المستشرق والمجري أجناتس جولد تسيهر دراسة نقدية لمشروعه القرآني

المستشرق والمجري أجناتس جولد تسيهر دراسة نقدية لمشروعه القرآني

تأليف:

الشيخ محمود علي سرائب

 

مقدمة المركز 

بسم الله الرحمن الرحيم 

تزخر الكتب والدّراسات الإسلاميّة والغربيّة بالحديث عن النتاج العلمي الكبير والمتنوّع للمستشرق اليهودي الأصل جولدتسيهر (غولدزيهر)، الذي اشتهر بغزارة إنتاجه عن الإسلام، وأنّه أحد المستشرقين الكبار الذين قرأوا تجربة المسلمين بشموليّة، وممّن عمّقوا البحث في مدارس تفسير القرآن الكريم ومناهجه، والحديث النبوي الشريف، وما يرتبط بها من علوم ومعارف، وقد عدّه المستشرقون من أعمق العارفين بالحديث النبوي، ويمكن القول إنّ «جولدتسيهر» خاض في الإسلام من كل نواحي ولا سيّما من النواحي المنهجية والمبنائية، وهو ما تظهره شهادات العديد من المستشرقين، منها ما قاله المستشرق كارل هنريش بكر في حقّه: «مهما تكن التّطوّرات والتعديلات التي تطرأ على بحث الإسلام في المستقبل، فممّا لا شكّ فيه أنّ هذا البحث سيقوم دائمًا على الأسس والمناهج التي وضعها جولدتسيهر»[1]. وقال ثيودور نولدكه في رسالة أرسلها إلى «جولدتسيهر» بمناسبة صدور كتابه «دراسات محمّديّة»: «من على الأرض أفهم للحديث منك؟ ولا حتى سنوك هرخونه ينافسك في ذلك»[2].

ويؤكّد أدوارد سعيد على ضرورة دراسة أمثال (جولدتسيهر) كمدخل لفهم الاستشراق، حيث قال: «أي عمـل يهـدف إلى تقـديم فهـم للاستـشراق الجـامعي، ثـم لا يـولي إلّا اهتمامًا ضئيلًا لباحثين مثل... (جولدتسيهر)... يجب أن يقابل بالتأنيب»[3].

كما تعتبر دراسة جولدتسيهر حولَ التفسير والمذاهب التفسيريّة عند المسلمين واحدة من أهمّ الدّراسات التي قدّمت خلال القرنين الماضيين في الوسط الاستشراقي. حيث خصّص كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي» لبيان كيفيّة دراسة المسلمين وقراءاتهم التفسيريّة للقرآن الكريم، يستهل جولدتسيهر هذا الكتاب بالحديث عن الخطوة الأولى من خطوات تفسير القرآن، وهي الخطوة التي تكوِّن تاريخ النص نفسه، وعمّا فيه من اختلاف في القراءات، وعن الأسباب التي ترجع إليها هذه الاختلافات. وبعد هذا يبدأ الكلام في الاتجاهات المختلفة في تفسير القرآن، فيتناول بالحديث أوّلاً الاتّجاه القديم الذي تمثله مدرسة ابن عباس، ويمتاز بنفور أصحابه من «التفسير»، واقتصارهم على الشرح الحرفي الذي لا يكاد يتجاوز النحو ومعاني الألفاظ. لأنّهم كانوا يشعرون بأن من الخطأ أن يريد الإنسان أن يعرف أكثر مما أراد اللَّه لنا أن نعرف...، وهكذا يناقش جولدتسيهر حركة التفسير والمفسّرين عند المسلمين بطريقة استدلاليّة مليئة بالأحكام والنتائج العلميّة بغضّ النّظر عن واقعيّة وصحّة هذه النتائج.

ولهذا، فهناك الكثير من الأفكار في هذا الكتاب تحتاج إلى النّقد، وقد علّق مترجمُ هذا الكتاب أحياناً تعليقات نقديّة في أسفل الكتاب بشكلٍ طفيف، لكنّنا لا نجد الكثير من الدراسات المستقلّة فيما كتبه هذا الرجل الذي أثَّر كثيراً في المستشرقين فيما بعد، وهم بدورهم أثّروا في كثيرٍ من المفكّرين المسلمين، لا سيّما العلمانيّين وأمثالهم.

