الأنمي وأثره في الجيل العربي

الأنمي وأثره في الجيل العربي

إعداد : 

حيدر محمد الكعبي 

مُقدّمة المركز:

(الاختراق الثقافي) عنوان سلسلة إصدارات جديدة ينشرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية لرصد أهم المؤسسات والأشخاص والمشاريع والأعمال التي تعمل على  تغريب الأمة الإسلامية وسلب هُويتها الدينية  إمّا بشكل مباشر أو تحت غطاء شعارات برّاقة، مثل: الفن والأدب والتقدّم و التسامح والحضارة والمدنيّة وغيرها من الأساليب الماكرة التي تهدم كيان الأمّة بشكل ناعم وبطيء وتستبدل هُويتها وثقافتها بهُويات وثقافات دخيلة .

تهدف هذه السلسلة إلى إعلام أصحاب القرار الديني والسياسي  بما يجري في الساحة الثقافيّة من خروقات خطيرة تهدد كيان الفرد والمجتمع أخلاقياً وثقافياً وسياسياً، وتُوقعه في الضلال والتيه فيصبح منكوساً، مّما يسهِّل عمليّة تغريبه والسيطرة عليه.

كما أنّ هذه السلسلة تحاول أن توقظ ضمير أصحاب القرار والنخبة الفكريّة والدينية للقيام بدراسة هذه الظواهر ومحاولة معالجة الموقف من خلال كتب ودراسات ومحاضرات وندوات وما شابهها  من المشاريع الثقافية والمعرفية البديلة قبل فوات الأوان.

وهذا الكتاب الموسوم (الأنمي وأثره في الجيل العربي) يركز على موضوع مهم جداً من مواضيع الاختراق الثقافي الذي تتعرض له الأجيال العربيّة  في عصرنا الحاضر، وقد وجدنا أنه على الرّغم من  أهميته الكبيرة لم يلقَ الاهتمام الكافي بالدراسة والتحليل من قبل النخب العلمية كما لم يأخذ حقّه من النقاش التوعوي والثقافي، ولهذا يحتل هذا الإصدار مكانة متميزة في هذه السلسلة ويمثل خطوة فريدة من نوعها تلفت أنظار الباحثين والمثقّفين والمبلّغين لأهميته وتشجعهم على تسليط الضوء عليه أكثر والعمل على توعية المجتمع بمخاطره.

ونحن إذ نقدّم هذا العمل إلى النخبة، نروم استنهاض همم أقلامنا المستنيرة في الحوزة والجامعة للقيام باستخراج اللآلئ المخبوءة في تراثنا الإسلامي وتناول هذا الموضوع الحساس وتقديمه للجيل الجديد بحلّة  جديدة تلائم روح العصر.

 وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين وآله  الميامين.

 

المقدّمة:

الأنمي (anime) مفردة مشتقّة من الكلمة الإنجليزية (أنميشن Animation) التي تعني حرفياً (رسوم متحركة)، وقد تم اختصار كلمة «أنميشن» لتكون «أنمي» من أجل تمييز الرسوم المتحركة المُنتجة في اليابان عن تلك المُنتجة في غيرها من البلدان.

ويُعدّ الأنمي الوجه العالمي الأكثر شهرة لليابان، بحيث صرّح (دوريون تشونج Dorion Chung) كبير المشرفين على متحف +M في هونغ كونغ بأنّ لدى الأنمي متابعين مثل متابعي (الروك أند رول) و(سينما هوليوود)، وأضاف قائلاً: «من الممكن الجدال بأن الأنمي من أولى الثقافات العالمية وأوسعها نطاقاً»[1].

وفي بلداننا العربية صار الأنمي شبيها باللغة العالمية التي باتت أجيالنا تتقنها في القرن الحادي والعشرين، ففي عام 2004م عندما بعثت اليابان بشاحنات مياه للإغاثة بعد احتلال العراق، رأى العراقيون المرافقون للبعثة اليابانيّة أن عَلَم اليابان المرسوم على جوانب الشاحنات لا يعرفه كثير من العراقيين، فاقترحوا على المسؤولين اليابانيين وضع ملصقات كبيرة لشخصية الأنمي الشهيرة (الكابتن ماجد) على الشاحنات كطريقة أفضل تجعل العراقيين يتعرفون على البلد الذي جاءت منه هذه الشاحنات[2]. 

بل إن الأنمي تجاوز ذلك ليتحول إلى واحدة من أنجح الوسائل التي تتخذها اليابان لتلميع صورتها في العالم العربي، حتى أصبح كثير من العرب ينظرون إلى اليابان على أنّها كوكب آخر، وباتوا مولعين بكل ما هو ياباني بما في ذلك اللغة اليابانيّة على الرغم من صعوبتها، في الوقت الذي لا يتقنون فيه لغتهم الفصحى ويتذمرون من إعراب جملة عربية واحدة أو حفظ أبيات من الشعر العربي.

بل إنّ مئات من الشباب العرب صاروا ينشئون قنوات على يوتيوب لنشر أخبار الأنمي وتبادل الآراء حوله وتحليل أحداث هذا الأنمي أو ذاك أو استشرافها.

إن هذا الأمر يجعل من الأنمي وسيلةً من أبرز وسائل الاختراق الثقافي في البلدان العربية، إذ يستقطب الجيل الجديد بالذات الذي يمثل عماد المستقبل، والذي يزيد من خطورة الأمر أنّ أبناء الجيل الأقدم الذين يتمثلون بأولياء الأمور والمعلمين والمبلغين ومديري المؤسسات الثقافيّة والإعلامية لم يعوا بعدُ مخاطر عالم الأنمي ولم يستشعروا آثاره المستقبلية، بل قد ينظرون إلى الأنمي على أنه مجرد «كارتون» للتسلية فيتركون أبناءهم عرضة لهذا العالم من دون توعية ومراقبة ومحاسبة، تقول المتخصّصة النفسانية الجزائرية (سعيدة لعجالي): «مثل هذه المسلسلات أصبحت مشكلة حقيقية على الأطفال والأسر، وأهمها فقدانهم التركيز في الدروس وهوسهم الكبير بمتابعتها وإن كانت لا تتناسب مع أعمارهم» لافتة إلى أنّ «تلك الأفلام وإن كانت كرتونية، ليست معدة للأولاد وهو ما يجعل الأهل لا يميزون خطورتها»[3].

كما أنّ كثيراً من المؤسسات الفكرية في البلدان العربية لم تعِ حجم هذا الخطر الثقافي غير المحسوس، وفي حدود عملنا على الصعيد العراقي لم نعثر على نتاج فكري واحد يتصدى للتعريف الدقيق والشامل لظاهرة الأنمي وبيان مخاطره؛ ولهذا فإنّ تصدي المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية لنشر هذا المؤلَّف يمثل خطوة أولى نأمل أن تتلوها خطوات شبيهة من قبل المؤسسات الفكرية الأخرى لتوسيع دائرة البحث والنقد التي تتعلق بهذا الشأن.

وقد تمت صياغة هذا الكتاب بطريقة ميسّرة ومختصرة قدر الإمكان وتمّ تدعيمه بالصور التوضيحية لتفيد منه أوسع شريحة من القراء، إذ يهدف إلى إطلاع شريحة المُبلغين والمعلمين والمثقفين على بعض التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا العربيّة،  كما يستهدف نشر الوعي لدى جيل الآباء والمربّين حول عالم الأنمي وآثاره الفكرية والثقافية، بالإضافة إلى أنه يشكل مادة مفيدة للشباب العربي في توسيع ثقافتهم وتمكينهم من التعامل الواعي مع هذه الظاهرة.

يتكوّن هذا الكتاب من ثلاثة فصول رئيسة: يتناول الأول التعريف بالأنمي وتاريخه وتطوره ومعلومات عن إنتاجه وأرباحه وأسباب انتشاره في العالم، فضلاً عن بيان جملة من خصائصه الفنية وعناصر الجذب فيه، أما الفصل الثاني فيتعرّض إلى واقع انتشار الأنمي في العالم العربي ومقدار تأثر الجيل العربي به، مع بيان موجز للفعاليات الافتراضية والواقعية التي تقام له في البلدان العربيّة، أما الفصل الثالث -وهو الأهم- فيتناول الآثار الإيجابية والسلبية للأنمي على الأجيال العربيّة، مع طرح ما يمكن أن يمثل حلولاً للإشكاليات التي يخلقها في البيئة العربيّة بوصفه مادة فعالة للاختراق الثقافي كما سيتبين لنا في هذه الفصول.

وقد واجهتُ في إنجاز هذا الكتاب صعوبة تتمثل بقلّة المصادر العلمية العربية التي تتناول انتشار الأنمي وآثاره في الشباب العربي، ولكنني وجدتُ العوض في جملة من المقالات والآراء المنشورة في المواقع الإلكترونية، والحقيقة أنّ كثيراً منها كان مُثرياً في بابه، ما يدل على أن كُتّاب الرأي في الشبكة العنكبوتية هم أكثر إحساساً بظاهرة انتشار الأنمي وتأثيراتها على الأجيال العربيّة.

وأخيراً أغتنم الفرصة لأتقدّم بوافر الشكر والتقدير للزملاء في داخل المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية وخارجه؛ الذين كان عونهم كبيراً لي في إنجاز هذا الكتاب، سائلاً الباري عزّ وجل أن يثيبهم بمزيد من التوفيق، والشكر موصول إلى القائمين على هذا المركز لإتاحة الفرصة لأن يرى هذا الكتاب النور، سائلاً العلي القدير أن يسدّد خطاهم ويجزيهم كل خير، وأن يجعل في هذا العمل فائدة وافرة لمجتمعنا الكريم، والله سبحانه صاحب كل فضل ونعمة.

---------------------------------

[1] «سي أن أن»: صناعة الأنمي.. قوى اليابان الناعمة التي تجلب لها المليارات – ساسة بوست – نشر بتاريخ 24/8/2019 على الرابط

 https://www.sasapost.com/translation/japan-anime-global-identity-hnk-intl/

[2] الأنيمي وأنواعه.. تعرّف على عالم الرسوم المتحركة اليابانيّة – الجزيرة – نشر بتاريخ 26/9/2018 على الرابط

https://www.aljazeera.net/midan/art/criticism/2018/9/26/الأنيمي،-بدايته،-وأنواعه-تعرف-على  

[3] انتحار 15 تلميذاً جزائرياً بسبب المحقق كونان – صحيفة البيان – نشر بتاريخ 21/4/2021 على الرابط

https://www.albayan.ae/one-world/2012-04-21-1.1635330