فهرس المحتويات

مقدِّمة المركز | 7

مقدِّمة المؤلّف | 9

الفصل الأوّل الكليّات | 13

مفهوم الهيومانية أو الإنسانوية | 15

أنواع الإنسانوية | 24

الإنسانوية القديمة (الإنسانوية التقليدية) | 24

إنسانوية العصور الوسطى | 24

إنسانوية عصر النهضة | 25

الإنسانوية غير الدينية في مرحلة عصر النهضة | 25

الإنسانوية الحديثة | 26

الإنسانوية التنويرية | 26

الإنسانوية المعاصرة | 27

الفصل الثاني الإنسانويّة في فلسفات المرحلة القديمة | 31

الإنسانوية في مرحلة التفكير الأسطوري | 33

الإنسانوية في العصر الذهبي لليونان القديمة | 36

الإنسانوية في آراء الشكاكين في المرحلة القديمة | 42

الإنسانوية في فكر السفسطائيين | 46

الإنسانوية في تفكير سقراط | 49

الإنسانوية في فكر الفلاسفة بعد سقراط | 53

الفصل الثالث الإنسانويّة الدينية (المسيحية) | 57

في فكر فلاسفة العصور الوسطى | 59

الاتجاهات الإنسانوية الدينية في فكر أوغسطين | 62

قدرة العقل الإنساني على كشف الحقائق وإدراك التعاليم الدينية | 63

قيود العقل البشري وتكامله بالإيمان الديني | 68

إيكال نفس الإنسان إلى اللطف الإلهي لإدراك الحقيقة وبلوغ السعادة | 69

الأبعاد الوجودية للإنسان | 70

حبّ الإنسان لله | 72

هومیة الحياة من طريق الوصول إلى الحقيقة والوحدة | 73

الاتجاهات الإنسانوية الدينية في رؤية توما الأكويني | 76

الفصل الرابع الإنسانويّة في عصر النهضة | 83

الكلاسيكية في حركة عصر النهضة | 90

الإنسانوية في حركة عصر النهضة | 96

نزع القدسية عن الدين | 98

التأكيد على دور الدين في تحوّل الناس من الداخل | 100

تلفيق التعاليم الإنسانوية بتعاليم اللاهوت المسيحي | 102

تبسيط نصّ الكتاب المقدّس | 108

تأثير الإنسانوية في المجالات غير الدينية | 109

الفصل الخامس الإنسانويّة في العصر الحديث | 111

الأفكار الإنسانوية لبيكون | 115

الأفكار الإنسانوية لديكارت | 118

التصوّرات الفطرية وإثبات وجود الله | 127

إثبات الجواهر المادية (الأجسام) | 132

الـ «أنا الإنساني»؛ معيار الصدق والحقيقة | 133

الأفكار الإنسانوية للفلاسفة التجريديين (جان لوك وديفيد هيوم) | 135

التجربة بوصفها أسلوباً | 137

حذف العناصر غير التجريبية من مقولة المعرفة | 139

الفصل السادس  الإنسانويّة في عصر التنوير | 151

خصائص الإنسانوية في عصر التنوير | 154

الأفكار الإنسانوية لإيمانوئيل كانط | 163

نقد الفلسفات السابقة في تفكير كانط | 165

الفهم الإنسوي لتفكير كانط في الأبحاث المعرفية | 167

الثورة الكوبرنيقية لكانط | 167

العالم الظاهري لكانط | 170

الأفكار الإنسانوية لكانط في بحث الأخلاق | 172

الأفكار الإنسانوية لكانط بشأن الدين | 175

الفصل السابع الإنسانويّة في المرحلة المعاصرة | 187

الأبعاد الإنسانوية للفلسفة البراغماتية | 192

الأسلوب التجريبي البراغماتي وأصل المنفعة للإنسان | 194

المفهومية | 195

مسألة الحقيقة | 196

الإنسان وصنع الموضوعات والمحمولات في البراغماتية | 200

النسبية المعرفية في الفكر البراغماتي | 201

الإبعاد الإنسانوية في الفلسفة الوجودية | 202

الخصائص الإنسانوية للفلسفات الوجودية | 205

الوجودية وإبطال الفلسفات السابقة | 207

الأفكار الإنسانوية في الفلسفة الوجودية لكركيغارد | 211

الأفكار الإنسانوية في الفلسفة الوجودية لسارتر | 221

الانقطاع عمّا بعد الطبيعة | 222

مسؤولية الإنسان | 224

الانتخاب والحرية | 225

الحقيقة المطلقة | 226

وجود الذات ووجود الآخرين | 227

التخلي عن الإنسان | 229

إلغاء واجب الوجود | 229

الأفكار الإنسانوية في فلسفة هايدغر | 233

تعريف الإنسانوية من وجهة نظر مارتن هايدغر | 236

يرى مارتن هايدغر | 237

كشف ماهية الإنسان | 239

اكتشاف ماهية الإنسان من خلال تحليل الدازاين | 242

الإنسان بمنزلة الوجود «الملقى» | 245

وجود الأشياء ووجود الآخرين في دائرة وجود الدازاين | 249

الإنسانوية الإلحادية | 250

الإنسانوية الإلحادية في تفكير أوجست كونت | 251

الإنسانوية الإلحادية في رؤية فويرباخ وكارل ماركس | 253

الإنسانوية الإلحادية في رؤية فريدريك نيتشه | 258

حقيقة الإنسانوية في العصر الراهن | 262

النهضة الأخلاقية للإنسانوية العلمانية | 265

الإعلان الأخير للإنسانوية العلمانية وبنوده | 271

الحاجة إلى اختبار العقائد | 272

العقل، الدليل والمستند، الأسلوب العلمي | 272

الجدوائية والتنمية والإبداع | 272

البحث عن الحقيقة | 272

هذه الحياة (الحياة الدنيوية) | 273

الأخلاق | 273

العدالة والإنصاف | 273

بناء عالم أفضل |  274

كلمة أخيرة | 275

الفصل الثامن ملاحظات نقدية على الاتجاهات الإنسانوية الغربية من وجهة نظر الإسلام والمفكرين الغربيين |  279

أنواع الإنسانوية في نظرة عامة | 281

عناصر الإنسانوية العلمانية | 283

نقد المفكرين الغربيين للإنسانوية العلمانية | 317

المسيحية التقليدية | 318

الإنسانوية المسيحية | 319

المسيحيون الإنسويون | 320

نقد المفكرين الغربيين للإنسانوية العلمانية | 323

الإنسوية المسيحية | 323

المسيحيون الإنسويون | 325

المصادر والمراجع | 328

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 43 الهيومانيّة دراسة تحليلية نقدية للأسس والجذور تأليف : محمد هادي طلعتي تعريب : حسن علي مطر
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدِّمة المركز7

مقدِّمة المؤلّف9

الفصل الأوّل الكليّات13

مفهوم الهيومانية أو الإنسانوية15

أنواع الإنسانوية24

الإنسانوية القديمة (الإنسانوية التقليدية)24

إنسانوية العصور الوسطى24

إنسانوية عصر النهضة25

الإنسانوية غير الدينية في مرحلة عصر النهضة25

الإنسانوية الحديثة26

الإنسانوية التنويرية26

الإنسانوية المعاصرة 27

الفصل الثاني الإنسانويّة في فلسفات المرحلة القديمة 31

الإنسانوية في مرحلة التفكير الأسطوري33

الإنسانوية في العصر الذهبي لليونان القديمة36

الإنسانوية في آراء الشكاكين في المرحلة القديمة42

الإنسانوية في فكر السفسطائيين46

الإنسانوية في تفكير سقراط49

الإنسانوية في فكر الفلاسفة بعد سقراط53

الفصل الثالث الإنسانويّة الدينية (المسيحية)57

في فكر فلاسفة العصور الوسطى59

الاتجاهات الإنسانوية الدينية في فكر أوغسطين62

قدرة العقل الإنساني على كشف الحقائق و

إدراك التعاليم الدينية63

قيود العقل البشري وتكامله بالإيمان الديني68

إيكال نفس الإنسان إلى اللطف الإلهي لإدراك

الحقيقة وبلوغ السعادة 69

الأبعاد الوجودية للإنسان70

(3)

الفهرس

حبّ الإنسان لله72

هومیة الحياة من طريق الوصول إلى الحقيقة والوحدة73

الاتجاهات الإنسانوية الدينية في رؤية توما الأكويني76

الفصل الرابع الإنسانويّة في عصر النهضة83

الكلاسيكية في حركة عصر النهضة90

الإنسانوية في حركة عصر النهضة96

نزع القدسية عن الدين98

التأكيد على دور الدين في تحوّل الناس من الداخل100

تلفيق التعاليم الإنسانوية بتعاليم اللاهوت المسيحي102

تبسيط نصّ الكتاب المقدّس108

تأثير الإنسانوية في المجالات غير الدينية109

الفصل الخامس الإنسانويّة في العصر الحديث111

الأفكار الإنسانوية لبيكون 115

الأفكار الإنسانوية لديكارت118

التصوّرات الفطرية وإثبات وجود الله127

إثبات الجواهر المادية (الأجسام)132

الـ «أنا الإنساني»؛ معيار الصدق والحقيقة133

الأفكار الإنسانوية للفلاسفة التجريديين

(جان لوك وديفيد هيوم) 135

التجربة بوصفها أسلوباً137

حذف العناصر غير التجريبية من مقولة المعرفة139

الفصل السادس  الإنسانويّة في عصر التنوير151

خصائص الإنسانوية في عصر التنوير154

الأفكار الإنسانوية لإيمانوئيل كانط163

نقد الفلسفات السابقة في تفكير كانط165

الفهم الإنسوي لتفكير كانط في الأبحاث المعرفية167

الثورة الكوبرنيقية لكانط167

العالم الظاهري لكانط170

الأفكار الإنسانوية لكانط في بحث الأخلاق172

الأفكار الإنسانوية لكانط بشأن الدين175

(4)

الفهرس

الفصل السابع الإنسانويّة في المرحلة المعاصرة 187

الأبعاد الإنسانوية للفلسفة البراغماتية192

الأسلوب التجريبي البراغماتي وأصل المنفعة للإنسان 194

المفهومية195

مسألة الحقيقة196

الإنسان وصنع الموضوعات والمحمولات في البراغماتية200

النسبية المعرفية في الفكر البراغماتي201

الإبعاد الإنسانوية في الفلسفة الوجودية202

الخصائص الإنسانوية للفلسفات الوجودية205

الوجودية وإبطال الفلسفات السابقة207

الأفكار الإنسانوية في الفلسفة الوجودية لكركيغارد211

الأفكار الإنسانوية في الفلسفة الوجودية لسارتر221

الانقطاع عمّا بعد الطبيعة222 

مسؤولية الإنسان224

الانتخاب والحرية225

الحقيقة المطلقة226

وجود الذات ووجود الآخرين227

التخلي عن الإنسان229

إلغاء واجب الوجود229

الأفكار الإنسانوية في فلسفة هايدغر233

تعريف الإنسانوية من وجهة نظر مارتن هايدغر236

يرى مارتن هايدغر 237

كشف ماهية الإنسان 239

اكتشاف ماهية الإنسان من خلال تحليل الدازاين 242

الإنسان بمنزلة الوجود «الملقى»245

وجود الأشياء ووجود الآخرين في دائرة وجود الدازاين249

الإنسانوية الإلحادية250

الإنسانوية الإلحادية في تفكير أوجست كونت251

الإنسانوية الإلحادية في رؤية فويرباخ وكارل ماركس253

(5)

الفهرس

الإنسانوية الإلحادية في رؤية فريدريك نيتشه 258

حقيقة الإنسانوية في العصر الراهن262

النهضة الأخلاقية للإنسانوية العلمانية265

الإعلان الأخير للإنسانوية العلمانية وبنوده271

الحاجة إلى اختبار العقائد272

العقل، الدليل والمستند، الأسلوب العلمي272

الجدوائية والتنمية والإبداع272

البحث عن الحقيقة272

هذه الحياة (الحياة الدنيوية) 273

الأخلاق273

العدالة والإنصاف273

بناء عالم أفضل 274

كلمة أخيرة 275

الفصل الثامن ملاحظات نقدية على الاتجاهات الإنسانوية الغربية من

وجهة نظر الإسلام والمفكرين الغربيين279

أنواع الإنسانوية في نظرة عامة281

عناصر الإنسانوية العلمانية 283

نقد المفكرين الغربيين للإنسانوية العلمانية317

المسيحية التقليدية318

الإنسانوية المسيحية319

المسيحيون الإنسويون320

نقد المفكرين الغربيين للإنسانوية العلمانية323

الإنسوية المسيحية323

المسيحيون الإنسويون325

المصادر والمراجع 328

(6)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانيّة؛ ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أوّلًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانيّة وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيّما وأنّ كثيرًا من الإشكاليّات المعرفيّة ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام

(7)

الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلاميّة، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكريّة بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

* * *

سعت هذه الدراسة إلى التعريف بمفهوم الهيومانيّة من خلال استقراء أبرز مظاهرها وتياراتها التاريخية: الإنسانوية التقليدية، والإنسانوية المسيحية ذات الاتجاه التقليدي، والإنسانوية المسيحية ذات الاتجاه الإصلاحي الديني، والإنسانوية المسيحية ذات الاتجاه الإصلاحي الديني، والإنسانوية المناوئة للدين (الإنسانوية الإلحادية)، والإنسانوية الأدبية والثقافية والفنية، والإنسانوية الفلسفية، والإنسانوية العلمانية، والإنسانوية الماركسية، والإنسانوية البراغماتية، والإنسانوية الوجودية. كما تعرّضت الدراسة إلى أنواع الإنسانوية في المراحل المختلفة لثقافة وحضارة الغرب. وإن هذه المراحل ـ طبقاً للتبويبات المعروفة ـ عبارة عن: المرحلة القديمة، ومرحلة العصور الوسطى المشتملة على المرحلة المسيحية الأولى، والمسيحية الكنسية، ومرحلة عصر النهضة، والمرحلة الحديثة المشتملة على المرحلة الأولى وعصر التنوير، والمرحلة المعاصرة.

والحمد لله رب العالمين
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية
(8)

مقدمة المؤلف

إن للحديث حول الإنسان والتعرّف عليه في تاريخ الفكر البشري، جذوراً تاريخية قديمة وعريقة ومرموقة. وقلما نجد هناك نحلة أو تياراً فكرياً لم يبحث بشأن الإنسان، ولم يتطرّق إلى نوع من البحث الأنثروبولوجي. وبعبارة فلسفية وتقليدية، ربما أمكن القول: إن الإنسان منذ أن أدرك نفسه على المستوى «الذهني»، وأخذ ينظر إلى نفسه بالقياس إلى الأمور «العينية»، ومتعلقات من قبيل: الله والعالم والأشخاص الآخرين، وجد نفسه مضطراً ـ في التعاطي مع هذه المقولات ـ إلى التعريف بنفسه أولاً، وأن يتعرّف على منزلته وموقعه في العالم ثانياً، ثم يسلك طريقة مناسبة للتعامل؛ ليصل في نهاية المطاف إلى الغاية من الحياة التي يتمّ تفسيرها والتعبير عنها بشكل متنوع ومختلف تبعاً لتنوّع واختلاف الأشخاص والجماعات. وقد استدعى هذا النوع من الأمور في الدرجة الأولى ضرورة الخوض في علم الأنثروبولوجيا، ثم إذا تم البحث عن المبدأ والمعاد أيضاً، يكتسب معناه ومفهومه من الزاوية الإنسانية. وليس من نافل القول أن يعتبر الإمام علي عليه‌السلام ـ في حديث بليغ، قال فيه: «رحم الله امرءاً علمَ من أين، وفي أين، وإلى أين»  ـ سعادة الإنسان رهن بمعرفة نسبة الإنسان إلى العناصر الثلاثة الهامّة، وهي: المبدأ، والحال، والمنتهى.

واليوم نواجه أنواعاً مختلفة من الأنثروبولوجيات، من قبيل:

(9)

الأنثروبولوجيا الدينية، والأنثروبولوجيا الفلسفية، والأنثروبولوجيا التجريبية، والأنثروبولوجيا العرفانية وما إلى ذلك، حيث تنظر كل واحدة منها إلى الإنسان والمقولات الإنسانية من زاوية خاصة، وتقدّم صورة خاصة عن الإنسان. بيد أن أحد الآراء المؤثرة والواسعة والتي يعود منشأها في الغالب إلى الفلسفات الغربية، هو اتجاه «محورية الإنسان» والذي يتم التعبير عنه بمصطلح «الإنسانوية» وهو الموضوع الذي يتمّ التعرّض إلى بحثه في هذا الكتاب بوصفه معادلاً لما يعرف في اللغة الإنجليزية بـ «الهيومانية» . إن هذه الرؤية التي تعود في سابقتها وجذورها إلى الثقافة والحضارة الغربية، بلغت ذروتها في عصر النهضة، وتم تنظيمها في المرحلة الحديثة، وتركت تأثيرها حتى الآن على أكثر التيارات الفكرية في الغرب. ويأتي التعبير بـ «الرؤية» عن الإنسانوية من حيث صعوبة اعتبار الهيومانية بوصفها مدرسة فلسفية مستقلة، ومن هنا عمدنا ـ مثل الكثير من الباحثين والمحقين في حقل الإنسانوية ـ إلى الإحجام عن إطلاق عنوان المدرسة أو الفلسفة على مفهوم الإنسانوية، واكتفينا بالتعبير عنها بـ «الرؤية»؛ وهي الرؤية التي تسعى ما أمكنها إلى وضع الإنسان في مركز تفكيرها، وتعمل قبل كل شيء على تأصيل تطوير طاقات الإنسان وتفجيرها. وبطبيعة الحال فإن هذه الرؤية لم تسر على وتيرة واحدة ومتناغمة في تاريخ الثقافة والفلسفة الغربية، بل شهدت منعطفات كثيرة، ولا سيّما بعد مرحلة عصر النهضة؛ الأمر الذي يستدعي منتهى الدقة في تقديم تعريف واضح عن الإنسانوية، بحيث يكون جامعاً ومانعاً، والابتعاد عن التعاريف السطحية وغير العلمية أحياناً.

(10)

لقد تم السعي في هذه الدراسة ـ من خلال الاستعانة بالمصادر الغربية، ولا سيما المفكرين من ذوي الرؤية الإنسانوية ـ إلى التعريف بأهم الاتجاهات الإنسانوية في فلسفة الغرب، بمعزل عن أيّ نوع من الأحكام بشأن الإنسانوية. وفيما يلي لا بدّ من التذكير بعدد من النقاط حول هذه الدراسة، وهي كالآتي:

1 ـ لقد اكتفينا في هذه الدراسة بالتعريف بأنواع الإنسانوية، ومن هنا وجدنا من الأجدر تسمية هذا الكتاب بعنوان «الهيومانية، دراسة تحليلية نقدية للأسس والجذور». ومن الجدير ذكره أن كل واحدة من الإنسانويات المذكورة في هذا الكتاب يستحق أن يعقد له بحثاً تفصيلياً ودراسة مستقلة.

2 ـ لقد تمّ تنظيم هذه الدراسة على أساس مقال لـ «فريدريك إدواردز» بعنوان: «ما هي الإنسانوية؟». وعملنا في هذه المقالة على التعريف بمختلف أنواع الإنسانوية باختصار وفي إطار تاريخي وتوجيهي. إن من بين أهم الإنسانويات المذكورة في هذا المقال، عبارة عن: الإنسانوية التقليدية، والإنسانوية المسيحية ذات الاتجاه التقليدي، والإنسانوية المسيحية ذات الاتجاه الإصلاحي الديني، والإنسانوية المناوئة للدين (الإنسانوية الإلحادية)، والإنسانوية الأدبية والثقافية والفنية، والإنسانوية الفلسفية، والإنسانوية العلمانية، والإنسانوية الماركسية، والإنسانوية البراغماتية، والإنسانوية الوجودية. ويُعدّ هذا التبويب والتقسيم من وجهة نظر كاتب السطور أفضل بكثير من التقسيمات الموجودة في المصادر الغربية الأخرى. لقد تعرّضنا في هذه الدراسة ـ بعد التعريف بالإنسانوية وأنواعها وأقسامها على أساس

(11)

تبويب فريدريك إدواردز ـ إلى الدراسة التاريخية لأنواع الإنسانوية في المراحل المختلفة لثقافة وحضارة الغرب. وإن هذه المراحل ـ طبقاً للتبويبات المعروفة ـ عبارة عن: المرحلة القديمة، ومرحلة العصور الوسطى المشتملة على المرحلة المسيحية الأولى، والمسيحية الكنسية، ومرحلة عصر النهضة، والمرحلة الحديثة المشتملة على المرحلة الأولى وعصر التنوير، والمرحلة المعاصرة.

إن كل واحد من هذه المراحل كان لها إنسانويات أو إنسانويات خاصة، من ذلك أننا في عصر النهضة وحده ـ على سبيل المثال ـ لا نواجه نوعاً واحداً من الإنسانوية، وإنما نواجه أنواعاً من الإنسانوية، مثل: الإنسانوية الأدبية، والإنسانوية المسيحية، والإنسانوية المناوئة للدين أو الإنسانوية الإلحادية. والغرض من هذه الدراسة بحث أنواع الإنسانوية ضمن المسار التاريخي. ومن الجدير ذكره حيث أن الإنسانوية الراهنة التي تحكم الغرب هي الإنسانوية العلمانية، فقد سعى كاتب السطور إلى الإشارة إلى هذا الاتجاه الإنسوي / العلماني في مختلف العصور التاريخية، ولو على نحو الاختصار، وعليه نرجو من القارئ الكريم أن لا يبرم بنا إذا نحن أكثرنا من استعمال المصطلح التركيبي للإنسانوية العلمانية خلال الأبحاث القادمة.

* * *

وفي الختام أرى من الواجب عليّ أن أتقدّم بالشكر الجزيل من جميع أصحاب الفضل الذين واكبوني وقدموا لي يد العون والمساعدة منذ بداية هذه الدراسة وحتى نهايتها.

(12)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأوّل

الكليّات

(13)
(14)

مفهوم الهيومانية أو الإنسانوية

يذهب أكثر الباحثين إلى القول بأن «الهيومانية»[1] من المفردات المبتكرة في القرن التاسع عشر للميلاد[2]. طبقاً لهذا الرأي كان المحققون الألمان في عام 1808 م هم أول من وضع المفردة الألمانية «Humanismus» للإشارة إلى نوع من المفهوم الذي يؤكد على الأدبيات الكلاسيكية اليونانية واللاتينية، كما تمّ استعمال مفردة «Humanism» في اللغة الإنجليزية للدلالة على هذا المعنى أيضاً[3]. وأما بعد القرن التاسع عشر للميلاد فقد استعمل لفظ الهيومانية في الكثير من المعاني، وتم طرح الكثير من التفاسير له. ولا بدّ من الالتفات إلى أن الوضع الأول للهيومانية، وتطبيقاتها واستعمالاتها اللاحقة لم يكن منفصلاً أبداً عن الماضي التاريخي لاستعمال هذه المفردة؛ بحيث أن الفهم الصحيح والدقيق لمعنى الهيومانية لا يغدو ممكناً إلا من خلال البحث التاريخي لوضع هذه المفردة.

إن مفردة «Humanismus» في الأدبيات الألمانية، ومفردة «Humanism» في اللغة الإنجليزية، من مشتقات «Human» التي تعود بجذورها إلى المفهوم اللاتيني «Humus» بمعنى التراب أو الأرض. وإن كلمة «Homo» تعني الكائن الأرضي أو الإنسان،

(15)

و«Humanus» بمعنى الإنساني. وإن الوضع الأولي لمفردات: «Humus»، و«Homo»، و«Humanus» يُحدد الإنسان بوصفه كائناً أسمى من بين سائر الكائنات والموجودات الأرضية الأخرى، كما يُميّزه من سائر الكائنات السماوية الأخرى، ونعني بها الآلهات «Divinus»[1].

وفي المرحلة اليونانية / الرومية وبين سواد الناس في الغرب، كانت كلمة «Humanitas» شائعة في حبّ الإنسان (Philanthropia)، وكان يُراد منها نوع من الشعور والإحساس الإنساني تجاه الناس بأجمعهم. وكانت كلمة «Humanitas» في هذا المفهوم تعني نوعاً من البُعد الأخلاقي. كما كان الكتاب الروميون في هذه المرحلة يستعملون كلمة «Humanitas» في مفهوم كلمة بَيديا «Paideia» اليونانية؛ بمعنى «تعلم العلوم الإنسانية»[2].

إن الهيومانية (Humanitas) هي أمل وغاية مطمح الإنسان الرومي، حيث يروم بواسطتها تمييز نفسه من سائر الأشخاص الآخرين، بمعنى أن يفصل نفسه عن غير الروميين من الناس، ممن كانوا يدعونهم بـ «البربر»، ليثبتوا بذلك أفضليتهم على من سواهم. يقول هايدغر في هذا الشأن:

«في عصر الجمهورية الرومية حيث تجلّت الإنسانية

(16)

بوضوح وتمّ استعمالها تحت هذا المُسمّى للمرّة الأولى. حلّ الإنسان الإنساني (humanus Homo) في قبال الإنسان البربري (barbarus Homo)؛ بيد أن الإنسان الإنساني هنا هو ذات الإنسان الرومي، الذي يعمل على تطوير الفضائل الرومية من خلال «تجسيد» ما يطلق عليه اليونانيون مفهوم التعليم «Paideia» ... وقد تمّت ترجمة مفردة «Paideia» بهذا المعنى إلى «الإنسانية» (Humanitas). إن الكينونة الرومية بوصفها صفة تخصّ الإنسان الرومي، إنما تكمن في مثل هذه الإنسانية»[1].

وعلى هذا الأساس نجد في المرحلة اليونانية / الرومية، تسللاً للبُعد الأخلاقي (الشعور بحبّ الإنسان) والتربوي (تعلّم العلوم الإنسانية) إلى مفردة الهيومانية. كما نلاحظ في أعمال بعض الكتاب الرومين في تلك الحقبة إشارة إلى كلا هذين المعنيين، مع بيان الاختلاف بينهما أيضاً:

«إن كلمة «Humanitas» تعني حبّ الإنسان، وهو مفهوم شائع يريده عامّة الناس عند استعمالهم لهذه المفردة، فهي تدلّ على نوع من المزاج والشعور المحبّ لكل الناس دون أيّ تمييز واختلاف، وأما الذين يتكلمون باللغة اليونانية ويستعملونها بشكل صحيح، فإنما يريدون عند استعمال كلمة «Humanitas» ذات الشيء الذي يسمّيه اليونانيون

(17)

«Paideia»؛ بمعنى «تعلّم واكتساب العلوم الإنسانية»، والذين يعيشون شغف تعلّم هذه العلوم هم الأشدّ إنسانوية من سائر الأفراد[1].

وفي العصور الوسطى أضحت كلمة «Humanitas» تستعمل في قبال كلمة «Divinitas» بمعنى أن كلمة «Divinitas» أخذت ترتبط بمساحات من المعرفة والنشاط الضارب بجذوره في الديانة المسيحية والكتاب المقدّس؛ وأما كلمة «Humanitas» فصارت تطلق على مساحات ترتبط ـ بشكل وآخر ـ بالحياة الدنيوية للناس. وبطبيعة الحال فإن هذا القسم الأخير لم يكن بمنأى من تأثير الكتابات والأفكار الرومية واليونانية.

وفي أواخر العصور الوسطى ومع بداية عصر النهضة، تمّ للمرة الثانية إحياء الآمال الإنسانية للعصر القديم عن الكتاب والمؤلفين الذين كانوا ينشدون طريق خلاصهم من ثقافة العصور الوسطى في العودة إلى ثقافة العصر القديم (الأعم من الإغريقية والرومية)، وإحياء النصوص الكلاسيكية[2]. وبذلك تحوّل طموح الإنسان اليوناني المتمثل بالبَيديا (Paideia)، وطموح الإنسان الرومي المتمثل بالهيومانية (Humanitas)، إلى طموح إنسان عصر النهضة. لقد كان إنسان عصر النهضة يروم وضع طموحه ـ المتمثل بالهيومانية بوصفها الإنسانية الأفضل ـ في قبال الإنسانية البربرية للعصور الوسطى.

(18)

قالت إليزا استيل في هذا الشأن:

«لقد كان المترجمون وأساتذة آثار المرحلة الكلاسيكية[1] ـ وجلّهم من الإيطاليين ـ يسمّون أنفسهم «Umanisti». وإن الاستعمال المتكرر  للكلمة الإيطالية «Umanisti» في هذه المرحلة  يثبت أن المفكرين في عصر النهضة ـ والإيطاليون منهم في الدرجة الأولى ـ كانوا يسعون إلى «هيومانية» المرحلة اليونانية / الرومية، التي يطلقون عليها اسم «Humanitas». والملفت في البين أن كلا المعنيين الأخلاقي والتعليمي للهيومانية (Humanitas)، موجود في «Humanitatis» أيضاً؛ وعلى هذا الأساس فإن كلمة «Humanitatis» بدورها تستعمل في معنيين، وهما محبة الإنسان (Philanthropia)، وتعلم العلوم الإنسانية (Paideia) أيضاً»[2].

وبطبيعة الحال فإن اختلاف مرحلة عصر النهضة عن المرحلة القديمة يكمن في أن البُعد التعليمي (Humanitatis) منها، يغلب على بُعدها الأخلاقي؛ بمعنى أن «Umanisti» عصر النهضة في الدرجة الأولى أديب مطلع على الأدبيات الكلاسيكية والتقليدية، حيث يسعى من خلال تعلّم العلوم الإنسانية إلى الحصول على أهدافه الأخلاقية المتمثّلة بالبسط الكامل والتام لجميع الفضائل الإنسانية.

(19)

منذ أوائل القرن الخامس عشر للميلاد في إيطاليا، كانت «العلوم الإنسانية» تطلق عادة على العلوم الملازمة للتعرّف على الأدبيات الكلاسيكية والتقليدية؛ بمعنى قواعد اللغة، وفنون المعاني والبيان (الفصاحة والبلاغة)، والشعر، والتاريخ وفلسفة الأخلاق، التي يطلق عليها بأجمعها مصطلح «العلوم الإنسانية» (Studia Humanitatis)[1]. وفي هذه المرحلة تقريباً (أي في الفترة الفاصلة ما بين أواخر القرن الخامس عشر إلى أواخر القرن السادس عشر)، كانت الكلمة الإنجليزية «Humanism» تعادل كلمة «Umanisti» الإيطالية؛ حيث وضعت للدلالة على الأديب الحاذق في الدراسات اللاتينية[2]. وعلى هذا الأساس حتى حوالي القرن السادس عشر، لم تكن مفردة الهيومانية تستعمل مقرونة بـ (لاحقة «ism»). وعليه فإن هذه الكلمة ـ كما سبق أن ذكرنا ـ قد تمّ وضعها في أوائل القرن التاسع عشر في ألمانيا من قبل المحققين الذين كان لهم شغف أدبي (بالأدبيات الكلاسيكية)، بصيغة «Humanismus»، وتم وضعها بالتوازي في اللغة الإنجليزية على شكل «Humanism». وبطبيعة الحال فإن كلتا مفردتي «Humanism» و«Humanismus» تعبّر عن مفهوم الـ «Umanisti» في اللغة الإيطالية أو الـ «Humanist» في اللغة الإنجليزية، وبذلك فقد تم استعمال الهيومانية في ذات

(20)

المعنى الذي يُفهم من كلمة «Umanisti» أو «Humanist»؛ بمعنى نمط من التعلق بالتعلم والترويج للنصوص الكلاسيكية والأدبيات اليونانية واللاتينية، التي كانت تشير في الغالب إلى الهيومانية الأدبية في مرحلة عصر النهضة.

وأما بعد القرن التاسع عشر للميلاد فقد ابتعدت الهيومانية [ونحن نعبر عنها في‌ هذا الكتاب بمصطلح  الإنسانوية] عن مفهومها التعليمي والأدبي بالتدريج، وصارت تستعمل ويتم تعريفها في مفهوم عام وكلي، أي الإنسانوية بالمعنى الخاص للكلمة والذي يعبّر عن نوع من الانتماء الخاص إلى «الإنسان». وفيما يلي نشير إلى نماذج من هذه التعريفات:

1 ـ إن الإنسانوية «عبارة عن كل نوع من الآراء أو الآفاق الفكرية والفلسفية القائلة بوجود قيمة استثنائية رفيعة للإنسان وللتجارب والرغبات والحقوق الإنسانية»[1].

2 ـ إن الإنسانوية «تطلق على مجموعة من العقائد، والأساليب، والفلسفات التي تؤكد بشكل أساسي ومحوري على الإنسان والأبعاد الإنسانية»[2].

كما قامت موسوعة راتلج الفلسفية بتعريف الإنسانوية في معناها العام، بالقول:

«إن الإنسانوية تحتوي على مجموعة من المفاهيم المرتبطة

(21)

ببعضها حول ماهية وطبيعة الإنسان، والخصائص والطاقات والتربية والتعليم والقيَم الإنسانية للأشخاص. ويمكن تعريف الإنسانوية بمعنى من المعاني على أنها نظام فلسفي متناغم من المدعيات الأساسية في الحقل الأنطولوجي، والأبستمولوجي، والتعليمي، والجمالي، والأخلاقي والسياسي. وبمعنى آخر يمكن اعتبارها منهجاً أو سلسلة من المسائل المرتبطة ببعضها  حول الطبيعة والخصائص الإنسانية للأفراد»[1].

كما يتضح من التعاريف أعلاه، فقد تم التعريف بالإنسانوية في بعض الموارد بأنها عبارة عن الآراء والأساليب ومجموعة المعتقدات أو النظام الفلسفي. ولكن الذي يبدو هو أن الوجه الجامع والنقطة المشتركة بين جميع هذه التعاريف، هو القول بأن الإنسانوية عبارة عن «اتجاه» خاص، يتمّ فيه التأكيد على محورية الإنسان. وإن للتعبير بـ «الاتجاه» نقطتين:

1 ـ على الرغم من أن الإنسانوية هي نوع من الاتجاه الفكري، وتريد توجيه الاهتمام نحو الإنسان والأبعاد الإنسانية، إلا أنها لا تتعلق بمدرسة فكرية أو نظام فلسفي بعينه؛ ومن هنا قد نجد الاتجاهات الإنسانوية في صلب الكثير من الأفكار، ومن هنا يمكن اعتبارها مدارس إنسانوية، دون أن تكون هناك حاجة إلى حصر الإنسانوية ضمن نظام فكري خاص. وعلى حد تعبير إليزا ستيل ويتر ـ كاتبة مقال «الإنسانوية» في دائرة معارف الإخلاق ـ يمكن للفلسفات الإنسانوية أن تندرج ضمن مجموعة من الفلسفات

(22)

الغربية، من قبيل: الوجودية، والفلسفات غير الغربية، من قبيل: الكونفوشيوسية، وكذلك الفلسفات الجديدة والقديمة[1].

وبطبيعة الحال فإن هذا التوجّه والاتجاه قد اشتدّ على نحو خاص في الثقافة الغربية في مرحلة عصر النهضة والمرحلة الحديثة؛ بحيث أن مفهوم الإنسانوية في الأعمال الغربية كان يستدعي ـ على الدوام ـ عصر النهضة والحداثة. كما صرّحت بعض المدارس والمذاهب من قبيل: الماركسية والبراغماتية والوجودية  والشخصانية في القرنين الأخيرين بإنسويتها بشكل وآخر.

ومن ناحية يمكن العثور على الكثير من المذاهب الفكرية المختلفة التي كانت تبدي اهتماماً إلى الإنسان بشكل وآخر، ومن هنا يمكن اعتبارها ـ مع شيء من التسامح ـ من المذاهب ذات الاتجاه الإنسوي؛ ولكن من ناحية أخرى فإن نوع الاهتمام والإنسانوية في هذه المذاهب الفلسفية والفكرية مختلف، بحيث أنه بما يتناسب مع المباني الفلسفية والفكرية المختلفة بشأن الإنسان، تتغير القيم والأبعاد الإنسانية والمعاني والمفاهيم الإنسانوية بدورها أيضاً. ومن هنا فقد أحجم بعض الباحثين عن تقديم تعريف واحد جامع ومانع بشأن الإنسانوية، واعتبرها على الدوام اتجاهاً يتشخص بإضافة قيد ومضاف إليه بوصفه مذهباً؛ من ذلك مثلاً أن الإنسانوية الماركسية تعبّر عن نوع من الاتجاه الماركسي إلى الإنسان، ورؤية هذا المذهب إلى الإنسان والقيم الإنسانية، والإنسانوية المسيحية، تعكس الإنسانوية التي تعمل على تعريف الإنسان في إطار خاص من المسيحية.

(23)

بالنظر إلى ما تقدم ذكره سوف نواجه عدداً من الإنسانويات المختلفة، التي يصعب جمعها ضمن عنوان وتعريف واحد، بل ربما كان ذلك ضرباً من المحال؛ ومن هنا فإن الإنسانوية يتم تعريفها تارة بحسب المراحل التاريخية، وتارة بحسب الفلسفات، وطوراً حتى بحسب الفلاسفة أو بالنظر إلى الموضوعات التي تستحوذ على اهتمام المفكرين.

أنواع الإنسانوية

لقد قام فريدريك إدواردز الباحث في الشأن الإنسوي في مقالة جامعة له وفي تقسيم عام، بتلخيص أهم التيارات الإنسانوية في الثقافة الغربية قديماً وحديثاً، وذلك على النحو الآتي[1]:

الإنسانوية القديمة (الإنسانوية التقليدية):

 وهذه الإنسانوية تشير بشكل رئيس إلى المباني النظرية لفلاسفة ما قبل عصر سقراط، من ذوي الاتجاهات التجريبية، بمعنى الفلاسفة الطبيعيين، والفلاسفة السفسطائيين في اليونان القديمة وتشكيكاتهم المعرفية، الأمر الذي أدّى إلى وضع الإنسان بوصفه فاعلاً معرفياً محط اهتمام المفكرين والفلاسفة.

إنسانوية العصور الوسطى:

إن هذا النوع من الإنسانوية قد تبلور في رؤية الفلاسفة المسيحيين في القرون الوسطى؛ ولذلك فهي إنسانوية دينية مقتبسة

(24)

من المسيحية. إن الإنسانوية الدينية ـ والمسيحية بشكل خاص ـ رؤية تدافع عن شأن الإنسان وازدهار الإنسان في إطار الأصول والتعاليم المسيحية.

إنسانوية عصر النهضة:

وهي الرؤية التي تبلورت في مرحلة عصر النهضة ـ في أواخر القرن الرابع عشر وحتى القرن السادس عشر للميلاد ـ بفعل الاهتمام بالإنسان وقيمته وكرامته، وتمّ بسطها في البُعد الديني وغير الديني. إن الإنسانوية الدينية استمرار للإنسانوية المسيحية في العصور الوسطى، وهي الشكل المتطوّر لها في الإنسانوية المسيحية في مرحلة الإصلاح الديني، وإن الإنسانوية اللادينية تعود إلى ثقافة المرحلة القديمة واستمرار للإنسانوية التقليدية؛ وعلى هذا الأساس يوجد هناك نوعان من الإنسانوية في ذيل إنسانوية عصر النهضة:

الإنسانوية الدينية لمرحلة عصر النهضة والإصلاح الديني:

إن هذا النوع من الإنسانوية رؤية تنحاز إلى شأن الإنسان وازدهار الإنسان في إطار الأصول المسيحية.

 الإنسانوية غير الدينية في مرحلة عصر النهضة:

وهي الرؤية التي تدافع عن شأن الإنسان وكرامته من خلال الرجوع إلى ثقافة المرحلة القديمة والتقليدية، وهي على ثقة تامّة من قدرة الإنسان في تشخيص حقائق الأمور والعثور على طريق السعادة.

(25)

إن الإنسانوية الأدبية تقع في ذيل الإنسانوية غير الدينية؛ حيث تتعلق بالعلوم الإنسانية والأدبية، ولا سيّما منها الثقافة الأدبية والشفهية والتحريرية في المرحلة القديمة، وتسعى في الغالب إلى إحياء النصوص التقليدية والتعليمية لتلك الحقبة.

الإنسانوية الحديثة:

هي استمرار لإنسانوية عصر النهضة، غاية ما هنالك أنها تبدي اهتماماً أكبر بالعقل والتجارب البشرية. وفي الحقيقة فإن القسم الأكبر من النظريات السياسية والأخلاقية والحقوقية والثقافية في الغرب متأثرة بإنسانوية المرحلة الجديدة. إن نظريات المرحلة الجديدة ـ القرن السابع عشر للميلاد فما بعد ـ تؤكد في الغالب على الاحتياجات والرغبات الإنسانية، وإن أغلب المفكرين في الغرب يسعون بشكل وآخر إلى تنظيم جميع أسسهم وقواعدهم في الفلسفة والأخلاق والعلم والسياسة والاقتصاد والثقافة على أساس الإنسان وتوجّهاته واحتياجاته. وإن التهرّب عن المباني الميتافيزيقية والدينية والوحيانية وما بعد الطبيعية، وكل ما هو غير إنساني ـ بزعمهم ـ أخذ ينحو منحى تصاعدياً منذ القرن السابع عشر للميلاد.

وكذلك فإن إنسانوية هذه المرحلة تسمّى بالإنسانوية الفلسفية والطبيعية والعلمية والديمقراطية والثقافية.

الإنسانوية التنويرية:

إن إنسانوية مرحلة التنوير ـ والتي يُطلق عليها مصطلح الإنسانوية العلمانية (الدنيوية) أيضاً ـ هي نتاج التوجّهات العقلانية

(26)

والوضعية[1] للقرن الثامن عشر للميلاد، والآراء التحررية[2] للقرن التاسع عشر للميلاد. يتمّ الدفاع عن هذا النوع من الإنسانوية حتى اليوم بشدّة في المحافل الفلسفية والعلمية الجامعية. واليوم تعدّ المؤسسة الإنسانوية الديمقراطية / العلمانية في الغرب واتحاد العقلانيين في الولايات المتحدة الأمريكية من المدافعين الأصليين عن هذا النوع من الإنسانوية.

الإنسانوية المعاصرة:

استمرار لإنسانوية المرحلة التنويرية، حيث لا تزال ـ على الرغم من وجود التنوّع والاختلافات الكثيرة بين المدارس الفلسفية للمرحلة المعاصرة ـ تحافظ على حياتها الفلسفية. وفي الحقيقة فإنه على الرغم من عدم التصريح باسم الإنسانوية في المدارس الفلسفية في المرحلة المعاصرة للغرب، إلا أن الكثير من الأفكار والنظريات تقوم على أساس الاهتمام بالإنسان. وبطبيعة الحال يجب أن لا نغفل عن الآراء المقابلة وحتى المناهضة للنزعة الإنسانية في هذه المرحلة. ومن الجدير ذكره أن من بين المدارس الفلسفية المعاصرة، هناك بشكل خاص أربع مدارس فلسفية، وهي: الماركسية، والبراغماتية، والشخصانية، وقبلها جميعاً الفلسفة الوجودية، قد أقامت قسماً من نظرياتها أو جميع آرائها على أساس الإنسانوية[3].

(27)

وفي الختام لا بدّ من التذكير بنقطتين:

1 ـ إن الإنسانويات التي تقدم ذكرها آنفاً، وإن كانت تحمل عنوان الإنسانوية جميعها، بيد أن اهتمامها بالإنسان ليس على نسق واحد. يبدو أننا لو أخذنا الأصول الثلاثة في كل تفكير، ونعني بذلك: «موضوع التفكير»، و«أسلوب التفكير»، و«غاية التفكير»، فإن من بين الاتجاهات الإنسانوية المذكورة أعلاه هناك ما يجعل من «الإنسان» مجرّد موضوع لتفكيره فقط، وأما في أسلوبها وغايتها فهي تبدي اهتماماً أكبر بالنسبة إلى الأبعاد الأخرى، من قبيل: الطبيعة أو العلم أو الدين والأخلاق مثلاً. ففي المرحلة الحديثة ـ على سبيل المثال ـ يتم التعريف بـ (فرانسيس بيكون)[1] بوصفه إنسوياً؛ حيث تبدو أساليب تأمله الفلسفي طبيعية في الغالب. وهناك آخرون تبدو إنسويتهم بلحاظ الغاية والموضوع، وأما من حيث الأسلوب فيبدون اهتماماً أكبر بالدين مثلاً؛ من قبيل الإنسانوية لدى المتدينين في عصر النهضة على سبيل المثال؛ حيث يكون الإنسان هو المبدأ والغاية، وأما من حيث الأسلوب، فيتم التعريف به بما يتطابق مع الأساليب الدينية وفي إطار المسيحية.

ومن هنا فإن الذي يمكن اعتباره إنسوياً أكثر من غيره من بين الإنسانويات الآنف ذكره، تلك الإنسانوية التي تجعل من «الإنسان» ملاكاً ومعياراً في جميع أبعاد التفكير الثلاثة (الموضوع والأسلوب

(28)

والغاية)، وهو الشيء الذي ربما أمكن لنا مشاهدته إلى حدّ كبير في الاتجاه الوجودي. وبطبيعة الحال فقد ظهر في الآونة الأخيرة اتجاه باسم «الإنسانوية العلمانية» حيث سعى إلى إقامة جميع أبعاد تفكيره على أساس «الإنسان». ويبدو هذا الأمر جلياً من خلال الإعلانان الشهيرة للإنسانوية العلمانية، والتي صدرت في الأعوام: 1933 م، و1973 م، و2002 م، و2003 م. حيث يتمّ السعي في هذه الإعلانات إلى طرح الإنسانوية الشاملة التي تستوعب جميع أبعاد حياة البشر[1].

2 ـ لقد عمدنا إلى بيان الأنواع المختلفة للإنسانويات من وجهة نظر فريدريك إدواردز، كي لا يضيع القارئ الكريم في متاهات الإنسانوية؛ حيث يواجه مختلف أنواعها في الأبحاث القادمة. كما فعل ذلك طوني دايفس في كتاب له بعنوان «الإنسانوية»؛ حيث ترك القارئ ضائعاً في مثل هذه المتاهة. وأرى أن مقالة فريدريك إدواردز، قدمت تبويباً متناغماً لبحث الإنسانوية؛ ومن هنا فإن دراستنا هذه قد تمّ تنظيم أبحاثها بالاستلهام من هذا التبويب، وفي الفصول القادمة حيث تتمحور الأبحاث حول المراحل التاريخية لفلسفة الغرب، سوف نحيل القارئ في بعض الأحيان إلى هذا التبويب من إدواردز.

(29)
(30)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الإنسانويّة في فلسفات المرحلة القديمة

 

(31)
(32)

من الناحية التاريخية يمكن تتبّع جذور الفكر الإنسوي في الغرب، حتى نجدها في نهاية المطاف في آراء المفكرين في المرحلة القديمة. وفي رؤية عامّة نجد أن التفكير الحاكم على العقل الإغريقي والرومي في المرحلة القديمة قد طوى أربع مراحل، وهي: المرحلة الأسطورية، والمرحلة الطبيعية، والمرحلة التشكيكية، والمرحلة العقلانية. وكل واحدة من هذه المراحل  كانت مصحوبة بجذور من الأفكار الإنسانوية. وفي هذا البين كانت أقوى الاتجاهات الإنسانوية هي تلك التي ترتبط بالسفسطائيين والشكاكين الإغريق، وفي مرحلة انتقال الفكر الإغريقي من الطبيعية إلى التشكيك.

الإنسانوية في مرحلة التفكير الأسطوري

قبل ظهور أوائل الفلاسفة التجريبيين في المرحلة ما قبل السقراطية، كان التفكير المسيطر على الذهنية اليونانية الإغريقية القديمة هو التفكير الأسطوري، حيث يمكن العثور على ذروته في القصائد الشعرية الحماسية لهوميروس[1] وهسيودوس[2]. يرى

(33)

برتراند راسل[1] إن القصائد الحماسية لهوميروس تقوم على أساس الأساطير بشأن الآلهات:

«إن الآلهات في أعمال هوميروس، هي آلهات إشراف وفتوح للبلدان، وهي ذات أعمار خالدة وقوى تفوق القدرات البشرية»[2].

 وفي الوقت نفسه ذهب كوبلستون[3] إلى الاعتقاد بوجود نوع من «الإله المتأنسن» بشأن الآلهات؛ بمعنى أن الآلهات تتصف أبداً بصفات بشرية. والشاهد على وجود هذا الرأي هو الكلام المعروف لـ «زينوفون)[4] حيث يهاجم عقيدة الإله المتأنسن في عصره، قائلاً: «يظن الناس أن الآلهات تتناسل وتلبس الثياب وما إلى ذلك من الأمور التي تجعل الآلهات يبدون كأنهم مثل البشر تماماً .. لست أشك في أن الأبقار والأسود لو كان بمقدورها أن تفكر مثل الإنسان، وأمكن لها أن ترسم صورة عن الآلهات، لصورتها على شاكلتها»[5].

(34)

كما يُشير كلاك زينوفون إلى هذه النقطة، وهي أن الآلهات من صنع ذهن الأفراد، وهي من الناحية الميثولوجية يتم توظيفها بنحو من الأنحاء في مقام تعليل الأمور. وبعبارة أخرى: إن الأساطير نمط من العلوم الأولى التي كانت تتكفّل ببيان الأصول العلية للأحداث الطبيعية أو غير الطبيعية (المصطنعة).

يذهب أرنست كاسيرر[1] ـ في مقام العالِم الميثولوجي، ومن خلال رؤيته الإنسانوية ـ إلى الاعتقاد بـ:

«أن الإنسان في تلك المرحلة وبهذا النوع من التفكير الإلهي المؤنسن، كان يبحث من أجل الحصول لنفسه عن نوع من الهوية عبر تنزيل مقام الآلهة إلى مستوى حياته الإنسانية»[2].

كما أن الأسطورة طبقاً لسائر النظريات الميثولوجية، تعدّ بياناً للحقائق بأسلوب تمثيلي عن «حياة الإنسان وأفكاره الخاصة». وقال غيلبرت موراي[3] في هذا الشأن:

«إن دين هوميروس يمثل في الواقع الخطوة التي

(35)

اتخذتها اليونان في طريق شخصيتها ... إن جماعة من الأشخاص المعقولين الذين هم بحكم الآباء الحكماء والكرماء، ومن حيث الروح وبحسب الظاهر يُشبهون الإنسان، ولكن لا يمكن بيان أفضليتهم، هم الذين يحكمون العالم»[1].

إن من بين الأساطير المعروفة التي يعتبرها الإنسويون العلمانيون في العصر الراهن نموذجاً للتمرّد على أيّ نوع من أنواع الهيمنة، واتخذوا منها مرجعية لهم، أسطورة بروميثيوس[2]. إن برميثيوس عند الإغريق بمنزلة الوثن الذي تمرّد على زيوس[3]. فقد سبق له أن سرق النار من الآلهات ونزل بها الأرض، وكان يجب أن يُعاقب على ذلك، بيد أن بروميثيوس في خضم معاقبته كان يصرّ على تمرّده. إن نبذ جميع أنواع المرجعية والمواجهة مع التقاليد والسنن (سواء أكانت دينية أو أخلاقية أو سياسية) تمثل واحدة من الأفكار الإنسانوية / العلمانية في المرحلة المعاصرة، حيث يمكن مشاهدتها في أسطورة بروميثيوس عند قدامى الإغريق أيضاً[4].

 الإنسانوية في العصر الذهبي لليونان القديمة

بعد مرحلة التفكير الأسطوري في اليونان القديمة، نواجه مرحلة

(36)

في تاريخ الفلسفة والثقافة الغربية، تعرف باسم المرحلة الذهبية لليونان. في هذه المرحلة من التفكير اليوناني ومن خلال التشكيك في فلسفات هوميروس، والأديان الرمزية، وأفكار الآلهات، نبتعد شيئاً فشيئاً عن الأفكار الأسطورية، ويتمّ الإصرار والتأكيد على التبعية للعلوم البشرية والعقل الإنساني ومعرفة قدرة العقل. إن أهم الخصائص الإنسانوية لهذه المرحلة عبارة عن: الابتعاد عن العناصر الأسطورية، والاهتمام بالطبيعة، وتقديم تفسير علمي وكمّي عن عالم الطبيعة استناداً إلى أسلوب المشاهدة والتجربة ومواصلة المناهج العلمية بمزاج علمي حرّ منزّه عن العصبية والانحياز. في هذه المرحلة تنشأ الأساليب الجديدة من التفكير وتنمو، وهذا المسار يبدأ بالتأمّل في الطبيعة.

إن الفلاسفة ـ وبعبارة أفضل: إن علماء الكونيات الأيونيين ـ قد عملوا ـ من أجل الابتعاد عن الأساطير وكل ما لا يمكن إقامة التواصل الحسي معه ـ على اختيار الطبيعة بوصفها الموضوع الأول للدراسة والمطالعة، وسعوا إلى رؤية العالم المحيط بهم واكتشافه بشكل صحيح. إن التفكير بشأن الطبيعة من طريق المشاهدة التجريبية، وتقديم تفسير علمي حول الظواهر الطبيعية بما يتناسب مع العلوم الخام لتلك المرحلة، كان يمثل الجهد الأصلي للفلاسفة وعلماء الطبيعة من الأيونيين. وكان المجهود الأول لهؤلاء المفكرين يتمثل في تحديد العنصر الأول (مادة المواد) أو جبلة وطينة الأشياء الأولى في الطبيعة. وفي هذه المرحلة عمد كل مفكر إلى تأصيل عنصر،

(37)

واعتبار بقية الأشياء ناشئة عنه. فقال طاليس الملطي[1] بتأصيل عنصر الماء، وقال أنكسيمانس الملطي[2] بتأصيل عنصر الهواء، وقال هرقليطس[3] بتأصيل عنصر النار، وقال أناكسيمندر[4] باعتبار الوجود اللامتعيّن (أبيرون) بوصفه المبدأ الأول. وفي هذا البين نجد أن الفيثاغوريين على الرغم من عدم تخليهم عن تعلقهم بالأديان الرمزية أو اللاهوتية، كانوا في الوقت نفسه يسعون إلى فهم العالم من الناحية الكمية. وأما بارمينيدس[5] ـ بوصفه فيلسوفاً عقلانياً ـ فقد كان يذهب إلى الاعتقاد بأن كل أمر واقعي هو أمر «عقلاني»، وكان يقول:

 «إن فهم العالم يجب أن يقع تحت ضابطة وسيطرة العقل.

(38)

فالعقل هو وحده القادر على إدراك الواقعية، بيد أنها الواقعية التي يعثر عليها العقل المادي». إن نظريته تستدعي لدى الذهن بشكل وآخر نوعاً من مذهب أصالة المادة[1].

وقام ديموقريطس[2] بالتنظير للتكامل والفيزياء، وقام بنبذ الدين أسوة بسائر الأمور الوهمية بزعمه. واعتبر «المشاهدة والاستدلال» مصدراً لمعرفتنا بشأن العالم.

لا شك في أن هؤلاء المفكرين لم يدر في خلد أيّ واحد منهم عندما نظّر بشأن الطبيعة المحيطة به أن يؤسس بفلسفة إنسانوية،، وأما من وجهة نظر الباحثين، فإن الإنسانوية في المرحلة الحديث والمعاصرة إنما تشبه تفكير المرحلة القديمة من حيث موضوع الدراسة، أي «الطبيعة» وأسلوب التفكير التجريبي بصيغته الأولى، الأمر الذي يستحضر نوعاً من الإنسانوية الطبيعية[3] المطروحة في المرحلة الحديثة والمعاصرة. إن الإنسانوية الطبيعية بالمعنى الدقيق للكلمة ترتبط بمرحلة عصر النهضة في الغرب، وبعد ذلك بالمرحلة الحديثة، بيد أن بعض أنصار الإنسانوية يبحثون عن الجذور

(39)

التاريخية لأفكارهم في آراء الفلاسفة الطبيعيين في مرحلة اليونان القديمة[1]. وهذا الادعاء ـ بطبيعة الحال ـ ليس اعتباطياً، فإن الكثير من المفكرين في مرحلة عصر النهضة والمرحلة الحديثة، كانوا يبدون اهتماماً خاصاً بالفلاسفة والنصوص الكلاسيكية للمرحلة القديمة، ولا سيّما الفلاسفة الطبيعيين في مرحلة ما قبل سقراط، من أمثال: هرقليطس[2]، وديموقريطس، وإبيقور[3]، وآرائهم الطبيعية. من ذلك أن جوردانو برونو[4] ـ على سبيل المثال ـ كان في أفكاره شديد التأثر بأعمال لوكريتيوس[5] ـ وهو الفيلسوف التابع لمدرسة أبيقور ـ ولا سيّما كتابه (في طبيعة الأشياء)[6].

(40)

الإنسانوية في آراء الشكاكين في المرحلة القديمة والسفسطائيين

إن أذهان المفكرين اليونانيين بعد العبور من الفكر الأسطوري والطبيعي، دخلت مرحلة جديدة أصبح الاتجاه الإنسوي أكثر تشخّصاً فيها. إن هذه المرحلة الجديدة تشمل الأفكار التشكيكية للمرحلة القديمة وآراء السفسطائيين أيضاً. سبق أن ذكرنا أن ذهن الفلاسفة الطبيعيين في اليونان قد اتجه في الوهلة الأولى إلى عالم الخارج، ومن هنا فقد خاضوا في الأبحاث النظرية بشأن الطبيعة فقط، وأبدوا نظريات متنوّعة بشأن العالم والأصل الأول للأشياء. إن ظهور الآراء المختلفة والنظريات التي كانت تتبدّل تباعاً وتعطي مكانها للنظريات البديلة فاقمت من ظاهرة الرؤية المتشككة في إمكان الحصول على المعرفة اليقينية بشأن الماهية النهائية للعالم. وقد أدّى هذا الوضع إلى ظهور حالة من عدم الثقة بالنظريات الفلسفية والرؤية الكونية الطبيعية، وحاكمية نوع من التشكيك في نهاية المطاف.

وقد ظهر التشكيك على نحوين، وهما: التشكيك المطلق، والتشكيك النسبي. فكان الشكاكون يذهبون إلى التشكيك المطلق، بينما كان السفسطائيون يذهبون إلى التشكيك النسبي. وعلى الرغم من النظرة المريبة إلى كلا هذين النوعين من التشكيك طوال تاريخ الفلسفة، وعمل سائر الفلاسفة على نقد هذين الاتجاهين، إلا أن التشكيك أدّى في تلك الفترة الزمنية إلى حدوث استدارة في ذهن المفكرين؛ حيث انتقلوا في اهتمامهم من «الطبيعة» إلى «الإنسان» أو من العين (الخارج والشيء) إلى الذهن (الموضوع). إن شك

(41)

الشكاكين في المرحلة القديمة والسفسطائيين والاستدارة الفكرية الناجمة عن ذلك، أدّى إلى تبلور الأفكار الإنسانوية في هذه المرحلة.

يذهب بعض المنظرين إلى الاعتقاد بأن مدارس الشكاكين في تاريخ الفلسفة كانت مقرونة بنحو من الأنحاء بالمدارس الإنسانوية. يقول إرنست كاسيرر في هذا الشأن:

«إن المدارس التشكيكية كانت قرينة المدارس الجزمية الإنسانوية في تاريخ الفلسفة. إن الشكاك هو الذي ينفي وينكر اليقين العيني بالنسبة إلى العالم الخارجي، ويسعى إلى توجيه جميع أفكار الإنسان نحو كينونة ذات الإنسان ثانية، ويقول إن معرفة النفس تمثل شرطاً أولياً وأصلياً لتحقق الذات، ولذلك يجب علينا أن نعمل بجد على تحطيم السلاسل وكسر القيود التي تشدّنا إلى العالم الخارجي، كي نحظى بالحرية الحقيقية»[1].

الإنسانوية في آراء الشكاكين في المرحلة القديمة

إن الشكية المطلقة هي الشكية التي تحجم عن إبداء أيّ حكم جازم وقاطع بشأن الأشياء، وتضع كل شيء في حالة من التعليق. ولازمة هؤلاء الشكاكين عبارة عن: «لا أدري»، و«لا يمكن اعتبار

(42)

أيّ شيء حقيقياً». وأهم أدلتهم على ذلك كالآتي:«إن حواس الفرد في التعرّف على الأمور، إما عاجزة أو هي عُرضة للخطأ. وفي بعض الموارد تختلف المدركات الحسية من شخص إلى آخر وربما بلغ الاختلاف حدّ التناقض؛ الأمر الذي يجعل من الاعتماد على حوّاس الإنسان والتجربة الحسية أمراً متعذّراً؛ وذلك لأن النفس في الكثير من مدركاتها تستند إلى التجربة الحسيّة، وهذه التجربة غير جديرة بالثقة، وتحول دون وصول الإنسان إلى الحقيقة المطلقة، ومن هنا فإن أيّ ادعاء يحتكر الحقيقة لنفسه، سوف يكون باطلاً».

إن الآراء المتنوّعة التي يطرحها المفكرون حول موضوع أو أمر أو شيء واحد تبدو على أنحاء مختلفة، وقد تكون متعارضة في بعض الأحيان، الأمر الذي يجعل من المتعذّر على الإنسان أن يُصدر حكماً على أحدها بالحق وعلى الآخر بالبطلان. وعلى حدّ تعبير بورن:

«بإزاء أيّ رأي يمكن إبداء رأي مخالف يشتمل على أدلة مساوية ومتكافئة في الاعتبار مع أدلة الرأي الأول؛ وعلى هذا الأساس لا يمكن لنا الاطمئنان والوثوق بشيء، ومن هنا فإن الإنسان النبيه يحجم عن إبداء الأحكام القطعية الثابتة ... فلا شيء مصيب أو خاطئ في نفسه، أو في الحد الأدنى لا يمكن لنا الاطمئنان بشأنه»[1].

يرى الشكاكون من أمثال بورن، أننا فيما يتعلق بكل شيء بدلاً من القول: «إن هذا هو كذلك»، يجب القول: «إن هذا يبدو كذلك»

(43)

أو «من المحتمل أن يكون كذلك». ولا يسع الإنسان غير بيان ما تبدو عليه الأشياء من وجهة نظره.