ولا بد من الإشارة بدايةً إلى أنّ القرآن الكريم ليس كتاباً مقدّساً عند جولدتسيهر، وهذا شيءٌ واضحٌ من كلماته، لا لأنّه يهوديٌّ أو مسيحيٌّ، بل لأنّه من الأساس ليس يهتمّ بالدين، فلا يهمّه لا القرآن ولا التوراة ولا الإنجيل. وهذا هو حال الكثير من المستشرقين منذ القرن التاسع عشر فصاعداً، حيث ظهر جيلٌ جديد من المستشرقين ربّما لا يؤمنون لا بالتوراة ولا بالإنجيل ولا بالقرآن. إذاً، ليس من الدقيق أن نناقش «جولدتسيهر» بذهنيّة أنّه يُشكل على القرآن كذا ونناقشك بأنّ في التوراة كذا وكذا، بل بعض المستشرقين مثل «جولدتسيهر» لا ينبغي أن نحاوره أو نناقشه من هذه الزاوية؛ لأنّه ليس رجل دين وربما لا يعنيه حتى أمر الديانة اليهوديّة أو المسيحيّة. إذًا، علينا أن نناقشه إما على أساس ما يؤمن أو نقدّم ملاحظاتٍ منهجيّة تتّصل بالمنهج الذي تقوم عليه دراساته.

ونقتصر فيما يلي بالإشارة إلى بعض الإشكالات المنهجيّة التي طرحها في كتابه «مذاهب التفسير الإسلامي»، والتي تحتاج إلى معالجة منهجيّة علميّة مركّزة، حيث اعتبر في سياق مناقشته لمدارس التفسير الإسلامي أنّ كلّ مدرسة قد فسّرت النص القرآني بما يتناسب مع خلفياتها الفكريّة، والعقديّة، والفقهيّة، وبالتالي لا يوجد عند المفسّرين أي منهج موضوعيّ علميّ لتفسير القرآن الكريم، بل كلّ تراث المسلمين في مجال التفسير هو مذهبيّ ومدرسيّ. وذلك على قاعدة أنّ كلّ اتّجاه أو فرقة أو مدرسة تخضع القرآن لآرائها الشخصيّة وتوجّهاتها العقيديّة وبالأخص فرق الشيعة. فيقول: والبحث الذي نريد أن نواصله يتناول عاملًا ثالثًا هو عامل التفسير المذهبي: مصلحة الفرق الدينيّة. وعلينا أن نبحث بوجه خاص: على أيّ وجه أُدخلت في القرآن مصالح الفرق التابعة لحزب الشيعة ومبادئُها الأساسيّة المميزة لها». فقد نسب للشيعة الإماميّة أقوالًا، وآراء، وفرقًا، وغير ذلك لا واقع لها ولا صحّة لها على الإطلاق، وإنّ كمَّ الافتراءات على الشيعة في هذا الفصل مستهجن جدًّا، وقلّما نجده في الكتابات المعاصرة باستثناء ما تفتريه الوهابيّة على الشيعة الإماميّة. وقد ردّ الكتاب بالتفصيل على النماذج التي تعرّض لها والتي حاول من خلالها إثبات مذهبيّة التفسير عند الشيعة.

ولهذا عقد الكاتب بحثًا مستقلًا في الرد على «جولدتسيهر» في مذهبيّة التفسير عند الشيعة. وبيّن آراء أقطاب علماء التفسير في هذا المجال من شيخ الطائفة الشيخ الطوسي، وأمين الإسلام الشيخ الطبرسي، والعلامة السيد الطباطبائي، وزعيم الحوزة العلميّة السيد الخوئي رضوان اللَّه عليهم أجمعين.

ويأتي هذا الكتاب كمحاولة لمناقشة ونقد الكثير من أفكار وأطروحات جولدتسيهر ومنهجه وجوانب من أساليبه في الاستدلال والبحث، طبعاً مع إضافات بيانيّة ترتبط بنظرة المسلمين إلى القضايا والموضوعات المطروحة في الكتاب لبيان الوجه الحق الذي يتبنّاه المسلمون.

وفي الختام نوجّه الشكر إلى كلّ من ساهم في إنجاز هذا الكتاب، سائلين العلي القدير أن يكون قد حقّق فائدة علميّة وبحثيّة للباحثين والدارسين وكلّ من له علقة بالقرآن الكريم وعلومه.

الحمد لله ربّ العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة

 

---------------------------

[1] انظر: إجناتس جولدتسيهر: دراسات محمدية: ج2، ترجمة: الصِّدّيق بشير نصر، ص396.

[2] انظر: التعليقات النقدية على كتاب دراسات محمديّة، الصّدّيق بشير نصر، ص55.

[3] أدوارد سـعيد: الاستـشراق، نقلـه إلى العربيـة: كـمال أبو ديـب، مؤسـسة الأبحـاث العربيـة، بيروت، 1981م، ط1، ص52.