العلمانية المفتوحة، قراءة نقدية لمشروع هشام جعيط

العلمانية المفتوحة، قراءة نقدية لمشروع هشام جعيط

تأليف

هاشم ميلاني

مقدمة المركز 

لقد تعرّف العالم الإسلامي العربي على الثقافة الغربيّة -بشكل مباشر- بعد هجوم نابليون عام (١٧٩٨م) بأهداف سياسيّة واقتصاديّة وعسكريّة، ومنذ ذلك الحين ـ سيما أيّام محمد علي باشا (١٧٦٩ – ١٨٤٩م) والبعثات العلميّة التي أرسلها إلى أوروبا ـ بدأ العالم الإسلامي يتعرّف على الآخر ويذعن بتفوّقه في الميادين كافة ممّا أدّى إلى إحداث روح انهزاميّة عند فريق من النخب دعت إلى التمسّك بالنموذج الغربي للتخلّص من التخلّف.

قد نشأ من هذا الاحتكاك جدل مستمرّ دام أكثر من قرنين حول الأصالة والمعاصرة أو التراث والحداثة، كما شهد هذا الجدل صعوداً وهبوطاً للأصالة تارة وللحداثة تارة اخرى، ناهيك عن المحاولات التوفيقيّة بينهما؛ حيث أصبحت المكتبة العربيّة مليئة بالمشاريع الفكريّة والمعرفيّة المختلفة حول هذا الموضوع، وما زال العمل مستمراً إلى يومنا الحاضر.

من هذا المنطلق، ووفاء للمنهج المتّبع في المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة لرسم استراتيجيّات دينيّة ومعرفيّة للحال والمستقبل، باتت الضرورة قائمة لتناول هذا الجدل من جديد وفتح ملف العرض لأهمّ المشاريع ونقدها؛ بغية تقييمها وكشف الخطأ والصواب فيها، وذلك من خلال سلسلة (رؤى نقديّة معاصرة).

في هذا الكتاب، يتناول الباحث مشروع المؤرّخ التونسي المعاصر هشام جعيط؛ حيث عدّ نفسه ضمن التيّار الإصلاحيّ، وقدّم مشروعاً إصلاحيّاً بزعمه يبتني على (العلمانيّة المفتوحة) التي تشمل علمنة الدين والفرد والمجتمع والدولة، بالاعتماد على قيم الحداثة. وهذا هو المنهج المتّبع في جميع كتبه وبحوثه المنشورة حتى أنّه قرأ القرآن والسيرة النبويّة من خلاله.

في هذه الدراسة، يقوم الباحث باستخلاص مشروع هشام جعيط من طيّات كتبه وبحوثه مع إعطاء نظرة تحليليّة نقديّة.

ونحن، إذ نقدّم هذا العمل إلى قرّائنا الكرام، نأمل أن ينال رضاهم وأن يتحفونا بآرائهم ويشاركونا لإثراء هذه السلسلة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله الميامين.

 

مباحث تمهيدية

مساق البحث:

إنّ لحظة تعرّف العالم الإسلامي على الغرب في بعده الثقافي والسياسي و التقني، أحدث صدمة لدى النخب والمثقّفين، مما أدّى إلى ظهور تيارات عدّة في كيفية التعامل مع هذا الوافد الجديد. وقد تمّ تحديد نقطة اللقاء هذه في العالم الإسلامي العربي، أبّان الغزو الفرنسي لمصر عام ١٧٩٨م على يد نابليون بونابرت، و إن كان التعرّف على الغرب في العالم الإسلامي غير العربي يسبق هذه الفترة سيّما في الهند وإيران والدولة العثمانيّة.

وقد تعدّدت أقوال الباحثين في تحديد التيّارات المتولّدة جرّاء التعرّف على الغرب، فقد قسّم تشارلز كورزمان هذه التيارات، إلى: التيّار التقليدي، تيّار إحياء الدين، والتيّار الليبرالي الإسلامي([1]).

أمّا محمد عابد الجابري، فإنه يقسّم تيارات النهضة الحديثة إلى: التيّار السلفي، التيّار الليبرالي، والتيّار التوصيفي أو التلفيقي([2]).

كما أنّها تتحوّل عند حسن حنفي، إلى: تيّار الإصلاح الديني، الفكر العلمي العلماني، والفكر السياسي الليبرالي([3]).

ومهما يكن من أمر فإنّ التيّار الحداثوي المتأثّر بالغرب، يُعدّ من أهم تلك التيّارات المستحدثة في العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، علماً أنّ لهذا التيّار تجلّيات مختلفة ومتنوعة  بتنوّع معتنقيه.

فالحداثة الأدبيّة، ظهرت على يد أمثال طه حسين والعقّاد، والحداثة الفلسفية، على يد أمثال: زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا ويوسف كرم، والحداثة في بعدها اليساري والماركسي، ظهرت عند أمثال: حسين مروة وطيب تيزيني وعلي شريعتي وحنفي، والتاريخيّة والاجتماعيّة، عند أمثال: عبد الله العروي وهشام جعيط، أمّا السياسيّة فغنية عن البيان، والقائمة تطول بذكر الساسة بدءاً من محمد علي باشا ومروراً برضا شاه وأتاتورك، وانتهاءً إلى بعض الحكّام الفعليّين في الدول الإسلاميّة.

ولا يخفى أنّ للتيار الحداثوي في العالم الإسلامي وجوداً مشكّكاً يتراوح بين الشدّة والضعف، وليس جميعهم على وتيرة واحدة، ففيهم المؤمن الملتزم بطقوسه الدينيّة والعباديّة، وفيهم الملحد المنفلت من الدين نهائيّاً، غير أنّ هؤلاء جميعاً يشتركون في لزوم التحديث الشامل للوصول إلى التقدّم والرقي، ويختلفون في كيفيّة التعامل مع التراث، سيّما الديني منه.

طبعاً، لا يخفى ما لخطاب الحداثوي من أفول في الآونة الأخيرة؛ إذ لم يتمكّن من تقديم حلول ناجحة لمشاكل المجتمع: السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة وحتى الاقتصاديّة. هذا، رغم امتلاكه أدوات الإعلام ومنصّات كثيرة. وهذا الأفول بات مشهوداً لدى الحداثيّين أنفسهم أيضاً، فمن متسائل عن سبب فشل الحرّيّة والديمقراطيّة في العالم العربي([4])، إلى مَنْ يرى انحسار نفوذ أفكار الحداثة في الحياة الثقافيّة وتجدّد دعوات الأصالة واتساع نفوذ الناطقين بها([5])، وثالث يتألّم من تأسلم الخطاب القومي السياسي([6]).

ويشير بعض الباحثين إلى حدوث نكستين ثقافيّتين في خطاب الحداثة في القرن العشرين، وضعتاه في حال التراجع والضمور والدفاع السلبي، الأولى مرتبطة بانهيار الامبراطورية العثمانيّة وسقوط الخلافة، وما رافقها من ردّة رجعيّة وميلاد لحراكات الإحيائيّة الإسلاميّة، والثانية انهيار المشروع السياسي القومي والمشروع الثقافي التحرّري الملازم له؛ حيث أدّى إلى حركة الصحوة الإسلاميّة المعاصرة، وتجدّد الخطاب الأصولي([7]). ونسي أن يذكر الانتكاسة الثالثة، وهي الصحوة الدينيّة العالميّة ورجوع الخطاب العلماني وظهور المابعديات، سيّما ما بعد العلمانية، وما بعد الحداثة.

ورغم محاولة البعض لبثّ الروح في خطاب الحداثة من جديد([8]). غير أنّ هذا صعب المنال في ظرف المتغيّرات العالميّة الكثيرة، سيّما الأزمات التي شهدها الغرب وعجز عن إعطاء حلول ناجعة، وقد ظهر عجزه عياناً في الجائحة الأخيرة وعدم قدرته على الحدّ منها.

ونحن في هذه الدراسة، نحاول أن نستقرأ خطاب الحداثة، من خلال أحد رموزها والدعاة إليها، وهو الباحث والمؤرّخ التونسي المعاصر هشام جعيط، حيث قمنا بقراءة مشروعه الإصلاحي قراءة تحليليّة نقديّة، بغية الوقوف عليها وتظهير نقاط ضعفها.

السؤال الرئيس:

ولا يخفى أنّ  كلّ دراسة حول شخصيّة معيّنة، تعتمد على استكشاف نقاط غامضة فيه، أو التعّرف على مشروعه وأسسه الفكريّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، وهذا ما يستبطن عدّة أسئلة أصليّة وفرعيّة تكون الإجابة عنها محور تلك الدراسة.

فالسؤال الرئيس الذي يطرح هنا، هو السؤال عن: ماهيّة المشروع الإصلاحي الذي يطرحه هشام جعيط للنهوض بواقع الأمة. يتفرّع من هذا السؤال أسئلة فرعيّة عن مدى نجاحه في هذا المشروع؟ وما هي المباني الفكرية والمناهج التي اعتمدها والأهداف التي رسمها؟ وكيف تعامل مع التيّارات الأخرى؟ ومن أين استقى معلوماته؟ وما هي مصادره؟

ستكوّن هذه الأسئلة المحور الرئيس لهذه الدراسة، وتُشكّل الإجابة عنها المحتوى الذي تتكوّن منه الدراسة.

أهمّيّة الموضوع:

إنّ هذه الدراسة تكتسب أهمّيّتها من دائرة أوسع، أي من أهمّيّة لزوم التعرّف على مختلف التيّارات الفكريّة في الوطن الإسلامي والعربي، للوقوف على كافّة المشاريع وتقييمها سلباً أو إيجاباً؛ للاستفادة منها في رسم خارطة طريق المستقبل، سيّما ونحن على مشارف نهاية الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.

لا يخفى، أنّ جدل التراث ـ الحداثة، الإسلام ـ الغرب، ما زال مستمرّاً على أشدّه، وقد أسال حبراً كثيراً، والتيّارات المختلفة قد تكوّنت في ظلّ هذه الجدليّة، ونحن -اليوم- إذ نشهد شبه فوضى في الوطن العربي، وإرهاصات كثيرة لانهيار المنظومة الغربيّة، كان لزاماً علينا الخوض في جهات عدّة:

الخوض في الأزمات الداخليّة ومحاولة إعطاء علاجات لها، الخوض في الأسس والمباني التي ينبغي الاعتماد عليها لتثبيت الهويّة، الخوض في التعرّف على الآخر؛ للوقوف على نقاط القوّة والضعف، وما ينبغي أخذه ممّا هو إرث بشري عامّ يتّبع المنظومة الإنسانيّة والكونيّة العالميّة، وما لابدّ من تركه ممّا هو إرث خاص يتّبع خصوصيّات كلّ منطقة. وأخيراً، الخوض في المشاريع المطروحة خلال قرنين من كتّاب ومفكّرين في العالم الإسلامي والعربي لمعالجة هذه الجدليّة؛ بهدف الاستفادة من التجارب السابقة، والحذر من الهفوات التي وقعوا فيها، ومحاولة تدارك الأخطاء استعداداً للنهوض الحضاري الجديد للعالم الإسلامي.

علماً، بأنّ النهوض الحضاري لا يحصل من فراغ، بل لابدّ من وجود خارطة طريق وخطة عمل، كما أنّ الخرائط لا ترسم من فراغ أيضاً، بل تأتي من خلال تراكم التجارب والفحص والبحث عن النجاحات والإخفاقات؛ ليتمكّن الإنسان من تقديم خطة عمل متكاملة للحال، وخارطة طريق للمستقبل.

وما يزيد الموضوع أهمّيّة، أنّ الآخر بدأ منذ فترة مبكرة في دراسة المجتمعات الإسلاميّة؛ لتطويعها ثقافيّاً وسلب هويّتها. هذا، وإن كان يخطط له سابقاً في الخفاء وتحت الكواليس وفي أروقة الاستخبارات العالميّة، فقد بات اليوم واضحاً وعياناً، وظهرت دراسات وبحوث كثيرة من قبل مراكز الفكر العالميّة حول هذا الموضوع.

وقد تكون دراسة «بناء شبكات الاعتدال الإسلامي» الصادرة من مؤسّسة «رند» من أهمّ تلك الدراسات وأخطرها([9]).

حيث يحاول الباحثون في الدراسة إعادة تجربة أوروبا مع روسيا في الحرب الباردة، من خلال زرع مؤسسات المجتمع المدني واستحداثها، ودعم التيّارات المتغربنة للإطاحة بروسيا، وتطبيق هذه الخطة من جديد في العالم الإسلامي.

ومن هذا المنطلق، وتطبيقاً لهذه الخطة وبناء الشبكات، تكرّس الدراسة جهدها على المسلمين المعتدلين «الذين يؤمنون بالأبعاد الأساسيّة للثقافة الديمقراطيّة، وتشمل دعم الممارسة الديمقراطيّة، وحقوق الإنسان المعترف بها دوليّاً، بما في ذلك المساواة بين الجنسين وحرّيّة العبادة، واحترام التنوّع، وقبول المصادر غير الطائفيّة للتشريع، ورفض الإرهاب أو أيِّ شكل آخر للعنف غير المشروع»([10]).

لذا، نراهم يركّزون على ثلاث طوائف في العالم الإسلامي لتمرير المخطط، وهم: العلمانيّون، المسلمون المعتدلون، المعتدلون التقليديّون بما فيهم المتصوّفة([11]).

كما ينصّ التقرير على أهمّيّة تحديد القطاعات الاجتماعيّة التي تشكّل لبنات الشبكات الاعتداليّة في العالم الإسلامي، وهذه القطاعات هي:

ـ الأكاديميّون والمفكّرون المسلمون العلمانيّون والليبراليّون.

ـ علماء الدين الشبّان المتديّنون المعتدلون.

ـ نشطاء المجتمع المحلي.

ـ المجموعات النسائيّة المنخرطة في حملات المساواة بين الجنسين.

ـ الصحافيّون والكتّاب المعتدلون.

ثمّ يقول التقرير بنصٍّ صريح لا لبس فيه: «وينبغي أن تكفل الولايات المتّحدة المنابر، وتسلّط الضوء على هؤلاء الأفراد، وعلى سبيل المثال: ينبغي أن يضمن مسؤولو الولايات المتّحدة إشراك أعضاء من تلك المجموعات في زيارات دراسيّة، وتعريفهم -بشكل أفضل- على السياسات، والمساعدة على استمرار دعم الولايات المتّحدة ومواردها لجهود الدبلوماسيّة العلنيّة»([12]).

وبعد هذا السرد الموجز لمخططات الآخر، بانت الضرورة محتّمة للاهتمام بالتيّار الحداثوي في العالم الإسلامي؛ إذ أصبح منفذاً سهلاً للتغريب واستلاب الهويّة.

ولهذا المنطلق، تطرّق الباحث إلى مشروع هشام جعيط الذي يمتاز بالبعد التاريخي والاجتماعي والانتروبولوجي، ويحاول أن يقارب الفلسفة أيضاً، وهذا ما يعطي طابعاً مميّزاً لمشروعه، ناهيك عن أنّه يحاول أن يبني مشروعه -وخلافاً لباقي الحداثويين- على نقطة محوريّة تتبلور في استمراريّة الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة، أي إنّ مشروعه يقوم على دعامتين: العروبة والإسلام، وهو مشروع فريد في نوعه يستحقّ الاهتمام والدراسة مع قطع النظر عن النتيجة التي يتوصّل إليها هشام جعيط، وسنقف على ذلك لاحقاً.

الدراسات السابقة:

رغم كثرة الدراسات والبحوث والكتب والمجلّات المنشورة في العالم الإسلامي، حول مسألة الأصالة والحداثة، ورغم كثرة الكتّاب والباحثين في هذا المجال، لم يقف الباحث على مشروع متكامل يتعاطى الخطاب الحداثوي بالتحليل والنقد الموضوعي، فضلاً عن تناول كلّ مفكّر من مفكّري هذا التيّار على حدة.

وبخصوص مؤرّخنا التونسي هشام جعيط، لم يعثر الباحث على كتاب أو بحث يتناول مشروعه الفكري بالنقد والتحليل. نعم، توجد بعض الدراسات القليلة التي تناولت جانباً واحداً من مشروعه دون التوغّل في جميعه. ولذا، انبرى الباحث لتخصيص دراسته هذه لتناول مشروع جعيط من جميع أطرافه.

المنهجيّة:

يُعدّ المنهج من أهمّ الوسائل التي يعتمدها الباحث للوصول إلى النتائج، فهو خارطة طريق البحث؛ حيث يحدّد المسارات العامّة المتّبعة في كلّ بحث، وعلى ضوئه يمكن مناقشة البحوث والدراسات.

وقد تعدّدت المناهج المستخدمة في الدراسات الإسلاميّة وغير الإسلاميّة، كالمنهج التحليلي، والتاريخي، والتأويلي والفينومينولوجي، والفيولوجي، والبنيوي وغيرها من المناهج الكثيرة الأخرى، ومعظمها مستوردة من الغرب قد استخدمت في العالم الإسلامي لنقد التراث ونقد الدين.

وقد أشكل بعض الباحثين على هذه التبعيّة العمياء من قبل حداثويي العالم الإسلامي، بأنّهم  في تقليدهم هذا ظنّوا أنّها مطلقة وصائبة لا يطرأ إليها الشك؛ لأنّها حديثة، كما أنّهم أخطؤوا -أيضاً- في ضبط أصول هذه المناهج، فلم يتقنوها، بل نقلوها هكذا إلى غير أصولها([13]).

وبسبب هذه الأمور؛ نرى فوضى منهجيّة في كتابات أكثر العلمانيّين والحداثويّين، توقعهم في تناقضات وهفوات كثيرة، وتفادياً لهذه الحالة؛ آثرنا أن نعتمد «المنهجيّة التأسيسيّة» في بحثنا هذا، لدراسة مشروع المؤرّخ التونسي هشام جعيط.

و«المنهجيّة التأسيسيّة» هذه هي التي تعتمد في دراسة الآراء والمعتقدات على الغور في الخلفيّات والمباني المعرفيّة، من قبيل: المباني الانطولوجيّة، والابستمولوجيّة، والأنثروبولوجية وغيرها من العلوم التي تكوّن قوام النظريّة، وكذلك دور الخلفيّات غير المعرفيّة، من قبيل: الأسرة والبيئة والثقافة والسياسة وغيرها.

فالمنهجيّة التأسيسيّة تعتمد على قانون: «أنّ كلّ نظريّة في طريق تكوّنها التاريخي وتشكّلها تستمدّ من المباني والخلفيّات المعرفية، وكذلك الخلفيّات غير المعرفيّة»([14]).

كما أنّ «تحقق الخلفيّات المعرفيّة التي تشتمل على: المبادئ، المنهجيّة التأسيسيّة، التيّارات والمكاتب، شرط لازم لتكوّن المفاهيم، والبنية المعرفيّة للنظريّات والآراء»([15]).

وعليه، سنقوم في الفصل القادم بدراسة هذه الخلفيّات المعرفيّة وغير المعرفيّة؛ لدراسة مشروع هشام جعيط الإصلاحي، ولنرى مقوّمات عمله ومدى تأثيرها على مسار فكره وعمله.

وننوّه أنّنا لم نستعن «بالمنهجيّة التأسيسيّة» بجميع أسسها ومبانيها الفلسفيّة المعتمدة على فلسفة صدر المتألهين؛ إذ ذلك بحاجة إلى معرفة القارئ والباحث بتلك الفلسفة تفصيلاً، وهذا -ربّما- يتعذّر على أكثر القرّاء العرب في العالم الإسلامي. لذا، آثرنا أن نستعين ببعض مقوّمات هذه المنهجيّة التي تعيننا في التعرّف على آراء هشام جعيط والبحث عن أسبابها وعوامل تكوّنها، فهو التمسّك الأقلوي بهذه المنهجيّة، أمام التمسّك الأكثري.

من هو هشام جعيط؟:

ولد هشام جعيط في ٦ ديسمبر عام ١٩٣٥م في تونس العاصمة من أسرة دينيّة عريقة، حيث كان أبوه شيخاً في الزيتونة، كما كان أعمامه مشايخ أيضاً.

دخل هشام في سنّ الخامسة من عمره مدرسة الصادقيّة، التي كانت تمزج بين تدريس اللغة العربيّة والفرنسيّة، وفي سنّ ١٨ أصبح مضطلعاً باللغة العربيّة، وعندما بلغ العشرين من عمره أصبح مولعاً بكلّ ما هو فكري وعلمي، فبدأ بقراءة كتب طه حسين والعقّاد وأحمد أمين، كما اهتمّ بكتب الفلاسفة الفرنسيّين وتشبّع بالأدب الفرنسي وثقافته.

ثمّ هاجر إلى فرنسا؛ لتدهور الوضع السياسي في تونس، وأكمل دراسته في جامعة سوربون في التاريخ الإسلامي، وتوسّعت هناك آفاقه المعرفيّة، وبعد رجوعه من فرنسا بدأ بالتدريس في تونس، وقد كوّن لنفسه -جرّاء المطالعات الكثيرة- ثقافة عامّة بالعلوم الإنسانيّة، كالتحليل النفسي، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، وتاريخ الأديان، والدراسات الإسلاميّة، وقد أثّرت جميع هذه العلوم والمعارف في مساره العلمي والبحثي.

وقد عاش هشام جعيط -جرّاء ذلك- تناقضاً داخليّاً، حيث ينتمي إلى الإسلام كهويّة ودين من جهة، وينتمي إلى الثقافة الغربيّة من جهة ثانية، فتراه يتردّد بين هاتين الهويّتين، فتارة ينحاز إلى الأولى، وأخرى إلى الثانية، وكلّما تقدّم في العمر ابتعد عن الأولى، وهذا ما يصرح به هو، وسيأتي لاحقاً في الفصل القادم.

لذا، يمكننا تصنيف هشام جعيط ضمن مرحلتين: مرحلة الشباب، حيث كان أقرب إلى الهويّة الدينيّة؛ حيث كان يدعو إلى الالتزام التامّ بالطقوس الدينيّة، ويرى لزوم الحفاظ عليها، كما كان يدعو إلى نوع من الخلافة الإسلاميّة الروحانيّة([16]). وإلى مرحلة النضج حيث يتبلور ذلك، سيّما في كتابه الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة، مع محاولة دمج الإسلام والعروبة، وإن لم يكن موفّقاً في دمجه هذا؛ إذ الانحياز إلى الهويّة العلمانيّة والحداثويّة صارخة فيه، كما سيأتي.

وقد خلّف لنا هشام جعيط مجموعة كتب و مئات البحوث والدراسات، من أهم كتبه:

ـ ثلاثيّته في السيرة النبويّة.

ـ أزمة  الثقافة الإسلاميّة.

ـ أوروبا والإسلام صدام الثقافة والحداثة.

ـ الفتنة جدليّة الدين والسياسة في الإسلام المبكر.

ـ نشأة المدينة العربيّة الإسلاميّة الكوفة.

ـ الشخصيّة العربيّة الإسلاميّة والمصير العربي.

ـ تأسيس الغرب الإسلامي.

مميّزات هذا البحث:

يمتاز هذا البحث بإلقاء نظرة شموليّة لمشروع هشام جعيط، ومسح كامل لجميع كتبه ومؤلّفاته وأهمّ بحوثه المطبوعة في المجلّات، مع القيام بتلخيص أهمّ آرائه و نظريّاته، ثمّ تحليلها ونقدها من حيث المباني والمحتوى.

فالنظرة الشموليّة زائداً التحليل والنقد، تعدّان من أبرز سمات هذا البحث، مع التنويه إلى أنّ النقد جاء على نحوين، النحو الأول: هو نقد المحتوى والمنهج في طيّات الدراسة وبشكل مزجي، حيث قام الباحث أوّلاً بشرح كلّ موضوع من المواضيع المهمّة التي تطرّق إليها هشام جعيط، ثمّ القيام بالنقد مباشرة وعدم الاكتفاء بالنقد في نهاية كل فصل.

السبب في ذلك: أنّ آراء هشام جعيط ونظريّاته ربّما تطول في بعض المباحث. وعليه، فترك النقد المباشر والاكتفاء بنهاية كلّ فصل ربّما يفوّت الفرصة على القارئ للاطلاع على ما في هذا الموضوع أو المبحث من هفوات، كما ربّما يترك القارئ نهاية الفصل ويكتفي بقراءة الآراء فيقع في شبهات معرفيّة عقديّة.

لذا، وتفادياً لهذه المشكلة، قام الباحث بالنقد المباشر بعد كلّ موضوع، نقداً محتوائيّاً ومنهجيّاً، تاركاً النقد المبنائي إلى نهاية الكتاب وفي الخاتمة، إذ المباني التي يعتمد عليها هشام جعيط في مشروعه لم تكن كثيرة، وإعادة نقدها في كلّ فصل يوجب التكرار المخلّ، لذا خصّصنا الخاتمة للنقود المبنائيّة على مشروع هشام جعيط. 

هيكليّة البحث:

تمّ تدوين هذا البحث في مقدّمة وخمسة فصول وخاتمة. تطرق الباحث في المقدّمة  إلى المباحث التمهيديّة والكلّيّات المشتملة على مسوّغات العمل وضرورته وأهمّيّته والمنهج المتّبع.

والفصل الأول، تمّ تخصيصه لشرح المنهجيّة التأسيسيّة المتّبعة في دراسة مشروع هشام جعيط من حيث دراسة الخلفيّات المعرفيّة وغير المعرفيّة التي صاغت المشروع.

أمّا الفصل الثاني، فيتطرّق إلى موقف جعيط من القرآن ضمن ثلاثة مباحث، المبحث الأول: يتعلّق بموقفه العامّ حول أصل القرآن وإثبات وحيانيّته، المبحث الثاني: يتعلّق بتحليل ما ذهب إليه من التأثيرات المسيحيّة على القرآن ونقدها، والمبحث الثالث: خُصّص لبعض المفاهيم المتعلّقة بعلوم القرآن، من قبيل: قدم القرآن، وإعجاز القرآن ومسألة التحريف وغيرها.

الفصل الثالث، يبحث عن السيرة النبويّة كما قدّمها جعيط، وذلك ضمن أربعة مباحث، المبحث الأول: يتعلّق بالموقف العامّ من السيرة والمصادر المعتمدة، المبحث الثاني: خُصّص للعصر الجاهلي، والمبحث الثالث والرابع: لدراسة السيرة في الفترتين المكّيّة والمدينيّة.

أما الفصل الرابع، فيتعلّق بدراسة مشروع جعيط التجديدي ضمن مبحثين، المبحث الأول: دراسة الإطار النظري لمشروعه، والمبحث الثاني: يتناول الجانب العملي والتطبيقي.

 أما الفصل الخامس والأخير، فيتعلّق بموقف جعيط من الغرب، وذلك ضمن مبحثين، المبحث الأول: حول علاقة الإسلام والغرب، والمبحث الثاني: الموقف من الاستشراق.

أما الخاتمة، فهي حصيلة البحث مع تقديم توصيات من قبل الباحث، والتطرّق إلى النقود المبنائيّة العامّة.

 وفي الختام، لا يسعني إلّا أن أتقدّم بالشكر والتقدير لكلّ من ساعدني في إنجاز هذا العمل.

-----------------------------

[1]. الإسلام الليبرالي: ٢٢-٢٥.

[2]. التجديد لا يمكن أن يتمّ إلّا من داخل تراثنا، حوار مع الجابري/ مجلة المستقبل العربي ٢٨٧، عام ٢٠٠٢، ص٣٠.

[3]. مدارس التجديد والإصلاح، ضمن كتاب: اتجاهات التجديد والإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث، ٧٩، ١.

[4]. عزيز الحدادي، نهاية الفكر العربي:٢٨.

[5]. عبد الإله بلقزيز، من الإصلاح إلى النهضة:٩.

[6]. سهيل الحبيب، خطاب النقد الثقافي:١٥.

[7]. عبد الإله بلقزيز، من الإصىلاح إلى النهضة:٤٣، ٤٧، ٨٥؛ وأيضاً: من النهضة إلى الحداثة:٤٢ فما بعد.

[8]. راجع للمزيد: تجديد خطاب الحداثة عبد الله بلقزيز أنموذجاً، هاشم الميلاني، مجلة العقيدة ١٦، عام ٢٠١٨، ص ٢٢٣.

[9]. للمزيد عن المؤسّسة ونتاجها، راجع: مؤسّسة راند والعالم الإسلامي، نقد ومناقشة جهاد سعد.

[10]. بناء شبكات الاعتدال الإسلامي: ١٠٨.

[11]. بناء شبكات الاعتدال الإسلامي: ١١٣.

[12]. م ن:١٩٥.

[13]. تجديد المنهج، طه عبد الرحمن: ١٠.

[14]. نظر يه وفرهنك، حميد بارسانيا:٧ مجلة: راهبرد فرهنك.

[15]. روش شناسي انتقادي حكمت صدرائي، حميد بارسانيا:٥٤.

[16]. انظر: مع أستاذ هشام جعيط، موقفي من الطقوس الدينيّة، مجلّة الإذاعة، تونس، عدد ١٦٧،

٢١/٢/١٩٦٦م، ص٢٤-٢٥، رقم الأرشيف: الصحيفة ٢٤٠٠٢١-٨-A.