وقال امبريكوس[1]، وهو من الشكاكين في المرحلة القديمة: «إن المتيقّن الوحيد هو عدم وجود شيء متيقّن»[2]. بيد أن الشك ليس بالمحطة الصالحة التي يمكن للإنسان المفكر أن يقيم فيها، ولا يمكن له أن يبني أفكاره الأخرى على أساسها، ومن هنا كان الشكاكون القدماء بصدد العثور على طريق للخروج من شكهم. وكانوا لذلك يقترحون العيش إلى جوار الآخرين من أبناء جلدتهم والتعايش مع القوانين التي تحكم المجتمع الإنساني. وفي الحقيقة فإن هذه الحالة تحضر لدى الذهن واقع شخص يسعى من أجل الخلاص من الشك إلى التعايش مع نوع من الحياة اليومية الروتينية، والعمل على تزجية الحياة بشكل وآخر.

إن الجانب الإنسوي لآراء هذا الصنف من الشكاكين إنما يتلخّص في هذا الموضوع، وهو أن الطريق الوحيد إلى الخروج من الشك «يكمن في المشاركة في الحياة العملية مع الآخرين». إن الوجه الإنسوي في هذا الرأي وإن كان ضعيفاً، يُعدّ نقطة إنطلاقة للأفكار الإنسانوية في تلك المرحلة. يقول بورن في هذا الشأن:

(44)

«إن الإنسان العاقل من خلال إدراكه عدم إمكان الحصول على الحقيقة المطلقة، فإنه يجد مندوحة إلا في المشاركة في الحياة العملية، وسوف يتّبع في سلوكه العملي العقائد والعادات والقوانين المحتملة»[1].

كما أكد شيشرون[2] بدوره على أسلوب الحياة مع الآخرين على أساس حبّ الإنسان لأخيه الإنسان، وأضاف قائلاً:

«إن على الفرد أن يكون أكثر مسؤولية من منطلق حبّه لأبناء وطنه وأقربائه، وأن يعمل قبل كل شيء على وقف نفسه في خدمة المواطنين، ويكون بعد ذلك في خدمة جميع البشر في المجتمع»[3].

وبطبيعة الحال فإن هذا النهج في التعاطي مع مسألة الشكية يشاهد لاحقاً في المرحلة الحديثة في تفكير فيلسوف مثل ديفد هيوم[4] أيضاً. وكذلك عمد الإنسانويين العلمانيين في المرحلة المعاصرة إلى الدفاع عن هذا النوع من التعاطف والحبّ الإنساني في أبحاثهم الأخلاقية[5].

(45)

الإنسانوية في فكر السفسطائيين

إن آراء السفسطائيين هي الأخرى ممزوجة بالشك أيضاً. بيد أن هذا الشك السفسطائي يختلف عن الشك المطلق لدى الشكاكين. ففي كلا الشكين يتمّ نفي المعرفة اليقينية والحصول على الحقيقة المطلقة والثابتة. بيد أن السفسطائيين يرون إمكان الوصول إلى الحقيقة النسبية، أي: «الحقيقة كما تبدو للفرد». إن الحقيقة تختلف من شخص لآخر. فكل ما هنالك هو ما يحدث لأفراد بأعيانهم في ظل ظروف وأوضاع معيّنة. ولربما كانت بعض الأقوال والآراء المتناقضة في مواضع مختلفة أو بالنسبة إلى مختلف الأشخاص تحظى بنفس المقدار من الحقيقة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ إن القانون في كل مجتمع رهن بتقبّل أفراد ذلك المجتمع له. فلو أن أفراد المجتمع قالوا بصوابية قانون وتمسّكوا به، كان هذا القانون متصفاً بالحقيقة، رغم  أننا قد نرى في معرض حكمنا على هذا القانون الذي يرتضيه ذلك المجتمع ضعيفاً، ونقول إنه أضعف من القانون الذي يتم تطبيقه في المجتمع الآخر؛ وعليه فإن الملاك في الأحقية ليس هو الأصوبية، وإنما هو الأنفعية والأنسبية. ومن هنا فإن ما يكون هو الأنفع والأنسب من وجهة نظر الناس يكون هو الحقيقة التي يجب العمل بها. ولو أن المجتمع رأى لاحقاً أن القانون الآخر هو الأنفع والأنسب للإنسان، اكتسب هذا القانون الجديد صورة الحقيقة. إن هذا النوع من الإنسانوية والملاك الذي يتم توصيفه للحقيقة، يعمل بحسب الظاهر على التمهيد لنوع من النسبية في الأحكام الأخلاقية؛ ولربما كان الحسن والقبح والصلاح والطلاح مختلفاً باختلاف رؤية أفراد الناس أو المجتمع. ونستنتج

(46)

من الرؤية الممتزجة بالشك لدى السفسطائيين، اتجاهين إنسويين هامين:

1 ـ الإنسان بوصفه «ملاكاً ومعياراً لكل شيء».

2 ـ يجب الاهتمام بحياة الإنسان والأبعاد العملية للحياة.

وقال كوبلستون في هذا الشأن:

«لقد كان الإنسان هو موضوع البحث عند السفسطائيين وليس الكون والعالم؛ وقد كانوا ينظرون في الغالب إلى الأهداف والغايات العملية، ومن حيث الأسلوب قد سلكوا الأسلوب «التجريبي والاستقرائي» ... . يسعى السفسطائيون إلى المسارعة في تجميع ثروة واسعة من المشاهدات والأمور الجزئية، لتوظيفها في إطار الأهداف العملية، وإلى حدّ ما في الأهداف النظرية أيضاً»[1].

وفيما يتعلق بالاتجاه الأول، كان بروتاغوراس[2] (م: 481 ق. م) ـ وهو من أهم الفلاسفة السفسطائيين ـ يقول في هذا الشأن: «إن الإنسان معيار ومقياس لجميع الأمور؛ فهو مقياس لوجود الأشياء، كما هو مقياس لعدم الأشياء الأخرى أيضاً». إن هذا الاتجاه يعتبر

(47)

من أهم الحركات الإنسانوية في المرحلة القديمة، حيث يهتم بالإنسان وحجم إمكانياته في إدراك الحقيقة بشدّة. وهناك اختلاف في تفسير كلام بروتاغوراس وما إذا كان مراده من الإنسان هو الإنسان الفرد أم الإنسان النوع؟ فإن كان مراده هو الإنسان الفرد، فهذا يعني أن الحقيقة قد تختلف من فرد إلى فرد آخر؛ كأن يهبّ النسيم؛ فيكون بارداً بالنسبة إلى فرد، وحاراً بالنسبة إلى فرد آخر. وأما إذا كان مراده هو الإنسان النوعي، فإن آراء المجتمع والجماعة أو النوع الإنساني هو الملاك في تشخيص الحقيقة. وعلى كل حال ـ سواء أكان المراد هو الإنسان النوعي أو الإنسان الفردي ـ ليس هناك من شك في الاهتمام بالإنسان بوصفه مصدراً موثوقاً للمعرفة، وهذه نقطة لم تكن موجودة في الشك الجزمي لدى الشكاكين[1]. لقد مهّد رأي بروتاغوراس الطريق أمام جميع أنواع النظريات الشكيّة والنسبيّة في دائرة المعرفة والأخلاق. من المعروف أن سكان أثينا قد اتهموا بروتاغوراس بسبب عقائده الخارجة على التقاليد بالتجديف على الآلهات، ولذلك فقد أحرقوا أعماله وحكموا عليه بالنفي. ومن الجدير ذكره أن الإنسانويين العلمانيين في المرحلة المعاصرة، يعتبرون أفكار بروتاغوراس منشأ لأفكارهم الفلسفية[2].

وكان الاتجاه الإنسوي الآخر لدى السفسطائيين، يتمثل بالاهتمام بحياة الإنسان والأبعاد العملية من حياته. إن السفسطائيين من خلال نفيهم إمكان الحصول على المعرفة اليقينية، قد حددوا

(48)

لأنفسهم أهدافاً وغايات عملية، ولا سيّما في التعليم. فقد كانت معرفة الإنسان واحتياجاته، تعتبر من لوازم التربية والتعليم من وجهة نظرهم.

يقول ياكوب بوركهارت[1] في هذا الشأن:

«إن السفسطائيين لاعتقادهم بأنهم قادرون على تربية الشباب لإدارة الأمور السياسية، دخلوا دائرة تربية الإنسان عملياً، وذلك بهدف محدد يتمثل بالتعليم. لقد كانت مهمة تربية الإنسان تستوجب دراسة ذات الإنسان والتفكير الإنساني بشكل عام والشرائط والإمكانات وحدود الفكر الإنساني، والعمل حتى على نقد المعايير الأخلاقية والدينية أيضاً ...»[2].

الإنسانوية في تفكير سقراط

إن الأفكار الشكية والنسبية للسفسطائيين، واجهت ردّة فعل من الفيلسوف اليوناني الكبير سقراط. قام سقراط في مواجهة الشك بإرساء فلسفة جديدة، ثم جاء بعده أفلاطون وأرسطو ليعملا على إكمالها، ولكن حتى في المدرسة الفلسفية الجديدة لسقراط يمكن العثور في عدّة موارد على توجهات إنسانوية بالمعنى الحديث، ومن ذلك:

(49)

1 ـ التشكيك في آراء المتقدمين.

2 ـ الاهتمام بالذات الإنسانية.

3 ـ التأسيس لنظام أخلاقي مستقل عن المفاهيم الميتافيزيقية والدينية.

إن سقراط في سياق العمل على تأسيس فلسفته عمد إلى التشكيك في جميع الآراء التي كانت مقبولة من قبل الجميع، ولا سيّما منهم المفكرين السابقين. لقد ذهب سقراط إلى القول بأن كل عقيدة أو رأي تمّ فرضه على ذهن وضمير الإنسان لا إرادياً، يجب العمل على البحث فيه من جديد، ومن هنا لا بد من التشكيك في الأفكار والآراء التي ثبتت حجيّتها بنحو من الأنحاء. يبدأ سقراط تفكيره الفلسفي بعبارة «لا أعلم»، ويقول: «إن الشيء الوحيد الذي أعلمه هو أني لا أعلم شيئاً»[1].

إن هذا المنهج الفكري يذكرنا في الشك المنهجي لديكارت[2] في المرحلة الجديدة، حيث عمد في سياق التأسيس لفلسفته الجديدة على طريقة المشككين إلى التردّد في جميع معتقدات المتقدمين.

(50)

إن الشك السقراطي بالعتبير المعاصر كان نوعاً من الشك المنهجي والمعرفي الذي يكون فيه الشك مرحلياً ومحطة للعبور والوصول إلى اليقين وتمييز الحق من الباطل. مضافاً إلى أن هذا النوع من الشك لا ينفي إمكانية الوصول إلى الحقيقة، ومن هنا فإنها تختلف عن الشك المطلق للشكاكين الذين يرون عجز الإنسان عن بلوغ الحقيقة.

بعد اجتياز مرحلة الشك، يعمل سقراط على توجيه الأنظار إلى «الإنسان ومعرفته». وفي هذه المرحلة يبيّن خطاب سقراط القائل «اعرف نفسك»[1] نوعاً من النزعة الإنسانوية الخاصة. يرى سقراط أنه ما لم يلتفت ذهن وفكر الإنسان إلى ذاته، ولا يعمل على اختبار ذاته، لن يُكتب التحقق للفلسفة الواقعية، وإن عالم الإنسان مجرّد ساحة يجب أن تتجه جميع التحقيقات والتأملات الفلسفية نحوها. يقول أرنست كاسيرر في هذا الشأن:

 «إن الإنسان كائن يتعيّن عليه البحث عن مدركاته بشكل متواصل، وعليه أن يبحث في كل لحظة عن أوضاعه وأحواله وشرائطه الوجودية بشكل دقيق. وإن هذا البحث الدقيق والمنهج النقدي تجاه الحياة، هو الذي يمنح الإنسان وحياته قيمة حقيقية. وعلى حد تعبير سقراط: إن الحياة التي تخلو من التأمل والبحث الدقيق، لا تستحق العناء»[2].

(51)

يرى سقراط أن الوصول إلى الذات الواقعية أو ذات الإنسان يستدعي العمل على تطهير وجود الإنسان من كل ما هو عارض وخارجي. إن ذات الإنسان رهن بالاعتبار والشأن الذي يراه الإنسان لنفسه؛ بمعنى أن المنزلة والمكانة التي يمنحها الإنسان لنفسه، هي التي ترسم حدود وجود الإنسان.

إن اهتمام الإنسان بنفسه يكتسب جهة أخلاقية، وإن معرفة النفس من وجهة نظر سقراط تمثل نوعاً من الرقابة على الذات. إن الخطاب السقراطي يدعو إلى تحفيز الناس وحثهم إلى تعالي النفس من طريق الحكمة والفضيلة. كما عرّف أفلاطون في «خطاب الدفاع»  سقراط بوصفه شخصاً يسعى إلى:

«إقناع كل إنسان بوجوب مراقبة نفسه، وقبل أن يبحث عن مصالحه الشخصية، عليه البحث عن الفضيلة والحكمة»[1].

إن كلام سقراط في بعض المواضع يستحضر نوعاً من الأنثروبولوجيا من طريق المشاهدة والدراسة المستقلة للمفاهيم الميتافيزيقية: «إن الحَسَن لم يكن حسناً، لأن الآلهات قد استحسنته، بل لأنه كان حَسَناً لذاته، استحسنته الآلهات»[2].

لقد كان سقراط يفصل مفهوم الحُسن عن اللاهوت، وكان يرى الحُسن أرضياً ودنيوياً إلى الحد الذي يعتبره والمنفعة شيئاً واحداً.

(52)

إن «الحُسن» ليس أمراً كلياً ومجرّداً، بل تؤخذ له مقاصد خاصة وعملية بنظر الاعتبار، بمعنى أن الحَسَن هو الذي يكون «حَسَناً لأمر خاص». إن الحُسن والجمال صورتان عن المنفعة والفائدة الإنسانية[1]. إن رأي سقراط في هذه المرحلة يستحضر الأخلاق الإنسانوية العلمانية.

الإنسانوية في فكر الفلاسفة بعد سقراط

من بين أفكار أرسطو[2] يمكن لنا مشاهدة بعض الاتجاهات الإنسانوية الطبيعية والعقلية. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى الأبعاد الطبيعية لفلسفة أرسطو، والتركيز على العقلانية وتعزيز الحياة العقلانية، وبيان القوانين المنطقية بشكل مدوّن[3]. لقد ذهب بيتر إيبل بي ـ وهو من الباحثين المعاصرين في الحقل الإنسوي ـ إلى اعتبار أرسطو هو المؤسس للعلم بمعنى مجموعة من الواقعيات المنظمة، كما يعتبره كاشفاً ومفصلاً لمجمل سلسلة المعارف بما يناسب مقتضيات عصره. وفي الناحية الأخلاقية يذهب أرسطو بدوره إلى التأكيد على سعادة نوع البشر في «الحاضر وهذا المكان»، أي في هذه الحياة الدنيوية، ويعتبر ذهن الإنسان قادراً على بلوغ الحقيقة الأخلاقية بغض النظر عن الأمور الميتافيزيقية الطبيعية[4]؛ وهي المسائل التي تستحضر الإنسانوية العلمانية بالمعنى الجديد لها.

(53)

وفي الفلسفات اللاحقة لأرسطو ـ ولا سيّما في الفلسفة الأبيقورية ـ نشاهد عناصر من الفلسفة الإنسانوية. ومن الجدير ذكره أنه بعد انتصار الإسكندر الكبير [المقدوني] وزوال استقلال الدولة اليونانية، وطرح نظرية «العولمة»[1]، ظهر الشغف بنوع من «الفردانية»[2] وطرح الفرد في المجتمع العالمي. كما أن موضوع الفلسفة قد ركّز على الفرد، تبعاً لهذا النوع من التفكير والاتجاه؛ ليتمكن كل فرد من تحقيق رغباته في ظل المجتمع العالمي. ولم يكن من الاعتباط أن تنتهج كل من الفلسفة الرواقية والأبيقورية في الغالب المنهج الأخلاقي والعملي، وذلك من نوع الأخلاق الفردية أيضاً. يرى هؤلاء أن مهمة الفيلسوف تتلخّص في إعداد الفرد من خلال قواعد من السلوك، ليتمكن من العثور على طريقه في الحياة بنفسه. في الرؤية الإنسانوية والفردية، يؤدّي الإصرار على الأخلاق لوحده في المذهب الرواقي والأبيقوري إلى استقلال الفرد واستغنائه الروحي.

كان أبيقور (341 ق. م) يرى الفلسفة نشاطاً يضمن سعادة الحياة و«الإنسان» من خلال استخدام الألفاظ والاستدلال. وكان ينصح أتباعه بالاهتمام بالموضوعات العملية، للتغلب على الاضطرابات والهواجس الناشئة من موت وحضور الآلهات. لقد تعرّضت فلسفة أبيقور لتفسيرات مختلفة؛ بيد أنه في الفهم الإنسوي، تم التعريف

(54)

بإنسويته على أنها إنسانوية طبيعية تدعو إلى اللذة وليست دينية[1]. في فلسفة أبيقور لا ينبغي الخوف من الآلهات، حيث لا شأن للموت بالإنسان: «حيثما أنتم ليس هناك موت، وحيث يكون الموت لا تكونون»[2]. كما كان أبيقور مدافعاً عن «الإحساس» حتى في حقل المعرفة والأخلاق أيضاً، وكان يعمل بشكل وآخر على تعريف رغبة الإنسان بوصفها مقياساً ومعياراً لكل شيء: «إن ملاكات الحقيقة هي الحواس والمفاهيم القبلية والانفعالات»[3].

(55)
(56)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الإنسانويّة الدينيّة (المسيحيّة)

(57)
(58)

في فكر فلاسفة العصور الوسطى

يذهب الفلاسفة والمفكرون إلى القول بأن جميع المراحل الثلاثة ـ وهي: المرحلة المتطوّرة، والمرحلة التنويرية، والمرحلة المعاصرة ـ من العصور الوسطى، تفتقر إلى النظام الإنسوي، وإن إطلاق عنوان «الإنسانوية المسيحية» أو «الإنسانوية الدينية» على الأنظمة الفكرية للعصور الوسطى مجانب للواقع. بيد أن التأمل المنصف، بالإضافة إلى آراء بعض الكتاب المعاصرين حول الإنسانوية الدينية، يجعلنا ندرك أن الأنظمة الفكرية للعصور الوسطى كانت ـ في إطارها الفكري الخاص ـ تحمل الكثير من الهواجس والاتجاهات الإنسانوية. وعلى الرغم من ذلك لا تزال هناك الكثير من الأبحاث الدائرة حول صوابية إطلاق مصطلح «الإنسانوية المسيحية» أو «الإنسانوية الدينية» على بعض التيارات الفكرية لمرحلة العصور الوسطى، وهذا الأمر يستدعي المزيد من الأبحاث الدقيقة.

وقد تم تنظيم هذا الفصل على أساس بعض النظريات الجديدة بشأن الإنسانوية الدينية، ومن هذه الناحية تم التعرّض والخوض في بحث ودراسة التفكير في مرحلة العصور الوسطى والاتجاهات الإنسانوية في هذه الحقبة. وعلى هذا الأساس فإن:

 «الإنسانوية الدينية عبارة عن مجموعة من الشعائر الدينية، التي تؤكد باستمرار على الحاجات والرغبات والطاقات الإنسانية»[1].

(59)

توضيح ذلك أن هناك مدخلين رئيسين إلى الإنسانوية الدينية:

1 ـ المدخل الناشئ من التعاليم الدينية / التقليدية، والذي يعمل على تأييد منزلة الإنسان ومكانته في إطار الأصول الدينية[1].

2 ـ المدخل الناشئ من التعاليم الفلسفية / الإنسانوية، والذي يتعرّض بعد ذلك إلى سلسلة من الشعائر الدينية المتطابقة مع الفلسفة الإنسانوية[2].

بعبارة أخرى: يمكن القول في بيان التمايز بين المدخلين الآنفين: إن الدين والتعاليم الدينية هي التي تمثل حجر الزاوية في المدخل الأول، ثم يتم التأكيد بعد ذلك على الأبعاد الإنسانية الموجودة في الدين. ويمكن تتبع جذور هذا المدخل في الأنظمة الفكرية للعصور الوسطى. وأما في المدخل الثاني فيتمّ العمل أولاً على تأصيل فلسفة إنسانوية تؤكد على الرغبات الإنسانية، ثم يتمّ الخوض بعد ذلك في الشعائر الدينية المتناغمة مع الفلسفة الإنسانوية المذكورة. ويمكن العثور على هذا الاتجاه في التيارات الفكرية لمرحلة عصر النهضة والإصلاح الديني. وفي ضوء هذا التمايز بين المدخلين، ربما أمكن لنا تسمية المدخل الأول بـ «الإنسانوية الدينية»[3]، وتسمية المدخل الثاني بـ «الدين الإنسوي»[4]. وفي هذا الفصل سوف نتعرّض

(60)

للمدخل الأول أو الإنسانوية الدينية، والمراد من الدين هنا ـ بطبيعة الحال ـ هو خصوص الدين المسيحي، وسوف نخصص الفصل اللاحق للمدخل الثاني أو الدين الإنسوي إن شاء الله تعالى.

هناك في الإنسانوية المسيحية في مرحلة العصور الوسطى أصول محددة، تعدّ بوصفها بديهيات ثابتة ومسلّمة، وهي كالآتي:

1 ـ يتمّ أخذ الدين السماوي بوصفه أصلاً بديهياً ثابتاً.

2 ـ يتم اعتبار وجود الله ـ بوصفه الوجه الأكثر تأصّلاً في تمييز الدين السماوي ـ محوراً للأمور.

3 ـ إن الإنسان مركّب من الجسم والروح، بيد أن الأصالة إنما تكون للروح أبداً، وأما الجسم فيتم توظيفه في خدمة روح الإنسان.

4 ـ يتمّ تعيين القيمة والشأن الإنساني بما يتطابق مع تعاليم الكتاب المقدس، مرجعاً نهائياً.

كان هناك في العصور الوسطى اتجاهان رئيسان وفي الوقت نفسه مختلفان بالنسبة إلى الموضوعات آنفة الذكر؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور اتجاه مختلف إلى الإنسان ومنزلته. ويتعلق الاتجاه الأول بالفيلسوف المسيحي المعروف في أوائل العصور الوسطى، ونعني به القديس أوغسطين[1]، حيث كان يستلهم آراءه من تعاليم

(61)

الأفلاطونيين الجُدُد[1]. كما يرتبط الاتجاه الثاني بالفيلسوف المسيحي في أواخر العصور الوسطى، وهو توما الأكويني[2]؛ حيث كان يعتمد على النظام الفلسفي لأرسطو. لقد كان لكلا هذين الاتجاهين رؤية خاصة إلى الإنسان، ومن هنا يمكن أخذ نوعين من الإنسانوية الرئيسة والمختلفة لتلك المرحلة بنظر الاعتبار:

 الاتجاهات الإنسانوية الدينية في فكر أوغسطين

على خلاف الفلاسفة الذين يصبّون جلّ اهتمامهم على العالم الخارجي والطبيعة، كان القديس أوغسطين يبدي اهتماماً خاصاً بالإنسان وحالاته. إن مدخل أوغسطين إلى الإنسان، مدخل نفسي وعاطفي؛ حيث يعطي فيه أهمية خاصة إلى التجارب الدينية والشخصية للأفراد. إن أفكار أوغسطين الأكثر جوهرية بشأن الإنسان والتي ترتبط بالدين والحقيقة الجوهرية لعالم الوجود بشكل تام، يمكن بيانها ضمن الأبحاث الآتية:

1 ـ قدرة العقل البشري على اكتشاف الحقائق الدينية وإدراك التعاليم والمفاهيم الدينية.

(62)

2 ـ محدودية العقل البشري وتكامله بالإيمان الديني.

3 ـ إيكال النفس البشرية للطف الله لإدراك الحقيقة والحصول على السعادة.

4 ـ تحليل الأبعاد الوجودية للإنسان إلى عناصر من قبيل: الإدراك، والإرادة، والخير.

5 ـ علاقة الحب بين روح الإنسان وبين الله.

6 ـ الحصول على معنى الحياة من خلال الوصول إلى الحقيقة والوحدة.

قدرة العقل الإنساني على كشف الحقائق وإدراك التعاليم الدينية

إن الاتجاه الإنسوي الديني الأول للقديس أوغسطين، يتمثل في الاهتمام الخاص بالعقل البشري من أجل إدراك الحقائق والتعاليم الدينية. فهو يرى أن العقل البشري قادر على اكتشاف الحقائق الدينية، بما في ذلك وجود الله. إن هذا الرأي من أوغسطين يمثل نوعاً من الاتجاه المقابل لاتجاه الآباء الأوائل للكنيسة، من الذين كانوا يرفضون أي تناغم بين الإيمان الديني وبين العقل الفلسفي. إذ كان الآباء الأوائل للكنيسة يرون أن التعاليم الدينية حيث تستند إلى دليل محكم وهو الوحي الإلهي، فإنها تحظى بنوع من الحجية والوثاقة، وأما الآراء والاكتشافات البشرية في الأنظمة الفلسفية حيث تكون ظنية، تكون على الدوام عرضة للتغيير والخطأ، ومن هنا لا ينبغي الاعتماد أبداً على الأمور الظنية الموجودة في المعطيات

(63)

والاكتشافات البشرية. إن الأنظمة الفلسفية البشرية في صلبها أو في مواجهة الأنظمة الفلسفية الأخرى تعاني من التحدّيات؛ الأمر الذي يجعل من الحصول على الحقيقة من طريق الفلسفة ضرباً من المحال. إن الاكتفاء بالإيمان الديني وعدم الحاجة إلى الأنظمة الفلسفية البشرية، حمل الكبار الأوائل في المسيحية على اتخاذ موقف من الأنظمة الفلسفية في تلك الحقبة. ومن هنا كان تروتليان[1] يعتبر الفلسفة أصل البِدَع، ويرى أن الفلسفة أو الحكمة الدنيوية لا يمكن أن توصل الإنسان إلى معرفة السيد المسيح أبداً:

«ما هي الصلة بين فكر الأثينيين[2] وبين فكر أورشليم[3]، وهل يمكن مشاهدة أيّ تناغم أو توافق بين الفكر الفلسفي للإغريق والكنيسة؟ إن تعليمنا يمتدّ بجذوره في حكمة سليمان، وكان سليمان يُعلّم تلاميذه وجوب البحث عن الله بقلب بسيط. هيهات منا الجهود التي تسعى إلى إقامة مسيحية رواقية أو مسيحية تقوم على أساس الفكر الأفلاطوني أو الديالكتيكي. إننا بعد الإيمان بالسيد المسيح لا نعود نطالب بالمناظرات والنزاعات الاستعراضية، وبعد الحصول على نعمة الإنجيل، لا نعود نسعى وراء التفكير الدقيق. وبعد الإيمان الذي حصلنا عليه لا نعود بحاجة إلى إيمان آخر؛ وذلك لأن

(64)

إيماننا الرئيس هو أننا لا نحتاج إلى شيء آخر زيادة على ما آمنا به»[1].

كما أنهم يذهبون إلى أن السيد المسيح نفسه يمتلك حكمة خاصة تفوق الحكَم الدنيوية والقائمة على العقل البشرية. وقد طعن بولس في الحكمة الإغريقية، وسخر من الفلاسفة اليونانيين بقوله:

 «حذاري أن يجعلكم أحد طعمة سائغة بالفلسفة والمكر الباطل، بحسب تقليد الناس وبحسب الأصول الدنيوية، لا بحسب المسيح. لقد جاء المسيح لانقاذ أرواح الناس. إن المسيحية ليست قداستنا ونجاتنا فحسب، بل هي حكمتنا أيضاً»[2].

كما عرّف بطرس القديس[3] مفهوم «النجاة» ـ الذي هو غاية الشخص المسيحي ـ بوصفه ثمرة الإيمان، بقوله:

«إن توظيف العقل في الإيمان، هو بحكم نفي وإبطال الإيمان. وعليه لا نستطيع فعل شيء حيال ذلك سوى اعتبار طلب العلوم العقلية خطراً على نجاة الفرد المسيحي، وأن نحظر عليه ذلك. وإن الذي قذف في قلوب الناس حبّ العلم ليس سوى الشيطان، وهذا

(65)

الحبّ هو الذي وسوس المعصية الأولى لآدم، ثم صارت هذه المعصية مصدراً لشرورنا الأخرى»[1].

في التعاطي مع هذه الرؤية المتظرفة لآباء الكنيسة الأوائل، تبلور الاتجاه الأول في الإنسانوية العقلانية نسبياً والدينية بطبيعة الحال، من خلال توظيف العقل الإنساني في المقولات الدينية. وعلى هذا الأساس يكون الدين الإلهي ووجود الله قابلاً للكشف بالنسبة إلى العقل البشري، ويمكن العمل على تعزيز وتقوية المعتقدات الدينية من خلال التأملات العقلية. كما يمكن إقامة الوئام بين التعاليم والمفاهيم العقلية الفلسفية وبين الإيمان الديني. إن أول من صدع بهذه الرؤية هو يوستينوس الشهيد[2] (أوائل القرن الثاني للميلاد)، ليواصلها بعد ذلك كل من إكليمندس الإسكندري[3] وأوريجن[4]، ثم سار عليها أوغسطين بشكل خاص وعمل على

(66)

تكميلها. كان الشهيد جوستين يعتبر الحياة على أساس العقل دليلاً على المسيحية؛ إذ يقول:

«إن الذين يحيون معتمدين على العقل والذكاء (أي: استناداً إلى الكلمة)، مسيحيون وإن تمّت تسميتهم بالملحدين؛ من ذلك مثلاً يمكن تسمية بعض الأشخاص من بين اليونانيين من أمثال سقراط وهرقليطس، كما يمكن لنا تسمية إبراهيم من غير اليونانين ... (آبولوجي 1)»[1].

لقد عمد جوستين إلى التوفيق بين التعاليم الفلسفية والإيمان المسيحي، بل وأسس حتى للإيمان المسيحي في التراث الفكري للإغريق. فهو يرى أن العلاقة بين الفلاسفة والمسيح كان من قبيل العلاقة بين الناقص والكامل:

«إني أسعى بكل ما أوتيت من قوة لأكون مسيحياً، وأنا فخور بذلك. ليس هناك الكثير من الاختلاف بين تعاليم أفلاطون وتعاليم المسيح، ومع ذلك فإن هذه التعاليم ليست واحدة (آبولوجي 2)»[2].

وقد سار أوغسطين على ذات هذا النهج معتبراً حقيقة الدين عبارة عن البحث المستمر من قبل الروح الضائعة والحائرة عن الله، ومن هنا يرى ضرورة للتعامل العميق والوثيق بين العقل والدين. إن النتيجة الضرورية لجميع أنواع النشاط العقلي هي الاعتقاد؛

(67)

بيد أن هذا الاعتقاد إنما يحصل من طريق الإيمان، ومن هنا فإن الاعتقاد والإيمان الديني والفهم يعمل كل واحد منهما على تكميل الآخر: «تدبّر في كلامي لتؤمن، ولكن ليكن لديك إيمان بالله لكي تفهم»[1].

إن الاعتقاد الديني الذي يتضح بواسطة نور الفهم، ينتج إيماناً معقولاً. فإذا كانت دراسة الأنظمة الفلسفية تؤثر في تعزيز فهم الإنسان وتقوية معتقداته الدينية، وجب الإقبال على مثل هذا النظام الفلسفي، والتأمّل والتدبّر في مساحة مؤلفة من الفلسفة والدين.

قيود العقل البشري وتكامله بالإيمان الديني

يروى أوغسطين ضرورة الالتفات إلى ومحدودية العقل البشري أيضاً. فإن إدراك محدودية العقل البشري والعمل على تدارك وجبران هذا الضعف بواسطة التعاليم والمفاهيم الدينية هو الطريق الوحيد إلى الفوز والنجاة بالنسبة إلى الإنسان. إن العقل البشري حيث لم يكن مؤمناً، فقد كان عُرضة للخطأ، ولكنه حيث آمن فقد سار على طريق الهداية، وصار بإمكان الإنسان حينها أن يكوّن إدراكاً صحيحاً لحقيقة الدين. وقد أصبحت هذه النظرية منشأ لقاعدة فلسفية هامّة في العصور الوسطى، وهي القاعدة القائلة: «إن الإيمان يدعو العقل إليه»[2].

(68)

إيكال نفس الإنسان إلى اللطف الإلهي لإدراك الحقيقة وبلوغ السعادة

على الرغم من تأثّر أوغسطين بالنظام الفلسفي لأفلوطين[1]، إلا أنه قد خالفه في الكثير من المسائل. يرى أفلوطين أن بمقدور الإنسان أن يصل من خلال السعي والجهد إلى بلوغ درجات من الحياة الأفضل. وقد رفض أوغسطين هذا القول؛ وذلك لأنه يغفل ضعف ومحدودية الإنسان، وأسباب السقوط في الظلمات، كما أنه تجاهل اللطف الإلهي الذي يأخذ بيد الإنسان إلى حيث الخير وجهات الهداية والفوز والنجاة. إن أوغسطين بتأثير من تجاربه الخاصة واستعانته بتعاليم القديس بولس، قال بأن نجاة الإنسان لا تبدو ممكنة إلا في ضوء اللطف الإلهي. يقول بولس: «إن إفاضة اللطف من قبل الله ضرورية لكي تحبّ الله»[2].

ويرى أوغسطين أن الإنسان لا يستطيع بلوغ حقيقة السعادة إلا إذا شملته العناية الإلهية، وإن الاكتشاف الأكبر الذي وصل إليه الإنسان في حياته هو اكتشافه لعجزه عن بلوغ السعادة، وأن لطف الله يجب أن يكون من نصيبه في تحقيق هذه السعادة:

«عندما يسعى الإنسان ليبدأ حياة صادقة بالاعتماد على قواه فقط، ويرى نفسه مستقلاً عن الله ومستغنياً

(69)

عن لطفه، سوف يشعر فجأة بثقل الذنب جاثماً على صدره، وهو الشعور الذي يحول بينه وبين الحصول على السعادة، ولكنه في الوقت نفسه يمتلك الحرية والقدرة على أن يترك قياده إلى الله كي يشمله اللطف الإلهي»[1].

وفي الحقيقة فإن الإنسان هو الذي يتعيّن عليه أن يغيّر نظرته إلى الله سبحانه وتعالى.

الأبعاد الوجودية للإنسان

إن أوغسطين في تحليله للأبعاد الوجودية من الإنسان، يسعى على الدوام إلى وضعه أبداً بين حدّ «العظمة» و«الضعف». إن على الإنسان أن يلتفت إلى نفسه إذا أراد الوصول إلى الله، وعليه أن يدرك محدوديته وضعفه أمام الموجود المطلق واللامتناهي. وبطبيعة الحال فإن الإنسان سوف يدرك عظمة نفسه من خلال ذلك أيضاً؛ وذلك لأنه بواسطة إدراكه لحقارته تجاه الخالق، سوف يبدأ مساره في الوصول إلى الله. وإن الإنسان ما لم يصل إلى هذا الشعور والإحساس، فإنه لن يشق طريقه نحو الله، ولكنه عندما يشعر بحاجته إليه فإنه سوف يقبل نحوه بحالة من الخشوع المقرون بالحبّ الذي يشدّه إليه.

كما أن أوغسطين يكتشف عناصر الثبات والاستقامة في وجود الإنسان. فهو يرى أن الله قد أودع في وجود الإنسان ثلاثة عناصر، وهي: الإدراك، والإرادة، وحبّ الخير، وأنه بواسطة هذه العناصر

(70)

يصل إلى الحقيقة، كما يصل في نهاية المطاف إلى السعادة: «إن الفلسفات الإنسانية تعشق الحكمة من أجل الوصول إلى الإدراك وتحصيل السعادة»[1].

إن عنصر الإدراك في وجود الإنسان يدفع بروحه المضطربة في بحث الحقيقة إلى الشغف بتحصيل المعرفة من طريق الفلسفة، وبطبيعة الحال فإن هذا الشغف إنما يكون من أجل الوصول إلى حقيقة أزلية أكبر، وهي الله. وفي هذا المسار لو اعتمد الإنسان على نفسه فقط، واكتفى بإدراكه وفهمه لظاهر الأمور، فسوف يواجه على الدوام أموراً متغيرة وعابرة وسريعة الزوال؛ لأنها ناشئة بأجمعها من حواسه الظاهرية وغير المعصومة من الخطأ. وعليه من الأفضل للإنسان أن يخوض في تلك الأبعاد من الحياة المعقولة، التي يمكنه الحصول فيها على الأمور الثابتة والأزلية والضرورية (الحقائق الأزلية). وبذلك تحصل روح الإنسان على هدوئها وسكينتها، وذلك لأنه سيرى نفسه على الدوام مرتبطاً بكائن ثابت لا يتغيّر، ونعني به الله سبحانه وتعالى. ومما قاله في اعترافاته ومناجاته في هذا الشأن: «إلهي لقد خلقتني لذاتك، وقلبي وروحي مضطربان، إلا إذا كنتَ سنداً لهما»[2].

وبعد الإدراك يجب أن يتحلّى الشخص بالعزم والإرادة، ليتمكن بواسطتهما من البحث عن الحقيقة ومعرفتها للوصول إلى الحكمة والسعادة. وعلى الرغم من أن الإنسان بشكل عام يتعرّض إلى

(71)

الضعف والخور، وينكص على أعقابه في مسار البحث عن الخير الذي يجب أن يحصل عليه، ويكتفي بالتوقف عند مجرّد الأمور السطحية والعابرة، بل وربما غرق في مستنقع الرذائل الأخلاقية، إلا أن الشخص المتديّن هو الذي يسعى بإرادته وحريته إلى تحصيل الفضائل الأخلاقية، ويعمل بهذه الفضائل الأخلاقية بملئ إرادته واختياره. وبطبيعة الحال فإن منشأ جميع الحقائق الأخلاقية، من قبيل: «الحياة المقرونة بالفضيلة» أو «الحياة القائمة على التعاليم الإلهية»، إنما تعبّر عن حقيقة واحدة، ألا وهي حبّ الله تعالى: «إن السعادة عبارة عن المساهمة في حبّ الله والشغف به على نحو ثابت ولا يتغيّر»[1].

حبّ الإنسان لله

يتجلى البُعد الآخر من الأبعاد الإنسانوية لفكر أوغسطين في بحث الشغف وحبّ الإنسان لله أو «أنا / أنت»[2]. يرى أوغسطين أن دين المسيح دين إنساني؛ لأن الإنسان ـ بوصفه الكائن الأكمل ـ هو الذي يفكر في الله ويعشقه، وإن الله في المقابل يحبّ الإنسان ويعشقه أيضاً.

وبطبيعة الحال فإن أوغسطين يعتبر هذه العلاقة من المحبة عقلانية بشكل كامل. إن العشق والعقل كلاهما يوصل الإنسان إلى الكمال المتمثل بالارتباط الكامل بالله سبحانه وتعالى. إن أوغسطين قد تأثر في هذه المسألة بالآراء الأفلاطونية التي ترى ضرورة التزويج

(72)

بين عنصري «العشق»[1] و«الحكمة»[2] من أجل الوصول إلى الخير والسعادة. إن العقل البشري يحكم بأن على الإنسان أن لا يتعلق بالأمور العابرة وسريعة الزوال، بل عليه أن يتعلق بحقيقة أزلية وأن يعبد تلك الحقيقة بشغف كبير. وفي هذه الحالة تتحقق علاقة الحبّ والشغف بين «أنا / أنت» والمراد من «أنت» هو الله تعالى. كما أن العشق والحبّ يعملان على تحفيز روح الإنسان وتحريكها لتحصل على الإدراك واليقين:

 «إن الحب والعشق هو الذي يتساءل ويتطفّل ويبحث، ويفتح الشِيفرات المغلقة للإنسان ويكشف له الأسرار، وبالتالي فإن هذا العقل هو الذي يجعل الإنسان واثقاً ومطمئناً»[3].

هومیة الحياة من طريق الوصول إلى الحقيقة والوحدة

يرى أوغسطين أن الروح المضطربة للإنسان، حيث تدرك مزية الإيمان، ثم تعشق الله بعد ذلك، فإنها سوف تصل بالتدريج إلى ثمار الحياة الصالحة والجيّدة، وسوف تصل بذلك إلى الحقيقة وتركن إلى السكينة والطمأنينة. وبعد الحصول على الحقيقة التی هی الله، تكتسب حياة الإنسان مفهومها ومعناها، وإن اكتساب حياة الإنسان لمعناها رهن بصلته وارتباطه بالله وكيفية هذا الارتباط. إن الشخص المتديّن هو الشخص الذي يفكر على الدوام في التواصل مع الله والوصول إليه؛ وذلك لأن

(73)

«الله إنما يُظهر نفسه لأولئك الذين يبحثون عنه بجدّ وإخلاص، ويسلكون حياة الزهد والتقشّف»[1].

إن المسلك الذي يسلكه أوغسطين في مسألة الحقيقة مسلك باطني تماماً. فهو يرى أن الحقيقة ليست بعيدة عن متناول الإنسان، بل هي مستقرة في باطن الإنسان وفي أعمال وتصرّفات الروح الإنسانية. إن على الإنسان أن ينطلق في رحلة السلوك الروحي من أجل الوصول إلى الله تعالى، وأن لا يتوقف عن الحركة في هذا المسار أبداً.

إن أوغسطين قد تأثر في مسألة السير والسلوك بآراء أفلوطين، الذي يرى ثلاث مراحل معرفية في ارتقاء الروح الإنسانية، وهذه المراحل الثلاث عبارة عن:

1 ـ الحس.

2 ـ الشهود.

3 ـ الوجد.

كما يذهب أوغسطين بدوره ـ في بيان السير والسلوك الروحي للإنسان ـ إلى بيان هذه الأمور الثلاثة، وهي أولاً: البراهين الدنيا، وثانياً: البراهين العليا، وأخيراً: رؤية الجمال الإلهي. إن البراهين الدنيا هي ذات المعرفة الحسية التي تنتج الأفكار السطحية، والتي تكون في الوقت نفسه واضحة وجلية. والبراهين العليا هي

(74)

المعرفة العقلية التي تكون نتيجتها هي التفكير العقلي العميق، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى رؤية جمال الله وجلاله، وهي المرحلة المتمثلة بالشوق والشغف القلبي. وبطبيعة الحال فإن رؤية أوغسطين تختلف من ناحية عن رؤية أفلوطين. فإن أفلوطين يرى أن المرحلة الثالثة ـ والتي نعني بها الوجد ـ هي نتيجة طبيعية لهذا النوع من السير والسلوك الروحي؛ وأما من وجهة نظر أوغسطين فإن المرحلة الثالثة ـ المتمثلة في رؤية جمال الله ـ فهي ثمرة لطف الله بالإنسان الضائع والمتحيّر.

إن أوغسطين بعد اجتياز هذه المراحل، وبعد الوصول إلى الحقيقة، يأخذ مرحلة أسمى بنظر الاعتبار، وهي مرحلة الوصول إلى الوحدة التام. إن الوصول إلى الوحدة والاتحاد تمثل مرحلة أخرى يحصل الإنسان عليها من خلال اجتياز الفكر والوصول إلى محبة الله. وبعبارة أخرى: إن الإنسان من خلال التفكير والشغف بالله، بالإضافة إلى تسكين روحه الضائعة، فإنه سوف يُدرك أن من الأفضل له ـ بدلاً من تجزئة وتحليل المفاهيم والتنظير بشأن الكائنات الدنيوية ـ أن يهتم بتوحيد الحقائق الموجودة في عالم خاضع لأمر وجود واحد اسمه الله؛ وهو الذي يمثل محوراً لجميع الحقائق، وأن على الجميع أن يهتم بهذه الحقيقة. يجب على الإنسان أن يدرك حقيقته بحسب قربه وبُعده من الله، وأن يسعى ويجدّ في البحث عن الله بكل وجوده، وبذلك سوف تكتسب الحياة مفهومها ومعناها الخاص[1].

(75)

إن الذي يمكن قوله في نهاية المطاف بشأن رأي أوغسطين، هو إنه لو أمكن لنا أن نأخذ بنظر الاعتبار إنسانوية لهذا الرأي، فإنها سوف تكون من دون شك إنسانوية مسيحية ذات اتجاه أفلاطوني حديث، ويستمر في بعض الاتجاهات الإنسانوية الدينية لعصر النهضة. وسوف نعود إلى بحث هذا الموضوع في الفصول القادمة إن شاء الله.

الاتجاهات الإنسانوية الدينية في رؤية توما الأكويني

على الرغم من أن رؤية أوغسطين تبدي أهمية أكبر للعقل الإنساني ـ بالقياس إلى رؤية الآباء الأوائل للكنيسة ـ وتعدّ لذلك اتجاهاً أكثر إنسانوية من وجهة نظر الإنسانويين المعاصرين، ولكنها تبقى تعاني من هذا الضعف الهام، وهي أنها تعمل على الدوام على تقديم الإيمان على العقل، وتؤكد على أن العقل أقل مرتبة من الإيمان، وكأنه بدوره ينظر إلى العقل البشري بشكل تبعي وغير مستقل.

ومنذ أواخر العصور الوسطى بدأت تظهر آراء أخرى ناشئة عن المزيد من الاهتمام بالعقل البشري، ومن هنا يمكن القول إنها أكثر إنسانوية من الآراء السابقة. إن آراء توما الأكويني في الدرجة الأولى، ويليه أنسلم كانتربيري[1]، تطرح نوعاً آخر من الإنسانوية المسيحية،

(76)

حيث يتمّ فيها الاهتمام بالعقل البشري بدرجة أكبر. في هذا النوع من الإنسانوية، أولاً: يتمّ التعريف بالإنسان ضمن حدود الدين، وبذلك تكون هذه الإنسانوية دينية أو مسيحية بالكامل. وثانياً: يتمّ بناء الإيمان الديني على أساس العقل البشري. وهنا لا يوجد أيّ حديث عن تقدّم الإيمان على العقل، أو تقدّم اللاهوت على الفلسفة، بل يتمّ توظيف كلا الأمرين من أجل الكشف عن الحقيقة؛ ومن هنا لا ينبغي نفي نصيب أي واحد منهما لمصلحة الآخر. وإنما المهم في البين هو تطبيق المعطيات البشرية على التعاليم الوحيانية.

لقد كان أنسلم ـ وتوما الأكويني على نحو أكثر جديّة ـ يسعى أبداً على العمل من أجل إيجاد التوافق والانسجام بين الإيمان المسيحي والعقل البشري. إن إثبات التعاليم الدينية ـ من قبيل: إثبات وجود الله، وإدراك صفاته ـ يجب أن يقوم على أساس العقل البشري. إن اللاهوت التوماوي[1] الذي هو ثمرة هذا المنهج الفكري، يُعدّ إلى اليوم واحداً من الأفكار الهامة في اللاهوت الكاثوليكي. يرى توما الأكويني أن العقل والبراهين العقلية هي الأساس والأصل في جميع الأمور، ومن هنا يجب أخذ هذا العقل وهذه البراهين العقلية بوصفها أساساً محكماً ومتيناً لإثبات وبيان الأمور؛ وعلى هذا الأساس فإن توما الأكويني ـ خلافاً للآراء التي تقول بفصل العقل عن الإيمان أو تلك التي تقول بتقدّم الإيمان على العقل ـ يذهب إلى القول بأن العقل هو الذي يكون سبباً في إيمان الفرد، ومن هنا

(77)

فإن الإيمان إنما يمكن تفسيره على أساس العقل. وبطبيعة الحال فإنه بعد الإيمان تنكشف إلى عقل الإنسان أمور أخرى؛ وعليه فإن العقل والإيمان مقترنان، وإن أحدهما يعمل على تكميل الآخر.

وبذلك فإن توما الأكويني كان يخالف الكثير من الاتجاهات التي تلعن الفلسفة من منطلق انحيازها إلى الدين، كما كان يخالف العقلانية ـ بصيغتها الرشدية[1] اللاتينية ـ التي كانت تفصل الفلسفة عن المقولات الدينية والوحيانية:

«لو تمّ إثبات ضرورة الوحي دون الحاجة إلى الاستدلال العقلاني، عندها لن تكون نتيجة مشاركة العقل أو العلم الفلسفي ـ حتى في حالة الانسجام والتماهي مع الدين ـ شيئاً سوى تحصيل الحاصل، وفي حالة عدم الانسجام، سوف يؤدي ذلك إلى تضييع سهم العقل والفلسفة في البين. والنتيجة هي أن العقل يبحث عن الإيمان بالضرورة، وأن العقل من خلال الإيمان يكتشف سلسلة من الأمور التي كانت خافية عليه»[2].

يرى بعض الباحثين الإنسانويين أن هناك في أراء توما الأكويني ـ فيما يتعلق بمسألة العقل والإيمان، وكذلك في مسألة العناية (الفيض) الإلهي وإرادة الإنسان ـ جذوراً وأرضيات ملحوظة لتحرر الفلسفة عن الوحي، أو تحرر العقل عن الإيمان؛ لأن السلطة

(78)

الكنسية وحتى النصوص المقدسة لم تكن تتحمل أو تطيق مثل هذه الحريات. قال فرانسيس شيفر[1] في كتابه (الهروب من العقل)[2] في رؤية إنسانوية عن آراء توما الأكويني:

«إن توما الأكويني من خلال رسمه خطاً أفقياً، أسس لبناء نظرية من طابقين، حيث يقيم العقل في الطابق الأسفل، بينما يُقيم اللطف الإلهي في الطابق الأعلى. من خلال رسم هذا الخط الذي يُعدّ نوعاً من الفصل، يصل العقل بالتدريج إلى نوع من الاستقلال الذي لا يمكن العثور على جذوره حتى لدى أصحاب الكنيسة أو حتى في النصوص المقدسة؛ وذلك أن الأفراد ـ طبقاً للتعاليم الدينية المقدسة ـ في مقام المخلوق، قد خلقوا في التصوّر والعلم الإلهي، وبالنظر إلى تبعيتهم الخاصّة إلى الخالق، فإن الجميع يخضع تحت هيمنة وسلطة عقل كلي؛ وكأن العقل الكلّي هو المدبّر لجميع العقول البشرية»[3].

طبقاً للرؤية الإنسانوية لفرانسيس شيفر، يُعد تقسيم توما الأكويني خطوة في اتجاه تحرير العقل؛ وإنه كلما تم تعزيز الطابق الأسفل أصبح العقل أكثر قدرة، ويمكن له بنفس النسبة أن يخفض

(79)

من قدرة الوحي والنصوص الدينية والمفاهيم والتعاليم الكنسية، بحيث يفرغه من محتواه، أو حتى أن يجعله غير عقلاني أيضاً. لو أن العقل عجز عن منحنا تلك الثقة والطمأنينة التي هي من لوازم الإيمان بالتعاليم الوحيانية أو النصوص المقدسة، فإن الثقة بالعقل سوف تزول، وتحل محلها حالة من الإحباط واليأس من العقل. وهنا يكون الفرد حرّ في أن يختار الإيمان ويحافظ عليه، وإن كان من الناحية العقلية لا يمتلك تفسيراً له، أو أن يتخلى عن إيمانه[1]. إن هذا الفهم ـ بطبيعة الحال ـ قد يبدو متطرّفاً إلى حدّ ما، بيد أنه لا ينفي الاهتمام التام والكامل من قبل توما الأكويني بالعقل البشري ووجوب إقامة التناغم بين التعاليم الدينية والعقل الإنساني. وقد بدأ توما الأكويني هذا الأمر من خلال الرجوع إلى الفلسفة. إن العودة إلى الفلسفة قد وفّرت الأرضية المناسبة لإعادة طرح آراء أرسطو ضمن الفضاء اللاهوتي المسيحي مجدداً. ثم تمّ بسط اللاهوت التومائي لاحقاً تحت عنوان «الحكمة المدرسية» أو «الفلسفة السيكولاستية» ضمن الفترة الممتدة ما بين عام 1200 إلى 1500 للميلاد. وقد ترتّبت على ذلك نتيجتان، وهما:

1 ـ إثبات العقلانية الذاتية للإيمان المسيحي.

2 ـ تنظيم اللاهوت المسيحي وتوسيع دائرته.

وكانت هذه النتيجة تستوجب ضرورة العودة إلى الفلسفة. وقد تمّ إثبات العقلانية الذاتية للاهوت المسيحي من خلال الاستفادة

(80)

من الفلسفة، وإثبات التنظيم والانسجام الكامل للاهوت من خلال الاستعانة بالبحث الدقيق للربط بين مختلف عناصره. وعلى حدّ تعبير جيلسون:

«في كل واحد من الأنظمة المدرسية يتمّ السعي إلى فهم الحقيقة في كليّتها من خلال الاستعانة بالمنطق وما بعد الطبيعة واللاهوت، ويتم العمل على إظهار أن لكل شيء مكانة منطقية في الأنظمة العقلانية التي هي في المجموع عامة وشاملة»[1].

وبطبيعة الحال لا بدّ من الالتفات إلى أن توما الأكويني إنما يقول بهذا النوع من الإدراك العقلي لعدد قليل من الأفراد؛ وعليه لا يوجد سوى القليل من الأشخاص الذين يمتلكون الوقت الكافي والرغبة والقدرة على متابعة البراهين الإلهية. أما الآخرون فإنما يقبلون بهذه الحقيقة على أساس الإيمان، وعلى الرغم من أن وجود الله قابل للإثبات، وأننا نستطيع التعرّف عليه، فإن الناس يأخذونه بنظر الاعتبار متعلقاً للإيمان على نحو مناسب؛ وعلى هذا الأساس فإن أغلب المؤمنين إنما يؤمنون بالله على أساس الإيمان، وهذا الاعتقد ليس لا عقلانياً ولا هو بالساذج:

«إلا أن الذين يؤمنون بهذه الحقيقة ـ والحال أن (العقل البشري لم يقدّم لها أيّ دليل تجريبي) ـ لا يمتلكون اعتقاداً غبياً ـ كما لو كانوا (أنصاراً لقصص

(81)

مختلقة) ـ وذلك لأن ذات العقل المقدس الذي يرى كل شيء من زاوية الكمال، إنما يظهر أسرار الحكمة المقدّسة للناس من باب اللطف. إنه من خلال البراهين المناسبة لا يكشف عن حضوره فحسب، بل ويكشف حتى عن أحقية تعاليم وحيه أيضاً. إنه في إطار تأييد تلك الحقائق الخارجة عن حدود المعرفة الطبيعية، يضفي تجلياً ملحوظاً ومشهوداً على الأمور الخارجة عن قدرة كل إنسان جاهلي»[1].

إن الصورة التي يرسمها توما الأكويني عن جوهرية العقل البشري، وضرورته للحصول على الإيمان والحقيقة، قد تمّ التشكيك بها بل ونبذها في مرحلة عصر النهضة بشدّة؛ بيد أنه منذ القرن السابع عشر للميلاد وبداية المرحلة الحديثة وشيوع العقلانية، تمّ تقديم صياغة جديدة لهذا التصوير التومائي، حيث أضحت أساساً للعديد من البراهين حول المفاهيم الدينية.

(82)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

الإنسانويّة في عصر النهضة

(83)
(84)

لقد تحدّث دسيدريوس إيراسموس[1] ـ الإنسوي الشهير في عصر النهضة ـ في نقد التربية والتعليم في مرحلة العصور الوسطى بل والاستخفاف بها، قائلاً:

«كما نعلم فإن جميع الفنون منذ القدم، ولا سيّما منها فن الخطابة، كانت في ذروة ازدهارها. ثم عمد الغرور المتفاقم للبرابرة على تحطيمه بحيث لم يعد له أثر تقريباً. وقد شهدت تلك الفترة الزمنية ظهور مختلف أنواع الناس المفتقرين إلى التربية والذين لم يحصلوا على شيء من العلم والمعرفة، ومع ذلك  صاروا بصدد تعليم الآخرين ما لم يمتلكوا أدنى معرفة عنه. فكانوا يأخذون من الناس النقود ويعطونهم الجهل، ويتخرّج تلاميذهم في نهاية المطاف من مدارسهم وهم أكثر جهلاً من ذي قبل ... ركنوا تعاليم المتقدّمين ناحية، وأقبلوا على آراء لم يتمّ اختبارها؛ من قبيل: التعاريف، والمفاهيم، والكلام المتهافت، والقواعد المضحكة في النحو واللغة وما إلى ذلك من الحماقات التي لا يُحصى عددها ... ولو قدّر لهؤلاء الهمج أن يمضوا على هذه الوتيرة، لما كنا نعرف ما هو الشكل الذي كانوا سيخرجونه لنا وبأيّ

(85)

لغة مستحدثة، بيد أن لاورنتيوس وفيلفوس قد تمكنا بواسطة فن تربيتهما المذهل من إنقاذ ما كان يوشك على  السقوط والانهيار»[1].

إن هذه الكلمات التي هي مجرّد نموذج بسيط من الانتقادات اللاذعة والشتائم الصادرة عن علماء عصر النهضة، إنما تعكس الرؤية العامّة لإنسان عصر النهضة إلى المرحلة السابقة عليه، أي العصور الوسطى، حيث يسعون إلى تسمية عصرهم بـ «العصر الذهبي»[2]، و«عصر الولادة المتجددة وعصر تجديد الحياة»، وعلى المقلب الآخر يسمّون العصر الماضي بـ «عصر الظلمات»[3]، و«الانحطاط»، و«التوحّش»، و«التخلّف»، و«حكم البرابرة». وقد تحدّث باولو جيوفيو (م: 1546 م)[4] عن القرن الرابع عشر للميلاد قائلاً: «قرن السعادة والهناء الذي اقتنع فيه كتّاب اللاتينية بضرورة أن يولدوا من جديد»[5].

وعلى حدّ تعبير أليستر ماكغراث[6]: يميل المحققون الغربيون

(86)

بعد القرن الثامن عشر للميلاد إلى التعبير عن مرحلة عصر النهضة بأسماء من قبيل: «النهضة»، و«الولادة الجديد»، و«اليقظة»، و«الازدهار» وما إلى ذلك. وكأن كل شيء كان في حالة من الانقلاب والتغيّر، وأن الإنسان والعالم وحتى الدين ـ الذي هو أمر ميتافيزيقي ـ يسعى إلى التولّد من جديد، ولكن الذي يجب أن يولد أو يحيى من جديد من بين هذه المفاهيم للمرّة الأولى هو «الإنسان» و«أبعاده الفردية»، التي تشكل البُعد الجوهري من عصر النهضة، وهو ما يُسمى بـ «إنسانوية عصر النهضة».

يقول بارد تامبسون في هذا الشأن:

«إن الإنسانوية في عصر النهضة تسعى إلى إفهام الأذهان العامة أن الناس بدلاً من تسليم هويتهم الشخصية إلى المؤسسات الرسمية، من قبيل: الكنيسة والدولة والمجتمع الإقطاعي، والاتحادات والنقابات أو أي نظام أو فكر يروم التقليل من الشأن الإنساني، عليهم الاهتمام والتوجّه إلى «أنفسهم» في مقام اعتبار الشخص الواحد منهم هو «الفرد» الأوحد والمختار والقادر على اتخاذ القرار بالنسبة إلى كل شيء»[1].

وقد ذهب ياكوب بوركهارت بدوره إلى اعتبار البُعد الفردي ـ أو البُعد الإنسوي، بعبارة أخرى ـ من أهم أبعاد حركة عصر النهضة، وقال في هذا الشأن:

(87)

«في هذه المرحلة بدأ الإنسان يفكر للمرّة الأولى بشأن ذاته بوصفه «فرداً». حيث أخذت الذهنية الجماعية والاشتراكية الجديدة للعصور الوسطى تشهد كساداً في قبال الذهنية الفردية لمرحلة عصر النهضة، وتحوّلت فلورنسا الإيطالية إلى أثينا جديدة، بمعنى أنها أضحت هي مركز العقلانية العالمية الجديدة»[1].

إن الوصول إلى الهوية الفردية وتعزيز الأبعاد الإنسانوية، يتواصل في مرحلة عصر النهضة عبر طريقين رئيسين، وهما:

1 ـ الاستفادة من جميع الأدوات الضرورية لبيان قيمة وعظمة وقدرة الفرد وعقلانية الإنسان.

2 ـ العثور على نموذج يمكنه أن يعمل ـ بشكل مؤثر وجيّد للغاية ـ على تجسيد وإظهار الأبعاد الفردية للإنسان، ويمكن العمل من خلال ذلك على إصلاح المجتمع الغربي من جديد.

فيما يتعلق بالمورد الأول، تتمثّل الأدوات والوسائل الأهم في ذلك العصر بالأدبيات وأنواع الفنون، من قبيل: الرسم، والنحت،

(88)

والهندسة المعمارية، كما كان المؤسسون لثقافة عصر النهضة والإنسويون الأوائل هم في الغالب من الأدباء والشعراء أو الفنانون المحترفون، دون الفلاسفة أو المتكلمون وعلماء الدين[1].

وفيما يتعلق بالمورد الثاني فإن النموذج الأفضل الذي عثر عليه علماء عصر النهضة، هو التوجّه إلى الماضي السحيق والعبور من العصور الوسطى والعودة إلى ثقافة وحضارة الإغريق وروما القديمة. وتسمّى هذه الناحية من حركة عصر النهضة بـ «الحركة الكلاسيكية»، والمراد منها هو التعلق بالأهداف والنماذج الثقافية وأعمال العهود والعصور القديمة. وفي الواقع فإن عصر النهضة كان يبحث عن أفضل النماذج الممكنة لكل شيء، بما في ذلك فن الرسم أو الهندسة المعمارية، والفلسفة أو الأخلاق، والحقوق أو الأدبيات، والتعليم أو التربية، وعن كل نوع من التخطيط المدني في أعمال الإغريقيين والرومان الأقدمين. وقد تحدّث بارد تامبسون ـ وهو من المؤرخين والمحققين في الشأن الإنسوي ـ بشأن الحركة الكلاسيكية وارتباطها بالإنسانوية، قائلاً:

«يمكن القول في المجموع: إن الحركة في عصر النهضة كانت تحتوي على ناحيتين هامتين، وهما أولاً: الناحية الإنسانوية. وثانياً: الناحية الكلاسيكية. حيث يتمّ توظيف البُعد الإنسوي من هذين البُعدين بوصفه غاية أصلية، كما يتمّ توظيف البُعد الكلاسيكي بوصفه

(89)

وسيلة وأداة لا بوصفه غاية أساسية في إطار إحياء الشأن والمنزلة الإنسانية»[1].

الكلاسيكية في حركة عصر النهضة

إن عصر النهضة وإن كان بشكل عام يشمل إعادة ولادة كل شيء، إلا أنه يُطلق بشكل خاص على إعادة ولادة العلم والأبحاث الكلاسيكية. يذهب سكان عصر النهضة إلى الاعتقاد بأن حضارة الإغريق والرومان من الحضارات المثالية، وأن على جميع الثقافات والحضارات اللاحقة أن تحذو حذوها وتتأسّى بها. كما أن كتابات المرحلة القديمة بدورها تعدّ «معياراً» ومقياساً أدبياً عظيماً، ويجب تقييم جميع الكتابات الأدبية والفنية على أساسها. ثم أخذ هذا الاعتقاد بالتدريج لا يقتصر في شموله على الأدب والفن فقط، بل أخذ يشمل كل موضوع، بما في ذلك الفلسفة والأخلاق والقانون وعلم الجمال والهندسة المعمارية وما إلى ذلك من الموضوعات الأخرى، ومن هنا أصبح من الواجب الرجوع إلى الثقافة المكتوبة للعصور القديمة في مختلف هذه المجالات. ويمكن القول باختصار: إن إنسان عصر النهضة إنما يرى مجرّد إنسان المرحلة القديمة وحده هو المثل الأعلى والقيّم للإنسانوية، ومن هنا فإنه كان يبحث عن هويته الفردية والاجتماعية التي ضاعت ـ بزعمه ـ في زحمة العصور الوسطى ـ في الماضي الأبعد، وفي العصر الذهبي للمرحلة الإغريقية والرومانية القديمة[2].

إن العودة إلى الثقافة القديمة، كانت تستوجب ضرورة التعرّف

(90)

والاحتكاك المباشر مع النصوص الأصلية والمصادر القديمة؛ ومن هنا أخذ البرنامج الأدبي والثقافي لعصر النهضة يتلخص في شعار «Ad Fontes» بمعنى «العودة إلى المصادر الأصلية»[1]. وكان الروّاد الأوائل لهذا البرنامج الأدبي والثقافي هم الإنسيون، ومن الناحية الجغرافية كانت إيطاليا هي الموطن الأكثر استعداداً للاضطلاع بهذه المهمة[2]. وكانت جديّة الإنسانويين في اكتشاف الآثار الكلاسيكية، تعود إلى الأسباب الآتية:

1 ـ إن اكتشاف الآثار الكلاسيكية كان بمثابة اكتشاف الحقيقة من جديد؛ وعليه يمكن اكتشاف الحقيقة في المرحلة القديمة وليس في العصور الوسطى.

(91)

2 ـ كان يجب التخلي عن جميع الشروح التي تمّ تدوينها حول مختلف الأعمال والمؤلفات الخاصة بالمرحلة القديمة وانتقلت بطريقة وأخرى عبر غربال العصور الوسطى. وكان هذا الأمر يصدق حتى بالنسبة إلى الكتاب المقدس أيضاً؛ ومن هنا لو تمّ توظيف شعار «الرجوع إلى المصادر الأصلية» بشأن الكتاب المقدس أو السيد المسيح، كان هذا يعني الرجوع المباشر إلى الكتابات المسيحية الأولى، والرجوع ـ قبل كل شيء ـ إلى الكتاب المقدّس، وليس شروحه وتفاسيره من قبل العلماء في العصور الوسطى. كما كان هذا الأمر يعني الرجوع إلى سلوك وأفعال السيد المسيح أيضاً[1].

3 ـ من خلال اكتشاف الآثار الكلاسيكية، يمكن الحصول على نماذج للفصاحة والبلاغة المكتوبة والمنطوقة. لقد كان لهذا الأمر أهمية بالغة بالنسبة إلى الإنسانويين؛ ومن هنا فقد كانت إحدى المهام والمشاريع الهامة للإنسانوية تكمن في تعليم ونشر فصاحة وبلاغة النصوص الكلاسيكية واكتساب القدرة في معرفة مفردات هذه النصوص.

وقد عرّف بول اسكار كريستيلر[2] ـ وهو من المنظرين المعاصرين بشأن الإنسانوية ـ بالأمر الأخير بوصفه من أهم أبعاد الإنسانوية في مرحلة عصر النهضة، وقال في ذلك:

«يجب علينا أن ننظر إلى الإنسانوية بوصفها حركة ثقافية وتعليمية

(92)

تهتم في الدرجة الأولى بترويج علم الفصاحة والبلاغة، وتهتم في الدرجة الثانية بمسائل، من قبيل: الأخلاق والسياسة والفلسفة. فلكي يكون الشخص إنسوياً عليه أولاً وقبل كل شيء أن يهتم بعلم الفصاحة والبلاغة، وأن يختار ثانياً النصوص الكلاسيكية أو الشخصيات القديمة  بوصفها نماذجه الأثيرة في الفصاحة والبلاغة؛ كما كان فرانشيسكو بتراركا[1] يعتبر شيشرو أباً له ويعتبر فيرجيل[2] بوصفه أخاه ... وعلى هذا الأساس فإن الشخص الإنسوي سواء أكان أفلاطونياً أو أرسطياً من الناحية الفلسفية، أو شاكاً أو ملحداً أو متديّناً من الناحية الدينية، ولكنه على كل حال يجب أن يتأسّى في تفكيره بالعهود القديمة، وأن يدافع عن تلك العهود على الدوام»[3].

4 ـ إن الاهتمام بآراء العهود القديمة والعمل على إشاعتها والترويج لها، كان له هدف رئيس آخر، وهو العثور على نماذج جديدة للحياة بغض النظر عن الآراء الدينية القروسطية[4]؛ ومن هنا فقد كان بعض الإنسانويين ملحدين ولادينيين. وكانت هذه الظاهرة

(93)

أكثر بروزاً في إيطاليا. وأما في سائر المناطق الأوروبية فقد اكتسب الإنسانوية صبغة دينية، وقد تبلورت على شكل حركة الإصلاح الديني.

ويُعد الشاعر والأديب الإيطالي الشهير فرانشيسكو بتراركا من أبرز الإنسانويين الذين أصبحت أعمالهم لاحقاً على رأس أنشطة الكثير من الإنسانويين الذين جاؤوا بعده، وأدّى إلى تقوية الناحية الكلاسيكية من مرحلة عصر النهضة، وهناك من يصفه بـ «أب عصر النهضة». ويرى بوركهارت أن تأثير أعمال بتراركا عميق جداً ومتعدد الأبعاد[1]. يبرز بتراركا من أجل الرجوع إلى الثقافة الإغريقية القديمة أكثر من جميع كتاب العصور الوسطى تقريباً باستثناء القديس أوغسطين، ليرتبط بالأدبيات اللاتينية. بحيث كأنه يعتبر نفسه مخاطباً لمؤلفات كبار المرحلة الإغريقية القديمة من أمثال شيشرو، وليوي[2]، وفيرجيل، وهوراس[3].

إن اهتمامه الخاص بشيشرو، قد أسس للتيار الشيشروني[4] وترك إرثاً للأجيال اللاحقة[5]. لقد سعى بتراركا في المسائل الكلامية

(94)

وفي اللاهوت إلى التوفيق بين تعليم النصوص الكلاسيكية وبين المعنوية المسيحية. وقد احتج بآثار وأعمال المشركين من أجل إثبات أحقية المسيحية. وقد رجع إلى آراء السير توماس مور[1]، ودانز سكوطس[2]، والكتاب المقدس وآراء آباء الكنيسة، وتعلّق بالتقوى الأوغسطينية[3] والمسيحية المنعشة للروح من النوع الرواقي. وهو على الرغم من عدم إبداء الرأي في المسائل الفلسفية، إلا أنه يحارب الفلسفة المدرسية والاعتقاد بعدم خطأ أرسطو. وفي المسائل السياسية يُعدّ مدافعاً عن الجمهورية من النوع الروماني. وفيما يتعلق بالشعر تعد الأشعار الحماسية (Africa) باللغة اللاتينية، ونشر الأشعار الدنيوية والغنائية، من أعماله الأخرى أيضاً[4].

لقد كان فرانشسكو بتراركا في أعماله ينشد أهدافاً وغايات من

(95)

قبيل: التأكيد على مقام الإنسان، والعالم الأرضي، وحق الإنسان في التعلق بالحياة الدنيوية، والمُتع والملذات الحسيّة، وحق الإنسان في الاستمتاع بأنواع الجمال؛ وكأنه يرى رجحان الحياة الفانية على خلود الحياة الأخروية والصفح عن الروح. لقد تركت آراء بتراركا تأثيراً مباشراً على أعمال جيوفاني بوكاتشيو[1]، بعنوان «ديكاميرون»، و«سلالة الآلهات»، كما تركت تأثيرها على أعمال كولوتشيو سالوتاتي[2]، وهما من أشهر الإنسانويين في فلورنسا[3].

الإنسانوية في حركة عصر النهضة

إن الناحية الأخرى من مرحلة عصر النهضة ـ وهي من أهم أنحائها ـ تخصّ الاتجاهات والتيارات الإنسانوية في هذه المرحلة. وفي الأساس فإنه عندما يتم تناول موضوع الإنسانوية في الوقت الراهن، لا يتبادر إلى الذهن غير إنسانوية عصر النهضة. وكما سبق أن ذكرنا في الفصل الأول أن الإنسانوية في مرحلة عصر النهضة قد اهتمّت بالإنسان وبالقيَم الإنسانية وكرامة الإنسان. وقد اتسعت هذه الرؤية بدورها ضمن بُعدين، وهما: البُعد الديني، والبُعد غير الديني، وفي البُعد الديني تبلور نوع آخر من الإنسانوية المسيحية

(96)

يختلف في طبيعته عن الإنسانوية المسيحية التي كانت سائدة في العصور الوسطى، وكان البُعد الإنسوي الجديد في المسيحية هو الذي أدّى إلى ظهور حركة الإصلاح الديني في العالم المسيحي.

ومن الناحية الجغرافية فقد ظهرت الإنسانوية غير الدينية في إيطاليا بشكل أكبر، كما ظهرت الإنسانوية المسيحية [الدينية] في البلدان الغربية الأخرى. لقد اتجه الاهتمام الأصلي للإنسويين في إيطاليا نحو إحياء النصوص الكلاسيكية والعودة إلى ثقافة المرحلة القديمة؛ ومن هنا فقد كانوا يبدون ميلاً كبيراً إلى العلوم الإنسانية والأدبية، ولا سيّما منها العلوم الثقافية / الأدبية (المنطوقة والمكتوبة) في المرحلة القديمة. وفي الحقيقة فإن الإنسانويين الإيطاليين قد اهتموا في الغالب بالناحية الكلاسيكية لعصر النهضة. وأما في البلدان الأوربية الأخرى فقد كان الوضع مختلفاً. لقد كان الإنسويون في البلدان الأوروبية الأخرى، ولا سيّما منها إنجلترا وفرنسا وسويسرا، يبدون ميلاً نحو المسائل الدينية والتخطيط والبرمجة من أجل إحياء الكنيسة المسيحية والمجتمع المسيحي بشكل عام. وهم يرون أن المجتمع المسيحي يجب العمل على إصلاحه بالأدوات والوسائل العقلانية والأخلاقية[1]. ومرادهم من الأدوات العقلانية والأخلاقية، هي: «الإنجيل»، و«أسلوب آباء الكنيسة الأوائل»، و«النصوص الكلاسيكية»، لكي يتمكنوا بواسطتها من إنقاذ المسيحية من الانحرافات والمفاسد التي ابتلت بها في أواخر العصور الوسطى. كما كان الإنسويون في هذه

(97)

المناطق يبحثون عن نموذج جديد لحياة الإنسان من خلال الإنجيل والنصوص الكلاسيكية. وبطبيعة الحال فإن الاتجاهات الإنسانوية في جميع هذه البلدان لم تكن على وتيرة واحدة، وإنما كان لكل واحد من هذه الاتجاهات شدّة وضعف وله صعوده وأفوله الخاص. وفي المجموع يمكن بيان أهم الاتجاهات الإنسانوية في الحقل الديني وغير الديني في مرحلة عصر النهضة وما بعدها في مرحلة الإصلاح الديني، على النحو الآتي:

نزع القدسية عن الدين

إن من بين الآراء والمواقف التي اتخذها الإنسويون في قبال الآراء القروسطية، هي نزع القداسة عن الدين. يرى الإنسويون أن الدين قبل أن يتعرّض للأمور المقدسة والمعنوية وغير الدينية، إنما يهتم بالحياة الدنيوية للإنسان، ويسعى من الناحية العملية إلى ضمان السعادة الدنيوية من حياة الإنسان. لقد كان الإنسويون يسعون إلى إضفاء صبغة دينية وإلهية على دور الإنسان في حياته اليومية الدنيوية، وإلى الاهتمام بالجانب الديني من هذه الأعمال الروتينية واليومية، وتوجيه أنظار الناس إلى هذه الناحية، فعلى سبيل المثال عندما طلب مارتن لوثر[1] من جميع المسيحيين أن يُصبحوا

(98)

قساوسة، كان يروم من وراء ذلك أن يشمل بهذا الطلب تفاصيل حياتهم اليومية أيضاً. وقد ذكر مارتن لوثر هذه المسألة باختصار على النحو الآتي:

«إن الأعمال التي تبدو للوهلة الأولى غير دينية، إنما هي في الواقع ليست سوى ثناء على الله وتسبيح بحمده، وتعبر عن الخضوع والعبودية لله، وهذا الأمر يستجلب مرضاة الله سبحانه وتعالى»[1].

وعلى هذا الأساس فإن الدين المسيحي كان يطلب من الناس أن يُطهّروا حياتهم اليومية من داخل أنفسهم. لقد كان مارتن لوثر يرى حتى القيام بأعمال البيت العادية مشتملاً على قيمة دينية تستحق الثناء. وهو يرى أن هذه الأمور وإن كانت مجرّدة من التجليات القدسية، ولكنها أكبر قيمة من جميع الطقوس الدينية التي يقوم بها الرهبان. يُضاف إلى ذلك أن الله لا ينظر إلى بساطة العمل المنجز، وإنما ينظر إلى القلوب التي تعمل على خدمته في هذه الدنيا بإخلاص.

كما ذهب جون كالفن[2] إلى الاعتقاد بأن الشخص إنما يقع

(99)

مورداً لعناية الله بمقدار عمله وسعيه. وليس هناك أيّ فرق بين العمل المعنوي والجسدي، والمقدّس وغير المقدّس. إن العمل الذي يقوم به الإنسان مهما كان بسيطاً، يمكن أن ينطوي على شكر الله والثناء عليه. لقد كان هؤلاء يرون في العمل نوعاً من الثناء على الله؛ وهو ثناء يمكن أن يكون زاخراً بالقيَم. وكان كافن يقول: «أليس العمل وبذل الجهد والزراعة البسيطة، أحبّ إلى الله من الطقوس الرهبانية؟».

والنقطة الكامنة هنا، تقول: ما هو المصدر الذي اعتمد عليه الإنسويون والإصلاحيون في القول بهذا الاتجاه؟ إن مصدرهم الأصلي في ذلك هو ذات الكتاب المقدس، الذي بقي مصاناً من شروح المفسرين القروسطيين، وقد تمّ تنظيم هذا الكتاب بما يتطابق ووضع حياة الناس في مرحلة الإصلاح.

التأكيد على دور الدين في تحوّل الناس من الداخل

إن من بين المسائل الأساسية التي كانت مورداً لاهتمام الإنسانويين في مرحلة عصر النهضة وبعدها في مرحلة الإصلاح، هي مسألة التأكيد على دور الدين في إيجاد التحوّل الداخلي والروحي في الأشخاص. لقد كان يجول في أذهان هؤلاء هذا السؤال الجوهري القائل: هل يجب اعتبار الدين ـ في الأساس ـ مجموعة من التعاليم والشعائر والطقوس الدينية، أم يجب في اختيار الدين والتمسك بقواعده وأفكاره وتعاليمه، الاهتمام بدوره وأدائه في حياة الإنسان؟

(100)

يجب اعتبار الدين ـ من وجهة نظر الإنسانويين والمصلحين ـ بوصفه موضوعاً داخلياً، يهتم بالحالات المعنوية والروحية والسلوكية للمتدينين، وغايته رفع المستوى المعنوي والروحي، والتمسّك بالقيَم المتعالية والإنسانية، والعمل بشكل عام على إيجاد التغيير والتحوّل في حياة الإنسان. ومن بين الإنسانويين كان لدسيدريوس إيراسموس من بين المصلحين الدينيين، وهولدريخ زوينغلي[1] وجان كالفن ومارتن لوثر، الدور الأهم في إشاعة هذه النظرية. طبقاً لهذه الرؤية «يجب أن يُنظر إلى الدين بوصفه موضوعاً معنوياً وداخلياً، لا تكون للمسائل الخارجية إلى جانبه أهمية كبيرة. إن الغاية الأساسية التي ينشدها الدين عبارة عن:

«إلقاء سلسلة من الأفعال والآراء الداخلية، من قبيل التواضع والطاعة المطلوبة والإرادية لله من قبل المؤمنين»[2].

وكان مرادهم من المسائل الخارجية، هي الأمور التشريفاتية والظاهرية من قبيل: ماهية العبادة وأسلوب إدارة الكنيسة. وعلى أساس هذه الرؤية اكتسب مفهوم الإصلاح الأخلاقي والروحي بدوره أهمية كبيرة أيضاً؛ كما كانت حركة الإصلاح الديني في بعض البلدان الأوروبية في القرن الخامس عشر للميلاد تعني في الأساس حركة إصلاح الأمور الأخلاقية، وكانت تؤكد على ضرورة تجديد

(101)

حياة الفرد وحياة المجتمع أيضاً. وقد كانت صلة السيد المسيح بالمسيحية أنه كان يمثل نموذج الأخلاق. وكان إيراسموس يعرّف الإيمان المسيحي بأنه عبارة عن: «الاقتداء بالسيد المسيح»[1]. إن الالتزام والتمسّك بالمسائل الأخلاقية والتأكيد على الإصلاح الأخلاقي للمجتمع المسيحي والكنيسة، قد مهّد الأرضية لتجاهل التعاليم الكنسية، ولا سيّما في بُعد الأعمال والطقوس الدينية.

تلفيق التعاليم الإنسانوية بتعاليم اللاهوت المسيحي

إن من بين خطط الإنسانويين ـ ولا سيّما منهم الإنسويون الإنجليز ـ التوفيق بين التعاليم المسيحية والتعاليم الإنسانوية. لقد كانت التعاليم الإنسانوية مستلهَمة في الغالب من قدامى الفلاسفة الإغريقيين، وأما التعاليم المسيحية فقد تأثرت باللاهوت المسيحي الأولي الذي كان بمنأى من تأثير الآراء الأفلاطونية والأرسطية.

وكان ثلاثة من مشاهير الإنسانوية في إنجلترا، وهم كل من: جان كولت[2]، والسير توماس مور، ودسيدريوس أيراسموس الروتردامي ـ الذين يحملون صفة «مصلحو أكسفورد» ـ يدافعون عن هذه النظرية. كان جميع هؤلاء الثلاثة من للإنسويين المسيحيين الذين تأثروا بالإنسانويين الإيطاليين، ومن خلال اتباع المنهج الأكاديمي للأفلاطونية الحديثة في فلورنسا الإيطالية، أضحت لهم أولاً: رغبة كبيرة بإحياء الثقافة الكلاسيكية. وثانياً: كان جهدهم الرئيس

(102)

يركّز على المواءمة بين الثقافة الكلاسيكية ـ بوصفها ثقافة بشرية ـ والتعاليم الدينية.

كان إيراسموس روتردام من أبرز الشخصيات الإنسانوية الجامعية، وهناك من خلع عليه لقب «ملِك الإنسانويين». وكان في إطار رفع التعارض بين المسيحية والثقافة القديمة، يقول بنوعين من «الحقيقة»، وهما:

1 ـ الحقيقة التي تحصل بواسطة دين المسيح.

2 ـ الحقيقة التي تحقق لنا الحضارة الكلاسيكية.

وفي ذلك يقول:

«إن الحقيقة على نوعين: فهي بالنسبة إلى  المسيحية، حقيقة الوحي، والتجلّي الخاص لله ... وأما بالنسبة إلى الحضارة الكلاسيكية، فإن الحقيقة تحصل من خلال التأمل والدراسة والرؤية والسعي العلمي. إن كلا هذين المصدرين للحقيقة مفيد للمجتمع المسيحي ... وكلاهما يقدّم الدعم والإسناد للفضيلة، وكلاهما يستعرض «فلسفة المسيح»[1] ...»[2].

(103)

العودة إلى الكتاب المقدس؛ خفض مستوى مرجعية الكنيسة

منذ أن رفع إيراسموس شعار «Ad Fontes» بمعنى «العودة إلى المصادر الأصلية»، لم يؤسس لمجرّد برنامج أدبي وثقافي من طريق العودة إلى النصوص الكلاسيكية الإغريقية واللاتينية فحسب، بل وطالب بالعودة إلى المصادر المسيحية الأصيلة. وفي الحقيقة فإن اتجاه إيراسموس يُختزل في مجالين، وهما:

1 ـ توظيف الكتابات والأعمال الكلاسيكية.

2 ـ الاستفادة من المصادر المسيحية القديمية لغرض تثبيت الثقافة المسيحية مجدّداً.

إنه من خلال النظر إلى العصر الذهبي للمسيحية ـ الذي كان سائداً قبل النظام الكنسي البابوي ـ كان بصدد احترام كل شيء، بما في ذلك: الإيمان، والأخلاق، والفن، والكتابات الأدبية، بحيث يتمكن الجميع من استعادة شأنهم الأصلي، ومن هنا فإنه لم يكن ليستسلم للحضارة القروسطية أبداً، وكان يذهب بشكل عام إلى إعادة الكشف عن الثقافة الحقيقية والأصيلة (إنسانية المرحلة القديمة)، وكذلك الاقتدار الحقيقي للمسيحية. يرى إيراسموس أن عصر النهضة كان له تأثير أدبي من طريق إحياء التعليم الكلاسيكي، وكذلك كان له تأثير ديني من طريق إحياء المسيحية في حركة الإصلاح[1]. إن الإصلاحيين البروتستانت ومن بينهم مارتن لوثر وجان كالفين، كانوا يستلهمون الأفكار من الإنسانويين صراحة.

(104)

فهم يرون أن البابا واللاهوتيين المدرسيين قد أهملوا الماهية المسيحية ـ التي كانوا يدعونها بـ (Gospel) ـ طوال فترة العصور الوسطى على نحو متزايد؛ وعليه يجب العمل على إحياء المسيحية الأولى والتعرّف عليها من جديد. إنهم يرون كما أن الإنسانويين كانوا بصدد كشف النصوص الكلاسيكية القديمة، وكان فنانو عصر النهضة بصدد إعادة كشف أصول الفن والعمارة القديمة، فإن المصلحين البروتستانتيين بدورهم يجب أن يؤكدوا على الإخلاص التام لنصّ الكتاب المقدّس. وفي الحقيقة فإن عصر النهضة كان من وجهة نظرهم طريق الله للانتقال السريع إلى مرحلة حركة الإصلاح الديني[1].

وعلى هذا الأساس، يذهب الإصلاحيون إلى الاعتقاد بأن الرجوع المباشر إلى كتابات آباء الكنيسة والكتاب المقدس، من شأنه أن يساعد على شحذ الهمم من أجل إحياء المسيحية الأصيلة، كما يمكن الإعداد لعناصر ومقدمات إصلاح الكنيسة أيضاً. يرى إيراسموس في كتابه المعروف «دليل الجندي المسيحي»[2] أن القراءة المستمرة والمتواصلة للكتاب المقدس بمثابة المفتاح للتدين الجديد. إن هذا الكتاب دليل ومرشد للأشخاص العاديين في فهم الكتاب المقدّس وشرح مبسط، وفي الوقت نفسه شرح علمي لـ «فلسفة المسيحية». وبطبيعة الحال فإن المراد من الفلسفة هو نوع من الأخلاق العملية، وليس الفلسفة بالمعنى المصطلح. إن المسيحية ليست مجرّد اهتمام خارجي بنوع من الأخلاق فقط،

(105)

وإنما تستدعي كذلك اهتماماً داخلياً[1] أيضاً. إن هذا الاهتمام يؤدي بقرّاء الكتاب المقدس من خلال قراءته إلى التحوّل، حيث يحدث لديهم حافز جديد لحبّ الله سبحانه وتعالى والمؤمنين؛ وعلى هذا الأساس فإن الدين موضوع يرتبط بقلب الإنسان ووجدانه، وبذلك تكون له مكانة داخلية.

إن الإصرار على الدين الداخلي يؤدي إلى أن لا يبدي شخص أيّ قيمة أو أهمية للكنيسة سواء فيما يتعلق بمراسمها وشعائرها أو لرجالها ومؤسساتها. يجب التقليل من مرجعية وسلطة الكنيسة، وتوفير نُسَخ الكتاب المقدس على نطاق واسع لتكون في متناول الجميع[2]، ليعود الجميع إلى «المنابع»، وأن يشربوا من العين الزلال للإيمان المسيحي، وليس من البرَك الراكدة والمستنقعات والآسنة للدين الموجود في أواخر العصور الوسطى.

إن العودة إلى الكتاب المقدس وفّرت أرضية مناسبة لتوسيع رقعة بعض الأفكار الإنسانوية. ومن بين هذه الأفكار: تأصيل الإنسان الفرد، وإضفاء الحجية والشرعية على العقل البشري، والتأكيد على أهمية الحياة الدنيوية، والاستفادة من النعم الأرضية التي أعدّها الله للإنسان. في حركة الإصلاح الديني من خلال الاتجاهات

(106)

الإنسانوية، فإن كل فرد ـ من غير رجال الدين ـ يتمتع بنعمة العقل الذي يمكّنه من التعرّف على الكتاب المقدس بشكل صحيح، فإنه يمتلك مفتاحاً لتجديد حياة الكنيسة أيضاً. ومنذ هذه اللحظة فصاعداً لم يعد حق تفسير النصوص الدينية منحصراً بالكنيسة كما كانت تقول نظريات العصور الوسطى. وبذلك تمّ عزل رجال الدين والكنائس وتهميشهم، وتسلل التشكيك بالتدريج إلى الآراء التي كانت الكنيسة تراها أصيلة ومعتبرة.

ومن ناحية أخرى فإن العودة إلى الكتاب المقدّس، كانت تستوجب الإحجام عن شروحه وتفسيراته وتعقيداته. إن هذه الشروح بسبب صعوباتها وتعقيداتها، كانت تحول دون وصول الإنسان إلى حقيقة دين المسيح. إن الرجوع المباشر إلى الكتاب المقدّس وفهمه على أساس الإدراك الشخصي، يساعد الإنسان في إدراك تجربة حضور وسلطة المسيح[1]. وفي كنيسة ما بعد القرن الرابع عشر للميلاد، مهّدت العودة إلى الكتاب المقدّس الأرضية لتوسيع رقعية نظريتين مخالفتين ومنافستين بشأن المرجعية، وهما:

1 ـ النظرية التقليدية: إن هذه النظرية كانت تعتبر شخص البابا هو السلطة العليا والمرجعية الدينية. إن هذه النظرية لم تكن تتحمّل الرجوع إلى الآراء العامّة لإبداء الرأي حول المسائل الدينية (نظرية حاشية البابا).

(107)

2 ـ النظرية الجديدة والإنسانية: في هذه النظرية يتم التعريف بالشورى العمومية بوصفها مرجعاً أعلى في المسائل الاعتقادية. إن هذه النظرية التي تعني تقدّم الشورى على البابا، قد وضعت أزمة جادة أمام الكنيسة بشأن المرجعية؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ مسألة «الغفران بواسطة الإيمان» التي قال بها مارتن لوثر، وعليه لن تعود هناك ـ في مسار مفهوم النجاة والخلاص ـ من حاجة إلى البابا والقساوسة أو الكنيسة الرسمية، وأصبح بمقدور كل شخص أن يسلك طريق التصالح مع الله بنفسه، دون توسيطه لرجال الكنيسة. يرى مارتن لوثر «إن كل مؤمن هو قس»[1].

كما كان إيراسموس بدوره يرى أن حياة وازدهار المسيحية في المستقبل سوف يكون بيد آحاد أفراد المجتمع البشري، وليس بيد رجال الدين المسيحيين. وإن مهمة رجل الدين ـ بوصفه مربياً ـ تتلخّص في توفير المقدمات من أجل إيصال الأفراد من غير رجال الدين إلى مرتبتهم؛ ومن هنا يجب التخلي عن المعتقدات الخرافية برجال الدين.

تبسيط نصّ الكتاب المقدّس

لقد كان إيراسموس يرى أن الدين الممتزج بالمسائل الفلسفية المعقدة «ديناً سيئاً»[2]، وفي المقابل يعتبر سهولة الفهم دليلاً على الوحي والدين. وقد وضع نفسه في كتابه «دليل الجندي

(108)

المسيحي»[1] في طليعة حركة إصلاح الحرية الفكرية الكاثوليكية، واعتبر أن خصيصة الإنسانوية المسيحية وحركة الإصلاح تكمن في «العقلانية والأخلاقية». وكان يرى أن العقلانية تكمن في عودة الكنيسة إلى أساسها الحقيقي في الكتاب المقدس وإلى الاهتمام بآراء آباء الكنيسة. كما كان يرى أن أخلاقية حركة الإصلاح تكمن في إرادة المسيح للحياة العملية والحياة الصالحة لكل من الرجل والمرأة. على جميع الناس أن يتمكنوا من الحصول على النصوص المقدسة؛ ليتمكنوا من العثور على الطريق الصحيح[2]. لقد كان إيراسموس يهدف في الغالب إلى إبطال التكاليف الأخلاقية القاسية، والمعتقدات الجازمة، وردّ سطحية الدين القروَسطي. كما كان كل من جان كولت والسير توماس مور ـ اللذين كان إيراسموس على تواصل معهما ـ ينشدان تتحقيق ذات هذه الأهداف. وقد تعهّد جان كولت بتحطيم قشرة «الحتميّة» القروسطية التي تراكمت على النصوص المقدّسة، ليصل إلى لباب الدين.

تأثير الإنسانوية في المجالات غير الدينية

في بداية القرن السادس عشر للميلاد ظهرت الإنسانوية في فرنسا على شكل حراك عام من أجل المطالبة بدارسة القانون وإعادة النظر بشكل أساسي في القانون الفرنسي. إن المصلحين والمفكرين في هذا العصر من الذين وجدوا ضرورة للإصلاحات الحقوقية لإحداث التجديد في فرنسا، عمدوا من أجل تسريع برنامج الإصلاحات

(109)

الحقوقية إلى دراسة الأبعاد النظرية للقوانين العامة القائمة على الأصول الكلية. وقد أدّى هذا الأمر في نهاية المطاف إلى تبلور نظام حقوقي معتبر في جميع أنحاء فرنسا. وكان غيوم بودي[1] ـ وهو من طلائع هذا المشروع ـ يرى في العودة إلى القانون الرومي ـ الذي هو من وجهة نظره قانوناً يتمتع بالسهولة والقوّة ويشتمل في الوقت نفسه على أبعاد اقتصادية ـ وسيلة ضرورية لتلبية الاحتياجات الحقوقية الجديدة في فرنسا. لقد عمد الإنسويون الفرنسيون ـ خلافاً للإنسويين الإيطاليين الذين اعتادوا على دراسة ومطالعة النصوص الحقوقية الكلاسيكية بشروحها القروَسطية ـ يضعون الرجوع المباشر إلى النصوص الحقوقية الأساسية بلغتها الأصلية على سُلّم أعمالهم[2].

وفي سويسرا اتخذت خطط الإنسانويين مساراً أخلاقياً. إذ يرون ضرورة الاهتمام بإصلاح أخلاق المسيحيين قبل أيّ شيء آخر، والعمل على إحياء الأخلاق الشخصية للمتدينيين. وهم يرون أن الكتاب المقدّس يجب اعتباره في الغالب مجسّداً للسلوكيات الأخلاقية الصحيحة، وليس مشتملاً على مجرّد الوعد والوعيد الإلهي؛ ومن هنا فإن المسيحية هي طريقة حياة بالدرجة الأولى[3].

(110)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

الإنسانويّة في العصر الحديث

 

(111)
(112)

إن إنسان عصر النهضة على الرغم من كل العظمة والهالة التي أحيطت به من قبل هذه المرحلة، كان لا يزال يعاني من هذا الضعف الجوهري، حيث يتمّ النظر إليه في مرآة الماضي، والأطر الفكرية القديمة. يذهب الكثير من المحققين في عصر النهضة، على الرغم من كل الجهود المبذولة من قبل المفكرين والكتاب في مرحلة عصر النهضة للابتعاد عن الأفكار القروَسطية، والتنصّل عن الفلسفة السيكولاستية في القرون الوسطى، لم يتمّ التمكن في نهاية المطاف من إبداء رؤية أو نظام فكري مستقل وجديد في هذه المرحلة، بحيث يستطيع تعريف «الإنسان» تعريفاً شاملاً. وعلى هذا كانت هوية الإنسان وقيمته لا تزال يتمّ تعريفها على أساس تلك الأنظمة الفكرية والفلسفية الأرسطية، أو الأفلاطونية على الأرجح أو الأفلاطونية الحديثة الممزوجة بالمشارب الملغزة والهرمسية أو المشككة، وإن كانت تبدو في ظاهرها معارضة للفلسفات السيكولاستية[1]، أخذنا نشهد بالتدريج من خلال تقدّم العلوم البشرية، وظهور التحوّلات الصناعية والفنية، والتغيير في أساليب الحياة الإنسانية، وتبلور الأبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وبشكل عام بالالتفات إلى الحداثة أو مسار التجدّد، تبدو القوالب القديمة ناشزة تماماً وغير مناسبة بالنسبة إلى مقاس الإنسان الجديد.

إن المرحلة الحديثة كانت تختلف عن المراحل السابقة في أنها بالإضافة إلى الحفاظ على أفكار عصر النهضة ـ والتي هي من قبيل:

(113)

مناهضة الفلسفات السيكولاستية، والاهتمام بعالم الطبيعة، والأهم من ذلك كله فكرة مركزية الإنسان، وإضفاء القيمة على الإنسان ـ بوصفها تراثاً خالداً لحياة الإنسانوية الخالدة، قد تمكنت من تعريف الإنسانوية على مستوى أعلى في إطار الأنظمة الفلسفة الأكثر تناغماً والمتناسبة مع المرحلة الحديثة. وفي الحقيقة فإن إنسانوية المرحلة الحديثة ما هي إلا استمرار لإنسانوية عصر النهضة، غاية ما هنالك أنها تبدي اهتماماً أكبر بالعقل والتجربة الإنسانية. إن الجزء الأكبر من النظريات السياسية والاجتماعية والحقوقية والثقافية في الغرب متأثرة بإنسانوية هذه المرحلة. إن هذه الحركة التي بدأت في المرحلة الحديثة مع التأمّلات الطبيعية لفرانسيس بيكون، قد واصلت مسارها في التشكيك الدستوري لرينيه ديكارت، والاستدارة الهامّة للفكر الفلسفي من الشيء إلى الموضوع في الأبحاث المعرفية، والتحرر من آراء المتقدمين، والاستناد إلى العقل المتأصل والمستقل عن المفاهيم الميتافيزيقية وما بعد الطبيعية، حتى تبلغ الذروة في الأفكار التجريبية لجون لوك[1] وأتباعه. ثم يتمّ تبويبه في المنظومة المعرفية لإيمانوئيل كانط[2]، وخفض الأمور إلى العالم الظاهري، كما يظهر بالنسبة إلى «أنا»، وإخراج المفاهيم الميتافيزيقية من دائرة العقل النظرية. لقد كان لجميع هؤلاء الفلاسفة رؤية مشتركة. ومع ذلك

(114)

كله كان لهم اتجاهات مختلفة فيما يتعلق بالإنسان، وفي الحقيقة والواقع كان كل واحد من هؤلاء يتعرّض إلى بحث موضوع الإنسان والقيَم الإنسانية من زاويته الفلسفية الخاصة، ومن هنا يجب فيما يلي دراسة ومناقشة كل واحد من الاتجاهات الإنسانوية بشكل منفصل.

الأفكار الإنسانوية لبيكون

لقد كان فرانسيس بيكون هو أول فيلسوف في المرحلة الجديدة، يعمد ـ من خلال الحفاظ على جميع الخصائص والأمزجة الضرورية لكل إنسان ينتمي إلى عصر النهضة ـ إلى اتخاذ خطوة إلى الإمام، وخالف آراء المتقدمين ولا سيما آراء الفلاسفة القدماء من الذين كانوا في الغالب مورداً لاقتباس المفكرين في مرحلة عصر النهضة. وقد حصل على شهادة الدكتوراه في دفاعه عن أطروحته بعنوان «كل ما تعلمه أرسطو كان خاطئاً»[1]. وسعى إلى بسط أفق جديد ـ وهو «الطبيعة» ـ أمام أفكاره. ويمكن تلخيص أهم الخصائص الإنسانوية لأفكار بيكون على النحو الآتي:

1 ـ مناهضة ومحاربة آراء المتقدمين، ولا سيما منها الفلسفة المدرسية والنزعة الأرسطية: لقد عمل فرانسيس بيكون على بيان هذه المعارضة من خلال طرح مفهوم «الأصنام الأربعة» التي استحوذت على ضمير الإنسان، وتركت تأثيرها على فهمه. فقد

(115)

عمد في «الإبداع الكبير»[1] إلى التعريف بأربعة أنواع من الأصنام أو المفاهيم الخاطئة، حيث تحول دون فهم وإدراك العالم بشكل صحيح، وأولى هذه الأصنام هي «الأصنام القبلية» التي تضرب بجذورها في طبيعة ذات الإنسان، وقبيلته أو عرقه. والثانية «أصنام الكهف» وهي التي تسيطر على المسالك والأمزجة الفردية، وتمكّن كل واحد منا من أن تكون له أمثلة خاصة من المعاني والمفاهيم في الوقائع والأحداث. والثالثة «أصنام السوق»، وهي التي تسيطر على الألفاظ والمفاهيم التي نستعملها في معاملاتنا مع الناس بشكل يومي؛ إذ «أن الناس إنما يتواصلون فيما بينهم من خلال التحاور والتخاطب، ويتم حمل الألفاظ والمفردات على أساس فهم قواعد اللعبة».

والرابعة هي «الأصنام المسرحية» والمراد منها هو الأنظمة النظرية والبيانية التي تتسلل إلى أذهاننا عبر الأحكام الفلسفية المتنوّعة[2].

يرى فرانسيس بيكون ضرورة تحرير الذهن من سيطرة هذه الأصنام، لكي نتمكن من الوصول إلى تفكير صحيح بشأن الوجود والإنسان. وإنما كان يتمّ التعريف بفرانسيس بيكون بوصفه إنسوياً، لأنه كان يشجب ويدين النزعة التقليدية في الجامعات القديمة. وكان يرى أن معيار المعرفة يجب أن يستند إلى الفائدة العملية والجديرة

(116)

بقابليتها على الوثوق، «وليس انسجامها أو تناغمها النظري مع بعض آراء الشخصيات البارزة في العصور القديمة»[1].

وقال في ذلك: يجب علينا أن نفتح ـ من بين جموع الأصنام الخاطئة وأوثان العادة والعصبية ـ طريقاً إلى «معرفة العلل والحركات الرمزية للأشياء، والوصول من خلال توسيع حدود الإمبراطورية الإنسانية إلى إمكان جميع الأشياء».

وهذا هو المشروع الذي يذكرنا بطموح الإنسوي الإيطالي الشهير بيكو ديلا ميراندولا[2]. فقد كانت أمنيته تتلخّص في النفوذ إلى «علة الأشياء، وطرق الطبيعة، وخطط الكائنات، ومقاصد الله، وأسرار السماء والأرض»[3].

2 ـ بيان «الطبيعة» بوصفها موضوعاً للتفكير، والعمل على توظيف الطبيعة واستخدامها: كان فرانسيس بيكون يرى أن مهمة فلسفته تتلخّص في «تفسير الطبيعة»، بيد أن هذا الكشف للطبيعة ودراستها إنما يكون بهدف السيطرة على الطبيعة واستخدامها لمصلحة الإنسان. وفي الحقيقة فإن الطبيعة تمثل موضوعاً للتفكير، وأما الغاية فهي «الإنسان» وتلبية رغباته وتطلّعاته وآماله من أجل

(117)

السيطرة على الطبيعة[1]. وعلى هذا الأساس يمكن تعريف فرانسيس بيكون على أنه إنسوي ذو نزعة طبيعية.

3 ـ الابتعاد عن الأفكار الانتزاعية والتجريدية الأرسطية: لقد شبّه فرانسيس بيكون ما قام به من الجهود في هذا المجال برحلات كريستوفر كولمبس عبر المحيط الأطلسي، والتي أدت به إلى اكتشاف العالم الجديد. كانت طبيعة الأفكار الانتزاعية والتجريدية الأرسطية بشأن الطبيعة لا تزال على حالها لم تُمس، وقد حان الوقت الآن للاستيلاء عليها، والوصول بواسطتها إلى نتائج العلم وثماره. وكان في هذا المجال يستند على الدوام إلى مبنى تجربية المعرفة، وكذلك إلى الاستقراء في قبال الاستنتاج البرهاني[2].

الأفكار الإنسانوية لديكارت

يرى الباحث والمحقق الإنسوي توم روكمور[3]، لرينيه ديكارت سهماً ودوراً كبيراً في إشاعة ونشر الأفكار الإنسانوية في فرنسا، وذلك بصبغة فلسفية بطبيعة الحال. وهو يرى أن الإنسانوية الفرنسية تشتمل على بعدين، وهما: البُعد الأدبي، والبُعد الفلسفي. ويرى أن البعد الأدبي ما هو إلا امتداد لإحياء النصوص الكلاسيكية في مرحلة عصر النهضة، وأما البُعد الفلسفي فهو مدين في وجوده لجهود رينيه

(118)

ديكارت في التأسيس للنظام الفلسفي العقلاني[1]. وفيما يلي نشير إلى أهم الأبعاد الإنسانوية لفلسفة ديكارت.

أ ـ لو اعتبرنا كلاً من «مناهضة الحجية»، و«التشكيك» بوصفهما من الخصائص الهامّة للإنسانوية العلمانية، فلا شك في أن فلسفة ديكارت تحتوي على كلا هذين الأمرين. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإنسانوية العلمانية تنفي كل عقيدة أو مسلك، ولا سيّما تعاليم المتقدّمين، وترفض كل أصل أو اعتقاد أو قيمة تروم أن تتخذ قراراً للإنسان من خارج الدائرة الإنسانية أو «الإنسان الفرد». وعلى حدّ تعبير أوستن كلاين:

«إن الإنسانويين العلمانيين المعاصرين يدافعون عن الدراسات الناقدة، بمعنى أنه لو قبلت جماعة خاصة بقضية ما، فإنها إنما تقع مورداً لقبول الإنسانويين، لو أنهم توصلوا إلى تلك النتيجة بأنفسهم، واعتبروها صحيحة؛ مهما كان العلماء والمنظرون هم الذين أبدوا تلك القضايا»[2].

وبشكل عام فإن ديكارت في سياق القضاء على الأفكار السائدة حتى ذلك الحين، كان يعمل على مخالفة آراء المتقدمين، ويقول في هذا الشأن:

«يجب لهذا الأمر العمل بطريقة الشكاكين؛ فيجب

(119)

أن نشك بكل ما سمعناه وقرأناه وتعلمناه أو فكرنا فيه»[1].

إن ديكارت الوارث للأفكار الإنسانوية المسيحية في أواخر العصور الوسطى، وعصر النهضة، وكذلك فلاسفة عصر النهضة وشكية مونتين[2] في أواخر عصر النهضة، قد أوصل نفسه إلى حدود الشك المونتيني[3] «فلا يرى أيّ شيء يقينياً»[4] ويعتبر معطيات الحواس والإدراكات الحسية مخادعة، ويقول في ذلك:

«لقد جرّبت أحياناً أن هذه الحواس مخادعة، والأمر الأكثر عقلانية أن لا نعتمد بشكل كامل على شيء قد خدعنا ذات مرّة»[5].

 إن خداع الحواس من وجهة نظر رينيه ديكارت يعود إلى وجود الأخطاء الحسية التي يواجهها الإنسان أحياناً. وكان موضوع الأخطاء الحسية مسألة شغلت أذهان الشكاكين في العصور القديمة أيضاً.

ولكن كما سبق أن ذكرنا فإن الشك ليس بالمنزل الذي يمكن

(120)

للمفكر أن يتوقف فيه، بل يجب عليه البحث عن طريق للخلاص منه. وإن شك ديكارت بدوره شك مرحلي ومؤقت، وكما قال مفسرو فلفسة ديكارت: إنه شك منهجي وليس شكاً غائياً، بل هو شك معرفي[1]؛ وعليه فإن الشك هنا لا موضوعية له، بل هو مرحلة للعبور إلى اليقين وتمييز الحق من الباطل. في هذا النوع من الشك يجب تمييز الأمور اليقينية من الأمور الظنية، والأمور غير المشكوكة من الأمور المشكوكة. إن هذا النوع من الشك لا يتنافى مع الحصول على الحقيقة، وبذلك فإنه يختلف عن الشكية المطلقة التي نراها في آراء الشكاكين في العصور القديمة، والتي ترى أن الإنسان عاجز عن بلوغ الحقيقة.

ب ـ في فلسفة ديكارت بعد أن يتمّ تعميم الشك على جميع المعتقدات المقبولة، يطرح هذا التساؤل نفسه: «ما الذي أدّى إلى رسوخ هذه المعتقدات في ذهني، ومنحها صورة التفكير والاستدلال؟».

إن هذا السؤال يدفعنا إلى الالتفات إلى الإنسان وإدراكاته، وأن نبحث عن مسار رسوخ الفكرة في الذهن. يسعى رينيه ديكارت إلى تجزئة وتحليل الإنسان في مقام الفاعل المعرفي:

على الرغم من وجود جميع الشكوك بشأن المعتقدات اليقينية السابقة، لا يمكن الوقوف والإقامة على الشك، كما هو الأمر بالنسبة إلى الشكاكين في المرحلة القديمة وفي مرحلة العصور الوسطى،

(121)

بل لا يمكن الشك والترديد في هذا المفهوم القائل: «أنا أشك». فمن هذا الشك يمكن الوصول إلى هذه النتيجة، وهي أن الشك قد صار في حدّ ذاته أمراً ممكناً، ولكن من أيّ طريق؟ من طريق «التفكير»، ولكن يجب أن يكون هناك شيء لكي يفكر، وأن يحصل الشك من خلال التفكير. إن ذلك الشخص الذي يكون قوام التفكير رهن به هو «أنا» الإنسان الذي يفكر. وعليه فإن الذي يفكر ويشك هو «أنا». إذن فـ «أنا» قد «فكر في شيء» ويجب أن يكون له وجود حتماً. والنتيجة المترتبة على ذلك هي: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»[1].

لقد كان لعبارة ديكارت التي يقول فيها: «أنا أفكر، إذن أنا موجود» تأثير هام على الأبحاث الفلسفية. ففي الخطوة الأولى لفتت الأنظار إلى الإنسان، وتحليل الفهم والمعرفة الإنسانية، وليس هناك من شك في أن اهتمام فلسفات المرحلة الجديدة بالأبحاث المعرفية والتحقيقات المستمرة حول فهم الإنسان، يُشير إلى تحوّل في الأبحاث المعرفية والاهتمام الكامل بالإنسان في مقام المعرفة والفاعل المعرفي.

وثانياً: أحدثت استدارة هامة في التفكير الفلسفي؛ إذ عملت على تغيير المسار المعرفي العام، بمعنى الحركة من الواقعية والوجود نحو الذهن ومحتوياته؛ بحيث تمّت في فلسفته والأفكار المتأثرة به في تلك المرحلة الحديثة، الحركة من المفكر نحو الموجود. وهذا الانتقال من الذهن إلى الشيء يمثل تأكيداً آخر على الـ «الأنا المفكّر»[2].

(122)

وثالثاً: إن ديكارت في كتاب «تأمّلات» يستنتج من وجود الـ «أنا أفكر»، وجودات أخرى، من قبيل: وجود الله، ووجود العالم المادي، ووجود النفس والبدن. إن هذا النوع من التفكير إنما يكون مطلوباً من قبل الإنسانويين العلمانيين من جهة أنه على حدّ تعبير السيد حسين نصر:

«حيثما تمّ توجيه دائرة المعرفة، سوف تبقى جذورها متصلة بـ (أنا أفكر)، ويصبح الفاعل المعرفي محدوداً ومقيّداً بدائرة العقل الاستدلالي»[1].

ج ـ من خلال إثبات الـ «أنا» ذات الخصوصية المفكّرة، يكتسب عقل وفكر الإنسان مركزية ومحورية. إن هذا العقل يعمل بشكل مستقل، وله صبغة إنسانية وبشرية. ولربما يرد هنا هذا السؤال القائل: لقد كان هناك الكثير من الفلاسفة الذين سبقوا ديكارت، وكانوا بدورهم يعتبرون معطياتهم الفكرية ما هي إلا نتاج تأمّلاتهم العقلية. كما عمد بعض فلاسفة العصور الوسطى من أمثال توما الأكويني إلى إثبات مدعياته بطريقة عقلية؛ فما هو وجه اختلاف هذا العقل عن سائر العقول الأخرى؟

يجب القول في الجواب: إن العقل المنشود لرينيه ديكارت عقل مستدل وآلي وغير شهودي، وهو بقول واحد عقل إنسانيّ مجرّد من الخصائص الميتافيزيقية وما بعد الطبيعية أو الوحيانية. إن هذا العقل في حدّ ذاته يعمل بشكل مستقل، أي أنه يقوم بعملية الإدراك

(123)

والفهم، ويصل إلى النتائج، من دون أن يستند إلى العقل الفعال أو العقل الشهودي، أو أن يُعدّ جزءاً من العقل الكلي.

إن انفصال العقل عن المصدر الميتافيزيقي وما بعد الطبيعي أو المصدر الشهودي والوحياني والقدسي، يعدّ من الخصائص الإنسانوية لتفكير الفلاسفة العقلانيين بعد ديكارت. وفي العصر الجديد

«تخلو المعرفة من المحتوى المقدّس، بحيث أن كل شيء يمتلك حظاً من الواقعية، يمكنه الانفصال عن الأمر المقدّس الذي هو في نهاية المطاف من الواقعية التي لا تقبل الانفصال، أي حقيقة الحقائق التي هي الذات المقدّسة بالمعنى الدقيق للكلمة ... إن المعرفة والعلم ينفصل من الآن فصاعداً عن الأمر المقدس بشكل كامل، وحتى لو أخذ الأمر المقدّس بوصفه شيئاً له واقعية، يظهر مفهوم (العلم المقدّس) في هذه الرؤية على شكل مصطلح متناقض، وفي الواقع لا يزال يبدو متناقضاً أو عديم المعنى»[1].

وبالإضافة إلى انقطاع العقل عن المصدر الميتافيزيقي وما بعد الطبيعي، يتجلى تغيير في معنى العقل في مصطلحي «Intellect» و«Reason» أيضاً. إن لفظ «Intellect» مأخوذ من كلمة «Intellectus» اللاتينية بمعنى شهود الحقيقة والرسوخ في كنه الحقيقة. إن

(124)

الـ «Intellectus» يقتبس نوره من حقيقة أسمى، ويحظى بنوع من التقدّم والأولوية على العقل الجزئي المستدل لـ «Reason»؛ إن الـ «Reason» انعكاس عن «Intellect»، ومن دونه يكون ناقصاً. في التفكير الجديد ينفصل العقل من الحالة الشهودية، ويتقيد بالعقل الجزئي الاستدلالي «Reason». يتغلّب معنى الـ «Reason» على معنى التحقيق والاستدلال والبحث والفحص؛ وفي الواقع فإن العقل يكتسب في جميع مراحله محملاً «دنيوياً» وبشرياً محضاً[1].

د ـ إن من بين الخصائص الإنسانوية الأخرى لفلسفة ديكارت، والتي حظيت باهتمام الفلسفة الإنسانوية المعاصرة، استنتاج وجود الأمور الأخرى من وجود الـ «أنا أفكر»[2]. إن وجود الله، ووجود العالم المادي، وثنائية الجواهر المتناهية للنفس والبدن، تستنتج في فلسفة ديكارت ـ على ما تقدّم أن ذكرنا ـ من الـ «أنا أفكر». وقد تواصل هذا النهج على يد أسلاف ديكارت والمتأثرين به أيضاً. وفي فلسفة غوتفريد لايبنتس[3] من خلال ملاحظة الـ «الأنا الإنساني»، يتمّ الحصول على المفاهيم المنطقية، والأخلاقية، والميتافيزيقية، وما بعد الطبيعية، من قبيل: العلة والمعلول[4]. وقال إدموند هوسرل[5] في وصف هذا الأسلوب في فلسفة ديكارت:

(125)

«يبحث ديكارت عن طريق يقيني، ليتمكن بواسطته من العثور على الكينونة الخارجية العينية ضمن كينونته الداخلية المحضة ... إن هذه الاستنتاجات تتم كما ينبغي من خلال اتباع أصول حالّة في الإيغو [ego]، وتكون فطرية له»[1].

وقال في موضع آخر:

«نعلم أن ديكارت يحدّد جميع ذلك تحت عنوان (أنا أفكر). وبشكل عام فإن العالم بالنسبة لي ليس سوى ما كان في الـ (أنا أفكر) ويكون له وجود واعتبار في ذهني وإدراكي. إن العالم يكتسب كل معناه وجميع اعتباره الوجودي من هذا النوع من الوجدانيات فقط. وفيها جميع حياتي في العالم، وعليه فإن أبحاثي وتطوّرات حياتي العلمية تجري ضمن هذا الإطار أيضاً. وليس في مقدوري أن أعيش أو أن تكون لي تجربة أو تفكير أو قيمة أو نشاط في أيّ عالم آخر، سوى ذلك العالم الذي يكتسب معناه الوجودي في ذاتي ...»[2].

(126)

التصوّرات الفطرية وإثبات وجود الله

إن رينيه ديكارت في شكّه المنهجي يضع فكره أبداً في معرض الخطأ والخداع وتدخّل الشيطان المخادع، ليصل إلى قضية «أنا أفكّر، إذن أنا موجود»، حيث لا يمكن فيها تصوّر إمكان حدوث خداع آخر. إنه يقول: «لا يمكن لي أن أتعرّض إلى الخداع إلا إذا كنت موجوداً»[1]؛

وأما في مورد القضايا الأخرى، فلا بد لكي نحصل على اليقين بصدقها ـ أي بمعنى إدراكها بشكل واضح وممتاز وعدم التعرّض للخداع ـ من إثبات وجود إله غير مخادع. إن إثبات وجود الله في تفكير ديكارت يتحقق من دون الرجوع إلى العالم الخارجي، وإنما من داخله. هناك في ذهني المفكر تصوّرات بعضها فطري، وبعضها عارضي، وبعضها من اختراعي:

«على الرغم من أن جميع التصورات ذهنية بالنسبة لي، إلا أنها تختلف فيما بينها من حيث المحتوى الذاتي لها؛ لأن بعضها يحتوي على المزيد من الواقعية الذهنية، أي أن لها نصيباً أكبر في الحكاية عن مراتب الوجود أو الكمال بالمقارنة إلى المفاهيم التي تكتفي بالحكاية عن الحالات والأعراض. وكذلك المفهوم الذي يحكي عن الله تعالى ... فهي تشتمل قطعاً علم واقعية ذهنية أكبر بالقياس إلى المفاهيم التي تحكي عن الجواهر المتناهية»[2].

(127)

إن هذه التصوّرات بأجمعها معلولة، و

«من الواضح ـ بواسطة هذا النور الفطري ـ أن العلة الفاعلية والعلة التامّة يجب أن تكون في الحدّ الأدنى مشتملة على الواقعية بمقدار معلولها ... فالشيء الأكمل، يعني المشتمل على واقعية أكبر، فلا يمكن أن يكون معلولاً لشيء أقل كمالاً»[1].

بيد أن تصوري عن هذا الموجود أو الجوهر المشتمل على الصفات الكاملة، لا يمكن أن يكون منبثقاً من داخله، ولا يمكن أن يكون من صنع ذهني؛ لعلمي وإدراكي بأني كائن ناقص ومحدود ومتناه، وبذلك لا يمكنني إيجاد تصوّر موجود كامل في ذاتي. وقد استنتج ديكارت أن تصوّر مثل هذا الموجود المشتمل على الكمال المطلق يجب أن يكون مودعاً في صقع وجودي من قبله[2]. يذهب ديكارت في كتاب «تأملات في الفلسفة الأولى» و«أصول الفلسفة» إلى القول بأن تصور الله أمر «فطري»[3]، ومراده من التصوّر الفطري، هو التصوّر الذي يقع في قبال التصوّرات التي تنشأ من إدراكنا الحسي أو تصوّراتنا الذهنية. إن هذا التصوّر فطري مثل تصوّري لذاتي، وإن الله قد دمغه وطبعه في وجودي مثل ختم وميسم الصانع[4].

(128)

وهنا يطرح هذا السؤال نفسه، وهو أن هذا الإله المفهومي الذي يراه رينيه ديكارت، هل له ما يطابقه في الخارج؟ يبدو أن عملية التفكير وحدها لا يمكنها إثبات أن الأشياء التي نفكر فيها، موجودة على نحو القطع واليقين. إن هذه الفكرة إنما تصحّ إذا اعتبرنا أن مبنى صحّة القضية يكمن في تطابقها مع العين الخارجية، في حين أن ديكارت يرى أن الإدراك الفردي والصراحة والتميّز هو الملاك في صدق وحقيقة القضايا؛ ومن هنا فإن جميع الحقائق، بما في ذلك المفاهيم الإلهية إنما يتمّ تصوّرها في دائرة ذهن المفكر، ويصدق الملاك. وعلى حدّ تعبير جيلسون

«لقد كانت المفاهيم الإلهية للقديس أوغسطين تسطع في قمّة الذهن، في حين أن ديكارت يراها كامنة في ذهن الموجود»[1].

«إذا وجب عليّ الوصول إلى اليقين بأني لم أتعرّض للخداع فيما يتعلق بقبول صدق القضايا التي أدركها بشكل واضح ومتميّز جداً، وجب أن أثبت وجود إله غير مخادع. وبالإضافة إلى ذلك يجب أن أثبت وجود الله دون الرجوع إلى العالم الخارجي»[2].

إن رينيه ديكارت في البرهان الثاني لا يعمل على إثبات الله بوصفه علة لتصور الكمال فحسب، بل وبوصفه علّة لي أنا ـ أي: الكائن الواجد لهذا التصوّر ـ أيضاً:

(129)

«إني أمتلك فكرة وتصوّراً بشأن الموجود الذي هو أكمل مني؛ لأن الأكمل لا يمكن أن يكون قائماً ومستنداً إلى الأقل كمالاً. إن هذه الفكرة لا يمكن أن تكون ناشئة من عندي. إذن يجب أن يكون هناك موجود كامل (الله) وأن تكون هذه الفكرة قد وصلتني من عنده. والدليل الآخر هو: إن لدي تصوّر ورؤية لموجود كامل. إن الوجود أكمل من عدم الوجود، إذن هناك وجود للموجود الأكمل. إن الله مورد للتوحيد الذي تكون الذات والماهية فيه مستلزمة للوجود»[1].

يسعى رينيه ديكارت في رؤيته إلى تأسيس لاهوت عقلاني تابع لوعي وإدراك الفرد الذي يستطيع أن يثبت في مقامه دون التبعية إلى الوحي والأحكام الكنسية. وهذا الأمر يمثل واحداً من النتائج التي ترحّب بها الفلسفات الإنسانوية العلمانية كثيراً؛ وذلك لأنها تؤدّي إلى التفكيك بين مسألتين، وهما: الديانة والألوهية (عبادة الله المعتبرة في الأديان)؛ ومن هنا فإن ديكارت في الوقت الذي يذكر البراهين الوجودية على إثبات وجود الله، يعمل على إخراج أحكام الكنيسة عن حقل المعرفة العقلية[2].

يسعى لايبنتس ـ في بيان آرائه حول المفاهيم الفطرية ـ بشأن

(130)

تصور الله ـ على غرار رينيه ديكارت ـ إلى استنتاج تصور الله من داخل ذاته؛ بمعنى أن الفاعل المدرك الذاتي للمعرفة يستطيع أن يصنع في داخله تصوراً عن الله والمفاهيم الميتافيزيقية الأخرى دون الرجوع إلى عالم الخارج:

«إن ملاحظتي «أنا» هي التي تعمل على إعداد وتوفير مفاهيم ما بعد الطبيعة الأخرى، من قبيل: العلة، والمعلول، والتشابه وما إلى ذلك، وحتى مفاهيم المنطق والأخلاق أيضاً. إن الحقائق الأولية الواقعة، والحقائق الأولية للعقل موجودة، وإن قضية «أنا موجود» قضية أولية واقعة وحقيقة بلا واسطة ...»[1].

إن فلسفة لايبنتس وكذلك لاهوته الطبيعي الذي أسس له في نظريته المعروفة بـ «النظام الأحسن»، خلق أرضية أخرى للإتجاه الإنسوي. إن العالم ـ طبقاً للنظام الأحسن الذي أسس له لايبنتس ـ آلة تعمل بنظم دقيق تماماً شبيه بنظم الساعة، ويعمل في ضوء القوانين الميكانيكية (بتأثير من فيزياء ديكارت) والطبيعية، وتستمرّ موجوديته. إن هذا العالم المنظم هو أفضل عالم ممكن، وكل ما فيه هو «الأفضل». إذن يجب أن يوفر أنسب موقعية للحياة الجيّدة؛ وذلك لأن أصول الحياة الجيّدة متوفرة في هذا العالم؛ ولكن على الإنسان أن يأخذ مسؤولية الحياة على عاتقه، وأن يسعى إلى رفع النواقص في حياته. إن الإنسان يحدد منافع وأضرار حياته بنفسه، ويسعى إلى تحسين حياته.

(131)

إثبات الجواهر المادية (الأجسام)

بعد إثبات الأنا المفكرة، وإثبات التصوّرات الفطرية ووجود الله، يمكن التوصّل إلى وجود الأجسام أيضاً؛ إذ في القضية القائلة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، إنما يتمّ إثبات الـ «أنا» بوصفه موجوداً مفكراً فقط، ولكن إلى جانب ذلك يكون لـ «أنا» تصور واضح ومتميّز عن الجسم وهو الشيء الذي له امتداد ويكون عارياً عن التفكير. وعليه فإن هذه الـ «أنا» ـ أي: نفسي التي أكون بها «ما أنا عليه» ـ متميّزة ومنفصلة بالكامل عن جسمي، ويمكنها أن تكون موجودة من دون وجود الجسم[1]؛ وعلى هذا الأساس فإن الجسم الأول الذي تمّ إثباته هو الجسم الذي يُسمّيه رينيه ديكارت بالجوهر الجسماني. والخصوصية الأصلية لهذا الجوهر، هي الامتداد.

وعلى هذا الأساس يتمّ إثبات نوعين من الجوهر الأساسي، أحدهما له خصوصية مادية (تابع للجسم)، والآخر له خصوصية روحانية (تابع للذهن). وبطبيعة الحال يكون التقدم للجوهر الروحاني؛ وذلك لأن كل شيء في التفكير الديكارتي يبدأ من الـ «أنا أفكر».

في الفلسفات العقلية اللاحقة لديكارت على الرغم من مواصلة السير على طريقة ديكارت في  اتخاذ منهج الشك والرجوع إلى الـ «أنا أفكر»، تستمر الخصائص العقلية والإنسانوية كما هي. إن التأكيد على عنصر العقل الإنساني بوصفه المصدر  الوحيد

(132)

للمعرفة، والتوصل إلى سلسلة من المبادئ والأصول البديهية من قبيل: الـ «أنا» الديكارتي، ومن بعد ذلك استنتاج الأمور الأخرى بأسلوب رياضي من الأصول البديهية، يمثل صفة مشتركة بين جميع الفلسفات العقلية. من ذلك على سبيل المثال أن خصائص الـ «أنا أفكر» في فلسفة لايبنتس تتجلى في قالب الجوهر الفرد (Monad). إن النموذج الأصلي لـ (Monad) بالنسبة إلى لايبنتس النفس الفردية؛ أي: ذلك الشيء الذي كان ديكارت يطلق عليه مصطلح «الجوهر المفكر».

 الـ «أنا الإنساني»؛ معيار الصدق والحقيقة

من خلال إثبات أن الـ «أنا أفكر» حقيقة لا يمكن الشك فيها، يمكن التوصل إلى معيار الصدق والحقيقة. يقول رينيه ديكارت في هذا الشأن:

«حيث عثرت الآن على قضية اتضح لي صدقها على نحو القطع واليقين، فقد رأيت أن تنكشف لي ماهية هذا اليقين أيضاً»[1].

 يذهب رينيه ديكارت إلى الاعتقاد بأن خصوصية هذا اليقين تكمن في «الوضوح» و«التميّز». ثم يحصل من ذلك على نتيجة كلية، وهي أن  «بمقدوري من الآن أن أعتبر هذه قاعدة كلية، وهي

(133)

أن كل ما أدركه بوضوح وتميّز كامل، يكون حقيقة بشكل كامل»[1].

يرى ديكارت أن الوصول إلى هذا النوع من الوضوح والتميّز إنما هو ثمرة عملين ونشاطين أساسيين لذهن الإنسان، ونعني بهما: «الشهود»[2]، و«الاستنتاج»[3]؛ حيث يكون الشهود في البين هو الأهم:

«إن الشهود عبارة عن مفهوم غير مشكوك، يتعلق بالذهن الواضح والنافذ، والذي لا ينبثق إلا من نور العقل»[4].

إن هذه المعرفة حيث تكون بسيطة تكون أكثر يقينية من ذات الاستنتاج، ولكن حيث يخطئ الذهن أحياناً في إعمال الشهود والاستنتاج، نحتاج إلى أسلوب يعمل على توجيه هذين النشاطين الذهنيين بشكل صحيح. إن هذا الأسلوب الموسوم بالأسلوب الديكارتي عبارة عن قواعد لتطبيق الشهود والاستنتاج بشكل صحيح، وقد عرّف هذين النشاطين الذهنيين في القاعدة الخامسة من قواعد هداية الذهن بأسلوب نظم وترتيب الأشياء، وهي الأشياء التي يتعيّن على ذهننا أن يلتفت إليها من أجل الكشف عن الحقيقة. كما أطلق ديكارت على هذا الأسلوب

(134)

عنوان أسلوب التجزئة (التحليل) والتركيب (التأليف) أيضاً[1].

الأفكار الإنسانوية للفلاسفة التجريبيين (جان لوك وديفد هيوم)

نشاهد بعض عناصر الإنسانوية في أفكار الفلاسفة التجريبيين في الغرب. إن الإنسانوية المنبثقة عن الفلسفات التجريبية أقرب بكثير إلى الآراء الإنسانوية العلمانية المعاصرة بالقياس إلى المدارس الفلسفية عليها. وفي الواقع فإن الإنسانويين العلمانيين قد تأثروا بآراء الإنسانويين التجريبيين بشكل أكبر. ومن بين الفلاسفة التجريبيين، تبرز آراء جون لوك (1632 ـ 1704 م، وجورج باركلي (1685 ـ 1753 م)[2]، وديفد هيوم (1711 ـ 1779 م). ومن بين أهم خصائص الإنسانوية التجريبية يمكن الإشارة إلى الموارد الآتية:

أ ـ مناهضة النزعة التقليدية ونفي حجية الآراء المقبولة: يتمّ السعي في هذا النوع من الإنسانوية، من قبيل: الإنسانوية الشكية والعقلية مع ردّ جميع آراء المتقدمين التي كانت مقبولة بوصفها من الأصول المسلّمة، إلى نفي وإبطال حجيتها. يرى الإنسويون التجريبيون أن شهادة الآخرين أو شهادة وثائق ومدارك الآخرين، والقوانين والفرضيات المبوّبة والاستناد بأسلوب الاستقراء، إنما تحصل على حجيتها من التجارب التي تضمنها أو تعمل على

(135)

توجيهها[1]. وفي الواقع فإن جميع هذه التجارب إنما تستخرج من تجربة الـ «أنا الإنسانية». وفي إطار رفض الآراء المقبولة، فإن الإنسانوية التجريبية تختلف عن آراء الإنسانوية العقلية إلى حدّ كبير؛ وذلك إذ في تفكير العقليين ـ من وجهة نظر التجريبيين ـ لا يتمّ الالتفات إلى الأبعاد التجريبية للأمور وتجارب الأنا الإنسانية. ومن هنا يتم نبذ ونفي آراء من قبيل القول بالتصوّرات الفطرية عند ديكارت، والحقائق الأولى للعقل عند لايبنيتس، والنزعة الذاتية[2] المقبولة من قبل العقلانيين، من وجهة نظر الإنسانويين التجريبيين بشدّة[3].

ب ـ الإنسان المركزي: إن العالم ـ من وجهة نظر الإنسانويين التجريبيين ـ يجب أن يكون متطابقاً مع مطالب وأهداف وتطلعات الإنسان، وإذا اقتضت الضرورة يجب تغيير العالم. ولتغيير العالم يجب التعرّف عليه أولاً، ولكن هل يمكن للإنسان أن يتعرّف على العالم، وإذا كان يمكنه التعرّف على العالم، فما هي وسيلته إلى ذلك؟

يذهب ديفد هيوم بصراحة وتأكيد كبيرين إلى الاعتقاد بضرورة التأسيس العلمي بشأن الإنسان وتنميته، ويقول في هذا الشأن:

 «حيث أن جميع العلوم، الأعم من المنطق، والأخلاق، والسياسة .. لها صلة بطبيعة الإنسان، فإن

(136)

جميع هذه العلوم هي من معارف الإنسان، والإنسان هو الذي يحكم أين يكمن الصواب والخطأ في هذه المعارف»[1].

وبذلك تصبح طبيعة الإنسان ـ على حدّ تعبير ديفد هيوم ـ معقل أو مركز العلوم.

كما يذهب جون لوك في مستهل كتابه (بحث في فهم الإنسان)، إلى تعريف الإنسان بأنه كائن أسمى ومسلط على الكائنات الأخرى، ومن هنا فإنه يرى أن البحث والتحقيق بشأن الإنسان ولا سيّما فهم الإنسان ـ الذي هو من أهم عناصر تفوّقه ـ أمر جوهري. وقد بيّن جون لوك أن هدفه العام يكمن في التدقيق في أصل ومنشأ المعرفة الإنسانية وحدود العلم الإنساني مقروناً بالبحث حول مباني ودرجات الاعتقاد والظن والتصديق[2].

التجربة بوصفها أسلوباً

إن الأسلوب والمنهج المناسب للتأسيس العلمي حول الإنسان، هو الأسلوب المخبري، وهو بدوره يشمل أسلوبي المشاهد[3] والتجربة[4]. تذهب الإنسانوية التجريبية إلى القول بأن التجربة هي أهم عنصر في معرفة الإنسان، إذا لم تكن هي العنصر الوحيد

(137)

والحصري في هذا الشأن. ومن الناحية التاريخية لا شك في أن اتخاذ التجربة والمشاهدة بوصفها أساساً، كان بتأثير تقدّم العلوم، ولا سيّما منها العلوم الطبيعية بعد مرحلة عصر النهضة؛ كما كان الرجوع إلى العقل والأساليب الاستنتاجية بين العقلانيين بتأثير من التأملات شبه الرياضية في مرحلة عصر النهضة. إن إشاعة الأسلوب التجريبي في العلوم أدى إلى تقوية هذه النظرية، وهي أن جميع المعارف الإنسانية إنما يقوم على أساس الإدراك والتعاطي المباشر مع الأحداث والوقائع الخارجية، وهذا لا يتحقق إلا بواسطة التجربة والإدراك الحسّي[1] للإنسان.

كما يتضح التأكيد على دور التجربة في معنى مفردة (Experience) أيضاً. إن كلمة (Experience) في اللغة الإنجليزية تعني في الأصل: الرسم والعادة والتقليد، ولكنها منذ المرحلة الجديدة، أي منذ أن بدأ العلماء يخوضون التجارب والاختبارات في دراسة الأمور، تغيّر معنى هذه المفردة إلى المشاهدة العينية والأحداث والوقائع الخارجية. وقد تحدث جان وال[2] بشأن هذا التغيير الذي حصل لمعنى هذه الكلمة:

«نشاهد في تغيّر معنى هذا المصطلح، نوعاً من المسار الجدلي، بمعنى أن ما كان في بداية الأمر بمعنى الرسم والعادة، تحول لاحقاً ليغدو محرراً للإنسان من

(138)

قيود العادات والرسوم والتقاليد البالية»[1].

يذهب جان وال إلى الاعتقاد قائلاً:

في هذا النوع من تغيّر المعنى في مفردة (Experience) تمّ لحاظ الإنسان بنحو من الأنحاء أيضاً؛ بمعنى

«أن الإنسان في سياق المشاهدة والاختبار ينظر  ويلاحظ، ويعمل من خلال إبداعه على إثارة ما يريد النظر إليه وملاحظته»[2].

حذف العناصر غير التجريبية من مقولة المعرفة

إن الإنسانوية التجريبية ضمن تأكيدها على دور التجربة في معرفة الإنسان، تنفي كل معرفة تكمن وراء تجربة الإنسان؛ إذ أن الإنسانويين يرون أن كل شيء يقع خارج دائرة التجربة، فإنه يقع وراء فهم الإنسان أيضاً، وأن السعي إلى فهم هذا النوع من الأمور الغيبية والماورائية لا يكون منتجاً. وعلى هذا الأساس يتمّ التشكيك في الكثير من المدعيات المقبولة من قبل أصحاب النزعة العقلية. ومن بين أهم هذه المدعيات، يمكن لنا الإشارة إلى الموارد الآتية:

أ ـ رفض نظرية التصوّرات الفطرية: يلجأ العقلانيون في إيضاح وبيان مسألة المعرفة ـ دون تدخل عنصر الحواس الإنسانية ـ إلى 

(139)

نظرية التصوّر الفطري (عند ديكارت)، والحقائق الأولى للعقل (عند لايبنيتس). لقد أودع الله هذه التصوّرات الفطرية في روح الإنسان منذ ولادته. إن هذا النوع من التصوّرات حقائق عقلانية وسابقة حيث تكون متقدّمة على كل تجربة بشرية. يرى رينيه ديكارت أن كل تصوّر واضح ومتميّز هو تصوّر فطري. إن هذا النوع من التصوّرات لم يحصل بالتجربة الحسية، فالتجربة الحسية إنما تستطيع أن تكون علة معدّة لظهور وبروز التصوّرات الفطرية. إن المراد من العلّة المعدّة أنه في الموارد التي يحكم فيها الإنسان بشيء، تصبح التجربة أرضية يعمل الذهن من خلالها بواسطة قواه الفطرية على بلورة التصوّرات في الذهن؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الحكم بأن «التصوّر الحاضر حالياً في ذهننا، يجب أن يدلّ على شيء خاص في الخارج»، لا من جهة أن هذه الأشياء الخارجية تنقل ذات التصوّرات إلى الذهن من طريق الأعضاء الحسيّة، بل من جهة، أنها نقلت شيئاً وفّر للذهن فرصة مناسبة ليتمكن بواسطة قوته الفطرية أن يبلور هذه التصورات في ذهنه في وقت خاص[1].

إن هذا النوع من التصوّرات الفطرية لا وجود له من وجهة نظر الإنسانوية التجريبية، وإن الإنسان في المسار المعرفي يقوم بعملية الاكتشاف والمعرفة من خلال توظيف قواه الطبيعية فقط، والوصول إلى اليقين دون حاجة إلى هذا النوع من التصوّرات. إنهم يرون أن الذي أدّى بالعقلانيين إلى القول بنظرية «التصوّرات الفطرية»، هو اتفاق أو تصديق جميع الناس باعتبار بعض الأصول 

(140)

والمبادئ النظرية والعملية. وقد فُهم من هذا الاتفاق أن هذا النوع من المفاهيم فطري، أو أنه طبع في الروح الإنسانية. يُشير جون لوك إلى قضايا، قال لايبنيتس إنها من حقائق العقل التي يُعدّ صدقها ضرورياً؛ من ذلك مثلاً أن قضايا من قبيل: «إن كل شيء هو ما هو» أو «إن ألف هو ألف»، تُعدّ من وجهة نظر لايبنيتس ضرورية، ونقيضها ممتنع أيضاً. وبعبارة أخرى: لا يمكن إنكار صدقها دون تناقض[1]. يرى جون لوك أن الإجماع على الفطرية لا يُثبت شيئاً؛ إذ يمكن بيان الإجماع على أساس أمر آخر (وهو التجربة). كما يمكن القول بأنه لا يمكن الحصول على إجماع بصدق أيّ مبدأ وأصل. إن الأطفال، والمجانين والأميين والبدويين والقبائل المتوحّشة لا يمتلكون أي معرفة عن مبدأ من قبيل: «ما هو موجود موجود» أو «لا يمكن لشيء أن يكون موجوداً ومعدوماً في وقت واحد»[2]. إن هذا النوع من المبادئ لا يوجد حتى في مجال الأخلاق: «أين هي تلك القاعدة العقلانية التي يصدّق بها الجميع؟». لو كانت المبادئ الأخلاقية فطرية حقاً، لوجب أن لا نعثر على كل هذا الاختلاف حولها في المجتمعات المختلفة وفي العصور المتفاوتة، في حين أن هذا الاختلاف موجود[3].

يرى جون لوك أن بعض القضايا بسبب بداهتها ووضوحها  

(141)

تحضر في الذهن دون أدنى تأمّل، إلا أن هذا أيضاً لا يعود سببه إلى فطريتها؛ لأن الناس قد تعرّفوا منذ البداية على الكثير من الحقائق البديهية، ولكنهم لو دققوا النظر لوجدوا أن هذه المعرفة بدورها كانت اكتسابية، وأنهم لم يكونوا يعرفونها من أول الأمر، وبطبيعة الحال فإنهم لن يشكوا بها من الآن فصاعداً، ولكن لا بسبب فطريتها، بل بسبب «ملاحظة طبيعة الأشياء، وقابلية الأمور للتجربة»[1].

ب ـ الخصوصية الأخرى للإنسانوية التجريبية، تكمن في استخراج جميع محتويات الذهن من التجربة الإنسانية. يرى جون لوك أن التجربة تبرز وتظهر على شكلين، وهما: الإحساس (الإدراك الحسّي)[2]، والتأمّل (إعادة التفكير)[3]. والمورد الثاني يُطلق عليه جون لوك تسمية «الحسّ الداخلي» أيضاً؛ ولكنه يقول إنه يدعوه فكراً من أجل تمييزه من المورد الأول[4]؛ وذلك لأن التصوّرات التي تحصل من طريق التأمّل، بحيث يكتسبها الذهن بواسطة التفكير في عملياته الباطنية. إن الأشياء الخارجية المادية، هي موضوع  

(142)

الإحساس، والعمليات النفسانية في داخل الإنسان هو موضوع التفكير. إن الأشياء الخارجية المادية والعمليات النفسانية إنما هي مجرّد مصادر تنشأ منها تصوراتنا. إن طريقة تبلور هذه التصورات تكون على هذه الشاكلة، وهي أن الذهن بمرور الزمن يطالع ويدرس بعض التصوّرات التي يتمّ اكتسابها من طريق الإحساس، وتختزن في ذاتها تصوّرات جديدة، تسمّى بـ «الفكر». إن جميع المعلومات التي يحصل عليها الإنسان في هذا العالم بشكل طبيعي، إنما تقوم على هذه الركيزة. يذهب جون لوك إلى الاعتقاد بأن الإنسان في تنظيراته لا يستطيع الذهاب إلى أبعد من التصوّرات التي حصل عليها من طريق الأحساس أو الفكر[1].

إن التأملات اللاحقة لجون لوك تختص بتحليل هذه التصوّرات وتركيبها. إن التصورات تنقسم إلى قسمين، وهما: تصورات بسيطة ومركّبة، والتصوّرات المركبة تنقسم بدورها إلى حالات وجواهر ونسب.

إن هذه الرؤية التجريبية تكتسب ـ من وجهة نظر ديفد هيوم ـ شدّة أكبر. وعلى غرار جون لوك يذهب ديفد هيوم إلى حصر المصادر المعرفية للإنسان بالتجربة؛ بيد أنه لتجنّب أيّ نوع من شوائب العقلانية ـ كما يبدو من بعض آراء جون لوك ـ يعمد إلى تقسيم المدركات الذهنية إلى انطباعات[2] وتصوّرات[3]. إن الانطباعات  

(143)

تؤلف أسس وركائز إدراك الإنسان. كان جون لوك يأخذ بنظر الاعتبار نوعين من التجربة، وهما الإحساس والفكر، ويعمد إلى توضيح تبلور الإدراك لدى الإنسان على أساسها، وأما ديفد هيوم فيرى أن الإدراك هو ثمرة ونتيجة الانطباعات، وهي الانطباعات التي تعتبر من المعطيات المباشرة للتجربة. إن التصوّرات إنما هي مجرد نسخة أو صورة ذهنية ضعيفة للانطباعات أثناء التفكير. وبالتالي فإن جميع معارف الإنسان تقوم على أساس الانطباعات الحسية[1].

حتى هذه المرحلة تتفق رؤية كل من جون لوك وديفد هيوم في القول بانحصار مصدر المعرفة بالتجربة تقريباً؛ بيد أن الرؤية التجريبية في رؤية ديفد هيوم تذهب إلى أقصى مدياتها بحيث يخفض جميع معرفة الإنسان عن العالم إلى المعرفة من وجهة نظر الـ «أنا الإنسانية». وبعبارة أخرى: إن النزعة التجريبية تتخذ صورة فردانية إلى حدّ كبير. توضيح ذلك أنه حيث يجب بيان محتوى كل فكر في التحليل النهائي بحسب التجارب التي تعمل على تفسيرها، ولا يمكن اعتبار أي معتقد صادقاً إلا من خلال إحالته إلى «الانطباعات الحسية»، يمكن أن نستنتج عدم وجود أيّ تفسير عقلاني لهذا الاعتقاد، كي نقول إن الأشياء خارج وجودنا ليس لها وجود مستمر ومستقل. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن القول: إن الانطباعات حالات ذهنية داخلنا، ولذلك فإنها لا تشكّل أيّ ركيزة أو دليل على وجود الواقعية الخارجية. وبعبارة أخرى:

(144)

«إن ذهنية جميع مدركاتنا بالإضافة إلى عدم معقولية التصوّرات المجهولة حيث لا يكون هناك وجود للانطباعات المتناظرة معها (على سبيل المثال: المادة، والعلة، والنفس)، تؤدّي بنا إلى الشك في العالم الخارجي»[1].

إن ديفد هيوم من خلال إقامته جميع المدركات على هذا النوع من «النزعة الذهنية»، يصل بالتدريج إلى الشك في جميع الأمور، وفي أكثر الحالات تفاؤلاً إلى إمكانها[2]. وبالتالي يتعيّن عليّ أن أتحدث عن جميع تجارب الأشياء المحيطة بي على النحو الآتي: «إنه يكون حيث يبدو، ويبدو حيث يكون».

وفي الحقيقة فإن «التراءي» يمثل كل ما هو موجود. يرى روجر سكروتن[3] أن ديفد هيوم من خلال طرح هذه الرؤية، لم يعد مهتماً بكيفية التعرّف على الأشياء؛ لأن جميع المدعيات المرتبطة بالعينية تتحوّل إلى أمور جزافية ووهمية. عندما أدّعي معرفة الأشياء المستقلة عن إدراكي، أعني بذلك أن المدركات المشار إليها تعبّر عن نوع من الثبات والتماهي الذي يُظهر تصوراً وهمياً للاستقلال عن الذهن[4].

ج ـ نقض قانون العلية: يذهب ديفد هيوم في نظريته الإنسانوية  

(145)

التجريبية إلى الاعتقاد بأن قانون العلية بدوره يتعرّض للنقض أيضاً. توضيح ذلك أن قانون العلية يتمّ تصويره ـ من وجهة نظر جون لوك ـ على شكل نسبة بين التصوّرات البسيطة أو المركّبة. إن هذه التصوّرات من جهة هي من صنع الذهن، ولكنها تمتلك نسيجاً واقعياً، وهو القدرة والقوّة الموجودة في الجواهر، وبواسطتها تؤثر على الجواهر الأخرى، وتحدث التصوّرات في ذهن الإنسان. وعلى الرغم من سعي جون لوك إلى تقديم بيان تجريبي لأصل العلية، إلا أنه لا ينكر أصل العلية. وأما ديفد هيوم فإنه يُنكر اعتبار أصل العلية، ويخفض الضرورة العلية إلى حدود العادات الذهنية. يرى ديفد هيوم أننا عندما نشير إلى الضرورة العليّة، إنما يتاح لنا مجرّد الحديث عن التوالي المنظم بين التجارب المقرونة بالإحساس الذهني الحاصل من هذا التوالي، حيث ينتج الضرورة العلية؛ بيد أن الذي نعرفه في الطبيعة باسم قانون العلة والمعلول، إنما هو وليد عاداتنا الذهنية. نحن نتصوّر على الدوام حيث ندرك حدثين على نحو متوال، وندرك أحدهما بعد الآخر مباشرة، فإن هذا يدعونا إلى الاعتقاد بأن الحدث الأول يجب أن يكون علة للحدث الثاني، في حين أن الأمر ليس كذلك. إن مفهوم الضرورة بدوره هو ذات التداعي في مدركاتنا، حيث ننتقل من أمر (العلة) إلى أمر مقترن به (المعلول) أو بالعكس، وهو بدوره قد ترسّخ في النفس بفعل العادة والتجربة. وعلى هذا الشكل لا يوجد أيّ مبنى للاعتقاد بوجود الضرورات في الطبيعة. إن الضرورة إنما تتعلق بالفكر، وتعمل على مجرّد بيان «الروابط والعلاقات بين التصوّرات والأفكار». وعلى حد

(146)

تعبير ديفد هيوم: «إن ضرورة الأمور الطبيعية، ليست سوى ضرورة أفكارنا حيث تنعكس على الأشياء»[1].

إن إنكار قانون العلية يؤدّي في نهاية المطاف إلى شكيّة ديفد هيوم، بحيث يشكك بنحو من الأنحاء حتى في واقعية الأمور المادية في خارج تفكيرنا؛ وذلك لأن كل ما يقوله المفكرون بشأن أمور الواقع[2]، إنما يقوم على أصل العلة والمعلول؛ فإذا لم يكن لهذا الأصل من ركيزة متينة، سوف تكون جميع العلوم الطبيعية غير قابلة للتفسير. إن القوانين التي تحكم الطبيعة أو تلك المعارف العلية تقوم على أساس هذه الفرضية وعلى تجربتنا، حيث ترتبط الأحداث الماضية بشكل «وثيق وثابت»[3] بالأحداث الواقعية من هذا النوع والتي سوف تحدث في المستقبل. وبعبارة أخرى: إن المستقبل سوف يكون شبيهاً بالماضي، ولكن كيف يمكن لنا إثبات هذا الأمر؟ فبالنظر إلى وجود التغيّر المستمر في الطبيعة، ما هو الضامن لهذا الكلام والقول بأن المستقبل سوف يكون شبيهاً بالماضي؟ إن النتيجة التي يصل إليها ديفد هيوم في هذا الشأن كارثية؛ إذ لا يوجد فيها أيّ طريق لإثبات أن القضايا العلية موجّهة وقابلة للتفسير. ولكن لماذا ينتقل ذهننا من الوقائع والتجارب الماضية إلى الوقائع اللاحقة، ويتم الحكم بشأن المستقبل على هذا الأساس؟ يذهب ديفد هيوم إلى الاعتقاد بأننا كائنات تمتلك عادات  

(147)

غير عقلانية[1]، ونعمل في ضوء العُرف[2] أو العادة[3] على الانتقال من التجربة الماضية إلى اللاحقة في المستقبل. إن جميع القوانين العلية في العلوم والمعارف العلية التي نعمل على توظيفها وتطبيقها في حياتنا اليومية، إنما هي حصيلة هذه «العادات» الذهنية لنا[4]. وخارج هذه العادات الذهنية لا يمكن القول بوجود عالم الخارج بشكل قاطع. ليس هناك أيّ تفسير معقول للقوانين العلية الموجودة في العلوم التجريبية، وبراهين العلة والمعلول، والحياة اليومية أبداً. إن شك ديفد هيوم يسري حتى إلى وجود النفس ووجود الله أيضاً؛ لأن إثبات جميع هذه الأمور إنما يقوم على أساس قانون العلية.

د ـ بعد حصر المصدر المعرفي للإنسان في التجربة، أو بعبارة أخرى: خفض دور الفاعل المعرفي في «تجربة الأنا الإنسانية»، يتغيّر متعلق المعرفة بما يتناسب مع هذه «الأنا التجريبية». لو أن الإحساس يؤدّي إلى الإدراك الحسي (عند جون لوك) أو الانطباع (عند ديفد هيوم) في ذهن الفاعل المعرفي، فإن العين الخارجية بدورها تتبلور على شكل شيء محسوس ـ بالذوق أو اللمس أو البصر أو السمع أو الشم ـ وإن العلم الذي يبيّن العلاقة بين الحساس والمحسوس، يصبح مقولة تجربية وحسية بالكامل. وبعبارة أخرى: إذا كانت التجربة هي المصدر الوحيد للإنسان، وكان الفاعل المعرفي لا يستطيع الارتباط والتواصل مع الأشياء  

(148)

إلا من طريق الإدراك الحسي، فإن الشيء الخارجي لا يُظهر نفسه للفاعل المعرفي إلا من طريق تجلياته وظهوراته المحسوسة.

إن هذه الرؤية تشكل أرضية لإنكار نظرية الجوهر؛ وهي المسألة التي تحظى اليوم بالكثير من المؤيّدين بين الإنسانويين الملحدين والعلمانيين[1]. يرى التجريبيون وجوب التخلي عن التصوّر الانتزاعي للجوهر؛ وذلك لأن الجوهر ليس أمراً محسوساً، وليس لدى الفرد سوى تصوّر انتزاعي عنه. ظاهر هذا الكلام هو أن الجوهر يجب اعتباره بوصفه أمراً لا يمكن التعرّف عليه من قبل الذهن، وليس لدى الذهن سوى تصوّر عنه. إن إنكار نظرية الجوهر في تفكير باركلي إلى حدّ ما، وبشكل صريح في تفكير ديفد هيوم. لا يرى جورج باركلي حاجة إلى تصوّر الجوهر المادي؛ ولكنه في الوقت نفسه لا يُنكر الجوهر الروحي (النفس). بينما يُنكر ديفد هيوم تصوّر كل جوهر؛ لأن تصوّر الجوهر لا ينشأ من أيّ انطباع:

«إن تصوّر الجوهر ليس شيئاً سوى مجموعة من التصوّرات البسيطة التي عمدت قوّة الخيال إلى التوحيد بينها، وخلعت عليها اسماً خاصاً، حيث نستطيع بمساعدتها إعداد مجموعة لأنفسنا أو للآخرين»[2].

(149)
(150)

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

الإنسانويّة في عصر التنوير

(151)
(152)

إن القرن الثامن عشر للميلاد، قد عُرف في التاريخ الأوروبي بقرن التنوير وعصر العقل. وقد كانت فرنسا هي المعقل الأول لتيار التنوير، ثم انتقل هذا التيار منها إلى سائر الأقطار الأوروبية، بل وحتى المستعمرات الأوروبية في كافة أنحاء العالم[1]. لقد كان علماء التنوير بشكل رئيس هم كبار ومشاهير مجالات العلم والأدب والثقافة والفلسفة، من أمثال: فولتير[2]، ومونتسكيو[3]، ودينيس ديدرو[4]، ولورن دالمبير[5]، وجون لوك، وديفد هيوم، وكوندورسيه[6]، من الذين كانوا بأجمعهم يعتبرون عصرهم هو عصر وصول الإنسان إلى أسمى غاياته وقدراته البشرية. إن الأهداف

(153)

والتطلعات التي كانوا ينشدونها هي الأهداف التي بدأت منذ عصر النهضة، وأخذت بالتفتح والازدهار في المرحلة الحديثة، وظهرت ثمارها في مرحلة عصر التنوير؛ وهي ثمار تحتاج إلى المزيد من الحفظ والنماء والرعاية.

وفي عصر التنوير الفكري، تواصل السعي وراء أهداف وتطلعات العصر الحديث ضمن الأهداف الثلاثة الآتية: «التقدم»، و«العقل»، و«الطبيعة»[1]. وإن الوجه المشترك لهذه الأهداف والتطلّعات يكمن في بُعدها الإنساني، بمعنى أن الذي يُراد من التقدم والتطور هو تطور الإنسان، والمراد من العقل هو العقل الإنساني، والمراد من الطبيعة هي الطبيعة الإنسانية[2]. إن «الإنسانوية التنويرية» المقصودة في هذا البحث، تعني تعقّب الأهداف والتطلعات المذكورة، على أساس الاتجاهات الإنسانية.

خصائص الإنسانوية في عصر التنوير

الإنسان؛ الموضوع الأصلي للبحث والتحقيق:

لقد اهتم فلاسفة عصر التنوير بالإنسان على نحو أكثر من اهتمام أسلافهم به في المراحل السابقة، وكانوا يسعون إلى إضفاء منزلة عليه تتناسب مع التقدّم البشري. وقال دينيس ديدرو، وهو من طلائع التنوير الفرنسي ومن المؤسسين لموسوعة العلوم: «لماذا لا

(154)

نُدخل الإنسان إلى أعمالنا كما أدخل في الكائنات؟ ولماذا لا نجعل الإنسان في مركز اهتمامنا؟»[1].

وبذلك كانت الدراسات العلمية بشأن الإنسان في هذه المرحلة أكثر جدية. قال أرنست كاسيرر، نقلاً عن ألكساندر بوب[2]: «إن الموضوع الحقيقي لتحقيق البشرية هو الإنسان»[3]. وقد عرّف فريدريك كوبلستون روح عصر التنوير بأنه عبارة عن دراسة الإنسان علمياً. فهو يرى أن الجانب الإيجابي من عصر التنوير يكمن في سعي الإنسان لفهم العالم ولا سيما ذات الإنسان في حياته الروحية والأخلاقية والاجتماعية. وقال في هذا الشأن:

«إن فكرة دراسة الإنسان تعكس بوضوح روح التنوير في القرن الثامن عشر للميلاد .. إن فلاسفة من أمثال دي كوندياك[4] يسعون إلى تنمية الآراء النفسية والمعرفية لجون لوك، وأن يقدموا تجربة مذهبية عن ظهور وازدهار الحياة الذهنية للإنسان، وقد عمد المؤلفون

(155)

من أمثال هلفتيوس[1] إلى تنمية الآراء المرتبطة بالحياة الأخلاقية للإنسان، وقام مونتسكيو بدراسة بنية وازدهار المجتمعات، وبادر جان جاك روسو[2] وغيره بعرض آرائهم السياسية، وقام الطبيعيون بدراسة الاقتصاد، وعمد المفكرون الآخرون من أمثال: فولتير، وتورغو[3]، وكوندورسيه، إلى التأسيس لآراء التكامل التاريخي في ضوء أهداف عصر العقل. يمكن إدراج جميع هذه الدراسات ـ الأعم من النفسية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والتاريخية والاقتصادية ـ ضمن العنوان العام المتمثل بدراسة علم الإنسان»[4].

التقدّم، العقل والطبيعة؛ الغاية من دراسة الإنسان:

إن بحث ودراسة المفكرين في هذا العصر بشأن الإنسان، تأتي من أجل الوصول إلى ذات أهداف وغايات التقدّم والعقل والطبيعة.

(156)

إن «التقدّم» من الفرضيات السابقة والأصلية لتيار التنوير. لا شك في أن «التقدّم» مفهوم عام، ولربما تمّ التعبير عنه وتفسيره في كل مرحلة بما يتناسب مع العصر وعلى أساس بعض الأراء والفرضيات السابقة. إن التقدّم عند المستنيرين في هذا العصر يكمن في اعتقادهم الراسخ بالتنمية العلمية، ابتداء من الفيزياء إلى علم النفس والأخلاق والحياة الاجتماعية للإنسان. إن هذا النوع من التقدّم يتضمن توظيف العقل البشري في جميع الأمور. وبعبارة أخرى: عقلنة جميع الأمور من زاوية إنسانية. يجب إزاحة كل عقبة تقف أمام تقدّم البشر. وإن العقبتين الهامتين اللتين تقفان أمام التقدم ـ من وجهة نظر التنويريين ـ هما: الدين والأنظمة السياسية؛ وذلك لأن الدين ـ سواء أكان سماوياً أو غيره ـ يحول دون التقدّم الفكري والتوظيف الحرّ والواضح للعقل. وكان فولتير في كتاباته يلهج بهذا الشعار دائماً، ويقول: «حطموا هذا الكائن المشؤوم [يقصد بذلك الدين]»[1]. كما أن الأنظمة السياسية تخلق مانعاً كبيراً أمام حرية الناس، وتقيّد عقل وحرية الإنسان بالسلاسل والقيود. ومن هنا فإن هذه الرؤية قد أضفت على الفكر التنويري صبغة مناوئة للدين ومعادية للسياسة[2].

إن «الطبيعة» تمثل المقولة الثانية المنشودة للإنسانوية التنويرية. إن هذه الطبيعة هي ذات الطبيعة الإنسانية التي يجب اكتشافها بواسطة العقل. لا بد من التعرّف على أن التنويريين في القرن الثامن

(157)

عشر للميلاد قد تأثروا كثيراً بتفسيرات نيوتن[1] للطبيعة والقوانين الثابتة التي ذكرها لمعرفة الطبيعة[2]. يرى هؤلاء أنه كما قام إسحاق نيوتن بتفسير الطبيعة، وأعد أطروحة للبحث الحر والمعقول والمجرّد من التعصب بشأن عالم الطبيعة، يجب على سائر المفكرين أن يتعرّفوا بمساعدة عقولهم على الطبيعة الإنسانية في بحث حر ومعقول ومجرّد من العصبية، ومن ثم التأسيس للنظريات السياسية والاجتماعية والدينية والأخلاقية الإنسانية[3]. وفي الحقيقة كما أن العلم الطبيعي يعمل على اكتشاف الطبيعة ويتعرّف على قوانينها، ثم يعمل على إخضاعها لسيطرتها، يتعيّن على العلم الإنساني بدوره أن يكتشف القوانين العامة الحاكمة على «الإنسان» على أساس المشاهدات والتجارب والعمل على الاستنتاج من هذه القوانين. وفي هذه الحالة سوف يتماهى العلم الإنساني مع العلم الطبيعي. إن العلم الطبيعي يعمل على اكتشاف الطبيعة الخارجية، والعلم الإنساني يعمل على التعريف بالطبيعة الإنسانية. إن هذا النوع من الآراء كان له تأثير مباشر على إيجاد الاتجاهات الوضعية.[4]

أما عنصر «العقل» فهو العنصر الثالث والأهم الذي تؤكد عليه الإنسانوية التنويرية، ويرتبط به العنصران المتقدمان ارتباطاً وثيقاً.

(158)

ترى الإنسانوية في هذه المرحلة أن إعادة خلق شخصية الإنسان وظهور جميع قدرات الإنسان رهن بتوظيف العقل الإنساني دون الاستناد إلى أيّ شيء آخر. لقد استهل إيمانوئيل كانط مقالته الشهيرة الأولى تحت عنوان «ما هو التنوير؟» بالقول:

«إن التنوير يعني خروج الإنسان من مرحلة الطفولة وما قبل البلوغ، والعجز عن توظيف فهمه دون توجيه من الآخر. إن عدم البلوغ هذا لا تكون علته قلة الفهم، بل قلة الإرادة والعزم والشجاعة في توظيفها دون توجيه من الآخر، وعليه يجب أن تكون شجاعاً في توظيف فهمك! هذا هو شعار التنوير»[1].

إن الحرية هي الشرط الضروري للحصول على هذا التنوير، ونعني بذلك حرية استعمال عقولنا في الأمور العامة بشكل تام وكامل. يجب في ضوء هذا التفكير العمل على نفي جميع أنواع الأطر والقيود الخارجة عن الحدود الإنسانية التي يراد فرضها على عقل الإنسان؛ وعلى هذا الأساس يتم طرد المعتقدات التقليدية والدينية التي تعمل على تعريف ماهية الإنسان وهويته الشخصية ضمن الأطر اللاهوتية والمتعالية الخاصة. إن الإنسان في دائرة عقله، يستعيد اختياره من أجل إثبات ذاته وتحقيق هويته. إن قيمة الإنسان ليست تابعة للمنشأ الإلهي كما يُدعى، وإنما هي تابعة إلى النظم والإمكانات العقلانية

(159)

لهذا الكائن الأرضي. إن الغاية تكمن في حياة الإنسان، وليست في عبادة الله، أو الوصول إلى الجنة الموعودة، بل الهدف والغاية تكمن في تحقيق التطلعات والخطط المتناسبة مع هذه الحياة الدنيوية، وهي الغاية التي يعمل العقل الإنساني على تعيينها»[1].

يبدو أن هناك في مرحلة التنوير ـ بالمقارنة إلى المراحل السابقة، ولا سيما بالنسبة إلى العقل في مرحلة عصر النهضة وما بعدها ـ ثقة مفرطة بالعقل وقابلياته. إن العقل في مرحلة عصر النهضة ينسجم مع التعاليم المسيحية، وأما في الرؤية التنويرية فهناك تناقض جوهري في الحديث عن مقولة مثل الإنسانوية المسيحية أو العقلانية الدينية، بمعنى أن الإنسانوية والعقل الإنساني في عصر النهضة يقعان ضمن إطار خاص، وفي ذلك الإطار يأخذ الله أموراً مُعدّة مسبقاً بالنسبة إلى حياة الإنسان والمجتمعات البشرية؛ وأما العقل في عصر التنوير، فإنه يتهرّب من الاتجاهات العقلية للفلاسفة العقلانيين في القرن السابع عشر للميلاد، والتي تأخذ بنظر الاعتبار ـ بنحو ما ـ مفاهيم فطرية سابقة للذهن البشري، أو أنها في الحد الأدنى لا تبدي ميلاً كبيراً نحوها. إن العقل التنويري يمثل في الغالب الفكر التجريبي من نوع تجريبية جون لوك[2]؛ ومن هنا فإن العقل من وجهة نظر التنويريين أداة لحل مشاكل الإنسان والمجتمع، ولا يحتوي على ثقل ميتافيزيقي. يذهب التنويريون إلى الاعتقاد والقول:

(160)

«[إذا كان المراد من الميتافيزيقية] دراسة واقعية تفوق الظاهر، فإنها تعني مساحة المجهولات ... وإن الطريق الوحيد للوصول إلى الميتافيزيقية وما بعد الطبيعة العقلانية، يكمن في تركيب النتائج الحاصلة من العلوم التجريبية، ولا شأن لنا في العلوم التجريبية بالجواهر، وإنما ينصبّ اهتمامنا على الظواهر فقط»[1].

وعلى حدّ تعبير كوبلستون، فإن فلسفة عصر التنوير الفرنسي كانت تمثل سعياً للتقدّم بما كان يسمّيه ديفد هيوم بـ «العلم الإنساني»[2]. لقد كانت نتيجة هذا النوع من الرؤية العقلانية الإنسانية في دائرة الأخلاق والسياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع، عبارة عن فصل جميع هذه المقولات عن المفاهيم الميتافيزيقية والدينية؛ بمعنى وجوب الحفاظ على استقلاية هذه الأمور، والعمل على تعيينها وتعريفها على أساس العقل الإنساني.

إن نشاط العقل الإنساني يحتاج ـ من وجهة نظر الإنسانوية التنويرية ـ إلى اتخاذ اتجاهين، وهما: الاتجاه الانتقادي والاتجاه الشكّي في الأمور. وعلى هذا الأساس، فإن

 «جميع المدعيات تكون قابلة للإبطال، وليس لأحد ـ باعتبار قدرته وحجيّته ـ مكانة خاصّة لتعيين الحقيقة. إن جميع القضايا المعرفية، تخضع للاختبار جهاراً، ولا

(161)

يمكن لأحد أو منظومة أو مؤسسة أن تبرّئ نفسها من إمكانية الخطأ»[1].

ج ـ مكافحة الدين؛ غاية تحرّر الإنسان: إن من بين الخصائص الهامة لإنسانوية عصر التنوير، هو اتجاهها المناوئ للدين، حيث تقترب في ذلك من آراء الإنسانوية الإلحادية المعاصرة لها إلى حدّ كبير. إن إنسانوية هذه المرحلة ترى أن تحرر الإنسان رهن بالتخلي عن التكاليف الدينية والقيود التي تفرضها الكنيسة على الإنسان. ويقول ديدرو في هذا الشأن للإنسان على لسان الطبيعة:

«يا عبد الخرافات، لا تبحث عبثاً عن سعادتك في ما وراء حدود هذا العالم الذي وضعتك فيه. تحلّ بالشجاعة وحرّر نفسك ... من أغلال الدين. وانبذ الآلهات الغاصبة لسلطاني، وعُد إلى قوانيني. عُد إلى الطبيعة التي هربت منها، عندها ستجد كل المواساة والسلوى في الطبيعة ... استسلم مرّة أخرى إلى الطبيعة، وإلى الإنسانية، وإلى ذاتك، لكي ترى طريق حياتك من أقصاه إلى أقصاه وقد أصبح مفروشاً بالأزهار والرياحين»[2].

يرى التنويريون أن على الإنسان أن يرفض جميع أنواع العون والمساعدة من العالم الأعلى، ويجب عليه أن يعبّد طريقه من أجل الوصول إلى الحقيقة بنفسه، فالحقيقة لا يمكن الوصول إليها إلا

(162)

إذا بلغها بمجهوده وسعيه الخاص[1]. وكأن الدين قيد يكبّل أرجل الإنسان ويمنعه من الوصول إلى الحقيقة، وإن الإنسان العاقل في عصر التنوير لا يجد مناصاً للمضيّ قُدُماً في طريق حياته إلا من خلال التحرر من هذا القيد، وعليه الخروج من الدين وأحكامه الماورائية، ويُقبل على القوانين الوضعية في هذه الدنيا.

الأفكار الإنسانوية لإيمانوئيل كانط

لقد عمد إيمانوئيل كانط ـ الذي يمثل عصر التنوير الفكري من الناحية الفكرية ـ إلى وضع «الإنسان» و«الطبيعة» ـ كما صنع الإنسويون التنويريون ـ في مركز تأملاته ومحور أبحاثه. إن الإنسان كائن في الطبيعة، وهو يتعاطى مع الطبيعة على الدوام، وهو الكائن الوحيد الذي يستطيع إخضاع الطبيعة لتفكيره. كما تختص الفلسفة النقدية لإيمانوئيل كانط بمعرفة فكر الإنسان وتعيين حدوده وأبعاده. كان إيمانوئيل كانط في نقد قوّة الحكم بصدد البحث عن إمكانية العثور على ضابطة عامّة، ليتمكن بواسطتها من تعريف أسس المعرفة والفهم الإنساني، وتمييزها من جميع أساليب المعرفة الممكنة. يبحث كانط عن هذه الضابطة في مجرّد الخصائص الخاصة لمعرفة الإنسان[2]. ولهذه الغاية يعمد كانط إلى تخصيص مساحة الفلسفة بثلاثة انتقادات، ويخفضها إلى مستوى ثلاثة أسئلة أساسية، وهي:

(163)

1 ـ ما الذي يمكنني معرفته؟

2 ـ ما الذي كان يتعيّن عليّ فعله؟

3 ـ ما هو الشيء الذي يمكنني أن أعقد الأمل عليه؟

كما تمّت إضافة سؤال رابع في بعض مؤلفات كانط، وهو السؤال القائل: «ما الإنسان؟».

في هذه الأسئلة الأربعة نجد تركيزاً من قبل إيمانوئيل كانط على الإنسان بوصفه كائناً واعياً ومدركاً لذاته. وفي السؤال الأول والثاني يتمّ تحليل هذا الكائن المدرك لذاته في البُعد النظري والعملي، حيث يتعرّض كانط إلى التحقيق بهذا الشأن ضمن أبحاث ما بعد الطبيعة والأخلاق.

يرى إيمانوئيل كانط  وجوب أن يكون هناك «دستور مطلق» يحكم مجمل أفعال الإنسان:

«عليك أن تعمل وتسلك كما لو كانت البشرية ـ سواء من وجهة نظرك أو الآخر ـ بوصفها غاية أبداً، وليست مجرّد وسيلة»[1].

يمكن مشاهدة الأفكار الإنسانوية لكانط ضمن أبحاثه المعرفية والأخلاق والدين.

(164)

يتحدّث كانط في أبحاثه المعرفي والأبستمولوجية أبداً عن الـ «أنا الإنسانية»، وقد اكتسبت هذه الأنا الإنسانية صورة استعلائية ـ بالمعنى الخاص الذي يريده كانط من الاستعلائية[1] ـ ويرتبط مع العالم الخارجي في حدود الظاهر. وقد سعى في المباحث الأخلاقية إلى التأسيس لأخلاق مستقلة وغير مفتقرة إلى الدين، من أجل تنظيم حياة الإنسان. وفي الأبحاث المرتبطة بالدين يسعى إلى تأسيس دين في «العقل المجرّد» بمعزل عن جميع الأمور الميتافيزيقية وما بعد الطبيعية والوحيانية. وقبل الدخول في بحث الآراء الإنسانوية لإيمانوئيل كانط في المجالات المعرفية والأخلاق والدين، سوف تكون لنا إشارة عابرة إلى انتقاداته للفلسفات التي سبقته.

نقد الفلسفات السابقة في تفكير كانط

إن فلسفة كانط في المرحلة الانتقادية تكمن في تحديد مصدر المعرفة وتعيين حدود معرفة الإنسان، والتي هي في الواقع تمثل إجابة عن السؤال القائل: «ما الذي يمكنني معرفته؟». وقبل إيمانوئيل كانط، كانت الفلسفة العقلانية تحصر جميع معارف الإنسان بمصدر العقل، وأن جميع المعارف إنما يتم الحصول عليها من خلال توظيف القوى العقلية ومن دون حاجة إلى التجربة. وقد كان غوتفريد لايبنتس واحداً من الممثلين لهذا النوع من التفكير، حيث كان إيمانوئيل كانط ـ في مرحلته ما قبل الانتقادية ـ قد تعرّف عليها بواسطة المدرسة الفلسفية الألمانية في التفكير المنهجي (لوولف وتلاميذه)، وكان متأثراً بها في الأساس.

(165)

إن هذا النوع من التجريبية التي كان يمثلها كل من جون لوك وديفد هيوم، إنما يرى إمكان الحصول على المعرفة في إطار التجربة فقط. وبطبيعة الحال فإنه في النزعة التجريبية لديفد هيوم يتمّ نفي إمكان فصل المعرفة عن الشرائط الذهنية للفاعل المعرفي بالمرّة، ويؤدي بالتالي إلى نوع من الشك. وقد عمد إيمانوئيل كانط ـ من خلال تقويضه لكلا النظامين الفلسفيين، وتجنّب أخطائهما ـ إلى تقديم منهج وأسلوب يعمل على إيصال حقائق النظامين المذكورين إلى الكمال. يُدخل كانط عنصري التجربة والعقل في المعرفة، ويعمل في الوقت نفسه على نقدهما، بمعنى أنه يعمل على تعيين حدود قدرات العقل والتجربة. وهنا يستفيد كانط من الأسلوب والمنهج الموسوم بالمثالية الاستعلائية[1]. يأتي التأكيد في هذا المنهج والأسلوب على الـ «أنا الإنسانية» مرّة أخرى. إن الـ «أنا الإنسانية» في هذا الأسلوب، تقع تحت تأثير عنصري التجربة والفاهمة، وتصل إلى الإدراك من خلال هذين العنصرين. وبطبيعة الحال فإن قوى الفاهمة، هي التي تفرض شرائطها على العين الخارجية الموجودة في حدود معرفة الـ «أنا الإنسانية»[2]. يطلق كانت على هذه الشمولية مصطلح الـ «المثالية الاستعلائية». كما يضطر كانط هنا إلى القول بنوع من التغيير والتحوّل في منظومة تفكير الإنسان، وهو التغيير والتحوّل الذي يُعرف بـ «الثورة الكوبرنيقية لكانط».

(166)

الفهم الإنسوي لتفكير كانط في الأبحاث المعرفية

إن الأفكار الإنسانوية لكانط تظهر بشكل عام في قسمين من الأبحاث الأبستمولوجية والمعرفية. القسم الأول: في بحث تطابق الذهن والخارج، وهو القسم المعروف بالثورة الكوبرنيقية لكانط. والقسم الثاني: في بحث عالم الظاهرات لكانط، وهو ما سوف نعمل على توضيحه تباعاً:

 الثورة الكوبرنيقية لكانط[1]

إن مسألة تطابق الذهن والخارج من المسائل الهامة في الأبستمولوجيا. والسؤال المطروح هنا يقول: كيف يمكن الاطمئنان إلى أن العالم الخارجي يحضر في أذهاننا كما هو؟ وهل يمكن الحصول على معرفة عن العالم الخارجي كما يبدو لنا؟

يرى إيمانوئيل كانط أن الرؤية في التفكير التقليدي وفي مدارس أصالة العقل وأصالة التجربة كانت تقوم دائماً على السعي ـ بشكل وآخر ـ إلى مطابقة الذهن على العين الخارجية، بمعنى أن الذهن يعمل دائماً على تطبيق نفسه مع الأشياء الخارجية والقوانين التي تحكمه. وفي الثورة الكوبرنيقية لكانط يحدث العكس من ذلك؛ بمعنى أن العين الخارجية هي التي يجب أن تتطابق مع الذهن. يرى إيمانوئيل كانط أن الخطأ الذي يرتكبه التجريبيون من أمثال ديفد هيوم، يكمن في أنهم من خلال تأكيدهم على التأثير الهام لمواجهتنا

(167)

مع العالم الخارجي على حواسنا بواسطة الإحساس والشعور، قد تصوروا أننا نشاهد مجرد تجسيد بحت للإحساسات في دواخلنا. هذا في حين أن كل حس يفتح علينا مجموعة لا تُحصى من الأحاسيس المتغيرة؛ إلا أن هذه المنظومة الإدراكية هي التي تخضع إحساساتنا على شكل إحساسات مرتبطة بالأعيان والمتعلقات الثابتة خارجها للتجربة. إن ذهننا هو الذي يعمل بشكل وآخر على تنظيم هذه المحسوسات المنفصلة عن بعضها على شكل أشياء وأعيان تبدو للنظر بشكل وآخر موجودة في مكان خارج وجودنا، ونقوم نحن بإدراكها في هذا الإطار الذهني. إن ذهن الإنسان في نشاط دائم، ويعمل على تنظيم الإحساسات اللامتناهية والمنفصلة عن بعضها. إن الذهن في مثل هذه الحالة يعمل كشيء واحد ومنسجم ومنظم، ويعمل على منح هذا النظم والانسجام إلى متعلقه المعرفي. وعلى هذه الشاكلة لو تعيّن على الذهن معرفة شيء (عالم الخارج)، وجب عليه معرفته على شكل مجموعة منظمة وثابتة:

«إن الأحاسيس ليست شيئاً، بل لا ربط لها بنا، لو لم يحصل عليها ذهننا ... وإن المدركات لا يمكن أن تكون شيئاً، إلا إذا كان هناك في الحد الأدنى ارتباط بينها من قبل الذهن [ذهني] ... يمكن تسمية هذا الأصل بـ «أصل الوحدة الاستعلائية» حيث يوحد بين جميع مدركاتنا وإحساساتنا المتكثرة»[1].

وعلى حدّ تعبير البعض:

إن الذهن يعمل هنا على شكل مقوّم للتجربة. وعلى

(168)

هذا الأساس حيث نعمل على تنظيم الظواهر، يكون هناك نوع من التوافق بينها وبين ذهننا حيث يعمل على فرض نظمه من خلال تنظيمها[1].

وبطبيعة الحال فإن كانط ليس بصدد الذهاب إلى نوع من المثالية البحتة وإنكار دور التجربة والعالم الخارجي بالكامل. فهو يقول في بداية كتابه «نقد العقل البحت»: إن جميع معارفنا تبدأ بالتجربة، ولكن هذا لا يعني أنها تعمل في هذا الاتجاه بشكل مستقل. إن الأشياء يتم التعرّف عليها في الدائرة الإدراكية وأذهاننا بوصفها متعلقاً لحواسنا وتجاربنا. لقد اختار كانط عنوان «الاستعلائي» لهذا النوع من المثالية؛ وذلك لاعتقاده أن معرفتنا تبدأ من التجربة، بيد أنها تتجاوز التجربة وتتخذ شكل ما وراء التجربة (المثالية). وفي الحقيقة فإن كانط يسعى إلى إيجاد التوافق والانسجام بين عالم ما بعد الطبيعة ـ والمراد منه وعاء الذهن والقوى الإدراكية للفاعل المعرفي ـ والطبيعة (التجربة الممكنة) بنحو من الأنحاء، على الرغم من أن سعيه الرئيس يكمن في الإجابة عن السؤال بشأن «إمكان ما بعد الطبيعة»[2]. إن إقامة مثل هذا الارتباط ليس بالأمر السهل؛ إذ هو يبدو مواءمة بين أمرين متناقضين بحسب الظاهر. إذ أن المعارف التجريبية معارف لاحقة، في حين أن المعارف ما بعد الطبيعية معارف سابقة. إن المعارف اللاحقة تحصل من خلال التجربة،

(169)

وأما المعارف السابقة فهي مستقلة عن جميع التجارب الحسية. بالإضافة إلى أن المعارف اللاحقة هي تركيبية إلى حدّ ما، في حين أن المعارف السابقة تحليلية. ومن هنا صار كانط بصدد كشف القضايا التركيبية السابقة في علم الرياضيات، والعلوم الطبيعية، والعلوم ما بعد الطبيعية في نهاية المطاف. إن العثور على مثل هذه القضايا تلبي مراد إيمانوئيل كانط؛ وذلك لأن الحيثية التركيبية للقضية تحكي عن التجربة، والحيثية السابقة للقضية تحكي عن الناحية الماورائية للتجربة. يرى إيمانوئيل كانط أن إمكان الأحكام الميتافيزيقية والماورائية ومن بينها الضرورة العلية ـ التي وقعت في معرض التشكيك من قبل ديفد هيوم ـ إنما يُصبح ممكناً من خلال مفهومية هذا النوع من القضايا التركيبية السابقة[1].

العالم الظاهري لكانط

لو تمّ التعريف بالعالم المحيط بنا ضمن مقولات الفاهمة، فإن العالم الذي نراه ونعرفه، إنما هو من صنع واجتراح ذهننا. يسعى إيمانوئيل كانط إلى إدراج الظواهر الموجودة في الطبيعة التي هي متعلق لتجربتنا، ضمن واحدة من مقولات الفاهمة، ليتحقق بذلك

(170)

تطابق بين الذهن والخارج، وأن تكون قوانين الطبيعة في تطابق مع الأصول السابقة للفاهمة. وعلى هذا الأساس فإن العالم الخارجي كما «يظهر لنا» هو «كذلك أيضاً». إن هذا الكلام يؤدّي بنا إلى الخروج من دائرة الشك.

بيد أن كانط يستنتج بشكل آخر، ويظهر مشاكل جادة في المنظومة المعرفية التي عمل هو بنفسه على صنعها وإنتاجها بجهود كبيرة. لو تم تنظيم العالم الخارجي على أساس مقولات الفاهمة، فإننا سوف نتعرّف على العالم الخارجي على نحو ما يبدو ويظهر لنا، ويقع ضمن واحد من المقولات. وفي الحقيقة فإن المقولات تُفرض على الظاهر، وأن معارفنا السابقة تتعلق بظواهر الأشياء؛ بيد أن احتمال أن لا نستطيع معرفة العالم كما هو في الواقع ليس منتفياً. فربما لا يكون العالم كما ندركه، بل هو مختلف إلى حدّ كبير عن ذلك الشيء الذي يظهره الذهن لنا.

يطلق كانت على العالم الذي نعرفه ـ والذي يقوم ذهننا بصنعه ـ عنوان «العالم الظاهري»[1]، كما يطلق على ذلك العالم المستقل عن أذهاننا عنوان «العالم غير الظاهري»[2] (المعقول، في نفسه). نحن لا نستطيع أبداً أن ندرك ما هو العالم غير الظاهري حقاً. غاية ما هنالك أن بمقدورنا الاطمئنان إلى أن ذات هذا العالم الذي جربناه بحواسنا وقام ذهننا ببلورته وتشكيله، يقع في معرض معرفتنا، ويصبح لنا علم به. وبعبارة أخرى: إننا إنما نستطيع إدراك العالم

(171)

على نحو سابقفيما لو كتب له الظهور في أفق رؤيتنا. ومن العبث أن نتجاوز هذه الرؤية وأن نسعى إلى التعرّف على العالم كما هو في نفسه ومستقلاً عن جميع أنواع الإدراك الممكن. إن الظاهر عبارة عن متعلق التجربة الممكنة، وغير الظاهر عبارة عن متعلق العقل المحض والمستقل عن جميع أنواع التجارب[1]. لا شك في أن إيمانوئيل كانط لا يرتضي هذا النوع من المعرفة التي روّج لها أصحاب النزعة العقلية؛ بل يرى أن كل معرفة لها منشأ تجريبي، ومن هنا يجب وضع هذه الأمور غير الظاهرة أو العالم المعقول من هذا الصنف ضمن الأمور التي لا نعلمها (المجهول). وبطبيعة الحال فإن كانط لا ينكر أن العقل المحض يميل بشكل طبيعي إلى معرفة هذا العالم والحكم بشأنه، وله على الدوام أحكام بشأنه، من قبيل الأحكام التي يصدرها بشأن الكون والنفس والإله؛ إلا أن هذه الأحكام هي ثمرة التوظيف الاعتباطي للعقل، وهي في دائرة لا يمتلك العقل صلاحية الدخول فيها.

 الأفكار الإنسانوية لكانط في بحث الأخلاق

يرى إيمانوئيل كانط كفاية الأخلاق المستقلة وغير المفتقرة إلى الدين، في تنظيم حياة الإنسان، وهذا هو الاتجاه الإنسوي الأول منه في بحث الأخلاق. إن مقدمة الطبعة الأولى من كتاب الدين في حدود العقل البحت، إنما تبدأ بهذه العبارة:

(172)

«إن الأخلاق ما دامت تقوم على مفهوم الإنسان بوصفه كائناً حراً ـ ولهذا السبب فهو بموجب العقل وبطبيعة الحال كائن تابع للقوانين غير المشروطة ـ لا تحتاج إلى شيء آخر يحكمها، أو أن تأخذ تكليفها منه، ولا تحتاج إلى دافع آخر غير ذات القانون [العقل] لتعمل على مراعاته. ولو شعر الإنسان بمثل هذه الحاجة في نفسه، فإنه في الحدّ الأدنى يكون هو المقصّر، وعلى كل حال فإن معالجة وإصلاح ذلك لا يكون ممكناً من قبل أيّ كائن آخر ... وعليه فإن الإنسان من أجل تنظيم أمره ... لا يحتاج إلى الدين بأيّ وجه من الوجوه، بل تكفيه القوّة العملية للعقل البحت»[1].

كما أنه في كتاب (الأسس ما بعد الطبيعية للأخلاق) قد اعتبر أن الإنسانية غاية في نفسها، وقال في هذا الشأن:

«اعملوا وكأنكم تعتبرون الإنسانية ـ سواء في شخوصكم، أو في أيّ شخص آخر ـ لا بوصفها وسيلة بحتة أبداً، بل بوصفها غاية إلى الأبد»[2].

 إن الغاية في نفسها ولذاتها تعني أن الإنسان من حيث كونه عاقلاً، لا تكون قيمته بالنظر إلى شيء آخر، بل إن للإنسان في موقع

(173)

الغاية قيمة متعالية؛ لأن قيمة ووجود جميع الغايات الأخرى إنما هي من أجل الإنسان.

«إن الإنسان هو الغاية القصوى من الخلق. فمن دون الإنسان لا تكون لسلسلة الغايات ـ التابعة لبعضها بشكل متقابل ـ نقطة قصوى من التبعية»[1].

ولربما كانت هذه الرؤية رؤية محيّرة للإنسان؛ إلا أن المعرفة الغائية من وجهة نظر إيمانوئيل كانط بشأن الطبيعة يجب أن تكون رؤية إنسانية.

يرى إيمانوئيل كانط أن الأشياء والكائنات الحية الموجودة في العالم، إنما هي لخدمة الإنسان، وأما الكائنات العاقلة فليست موجودة لأيّ شيء آخر[2]. إن وجود الكائنات العاقلة لا تلبي غاية أو هدفاً أعلى، وإن مقدار قيمتها لا يكمن في تلبية الغايات الأخرى. ويبدو من ظاهر كلام كانط أن الطبيعة العقلانية لا تكون في خدمة غاية أخرى نراها قيّمة.

وفي بحث آخر بعنوان «أصل استقلال الإرادة»[3] يرى كانط أرادة الكائنات العاقلة إرادة عامة يجب أن تكون هي الحاكمة على القوانين الأخلاقية. وفي الأساس فإن الإرادة إنما يمكن أن تكون لذاتها مقبولة بالنسبة إلى الكائنات العاقلة، فيما لو قامت الكائنات

(174)

العاقلة بقبولها أو «تشريعها» بحرية بوصفها من الأصول[1]. يرى كانط أن الفكرة الكامنة وراء أصل استقلال الإرادة، هي الرؤية القائلة: «إن إرادة كل كائن عاقل، هي إرادة التشريع العام»[2].

 وإن

 «أصل استقلال الإرادة» من وجهة نظر كانط كالآتي: «لا تختر [عملاً] إلا على تلك الإرادة [التي تعلق العمل بها] وتشتمل على قواعد اختيار [ذلك العمل] بوصفه قانوناً عاماً». وقد شرح بيتون ـ وهو من مفسري نظرية كانط ـ العبارة أعلاه، على النحو الآتي: «اعمل بحيث يمكن لإرادتك أن تنظر إلى نفسها في ذات الأمر بوصفها واضعة للقانون العام من خلال قاعدتها»[3].

وفي المجموع فإن الأمر المسموح به من وجهة نظر كانط هو الذي ينسجم مع استقلال الإرادة.

الأفكار الإنسانوية لكانط بشأن الدين

تقدّم أن ذكرنا أن كانط إنما يذكر عمدة أبحاثه بشأن الدين في بحث العقل العملي والأخلاقي. يرى إيمانوئيل كانط أن إثبات القضايا الدينية إنما يكون ممكناً في دائرة العقل العملي والأخلاق. لقد ذكر كانط في الأبحاث الخاصة بالعقل النظري، مقدمات بشأن

(175)

الله، وما بعد الطبيعة، وأخطاء العقل النظري، مما له ارتباط مباشر بنتائجه في العقل العملي. يذهب كانط إلى الاعتقاد بأن إصدار الأحكام القطعية بشأن جميع الأمور الميتافيزيقية وما بعد الطبيعية أمر خاطئ من الأساس؛ وذلك لأن القضايا ما بعد الطبيعية هي بأجمعها جدلية الطرفين، ومن هنا يجب على الإنسان أن لا يذهب به الظن إلى أن بمقدوره أن يُصدر حكماً قطعياً وجازماً بشأن الله. وبطبيعة الحال فإن هذا الأمر ـ بسبب عجز العقل النظري فيما يتعلق بما وراء حدود الأمور الطبيعية ـ يعتبر عاجزاً عن إصدار أيّ حكم خارجاً عن قدرة العقل النظري، وسوف يؤدي به ذلك إلى أصدار الأحكام المتناقضة وجدلية الطرفين بشأن الأمور ما بعد الطبيعية. وبطبيعة الحال فإن هذا الكلام لا يعني نفي وجود الله؛ بل إن إثبات وجود الله يتحقق ضمن دائرة العقل العملي والأخلاق. يسعى كانط في مشروعه إلى نقل الأبحاث الدينية إلى دائرة العقل العملي والأخلاق، وبالتالي إلى أن يعمل في نهاية المطاف وفي حدود الممكن على خفض منشأ الدين من الأمور ما فوق الطبيعة إلى الطبيعة، ولا سيما إلى حدود العقل الإنساني، وهذه الرؤية تتجلى في آراء أكثر الفلاسفة في عصر التنوير.

وقد عمد إيمانوئيل كانط إلى تقسيم الدين ـ بشكل عام ـ إلى قسمين، وهما: الدين الوحياني، والدين الطبيعي. ومن خصائص الدين الوحياني أنه يفرض على الإنسان الأمور التي تتخطى وجوده، ولا يمكن للإنسان أن يتوصّل إلى الحكمة منها بعقله:

«إن الدين (من الناحية الذهنية) عبارة عن: معرفة

(176)

جميع تكاليفنا بوصفها أحكاماً إلهية. إن الدين الذي يتعيّن عليّ أن أعلم مسبقاً أنه يحتوي على شيء اسمه الأحكام الإلهية تعتبر بوصفها من تكاليفي، هو الدين الوحياني. وأما في المقابل فإن الدين الذي يتعيّن عليّ أن أعلم بأن محتواه هو تكليفي حتى قبل أن أعرف محتواه بوصفه أحكاماً إلهية، هو الدين الطبيعي»[1].

يرى إيمانوئيل كانط أن الدين الطبيعي يشتمل على أربعة اتجاهات، وأن كل واحد من هذه الاتجاهات الأربعة يبيّن نوعاً من فهم الدين الوحياني. وهذه الاتجاهات الأربعة، عبارة عن: الدين العقلي، والدين الطبيعي، والدين العقلي البحت، والدين ما فوق الطبيعي [البحت]:

«إن الذي يُفسّر الدين الطبيعي بوصفه مجرّد ضرورة أخلاقية ـ بمعنى تفسيره بوصفه أداء للتكليف ـ يمكن اعتباره (في الأمور الاعتقادية) من القائلين بالمذهب العقلي. وإن أنكر هذا الشخص واقعية مجمل الوحي الإلهي فوق الطبيعي، فإنه يُعتبر من القائلين بالمذهب الطبيعي. فإن تعرّف على أصل الوحي، ثم ادعى أن معرفته وقبوله ليس ضرورياً بالنسبة إلى الدين، أمكن لنا تصنيفه بوصفه من القائلين بالمذهب العقلي البحت، وإن قبل بأن الاعتقاد بالوحي ضروري بالنسبة إلى الدين العام،

(177)

أمكن اعتباره ـ في الأمور الاعتقادية آنفة الذكر ـ بوصفه من القائلين بالمذهب ما فوق الطبيعي البحت»[1].

إن كلام إيمانوئيل كانط هنا يشير إلى انتمائه إلى «أصحاب المذهب العقلي» أو «أصحاب المذهب العقلي البحت». وبطبيعة الحال فإنه في بعض الموارد يذكّر بالخصائص الإيجابية للدين الطبيعي، وفي بعض الموارد يُذكّر بالخصائص الإيجابية للدين الوحياني. يرى كانط أن أصحاب المذهب العقلي ملزمون بالبقاء ضمن دائرة الإدراك والتشخيص الإنسانية، ولكنهم ـ بطبيعة الحال ـ لا يستطيعون إنكار الوحي كما هو الحال بالنسبة إلى أصحاب المذهب الطبيعي؛ إذ

«أن نزول الوحي في زمان ومكان معيّن يمكن أن يكون نافعاً ومفيداً لنوع الإنسان؛ بحيث أن هذا الدين إذا تم التعريف به مرّة وكتب له التحقق، وأضحى مورداً بمعرفة وإدراك عموم الناس، أمكن لكل فرد بعد ذلك أن يدرك حقيقته بواسطة عقله الفردي»[2].

يذهب إيمانوئيل ـ كانط في ضوء هذه الرؤية ـ إلى الاعتقاد بأن للدين حيثيتين، حيثية ذهنية (داخلية)، وحيثية عينية (خارجية)؛ وإن الدين باللحاظ العيني والخارجي دين طبيعي، وباللحاظ الذهني والداخلي دين وحياني.

(178)

إن طبيعية الدين تعني أن الدين الوحياني في المراحل اللاحقة لنزوله قد يفقد صبغته ما فوق الطبيعية؛ بمعنى أن ينسى بالتدريج أن يكون قد نزل مثل هذا الوحي ما فوق الطبيعي، دون أن يؤدّي ذلك إلى إلحاق أدنى ضرر في قابلية المعرفة أو درجة اليقين أو النفوذ والتأثير في القلوب؛ وعلى هذا الأساس، فإن كل دين بواسطة خصلته الداخلية قد يلاحظ على الدوام بوصفه ديناً وحيانياً.

وفي موضع آخر من كتاب الدين في حدود العقل البحت، عمد إيمانوئيل كانط إلى التعريف بعقلانيته خصوصية الدين الطبيعي، في قبال الدين الوحياني حيث تلاحظ فيه خصوصية العبودية، وبذلك يكون منافياً لمحورية الإنسان وحريته من هذه الناحية. إن دين العبودية عبارة عن مجموعة من العبادات والطقوس والأدعية والمناجيات، ويقع في قبال الدين العقلاني الذي هو عبارة عن مجموعة من القواعد الأخلاقية المستندة إلى العقل من أجل تنظيم الحياة. وفي المسار التاريخي سوف يحلّ الدين العقلاني بالتدريج محل الدين العبودي:

«... في هذا النزاع [النزاع بين عبادة الله وبين الدين الأخلاقي] كان الإنسان يميل أبداً إلى طرح الاعتقاد الكنسي بوصفه اعتقاداً تاريخياً؛ في حين أن الدين العقلاني، لم يقم أبداً ببيان مدعاه في أفضليته التي هي مجرّد وسيلة لتطهير الروح وإصلاح النفس؛ وهو الشيء الذي سيكون في نهاية المطاف ادعاء حقيقي ويقيني»[1].

(179)

يرى إيمانوئيل كانط أن هذا النزاع قد بدأ أولاً بالدين اليهودي. إن الدين اليهودي يمثل الصورة الأولى للدين التوحيدي، وبسبب البُعد الأسري، وخصلته العصبية والعنصرية، لم يكن يتناغم كثيراً مع الوجدان البشري العام، ومن هنا لم يكن يحتوي على قابلية التحوّل إلى دين عالمي. إن الدين الذي كان بمقدوره أن يكون له شأن عالمي هو الدين المسيحي، والذي أطلق عليه إيمانوئيل كانط مصطلح الدين الكنسي. إن الدين اليهودي يتكامل في إطار المسيحية؛ بمعنى أن تشكّل المسيحية هو ذات التبلور الأخلاقي لدين اليهود وإلغاء مفاهيمه الأسرية. وبطبيعة الحال فإن تاريخ المسيحية قد شابته بعض الرذائل الأخلاقية، ومن بينها: الدعوة إلى الزهد والرهبانية والتصوّف وترك الدنيا وما إلى ذلك[1].

يرى إيمانوئيل كانط أن الآفة الهامّة التي تعاني منها الأديان القائمة على الوحي والأديان العبودية، تكمن في امتزاجها بالعصبية والتشدّد والتملق. إن التعبّد والأعمال العبادية تعارض محورية الإنسان وحريته واختياره. إن التعبّد بالأديان الوحيانية إنما يصلح لعامة الناس والذين لم يتوصلوا بعد إلى الأحكام الأخلاقية البحتة للعقل العملي. إن الدين الحقيقي لا يعدو أن يكون شيئاً واحداً، وهو ذات الدين الأخلاقي البحت أو الدين المعقول. إن شرط الكمال الأخلاقي للإنسان يكمن في التوصل إلى رؤية دين واحد خال من التضاد والتناقض؛ بحيث يمكن لجميع الناس ـ بوصفهم من العقلاء ـ أن يتقبلوا أصوله ومبانيه. والمهم هو أن تتحوّل الأديان التاريخية والوحيانية إلى دين عقلاني

(180)

بحت؛ وذلك لأن الدين العقلاني البحت يمتلك القابلية على الانتشار بين جميع الناس، ويمكن له أن يستمر ويبقى، وأن يشمل جميع الناس ـ مهما كانت أعراقهم وجنسياتهم وقومياتهم ـ تحت مظلته الروحانية. قال كانط في القسم الأول من الفصل الثالث من كتاب الدين في حدود العقل البحت:

«إن علامة الكنيسة الحقيقية، تكمن في جامعيتها، وإن العلامة التي تشير إلى هذه الجامعية تكمن بدورها في ضرورتها؛ بمعنى أن تعيّنها وتشخصها إنما يمكن بنحو واحد فقط؛ ومن هنا فإن الإيمان التاريخي (أي: الإيمان المستند إلى الوحي) إنما يحتوي على اعتبار جزئي؛ بمعنى أنه معتبر بالنسبة إلى أولئك الذين حصلوا عليه ضمن مسار تاريخي، وإن هذا الإيمان إنما يستند إليه ... وعليه فإن الإيمان التاريخي يكفي في الواقع للإيمان الكنسي؛ إلا أن الإيمان الديني البحت المستند بالكامل إلى العقل هو وحده الذي يمكن أن يُعرف بوصفه إيماناً ضرورياً وعلى هذا الأساس بوصفه إيماناً أوحداً، يعدّ علامة على الكنيسة الحقيقية»[1].

يرى إيمانوئيل كانط أن الأعمال العبودية هي وسيلة للخدمة، وأن هناك مؤسس ديني قد أضافها إلى أصل الدين، وبطبيعة الحال

(181)

يجب أن لا ننكره أو نقلل من احترامه. إن أصل الدين هو الدين العقلاني البحت الذي هو شرط غير قابل للنقض لكل نوع من أنواع الإيمان الديني، وأن

«القرارات والطقوس ـ بوصفها وسيلة للخدمة والعبادة ـ قد تمّت إضافتها إلى الدين [من قبل المؤسس الديني]، ليستفيد منها بهذا العنوان وأنه يريد أن يقيم النظام الكنسي على أساسها»[1].

إن الحقيقة الأولية للدين والأحكام الكنسية الأصيلة، وبعبارة أخرى: الكنيسة الحقيقة الأولى، متجذّرة في قلب كل إنسان ـ بغضّ النظر عن إرادة الآخرين ـ وأن تعاليم الأنبياء ناظرة إلى مفاهيم العقل البحت الموجودة في دواخل الناس، ويجب الكشف عنها:

«... وبطبيعة الحال فإن هذه التعاليم [تعاليم رسول الله] لا يمكن أن تكون قطعاً شيئاً آخر غير تعاليم العقل البحت؛ وذلك لأن تعاليم العقل البحت هي التي تحمل دليلها معها، وإن التعاليم الدينية الأخرى [أي التعاليم غير المستندة إلى العقل البحت] يجب أن تقوم على هذه الأدلة ... إن هذه الخصلة القلبية والباطنية للأخلاق كامنة في وجود الإنسان، وليس مراعاة التكاليف الوضعية أو المدنية الكنسية التي تجعله محبوباً لله»[2].

(182)

في موارد التعارض بين العقل البحت وأحكامه وتعاليمه مع الدين الوحياني، يجب تقديم أحكام العقل البحت، ولو اكتسب العقل البحت في بعض الأحيان حالة التابع، فإن العقائد سوف تكتسب صورة عبودية؛ ومن هنا يذهب إيمانوئيل كانط إلى الاعتقاد قائلاً:

«في التعاليم الوحيانية المسيحية لا يمكن البدء والانطلاق أبداً من الاعتقاد اللامشروط بالقضايا الوحيانية (البعيدة عن متناول العقل في حدّ ذاتها)»[1]؛

إذ في مثل هذه الحالة لن يكون الاعتقاد المسيحي إيماناً مأموراً به من قبل الله، ولكان مجرّد اعتقاد عبودي؛ «إذن ينبغي تعليم العقيدة المسيحية على الدوام ـ في الحدّ الأدنى ـ بوصفها عقيدة تاريخية حرّة»[2]. يُضاف إلى ذلك أنه للحيلولة دون النزعة العامية والاعتقاد العبودي في تعليم العقيدة المسيحية، يجب التعرّف على العقل العام للإنسان في دين طبيعي بوصفه أصلاً عالياً للحاكمية، وأن يقع مورداً للاحترام؛ وبطبيعة الحال فإن تعليم الوحي الذي تستند إليه الكنيسة، يجب الاهتمام به بوصفه هو الوسيلة الثمينة الوحيدة لجعل العقل العام قابلاً للإدراك ومقاوماً، والعمل على توسيع دائرة انتشارة.

فيما لو لم تتمّ مراعاة حق تقدّم العقل، ولربما ذهب التصور

(183)

والظن إلى الاعتقاد بتقدّم الوحي على العقل، فإن الخدمة سوف تكتسب حالة كاذبة، وفي الأساس فإن

«الصلاح الأخلاقي ينقلب على عقبيه تماماً، وما كان يعتبر بوصفه مجرّد وسيلة، سوف يُنظر إليه بوصفه غاية أخلاقية»[1].

وكذلك فإن الكنيسة التي تقام على أساس هذه التصوّرات، لن يكون لها خادم حقيقي؛ بل سوف تكون مجرّد منظومة تصدر الأوامر لا أكثر. وفي مثل هذه الموارد تحل الوسيلة دائماً محلّ الغاية. إن وسائل من قبيل العبادة ـ من دون لحاظ الإصلاح الأخلاقي فيها ـ سوف تعرّض الإنسان إلى الإغواء الديني، أو الدين الكاذب. إن كلمات من قبيل: «تحصيل مرضاة الله»، مما يعتبر القيمة الغائية في التسليم لأمر الله، ولا تهتم بالغاية الأخلاقية ومعطيات العقل البحت، هي بأجمعها شبه خدمة، بل هي من الإغواء الديني. يرى إيمانوئيل كانط أن هناك مجرّد أصل واحد، وهو مستغن عن الدليل أيضاً:

«إن كل ما يراه الإنسان ـ إذا ما استثنينا السلوك الحسن ـ بوصفه عملاً يقوم به للحصول على مرضاة الله، هو مجرّد غواية دينية وشبه خدمة لله»[2].

لو أمكن للإنسان أن يقوم بالإصلاح الأخلاقي بعقله البحت،

(184)

يكون قد توصّل إلى الحقيقة الدينية، وأما إذا اعتقد بأن آثار رحمة [الله] يمكن لها دون أن يكون هناك سعي منا، إلى إحداث التغيير في حياتنا، سوف يكون هذا الأمر واحداً من موارد الإغواء الديني وخداع المعتقدات الدينية. إن هذا الإغواء الذي نبرر بواسطته لأنفسنا من خلال قيامنا بالأعمال العبادية في حضرة الله، ليس سوى خرافة دينية. كما أن إغواء جلب اهتمام الله من طريق السعي إلى الأنس مع الله في عالم الخيال، إنما هو من العصبية الدينية. إن إغواء العصبية الدينية موت أخلاقي للعقل؛ إذ لا يمكن الحصول على تديّن من دون العقل؛ إذ يجب أن يستند إلى  الأصول العقلانية، مثل جميع أنواع التحلي الأخلاقي[1].

(185)
(186)

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

الإنسانويّة في المرحلة المعاصرة

(187)
(188)

إن الإنسانوية في المرحلة المعاصرة، إنما هي امتداد لإنسانوية عصر التنوير، بيد أن هذا الامتداد يحدث بشدّة أكبر، وضمن مختلف المدارس الفلسفية الجديدة. إن الماركسية والبراغماتية والوجودية من المدارس الفلسفية المعروفة التي تشكل الأفكار الإنسانوية مادتها الأصلية. كما ظهرت في العقود الثلاثة الأخيرة حركات بأسماء مستقلة، من قبيل: «الإنسانوية الإلحادية»، و«الإنسانوية العلمانية» وقد قامت بنشاطات واسعة أيضاً.

ومن بين هذه المدارس تشتمل الفلسفة البراغماتية على الكثير من المواد المقتبسة من الإنسانوية التنويرية. إن البراغماتية إنما هي في الأصل فلسفة أمريكية، قام ببسطها وتفصيلها كل من: تشارلز ساندرز بيرس[1]، ووليم جيمس[2]، وجون ديوي[3]، وماكس شيللر[4]. إن الغايات الفكرية للبراغماتية شديدة الإنسانوية.

(189)

وفي هذا الشأن يؤكد وليم جيمس في مقالته الشهيرة «الإنسانوية والبراغماتية» على  الأفكار الإنسانوية؛ وتعدّ موضوعات من قبيل: أفضلية الإنسان، واعتبار المنهج العلمي، وأخذ الشرائط البيئية والإيكولجية في الإبداع الشخصي بنظر الاعتبار، من الموضوعات التي تحظى باهتمام البراغماتيين.

وفي الفلسفة الوجودية يمكن العثور على الكثير من الاتجاهات الإنسانوية. إن الكثير من الفلاسفة الوجوديين يعتبرون الوجود[1] منطلقاً لفلسفاتهم، ومراد بعضهم من الوجود هو الوجود الإنساني. وقد عرّف جون ماك كواري[2] الفلسفة الوجودية بوصفها فلسفة الفاعل المعرفي وليست موضوعاً معرفياً[3]. لا يخفى أن آراء الفلاسفة الوجوديين مختلفة فيما بينهم للغاية، ولذلك فإن اتجاهاتهم الإنسانوية ـ بطبيعة الحال ـ سوف تختلف هي الأخرى تبعاً لذلك. وسوف نهتم في الأبحاث القادمة على نحو خاص بأفكار الفلاسفة

(190)

الوجوديين من أمثال: جان بول سارتر[1]، ومارتن هايدغر[2]، حيث لهم مقالات مستقلة حول الإنسانوية. وبطبيعة الحال فقد تمّ التعريف بإنسانوية سورين كركيغارد[3] ـ الذي يُعرف بوصفه أول فيلسوف وجودي ـ على نحو الإجمال. وفي القسم الأخير من هذه المجموعة سوف نشير إلى أفكار «الإنسانوية الإلحادية» المقتبسة بشكل وآخر من أفكار كارل ماركس[4]، وفريدريش نيتشه[5]، وأوجست كونت[6]،

(191)

ولودفيغ فويرباخ[1]، وكذلك «الإنسانوية العلمانية». وسوف نبيّن الإنسانوية الماركسية عند الحديث عن أفكار كارل ماركس.

الأبعاد الإنسانوية للفلسفة البراغماتية

إن الأفكار الإنسانوية في المرحلة المعاصرة قد تأثرت  بالفلسفات البراغماتية إلى حدّ كبير؛ بحيث أن الإنسانوية البراغماتية تعدّ اليوم واحدة من الأقسام الهامة للإنسانوية[2]. إن البراغماتية تيار فلسفي ـ أو بعبارة أفضل: منهج فلسفي ـ ظهر في أواخر القرن التاسع عشر وبعد ذلك في القرن العشرين للميلاد في البلدان الأمريكية، وشاع بعدها في البلدان الأوروبية. وكان الفلاسفة الثلاثة المؤثرون في هذا التيار الفلسفي، هم كل من: تشارلز ساندرز بيرس (1839 ـ 1914 م)، ووليم جيمس (1842 ـ 1910 م)، وجون ديوي (1859 ـ 1952 م).

إن مفردة «البراغماتية» قد تم استعمالها للمرّة الأولى مقتبسة من اللفظ اليوناني «براغما»، بمعنى العمل[3]، في مقالة لتشارلز ساندرز بيرس بعنوان «كيف نوضح أفكارنا (تصوراتنا)»[4]. وكما يبدو من عنوان مقالة ساندرز بيرس فإن البراغماتية هي منهج فلسفي أكثر منها فلسفة. يقول وليم جيمس: «إن الاتجاه البراغماتي

(192)

لا يتوقع أي نتيجة خاصة، بل هو مجرّد أسلوب ومنهج»[1].

إن المنهج البراغماتي قد استفاد من أساليب الفلسفات التجريبية، ولكنه يؤكد بشكل جاد على العمل والأسلوب العملاني، ويرى أن فائدة النظرية وتأثيرها يكمن في جدوائيتها وأثرها العملي على الأمور الأخرى. لقد كان لهذه الرؤية العملانية تأثير ملحوظ على ظهور وتبلور الأفكار الإنسانوية بين الفلاسفة البراغماتيين. إن الغاية النهائية للبراغماتية هي تطبيق كل فكرة تعمل على خدمة الأهداف الإنسانية. إن الفلسفة ليست مجرّد حقل علمي يبحث في مجموعة من المسائل النظرية الخاصة، ويغفل عن الأمور الإنسانية، بل هي وسيلة يلجأ إليها الناس من أجل حل معضلاتهم الشخصية والاجتماعية، ويعملون بواسطتها على توضيح توجهاتهم وأهداف حياتهم. إن الأخطاء والأوهام الفلسفية إنما تنشأ حيث تغفل الفلسفة عن الاهتمام بالمسائل والموضوعات التي يحتاج إليها الإنسان في صلب المجتمع. وعلى حد تعبير وليم جيمس:

«إن الإخفاق الحقيقي في موضوع مثل الفلسفة، إنما يكمن في فقدان ارتباطه بالفضاء المفتوح للطبيعة الإنسانية، والاكتفاء بالتفكير ضمن الفضاء التقليدي المغلق»[2].

كما ذهب جون ديوي إلى القول بأن الفلسفة هي حصيلة ونتاج

(193)

صراع الإنسان مع معضلاته الاجتماعية والأخلاقية الخاصة[1]. يتضح من كلام جون ديوي أمران؛ الأمر الأول: أن فهم الفلسفة لا يمكن إلا من طريق الوعي وإدراك العوامل الاجتماعية التي تتسبب في حدوث معضلة أو مشكلة. والأمر الثاني: إن قيمة كل فلسفة أو نظرية إنما هي رهن بمقدار نفعها وجدوائيتها في حل معضلات البشر[2]. وفي المجموع يمكن اعتبار الفلسفة البراغماتية من حيث الأسلوب والمنهج تجريبية، ومن حيث الغاية والهدف إنسانوية. ويمكن تبويب أهم الأبعاد الإنسانوية للتفكير البراغماتي على النحو الآتي:

 الأسلوب التجريبـي البراغماتي وأصل المنفعة للإنسان

كما سبق أن ذكرنا فإن البراغماتيين قد استفادوا من الأسلوب التجريبي للمضيّ قدُماً في مدعياتهم. وبطبيعة الحال فإن التجربة المنشودة لهم هي التجربة الفعلية في حياة الناس، وتكمن قيمتها بمقدار ما تنطوي عليه من الفوائد بالنسبة إلى الناس. يرى البراغماتيون أن التجربة هي مصدر قوي للمعرفة، ويعتقدون بوجوب الإقبال على طبيعة الأشياء بحسب التجربة الإنسانية، ومشاهدة الأمور الواقعة في حالتها الانضمامية. يجب حذف العناصر ما بعد الطبيعية سواء أكان موضعها في الذهن أو في العين والخارج. إن أموراً من قبيل: الأصول الأولية، والمقولات، والضروريات المتعيّنة مسبقاً، والحقيقة المطلقة، أمور انتزاعية وما بعد الطبيعية، ويجب

(194)

فصل الذهن عنها[1]. وفي المقابل يجب الإقبال على طبيعة الأشياء بحسب نتائجها وواقعياتها. لا يمكن الحصول على أيّ استنتاج بشأن العالم من طريق الأبحاث ما بعد الطبيعية، سوى أن تكون لها إشارة إلى الواقعية في العالم بحسب تجربتنا لتلك الواقعية. إن تصوراتنا وآرائنا إنما تحصل من طريق دراسة ومطالعة نتائجها بما يتطابق مع التجربة الفعلية للإنسان. لا ينبغي بنا أن نمضي بأحكامنا قُدُماً على أساس بعض الواقعيات الاستعلائية أو الأصول المتعيّنة مسبقاً. إن أحكامنا يجب أن تتعلق بأمور قابلة للتجربة بحيث تكون مفهومة بالنسبة لنا[2].

 المفهومية:

 إن المفهومية عند البراغماتيين تشتمل على صبغة إنسانوية بالكامل؛ لأن المراد من المفهومية هو مقدار ما ينطوي عليه الشيء من فائدة للإنسان أو مقدار جدوائيته في حل المشاكل في حياته. إن قيمة كل نظرية مرتبطة بشكل مباشر بحجم قدرتها على مشاكل حياة الإنسان. إن القدرة على حل مشاكل الإنسان تربط الآراء البراغماتية بالعوامل البيئية والاجتماعية المؤثرة في حياة الناس؛ وبعبارة أخرى: إن العوامل البيئية والمعرفية والاجتماعية لها تأثير كبير على مفهومية الأمور بالنسبة إلى الأفراد. إن للعوامل الفسيولوجية والنفسية تأثير كبير ـ من وجهة نظر جيمس ـ على تبلور المفاهيم والتصورات

(195)

والنظريات لدى الإنسان[1]. وقد كان يأخذ هذه العوامل على شكل وقائع وأحداث في التجربة الشخصية للناس، وكذلك على شكل أدوات لإرادة الإنسان وتطلعاته. كما كان جون ديوي يُبدي اهتماماً كبيراً بتأثير العوامل الاجتماعية على حياة الإنسان[2].

مسألة الحقيقة:

إن المفهومية من وجهة نظر البراغماتيين صانعة للحقيقة. توضيح ذلك أن الحقيقة من المسائل التي يخوض فيها البراغماتيون كثيراً. وقد ذكروا نظريتين مختلفتين لبيان الحقيقة، وهما:

1 ـ النظرية التوافقية[3].

2 ـ النظرية الوسائلية[4].

طبقاً لنظرية التوافق، إنما تكون القضية صادقة إذا وافق عليها جميع الأفراد الذين وجدوا قرائن كافية على تأييدها من وجهة نظرهم. وأما في النظرية الوسائلية فإن «القضية إنما تكون صادقة إذا كان العمل ـ على طبق الاعتقاد بها ـ ينطوي على نتائج مفيدة للمعتقدين بذلك الاعتقاد»[5]. إن الفائدة الأصيلة أساس لبناء الحقائق. إن «الحقيقة» المطلقة مفهوم انتزاعي، بمعنى أنها انتزاع

(196)

من الحقائق، وهذه الحقائق هي الواقعيات. في النظرية البراغماتية يتم رفع الحدود بين الحقيقة والواقعية، وينظر إليهما بوصفهما شيئاً واحداً. قال جيمس في مقالة (البراغماتية): «إن الواقعية هي بشكل عام شيء لا مندوحة للحقائق من أخذها بالحسبان»[1]. إن الحقيقة مختلقة، كما هو حال القوانين واللغات التي يختلقها البشر أو يبدعونها. إن مختلقات البشر بالتواكب مع تقدمنا «تصنع نفسها». فهي ليست أصولاً متحققة على نحو سابق أو  مفترضة لتعمل على تحريك مسار ما، بل هي مجرد أسماء انتزاعية للنتائج الحاصلة من هذا المسار[2]. إن أقوى أشكال الإنسانوية البراغماتية يبدأ من هنا، حيث يكون أول من اقترحه هو شيللر، والذي دافع عنه وقام بجرحه وتعديله هو وليم جيمس.

لو أضحت الحقيقة والواقعية شيئاً واحداً، ولم تكن الحقيقة متعيّنة مسبقاً، وكانت الواقعية والحقيقة في الأساس ما نصنعه نحن، وكانا على حدّ تعبير شيللر: إنهما يتشكلان مثل الشمع بأيدينا:

«من العبث أن نعمل على تعريفه بمساعدة ما كان موجوداً في الأصل أو ما هو منفصل عنا. هو ذات ما يتم صنعه؛ ومن هنا .. فإن العالم قابل للتشكل»[3].

يستعرض وليم جيمس رأي شيللر، ويبيّن الموقف الإنسوي

(197)

بشكل أفضل. إن أول جزء من الواقعية ـ التي تم اعتبارها والحقيقة شيئاً واحداً ـ هي مشاعرنا التي تُفرض علينا ولا نعلم مصدرها. ونحن لا نمتلك أيّ سلطة أو سيطرة على ماهيتها أو نوعها وكميتها. إن مشاعرنا وأحاسيسنا لا هي «صادقة» ولا هي «كاذبة» وإنما هي «موجودة» فقط[1]. هذا هو البعد التجريبي البحت للبراغماتية.

إن الجزء الثاني من الواقعية الذي يجب أن نأخذه بجدية، هو العلاقات والروابط الموجودة بين مشاعرنا وأحاسيسنا أو بين آثارها في أذهاننا. وهذا الجزء بدوره ينقسم إلى جزئين فرعيين آخرين، وهما:

1 ـ الروابط المتغيّرة والعرضية، من قبيل: الروابط الزمانية والمكانية.

2 ـ الروابط الثابتة والذاتية[2].

إن كلا هذين القسمين، موضوع للإدراك من دون واسطة، إلا أن القسم الثاني من الأمور الواقعية، يمثل القسم الأهم الذي يعمل على بلورة وتشكيل نظرياتنا المعرفية[3].

الجزء الثالث من الواقعية عبارة عن «الحقائق القبلية»، والتي يتم التعامل معها في كل بحث بجدية. وبطبيعة الحال فإن هذه الحقائق تستند إلى جزئين سابقين، ونعني بهما: الحقائق القبلية، التي هي ليست

(198)

ثابتة وذاتية، ولا هي غير قابلة للتغيير، بل يمكن تغييرها باختيارنا[1].

يرى وليم جيمس أن هذه العناصر الواقعية مهما كانت ثابتة، فإننا نتمتع في التعاطي معها بنوع من الاختيار:

«إذن ما نقوله بشأن الواقعية، رهن بالأفق الذي نضعها فيه. إن وجوده لذاته، إلا أن «ماهيته» رهن بـ «نوع» وجوده، ونوع وجوده رهن بنا «نحن». إن الأجزاء الحسية والأجزاء الربطية، واقعيات صامتة. إنها لا تقول شيئاً حول نفسها على الإطلاق. إننا نحن الذي يتعيّن علينا أن نتكلم بالنيابة عنها ... عندما نتحدّث عن الواقعية «المستقلة» عن التفكير الإنساني، يبدو أنها شيء بعيد المنال إلى حدّ كبير. ويتحول إلى مفهوم دخل لتوه كي يخضع للتجربة، ويجب الآن تسميته»[2].

إن هذه الأمور الصامتة تعدّ من وجهة نظر وليم جيمس متهرّبة، وتشكل الحدّ المثالي لأذهاننا؛ وعلى هذا الأساس فإن كل ما يُعرف باسم الواقعية، يُضاف إليه عنصر إنساني على الدوام، حيث يكتسب عنوان الواقعية. وبعبارة أخرى: إنه ليس «ذات» الواقعية، وإنما تصوراتنا «بشأن» الواقعية.

ولربما ذهب التصوّر إلى أن البراغماتية لا ترى أيّ شيء في

(199)

العالم مشتملاً على واقعية مستقلة، أو أنها تنكر في الواقع كل شيء في العالم؛ ولكن يجب القول: إن البراغماتية لا تريد أن تنكر وجود الأشياء في العالم؛ إذ قد لا يكون هناك إنسان، وتكون الكائنات الأخرى موجودة؛ ولكنها تعتقد أن ذلك الشيء الذي يريد أن يرتدي ثوب «امتلاك الواقعية» أو «امتلاك الحقيقة»، يجب أن يعمل من خلال الإنسان أو تدخل العامل الإنساني، لكي يكتسب الشيء عنوان «الواقع» أو «الحقيقة».

 الإنسان وصنع الموضوعات والمحمولات في البراغماتية

بالنظر إلى ما تقدّم فإن البراغماتية تعمل على صنع الموضوعات والمحمولات في العالم، وتخلع عليها الأسماء، وتقيم الروابط فيما بينها، وبالنظر إلى طريقة الارتباط تصفها بالصادقة أو الكاذبة أيضاً. وفي جميع هذه المسارات يكون أصل المنفعة والجدوائية هو المنشود بالنسبة إلى الفرد على الدوام. إن صنع الموضوعات رهن بجدوائيتها بالنسبة إلى الإنسان. وإن لتطبيق الموضوعات وتأثيرها على الإنسان، وتعاطيها مع الإنسان بشكل عام، دوراً أساسياً في صنع الموضوعات وجدوائيتها في العالم. يقول وليم جيمس في هذا الشأن:

«وعلى هذا الأساس فإننا نعمل على تجزئة مسار الواقعية المحسوسة إلى أشياء طبقاً لرغبتنا. فنحن من يصنع موضوعات القضايا الصادقة، وموضوعات القضايا الكاذبة أيضاً. كما أننا نحن من يصنع المحمولات أيضاً.

(200)

إن الكثير من محمولالت الأشياء إنما تبيّن علاقات وارتباطات الأشياء بنا وبمشاعرنا وأحاسيسنا. وهذه المحمولات هي ملحقات إنسانية بطبيعة الحال»[1].

النسبية المعرفية في الفكر البراغماتي

إن الدور الإبداعي للإنسان في صنع الموضوع والمحمول، وتعيين صدق وكذب الأمور والقضايا على أساس «أصل المنفعة بالنسبة إلى الإنسان»، يُعرّض البراغماتية إلى مأزق النسبية المعرفية. ومن هنا لا ينبغي الاعتماد أبداً على الأمر الثابت والمطلق والخالد والأزلي، كما هو موجود في الاتجاهات العقلانية أو الدينية؛ إذ لا يمكن بلوغ ذلك أبداً. إن المستقبل يحدّد كل شيء، وإن كل شيء في حالة من التبلور والتكوّن[2]. إن العقائد الأكثر نفعاً وجدوائية تحلّ ـ على الدوام ـ محل العقائد الأقل جدوائية. إن التجارب السابقة تشكل دعامة للتجارب اللاحقة. إنها تدخلنا في ميادين جديدة من التجارب، وترشد الإنسان إلى ما ينبغي الالتفات إليه وما هو السلوك الذي عليه القيام به. وكأن هناك مساراً مترابط الأجزاء مؤلف من تجارب تتعلق حقيقتها منذ البداية إلى النهاية بإبداعنا وخلاقيتنا نحن البشر. وقد بلغ برادلي[3] ـ وهو من البراغماتيين الإنسانويين

(201)

ـ بالنسبية إلى الحد الذي قال معه: لو أن الإنسوي أدرك معنى معلومته، وجب عليه الاعتقاد بعقلانية أيّ نتيجة أو نهاية مهما كانت منحرفة، لو أصررت عليها شخصياً، وأن يعدّ كل تصور ـ مهما كان جنونياً ـ حقيقة لو أصرّ شخص على امتلاكها بهذا الشكل فقط[1]. وقد تمّ تعديل هذه النظرية من قبل بعض من البراغماتيين الآخرين من أمثال جون ديوي، بمعنى أنه يتجنب الآراء الفردية الإنسانية في تعيين الحقيقة، ويتجه نحو الآراء الجماعية الإنسانية أو التجارب الإنسانية[2]. إن الحقيقة هي «النفعية»؛ بيد أن هذا الكلام لا يعني اعتبار الحقيقة مع «بعض الأهداف والغايات الشخصية البحتة أو المنافع الفردية» شيئاً واحداً. يجب تعريف مفهوم وتفسير النفع والفائدة في مسار تحول موقعية معقدة إلى موقعية أخرى، والموقعية المعقدة شيء عام وعيني[3].

الإبعاد الإنسانوية في الفلسفة الوجودية

إن الوجودية من أهم الاتجاهات الفلسفية المعاصرة، والتي كان لارتداداتها الفكرية في أواسط القرن العشرين للميلاد تأثير واسع على الأفكار الغربية. وبطبيعة الحال فإن بداية هذا التفكير الفلسفي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، وإلى آراء الفيلسوف الدنماركي

(202)

سورين كركيغارد. بيد أن ازدهارها يعود إلى أوائل القرن العشرين، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية. وبالإضافة إلى سورين كركيغارد يمكن الإشارة من بين الفلاسفة الوجوديين البارزين، إلى كل من: غابريل مارسيل[1]، وكارل ياسبرس[2]، وجان بول سارتر، ومارتن هايدغر. إن هؤلاء الفلاسفة على الرغم من اشتراكهم في الكثير من الآراء، ولكنهم يختفلون في آرائهم الأخرى بشكل جوهري. ومن هنا فإن إدراج الفلاسفة الوجوديين ضمن قسم خاص ـ كما هو الحال بالنسبة إلى المذاهب الفلسفية الأخرى ـ في غاية التعقيد. من ذلك على سبيل المثال من المعروف أن الفلاسفة الوجوديين بأجمعهم يبدأون بمفهوم الوجود، بيد أنهم يقدمون معاني وأنواع مختلفة لهذا المفهوم وكيفية ظهوره وأساليب الوصول إليه. يرى كركيغارد أن الوجود أمر ملموس ومحسوس للإنسان المتفرّد والمتشخّص، ويذهب في قبال النظام الفلسفي لهيجل[3] إلى الاعتقاد بأن

«الإنسان يحقق وجوده تماماً من خلال الوجود والظهور بوصفه فرداً فريداً يمثل ذاته، وهو يبدي مقاومة شديدة تجاه الانحلال والذوبان في نظام معيّن»[4].

(203)

كما أن مارتن هايدغر تجنباً للخلط المفهومي لـ (Existence)، لجأ إلى استعمال المصطلحات الثلاثة الآتية، وهي: (Existentia)، و(Existenz)، و(Dasein). إن الدازاين هو الوجود المتمثل بالإنسان، والـ (Existentia) بمعنى الحاضر. وقد أعلن هايدغر أن الـ (Existenz) في كتاباته بمنزل تسمية الوجود، سوف يتم تخصيصه بالدازاين فقط. أما جان بول سارتر فيريد بالـ (Existence) مفهومه المتعارف؛ بمعنى: «الوجود الفردي الملموس في هذا المكان الخاص والزمان المحدّد». وأما ياسبرس فإنما يستعمل مصطلح الـ (Existence) لمجرّد الإشارة إلى هذه الحقيقة وهي أننا نعثر على أنفسنا في هذا العالم. ومن خلال هذا البيان الإجمالي ربما أمكن الوقوف على الاختلاف بين آراء الفلاسفة الوجوديين حول مفهوم الـ (Existence)؛ بيد أن اختلاف الآراء حول توضيح وتفسير هذه الكلمات جاد للغاية.

وعلى الرغم من ذلك كله، يبدو أن الفلاسفة الوجوديين، قد ربطوا كلمة الـ (Existence) بوجود الإنسان بشكل وآخر. ومن الواضح بطبيعة الحال أن الاختلاف المفهومي لمصطلح الـ (Existence) ـ كلما أردنا تحديده بوجود الإنسان ـ يظهر في البحث الإنسوي من الفلسفة الوجودية أيضاً؛ وعلى هذا الأساس نحصل على إنسانويات مختلفة من صلب الأفكار والآراء الوجودية؛ حيث يجب البحث عن كل واحد منها بشكل مستقل. وفيما يلي نشير إلى خصيصتين إنسويتين في الفلسفات الوجودية، وبعدها سوف نتعرّض إلى الإنسانوية الخاصة بكل واحد من الفلاسفة الوجوديين بشكل منفصل.

(204)

الخصائص الإنسانوية للفلسفات الوجودية

إن أهم الخصائص الإنسانوية في الفلسفات الوجودية، تتلخص في قسمين، وهما أولاً: في أسلوبهم الفلسفي؛ بمعنى أنهم بأجمعهم يبدأون أبحاثهم من موضوع «الإنسان». وثانياً: في نفي وإبطال الفلسفات السابقة المشهودة في جميع الفلسفات الإنسانوية.

أ ـ أسلوب التفلسف المشترك بين الفلاسفة الإنسانويين الوجوديين

إن إحدى الخصائص الهامة والمشتركة بين الإنسانويين الوجوديين، تكمن في أسلوب فلسفاتهم[1]. إنهم بأجمعهم يبدأون فلسفاتهم بالإنسان. قال جان ماك كواري بهذا الشأن:

«إن الخصوصية الأبرز لهذا الأسلوب [الفلسفي للفلاسفة الوجوديين] أنه يبدأ فلسفته من الإنسان، وليس من الطبيعة. إنها فلسفة الفاعل المعرفي، وليست فلسفة التعرف على الموضوع ... إن المراد من الفاعل المعرفي هو الموجود[2] في الطيف الكامل لوجوده. إن الإنسان ليس مجرّد فاعل معرفي، بل هو مبدأ الفعل ومركز الإحساس أيضاً»[3].

(205)

إن مستوى الاهتمام بالإنسان والقيَم الإنسانية لدى الفلاسفة الوجوديين ليس على مقدار واحد. ففي تفكير سورين كركيغارد وغابريل مارسيل نلاحظ القليل من الإنسانوية. بل هناك من الكتاب المعاصرين من أنكر وجود أيّ تناغم وانسجام في فلسفة كركيغارد مع الاتجاهات الإنسانوية[1]. وفي المقابل لدى جان بول سارتر من الاتجاهات الإنسانوية في وجوديته بحيث أنه يعتبر الوجودية هي الإنسانوية. وأما مارتن هايدغر وكارل ياسبرس فلديهما الحد الوسط من الاتجاهات الإنسانوية.

ونجد عند روجرشين بياناً نافعاً بشأن الإنسانوية في الفلسفات الوجودية؛ فهو يرى أننا نواجه في الفلسفات الوجودية نوعين من الإنسانوية، وهما: «الإنسانوية المفتوحة» و«الإنسانوية المغلقة»:

«إن الإنسانوية المفتوحة مجرد مشيرة إلى اكتساب القيَم الإنسانية في العالم، وكنموذج بحت سوف تطلق على إنسانوية بيرديائيف[2]. والنوع الثاني من الإنسانوية يحتوي على المزيد من الدلالة الضمنية؛ بمعنى أن الإنسان في هذا النوع من الإنسانوية يُعدّ هو الخالق الأوحد للمعنى والقيمة في العالم. من الواضح أن هذا النوع من الإنسانوية، يُمثل ذلك النوع من عدم الإيمان

(206)

الذي يعتقد به جان بول سارتر؛ ومن هنا فإنه يدّعي أن الفلسفة الوجودية ضرب من عدم الإيمان ... [إذ] أن الاعتقاد في هذا النوع من الفلسفة يقوم على أن الإنسان قد تُرك لنفسه كي يعمل على ما يمكنه من خلق وتحقيق القيَم في عالمه. وفي هذا البين يذهب روجرشين إلى الاعتقاد بأن مارتن هايدغر يميل في الغالب إلى اتباع إنسانوية مفتوحة أكثر منه ميلاً إلى اتباع إنسانوية مغلقة؛ وذلك لاعتقاد هايدغر بأن حياة الإنسان تقع في مساحة أوسع من الوجود. إن الإنسان لا يخلق الوجود، بل وبعبارة أدق: إنه يأخذ وجوده من الوجود أيضاً، ويصبح مسؤولاً تجاه الوجود وفي قبال الوجود. وهو قبل أن يتكلم يجب أن يعتبر نفسه مخاطباً للوجود؛ وعلى هذا الأساس فإن الفلسفة الوجودية وإن كانت نوعاً من الإنسانوية بالمعنى الواسع للكلمة، إلا أنها ليست دائماً أو ضرورة إنسانوية مغلقة»[1].

الوجودية وإبطال الفلسفات السابقة

إن من بين الخصائص الهامة للإنسانوية، هي إبطال الآراء التي كانت تروم بشكل وآخر أن تفرض حجيتها على الآراء الأخرى. إن الإنسانوية ترى حريتها في التخلص من الآراء المفروضة من قبل الفلسفات السابقة. وهذا الأسلوب ملحوظ في الفلسفات الوجودية

(207)

بشكل كامل. إن الكثير من الفلسفات المثالية والتجريبية والعقلانية البراغماتية لا تعدّ مقبولة من قبل الوجودية؛ إذ لا ينظر في هذه الفلسفات إلى وجود الإنسان وأبعاده الوجودية.

إن الفلسفات المثالية تتجه على الدوام نحو التفسيرات الاستعلائية، ويتم فيها تجاهل وجود الإنسان؛ من ذلك على سبيل المثال أن الوجود المتعالي لله يجب إبطاله في الفلسفة الوجودية؛ ليجد الإنسان نفسه «متروكاً» و«ضائعاً» و«حيراناً»، دون أن تكون هناك جهة محددة مسبقاً أو أمر يضفي المشروعية عليه. هناك من المفاهيم ما يترك تأثيره على أهداف حياتنا على الدوام؛ ولكن علينا مواجهة هذه الحقيقة وهي أنه لا توجد أيّ وظيفة محددة للإنسان. إن الإنسان «ليس مخططاً في ذهن الله» حتى يجب عليه أن يُنجزه، وبشكل عام فإن كل ما يقدم لنا «بوصفه أسلوباً صحيحاً لجميع الناس هو هذا دون غيره» يجب التخلي عنه ونبذه[1]. إن الفيلسوف الوجودي ـ خلافاً للفلاسفة التجريبيين الذين يهتمون بالطبيعة كثيراً ـ يبدي اهتماماً بالإنسان، ونعني به الإنسان في مقام الموضوع البحت[2] والعامل المعرفي[3]. ونعني بالفاعل المعرفي ـ بطبيعة الحال ـ ذلك الذي يتعاطى بوجوده مع جميع أبعاد الوجود، بمعنى الفاعل المعرفي في مقام الوجود. أو بعبارة أفضل: الإنسان في مقام الموجود. الإنسان الذي يتعاطى بجميع أبعاده مع الوجودات الأخرى، ويفكر بجميع الوجود[4].

(208)

كما يؤكد الفلاسفة الوجوديون على «العمل في دائرة الوجود»؛ بيد أن هذه العملانية يجب أن لا يتداعى إلى الذهن منها العملانية البراغماتية؛ وذلك لأن التأكيد على العمل في الفلسفة البراغماتية إنما هو من أجل الحصول على الحقيقة، والمنفعة، والحصول النوعي على الفائدة؛ بيد أن التأكيد على العمل في الفلسفة الوجودية ليس من أجل الوصول إلى الحقيقة؛ إذ ربما لا يكون هناك من وجود للحقيقة أصلاً. وعلى حد تعبير نيقولا بيردائيف:

«... إن حالة حيوية ونشاط الأمور، ونجاح، ومنفعة وفائدة جميع هذه الأمور هي في الغالب علامة على الكذب أكثر منها علامة إلى الحقيقة. لا يوجد في هذا العالم شيء مفيد ونافع على نحو اليقين. لا ينتج شيء عن الحقيقة. بل ربما تؤدي الحقيقة حتى إلى تدمير واضمحلال نظم الأمور في هذا العالم، إن الحقيقة تحتاج إلى فداء، وربما تؤدي حتى إلى الشهادة»[1].

وفي الحقيقة فإن التأكيد على العمل في الفلسفة الوجودية يحتوي على حالة مرتابة. كما أن الحضور في ساحة الوجود الناشئ من العمل في دائرة الوجود، يصبح منشأ لنوع من الفقدان والعدمية التي تؤدي بدورها إلى الخوف واليأس والاضطراب. والنتيجة هي أن الفلسفة الوجودية تسعى ـ من خلال قولها إن الفلسفات السابقة عليها أو الفلسفات السائدة في عصرها تتجاهل مسألة الوجود كما

(209)

تتجاهل وجود الإنسان ـ إلى لفت الانتباه بشكل رئيس إلى مسألة الوجود، وبشكل خاص إلى وجود الإنسان بوصفه كائناً فريداً من نوعه.

إن بداية الأفكار الوجودية تكمن في مسألة الوجود أو الأمر الوجودي[1]، حيث يذهب أغلب المؤلفين إلى الاعتقاد بأن تعيين الحدود المفهومية للوجود في غاية الصعوبة والتعقيد. وعلى الرغم من ذلك كله فإن كلمات الفلاسفة الوجوديين بشأن الوجود تحتوي على التناسب الأكبر مع الوجود المتعلق بالإنسان. يتحدّث الفلاسفة الوجوديون حول الإنسان بتعبيرات من قبيل: «الوجود» و«الموجود لنفسه» و«أنا» و«دازاين» (كان هناك)، ويرون له خصائص فذّة، من قبيل: الكائن الفعال، و«الذي هو في صيرورة دائمة»، والكائن الذي يصنع نفسه ضمن فضاء الحرية، والكائن الذي يتعامل مع سائر البشر، ويتعاطى على الدوام مع وجود وكينونة الآخرين وما إلى ذلك من الخصائص الأخرى.

وفيما يلي سوف نتعرّض إلى آراء ثلاثة من الفلاسفة الوجوديين، ونعني بهم: سورين كركيغارد، وجان بول سارتر، ومارتن هايدغر، في ضوء الاتجاهات الإنسانوية. وبطبيعة الحال لو أردنا تناول الإنسانوية من الزاوية الدينية؛ أمكن لنا القول: إن إنسانوية كركيغارد دينية، وإنسانوية جان بول سارتر لا دينية وإلحادية، وإنسانوية مارتن هايدغر وسط بين الدينية وعدمها، وإن البحث واختلاف الآراء بشأن مفسري هايدغر من الناحية الدينية كثير.

(210)

الأفكار الإنسانوية في الفلسفة الوجودية لكركيغارد

من زاوية الفلسفة الوجودية يُعزى أحد أسباب تجاهل الإنسان وعدم الاهتمام بأبعاده الوجودية، إلى الأفكار المنظمة والانتزاعية التي تسعى إلى تعريف الإنسان في إطار الأنظمة المنطقية والفلسفية، وتناسي مسألة «كينونة» الإنسان؛ إن الكثير من مسائل الحياة لا تندرج ضمن إطار الأنظمة، بل هي تابعة لموقعية الفرد في الحياة. يقول كركيغارد في مقام معارضته للنظام الفلسفي لهيجل:

«إن التعاسة في عصرنا تكمن في أنه يتم تعلم الكثير من الأمور فيه، في حين يتم تجاهل الكينونة والوجود»[1].

يرى كركيغارد أنه لا يمكن العثور على منظومة للكينونة والوجود.

إن أهم بعد للإنسانوية في تفكير كركيغارد ـ والذي قبله الفلاسفة الوجوديون لاحقاً ـ هو الخروج من الأنظمة الفلسفية والاهتمام بالإنسان في مقام الموجود. إن الخصائص الهامة في التفكير المنظم ـ الذي قام كركيغارد بمواجهته ومخالفته، واهتم من خلال ذلك بالإنسان وأبعاده الوجودية ـ هي على النحو الآتي:

«في التفكير المنهجي والمنظم يتخذ الوجود حالة من السكون والتوقف. يبدأ النظام الفلسفي الهيجلي ـ المقصود من وجهة نظر كركيغارد ـ بالأمر المباشر[2]. إن الوصول إلى الأمر المباشر يحتاج إلى توقف التفكير،

(211)

إلا أن التفكير لا يتوقف، وإنما للتفكير حالة حيوية. إن التفكير لو ترك لحاله، فإنه سوف يستمر على هذه الحالة. إن التفكير يتصف بهذه الخصوصية، وهي أنه لا يتوقف من تلقائه، وعليه فإنه إذا توقف في قبال الأمر المباشر، إنما يكون ذلك طبقاً لقرار متخذ من قبل الفلاسفة».

وعليه فإن المطروح هنا هو مسألة قرار الإنسان وهو بُعد من أبعاد وجود الإنسان ويتم تجاهله في المنظومة. إن الفكر الهيجلي البحت يلاحظ جميع الأمور من الزاوية ما فوق الزمنية، ومن هنا لا وجود لأيّ حالة تناوبية أو انتخاب بين هذا أو ذاك[1]؛ وأما الإنسان الطبيعي الذي هو في حالة صيرورة مستمرة، ويضع الأبدية بوصفها مستقبلاً نصب عينه، يواجه على الدوام مفترق طريقين، ولا مندوحة له من الانتخاب بين «هذا وذاك»[2].

1 ـ في التفكير المنظم يتم أخذ جميع الأمور بنظر الاعتبار، إلا أن الكينونة لا تظهر على شكل منظم؛ وذلك لأن «الكينونة» تعمل على التفكيك والفصل بين الأمور. إن وجود وفردية كل إنسان تختلف عن كينونة وفردية الإنسان الآخر، ومن هنا لا يمكن إدراجهما تحت منظومة موحدة. في النظام الفلسفي لهيجل، حيث يقوم المسار الديالكتيكي والجدلي على أساس وضع الكينونات والوجودات إلى جوار بعضها، لا يوجد هناك موضع لنظام «الكينونة» والوجود[3].

(212)

الإنسان في الحياة من الوضع الماهوي إلى الوضع الوجودي، هو الحركة من الماهية[1] إلى الوجود. إن كل فرد إنساني يمتلك ذاتاً ماهوية يجب عليه تحقيقها. يرى سورين كركيغارد أن تحقيق الذات الماهوية إنما يتم من طريق الارتباط الخاص من قبل الفرد مع الله. وبطبيعة الحال يجب على الإنسان في الخطوة الأولى أن يفكر في كينونته. يرى كركيغارد أن تفكير الإنسان حول «كينونته» تفكير ذاتي وداخلي.

«لقد كانت فكرتي الأصلية هي أن تقدّم العلوم في عصرنا قد أدى بنا إلى نسيان الكينونة؛ ولذلك فقد قرّرت الرجوع إلى الوراء في حدود الإمكان والتفكير بالماضي. فرأيت أن الشخص الذي ينسى ما هو المراد من الكينونة والحياة الدينية، يكون قد نسي معنى الكينونة الإنسانية بنفس النسبة. وعليه فإن الذي ينبغي العثور عليه من جديد هو هذا المعنى»[2].

والنتيجة هي أن الإنسان إذا أراد أن يدرك كينونته، وجب عليه في الدرجة الأولى أن يفكر في ذاته. إن هذا التفكير سوف يحتوي أولاً: على حالة انضمامية؛ بمعنى أن عليه أن يتعرف على الأفراد الجزئيين الذين يتصفون بالوجود، وليس الإنسان الفرد الكلي والانتزاعي. وثانياً: إن التفكير ليس له حالة تقريرية فقط، بل إنه يدخل معترك الوجود بنفسه، وتكون له حالة من «المواساة تجاه الوجود». وثالثاً:

(214)

إن لهذا التفكير مسار ديالكتيكي وجدلي خاص. إن هذا المسار الجدلي ـ بخلاف جدلية هيجل ـ يرتبط بوجود الفرد، ويمثل حالة داخلية في الفرد الإنسان. وقد رصد سورين كركيغارد ثلاث مراحل لهذا المسار الديالكتيكي والجدلي:

1 ـ المرحلة الجمالية أو الحسّية[1].

2 ـ المرحلة الأخلاقية[2].

3 ـ المرحلة الدينية[3].

وهو يرى أن الانتقال من كل مرحلة من هذه المراحل إلى المرحلة اللاحقة إنما يكون بفعل الإرادة، وإنه يتم بمعنى آخر على شكل قفزة، وليس من خلال مجرّد التفكير الصرف.

المرحلة الأولى: في المرحلة الحسية يرزح الفرد تحت وطأة وسلطة الحواس، ويسلك على إيقاع انتماءاته وعواطفه. في هذه المرحلة لا يعلم الفرد شيئاً عن المعايير الكلية الأخلاقية، كما هو غريب وأجنبي عن المعتقدات الدينية أيضاً. وإن الدوافع الأكبر لديه تتشكل عبر نزوعه إلى الحصول على ما لا يُحصى من المتع واللذات الحسية المتنوّعة.

إن الخصيصة الإنسانوية في هذه المرحلة هي أن الإنسان

(215)

يتذمّر من كل شيء يسعى إلى تقييد أو سلب حريته واختياره. إن البُعد الوجودي للإنسان في هذه المرحلة، يتجلى على شكل سعي الإنسان نحو الصيرورة الحسية من خلال حرية الانتخاب والاختيار.

ولكن لا يمكن الحصول على الذات الأصيلة[1] للإنسان من خلال العيش على المستوى الحسّي؛ ومن هنا يتعين على الفرد أن يختار إما البقاء في المرحلة الحسية ـ وربما ندم على هذا الخيار ـ أو يقفز نحو المرحلة التالية. وإن الانتقال من المرحلة الحسية إلى المرحلة التالية، يتم عبر انتخاب واختيار هذا أو ذاك[2]، أو بعمل الإرادة، أو بالتزام وتعهّد.

المرحلة الثانية: في المرحلة الأخلاقية ـ خلافاً للمرحلة السابقة التي لم يكن فيها لدى الإنسان أيّ معيار عام، ويكون فيها مجرّد خاضع لسلطان حواسه ـ ينتبه الإنسان إلى أصول وقواعد أخلاقية عامة يعمل العقل على تحديدها وتأييدها. إن هذه الأصول الأخلاقية تعمل على تشكيل وبلورة حياة الفرد وتمنحها النظم والترابط والتماسك. يضاف إلى ذلك أن الإنسان الأخلاقي يقبل القيود الناشئة من المسؤولية الأخلاقية في الحياة. وبطبيعة الحال فإن الإنسان يكون في هذه المرحلة مدركاً لضعفه، ولكنه يظن أن بمقدوره التغلب على نقاط ضعفه بواسطة ما يمتلكه من قوّة الإرادة. إن البُعد الإنسوي في هذه المرحلة يكمن في الاكتفاء الأخلاقي؛ بيد أن بمقدور الإنسان أن يدرك عجزه في الحصول على الفضيلة

(216)

الأخلاقية بشكل كامل، وكذلك عجزه عن التطبيق المناسب للقوانين الأخلاقية أيضاً، وأن يطلع على ذنبه ومعصيته. وفي هذه المرحلة نصل أيضاً إلى مفترق الاختيار بين الندم أو الانتقال إلى المرحلة الدينية والارتباط بالله؛ ولكن لا من خلال التفكير، بل من خلال توظيف الإرادة أو الالتزام، أو الوثبة الإيمانية (على حدّ تعبير سورين كركيغارد).

المرحلة الثالثة: إن المرحلة الدينية تحظى بأهمية خاصة من وجهة نظر سورين كركيغارد، وإن الوصول إليها يختلف بشكل جاد عن المراحل المتقدمة. إن المراحل السابقة قد يمكن الوصول إليها بالأسلوب العقلاني أو الفلسفي، وأما بالنسبة إلى المرحلة الدينية، فإن الحضور والمثول أمام الله لا يمكن بالأسلوب الفلسفي أو العقلي وبعناوين من قبيل الأمر المطلق أو الحقيقة القابلة للتعريف. إن سرّ الإدراك والوعي الديني، هو أن الفرد الكائن والموجود لا يمكن أن يدرك الله بالأسلوب العيني[1]؛ وذلك لأنه في الأساس موجود ذهني، ومن هنا فإنه إنما يكون له وجود بالنسبة إلى الذهنية الداخلية أو الباطنية فقط. لا يمكن إثبات الله بالأساليب العينية. إن الله يظهر نفسه إلى الوجدان الإنساني، بمعنى أن الإنسان يدرك الله من خلال ذنبه وانفصاله عن الله وشعوره بالحاجة إليه. إن البُعد الإنسوي في هذه المرحلة يتلخص في الارتباط الخاص من قبل الإنسان مع الله، بمعنى أن ارتباط الإنسان بالله فردي وفذ وتجربة ذهنية. إن إيمان الفرد هو إيمان بالوجود الخارج عن متناول

(217)

الفلسفات النظرية، ويعود إلى نوع من الارتباط الشخصي مع الله فقط.

يرى سورين كركيغارد أن الإيمان بالمسيحية إنما يتحقق ضمن مسار داخلي، وهذا الأمر يستلزم الاهتمام بالفرد الإنسان. ويرى كركيغارد أن المسيحية قد اهتمت بالإنسان الفرد كثيراً، وأضفت على الإنسان مكانة سامية:

«إن المسيحية ترى لذاتي الحقيرة، وكل ذات أخرى ـ مهما كانت قليلة الأهمية ـ أهمية عظيمة؛ ومن هنا فإنها تمنح السعادة الأبدية إلى كل ذات، بشرط أن يقوم ارتباط صحيح بين المسيحية وذلك الفرد»[1].

إن هذا النوع من الاهتمام بالأدلة الأنفسية من قبل سورين كركيغارد، يمثل موقفاً في قبال الأدلة الآفاقية التي يتمّ طرحها في الأبحاث النظرية، ويتم إلى جوارها تجاهل وجود الإنسان وعلاقة الفرد بالمسيحية. إن الذي يحظى بالأهمية في السير الباطني والتفكير الأنفسي هو صيرورة الإنسان وتحوّله. إنه يقول: «علينا في التفكير الأنفسي أن لا نغفل عن هذه النقطة وهي أننا نتعاطى مع الفاعل المعرفي وهو شخص له وجود، والوجود يمتلك مسار الصيرورة»[2]؛ وعلى هذا الأساس يجب على الفرد من أجل الحصول على الإيمان أن يتخذ قراراً أنفسياً، وأن يقبل بذلك خوض

(218)

مغامرة خطيرة، وهي خطورة ناشئة من القرار القائم على انعدام اليقين الآفاقي. في هذه الرؤية  يكون وجود الله بالنسبة إلى المتديّن «أصلاً موضوعياً» لا يحتاج إلى استدلال. إن هذا الأصل الموضوع كما يقول أرباب الكنيسة ويتضح من الأدلة القروسطية، ليس مجرّد قضية بحتة، بل هو حقيقة. إن متعلق الإيمان ليس قضية، وإنما هو أصل الحقيقة؛ لأن الفرد يقف في علاقة مع الحقيقة.

إن التأكيد على الفرد الإنساني والارتباط الوجودي للإنسان مع الحقيقة، يتجلى في هذه العبارة لسورين كركيغارد بشكل أفضل: 

«لو أن الشخص الذي يعيش ضمن الثقافة المسيحية، توجّه إلى بيت حقيقي من بيوت الله، وكان لديه تصور صحيح عن الله، وكان عارفاً بالله، وأخذ يمارس العبادة هناك ـ ولكن دون إخلاص النية ـ والذي يقطن في بلاد الشرك وعبادة الأوثان، كان يعبد بحماس وشوق ليس له حدّ أو حصر، رغم أنه ينظر إلى وثن. فأين سيكون مكمن الحقيقة؟ أحدهما يعبد الله بإخلاص وإن كان في ظاهره يسجد إلى الصنم، والآخر يعبد الله الحقيقي ولكن رياءً ونفاقاً، وبذلك يكون في الحقيقة والواقع عابداً لصنم»[1].

إن هذا الكلام من كركيغارد يشير إلى أن الأهم من كل شيء بالنسبة له هو الارتباط الحقيقي للفرد مع الحقيقة؛ وهو ارتباط لا يستند إلى

(219)

الأدلة الآفاقية ولا على أساس الظواهر، بل هو ارتباط وجودي[1].

إن موقف كركيغارد في مواجهة الأدلة الآفاقية متشدّد جداً؛ بحيث أنه يراها حتى في تقابل مع الأدلة الأنفسية. إنه يرى أن المسيحية في نفسها تعترض على جميع أقسام الآفاقية، وتؤكد على التركيز على النفس (الأنفسية). لو كانت هناك في الأصل حقيقة مسيحية، فإن هذه الحقيقة تظهر أولاً في الأنفسية، ولا تظهر على شكل آفاقي أبداً. إنه يرى أن فلسفة طريق الوصول إلى الحقيقة هو الصيرورة الآفاقية؛ بيد أن المسيحية تعلمنا أن طريق الوصول إلى الحقيقة يكمن في الصيرورة الأنفسية؛ بمعنى أن يغدو الإنسان في الحقيقة هو الفاعل المعرفي. في التفكير الأنفسي يجب أن يترسخ الفكر ما أمكن في ذات الفاعل المعرفي وأنفسيته. ولا يمكن أن ننسى ولو للحظة واحدة أن الفاعل المعرفي فرد ذو وجود[2]، وأن الوجود له مسار صيرورة[3]. تتجلى كيفية عودة التفكير الأنفسي إلى السير الباطني، في بحث الحماسة:

«إن غاية السير الباطني للفرد ذي الوجود هي الحماسة؛ لأن الحماسة ترادف الحقيقة بوصفها شيئاً متناقضاً[4]، وإن منشأ تجلي الحقيقة بشكل متناقض يعود

(220)

إلى نسبة الحقيقة إلى الفرد ذي الوجود ... وأما الفاعل المعرفي صاحب المعرفة، فإن إنسانيته تفقد الوجود شيئاً فشيئاً وتغدو غير واقعية، وإن الحقيقة بدورها تصبح متعلقاً[1] لغير واقعية هذا النوع من المعرفة»[2].

يرى كركيغارد أن الحقيقة عندما يتمّ طرحها بأسلوب أنفسي، يكون تفكير الاتجاه الأنفسي مرتبطاً بذات الفرد. إذا كانت كيفية النسبة محاطة بالحقيقة، فإن الفرد محاط بالحقيقة. وعلى هذا الترتيب يكون السير الباطني للفاعل المعرفي ذي الوجود هو الحقيقة. إن الحقيقة ـ من الناحية الآفاقية ـ تتجلى على شكل متناقض، وإن تناقض الحقيقة يتضح من خلال إدراك أن الأنفسية حقيقة؛ لأنها تدفع الآفاقية، وأن شدّة وسعة السير الباطني يبيّن الدفع الآفاقي[3].

إن كلام كركيغارد وآراءه تميل بشكل أكبر إلى بيان الإنسانوية الدينية، وذلك بطبيعة الحال في إطار الفلسفة الوجودية. نشاهد هذه النظرية في الاتجاهات الدينية الوجودية بأشكال مختلفة.

الأفكار الإنسانوية في الفلسفة الوجودية لسارتر

على الرغم من أن جميع الفلاسفة الوجوديين لديهم اتجاهات إنسانوية بشكل وآخر، بيد أن الاتجاه الإنسوي غير الديني الأشد تجده في وجودية سارتر. إن سارتر يعرّف الوجودية صراحة بأنها مذهب

(221)

الإنسانوية، ويرى هايدغر ضمن حلقته الفكرية. لقد ألقى سارتر في شهر أكتوبر من عام 1945 م ـ بعد بضعة أشهر من تحرير باريس من الاحتلال الألماني لفرنسا ـ خطبة على الجماهير الفرنسية، وكانت غايته من هذه الخطبة حثّ الناس على الإقبال نحو الفلسفة الجديدة. كان سارتر في هذه الخطبة يدافع عن الحرية والمسؤولية المطلقة للفرد في صنع ذاته دون هداية وإرشاد من الله أو الطبيعة. إنه يُسمّي الأصل الأول للوجودية بالنزعة الذاتانية[1]، ويعمد إلى تعريفها على النحو الآتي: «ليس الإنسان سوى ما يصنعه بنفسه»[2].

إنه من خلال هذه الكلمة وضع أقوى حجر أساس للتفكير الإنسوي. إن النزعة الباطنية من وجهة نظر سارتر تكمن في بناء الإنسان من قبل الإنسان نفسه. إن الإنسان يبني نفسه بنفسه؛ بمعنى أن جذور هذا البناء والخلق موجودة في ذاته. وليس في العالم الخارجي. إن هذا البناء للذات من خلال فتح حدود المستقبل في حالة تجديد وتجدّد مستمر، وهذه موهبة يختصّ بها الإنسان فقط[3]. ولتحقق بناء النفس أو صنع ذات الإنسان على يد الإنسان، يطوي سارتر مراحل تظهر عليها أفكاره الإنسانوية.

الانقطاع عمّا بعد الطبيعة

إن الإنسان  من وجهة نظر سارتر هو مشروع[4] قبل كل شيء.

(222)

وإن مفردة (Project) تشير إلى هذا المعنى: «إن الإنسان ـ قبل أي شيء آخر ـ كائن يقفز نحو المستقبل»[1]. إن سارتر يحاول ردّ أيّ شيء آخر قبل هذا «المشروع»؛ من ذلك أنه ـ على سبيل المثال ـ يقول: ليس للإنسان «لوح سماوي في المفاهيم الأخلاقية»؛ ومن هنا يسعى من خلال مفردة «المشروع» إلى إحداث شرخ بين الإنسان وما بعد الطبيعة. إن عبارة «الإنسان مشروع» تعني أن الإنسان كان يسعى على الدوام ليكون متقدماً على نفسه. وذلك بتوضيح أن البشر مثل الموجة؛ فهو متأهب دوماً نحو المضيّ قدماً، وأهل للذهاب إلى ما هو أبعد، ولا يليق به التوقف والسكون. إن هذه الوثبة والتقدم إنما يكون عن وعي وإدراك، وليس أمراً تلقائياً، بل هو وليد الشعور، وليس نتاج الجبر، وليست هناك حالة سابقة تعمل على تحريك وتحقيق هذه القفزة والتقدّم.

إن البُعد الإنسوي لهذه المرحلة يكمن في أن الإنسان من خلال تأسيسه لـ «مشروع» ذاته في العالم الخارج عن نفسه، ومن خلال الانصهار والذوبان في مثل هذا العالم يعمل على إيجاد الإنسان والبشرية. إن لازم تأسيس هذا «المشروع» هو الانقطاع عمّا بعد الطبيعة ولا سيّما وجود واجب الوجود. يرى سارتر

«أن المسألة لا تكمن في وجود واجب الوجود؛ بل المهم هو أن على الإنسان أن يستعيد العثور على ذاته بنفسه، وأن يكون على يقين من أنه لا يمكن لأيّ شيء أن يعمل على تحريره من ذاته، وحتى لو عثر على دليل يثبت له وجود واجب الوجود»[2].

(223)

مسؤولية الإنسان

إن الانقطاع عن واجب الوجود يدعو الإنسان إلى التفكير في هذا الأمر، وهو أنه لن يساعده شيء من خارج وجوده ليعمل على بناء ذاته، وإن على الإنسان أن يتكفل بجميع المسؤوليات الملقاة على عاتقه بنفسه. ويستعين سارتر هنا بأصل آخر، وهو «تقدّم الوجود على الماهية». فإذا كان الوجود متقدماً على الماهية حقاً، إذن سيكون الإنسان مسؤولاً عن وجوده. إن المراد من تقدّم الوجود على الماهية، هو أن الإنسان يوجد أولاً، ثم ينتبه إلى وجوده، وبعد ذلك يتعرّف على نفسه، ثم يقدّم تعريفاً عن نفسه. إن سارتر يريد من خلال هذا التعبير أن يعمل على طرد أي نوع من أنواع الماهية المتعيّنة للإنسان مسبقاً.

«تريد مختلف المذاهب الطبيعية والمؤمنة بالله أن تعرّف الإنسان بالماهية. من خلال تعريف الإنسان بالماهية، على نحو ما يريدون من بناء الإنسان، ويسلبون اختياره، وبذلك لا يمكن للإنسان أن يتعالى. إن الإنسان ليس من قبيل شيء تصنعه الآله، بمعنى أنه لا يمتلك ماهية متعيّنة مسبقاً. من الأفضل أن نقول إن الإنسان في البداية ليس شيئاً أبداً، ثم يصبح شيئاً؛ بمعنى أنه يصبح ما يعمل على صنعه بنفسه»[1].

(224)

الانتخاب والحرية

إن البُعد الإنسوي الآخر في الفلسفة الوجودية لسارتر يكمن في أصل الاختيار وحرية الإنسان. يرى جان بول سارتر أن الإنسان حرّ في اختياره. كما أن الإنسان يختار ذاته من خلال حريته. وإن انتخاب الذات يعني اتخاذ القرار بشأن كل واحدة من الحالات والأعمال التي تشكل في مجموعها حياة الإنسان وماهيته. كما أن اختيار الذات يعني اختيار طريقة ومنهج الذات، واختيار شخصية وماهية الذات، ويتجلى ذلك كله من خلال السلوك والعمل. يُضاف إلى ذلك أن الإنسان بواسطة اختياره لذاته يختار جميع أفراد البشر؛ بمعنى «أن كل واحد من أعمالنا نحن البشر يتجلى مع خلق إنسان يريد أن يكون على هذه الشاكلة، وفي الوقت نفسه يصنع صورة للإنسان، حيث نعتقد أن الإنسان يجب أن يكون كذلك بشكل عام ... [كأن] ما صنعناه بأنفسنا معتبر بالنسبة إلى جميع الناس ولكافة المراحل الزمنية لعصرنا» . من ذلك على سبيل المثال أن تعرض للإنسان حادثة، ويبدي في التعاطي معها شجاعة فائقة. إن هذا الأمر يعني أنني أعتقد في الأساس بأن كل شخص يجب أن يعيش شجاعاً في حياته. وبعبارة أخرى: إنني أنصح الإنسان بأن يتحلّى بالشجاعة، وبذلك أعمل على صنع أخلاق. فلو أظهرت في هذه الحادثة فزعاً، أكون قد دعوت الآخرين من أفراد البشر إلى الخوف والفزع أيضاً، وبذلك فإن كل عمل يكون في ظاهره جزئياً وفردياً يكون في باطنه كلياً واجتماعياً. إن ما يعمل الإنسان على صنعه وخلقه في ذاته يمثل نموذجاً وأسوة لجميع العالمين. يسعى جان بول سارتر من خلال هذا النهج إلى إخراج الفلسفة الوجودية من

(225)

حالة العُزلة، والعمل على تفعيلها في الحياة الاجتماعية، وإضفاء بعد إيجابي وفعال عليها. إن على الإنسان أن يعمل بشكل مستمر ومتواصل؛ لأن «الإنسان ليس سوى عمل»[1].

الحقيقة المطلقة

يعمد جان بول سارتر إلى ربط نزعته الاستبطانية بنظرية رينيه ديكارت، ليصل إلى حقيقة مطلقة. إن الحقيقة موجودة في داخل الإنسان، ويمكن العثور عليها من خلال الكوجيتو القائل: «أنا أفكر إذن أنا موجود».

«في بداية الأمر لا يمكن الاعتقاد بحقيقة غير الحقيقة القائلة (أنا أفكر إذن أنا موجود)، إنها حقيقة مطلقة يمكن للإنسان أن يشعر بذاته من خلالها. إن كل نظرية تأخذ الإنسان خارج هذه اللحظة، هي نظرية تعمل قبل كل شيء على طرد الحقيقة، لأن كل شيء خارج الكوجيتو الديكارتي إنما يندرج في دائرة الاحتمال، وإن الفلسفة المستندة إلى الاحتمالات التي لا تقوم على حقيقة، محكومة بالفناء. و[حتى] بالنسبة إلى تعريف المحتمل يجب أن تكون بأيدينا حقيقة تساعدنا على ذلك»[2].

وفي الحقيقة والواقع فإن الحقيقة المطلقة موجودة في متناول جميع أفراد الإنسان، وهي عبارة عن الإدراك المباشر للذات الموجودة في الكوجيتو (أنا أفكر).

(226)

وجود الذات ووجود الآخرين

إن جان بول سارتر من خلال الكوجيتو الديكارتي «أنا أفكر»، بالإضافة إلى التحقق من وجود ذاته، يتحقق من وجود الآخرين أيضاً، وهذا هو السياق الذي يمكن العثور عليه في تفكير سائر الكتاب الوجوديين أيضاً:

«إن وجود الآخر ثابت عندنا بنفس نسبة وجود ذواتنا»؛ «إنني لكي أصل إلى الحقيقة الكذائية بشأن ذاتي، يتعيّن عليّ العبور من الآخرين أيضاً»؛ إن الآخر هو من مستلزمات وجودي، كما أنه لا بد من وجود الآخر لتحقق المعرفة التي أحملها لذاتي؛ وعلى هذه الشاكلة فإن اكتشافي لذاتي، يكون في الوقت نفسه اكتشافاً لوجود «الآخر» أيضاً[1]؛ يمكن لهذا الوجود أن يتفق أو يختلف معي؛ ولكننا على كل حال «نعمل بشكل مباشر على اكتشاف عالم نطلق عليه عنوان النزعة الاستبطانية المتبادلة[2] (عالم ما بين الأذهان). في هذا العالم يتخذ الإنسان قراره لتحديد ما تكون عليه ذاته، وما يكون عليه الآخرون»[3].

إن وجود الآخرين يؤدّي بنا إلى العمل على التأسيس لمشروع

(227)

عام للحالة والوضع البشري. إن هذه المشاريع لا تتعرّض إلى الطبيعة الفردية للإنسان؛ لأنه لا يمثل ماهية عامة وكلية للطبيعة البشرية. ومن هنا يجب علينا خفض أفكارنا العامة بالوضع؛ أي الشرائط التي تفرض على الإنسان دون إرادته شئنا أو أبينا، وتحدد موقعية الإنسان في العالم، بيد أن الذي يبدو عصياً على التفسير هو «ضرورة الكينونة في العالم، والعمل في العالم والعيش في العالم وبين الآخرين، والفناء فيه».

وربما أمكن بهذه الطريقة التأسيس لمشاريع عامّة للبشر. وعلى كل حال هناك في كل مشروع قيمة كلية وعامة، مهما كان ذلك المشروع فردياً وشخصياً. إن هذه الكليات لا تعرّف الإنسان بوصفه كائناً خالداً؛ لأن هذا لا يتناسب مع النزعة النسبية لجان بول سارتر، بل يجب القول

«هناك كليّة في البشر، بيد أن هذه الكلية ليست أزلية وإعطائية، وإنما هي في حالة إيجاد مستمرّ ومتواصل. إنني باختياري وانتخابي أعمل على بناء وصنع كليّة، كما أني من خلال فهم مشاريع الأشخاص الآخرين ـ المنتمين إلى كل عصر ـ أصنع كلية أيضاً»[1].

(228)

التخلي عن الإنسان

إن المفهوم الآخر الذي يستعين به جان بول سارتر لتعزيز وتقوية النزعة الإنسانية المنشودة له، فهو مفهوم التخلي عن الإنسان وإيكاله إلى نفسه. إن الإنسان قد تم التخلي عنه بالمرّة؛ لكي يتمكن من إثبات المعايير المنشودة له بنفسه، وذلك من خلال تعيين قيَمه وما يريده؛ وذلك لأنه لو أراد عامل آخر ـ مثل الله ـ أن يفرض على الإنسان ماهيته وقيَمه الإنسانية؛ إذن سوف لن يكون للإنسان من وجود في الحقيقة والواقع؛ وذلك لأن الإنسان في مثل هذه الحالة سوف يتحوّل إلى شيء، وسوف يعمد الآخرون إلى اتخاذ القرارات عنه. إن آراء سارتر ـ ولا سيّما رأيه الأخير ـ تمضي بالوجودية الإنسانوية لسارتر نحو الإلحاد.

إلغاء واجب الوجود

إن الآراء الإلحادية لجان بول سارتر تمثل نموذجاً بارزاً لتمرّد الإنسان على الله سبحانه وتعالى. لقد عمد سارتر ـ من خلال الاستناد إلى المفاهيم الإنسانوية ـ إلى إنكار وجود الله صراحة. لو أمكن توجيه شعار «موت الإله» لنيتشه من خلال مختلف الأفهام، من قبيل: الواقعية غير المنشودة في عالم الغرب، فإن هذا الحدّ الأدنى من التوجيه لن يجد له موضعاً من الإعراب في فلسفة جان بول سارتر. إن سارتر من خلال تتبّعه لمفهومي «النزعة الباطنية» و«التخلي» يمنح الأصالة الكاملة للإنسان والقيم المصنوعة من قبله. كما أنه بالاستناد إلى المفاهيم الإنسانوية، ومن خلال التأكيد

(229)

على البعد الفردي، يرى وجود الفرد أهم بكثير من وجود الجماعة. بل وإنه يرى حتى وجود الآخرين مانعاً أمام الوصول إلى الكمال (أو الجنوح نحو تأليه الإنسان). وكما سبق أن ذكرنا فإن النزعة الاستبطانية عند سارتر، عبارة عن:

«عدم إمكان تعريف الإنسان، ويعود سبب عدم إمكان تعريف الإنسان إلى أن الإنسان لم يكن في بداية الأمر شيئاً، ثم يصير شيئاً، فيكون على هذه الشاكلة أو تلك الشاكلة التي يريد أن يكون عليها، وبذلك لا يكون للطبيعة البشرية العامة وجود»[1].

إن الطبيعة البشرية العامّة من وجهة نظر جان بول سارتر، تمثل تعريفاً متعيّناً في ذهن الله عن الإنسان على نحو سابق؛ بمعنى أن الله عند قيامه بعملية الخلق، يخلق الإنسان بما يتطابق مع الأسلوب والمفهوم الموجود في ذهنه عنه، ثم يعمل الإنسان على تحقيق المفهوم الموجود عنه في تفكير الله؛ وعلى هذا الأساس يتم نفي الطبيعة الكلية للبشر بهذا المعنى في الفلسفة الإلحادية لسارتر، ويتم إلغاء مفهوم الخالق في الفلسفة.

كما أن سارتر في بحث تقدّم الوجود على الماهية، يعتبره من إبداعاته ويقول:

«لو لم يكن واجب الوجود موجوداً، يجب أن يكون هناك في الحد الأدنى موجود يكون فيه الوجود مقدماً

(230)

على الماهية. وهو الكائن الذي يكون له وجود قبل أن يكون تعريفه من خلال المفهوم ممكناً، وهذا الكائن هو الإنسان»[1].

إن المراد من تقدّم الوجود على الماهية، هو أن الإنسان يُكتب له الوجود أولاً، ثم يلتفت إلى ذاته، ويترعرع في هذا العالم، ثم يعمل على التعريف بنفسه، أي يكوّن تعريفاً لذاته. وعليه فإن الإنسان هو الذي يعمل على بناء نفسه على أساس المشاريع التي يعمل على تأسيسها: «إن الإنسان ليس سوى ما يصنعه في نفسه». إن هذا هو الأصل الوجودي الأول، والذي يتم التعبير عنه بالنزعة الاستبطانية أيضاً.

لو لم يكن الإنسان سوى ما يصنعه من نفسه؛ فإن البشرية بدورها سوف لا تكون في مفهومها سوى أفعال مجموعة من الناس، ولا يمكن للإنسان أن يخرج عن هذا الحدّ. يسعى سارتر إلى تصوير الذهاب إلى أبعد من هذا العالم بوصفه أمراً مستحيلاً للبشر. والمفهوم الآخر الذي يستنتجه سارتر من النزعة الاستبطانية هو مفهوم الاختيار. إن كل فرد من أفراد البشر يختار ذاته بواسطة الحرية التي يتمتع بها، ويحدد طريقته وأسلوبه. وإن كل فرد من أبناء البشر يعمل باختياره في الواقع على اختيار جميع أفراد البشر أيضاً، بمعنى أنه يختار طريقة وأسلوب جميع الناس، وهو ما الذي يجب أن يكون عليه الإنسان.

(231)

ومن الناحية القيَمية يُعدّ اختيار شيء تأييداً لقيمة ذلك الشيء المنتخب أيضاً. وإن تأييد قيمة شيء، تعني كذلك تأييدها بالنسبة إلى جميع أفراد البشر. وعليه فإن مسؤولية الإنسان خطيرة للغاية، وإن جان بول سارتر ينتقل هنا إلى مفهوم التخلي أو ترك الإنسان وشأنه. لو كان الإنسان حرّاً في اختياره، وكان مسؤولاً عن جميع أفعاله، فإنه يشعر بنوع من التخلي؛ إذ ليس هناك أيّ قاعدة أخلاقية عامّة تشير عليه بفعل هذا الشيء؛ ولا شيء في هذا العالم يرقّ له ويلطف بحاله. يرى مك كواري «أن مراد سارتر من مفهوم التخلي، هو عدم وجود أيّ إله يعمل على تعيين القيَم، أو يجعل

«إنسانية مثالية» يجب على كل فرد أن يسعى من أجل الوصول إليها؛ ويجب على كل شخص أن يُبدع قيَمه الخاصة به، وإنه ما دام موجوداً أصالة، فهو يجهد من أجل تحقيق قيَمه المنبثقة حقيقة من ذاته»[1].

وفي نهاية المطاف يصل جان بول سارتر إلى هذه العبارة المشهورة عن ثيودور دستويفسكي التي يقول فيها: «لو لم يكن الله موجوداً، فسوف يُصبح كل شيء مباحاً»، وهذا يعني في الحقيقة والواقع نبذاً وطرداً للأخلاق المتعارفة. وبطبيعة الحال فإن أنصار سارتر يعمدون لاحقاً ـ طبقاً لمفهوم المسؤولية ـ إلى بيان نوع من إشراف الإنسان على أعماله وممارساته، ولكن علينا في الوقت نفسه أن لا نغفل عن هذه النقطة وهي أن سارتر  يرى كل شيء ـ بما في ذلك وجود الله ـ مانعاً يحول دون وصول الإنسان إلى الكمال.

(232)

وليس من المعلوم كيف يمكن لهذا الإنسان ـ الطالب للكمال والباحث عن القوّة والسلطة والذي يريد أن يتربّع على عرش الله ـ أن يشرف لا على أعماله فحسب، بل ويُشرف حتى على أعمال جميع الناس أيضاً:

«إن (الله) من وجهة نظر سارتر مجرّد اسم ربما يُشير ببساطة إلى ذلك الكمال الذي يطالب به كل وجود إنساني. إن الموجود المتناهي يميل إلى الله، إلا أن الحقيقة هي أن هناك في العالم كثرة من الموجودات، وهذا الأمر يحول دون تحقق هذا الميل. نحن لا نستطيع بأجمعنا أن نكون آلهة، وعليه فإن الآخر (الوجود الآخر) يبدو للوهلة الأولى مانعاً في طريق تحقق الوجود»[1].

الأفكار الإنسانوية في فلسفة هايدغر

في بحث الأبعاد الإنسانوية في فلسفات المرحلة المعاصرة، لا يمكن لنا أن نتجاهل الإنسانوية في فلسفة مارتن هايدغر. هناك بشأن موقف هايدغر في البحث عن الإنسانوية وما إذا كان موقفه متفقاً مع الإنسانوية أو معارضاً لها؟ هناك الكثير من الأبحاث المطروحة[2]، ولكن يبدو أن هايدغر في بحث الإنسانوية يسعى إلى تقديم مفهوم جديد عن الإنسان وارتباطه بالوجود. إن هايدغر لا يرى الإنسوايات في عصره إنسانويات حقيقية. إن الإنسانويات

(233)

المعاصرة لا تزال ـ من وجهة نظره ـ منشغلة بالأفكار التقليدية، ولا تمتلك رؤية صحيحة بشأن الحقيقة. إذا أردنا أن نقارن رأي مارتن هايدغر بشأن الإنسانوية برؤية سائر الإنسانويين الآخرين، وجب علينا القول: إن لهايدغر موقفاً معارضاً للإنسانوية؛ وأما لو بحثنا إنسانوية هايدغر بغض النظر عن موقف الإنسانويين الآخرين، وجب القول: إن موقفه الإنسوي موقف خاص؛ حيث يشتمل على آرائه الأنطولوجية الخاصة في هذا المجال. وبطبيعة الحال فقد نشأ هذا الفهم المتناقض لآراء هايدغر من بيانه المعقّد في كتابه (الوجود والزمان)؛ وهذا بدوره هو مكمن سوء فهم جان بول سارتر؛ حيث واجه ردّة فعل صريحة من مارتن هايدغر.

يعمد هايدغر في كتابه (الوجود والزمان) من خلال مفاهيم من قبيل: الفعل، والانفتاح أمام الوجود، والإصرار ـ مما نشاهده على لسان أغلب الفلاسفة الوجوديين ـ إلى تصوير إنسانوية خاصّة، الأمر الذي يستحث وهم جان بول سارتر؛ حيث يذهب به الظن إلى أن الإنسانوية المنشودة لمارتن هايدغر هي ذات الإنسانوية التي ذكرها في خطبته المعروفة بعنوان «الوجودية ومذهب الإنسانوية». إن الوجود الإنساني ـ من وجهة نظر سارتر ـ قبل أن يحتوي على ماهية، يخلق بمساعدة نشاطه الإرادي وجوده الملموس والعيني. وعليه فإن نشاط الإنسان هو ذات ماهية وجوهر الإنسان، وإن لاتخاذ القرار والعزم دوراً أصلياً في نشاط الإنسان، وإن اتخاذ القرار وعقد العزم في حدّ ذاته من تداعيات اختيار الموضوع. إن سارتر من خلال إلقاء عبارة «الوجود متقدم على الماهية» قد اعتبر مارتن هايدغر موافقاً له في هذا الشأن.

(234)

بيد أن مارتن هايدغر في رسالة في باب الإنسانوية[1]، يفصل موقفه عن جان بول سارتر، ويرى أن ذهن سارتر لا يزال مستغرقاً في التفكير التقليدي الخاص بالشيء في قبال الموضوع، في حين أن كل جهد هايدغر في الوجود والزمان يركز على تقديم رؤية متحررة عن الذاتانية[2].

«إن «تقدم الوجود على الماهية» ـ من وجهة نظر مارتن هايدغر ـ «هو ذات التفكير ما بعد الطبيعي الذي كان موجوداً في فلسفة الوجود على مدى سنوات، وكان يتم طرحه على الدوام مع تقدم الماهية على الوجود. لم يقم جان بول سارتر بسوى قلب هذه المعادلة، مع بقاء الارتباط بين الوجود والماهية. بمعنى أن مصير الوجود لم يتم تحديده، ولم يتم التفكير به»[3].

يرى هايدغر  أن «الوجود» مسألة منسية في تفكير أكثر الفلاسفة، و«ما دامت حقيقة الوجود لم تدخل في حيّز التفكير، فإن كل أنطولوجيا ستبقى من دون أساس»[4]. إن المفكرين الكبار من أمثال رينيه ديكارت وإيمانوئيل كانط من خلال الاستفادة من الأسلوب التقليدي في التقابل بين الشيء والوضوع كانوا يفكرون على الدوام

(235)

بشكل ذاتاني[1]. يذهب ديكارت إلى اعتبار جوهر المفكر أصلاً في الموضوع، في حين يذهب كانط إلى اعتبار جوهر المفكر عاملاً موحداً وشرطاً ضرورياً في المعرفة. وسار جان بول سارتر على ذات هذا النهج، وعمد إلى تعريف الـ «أنا أفكر» بوابة لحرية الإنسان. إن «الوجود» من وجهة نظر هايدغر قد تم تناسيه في جميع هذه الأفكار؛ وذلك لأن الجميع يعتبر الوجود تابعاً للمعرفة بشكل وآخر، وصار بصدد إثبات الوجود. وللتحرر من هذا الأمر يجب اعتبار المعرفة تابعاً للوجود[2].

تعريف الإنسانوية من وجهة نظر مارتن هايدغر

يعمد مارتن هايدغر إلى تعريف الإنسانوية بقوله: «هي التأمل والمراقبة لكي يكون الإنسان إنسانياً[3]، وليس لا إنسانياً». إن اللاإنساني كائن منفصل عن ماهيته الحقيقية؛ ولكن يجب البحث عن جواب للسؤال القائل: ما هي الماهية الحقيقية للإنسان؟ أو على حدّ تعبير مارتن هايدغر: ما هي إنسانية الإنسان؟

هناك العديد من الآراء بشأن تعريف ماهية الإنسان. من ذلك أن كارل ماركس ـ مثلاً ـ يرى أن إنسانية الإنسان تتحقق ضمن «المجتمع». وإن الإنسان «الطبيعي» هو كائن اجتماعي. وفي «المجتمع» يتم ضمان «طبيعة» الإنسان؛ بمعنى مجموع «حاجاته

(236)

الطبيعية» بشكل منظم. ومن وجهة نظر المسيحية يتمّ تحديد إنسانية الإنسان من خلال تمييز الإنسان من الإلوهية.

يرى مارتن هايدغر:

«أن الإنسانية الحقيقية قد ظهرت للمرّة الأولى في الجمهورية الرومانية، وذلك عبر التقابل والمواجهة بين الإنسان الإنساني والإنسان البربري[1]. إن المراد من الإنسان الإنساني هو الإنسان الرومي الذي يسلك الفضائل الرومية من خلال تجسيد التعاليم أو البيديا[2] اليونانية. إن المراد من التعاليم اليونانية هو اكتساب الفضل[3] والتبحّر والمهارة في السلوك الحسَن[4]. وقد تمّ التعبير عن هذا المفهوم بـ (الإنسانية)[5]»[6].

إن هذه الإنسانوية تتكرر في مرحلة عصر النهضة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر للميلاد في إيطاليا، ومن هنا يتم طرح مسألة «الإنسانية» ومن ورائها التعليم[7].[8] والذي يُراد من اللاإنسانية في هذه المرحلة هو البربرية والسيكولاستية في العصور الوسطى. كما نشاهد في القرن الثامن عشر للميلاد اتجاها ينحو إلى ربط الإنسانوية بإنسانية

(237)

المرحلة القديمة؛ من قبيل الإنسانويات الذي تحدّث عنها كل من يوهان غوته[1] وماكس شيللر. وبطبيعة الحال فقد ظهرت إنسانويات أخرى أيضاً، ولكنها لا تعود إلى المرحلة القديمة.

«إن إنسانوية كارل ماركس لا تستلزم أيّ عودة إلى العهود والعصور القديمة. وهكذا الأمر بالنسبة إلى إنسانوية جان بول سارتر التي يُعبّر عنها بعنوان الوجودية. كما أن الإنسانوية المسيحية ـ التي يكون كل شيء في تعاليمها من أجل الفلاح والسعادة الروحية للإنسان ـ لا تعود إلى المرحلة القديمة»[2].

في النوع الأخير من الإنسانويات ـ أي: تلك التي لا تعود إلى إنسانوية المرحلة القديمة ـ تمّ السعي إلى تشجيع الإنسان على اكتساب إنسانيته الأصيلة ودفعه نحو اكتشاف قيَمه وفضائله. إن جميع هذه الإنسانويات على الرغم من الاختلاف الكبير فيما بينها، إلا أنها ـ من وجهة نظر مارتن هايدغر ـ تشترك من حيث الهدف والأساس والأسلوب أو من حيث التعاليم والمفاهيم الخاصة في نقطة واحدة، وهي أن

«إنسانية الإنسان الإنساني قد تمّ تعيينها من ذي قبل على أساس التعبير الثابت عن الطبيعة، وعن التاريخ،

(238)

وعن العالم، وعن بنية العالم»[1].

 إن مشكلة جميع هذه الإنسانويات تكمن ـ من وجهة نظر مارتن هايدغر ـ في أنها تقوم على ما بعد الطبيعة أو تحوّل نفسها إلى بناء ينتمي إلى ما بعد الطبيعة. إن المراد من ما بعد الطبيعة هو «تعيين ماهية الإنسان بوصفها فرضية ضمن إطار وعنوان، دون أن تعمل أولاً على تحديد حقيقة الوجود»[2]؛ وعلى هذا الأساس فإن جميع هذه الإنسانويات تنتمي إلى ما بعد الطبيعة، وما دامت لا تتعرّض إلى السؤال عن حقيقة الوجود وارتباط الوجود بماهية الإنسان، سوف تبقى على ما هي عليه من الانتماء إلى ما بعد الطبيعة.

«إن ما بعد الطبيعة لا تطرح السؤال المرتبط بحقيقة ذات الوجود. ومن هنا فإنها لا تسأل عن كيفية تعلق ماهية الإنسان بحقيقة الوجود أبداً. إن هذا السؤال لم يتم طرحه من قِبل ما بعد الطبيعة حتى الآن ... ولا يزال الوجود يتوقع من الإنسان أن يعيد استذكاره بوصفه [أمراً] جديراً بالتفكير»[3].

كشف ماهية الإنسان

يلجأ مارتن هايدغر من أجل الكشف عن ماهية الإنسان إلى

(239)

استعمال مفردة «Ansprechen» بمعنى الاستدعاء بواسطة الوجود. إن المعنى الأصلي لهذه الكلمة هو توجيه الخطاب إلى شخص، كما تستعمل في معنى المطالبة بشيء وإرادته أيضاً. يبدو أن مارتن هايدغر يوجّه «الخطاب» إلى الوجود، كما أنه «يطالب» بذلك أيضاً. وربما أمكن الجمع بين مفهومي «المطالبة» و«توجيه الخطاب» في اللغة الفارسية[1].

للكشف عن ماهية الإنسان يجب أن يُستدعى من قبل الوجود. «إنما على أساس مثل هذه الدعوة يمكن للإنسان العثور على الموقع الذي تقطن فيه ماهيته»[2]. إن على الإنسان أن يقترب من الوجود كي يتمكن بهذه الطريقة من إدراك ذاته. ويلجأ مارتن هايدغر إلى استعمال كلمتي «Ek» و«sistence». إن الاستفادة من تركيب «Ek» و«sistence» إنما يأتي في إطار المقابلة مع «Existence» لجان بول سارتر، ليُفهم من ذلك أن الإنسان منفتح على حقيقة الوجود. يرى مارتن هايدغر أن إنسانوية سارتر «Existence» تؤخذ بوصفها وجودية من بين سائر الوجوديات، ولا تؤخذ الوضعية الفذة لـ «الإنسان في قبال الوجود» بمعنى إيضاح الوجود (Lichtung des Seins) من قبل الإنسان بنظر الاعتبار[3]. «إن الحفاظ على الذات في ضوء الوجود، هو ذات الشيء الذي أدعوه بـ (Ek-sistence) وقوف

(240)

الإنسان في الخارج»[1]. إن التفكير في حقيقة الوجود هو تفكير بـ (Ek-sistence) وقوف الإنسان في الخارج أيضاً. إن الوقوف خارجاً لا يمكن نسبته إلا لماهية الإنسان؛ لأن الإنسان وحده هو المنشغل بمصير وعاقبة الوقوف خارجاً.

«إن الوقوف خارجاً لا يمكن التفكير به بوصفه أسلوباً خاصاً من بين سائر أنحاء الموجودات الأخرى»[2].

يتحاشى مارتن هايدغر الخلط بين مفهوم الوقوف خارجاً وبين المفهوم التقليدي للوجود[3]. فهو يرى أن مفهومي الوجود والماهية[4]؛ حيث الوجود يعني الواقعية والفعلية[5] والماهية تعني الإمكان، يقعان في قبال بعضهما، وكلاهما مفهوم يفوق الطبيعة؛ إلا أن الوقوف خارجاً يمتاز من مفهوم ما بعد الطبيعة.

«إن الوقوف خارجاً يعني الوقوف خارج (Standing-out) حقيقة الوجود؛ وأما الوجود (Existence) فهو يعني الفعلية أو الواقعية في قبال الإمكان البحت بمعنى التصوّر»[6].

إن الإجابات التي يتم بيانها عن الأسئلة ـ التي يتم طرحها عن

(241)

أصل وجود الشيء أو ماهية وهوية الشيء ـ تعمل على تصوير الماهية الحقيقية للموجود في إطار الشيء والموضوع، ولا تظهر حقيقة الوجود أبداً؛ ولكن عندما يقال مثلاً: «إن الإنسان هو الواقف خارجاً»، جواباً عن السؤال عن «ماهية»[1] الإنسان؛ فإن السؤال لا يكون عمّا إذا كان الإنسان موجوداً حقيقة، وما هي ماهيته إذا كان موجوداً؛ بل السؤال إنما هو عن طريقة تحقق الوقوف الخارجي للإنسان.

اكتشاف ماهية الإنسان من خلال تحليل الدازاين

يلجأ مارتن هايدغر إلى استعمال كلمة الدازاين لتوضيح مفهوم الوقوف خارجاً. هناك ارتباط وثيق بين الدازاين ووجود الإنسان، ومن هنا فقد تمّت ترجمة هذه الكلمة في الترجمات الأولى لنصوص هايدغر بـ «الواقعية الإنسانية» وقد حظي هذا الأمر باستحسان من قبل هايدغر[2].

إن مراد هايدغر من الدازاين هو «أن الإنسان يفتح ماهيته حيث يكون هناك [Da]، أي نور الوجود. إن هذا الوجود هناك وحده حامل الصفة الأساسية للوقوف خارجاً في حقيقة الوجود»[3].

(242)

يبدو أن هايدغر يسعى في هذه العبارة إلى تحليل وإدراك مفهوم الوجود ـ المشتمل على صفة الوقوف خارجاً ـ بشكل صحيح، من خلال تحليل موجود مثل الإنسان، حيث يرتبط مع الوجود دائماً؛ أي: تحليل الدازاين بالمعنى الخاص الذي يريده منه والذي هو عبارة عن التعيّنات والخصائص البارزة لوجود وكينونة الإنسان من حيث كونه مبيّناً للوجود بالمعنى العام؛ ومن هنا فإن الدازاين ـ في تعبير هايدغر ـ عبارة عن مفتاح لفهم تفكيري، ولكن تم التعبير عن ذلك بالكثير من العبارات الخاطئة. يرى مارتن هايدغر أن الدازاين «وجود يطلق عليه في نهاية المطاف لفظ الإنسان، وإن العالم لا يكتب له الوجود إلا إذا كان الدازاين موجوداً فقط»[1]. وبطبيعة الحال فإن مارتن هايدغر يكتب الدازاين تارة على شكل «Dasein»، وتارة أخرى على شكل «Da-sein»، ويبدو أنه يهدف من وراء ذلك إلى بيان نوعين من الرؤية إلى الدازاين.

إن الـ «Dasein» يرادف الـ «Istentiale» حيث يستفاد فيه من دراسة الإنسان للوصول إلى الوجود، ويتمّ فيه لحاظ الوجود في نسبته إلى الإنسان؛ ومن هنا يكون الإنسان نقطة بداية لاكتشاف الوجود، وأما  في مصطلح الـ «Da-sein» فهناك يكمن مفهوم ما فوق الطبيعة، حيث يتم البدء فيه من دراسة الوجود من أجل الوصول إلى الإنسان، ويتم فيه لحاظ الإنسان بالنسبة إلى الوجود. وبعبارة أخرى: إن الـ «Dasein» هو الإنسان من حيث هو منفتح

(243)

(في اليونانية: «Aletheia») على الوجود، في حين أن الـ «Da-sein» هو الإنسان من حيث كونه مظهر الوجود. إن الذي يتمّ بيانه في الإنسانوية المنشودة لجان بول سارتر هو الـ «Da-sein»، في حين أن المنشود بالنسبة إلى مارتن هايدغر هو الـ «Dasein». «إن ما هو متقدم على جميع الأمور يجب العمل على تجربته بوصفه موضعاً ومكاناً؛ أي: بوصفه مساحة لحقيقة الوجود، وأن يتم العمل على إظهاره بلفظ (Dasein)»[1]. وبطبيعة الحال فإن هايدغر يعتبر وجود الإنسان شرطاً على كل حال، وكأننا حيثما أردنا الاقتراب من الوجود، لا يكون أمامنا سوى البدء من الإنسان، وهذا هو الشيء الذي تستفاد منه الإنسانوية؛ بمعنى أن الإنسان هو نقطة الانطلاق في عملية التفكير بشأن الوجود.

يرى مارتن هايدغر أن الإنسانوية التي تحدّث عنها في كتاب (الوجود والزمان) هي ـ في المقارنة مع إنسانوية سارتر وجميع الإنسانويات السابقة عليها ـ ضدّ الإنسانوية. وقد أدى هذا الأمر إلى سوء فهم البعض لآراء مارتن هايدغر، ومن هنا فقد اعتبروا «رسالة حول الإنسانوية» لهايدغر، مناهضة للإنسانوية. في حين يبدو أن هايدغر يعمد إلى رفض الإنسانويات التي هي من نوع إنسانوية سارتر، ليطرح بدلاً منها إنسانوية جديدة في قبالها[2].

(244)

«إن الأمر الوحيد هو أن أعلى وأسمى التعيّنات الإنسانوية عن ماهية الإنسان، لا تعمل بدورها على تجربة التقييم الحقيقي للإنسان، بمعنى أن الرؤية التي يتمّ بيانها في كتاب الوجود والزمان تأتي إلى الضدّ من الإنسانوية، إلا أن هذه الضدية لا تعني أن هذه الرؤية تتجه إلى مناهضة الإنسانوية، وتدافع عن اللاإنسانوية ... لو فكرنا على الضدّ من الإنسانوية، فإن السبب في ذلك يعود إلى أن الإنسانوية لا تضع إنسانية الإنسان في الذروة التي يستحقها»[1].

إن مارتن هايدغر من أجل الوصول إلى الإنسانوية التي تعمل على تحقيق القيمة الحقيقية للإنسان، يعمل على إزاحة الإنسانويات التي تعمل على تصوير الإنسان بوصفه حيواناً ناطقاً، وشخصاً، وكائناً يمتلك روحاً وجسداً.

الإنسان بمنزلة الوجود «الملقى»

إن الوجه الآخر من إنسانوية هايدغر، يكمن في مفهوم الإلقاء[2]. وقد تعرض في موردين من كتابه «رسالة حول الإنسانوية» إلى مفهوم «الإلقاء»[3]. وفي واحد من هذين الموردين يعمل على تقريب مفهوم «الإلقاء» من مفهوم «الاستدعاء» بواسطة الوجود. إن شرف

(245)

الإنسان يكمن في هذا الشيء وهو: الاستدعاء بواسطة ذات الوجود لتوفير الحماية والدفاع عن حقيقة الوجود. إن هذه الدعوة تتم على شكل إلقاء يتجذر فيه إلقاء الكينونة هناك.

يعمل مارتن هايدغر على تصوير إنسويته على النحو الآتي، وهو أن الإنسان قد تم «إلقاؤه» بواسطة ذات الوجود في حقيقة الوجود، ليعمل ـ من خلال هذا النوع من الوقوف خارجاً ـ على الحماية والدفاع عن حقيقة الوجود؛ ليظهر في نور الوجود للموجود كما هو موجود. إن المراد من الحماية والدفاع في عبارة هايدغر هو حمل الهاجس[1] والخشية على الوجود. إن مارتن هايدغر لا يبحث في كيفية إلقاء الإنسان في الوجود، ويراه متطابقاً مع مصير وجود الوجود. وفي الحقيقة فإنه طبقاً لهذا المصير يجب على الإنسان أن يدافع عن حقيقة الوجود، «إن الإنسان هو راعي الوجود»[2]. وفي موضع آخر يعمد هايدغر إلى استعمال عبارة «الجار»؛ حيث يقول: «إن الإنسان هو جار الوجود»[3]. إن مارتن هايدغر يسعى في جميع هذه العبارات إلى التقرّب بشكل وآخر من الوجود الأصيل (وجود الوجود)، وربطه بماهية الإنسان (الوجود الأصيل للإنسان)؛ بمعنى الماهية الإنسانية التي يتم بيانها بعناوين من قبيل: الوقوف خارجاً، والدازاين، والإلقاء، والاستدعاء، وراعي الوجود، وجار الوجود، ويسعى مارتن هايدغر في كل واحد منها إلى الاقتراب من الوجود

(246)

بشكل وآخر. وفي هذا الاقتراب يتجلى أو يتم الكشف عن وجود الوجود أو الواجد في مقام الواجد. إن الإنسان منفتح على الوجود، وهو يعمل في هذا الانفتاح على إظهار وجوده أيضاً: «إن الدازاين يحتوي في ذاته على الانفتاح على الوجود»[1]. وكأنه ـ مع شيء من التسامح ومن خلال التعبير التقليدي ـ يتم إقامة نوع من التلازم بين وجود الوجود، ووجود الدازاين أو الإنسان؛ حيث يكون ظهور كل واحد من هذه الأمور رهناً بظهور الآخر.

لقد عمد مارتن هايدغر ـ في عبارة من كتاب «رسالة حول الإنسانوية» ـ إلى ضمّ جميع هذه المفاهيم المذكورة أعلاه إلى بعضها؛ إذ يقول:

«إن ماهية الإنسان تكمن في أنها تستهلك في شيء أكبر من الإنسان، حيث يتم تصوير الإنسان بوصفه

(247)

كائناً حياً يتمتع بالعقل ... إن «أكبر من» تعني: أكثر أصالة، وعليه فهو أكثر ماهوية من حيث الماهية؛ بيد أن ... الإنسان واقع في حالة الإلقاء ... إن الإنسان ليس سيد الموجودات، بل إن الإنسان هو راعي الوجود ... إن الإنسان يحصل على الفقر الماهوي للراعي، حيث يكمن شرفه في أنه: يُدعى من قبل ذات الوجود من أجل الدفاع عن حقيقة الوجود. إن هذه الدعوة تتم على شكل إلقاء؛ حيث يتجذر فيه إلقاء الكينونة هناك. إن الإنسان ... هو ذلك الموجود الذي يكون وجوده بمثابة الوقوف خارجاً عبارة عن السكن بالقرب من الوجود. إن الإنسان جار الوجود»[1].

إن هذه الإنسانوية ـ من وجهة نظر مارتن هايدغر ـ تعتبر إنسانية الإنسان على أساس القرب من الوجود، ويضفي على مفردة الإنسانوية مفهوماً جديداً. من أجل تعيين المفهوم الجديد لمفردة الإنسانوية يجب تجربة ماهية الإنسان على نحو أكثر أصالة، ثم العمل بعد ذلك على إظهار مدى تطابق هذه الماهية مع مصيرها. إن تجربة ماهية الإنسان الأكثر أصالة هي ما سبق أن تحدّث عنه مارتن هايدغر بقوله:

«إن ماهية الإنسان تكمن في وقوفه خارجاً. وهو الوقوف المهم على مستوى الماهية؛ أي على أساس ذات الوجود، إلى الحدّ الذي يعمل معه الوجود إلى

(248)

الدفع بالإنسان بوصفه واقفاً في الخارج من أجل الدفاع عن حقيقة الوجود في ذات هذه الحقيقة. وعندها ستكون الإنسانوية بمعنى: أن ماهية الإنسان أساسية لحقيقة الوجود»[1].

وجود الأشياء ووجود الآخرين في دائرة وجود الدازاين

إن الوجه الآخر من إنسانوية هايدغر عبارة عن جلب وجود الأشياء والآخرين في ساحة وجود الدازاين. إن وجود الأشياء، في رؤية هايدغر ـ ينظر تارة إلى الشيء الخارجي على شكل موضوع وتارة أخرى على شكل شيء «حاضر ـ في ـ اليد»[2]. إن النظرة الأولى تسلب من الإنسان إمكان الأنس والتعاطي الفعال مع الأشياء، وهذا هو الحال في التفكير التقليدي أيضاً، وأما في النظرة الثانية، فيكون الأمر كذلك في حياتنا اليومية وتعاطينا مع الأشياء، على هذه الشاكلة، «إن الأشياء تظهر من حجاب الوجود، بحيث تعمل على إظهار جوهر وجودها»[3].

إن دليل التفكير بالشيء «الحاضر ـ في ـ اليد»، هو قرب ونسبة ذلك الشيء إلينا. إن الإنسان كائن يعمل على تقريب الأشياء من بعضها، ويعمل بشوق مقرون بهواجسه على التقليل من الفواصل بينه وبين الأشياء. إن الإنسان «يأتي بالأشياء إلى بقعة الضوء»،

(249)

ويخصص موضعاً لوجودها، ويعمل على توجيهها [1]من خلال تقليص الفاصلة بينه وبين الأشياء.

وجود الآخرين: إن هايدغر يعمل على جلب وجود الآخرين إلى ساحة وجود الدازاين أيضاً. إن المجتمع جزء من وجود الدازاين. وهو يذهب إلى الاعتقاد بأن

«الدازاين موجود خارجي، ومرتبط بالآخرين، وفعال واجتماعي، بيد أن الدازاين على الرغم من اجتماعيته بشكل ملحوظ، إلا أنه يميل إلى العزلة والعمل الأحادي والمنفرد؛ أي أنه يميل إلى الرؤية المفتقرة إلى الشوق والحماس، والنظر إلى الأشياء بوصفها أموراً حاضرة ـ في ـ اليد»[2].

في هذه الحالة يتمّ تحديد وجود الدازاين من قبل الآخرين؛ بمعنى أن الدازاين لا يُظهر نفسه كما ينبغي:

«من أجل الوصول إلى الوجود الأصيل، يجب على الفرد أن يكون مساهماً بشكل فاعل، وأن يكون على تواصل مباشر مع الوجودات الأخرى. إن الأصالة بوجودها الأصيل تحتاج إلى أسلوب جديد من الارتباط مع جميع الناس»[3].

الإنسانوية الإلحادية

إن الإنسانوية الإلحادية ـ التي تحمل أكثر الآراء المخالفة

(250)

للدين عدائية، ولا سيما بعد القرن التاسع عشر للميلاد ـ تذهب إلى الاعتقاد بإن «الإنسانوية» يجب أن تكون ـ بهذا الاعتقاد القائل بأن الإنسان هو مركز ثقل الوجود ـ بديلاً عن محورية الله في الأفكار الدينية. وفي الحقيقة فإن الإنسانوية الإلحادية تذهب إلى الاعتقاد بوجوب أن تظهر بعض المدارس والمذاهب بالتدريج لتملأ الفراغ الذي خلفه غياب الله، والخيار الأفضل في هذا الشأن هو «الإنسان» والأفكار الإنسانوية. إن الإنسان في هذه المدارس وجود أصيل، في حين يُعدّ وجود الله من الاعتبارات الذهنية، وأنه من صنع واختلاق الذهن. وللتخلّص من هذه الوجودات الذهنية، يجب التوجّه إلى الأمور المحسوسة والملموسة والقابلة للمشاهدة والقابلة للإثبات. يتمّ بيان هذا المطلب في الفقرة الأولى من الإعلان الثاني للإنسانوية الإلحادية بشكل صريح وصارخ؛ حيث يقول: «نحن بوصفنا من الأفراد غير المتدينين نبدأ في أبحاثنا من الإنسان لا من الله، ومن الطبيعة لا من اللاهوت»[1]. ليس للإنسويين الإلحاديين رؤية مستقلة في العادة، وإنما يقتبسون آراءهم من فلاسفة من أمثال: أوجست كونت، ولودفيغ فويرباخ، وكارل ماركس، وفريدريك نيتشه.

الإنسانوية الإلحادية في تفكير أوجست كونت

لقد تحدّث أوجست كونت في تقسيمه المعروف بشأن المراحل الفكرية للبشر، عن ثلاث حالات، وهي كالآتي: الحالة الربانية (الخيالية)، والحالة ما بعد الطبيعية (التجريدية)، والحالة العلمية (التحصلية أو الثبوتية )، ويضع الدين في المرحلة ما بعد الطبيعية

(251)

أو نهاية المرحلة الربانية؛ حيث ظهرت الأديان التوحيدية. إن الدين الوحياني ينتمي إلى مرحلة انعدام الوعي أو عدم البلوغ الفكري للبشر. وبطبيعة الحال فقد كانت هذه المراحل مفيدة في عصرها، ولكن بعد تقدّم العلم والوصول إلى الأفكار التحصلية وقابلية الإثبات العلمي للظواهر لم تعد هناك من أرضية للتمسك بتعاليم ومفاهيم الأديان الإلهية. إن المرحلة ما بعد الطبيعية والتجريدية تمتاز وتتفوّق على المرحلة الربانية من جهة تجاوزها لمرحلة الوهم والتخيّل، وأصبح دور التفكير فيها هو الأهم، ولكنها تعاني من هذا الضعف وهو أنها تسعى على الدوام إلى توضيح وبيان ظواهر العالم بحسب الأمور المريبة. وبعبارة أخرى: إن توضيح الظواهر على أساس العلم، من قدرة وإرادة الله؛ ومن هنا يجب اجتناب هذا النوع من التفكير.

ويقال ـ بطبيعة الحال ـ إن

«أوجست كونت لم يكن ينكر الله جهاراً؛ ولكنه كان يرى أن مرحلة عبادة الآلهات غير المرئية قد انتهت. وكان في مسار طغياني يعتبر الإنسان الأرضي خليفة الله تعالى، وكان يرى أن أيّ نوع من أنواع الإيمان بما وراء الطبيعة أمر غير علمي وغير مجد»[1].

إن الدين الذي لا يشعر بوجود حاجة إلى الله، ويرى أن واضع

(252)

الدين هو الإنسان، يسمّى دين الإنسانية[1]. إن الإنسان في هذا الدين ـ الذي ينتمي إلى المرحلة الثالثة من تفكير البشر ـ يسعى على الدوام إلى

«دراسة القوانين العلمية للعالم. ويتم نبذ الأمور ما وراء الطبيعية بوصفها أموراً خرافية وغير مرتبطة بالواقع»[2].

إن أوجست كونت الذي يُعدّ فيلسوفاً اجتماعياً وعالم اجتماع، كان يروم تأسيس اتحاد في أوروبا يقوم على أساس محبة البشر؛ حيث يعمل على تثبيت أسس دين الإنسانية في مختلف أبعاده الفلسفية والسياسية والاجتماعية. واليوم لا يزال الاتحاد الأخلاقي البريطاني يواصل نشاطه الإنسوي على أساس أفكار وآراء أوجست كونت[3].

الإنسانوية الإلحادية في رؤية فويرباخ وكارل ماركس

إن الإنسانويين الملحدين في المرحلة المعاصرة، يسعون ـ من خلال الاستفادة من أفكار لودفيغ فويرباخ ـ إلى خفض الوجود الإلهي إلى المستوى الطبيعي أو الوجود الإنساني، بدلاً من تعالي الإنسان وقرب الإنسان من الله.

لقد عمد لودفيغ فويرباخ ـ الفيلسوف المادي في القرن التاسع

(253)

عشر للميلاد (1804 ـ 1872 م) ـ إلى اعتبار الطبيعة والإنسان جوهرين أصليين للدين. كان فويرباخ بتأثير من آراء هيجل يروم تعريف الناس بالدين كما يعتقده ويعرفه؛ وهو دين طبيعي وإنسوي إلى حدّ كبير. وقد كان يرى أن «الروح المطلقة»[1] هي الطبيعة، والروح المطلقة التي كان هيجل يرى أنها المظهر الكامل للحقيقة، وكان يرى أنها تعمل بشكل وآخر على تحريك عجلة مسار التاريخ. إن الدين ـ طبقاً لرؤية فويرباخ ـ دليل الطبيعة ومطلب الإنسان:

«إن التصوّرات والأفكار الدينية قد تمّت بلورتها من قبل الناس بوصفها انعكاساً لاحتياجاتهم الخاصة؛ وذلك لأن الأفراد في حياتهم العملية قد تعرّضوا إلى الألم أو «الاغتراب عن الذات»؛ ولذلك كان لا بدّ لهم من الاعتقاد بأفكار وآراء من قبيل الآراء التي شاعت في فلسفة هيجل؛ وعليه فإن ما بعد الطبيعة ليس سوى «علم نفس مُلغز»؛ بمعنى أن ما بعد الطبيعة يعمل على بيان المشاعر الخاصة للأفراد، وليس بياناً لحقائق بشأن عالم الوجود. لا سيّما وأن الدين مبيّن ومُظهِر لهذا الاغتراب عن الذات. إن الأشخاص إنما يستطيعون الخلاص من أوهامهم بشأن الدين، إذا تمكنوا من تحقيق قيَمهم الخاصة في عالم الوجود هذا»[2].

(254)

لقد عمد فويرباخ في كتابه (جوهر المسيحية)[1] إلى التعريف بالله بوصفه ظلاً للإنسان. إنه شبح خيالي يصنعه الإنسان من جوهر ذاته ودخيلته: «إن الدين المسيحي عبارة عن صلة الإنسان بنفسه، أو بجوهر ذاته بعبارة أدق. ولكن جوهر ذاته بوصفه موجوداً أخر. إن الكائن الإلهي ليس شيئاً آخر غير الجوهر الإنساني، أو «الذات الإنسانية» بتعبير أدق؛ حيث انفصل عن قيود الإنسان المنفرد؛ أي أن ذات الإنسان الواقعي والجسماني هو الذي تعيّن وأصبح مشخصاً؛ بمعنى جوهر الإنسان الذي تمّ التأمل فيه، واكتسب حرمة بوصفه موجوداً غير ذاته[2]؛ وعليه فإن جميع خصائص الكائن الإلهي هي ذات خصائص الجوهر الإنساني.

ويستمر مسار مخالفة الأديان الإلهية، وحذف الأمور ما بعد الطبيعية، أو حذف المتعالي، وبالتالي اختلاق دين الناس، ووضع الإنسان في مركز هذه الأديان الإنسانوية في آراء كارل ماركس أيضاً، وتتجلى خصائصه اللادينية أو الإلحادية بشكل كامل. إن حالة «الاغتراب عن الذات»[3] التي تشاهد بشكل خاص في آراء هيجل، وبعد ذلك في آراء فويرباخ، تستمر على هذه الشاكلة في آراء كارل ماركس؛ حيث الأديان الإلهية، والتفكير حول الله والعبودية، توفر بعض الأرضيات لاغتراب الإنسان عن ذاته؛ ومن هنا يتعيّن على الإنسان من خلال عدم التفكير في هذه الأمور، واكتشاف ذاته ـ

(255)

ولا سيّما في التعاملات الاجتماعية مع الآخرين ـ أن يستعيد هويته المفقودة. إذا أراد الإنسان أن يتطوّر[1]، تعيّن عليه التخلي عن الأديان الإلهية التي تحول دون التطوّر، وإذا أراد أن يختار لنفسه ديناً، وجب أن يكون واضع ذلك الدين هو الإنسان:

«إن الإنسان هو صانع الدين، بيد أن الدين لا يصنع الإنسان. ما دام الإنسان لم يحصل على مكانه بين الكائنات، فإن الدين  يمنح الإنسان وعياً وإدراكاً. إن الإنسان ليس وجوداً مجرّداً وخارجاً عن العالم. إن الإنسان عبارة عن مجموع الناس والدولة والمجتمع. إن هذه الدولة وهذا المجتمع هو الذي يوجد الدين ... إن الألم الديني علامة على الألم الحقيقي والاعتراض على [هذين العالمين المعكوسين]. إن الدين عبارة عن آهات الكائنات المظلومة، ومشاعر عالم عديم الإحساس، وروح في جسد فاقد للروح. إن الدين أفيون المجتمع. إن القضاء على الدين ـ الذي يمثل علامة على حبور الإنسان الكاذب ـ ضروري من أجل الحصول على الاغتباط الحقيقي للإنسان[2]. يرى كارل ماركس أن الاتجاه الاقتصادي على الرغم من الطاقات التي ينتجها، وكذلك طاقات الذهن الثوري، يجب أن تعمل على

(256)

هداية المجتمع إلى قانون العقل وإلغاء القيود وتحرير الإنسان من الأسر في قبال القوى اللاعقلانية، لكي تثبت في نهاية المطاف سيادة الإنسان في التاريخ. إن الإنسان الاجتماعي سوف يصبح هو السيد والحاكم المطلق على التاريخ والعالم»[1].

في الإنسانوية الإلحادية لكارل ماركس يتم عبادة الجهة الجمعية من الإنسان بدلاً من الله، ويتم إلغاء الأمور المتعالية، ويتمّ التعريف حتى بالأديان الإلهية بوصفها مجرّد مجموعة من المفاهيم والأساليب المصنوعة والمختلقة من قبل الإنسان، وليست هبة سماوية وإلهية لهداية الناس[2]. إن ماركس لا يسمح للفرد بالاستفادة حتى من قوّة التخيل في التفكير بالله، فإن التخيّل ـ من وجهة نظره ـ مجرّد وسيلة للحفاظ على الحياة المادية للإنسان. إنه لبيان وتأسيس نظامه الاجتماعي المنشود، جعل من عدم وجود الله فرضية وأصلاً موضوعاً. إن الإنسان إنما يمكنه العودة إلى ذاته، إذا لم يكن لديه أيّ ارتباط ذهني أو عيني مع الله. ويبدو أنه في هذا النوع من التفكير يتم إنكار حتى الإله المفهومي أيضاً. والخلاصة هي أن الإنسانوية الماركسية ذات صبغة دنيوية، حيث لا صلة لها من حيث المبنى والغاية بالأمور المتعالية. يرى كارل ماركس أن منشأ الاغتراب عن

(257)

الذات يكمن في الإيمان والاعقاد بوجود الله، وأن تحقق الاتجاه الجمعي للبشر ـ الذي هو رهن بحاكمية ومالكية الله كي يصبح الإنسان والمجتمع مالكاً وحاكماً حقيقياً ـ أمر ضروري. ومن هنا فإن كارل ماركس كان يرى نفسه مكلفاً بتحرير الإنسان من الأسر والقيود التي تفرضها عليه القوى ما فوق الطبيعية[1].

الإنسانوية الإلحادية في رؤية فريدريك نيتشه

إن النوع الآخر من الإنسانوية الإلحادية يتجسّد في رؤية «الإنسان الأمثل»[2] و«الإرادة الناظرة إلى القوّة»[3] عند فريدريك نيتشه. إن نيتشه بعد رفعه لشعاره المعروف بـ «موت الإله»، صار بصدد استبداله بالإنسان الأمثل أو السوبرمان الذي يعمل أبداً على خلق قيَمه بنفسه، ثم يعمل على تنظيم حياته طبقاً لهذه الرؤية. على الرغم من تعرّض شعار «موت الإله» لمختلف التفاسير، فقد سعى البعض إلى القول بأن مراد نيتشه من الإعلان عن هذا الشعار هو تصوير روح المرحلة المعاصرة. إن «موت الإله» استعارة وكناية عن حادثة تاريخية / ثقافية حدثت في الغرب. لم يكن نيتشه بصدد بيان استحالة الإيمان بإله المسيح، كما لم يكن بصدد الإشارة إلى غلبة الإلحاد على الإيمان في المرحلة المعاصرة، وإنما أراد مجرّد الإشارة إلى أن

(258)

«إمكان الإيمان بشيء أسمى من الذات الكونية لهذا العالم، لم يعد ممكناً، وبذلك فقد انهار صرح القيَم ـ الذي كان يأوي البشر في كنف حمايته ـ وتهاوى مرّة واحد وإلى الأبد»[1].

يقول نيتشه في كتابه (إرادة القوّة):

«إن التفسير الأخلاقي للعالم، منذ أن سعى إلى الهروب إلى نوع من الغيب والما وراء، لم تعد لديه أيّ ضمانة تنفيذية، وعليه فإن زواله يؤدي إلى نوع من العدمية، ويغدو كل شيء فاقداً للمعنى»[2].

يجب على الإنسان أن يبني صرح القيَم بنفسه. عندما يقوم الإنسان ببناء جميع القيَم بنفسه، فسوف تأول جميع الأمور الغيبية وما وراء الطبيعية أو القيَم الاستعلائية إلى الفناء والزول، ولن يعود بالإمكان إعادة إصلاحها، وتتحوّل المعايير الأخلاقية القديمة للإنسان إلى أطلال كما هو شأنها في الوقت الراهن. يرى نيتشه أن الأخلاق المتعارفة والمعهودة تطالب بالحفاظ على حياة الإنسان، وأن هذه الأخلاق ترى أن الله هو الضامن لذلك، وأما الآن فقد مات الإله، ولذلك يتعيّن على الإنسان أن يعمل على إرساء قواعد أخلاقية جديدة. على أن لا تكون مهمة هذه الأخلاق هي الحفاظ على

(259)

الأمور كما هي، بل تكون ناظرة إلى الإنسان الأمثل في المستقبل. إن هاجس فريدريك نيتشه يكمن في الإنسان الأمثل الذي يستحوذ على الإنسان كما هو في الوقت الراهن:

«يتساءل أكثر الناس قلقاً في الوقت الراهن، ويقول: (كيف يمكن الحفاظ على الإنسان؟). بيد أن زرادشت هو الأول والوحيد الذي يسأل ويقول: (كيف يمكن الاستحواذ والسيطرة على الإنسان؟). إن الإنسان الأمثل يسكن في قلبي؛ فهو حبّي الأول والوحيد، وليس الإنسان، ولا أقرب الأشخاص مني، ولا أشدّهم ضعفاً وأكثرهم مسكنة ... لقد تسيّد اليوم صغار الناس، والجميع خانع وراض ومستسلم، يعظ الدهاء والذكاء والتدقيق وشتى صفات الفضائل الصغيرة. إن كل ما هو من جنس النساء أو من جنس العبيد ... يسعى اليوم ليكون سيداً على مصير الإنسان ... أيها الإخوة، تغلبوا على سادة اليوم، على هؤلاء الأشخاص الصغار؛ لأنهم من أخطر الناس على الإنسان الأمثل»[1].

يشير نيتشه في علم الأنساب الأخلاق إلى أن على الإنسان الأمثل أن يتغلب على الغايات التي تدعو إلى الزهد والتقوى؛ لأن

(260)

هذه الغايات منذ مرحلة أفلاطون فما بعد، هي التي أنتجت ماهية وجوهر الإنسان. كما أن رؤيته المتمثلة بـ «الإرادة الناظرة إلى القوّة» تعبّر عن سيادة الإنسان على مصيره المحتوم، والتغلّب على القيَم التقليدية. فهو يرى أن إشباع غريزة الإرادة الناظرة إلى القوّة، من أهم النتائج والمكتسبات الحيوية في رقعة الوجود. وفي الحقيقة فإن إشباع هذه الغريزة يضفي مفهوماً على ديمومة الحياة.

وعلى هذا الأساس فإن فريدريك نيتشه يذهب إلى الادعاء بأن الإرادة الناظرة إلى القوّة، والنزعة إلى السيادة والاستحواذ موجودة لدى جميع الكائنات الحيّة، ومن هنا فإنه يقول:

«لقد وضعتم قارب إراداتكم وقيَمكم فوق نهر (الصيرورة). وإن ما خلع عليه الناس لقب «الحسن والقبيح» وآمنوا به واعتقدوه، إنما يكشف لنا إرادة قوّة قديمة»[1].

ثم قال نيتشه بعد ذلك:

«حيثما رأيت بعض الأحياء، سمعت كلاماً يدور حول الاستحواذ والإخضاع أيضاً. إن الأحياء مطيعون وخانعون بأجمعهم. وكل من لا يتخذ من نفسه آمراً، سوف يتسلط عليه الآخرون ويُملون عليه أوامرهم ... وحيث وصلت إلى البشر، فقد وجدتهم متربعين على [عرش] الغرور والكبرياء؛ وكانوا بأجمعهم يعتقدون

(261)

منذ القدم أنهم يعلمون ما الذي يصلح الإنسان وما الذي يُفسده. كان كل كلامهم الذي يدور حول الفضيلة ـ في ظنهم ـ كلاماً بالياً يدعو إلى الملل والسأم، وكان كل من يلتمس نوماً هانئاً، يتحدّث قبل النوم عن «الحُسن» و«القبح». بيد أني قد انتفضت على هذا النوع من النوم قائلاً: لا أحد يعلم ما هو الحسن والقبيح غير الخالق! والخالق هو الذي يخلق الغاية للإنسان، ويمنح الأرض معناها ومستقبلها. إن هذا الشخص هو قبل كل شيء خالق هذا الأمر؛ حيث يكون شيء حسناً أو قبيحاً»[1].

حقيقة الإنسانوية في العصر الراهن

تعرّفنا حتى الآن على أنواع الإنسانوية ومسارها الإجمالي في الفلسفات الغربية. وفي ختام هذا البحث سوف نشير إلى أوضاع الإنسانوية والوجه الغالب لها في العصر الراهن. قد يرد على ذهن القارئ هذا السؤال القائل: مع وجود كل هذه الأنواع من الإنسانويات في فلسفة وثقافة وحضارة الغرب؛ فلأي نوع من أنواع هذه الإنسانويات كانت الغلبة؟ الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، وهي في حدّ ذاتها بحاجة إلى دراسة مستقلة؛ بيد أن الذي يراه كاتب هذه السطور هو أن الإنسانوية المعاصرة لا هي دينية كثيراً، ولا هي إلحادية كثيراً، وإنما هي مفرطة في العلمانية. إن الإنسانويين المتدينين والملحدين يسعون جادين إلى إثبات

(262)

عقائدهم واستقطاب المخاطبين إلى صفهم، ولكنهم لم يحققوا نجاحاً كبيراً في ذلك حتى الآن. إن الإنسانوية العلمانية المنبثقة عن أفكار فلاسفة عصر التنوير، آخذة في الانتشار حالياً في اعتقادات الغرب، ولا يزال الإنسويون العلمانيون يسعون إلى زيادة حجم الأبعاد الإنسانية بعيداً عن الأنظمة الدينية وما وراء الطبيعية في التفكير الغربي.

يبدو أن الفصل والتفكيك بين الإنسانوية والعلمانية في الثقافة الغربية إذا لم يكن ممكناً ومستحيلاً، فإنه في غاية التعقيد والصعوبة. لقد تمّ إرساء الإنسانوية والعلمانية في الثقافة الغربية بشكل متزامن تقريباً، ويمكن القول: إن العلمانية بصيغتها الواقعية والمثالية تواصلت بعد مرحلة عصر النهضة عبر اجتيازها للكثير من المنعطفات، بيد أن العلمانية قد تمّ توظيفها بوصفها أسلوباً ومنهجاً لتحقيق هذه الغاية الإنسانوية. ولا تزال هاتان المقولتان تعملان جنباً إلى جنب على تحديد مسار وتقدم المجتمع الغربي أيضاً.

وبطبيعة الحال فقد تمّ طرح آراء مختلفة في القرون الأخيرة بشأن الإنسانوية العلمانية؛ الأمر الذي أدّى إلى عدم عرض مطالب متناغمة ومنسجمة في أعمال المؤيدين لهذه الإنسانوية العلمانية، وربما كانت في بعض الأحيان مفتقرة إلى الأدلة المنطقية. والشاهد على ذلك مجموع الإعلانات والبيانات التي نشرتها المجموعات المنتمية إلى الإنسانوية العلمانية ما بين الأعوام: 1933 ـ 1973 م، و2002 ـ 2003 م، وأضيف إليها في بعض الأحيان بعض البنود، أو تمّ حذفها أحياناً. وبطبيعة الحال فإن أنصار الإنسانوية العلمانية

(263)

يقيّمون هذه التيار بشكل إيجابي، ويرونه مساراً تقدميّاً، وربما منحوه عنوان «الإنسانوية التقدمية»[1] أيضاً[2].

إن الإنسانوية العلمانية قد اتخذت لنفسها اليوم هدفاً أو مثالاً يتلخص في «الإنسان السعيد والمغتبط». ومن الواضح من مقتضى التفكير العلماني أن المراد من هذه السعادة والغبطة هي السعادة الدنيوية؛ ومن هنا فإن نقطة افتراق العلمانية عن المذاهب الإلهية أو ما وراء الطبيعية تكمن في أن السعادة يتمّ تحديدها في هذه الدنيا وفي اللحظة الراهنة، وليس في العوالم الأخرى. تذهب الإنسانوية العلمانية إلى القول بأن كل أسلوب ومنهج أو عقيدة تخدم هذه الرؤية وتساعد على تحقيقها تكون مطلوبة ومنشودة، سواء أكانت دينية أو إلحادية. يبدو أن استفادة الإنسانوية العلمانية من الأديان الإلهية أو الإلحادية تمثل أداة براغماتية وعملانية؛ بمعنى أن الإنسانويين العلمانيين إنما يؤيدون الأسلوب إذا ساعد الإنسان في الوصول إلى أهداف الإنسانوية العلمانية، سواء أكان هذا الأسلوب دينياً أو إلحادياً؛ ومن هنا يأتي التأكيد في الإعلان والبيان الصادر عن الإنسانوية العلمانية في عام 2003 م على أن

«الإنسانوية العلمانية لا تعارض الدين ولا تعارض الإلحاد، وإنما تستطيع التماهي والتناغم مع مختلف العقائد والأفكار. والغاية الأصلية المنشودة لها تتمثل في توفير السعادة الدنيوية للإنسان من خلال الاستفادة من

(264)

الأساليب العلمية والعقلانية، ولا سيّما بعيداً عن الأنظمة الأخلاقية القائمة على أساس الإيمان والاعتقاد بالله»[1].

بيد أن هذه العبارة والفقرة الأخيرة التي يقولون فيها: «ولا سيّما بعيداً عن الأنظمة الأخلاقية القائمة على أساس الإيمان والاعتقاد بالله» تثبت ـ بطبيعة الحال ـ أن الإنسانوية العلمانية إنما تنسجم مع الإلحاد بشكل أكبر منه إلى تناغمها مع الأديان الإلهية، وكذلك لو أمكن للأديان الإلهية أن تخدم دنيا الإنسان، عندها يمكن أن تكون مقبولة ومطلوبة من قبل الإنسانوية العلمانية.

النهضة الأخلاقية للإنسانوية العلمانية

إن من بين الأبعاد الهامة في أفكار الإنسانويين العلمانيين والمشتركة بينهم جميعاً تقريباً، وتم التأكيد عليها في البيانات الثلاثة المذكورة آنفاً، هو البُعد الأخلاقي للإنسانوية العلمانية. ويبدو أن التأكيد على الأمور الأخلاقية إنما يعود سببه إلى العثور على بديل للأديان الإلهية؛ وذلك من أجل الحصول على أمر إنساني مشترك يتمثل بالأخلاق الإنسانية إذا ما تمّ التخلي عن الأديان الإلهية أو تهميشها، من أجل سدّ الفراغ المعنوي الذي سيعاني منه الإنسان حتماً بعد غياب العامل الديني؛ ومن هنا يتمّ التأكيد دائماً على الأخلاق الإنسانية بغض النظر عن الأنظمة الأخلاقية وما بعد الطبيعية الأعم من الأديان الإلهية أو الأديان غير الإلهية. وعلى الرغم من أن الإنسانويين العلمانيين ينقبون عن جذور مباحثهم الأخلاقية

(265)

في الأزمنة والعصور القديمة (المرحلة الضاربة في القِدَم)، إلا أنهم يرون النهضة الأساسية للإنسانوية العلمانية تعود إلى القرن التاسع عشر للميلاد مصحوبة بنهضة أخلاقية بتأثير من الآراء والأفكار الأخلاقية لأوجست كونت[1].

سبق أن اعتبرنا أفكار أوجست كونت بوصفها ممهدة للإنسانوية الإلحادية، وهذا ـ بطبيعة الحال ـ لا يتنافى مع أن تكون الإنسانوية العلمانية قد استفادت من أفكاره الأخلاقية؛ وذلك لأن أوجست كونت كان يعرّف بفكره الديني تحت عنوان «دين الإنسانية»[2]، حيث كان ينطوي على صبغة أخلاقية كاملة. لقد كان للأصول الأخلاقية / الإنسانية مكانة خاصّة في الدين الإنساني لأوجست كونت. لقد انطلقت هذه النهضة أولاً في فرنسا، ولكنها لم تحقق نجاحاً يُذكر. فصارت إنجلترا هي الرائدة في هذه الحركة. ذهب المفكر الإنجليزي ريتشارد كونجريف[3] بعد الثورة الفرنسية إلى باريس، وتعرّف هناك على أوجست كونت، وتأثر بأفكاره الوضعية إلى حدّ كبير. وقد أسس الجمعية الوضعية في لندن عام 1867 م واستقطب الكثير من المفكرين في هذه الجمعية. كما قام كونجريف بتأسيس الكنيسة الإنسانية في عام 1878 م، وعمل على الترويج لدين الإنسانية والتعريف بالطقوس الأخلاقية / الإنسانية في إنجلترا، مستلهماً من كتابات أوجست كونت.

(266)

وقام المهاجر الإنجليزي إلى الولايات المتحدة الأمريكية هنري إدغار[1] بتأسيس الكنيسة الإنسانية في نيويورك. إن الكنيسة الإنسانية الأمريكية من حيث أنها لم تكن مشتملة على نزعة إلحادية؛ فقد كانت شديدة الشبه بالكنيسة الإنسانية الإنجليزية في المواعظ والخطب والشعائر الدينية. ومن الجدير ذكره أن بعض المواعظ التي كانت تقرأ في هذه الكنائس مقتبسة من ذات الكنائس التقليدية، من قبيل: قراءة سفر النبي إشعياء[2].

وبالإضافة إلى انتشار هذا النوع من الكنائس الإنسانية، فقد عمد فيلكس أدلر[3] إلى تأسيس حركة أخلاقية مستقلة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد قام في عام 1886 م بتأسيس جمعية باسم «جمعية الثقافة الأخلاقية» في نيويورك، وفي العام نفسه تم التأسيس لجمعيات مماثلة في كل من فيلادلفيا وشيكاغو وسانت لويس. وكانت الأصول والأهداف المشتركة لهذه الجمعيات على النحو الآتي:

1 ـ الاعتقاد بأن الأخلاق مستقلة عن الإلهيات.

2 ـ لقد ظهرت في المجتمعات الصناعية والمتقدمة مسائل أخلاقية جديدة، لا قبَل للأديان التقليدية في العالم للإجابة عنها بشكل صحيح.

3 ـ لا بدّ لتطوير الأخلاق في المجتمع من الاهتمام بشكل

(267)

خاص بحب الناس وأبناء النوع الإنساني.

4 ـ هناك علاقة متبادلة بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع.

5 ـ لا بد من العمل مهما أمكن من أجل سيادة الجمهورية والديمقراطية، بدلاً من الحكومات الاستبدادية والملكية.

6 ـ إن تعليم الشباب من أرقى الغايات وأسمى الأهداف[1].

إن ردّة فعل هذه الحركة الأخلاقية على الأزمات الدينية قد تلخصت في القول بضرورة نبذ التعصّب لدين بعينه، والعمل على إشاعة ونشر الأخلاق غير المشوبة بالإلهيات. لقد كان أدلر منتقداً بشدة للإصرار على دين أو عقيدة بعينها، وكان يعتبر أن هذا الأمر إنما ينشأ عن التعصّب الأعمى وعن الآفاق الضيّقة والانقسامات الطائفية والمذهبية. ومنذ ذلك الحين زاد الإقبال على الأهداف والغايات الأخلاقية الإنسانوية / العلمانية، ويمكن القول إلى حدّ ما: لقد كان الهدف والغاية الأصلية تكمن في تحرير الأهداف الأخلاقية من النظريات الدينية والتقليدية وحتى الأنظمة والنظريات الميتافيزيقية والأخلاقية.

تم صدور الإعلان الأول للإنسانوية في عام 1933 م. وقد أصرّ الموقعون على هذا الإعلان على التعريف بأنفسهم بلاحقة الدينية، أي أنهم كانوا يعرّفون عن أنفسهم بمصطلح الـ «الإنسانوية الدينية»؛ إذ كانوا يرون أن الأديان التقليدية لا تستطيع مواجهة وتلبية الاحتياجات المعاصرة، والآن صار بمقدور الدين الإنسوي ـ بوصفه

(268)

ديناً حيوياً ـ أن يستجيب لاحتياجات الإنسان الذي يعيش في هذا العصر الجديد. وقد حظي هذا الأمر بقبول من قبل الموقعين الأمريكيين؛ بيد أن الإنجليز لم يكونوا سعداء بلاحقة الدينية، ومن هنا فقد تمّت الإشارة في هذا الإعلان إلى أن الدين الجديد لا يعتقد بآلهات الأديان[1].

في عام 1973 للميلاد، قام كل من بول كيرتز[2] ـ وهو من المدافعين العتيدين عن الإنسانوية والمروجين لها ـ وإدوين. إتش ويلسون[3]، بكتابة الإعلان الثاني للإنسانوية، وعملا معاً على نشره. لقد سلك كتاب هذا الإعلان طريقة أكثر مرونه بالقياس إلى الإعلان السابق، وقالوا بوجود حاجة إلى رؤية تبعث الأمل بالنسبة إلى المستقبل والإيمان والمعرفة، ولكنهم واصلوا التأكيد على أن الأديان التقليدية كانت مضرّة بحال الإنسان. كما تمّ التأكيد في هذا الإعلان عن الفلسفة الطبيعية، وتمّ التعريف فيه عن الجماعات العلمية والأخلاقية والديمقراطية ولا سيّما الإنسانوية الماركسية، بوصفها متماهية ومتناغمة مع هذا الإعلان. وبطبيعة الحال فإن هذا الإعلان لم يغفل عن الإشارة إلى الجماعات الدينية، ولكن بالنظر إلى ما ذُكر آنفاً من أن «الأديان التقليدية كانت مضرّة»، يبدو أن المراد من الأديان المُشار إليها في هذا الإعلان هي الأديان غير التقليدية، أي الأديان التي تنتهج سبيل التسامح والتساهل وعدم التشدّد.

(269)

وفي عام 2002 م، بادر الاتحاد الدولية للإنسانوية الأخلاقية ـ وعلامته الاختصارية (IHEU)[1] ـ إلى إصدار إعلان آخر تحت عنوان «إعلان أمستردام»[2]. تم السعي في هذا الإعلان إلى عرض نوع من الإنسانوية العالمية ضمن قضايا معيّنة ومحدّدة. لقد ألزم جميع أعضاء هذا الاتحاد أنفسهم بالقبول بالعقائد المشتركة والحدّ الأدنى من الإنسانوية. يبدأ نص هذا الإعلان بالعبارات الآتية:

«إن الإنسانوية تمثل نوعاً من الحياة الأخلاقية والديمقراطية، وتمنح الحق لجميع الناس بأن يضفوا المعنى والمفهوم على حياتهم على نحو ما يشاؤون، وأن يبلوروا حياتهم كما يريدون، وأن يتحملوا المسؤولية فيما يتعلق بذلك بطبيعة الحال. إن الغاية الاجتماعية الإنسانوية هي بناء مجتمع إنسوي من طريق الأخلاق الإنسانية وسائر القيَم الطبيعية والمادية بالاستلهام من العقل والبحث الحر، والاستفادة من الطاقات الإنسانية الخاصة. تؤكد الإنسانوية أنها لا تعبد الله بالضرورة، ولا تؤمن بالآراء ما وراء المادية وما فوق الطبيعية بشأن واقعية وحقيقة العالم»[3].

ولغرض توحيد المنهج بين مختلف الإنسانويين، تمّت المصادقة من قبل الأعضاء الأصليين في الـ (IHEU) على البنود الآتية:

(270)

1 ـ يعمد جميع الإنسانويين ـ أياً كانت جنسيتهم وعرقهم وهويتهم ـ إلى التعريف بأنفسهم من خلال استعمال مفردة «الإنسانوية» المشتركة، وعدم الاستفادة من أي سابقة أو لاحقة.

2 ـ يجب على جميع الإنسانويين بكافة انتماءاتهم القومية والعرقية، أن يتبنوا شعاراً واضحاً ومفهوماً، يتمثل بـ «سعادة ورفاه الإنسان».

3 ـ يجب على جميع الإنسانويين بكافة انتماءاتهم القومية والعرقية، أن يسعوا إلى تثبيت هويتهم، وأن يعملوا على إفهام الجميع أن الإنسانوية «طريقة وحالة حياة» في العالم الجديد[1].

من الجدير ذكره أن جميع هذه الإعلانات تحتوي على نقطة مشتركة واحدة، وهي عبارة عن: «تحقيق الأخلاق الإنسانية بمعزل عن الأنظمة ما بعد الطبيعية»، ومع ذلك هناك بين الإنسانويين العلمانيين اختلافات كبيرة حول هذه النقطة التي تبدو بحسب الظاهر مشتركة بين جميع الإنسانويين.

الإعلان الأخير للإنسانوية العلمانية وبنوده

في معرض التعريف بالإعلانات آنفة الذكر، تم الإحجام عن بيانها التفصيلي، والسبب في ذلك يعود إلى الاختلاف الكبير في وجهات نظر الإنسانويين حول الفقرات المتنوّعة لهذه الإعلانات. وفيما يلي سوف نبين آخر الإعلانات وأكثرها اختصاراً مما يبيّن

(271)

الأصول المشتركة للإنسانوية العلمانية إلى حدّ ما.

في عام 2003 م قام المجمّع الإنسانوية العلماني في الولايات المتحدة الأمريكية بالتعريف بالأصول الاعتقادية للإنسانوية العلمانية ـ مع الحفاظ على لاحقة العلماني ـ على النحو الآتي:

الحاجة إلى اختبار العقائد:

يجب على كل فرد أن يُخضع جميع أنواع العقائد الجازمة والأيديولوجية والتقليدية ـ سواء أكانت دينية أم سياسية أم اجتماعية ـ إلى التقييم والاختبار الدقيق، وأن يتجنّب الاعتقاد بها على أساس مجرّد الإيمان البحت.

العقل، الدليل والمستند، الأسلوب العلمي:

إن الالتزام والتمسك بتوظيف العقل النقدي، والمستندات والأدلة الواقعية، والأساليب العلمية / التجريبية في الأبحاث للحصول على حلول لأزمات ومشاكل الإنسان في المرحلة المعاصرة، والإجابة عن تساؤلات الإنسان المعاصر، يمثل واجباً أساسياً.

الجدوائية والتنمية والإبداع:

يجب الاهتمام بالجدوائية والتنمية والإبداع الفردي والاجتماعي للبشرية بشكل كامل.

البحث عن الحقيقة:

(272)

يجب البحث عن الحقيقة الواقعية والملموسة بشكل جاد ومتواصل؛ مع الأخذ بنظر الاعتبار أن معارفنا الجديدة وتجاربنا الحديثة، تعمل أبداً وبشكل متواصل على تغيير فهمنا للحقائق.

هذه الحياة (الحياة الدنيوية):

يجب الاهتمام بهذه الحياة الدنيوية ـ (في قبال الحياة في العالم الآخر) ـ بشكل كامل، والالتزام التام بإضفاء المعنى والمفهوم إلى حياتنا من خلال الفهم والإدراك الأفضل لأنفسنا ولتاريخنا ومعطياتنا العقلانية والفنية، وأن نعمل في الوقت نفسه على تسريع هذا المسار، من خلال استيعابنا لآراء ومعتقدات المتقدمين والأسلاف وأولئك الذين يفكرون بشكل مختلف عن تفكيرنا.

الأخلاق:

إن البحث والتحقيق من أجل الحصول على الأصول الأخلاقية والمستلزمات الأخلاقية الدائمة والمشتركة (في الحقول الفردية والاجتماعية والسياسية و...)، والحكم المتواصل بشأنها على أساس قابلية وجدوائية تلك الأصول والمستلزمات لبناء حياة أفضل للبشر مقرونة بالمسؤولية، أمر واجب ولازم.

العدالة والإنصاف:

إن الرغبة في إقامة العدالة والإنصاف في المجتمع من منطلق اتخاذ موقف الحياد ورفع المحابات والعنصرية وانعدام العدالة والعنف، أمر ضروري.

(273)

بناء عالم أفضل:

يجب الاعتقاد بضرورة الاستعانة بالعقل والتبادل الحرّ للآراء والأفكار، والإرادة العامّة لتحسين الفضائل وسيادتها. وبطبيعة الحال يمكن الوصول ـ بالصبر والتسامح ـ إلى بناء عالم أفضل لأنفسنا ولأجيالنا القادمة[1].

ومن الجدير ذكره أن الفقرات أعلاه، موجودة ـ بشكل وآخر ـ في الإعلان السابق على هذا الإعلان أيضاً.

(274)

كلمة أخيرة

وفي الختام لا بدّ من الإشارة إلى تيار إنسوي آخر إلى جوار التيار الإنسوي العلماني في المرحلة المعاصرة، وهو تيار «الإنسانوية الدينية»[1]. إن هذا النوع من الإنسانوية الذي شاع في الولايات المتحدة الأمريكية وفي المملكة المتحدة بشكل أكبر، يحتوي على أفكار برزخية؛ بمعنى أنه يسعى إلى إحياء ما هو حسن من التقاليد الدينية القديمة، كما أنه يعمد في الوقت نفسه إلى التناغم والتماهي مع الأساليب والأفكار العلمانية أيضاً. إن الإنسانوية الدينية تعتبر نفسها استمراراً للطريق الأول للتشكلات والتكتلات الإنسانوية في عصر النهضة وبداية المرحلة الحديثة ومرحلة الإصلاح الديني (أفكار دسيدريوس إيراسموس[2]، وجون كالفن، ومارتن لوثر، وغيرهم)، وتسعى في الغالب إلى بيان الأدوار الإيجابية للدين في الحياة الاجتماعية للإنسان[3].

بيد أن الإنسانويين العلمانيين لا يبدون ترحيباً كبيراً بالإنسانوية الدينية، ويعود سبب تجنّب بعضهم تسمية أفكاره باسم دين معيّن ـ كما ورد التصريح بذلك في إعلان عام 1933 م ـ إلى اعتقادهم أن التيار العلماني يجب أن يفصل نفسه عن الإنسانوية الدينية.

(275)

والملفت أن الإنسانوية الدينية اتخذت جانب المداراة والمجاملة في تعاملها مع الإنسانوية العلمانية، من أجل المضيّ قُدُماً في تحقيق برنامجها؛ بحيث صارت لا تقبل التسليم والإذعان بالمعتقدات ما فوق الطبيعية[1] بسهولة، وتسعى إلى رفع مستوى وازدهار الطبيعة المنهجية والعملية والعلوم التجريبية في أبحاثها. وفي نهاية المطاف إذا أرادوا دعماً من الأمور ما وراء الطبيعية، فإنهم يعملون على الترويج للآراء الفلسفية الميتافيزيقية الطبيعية[2]، ويسعون في هذه الأبحاث على الدوام إلى انتهاج أسلوب علماني[3].

قام بعض الإنسانويين العلمانيين في بعض إعلاناتهم بالدفاع عن هذا الأسلوب من الإنسانوية الدينية، بل هناك من الإنسانويين العلمانيين من تأثر بالإنسانوية الدينية، بحيث أحدث هذا في بعض الموارد شرخاً فكرياً بين الإنسانويين العلمانيين، ومال بعضهم إلى الأبحاث الميتافيزيقية.

وبطبيعة الحال فإن القول بأن الإنسانوية العلمانية الدينية[4] تنبذ المعتقدات ما وراء الطبيعية، ولكنها تتقبّل المعتقدات الطبيعية الميتافيزيقية[5]، يبدو أن الجانب الذي يعبرون عنه بـ «supernatural»، معتقدات ما بعد الطبيعية تحصل من طريق الإيمان المحض، ولا تحظى بدعامة علمية بالمعنى التجريبي. وفي المقابل فإن ذلك الجانب الذي يتم التعبير عنه بـ «metaphysical»، عبارة عن قبول إجمالي للأمور الميتافيزيقية، وهي الميتافيزيقية التي يتمّ إثباتها من

(276)

طريق العلم التجريبي؛ كما أن بعض الروحانيين الغربيين (الذين يتمّ التعبير عنهم بـ «spiritualist») يعملون على مواصلة ذلك. وبطبيعة الحال فإن البحث حول الأسلوب والسنخية بين الميتافيزيقا والعلم التجريبي وتبعات ذلك، بحث دقيق وفني، يجب الوقوف على تفاصيله في الأبحاث الأبستمولوجية والمنهجية للعلوم.

يُشار في تأييد هذا الكلام ـ وما يتعلق بالشقاق والشرخ الفكري المذكور آنفاً ـ إلى نموذج من الاختلاف بين آراء الإنسانويين العلمانيين في الأبحاث الأخلاقية. يتخذ الإنسويون العلمانيون في الأبحاث الأخلاقية أسلوبين أو اتجاهين، وهما كالآتي:

1 ـ النسبية[1]: تذهب الإنسانوية العلمانية النسبية إلى الاعتقاد بأن المعتقاد الجازمة والمطلقة ـ من قبيل النظام الأخلاقي المسيحي والإسلامي وحتى الكانطي[2] ـ يجب التخلي عنها في العالم المعاصر بالنظر إلى المعارف العلمية المتبعة في حقل الأخلاق. ويعود السبب في ذلك إلى عدم التوصّل إلى معايير عامّة ودقيقة في باب الأخلاق. وبطبيعة الحال فإنهم لا ينكرون إمكانية العثور في المستقبل على سلسلة من المعايير الأخلاقية العامة والعقلانية والملموسة والعينية  على المستوى العملي والنظري[3].

2 ـ الاستبدادية[4]: تذهب الإنسانوية الاستبدادية إلى الاعتقاد بأن الحصول على المعايير الأخلاقية العامة والكلية أمر ضروري

(277)

لأداء وسلوك الأفراد المناسب في المجتمع، ولكننا نؤكد على أن هذا النوع من المعايير إنما يتحقق من طريق العقل والتجربة والتحقيق العلمي، وليس عن طريق الإيمان بالأقاليم ما فوق الطبيعية من قبيل: الله والآخرة. وهنا يقوم المستبدون بتأييد كلام الإنسانويين الدينيين، ويعطونهم ـ بطبيعة الحال ـ عنوان «الأصوليين» أيضاً. وفيما يلي نلفت انتباهكم إلى هذه العبارة:

«نحن نؤيد رؤية الأصوليين عندما يقولون بإمكان الوصول إلى المعايير الأخلاقية العامة، وإن الوصول إلى هذه المعايير أمر ضروري للحياة الفردية والاجتماعية للناس؛ بيد أن هذه المعايير لا تحصل بواسطة الإيمان بالله فقط. وفي هذا الشأن لا بدّ من الالتفات إلى آراء فلاسفة من أمثال: أفلاطون، وإيمانوئيل كانط، وجون ستيوارت ميل[1]، وجورج إدوارد مور[2] وغيرهم؛ وذلك لأن هؤلاء الفلاسفة كانوا بصدد العثور على المعايير الأخلاقية العامة دون الإحالة إلى الله؛ ومن هنا فإننا نلفت انتباه الأصوليين إلى هذه المسألة وهي أن الذي يحتاج إليه مجتمعنا في اللحظة الراهنة هو تصوير زاخر بطبيعة وماهية الأخلاق على المستوى النظري والعملي، وليس الأديان التقليدية القديمة»[3].

(278)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

ملاحظات نقديّة على الاتجاهات الإنسانوية الغربية

من وجهة نظر الإسلام والمفكرين الغربيين

(279)
(280)

تعرّفنا حتى الآن على مختلف أنواع الاتجاهات الإنسانوية منذ المرحلة القديمة إلى المرحلة المعاصرة. إن الغاية العامّة من بيان الأبحاث السابقة، هي التعرّف الإجمالي على الآراء الإنسانوية، ولذلك لم يتمّ بحث النكات الانتقادية خلال عرض الأبحاث المتقدمة. من الواضح بداهة أن بحث جميع هذه الآراء بالأسلوب النقدي يحتاج إلى رسالة أو رسائل مستقلة لا يتسع لها المجال في هذه الدراسة. ولكن لكي نضع أمام القارئ آفاقاً للتأمّل والتفكير، سوف تكون لنا إطلالة نقدية مختصرة على أهم العناصر الإنسانوية من وجهة نظر الإسلام ـ المستفادة بطبيعة الحال من آراء الفلاسفة الإسلاميين أيضاً ـ وكذلك المفكرين الغربيين أيضاً.

أنواع الإنسانوية في نظرة عامة

في نظرة عامة يمكن تقسيم أهم الاتجاهات الإنسانوية المختلفة ـ منذ المرحلة القديمة وصولاً إلى المرحلة المعاصرة ـ إلى ثلاثة أقسام، وهي:

أ ـ الإنسانوية المسيحية (وهي تعود في الغالب إلى العصور الوسطى، وعصر النهضة، وحركة الإصلاح الديني).

ب ـ الإنسانوية العلمانية (وهي تتمثل في الغالب في فلسفات المرحلة الحديثة).

ج ـ الإنسانوية الإلحادية والمعادية للدين (في بعض تيارات عصر النهضة والحديثة والمعاصرة).

يحتوي كل واحد من هذه الآراء على عناصر أنطولوجية

(281)

وأبستمولوجية خاصة تشتمل في ذاتها على عناصر أخرى. وفيما يلي سوف نركّز ـ من أجل تسهيل البحث الانتقادي ـ على الإنسانوية العلمانية؛ إذ تمثل حالياً الاتجاه الغالب للآراء الغربية، وتضع تحديات جادّة أمام آراء المفكرين المسلمين. وأما الإنسانوية المسيحية والإنسانوية الإلحادية، فإنهما على الرغم من وجودهما في العالم الغربي، ولكنهما لا يُعدان اتجاهاً غالباً، ولذلك فإننا سوف نغض الطرف عن بحث الإنسانوية الإلحادية، إلا أننا في الختام سوف تكون لنا نظرة إلى الإنسانوية المسيحية ورؤيتها الانتقادية تجاه الإنسانوية العلمانية.

لقد تغلغلت الإنسانوية العلمانية حالياً في جميع مفاصل المجتمعات الغربية، وجابت جميع المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في الغرب، وفيما يتعلق بالبُعد الديني عملت على تهميش الدين. وبشكل عام فإن الإنسانوية في المرحلة المعاصرة ذات صبغة دنيوية (علمانية)، ولا تنسجم مع الأديان التوحيدية. إن هذه الإنسانوية تعتبر نفسها ذات عناصر من قبيل: التفاؤل، والأمل، والبحث عن الحقيقة، والتساهل والتحمّل، والمحبّة، والرحمة والعطف والإخلاص، وحبّ الجمال، والعقلانية. وفي المقابل تعمل على تعريف الأديان التوحيدية بوصفها أدياناً تحتوي على عناصر من قبيل: سوء الظن، واليأس، والحتمية، والغضب، والكراهية، والعصبية، والتقليد الأعمى، والإيمان غير العقلاني. إن الإنسانوية العلمانية تسعى ـ من خلال الحفاظ على ظاهرها المحبّ للبشرية والدفاع عن حقوق الإنسان ـ إلى إبعاد

(282)

المجتمعات المختلفة عن معتقداتها التقليدية والدينية والثقافية، لتفرض عليها في نهاية المطاف الهوية والثقافة الغربية الحديثة. هناك في المجتمعات الغربية إنسانوية بعنوان الإنسانوية المسيحية تبذل بعض الجهود والمساعي من أجل الحفاظ على الأهداف والغايات الإنسانوية في دائرة الدين المسيحي، إلا أن هذا النوع من الإنسانوية لا يبدي ـ في الحقيقة والواقع ـ مقاومة في مواجهة الهجمات المجانبة للدين أو المناوئة للدين من قبل الإنسانوية العلمانية  في بعض الأحيان، بل تبدي في بعض الموارد ميلاً إلى الإنسانوية العلمانية، بل وتابعة لها في بعض الموارد الأخرى.

عناصر الإنسانوية العلمانية

أشرنا في الأبحاث السابقة إلى أن الإنسانوية العلمانية الراهنة قد وضعت لنفسها هدفاً أو نموذجاً ومثالاً تسعى إلى تحقيقه، وهذا النموذج عبارة عن: «الإنسان السعيد». ومن الواضح بمقتضى نمط التفكير العلماني أن المراد من هذه السعادة ـ بطبيعة الحال ـ هي السعادة الدنيوية. ومن هنا فإن نقطة افتراق العلمانية عن الأديان الإلهية أو ما وراء الطبيعية ينشأ من هذا المفهوم؛ حيث يتمّ حصر السعادة في هذه الدنيا وتعيينها في اللحظة الراهنة، وليس في العوالم الأخرى. تذهب الإنسانوية العلمانية إلى القول بأن المتدينين لا ينبغي بهم القول بأن السعادة الحقيقية تكمن في عالم الآخرة وما إلى ذلك؛ بل الغاية الأصلية من الحياة تكمن في تحقيق السعادة الدنيوية للإنسان من خلال الاستعانة بالأساليب العلمية والعقلانية ولا سيّما بعيداً عن الأنظمة الأخلاقية القائمة على الإيمان بالله.

(283)

من أجل الوصول إلى هذه الغاية تأخذ الإنسانوية العلمانية عناصر أنطولوجية وأبستمولوجية بنظر الاعتبار؛ لتشكل أرضية لتسهيل الوصول إلى الأهداف والغايات المنشودة.

وبنظرة عامة، يمكن القول بأن أهم عناصر وخصائص الإنسانوية العلمانية ـ ولا سيّما منها تلك التي تبلورت في القرن السابع عشر للميلاد ـ عبارة عن:

1 ـ وجود الإنسان بوصفه من أهم عناصر الإنسانوية.

2 ـ رفض الحجية ونبذ التقاليد والنزوع إلى التشكيك.

3 ـ العقل والتجربة الإنسانية بوصفهما من أهم المصادر المعرفية وإلغاء العناصر ما بعد الطبيعية من مقولة المعرفة.

4 ـ الدنيوية (العلمانية المقرونة بالابتعاد عن الدين ومحاربته).

5 ـ إقامة نظام أخلاقي إنساني بعيداً عن الأنظمة ما بعد الطبيعية والأديان التقليدية.

وفيما يلي سوف ندخل في نقد ومناقشة هذه العناصر تباعاً:

 نقد ومناقشة «وجود الإنسان بوصفه من أهم عناصر الإنسانوية»

لا شكّ في أن من أهم عناصر وخصائص الإنسانوية هي الاهتمام بالإنسان ومطالبه ورغباته وتطلعاته وآماله. وقد تعرّض هذا الاهتمام في مسيرته على الدوام ـ منذ عصر النهضة فصاعداً ـ إلى العديد من المنعطفات، بيد أن الاتجاه العام كان هو الاهتمام بتعزيز هذه الناحية من الإنسانوية.

(284)

يذهب أليستر ماك غراث[1] ـ من المحققين لمرحلة عصر النهضة ـ إلى اعتبار «الإنسان» و«الأبعاد الفردية» للإنسان من أهم عناصر حراك عصر النهضة[2].

يذهب الإنسويون التجريبيون في المرحلة الحديثة ـ ولا سيّما منهم جون لوك[3] ـ إلى تعريف الإنسان بوصفه الكائن الأسمى والمهيمن على سائر الكائنات، ولذلك فإنهم يعتبرون البحث والتحقيق بشأن الإنسان ولا سيّما فهم الإنسان ـ الذي هو أهم عناصر علوّ الإنسان ـ أمراً أصيلاً وجوهرياً[4].

وفي عصر التنوير (القرن الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد) تواصلت الجهود من أجل تحقيق تطلعات العالم الحديث، ضمن الأهداف الثلاثة الآتية: «التقدّم»، و«العقل»، و«الطبيعة». إن الجانب المشترك لهذه الأهداف هو الاتجاه الإنساني. وبهذا المعنى يكون المراد من التقدّم هو تقدّم الإنسان، ويكون المراد من العقل هو

(285)

العقل الإنساني، والمراد من الطبيعة هي الطبيعة الإنسانية[1]. وهكذا اليوم أيضاً حيث تذهب الإنسانوية العلمانية إلى القول بأن الذي يحظى بالأهمية في عالم الوجود هو الإنسان ومتطلباته ورغباته، وأن العالم يجب تنظيمه بما يتطابق وتطلعات الإنسان ورغباته وأهدافه وغاياته، وإذا اقتضت الحاجة يجب تغيير شكل العالم أيضاً. إن التأكيد على «وجود الإنسان» و«الإرادة الإنسانية» قد اقترنت في ثقافة الغرب بحذف أو إلغاء الوجودات ما بعد الطبيعية من قبيل الله ـ للأسف الشديد ـ ولذلك فهي تتخذ شكل الابتعاد عن الدين أو محاربته.

وفي مقام النقد يجب القول: إن هذا العنصر في الإنسانوية العلمانية لا ينسجم مع التعاليم القرآنية أبداً. إن إنسانوية القرآن إنسانوية إلهية (تتمحور حول الله). إن وجود الإنسان في التعاليم والمفاهيم الإسلامية وإن كان يحظى بمكانة مرموقة ومنزلة سامية، إلا أن وجود الإنسان قد ارتبط بوجود سائر الكائنات والموجودات (الله / الإنسان / الكون) وعلى رأسها وجود الله سبحانه وتعالى. إن الإنسان في القرآن الكريم يحظى بمقامات عالية، من قبيل: خلافة الله، ويتحلى بالكرامة الإلهية، ويعدّ أمين الله، وتقوم بينه وبين الله علاقة الحبّ والافتقار، والربّ والمربوب، والمالك والمملوك، والعابد والمعبود. إن الإنسان ليس وجوداً فرداً وفذاً ومنحصراً بحيث يصل إلى مرحلة الطغيان في إنكار ونفي وجود الله ودوره في عالم

(286)

الخلق. إنه لممّا يدعو إلى العجب أن يحترم الإنسويون الغربيون وجود الإنسان والحيوانات والنباتات والبيئة وما إلى ذلك، ولكن عندما يصلون إلى وجود الله يتخذون موقف الطغيان، وتتلبّسهم ـ على حدّ تعبير القرآن الكريم ـ صفة: الكنود، والعنيد، والهلوع، واللجوج، والظلوم، والجهول، والكفور. إن هذا لمن أكبر مصاديق كفران النعمة وعدم شكر الإنسان لله في المرحلة المعاصرة؛ إذ أنه ـ على الرغم من تنعّم الإنسان بجميع النعم الدنيوية التي أنعم الله بها عليه ـ يسلك طريق التمرّد والعصيان؛ فيتجاهل أو ينكر وجود الله سبحانه وتعالى. في حين أن الله في المنطق القرآني هو المحور وهو الأصل المسيطر والمهيمن على جميع الأمور: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) [1]. رغم أن غير الشاكرين من العباد لا يقدّرون هذا الأصل الجوهري، وقد عبّر الله عنهم بقوله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) [2]. والحقيقة هي أن الإنسان في المرحلة المعاصرة يروم تحرير نفسه من قيود الدين، ليحصل على الحرية بزعمه. ولكن أيّ حرية؟ إنها الحرية التي يعبّر عنها جان بول سارتر نقلاً عن دوستويفسكي[3]: «عندما يتم إنكار وجود الله، يصبح كل شيء مباحاً»[4].

(287)

إن هذا التوقّع منعكس في آيات القرآن الكريم أيضاً؛ حيث التصريح بأن الإنسان يريد أن يكون حرّاً، وأن يرتكب كل ما يحلو له دون خوف أو وجل من محكمة القيامة طوال حياته، وذلك إذ يقول تعالى: (بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) [1].

إن الإنسان وإن كان يعتنق الدين باختياره وكامل حريته: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [2]، إلا أنه بعد هذا الاختيار الحرّ للدين وقوانينه، يكون ملزماً باتباع هذه القوانين الدينية وعدم الانحراف عنها. فهل يتنصّل الإنسان الغربي عن القوانين التي يفرضها على مجتمعاته بنفسه؟ كلا دون شك. كذلك الإنسان المتديّن بدوره لا يتخلى عن القوانين التي توصل إلى أحقيتها بعقله والعقل الوحياني، ويتجه إلى اعتناق الدين بشوق ورغبة بالغة، ويحصل على أسمى الكمالات التي رصدت له في البعد الوجودي والأنطولوجي. إنه الإنسان الذي يفخر في ارتباطه بالله بمقام العبودية والفقر إلى الله؛ كما قال الإمام علي عليه‌السلام: «إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً»[3].

ويحصل على أسمى اللذات والسعادة في ارتباطه بالله، كما يؤثر عن الإمام زين العابدين عليه‌السلام إذ يقول في مناجاته: «إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك، فرامَ منك بدلاً»[4].

(288)

نقد ومناقشة «عنصر رفض الحجية ونبذ التقاليد والنزوع إلى التشكيك»

إن من بين العناصر الهامّة الأخرى للإنسانوية العلمانية هي «محاربة الحجية، والتنصل عن التقاليد، والتشكيك»، حيث تم استنتاجها عبر تجربة طويلة في تاريخ التفكير الفلسفي للغرب، وجعلت الذهنية الغربية تؤمن بعدم وجود تفكير يحتوي على الحقيقة المطلقة، وأن الحقيقة هي حالة نسبية على الدوام. ولذلك لا ينبغي في التعاطي مع نظريات السابقين الرهبة من الشخصيات والنِحَل والفِرَق والأديان والفلسفات السابقة، ويجب النظر إليها في بداية الأمر بنظرة من الشك والترديد، ثم العمل بعد ذلك على تجربتها واختبارها. وفي المرحلة الجديدة ذهب فرانسيس بيكون إلى الاعتقاد بضرورة تحرير الذهن من سيطرة الأصنام المهيمنة على أذهان البشر، كي يتمكن الإنسان من الوصول إلى ضياء التفكير الصحيح عن الوجود والإنسان[1]. ولكي يعمل على تحطيم جميع ما بني حتى ذلك الحين من الأبنية، عمد رينيه ديكارت إلى مخالفة جميع نظريات وآراء المتقدمين[2]. كما يعمل التجربيون من أمثال جان لوك وديفد هيوم على نبذ وإبطال الفلسفات العقلية لديكارت وأتباعه[3]. وبعد الفلسفات العقلانية والفلسفات التجريبية، جاءت

(289)

فلسفة الألماني إيمانوئيل كانط لتعارض كلتا الفلسفتين العقلانية والتجريبية، وتعمل على إبراز نقاط ضعفهما، وضمن هدم كلا هذين النظامين الفلسفيين، وتجنّب أخطائهما، يتخذ منهجاً وأسلوباً يبلغ به إلى إيصال الحقائق في كلا النظامين إلى الكمال. وفي نهاية القرن التاسع عشر للميلاد ظهرت الفلسفات الوجودية على يد الدنماركي سورين كركيغارد؛ حيث كانت تختلف عن نمط وسياق الفلسفات السابقة، بيد أن خصيصة مقارعة الأفكار السابقة والحجية فيها مشهودة وملحوظة. طبقاً لهذه الأفكار تذهب الإنسانوية العلمانية حالياً إلى نبذ التبعية لكل معتقد أو مسلك، ولا سيّما اتباع تقاليد الأسلاف، ولا تتقبل أيّ أصل أو عقيدة أو قيمة يُراد فرضها على الإنسان، وأن تعمل على اتخاذ القرارات عن الإنسان من خارج الدائرة الإنسانية أو «شخص الإنسان»؛ سواء أكانت أفكاراً فلسفية متينة أو أفكاراً وحيانية تأتي بها الأديان الإلهية[1].

أما في نقد عنصر «مقارعة الحجية والتنصل عن التقاليد»، يجب القول: إن القول بعدم وجوب قبول كل عقيدة لمجرّد التقليد ومن دون تحقيق أو تدقيق، كلام مقبول ومتين، وقد تمّ التأكيد على ذلك في تعاليم القرآن؛ إذ يقول تعالى: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [2].

إن الإسلام لا يقبل التقليد البحت الذي لا يستند إلى دليل، لا سيّما في حقل الأصول والعقائد، إلا أن هذا لا يعني إمكان التشكيك في «كل كلام» حتى إذا كان له منشأ وحياني وسماوي؛

(290)

لمجرّد الاستناد إلى مبنى إنسوي يقول «ليس هناك شيء يحتوي على الحقيقة المطلقة». وفي مقام المقارنة بين المبنى الإنسوي والمبنى القرآني، يجب القول: إن القرآن الكريم يرى أن كلام الأنبياء عليهم‌السلام له منشأ إلهي وسماوي لا يعتريه الخطأ، وفي ذلك يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [1]. أجل، ورد في بعض الآيات الحديث عن أن من بين أمنيات الشيطان أن يتدخل ويتصرّف في وحي الأنبياء، إلا أن الله سبحانه وتعالى يحول دون تدخل الشيطان أو يستطيع ذلك، كي يتمكن الأنبياء من إيصال رسالتهم الإلهية إلى الناس سالمة وكاملة: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[2].

وعلى هذا الأساس قد يكون هذا الكلام المتمثل بمقارعة الحجة ونبذ التقليد والنزوع إلى الشك ناجعاً بالنسبة إلى آراء المتقدمين وبالنسبة إلى آراء الفلاسفة من البشر والمذاهب غير السماوية؛ كأن يعمل فلاسفة من أمثال بيكون وديكارت وجان لوك ـ مثلاً ـ على إبطال آراء أرسطو وأفلاطون، ويؤسسون لفلسفات جديدة، بيد أن هذا الكلام ـ القائل بعدم قبول الكلام القائم على أساس الإيمان المستند إلى الوحي ـ لا يجري ولا يسري على الإسلام في الحد الأدنى. إن القرآن الكريم يرى أن الأنبياء معصومون من الخطأ في

(291)

مرحلة نزول الوحي وإبلاغه والعمل به، ويغلق جميع أبواب الشك في أقوال الأنبياء وأفعالهم.

وبطبيعة الحال يمكن القول إن المعصوم لا يُخطئ، إلا أن المفسرين الذين يفسرون كلام المعصوم، ليسوا معصومين عن الخطأ. إن هذا الكلام صحيح، إلا أن القرآن قد أوصى في هذه الموارد بالرجوع إلى كلام الراسخين في العلم، وإن الأئمة المعصومين عليهم‌السلام هم المصداق الأتمّ للراسخين في العلم[1]. ومن هنا فإن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله قد ترك لنا ثقلين ثمينين أحدهما أكبر من الآخر؛ أي: القرآن الكريم، وأهل البيت عليهم‌السلام معاً. وذلك في إشارة إلى أن القرآن الكريم يجب تفسيره من قبل أهل البيت عليهم‌السلام؛ كما قال أمير البيان علي بن أبي طالب عليه‌السلام في كلام له: «ذلك القرآن فاستنطقوه، ولن ينطق، ولكن أخبركم عنه»[2]. إن الإمام المعصوم والراسخ في العلم هو الذي يستنطق القرآن الصامت، ويعمل على بيانه وتفسيره. ومن ناحية أخرى فقد تمّ الإرشاد في الإسلام وتوجيه الأنظار أبداً إلى حجتين (داخلية وخارجية) أي: العقل البشري وتعاليم الأنبياء المستلهمة من قبل الله العليم والحكيم، والنازلة عليهم من طريق الوحي. ومن هنا فإن الدين الإسلامي إنما يقدّم لنا ويعرض علينا أيماناً معقولاً. وهو الإيمان المنبثق عن التحقيق والتعقل والتفكير، وفي هذه الناحية يكون العقل البشري والعقل الشهودي الوحياني ظهيرين لبعضهما. وفي هذا المسار إذا كان هناك من شك وترديد،

(292)

يجب الاستعانة بالعقل من أجل الوصول إلى الحقيقة. وربما لو أردنا العثور على ما يُشبه هذا الإيمان المعقول في الأفكار الغربية، يجب الرجوع إلى أفكار توما الأكويني في أواخر العصور الوسطى؛ حيث كان ينصح على الدوام بضرورة أن يتحرّك الإيمان والعقل جنباً إلى جنب وكتفاً إلى كتف، كي يتمكنا من إيصال الإنسان إلى الغايات والأهداف المنشودة. ولكن لا ينبغي تجاهل هذه النقطة وهي أن توما الأكويني مدين في أفكاره للفيلسوف الإسلامي الشهير أبو علي ابن سينا الذي أرسى القواعد الفلسفية للإيمان المعقول[1].

 نقد ومناقشة عنصر «حصر المصادر المعرفية بالعقل والتجربة الإنسانية وإلغاء العناصر ما بعد الطبيعية من مقولة المعرفة».

تنصّ المادة الثانية من إعلان الإنسانوية العلمانية الصادر في عام 3003 م على ما يلي:

«الالتزام والتمسك بتوظيف العقل النقدي، والمستندات والأدلة الواقعية، والأساليب العلمية التجريبية في الأبحاث والتحقيقات، من أجل الحصول على حلول لأزمات ومشاكل الإنسان في المرحلة المعاصرة، والإجابة عن تساؤلات الإنسان المعاصر».

إن هذه الفقرة من الإعلان بدورها تمثل ثمرة ونتيجة للكثير من الأفكار الفلسفية بعد مرحلة عصر النهضة، ولا سيّما أفكار ديكارت ـ مؤسس الفلسفات العقلية في المرحلة الحديثة ـ وأفكار جان لوك

(293)

ـ مؤسس الفلسفات التجريبية في المرحلة الحديثة ـ وأفكار كانت مؤسس الفلسفة التلفيقية العقلية والتجريبية في مرحلة التنوير.

كما سبق أن ذكرنا في الأبحاث المتقدّمة فإن ديكارت بعد أن عمّم الشك على جميع المعتقدات المقبولة، عمد ـ من أجل الخروج من الشك ـ إلى تجزئة وتحليل الإنسان بوصفه فاعلاً معرفياً؛ فانطلق من مقولة: «أنا أشك»؛ ليصل إلى «أنا أفكر»؛ ليصل بعدها إلى «أنا موجود»؛ ليستنتج في نهاية المطاف مقولة: «أنا أفكر؛ إذن أنا موجود». إن ديكارت يستنتج من وجود الأنا المفكرة، وجودات أخرى من قبيل: وجود الله، ووجود العالم المادي، ووجود النفس والجسد. إن هذا النوع من التفكير إنما يحظى بالأهمية لدى الإنسانويين العلمانيين، بحيث:

«أن المساحة المعرفية ـ على حدّ تعبير بعض المفكرين ـ حيثما امتدّت، فإنها تعود بجذورها إلى «أنا أفكر»، وينحصر الفاعل المعرفي في حدود دائرة العقل الاستدلالي»[1].

إن العقل الذي يعنيه رينيه ديكارت هو العقل الاستدلالي والآلي وغير الشهودي، وفي كلمة واحدة هو العقل الإنساني المجرّد من الخصائص ما بعد الطبيعية أو الوحيانية.

إن انقطاع العقل عن المصدر ما بعد الطبيعي أو المصدر الشهودي والوحياني، يعدّ من الخصائص الإنسانوية لتفكير

(294)

الفلاسفة العقلانيين، التي أخذت بالاشتداد منذ عصر ديكارت فصاعداً؛ بحيث يتمّ التأكيد في مرحلة عصر التنوير على عنصر «العقل» كثيراً، وتكون إعادة بناء شخصية الفرد الإنساني وظهور جميع قابليات وقدرات الفرد الإنساني رهناً بتوظيف العقل الإنساني دون الاستناد إلى أمور من قبيل العقائد التقليدية والدينية»[1].

يرى الإنسويون التجريبيون، والبراغماتيون في القرن التاسع عشر للميلاد، أن الأسلوب المناسب لإقامة الصرح العلمي بشأن الإنسان يتمثّل في أسلوب المشاهدة والتجربة، ومن هنا فإن العنصر المعرفي الأهم ـ بل والعنصر الوحيد ـ بالنسبة إلى الإنسان يتمثل بالتجربة والإدراك الحسّي. يذهب البراغماتيون إلى الاعتقاد بوجوب الإقبال على طبيعة الأشياء بحسب التجربة الإنسانية، ويجب  حذف وإلغاء العناصر ما بعد الطبيعية سواء في الذهن أو الخارج[2]. إن الانقطاع عن الأفكار ما بعد الطبيعية مشهود وملحوظ في الفلسفات الوجودية بشدة، ولا سيّما منها فلسفة جان بول سارتر[3].

وفي نقد هذا العنصر الإنسوي ـ الذي يحصر محور المعرفة في العقل والتجربة الإنسانية (المنقطعة عن العناصر الوحيانية وما بعد الطبيعية) ـ يجب القول: بشكل عام هناك في التفكير الديني أدوات معرفية تفوق العقل والتجربة البشرية، وهي تشمل قوى الحسّ

(295)

والعقل والقلب. كما أن قوى العقل والقلب بدورها ليست منقطعة أو منفصلة عن العناصر ما بعد الطبيعية والشهودية.

قوّة الحس: إن القوى الحسية ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ واحدة من المصادر المعرفية، بل وإن بعض البراهين التوحيدية تحتوي على مقدمات حسية، وقد تمّت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ  وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [1]. وقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [2].

بيد أن حصر المصادر المعرفية في الحسّ والانقطاع عن العناصر ما بعد الطبيعية والشهودية مرفوض من وجهة نظر القرآن الكريم. كما قال في وصف الماديين والدنيويين بقوله: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [3]. وقوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) [4].

في هذه الآيات لم يتمّ نفي الحيثية العلمية عن الماديين والدنيويين، أي أن لديهم علماً ولكنه علم منحصر في الأمور المادية والحسية والدنيوية، ولكنهم فيما وراء ذلك غافلون عن

(296)

الأمور الشهودية والغيبية. ولذلك نجد أن الله يأمر النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله بالإعراض عنهم؛ إذ حرموا أنفسهم من طريق الهداية والسعادة.

قوّة التعقّل: يحظى العقل في الفلسفة الإسلامية ـ التي تشتمل على نوع من الدعائم الدينية ـ بمكانة ممتازة؛ فهو أولاً غير منحصر في العقل الآلي البشري، وثانياً غير منقطع عن الأمور الشهودية. من ذلك أن صدر المتألهين ـ على سبيل المثال ـ يرى أن القوّة العاقلة لدى الإنسان ذات مراتب تتجه نحو الكمال في مواكبتها لحركة النفس الجوهرية. وهذه المراتب عبارة عن: العقل الهيولي، والعقل بالملَكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد. وفي نهاية المطاف تتحد نفس الإنسان بالعقل المستفاد، وتصل إلى إدراك حقائق العالم على نحو إدراك العقل[1]. وبعبارة أخرى: إن العقل بواسطة عقله المستفاد يتحوّل إلى مصدر  للحركة. إن هذه المرتبة هي ذات مرتبة الاتحاد مع العقل الفعّال، حيث يعبّر صدر المتألهين عن هذه القوّة بالقوّة القدسية، ويعتبرها مبدأ لجميع العلوم[2]. وعلى هذا الأساس فإن العقل في مساره الصعودي يذهب إلى ما هو أبعد من مرتبته الآلية، ويكتسب حيثية شهودية وتجريدية. كما أن كمال قوّة تعقّل الإنسان ـ من وجهة نظر صدر المتألهين ـ يكمن في الاتصال بالمبدأ الأعلى ومشاهدة الملائكة المقرّبين، وانها

(297)

بذلك تتصل بالعقل الأول وتكتسب شبَهاً كاملاً به[1]. والنموذج القرآني على هذه الحقيقة والذي يكمن في خارج العقل المصطلح، ويرتبط بدائرة العقل الشهودي، يتمثل بحاسة الشم العجيبة للنبي يعقوب عليه‌السلام؛ حيث تمكن بمجرّد حركة قافلة كنعان من مصر أن يشم رائحة قميص يوسف، على الرغم من أن المسافة التي كانت تفصل بينه وبين تلك القافلة تقدّر في حينها بثمانين فرسخاً، مع أن حمَلة ذلك القميص على الرغم من تمتعهم بحاسة الشم كانوا عاجزين عن شمّ هذه الرائحة الملكوتية، بل وربما نسبوا أبيهم إلى الخرف وقلة العلم: (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ)[2].

إن هذه الحاسة الشامّة للنبي يعقوب عليه‌السلام هي عين باصرته وسامعته، وعلى الرغم من تحوّل سواد عينيه الظاهري إلى بياض حزناً على فراق يوسف، وإن هذه القوّة والمقدرة العجيبة إنما تكون في دائرة العقل الشهودي الخاص بالأنبياء والأولياء الصالحين.

إن العقل المجرد بالقياس إلى مرحلة الحسّ والوهم والخيال، يحظى بتجرّد أكبر، ولا يمكن لمن أخلد في دائرة الحس والوهم والخيال أن ينال مثل هذا المقام. وعلى هذا الأساس يتم التعريف بعقل الإنسان في المدرسة المعرفية والتربوية لأهل البيت عليهم‌السلام بحيث يضمن عبودية الإنسان ويضمن له الحصول على جنة الخلود أيضاً: 

(298)

«[العقل] ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان»[1].

وهؤلاء العقلاء يتمتعون في وجودهم بالاتحاد والوفاق التام مع المجتمع الإنساني والعقلاني؛ وذلك لأن مطالبهم الداخلية قد بلغت مرحلة الاعتدال التام تحت إشراف العقل، ولم تعد لهم من رغبة خارج هذه الدائرة من الاتحاد وعينية الحقائق، لكي يكون متعارضاً مع نفسه أو مع الآخرين. ومن هنا فإن القرآن الكريم يعزو سبب التفرقة والتشتت بوضوح إلى عدم العقل، ويُشير في ذلك إلى الاختلافات الداخلية بين اليهود؛ إذ يقول: (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) [2]. «يعود هذا التشتت إلى أنهم لم يكونوا من ذوي العقول، ولا يفكرون بشكل عقلائي»[3].

قوّة القلب: يرد الحديث في النصوص والمصادر الإسلامية عن قوّة أخرى باسم «قوّة القلب». إن قلب الإنسان هو أسمى وأشرف موضع من الجسد الذي بناه الله وجعله محلاً خاصاً لروحه وسطوع أنواره؛ لأن فيض الروح الإنساني إنما ينزل أولاً على القلب، ثم يجري منه إلى سائر أجزاء البدن. إن القلب هو بيت المعرفة الإلهية. إن القلب من وجهة نظر صدر المتألهين يُعتبر كنزاً من الكنوز الإلهية وخزانة من خزائن الملكوت[4]. ومن الجدير بالذكر أن مراد صدر  

(299)

المتألهين من القلب ليس هو العضو الكمثري الشكل الموجود في الجانب الأيسر من الصدر، بل مراده منه هو الروح الإنسانية. ويذهب إلى الاعتقاد بأن القلب هو وسيلة للوصول إلى العلم الكشفي للباطن، كما أن العين والأذن وسيلة للوصول إلى معرفة الأمور المحسوسة والعلم الحصولي. وعلى هذا الأساس فإن القلب محل للظواهر الإدراكية وموضوع للحالات والخواطر النفسانية، وهذه الخواطر تنقسم بدورها إلى خواطر رحمانية وخواطر شيطانية. ومن هنا روي عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال [ما معناه]:

«في القلب خاطران؛ خاطر من الملائكة (الإلهام) يحمل بشائر الخير والإحسان والشهادة بالحق، وخاطر من الشيطان (الوسوسة) تحمل الخوف من الحاجة والحكم بالشر وإنكار الحق، وردع النفس عن فعل الخير والإحسان»[1].

ومن هنا فقد روي عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال [ما معناه]:

«قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن، حتى يغلب على القلب ما هو أجدر به وأكثر تناسباً معه»[2].

يرى صدر المتألهين أن نفس الإنسان عندما تتحرر من الحُجب،

(300)

ويزول عن قلبه الصدأ، تجلّت فيه صورة عالم المُلك، وعندها سوف يتمكن من مشاهدة هيئة الوجود بأكملها. وعندها سيجد نفسه من أهل الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض. إن للمعرفة الشهودية مراتب تبدأ من معرفة أسرار عالم المُلك، وفي المراتب التالية يدرك الإنسان مراتب عالم الملكوت، ويغدو مستعداً للنظر إلى جبروت وعرش الله، ويصل في نهاية المطاف إلى مقام يرى الله فيه؛ إذ يجد نفسه في حضيرته، وهو المعنى الذي أشار إليه الإمام علي عليه‌السلام بقوله: «أفأعبد ما لا أراه»[1]. وفي المرتبة العليا من المعرفة الشهودية يصبح الإنسان قادراً على مشاهدة تلك الحقائق العامة دون امتزاج بها أو الاصطباغ بصبغتها، بل يشاهد في أعلى مراتب الشهود وفي صلب جميع الأمور المتكثرة حقيقة واحدة، قال أمير المؤمنين في بيان وصف هذه الحقيقة: «مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة»[2].

ومن هنا فإن القلب يتسع لكل شيء بما في ذلك الحق تعالى، وإن القلب الذي هو عرش الرحمن هو من أوسع القلوب، وإن كل إنسان كامل هو صاحب عقل؛ لأن الغيب قد تجلى له، وانكشفت له الحُجُب، وظهرت له حقيقة الأمر، ويتحقق بالأنوار الإلهية ويتقلب في الأطوار الربوبية[3]، وقد روي عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال في  

(301)

وصف هذه المنزلة: «ربّي أرني الأشياء كما هي»[1]. حيث المراد من هذه الرؤية هو العلم الشهودي. قال صدر المتألهين:

«إن الإنسان الكامل يهتدي بنور الحق إلى جميع التجليات، وإنما سُمّى عبد الله؛ لأنه يشاهد الحق في جميع المظاهر الأمرية والخلقية»[2].

وعلى هذا الأساس فإن صدر المتألهين على الرغم من كل الأهمية والاعتبار الذي يراه للعقل، إلا أنه يراه عاجزاً عن إدراك الحقيقة بشكل كامل ومن جميع الجهات، ولذلك فإنه يؤكد على أهمية الشهود الباطني. وذلك لأن العقل من وجهة نظر القرآن الكريم وإن كان مصباح الشريعة وكاشفاً عن الأحكام الواقعية للدين، إلا أنه يقرّ بمحدودياته الكثيرة. من ذلك على سبيل المثال أن العقل يعلم أن إدراك ذات الحق تعالى تدخل ضمن نطاق المنطقة المحظورة، ولا يمكن لأيّ مُدرِك أن يصل إلى تلك المنطقة، كما أن إدراك كُنه صفات الحق تعالى بدورها منطقة محظورة أخرى بالنسبة إلى العقل أيضاً[3]. كما يشتمل العقل على قيود بالنسبة إلى الجزئيات والتفاصيل الدينية. إن العقل ذاته يعلم أنه لا يحق له التدخّل في الجزئيات والتفاصيل، وإنما يستطيع التدخل في المجالات الكلية

(302)

من الدين فقط، ويمكنه مثل السراج أن يُضيء المناطق العامّة فقط. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ كيف للعقل أن يعلم ما هو عدد ركعات صلاة بعينها[1]. إن العقل في هذه الموارد يحتاج إلى الوحي والنبوّة والدين الإلهي الذي هو مصدر شهودي وعقل كلي، وليس للعقل البشري والتجربة البشرية قِبلاً بها.

قال الشيخ جوادي آملي في بيان وشرح مكانة العقل والبُعد المعرفي للدين والاتجاهات المتأرجحة ما بين الإفراط والتفريط:

«إن العقل مصباح الدين وسراجه، وهو إلى جوار النقل يُعدّ مصدراً معرفياً للبشر في فهم الدين، وكاشفاً عن محتواه الاعتقادي والأخلاقي والقوانين الفقهية والحقوقية للدين….إن العقل مصباح الشريعة، وإن الذين يتصوّرونه معياراً للدين والشريعة قد سلكوا طريق الإفراط بشأن العقل في دائرة الدين، وذلك لأن معيارية العقل في حقل الدين تعني أن كل ما كان موافقاً ومتطابقاً مع العقل، وأمكن للعقل أن يقيم البرهان على صحته، فهو صحيح ويُعدّ جزءاً من الدين، وكل ما لم يوافق العقل، ولا يمكن للعقل أن يؤيّده بواسطة البرهان والاستدلال، ليس صحيحاً ولا يُعدّ جزءاً من الدين. إن هذا الكلام يمثل إخراجاً للعقل من حدود الاعتدال، وتترتب على ذلك تبعات وتداعيات سيئة، وإن من بين

(303)

الثمار الفجّة والمرّة لهذه الرؤية الإفراطية إلى العقل تقديم تفسير خاطئ عن خاتمية النبوّة للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ بناء على الرؤية المفرطة لقيمة العقل، لن تكون هناك حاجة إلى الوحي عند وصول العقل إلى مرحلة الرشد والبلوغ؛ لأن العقل الذي يكون هو المبنى والمعيار في صحة وسقم محتوى الدين، يمكنه أن يتولى هداية وقيادة الإنسان في الشؤون الفردية والاجتماعية مباشرة من غير حاجة إلى الدين.

وفي قبال الرؤية الباطلة للإفراطيين في نظرتهم إلى العقل باعتباره ميزان الشريعة، تقع الرؤية الباطلة للمفرطين في نظرتهم إلى العقل باعتبارهم إياه مجرّد مفتاح للشريعة ودخول الإنسان إلى حقل الدين. إن مفتاحية العقل بالنسبة إلى الدين تعني أننا بعد فتح باب خزانة الدين، لا نعود بحاجة إلى ذلك المفتاح، ويمكننا الإلقاء به بعيداً ويعود بمقدورنا النظر في محتويات تلك الخزانة (الدين) دون الاستعانة بذلك المفتاح (العقل)؛ فالعقل بدوره مفتاح للدخول إلى دائرة الدين. إن العقل يثبت وجود الله وضرورة الوحي وإرسال الأنبياء، ويبرهن للبشر على حجية الكتاب والسنة، وبعد ذلك تنتهي مهمّته وعليه التنحّي جانباً، وعندها سيكون المجتمع البشري وجهاً لوجه أمام محتوى الدين، حيث يتعيّن عليهم الوصول إليه من طريق الكتاب والسنة، دون

(304)

أن يكون للعقل سهم في تنظيم محتوى الأحكام الدينية ومناغمتها مع البنى والأسس الأصلية[1].

إن الرأي المعتدل في هذا البحث هو القول بأن العقل بالإضافة إلى كونه مفتاحاً للدين، يمثل مصباحا للدين بالنسبة إلى أصل الخزانة ومصدراً معرفياً للبشر للكشف عن  محتويات خزانة الدين أيضاً. وعلى هذا الأساس إذا كانت الإرادة والعلم الإلهي هما المبدأ الوجودي للدين، ندرك بمساعدة العقل والنقل ما الذي أراده الله، وما هي الأمور التي أدرجها ضمن مجموعة الدين؛ بمعنى أن للعقل في إثبات الأصول الأولية للدين ـ من قبيل: وجود المبدأ، ووحدة المبدأ، والأسماء الحسنى الأولى، وعينية الأسماء والصفات بالنسبة إلى بعضها وبالنسبة إلى الذات المبدأ، وضرورة إرسال الأنبياء وإنزال الكتب وما إلى ذلك ـ مبادئ ومبان بيّنة ومبيّنة، ويجب عدم تعرّض تلك المباني للضرّر. إن العقل بمختلف سطوحه ابتداء من العقل التجريبي وصولاً إلى العقل شبه التجريدي والتجريدي المحض، إذا حقق معرفة يقينية أو مورثة للاطمئنان، يمكنه أن يكون كاشفاً عن الأحكام الدينية، وأن يضمن البُعد المعرفي لتشريعات الدين إلى جوار النقل أيضاً[2].

(305)

وعليه فإن العقل البشري والتجربة البشرية ـ من وجهة النظر الإسلامية والقرآنية ـ من المصادر المعرفية، ولكنها تحتوي على الكثير من القيود. إن الوحي الذي هو نوع من العقل الشهودي والعقل الأسمى يعتبر حالة مكمّلة ومتمّمة للعقل البشري؛ حيث يحول دون التعارض ولزوم تعطيل وإخراج أحدهما لمصلحة الآخر. إن الإسلام لم يحث أتباعه على سوء الظن بالتعقل والتفكير الإنساني أبداً، ولم يجعل الترويج للوحي رهناً بتعطيل العقل واحتقاره، بل على العكس من ذلك سعى إلى تقوية العقل بين المؤمنين أيضاً. كما أن الوظيفة التعليمية للأنبياء في القرآن الكريم لا تقتصر على إنزال الكتب، بل وتشمل تعليم الحكمة أيضاً؛ إذ يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [1].

 العلمانية (النزعة الدنيوية المقرونة بالتنصل عن الدين أو مقارعته)

لقد تجلى تيار العلمانية ـ بشكل عام ـ منذ عصر النهضة فصاعداً على جهات مختلفة. إن انتشار الأفكار الدنيوية، وفصل الدين عن المجالات الدنيوية، من قبيل: الثقافة والسياسة والاقتصاد والمجتمع، وإفراغ الأديان من البُعد التعبّدي والقدسي والوحياني، والتأكيد على دور الدين في التحوّل الباطني والروحي للأفراد، يُعدّ من أهم تأثيرات العلمانية في العالم الجديد والمعاصر.

(306)

إن انتشار الأفكار الدنيوية ـ ولا سيّما على أساس أهداف التقدّم ـ تتمّ على يد التنويريين في القرن الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد. فقد كان لديهم اعتقاد راسخ بتنمية وتطوير الرؤية العلمية، ابتداءً من الفيزياء إلى علم النفس والأخلاق والحياة الاجتماعية لأفراد البشر. إن هذا النوع من التقدّم يتضمّن توظيف واستخدام العقل البشري في جميع الأمور، وبعبارة أخرى: عقلنة جميع الأمور من وجهة نظر الإنسان.

وفيما يتعلق بتفريغ الدين من محتواه التعبّدي والقدسي، يذهب الإنسويون إلى القول بأن الدين قبل الخوض في الأمور المقدّسة والروحانية وغير الدنيوية، يجب أن يهتم بالحياة الدنيوية للأفراد، وأن يضمن السعادة الدنيوية من حياة الإنسان على المستوى العملي وعلى أرض الواقع. وقد كان مارتن لوثر يعتبر حتى الأعمال المنزلية ذات قيمة دينية وروحية ويثني عليها. وكان يذهب إلى الاعتقاد بأن هذه الأعمال وإن كانت فاقدة لأيّ مظهر من المظاهر المقدسة، ولكنها مع ذلك أفضل وأكثر قيمة من جميع الأعمال التي يقوم بها الرهبان والقساوسة. يُضاف إلى ذلك أن الله لا يلتفت إلى أهمية العمل المنجز؛ بل ينظر إلى القلوب التي تخدمه في هذه الدنيا[1].

وفيما يتعلق بدور الدين في التحوّل الباطني والروحي للإنسان، يرى الإنسويون والإصلاحيون (من أمثال: أراسموس، وكالون، ومارتن لوثر)، أن الدين يجب أن يتمّ تصويره بوصفه موضوعاً

(307)

باطنياً بعمق، حيث يهتم بالحالات المعنوية والروحية والسلوكية للمتدينين، وغايته رفع مستوى المعنوية والالتزام بالقيَم المتعالية والإنسانية، والعمل بشكل عام على إحداث التغيير والتحوّل في حياة الإنسان. وعلى أساس هذه الرؤية يجب اعتبار الدين موضوعاً معنوياً وباطنياً، لا أهمية معه للمسائل الخارجية[1]. وقد كان المراد من المسائل الخارجية أمور من قبيل: ماهية العبادة، وأسلوب إدارة الكنيسة. والنتيجة هي أن الدين أمر باطني وفردي، ولا يجب الاهتمام بالتعاليم الشعائرية والطقوسية للدين كثيراً.

بيد أنه من بين كبار فلاسفة الغرب الذين كان لهم دور هام في عرض نوع من الدين الإنسوي والعلماني هو الفيلسوف الألماني إيمانوئيل كانط. لقد كان كانط يعتبر إصدار الأحكام الحتمية بشأن كل أمر ميتافيزيقي أمراً خاطئاً من الأصل. وعلى هذا الأساس يجب على الإنسان أن لا يظن أن بمقدوره أن يصدر حكماً حتمياً بشأن الله. إن هذا الكلام لا يعني ـ بطبيعة الحال ـ نفي وجود الله، بل إن إثبات وجود الله يتم ضمن دائرة العقل العملي والأخلاق. إن جهود كانط تقوم على نقل الأبحاث الدينية إلى دائرة العقل العملي والأخلاق، وأن يعمل ما أمكنه في نهاية المطاف على خفض منشأ الدين إلى الأمور ما فوق الطبيعية إلى مستوى الطبيعة، ولا سيّما إلى حدود العقل البشري. يرى كانط أن الأديان الوحيانية قد تمّ أخذها بنظر الاعتبار بالنسبة إلى عامة الناس وأؤلئك الذين لم يصلوا

(308)

بعد إلى الأحكام الأخلاقية الخالصة من العقل العملي. إن الدين الحقيقي ليس سوى دين واحد، وهو الدين الأخلاقي الخالص أو الدين المعقول. وفي موارد التعارض بين أحكام العقل الخالص وأحكام الدين الوحياني، يجب تقديم أحكام العقل الخالص[1].

غنيّ عن الذكر أن هذا النوع من الأفكار يفتح الباب على مصراعيه أمام الأديان ذات الرؤية الإنسانوية والعلمانية، ويخلق حالة من التنصّل عن الأديان التقليدية الإلهية. بيد أن الأسوأ من ذلك هو ظهور أفكار محاربة للدين؛ حيث تؤدّي إلى ظهور إنسانوية جديدة باسم «الإنسانوية الإلحادية». إن أشد الأفكار المعادية والمحاربة للدين تجدها في أفكار جان بول سارتر، وأوجست كونت، وكارل ماركس، وفريدريك نيتشه، على ما تقدم في الأبحاث السابقة. وعلى كل حال فإن الإنسانوية الإلحادية والمحاربة للدين والتي تصرّح بأكثر النظريات عداءً للدين، تذهب حالياً إلى القول بأن «الإنسانوية» يجب ـ في ضوء الاعتقاد بأن الإنسان مركز الكون والوجود ـ أن تكون بديلاً عن محورية الله في الأفكار الدينية، وأن تظهر بالتدريج مدارس حديثة تملأ الفراغ الذي يخلفه غياب الله، والخيار الأفضل في هذا الشأن هو «الإنسان» والأفكار الإنسانوية[2].

وأما في نقد هذا العنصر، فيجب القول: إذا كان المراد من العلمانية عدم تدخل الدين في الشؤون الدنيوية للناس، فمن

(309)

البديهي أن هذه الأفكار الإنسانوية والعلمانية لا تنسجم مع التعاليم والمفاهيم الدينية والقرآنية، وإن القرآن ينكر هذا النهج والأسلوب بشدة. وذلك لأن السيرة النبوية للأنبياء عموماً والسيرة الخاصة للأئمة ومنهم النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة المعصومين عليهم‌السلام تقوم على التدخل في الأمور الاجتماعية والحياة الدنيوية للناس، حيث لم يكونوا يلتزمون جانب الحياد في هذه الشؤون. يقول الله تعالى في بيان صفة المؤمنين في محكم كتابه الكريم: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [1]. إن هذه الآية تدل بوضوح على أن المجتمع الديني يضطلع بتطبيق الأحكام الإلهية، حيث يرتبط جزء هام منه بالحياة الدنيوية للأفراد. لقد قام الإمام علي عليه‌السلام في الكثير من خطبة ـ المجموعة في كتاب نهج البلاغة ـ بدعوة الناس في فترة حكمه وخلافته مراراً وتكراراً بتقوى الله، والإيمان بالله ومعرفته، والإيمان باليوم الآخر، والخوف من الموت، والخشية من العذاب الإلهي، والحذر من الدنيا، وعدم التعلق بزخارفها، ومراعاة حقوق الناس، والتمسّك بالآداب الدينية، كما عمل في بعض الخطب على التعريف بوظائف ومسؤوليات الحاكم تجاه الناس، وذكر منها جلب الخير لهم، والعمل على رفع المستوى التعليمي والعلمي، وبث الوعي، والعمل على تأديب وتربية الناس، والعمل بكتاب الله، وسيرة وسنة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله[2].

(310)

قال الشهيد مرتضى المطهري في شرح كلام الإمام علي عليه‌السلام:

«إن كل مصلح يتمكن من تحقيق هذه الأصول الأربعة؛ بمعنى أن يعمل على توجيه الأفكار نحو الإسلام الحقيقي، ويعمل على إزالة البِدَع والخرافات من الأذهان والعقول، ويعمل على تنظيم الحياة العامة من ناحية توفير الطعام والغذاء والسكن والدواء والتربية والتعليم، وأن يقيم العلاقات الإنسانية للناس على أساس المساواة والإخاء، وأن يجعل ساحة المجتمع من ناحية الأنظمة والقوانين والمقررات على طبق النموذج الإلهي الإسلامي، يكون قد حقق أعلى درجات النجاح»[1].

كما عمد الإمام الحسين عليه‌السلام إلى التعريف بفلسفة ثورته في مختلف المواضع، بأنها من أجل إقامة الحق، وإماتة الباطل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والعمل بسيرة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله. وجاء في بعض أدعية شهر رمضان في مورد الدولة الدينية لإمام العصر عليه‌السلام:

 «اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة؛ تعزّ بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك»[2].

(311)

يُستفاد من هذا الدعاء والأدعية والروايات الأخرى بوضوح أن الهدف الأصلي والمحوري للدولة الدينية لإمام العصر عليه‌السلام يكمن في التطبيق الكامل لأحكام الإسلام، والدفاع عن عزّة واقتدار الإسلام في مواجهة الشرك والكفر والنفاق.

وأما بشأن هذا الادعاء من قبل الإنسانوية العلمانية القائل بوجوب اعتبار الدين أمراً قلبياً يعمل على إيجاد التحوّل الباطني لدى الإنسان، فهو وإن كان صحيحاً على نحو الإجمال؛ إذ أن من بين الأهداف والغايات الهامة للدين، هو العمل على إيجاد التحول الباطني للناس، كما ورد الحثّ من الله على ذلك في قوله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ...) [1]. ولكن هل يُختزل الدين في حقيقته وواقعه بالعمل على تحوّل الإنسان على المستوى الباطني فقط؟ وهل الدين لا يهتم بسائر الأمور الخاصة بحياة الناس (الأعم من العبادات والمعاملات)؟

إن حقيقة الأمر هي أن الدين المسيحي ـ بصيغته الراهنة ـ دين تضمحل فيه الأحكام الدينية والشريعة المحورية، وهي في الغالب ذات طابع أخلاقي. وبغض النظر عما إذا كانت المسيحية الراهنة مسيحية أصيلة أم غير أصيلة، يجب القول بشأن الدين الإسلامي: إن الإسلام مزيج من الكثير من العقائد والأخلاقيات والأحكام (الفردية والاجتماعية)، وهي بواسطة تناغمها وانسجامها الداخلي والخارجي، وتطابقها مع حاجة الإنسان المعاصر، تحتوي على مشاريع نظرية وعملية في مختلف مجالات وأبعاد الحياة البشرية،

(312)

ومن هنا كان الإسلام من وجهة نظر المسلمين من أكمل الأديان.

إن القراءة الإجمالية للآيات والروايات الإسلامية، تثبت هذه الحقيقة وهي أن الدين الإسلامي يتحدّث على الدوام عن الكثير من التكاليف والحقوق تحت عنوان «حق الله» و«حق الناس»، وأن مراعاة هذه الحقوق ضرورية ولازمة لسعادة الفرد والمجتمع. وقد تم الاعتراف في الإسلام ـ بالإضافة إلى التكاليف الإلهية ـ بالكثير من الحقوق الإنسانية المتنوّعة، من قبيل: حق الحياة، وحق الصحة، وحق الحرية، وحق الاستقلال، وحقّ الإنسان في الحياة بعزّة وكرامة، وحقه في اختيار العمل والزوج، واختيار نوع الحياة، وحق القصاص، وحق الشفعة، وحق التربية والتعليم، وحقوق الوالدين، وحقوق الأولاد، وحقوق المعلم على المتعلم، وحقوق المتعلم على المعلم، وحق الجار على الجار، وحق الدولة على الشعب، وحق الشعب على الدولة، وحق الصديق على الصديق، وحق المؤمن على المؤمن، بل وحتى حق الكافر على المؤمن، بل وحقوق الحيوان والنبات على الإنسان وما إلى ذلك. وقد ورد الحديث مراراً في نهج البلاغة عن حقوق الناس. وقد أشار الإمام زين العابدين في رسالة الحقوق إلى واحد وخمسين حقاً من هذه الحقوق. وقد وردت روايات متعددة عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة الأطهار عليهم‌السلام في موضوع الحقوق. يعلم كل مسلم أن الدين الإسلامي ـ بالإضافة إلى حق الله ـ قد تحدّث عن حق الناس باهتمام بالغ، إلى الحد الذي تم معه اعتبار رعاية حق الناس أهم من حق الله فيما يترتب من العقاب والمؤاخذة [فإن الله قد يعفو عن حقه،

(313)

ولكنه لا يعفو عن تضييع حقوق الناس][1]. يضاف إلى ذلك أن كثرة التأكيد في الإسلام على رعاية العدالة ونفي الظلم والجور ومحاربة الظالمين والمستعمرين والمفسدين، تثبت أهمية الحقوق الإنسانية في الإسلام[2].

 إقامة نظام أخلاقي إنساني بمعزل عن الأنظمة ما بعد الطبيعية والأديان التقليدية

بعد بروز ظاهرة العلمانية وما نجم عنها من تهميش الدين؛ مسّت الحاجة بشدّة إلى إيجاد بديل لملء الفراغ المعنوي الذي أخذ يعاني منه الناس، الأمر الذي دفع المفكرين الإنسانويين والعلمانيين إلى البحث عن هذا البديل، ولم يكن هذا البديل عندهم سوى التأسيس لتيار أخلاقي إنساني بمعزل عن الأنظمة ما بعد الطبيعية واللاهوتية والدينية. وتظهر هذه الحركة بشكل صارخ في أفكار إيمانوئيل كانط، وأوجست كونت والإنسانويين المعاصرين.

لقد كان كانط يرى كفاية الأخلاق المستقلة والمستغنية عن الدين (والمستندة إلى القوّة العملية للعقل المحض) لتنظيم حياة الإنسان[3]. وفي القرن التاسع عشر للميلاد كان أوجست كونت يُعرف بنظريته الدينية تحت عنوان «دين الإنسانية» وبعد كونت

(314)

أخذت الكنائس الإنسانية في إنجلترا ونيويورك ـ مستلهمة من مؤلفات أوجست كونت ـ إلى نشر دين الإنسانية والتعريف بالشعائر الأخلاقية الإنسانية. وتم التأسيس في الولايات المتحدة الأمريكية لجمعيات باسم «الجمعية الثقافية الأخلاقية»، وهي تدعو إلى حبّ الإنسان للإنسان في إطار أخلاق مستقلة عن اللاهوت. حيث يرون أن المجتمع الصناعي والمتطور قد شهد ظهور مسائل أخلاقية جديدة تعجز الأديان التقليدية في العالم عن تلبيتها والوفاء بها. وفي القرن العشرين أخذت الغايات الأخلاقية الإنسانوية بالازدياد، حتى يمكن القول تقريباً: إن الغاية الأصلية تكمن في تخليص الغايات الأخلاقية من النظريات الدينية وحتى الأنظمة والنظريات الميتافيزيقية الأخلاقية. وهذا ما يشهد له الإعلان الأول للإنسانوية في عام 1933م، والإعلان الثاني للإنسانوية في عام 1973م. وفي الختام ورد التصريح في الإعلان الثالث للإنسانوية في عام 2002 م بأن الغاية الاجتماعية للإنسانوية إقامة مجتمع إنساني قائم على الأخلاق الإنسانية وسائر القيَم الطبيعية والمادية بالاستلهام من العقل والبحث والتحقيق الحرّ والاستعانة بالكفاءات والقدرات الإنسانية الخاصة. تؤكد الإنسانوية على أنها لا تؤمن بالله ضرورة، ولا تقول بالآراء ما وراء المادية وما فوق الطبيعية بشأن حقائق العالم. والقاسم المشترك الذي نجده في جميع هذه الإعلانات الإنسانوية الثلاثة يكمن في «التأسيس لنظام أخلاقي بمعزل عن الأنظمة ما بعد الطبيعية».

وأما في نقد هذا العنصر، فيجب القول: على الرغم من أن

(315)

الإنسانويين العلمانيين قد انتهجوا في أبحاثهم الأخلاقية أسلوبين أو اتجاهين متمثلين بالنسبية والإطلاقية ـ على ما تقدّم ذكره في الأبحاث السابقة ـ إلا أنهم في المجموع يخالفون الأخلاق الدينية. من الواضح أن هذا النوع من الأخلاق القائم على العقل والتجربة البشرية، بمعزل عن الأمور ما وراء الطبيعية من قبيل: الله والمعاد، يتنافى مع الأخلاق الدينية الإسلامية. إن الأخلاق الإسلامية أخلاق ممتزجة بأمرين وهما: الله والمعاد. ومن هنا فإن الفرد المتخلّق بالأخلاق الإلهية يقوم بجميع وظائفه الأخلاقية على المستوى الفردي والاجتماعي في سبيل الله (وجه الله)، ومن الواضح بداهة أن الضمانة الأخلاقية في هذا النوع من الأخلاق أفضل وأسمى بكثير إذا ما قورنت بالأخلاق المادية في العالم الغربي التي يُبشر في نهاية المطاف ببناء «مجتمع وفرد سالم». إذ لو كانت هناك حقيقة باسم عالم الآخرة ـ كما تقول الأديان السماوية ممثلة بالإسلام والمسيحية واليهودية ـ فإن العقل البشري يحكم بأن على الإنسان أن ينظم أعماله وسلوكه وأفعاله بحيث تشمل حياة الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة.

والسؤال الآخر الذي يفرض نفسه في البين هو: لماذا اضطرّ العالم الغربي ـ بعد نبذ وحذف الدين ـ إلى البحث عن بديل ومنافس للدين باسم الأخلاق؛ وهي إلى ذلك أخلاق مادية بحتة، يعبّر عنها الإنسويون أنفسهم بالأخلاق الدنيوية (التي تقتصر على هذه المرحلة وهذا العالم فقط)؟ والحقيقة هي أن الأخلاق الإنسانوية لم تستطع ملء الفراغ الروحي والمعنوي للإنسان الحداثوي، ولذلك

(316)

نجدها تتخبّط في كل يوم من خلال اللجوء إلى أنواع الأخلاقيات القائمة على المعنويات والعرفان الزائف، وتضرب عبثاً في جدران ما تدعوه بالمعنوية؛ دون أن تصل إلى المبتغى. إن أمواج العرفان الكاذب التي تظهر في العالم الغربي مثل نبات الفطر على نحو يومي، ثم تختفي وتذهب جفاءً كما الزبد على صفحة الماء الهادر، تشهد بأجمعها بصدق على هذه الحقيقة وهي أن الأخلاق بمعزل عن الدين حتى إذا بشّرت بظهور عالم صالح وسالم، لا يمكنها إطفاء لهيب العطش المعنوي الإنساني الذي يمور في صقع فطرة الإنسان الباحث عن الله سبحانه وتعالى. إذ أن الإنسان في المنظور الديني الإسلامي يبدأ في الأساس من الله ومرجعه إليه؛ وفي ذلك يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [1]. ومن هنا فإن كل أخلاق دون التوجه إلى الله، لن تجدي نفعاً وسوف يكون مآله في الكثير من الموارد إلى تنكّب الطريق.

نقد المفكرين الغربيين للإنسانوية العلمانية

ويجدر بنا في الختام أن نلقي نظرة على الاتجاهات الانتقادية من زاوية المفكرين الغربيين للإنسانوية العلمانية. إن ذكرنا لهذه الانتقادات إنما يأتي بيانه لكي ندرك أن الإنسانوية العلمانية ليست هي المدّعي الأوحد في الثقافة الحضارية للغرب. وبشكل عام فقد تبلورت ثلاثة اتجاهات مخالفة للإنسانوية العلمانية في الثقافة الغربية تجاه الأمور الدينية، وهي كالآتي:

(317)

المسيحية التقليدية

يذهب المسيحيون التقليديون ـ بالتماهي مع بعض اليهود ـ إلى نبذ وتخطئة الإنسانوية العلمانية ويعتبرونها فكراً إلحادياً. ترى المسيحية التقليدية أن الإنسان وارث الخطيئة الأولى وهو مدنّس بالآثام. ولذلك يكون اعتبار الإنسان محوراً، والاستناد إلى القيَم الإنسانية أمراً مخالفاً للدين. إن هذا الاتجاه لا يهاجم الفكر العلماني فحسب، بل ويُسيء الظن حتى بالمسيحيين الذين عملوا على تمكين الإنسانوية. قال تشارلز. أي. جنينغس:

«إن المسيحية المعاصرة قد ذابت بالإنسانوية القديمة؛ حيث تمّ صهر الإنسانوية القديمة في بوتقة المسيحية، وصيغ منها مفهوم الإنسانوية المسيحية أو المسيحية الإنسانوية. ومن هنا فإن المسيحية الحديثة ليست مسيحية توحيدية لا في اعتقادها ولا في طقوسها العبادية؛ لأنها بدأت تسجد لربها الجديد، وأضحت تعبد الإنسان بدلاً من الله».

 إن هذا النوع من التعاطي ربما كان هو الأكثر سذاجة في التعامل مع الأفكار الإنسانوية؛ فإن هذا التعاطي وإبداء الردود والأفكار في العالم الحديث الخاضع لسلطة العلوم والعقائد الجديدة، إنما ينتهي لصالح الأفكار العلمانية[1].

(318)

وإذا تجاوزنا ردّة الفعل هذه، فقد تمّ إبداء ردّة فعلين آخرين من قبل المسيحية. كلتا الجماعتين تعرّف عن نفسها بوصفها مسيحية إنسانوية، ولكن في الحقيقة فإن الجماعة الأولى يمكن تسميتها بالمسيحية الإنسانوية، وأما الجماعة الثانية فيمكن تسميتهم بالمسيحيين الإنسانويين.

 الإنسانوية المسيحية

إن هذا الاتجاه ينحاز ـ في الدرجة الأولى ـ إلى القيَم الإنسانوية، ثم يُعطي الأهمية بعد ذلك وبالدرجة الثانية إلى التعاليم المسيحية. إنهم يرون أن التعاليم المسيحية تعاليم قيّمة، وأنه لا ينبغي التخلّي عنها. وهم يحافظون على هذه التعاليم، ولكنهم يُضفون عليها تفسيراً جديداً. بمعنى أنهم يسعون إلى تفريغ الدين من المفاهيم الميتافيزيقية وغير العلمية. كما إنهم يقرّون بأن مؤلفي الكتاب المقدّس كانت لهم عقائدهم الميتافيزيقية، ولكنهم يذهبون في الوقت نفسه إلى إمكانية تغيير منهجيتهم. وفي الحقيقة فإن أنصار هذه الرؤية، يؤمنون بالدين المسيحي، ولكنهم حيث يجدون أنفسهم منزوعي السلاح في مواجهة الإنسانوية العلمانية؛ لم يجدوا بُدّاً من القول باعتبار وقيمة المنهج العلمي وأمثال ذلك، وربما ذهبوا في بعض الأحيان والموارد ـ انسياقاً مع الإنسانويين العلمانيين ـ إلى القول بأن الدين من صنع البشر.

جاء في الموقع الألكتروني لـ «الإنسانوية المسيحية» الذي يتولى مهمة نشر وتوضيح آراء الإنسانويين المسيحيين، في توضيح نشاطاتهم وأهدافهم، ما يلي: «إن هدنا هي تشجيع ودعوة الأشخاص

(319)

الراغبين في المشاركة إلى التماهي مع الأصول الإنسانوية للعقل والحرية الإنسانية الممزوجة بالمسؤولية الفردية. وإن غايتنا هي إقامة جسر بين التديّن والإنسانوية، ولا سيّما بعث الأمل بالنسبة إلى المسيحيين الذين يعيشون هاجساً حقيقياً للتغيير الفردي والجماعي والحرية والإحياء على طريقة تجربة السيد المسيح إلى حدّ كبير.

وعلى الرغم من ذلك نعتقد أن المسيحية بعد اجتيازها لمرحلة الشريعة والحتمية، يجب أن تفتح أحضانها للعلم والبحث والتحقيق الحر والرؤية الطبيعية واتساع دائرة التجارب البشرية. يجب أن نؤمن بأن الدين من صنع الإنسان بالكامل. إن الدين إنما تم اختلاقه لكي يخوض في «المجاهيل»، ويفسّر مفهوم الإنسان، ويبدع منظومة أخلاقية ناجعة. ومع ذلك كله لا بد من الاعتراف والإقرار بأن الدين حيث يكون من صنع الإنسان يجب أن يخضع لإعادة النظر دائماً[1].

وللأسف الشديد فقد كان أداء هذه الجماعة ـ في مواجهة الأفكار الإنسانوية ـ منفعلاً بالكامل، حيث اتخذت في ردود أفعالها سبيل التماشي والتماهي، ونتيجة لذلك أصبحت بشكل وآخر مروّجة للأفكار الإنسانوية العلمانية.

وأما الجماعة الثالثة فهي التي نجحت إلى حدّ ما في أدائها في مواجهة الأفكار الإنسانوية العلمانية على ما سنبحه في العنوان أدناه:

 المسيحيون الإنسويون

لم يتمكن المسيحيون المتقيّدون والملتزمون بالمعتقدات

(320)

التقليدية وما بعد الطبيعية من تحمّل هذا النوع من التفسيرات المنكوسة للمسيحية؛ ومن هنا فقد قاموا بردّة فعل تجاه ما يطرحه الإنسويون. ومع ذلك فقد كانوا من الحنكة والذكاء بحيث أدركوا أن التعاطي السلبي مع الإنسانوية العلمانية وإلغاء جميع مدعياتها، ولا سيما تأكيدها على الإنسان، لن يكون مجدياً بل وربما زاد من رصيد العلمانية ونجاحها، وأدى إلى تهميش المسيحية نفسها. ولذلك فقد عمدت هذه الجماعة إلى بيان رؤية الإنسانوية المسيحية المتمحورة حول الله، وأخذت تدافع عنها.

يذهب هؤلاء المسيحيون الإنسويون إلى الاعتقاد بوجود تعارض بين الاعتقاد بمحورية الإنسان والاعتقاد بمحورية الله. إن الإنسانوية العلمانية تواجه هذا التحدّي الجاد، ولا يمكن لها حلّ هذه المشكلة إلا بحذف الله بشكل كامل والتوجّه نحو الإلحاد التام. أما المسيحيون الإنسويون فإنهم يلجأون لحل هذه المشكلة إلى مفهوم التجسّم. فهم يرون في نظرية التجسيم ـ القائلة بأن السيد المسيح إله وإنسان ـ جواباً لحل هذه المشكلة. بمعنى الإنسان الذي يمكنه أن يتأله رغم احتفاظه بحيثيته الإنسانية.

ومن بين الداعمين الجادين لهذا النوع من الإنسانوية يمكن لنا تسمية جيلبرت كيث تشيسترتون[1]. يقول تشيسترتون في كتاب له بعنوان «الفضائل الأخلاقية المسيحية»: «إن هذه الفضائل التي

(321)

تمنح الإنسان كفاءة عالية وسامية، حيّة وعميقة وحيوية في الوقت نفسه؛ لأنها تمتد بجذورها في التراث الديني القيّم ... إن بعض هذه الفضائل وإن كانت مطروحة في المرحلة القديمة، ولكنها قد اكتسبت في المسيحية عمقاً وغنىً ومفهوماً جديداً. إن الشأن الذي يمنحه الدين للإنسان لا يمكن مقارنته بالمقام الذي يراه الإنسيون العلمانيون له. إن الإنسان وإن كان مخلوقاً من التراب، بيد أن المفهوم الثابت والمذكور في الكتاب المقدس يقول: إن الله قد خلق الإنسان على شاكلته؛ وعليه فإن الإنسان قد خلق على صورة الله. وكل ما هنالك هو أن الهبوط والتلوّث بالذنوب قد شوّه هذه الصورة الإلهية، وإن الله المتجسّم في المسيح بصدد العمل على إنقاذ الإنسان من هذه الحالة، ورفعه إليه مجدداً».

يضع تشيسترتون حبّ الخير والإحسان في المسيحية على سُلّم اهتمامه، وقال: «إن الإنسانوية العلمانية قد سرقت قيَمها الرئيسة من التراث المسيحي القيّم، بيد أن هذا التراث القيَمي قد انفصل في أيديهم عن دعامته المحكمة والوثيقة، وأصبح معزولاً ومن دون ملاذ وضائع في متاهات الإنسانوية، فآل إلى الضعف والأفول. من ذلك أن حب الخير والإحسان فضيلة ـ على سبيل المثال ـ مسيحية بامتياز، وهو شعور لطيف للغاية يدعو الإنسان بغض النظر عن نفسه إلى حبّ الخير للآخرين. وإن البذل والعطاء والصفح عن أخطاء الآخرين وتجاوز الذات من العناصر الأخرى لهذه الفضيلة، إلا أن الإنسانوية العلمانية قامت بإفراغ هذه القيمة من مضمونها الصحيح والحيوي السابق. إن هذه الحقائق عبارة عن أزهار متفتحة

(322)

وزاهية وناضرة نبتت في حقل الدين؛ ثم جاءت الإنسانوية العلمانية وعملت على قطعها واجتثاثها من جذورها. ومن هنا فقد آلت هذه الحقائق إلى الذبول والضمور. إن للإنسان في المسيحية شأناً عالياً وسامياً، ويكمن معناه العميق جداً في مفهوم (الصورة الإلهية)[1]. إن الإنسانوية العلمانية ... استناداً إلى محورية الإنسان، قد عمدت إلى مسخ الإنسان وقذفت بالأخلاق إلى منحدر سحيق وشديد المخاطر[2].

(323)

المصادر والمراجع

أ ـ المصادر الفارسية

1- أحمدي، بابك، معماي مدرنيته (لغز الحداثة)، نشر مركز، طهران، 1377 هـ ش.

2- إسكروتن، روجر، كانت (كانط)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي پايا، طرح نو، ط 2، طهران، 1383 هـ ش.

3- أكبري، رضا، إيمانگروي: نظريات كركگور، ويتگنشتاين و پلانتينگا (النزعة الإيمانية: نظريات كركيغارد وفيتغنشتاين وبلانتينغا)، نشر پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، قم، 1384 هـ ش.

4-  أوني، بروس، نظريه اخلاقي كانت (النظرية الأخلاقية لكانط)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي رضا آل بويه، بوستان كتاب، قم، 1381 هـ ش.

5-  براون، كالين، فلسفه و ايمان مسيحي (الفلسفة والإيمان المسيحي)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: طاطه وس ميكائيليان، انتشارات علمي و فرهنگي طهران، 1375 هـ ش.

6- بيرن، جون، فلسفه ابيكور (فلسفة أبيقور)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أبو القاسم بور حسيني، أمير كبير، طهران، 1357 هـ ش.

(324)

7- بروس سميث، غريغوري، نيچه؛ هايدگر و گذار به پسامدرنيته (نيتشه: هايدغر والعبور إلى ما بعد الحداثة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي رضا سيد أحمديان، نشر پرسش، عبادان، 1379 هـ ش.

8- بوركهارت، ياكوب، فرهنگ رنسانس در ايتاليا (حضارة عصر النهضة في إيطاليا)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد حسن لطفي، طرح نو، طهران، 1389 هـ ش.

9- بلانتينغا، ألفين، عقل و ايمان (العقل والإيمان)، ترجمته إلى اللغة الفارسية: بهناز صفري، نشر أشواق، قم، 1381 هـ ش.

10- توکلی، غلام حسين، اومانيسم دينی و اومانيسم سکولار (الإنسوية الدينية والإنسوية العلمانية)، مجلة: پژوهشهای فلسفی - کلامی، العدد: 17 و 18، 1382 هـ ش.

11- جيمز، وليم، پراگماتيسم (البراغماتية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الكريم رشيديان، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، ط 2، طهران، 1375 هـ ش.

12- حلبي، علي أصغر، انسان در اسلام و مكاتب غربي (الإنسان في الإسلام والمدارس الغربية)، انتشارات اساطير، ط 2، طهرن، 1374 هـ ش.

13- خاتمي، محمود، جهان در انديشه هايدگر (العالم في فكر هايدغر)، نشر دانش و انديشه معاصر، طهران، 1387 هـ ش.

(325)

14- خادمي، عين الله؛ وپور أكبر، ليلى، علم انسان کامل از ديدگاه ملا صدرا (علم الإنسان التام من وجهة نظر صدر المتألهين)، فصلنامه انديشه ديني، العدد: 53، ص 110، شتاء عام 1393 هـ ش. (مصدر فارسي).

15- خراساني، شرف الدين، از برونو تا كانت (من برونو إلى كانط)، انتشارات علمي و فرهنگي، طهران، 1376 هـ ش.

16- ديكارت، رينيه، تأملات در فلسفه أولى (تأملات في الفلسفة الأولى)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد أحمدي، نشر سازمان سمت، ط 7، طهران، 1387 هـ ش.

17-  ديكارت، رينيه، فلسفه دكارت: قواعد هدايه ذهن (فلسفة ديكارت: قواعد توجيه الذهن)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منوچهر صانعي درّه بندي، انتشارات بين المللي الهدى، طهران، 1376 هـ ش.

18- ديورانت، ويل آرويل، تاريخ تمدن (قصة الحضارة)، ج 5، وج 6، انتشارات علمي و فرهنگي، طهران، 1378 هـ ش.

19- طوني، اومانيسم (الإنسوية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عباس مخبر، نشر مركز، طهران، 1378 هـ ش. فقد تمّ العمل في المرحلة الأولى على الإحالة إلى النسخة الأصلية الإنجليزية، وبعد صدور ترجمة الكتاب إلى اللغة الفارسية، تمّت الإحالة إلى النسخة الفارسية له.

(326)

20- راسل، برتراند، تاريخ فلسفه غرب (تاريخ فلسفة الغرب)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: نجف دريابندري، ج 1، وج 6، سازمان چاپ و انتشارات، طهران، 1373 هـ ش.

21-  ژان وال، بحث در مابعدالطبيعة (بحث حول ما بعد الطبيعة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: يحيى مهدوي وآخرون، انتشارات خوارزمي، ط 2، طهران، 1380 هـ ش.

22- جيلسون، اتين، روح فلسفه قرون وسطا (جوهر فلسفة العصور الوسطى)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: علي مراد داودي، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، ط 3، طهران، 1379 هـ ش.

23- جيلسون، اتين، نقد تفكر فلسفي غرب (نقد التفكير الفلسفي للغرب)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد أحمدي، نشر سازمان سمت، ط 3، طهران، 1387 هـ ش.

24- سارتر، جان بول، اگزيستانسياليسم و اصالت بشر (الوجودية وأصالة الإنسان)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مصطفى رحيمي، نشر نيلوفر، ط 13، 1389 هـ ش.

25- صانع پور، مريم، خدا و دين در رويكرد اومانيستي (الله والدين في الاتجاه الإنسوي)، دانش و انديشه معاصر، طهران، 1381 هـ ش.

26- ضيمران، محمد، نيچه پس از هيدگر: ودريدا ودولوز (نيتشه بعد هايدغر: دريدا ودولوز، نشر هرمس، طهران، 1382 هـ ش.

(327)

27- كوبلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه: از هابز تا هيوم (تاريخ الفلسفة: من هوبز إلى هيوم)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أمير جلال الدين أعلم، ج 5، شركت انتشارات علمي و فرهنگي و انتشارات سروش، طهران، 1375 هـ ش.

28- كوبلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه: يونان و روم (تاريخ الفلسفة: اليونان وروما)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد جلال الدين مجتبوي، ج 1، شركت انتشارات علمي و فرهنگي و انتشارات سروش، طهران، 1368 هـ ش.

29- كوبلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه: از دكارت تا لايب نيتس (تاريخ الفلسفة: من ديكارات إلى لايبنتز)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: غلام رضا أعواني، ج 4، شركت انتشارات علمي و فرهنگي و انتشارات سروش، طهران، 1380 هـ ش.

30- كوبلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه: از وولف تا كانت (تاريخ الفلسفة: من وولف إلى كانط)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إسماعيل سعادت و منوچهر بزرگمهر، ج 6، شركت انتشارات علمي و فرهنگي و انتشارات سروش، ط 2، طهران، 1375 هـ ش.

31- كوبلستون، فريدريك، تاريخ فلسفه: از بنتام تا راسل (تاريخ الفلسفة: من بيتنام إلى راسل)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بهاء الدين خرمشاهي، ج 8، شركت انتشارات علمي و فرهنگي و انتشارات سروش، طهران، 1376 هـ ش.

(328)

32- كاسيرر، أرنست، رساله اي درباره انسان (رسالة حول الإنسان)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بزرگ نادر زاده، پژوهشگاه علوم انساني و مطالعات فرهنگي، ط 3، طهران، 1380 هـ ش.

33- كاسيرر، أرنست، فلسفه روشن انديشي (فلسفة وضوح التفكير)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: نجف دريابندري، انتشارات خوارزمي، طهران، 1372 هـ ش.

34- كانط، إيمانوئيل، «در پاسخ به پرسش روشن گري چيست؟» (في الإجابة عن سؤال: ما هو التنوير؟)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: سيروس آرين پور؛ في: لارنسن كهون؛ از مدرنيسم تا پست مدرنيسم (من الحداثة إلى ما بعد الحداثة)، نشر ني، طهران، 1385 هـ ش.

35- كانط، إيمانوئيل، دين در محدوده عقل تنها (الدين في حدود العقل المحض)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منوچهر صانعي درّه بيدي، نقش و نگار، طهران، 1381 هـ ش.

36- كواري، جون ماك، فلسفه وجودي (الفلسفة الوجودية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد سعيد حنائي كاشاني، انتشارات هرمس، طهران، 1377 هـ ش.

37- كونيكا، جيمز، اراسموس (إيراسموس)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الله كوثري، طرح نو، طهران، 1374 هـ ش.

38- كهون، لارنس، از مدرنيسم تا پست مدرنيسم (من الحداثة إلى ما بعد الحداثة)، تحقيق: عبد الكريم رشيديان، نشر ني، ط 5، طهران، 1385 هـ ش.

(329)

39- گلدمن، لوسين، فلسفه روشنگري (فلسفة التنوير)، ترجمته إلى اللغة الفارسية: منصورة كاوياني، نشر: فكر روز، طهران، 1375 هـ ش.

40- لوك، جون، جستاري در فهم بشر (بحث في فهم الإنسان)، تلخيص: برينغل بتسون، ترجمه إلى اللغة الفارسية: رضا زاده شفق، نشر چاپخانه پيام، ط 2، طهران، 1381 هـ ش.

41- لين، توني، تاريخ تفكر مسيحي (تاريخ التفكير المسيحي)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: روبرت آسريان، نشر و پژوهش فرزان روز، طهران، 1380 هـ ش.

42- مجتهدي، كريم، فلسفه در قرون وسطا (الفلسفة في العصور الوسطى)، مؤسسة انتشارات أمير كبير، طهران، 1375 هـ ش.

43- مك كراث، آليستر، مقدمهاي بر تفكر نهضت اصلاح ديني (مقدمة على فكر حركة الإصلاح الديني)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بهروز حدادي، مركز مطالعات و تحقيقات اديان و مذاهب، قم، 1382 هـ ش. فقد تمّ العمل في المرحلة الأولى على الإحالة إلى النسخة الأصلية الإنجليزية، وبعد صدور ترجمة الكتاب إلى اللغة الفارسية، تمّت الإحالة إلى النسخة الفارسية له.

44- كركيغارد، سورين، انفسي بودن حقيقت است (الأنفسية حقيقة)، في: مصطفى ملكيان، سيري در سپهر جان (جولة في سماء الروح)، نگاه معاصر، طهران، 1381 هـ ش.

(330)

45- نصر، سيد حسين، انسان و طبيعت: بحران معنوي انسان متجدد (الإنسان والطبيعة: الأزمة الروحية للإنسان المتجدد)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الرحيم گواهي، دفتر نشر فرهنگ اسلامي، طهران، 1379 هـ ش.

46- نصر، سيد حسين، معرفت و معنويت (المعرفة والمعنوية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إن شاء الله رحمتي، دفتر پژوهش و نشر سهروردي، طهران، 1380 هـ ش.

47- نيچه، فريدريك، چنين گفت زرتشت (هكذا تحدّث زرادشت)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: داريوش آشوري، نشر آگاه، طهران، 1370 هـ ش.

48- نيچه، فريدريك، اراده قدرت (إرادة القوّة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مجيد شريف، ص 24، انتشارات جامي، طهران، 1377 هـ ش.

49- ورنو، روجيه جان وال، بديدارشناسي و فلسفه هاي هست بودن (الظاهراتية والفلسفات الوجودية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: يحيى مهدوي وآخرون، انتشارات خوارزمي، طهران، 1372 هـ ش.

50- هوسرل، إدموند، تأملات دكارتي مقدمه اي بر پديده شناسي (تأملات ديكارتية: مقدمة على الظاهراتية)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الكريم رشيديان، نشر ني، طهران، 1381 هـ ش.

(331)

ب ـ المصادر اللاتينية

51- Appleby, Peter C.; “Humanistic Elements in classical Philosophy”; (summary of lecture), November 1992. www.Humanism.com.

52- Aspell, Patrick J.and George F. McLean (ed.); Reading in Medieval Western Philosophy; 1999.

53- Campbell, Colin; Towards a Sociology of Irreligion; London: McMillan Press, 1971.

54- Castellina, Paolo & Alison Baison Bailey; Christian Church or Religious Humanism; crown and covenant publiciations, 1989.

55- Cline, Austin; “Affirming Humanism,” 1998; in: www.Atheististscholar.org.

56- Craig, Edward; “Humanism”, Encyclopedia of Philosophy, Routledge, Vol. 2.

(332)

57- Dewey, John; Reconstruction in Philosophy; New York: Henry Holt, 1920.

58- Dunphy, J.; A Religion for a New Aeg; The Humanist; Published in the Humanist magazine, 1983.

59- Edwards, Paul; Encyclopedia of Philosophy; “Humanism,” Vol. 2; prentice Hall college, 1967.

60- Edwordz, Fredrick; “What is Humanism?”; in: www.TheAmericanHumanistAssociation.com; 2000.

61- Grudin, Robert; “Humanism”; Encyclopedia of Britanica, macropedia; 15th edition, 1993.

62- Heidegger, Martin, “Letter on Humanism’; Readings in the Philosophy of Existence, George F. Meleevn (ed.), 2000.

63- International Humanism and Ethical Union (IHEU) “Amesterdam declaration 2002,’ International Humanism and Ethical Union; Retrieved 2033.

(333)

64- Kant, Immanuel; Critique of Pure Reason, Cambridge university press, 1999.

65- Kristeller, Paul; “Meaning of Humanism”; In: the Book of Renaissance thought and its sousces; Columbia university press, 1979.

66- Kurtz, Paul; “A Secular Humanist declaration,” in: Secular humanism. Org, 2011.

67- Kurtz, Paul; “The Affirmation of Humanism: A statement of principles,” in: secularhumanism.Org; The council for secular Humanism.

68- Lamont, Corliss; “Naturalistic Humanism”; in: HumanistCommunity.com. 1992.

69- Lamont, Corliss; The Philosophy of Humanism; Humanist Press, 1997.

70- Lynch S. J. William; Christ and Prometheus; University of Notre Dame Press, 1970.

(334)

71- McGrath, Alister; Reformation Thought; An Introduction; Wiley Blackwell; 4th edition, 2012.

72- Murray, Gilbert; Five stages if Greek Religion; colombia university press, 1925.

73- Nicolas Walter; Humanism: what’s in the word?; London: Rationalist press Association Ltd, 1997.

74- Rockmore, Tom; On Humanism, Routledge, 1994.

75- Schaeffer, Francis; Escape from Reason; London: Inter – varsity press, 2006.

76- Steelwater, Eliza; “Humanism,” in: The Encyclopedia Of Applied Ethics; Ruth Chadwick (ed.); San Diego: Academic Press, 1998,  vol grudin, Robert 2.

77- Stumf, Samuel E.; Philosophy: History and Problems; McGraw (ed.); Hill Publishing Company, 2014.

78- Thompson, Bard; Humanists and Reformers: A His

(335)

tory of Renaissance and Reformation; Grand Rapids: W. B. Eerdmans publishing, 2007.

79- Tony, Davies; Humanism; London: Rationalist; Duncan J. Mckay; Effective Financial Planning for Library and Information Service; p. edition, 2008.

80- Velasquez, Manuel; Philosophy; A text with readings, cengage learning press, 2013.

81- www.ManifestofHumanism.org, 1933, 1973, 2000, 2003.

(336)
المؤلف في سطور محمد هادي طلعتي محمد هادي طلعتي ، تتلمذ ودرس في الحوزة العلمية في مدينة شيراز ، وأكمل دراسته في مدينة مشهد المقدسة ، ليلتحق بعد ذلك في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة ، حيث شارك في دروس كبار العلماء والمراجع العظام في الفقه والأصول في مرحلتي السطوح العليا والبحث الخارج والعلوم العقلية والأخلاقية . ومن أساتذته آية الله الشيخ مصباح اليزدي ، آية الله السيد مشكيني ، وآية الله شب زنده دار ، آية الله الشيخ وحيد الخراساني ، وآية الله العظمى ميرزا جواد التبريزي وآية الله جوادي آملي . وتابع دراسته الجامعية في تخصص الفلسفة الإسلامية والغربية في جامعتي قم ومفيد . للكاتب العديد من المؤلفات والبحوث والمقالات . ودرّس في الحوزة العلمية في العديد من المدارس ، وفي العديد من الجامعات والكليّأت التخصصية .
هذا الكتاب الهيومانيّة سعت هذه الدراسة إلى التعريف بمفهوم الإنسانوية من خلال استقراء أبرز مظاهرها وتياراتها التاريخية : الإنسانوية التقليدية ، والإنسانوية المسيحية ذات الاتجاه التقليدي ، والإنسانوية المناوئة للدين (الإنسانوية الإلحادية) ، والإنسانوية الأدبية والثقافية والفنية ، والإنسانوية الفلسفية ، والإنسانوية العلمانية ، والإنسانوية الماركسية ، والإنسانوية البراغماتية ، والإنسانوية الوجودية ، كما تعرّضت الدراسة إلى أنواع الإنسانوية في المراحل المختلفة لثقافة وحضارة الغرب . وإن هذه المراحل . طبقا للتبويبات المعروفة . عبارة عن : المرحلة القديمة ، ومرحلة العصور الوسطى المشتملة على المرحلة المسيحية الاولى ، والمسيحية الكنسية، ومرحلة عصر النهضة ، والمرحلة الحديثة المشتملة على المرحلة الأولى وعصر التنوير ، والمرحلة المعاصرة . المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف