الفيسبوك الوطن البديل للشباب

الفيسبوك الوطن البديل للشباب

إعداد : 

علي لفتة العيساوي

مقدمة المركز:

 (الاختراق الثقافي) عنوان سلسلة اصدارات جديدة ينشرها المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية لرصد اهم المؤسسات والأشخاص والمشاريع والأعمال التي تصب في تغريب الامة الاسلامية وسلب هويتها الدينية اما مباشرة أو تحت غطاء الدعايات البراقة والخادعة أمثال: الفن والأدب والتقدم و التسامح والحضارة والمدنيّة وغيرها من الدعايات والأساليب الماكرة التي تهدم كيان الأمة بشكل ناعم وبطيء وتستبدل هويتها وثقافتها بهويات وثقافات دخيلة .

تهدف هذه السلسلة الى إعلام أصحاب القرار الديني والسياسي  بما يجري في الساحة الثقافية من خروقات خطيرة تهدد كيان الفرد والمجتمع أخلاقياً وثقافياً وسياسياً، وتوقعه في الضلال والتيه فيصبح منكوساً، مّما يسهل عملية التغريب والسيطرة عليه.

كما انّ هذه السلسلة تحاول أن توقظ ضمير أصحاب القرار والنخبة الفكرية والدينية للقيام بدراسة هذه الظواهر ومحاولة معالجة الموقف من خلال كتب ودراسات ومحاضرات وندوات وغيرها من الأساليب والمشاريع الثقافية والمعرفية البديلة قبل فوات الأوان.

وهذا البحث الذي جاء بعنوان (الفيسبوك : الوطن البديل للشباب)  يقع في صميم الأبحاث المتعلقة بإختراق العولمة لمجتمعاتنا  الاسلامية المحافظة، فوسائل التواصل الاجتماعي تسببت في إحداث تغيّر  كبير في أنماط حياة الأفراد وثقافاتهم بمختلف أعمارهم، لاسيما بالنسبة إلى الأجيال الجديدة من الشباب.

ويعد (الفيسبوك) اشهرها انتشاراً في العالم واكثرها شعبية. لذلك حاولت هذه الدراسة ان تكشف تأثيره على سلوك الشباب ــ لأنهم الأكثر استخداماً للفيسبوك ـ  ومدى تفاعلهم مع هذه الوسيلة والتي كانت سبباً في كثير من أمراض العصر كالإدمان والكآبة والتمرد على الدين والقيم الاجتماعية والفشل الدراسي إضافة إلى اكتساب عادات وقيم سلبية.

ونحن إذ نقدّم هذا العمل الى النخبة، نروم استنهاض همم اقلامنا المستنيرة في الحوزة والجامعة للقيام بتظهير اللئالئ المختبية في تراثنا الاسلامي وتقديمه للجيل الجديد بحلّة  قشيبة .

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الامين وآله  الميامين .

المقدمة :

نظراً للتحولات الكبيرة التي أحدثتها وسائل التواصل الاجتماعي في شرائح المجتمع ولا سيما الشباب، حيث ساهمت هذه الوسائل في احداث تغييرات قيمية كبيرة، وعملت على خلق سلوكيات جديدة واختفاء اخرى، وتحولت الى اداة لتهديد أمن الأفراد واسقاط القيم والتقاليد والاساءة الى رموز الأمة بحجة حرية التعبير في المجتمع الديموقراطي.

دون تابسكوت أحد الشخصيات الرائدة في العالم والمؤثرة في مجال الإبداع والإعلام والتأثير الاقتصادي والاجتماعي للتكنولوجيا يقول: إنك إذا فهمت جيل الإنترنت فسوف تفهم المستقبل، وسوف تفهم أيضًا حقيقة أن المؤسسات والمجتمعات بحاجة إلى التغيير اليوم.[1]

فوسائل التواصل الاجتماعي اليوم اصبحت بين ايدي المتعلم والجاهل والكبير والصغير وحسن النية والمغرض، وما يزيد الأمر خطورة هو تطورها السريع واستخدامها من دون ضوابط، فقد حللت مؤسسة «غلوبال ويب إندكس» البحثية في لندن بيانات من 45 من أكبر دول العالم في «أسواق الإنترنت»، ورأت أن الوقت الذي يكرسه كل شخص لمواقع التواصل الاجتماعي أو تطبيقاتها ارتفع من 90 دقيقة يوميا عام 2012 إلى 143 دقيقة في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019.[2].

هذا بالاضافة الى الزيادة السريعة في عدد مستخدمي الفيسبوك، فمثلاً في العراق من خلال تقرير نشره موقع مركز الاعلام الرقمي في يوم 6/4/2020م. أكدّ ارتفاع عدد مستخدمي شبكة الانترنت في العراق الى قرابة الـ30 مليون مستخدم بحلول عام 2020 بزيادة 11 مليون مستخدم عن العام الماضي[3].

واوضح المركز ان عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي خلال هذا العام بلغ 21 مليون مستخدم نشط بزيادة 1.9 مليون عن اخر احصائية لمؤسستي Hootsuite و We are social المتخصصتين في هذا المجال، حيث بلغ عدد مستخدمي الفيسبوك  17 مليون مستخدم نشط في العراق[4].

وعلى الرغم من أن هنالك من يرى ان الفيسبوك وسيلة لتقارب الثقافات واختصار المسافات بين الشعوب والتقارب في الرؤى والاهداف التي تنتج عن المجتمعات.

ولكن بالمقابل كثرت الانتقادات التي وجهت الى وسائل التواصل الاجتماعي لما لها من تأثير سلبي على المجتمعات الاسرية وتفككها، فقد تسببت في إحداث تغيّر في أنماط حياة الأفراد وثقافتهم بمختلف أعمارهم، لاسيما بالنسبة إلى الأجيال الجديدة. فكثير من أمراض العصر المنتشرة بين الشباب كالانطوائية والعزلة الاجتماعية وإدمان الإنترنت والفشل الدراسي واكتساب عادات وقيم سلبية كالعنف والإجرام هي نتائج مباشرة لذلك التغير الكبير الذي أصاب ثقافتنا الاجتماعية التي تأثرت كثيراً بمجريات العصر والنقلة الكبيرة التي شهدتها التكنولوجيا ووسائل التواصل الحديثة[5].

وما زالت الساحة القضائية العراقية تسجل ازديادا في أعداد الشكاوى والقضايا المتعلقة بتهم مواقع التواصل الاجتماعي.

لذلك اردنا ان نكشف في هذه الدراسة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على سلوك الشباب ــ لأنهم الاكثر استخداماً لشبكات التواصل الاجتماعي، والاكثر إساءة في ذلك الاستخدام ــ ومدى تفاعل الشباب مع هذه الوسائل ومعرفة كمية الوعي التي يتعاملون بها مع هذه الوسائل، كما تنبع أهمية هذه الدراسة في كشف مدى وقوة تأثير تلك الوسائل ـ أو ما يعرف حديثاً بالإعلام الاجتماعي ـ في الآونة الأخيرة على الواقع الاجتماعي والسياسي والأمني والثقافي، اضافة الى قلة الدراسات العلمية التي تبين التأثيرات النفسية والاجتماعية على الشباب العراقي خصوصاً، والتي لم تتجاوز الـ (5) دراسات وصفية. والتوجّه الى اصحاب القرار برسم سياسات تربوية وتعليمية تتوافق مع ثورة التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وخصوصاً المراهقين.

القاضي (علي كمال) في مقال له نشر في موقع مجلس القضاء الاعلى يقول: ان الظروف الراهنة تتطلب العمل بكل الطرق للحد من سوء استخدام وسائل الاتصال مثل الانترنت والموبايل والفيسبوك وانستكرام وفايبر لما له من مخاطر كبيرة على القيم الاخلاقية والقيمية لشبابنا المعاصر، فاليوم لا احد يستطيع منع هذه الوسائل من التداول بين الشباب وابناء المجتمع ولكن يمكن اجراء دراسات وابحاث لمعرفة تأثير هذه الوسائل في سلوك الافراد والمجتمعات من اجل وضع خطط محكمة يمكن تفادي المخاطر على الفرد والمجتمع معا فالاستخدام السيئ لهذه الوسائل انما يأتي عن الجهل وعدم وجود وعي اجتماعي.[6]

ففي ذي قار جنوب العراق، سجلت محاكم المحافظة خلال النصف الأول من العام 2017م.  (762 ) دعوى قضائية بسبب المضايقات والتهديد وسوء النشر، وفقا لرئيس محكمة استئناف ذي قار الاتحادية القاضي محمد حيدر، الذي يوضح في تصريح لقناة الحرة إن «511 دعوى بسبب جنح ارتكبت باستخدام الهاتف النقال، و251 جنحة عبر فيسبوك».[7]

ان لھذ الوسائل سلبیات جمة تكاد تفوق إيجابياتها، وبفعل التغيرات المتسارعة وقع الشباب العربي بصورة عامة في شتات واضح في المنطلقات والأھداف، حیث أدت تلك التغيرات الى افتقاد الشباب لمقدرة التمییز الواضح والرصین بین الصواب والخطأ، مما نتج عنه  ظھور أزمات فكریة مستعصیة، كان لھا بالغ الأثر في الدفع بھم الى عنق الزجاجة والزج بھم في زوایا فكریة ضیقة، وبالتالي التمرد والثورة على قیم المجتمع وثوابته[8].

ويعد (فيسبوك) اشهرها انتشاراً على الاطلاق واكثرها شعبية. وقد اقتصرنا على الجانب السلبي فيه لبيان تأثيره على الشباب، فقد أصبح جزءا مهما من حياتهم ومعيشتهم وطرائق تفكيرهم، فهو أخرجهم من الجو العائلي الى ما يعرف الآن بالعائلة التفاعلية في العالم الافتراضي.

فيُبدون إعجابهم بهذهِ العائلة الافتراضية التي تستعرض اموراً ربما تخالف دينهم وعاداتهم والآداب التي تربّوا عليها محاولين تقليدها أو السعي لمعايشة شيء مشابه لها، معتقدين إنها حياة تلبّي طموحاتهم ويمكن تطبيقها على ارض الواقع.

وفي بعض الأحيان تتجاوز هذه الامور ليصل الى القضايا العقائدية والسياسية والاقتصادية والصحية وجميع مجالات الحياة...ألخ، وهذا ما تخطط له الدول العظمى في ظل غياب الاستعمار العسكري والتوجه بكل قوة الى الغزو الثقافي والفكري للسيطرة على عقول الشباب من خلال تلك الوسائل، فأصبحت خصوصياتهم وعاداتهم وطبيعة حياتهم ونقاط القوة والضعف مكشوفة ومعروفة لديهم.

يقول الباحث والكاتب ليث عبدالستار عيادة اللهيبي: من الخطأ ان ينظر لبعض المواقع التي تلاقي إقبال كبيرا من الجمهور كالشبكات الاجتماعية مثل اليوتيوب، الفيسبوك، تويتر، والتي تعد من اكثر محركات البحث استخداما وشهرة، على انها مجرد مواقع يستخدمها الجمهور بدافع التسلية والترفيه وقتل الوقت، إن دورها يتجاوز هذه النظرة القاصرة، ولعل استخدام الحكومات لتلك المواقع وتوظيفها لأغراض متباينة يدفع الباحثين حول العالم لمزيد من البحوث بشأنها.[9]

فالخوف من كثرة الوجود اليومي المتمركز حول الهاتف الذكي والآيباد والحاسوب المحمول قد يغير جذرياً ليس مجرد أنماط حياتنا اليومية، بل هوياتنا وحتى أفكارنا الداخلية بطرق لم يسبق لها مثيل، رواد النظريات النقدية وصفوا هذه الحياة بـ (الصناعة المزورة للواقع)[10] فلعله يمكننا التوصل الى آليات علمية وصحيحة ربما يمكنها ان تحد من هذا التأثير على الشباب في المستقبل بشأنها.[11]

------------------------------------------

[1] كيف يغير جيل الإنترنت عالمنا، دون تابسكوت، ترجمة حسام بيومي محمود،ص42.

[2] ما الدول التي يقضي سكانها أطول الأوقات على مواقع التواصل الاجتماعي؟،دراسة نشرت في موقع الـ (BBC)، بتاريخ 10/9/2019م.

[3] 21 مليون مستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي في العراق ، تقرير نشر على موقع مركز الاعلام الرقمي ، بتاريخ  6/4/2020م.

[4] نفس المصدر.

[5] تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الثقافة المجتمعية، مركز الأمارات للدراسات والبحوث ، نشر بتاريخ 26/7/2013م.

[6] وسائل التواصل الاجتماعي والمسؤولية عن إساءة استخدامها، علي كمال ، مقال نشر في موقع مجلس القضاء الاعلى، بتاريخ 3/1/2018م.

[7] 700 دعوى قضائية في محافظة عراقية واحدة بسبب الهاتف وفيسبوك!، علي قيس، مقال نشر على موقع ارفع صوتك، بتاريخ 22/9/2017م.

[8] وسائل التواصل الاجتماعي وتأثیرھا على زعزعة الأمن الفكري، أهجو رقية، مجلة الأطروحة العراقيّة، العدد الاول ص2 من الدراسة.

[9] شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيراتها الاتصالية على الأمن الفكري في المجتمع كما تراها النخب العراقية، ليث عبدالستار عيادة اللهيبي ، مجلة آداب المستنصرية ، العدد (88) ص 417.

[10] الميديا الاجتماعية: المصانع الجديدة للرأي العام، دراسة نشرت في موقع مركز الجزيرة للدراسات، بتاريخ 25/1/2017م.

[11] شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيراتها الاتصالية على الأمن الفكري في المجتمع كما تراها النخب العراقية، ليث عبدالستار عيادة اللهيبي ، مجلة آداب المستنصرية ، العدد (88) ص 417.

 

المحتويات

مقدمة | 5

الفصل الأول:

 نبذة تعريفية عن الفيسبوك وأبعاده وأدواته | 9

المبحث الأول: النشأة والإنطلاقة | 10

المبحث الثاني: من يرتاد الفيسبوك | 17

المبحث الثالث: دوافع استخدام الفيسبوك | 22

الفصل الثاني:

فهم وتحليل تأثيرات الفيسبوك المتوقعة | 32

المبحث الأول: التأثير الاجتماعي | 33

المبحث الثاني: التأثير النفسي | 48

المبحث الثالث: التأثير السياسي | 59

المبحث الرابع: التأثير الأمني | 63

المبحث الخامس: التأثير الثقافي | 67

المبحث السادس: التأثير العقلي | 88

الفصل الثالث:

المبحث الأول: الجانب القيمي الذي يطرحه الفيسبوك ومدى انسجامه مع متبنيات الحضارة الاسلامية | 94

المبحث الثاني: حالة الاغتراب والتغريب التي يعيشها الشاب العراقي بفعل الفيسبوك | 99

خاتمة وتوصيات: الآليات الفعالة للحد من تأثير الفيسبوك على الشباب | 109

المصادر | 116