة أصول في تفسير الأمور  التاريخانيّة، وهي:

(121)

أصل الانتقاد: بمعنى أن كل تراث تاريخي يجب أن يخضع إلى النقد، ويجب أن لا يتوقف هذا الأمر أبدًا. لا يمكن اعتبار ما ورد من الأحداث في العهد الجديد يقينية.

أصل المقارنة والتشبيه: بمعنى أن الأحداث الماضية شديدة الشبه بما نعيش تجربته حاليًا، وهي في حدّ ذاتها تشتمل على احتمالية وقوع أكبر، خلافًا للأحداث التي لا يكون هناك محل لتجربتها في واقعنا الراهن، من قبيل: المعجزات والأمور الخارقة للعادة. وإنما بالنظر إلى هذا الأصل نستطيع الوصول إلى المعرفة بشأن الماضي.

أصل الاتحاد: بمعنى أن كل حادثة تاريخية تتحد مع سائر الأحداث من تلك المجموعة؛ فكلها تابعة للنظم وأضحت من سلسلة العلل الخاصّة الموجودة، وعلى هذا الأساس في كل حادثة لا يمكن الادعاء بأنها نهائية ومطلقة وفريدة؛ وإن حياة ونشاط السيد المسيح عيسى قد تكون حادثة بارزة جدًّا، ولكن لا يمكن أن تكون مطلقة ونهائية أو تابعة لنظم مختلف عن نظم سائر الأحداث  التاريخانيّة.

في ضوء أصول ترويلتش سوف تتحوّل المسيحية إلى شكل دين مفتقر إلى اليقين والاطمئنان، وفاقد للعناصر ما فوق الطبيعيّة، ومنكر لكل خصوصيّة نهائيّة ومطلقة. يقول إرنست ترويلتش: حيث لا يوجد لدينا شيء آخر، فإننا نعتبر المسيحية أمرًا مطلقًا ونهائيًّا، ولكن هناك احتمال أن يتمكن سائر الناس من مختلف الأعراق ـ 

(122)

من الذين يعيشون في ظلّ ظروف ثقافية مختلفة تمامًا ـ أن يجرّبوا صلتهم وارتباطهم بالحياة الإلهية بأسلوب مختلف بالكامل[1].

رؤية مارتن لوثر

في هذا الشأن تبدو الإصلاحات الأولى لمارتن لوثر بدورها ـ وهو مؤسّس البروتستانتية المسيحية ـ مرتبطة بالرؤية التاريخانيّة في مرحلة أخذ وإبلاغ الدين.

ومن خلال آرائه بشأن الكتاب المقدّس، يتّضح باختصار أنه يرى:

ـ إن جميع الكتاب المقدّس من بدايته إلى منتهاه ليس صحيحًا على نحو حرفي، ولا تتساوى جميع أجزائه في القيمة والأهمية.

ـ يمكن حذف بعض أسفار الكتاب المقدّس، من قبيل: سفر إستير والمكاشفة ، كما أن كتاب يعقوب قليل الأهمية والقيمة.

ـ إن بعض نبوءات الأنبياء خاطئة، وعليه لا يمكن اعتبار الكتاب المقدّس صحيحًا ومعصومًا من الخطأ بجميع أجزائه ومواضعه.

ـ إن الأشخاص الآخرين [غير السيد المسيح] ـ من أمثال مؤلفي الكتاب المقدّس ـ يمكنهم أن يكتبوا عهدًا جديدًا آخر مختلفًا، إذا  

(123)

حصلوا على هداية كاملة من قبل روح القدس[1].

ونتيجة لذات هذا التفكير التاريخي، أخذ العالم الحديث يسمع منذ مدّة طويلة كلامًا حول موت الإله، ونهاية الدين، وانقضاء فترة استضافة الإيمان[2].

نقد تاريخيّة الدين في العالم الغربي

وبطبيعة الحال كان هناك في ذلك الفضاء أشخاص ولا يزالون من الذين وقفوا في قبال هذا الرأي وقاموا بردّه، وقد سبق أن أشرنا إلى بعض هذه الموارد في تضاعيف ما تقدّم، وسوف نشير هنا إلى بعض النماذج الأخرى بما يتناسب والفضاء الراهن لرأي القائلين بتاريخيّة الدين في عالم الإسلام أيضًا. مع التذكير بهذه النقطة، وهي أنهم بما يمتلكونه من ثروة الإنجيل الفعلي والمسيحية الراهنة، لا زالوا ـ بفضل المسائل التي لم يطالها التحريف ـ يقاومون تلك الهجمة الشرسة، ولا شك في أنهم لو كانوا يمتلكون نسخة ذلك الإنجيل الذي لم يتعرّض للتحريف، ولم يحتو على المسائل المخالفة للعقل، لما تراجعوا عن مواضعهم ومواقفهم بمثل هذه السهولة. وقد أظهر «وليم رالف إنغ» ردّة فعل قوية تجاه النظرة التاريخانيّة إلى الدين، وقد سخر من التقدّم النرجسي للحضارة الآلية والممكننة، وقال في ذلك: ليس التقدّم المادي، بل القيَم المعنوية الثابتة والحقيقة والجمال والخير، هو الذي يمكنه أن يوفّر أساسًا

(124)

محكمًا ومتينًا وراسخًا لمجتمعنا. بيد أن هذه القيَم إنما نشأت من الله سبحانه وتعالى. وهو يرى أن العقلانية الجديدة أصبحت أحادية البُعد، في حين أن العقلانية الحقيقية ذات آفاق أوسع، وهي تهتم بالحقائق والقيَم مجتمعة[1].

لقد أورد وليم هوردرن انتقادات أساسية على القائلين بتاريخية ونقد الكتاب المقدس، ويمكن بيان هذه الانتقادات على النحو الآتي:

1ـ إن لدى الناقدين أصولًا ورؤية كونية، لم يثبتوها بدليل أبدًا، ولكنهم يعتقدون بها في دخيلتهم وبواطنهم. إنهم يرومون إدراك الكتاب المقدّس عبر البراهين والأدلّة العادية والطبيعيّة، ولهذا السبب نراهم ينحرفون عن الطريق الصحيح.

2ـ إنهم يعتقدون أنه لا يمكن لأي واقعة في العالم أن تحدث إلا وتكون قابلة للشرح والتفسير من خلال إدراكنا الفعلي للعالم، وهذا مجرّد ادعاء لا يستند إلى دليل.

3ـ إنهم لم يتمكنوا أبدًا من إثبات استحالة المعجزة، أو أن الكتاب المقدس يحتوي على تقارير متعارضة أو تخالف العقل في ذاتها، أو أن يعثروا على وثيقة أو مستند تاريخي يؤدّي إلى التشكيك في معجزات وقيامة السيد المسيح.

(125)

4ـ إنهم مستغرقون في تصوّراتهم، وبدلًا من إيمانهم بالمعجزات، يقدّمون فرضيات مستندة إلى مهارتهم في نسج الخيال. إن كلماتهم لا تستند إلى نقد حقيقي أو علمي، وإنما تقوم على أساس العقائد الجزمية الدوغمائية والعصبية.

5ـ  يتصوّر الناقدون أن العالم وحدة كلية، يمكن إدراكها بالعقل البشري بشكل كامل، وأنه لا مجال في عقيدتهم للمكاشفة الإلهية الخاصة أو أيّ نوع من الوقائع والأحداث التي تعتبر تدخلاً من قبل الله في الخلق.

6ـ إنهم ينكرون الأمور الغيبية وما وراء الطبيعة دون أن يقدّموا دليلاً على ذلك، ويقولون: لا وجود لغير عالم الطبيعة، ويمكن تفسير كل شيء بهذا العالم فقط.

يذهب كارل هنري إلى الاعتقاد، قائلًا:

7ـ لا يوجد في اللاهوت النقدي احترامًا وتقديرًا كافيًا للعقل والمنطق، في حين يمكن للعقل أن يثبت وجود الله. إن علماء اللاهوت المسيحي قد غرقوا في مستنقع الأهواء، وفي المقابل أبدى الخصوم من جانبهم ضعفًا؛ إذ عندما يقبل هؤلاء أنفسهم بعدم وجود دليل على إثبات وجود الله، فلا يستغرب لو ظهر بعض المفكرين من الذين يعلنون عن موت الإله.

وقال جون غريشام ماتشين:

(126)

8ـ إن لدى هؤلاء بشأن كلمات من قبيل: الله، والكفارة، والخلاص، والمسيحية، أقوال ذات حدّين، بيد أنهم يمتنعون عن تعريف هذه المفاهيم، كي لا يكون معناها واحدًا بالنسبة إلى الجميع.

9ـ إن المتحررين والناقدين يخالفون التفكير؛ إذ أنهم طبقًا لعادتهم بدلًا من السعي إلى الحصول على المفهوم الأصلي للكتاب المقدّس، يعمدون إلى التعرّف على ما يردون فهمه منه أنفسهم، وإن عيسى التاريخي الذي يكثرون من الحديث عنه، ليس هو عيسى المذكور في الأناجيل بوضوح تام، بل هو عيسى الذي يريده هؤلاء المتحررون، إنهم يريدون عيسى الذي لا يتجاوز وجوده وجود الإنسان[1].

10ـ وقال هاري إميرسون فوسديك: لقد كان التجديد قد شغل نفسه بالعقل والاستدلال بشكل مبالغ به؛ لقد كانت الغاية الهامّة للإبداع عبارة عن تحويل المسيحية بحيث يمكن للإنسان المنطقي في العصر الحديث أن يؤمن بها. وعلى الرغم من ضرورة هذا الأمر إلا أنه لا يحل سوى مشكلة واحدة من بين الكثير من المشاكل الجمّة الأخرى، فإن الاحتياجات العميقة للروح الإنسانية ـ سواء في الدين أو الحقول الأخرى ـ لا تقتصر على العقل والتفكير فقط، إن الاستفادة من العقل أمر صائب، ولكن بدلًا من التعاطي مع المسائل عبر الوسائط العقليّة، من الأجدر بنا أن نتعاطى معها في البداية من

(127)

طريق القلب والوجدان والتصوّرات. إن الإنسان أكبر من عقله، وبدلًا من أن يشغل نفسه في المشاكل العقلية بشكل مفرط، عليه أن ينظر إلى المسائل بنظرة أوسع. وعلاوة على ذلك يجب أن نعلم بأن مسائلنا الروحانية لا ترتبط بعقلنا إلى حدّ كبير، وإنما هي في الغالب ترتبط بالأمور الأخلاقية[1].

11ـ وقال جون بينت في كتابه (اللاهوت التحرري):

«لقد آمن المتحررون الجدد على نحو متسارع بأن الإنسان والمجتمع لا يمكن إصلاحه بواسطة التربية والتعليم والعلم والمعرفة، فإن قوّة الغرور والأنا في الإنسان من القوّة بحيث لا يمكن إصلاحها عبر القواعد التربوية والتقدّم العلمي؛ وإنما لا بدّ لإصلاح المجتمع من الاستفادة على الدوام بعنصر القوّة والتشجيع والترغيب؛ وإن على الدين أن يمنح من القوّة بحيث يغيّر حياة الإنسان وكذلك التربية والتعليم من ناحية النماذج الأخلاقية[2]».

12ـ ذهب اللاهوتي الأمريكي كارل رينهولد نيبوهر إلى القول بأن المشكلة الأكبر التي يعاني منها الإنسان الحديث، تكمن في إيثار الدعة وطلب الراحة، وإن غرور الإنسان وتكبّره دعاه لكي يدّعي لنفسه كمالًا لا ينتمي إليه ولا صلة له به. إن هذه النرجسية وتأليه الذات تصيب الإنسان بالعمى، حتى لا يعود بمقدوره القبول

(128)

بالعقائد العادلة والصائبة التي يعتنقها الآخرون. إن جذر المعصية يكمن في سعي الإنسان إلى الهروب من الفوضى والاضطراب؛ ما دام الإنسان يعتقد أن بمقدوره الانتصار على الاضطراب والفوضى، وأنه يستطيع أن يجلب الأمن لنفسه، فإنه سوف يرزح أبدًا تحت نير التكبّر والغرور. ولذلك يتعيّن عليه أن يواجه اضطراباته بواقعية، ويؤمن بأن الله وحده هو الذي يستطيع التغلّب على هذه الاضطرابات. إن هذا الأمر يحفظنا من غرور أنفسنا لسببين، وهما:

أوّلًا: أن يدرك الإنسان أنه يحتاج إلى الله في أمنه، ولا يمكنه التعويل على نفسه في هذا الشأن.

ثانيًا: أن يدرك الإنسان نقصه، ويعلم أن ارتباطه بالله يقوم على أساس الرحمة الإلهية، لا على أعمال الخير والبر التي يقوم بها[1].

13ـ لا شك في أن بقاء الدين، يكم في أن الإضعاف التدريجي للفكر والمؤسّسات الدينيّة لا يمنع من بقاء الانجذاب والحاجة الدينية في أعماق الضمير الإنساني على زخمها وقوّتها الدائمة. إن بعض المهام والوظائف التقليدية للدين قد تمّ إيكالها إلى الآخرين؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ إنه لمن الغباء اليوم أن نترقب من الدين أن يعمل على علاج مريض أو يحسّن من كمية وكيفية إنتاج المحاصيل الزراعية، بيد أن الأهداف الدينية الأخرى والأكثر أهمية لا تزال باقية على قوّتها؛ فتصوّر الموت، والشعور بالضعف والضعة، وتصوّر عدم ثبات القيَم البشرية في التعاطي مع طغيان الطبيعة، لا

(129)

تزال تثير خوفنا وانجذابنا إلى الدين، فما أكثر المراحل الكبيرة التي كانت قبلنا وسوف تكون بعدنا دون أن نعلم بها أو تعلم بنا! ما أضعف الإنسان، وما أكثر المصائب المحدقة بحياة الناس، وما أكثر الأمور التي تُعرض سعادتنا إلى الخطر والسوء والشر الكامن فينا من الداخل، والمحيط بنا من الخارج[1].

14ـ عندما نقارن بين ثقافتنا الدنيويّة والمدنيّة والصناعيّة الجديدة وبين الثقافات السابقة، نشعر بالنقص الشديد إلى الحدّ الذي نجد معه حتى اليوم الكثير من الأعراق البشرية التي تحنّ إلى الماضي وترغب في الحفاظ على ارتباطها الوثيق بالأديان القديمة التي تعود إلى الحضارة الزراعية؛ إن الأديان التي ظهرت قبل ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة إلى ألف وخمسمئة سنة خلت، والأديان الغريبة جدًّا ـ ومن جهات عديدة ـ عن العلوم الحديثة وعن أساليب الحياة المعاصرة، والأديان التي تمتلك ـ على الرغم من كل ذلك ـ أمرًا قيّمًا لا يمكن استبداله والاستعاضة عنه بشيء آخر؛ وهو الشيء الذي لا نستطيع ولا نجرؤ على التخلي عنه أبدًا.

فما هو هذا الشيء؟ يبدو أنه نوع من الشعور بالتعالي، والانضباط الروحي، والقدرة على خلق حقيقة أخلاقية ثابتة وعامّة، بحيث يستطيع الناس أن يعيشوا فيه وعلى أساسه[2].

(130)

15ـ إن الفضاء العلموية[1] المخيّم في سماء عالم المسيحيّة، يعدّ واحدًا من أسباب تراجع وانحسار الدين في مواجهة  التاريخانيّة. لقد وقف العالم الغربي بعد عصر النهضة على أكثر من مفترق طرق، وتعيّن عليه اختيار واحد من بين اثنين في الكثير من الموارد الثنائية؛ فمن بين ثنائية الإنسان/ الإله اختار الأنسانوية، ومن بين ثنائية التقابل بين الطبيعة/ ما بعد الطبيعة آثر الطبيعة، وفي التقابل بين ثنائية الإيمان/ العقل نزع إلى ترجيح العقلانية على الإيمان. في حين أن هذا التقابل وهذه الثنائيات إنما كانت من صنع الإنسان، ولم تكن تمثّل تقابلًا وتضادًا ذاتيًّا؛ وبعد خلق الإنسان لهذه المشكلة أخذ يقيس كل شيء بمعيار التجربة، وكل ما لا يخضع لهذا المعيار سوف يسقط عن الاعتبار ولن يتمّ الاعتراف به. وإن بناء التعارض بين العلم والدين يعود بجذوره إلى هذه المسألة.

قال جون هيك في هذا الشأن: على الرغم من أن العلوم لم تبطل أيّ واحد من مدعيات الدين، إلا أن بريقها الساطع كان بحيث بسط نوره على جميع ربوع العالم (دون أن يتعرّض إلى موضوعات الدين أبدًا)، حتى أخذ الظن يذهب حاليًا إلى القول بأن الدين لم تعد له موضوعية، ومن المقدّر له أن يُنفى من الدوائر والحقول المعرفية للبشر أكثر وأكثر[2].

وقال أيضًا: إن استقلالية الطبيعة ـ على نحو ما تسعى العلوم إلى

(131)

إثباته بشكل متواصل ومتزايد ـ لا تتعارض مع العقائد أو الإيمان الديني أبدًا. إن العلوم تعمل على الاكتشاف في عالم خلقه الله، وهو الذي يعمل على إبقائه، وهو يتمتع في الوقت نفسه على استقلالية ممنوحة له من قبل الله أيضًا. إن هذا النوع من العلم بوجود الله، والتدخّل الإلهي في العالم بالاكتشافات العلمية ـ سواء الاكتشافات العلمية السابقة أو الذي سوف يتمّ اكتشافه في المستقبل ـ سوف يكون قادرًا على القبول بها[1].

وقد ذهب أحد المفكرين المعاصرين ـ والذي هو بدوره من القائلين بتاريخية الكثير من التعاليم الدينية، وبالتالي فإنه يدعو إلى ضرورة نبذ الدين التاريخي ـ إلى القول: أرى أن أكبر نقد يمكن توجيهه إلى الاتجاه التجديدي، هو الإشارة إلى ابتلائه بوباء العلمية؛ فإن العلم التجريبي في حدّ ذاته لا عيب فيه ولا إشكال، ولكن عندما يتم السعي إلى الاستعانة بالعلم التجريبي ـ الذي هو في حدّ ذاته وبحسب تعريفه مرتبط بعالم الطبيعة ومحدود بها ـ لبناء عقيدة ورؤية كونية تصدر الأحكام بشأن كل الوجود ومجمل الكون، واعتباره الطريق الأوحد لمعرفة عالم الواقع، فسوف نتعاطى حينها مع متلازمة العلمية[2].

وقال والتر تيرينس ستيس[3]: إن المعتقدات الخاصة التي كانت الكنيسة مرغمة على التخلي عنها، لم يكن أيّ واحد منها يشكل

(132)

ضرورة للدين، وكان بالإمكان التخلّي عن جميع هذه المعتقدات دون أن يتعرّض أصل الدين إلى أدنى ضرر. إن الاكتشافات العلميّة لم يكن لها أيّ تأثير سلبي على مسألة وجود الله، ومع ذلك فإن الثورة العلمية أدّت من الناحية العملية وباللحاظ التاريخي إلى تذويب الإيمان بالله بشكل كبير؛ فإن ظهور التشكيك الديني على نطاق واسع بالتزامن مباشرة مع ظهور العلم، حقيقة لا يمكن إنكارها، إن هذا التوالي التاريخي بمعنى قرن الشك (يُعتبر القرن الثامن عشر للميلاد من أشد القرون تشكيكًا في العالم الحديث)، الذي حدث بعد ظهور العلم مباشرة، لم يحدث صدفة؛ فقد كانت هناك صلة بين الأمرين؛ إذ لو لم يكن لدى العلم في القرن السابع عشر للميلاد أي اتجاه منطقي لإبطال العقائد الدينية الأصلية، كيف يمكن له أن يترك تأثيرًا مخرّبًا عليها، كما كان له مثل هذا التأثير على الصعيد العملي أيضًا؟ إن مفتاح حلّ هذه الأحجية يكمن في هذه النقطة، وهي أن عقول الأشخاص لا تعمل عادة على طبق ما يقوله المناطقة، وإن المنطق لا صلة له بما يعتقده الناس إلا قليلًا. إن عدد القنوات غير المنطقية الناشئة من التلقين والتداعي أكثر بكثير من الروابط والقنوات المنطقية، وعليه فإن حل السؤال القائل: كيف أدّى عصر الثورة العلمية إلى إيجاد عصر الشك الديني، رغم عدم وجود أيّ دليل منطقي يدعو إلى إيجاد مثل هذا الشك؟ هو أنه كانت هناك الكثير من العوامل النفسية العميقة التي أدّت إلى هذه النتيجة. إن الاكتشافات العلمية الهامة والكبرى في القرن السابع عشر، والتي أطلق عليها لقب الثورة العلمية للعصر، ونعني بها:

(133)

نظريّة مركزيّة الشمس لكوبرنيق، ونظريّة الحركة البيضويّة للسيارات التي قال بها يوهان كيبلر، ونظرية الحركة لغاليلو، ونظرية الجاذبية لإسحاق نيوتن، لم يكن أيّ واحد منها مشتملًا على ادعاء ضدّ الإيمان المسيحي أو وجود الله، وإن التعاليم الجازمة للكنيسة والتي كانت تبدو مخالفة للمعطيات والنتائج العلمية الجديدة، لم تكن مستندة إلى الأصول الدينية المسلّمة، بيد أن إصرار الكنيسة وعنادها في التمسك بها هو الذي أدّى إلى حدوث الصدام بين العلم والدين[1].

يرى والتر ستيس أن الاعتقاد بالله الخالق والمتدخل في عالم الخلق، والاعتقاد بهدفية العالم، والإيمان بوجود نظام أخلاقي وقيَمي يحكم العالم، هو من الفصول المميّزة للرؤية الكونية الدينية في العصور الوسطى من عصر ما بعد النهضة؛ حيث لا يوجد مسار منطقي لتضرر أيّ واحد منها، بل هو قفز غير منطقي متأثر بالرؤية الآلية للطبيعة[2].

إن مفهوم وجود الله لا يتأثر سواء أكانت الشمس تدور حول الأرض أو كانت الأرض هي التي تدور حول الشمس، ولن يختلف الأمر كذلك فيما إذا كان السيارات والأجرام السماوية تسير ضمن مدارات مستديرة أو بيضويّة، أو ما إذا كانت قوانين الحركة هي تلك التي جاء بها غاليلو ونيوتن أم لا؛ فإن الانتقال من العلوم الأولية إلى

(134)

الاعتقاد بنقصان الله، كان يمثل مجرد نقلة نفسية، ولم يكن يمثل نقلة منطقية أبدًا. وبعبارة أخرى: كان ذلك مجرّد خطأ.

يجب أن نفترض أن وجود الله أمر ضروري لاستمرار وجود العالم، وأنه مثل السابق ـ وكما هي الحال أبدًا ـ يعمل بواسطة وآلية القوانين الطبيعية التي تحكم العالم منذ الأزل، وإذا لم يكن العلم الذي قال به إسحاق نيوتن مشتملًا على شيء يتنافى مع الاعتقاد بالله، فإن العلم المعاصر كذلك أيضًا، ولا يمكن لأيّ علم أن يكون مشتملًا على مثل هذا الشيء أيضًا[1].

16ـ إن العملانية والبراغماتية[2] من العناصر الأخرى التي أدّت إلى اندحار المسيحية في مواجهة الرؤية  التاريخانيّة؛ وإن ذلك العلم الذي ساد في المرحلة الجديدة، لم يكن بسبب العلمية، وإنما كان مطلوبًا ومنشودًا بسبب عملانيته وبراغماتيته وتسييره لأمور البشر، ومع المتلازمة العلمية وعملانيتها، فقد تمّت تسريتها إلى العقل وإلى العلوم الإنسانية أيضًا، وعلى هذا الأساس فإن العقل الحاكم على الإنسان الحديث ـ مثل العلم الحاكم عليه ـ هو عقل آلي، وليس العقل الباحث عن الحقيقة.

يقول رينيه غينون:

«إن الغربيين ـ بصورة عامّة ـ لا يعلّمون العلم إلا بمفهومه

(135)

هذا: إن ما ينظرون إليه ليس معرفة ألبتّة، ولا حتى معرفة دنيا، بل تطبيقات عملية، ومن يُرد الاقتناع بذلك ليس عليه سوى النظر إلى السهولة التي يخلط بها غالبية المعاصرين بين العلم والصناعة، وكم هم عديدون أولئك الذين يمثل لهم المهندس نموذج العالم نفسه .. إن العلم ـ وبالطريقة الحديثة التي تأسس عليها ـ لم يخسر فقط في العمق، بل وأيضًا يمكننا القول إنه قد خسر في رسوخه أيضًا؛ لأن ارتباطه بالمبادئ كان قد جعله ينهل من ثباتها بالقدر الكامل الذي كان يسمح به موضوعه نفسه، بينما بانغلاقه حصريًّا في عالم التغيّر، لم يعد هذا العلم يجد شيئًا من الثبات، ولا أيّ نقطة ثابتة يستطيع الارتكاز عليها. كما أنه بعدم انطلاقه من أيّ يقين مطلق، اختزل في احتمالات وتخمينات، أو في بناءات محض افتراضية ليست سوى عمل مخيّلة فردية .. إن هذه الأمور لا يمكنها ـ بالنتيجة وفي ما يخصّ العلم الراهن ـ إلا أن تتعلّق بمجال الفرضيات»[1].

جذور ومصادر تاريخيّة التعاليم الدينيّة في العالم الإسلامي

بعد ذكر خلاصة بجذور تاريخية الدين وتعاليمه، من الضروري أن ننتقل الآن إلى بيان مناشئ وجذور هذه الرؤية في الإسلام وتعاليمه في العالم الإسلامي، وبطبيعة الحال فإن وجود الاختلافات سوف يساعد على حلّ الكثير من الشبهات والإجابة عنها.

(136)

النظريّة غير المحليّة

إن الرؤية التاريخانيّة إلى الدين لا تحظى بجذور تاريخية ملحوظة في العالم الإسلامي، وإن ما يُذكر في هذا الشأن لا يعدو أن يكون نوعًا من الانعكاس المأخوذ من الأفكار السائدة في العالم الغربي تجاه الدين المسيحي؛ حيث يتم السعي هذه المرّة إلى إسقاط جميع ذلك على الإسلام، دون الأخذ بنظر الاعتبار وجوه التمايز الأصيلة بين الإسلام والمسيحية. وبعبارة أخرى: إن هذه النظرية تعدّ في العالم الإسلامي نظرية مستوردة وليست محلية الصنع ولم يتم إنتاجها في العالم الإسلامي؛ بمعنى: أن ظهورها وطرحها لم يكن وليد الشرائط والظروف والأوضاع والأحوال الداخلية، وعليه فهي ليست وصفة أو روشيته تصلح لعلاج الآلام أو الخروج من المغضلات والمشاكل الموجودة في العالم الإسلامي، بل هي مجرّد استنساخ عن الوصفة الغربية مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة عليها وإحداث بعض التغييرات الظاهرية عليها، حيث يتمّ إعادة وصفها لشخص لا يعاني من أيّ مشكلة، أو أنه يعاني مشاكل مختلفة وأوجاع مغايرة لمشاكل الغرب وأوجاعه. فلا الإسلام يمكن مقارنته بالمسيحية الراهنة (المسيحية المحرّفة)، ولا القرآن الكريم هو مثل الإنجيل الذي طالته يد التحريف وتلاعبت به أيدي البشر؛ فصار عرضة للكثير من التحريفات والتناقضات، ولا المؤسسات الدينية في الإسلام شبيهة بالكنيسة سواء في العقيدة أو الأداء العملي على أرض الواقع. كما أنه لم يظهر مثيل لرينيه ديكارت ولا إيمانوئيل كانط في العالم الإسلامي، ولا تمكنت آراء ونظريات هذين المفكرين من

(137)

أن تجد الأرضية الخصبة لانتشارها بين المسلمين، ولا الإنسانوية الغربية ومبانيها وجدت فرصة للتطبيق في المجتمعات الإسلامية. ولكن مع ذلك ظهر هناك بعض المستنيرين الإسلاميين من الذين يمكن لنا تسميتهم بـ «المعتزلة الجُدُد» قد دخلوا مضمار اللعبة في منتصفها، وأخذوا يحاكون كل ما يقوم به سائر اللاعبين من حركات، وقاموا باستنساخ الوصفة المكتوبة للمرضى من الغربيين، وعمدوا إلى تعميمها على جميع الناس، بل وأخذوا يشجعون الناس على العمل بموجبها. لقد كان فهم المستنيرين من أبناء جلدتنا عن الغرب سطحيًّا ومتدنّيًا للغاية. كما أنهم لم يتعرّفوا على البروتستانتية بشكل عميق. ومن خلال إطلالة على معطيات التيار التنويري في العهد القاجاري، ندرك أن الإصلاح الديني المنشود لهم كان قد تبلور على أساس التعاليم والمفاهيم الغربية، وأنهم قد سعوا إلى تحقيق الإصلاحات  من خلال التقليد الأعمى لما حدث في الغرب طوال القرون التي أعقبت عصر النهضة!! وقد توقعوا إمكان القفز على المقدمات من أجل الوصول إلى النتائج.

وفي هذا الشأن يقول المفكر الإيراني جلال آل أحمد: إن القادة الفكريين في فرنسا إذا كانوا يطلقون على أنفسهم عنوان التنوير، فذلك لأنهم تجاوزوا العالم المظلم للعصور الوسطى الذي كان رازحًا تحت سلطان الكنيسة الرجعية والمتخلّفة، وحصلوا على شيء من مقدمات العلوم، وخاضوا تجربة عصر النهضة؛ ولكن ما الذي يدعو القادة الفكريين في صدر

(138)

المشروطة[1] إلى تقليدهم واقتفاء أثرهم حتى في التسمية؟![2]

وفي الحقيقة فإن هذه الجماعة كانت تبحث عن جواب لأسئلة لم يكن لها من وجود في المجتمع، وكانوا يسعون إلى دفع إشكالات لم تكن واردة أصلًا، ولم يكن لهم حركة مبنائية من أنفسهم، وقد عمدوا بفعل التبعية العمياء للأبحاث السائدة في الغرب إلى إيجاد أسئلة من عندهم، وصاروا بصدد الإجابة عنها، فشغلوا الناس لفترة وشغلوا أنفسهم، ثم لم يخرجوا بنتيجة من كل هذا الضجيج والصخب![3].

وقد تحدّث بعض الكتّاب العرب في عبارة لا تخلو من الحدّة في هذا الشأن قائلًا:

«ولكن ما يمارسه العلمانيون ـ في واقع الأمر ـ لا يمكن تصنيفه إلا تحت وصفين كلاهما أسوأ من الآخر: السطو أوّلًا، والاجترار ثانيًا؛ فيُسرق الفكر الغربي ويُعرض في بلادنا هنا مجردًا عن مصادره، ويصبح «سُرّاقه» قادة للفكر وقادة للنهضة، وهم ـ لو كشف الغطاء ـ ليسوا أكثر من لصوص نصوص يمارسون مهنة السرقة باحتراف وإتقان، وليس لهم من شرف الإبداع أيّ نصيب إلا إذا كان الإبداع المراد هو

(139)

الاحتراف والدربة اللصوصية»[1].

لقد تمّت المقارنة في كتاب (العلمانيون والقرآن الكريم) بين آراء حسن حنفي وباروخ سبينوزا ولودفيغ فويرباخ، حيث الشبه بين رأيه ورأيهما قريب بل ومتطابق أيضًا. فإن آراء هؤلاء حول تبعية الوحي للحالة المزاجية للأنبياء، وتقديم العقل على النبوّة، وقوّة وقدرة الخيال لدى الأنبياء، وإنكار معجزات الأنبياء، واعتبار المعجزات أمرًا مخالفًا للعقل، والقول باستحالة وقوع المعجزات، واعتبار الدين والوحي من نتائج وثمار الطبيعة، ورؤيتهم بشأن ذات الله وصفاته، والقول ببشرية الدين ومنشأ الدين وإنسانويته، متشابهة إلى حدّ التطابق؛ الأمر الذي يعبّر بوضوح عن مدى تأثر الدكتور حسن حنفي بهذين المفكرين الغربيين[2].

كما أن سلامة موسى ـ وهو الآخر بدوره من المعتزلة الجُدُد ـ قد ذهب في التعبير عن غرامه وشدّة هيامه بالثقافة الغربيّة والأوروبيّة في كتابه (اليوم والغد)، إلى حدّ القول:

«إذا كانت الرابطة الشرقية سخافة، فإن الرابطة الدينية وقاحة!! .. فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب، وفي كل ما أكتب أحاول أن أغرس في ذهن القارئ تلك النزعات التي اتسمت بها أوروبا في العصر الحديث، وأن أجعل قرّائي يولّون وجوههم نحو الغرب، ويتنصّلون من الشرق»[3].

(140)

وأمّا الذي يتمّ الحديث عنه في العالم الإسلامي، فنادرًا ما يتمّ فيه تناول أصل ومنشأ الدين بطبيعة الحال، وأما فيما يتعلق بأخذ الدين وإبلاغه فهناك من بين المعتزلة الجدُد من يذهب في هذا القرن إلى القول بأن القرآن الكريم نتاج ثقافي، وأن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله متأثر ببيئته وثقافة عصره، واعتبر القرآن وحتى شخص النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كائنًا زمنيًّا وتاريخيًّا.

الرؤية التاريخانيّة في العالم العربي

لقد شهد العالم العربي في المرحلة الأخيرة ظهور عدد من الأبحاث الموسوعية التي تهدف إلى نقد التراث، حيث تمّ فيها اعتبار أن التراث يمثل بُعدًا تاريخيًّا للثقافة الحاكمة؛ بمعنى أن الكثير من التعاليم الدينية التي وصلت إلينا منذ صدر الإسلام كانت متأثرة بثقافة عصر النزول، وقد تحوّلت اليوم إلى أمر تاريخي، ولم تعد مُجدية. ومن بين الأبحاث التي صدرت في هذا الشأن كتاب: النزعات المادية في الفلسفة الإسلامية، لمؤلفه: حسين مروة. ثم واصل طيّب تيزيني مشروعه في كتابه من التراث إلى الثورة. ثم عمد الدكتور حسن حنفي إلى إظهار مقدمته في كتابه من العقيدة إلى الثورة في خمسة مجلّدات، وسار في ذات الاتجاه. تلاه بعد ذلك محمد عابد الجابري؛ ليبلغ بهذا النوع من الأعمال النقدية ذروتها في كتابه البالغ ثلاثة مجلدات بعنوان نقد العقل العربي والذي يبدأ بكتاب تكوين العقل العربي[1].

(141)

وإن بعض المفكّرين من أمثال: شبلي شمَيّل، وطه حسين، وسلامة موسى، وعلي عبد الرزاق، وأحمد لطفي السيد، وإسماعيل أدهم، هم من المنخرطين ضمن هذا التيار.

يعدّ نصر حامد أبو زيد من الكتّاب الذين اتخذوا هذه الطريقة؛ حيث اختار هذا الاتجاه في الكثير من كتبه ومقالاته المتعدّدة، ومن بينها: مفهوم النص، ونقد الخطاب الديني، والنص، السلطة، الحقيقة وغيرها، وصولًا إلى كتاب محمد والقرآن والذي هو عبارة عن مجموعة من حوارات أجريت معه باللغة الألمانيّة، وأخذت أفكاره تقترب بالتدريج من مباني الرؤية  التاريخانيّة الفلسفيّة. وقال في حوار له مع صحيفة ألمانية:

«لا شكّ في أني تعلمت الكثير من الهرمنيوطيقا. والآراء التي تتعرّض إلى الارتباط الحيوي بين النصوص وتفسيرها، محكمة وقاطعة جدًّا، وأعني بذلك مسار التحاور[1] بين النص وتفسيره. ولهذا السبب فإني عند تفسير القرآن أرجع إلى نظريات «هانز جورج غادامير» وكتابه «الحقيقة والمنهج». وقد كان في عقد السبعينات أن بدأت علاقتي مع الهرمنيوطيقا واللسانيات الحديثة»[2].

(142)

ومن بين القائلين بهذا الاتجاه، مع اختلاف في بعض تفاصيل وجزئيّات المسائل، يمكن الإشارة إلى أشخاص آخرين، من أمثال: أمين الخولي، ومحمد أركون، في كتاب العلمنة والدين، والإسلام والحداثة، وتاريخيّة الفكر العربي الإسلامي، وعادل ضاهر في كتاب الأسس الفلسفيّة للعلمانيّة، وفضل الرحمن مالك.

لا يخفى أنه لا يمكن في هذا البين أن نغض الطرف ببساطة عن تأثير رائد هؤلاء المجدّدين، ألا وهو السير السيد أحمد خان الهندي، وهو الذي ألف تفسيرًا للقرآن الكريم، ولكنه لم يكتمل[1]. وقد ذهب إلى الاعتقاد والقول:

«إن النبوّة ملَكة طبيعية خاصّة، مثل سائر القوى والملَكات البشرية الأخرى التي تتجلى عندما يحين وقتها وتزدهر عندما تتوفر مقتضياتها البيئية، تمامًا مثل الثمار والأزهار، فإنها لا تنضج إلا في وقتها ... وكان يرى أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله قد تلقى الوحي عن الله مباشرة. ولم يكن جبريل في حقيقة الأمر سوى تعبير مجازي وكنائي عن قوّة أو ملَكة النبوّة. إنه يرى أن الوحي ليس شيئًا يرد على النبي من خارجه، بل هو ذات نشاط العقل الألوهي في النفس والعقل القدسي البشري له ... وقد استند السير السيد أحمد خان في تأييد هذه النظرية، إلى هذا التصوّر القائل بأن القرآن الكريم لم ينزل دفعة واحدة، وإنما نزل على نحو

(143)

التدريج ونجومًا بمقتضى الأحداث والحالات التي تعرض على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله . وكان يرى أن قوة النبوّة موجودة لدى جميع الأشخاص دون استثناء، وإن كانت تختلف درجاتها من شخص إلى آخر ...»[1].

إن خلاصة مجموع آراء القائلين بتاريخية الدين الإسلامي في مرحلة الأخذ بنحو مطلق أو جزئي، على النحو الآتي:

تاريخية القرآن الكريم، وتاريخية شخص النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتاريخية الوعود الإلهية، وتاريخية أصل الفقه والشريعة، تاريخية لغة الدين، وتاريخية العبادات، وتاريخية المعاملات، وتاريخية الأحكام الجزائية في الإسلام، وتاريخية الفقه السياسي في الإسلام، وتاريخية الأحكام الفقهية/ الحقوقية في الإسلام، وتاريخية خصوص أحكام وحقوق المرأة والأسرة، وتاريخية القيَم والأخلاقيات الدينية، وتاريخية القصص القرآني.

ولا يخفى على أحد أن هذه الآراء في مجموعها لم تبق علي شيء من مفاهيم الإسلام إلا وأدخلته ضمن الحكم بـ التاريخانيّة، وتمّ إدخال حتى العبادات والمسائل الفردية للإنسان في ارتباطه مع الله، ضمن هذه الدائرة أيضًا.

(144)

لوازم الرؤية التاريخانيّة إلى الدين

يمكن بشكل عام اختزال لوازم هذا الرأي ضمن الموارد أدناه، ويمكن أن نذكر لكل واحد من هذه الموارد عشرات العناوين المتفرّعة، حيث سنشير إليها بشكل عابر[1].

بشريّة الدين

ومن نتائج القول ببشرية الدين، القول بعصرية الدين، وجواز نقده، وإمكان وقوع الدين والتعاليم الدينية في الخطأ، وتنزل الدين عن منزلته ما فوق المؤسسة إلى مؤسسة تتساوى مع سائر المؤسسات البشرية، والأفول التدريجي للمرجعيات الدينية في إضفاء المشروعية، والإعراض عن التعاليم السماوية، والاتجاه إلى المعطيات العقلية، ونقصان الدين وما إلى ذلك.

يقول دون كوبيت:

«يجب أن نختار أكثر معتقداتنا جوهرية؛ إن «حقيقتها» ليست حقيقة توصيفية أو ناظرة إلى الأمر الواقع، بل حقيقة كيفية تأثيرها في حياتنا، يجب اعتبارها دستورًا للعمل، فإذا لم يمكن لأي شيء أن يتقدم على خياراته التي تحدّد قيَمنا ومسار حياتنا، إذن يلاحظ أن الدين بشري تمامًا، وأنه مرتبط بالثقافة و التاريخانيّة بشكل وثيق. لو تصوّر عامة الناس أن

(145)

الأساطير في معتقداتهم الدينية حقائق عينية خالدة، فإن أهل الاختصاص من الناس يعلمون أن جميع أجزاء الدين بشرية، وأنها قد تكاملت في المجتمعات البشرية، وأن لها تاريخ بشري بحت، وهو قابل للإصلاح وإعادة القراءة[1]».

وفي الحقيقة فإنه في ضوء الرؤية التاريخانيّة للدين، يجب الانتقال من الله إلى الإنسان، ومن علم الله إلى علم الإنسان، ومن الدين إلى الفلسفة، ومن الوحي الإلهي إلى الوحي التاريخي، ومن الميتافيزيقا إلى الفيزيقا. يقول الدكتور حسن حنفي [ما معناه]:

«إن غايتنا هي الانتقال من المسار الإلهي إلى المسار الإنساني الجديد؛ وعليه بدلًا من أن تكون حضارتنا قائمة على مركزية الله، يجب أن تقوم على مركزية الإنسان ... إن تطوّر البشرية رهن بالإعراض عن الدين والإقبال على الفلسفة، والانقال من الإيمان إلى العقل، ومن مركزية الله إلى مركزية الإنسان؛ لكي تشقّ الإنسانية مسارها في طريق الكمال، ونؤسس لمجتمع عقلي ساطع»[2].

ومن بين لوازم بشرية الدين والنصوص الدينية إمكان الخطأ على القرآن الكريم، وهو ما صرّح به بعض المعتزلة الجُدُد، ويقول مجتهد شبستري في ذلك:

إن اختلاف النبي عن الوثنية السابقة، يكمن في أنه يقول: إن

(146)

هذه السماء والأرض ـ التي كان يعرفها الجميع ـ ترجع إلى الله، وحيث أن القرآن تفسير؛ فإن التفسير والمحتوى ينظران أبدًا إلى الخلفية، والخلفية هي ذلك الشيء الذي كان في الثقافة الجاهلية لدى العرب ... من ذلك أنهم كانوا ـ على سبيل المثال ـ يتصوّرون إمكانية سقوط السماء على الأرض، وأن النبي هو الذي يمسك بالسماء ويمنعها من الوقوع على الأرض ولا يسمح لهذا السقف الأزرق بالسقوط، أو فيما يقوله من التعبير بقوله «بغير عمد ترونها» ليست القضية في أن السماء لها أعمدة غير مرئية أو لا؛ إنما السماء في تلك الثقافة لها أعمدة لا يمكن رؤيتها[1].

إنكار الجوهر الثابت للدين

إن إنكار الحقائق المطلقة والذاتية للدين، وإنكار النماذج الثابتة والخالدة للبشر، وفقدان القوانين الثابتة والدائمة لهداية الإنسان، وضرورة التغيير والتحوّل المستمر والدائم في الدين، ونتيجة لذلك تعدّد حقيقة الدين وما إلى ذلك، من نتائج القول بتاريخية التعاليم الدينية. ولو ورد في كلمات بعضهم أن الأخلاق أو استمرار التجربة الدينية هي جوهر الدين، ويبدو أن هناك في الحد الأدنى بقاء لأمر ثابت للدين، ولكن حيث أن نفس الأخلاق والقيَم الأخلاقية تعدّ من وجهة نظر هذه المجموعة أمرًا نسبيًّا وتاريخيًّا، ويرون أن التجربة الدينية بدورها أمرًا متأثرًا بالتاريخ، ولذلك يرون ضرورة دوامها واستمرارها لتجربة المطالب المتناسبة مع الشرائط والظروف 

(147)

التاريخانيّة، وعليه فإن هذا الجوهر الذي يبدو ـ بحسب الظاهر ـ ثابتًا، يكون بدوره مشمولًا لأحكام الرؤية التاريخانيّة وتصرّم الزمن. وكأنهم يدعون أن جوهر الدين هو التغيّر والتحوّل المستمر، وهناك من قال بأن الروحانية والمعنوية أو العشق هو جوهر الدين، ويعتبرونه أمرًا ثابتًا؛ بيد أن مرادهم من المعنوية والعشق غير واضح جدًّا، ومن هنا فإنهم يتحدثون في بعض الأحيان عن المعنوية المتحرّرة من الدين.

وقال محمد أركون وهو من المعتزلة الجُدُد:

«هذا يعني أن القول: إن هناك حقيقة إسلامية مثالية وجوهرية مستمرّة على مدار التاريخ وحتى اليوم، ليس إلّا وهمًا أسطوريًّا لا علاقة له بالحقيقة والواقع»[1].

والملفت الآن أنه عاد الفلاسفة الغربيون بعد قرون ليدافعوا عن مرجعيات وتنظيرات مثل التراث. فقد استدل هانز غادامير (1900 ـ 2002م) في معرض الدفاع عن مرجعية تراث المتقدمين، قائلًا:

«في الحقيقة إن التهجّم على المرجعيّة واحتقارها لم يكن مجرّد حكم مسبق فقط، بل هو ما عمل التنوير على التأسيس له. إن التنوير قام بتحريف حتى مفهوم المرجعية نفسه أيضًا. إن مفهوم المرجعية ـ في ضوء فهم التنوير للعقل والحرية ـ يمكن أن يُفهم بوصفه مخالفًا للعقل والحرية: إن

(148)

المرجعية والاقتدار يعني في الواقع الطاعة العمياء؛ وهذا هو ذات المفهوم الذي نجده في لغة نقد وانتقاد الدكتاتوريات الحديثة.

بيد أن هذا ليس هو جوهر المرجعية. صحيح أن الأشخاص البدائيين هم الذين كانت لديهم مرجعية (فيما بينهم)؛ بيد أن مرجعية الأفراد في نهاية المطاف لا تقوم على أساس تتبيع العقل وتطويعه، بل على عملية التصديق والمعرفة. إن المراد من المعرفة هي معرفة أن الآخر في الحكم والرؤية يسمو على ذات الشخص، ولهذا السبب يكون حكمه مقدّمًا؛ بمعنى أن له أولوية بالنسبة إلى ذات الشخص. إن هذا الأمر يرتبط بهذه الحقيقة وهي أن المرجعية من الناحية العملية ليست هبة[1] بل هي شيء مكتسب[2]، بمعنى أنه لو ادعى شخص المرجعية، وجب عليه أن يكتسبها. إن المرجعية تقوم على التصديق، ومن خلال ذلك تقوم على نشاط ذات العقل، وهو العقل الذي يعتمد ـ بواسطة إدراكه لمحدودياته ـ على الرؤية الأسمى للآخرين. إن المرجعية بهذا المعنى، لو تمّ فهمها بشكل دقيق، لن يكون لها أيّ صلة بالطاعة العمياء للأوامر. وفي الحقيقة فإن المرجعية لا ترتبط بالطاعة، وإنما ترتبط بالمعرفة. صحيح أن المرجعية تتضمّن إمكانية إصدار الأوامر والقول بضرورة

(149)

إطاعة هذه الأوامر، فإن مبانيها هنا عبارة عن عمل الاختيار والعقل، وهو إنما يقبل مرجعية الأعلى من حيث أنه يمتلك رؤية أوسع للأمور، أو أنه يتمتع بمعرفة أكثر، وهذا بدوره يعني أنه أكثر علمًا.

وعلى هذا الأساس فإن تصديق المرجعية مرتبط على الدوام بهذه الرؤية، وهي أن ما تقوله المرجعية ليس اعتباطًا أو لا معقولًا، بل إن صدقه قابل للكشف بحسب الأصول. هذا هو جوهر المرجعية التي يدّعيها المعلم والشخص الأسمى والمتخصص»[1].

وفي الحقيقة فإن كلام هانز غادامير هذا شبيه بمسألة في الفقه الإسلامي، والتي على أساسها لا يعتبر التقليد تقليدًا أعمى؛ بمعنى أنه في أصل وجوب التقليد لا يمكن للشخص أن يكون مقلدًا، بل واقع الأمر هو أن العقل البشري في الموارد التي لا يكون له علم بشيء، أو لا خبرة له في فن من الفنون، أو لا تخصص لديه في علم من العلوم، فإنه سوف يحكم في مثل هذه الحالة بوجوب الرجوع إلى العالم والخبير والمختص، ومن هنا فإنه يعتبر التقليد فيما يعلمه ويعرفه مخالفًا للعقل. إن هذا الأمر جار في جميع أبعاد حياة الإنسان وفي جميع موارد احتياجه، ولا يقتصر على المسائل الدينية والشرعية فقط. وفي الحقيقة فإنه من دون التقليد سوف تصاب

(150)

الحياة الفردية والاجتماعية بالشلل؛ وذلك لأنه قلما توجد جهة في الحياة البشرية تخلو من التقليد[1].

إبطال الأمثلة والمفاهيم الثابتة والخالدة

لا شك بداهة أنه لا وجود في الرؤية التاريخانيّة للمثال والنموذج الثابت والخالد؛ وذلك لأن هذا النموذج والمثال هو في حدّ ذاته كائن تاريخي له مدّة ينقضي فيها. والكلام أدناه يُشير إلى هذه النقطة:

ليس هناك في العالم معيار حسن، ولو افترضا قبولنا ذلك بالنسبة إلى الله، وقلنا بحسن كل ما يصدر عنه، إلا أننا لا نستطيع قبول ذلك بالنسبة إلى أيّ واحد من عباد الله؛ وكل ما يمكننا قوله هو: «إن الـ (أ) حسن»، ولكن لا يمكننا القول:

«إن الحسن هو الـ (أ)»؛ فإن هذا سوف يمثل بداية كارثة أخلاقيّة ثقيلة، يجب أن نستعيذ بالله من شرورها[2]».

إن استمرار دين ما لا يتحقق بفعل استمرار الأشكال الثابتة للقضايا الاعتقادية أو الأخلاقية أو الأحكام العملية لذلك الدين؛

(151)

وذلك لأن هذه الأشكال تتغيّر على الدوام وعلى طول الزمان، ولا يمكن لها أن تكون ملاكًا ومعيارًا للاستمرار. إن استمرار كل دين إنما يكون من خلال استمرار الخطاب المنسوب إلى تأسيسه، حيث ينشأ ذلك الخطاب من تجربته المعنوية القويّة[1]. ليس لدينا معتقد وأخلاق تامّة تمّ تنظيمها مرّة واحدة وانقضى الأمر، ويجب على الجميع قراءتها واعتمادها على مدى ألف عام. فإن التعاليم الأخلاقية والمفاهيم الاعتقادية يجب أن تخضع كلها للفحص تحت مجهر الناقدين، وأن يتمّ وضعها على طاولة التشريح العلمي بحرية كاملة ودون فرض قيود أو خطوط حمراء[2].

علمنة الدين

بمعنى أن الدين يجب أن يواكب التحوّلات الاجتماعية والثقافية للناس، وفي هذا المسار يتعيّن على الدين أن يتماهى مع هذه التحوّلات وأن يتأقلم في ضوئها وأن يغدو دنيويًّا بما يتطابق معها؛ ومن نتائج هذا التماهي نفي الأساطير عن الدين، وخفضه وتهميشه (الدين في الحدّ الأدنى)، ونفي القداسة عنه، وتحويله إلى دين شخصي، ووجوب التطابق بين الدين والحداثة وما إلى ذلك من الأمور الأخرى.

نفي الأساطير عن الدين

كان رودولف بولتمان من بين أوائل الذين تحدّثوا عن إزالة

(152)

الأساطير من القضايا الدينية، ولكن يبدو أن كلامه في هذا الشأن بالنظر إلى ما ينطوي عليه من الإشكالات، قد انسحب بعده نحو الميل والانحراف، وتمّ تفسيره بشكل آخر.

يرى بولتمان أن الأسطورة تسعى إلى الحديث عن حقيقة تفوق الحقائق التي يمكن ضبطها والسيطرة عليها والتي يمكن مشاهدتها. لا شك في أن الأسطورة تتحدّث عن حقيقة تحظى بالأهمية القاطعة بالنسبة إلى الإنسان، وذلك لأن هذه الواقعة تدل على السعادة والشقاء، والرحمة والغضب، وتقتضي الاحترام والطاعة[1].

يقول بولتمان: إن العالم والأحداث التي تقع فيه «مفتوحة»[2] في التفكير الأسطوري، بمعنى أنها عرضة لتدخل القوانين غير الدنيوية، في حين أن هذا الأمر من ناحية التفكير العلمي تحكي عن خلل ونقص. إن العالم وما يقع فيه من الحوادث تعدّ «مغلقة»[3] في التفكير العلمي[4].

وقد فهم من كلام بولتمان أن العناصر الأسطورية في الإنجيل عديمة المعنى، وأنها يجب العمل على إزالتها ليكون الإنجيل قابلًا للتصديق بالنسبة إلى الإنسان المعاصر.

إن إزالة بولتمان للأساطير، عندما تصل إلى دون كوبيت تكتسب معنى آخر، فهو يقول:

(153)

وأمّا في الديمقراطيات المتسامحة والدهرية في الغرب، فكيف يمكن المنع من إبعاد الدين ووضعه في هامش الحياة؟ لا شكّ في أن الجواب عن هذا السؤال يكمن في تجريد العقيدة الدينية من الأساطير، وفي السعي المنتظم من أجل ربط النماذج القديمة لأفكار وأفعال الدين بالنماذج الثقافية الجديدة، وهذا الأمر ليس عمليًّا فحسب، بل وهو في طريقه إلى التطبيق على أرض الواقع. من ذلك على سبيل المثال أن لغة الدين تؤكد على الخطاب القائل: «توبوا إلى الله فإن ملكوته قريب». إن المراد من هذه العبارة أنه بسبب معاصي البشر فإن مصيبة كبرى سوف تسقط عليهم من السماء، وإن الله سوف يعقد محكمة للناس، ولن ينجو من عذابه إلا أولئك الذين طهّروا أنفسهم وغيّروا طريقة حياتهم. إلا أن هذا النموذج القديم ـ بطبيعة الحال ـ بشكله الأصلي الميتافيزيقي لم يعد مطروحاً في العصر الراهن؛ إذ هناك أدلة علمية جيّدة تقول إن العالم سوف يستمر لمليارات السنين، وعلى الرغم من ذلك كله يمكن العثور في الثقافة الحديثة على موقعيات وأمثلة مشابهة، وإحياء هذا المفهوم من جديد، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن سلوك الإنسان إذا لم يتغيّر على نحو كبير، لربما تفنى حياة الإنسان فوق الكرة الأرضية بفعل حرب تستعمل فيها القنابل الذريّة. وبذلك يمكن للخطاب الديني القديم بشأن محكمة الآخرة والحاجة إلى التوبة والندم أن تحدث تغييرًا جديدًا ومؤثرًا، وأن يكون لها صلة معاصرة من الناحية الاجتماعية وما إلى ذلك. وعلى هذا الأساس يمكن للكنيسة أن تقوم بمسؤوليّتها ومهمّتها في بسط السلام في العالم وتجريد البلدان من

(154)

الأسلحة الفتاكة[1]. (إن الكلام يدور حول التحاق القديم بالجديد، لا أن يعمل الجديد على التأقلم مع الحقيقة).

وقال آخر:

«إن أحكام الإسلام ممزوجة بالأساطير، ولو تمّ تجريد هذه الأحكام من هذه الأساطير، فإنها سوف تكون قابلة للتغيير مع مرور الوقت بشكل يسير. من ذلك أن الحجاب مثلًا يحتوي على بُعد أسطوري، لا أنه قد شرّع لحفظ العفاف. أجل، لا شك في وجوب الحفاظ على العفاف، إلا أن حفظ العفاف في كل عصر يكون بشكل مختلف، وهذا الشكل هو الذي يحدّده العُرف[2]. (ويذهب شخص آخر من تيار الاعتزال الجديد إلى الاعتقاد بأن جميع الأمور الغيبية في الدين ـ من قبيل: العرش والكرسي والملائكة والجن والشياطين والصراط وسجلّ الأعمال وما إلى ذلك ـ كلها تصوّرات وظنون أسطورية)»[3].

أمثلة ونماذج من علمنة التعاليم الدينيّة

قال دون كوبيت: إن الأفكار المرتبطة بالمعاد ليس لها من وظيفة سوى تذكيرنا بأن حياتنا محدودة، وتقذف بنا في أحضان الحاضر. إن المعتقدات المسيحيّة إنما تقوم بدورها، حتى إذا عاش الشخص

(155)

المسيحي في الزمن الحاضر إلى الأبد، فإنها سوف تتنحّى جانبًا؛ إذ لا يعود هناك شيء لتعمل على بيانه[1].

وقال الدكتور حسن حنفي في هذا الشأن:

«هناك دنيا واحدة وآخرة واحدة هي نفسها الدنيا؛ فالجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا وليس في عالم آخر يحشر فيه الإنسان بعد الموت. الدنيا هي الأرض، والعالم الآخر هو الأرض. الجنة ما يُصيب الإنسان من خير في الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شرّ فيها»[2].

كما يتمّ تفسير قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [3] لا بمعنى استئصال اليد، بل بمعنى المنع وكفّ اليد عن السرقة بالحبس والإيداع في السجن[4].

إن جولة على تفسير السير سيد أحمد خان الهندي، تبيّن لنا بوضوح منهجه العلماني الصارخ في آرائه تجاه التعاليم الدينية الأصيلة، ومن ذلك: إنكاره لولادة السيد المسيح عيسى بن مريم من غير أب بايولوجي من بني البشر، وقوله بزواج السيدة مريم العذراء من يوسف النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقوله بأن الناس العاديين هم الذين كانوا يأتون بالطعام إلى مريم عليها‌السلام ولم يكن الله هو الذي ينزل عليها الطعام،

(156)

وقوله بأن النبي عيسى بن مريم عليه‌السلام إنما كلّم الناس في طفولته وليس في مستهلّ ولادته، وحمله لمعجزات السيد المسيح على المبالغات والتأويلات المبتذلة لهذه الآيات، وغير ذلك، من بين الموارد التي عمد إلى تفسيرها في ضوء تأثره بالأفكار العلمانية[1].

النسبيّة

إن نسبية القيَم والمعتقدات والأخلاق والقانون والحقوق ونسبية المعرفة الدينية في جميع هذه الحقول، والتي من نتائجها التعددية الدينية والأخلاقية والثقافية والاعتقادية، والتسامح في جميع الحقول، والإعراض عن الثبات إلى التغيير، والإعراض عن القطع واليقين إلى النسبية، والتعددية الدينية، والتشكيك في حجية القطعية وبيان مسألة الترابط بين العلوم[2].

إن ما يقال من أن المؤمن الحقيقي لا يتبنى الاعتبار النهائي بالنسبة إلى أيّ قضيّة، ولا ينظر إلى أيّ حقيقة بوصفها الحقيقة النهائية، وإن هذا الأمر يشمل حتى القضية المحورية القائلة بأن «الله موجود» أيضًا[3]، إنما تنبثق من هذه الرؤية.

إن التسامح من نتائج النسبية. وإن الاستدلال المعاصر في

(157)

الدفاع عن التسامح الديني يقوم على أساس هذه المعرفة، وهي أن الدين شأن إنساني وتاريخي ومتنوّع وفي حالة من التغيير المستمر. إن الحقيقة السماوية المطلقة والثابتة التي كان يعتقد بها الناس في الماضي لم يعد يمكن أن يكون لها وجود، ولم تعد قدم البراهين ـ التي كانت في يوم ما تعمل على تبرير الشمولية والاحتكار وعدم التسامح ـ راسخة وثابتة، بل هي اليوم واهية ومشلولة[1].

بيد أن النقطة الهامّة هي أن القول بالنسبية ـ بالإضافة إلى التناقض الذاتي ـ يؤدّي إلى العدمية، في حين أنه لا أحد من القائلين بالرؤية  التاريخانيّة، يؤمن أو يقول بالعدمية.

توضيح: إن النسبية عبارة عن الاعتقاد بأن كل مفهوم يراه الفلاسفة أو غير الفلاسفة جوهريًا وأساسيًّا، لو أخضعناه للتقييم ـ الأعم من مفهوم العقلانية والحقيقة والواقعية والحق والخير والقوانين والمعايير ـ فإنا في التحليل النهائي سوف نصل بالضرورة إلى هذه النتيجة، وهي أن جميع هذه المفاهيم تعرف في إطار وطرح ومنهج خاص وشكل حياة خاصة ومجتمع خاص وثقافة خاصّة. وليس هناك أيّ قالب أو معيار مستقل يفوق التاريخ والزمان بحيث يمكننا تقييم مدعيات خصومنا، بل نحن لا نستطيع حتى تقييم المعايير المتناقضة والحكم بشأنها أيضًا[2].

كما أن العدمية بمعنى التمايز القطعي بين الصحيح والخطأ،

(158)

والأفضل والأسوأ، والقيّم وغير القيّم، تدعو إلى الإحباط، بل وربما لا تكون ممكنة وقد تكون غبية وحمقاء. وبكلمة واحدة: إن العدمية لا تحمل في أحشائها فصلًا وتمييزًا أبدًا[1].

إن الحصر والمحدودية التاريخانيّة ـ من وجهة نظر الرؤية  التاريخانيّة ـ هي المصير الحتمي لكل إنسان في جميع أبعاد وعيه؛ فإن أيّ معيار يقدّمه، ينفتح بدوره على تغييرات مضطربة ومتهافتة وغير قابلة للتكهّن والتوقّع. بل إنه عاجز حتى عن تقديم معيار قريب من الصحّة. بل يبقى حائرًا حتى في بيان أصل معنى الصحة والخير والسعادة والحق وما إلى ذلك. إذ ليس لديه معيار لتقييم هذه الأمور. ومن هنا نجد أمثال غادامير يتجنّبون الحديث عن الفهم الصحيح والخطأ، ويؤثرون الحديث عن الفهم المختلف[2]. ويرون أن الحقيقة هي تلك التي يصل إليها الإنسان في كل برهة تاريخية. إنه يرى أن الحقيقة تتغيّر بحسب الشرائط  التاريخانيّة البشرية، فهي ليست أمرًا ثابتًا وغير زمني، خلافًا للاتجاه التقليدي الذي يعتبر الحقيقة أمرًا ثابتًا ودائمًا وغير متغيّر. إنه يقول:

«إن اختلاف العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية يكمن في أن العلوم الإنسانية ليس لها متعلقًا ذاتيًّا ونفسيًّا أصلًا، وفي الوقت الذي يمكن لمتعلّق العلوم الطبيعيّة أن يتمّ شرحه بوصفه أمرًا يتضح ضمن المعرفة الكاملة للطبيعة، فإن الحديث عن المعرفة الكاملة لأمر تاريخي يفتقر إلى

(159)

المعنى، ولهذا السبب لا يمكن الحديث عن المتعلق في نفسه وذاته بحيث تكون العلوم الإنسانيّة ناظرة إليه»[1].

وحيث أن الإحاطة بالتاريخ أمر مستحيل التحقق، فإن الإحاطة بإمر تاريخي مستحيلة التحقق بدورها أيضًا.

يقول فيختر هاوزر:

«إن ذات متاهة التمايز أمر إيجابي، وهو من ذاتيات التطلّع إلإنساني في البحث عن الحقيقة، وحتى التفاسير المتناقضة إذا كان هناك تناغم وانسجام داخلي فيما بينها، تكون لها حصّة من الحقيقة أيضًا»[2].

(160)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

تحليل نقدي لبعض مدعيات التاريخانيّة 

(161)
(162)

الفصل الخامس: تحليل نقدي لبعض مدعيات التاريخانيّة

بالنسبة إلى الدين

لقد تمّ حتى الآن إيراد انتقادات هامّة على مذهب التاريخانيّة؛ وفيما يلي سوف نذكر بعض الانتقادات على علاقة وصلة الرؤية التاريخانيّة إلى الدين والادعاءات التي يشتمل عليها هذا الاتجاه في قبال مجموع الدين والمباني الدينية. من الواضح أن الإجابة عن الشبهات التي تؤدّي إلى تاريخية آحاد المفاهيم الدينية، تحتاج إلى إفراد كتاب مستقل، وقد تعرّض كاتب السطور إلى بيان بعضها في كتابه «الرؤية التاريخانيّة والدين»[1].

نقد الأنثروبولوجيا في الرؤية التاريخانيّة

إن كل إنسان ـ طبقًا لهذه الرؤية التي بلغت ذروتها في الرؤية التاريخانيّة الفلسفية في آراء مارتن هايدغر وهانز غادامير وجوزيف مارغوليس ـ محدود ومحاط بالزمان والتاريخ، ويفتقر إلى الذات الثابتة؛ وإن حيثياته الزمانية والمكانية والتاريخانيّة، وإن عدم إمكانية التفوّق على الزمان والتاريخ يُعدّ من ذاتيات الإنسان.

وعلى حدّ تعبير مارغوليس لا يمكن لأيّ شخص أن يهرب من تاريخه الموضعي والمحلي، وليس هناك من طريق للفرار من الشرائط والظروف التاريخانيّة. وقد ذهب برنستاين بدوره إلى الموافقة على هذه الرؤية، وقال:

(163)

«إن الإنسان لا يمتلك القدرة على تجاوز القوّة الديناميكية للتاريخ المؤثّرة، وهو التاريخ الذي يعمل باستمرار على بلورة الهوية الأصلية للإنسان في الحاضر والمستقبل»[1].

إن الأشخاص مكرهون على التفكير والتأمل والعمل ضمن الدائرة المحدودة التي أملتها عليهم موقعيتهم في التاريخ، وليس هناك من أمل في خروجهم من هذه الدائرة المحدودة، وليس هناك إمكانية لتخطّي هذه الدائرة ووضع الأقدام في موقعية ودائرة مطلقة[2].

إن الإنسان واقع في شرائط وظروف في حالة تحوّل وصيرورة، ونعمل على صنع تاريخه، وهو بدوره يقوم بتأثير متبادل على التاريخ أيضًا.

عندما يتحدّث مارتن هايدغر ويعبّر عن الإنسان بـ «الكينونة ـ في ـ العالم»[3]، فإن مراده من العالم هو العالم الذي يعيش كل إنسان فيه، وليس عالم جميع الكائنات، ولا عالم الأشخاص الآخرين، بل هو العالم الذي يرى كل إنسان نفسه مستغرقًا فيه وأحاط به من كل جانب. وهذه هي كيفية وجود كل إنسان يكون ذلك الوجود مختصًّا به ويكون له بداية ونهاية؛ هذه هي الحدود الوجودية لهذا الإنسان[4]. إن مارتن هايدغر بفهمه هذا عن الإنسان يقف في وجه

(164)

جميع أولئك الذين يقدّمون تعبيرًا ذاتيًّا عن الإنسان. إن الإنسان أو الـ (Dasein) ليس ذاتًا قابلة للتعريف، بل هو عبارة عن «كينونة ـ في ـ العالم»[1].

إن الفرد ليس وجودًا شيئيًّا أو كينونة جوهرية؛ وإن الفرد أو الشخص ليس شيئًا أو جوهرًا أو متعلقًا معرفيًّا[2]. إن وجود الإنسان يكمن في «كينونته في مساره»، وإن أجزاءه المقوّمة له، تتألف على الدوام من الإمكانات المتوفّرة والمتاحة، وليس من الصفات. بمعنى أنه ليس له ماهية ثابتة، وإنما هو يحقق ماهيته من خلال التفعيل المستمر والمتواصل للإمكانات أو من خلال إطلاقها وتحريرها[3].

وكما قال كارل هيوسي[4] فإن الإنسان ـ طبقًا لهذه الرؤية ـ لا يمتلك ذاتًا ثابتة، وإنما هو كائن في تغيّر مستمر، ولن يصل أبدًا إلى اليقين، ولن يبلغ الحكم اليقيني أبدًا. وإن جميع علمه وفهمه محاط بالتاريخ ومتأثر به، ولا يمتلك إمكانية القفز على التاريخ؛ فهو محدود ومؤقت، وإن قوانين حياته ما هي إلا نتاج وحصيلة التاريخ[5].

لقد أشار بول تيليش ـ وهو من الذين يميلون إلى القول بأن جميع الناس يشتركون في طبيعة واحدة، دون أن يعثر على دليل على

(165)

إثبات ذلك ـ إلى رأي القائلين بالإنسان التاريخي، قائلًا:

«إن هؤلاء المستشكلون قد يتحدّون في هجومهم علينا، ويقولون بصوت واحد: إن ما قلناه بشأن الإنسان، لا يمكن أن يعمّ الجميع، بل هي أمور محتملة ومنسوبة إلى المكان وإلى الزمان الذي يعيش فيه الإنسان. إن هؤلاء المستشكلون يصرّون على مسألة واحدة، وهي أن علينا أن لا نقدّم جوابًا شاملًا في ظلّ الأوضاع المتغيّرة، ولا ينبغي الحديث عن طبيعة البشر وكأنه أمر عام وشامل لجميع العالم. إن هؤلاء يقولون: ليس هناك في العالم شيء ثابت باستثناء حقيقة أن الإنسان قابل للتغيّر، وإن له تبلورات تاريخيّة لا أمد لنهايتها، ويمكنه بل ويجب عليه أن يعمل على بناء ذاته»[1].

وقد بيّن جون كوبيت في نهاية كتابه الشهير «بحر الإيمان» نتيجة أبحاثه على النحو الآتي: في ضوء التقدير التاريخي، يتغيّر الناس بدورهم أيضًا، وإن فكرة الإله تتغيّر بدورها في هذا السياق أيضًا؛ وهذا شيء حسن وضروري؛ إذ ليس هناك في الحياة ما هو أهم من تنظيم رؤيتنا الشخصيّة عن الله، وهذا أمر يجب يجب أن يتكفّل به كل شخص بنفسه. عندما نقبل هذه الرؤية بشكل كامل، ونخلّص أنفسنا من وجع البعد عن نوع من الأب السماوي، عندها سوف يكون إيماننا برمّته بشريًّا ووجوديًّا واختياريًّا، وسوف يكون منزّهًا

(166)

ومجرّدًا من الخرافات والأساطير؛ إن الوصول إلى هذه الغاية هو مصير المسيحيّة، ونحن نقترب من هذه الغاية يومًا بعد يوم[1].

من الواضح بداهة أن موضوع الأنثروبولوجيا ومعرفة الإنسان من الموضوعات الهامّة والمؤثّرة للغاية في العلوم الإنسانية؛ سواء في ذلك تلك الطائفة من العلوم الإنسانيّة التي يكون موضوعها الأساسي هو الإنسان، من قبيل: علم النفس، والعلوم التربوية والأخلاق، أو تلك الطائفة من العلوم الإنسانية التي لا يكون الإنسان موضوعها المباشر، ولكنه يدخل بوصفه محورًا أساسيًّا فيها، من قبيل: علم الاقتصاد، وعلم الإدارة، والعلوم السياسية. كما أن نوع الرؤية إلى الإنسان وماهيته وظرفيته وطاقاته واستعداداته، يمكن أن تكون مؤثرة في تشخيص ماهية الكثير من الأمور، ومن بين هذه الأمور: بحث ماهية القضايا والتعاليم القرآنية وكيفية تلقيها من قبل النبي. وفي رؤية واحدة يكون الإنسان فوق التاريخ، وإنه قد أخذ تمام الوحي من الصقع الربوبي والنشأة الملكوتية، ولم يترك أيّ عنصر غير إلهي تأثيره في محتوى ولفظ القرآن؛ وإن الذي نزل إلى الأرض هو تمامًا ما تلقاه النبي من عند الله، وقام رسول الله بدوره بنقله إلى الناس بشكل دقيق. ونتيجة لذلك فإن القرآن سوف يكون شيئًا فوق الزمان والتاريخ ومجرّدًا من المؤثرات  التاريخانيّة. ومن زاوية أخرى فإن الإنسان ـ حتى إذا كان رسولًا أو نبيًّا ـ محدود ومقيّد بقيود عصره وزمانه، ولا يمتلك القدرة على تجاوز التاريخ، وإن ظرفيته وقوّة إدراكه وفهمه تابعة لتلك الشرائط والظروف

(167)

والحقائق العينيّة لزمانه الخاص. إن النظرة الثانية تمّ طرحها بوصفها واحدة من أسس القول بتاريخية القرآن؛ وفي هذه الرؤية عمد النبي إلى التعريف بنفسه بوصفه بشرًا مثل سائر الناس، وكما أن الآخرين يخضعون في فهمهم وإدراكهم للقيود والحدود والظروف والشرائط  التاريخانيّة، كذلك النبي بوصفه إنسانًا يكون محدودًا وتاريخيًّا مثلهم ويجوز عليه الخطأ. إن هذا الرأي لا يُفرّق بين الأنبياء وبين سائر الناس من الناحية التاريخانيّة، وإن كان يُقرّ بالاختلاف بين ظرفية الأنبياء وظرفياتهم. يرى القائلون بهذا الرأي أن الإنسان حيث يكون من جهة الماهية كائنًا محدودًا وتاريخيًّا، فإن فهمه للوحي الإلهي سوف يكون تاريخيًّا وبشريًّا، وإن البشرية من لوازم انتقال الوحي من الله إلى الإنسان؛ ومن الجدير ذكره أن هذه الطائفة ترى أن القرآن نتيجة فهم النبي للوحي[1].

وبعبارة أخرى: طبقًا لهذه الرؤية حيث يكون المتلقي للوحي والمخاطب به بشر، وإن الإنسان وفهمه ـ حتى إذا كان نبيًّا ـ سوف يكون تاريخيًّا بالضرورة، وسوف يكون محدودًا ومقيّدًا بالشرائط المكانية والزمانية والثقافية، ونتيجة لذلك سوف يكون قابلًا للخطأ. وإن القرآن بدوره الذي هو نتاج الفهم البشري، سوف يكون بدوره تاريخيًّا وبشريًّا وقابلًا للخطأ. إن الوحي الإلهي لكي يكون قابلًا للفهم من قبل البشر، يجب أن يُنزل على قلب إنسان، وأن يُصبّ في قالب بشري، وأن يكتسب بالضرورة صبغة بشرية، وإلّا لن يكون بالإمكان فهمه من قبل البشر، حتى إذا كان هذا البشر نبيًّا؛ وذلك

(168)

لأن النبوّة لا تحوّل الإنسان إلى كائن يفوق البشر. وكل ما كان بشريًّا سوف يكون تاريخيًّا قطعًا[1].

ومن الجدير ذكره في هذا المجال أن الانتقادات من خارج القرآن وإن كانت متوفّرة بكثرة، إلا أن التركيز الخاص في هذا الشأن يقوم على استخراج المباني القرآنية والنقلية. ولا بدّ هنا من الالتفات إلى نقطتين، وهما كالآتي:

النقطة الأولى: إن كاتب السطور مدرك لهذه النقطة، وهي أن الاستدلال بالقرآن على نفي المبنى القائل بتاريخيّة القرآن يستلزم الدور، بيد أن النقطة هي أنه لا بدّ قبل كل شيء من توضيح رؤية القرآن الكريم؛ كي يتحتم على الخصم إبطالها؛ في حين لم نشهد دليلًا واحدًا على بطلان هذا الرأي.

النقطة الثانية: إن الاستدلال بالقرآن الكريم يمكن أن يكون مفيدًا ونافعًا بالنسبة إلى الكثير من الذين يؤمنون بالقرآن.

النقطة الثالثة: إن خصمنا بدوره لم يجد حرجًا في الاستدلال بآيات القرآن والروايات حيثما توهّم إمكان توظيف هذه الآيات لصالح نظريّاته.

(169)

ادّعاء من دون دليل

إن الإشكال الأوّل الذي يرد على هذا الرأي، هو أنه لا شيء من هذه المدعيات مبرهن أو يستند إلى دليل عقلي أو نقلي وجيه. وبعبارة أخرى: إن نمط كلام هذه الطائفة بدلًا من أن يكون مستندًا إلى دليل، إنما يستند إلى العلة؛ بمعنى أنهم حيث شاهدوا تأثر الإنسان بثقافة وأوضاع وأحوال عصره في الكثير من الموارد، عمدوا إلى تعميم ذلك على جميع الناس، وقالوا بهذه النظرية، ولكننا لا نعثر في كلماتهم على دليل يثبت عجز الإنسان عن فهم أمر أو خطاب كما هو دون تأثر بزمانه ومكانه وظروفه التاريخانيّة. وخلاصة السؤال الذي يمكن توجيهه إلى هؤلاء يقول: ما هو المحذور في فهم الشخص العربي للخطاب الإلهي دون مزجه بالثقافة العربية، وأن يبلغ هذا الخطاب إلى الناس بشكل كامل ودون شائبة؟ ليس هناك من دليل في البين سوى القول بأن تاريخ وثقافة العصر هي من الذاتيات والحيثيات الوجودية للإنسان والتي لا يمكن أن تنفك عنه، وهذا إنما يأتي بتأثير من المبنى الأنثروبولوجي للرؤية التاريخانيّة الفلسفيّة، وهو ما سوف نتعرّض إلى مناقشته وبحثه في مقالة مستقلة.

ذاتيّة وفطريّة الإنسان

إن الدين من حيث المبدأ الفاعلي ثابت وأبدي ولا يتغيّر، كما هو من حيث المبدأ الفاعلي واحد ولا يتبدّل؛ إن منشأ الدين هو الحقيقة الإلهيّة التي لا تتغيّر، وإن المقصد والمخاطب بالدين هو فطرة وذات وروح الإنسان، وهي بصريح القرآن من الأمور المشتركة

(170)

بين جميع الناس؛ حيث لا يعتريها التبديل والتغيير.

قال تعالى في محكم كتابه الكريم: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [1].

وعلى هذا الأساس فإن جوهر تعاليم القرآن والدين، يكمن في توجيه الخطاب إلى الفطرة الإنسانيّة، وفيما يتطابق مع هذه الفطرة الواحدة، ومن أجل هدايتها وكمالها. وكما أن الفطرة ليست أمرًا تاريخيًّا، فإن تصرّم الزمان وتغيّر المكان والأوضاع والأحوال لا يبليها، فإن تعاقب الأيام لا يبدّل فطرة الإنسان إلى شيء آخر، ولا يحوّل الإنسان إلى كائن آخر؛ ونتيجة لذلك فإن قوانين هدايته وطريقة مخاطبته بدورها لا تتغيّر أيضًا. وبعبارة أخرى: إن المخاطب بآيات القرآن الكريم هو فطرة البشر جميعهم، وليس خصوص العرب من العصر الجاهلي في شبه الجزيرة العربية، والفطرة لا تختلف بين العرب والعجم وغيرهم. وعلى الرغم من أن الفطرة الإنسانية قادرة على التكامل، ويمكنها أن ترتقي إلى مختلف مراتب الكمال في قوس الصعود، أو أن تتردّى في قوس السقوط بسبب الابتلاء بالذنوب والحجب، ولربما تمّ دسّها كما ورد في صريح القرآن الكريم[2] حتى لا يعود بمقدورها سماع كلام الله، إلا أنها مع ذلك لا تخرج عن فطرة الإنسان[3]، كما أن تعاليم القرآن بدورها ذات مراتب، وتعمل على هداية جميع مراتب الفطرة. إن القرآن

(171)

بحر زاخر يروي ظمأ الأرواح العطشى مهما بلغت سعتها، وهذا هو السرّ في بقاء القرآن خالدًا وكأنه عين عذبة لا تنضب أبدًا؛ وإن القول بأن التغيير والتحوّل من ضرورات وذاتيات الإنسان في صلب التاريخ، على ما يرد ذكره في الرؤية  التاريخانيّة، إنما هو نتيجة لتسرية اعتباطية لأحكام المادّة والكائنات المادية إلى الأمور المجرّدة والمعنوية، في حين أن القرآن قد نزل لهداية البُعد الفطري والمجرّد من الإنسان؛ إذ البُعد الجسماني من الإنسان غير قابل للهداية التشريعية. ولهذا السبب نجد جميع الأديان السماوية تشترك في الأصول والقواعد وفي الكثير من مسائل الشريعة؛ من ذلك أن الصلاة، والزكاة، والإحسان إلى الوالدين، والصوم، وحرمة الربا، والقصاص وما إلى ذلك ـ على سبيل المثال ـ كانت موجودة حتى في الأديان السابقة أيضًا[1]. وقد تكاملت بمرور الزمان بما يتناسب وتكامل الإنسان، إلى أن تمّ إهداء البشرية أكمل التعاليم والمفاهيم السماوية في إطار الدين الخاتم؛ لكي يُلبي الحاجة الفطرية للإنسان إلى الأبد.

وعلى هذا الأساس فإن هذا النوع من التعاليم التي تشكل أغلب آيات القرآن الكريم، لا يمكن أن تكون من نتاج ثقافة العصر أو متأثرة بها؛ لينظر إليها بوصفها من ثمار الثقافة المعاصرة، ولا يمكن لنصر حامد أبو زيد أن يعتبر القرآن بما هو قرآن والذي يكون هدفه الغائي هداية البُعد المجرّد من الإنسان وهويته، وأن تعاليمه قد نزلت لهداية هذا البُعد، نتاجًا ثقافيًّا وأنه حصيلة الحوار والارتباط الديالكتيكي بين النبي والحقائق العينية والتاريخانيّة. وفي الموارد الخاصة، من

(172)

قبيل بعض الموارد التي ترتبط بالجانب المتغيّر من حياة الإنسان، ولا تكون ناظرة إلى هداية الفطرة مباشرة ـ وإن كانت آثارها تعود إلى الفطرة بشكل غير مباشر ـ يجب بحثها بشكل موردي، وهو ما سيتكفّل به الفصل السادس من هذا الكتاب، وعلى فرض إثبات تاريخيّة الموارد الخاصّة، لا يصحّ أن نعتبر القرآن بما هو قرآن تاريخيًّا ونتاجًا لثقافة المجتمع وتاريخ العرب.

وكما يقول الأستاذ الشيخ مرتضى المطهري: إن الدين جزء من وجود الإنسان كما هو جزء من احتياجاته الفطريّة والعاطفيّة للإنسان، كما أنه من ناحية تلبية المطالب والرغبات البشرية يمتلك مقامًا ليس له بديل، ولو حللنا الأمر جيّدًا، سوف ندرك أنه لا يمكن لشيء آخر أن يحلّ محلّه[1].

أدلّة وعلامات وجود الفطرة الواحدة لدى البشر

1/ 3ـ لقد بعث الله النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله رسولًا للناس كافة[2]، وقد أرسله لهداية جميع البشر[3]. وعلى هذا الأساس يجب أن يمتلك جميع الناس حقيقة واحدة.

2/ 3ـ إن الحسّ والتجربة والاستقراء بدوره يؤيّد ويُثبت الاتحاد النوعي والحقيقي بين جميع البشر[4].

(173)

3/ 3ـ إن كل إنسان يعتبر نفسه في جميع مراحل حياته شيئًا واحدًا وثابتًا؛ حيث يختزن جميع ذكرياته ويحتفظ بها في ذهنه، وعلى الرغم من تصرّم الأيام والدهور وكثرة الشؤون المادية وقواه الجسدية، يدرك حقيقة ذاته بوصفها شيئًا واحدًا بالعلم الحضوري، وعندما يسأل عن الزمان والمكان لا يعتبر نفسه مقيدًا بأيّ زمان أو مكان بعينه، بل يرى جميع الأزمنة والأمكنة خاضعة لوجوده. وفي خضم جميع المتغيّرات يرى نفسه واحدًا ثابتًا لا يغيب عن نفسه، وأنه حاضر عند ذاته[1].

3/ 4ـ لقد تمّ غرس فسيل الإسلام في شبه الجزيرة العربية، إلا أن جذوره القوية قد تجذّرت في جميع الأقطار وتفرعت وأثمرت، ولم يمض وقت طويل حتى نشرت أغصانها وأفنانها لتحتوي بظلالها جميع الأمم بمختلف أعراقها في العالم، وضمنت الرفاه والسعادة للعرب وغير العرب، وحرّر الإسلام حتى الأشخاص الذين كانوا يبعدون عن مهد الإسلام بآلاف الفراسخ، والذين تختلف أعراقهم عن سكان شبه الجزيرة العربية، وألقى عنهم الأغلال التي كانت تغلّ أعناقهم وأيديهم وأقدامهم، ودعا الجميع إلى اجتياز مسار التكامل الإنساني[2].

«إن قوّة القرآن لا تكمن في بيان الحقائق أو الظواهر  التاريخانيّة، بل إن هذه القوّة تكمن في أن القرآن عبارة عن

(174)

رمز يختزن مفهومًا معتبرًا على الدوام؛ إذ لا ينتمي هذا الرمز إلى واقعية خاصّة ولا إلى زمن خاص، بل يهتم بحقائق خالدة بسبب وجودها في ذات الأشياء. إن إعجاز القرآن يكمن في امتلاكه لغة قوية ومؤثرة، ويستطيع ـ حتى بعد مضي أكثر من أربعة عشر قرنًا من نزول الوحي ـ أن يحرّك روح الإنسان ويجعلها تنتفض وتمور، بمقدار ما كان له من التأثير في بداية ظهوره على وجه البسيطة»[1].

إن المسلم لا يرى أي اختلاف أو تغيير في معنى العمل الإيماني بالإسلام في الزمن الحاضر والمستقبل بالنسبة إلى العمل الإيماني في الزمن الماضي؛ وذلك لأن العلاقة بين الإنسان وبين الله تفوق الزمن والتاريخ. كما أن هذا الاتصال يفوق جميع الأمور الظاهرية وكافة الضرورات الزمانية والمكانية[2].

3/ 5ـ هناك سلسلة من القوانين والأحكام العامة التي تحكم حياة الناس وعلاقاتهم؛ وهذا الأمر يُنبئ عن امتلاك البشر ذاتًا أو ذاتيات مشتركة؛ إذ لو لم يكن الناس يمتلكون ذاتًا وفطرة ثابتة ومشتركة، لما كان جريان تلك القواعد والقوانين العامة ممكنًا أو معقولًا.

3/ 6ـ  إن إنكار التماهي والاشتراك الذاتي بين الناس من شأنه أن يُشكّك بإمكان العلوم الإنسانيّة؛ إذ في مثل هذه الحالة سوف

(175)

ينتفي صدور أيّ قاعدة علمية عامّة وثابتة بشأن أفعال آحاد الناس والمجتمعات البشرية، وسوف يصبح ذلك ضربًا من المحال؛ هذا في حين أن هذه القواعد المقبولة موجودة، ومن خلال نظمها وترتيبها ظهرت سلسلة حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية المشتملة على عدّة علوم مستقلة[1].

3/ 7ـ كانت هناك بين جميع الناس توجّهات واحدة على طول التاريخ، من قبيل: النزوع إلى التعالي والكمال، والرغبة في الحصول على الحقيقة، والميل نحو الجمال وما إلى ذلك. إن هذه الاتجاهات بطبيعة الحال تستدعي وجود علّة، وهذه العلة بالحصر العقلي لا تخلو، فهي إما أن تكون علّة داخلية أو تكون علّة خارجية. ولا شك في أن العلة الخارجية لا تستطيع أن تكون مبدأ لمثل هذه التوجّهات، وذلك لأن العوامل الخارجية هي على الدوام عُرضة للتغيّر والتطوّر وعدم الثبات، ونتيجة لذلك لا يمكن أن تكون شاملة؛ وعليه لا بدّ من البحث عن علّة ومبدأ هذا النوع من التوجّهات في داخل ذوات الناس وفطرتهم، واعتبار ذلك أمرًا ذاتيًّا مودعًا في فطرة كلّ إنسان[2].

الأبعاد الثابتة في الإنسان

بالنظر إلى الأبعاد الثابتة من الحياة البشرية في الجهات المعنوية،

(176)

والأفهام الثابتة للإنسان طوال الزمن والمشتركات والثوابت بين جميع الناس على مدى التاريخ، يبدو بطلان هذه الرؤية التاريخانيّة العامة أمرًا بديهيًّا. بل وحتى المسار على نحو الصيرورة والتغيير في عالم الطبيعة يحكي عن أنه لا يزال يجري في مسار واحد وثابت  وعلى طبق القوانين الثابتة.

وعلى حدّ تعبير بعض الكتّاب:

«يدور الحديث حاليًا وبشكل مستمر حول التغيير والتحوّل والتنوّع. وهذا أمر غريب؛ إذ لو نظرنا إلى عالم الطبيعة نجد أنها لم تتغيّر منذ آلاف السنين بحسب ما وصل إلى الإنسان الحديث من أسلافه عبر التاريخ؛ فلا زالت الشمس تبزغ من جهة الشرق، ولا زال فصل الربيع يحين في موعده ويجدد الحياة في الأرض، ولا يزال الماء يصل إلى حالة الإنجماد أو التبخّر عندما يبلغ الطقس نفس الدرجة المئوية من البرودة أو الحرارة، ولم تتغير قوانين الطبيعة منذ أن ظهر الإنسان على الأرض، ولا تزال السماء والأرض تواصلان نشاطهما وحركاتهما على ذات الوتيرة من النظم المذهل .. والإنسان بدوره لم يطرأ عليه تغيير جوهري فيما يتعلق بصلته مع صلب الواقع؛ فهو يولد ويعيش ردحًا من الزمن ثم يموت، وهو ينشد الكمال على الدوام، ويبحث عن الحقيقة والمعنى»[1].

(177)

وقال كاتب آخر:

«حبّ الحياة .. دافع مشترك بين جميع الأحياء؛ فكلهم يحبّون الحياة ويتشبّثون بها .. وحتى ذلك الذي يؤدّي به الشذوذ المنحرف إلى الانتحار، شخص يحب الحياة جدًّا في حقيقة الواقع، ولكنه لا يجد فيها متاعه المنشود الذي يحبّه؛ فينتحر لأنه لا يُطيق الحرمان من ذلك المتاع. وهكذا الشخص الذي يؤدّي به الارتفاع إلى التضحية بالنفس في سبيل عقيدة أو فكرة، يحبّ صورة من الحياة أعلى من الصورة الواقعية، وفي هذا المستوى العالي يقدّم حياته الخاصة في سبيل أن يحقق صورة أفضل من الحياة على الأرض. وحتى دافع الطعام والشراب والملبس والمسكن ودافع الجنس، لم يتغيّر فيه سوى شكل وطريقة تلبية هذه الاحتياجات .. صحيح أن الاختلاف بين الإنسان المعاصر والإنسان في العصر الحجري كبير جدًّا، ولكن لا شيء من هذه الاختلافات يعود في أصله إلى فطرة الإنسان، بل تعود بأجمعها إلى أمور عارضة. لم يحدث أي تغيير أو تبدّل من حيث الكينونة والفطرة الإنسانية والاحتياجات الفطرية، ولا سيّما في تلك الطائفة من الاحتياجات التي تعود روح الإنسان وأبعاده المعنوية أبدًا»[1].

ويواصل سيد قطب كلامه، ليقول: بعبارة أخرى إن التطورات

(178)

التي تحدّثها الاكتشافات والاختراعات في نفس الإنسان، إنما هي في الواقع تنمية وتطوير تلك الرغبات الفطرية الكامنة في وجود الإنسان، وفرق بين التنمية والتطوير وبين استحداث رغبات جديدة؛ فكما أن أعضاء جسم الإنسان تنمو وتتكامل منذ مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب، دون أن يضاف عضو جديد إلى الأعضاء السابقة؛ فهذه الأمور بدورها تمثل تحققاً لفطرة، لا تبديلًا أو تغييرًا فيها.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى التطوّرات النفسية والأخلاقية أيضًا، مع فارق أن الأمر لا يتجه هنا نحو الكمال والتكامل أبدًا، بل يتجه نحو الصعود تارة، ونحو الانحدار والسقوط تارة أخرى وسبب ذلك يعود إلى ذات الفطرة؛ فكلما أسلم الإنسان قياده إلى من يدعوه إلى التعالى والكمال، فسوف يتعالى ويتكامل، وكلما تنصّل عن ذلك فسوف يميل نحو التداعي والسقوط. والذي ندّعيه هو أن التوجيه الإسلامي يمثل قمّة التوجيه نحو الارتفاع على المستوى المادّي والمعنوي، فقد كان النظام الإسلامي ولا يزال هو قمّة الأنظمة التي تسمح بتحقيق ثمرة ذلك التوجيه؛ فارتفعت النفس البشرية إلى ذروتها. ولن يستطيع الإنسان أن يعثر على أفضل من هذا الطريق. إن التكامل الأخلاقي والروحي والمعنوي للإنسان أو سقوطه وهبوطه لا ربط له بالضرورة بتطوّر البشر في العلوم المادية، كي تتغيّر فطرة الإنسان نتيجة لتطوّر وتغيّر العلوم المادية، وتحتاج الفطرة في تكاملها إلى طريق آخر غير الطريق القديم؛ ويمكن لها أن تكون أدوات ووسائل نحو الصعود أو السقوط[1].

(179)

إن الرؤية التاريخانيّة التي تخالف الذاتية، وتنكر وجود ذات ثابتة في الإنسان، لا تمتلك دليلًا على نفي هذه الوجوه ما وراء  التاريخانيّة، والمشتركة والثابتة في جميع الناس.

قابليّات وطاقات الإنسان الكامنة بالقوّة

القوّة الروحيّة لدى الإنسان:

إن الإنسان ـ من وجهة نظر الإسلام ـ مركّب من عنصرين، وهما: العنصر الطبيعي، والعنصر ما فوق الطبيعي.

وإن قول الله تعالى: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) [1]، والآية الثامنة والعشرون من سورة الحجر، والآية السادسة من سورة الطارق، تشير إلى العنصر الطبيعي من وجود الإنسان. وإن قول الله تعالى: (نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) [2]، والآية الرابعة عشرة من سورة المؤمنون، تشير إلى العنصر ما فوق الطبيعي من وجود الإنسان.

وفيما يتعلّق بمعنى «الروح» فإن القرآن الكريم قد فسّرها بأنها من «أمر الربّ»[3]، وفي بيان «أمر الربّ» فقد فسّره بذات الإرادة الإلهية التي بمجرّد تحققها بشأن شيء ما، سيوجد ذلك الشيء حتمًا[4]. ومن وجهة نظر الإسلام فإن الطريق أمام الإنسان في البعد ما بعد الطبيعي للوصول إلى ذلك المقام الذي إذا قام فيه بعمل إلهي بإذن

(180)

الله في حدود استعداده وقابليته، فيوجده بمجرّد إرادته، مفتوح[1].

إنه يستطيع من خلال التعبد والانصياع لإرادة الله أن يتصل بما وراء الزمان، ويجترح أفعالًا تفوق الزمان، وإن العبادة جوهرة يمكن في ذاتها أن توصل الإنسان إلى الربوبية: «العبودية جوهرة كنهها الربوبية»[2].

وجاء في رواية أخرى أنه ورد في الحديث في خبر أهل الجنة:

«أنه يأتي إليهم الملَك بعد أن يستأذنهم في الدخول عليهم؛ فإذا دخل ناولهم كتابًا من عند الله بعد أن يُسلم عليهم من الله، فإذا في الكتاب لكل إنسان يخاطب به: من الحيّ القيّوم إلى الحيّ القيّوم، أما بعد: فإني أقول للشيء «كن» فيكون، وقد جعلتك اليوم تقول للشيء «كن» فيكون. فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء «كن» إلا ويكون»[3].

 ومن الواضح أن الإنسان في الجنة لا يختلف عن الإنسان في الدنيا من حيث النوع والذاتيات، وإذا لم يكن يمتلك استعدادًا وظرفيّة لمثل هذه الكمالات، لكان تحققها وتحصيلها بالنسبة له مستحيلًا، وليس هناك من دليل على اختصاص تحقق وفعلية هذه القابليّات بيوم القيامة وعالم ما بعد الموت.

(181)

الظرفيّة العلميّة للإنسان

إن الظرفية العلمية هي أعظم هبة يمكن لمخلوق أن يحصل عليها، وفي الوقت نفسه فإن بمقدور الإنسان أن يتلقى ما ألقاه عليه الله بشكل خالص. كما وصف الله سبحانه وتعالى نبيّه آدم عليه‌السلام في القرآن الكريم، بقوله: (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ  قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) [1].

إن الظرفية المعرفية والقابلية العلمية للإنسان ـ بناء على هذه الآيات ـ أكبر من ظرفية الملائكة، وقد تمكّن الإنسان طبقًا لنص القرآن الكريم من فهم جميع الأسماء كما تعلّمها من الله سبحانه وتعالى؛ وذلك أوّلًا: لأن التعليم يلازم التعلّم، وهو غير التدريس. وثانيًا: لقد أمره الله بعد ذلك أن يعلّم تلك الأسماء للملائكة، وقد عمد بدوره إلى تعليم الملائكة ذات تلك الأسماء. وعندما يدّعي القرآن الكريم أن آدم قد تعلّم تلك الأسماء التي أعلمه الله بها، هل يكون الله قد قال للإنسان بشأن ألوهي؟ أجل، فإن كل شخص يمتلك القدرة على تحصيل العلوم الخاصة في حدود سعته الوجودية، وهذا الأمر غير تأثر الفهم بالتاريخ والثقافة، وخلط العلم

(182)

الخالص بالشوائب، بل وامتزاجه بالأخطاء أحيانًا. هذا بالإضافة إلى أن الظرفية العلمية للإنسان بما هو إنسان، لا بما هو فرد خاص، ليست قابلة للقياس من قبل أيّ شخص آخر، وإذا أراد الله يمكنه أن يرفع من ظرفية الإنسان ليحتوي على كل ما يريد من العلوم والمعارف. وإن هذا الشيء يكون أكثر قابلية للفهم في الأمور المجرّدة مثل العلم، إذ بمعرفته تتسع ظرفية الإنسان بشكل تلقائي. وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام ، قوله: «كل وعاء يضيق بما جعل فيه، إلا وعاء العلم فإنه يتسع»[1].

الميل الفطري لدى الإنسان إلى عدم التناهي

إن الإنسان لا يطمئن إلّا بذكر الله. وإن رغباته ومطالبه لا نهاية لها، وإن كلما بلغ شيئًا شبع منه وماجتواه، ولن يقرّ له قرار إلا إذا اتصل بذات (الله) المطلقة والتي ليس هناك حدود لأمدها. قال الله سبحانه وتعالى:

ـ (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [2].

ـ (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [3][4].

(183)

إن الإنسان في الثقافة الإسلاميّة كائن أسمى وصاحب كرامة عظمى، إذ يكتسب عظمته في ضوء الاتصال بالله سبحانه وتعالى. وعلى حدّ تعبير بعض الكتّاب: إن ثقافتنا تقوم على نوع من الأنثروبولوجيا التي عمدت الحضارة الغربية منذ عصر النهضة على بناء رؤيتها على نسيانها وتجاهلها وإنكارها؛ وهي الأنثروبولوجيا التي تصوّر الإنسان بوصفه كائنًا سماويًّا على الأرض، وأنه قد وُجد على صورة تتطابق مع صورة الله. وقد ورد في الحديث: «خلق الله آدم على صورته»[1].

إن أساس الحضارة الشرقية يقوم على هذا الأصل القائل بأن الإنسان كائن معنوي وروحاني، وأنه قد وُجد لفترة وبرهة من الزمن في هذا المجاز والقنطرة الأرضية العابرة. كما ورد في لغة القرآن أن كينونة الإنسان مرتبطة ومتصلة بنوع من العهد والميثاق الذي يربطه بالحقيقة المطلقة حتى قبل ظهور هذا العالم.

لقد تمّ إنكار هذا الأصل المعنوي والروحي [في الغرب] منذ عصر النهضة؛ بمعنى أن الإنسان [الغربي] أخذ الإنسان يعرّف عن نفسه بوصفه كائنًا متمرّدًا على الله وعالم المعنى، وأنه كائن حرّ يستطيع أن يفعل كل ما يحلو له فوق الكرة الأرضية، وأنه لم يعد مسؤولًا تجاه حقيقة وراء حقيقته. في (الإنسوية) شقّ كل من الفلسفة والدين والعلم طريقه الخاص به، واستمر هذا الوضع على

(184)

مدى ثلاثة قرون. يكمن خطأ الغرب منذ عصر النهضة فما بعد في أن بمقدور الإنسان أن يُعرض عن ذكر الله ومع ذلك يبقى إنسانًا، بمعنى أنه كان يظن أن يبقى إنساناً إلى الأبد في ظل رؤيته القائلة بأصالة الإنسان[1].

إن الإسلام إنما يرى عظمة الإنسان الحصرية في الاتصال بالله المطلق، ونتيجة لذلك ارتباطه بالعلم والقدرة والثروة والإمكان والكرامة المطلقة واللانهائية، في حين أن الإنسان الحديث يرى جميع الأمور الآنفة في وجوده، شريطة تحرره من جميع الأمور الماورائية والميتافيزيقية؛ حيث أخذ هذا الإنسان يعاني من الوهم والغرور.

«إن مفهوم الحرية (المفردة التي تستعمل اليوم عادة في اللغة العربية، كترجمة لكلمة «Freedom») مأخوذة من فهم ما بعد عصر النهضة للحرية الفردية، والتي تؤدّي في نهاية المطاف إلى معنى الانحشار في الحدود الضيّقة للطبيعة الفردية لذات الشخص. إن هذا المفهوم الغربي الخالص من البعد عن الإسلام التقليدي؛ بحيث لا يمكن العثور على هذه المفردة بهذا المعنى في أيّ نص تراثي. فإن الحرية والقدرة على فعل القبيح في الرؤية الإسلامية أو الحرية المنقطعة عن مصدر جميع الوجود، ليست سوى حرية وهمية»[2].

(185)

الإنسان المتكامل أو الإنسان المتبدّل

إن الإنسان ـ من وجهة نظر الإسلام ـ ليس كائنًا راكدًا وساكنًا أبدًا، وعلى الرغم من ركونه وانزوائه الظاهري، إلا أن السعي والجهد الحثيث والمتواصل يدعوه إلى الحركة باستمرار. إنه في تحوّل وتكامل دائم، لا أنه في تبدّل وتغيير للذات؛ كما هو حال الثمرة التي تنتهي مراحل تكاملها عندما تبلغ مرحلة النضج والإيناع. إن الصيرورة تعني التحوّل والتكوّن والتكامل من منزلة إلى منزلة أخرى، ومن مرحلة إلى مرحلة أخرى[1]. بيد أن جميع هذه الصيرورات تدور حول محور واحد، وإن اتحاد الإنسان لا يخدش أبداً؛ فهو إنسان له صيرورة وحركة تكاملية.

«إن الأنس المتواصل والمستمر بواسطة الحياة الصناعية، لن يؤدّي إلى الانشغال بالطبيعة فحسب، بل وإن الإعراض عما وراء الطبيعة من لوازم الانغماس والانهماك المفرط بالطبيعة، بل ويؤدّي  إلى أبعد من ذلك إذ سوف يفرض على الإنسان رؤية صناعية وتكنولوجية؛ ولا شك في أن حياة الإنسان من وجهة نظر أولئك الذين غرقوا في الصناعة وانشغلوا بالطبيعة، سوف تكون حياة صناعية، وسوف يكون الإنسان فيها كائنًا صناعيًّا، ومن الطبيعي أن تخلو هذه الرؤية من الفطرة الثابتة»[2].

(186)

ما تقدّم كان بشأن مطلق الإنسان، وأما فيما يتعلق بخصوص شخصية النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ فهناك الكثير من النقاط الأخرى التي تقع في قبال القول بتاريخية الإنسان، وفيما يلي نشير إلى بعضها.

عدم التنافي بين المحدودية الذاتية للإنسان وما فوق  التاريخانيّة

لا إشكال في كون الإنسان متصفًا ـ مثل سائر الكائنات في العالم ـ بالمحدودية الذاتية، وإن هذه المحدودية من ذاتيات كل كائن قابل للعدّ، بيد أن الكلام هنا يكمن في السؤال القائل: أين تقع حدود هذه المحدودية والحصار المرسوم للإنسان؟ تقول الرؤية  التاريخانيّة: إن الإنسان محدود بالزمان والمكان والثقافة التي يعيش فيها، وإن الإنسان لا قِبَل له على الخروج من هذه الحدود المحيطة به؛ فهو محكوم بالتفكير ضمن هذه الحدود؛ فهو لا يتمتع بذات تفوق التاريخ، ولا يمتلك عقلًا ولا تعقلًا ولا تفكيرًا فوق التاريخ. وبطبيعة الحال فإن هذه الرؤية التاريخانيّة لا تقيم أيّ دليل على التلازم بين المحدودية و التاريخانيّة، وإنما تقحم مرادها من خلال مجرّد ذكر موارد خارجية من الاقتران بين المحدودية والتاريخانيّة، في حين أنه ليس هناك في الواقع تلازم ذاتي في البين. وحتى لو كانت هذه المصاديق الخارجية للاقتران بين المحدودية والتاريخانيّة في الإنسان هي الغالبة، إلا أن الإنسان ـ في الرؤية الأنثروبولوجية الدينية والكثير من المذاهب الفلسفية والعرفانية ـ في عين محدوديّته الذاتية، يمتلك القدرة في حدود ظرفيته على أن يكون كائنًا متفوّقًا على التاريخ والزمان والمكان. إنه يمتلك روحًا مجرّدة، وأنه لو

(187)

تجرّد عن سلسلة التعلقات المادية، سوف يكون بمقدوره تسخير الكثير من الآفاق ما فوق الزمانية والمكانية. إن الإنسان ـ من وجهة نظر الفلسفة الدينية والتعاليم الدينية ـ ليس له طريق إلى ذات الله فقط، بل وهو قادر على الإحاطة بغير ذاته أيضاً، وهذا الأمر يكون بالنسبة إلى كل إنسان بحسب ظرفيته بطبيعة الحال. وهناك الكثير من الموجودات المجرّدة من قبيل الملائكة، تفوق التاريخ على الرغم من محدوديتها الذاتية.

ما تقدم كان بالنسبة إلى مطلق الإنسان، وفيما يلي سوف نشير إلى نقاط في خصوص الشخصية ما فوق التاريخانيّة للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله إنسان ما فوق تاريخي

ما هو الدليل على تاريخية وجود النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ إن الدليل الوحيد على ذلك هو بشرية النبي الأكرم، وقد تقدّم أن ذكرنا أنه لا تلازم بين بشرية شخص وعدم إمكان الاتصال بما وراء التاريخ، بل وحتى الاتصال باللامتناهي. إن ما تحدّنا عنه من الإحاطة العلمية وكيفيتها على مستوى الإمكان بالنسبة إلى الإنسان العادي، قد ثبت للنبي الأكرم بدليل ذات القرآن الكريم على مستوى الفعلية والتحقق والواقع. فقد تحدّث القرآن عن إلقاء الوحي على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وتعليمه إياه بعد أن ارتقى إلى الأفق الأعلى[1]. بل وقد ذهب في بعض المنازل إلى أبعد من ذلك حتى لم يبق بينه وبين مبدأ الفيض

(188)

والوحي واسطة أو فاصلة؛ إذ يقول تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) [1]، وقال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [2]. بمعنى العلم الذي يؤخذ من الحضرة الربوبية مباشرة ومن دون واسطة، ولا يبقى هناك موضع للتوسط من قبل الغير؛ ففي العلم اللدني يكون الإنسان وجهًا لوجه مع ذات الواقعية على نحو العلم الحضوري؛ وليس هناك في البين دال ومدلول، (لقد أقرّ أبو زيد في قصة الخضر والنبي موسى عليه‌السلام بالعلم اللدني للخضر عليه‌السلام، وكشف الدلالة الخفية والأسباب الحقيقية للأمور والأفعال والعودة إلى أصول الأشياء بواسطته[3]، ولكنه يرفض ذات هذه الأمور في حق النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله، ويقول بأن فهم النبي لا يتحد مع المتن بالدلالة الذاتية). وبعد ذلك فإن النبي الأكرم لا ينسى ما يلقى عليه من الوحي أبدًا[4]. ولا يبلغ الناس غير ما ينزل عليه من الوحي[5]. وعلى الرغم من تأكيد النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه مرارًا وتكرارًا على أنه بشر لكي لا يتوقعوا منه اجتراح كل ما هو غير معقول، كان في الوقت نفسه يؤكد لهم أنه بشر متصل بالوحي؛ فهو بشر يفوق سائر أفراء البشر العاديين[6]. كما تحدّث النبي الأكرم عن نفسه قائلًا: «لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب ولا

(189)

نبي مرسل»[1]. يمكن للرجوع إلى كلام العرفاء الكبار في المراتب الوجودية للنفس النبوية والحقيقة المحمدية ومسألة العقل الأوّل والصادر الأول ومراتب الإنسان الكامل أن ينفعنا في تأييد وبيان هذه القسم من البحث.

كيفيّة الوحي في كلام صدر المتألّهين

لقد أشار صدر المتألّهين في بداية الأمر إلى مسلكين في باب الوحي إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله :

1ـ رأي المعتزلة: حيث يقولون بأن الله قد خلق حروفًا وأصواتًا على لسان جبرائيل عليه‌السلام، وهكذا تحقق أمر الوحي على هذه الشاكلة.

2ـ رأي الأشاعرة: حيث قدّموا ثلاثة احتمالات؛ أحدهما: أن الله قد وهب جبرائيل عليه‌السلام القدرة على السمع، ثم جعله قادرًا على التكلّم والتعبير عمّا سمعه. والاحتمال الثاني: أن الله قد خلق في اللوح المحفوظ كتابًا شبيهًا بالقرآن الكريم وأعطاه إلى جبرائيل عليه‌السلام ، وأن جبرائيل بدوره قد قرأه على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قام النبي بحفظه وتلاوته دون زيادة ولا نقصان. والاحتمال الثالث والأخير: أن الله سبحانه وتعالى قد خلق هذه الحروف والأصوات في جسم خاص، وإن جبرائيل قد سمعها تصدر من ذلك الجسم، ثم قراها على النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن هنا قال البعض بجسمانية الملائكة.

وقد وصف صدر المتألهين هذه الأقوال بأنها من كلام أصحاب

(190)

الجدل والتخييل، ثم عمد إلى بيان رأيه في هذا الشأن على النحو الآتي:

3 ـ مسلك أصحاب البصيرة: وهو أن كلام الله ليس مقصورًا على ما هو من قبيل الأصوات أو الحروف، ولا على ما هو من قبيل الأعراض مطلقًا ألفاظًا كانت أو معاني، بل كلامه ومتكلميته يرجع إلى ضرب من قدرته وقادريته، وله في كل عالم من العوالم العلوية والسفلية صورة مخصوصة. وطائفة أخرى اقتصروا على القول بالتلاقي الروحاني والظهور العقلاني بين النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والملَك الحامل للوحي؛ ... إذ في كلا القولين زيغ عن طريق الصواب وحَيدًا عمّا فيه ... فالأمّة مطبقة على أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يرى جبرائيل وملائكة الله المقرّبين ببصره الجسماني، ويسمع كلام الله الكريم على لسانهم القدسي بسمعه الجسداني الشخصي. والبرهان العقلي قائم بالقسط على أن مناط الرؤية والسماع الحسيين في الإنسان وجود الصورة البصرية كالألوان والأشكال وغيرهما، والصورة المسموعة كالأصوات والحروف والكلمات .. ولكن هذا إنما يكون ما دامت نفس الإنسان في هذه النشأة الحسّية المحضة، وأما لو تمكّن حصولها بطريق آخر للنفس كما في حالة النوم؛ حيث لا يكون وجود الصورة في مادتها المخصوصة شرطًا لازمًا .. وللنفس في ذاتها سمعًا وبصرًا وشمًّا وذوقًا ولمسًا، وإن انسلخت عنها هذه الآلات العنصرية وخرجت من ظلمات هذه الحواس، سوف تشاهد المحسوسات بقوّتها المتخيّلة .. وإن تجرّدت عن عالم المادّة بالكلية؛ فيكون منالها فيما تناله بحسب ذلك الشأن

(191)

وتلك الدرجة، فيتحوّل الملَك الحامل للوحي على صورة متمثلة في شبح شخص بشري؛ كما قال تعالى: (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا) [1].

إن بمقدور النفس الإنسانية أن ترتفع من المحسوس إلى المتخيّل، ومن المتخيّل إلى المعقول، والصوَر بأجمعها ثابتة في أحيازها وعوالمها. وأما في إبصار الملك وسماع الوحي ينعكس الشأن؛ فينزل الفيض من عالم الأمر إلى النفس، وأما النفس فهي تطالع شيئًا من الملكوت مجرّدة غير مستصحبة لقوّة حسيّة أو خيالية أو وهمية، ثم يفيض من النفس إلى القوّة الخيالية، فتتمثّل لها الصوَر بما انضمّ إليها من الكلام في الخيال من معدن الإفاضة، ثم تنحدر الصورة المتمثّلة والعبارة المنظومة من الخيال إلى عالم الحسّ، وفي الواقع فإن النفس هي التي تنزل من العالم الأعلى إلى الأوسط، ثم إلى العالم الأدنى وعالم المحسوسات، فتشاهد في كل عالم ما يتعارف لها ويناسبها ... فتسمع كلام الله وتبصر صورته في جميع هذه العوالم، ومن هنا فإن للوحي أنحاء مختلفة ومراتب متفاضلة بحسب درجات النفس، على ما وردت الإشارة إلى ذلك في الآيات والروايات أيضًا[2].

وقد ورد في بعض آيات القرآن الكريم، قوله تعالى: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى) [3]، فهنا على

(192)

الرغم من أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله يتلقى الوحي وهو منصرف عن عالم المحسوسات؛ حيث يكون مقرّه في الأفق الأعلى ويرى معلّمه القدسي، ويأخذ منه المعارف والعلوم، ولكن لا يزال هناك بينه وبين مبدأ الوحي واسطة، ولكنه ربما وصل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ذلك إلى مقام أعلى وأسمى من أن يتوسّط بينه وبين المبدأ الأول والمفيض على الكل واسطة، فيسمع كلام الله بلا واسطة، كما ورد في الآية الأخرى بعد ذلك، قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [1]. وقد ذكر أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله إنما رأى جبرائيل عليه‌السلام بصورته الحقيقية مرّتين .. وفي الحديث أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن كيفية نزول الوحي عليه؛ فقال: أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشدّ عليّ، فيُفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يُمثّل لي الملَك رجلًا فيكلّمني فأعي بالقول، وأحفظ كلامه[2].

تلقي القرآن بمعزل عن تأثير التاريخ والثقافة المعاصرة:

هناك الكثير من الآيات الدالة في القرآن الكريم على أن ما تلقاه النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الوحي وأبلغه إلى الناس، هو ذات ما أنزله الله سبحانه وتعالى وحيًا عليه، وإن شخص النبي الأكرم لم يتصرّف فيه بزيادة ولا نقيصة، لا في اللفظ ولا في المعنى ولو على سبيل السهو وعدم القصد إلى ذلك، كما تمّت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى:

(193)

ـ (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [1].

ـ (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [2].

ـ (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [3].

ـ (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ  بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [4].

ـ (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) [5].

ـ (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) [6].

إن هذه الآيات والكثير غيرها  تدل بوضوح على أن القرآن بعد نزوله على النبي الأكرم هو ذات القرآن قبل نزوله عليه؛ فهو القرآن الذي أوحاه الله إليه وعلّمه إياه (إن التعليم بالفعل لا ينفك عن التعلّم بالفعل)، إنه تنزيل وليس بتأويل، وحتى ألفاظه وكلماته العربية قد نزلت من عند الله، دون أن يكون لشخص النبي أو

(194)

شخصيّته ولا للشرائط والظروف التاريخانيّة أيّ تدخل في الكيفية النازلة من عند الله سبحانه وتعالى.

النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ورؤية أعمال العباد

إن الله سبحانه وتعالى يقول صراحة: إنه ورسوله يريان أعمال العباد، بل ويرى أن هذا المقام يليق حتى بعباده المخلصين من المؤمنين[1]. ومن الواضح أن الإطلاع على أعمال العباد، لا يمكن أن يكون إلا من خلال الإحاطة بالزمان والمكان؛ وفي هذا الشأن ورد فيما يوافق هذا التفسير على هامش هذه الآيات روايات بالغة حدّ التواتر المعنوي عن أهل البيت عليهم‌السلام ، ما يدلّ على أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والمؤمنين الحقيقيين يستطيعون ـ مثل الله سبحانه وتعالى وبفضل وتفضّل منه ـ رؤية أعمال الناس في هذه الدنيا، وهذه الطائفة من الروايات هي الروايات المعروفة بـ «روايات  عرض الأعمال»[2].

فهل هذا هو ذات الإنسان الذي يذهب الأستاذ نصر حامد أبو زيد إلى الاعتقاد بأنه حتى إذا كان هو النبي الأكرم ـ وهو الإنسان الأكمل على وجه الأرض ـ لا يستطيع التخلّص من تأثير الثقافة العربية، ولا يستطيع أن يدرك جميع محتوى النصّ القرآني؟! فعندما يؤكد صريح القرآن والسنة لا على تفوّق الإنسان فحسب، بل وعلى تفوّق النبي على الزمان والتاريخ ولو على مستوى تلقّي الوحي في الحدّ الأدنى، والعقل بدوره لا يرى محذوراً في إمكان ذلك بل ولا

(195)

يرى محذورًا حتى في وقوعه وتحققه، فما هو الدليل والبرهان الذي يبقى لدى القائلين بالرؤية  التاريخانيّة؛ ليقيموه على ردّ هذه الرؤية؟ فلو قدّر لإنسان أن يبلغ هذا المقام من الإحاطة العلمية، أو يتحوّل بواسطة الاتصال بما فوق التاريخ إلى حقيقة وأسوة خالدة ومثالية، ألا يكون قد تخطّى إلى ما فوق مقام الإنسانية؟ لا شيء من مدعيات القائلين بالرؤية  التاريخانيّة في مورد الإنسان ـ والتي تمّت الإشارة إليها في بداية هذا الكتاب ـ مبرهنة أو مستدلة. وإنما هي مجرّد استقراء وتعميم على الكل؛ بمعنى تطبيق منهج وأسلوب العلوم التجريبية في العلوم الإنسانية والعقلية (العلموية).

توضيح ذلك أنه لا أحد ينكر تأثير التاريخ وثقافة العصر في الجملة في كيفية فهم وإدراك الحقائق في نوع أفراد البشر؛ إلا أن الحكم بضرورة هذا التأثير أوّلًا، وتعميمه على كل أفهام أيّ شخص إنساني ثانيًا، وتسريته على جميع أفراد البشر ـ بمن فيهم الأنبياء ـ ثالثًا، مجرّد مدعيات لا تستند إلى دليل وجيه؛ إذ من خلال مشاهدة الموارد الكثيرة من التأثير، لا يمكن الحكم بالضرورة أو التعميم.

الإخبارات الغيبية من قبل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله عن المستقبل

لقد اشتملت الكتب الروائية و التاريخانيّة على الكثير من الموارد التي أخبر فيها النبي الأكرم عن أحداث المستقبل، وأن الكثير منها قد تحقق كما أخبر به النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونحن نعتقد بأن الكثير ممّا بقي منها ـ ويعدّ إسناده إلى النبي واقعيًّا ـ سوف يتحقق في المستقبل حتمًا. ولا يمكن اعتبار هذا النوع من الإخبارات ناتجًاً عن حدس

(196)

أو تخمين؛ كما يفعل ذلك بعض المحللين والخبراء حيث يتوقعون نتائج الحرب وانتصار طرف على طرف، واندحار جيش أمام جيش آخر، أو التكهّنات التي يقوم بها بعض الكهَنة والتي تكون في الكثير من الموارد مشوبة بما يخالف الواقع؛ وذلك لأن إخبارات النبي تحظى بخصوصية فذّة؛ وهي الإشارة إلى جزئيات الأحداث والخصائص المحيطة بها، وكأنه يراها ماثلة أمامه، وقد تحقق الكثير منها مع التفاصيل التي ذكرها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله . والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: من أين وكيف جاء هذا الشخص الذي ترعرع ونشأ في ثقافة وبيئة العرب الجاهلية ـ بناء على تفسير الرؤية  التاريخانيّة للإنسان ـ بكل هذه الأخبار التي ترتبط كلها بالحياة الاجتماعية لهؤلاء الناس التي هي أكثر عرضة لتأثير الثقافة والتاريخ؛ حيث لا نرى فيها أيّ تأثر بثقافة العصر أبدًا، وقد تحققت بحذافيرها كما أخبر بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله . كما ورد هذا النوع من الأخبار في القرآن الكريم بكثرة أيضًا؛ بيد أننا سنكتفي هنا بذكر عناوين بعض الأخبار الغيبية المأثورة في كتب السيرة والكتب الروائية عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لدى كلا الفريقين، وسوف نكتفي بذكر خصوص ما تحقق منها فقط، وذلك على النحو الآتي:

ـ في حرب الأحزاب وحفر الخندق؛ حيث كان المسلمون لا يزالون يعانون من الضعف، ولم يصلوا إلى تلك القوة التي تجعل الأعداء يرهبون جانبهم، وفي لحظات الخوف والعسرة، وقد بان اليأس على وجوه الكثير من المسلمين، أخبرهم رسول الله بأنهم يوشكون أن يتغلبوا على أعتى إمبراطوريات العالم في عصرهم،

(197)

وأن يفتحوا أيوان كسرى ويستخرجوا كنوزه، وسوف يبسط الإسلام سلطته في ربوع جميع تلك الأصقاع[1].

ـ الإخبار بفتح كامل شبه جزيرة العرب، وفتح إيران، والانتصار على الروم، والانتصار على الدجال[2].

ـ أو الإخبار بالمصير المشؤوم لزعيم الخوارج (ذي الخويصرة)، والمارقين[3].

ـ الإخبار باستشهاد الإمام علي عليه‌السلام على يد أشقى الأولين والآخرين في شهر رمضان، أثناء الصلاة، بسيف يخضب لحيته بدم هامته[4].

ـ الإخبار بموت أبي ذر الغفاري وحيدًا فريدًا في الصحراء[5].

ـ الإخبار بخروج عائشة لقتال الإمام علي عليه‌السلام ، وأنها تنبحها

(198)

كلاب في منطقة الحوأب، وأن عائشة سوف تكون في صفوف الظالمين في هذه الحرب[1].

ـ الإخبار بقتال الإمام علي عليه‌السلام للناكثين والقاسطين والمارقين[2].

ـ الإخبار بدولة بني أميّة في المستقبل ومدّتها[3].

ـ الإخبار بقتال الزبير للإمام علي عليه‌السلام ، وأن الزبير سوف يكون في جبهة الباطل ظالمًا[4].

ـ الإخبار باستشهاد عمار بن ياسر على يد الفئة الباغية، وأن آخر طعامه من الدنيا سيكون عبارة عن ضحضاح من اللبن[5]. وما إلى ذلك من الإخبارات الغيبية التي تحققت بجميع تفاصيلها على مرّ الزمان.

وهناك مئات الروايات الأخرى في هذا الشأن؛ إذ تشتمل على إخبار النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بالغيب وأحداث المستقبل، ومنها ما هو مأثور عن الأئمة المعصومين عليهم‌السلام في مختلف الموضوعات، وأن

(199)

مضمون الكثير منها قد تحقق، كما ظهرت علامات وإرهاصات تحقق البعض الآخر منها.

السيرة العمليّة للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وثقافة عصره

لقد تمّ عدّ القيام بالقسط[1]، ومحاربة الظلم حتى الرمق الأخير[2]، ونبذ الخرافات[3]، ومواجهة الانحرافات المتفشية[4]، والوعد بغلبة المفاهيم القرآنية والمحمدية على جميع الثقافات الأخرى[5]، والنهي المؤكد والمتكرر من قبل الله سبحانه وتعالى عن التبعية للرغبات النفسية للجاهليين، وهي الرغبات المنطلقة ـ بطبيعة الحال ـ من الثقافة المعاصرة[6]، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، من أهم أهداف ومقاصد الوحي والرسالة، وقد وقف النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وأصرّ على تحقيق هذه الأهداف إلى حدّ التضحية بالنفس والغالي والنفيس، وضحى في سبيل ذلك بأفضل وأخلص أهل بيته وأصحابه؛ حتى قال بأبي هو وأمّي: «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت»[7].

(200)

وعليه هل من المعقول لدين وثقافة يُراد لها أن تهيمن على جميع الأديان والثقافات الأخرى، والذي يحذّر بشدّة من التبعية لثقافة العرب في العصر الجاهلي، أن يكون هو في حدّ ذاته متأثرًا بها، بل ويعمل على الأخذ من تلك الثقافات في بعض الموارد؟! ومع أيّ واحد من هذه الأهداف التي كان النبي فيها مثالًا للصمود وعدم التأثر، يتماهى القول بتأثر النبي الأكرم والقرآن الكريم بثقافة العصر؟ وكيف يمكن الادعاء بأن الوحي (القرآن) لم يكن ظاهرة معزولة عن الواقعية وبمثابة القفزة على الواقعية وخرقًا لقوانينها، بل الحق أنه كان جزءًا من مفاهيم تلك الثقافة، ومنبثقًا من عقودها ومعتقداتها[1]. إن الوحي ليس معزولًا عن واقعيات حياة الإنسان، إلا أنه بمقتضى كونه وحيًا، فإنه يقع في القرآن الكريم في قبال «الهوى»[2]. وقد اخترق جميع قوانين الجاهلية المنبثقة من ثقافة العصر الجاهلي، وإذا حدث أن أقرّ القرآن بعض الموارد منها في بعض الأحيان؛ فإن ذلك لأنه قد اعتبرها صحيحة، لا لأنها قد وردت في ثقافة الجاهلية، وقد أقرّها وثبّتها إلى الأبد لما فيها من الحسن الذاتي. وهذا لا يعني انبثاق القرآن الكريم من الثقافة الجاهلية في شبه الجزيرة العربية؛ وذلك لأنه لو كانت ثقافة العرب في العصر الجاهلي مرفوضة وقبيحة برمّتها، لعمل القرآن الكريم على نفيها وردّها بأجمعها، كما عمل على رفض وردّ الكثير من الموارد الأخرى لبطلانها أيضًا.

(201)

نقد الفرديّة والبسط في العلوم الإنسانيّة من وجهة نظر الرؤية التاريخانيّة

كما سبق أن أشرنا في الفصل الثاني فإن من بين العناصر الأساسيّة للرؤية التاريخانيّة، هما عنصري الفردية[1] بدلاً من التعميم، والبسط والتطوير[2] بدلاً من العينية والثبات. إن الفردية تعني أن الظواهر  التاريخانيّة والثقافية انحصارية، ولا ينبغي اللجوء إلى الأصول المشتركة في بيانها، والبسط بمعنى أن فردية كل شخص هي ذات تاريخ تحوّله وتكامله في مسار البسط في تاريخه الخاص، وليست أمرًا ثابتًا[3].

إن التناهي والعزلة في الفلسفة الوجودية تتناسب مع عنصر الفردية؛ إن كل شخص وجودي هو شخص فرد وليس له مثيل. يقول كارل ياسبرس:

«نحن لا بديل لنا إطلاقًا، ولسنا مجرّد موارد من الوجود الكلي». وقد تحدّث مارتن هايدغر عن الوجودية الشخصيّة وتعلّقها البحت بالأنا، وليس بأيّ شخص آخر. يعيش الناس عادة في التجارب المشتركة حياة يومية وروتينية، ويخفون نواة تجاربهم الشخصية خلف حجاب من الأقوال والأفعال، وأمّا الوجدان، والشعور بالذنب، وذكر الموت والأجل

(202)

المحتوم، فهي لا تقصد الإنسان إلا في عزلته الداخلية[1]».

إن الفردانية تستتبع بالضرورة امتناعًا عن قبول أيّ مرجعية أعلى من الفرد، وتمتنع أيضًا عن كل وسيلة معرفية أسمى من العقل الجزئي والفردي؛ إن هاتين الرؤيتين لا تنفكان عن بعضهما. وكان على هذا المبنى أن عمد المذهب البروتستانتي إلى إنكار أيّ منظومة تمتلك صلاحية تفسير التراث الديني للغرب بشكل مشروع، وأخذ بدلًا من ذلك يدّعي إقامة «الانتقاد الحر»؛ بمعنى: كل تفسير يحصل من الحكم الشخصي، ويقتصر على أساس توظيف العقل الجزئي للإنسان. إن النتيجة الطبيعية لهذا المبنى هي ظهور كمّيات كبيرة من النِحَل والفرَق، حيث تبدي كل واحدة منها شيئًا أكبر من الاعتقاد الشخصي لبعض الأفراد. في حقل الدين تزول العناصر العقلانية الثابتة، ويتحوّل الدين إلى «إحساس ديني»[2]؛ بمعنى الآمال المبهمة والأحاسيس التي لا يمكن تفسيرها في ضوء أيّ معرفة واقعية؛ وهي  نظريات من قبيل: نظرية «التجربة الدينية» لوليم جيمس، حتى يذهب إلى حدّ القول بأن هناك في لا وعي الإنسان يتمّ العثور على وسيلة لإقامة الارتباط مع العالم الإلهي، ترتبط بهذه المرحلة[3].

وفي إيضاح عنصر البسط أو التطوّر يمكن القول: إن الرؤية التاريخانيّة تنتهي إلى التقدمية[4]؛ بمعنى أن التاريخ آخذ بالتقدّم

(203)

والتطوّر، وإنه لا يتكرّر لأحد، ويجب البحث عن حقيقة الأمور في تطوّرها وانتشارها وامتدادها؛ إن حقيقة كل شيء هو طبيعته السيّالة، وهذا هو معنى عبارة مارتن هايدغر التي يقول فيها: «إن وجود الإنسان يكتسب معناه في التاريخانيّة»[1].

وعلى حدّ تعبير إرنست ترويلتش[2]، كل ما يُرى في حالة جريان وصيرورة، وإن كل شيء من السياسة والقانون والأخلاق والدين والصناعة والفن ينفسخ في مسار الصيرورة الجديدة واللانهائية على الدوام[3]. وعلى هذا الأساس فإن كل ما هو تاريخي يكون نسبيًّا أيضًا؛ وذلك لأن عناصر الرؤية التاريخانيّة والنسبيّة واحدة، ومن هنا فإن المسيحيّة قد تخلّت عن مدعاها القائم على أن الدين مطلق، وتخلّت الحضارة الغربيّة بدورها عن مدّعاها القائل بأنها هي الحضارة البشريّة الوحيدة؛ إذ نتيجة الرؤية التاريخانيّة هي زوال جميع المعايير الثابتة[4].

وفي نقد هذين المبنيين الأساسيين للرؤية التاريخانيّة، نحيل القارئ الكريم إلى ما ورد في نقد الأنثروبولوجيا التاريخانيّة؛ إذ أن الكثير من تلك الانتقادات تمثل انتقادًا لهذا المبنى أيضًا؛ فإن الأنثروبولوجيا التاريخانيّة قد تبلورت على هامش هذين المبنيين أيضًا. وبالإضافة إلى ذلك سوف نشير باختصار إلى موارد أخرى على نحو عابر:

(204)

نقض المباني التاريخانيّة لذاتها

إن الرؤية التاريخانيّة تعاني من التناقض الداخلي والنقض الذاتي الشديد سواء في الادعاء أو في المباني؛ هذا في حين أن أبسط فرضية لكي تكون قابلة للطرح والبيان يجب أن لا تشتمل على تناقض ذاتي، فما ظنك بما لو كانت نظرية. والذي يزيد الأمر عجبًا أن هذه النظرية تعمل على تقديم نفسها بوصفها فلسفة عالمية. وقد تقدّم بيان التناقض والتنافي في الادعاء في الفصل الثالث؛ وأما التنافي في المباني فهو بأن المباني الفردية ومباني البسط والسيالية تعملان في الواقع على اجتثاث جذورهما. إذ لو أن جميع القضايا المعروضة في العلوم الإنسانية أولًا محكومة بالانحصارية، واعتبرت غير قابلة للتعميم، فيجب على هذه القضية بدورها ـ حيث هي بشأن العلوم الإنسانية ـ أن تتبع هذا القانون أيضًا؛ إذ ملاك الفردية واحد في الجميع؛ فإن قيل: إن هذه القضية لا تشمل ذاتها، كان الجواب: إن هذا الادعاء بدوره يقوّض أسس ادعاء الرؤية  التاريخانيّة أيضًا؛ وذلك لأن نقض تلك القضية كلي؛ كما أن مبنى البسط والسيالية يحكم بدوره على عدم اعتبار نفسه أيضًا؛ إذ لو أن جميع قضايا العلوم الإنسانية كانت محكومة بالسيالية والتغيير، إذن يجب من الآن اعتبار هذه القضايا آيلة إلى الزوال أيضًا، واعتبار احتمال تحوّلها إلى نقيضها أمرًا ممكنًا. وعليه هل يمكن إقامة مثل هذه الرؤية والفلسفة على مثل هذه الأسس الواهية والمتداعية؟!!

(205)

مبنى من دون دليل

لو بحثنا في جميع الكتب التي تمّ تأليفها في موضوع الدفاع عن الرؤية التاريخانيّة ومبانيها، لن نجد ولو دليلًا واحدًا منطقيًّا على صحّة وصوابية تلك المباني؛ وإنما منهجها في الغالب تحليلي وجدلي مع التمسّك بالمصاديق الخارجية وحشد تلك الأمثلة ومراكمتها، وبعد إقناع المخاطب تعمل بخفّة يد فريدة على استغفال القارئ وتحوّل القضية الجزئية إلى قضية كلية وضرورية، وحشرها بوصفها مسألة علمية؛ هذا في حين أنه بناء على ما تقدّم من البحث الأنثروبولوجي أن الحقيقة على خلاف هذه المباني. وقد تمّ هناك ذكر أدلة من داخل الدين وخارجه على أن الإنسان في حدّ ذاته كائن فوق تاريخي، ويمكنه أن يصل إلى قضايا ما فوق تاريخيّة أيضًا.

إنكار الأمور الواقعيّة والبديهيّة

إن ما يذكر بوصفه من مدعيات هذين المبنيين يتعارض مع ما يقع في الخارج ويُعدّ من بديهيات الحياة البشرية. وفي الواقع فإن الذهن الصناعي والمعلمن للإنسان الحديث حيث يواجه الأمور السيّالة والعابرة والمتغيّرة على الدوام، فإنه يغفل عن الأمور الثابتة بالمرّة، ولا يخطر في ذهنه أن هناك خارج هذا الفضاء المفروض أمورًا ثابتة وراسخة كانت موجودة منذ القدم ولا تزال موجودة ومستمرّة، ولم تتحول إلى ثقافة باسم الثقافة الأخرى. ففي جميع الحقول العلمية ـ سواء في ذلك العلوم التجريبية أو العلوم الطبيعية ـ التي هي في معرض التغيير والتبدل، سواء في العلوم الدينية

(206)

والإسلامية، يمكن العثور على الكثير من القضايا التي كانت ثابتة منذ بداية تأسيسها، ولا يزال يتمّ توظيفها واستخدامها؛ من ذلك أن المحقق المسلم عندما يراجع تفاسير القرآن، فإنه على الرغم من مشاهدة الاختلاف في التفاسير، يرى بنفس الوضوح اتحادًا بين آراء المفسرين في الكثير من الموارد، وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر العلوم الأخرى أيضًا.

العدميّة والنهلستيّة

إن النسبية البحتة والمطلقة، وأزمة المفاهيم، والفوضى والهرج والمرج المعرفي، وبالتالي العدمية والنهلستية هي من اللوازم الثابتة للتمسّك بمباني الرؤية التاريخانيّة. لا يمكن العثور على أيّ معيار لتقييم الحقيقة من السراب والفهم الصحيح من الفهم الخاطئ في هذا المذهب وهذه الرؤية، وإن هذا المذهب يواجه طريقًا مسدودًا حتى في تطبيق الأمور الاجتماعية أيضًا. ولو قيل: إن الواقع على خلاف ذلك، وإن القائلين بهذا المذهب لم يواجهوا طريقًا مسدودًا؛ كان الجواب: إنهم من الناحية العملية لا يلتزمون بلوازم نظريتهم، من ذلك أنهم عندما يبطلون جميع المرجعيات في قاموس الرؤية  التاريخانيّة، يذهبون من الناحية العملية إلى إثبات المرجعية في هذا المذهب لآراء الأغلبية؛ في حين أنه طبقًا لهذا المذهب لا يوجد أيّ دليل على اعتبار ذلك. وفي الحقيقة هناك نوع من التناقض الواضح جدًّا بين النظرية والتطبيق في الرؤية التاريخانيّة، وليس لها طريق للخروج من هذا التناقض. ومن الجدير ذكره ـ بطبيعة الحال ـ أنهم

(207)

من الناحية العملية حيث لا يكون هناك ضرر دنيوي يطالهم، فإنهم يلتزمون بلوازم هذه النظرية، ولكن ما أن تتعرّض حياتهم المادية إلى الخطر، حتى يتنكرون لتلك اللوازم بكل بساطة.

لزوم تعطيل وتعليق جميع العلوم الإنسانيّة

إن الالتزام بمباني الفردية والسيالية، يعني تعطيل وإلغاء جميع حقول العلوم الإنسانية؛ وذلك لأن أهداف العلم هي أوّلًا: الوصول إلى القضايا القابلة للتعميم دون الحصر. وثانيًا: الوصول إلى القضايا القابلة للتفسير دون القضايا المحتملة؛ إن القضايا الحصرية لا تقدّم أيّ حلّ لأيّ مشكلة من المشاكل الموجودة في حياة الإنسان. كما أن القضايا المحتملة التي تتغيّر بمجرّد تغيّر الأوضاع والأحوال والثقافات، هي مجرّد قضايا محتملة لا تجدي العلم شيئًا ولا تلبي حاجة من حاجات البشر. من ذلك أن الذي يريد أن يحقق في حقل تربية الطفل ـ على سبيل المثال ـ لو علم منذ البداية أن نتيجة تحقيقه سوف تكون عبارة عن مجموعة من القضايا الحصرية غير القابلة للتعميم، يكون قد حكم منذ البداية بعدم ترتب نتيجة على تحقيقه، وهذا هو اللازم الذي لا ينفك عن مباني الرؤية التاريخانيّة. فلأي طفل يؤلف هذا الكتاب التربوي؟ وإلى أيّ ثقافة وإلى أيّ لغة وإلى أيّ عصر يجب أن ينتمي هذا الطفل؟ هذا في حين أننا نجد اليوم حتى المعتقدين بهذا المذهب لا يلتزمون بهذا اللازم؛ فإنهم يؤلفون الكتب في تربية الطفل، ويترجمونها ويدرسونها في جميع المدارس والجامعات التي تكون في متناول أيديهم؛ ويبدو أن

(208)

هذه المباني كانت ناجعة في بعض الحقول وفي بعضها الآخر كانت عديمة التأثير. من ذلك أنهم حيث يصلون إلى حقل الدين يحكمون ببساطة بانفساخ التعاليم الدينية، وحيث يصلون إلى حقل الأخلاق يحكمون بسياليتها ونسبيتها بكل بساطة، وحيث يصلون إلى حقل القيَم يذهبون بكل يُسر إلى اعتبارها رهنًا بقبولها من قبل الأغلبية؛ وحتى هذا الأمر بدوره لا يستند إلى مبنى، وأما في سائر العلوم التي يؤثر تغييرها على حياتهم المادية فإنهم يعتبرون مبانيها لاغية ويرونها بحكم المعدومة. وهناك لن يكون وجود للفردية والتغيير، أو أن وجودها يصل إلى الحدود الدنيا.

نقد تاريخيّة الدين في مرحلة تحوّل الدين إلى المعرفة الدينيّة

طبقًا لهذه الرؤية حيث أن الذي يبقى بين أيدي البشر لن يعدو أن يكون هو مجرّد المعرفة البشرية لمصادر الوحي، وليس ذات الوحي الخالص؛ وعليه فإن الذي يكون من نصيب الإنسان لن يعدو الوحي التاريخي. إن الذي بين أيدينا هو نص القرآن الكريم والروايات، وليس هناك من يبيّن لنا المعنى الواقعي المراد من هذه الآيات والروايات، وإنه الذي نفهمه من القرآن الكريم إنما هو فهمنا الخاص، وليس فهم القرآن الخالص؛ وإن لفرضيّاتنا ومتبنيّاتنا تأثيرها على فهم القرآن، ولذلك فإن الذي نمتلكه من الدين على المستوى العملي إنما هو فهمنا البشري، والفهم البشري فهم تاريخي ونسبي ومحدود وعرضة للخطأ.

إن هذه المسألة تأتي بتأثير من الرؤية الهرمنيوطية، والتي بلغت

(209)

ذروتها في الهرمنيوطيقا الفلسفية والرؤية  التاريخانيّة الفلسفية.

إن تحقق الفهم بشكل طبيعي ـ في ضوء الهرمنيوطيقا الفلسفية ـ يتوقف على تحقق العلل والأسباب والعوامل الدخيلة فيه أيضًا، وإن من بيت هذه العوامل الفرضيات والخلفيات السابقة على الفهم، والمراد بالفرضيات السابقة هو ذات ما اصطلح عليه مارتن هايدغر بالمؤلفات والأبنية السابقة[1] على الفهم، واعتبرها مكوّنة من ثلاثة عناصر، وهي: المدخرات السابقة[2]، والرؤية السابقة[3]، والفهم السابق[4] قبل كل شيء[5].

إن إيضاح وشرح كل واحد من هذه المصطلحات يخرج عن طاقة هذا الفصل، ولكن يمكن القول في جملة واحدة: إن كل ما يتمخض عن الرؤية والأفق الفكري والمحتويات العلمية والتاريخ والثقافة والتراث الذي عاش الشخص في كنفه وترعرع ضمنه حتى أصبح من حيثياته الوجودية، يُعدّ من وجهة نظر الهرمنيوطيقا الفلسفية من الفرضيات السابقة على الفهم.

لا كلام في أن نوع الأفهام يقوم على فرضيات سابقة متناسبة معها، فإن الكثير من الفرضيات السابقة يتمّ إدخالها بشكل واع ومقصود في عملية الفهم، كما أن بعضها يؤثر أحيانًا في فهم

(210)

المسألة بشكل غير مقصود؛ وعلى هذا الأساس ليس هناك من ينكر في الجملة إمكان تأثير الفرضيات السابقة والتراث والرؤية الكونية والبيئة والظروف والموقعيات المختلفة في كيفية الفهم، بل وإن الكثير من الفرضيات السابقة هي بمنزلة الشرائط المعتبرة في الفهم الصحيح، وإذا لم يكن لها وجود أو لم يتمّ إدخالها، لن يكتب التحقق للفهم من الأساس، أو أن الفهم المتحقق لن يكون صحيحًا. كما أنه ليس هناك من ينكر أن كل شخص ينظر إلى كل موضوع من زاوية رؤيته، بيد أن المسألة تقول: ما هي حدود وكيفية تأثير هذه الأمور؟ وهل تقوم علاقة الضرورة بين هذين الأمرين؟ وهل هناك علاقة علّية ومعلولية بين الفهم والفرضيات السابقة، بحيث كلما تغيّرت الفرضيات السابقة تغيّرت الأفهام تبعًا لذلك أيضًا، وحيث تكون الفرضيات مختلفة تكون الأفهام مختلفة أيضًا؟ وهل هناك ملازمة قطعية وعقلية بين الفرضيات السابقة وبين الفهم؟ أم أن هذا التأثير إنما هو على النحو الاقتضائي، بل وأقل من ذلك وعلى نحو العلل الإعدادية؟ ويمكن الحيلولة دون تأثيرها أو الانفصال عنها وتجاوزها وإصدار الأحكام بغض النظر عنها؟ تذهب الهرمنيوطيقا الفلسفية إلى استحالة تجنّب تأثير الفرضيات السابقة بشكل مطلق، وأن العبور على هذه الفرضيات والنظر إلى موضوع المعرفة بعيدًا عن الفرضيات السابقة، أو النظر الاستقلالي إلى ذات الفرضيات السابقة ودراستها ليس ممكنًا، ومن هنا تذهب الهرمنيوطيقا الفلسفية إلى القول باستحالة الوصول إلى مراد المؤلف. وفيما يلي نعمد إلى تحليل هذه المسألة في ثلاثة فصول.

(211)

رأي غادامير حول تدخّل الفرضيّات السابقة في الفهم

المحدوديّة الذاتيّة للإنسان

طبقًا لما ورد في كتاب الحقيقة والمنهج فإن التموضع ضمن السنن إنما يعني في الحقيقة والواقع التبعية للأحكام المسبقة وتقييد حرية الشخص وكل إنسان، وحتى أكثر الناس تحرّرًا يكون مقيّدًا ومحدودًا بطرق مختلفة، وإذا صحّ ذلك فإن فكرة العقل المطلق[1] لن تكون من الأمور الممكنة بالنسبة إلى الإنسانية التاريخانيّة. إن العقل إنما يتحقق بالنسبة لنا في الشرائط الانضماميّة والتاريخانيّة فقط، بمعنى أن العقل لا يمتلك زمام نفسه، وإنما هو على الدوام تابع للموقعيّات المعيّنة التي يعمل فيها. إن هذا الأمر لا يصدق بالمعنى الذي وقع فيه إيمانوئيل كانط تحت تأثير النقد الشكّي لديفد هيوم فقط، بل وتصدق في الغالب حتى في مورد الوعي والإدراك التاريخي وإمكان المعرفة التاريخانيّة أيضًا. وفي الحقيقة فإن التاريخ لا يتعلق بنا، وإنما نحن الذين نتعلق به. فمنذ أمد بعيد ونحن بدلًا من أن نفهم أنفسنا من خلال الرؤية الذاتية[2]، قد دأبنا على فهم أنفسنا بشكل بديهي في إطار الأسرة والمجتمع والبلد الذي نعيش فيه. إن مركز اهتمام الذاتانية مرآة تظهر الأمور بشكل معكوس. إن الوعي الذاتي للفرد ما هو إلا مجرّد تخبّط يائس ضمن نطاق مغلق من الحياة التاريخانيّة، ومن هنا فإن الأحكام المسبقة للفرد تعمل على صياغة الواقعية التاريخانيّة لوجوده على نحو أكثر

(212)

بكثير ممّا تفعل أحكامه الخاصّة والمستقلّة[1].

إن ادّعاء العلم العيني ـ العلم المعتبر على نحو عيني ـ يتضمّن موقفًا فيما وراء التاريخ؛ بحيث يمكن النظر من ذلك الموقف إلى ذات التاريخ، ومثل هذا الموقف ليس في متناول الإنسان. إن الإنسان المتناهي والتاريخي إنما ينظر ويفهم على الدوام من زاوية الموقف الذي يجد نفسه فيه من حيث الزمان والمكان. لا يمكن للإنسان أن يقف فوق نسبية التاريخ، وأن يكتسب «علمًا معتبرًا على نحو عيني»[2].

إن الفهم ـ من وجهة نظر غادامير ـ نحو من الوجود والكينونة الإنسانية، وإن كل إنسان يتعلق بزمانه الوجودي الخاص، ومن هنا فإن كل فهم يكتب له التحقق، يكون هو إمكانه الوجودي الخاص، الذي توفر في ظرفه الوجود وزمانه الوجودي، وعليه لا يعود هناك بعد ذلك معنى لكي نتوقع معه أن يكون المفسّر منفصلًا عن زمانه الوجودي، وأن يسير في أفق زمني آخر[3].

استحالة تجنّب تدخل الفرضيات السابقة في الفهم

«إن سهم أحكامنا المسبقة في بناء كينونتنا أكثر بكثير من سهم أحكامنا في بناء هذه الكينونة»[4].

(213)

إن إلغاء الفرضيات السابقة ليس أمرًا مرفوضًا ـ في قاموس الهرمنيوطيقا الفلسفيّة ـ فحسب، بل هو في الواقع مستحيل التحقق، وإن عملية الفهم والتفسير من دون تدخل الأحكام المسبقة والتصوّرات السابقة غير قابلة للتحقق أصلًا.

«إن السعي إلى التخلّص من تصوّراتنا في أمر التفسير، ليس مستحيلًا فحسب، بل هو فاقد للمعنى وغير معقول. إن التفسير يعني بشكل دقيق إدخال تصوّراتنا السابقة في اللعبة؛ إلى الحدّ الذي يتمّ معه إقدار مفهوم النص ليتكلّم معنا»[1].

فهم إنتاج المعنى الجديد لا إعادة إنتاج المعنى القديم

يذهب هانس غادامير إلى الاعتقاد بأن إعادة إنتاج المعنى القديم أمر مستحيل من الأساس؛ وذلك لاستحالة الانفصال عن أحكامنا السابقة والراهنة؛ فإن للفهم بُعدًا إنتاجيًّا، وليس بُعدًا لإعادة إنتاج ما كان موجودًا في السابق[2]. وعلى هذا الأساس فإن الفاصلة الزمنية حقيقة لها مدخلية في بلورة معنى الأثر، وليست هي بالشيء الذي يمكن التغلب عليه أو الالتفاف حوله أو تجاهل دوره في بلورة الفهم[3].

إن الزمن الحاضر إنما يُرى ويتمّ فهمه من طريق النوايا وأنحاء

(214)

الرؤية والأفهام السابقة الموروثة من الماضي. إن الماضي ليس بمنزلة الكتلة المتراكمة من الأمور المتحققة التي يمكن لها أن تقع موضوعًا للوعي والإدراك، بل هو بشكل دقيق عبارة عن مجرى سيّال نتحرّك عليه ونشاركه في عملية الفهم. وعليه فإن التراث والسنة ليست شيئًا في قبالنا، بل هي شيء نقع فيه، ويكتب لنا الوجود بواسطته[1].

نتائج رأي هانس غادامير

ـ إن كل شخص من أفراد الإنسان محدود بتاريخه، ولا يمكنه أن يتجاوز التاريخ أبدًا، وإن فهمه بالضرورة متأثر بهذه المحدودية أيضًا.

ـ إن الفرضيات المسبقة تمثّل حيثية وجودية للإنسان.

ـ إن تدخّل الفرضيات المسبقة في بلورة الفهم أمر لا يمكن اجتنابه.

- إن الوصول إلی مراد المؤلف لا هو ممکن ولا مطلوب. 

- إن الفرضيّات المسبقة بدورها أمور متحرّكة وتاريخيّة وغير ثابتة.

ونتيجة لذاك:

ـ إن الفهم هو إنتاج مبدع على الدوام، وليس إعادة لإنتاج المعاني والمفاهيم القديمة.

(215)

ـ إن الأمر سيبقى على الدوام أمرًا تاريخيًّا ومتحرّكًا.

وفيما يلي سوف نعمل على نقد نظرية هانس غادامير، ونعني بها نظرية التدخل القهري والضروري للفرضيات المسبقة التاريخانيّة والمتحرّكة في عملية الفهم.

مسألة الفرضيّات المسبقة والإشكالات التحليليّة والعقليّة

يمكن أن نفهم من كلمات هانس غادامير ـ التي تقدّمت الإشارة إليها في بداية البحث ـ أنه يرى أن تأثير الفرضيات المسبقة أمر ضروري بشكل مطلق. والسبب الرئيس في مواجهته للنزعة العينية  التاريخانيّة لدلتاي وشلايرماخر يعود بدوره إلى هذه النقطة؛ إذ أنهما كانا يقولان بإمكان الالتفاف على الشرخ الزمني وإزاحة الفرضيات السابقة، والوصول إلى مراد المؤلف والتماهي معه، وهو ما كان هانس غادامير يراه أمرًا مستحيلًا. وفي هذه الحالة ترد على هانس غادامير الإشكالات الآتية:

ضرورة لا تستند إلى دليل

إن هانس غادامير لا يذكر أيّ دليل على هذا الارتباط الضروري المزعوم، وإنما يرى مجرّد وجود الأفهام المختلفة دليلًا على تدخل الفرضيات المسبقة، ولا شك في عدم وجود ملازمة بين أصل التدخل وضرورة التدخّل. كما أن القول بأن الفرضيات المسبقة تمثل الحيثية الوجودية للإنسان بدوره لا يمكن أن يُبرر ضرورة تدخل الفرضيّات المسبقة في توجيه دفّة الفهم؛ إن لدى الإنسان

(216)

فيما وراء الفرضيات المسبقة حيثيات وجودية أخرى لا تتدخل في عملية الفهم، يُضاف إلى ذلك أن هانس غادامير قد غفل عن قوّة الروح المجرّدة لدى الإنسان في توظيف أو تعليق بعض حيثياته الوجودية في فهم الأمور. إن الشخص الذي يحمل فرضيات مسبقة ومتبنيات شيعية أو سنية، يمكن له العمل على تحييدها بإرادته، والذهاب مرّة أخرى إلى القراءة والتعمّق بمعزل عن معتقداته؛ لينكشف له الحق كما هو بشكل واضح. كما يمكن للعارف أن يعمل على تحييد فرضياته العرفانية المسبقة في الاستنباط الفقهي، وأن يسلك في هذا المسار سلوكًا فقهيًّا بالكامل، ويفتي على أساس الفهم الفقهي البحت. ولكننا ـ بطبيعة الحال ـ لا ننكر في الوقت نفسه وجود بعض الأشخاص الذين يعملون على إدخال فرضياتهم المسبقة في غير موردها عن قصد أو عن غير قصد. إلا أن هذا لا يصلح دليلاً على القول بضرورة هذا التدخل. إلا أن هذا لا یمکنه تفسیر الضرورة.

عدم إمكان الفهم الواحد والثابت

لو كنا من القائلين بالارتباط الضروري والتدخل الحتمي للفرضيات السابقة في الفهم، يجب أن لا يكون هناك إمكان لتحقق الفهم الواحد لشخصين في أيّ مسألة من المسائل؛ إذ طبقًا لرأي غادامير ليس هناك شخصان متحدان في مجموع الفرضيات السابقة، مهما كانت لهما فرضيات سابقة مشتركة في الجملة، ومن ناحية أخرى فإنه يقول بأن جميع الفرضيات السابقة دخيلة في

(217)

الفهم، ومن هذه الناحية يرى استحالة الوصول إلى مراد المؤلف. كما أن لازم قوله هذا عدم إمكان الفهم الثابت حتى لشخص واحد في مختلف الموقعيات وعلى طول الشريط الزمني؛ إذ سيطرأ التغيّر على الفرضيات السابقة بمرور الزمان حتمًا، وإن التراث والأحكام المسبقة والفهم من وجهة نظر غادامير في تغيّر وحركة وصيرورة دائمة، في حين أننا نرى في الكثير من المسائل لا بالنسبة إلى شخص واحد أو شخصين أو مجموعة من الأشخاص المتعاصرين، بل وعلى مدى قرون متوالية، وجود رأي مشترك، وتتضح هذه المسألة في فهم النصوص الإسلامية؛ حيث الجميع يشتركون في أمّهات المسائل الهامّة على الرغم من مضي أربعة عشر قرنًا من بداية عمليات الاستنباط وتفسير هذه النصوص والمتون الأصلية. فهل يمكن القول: لم يحدث أي تغيير في أيّ فرضية مسبقة طوال هذه القرون، وأن التراث والموقعيات الاجتماعية قد بقيت على نحو ثابت؟ إن هذا المبنى لن يتناغم مع مبنى غادامير نفسه.

وجوب تغيّر الأفهام بما يتناسب مع تغيّر الفرضيات السابقة

لو كانت العلاقة والتأثير بين الفرضيّات المسبقة وعملية الفهم، من قبيل التأثير الضروري كالعلاقة بين العلة والمعلول، يجب أن يكون هناك اختلاف في الفهم، وتغييرات في الفهم بعدد التغيّرات التي تحدث في الفرضيات المسبقة في المسألة على طول التاريخ، هذا في حين أننا في المسائل المختلف فيها نجد أن الاختلاف بين الأقوال ينحصر عادة في دائرة خاصّة ومساحة محدّدة، ولا نشاهد

(218)

في البين تعدّدًا وكثرة في الفرضيّات المسبقة. يضاف إلى ذلك هناك في الكثير من الموارد إمكانية لتعدد النظريات إلى حدّ مشخّص، وليس هناك بعد ذلك نظرية ليسعى الآخرون إلى الوصول إليها بواسطة الفرضيات المسبقة المختلفة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الحكم الذي يرتضيه الموضوع الفقهي في الحد الأقصى لن يخرج عن أحد الأحكام الفقهية الخمسة، أو الموضوع في الفلسفة قد يدور أمره مدار «الوجود» أو «العدم»، ولا يمكن تصوّر شقّ ثالث في البين. ويبدو لو أن هانس غادامير كان قد التفت إلى وجود الأفهام المشتركة طوال التاريخ، ودقق في مساحة تغيير الأقوال بشكل أكبر، لربما كان قد تخلى عن الكثير من آرائه ونظرياته. ويبدو أنه إنما اقتصر على مشاهدة الاختلافات فقط، فوصل بذلك إلى نتيجة حاسمة أو ذهب به الحدس إلى أن جميع الأفهام تاريخية، ولذلك فهي بالضرورة متغيّرة على الدوام.

مساحة تدخّل أيّ فرضية مسبقة

إن السؤال الأساسي الذي يتمّ توجيهه إلى هانس غادامير هو القول: أفهل كل ما كان من قبيل الفرضية المسبقة بالنسبة إلى الشخص يجب أن يكون له تدخّل في جميع أفهامه، حتى لو كانت الفرضيّات المسبقة ـ من وجهة نظره ـ من الحيثيّات الوجودية للإنسان، يجب أن تكون دخيلة في فهم الإنسان بالضرورة أيضًا؟ وهل أن جميع الفرضيات المسبقة للإنسان وجميع حيثياته الوجودية دخيلة في مجموع أفهامه؟ وهل يتعيّن على الإنسان أن يحشد جميع

(219)

فرضياته السابقة ويعمل على توظيفها في مسألة ما حتى ولو لم يكن لها أيّ صلة بتلك المسألة؟ فقد حصل كثيرًا أن ننظر إلى مسألة من مختلف الزوايا، ونعمل في كل رؤية على تحييد بعض الفرضيات المسبقة ونعمل على توظيف بعضها الآخر، ويمكن للكثير من هذه التوظيفات أو التحييدات أن يكون اختيارًا.

تدخل الفرضيات السابقة في «المفهوم لأنفسنا»

لقد ذهب إريك هيرش ـ بعد قوله بإمكان رفع اليد عن الفرضيات السابقة ـ إلى الاعتقاد قائلًا: لو تمّ الإصرار على أن كل نوع من التنظيم الفكري حول نص الفرضية السابقة، واستحالة التخلص منها، فسوف نقول: إن تدخّل الفرضيات السابقة في «المفهوم لأنفسنا»[1]، وليس في «المفهوم اللفظي»[2]، والمعنى الذاتي للنصّ هو ذات مراد المؤلف. وعلى هذا الأساس، يمكن الوصول في النص إلى فهم ثابت، ويكون هذا الفهم من ذات المعنى وليس من المفهوم لأنفسنا. وإن الذي يُعدّ أمرًا تاريخيًّا هو «المفهوم لأنفسنا» وليس المفهوم في ذات النص[3].

يبدو هذا الإشكال من إريك هيرش واردًا. توضيح كلام هيرش على النحو الآتي: تارة يكون الإنسان في مقام جمع المعلومات، وفي مقام فهم رأي المؤلف، ويحضر حلقة درس ليفهم رأي الأستاذ أو المعلم في موضوع خاص؛ وهو في جميع هذه الموارد يكون

(220)

في مقام جمع المعلومات؛ وهو في هذا المقام لا يسعى إلى تقييم صحّة وسقم هذه المعلومات، وفوق ذلك أنه في هذه الموارد ينطلق ليفهم ولا يحكم، ولا يعمل على إدخال فرضياته السابقة في البين. في هذه الموارد لا يكون للفرضيات السابقة تدخل ضروري في الفهم، ولكن بعد ذلك تأتي مرحلة الأحكام المسبقة؛ وفي هذه المرحلة يبدأ بالتفكير فيما بينه وبين نفسه، ويدرس النص أو الرأي من مختلف الزوايا، ويعمل على تقييمها بواسطة معطياته، ويعمل على توظيف فرضياته السابقة، وفي نهاية المطاف يُصدر حكمه بصحتها أو بطلانها أو إصلاحها، ويكون ما يقوم به هنا هو التصديق والإقرار بالنسبة؛ ولا شك في أن فرضيات الشخص ومبانيه لها دخل في حكمه، وهذا هو «المفهوم لأنفسنا» الذي يتحدث عنه إريك هيرش.

مسألة الفرضيّات النقيضة السابقة

«لو كانت جميع المعارف البشرية ضيوفًا على الفرضيات السابقة، وكانت الفرضيات السابقة على الدوام قوالب تعمل على بلورة وتشكيل معارفنا، وإن كانت هي في حدّ ذاتها تحصل على نسبة جديدة في ضوئها، فإن كل فكرة أو رؤية جديدة في هذه الحالة يجب أن تتناسب مع الأفكار السابقة، وإن الحركات العلمية يجب أن تكون حركات تدريجيّة، وأن يكون تأثيرها وتأثرها في كل مقطع ومرحلة متناسبًا مع المقاطع والمراحل القديمة والآتية، بمعنى أنه لا ينبغي أن

(221)

تظهر فكرة أو رؤية جديدة لا تتناسب أبدًا مع الفرضيات السابقة، بل ومتضادة ومخالفة لها، في حين أننا نجد الكثير من المفكرين الذين يتوصّلون ـ على الرغم من فرضياتهم الذهنية السابقة ـ إلى براهين أدت إلى تقويض وهدم جميع الفرضيات السابقة، بل وأعدت الأرضية إلى تحصيل المعارف اللاحقية، دون أن يتأثروا بالأصول السابقة. إن هذا يعكس قدرة الإنسان على تحصيل المطالب التي لا تكون غير ذات صلة بالمعلومات السابقة فحسب، بل وتعمل على إزالتها والقضاء عليها أيضًا، وتقوم بتوجيه المعارف القادمة. إن تحوّل المباني الفكرية لبعض الفلاسفة يُعدّ من هذا القبيل»[1].

معضلة الأفهام الأولى

لو لم يكن هناك فهم دون أن تكون هناك فرضيات مسبقة، وأن الفرضيات المسبقة تُعدّ من شرائط تحقق الفهم، فكيف تمّ فهم ذات هذه الفرضيات المسبقة؟ إن الجواب عن هذا السؤال ـ طبقًا لمبنى هانس غادامير ـ هو أن الفرضيات المسبقة ليست أمورًا ثابتة، بل هي في حالة مستمرة من الحركة والسيلان، وإن كل فرضية مسبقة تتمخّض عن الفرضيات السابقة عليها. عندها يرد هذا الإشكال القائل: كيف تكوّن الأفهام الأولى للإنسان؟ ففي نهاية المطاف يجب أن تنتهي هذه السلسلة إلى بداية عند كائن محدّد مثل

(222)

الإنسان؛ فهل هذه الأفهام الأولية بدورها متأثّرة بالفرضيّات السابقة عليها؟ يبدو أنه لا طريق لهانس غادمير للتخلّص من هذا الإشكال، إلّا إذا قال بأن الإنسان يأتي إلى هذا العالم وهو يحمل فرضياته السابقة معه، وأن نفسر عبارة «الكينونة - في - هناك» و«الكائن الذي تمّ القذف به» لمارتن هايدغر، بمعنى أن الإنسان ليس هو وحده الذي يكون وجوده وكينونته من دون اختياره، وقد تم القذف به في حلقة من حلقات الوجود حيث يكون السابق واللاحق فيها متعلقًا ومختصًا به على نحو حصري فقط، بل وحتى فرضياته السابقة وأفهامه الخاصة تكتسب حالة من القذف والانقذاف أيضًا.

وبطبيعة الحال يمكن لهانس غادامير أن يجيب عن ذلك بالقول: حيث أن بحثنا يقع في تدخل التراث والفرضيات السابقة وغير الشخصية؛ فحتى الأفهام الأولى تكون قد تحققت على طبق ما وضعه التراث والفرضيات السابقة للمجتمع بين يديه في تلك الموقعية الزمانية/ المكانية، ولا شك في أن الثقافات المختلفة سوف تترك تأثيرات مختلفة من هذه الناحية، إلا أن هانس غادامير سوف يواجه معضلة أخرى هنا، وهو أنه لم يتحقق امتزاج للآفاق في خصوص هذه الموارد، في حين أن غادامير كان يقول بأن الفهم عبارة عن امتزاج للآفاق[1]. وفي الواقع فإن هذا الأمر يمثل تهافتًا آخر بين أجزاء نظرية الهرمنيوطيقا الفلسفية لهانس غادامير.

(223)

الإجابة عن هذا الرأي بالنظر إلى آيات القرآن

على الرغم من أن القرآن الكريم ليس كتابًا أبستمولوجيًّا وليس كتابًا فلسفيًّا، بل هو كتاب جامع لهداية الإنسان؛ إلا أن هذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نستخرج منه بعض المباني أو اللوازم المعرفية، كما هو الحال بالنسبة إلى القول بأن القرآن الكريم ليس كتابًا فقهيًّا، إلا أن هذا لا يعني أن الفقهاء لا يستطيعون أن يستنبطوا منه بعض الأحكام الفقهيّة أو بعض القواعد والمباني الفقهيّة. ويمكن لعلم التفسير أن يقدم لنا الكثير من العون في هذا المجال.

إن الآيات التي يمكن لنا أن نتمسّك بها فيما يتعلق بالموضوع أعلاه ـ ونعني بذلك كيفية تدخّل الفرضيات المسبقة في الفهم ـ تنقسم إلى عدّة أقسام. فبنظرة عامّة إلى آيات القرآن الكريم، يمكن القول: هناك مجموعتان من الآيات القرآنية التي يمكن التمسّك بها لإنكار التدخّل الحتمي للفرضيات المسبقة في عملية الفهم، وهما كالآتي:

آيات التعليم

ـ (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [1].

ـ (الرَّحْمَنُ  عَلَّمَ الْقُرْآَنَ  خَلَقَ الْإِنْسَانَ  عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [2].

(224)

ـ (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [1].

ـ (وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) [2].

ـ (وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [3].

إن الآية الأولى إلى الثالثة من الآيات أعلاه، ترتبط بتعليم الأنبياء، والآيات الأخرى ترتبط بتعليم سائر الناس. إن الله سبحانه وتعالى ـ طبقاً للآيات أعلاه ـ هو الذي علم الأسماء للنبي آدم عليه‌السلام ، وهو الذي علم القرآن للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلم البيان للإنسان، وإن الأنبياء بدورهم يعلمون الناس الكتاب والحكمة ويقومون بتزكيتهم. طبقًا لهذه الآيات فإن آدم عليه‌السلام قد تعلم ذات الشيء الذي علمه الله له، وإن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بدوره قد تعلم ذات القرآن الذي أنزله الله عليه، وإن الفرضيات السابقة لآدم والنبي الأكرم لم تحل دون فهم مراد الله سبحانه وتعالى. والناس بدورهم يعمل كل واحد منهم على فهم ما يتعلمه من النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله في حدود قدراته الاستيعابية. إن وجه الدلالة على النحو الآتي:

1ـ إن التعليم من دون تعلّم محال من الناحية العقلية؛ فإن تحقق التعليم من الناحية العقلية يتساوى مع تحقق التعلّم. وذلك لأن العلاقة بين التعليم والتعلّم هي علاقة العلّة والمعلول، وإن للعلّة

(225)

والمعلول وحدة وجودية وتحققية، وإن الاختلاف بينهما يكمن في تقدم المرتبة الوجودية. وعندما يتحدّث القرآن الكريم عن وقوع التعليم، يكون التعلم واقعًا قطعًا.

توضيح ذلك أن المراد من العلّة والمعلول هنا ليس هو المعنى العُرفي ولا حتى المعنى الفقهي والحقوقي لهما؛ ففي هذا المعنى لربما لا يكون هناك أيّ اتحاد وجودي بين العلّة والمعلول، من ذلك أن المباشر لقتل إنسان ـ على سبيل المثال ـ يُعدّ من زاوية الفقه والحقوق علّة لقتله، والقتل معلولًا للقاتل، مع أنه ليس هناك اتحاد بين القاتل والقتل. بل إن المراد هنا هو المعنى الفلسفي للعلة والمعلول، إن اتحاد العلة والمعلول في المرحلة الأخيرة والعلة القريبة من المعلول المباشر هو ما نعنيه تمامًا بالعلة والمعلول الفلسفي. قد لا تكون هناك أيّ عليّة بين المعلّم والمتعلّم، بيد أن التعليم والتعلم حيثما كانا، تكون هناك عليّة ومعلولية حيث يوجدان بوجود واحد، وذات هذا الوجود الواحد يكون من حيثية ومن زاوية واحدة علة (التعليم)، ومن حيثية وزاوية أخرى معلولًا (التعلّم). إن تحريك شيء علة، وتحرّك ذلك الشيء معلول؛ ومن حيث انتساب هذه الحركة إلى المحرّك يتمّ انتزاع العلية، ومن حيث انتسابها إلى المتحرّك، يتم انتزاع المعلولية. إن قذف الحجر علة لانقذافه، كما أن القطع والانفطاع، والتحريك والتحرّك، ورفع درجة الحرارة وارتفاعها، والترتيب والترتّب، والتحسين والتحسّن، والتنظيم والانتظام وما إلى ذلك كلها علل ومعاليل، وتوجد بوجود واحد؛ وهكذا الأمر بالنسبة إلى التعليم والتعلّم. فلا يمكن أن يتحقق

(226)

التعليم دون أن يتحقق التعلّم، كما يستحيل عقلًا ومنطقًا أن يتحقق التحسين ولا يتحقق التحسّن.

2ـ لقد أخبر الله سبحانه وتعالى بالتعليم؛ وحيث لا يكون التعلّم واقعًا ومتحققًا، لكان لازم ذلك عدم تحقق التعليم، ونتيجة ذلك نسبة صدور الكذب على الله سبحانه، وهذا الأمر محال في مورد الله تعالى. ومن الجدير ذكره أن التعليم غير التدريس، فقد يكون هناك تدريس ولا يستتبع تحققًا للتعليم، وأما التعلّم فحيثما وُجد، يجب أن يكون هناك تعلم أيضًا. والتعليم إن كان بمعنى إعداد مقدّماته، فعندها لا يكون من المناسب الإخبار عن وقوعه، ولما كان من المناسب أن يؤمر النبي آدم عليه‌السلام بأن يعلّم الملائكة ما سبق له أن تعلّمه.

3 ـ لو أن الله سبحانه وتعالى أو النبي أو أيّ معلّم آخر، عمد إلى تعليم شيء لشخص، إلا أن ذلك الشخص تعلّم شيئًا آخر، أو تعلم ذلك الشيء ولكن ليس بشكل خالص، وإنما شابه بفرضياته السابقة، عندها لن يكون تعليم ذلك الشيء قد تحقق. إن مفاد الآيات أعلاه أن الله سبحانه وتعالى قد علّم القرآن الكريم، فلو أن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يتعلّم ذلك القرآن، أو أن فرضياته السابقة كان لها تدخّل في كيفية فهم المعنى، لكان لازم ذلك عدم تحقق تعليم القرآن، وهذا يتنافى مع القاعدتين العقليتين أعلاه؛ إحداهما قاعدة استحالة الانفصال بين العلّة والمعلول في التحقق وهي من حكم العقل النظري، والقاعدة الأخرى استحالة صدور الكذب عن الله

(227)

سبحانه وتعالى وهي من حكم العقل العملي والعقل النظري أيضًا.

4 ـ طبقًا لهذه الآيات فإنه ليس هناك إمكان للحيلولة دون التدخل الاعتباطي للفرضيات السابقة فحسب، ولا أن هذا الإمكان قد بلغ مرحلة الفعلية والتحقق فحسب، بل وإن الظرفية العلمية للإنسان قد بلغت حدًّا صار معه بمقدوره أن يتعلم جميع الأسماء بمختلف التفاسير الواردة في الروايات وكتب التفسير أيضًا؛ إن بمقدوره أن يفهم مراد المتكلم سواء أكان هذا المتكلم هو الله أو النبي، وأن يتعلّم ما أراد الله ورسوله أن يتعلمه ويصل بواسطته إلى اليقين. كما أن الظرفية العلمية للإنسان ـ في ضوء هذه الآيات ـ أوسع من الملائكة؛ وذلك لأن آدم صار في رتبة من يعلمهم. والنقطة الظريفة في هذه الآية أن الحديث في مورد النبي آدم عليه‌السلام يقع حول التعليم والتعلّم، وأما في مورد الملائكة فالحديث يرد عن مجرّد الإنباء والإخبار والاستخبار عن الأسماء الإلهية فقط.

وقال الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري، في تفسير قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) [1]: عندما يرفع القرآن الكريم درجة علم آدم إلى ما لا نهاية؛ فإنه يريد بذلك أن يقول: إن الإنسان يمتلك إمكانية لا متناهية في تحصيل المعارف. إن القرآن الكريم يخاطب الناس ويقول لهم: يا بني آدم إنكم أبناء ذلك الشخص الذي بلغ هذا المستوى اللامتناهي من العلم والمعرفة، فعليكم أن تسعوا

(228)

إلى تحصيل المعرفة اللامتناهية[1]. وبطبيعة الحال فإن ذات العلم اللامتناهي لا يُستفاد من ذات الآية، إذ ليس هناك ما يدلّ على عدم التناهي لا في كلمة «الأسماء» ولا في كلمة «كلها»، إلا إذا أقيم دليل آخر على عدم تناهي الأسماء. ولذلك يُحتمل أن يكون مراد الأستاذ الشهيد المطهري عدم التناهي العُرفي بمعنى الكثرة التي تفوق حدّ الإحصاء.

وقال صدر المتألّهين في تفسير هذه الآية:

«المعنى أن الله تعالى خلق آدم عليه‌السلام من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدًّا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات؛ لاشتماله على جميع النشئات الدنيوية والمثالية والأخروية، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وحقائقها الكلية والجزئية وخواصها وأسمائها، وأصول العلوم وقوانين الصناعات، وكيفية اتخاذ الآلات، حتى صار في نفسه عالمًا تامًّا منفردًا منفصلًا عن العوالم كلها، ذا هيئة جمعية ونظام وحداني مضاهيًا للعوالم الثلاثة»[2].

5ـ إن الكلام في هذه الآيات عن إمكان تحقق التعلّم بمعزل عن الدور السلبي للفرضيات السابقة؛ وأما أن يكون هذا العلم يتحقق على نحو العلم الحضوري أو الحصولي، فهو خارج عن محل بحثنا؛ إذ ليس لذلك تأثير على الاستدلال بهذه الآيات.

(229)

6ـ يقع الحديث تارة عن التدخّل المطلق للفرضيات السابقة في الفهم، وتارة أخرى يقع الكلام عن الفهم في حدود الوسع والقدرة، وهناك فرق بين هذين المقامين. ففي المقام الأول يرد الكلام عن إسقاط الفرضيات السابقة على المحتوى، ولذلك ذهب هانس غادامير إلى اعتبار الفهم مولدًا لمعنى جديد، وليس إعادة إنتاج للمعنى المراد للمؤلف. وفي المقام الثاني يرد الكلام عن فهم خالص المعنى دون أن يمتزج المعنى المراد للمؤلف بالمعاني أو المفاهيم الأخرى. من قبيل أن نملأ القربة بماء البئر، فإن الذي سيكون في جوف القربة ـ في مثل هذه الحالة ـ هو ماء البئر، ولكن مقداره لا يزيد عن القدرة الاستيعابية للقربة. ومن هنا يكون القرآن الكريم ـ على حد تعبير العلامة الطباطبائي ـ بمنزلة المائدة السماوية التي تعرض على جميع الناس على حدّ سواء، ويحصل كل شخص من هذه المائدة بمقدار سعته وظرفيته[1]، ومن الواضح أن هذا شيء مختلف عن إدخال الفرضيات السابقة في محتوى الفهم. أجل، لو كان جوف القربة قبل ملئها بماء البئر متّسخًا بالأدران والطين، فإن الماء الذي يدخل فيها سوف يمتزج بتلك الأدران التي سبق وجودها في القربة؛ كما هو الحال فيما لو تدخلت الفرضيّات الباطلة السابقة في تفسير وفهم معنى المتن.

وقال العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآية: لقد توصل آدم إلى العلم بجميع حقائق الأسماء وذواتها، وانكشفت له هذه الحقائق

(230)

على نحو تام[1]، وهذا النوع من العلم ليس فطريًّا بالنسبة إلى أيّ إنسان قطعًا. وقد ذهب الأستاذ الشهيد المطهري حتى إلى اعتبار هذه الآية دليلًا على بطلان نظرية أفلاطون. لقد ذهب أفلاطون إلى الاعتقاد بأن روح الإنسان قبل أن تأتي إلى هذه الدنيا، كانت موجودة في عالم الكليات والمُثُل، وإن كل ما يمتلكه من الجزئيات والتفاصيل في العالم المادي، كان أصله موجودًا في عالم المُثُل والكليات، وإن هذا الانتقال إلى العالم المادي بمنزلة الحجاب الذي أسدل على معلوماته السابقة، وإن كل ما يصل إليه من المعارف في هذا العالم، إنما هو في الواقع عبارة عن استذكار وليس تعلّمًا. يذهب الأستاذ المطهري إلى القول بأن الآية أعلاه تبطل هذا الاعتقاد. إذ أن الإنسان ـ من منظور هذه الآية ـ لا يعلم قبل الولادة شيئًا، وإنما يبدأ التعلم بعد الولادة حيث يأخذ يتعلم الأشياء بأدوات العلم والمعرفة، وأهمها العين والأذن والفؤاد[2]. والنقطة الأخيرة هي أنه على فرض الخدش في دلالة هذه الآية على المطلوب، فإن دلالة الآيات الأخرى التي تقدم ذكرها تبقى تامة.

الآيات الدالّة على إمكان ووقوع العلم الحضوري

يجب القول في البداية أن الخصم لا يخلو أمره، فهو إما أن يعترف بإمكان العلم الحضوري بالنسبة إلى الإنسان، أو أنه ينكر تحقق العلم الحضوري للإنسان من الأساس. وعلى كل حال فإن الجواب بالعلم الحضوري على مدّعى الهرمنيوطيقا الفلسفية يكون

(231)

واردًا. وذلك لأن الخصم لو كان يؤمن بإمكان العلم الحضوري ـ كما يفهم ذلك من الكثير من عبارات مارتن هايدغر وهانس غادامير ـ  ففي مثل هذه الحالة يجب عليه الالتزام بلوازم العلم الحضوري ومن بينها عدم تدخّل  الفرضيات السابقة في هذا النوع من العلم، وإن كان ينكر العلم الحضوري، ففي مثل هذه الحالة سوف يكون الإشكال الوارد على الهرمنيوطيقا الفلسفية مبنائيًّا، وعندها يتعيّن على القائلين بها أن يعملوا على إبطال هذا المبنى.

إن العلم في العلم الحضوري هو عين المعلوم وذات الوجود الخارجي يكون هو المعلوم للإنسان، وليس هناك شيء آخر غيره بعنوان الصورة العلمية في البين[1]، ففي العلم الحضوري يكون المعلوم حيثية وجودية للعالم، ويظهر واقعيته وراء جميع الفرضيات السابقة في العالم، وعلى هذا الأساس لا يبقى هناك موضع لتدخل الفرضيات السابقة في عملية الفهم. يمكن لذكر مثال أن يُساعد على بيان الأمر بشكل أفضل؛ فنقول: لنفترض أنه تمّ جمع أعداد من الأشخاص ـ من ثقافات وطوائف وأعراق وأديان مختلفة، بل وكانت فرضياتهم السابقة متباينة ومتناقضة في بعض الأحيان ـ ثم تمّ إلقاؤهم في تنور مسجور بحيث تصل إليهم حرارة التنور بدرجة واحدة؛ فمنذ أن يبدأ هؤلاء الأشخاص بالاحتراق، سوف يحصل لهم جميعًا علم حضوري بحرارة النار واحتراق أجسامهم. فهنا سوف تضمحل جميع الفرضيات السابقة على المستوى الفكري والثقافي والاعتقادي والوطني وما إلى ذلك. وعليه لو تمكن الإنسان من

(232)

الحصول على ظرفية الوصول إلى العلم الحضوري، فإنه في هذا المقدار من فهمه وعلمه سوف يتجاوز جميع الفرضيات السابقة، ولن يتدخّل بينه وبين فهم حقيقة أيّ أمر من الأمور، وسوف تكون نظرية هانس غادامير في الهرمنيوطيقا الفلسفية غير مجدية في هذه الموارد قطعًا. وبطبيعة الحال فإن ظرفية الأشخاص في الوصول إلى العلم الحضوري مختلفة، وإن وصول هذه الظرفية إلى مستوى الفعلية بدوره رهن باتباع المقدمات الصحيحة. وقد صرّح القرآن الكريم في الكثير من الموارد بهذه الظرفية ووصولها إلى مرحلة الفعلية، ولا سيّما بالنسبة إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

إن العلم الحضوري إنما يتحقق في ظل سقف التقوى وتزكية النفس، ولا يحصل بالرجوع إلى الكتب أو الفنون المختلفة. وهذا الأمر قد انعكس في مفاد قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)[1]. إن التقوى والتزكية مقدمة للمعرفة والشهود[2]. يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن

«الوحي عبارة عن مشاهدة الحقيقة التي هي المقوّم لوجود الإنسان، إن الإنسان بواسطة العلم الحضوري الخالص يصل إلى مقوّمه الوجودي الذي هو الله سبحانه وتعالى، كما أنه يعثر على ذاته الخاصّة أيضًا. إن الوحي عبارة عن حصول وتحقق، وعندما يحصل النبي على

(233)

الوحي، يحدث لديه يقين بأن ما حصل عليه هو الوحي. إن الوحي من سنخ العلم الحضوري، بل هو من أكمل مراتب العلم الحضوري التي يمكن للإنسان أن يراها بعمق كيانه ووجوده ...»[1].

قال الله تعالى في سورة الشعراء: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) [2]. إن مهمّة الأنبياء تتلخّص في الشهود والحصول على الحقائق من طريق العلم الحضوري المعصوم من الخطأ[3].

إن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لا يقول شيئًا من عنده، وكل ما يصدر عنه إنما هو بوحي يتلقاه من عند الله الحكيم العليم؛ وعليه فإن الذي يتلقاه يكون من العلم اللدنّي: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) [4]. وبذلك فقد كان تلقّي الوحي بواسطة العلم الحضوري[5]. إن العلم اللدني هو العلم الذي يحصل عليه السالك الصاعد من عدم الله من طريق الشهود، والمراد من اللدنّية هنا ليس أنه قد جاء من عند الله، وذلك لأن كل شيء يأتي من عند الله[6]. إن العلم اللدني لا موضع فيه للوهم والخيال والشيطان؛ ففي ذلك

(234)

المقام الرفيع لا يمكن للشيطان أن يمارس نشاطه الشيطاني، ولا يمكن للسهو والنسيان والتغيير أن يتحقق[1].

في ضوء هذه الآيات لا يبقى هناك موضع لاعتبار القرآن الكريم مثل سائر الأفهام الاعتيادية، وأنه يمكن إخضاعه لنظرية الهرمنيوطيقا الفلسفية القائلة بتبعية النص للفرضيات المسبقة. توضيح ذلك أن الكثير من المعتزلة الجُدُد ـ من أمثال: الدكتور عبد الكريم سروش، والدكتور نصر حامد أبو زيد ـ يعتبرون القرآن الكريم حصيلة فهم النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن هذه الناحية يقولون بأن القرآن كتاب بشري[2]. في حين أن القرآن الكريم قد انتقل من الله إلى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بالعلم الحضوري، وفي هذه الموارد لا يكون هناك موضع للتدخّل البشري.

(235)

خاتمة وتبويب الأبحاث

خلاصة الفصول الخمسة المتقدّمة

ما تمّ تقديمه في هذه الدراسة ضمن الفصول الخمسة باختصار تحت عنوان «دراسة نقدية للرؤية التاريخانيّة والإلهيات»، يمكن تبويبه على النحو الآتي:

في الفصل الأول ضمن بيان مختلف التعاريف عن الرؤية التاريخانيّة، تمّ التأكيد على هذه النقطة وهي أن كل واحد من هذه التعاريف المختلفة يرتبط بمرحلة من مسار تطوّر هذه الرؤية، ولكن الرؤية  التاريخانيّة بشكل عام قد اكتسبت معنيين مختلفين، وهما أولاً: الاصطلاح الذي أبدعه كارل ريموند بوبر، وقد أقرّ بنفسه أنه الوحيد الذي يستعمل هذه المفردة في هذا المعنى، وهو السعي إلى اكتشاف القوانين الثابتة والقطعية والكلية من صلب التاريخ للتكهّن بأحداث المستقبل. (لقد أراد بوبر هذا المعنى في كتابه وعمد إلى نقده قائلًا إن التاريخ عاجز عن تقديم مثل هذه القوانين الثابتة)؛ ولذلك فإن بعض التعاريف ناظرة إلى مصطلح ريموند بوبر عن الرؤية التاريخانيّة. والمعنى الثاني وهو المعنى الأصلي ومورد بحثنا، هو الرؤية  التاريخانيّة بمعنى النظرة والرؤية الكونية والتي تعتبر التاريخ في شكله الكامل محيطًا ومؤثرًا في جميع شؤون الإنسان الأعم من الوجودية لفهمه وعقله ومعرفته وعقيدته ودينه ومذهبه وأخلاقه وثقافته، وتعمل على تحديد مصير حياته. إن كل واحد من هذه الأمور خاص ووليد الشرائط والظروف التاريخانيّة

(236)

الخاصة، ولا تقبل التسرية إلى الأزمنة والأوضاع والأحوال الأخرى. إن كل إنسان محدود ضمن ظروفه وشرائطه الخاصة به، وإن ماضيه ومستقبله مختلف عن أيّ إنسان آخر، وهو بدوره لا يستطيع الخروج من هذه الشرنقة المحيطة به، وحيث أن هذه الظروف والشرائط من أجزاء ذاته، ولا يسع أحد أن يخرج من ذاته.

وفي الفصل الثاني تمّ بيان التطوّر المفهومي للرؤية التاريخانيّة، والمسار التاريخي لها، ابتداءً من الرؤية التاريخانيّة الهيجلية إلى الرؤية التاريخانيّة البوبرية، ومن ثم مناقشة الرؤية التاريخانيّة التقليدية ومبانيها، والرؤية التاريخانيّة للأفكار، وصولًا إلى الرؤية التاريخانيّة الفلسفية في نهاية المطاف. كما تمّ في هذا الفصل بيان الاختلافات في كل واحد من هذه الأمور أيضًا، حيث تبيّن هناك في الرؤية التاريخانيّة الفلسفية ـ بالإضافة إلى تاريخية الفهم ـ أن ذات الإنسان وعقله بدورهما تاريخيين بالضرورة أيضًا، وتم إنكار وجود الذات الثابتة والعقل الثابت للإنسان والذات الواحدة لدى الناس.

وفي الفصل الثالث تمّ نقد أصل مذهب الرؤية التاريخانيّة بغض النظر عن ارتباطها وصلتها بالدين، وتبيّن أن الرؤية التاريخانيّة على الرغم من أنصارها الكثر، إلا أن أسسها واهية وأصولها متداعية ومتهافتة. فلم تتمكن من بيان تصوّراتها وأصولها المضيّقة لذاتها في حقل المعرفة بشكل صحيح. هل العقل الإنساني بتلك الكلية والاتحاد والشدّة التي تستلزمها المفاهيم الحاصرة للرؤية التاريخانيّة الفلسفية، يجب أن تكون متطابقة مع التاريخ على نحو الضرورة

(237)

واللزوم؟ وفي هذا الشأن آثرنا الاكتفاء بالانتقادات التي أوردها مفكران من أوروبا وأمريكا على هذا المذهب، وهي الانتقادات التي أوردها كل من كارل بيتش وروي كلوزر. طبقًا لهذه الانتقادات تم تشخيص الرؤية التاريخانيّة بوصفها مذهبًا متهافتًا وناقضًا لنفسه، وأنه يعاني من عدم التماهي الذاتي، وأنه يعمل على إبطال نفسه بنفسه، وأنه لا يحق له ـ طبقًا لمدّعيتاته ـ أن يصدر أحكامًا بشأن أيّ مذهب منافس له؛ ثم إن الرؤية التاريخانيّة تفضي إلى العدمية التي هي نتيجة طبيعية للمزاجية في التفسير التاريخي. إن العدمية تعني أن يكون التبويب الحاسم والقطعي للصائب والخاطئ، والأفضل والأسوأ، والقيّم وغير القيّم وما إلى ذلك، هو في الحدّ الأدنى يدعو إلى الإحباط، ولربما كان عملًا مستحيلًا وغبيًّا، وهذه هي النتيجة القطعية التي تترتب على الرؤية التاريخانيّة؛ وفي الحقيقة والواقع فإن الرؤية التاريخانيّة بشأن جعل بلورة الأشياء مفهومة، هي عرضة للفوضى والهرج والمرج وجعل المعنى عديم المعنى. إن الرؤية التاريخانيّة لا ترفض كلية الأحكام فقط، بل هي عاجزة حتى عن توجيهها وتبريرها، فإنها بالتالي تتعاطى مع تفكيك قضايا الأفضل والأسوأ، ولأيّ سبب يجب ترجيح طريقة للدراسة التجريبية على الطريقة الأخرى، بيد أنها تعجز عن إيجاد الحل.

إن الفصل الرابع يتكفل ببيان العلاقة بين الرؤية التاريخانيّة واللاهوت والمساحة الواسعة لذلك وبيان منشأ تاريخية الدين والتعاليم الدينية في الغرب والعالم الإسلامي واللوازم الخطيرة للرؤية التاريخانيّة إلى الدين. وقد تبيّن في هذا الفصل أن الرؤية

(238)

التاريخانيّة إلى الدين قد استهدفت منشأ الدين كما اعتبرت ولادة الدين تاريخية وبشرية، وتعتبر فهم الدين تاريخيًّا، وتظن أن جدوائية الدين تشمل تصرّم الزمان والتاريخانيّة أيضًا. كما ترى شخصية حامل الدين (الأنبياء) تاريخية أيضًا. ومن المسلّم في مثل هذه الحالة أن الدين سوف يصبح أمرًا بشريًّا وعرفيًّا وعصريًّا، ولن يتمّ القبول بأيّ مفهوم ثابت، ويتمّ إنكار النماذج الثابتة والخالدة، وتصبح النسبية البحتة والمطلقة هي الحاكمة في الفهم والثقافة والأخلاق. وقد تبيّن في هذا الفصل ـ في معرض بيان منشأ هذه الرؤية إلى الدين ـ أن المهد الأصلي لهذه النظرية هو العالم الغربي، وإن الخلفيات والأوضاع والأحوال التي أدّت في الغرب إلى هذه النظرية سواء من الناحية العلمية أو الدينية أو التطبيقية إنما تخص تلك الأصقاع، وإن هذه الرؤية غريبة عن العالم الإسلامي ولا تنتمي إليه؛ فلا شيء من الخلفيات والأرضيات التي شهدها العالم الغربي قد وقع في العالم الإسلامي، والأهم من ذلك أن هناك بونًا شاسعًا بين المسيحيّة المحرّفة وبين الإسلام الأصيل والحنيف. وبطبيعة الحال فإن الذين يسعون إلى استساخ الوصفة الغربية وتطبيقها على العالم الإسلامي ما هم إلا في ضلال مبين. وفي نهاية هذا الفصل تمّت الإشارة إلى الانتقادات التي تمّ توجيهها في العالم الغربي إلى الرؤية التاريخانيّة إلى الدين.

إن الفصل الخامس ـ الذي هو من أهم فصول هذا الكتاب ـ يحتوي من حيث الشمول على أهم الانتقادات إلى الرؤية التاريخانيّة إلى الدين، وقد تمّ بحث هذه الأمر الهام ضمن ثلاث مقالات. في

(239)

المقالة الأولى من هذا الفصل تمّ نقد الأنثروبولوجيا التاريخانيّة من حيث أنها تؤدّي إلى تاريخية الدين بشكل جوهري، ونتج عن ذلك أن الناس يتمتعون بفطرة ثابتة وذات واحدة، وأقمنا الأدلة على ذلك. إن الإنسان يمتلك الكثير من الأبعاد الثابتة التي تمّ تجاهلها من قبل الرؤية التاريخانيّة؛ وعلى الرغم من المحدودية الوجودية التي يعاني منها نوع الإنسان، إلا أن هذا لا يُشكل مانعًا يحول دون فهم وإدراك الأمور ما وراء التاريخانيّة. وحتى بالنسبة إلى الإنسان غير المعصوم هناك إمكانية للفهم المطلق وما بعد التاريخي أيضًا. ويمكن لكل إنسان في حدود سعته الوجودية وفي هذه الدائرة الضيّقة والمحدودة أن يصل إلى المعرفة المعصومة من الخطأ. إن محدودية الإنسان في مورد معرفة ما وراء سعته الوجودية مؤثر، ولكنه لا يؤثر بالضرورة في حدود دائرته؛ فإن الإنسان بمقتضى بُعده الإلهي والمجرّد يمتلك القدرة على الذهاب إلى ما وراء البُعد الزمني والتاريخي؛ فإن روح الإنسان هي من سنخ الأمور الملكوتية والماورائية التي تفوق الزمن؛ وإن قدرة الإنسان على العلم الحضوري تحول دون تدخّل الأمور التاريخانيّة في هذا السنخ من العلوم. إن الإسلام ـ من وجهة نظر الإسلام ـ يمتلك القدرة على تعلم ذات الوحي وحقيقة جميع الأسماء، وأنه في ذلك يتفوّق حتى على الملائكة، وقد تلقى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله القرآن الكريم بالعلم الحضوري، وقد عُجنت حقائق القرآن في عمق وجود النبي. إن الإخبار الغيبي من قبل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وإحاطته العلمية بأعمال الآخرين، دليل على تفوّقه على التاريخ، وإن الإعجاز العلمي في آيات القرآن الكريم وفي كلمات

(240)

النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بدوره من الأدلة الأخرى التي تضع الكثير من علامات الاستفهام على القول بتاريخية النبي والقرآن الكريم.

وفي المقالة الثانية من الفصل الخامس، تمّت الإشارة إلى انتقادات أخرى على الرؤية التاريخانيّة بالإضافة إلى الانتقادات التي أشرنا إليها في المقالة السابقة، وكان من بين الانتقادات الجديدة: افتقار الأدلة إلى المباني، ونقض المباني لنفسها، والعدمية، ولزوم تعطيل وتعليق جميع العلوم الإنسانية، ولزوم إنكار الأمور البديهية والواقعة.

وفي المقالة الثالثة من الفصل الخامس، تمّ توجيه انتقادات أساسية لتاريخية فهم الدين سواء في مورد النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ـ بوصفه الشخص الذي فهم الدين من قبل الله سبحانه وتعالى وقام بتبليغه إلى البشر ـ أو في مورد المخاطبين بالدين. وحصيلة هذه المقالة على النحو الآتي: إن الإنسان ـ من وجهة نظر الهرمنيوطيقا والرؤية التاريخانيّة الفلسفية ـ غير قادر على المنع من تدخّل أي فرضيّة من فرضياته السابقة في عملية الفهم؛ كما أن الفرضيات السابقة بدورها تُعدّ ـ في هذه الرؤية ـ أمر متحرّك وتاريخي؛ ونتيجة لذلك سوف يكون الفهم مطلقًا وذاتًا أمرًا متحرّكًا وتاريخيًّا. ترد على هذه الرؤية الكثير من الإشكالات النقضية والحلّية العقليّة والتحليليّة، ومن بين اللوازم الفاسدة المترتبة على هذه النظرية: عدم إمكان الفهم الثابت بالنسبة إلى الإنسان، وعدم إمكان الفهم الواحد حتى بالنسبة إلى شخصين، ولزوم التناسب العددي بين المنظرين في مسألة واحدة

(241)

والآراء والنظريات المطروحة، كما أن هذا الرأي ليس لديه ما يقوله في مورد الفهم الذي يتناقض مع الفرضيّات السابقة للإنسان. وقد تمّ اعتبار مساحة تدخل الفرضيّات السابقة في الفهم أمرًا مطلقًا ومستمرًّا ودائمًا، كما تمّ الخلط بين مرحلة جمع المعلومات ومرحلة إصدار الأحكام. يُضاف إلى ذلك أن هذه الرؤية تتعارض مع مضامين بعض آيات القرآن الكريم؛ فإن الفهم من وجهة نظر بعض آيات القرآن يمكن أن يتحقق الفهم بمعزل عن تدخل الفرضيات السابقة الخاطئة. كما أن الإنسان طبقاً لدلالة الآيات القرآنية قادر على أن يتعلم ذات ما أراد له الله أن يتعلّمه، وذلك في حدّ تعلّم حقائق جميع الأسماء! وإنه لا يبقى هناك في مرتبة العلم الحضوري موضع لتدخّل الفرضيات السابقة، وإن الحقيقة تتجلى بنفسها للإنسان وراء جميع الأمور التاريخانيّة.

التذكير ببعض النقاط

لا بدّ هنا من التذكير بهذه النقطة، وهي أن الرؤية التاريخانيّة والإنسانوية والعلمانية والحداثوية في العالم الغربي إذا أمكنها أن تبسط سيطرتها في تلك الأصقاع الغربية، بعد تجاوز الكنيسة والتخلي عن الإنجيل وأمهات تعاليمه في القرون الأخيرة؛ فليس من المعلوم لهذه الرؤية وإعادة تجربة ذات المقولات والتبعية المطلقة والعمياء للتجديد والحداثة الغربية، أن تحقق ذات النجاح في العالم الإسلامي أيضًا. إن الأزمة الأساسية التي شهدتها نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة في أوروبا، كان سببها أوّلًا:

(242)

أن الروحانية والحكمة وحاجة الإنسان الفطرية إلى الحقيقة المطلقة لم تعد تستطيع العثور على طريقة حلّ لها في مسيحية وكنيسة تلك الحقبة الزمنية، وبقي الظمأ الروحي لها باقيًا على حاله من عدم الإرواء، ومن هنا فقد قطعت الأمل بالمسيحية إلى حدّ كبير، واتخذت سبيل الافتراق، وظل هذا الشرخ والافتراق العميق بينهما باقيًا على حاله. ولكن لا بدّ من العلم بأن هناك اختلافات جوهرية وأساسية بين الإسلام والمسيحية وبين القرآن والأناجيل، وأن الخوض في هذا البحث في حدّ ذاته وبيان هذه الأوجه من الفروق والاختلافات يحتاج إلى بحث تفصيلي مستقل، ولكننا سنكتفي هنا بالإشارة إلى مجرّد العناوين الرئيسة في هذا الشأن:

الاختلاف في سندية الكتاب السماوي

يقوم إجماع المسلمين على أن القرآن الكريم كلام الله سبحانه وتعالى وليس كلام البشر، وأن القرآن الكريم قد سلم من التحريف، وأن الأدلة من خارج الدين ومن داخله ـ بالإضافة إلى الإجماع ـ تدلّ على عدم تحريف القرآن. إن القرآن الكريم هو عين كلام الله الذي تمّ إبلاغه إلى الناس من قبل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله دون نقصان.

وأما أناجيل المسيحيين فهي ـ كما يقرّ المسيحيون أنفسهم وتدلّ الأدلة والشواهد التاريخانيّة على ذلك أيضًا ـ ليست عين الكلام الإلهي الذي نقله السيد المسيح إلى الناس، بل هي فهم مؤلفيها لكلمات وأفعال السيد المسيح؛ فهي لذلك تأليف وتقرير بشري، وليست نص الوحي السماوي، ولذلك يمكن للباطل أن يتسلل

(243)

إليها؛ لأنها ليست كلامًا لمعصوم، وإنما هي فهم غير المعصوم لكلام المعصوم. إن كتاب ومؤلفو العهد الجديد لم يكونوا ـ باعتراف جميع المسيحيين أنفسهم ـ من الأنبياء، ولم يكونوا معصومين من الأخطاء بل ولم يكن بعضهم حتى معصومين من المعاصي والذنوب، بل وهناك تصريح في بعض مواضع الأناجيل والعهد الجديد إلى نسبة الذنوب إلى بعض الحواريين وتلاميذ السيد المسيح ووصفهم بعدم الإيمان، وغلظة القلب والشيطنة وإنكار السيد المسيح وكلماته والقول بتنافضها وتهافتها[1].

الشخصيّة المُلغزة لبولس وتأليف الإنجيل

ولد بولس في السنة العاشرة للميلاد؛ وفي السنة الثلاثين من الميلاد وقعت حادثة الصلب، وفي تلك السنة اعتنق بولس المسيحية[2]. غالبًا ما يلقب بولس بالمؤسس الثاني للمسيحية، كما يذهب الكثيرون إلى اعتباره محرّفًا للعقائد المبسّطة التي جاء بها السيد المسيح. فقد عمد بولس ـ من أجل استقطاب المزيد

(244)

من سكان الإمبراطورية الرومانية إلى الدين الجديد ـ إلى إحداث تغييرات جذرية فيه وأضاف عليه بعض الأمور؛ بحيث يمكن القول: إن بولس قد أسس لدين جديد مستظلًا بغطاء المسيحيّة[1]. هذا في حين أنه لم يكن هناك أي تدخل من أحد في تدوين القرآن الكريم على نحو الاستقلال سوى النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد تمّ تدوين القرآن الكريم في حياة النبي الأكرم، وفي العام الأخير من حياة النبي، تمّت قراءة هذا القرآن على الناس مرّتين.

اختلاف الإسلام عن المسيحيّة الراهنة في التعاليم والعقائد الأساسيّة

لا نرى في الإسلام شيئًا من تلك التعاليم الموجودة في المسيحيّة المحرّفة والتي أدّت إلى إحداث تغيير جوهري فيها، من قبيل: الإعراض عن الدنيا، وتجاهل الأوضاع الاجتماعيّة، وقواعد السلطة في المجتمع، وحياة الرهبانيّة، والفصل بين الدين والأخلاق، وعدم الاهتمام بالعقل والعلم، والتعارض بين الدين والعلوم الجديدة، الأمر الذي غيّر المعالم الحقيقية لصورة المسيح، ولا نجد لها أثرًا في الإسلام، بل وإن الإسلام يقف إلى الضد من تلك المفاهيم. ومن هنا فإن الإسلام حيث يخاطب الفطرة الثابتة للبشر، ويتوجّه في كلامه إلى وجدان المخاطبين، ويستحثهم على الاستعانة بالعقل وتوظيفه وما إلى ذلك من الأمور الكثيرة الأخرى، فإنه لا يمكن أن يكون مشمولًا لتصرّم الزمن، وبهذه التعاليم القويّة والغنيّة فإنه يردّ

(245)

الرؤية التاريخانيّة والتجدّد والحداثة بمعناها الغربي على أعقابها، ولا يسمح لها بالتسلل إلى الأصقاع الإسلامية.

إن الإسلام يخالف الانعزال والحياة الصوفية والرهبانية المسيحية ويعترض عليها بشدّة ويشجبها ويستنكرها. في حين جاء في الإنجيل قوله: «ادفعوا لقيصر ما للقيصر، وإلى الله ما لله»[1].

الخاتميّة في الإسلام والتلازم المستمر بين القرآن والعترة

النقطة الأخرى التي تعدّ من جملة الفوارق الجوهرية بين الإسلام والمسيحية هو مفهوم خاتمية الدين الإسلامي، وبالتالي اشتمال الإسلام على آلية فريدة من نوعها تضمن البقاء للإسلام إلى يوم القيامة، وتتمثّل هذه الآلية في التلازم التام بين القرآن وأهل البيت المعصومين، وأن هذا الاقتران الدائم بين هذين العنصرين سوف يبقى مستمرًّا إلى يوم القيامة؛ بحيث أن الإمام المعصوم سيعمل ـ من خلال تفسيره الصائب للقرآن والعمل على تحديث المفاهيم المطلقة في القرآن ـ على غلق الباب أمام جميع أنواع الزيغ والانحراف عن الإسلام بالمرّة، وأن الإمام المعصوم عليه‌السلام بوصفه القرآن الناطق والمجسّم، سوف يعمل على هداية الناس من أبناء عصره ويتقدمّ بهم إلى الأمام بما ينسجم مع العصر واختلاف الزمان.

(246)

عنصر العقل في الإسلام والمسيحيّة

وبطبيعة الحال فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا ليس هو السؤال القائل: هل للعقل من دور في المسيحية الراهنة أم لا؟ إذ من الواضح أن الجواب عن هذا السؤال سوف يكون بالإثبات والإيجاب. بل السؤال الجوهري يقول: ما هو موقع العقل في تلك المساحة وما هي المكانة التي يجب أن يحظى بها في تلك المساحة؟ كما أنه لا شك في أن كافة المجتمعات الدينية تستمد من العقل من أجل نشر وتعليم نظام معتقداتها الدينية، كي يفهم المؤمن موضوع إيمانه في حدود الإمكان. إن البحث الأساسي في المسيحية هو هل من لوازم الإيمان أن يمتلك المؤمن أدلة جيّدة للاعتقاد بصدق إيمانه أم لا؟[1] هناك نوع من الإجماع والتوافق العام في القول بقلة اهتمام المسيحية بالعقل والبُعد النظري من الإيمان. ومن هنا يذهب بعض المفكرين الغربيين من أمثال سورين كركيغارد إلى الاعتقاد بالإيمانية المطلقة. فقد ذهب هذا الفيلسوف الدنماركي إلى الاعتقاد بأننا إذا استطعنا أن نثبت وجود الله وحبّه في أنفسنا فإن الإيمان بالله سوف يغدو محالاً، وقال في ذلك:

«لا وجود للإيمان من دون ركوب صهوة الخطر. إن الإيمان هو بشكل دقيق عبارة عن التناقض بين الحماس المطلق لروح الشخص وعدم اليقين العيني؛ فإذا كان بمقدوري أن أدرك الله عيانًا، عندها لن أكون متّصفًا

(247)

بالإيمان، ولكن تمامًا حيث لا أستطيع ذلك يجب عليّ أن أكون مؤمنًا»[1].

وأمّا في الإسلام فلا وجود لهذا النوع من التقابل والتضاد بين العقل والدين أو العقل والإيمان؛ يقوم أساس الإسلام على القبول العقلي بجميع أركانه، بحيث أن التقليد في هذه الأركان يُعدّ باطلًا. وحتى التقليد في المسائل الفرعية يقوم بدوره على أساس مسألة عقلية، وبذلك يقوم أصل التقليد على أساس من حكم العقل، وعليه لا وجود للحديث هنا عن الإيمانية البحتة والمطلقة.

التناقضات والاختلافات في «العهد الجديد»

إن القرآن الكريم يدعو الجميع صراحة إلى التدبّر في القرآن، وقال بأنه لا يوجد أي تناقض أو اختلاف في القرآن الكريم، ويعدّ ذلك من الأدلة على نزوله من عند الله؛ إذ لو لم يكن من عند الله لاشتمل على الكثير من الاختلافات والتناقضات[2]، كما يدّعي القرآن الكريم أنه لا شيء من قضاياه وتعاليمه سوف تكون عرضة للإبطال على طول الزمان وإلى يوم القيامة[3]. وإلى الآن بعد مضي أكثر من 1400 سنة لم يتمكن أحد من العثور على أيّ تناقض أو اختلاف في القرآن الكريم.

وأما في الأناجيل فهناك اختلافات كثيرة، ومن بينها: بيان نسب

(248)

السيد المسيح عليه‌السلام [1]، والصلة بين الفقه والدين المسيحي[2]، وحادثة عودة السيد المسيح عليه‌السلام إلى الحياة[3]، وما إذا كان النبي عيسى عليه‌السلام نبي حرب أو نبي سلام[4]، وما إلى ذلك من الاختلافات والتناقضات الأخرى.

الخرافات في «العهد الجديد»

7/ 1ـ التثليث والإيمان بالأقانيم الثلاثة: إن من بين الخرافات الموجودة في العهد الجديد، ادعاء التوحيد في عين التثليث، وعلى الرغم من عدم ذكر هذا المفهوم في الكتاب المقدس بهذه الصيغة، ولكنه مع ذلك مشحون في جميع مواضعه بتأليه السيد المسيح وروح القدس بالإضافة إلى الإله الأب. إن كل واحد من الثالوث الأقدس ينطوي على شخصية إلهية، فالأب إله[5]، والابن إله[6]، والروح القدس إله[7].

(249)

وفيما يتعلّق بالإله الابن يمكن الرجوع إلى المواضع الآتية من العهد الجديد: (إنجيل لوقا، الإصحاح: 22، الفقرة: 42؛ إنجيل يوحنا، الإصحاح: 5، الفقرة: 36؛ إنجيل يوحنا، الإصحاح:  20، الفقرة: 21؛ يوحنا الأولى، الإصحاح: 4، الفقرة: 14). وفيما يتعلق بالإله الروح القدس، يمكن الرجوع إلى المواضع الآتية من العهد الجديد: (إنجيل يوحنا، الإصحاح: 14، الفقرة: 16؛ الإصحاح: 14، الفقرة: 26؛ الإصحاح: 15، الفقرة: 26؛ الإصحاح: 16، الفقرة: 7. ولا سيّما: الإصحاح: 16، الفقرة: 13 ـ 14).

7/ 2ـ مسألة الفداء: حيث قام النبي عيسى عليه‌السلام بالتضحية بنفسه من أجل غفران ذنوب بني آدم إلى يوم القيامة[1].

7/ 3ـ قصّة العشاء الرباني: من بين الخرافات الأخرى في العهد الجديد ما نقل في الأناجيل من قصّة العشاء الأخير للنبي عيسى عليه‌السلام مع تلاميذه (العشاء الربّاني)[2].

هذا في حين أن الإسلام قد أقام دعوته منذ البداية على مكافحة الخرافات والقيود والأغلال التي ترسف فيها عقول البشر[3]. وقد حصر مسألة الصفح والغفران بيد الله سبحانه وتعالى، كما ورد في

(250)

محكم كتابه: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) [1]، ويرى أن السجود والخضوع لا يكون إلا لله: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [2]، وإن كل شخص يحمل وزر أعماله، ولا يمكن لأحد أن يحمل وزر غيره، قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [3]، وقال أيضًا: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [4].

الإسلام والعلوم الإنسانيّة والتجريبيّة

إن تشجيع الإسلام على طلب العلم والحث عليه ولو كان في أقصى نقاط العالم، وأن يواصل الإنسان طلب العلم من المهد إلى اللحد، من أجل عمارة الأرض، وتكريم مقام ومنزلة العلماء، ووجوب طلب العلم باعتباره فريضة على كل مسلم ومسلمة، والاستعداد في مواجهة الأعداء في مختلف المجالات، وتوجيه الأنظار إلى أن الله سبحانه وتعالى قد سخّر السماوات والأرض للإنسان، وأن على الإنسان في نهاية المطاف أن يعتلي ذروة هذه المُسخّرات من أجله، والتأكيد على الحرية الفكرية والاستقلال الفكري وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، كلها من أوليات وبديهات التعاليم والمفاهيم الإسلامية التي لا نجد أنفسنا بحاجة إلى إثباتها بالآيات والروايات لشدّة وضوحها وبداهتها. وقد قال الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا

(251)

يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [1]. ومن الواضح أن الوقوف على هذه الظواهر والآيات لا يكون إلا من طريق البحث والتحقيق والتخصص في العلوم التجريبيّة.

هذا في حين أن في الإسلام كان ـ على حدّ تعبير موريس بوكاي ـ توأم الدين وقرينه، وإن على أتباع الدين الإسلامي أن لا يتخلّوا عن هذه الطريقة[2]. وقال موريس بوكاي: تجاه هذه الموجة المادية وانغمار الغرب بالإلحاد، تعلن اليهودية والمسيحية مثلها عجزها عن حجزها، وكلاهما تجاهها في كامل الاضطراب. ألسنا نجد منذ عقود إلى أخرى تزايد عجز مقاومتهما الظاهر لهذا التيار الذي يهدد باكتساح كل شيء؟ إن المادية الملحدة لا ترى في المسيحيّة التقليديّة إلا نظامًا صنعه الناس منذ ما يقرب من ألفي سنة لتثبيت نفوذ أقليّة على أمثالها. ولا نعرف في كتابات اليهوديّة/ المسيحيّة المقدّسة (العهد العتيق والجديد) وجود لغة تنتمي ولو من بعيد إلى لغتها؛ لأن هذه الكتابات تحتوي على الكثير من التناقضات وما لا يتّفق مع الحق، ولا مع معطيات العلوم الحديثة التي ترفض أن تأخذ بعين الاعتبار نصوصًا يريد غالبية اللاهوتيين قبولها مسلمة جملة واحدة[3].

(252)

وقد اختبرنا ـ على سبيل المثال ـ موضوع الخلق والطوفان، وأوضحنا في الأول كما في الثاني عدم مطابقة الرواية التوراتية للعلم، واتفاق الروايات القرآنية التام بهذا الخصوص مع العلم الحديث. على أننا سنذكر الفروق التي تجعل على سبيل الدقة رواية ما مقبولة في العصر الحديث، في حين تكون الرواية الأخرى غير مقبولة[1].

يذهب كاتب السطور إلى الاعتقاد بأن الإسلام ـ بالنظر إلى العناصر أعلاه والكثير من الامتيازات الأخرى التي لم نأتِ على ذكرها رعاية للاختصار ـ يمتلك على الدوام ظرفية التجديد والإصلاح الذاتي والتلقائي من الداخل، وأنه من خلال التوظيف الكامل والتام لظرفيّاته الداخلية سوف يكون قادرًا على إدارة الإنسان في جميع العالم، والذي يحظى بالأهمّية في البين هو تفعيل هذه الظرفيات في حدود الإمكان، والاهتمام بالاجتهاد المنتج والانتقال إلى الحقول الجديدة، دون أن تكون هناك حاجة في هذا الشأن إلى الأفكار العلمانيّة البالية والمتهرّئة التي تعود بجذورها إلى العالم الغربي.

والسلام على من اتبع الهدى

تمّت بحمد الله ومنّه وکرمه يوم تاسوعاء سنة 1443هـ وعيني باکية من فجر اليوم إلی الآن في عزاء صاحب راية الحسين عليه السلام بکربلاء أبي الفضل العباس عليه‌السلام .

(253)

قائمة المصادر والمراجع

الكتب والمقالات العربيّة والفارسيّة

1. القرآن الكريم.

2. الصالح، صبحي، نهج البلاغة، قم، انتشارات دار الهجرة، ط 5، 1412هـ.

3. آل أحمد، جلال، در خدمت و خيانت روشنفكري (في خدمة وخيانة التنوير)، طهران، انتشارات فردوسي، ط 3، 1376هـ ش.

4. ابن الأثير، علي بن محمد الجزري، أسد الغابة في معرفة الصحابة، بيروت، دارالفکر، 1409هـ.

5. القاضي ابن البرّاج، عبد العزيز، المهذّب، قم، دفتر انتشارات اسلامی، ط 1، 1406هـ.

6. ابن جزي الغرناطي، محمد بن أحمد، کتاب التسهيل لعلوم التنزيل، بيروت، دار الأرقم ابن أبي الأرقم، ط 1، 1416هـ.

7. ابن سينا، کتاب الشفاء، قم، مکتب الإعلام الإسلامي، ط 1، 1375هـ.

8. ابن شهر آشوب المازندراني، محمد، مناقب آل أبي طالب (ع)، مؤسسه انتشارات علامة، 1379هـ.

(254)

9. ابن عبد البرّ، يوسف بن عبد الله بن محمد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، بيروت، دار الجيل، ط 1، 1412هـ.

10. ابن کثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، بيروت، دارالفکر، 1407هـ.

11. أركون، محمد، العلمنة والدين، بيروت، دارالساقى، 1996م.

12. أركون، محمد، الفکر الإسلامي نقد واجتهاد، ترجمة: هاشم صالح، الجزائر، المؤسسة الوطنية للکتاب، بدون تاريخ.

13. أبو زيد، نصر حامد، معناي متن (مفهوم النص)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مرتضى كريمي نيا، طهران، انتشارات طرح نو، ط 1، 1380هـ ش.

14. أبو زيد، نصر حامد، النص، السلطه، الحقيقه، بيروت، المرکز الثقافي العربي، ط 1، 1995م.

15. أبو زيد، نصر حامد، نقد گفتمان ديني (نقد الخطاب الديني)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن يوسفي أشكوري ومحمد جواهر كلام، انتشارات يادآوران، ط 2، 1383هـ ش.

16. أبو زيد، نصر حامد، اساس دين، بيم و عشق است، نصر حامد أبو زيد،  1/2/1401.

17. http://nasr-hamed-abuzayd.blogfa.com/post/11

(255)

18. ستيس، والتر تيرينس، دين و نگرش نوين (الدين والرؤية الحديثة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد رضا خليلي، طهران، انتشارات حكمت، 1377هـ ش.

19. إقبال اللاهوري، محمد، إحياي فكر ديني (إحياء الفكر الديني)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، نشر رسالة قلم، 1346هـ ش.

20. ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، بيروت، دار صادر، 1900م.

21. الإربلي، بهاء الدين، كشف الغمة في معرفة الأئمة، تبريز، انتشارات بني هاشمي، ط 1، 1381هـ ش.

22. البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار الفکر، 1401هـ.

23. البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المحاسن، قم، دار الکتب الإسلامية، 1371هـ.

24. مارشال بيرمان، تجربة مدرنيته (تجربة الحداثة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مراد فرهاد پور، طهران، طرح نو، ط 1، 1379هـ ش.

25. بوكاي، موريس، قرآن و علم (القرآن والعلم)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: طبيب زاده، طهران، مؤسسه انتشارات بعثت، ط 1، 1383هـ ش.

(256)

26. بوكاي، موريس، التوراة والإنجيل والقرآن والعلم، ترجمه إلى اللغة العربية: الشيخ حسن خالد، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 3، 1411هـ/ 1990م.

27. البيهقي، أحمد بن الحسين، السنن الکبری، بيروت، دارالفکر، 1419هـ.

28. بالمر، ريتشارد، علم هرمنوتيك (علم الهرمنيوطيقا)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد سعيد حنائي كاشاني، طهران، انتشارات هرمس، 1377هـ ش.

29. پايبنده، أبو القاسم، نهج الفصاحة، طهران، دنياي دانش، ط 4، 1382هـ ش.

30. بيمان، حبيب الله، «تجربه و معرفت وحيانى» (التجربة والمعرفة الوحيانية)، مجلة: ماهنامه آفتاب، العدد: 20، (1381هـ ش).

31. بيمان، حبيب الله، «نسبت كلام وحيانى و كلام بشرى» (نسبة الكلام الوحياني والكلام البشري)، مجلة: ماهنامه چشم‏انداز ايران، العدد: 28، (1382هـ ش).

32. تيليش، بول، الهيات فرهنگ (اللاهوت الثقافي)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مراد فرهادپور وفضل الله پاكزاد، طهران، انتشارات طرح نو، ط 1، 1376هـ ش.

(257)

33. هيك، جون، گفتگوي جان هيك و عبد الكريم سروش (حوار هيك وعبد الكريم سروش)، مسلمنا، 1/2/1401، http://muslimna.ir/news/99-maghalat/1789-2017-09-07-18-26-00

34. جوادي آملي، عبد الله، الوحي والنبوة، قم، دار الإسراء للنشر، ط 1، 1387هـ ش.

35. جوادي آملي، عبد الله، شريعت در آينه معرفت (الشريعة في مرآة المعرفة)، قم، مركز نشر إسراء، ط 2، 1378هـ ش.

36. جوادي آملي، عبد الله، صورت و سيرت انسان در قرآن (صورة وسيرة الإنسان في القرآن الكريم)، قم، مركز نشر إسراء، ط 2، 1381هـ ش.

37. جوادي آملي، عبد الله، فطرت در قرآن (الفطرة في القرآن الكريم)، قم، مركز نشر إسراء، ط 2، 1379هـ ش.

38. جوادي آملي، عبد الله، قرآن در قرآن (القرآن في القرآن)، قم، مركز نشر إسراء، ط 1، 1378هـ ش.

39. جوادي آملي، عبد الله، تسنيم، ج 7، قم، مركز نشر إسراء، ط 1، 1384هـ ش.

40. جوادي آملي، عبد الله، تسنيم، ج 10، قم، مركز نشر إسراء، ط 1، 1385هـ ش.

(258)

41. جوادي آملي، عبد الله، تسنيم، ج 13، قم، مركز نشر إسراء، ط 1، 1387هـ ش.

42. جوادي آملي، عبد الله، تفسير موضوعي قرآن مجيد (التفسير الموضوعي للقرآن الكريم)، قم، مركز نشر إسراء، ط 1، 1374هـ ش.

43. جوادي آملي، عبد الله، ولايت فقيه (ولاية الفقيه)، قم، مركز نشر إسراء، ط 1، 1383هـ ش.

44. جوادي آملي، عبد الله، معرفت شناسي در قرآن (علم المعرفة في القرآن الكريم)، قم، مركز نشر إسراء، ط 2، 1379هـ ش.

45. جوادي آملي، عبد الله، كوهر و صدف دين (جوهر وأصداف الدين)، إعداد: محمد رضا مصطفى پور، قم، مؤسسه فرهنگي و اطلاع رساني تبيان، کتابخانه الکترونيکي تبيان، 1378هـ ش.

46. حنفي، حسن، من العقيدة إلى الثورة، القاهرة مكتبة مدبولي، 1988م.

47. حنفي، حسن، دراسات إسلامية، مصر، مكتبة الأنجلو، 1905م.

48. خرم شاهي، بهاء الدين، «پاسخ «بهاءالدين خرمشاهي» به قرآن‌ستيزان»، فارس نیوز، 28/1/1401.https://www.farsnews.ir/news/8611210066%20%20%20%20

(259)

49. الخميني، السيد روح الله، الرسائل، انتشارات إسماعيليان، 1385هـ.

50. درّة الحداد، يوسف، مدخل إلی الحوار الإسلامی ‌المسيحي، بيروت، منشورات المکتبة البولسية، ط 2، 1986م.

51. ديورانت، ويل، تاريخ تمدن (قصة الحضارة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عنايت، وپرويز داريوش، وعلي أصغر سروش، طهران، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، 1381هـ ش.

52. الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال، قم، منشورات الرضي، 1368هـ ش.

53. رشاد، علي أكبر، منطق فهم دين (منطق فهم الدين)، طهران، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامی، ط 1، 1389هـ ش.

54. زيبائي نجاد، محمد رضا، مسيحيت شناسي مقايسه اي (المعرفة المسيحية المقارنة)، طهران، انتشارات سروش، ط 2، 1384هـ ش.

55. جيلسون، إتيان، فرهنگ و تاريخ فلسفه غرب: دكارت (معجم وتاريخ الفلسفة الغربية: ديكارت)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي كرباسي زاده إصفهاني، طهران، مؤسسة انتشارات مدينة، ط 1، 1379هـ ش.

(260)

56. جيلسون، إتيان، عقل و وحی در قرون وسطی (العقل والوحي في العصور الوسطى)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: شهرام پازوکي، مؤسسه مطالعات و تحقيقات فرهنگي، طهران، 1371هـ ش.

57. السبحاني، جعفر، سيماي انسان كامل در قرآن (صورة الإنسان الكامل في القرآن الكريم)، قم، انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، ط 6، 1377هـ ش.

58. السبحاني، جعفر، مدخل مسائل جديد در علم كلام (مدخل إلى المسائل الجديدة في علم الكلام)، قم، مؤسسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، ط 2، 1382هـ ش.

59. سروش، عبد الكريم، قبض و بسط تجربه نبوي (قبض وبسط التجربة النبوية)، طهران، مؤسسه فرهنگی صراط، ط 1، 1378هـ ش.

60. سروش، عبد الكريم، «کلام محمد، اعجاز محمد»، کارگزاران، 20 / 11 / 1386هـ ش،

http://www.drsoroush.com/Persian/On_DrSoroush/P-CMO-Vahy%20va%20Quran.html

61. سروش، عبد الكريم، اسلام وحي و نبوت: پيرامون بسط تجربه نبوي (الإسلام والوحي والنبوة: حول بسط التجربة

(261)

النبوية)، طهران، مؤسسه فرهنگي صراط، ط 1، 1378هـ ش.

62. سروش، عبد الكريم، «قبض و بسط حقوق زنان» (قبض وبسط حقوق المرأة)، ماهنامه زنان، العدد: 59، فما بعد، شهر دي من عام 1378هـ ش.

63. السمعاني، عبد الكريم بن محمد، الأنساب، حيدر آباد، مجلس دائرة المعارف العثمانية، ط 1، 1382هـ ش.

64. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، قم، نشر فخر دين، 1380هـ ش.

65. الشافعي، محمد بن إدريس، مسند الشافعي، المکتبة الإلكترونية الشاملة.

66. الشافعي، حسني محمد بهي الدين، التيار العلماني الحديث وموقفه من تفسير القرآن الکريم، القاهرة، دار اليسر، ط 1، 1429هـ.

67. شجاعي زند، علي رضا، عرفي شدن در تجربه مسيحي و اسلامي (العلمانية في التجربة المسيحية والإسلامية)، طهران، انتشارات باز، ط 1، 1381هـ ش.

68. شحرور، محمد، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، دمشق، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 2000م.

(262)

69- الشعيري، تاج الدين، جامع الأخبار، قم، انتشارات الرضي، ط 2، 1363هـ ش.

70- لؤي صافي، «وحي و خيزش تمدني»، مجله پگاه حوزه الأسبوعية، العدد: 123، (1382). 

71- الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، النجف الاشرف، دار البشير، ط 2، 1424هـ.

72- صدر المتألهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، تفسير القرآن الكريم،ج3، قم، بيدار، 1379هـ ش.

73- الصدوق، محمد بن علي، أمالي الصدوق، بيروت، مؤسسة الأعلمي للطباعة والنشر، 1400هـ.

74- الصدوق، محمد بن علي، خصال الصدوق، قم، انتشارات جامعة المدرّسين، ط 1، 1362هـ ش.

75- الصدوق، محمد بن علي، التوحيد، قم، انتشارات جامعة المدرّسين، ط 1، 1389هـ.

76- الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، انتشارات جامعة المدرسين، ط 5، 1417هـ.

77- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الملوك والأمم (تاريخ الطبري)، بيروت، دار التراث، ط 2، 1387هـ.

(263)

78- الطعان، أحمد إدريس، العلمانيون والقرآن الکريم، دار ابن حزم للنشر والتوزيع، دمشق، 1428هـ.

7‌9- صالحي، محمد عرب، تاريخی ‌نگری و دين (الرؤية  التاريخانيّة والدين)، طهران، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامی، ط 1، 1391هـ ش.

80- العهد الجديد، ترجمه إلى اللغة الفارسية: پيروز سيار، طهران، نشر ني، 1387هـ ش.

81- القزويني (ابن ماجة)، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت.

82- قطب، محمد، اسلام و نابساماني هاي روشنفكران (الإسلام وأزمات المستنيرين)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد علي عابدي، النسخة الألكترونية من مكتبة العقيدة، 1 / 2 / 1401، https://aqeedeh.com/book/view/109

83- قطب، محمد، سكولارها چه مي گويند؟ (محمد، العلمانيون والإسلام)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: جواد محدّثي، طهران، مؤسسه ي فرهنگي دانش و انديشه ي معاصر، ط 1، 1379هـ ش.

84- قطب، محمد، التطوّر والثبات في حياة البشرية، القاهرة، دار الشروق، ط 8، 1411هـ.

(264)

85. كابلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه (تاريخ الفلسفة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إسماعيل سعادت ومنوتشهر بزرگمهر، طهران، انتشارات علمي وفرهنگي سروش، ط 2، 1357هـ ش.

86. كارپنتر، همفری، عيسى عليه‌السلام، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن كامشاد، طهران، انتشارات طرح نو، ط 2، 1375هـ ش.

87. كتاب مقدس، عهد عتيق و عهد جديد (الكتاب المقدّس: العهد القديم والعهد الجديد)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: فاضل خان همداني وآخرون، طهران، انتشارات أساطير، ط 1، 1380هـ ش.

88. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ط 2، 1362هـ ش.

89. كميجاني، داود، پژوهشي توصيفي در کتب مقدس (بحث توصيفي في الكتاب المقدّس)، طهران، انتشارات وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامی، ط 1، 1384هـ ش.

90. كورنر، ستيفان، فلسفه كانت (فلسفة كانط)، مقدمة المترجم، طهران، انتشارات خوارزمي، ط 1، 1367هـ ش.

91. كوبيت، دون، درياي ايمان (بحر الإيمان)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن كامشاد، طهران، انتشارات طرح نو، ط 1، 1376هـ ش.

(265)

92. غينون، رينيه (يحيى عبد الواحد)، بحران دنياي متجدد (أزمة العالم الحديث)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن عزيزي، طهران، انتشارات حكمت، ط 1، 1387هـ ش.

93. غادامير، هانز جورج، «دين و مدرنيته» (الدين والحداثة)، مجلة قبسات الفصلية، العدد: 1، (1375): 112 – 115.

94. مايكل باترسون وآخرون، عقل و اعتقاد ديني (العقل والاعتقاد الديني)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، طهران، نشر طرح نو، ط 2، 1377هـ ش.

95. المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1989م.

96. مجتهد شبستري، محمد، روشنفكران ديندار آري، روشنفكر ديني نه (نعم للمستنيرين المتدينين، كلا للمستنير الديني)، مجلة شهروند امروز الأسبوعية، العدد: 48، (1386هـ ش).

97. مجتهد شبستري، محمد، «پرواز در ابرهای ندانستن»، ماهنامه كيان، العدد: 79، (خرداد و تير عام 1379هـ ش).

98. مجتهد شبستري، محمد، تأملاتي در قرائت رسمي از دين (تأملات في القراءة الرسمية للدين)، طهران، انتشارات طرح نو، ط 1، 1383هـ ش.

99. العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسسة الوفاء، ط 4، 1404هـ.

(266)

100. المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أبو القاسم باينده، طهران، انتشارات علمي و فرهنگی، ط 5، 1374هـ ش.

101. المطهري، مرتضى، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج 21، طهران، انتشارات صدرا، ط 1، 1381هـ ش.

102. المطهري، مرتضى، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج 13، طهران، انتشارات صدرا، ط 2، 1374هـ ش.

103. المطهري، مرتضى، وحي و نبوّت (الوحي والنبوّة)، طهران، انتشارات صدرا، ط 7، 1373هـ ش.

104. المطهري، مرتضى، انسان در قرآن (الإنسان في القرآن الكريم)، طهران، انتشارات صدرا، ط 8، 1373هـ ش.

105. الشيخ المفيد، محمد بن النعمان، الاختصاص، قم، کنگره جهانی هزاره شيخ مفيد، ط 1، 1413هـ.

106. المقريزي، أحمد بن علي، امتاع الأسماع، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 1420هـ.

107 مك كواري، جون، تفکر دينی در قرن بيستم (تاريخ التفكير الديني في القرن العشرين)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس شيخ شعاعي، ومحمد محمد رضائي، قم، انتشارات دفتر تبليغات اسلامي، ط 1، 1375هـ ش.

(267)

108. ملكلم، هملتون، جامعه شناسي ديني (علم الاجتماع الديني)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثلاثي، طهران، انتشارات تبيان، ط 2، 1381هـ ش.

109. ملكيان، مصطفى، راهي به رهائي (طريق إلى التحرر)، طهران، نشر نگاه معاصر، ط 1، 1381هـ ش.

110. ملكيان، مصطفى، تاريخ فلسفه غرب، قم، پژوهشكده حوزه و دانشگاه، 1379هـ ش.

111. منسوب إلى الإمام الصادق (عليه السلام). مصباح الشريعة، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط 1، 1400هـ.

112. آخوند زاده، الميرزا فتح علي، بياغرافيا (البيوغرافيا)، ملحق الميرزا فتح علي آخوند زاده، طهران، مؤسسه فرهنگی قدر ولايت، ط 1، 1382هـ ش.

113. مجهول، نماد انحراف روشنفكري (مظهر انحراف التيار التنويري)، مؤسسه فرهنگی قدر ولايت، ط 1، طهران، 1382هـ ش.

114. نصر، سيد حسين، معرفت جاودان (المعرفة الخالدة)، مجموعة مقالات من إعداد: السيد حسين الحسيني، ج 2، طهران، انتشارات مهر نيوشا، ط 1، 1386هـ ش.

(268)

115. نصر، سيد حسين، آرمان ها و واقعيت هاي اسلام (أهداف وحقائق الإسلام)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إن شاء الله رحمتي، طهران، انتشارات جامي، ط 1، 1382هـ ش.

116. نصر، سيد حسين، اسلام وتنگناهاي انسان متجدد (الإسلام ومعضلات الإنسان المتجدد)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إن شاء الله رحمتي، طهران، دفتر پژوهش و نشر مهر، 1383هـ ش.

117. نصر، سيد حسين، معارف اسلامي در جهان معاصر (المعارف الإسلامية في العالم المعاصر)، طهران، علمي و فرهنگي، 1385هـ ش.

118. نصر، سيد حسين، دين و نظام طبيعت (الدين ونظام الطبيعة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد حسن فغفوري، طهران، مؤسسة انتشارات حكمت، ط 1، 1384هـ ش.

119. النعماني، محمد بن إبراهيم، الغيبة، طهران، مكتبة الصدوق، 1397هـ.

120. نقيب العطاس، سيد محمد، اسلام و دنيوي گري (الإسلام والعلمانية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، طهران، انتشارات دانشگاه، ط 1، 1374هـ ش.

121. عرب صالحي، محمد، فهم در دام تاريخی نگری‌ (الفهم

(269)

في فخ الرؤية  التاريخانيّة)، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي، طهران، 1389هـ ش.

122. عرب صالحي، محمد، تاريخی نگری و دين (الرؤية  التاريخانيّة والدين)‌، طهران، سازمان انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامی، ط 1، 1391هـ ش.

123. نيتشه، فريدريك، دجال (الدجال)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: دستغيب، طهران، انتشارات آگاه، 1352هـ ش.

124. نيکزاد، عباس، نقد کتاب مقدس (نقد الكتاب المقدس)، طهران، مرکز پژوهش هاي إسلامي ‌صدا و سيماي جمهوري إسلامي ‌إيران، ط 1، قم، 1380هـ ش.

125. هوردرن، وليم، راهنماي إلهيات بروتستان (المرشد إلى اللاهوت البروتستانتي)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: طاطه وس ميكائيليان، طهران، شركت انتشارات علمى، ط 1، 1368هـ ش.

126. هيجل، فريدريك، عقل در تاريخ (العقل في التاريخ)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عنايت، طهران، انتشارات علمي دانشگاه صنعتي، 1336هـ ش.

127. الهندي، السير سيد أحمد خان، تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد محمد تقي فخر

(270)

داعي گيلاني، طهران، كتابخانه و چاپخانه علمي، بدون تاریخ.

128. هولاب، روبرت، يورغن هابرماس، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسين بشيريه، طهران، نشر ني، 1375هـ ش.

129. هايدغر، مارتن، وجود و زمان (الوجود والزمان)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمود نوالي، تبريز، انتشارات دانشگاه تبريز، ط 1، 1386هـ ش.

130. هيك، جون، فلسفه دين (فلسفة الدين)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بهزاد سالكي، طهران، انتشارات بين المللي الهدى، ط 1، 1376هـ ش.

131. الواقدي، محمد بن عمر، المغازي، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ط 3، 1409هـ.

132. هيك، گفتگوي جان هيك و عبد الكريم سروش (حوار جون هيك وعبد الكريم سروش)، مسلمنا، 1/2/1401.

http://muslimna.ir/news/99-maghaat/1789-2017-09-07-18-26-00

133. يثربي، سيد يحيى، ماجراي غم انگيز روشن فكري در ايران (الحكاية المأساوية للتنوير الفكري في إيران)، طهران، مؤسسه فرهنگی دانش و اندیشه معاصر، ط 3، 1382هـ ش.

(271)

فهرسة الكتب والمقالات الأجنبية:

1. Amico, Robert D, Historicism and Knowledge, Great Britain, Routledge, First Published, 1989.

2. Bernstien, Richard J, Beyond objectivism and Relativism, university of pennsylvania, press Philadelphia, 1983.

3. Bleicher, Josef, Contemporary Hermeneutics, London and New York, Routledge and Kegan Paul, 1980.  

4. Bultmann, Rudolf, “On The Problem of Demythologizing”, The Journal of Religion, Vol. 42, No. 2 (Apr., 1962), pp. 96-102.

5. Cantwell, Smith, Wilfred, The Meaning and End of Religion, New York, Macmillan, 1991.

6. Cahoone, Lawrenc, From modernism to Postmodernism, U.S.A, Blackwell, 1996.

7. Crai, Edward, Routledge Encyclopedia of Philosophy, London and New York, Routledge, 1998.

8. Clouser, Roy, A Critique of Historicism, edited by

(272)

DFM Strauss and EM Botting, The college of New Jersey, Reprinted in Contemporary, 2005.

9. Dostal, Robert j, the Experience of Truth for Godamer and Heidegger, Edited by Brice R. Wachter hauser, Northwestern University Press Evaston Published in: Hermeneutics and Truth,1994.

10. Hirsch, E. D, Validity in Interpretation, New Haven and London, Yale University  press, 1967.

11. Kant, Immanuel, Critique Of Pure Reason, Translated by Norman kemp Smith, first Published by The Macmillan Press LTD, 1929.

12. Paul, Edward, Routledge Encyclopedia of philosophy, New York, Macmillan publishing Co. and freepress, 1967.

13. Gadamer, Hans-Georg, Truth And Method, Second Revisd Edition, Translated by Joel Weinsheimer and Donald G. Marshal NEW YORK, Crossroad, 1994.

14. Kurt Mueller vollmer, The Hermeneutics, Readers, published in The United kingdom, 1986.

(273)

15. Heidegger, Martin, Being and Time, Translated by John Macquarrie and Edward Robinson, Harpersan Francisco, 1962.

16. Hirsh, E. D, Validity in Interpretation, New Haven and London, Yale University press, 1967.

17. Ratzinger, Joseph Cardinal, The Feast of Faith, Translated by Graham Harisso, 1986.

18. IGGERS, Georg G, “Historicism”, Dictionary of The History of ideas, Volume2, Maintained by: the Electronic Text at the University of Virginia Library, Available at: etext.lib.virginia.edu/cgi_local/DHt/dhi_cgipid_dv2_52 (2005 / 7 / 12).

19. The Oxford English Dictionary, Second Edition, Oxford, Clarendon Press, 1989.

20. Page, Carl, Philosophical Historicism and The Betrayal of First Philosophy, Pennsylvania state University press, 1995.

21. Ratzinger, Joseph Cardinal, The Feast of Faith, Translated by Graham Harisson, Published by Igna

(274)

tius press, 1986.

22. Rorty, R: Consequences of Progmatism, University of Minnesota Press, 1982.

23. Warnke, Georgia, Gadamer, Hermeneutics, Tradition and Reason, Polity press, 1987.

24. Random House unabridge Dictionary, Copyright , by Random house, Inc, on “historical Sociology historicity”, available at: www.infoplease.com/dictionary/historicism (9 / 20 / 2005).

25. Encarta ® World English Dictionary, [North American Edition], www.Encarta.msn.com/encnet/features/dictionary/ (10 / 16 / 2005).

(275)
المؤلف في سطور د.محمد عرب صالحي الدكتور محمد عرب صالحي ، عضو الهيئة العلمية في معهد الثقافة والفكر الاسلامي . ومن مؤلفاته : فهم در دام تاريخي نگری (الفهم في فخ الرؤية التاريخية) - تاریخی نگری ودين (الرؤية التاريخية والدين) - مسئله وحی (مسألة الوحي) - روش شناسي حكم (منهج الحكم) - اعتزال نو ومسائل فلسفه دين اسلامي (الاعتزال الجديد ومسائل فلسفة الدين الاسلامي) - اعتزال نو وانديشه هاي حقوقي (الاعتزال الجديد والأفكار الحقوقية) - عقل شيعي وعقل نو اعتزالي (العقل الشيعي وعقل الاعتزالية الحديثة) - جريان شناسي اعتزال نو (التيار الاعتزالي الحديث) - چالش با أبو زيد (نزاعنا مع أبو زيد) .
هذا الكتاب التاريخانيّة دراسة نقدية في الأسس والمباني كانت الرؤية التاريخانيّة منذ القدم ، ضمن دائرة الأبحاث الواسعة في فلسفة الغرب ، ولاسيما في ألمانيا التي تعد معقلا ومهدا لهذه الابحاث ، ان هذه الرؤية لم تحصر نفسها ضمن الأبحاث الفلسفية البحتة ، ويمكن لنا أن ندعي اليوم أن آثارها ملحوظة في جميع حياة الإنسان المعاصر ، ويمكن اعتبارها بنحو من الأنحاء توأم الحداثة وقريبة من آفاقها . والمعاصر بمعنى (الراهن والحالي) هو في الحقيقة والواقع يشتمل على نوع من النظرة إلى الماضي ، وذلك في نفيه ، وهكذا يتجه المذهب التاريخاني بدوره الى الاعتقاد بأن كل شيء يصبح من الماضي فإنه ينتمي إلى التاريخ .
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف