فهرس المحتويات

مقدِّمة المركز | 5

مقدِّمة المؤلّف | 7

الفصل الأوّل: العبور الأبستيمي لمفهوم الإتيقا | 11

أوّلًا: الإتيقا والأخلاق: تأصيل المفهوم | 12

ثانيًا: الأخلاق والدين | 16

ثالثًا: الإتيقا والسياسة | 18

رابعًا: الإتيقا والجمال/ الاستيطيقا | 21

خامسًا: الإتيقا والبيوإتيقا | 22

سادسًا: أخلاقيّات التنمية | 24

سابعًا: أخلاقيّات البيئة | 29

ثامنًا: أخلاقيّات الطبّ | 32

تاسعًا: الإتيقا والثقافة | 35

عاشرًا: الإتيقا والتقنيّة | 37

الحادي عشر: أخلاقيّات العلاقات الدوليّةر40

الفصل الثاني: التاريخ النقدي لمصطلح الإتيقا | 45

أوّلًا: اللحظة الأرسطيّة | 47

ثانيًا: اللحظة الهيغيليّة | 49

ثالثًا: لحظة اسبينوزا | 53

رابعًا: اللحظة الكانطيّة | 55

خامسًا: لحظة فيتجنشتين | 56

سادسًا: المنعطف الإتيقي والديمقراطيّة | 58

سابعًا: اللحظة ما بعد الحداثيّة للإتيقا | 65

الفصل الثالث: الاتجاهات الفلسفيّة المعاصرة لمفهوم الإتيقا | 69

أوّلًا: الفلسفة السياسيّة كمقاربة لأزمة القيم المعاصرة | 70

ثانيًا: الإتيقا الأصليّة لدى مارتن هايدغر | 72

ثالثًا: إتيقا المسؤوليّة عند هانس جوناس | 74

رابعًا: إتيقا العدالة لدى جون راولز | 76

خامسًا: إتيقا المناقشة والحوار عند يورغن هابرماس وكارل أتو آبل | 77

سادسًا: إتيقا الغيريّة عند إيمانويل ليفيناس | 81

سابعًا: إتيقا الذات الريكوريّة | 83

ثامنًا: الإتيقا النسويّة | 84

تاسعًا: إتيقا الإعلام عند ريجيس دوبريه | 87

عاشرًا: الجدل الإتيقي: بين النسبويّة السياقيّة والكونيّة العالميّة | 91

الحادي عشر: مناقشة النظريّات الأخلاقيّة المعاصرة | 94

الفصل الرابع: نقد الأخلاقيات التطبيقيّة ـ نحو ما بعد الإتيقا ـ | 107

أوّلًا: المرتكزات الأساسيّة للأخلاقيّات التطبيقيّة | 108

ثانيًا: عدم تماسك مصطلح «تطبيقيّة» | 111

ثالثًا: الترابط المعقد بين الحقوقي الإنساني والتقني العلمي | 116

رابعًا: نقد الأساس النفعي للبيوإتيقا ومسألة العدالة | 119

خامسًا: تداخل الإتيقي والسياسي | 120

الفصل الخامس: الأخلاقيّات الإسلاميّة بديل معرفيّ | 123

أوّلًا: الأخلاق الإسلاميّة: النطاق والمبادئ | 124

ثانيًا: الأخلاقيّات الإسلاميّة والراهن اليومي | 133

ثالثًا: المحاولات الجادّة في الفضاء الإتيقي الإسلامي | 135

رابعًا: سياسة التراحم الجديدة: إنسانيّة محدودة | 145

 خاتمة | 148

المصادر والمراجع | 150

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة الإتيقا نقد المفهوم وتحولاته في العلوم الإنسانية والاجتماعية الغربية د. محمد أمين بن جيلالي
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدِّمة المركز5

مقدِّمة المؤلّف7

الفصل الأوّل: العبور الأبستيمي لمفهوم الإتيقا11

أوّلًا: الإتيقا والأخلاق: تأصيل المفهوم12

ثانيًا: الأخلاق والدين16

ثالثًا: الإتيقا والسياسة18

رابعًا: الإتيقا والجمال/ الاستيطيقا21

خامسًا: الإتيقا والبيوإتيقا22

سادسًا: أخلاقيّات التنمية24

سابعًا: أخلاقيّات البيئة29

ثامنًا: أخلاقيّات الطبّ32

تاسعًا: الإتيقا والثقافة35

عاشرًا: الإتيقا والتقنيّة37

الحادي عشر: أخلاقيّات العلاقات الدوليّة40

الفصل الثاني: التاريخ النقدي لمصطلح الإتيقا45

أوّلًا: اللحظة الأرسطيّة47

ثانيًا: اللحظة الهيغيليّة49

ثالثًا: لحظة اسبينوزا53

رابعًا: اللحظة الكانطيّة55

خامسًا: لحظة فيتجنشتين56

سادسًا: المنعطف الإتيقي والديمقراطيّة58

سابعًا: اللحظة ما بعد الحداثيّة للإتيقا65

(3)

الفهرس

الفصل الثالث: الاتجاهات الفلسفيّة المعاصرة لمفهوم الإتيقا 69

أوّلًا: الفلسفة السياسيّة كمقاربة لأزمة القيم المعاصرة 70

ثانيًا: الإتيقا الأصليّة لدى مارتن هايدغر72

ثالثًا: إتيقا المسؤوليّة عند هانس جوناس74

رابعًا: إتيقا العدالة لدى جون راولز76

خامسًا: إتيقا المناقشة والحوار عند

يورغن هابرماس وكارل أتو آبل77

سادسًا: إتيقا الغيريّة عند إيمانويل ليفيناس81

سابعًا: إتيقا الذات الريكوريّة83

ثامنًا: الإتيقا النسويّة84

تاسعًا: إتيقا الإعلام عند ريجيس دوبريه87

عاشرًا: الجدل الإتيقي: بين

النسبويّة السياقيّة والكونيّة العالميّة91

الحادي عشر: مناقشة النظريّات الأخلاقيّة المعاصرة94

الفصل الرابع: نقد الأخلاقيات التطبيقيّة ـ نحو ما بعد الإتيقا 107

أوّلًا: المرتكزات الأساسيّة للأخلاقيّات التطبيقيّة108

ثانيًا: عدم تماسك مصطلح «تطبيقيّة»111

ثالثًا: الترابط المعقد بين الحقوقي الإنساني والتقني العلمي116

رابعًا: نقد الأساس النفعي للبيوإتيقا ومسألة العدالة119

خامسًا: تداخل الإتيقي والسياسي120

الفصل الخامس: الأخلاقيّات الإسلاميّة بديل معرفيّ123

أوّلًا: الأخلاق الإسلاميّة: النطاق والمبادئ124

ثانيًا: الأخلاقيّات الإسلاميّة والراهن اليومي133

ثالثًا: المحاولات الجادّة في الفضاء الإتيقي الإسلامي135

رابعًا: سياسة التراحم الجديدة: إنسانيّة محدودة145

خاتمة148

المصادر والمراجع150

(4)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانيّة؛ ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أوّلًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانيّة وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيّما وأنّ كثيرًا من الإشكاليّات المعرفيّة ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.

(5)

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلاميّة، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكريّة بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

* * *

في هذه الحلقة من سلسلة المفاهيم، نقرأ دراسة حول مفهوم "الإتيقا"؛ للباحث الجزائري الدكتور محمد أمين بن جيلالي.

يتناول فيها تعريف المصطلح في مصدره اللغوي والاصطلاحي، فضلًا عن ظروف نشأته في الفكر الغربي ودوافعه وفي تجارب الحداثة على وجه الخصوص. كما يتطرّق إلى أبرز الإشكاليّات التي يثيرها المصطلح عبر مراحل استعمالاته في الغرب مع التركيز على نقد الأفكار المتاخمة له في مجال الأخلاق والعلوم الإنسانيّة ومدى ارتباطها بها. وفي ختام دراسته يقوم الباحث بإجراء مقاربة نقديّة للمفهوم انطلاقًا من اختباراته في الفكر الغربي الحديث.

والحمد لله رب العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

(6)

مقدمة المؤلف

تنطلق هذه الدراسة المفهوميّة والنقديّة للإتيقا من فرضيّة أنّ الامتداد النظري لهذا المصطلح جاء نتيجةَ توسّع مفهومه حسب التمدّد التاريخي والسياقي والجغرافي الذي عرفته الأخلاقيّات المعاصرة بمدارسها وتيّاراتها وروّادها، وكذلك نتيجة تشكُّل المفهوم من بيئته الغربيّة وتغيُّره بحافز الارتحال إلى تداوليّاته المصطلحيّة خارج الفضاء الغربي. الأمر الذي أكسب المفهوم (الإتيقا) حمولة ابستيميّة وكثافة انطولوجيّة جعلته يحوز على صلاحيّةٍ سجاليّةٍ تمكّنه من مناقشة مسائل مُوسّعة ذات علاقة، كالغيريّة والأخلاق والوجود والسياسة والسلطة والمعرفة والبيوايتيقا، الخ. ولعلّ من أبرز العوامل التي جعلت الإتيقا تتبدّى في حلّتها التعدّديّة من الناحية النظريّة هو تغيُّر ظواهر العلم وتطوُّرها في سياقاتها الواقعيّة ومحتوياتها المعرفيّة.

كان تأثير تبدّل مناهج التفكير العلمي وتغيّرها على الأفكار الخُلقيّة واضحًا. حيث تعدّدت الغايات ومعاني الخير، وتحوّلت القواعد الخلقيّة إلى مبادئ، وتعدّلت هذه المبادئ إلى مناهج للفهم والإدراك، حين بدأت عمليّة ظهور النظريّة الخُلقيّة عند الشعب اليوناني كمحاولةٍ لإيجاد قواعد للسلوك في الحياة تستند على أسس عقليّة بدلًا من استنتاجها من العادة، كان "العقل" باعتباره بديلًا "للعادة" مُلزماً بأنْ يقدّم مجموعةً من الموضوعات والقوانين الثابتة

(7)

والمحدّدة تُشبه تلك الموضوعات والقوانين التي كانت العادة تمدُّ بها الحياة الخُلقيّة، وباتت النظريّة الخُلقيّة منذ ذلك الوقت تتصوّر أنّ عملها الرئيسي يتمثّل في اكتشاف "غاية" نهائيّة أو خير أعلى أو قانون نهائي. كان البحث عن هذه الغاية النهائيّة يمثّل العامل المشترك بين النظريّات الخلقيّة كلّها مهما كانت درجة اختلافها [...]. وجد بعضها المبدأ الأعلى في الإرادة الإلهيّة، وإرادة الحاكم في الدولة، وفي المؤسّسات والنظم التي تجسّد الهدف الأعلى، وفي الوعي العقلي بمبدأ الواجب، واختلفوا فيما بينهم؛ بسبب اتفاقهم على مبدأ واحد، أي مصدر واحد نهائي للقانون. أكّدت بعض النظريّات الأخرى على استحالة حصر الأخلاقيّة وربطها بقدرة واهية للقانون، ويجب البحث عن الأخلاق في الغايات النبيلة والأشياء الخيّرة. فربط بعضهم الخير "بتحقيق الذات"، وبعضهم "بالطهارة"، وبعضهم "بالسعادة". وبالتالي، اتفقت هذه المدارس الفلسفيّة كلّها على وجود خير واحد نهائيّ ومحدّد. وكان ارتباطهم بهذا الهدف الواحد وانطلاقهم من مقدّمة واحدة سبباً في الخلافات التي تظهر بينهم[1].

ظهر مصطلح الإتيقا كردّ فعل على التباين في الأسس الأخلاقيّة للمدارس الفلسفيّة. من هنا، جاءت الدعوة إلى تحقيق المعنى في المصطلح؛ من خلال اختلاف الرؤى الفكريّة والأبعاد العمليّة للفكرة الواحدة حول الأخلاقيّات المعاصرة. كان لا بدّ من البحث

(8)

عن تموّجات المصطلح داخل البُنى المجتمعيّة والحضاريّة المختلفة؛ تطويرًا لمنظومة متكيّفة مع سلوكيّات الفرد في كلّ حضارة أو دولة أو أمّة. على هذا الأساس، برزت اجتهادات فكريّة حول بناء هذا المصطلح معرفيًّا ومنهجيًّا، انطلاقًا من البراديغم الغربي الذي ربَط محور الاشتغال بالمسؤوليّة والرعاية والعدالة والتنمية والذات والغيريّة والاحتجاج والمناقشة، إلخ. في المقابل، تنطلق الأخلاقيّات الإسلاميّة كبديل معرفي من الخير والتقوى والصلاح مع انفتاح كبير لمفكّرين إسلاميّين ومراكز بحث إسلاميّة على الدراسات العالميّة للإتيقا.

تنحصر إشكاليّة هذا البحث ضمن تقصّي التغيّر الاتيمولوجي والابستيمولوجي لمصطلح الإتيقا عبر مراحله الفكريّة البارزة، ومقارنة محتوياته ضمن التقليد الغربي والإسلامي المعاصر. مع التركيز على نقد الأفكار المتاخمة له من الظواهر الأخلاقيّة، وتوضيح مدى ارتباط المصطلح بمختلف العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة. كما يمكن من خلال هذا البحث قياس درجة صلاحية استخدامه في سياق الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة، خاصّة في ظلّ اتصال المنعطف الإتيقي باللحظة الديمقراطيّة التي شكّلت فارقاً في خلق حقول معرفيّة جديدة تعبّر عن الإتيقا من خلال العلم، مثل: أخلاقيّات الطبّ، أخلاقيّات التنمية، إلخ.

(9)
(10)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأوّل

العبور الأبستيمي لمفهوم الإتيقا

(11)

أوّلًا: الإتيقا والأخلاق: تأصيل المفهوم

ما الإتيقا؟ لمَ الإتيقا وليس الأخلاق وهو اللفظ السائد في اللسان العربي اصطلاحًا واستعمالًا[1]؟ سؤال ماهوي وجيه يُحيلنا للبحث عن جذر التفريق بين الحقلين.

بالفعل، فإنّ مجال الإتيقا يختلف عن مجال الأخلاق: الأخلاق عبارة عن نظريّة تدرس السلوك الإنساني كسلوك محدّد بالواجب، ويهدف إلى فعل الخير، وبعبارة أخرى: إنّها تمثّل مجموعة المبادئ التي تحدّد الأحكام والسلوكيّات التي تُفرض على السلوك الفردي أو الجماعي وتكون مبنيّة على الإلزام الخيري. إنّها تعبّر عن مجموعة من القواعد تُحترم في أغلب الأحيان بطريقة عفويّة كعادات حسنة. وبهذا، فإنّ تطبيقاتها لا تُثير عادةً أيَّ تفكير نظري نقدي بإمكانه أن يُعيد النظر في هذه القواعد بطريقة جذريّة. أمّا الإتيقا، وبالضبط: «التفكير، التحليل، النقاش والتقييم الإتيقي، فإنّها تعود إلى مستوى «الميتا» الذي يتمثّل في إعادة النظر في الأخلاق القائمة [...]. إنّ الإتيقا تتطلّب مستوى ميتا-أخلاقي في التفكير النقدي الذي كان نتيجةً للأسئلة المطروحة (مثلًا: الروائز والبصمات الوراثيّة)، أو تعدّد الأجوبة الأخلاقيّة المتوفّرة (مثل: الآراء المختلفة حول وضعيّة الجنين). وهكذا، فإنّ الأخلاق تكتفي بدراسة ما هو قائم من قواعد السلوك الإنساني الذي يقصد فعل الخير، أمّا الإتيقا، فلا تكتفي بهذا، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، إلى دراسة المبادئ الأوّلى التي تقوم عليها الأخلاق القائمة. مجال بحث الأخلاق يختلف إذن عن مجال بحث الإتيقا، الأوّلى تبحث عمّا هو سائد وصالح من زاوية

(12)

تحقيق خير الفرد، أمّا الثانية فتبحث عمّا ينبغي أن يسود من زاوية تحقيق خير الجماعة في الاستعمالات البيوطبية والبيوتكنولوجيّة حتى وإن كانت نقطة انطلاقتها الفرد[1].

إذن، تعتبر الإتيقا هي المرجعيّة المعياريّة التي تقف وراء الأخلاق وتقوم بوظيفة توجيهها نحو السلوك السديد. فهي بمثابة «الباروماتر» الذي يقيس درجة حرارة الأخلاق، وتشخيصها إن كانت السلوكيّات التي تفرزها في الواقع العملي باتولوجيّة أم صحّيّة.

من جهة أخرى، لقد تمّ التمييز بين الأخلاق Morale وعلم الأخلاق Ethique، ذلك أنّ مدار الأخلاق هو معرفة الفضائل قصد التحلّي بها تزكيةً للنفس وابتعاداً عن الرذائل، وهو ما جعل الأفعال والممارسات المجال الرئيس للأخلاق. في المقابل، فإنّ علم الأخلاق يروم البحث في أحكام القيم والمبادئ الأخلاقيّة. بهذا المعنى، فإنّ الموضوع الأساسي لعلم الأخلاق هو تقدير الأفعال الإنسانيّة تمييزاً للحسن والسيء، وهو ما يجعل علم الأخلاق موصولاً بالأحكام التقويميّة[2].

 في سياق ما بعد الحداثة، انقسمت الأخلاقيّات عمومًا إلى ثلاث فئات رئيسيّة، كلّ فئة من هذه الفئات تتعامل مع جانب مختلف من الأخلاقيّات.

(13)

1 - الميتا-إتيقا (Meta ethics): هي أقرب محاولة لفهم الافتراضات الميتافيزيقيّة والابستمولوجيّة والدلاليّة والنفسيّة لادّعاءات التفكير الأخلاقي الحديث وممارساته. إنّها العلاقة بين المعتقدات وأسباب العمل والدوافع الإنسانيّة، وقد توفّر لنا أسبابًا للقيام بها أو الامتناع عن فعلها.

2 - الأخلاقيّات المعيارية (Normative ethics): تتضمّن تفسيرًا لكلمة المعياريّة على أنّها اشتقاق للفظ «القاعدة». في سياقها الفلسفي الخالص، تمثّل القاعدة -عمومًا- معيارًا أو مبدأً، في مقابل ما هو «طبيعي» يفعله الناس، على عكس ما يفعلونه حقًّا. ترتبط الأخلاق المعياريّة بالأعراف الأخلاقيّة التي يلتزم بها الفاعلون الأخلاقيّون.

3 - الأخلاقيّات التطبيقيّة (Applied ethics): تتعامل مع الأخلاقيّات -على وجه التحديد- باعتبارها حقلًا عمليًّا يؤثّر على السلوك البشري، في حين أنّ «السلوك» هو اعتراف جماعي للأعمال التطوّعيّة. يمكن اعتباره أيّ إجراءٍ يقوم به كائن يُعيد تحديد علاقته ببيئته؛ من ناحية أخرى، يوفّر السلوك مخرجات من الكائن الحي إلى البيئة[1].

لقد أفرز تعدّد الأصول في البحث الإتيقي المعاصر تفريعاً لفصول فكريّة مختلفة ناتجة عن سجالات حول فهم الفرق الجذري

(14)

بين الإتيقا والأخلاق.

هناك اختلافات في فهم الإتيقا والأخلاق. يأتي الفرق بشكل رئيسي من الأسس التي تدّعي هاتان الفئتان من خلالها معانيهما الجوهريّة، أي من مصدر خارجي، وهو الكتاب المقدّس في حالة الأخلاق، مقابل تجربة امبريقيّة على مرّ القرون في حالة الإتيقا. «الإتيقا هي الفرق بين الأخلاق والشرعيّة. الإتيقا هي الفرق بين ما يجب أن أفعله وما يتطلّبه القانون الذي يجب أن أفعله». هناك مسألة أخرى يتمّ التفكير فيها من منظور الفكر السياسي، وتتعلّق بالاختلافات بين الإتيقا والأخلاق، وهي العلاقة بين المصادر الأخلاقيّة للقيم في الثقافات المختلفة ونمط المؤسّسات التي تُعتبر مُثلى لتوفير منصّة واقعيّة لتجسيد مثل هذه الدوافع الأخلاقيّة. إنّ الفهم الغربي للأخلاق، الذي تمّ تطويره في سياق ديني، يأتي من «التقاليد اليهوديّة المسيحيّة». إنّ المصادر العمليّة للتفكير الأخلاقي في هذا التقليد هي النصوص الرئيسيّة للكتب المقدّسة اليهوديّة والمسيحيّة؛ حيث ينبع الالتزام الأخلاقي من وصايا الله. هناك أيضًا أسئلة تتعلّق بالعلاقات بين القواعد الأخلاقيّة والمعايير الأخلاقيّة الحاليّة، والتي تُعدّ أساسًا لاتّخاذ قرارات محدّدة في الحياة. فالسؤال الرئيسي أيضًا، هو: ما إذا كانت الأعراف الأخلاقيّة تعمل في مجال القانون والفقه؟[1].

من هنا، يمكن القول: إنّ هناك تداخلًا بين الأخلاق والإتيقا والدين من حيث المخارج الوظيفيّة والتداوليّة لاستخدام هذه

(15)

المصطلحات. أعتقد أنّ الدين يُمكنه أن يستوعب هذا الاختلاف؛ لأنّه يجمع بين المبادئ الكبرى والسلوكيّات العمليّة في قالب إرشادي تحدّده النصوص المقدّسة التي تحثُّ على الاعتقاد والعمل بالاعتقاد في حدود دائرة ضرورة الالتزام.

يُقيم عالم الاجتماع الفرنسي فيليب زاريفيان (Philip Zarivian) تمييزه بين الأخلاق والإتيقا على قاعدة الشعور الذاتي، والالتزام الفردي بالقيم الأخلاقيّة، فالأخلاق «طابع مُصطنع، وبناء اجتماعي في سياق مجتمع محدّد، ينظّم العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد وبين هذا الأخير والمجتمعات الأخرى [...] تنظّم السلوك البشري داخل المجتمع وتبلغ مداها حينما يتمّ استبطانها داخليًّا من طرف الأفراد، وهي خطوة في اتجاه الإتيقا [...]». فالأخلاق هي تلك المنظومة القيميّة المتعارف عليها عند الجماعة، والتي قد تكون غالباً مُصطنعة ومزيّفة؛ بحجّة موضوعيّتها، وتعاليها على الأفراد الملتزمين بها، فهي جاهزة لا يشارك الفرد في إعدادها، أو إنجازها، أمّا الجوهر والأصل في الإتيقا فيكمن في التطابق الناتج بين الإرادة والقيم الأخلاقيّة الدافعة للفعل الإرادي[1].

ثانيًا: الأخلاق والدين

في محاضرة أُلقيت في إطار الندوة متعدّدة الأديان الموسومة ﺑ «الأخلاق والدين» في كليات سانت لويس في بروكسل (2005)؛ يطرح كارل فيلهلم ميركس[2] السؤال الآتي: ما هي العلاقة بين

(16)

الأخلاق والدين[1]؟ «لم يعد وضع الأخلاقيّات اللاهوتيّة ونطاقها أمرًا بديهيًّا في بداية الألفيّة الثالثة كما بدا في النصف الثاني من القرن العشرين. غالبًا، ما يُعتبر مشروع أخلاقيّات علمانيّة خالية تمامًا من كلّ التأثير الديني هو المشروع الوحيد القادر على حلّ المعضلات الأخلاقيّة في عصرنا. هذا، في رأينا، يعكس تضييقًا ثقافيًّا مرتبطًا بمفهوم مختزل للخطابات والممارسات الدينيّة، فضلًا عن اللاهوتيّات التي تحاول تفسيرها»[2]. تمثّل المواقف الأخلاقيّة والدينيّة أيديولوجيّات يمكن للفرد تحمّلها وتؤثّر على رؤيته للعالم. على سبيل المثال، فإنّ إيمانه بالله سيؤثّر على أفكاره الشخصيّة حول الزواج والإخلاص وقيمة حياته وإدراكه للكون[3]. إذا كان الدين هو العلاقة القائمة بين الإنسان والكون، والذي يحدّد معنى حياته، فإنّ الأخلاق هي ما يُظهر ويُنير نشاط الإنسان، والذي يتدفّق بشكل طبيعي من هذه العلاقة أو تلك الخاصّة بالإنسان والكون[4].

الملاحِظ عند تتبّعه لتاريخ العلاقة بين الأخلاق والدين، يجد

(17)

أنّ هذه الأخيرة قد ترعرعت في تربة جدليّة غذّتها سياقات نظريّة وسجاليّة حول مفهوم الدين والأخلاق. فانطلاقًا من التصوّر التقليدي للعلاقة يوجد اتصال عميق بين الأخلاق والدين؛ إذ إنّ الدين هو من يؤسّس للأخلاق، وليس العكس. فيمكن القول: إنّ السمة المشتركة بين المفهومين هي المصدر الذي انبثقا منه وهو المصدر الإلهي. في المقابل، يرى التصوّر الوضعي خلال القرن السابع عشر أنّ الأخلاق هي التي تؤسّس للدين وهذا بدوره ناجم عن السمة الانفصاليّة التي تطبع الأخلاق والدين، بالرغم من أنّ هذا التصوّر يحمل بداخله اختلافات بسيطة بين فلاسفة ومفكّرين، مثل: فيور باخ وفريدريك نيتشه. إلّا أنّه يؤمن بفكرة أن ليس كلّ متديّن متخلّق، بل كلُّ متخلّق هو متديّن. في نظري، إنّ المنظور الإسلامي لعلاقة الدين بالأخلاق هو رؤية متوازنة قدّمت حلًّا للجدل الحاصل حول المفهومين؛ إذ تمكّنت من تحديد أهمّيّة المعايير الخُلقيّة في تشكيل بنية الدين التي تبحث عن حلول اجتماعيّة واقتصاديّة يعيشها الإنسان. وأنّ الفطرة تتجلّى في صحوة الضمير الخُلقي الذي يُعدُّ نواة الإنسان المتديّن. لكن الذي أثار الجدل من جديد في فترة ما بعد الحداثة وما أبانت عنه بعض النضالات العلمانيّة في الغرب والديانات الوضعيّة في جنوب شرق آسيا، تثبت أنّ هذه الجهات لا تنتمي إلى النسق الإبراهيمي للديانات السماويّة، إلّا أنّها حملت بداخلها نماذجَ ممارساتيّة ذات أبعاد أخلاقيّة وسياسيّة.

ثالثًا: الإتيقا والسياسة

تتعلّق الإتيقا بأفراد محدّدين، والسياسة هي كلّ ما يتعيّن عليها

(18)

إدارته بشكل مشترك. بعد ذلك، سوف يُقال: إنّ الإتيقا تُشير إلى المجال الخاصّ، الذي يضمنه مبدأ الحكم الذاتي، وأنّ المجال السياسي ينتمي إلى الصالح العامّ. إنّ الخطّ الفاصل بين المشاكل الأخلاقيّة البحتة ومشكلات السياسة، التي تُفهم على أنّها معياريّة، دائمًا ليس من السهل رسمه. يُحاول بول ريكور التعبير عن الإتيقا والسياسة من خلال الصيغة الشهيرة «حياة خيّرة في مؤسّسات عادلة». فالسجالات البيو-إتيقيّة تجعل هذه الرؤية الغريبة أكثر إشكاليّة. تتّضح صعوبة الفصل بين المجالين برؤية أكثر واقعيّة للاستقلاليّة الفرديّة والصالح العامّ. فمثلاً في الواقع، يجب ألّا تضرّ آثار القرارات المتّخذة، قدر الإمكان، باستقلاليّة الأفراد. بالإضافة إلى ذلك، من الضروري أنّ تمكين المشاركة بشكل مباشر (وفي كثير من الأحيان بشكل غير مباشر) في القرارات[1].

تركّز النقاشات المعاصرة بشأن الإجهاض -مثلًا- على الصراع بين واجب الدولة لحماية الحياة الإنسانيّة والأشخاص، من ناحية، وحقوق النساء في اتّخاذ قرارات بشأن أجسادهنّ وحياتهنّ، من ناحية أخرى. إنّ القضايا المتّصلة بهذا الموضوع أخلاقيّة ودينيّة وبيولوجيّة بشكل واضح، كما أنّها سياسيّة كذلك. لا يمكن للفلسفة السياسيّة حلّ مشكلة «أين تبدأ الحياة؟»، أو «ما هو وضع الحياة الإنسانيّة قبل الولادة؟». لكنها يمكن أن تساعدنا على التفكير في الآثار المترتّبة على حقيقة أنّ هناك اختلافًا كبيرًا بشأن ما إذا كان الجنين شخصًا أو

(19)

لا، أو شكلًا من الحياة الإنسانيّة أو لا، وإذا كان كذلك، فبشأن كيفيّة الموازنة بين الحقوق التي يمكن أن تكون له وتلك الخاصّة بالمرأة الحامل. علاوةً على ذلك، يمكن أن نقول: إنّه حتى إذا اعتبرنا الإجهاض غير أخلاقي، فهنالك فرق مهمّ بين الإيمان بهذا والانتهاء إلى أنّه ينبغي أن يكون غير قانوني. سيظهر هذا الفرق كذلك في النقاش بشأن الموت الرحيم. فمن الطبيعي أنْ يقول من يعارضون الإجهاض إنّه غير أخلاقي ولا بدّ من حظره. في النقاش العامّ، هذه الحجّة يقدّمها المحافظون السياسيّون؛ فالموقف المؤيّد للاختيار يرتبط بالليبيراليّين. لكنّ الادّعاء الأساسي للفلاسفة المعاصرين للإجهاض ادّعاء وجودي؛ فهو يقوم على ما هو عليه الجنين في واقع الأمر باعتباره كائنًا حيًّا. تشكّل المسائل الوجوديّة جزءًا من نقاشات سياسيّة عديدة، لكنّها لا تُوحي -بالضرورة- بأيّة أجندة سياسيّة بعينها [على سبيل المثال: ترى وجوديّة النزعة المجتمعيّة البشرَ على أنّهم مغروسون في شبكة من العلاقات الاجتماعيّة تشكّلهم، وليسوا أفرادًا منفصلين، لكنّ الفلاسفة السياسيّين المجتمعيّين يمكن أن يتخذوا مواقفًا سياسيّة محافظة أو راديكاليّة]. يركّز جزء كبير من النقاش الدائر حول الإجهاض على الوضع الوجودي للجنين، على الرغم من تأكيد بعض مؤيّدي حقوق الإجهاض على حجّة كون الجنين شخصًا، حيث يدافعون عن الممارسة على أسس أخرى[1].

هذا مثال واضح عن الجدل المعاصر حول إمكانيّة أخلقة الحياة

(20)

السياسيّة والاجتماعيّة، بإمكاننا أن نستشفّ منه ضرورة إلحاق المنظومة القيميّة، التي تكاد أن تنهار، بسياسات رشيدة تستمدّ حكاميّتها من القانون الدولي كموجّه أساس للسلوكيّات الإنسانيّة في علاقتها بالحكومات والأطر السياسيّة، لكنّنا سنقع في إشكاليّة أولويّة القانوني على القيمي. ما الحلّ إذن؟ لما لا نتبنّى مقاربة «العيش المشترك» ونبحث عن حياة تُعاش بأساس جمالي؟ لما لا تكون الأخلاق تابعة لمبحث الجمال؟ أو كيف يمكن للجمال أن يحدّد الأساس الأخلاقي؟ ألم يخلق المشترك الإنساني قيم التسامح والتراحم والتعاون والتضامن بين البشر على مرّ التاريخ؟

رابعًا: الإتيقا والجمال/ الاستيطيقا

إنّ الكلّيّات الثلاثة المتماثلة كانت نتيجةً لتقسيم ثلاثي للمشاكل الفلسفيّة إلى الخير، الجميل، والحقيقة. في كتابه «من الحقيقي إلى الجميل وإلى الخير» (Du vrai, du beau et du bien)، جادل فيكتور كوزان (Cousin VICTOR 1853) بأنّ هذه المشكلات كانت متّحدة في مجملها والتي استوعبت ما كان صالحًا في الإحساس (جون لوك)، والعقل (أفلاطون)، والقلب (الذي لم يذكر اسم عرّابه). هذه الأجزاء الثلاثة من الروح ليست مستقلّة عن بعضها البعض. العقل يتطلّب الإحساس والقلب على حدّ سواء، والإحساس يتطلّب العقل والقلب، والقلب يتطلّب العقل والإحساس. من خلال القياس، تتشابك كلٌّ من نظريّة المعرفة، والأخلاقيّات، وعلم الجمال مع بعضها البعض، ولا يمكن فصلها[1].

(21)

أعتقد أنّ من جماليّات الحياة أن يعيش الإنسان وفقًا «للمقصد الأتيقي»[1] [المصطلح بصيغة بول ريكور]، ولا يتحقّق ذلك إلا إذا تبنّت السياسات العموميّة ذلك المقصد، هذا الأخير يمكن بلوغه إذا استطاع النظام السياسي أن يمكّن الفرد من المساواة النسبيّة والتوزيع العادل للثروة، يجب أن يعيش الإنسان المفهوم الحقيقي للعدالة، حتى يتمكّن من العيش لا أقول الكريم وإنّما الجميل. لهذا الغرض، برزت دراسات في السنوات الأخيرة تبحث في المشاكل الأخلاقيّة العمليّة للإنسان المعاصر ضمن ما يُعرف بمجال البيوإتيقا.

خامسًا: الإتيقا والبيوإتيقا

بيوإتيقا كلمة مركّبة من مفردتين: الأوّلى يونانيّة (ethos) التي تعني عُرف، عادات، تقاليد؛ والثانية (bio) التي تعني حيويٌّ، وأصبح المركّب يعني (Bioethics) بالإنجليزيّة و (Bioethique) بالفرنسيّة، فما هو المصطلح المتداول بالعربيّة؟ لقد استعملت مصطلحات متعدّدة في اللغة العربيّة للتعبير عن هذا المبحث الجديد، مثل: «الأخلاق البيولوجيّة»، «الأخلاق وعلم الحياة»، «الأخلاق العلمانيّة»، إلخ[2].

(22)

تمّ إنشاء البيوإتيقا في الستّينيّات كمجال للتحليل الأخلاقي، أصبحت البيوإتيقا في وقت قصير حقلاً وصفيًّا يهدف إلى تنظيم نتائج نشاط علوم الحياة والصحّة. يُشير مصطلح أخلاقيّات البيولوجيا إلى تأمّل متعدّد التخصّصات (الفلسفة واللاهوت وعلم الاجتماع والقانون) بهدف طرح مبادئ نظريّة وحلّ مسائل عمليّة ظهرت في مجتمعات متقدّمة. وأيضاً متابعة التقدّم في التقنيّات الحيّة (الاستنساخ الوراثي، الإنجاب الاصطناعي، إلخ). تمّ استخدام كلمة البيوإتيقا لأوّل مرّة في الولايات المتّحدة من قِبل عالم السرطان بوتر رانسيلير فان (Rensselaer van  Potter) في كتابٍ نشره عام 1971م، بعنوان: «البيوإتيقا: جسر إلى المستقبل»، والذي يعرّف فيه هذا الحقل الجديد بوصفه: «المعرفة التي تسمح لنا معرفة كيفيّة استخدام المعرفة»[1].

لقد تأثّر مجال البيوإتيقا بمنطقين متعارضين نسمّيهما، وفقًا للنظريّة الفيبرية بإتيقا المسؤوليّة وإتيقا القناعات. في حين أنّ هذه الأخيرة تؤيّد المبادئ التي لا تتغيّر، والمستمدّة أساسًا من الأديان، مثل: حظر الإجهاض والقتل الرحيم باسم قُدسيّة الحياة. إنّ إتيقا المسؤوليّة تُعزِّز عند اتخاذ قرارٍ، النتائج العمليّة للفعل[2].

بمعنى آخر: تعتبر البيوإتيقا حقلًا سجاليًّا بين أفكار المعيار (Norme) وتطبيقات المقصد (Intention)، بين الأخلاق والإتيقا،

(23)

بين القناعات الدينيّة والأيديولوجيّة والثقافيّة الراسخة والمعتقدات الثابتة من جهة، والقرارات والأفعال والسلوكيّات المتغيّرة والتطلّعات المستقبليّة من جهة أخرى.

 سادسًا: أخلاقيّات التنمية

بدأ الصعود المفاهيمي لإتيقا التنمية مع كلٍّ مِن لويس جوزيف ليبريت (Louis Joseph Lebret) ودينيس جوليت (Denis Goulet). يبحث هؤلاء في ظهور أخلاقيّات التنمية كحقل فكري جاهز للدراسة في وضعه المعاصر، حيث انطلقا في تطويرهما لهذا المصطلح من «السؤال الأساسي عن القيم وإنشاء حضارة جديدة»، هناك أيضًا مظلّة مؤسسيّة للمفهوم، وهي جمعيّة أخلاقيّات التنمية الدوليّة[1]، حيث ضمّت سوسيولوجيّين وفلاسفة وإنسانيّين وعلماء بيئة وتكنوقراط وممارسين من أصول مختلفة. يذهب جوليت، مقتبسًا آراء ليبريت، الذي كان متأثّرًا بآراء الإنسانيّة المسيحيّة، إلى تحقيق التطوّر الأخلاقي من خلال المفهوم الآتي للتنمية: «هي، في المقام الأوّل، مهمّةُ بناءِ قيمٍ جديدةٍ وحضاراتٍ جديدةٍ في بيئات تتعارض فيها معظم المؤسّسات القائمة مع التطلّعات الإنسانيّة. ثانيًا؛ المسار الصحيح الوحيد هو السعي لتحقيق النموّ الأمثل من حيث قيم السكّان ومن حيث القيود المفروضة على الموارد. ثالثًا؛ التخطيط غير مجدي ما لم يكن ارتباطًا دائمًا بين صانعي القرار في القمّة والمجتمعات المحلّيّة. رابعًا؛ تُعدّ المساواة في توزيع الثروة وتحقيق الكرامة للجميع

(24)

من الأهداف ذات الأوّلويّة لجهود التنمية. خامسًا؛ لا يمكن حلّ تضارب المصالح إلّا من خلال القضاء على الامتياز وإطلاق بيداغوجيا عامّة للتقشف»[1].

أمّا عن أبرز الأشكال الممكنة لأخلاقيّات التنمية والنتائج المختلفة المحتملة لطبيعة هذا المفهوم؛

1. قد تشكّل أخلاقيّات التنمية شكلًا من أشكال التعبير المنطقي، يتمّ الاحتجاج به في أوقات وأماكن معيّنة في عالم السياسة العامّة والمنظّمات الوطنيّة والدوليّة. يقترح أوفن، على سبيل المثال، أنّ «التنمية كحرّيّة» لدى الوحدة النقديّة صارت محبوبة لدى وكالات المعونة؛ لأنّها تسمح بالحديث النشط دون أيّ التزامات تشغيليّة محدّدة، أيضًا على سبيل المثال، مبادرة بنك التنمية للبلدان الأمريكيّة في السنوات الأخيرة بشأن الأخلاقيّات والتنمية، خطاب ذو تركيز عملي على أجندة اجتماعيّة محافظة.

2. تعبّر أخلاقيّات التنمية عن تعريف طرق محدّدة للحياة وإصدارها. إذن، دور أخلاقيّات التنمية هنا هو مجموعة من الديانات العلمانيّة الخطيرة، مثلًا: الغونديانيزم (Gandhism)[2]  نرى هذا في تاريخ الحركات السياسيّة المختلفة والديانات الدنيويّة الأخرى. يمكن أن يصبح الخطاب شبه الديني «مسرحيّة» مميتة؛ قد لا يتمّ اتباع

(25)

أوامرها المحدّدة، ولكنّها تمهّد الطريق لإضفاء الشرعيّة على أعمال مختلفة إلى حدّ ما، من خلال تصوير قادتها على أنّهم من الصالحين.

3. أخلاقيّات التنمية باعتبارها فرعًا أكاديميًّا، قد تطمح إلى أنْ تكون تخصّصًا أكاديميًّا أو فرعيًّا. استخدم دينيس جوليه بانتظام مصطلح «الحقل»، كانت هناك محاولات لبناء تخصّص فرعي في الفلسفة الأكاديميّة، داخل الأخلاق والفلسفة السياسيّة. كان هذا أساسًا قلق أمريكا الشماليّة، ممّا عكس نطاقًا أكبر من الفلسفة المهنيّة هناك. ومع ذلك، فإنّ صعوبة رسم أيّ حدود واضحة لأخلاقيّات التنمية، وهي صعوبة أكبر من أخلاقيّات مهنة الطبّ أو أخلاقيّات العمل، قد ساهمت بين عدّة عوامل أخرى في عدم ظهور مجال مميّز[1].

تركّز أخلاقيّات التنمية في دراستها على تطوير أسئلة حول القيمة: ما هي العلاقة بين امتلاك السلع والصلاحية في السعي لتحقيق الحياة الجيّدة؟ ما هي أسس المجتمع العادل؟ وما الموقف الذي يجب أن تتّخذه المجتمعات تجاه الطبيعة؟ ينبثق هذا الحقل الجديد من مصدرين، يتقاربان الآن: من الانخراط في العمل الإنمائي إلى صياغة النظريّة الأخلاقيّة، ومن نقد النظريّة الأخلاقيّة السائدة إلى صياغة الاستراتيجيّات المعياريّة لتوجيه ممارسات التنمية. إنّ أخلاقيّات التنمية لها مهمّة مزدوجة: جعل الاقتصاد أكثر إنسانيّة والحفاظ على الأمل حيًّا في مواجهة الاستحالة الظاهرة لتحقيق التنمية البشريّة للجميع[2].

(26)

تقترض أخلاقيّات التنمية بحرّيّة من عمل الاقتصاديّين والعلماء السياسيّين والمخطّطين والمهندسين الزراعيّين والمتخصّصين في المجالات الأخرى. حيث تضع الأخلاقيّات مفهوم التنمية لكلّ تخصّص في إطار تقييم واسع. تُعنى التنمية في نهاية المطاف بنوعيّة الحياة وتقدّم المجتمعات نحو القيم المعبّر عنها في الثقافات المختلفة، من حيث كيفيّة متابعة التنمية، الأمر الذي لا يقلّ أهمّيّة عن الفوائد المكتسبة. على الرغم من أنّ التنمية يمكن دراستها بشكل مُثمر كظاهرة اقتصاديّة أو سياسيّة أو تكنولوجيّة أو اجتماعيّة، فإنّ أهدافها النهائيّة هي أهداف الوجود ذاته: لتزويد كلّ البشر بأخلاقيّات التنمية، هذا هو الحقل الجديد الذي يتعامل مع الأبعاد المعياريّة للتنمية سابقًا. في الآونة الأخيرة فقط أصبح هذا التخصّص رسميًّا ضمن الفلسفة[1].

من أبرز الآباء المؤسّسين لحقل أخلاقيات التنمية نجد الفلاسفة الآتية أسماؤهم:

- غاندي (Gandhi): على الرغم من أنّه لم يكن اقتصاديًّا ولا أخلاقيًّا، فقد صاغ غاندي رؤية وممارسة للتنمية تركّز على قيم التعاون اللاّعنفي بين الفاعلين الاجتماعيّين. ودعا بدلًا من ذلك إلى استراتيجيّة استثمار تزيد من فرص العمل وتُعزّز نظامًا اقتصاديًّا تعاونيًّا، مُطالبًا بالتخطيط المركزي الذي يخلق ظروفًا ملائمةً

(27)

للامركزيّة الاقتصاديّة. من خلال تركيز تحليلاته ووصفات السياسة على القيم المؤثّرة، كان غاندي يعمل، في الواقع، كعالم أخلاقيّات في مجال التنمية سابقًا لزمانه.

-ليبريت (L.J. Lebret): كان ل. ج. ليبريت مؤسّس حركة الاقتصاد والإنسانيّة عام 1941م ومؤسّسًا آخر لسلوكيّات أخلاقيّات التنمية من أجل دراسة المشكلات الاقتصاديّة بوصفها إنسانيّة. التخلّف، في رأيه، ليس في المقام الأوّل مشكلة اقتصاديّة، ولا مجرّد عجز الهياكل الاجتماعيّة عن تلبية مطالب جديدة. قبل كلّ شيء، التخلّف هو أحد أعراض الأزمة العالميّة في القيم الإنسانيّة.

-ميردال (Gunnar Myrdal): الاقتصادي السويدي الذي بحث في الصدام بين متطلّبات الموضوعيّة في العلوم الاجتماعيّة والحاجة الملحّة للتدخّلات القائمة على القيمة في السعي لتحقيق التنمية. فكّر جونار ميردال في كيف يمكن لتدخّلات التنمية أن تتجنّب التعسّف والتحيّز، بل تكون «موضوعيّة» أو صالحة من الناحية العلميّة وتستند إلى تحليل اقتصادي إيجابي للحقائق والظروف[1].

حاولت هذه النماذج النظريّة التأسيسيّة لأخلاقيّات التنمية إيجاد حياة أخلاقيّة لمسار التنمية في دول العالم الثالث ومجتمعاته، انبثق المنطق المشترك الذي انطلقت منه هذه النماذج في عمليّة التأسيس من مشكلة شكّلت محور البحث داخل علم

(28)

الاقتصاد السياسي، تمثّلت في أزمة التوزيع العادل للثروة داخل المجتمع، حيث اعتبرها المنظّرون الأوائل الذين اشتغلوا على مفهوم أخلاقيات التنمية بأنّها أزمة أخلاقيّة قيميّة قبل أن تكون أزمة اقتصاديّة اجتماعيّة.  

سابعًا: أخلاقيّات البيئة

تختصُّ إتيقا البيئة بدراسة الأسئلة الأخلاقيّة التي تُثيرها العلاقات البشريّة مع البيئة غير البشريّة في سياق أنماط الحياة غير المُستدامة حاليًّا والتغيير المستقبلي غير المحتمَل. مع البحث عن السلوكيّات والممارسات والسمات الشخصيّة التي يجب أن نسعى من أجلها. من خلال تقعيد معرفة حول النظم البيئيّة وحالة العالم وعلم النفس البشري والمؤسّسات الاجتماعيّة، هذه المجالات التي تُعدُّ أمرًا بالغَ الأهمّيّة للتفكير الإتيقي الجيّد؛ للحصول على معطيات جيّدة حول الحدود البيئيّة وتأثيرات نمط الحياة وما قد يحدث إذا لم تتغيّر أنماط الحياة. بالنسبة للأخلاقيّات البيئيّة تنحصر مهمّتها الأساسيّة في تحديد ما هي المسائل البيئيّة غير البشريّة؟ كيف ولماذا هي ذات قيمة؟ وكيف يجب أن نأخذ هذه القيم بعين الاعتبار في التداوليّات المتّصلة بالمبادئ والإجراءات والممارسات والقوانين؟. يمكن عندئذٍ تقييم أهداف وأساليب سياسات بيئيّة معيّنة، واستراتيجيّات إدارة النظام البيئي، وممارسات النشاط البيئي، من بين أمور أخرى، من حيث مدى استجابتها لما هو قيِّم في البيئة ومدى تجسيدها للمبادئ التي تعتمد على تبرير القيم. فهناك العديد من القضايا البيئيّة، على سبيل المثال: حماية

(29)

الأنواع المهدّدة بالانقراض، والإدارة المستدامة للموارد، واستخدام المنتوجات المعدّلة وراثيًّا، وتخفيض غازات الاحتباس الحراري، والنموّ الديموغرافي، والتلوّث الكيميائي، هي قضايا أخلاقيّة بقدر ما هي مسائل اقتصاديّة أو قانونيّة[1].

إنّ التفكير الأخلاقي في العلاقات الإنسانيّة مع العالم غير البشري ليس بالأمر الجديد. تمّ العثور على هذا الاهتمام بشأن الآثار البيئيّة للممارسات البشريّة، والمعاملة البشريّة للحيوانات، في اليونان القديمة. وبرزت فيما بعد الأخلاق البيئيّة كمجال مميّز للفلسفة خلال السبعينيّات، واتّسع نطاقها بشكل كبير منذ ذلك الحين. عُقد المؤتمر الأكاديمي الأوّل بشأن الأخلاقيّات البيئيّة في جامعة جورجيا عام 1971م؛ تأسّست المجلّة الأوّلى «أخلاقيّات البيئة» في عام 1978م. مع استمرار نموّ حقل الأخلاقيّات البيئيّة في القرن الحادي والعشرين، تنوّعت وتدعّمت هذه الأخيرة الآن بالعديد من الآراء المتناقضة فيما يتعلّق بالمشكلات الأساسيّة في الأخلاقيّات البيئيّة، وكيفيّة التعامل مع هذه المشكلات، وكيف ترتبط النظريّة الأخلاقيّة البيئيّة بالقضايا البيئيّة العمليّة الملحّة. هنا، نوجز بعض المواقف المركزيّة، ولكن المتباينة، التي يتمّ الدفاع عنها حاليًا ضمن الأخلاقيّات البيئيّة. من أبرزها: محاولة فهم القيمة في الأخلاق البيئيّة والقيمة الجوهريّة كوضع أخلاقي [بما هو مسألة ميتافيزيقيّة أو عمليّة]، فمنذ البدايات الأوّلى وحتى الوقت الحاضر،

(30)

لم تهتمّ الأخلاقيّات البيئيّة بما تعنيه القيمة فحسب، بل بما تعنيه القيمة بالفعل وما تنطوي عليه هذه القيم من آثار بالنسبة للعلاقات الإنسانيّة والسلوك البشري. يتّفق الجميع -تقريبًا- على أنّ البشر لديهم أهمّيّة أخلاقيّة عالية وأنّ القضايا الأخلاقيّة تنشأ عندما تكون بعض الإجراءات البشريّة التي تنعكس على البيئة سلبيّة أو تنعكس على البشر في حدّ ذاتهم[1].

يتلخّص السؤال الأخلاقي للبيئة، والذي يمكن صياغته في الأسئلة الآتية: هل يمكن أخلقة البيئة وفقًا لمعايير القيمة الإنسانيّة؟ وعلى أيّ أساس يمكن إقامة أخلاق بيئيّة؟ هل الواقع البيئي يتضمّن قيمًا أخلاقيّة تفترض علينا التأسيس، أو الصوْرنة الأخلاقيّة لأخلاق بيئيّة تبدأ من الذهن ثم تُعمّم على الواقع[2]؟

ولّد مبحث أخلاقيّات البيئة دعوة للإنسان للاتجاه نحو تجديد علاقته بالبيئة والبحث عن وسائل وأطر إجرائيّة من أجل تفعيل احترام البيئة؛ حيث أكّد المختصّون الايكولوجيّون المعاصرون أن هذا المسعى سيفتح أفقًا جديدًا يتمثّل في حفاظ الأجيال الحاضرة على الموارد الطبيعيّة المحلّيّة للأجيال القادمة، وهذا ما دعمه تقرير اليونسكو عام 1997م الموسوم ﺑ: «مستقبلنا المشترك»، والذي ساهم في بناء خطوط مشتركة للعلاقة بين البيئة والتنمية، وعليه، أصبحنا نتحدّث عن مفهوم التنمية المستدامة باعتباره نموذجًا تبنّته

(31)

مختلف دول العالم.

يعتبر مفهوم الإشراف على النظام البيئي سليل العقيدة الإسلاميّة، «فالإنسان عليه واجبات ومسؤوليّات تجاه المحافظة على النظام البيئي الطبيعي». إذن، لماذا يجب على المسلمين اعتبار خيرات الطبيعة موارد ينبغي استخدامها في إطار أخلاقي؟ إنّ الدين الإسلامي يتميّز بروحانيّته التي تشمل تصرّفات المسلم وأفعاله، وكذلك، فإنّ طريقته في استهلاك خيرات الطبيعة تنبع من تلك العقيدة؛ حيث تُعدُّ من أهمّ المبادئ في تربية الأفراد. لذلك، فإنّ تعميم هذه المبادئ في المجتمع الإسلامي بأسره، فيما يتعلّق بالوسطيّة والاستخدام المتعقّل للموارد، أسوةً برسولنا محمد (ص)، قد يكون له مردود إيجابي على البيئة؛ حيث يزيد عدد سكّان العالم من المسلمين عن 1.5 مليار نسمة. وهذا هو التحدّي الذي طرحه اللاهوت الطبيعي: كيف ندفع بالمؤمنين إلى تغيير سلوكيّاتهم تجاه البيئة؟ قد يتمثّل الردّ في العودة إلى المراجع الدينيّة، واستنباط المبادئ الأخلاقيّة التي يهتمّ بها المؤمنون. سيؤدّي ذلك في النهاية إلى بناء مجتمع مؤمن يعمل لصالح هذا الكوكب[1].     

ثامنًا: أخلاقيّات الطبّ

يمكن أن نجد أساسًا لأخلاقيّات الطبّ في القسَم الأبقراطي

(32)

(oath  Hippocratic). وباختصار، تؤكّد هذه الأخلاقيّات أنّه يجب على الأطبّاء الحفاظ على الثقة، وتهدئة معاناة مرضاهم، وعدم تجاوز قدراتهم الطبّيّة، تضع قيودًا للأطبّاء من خلال الحدود القانونيّة. هناك المزيد من القضايا للنقاش: الأمومة البديلة؛ تخصيص طرائق باهظة الثمن ولكنّها منقذة للحياة؛ التركيز على الخصوصيّة والاستقلاليّة وتقييم النظام الطبّي ذاته. الإجهاض، القتل الرحيم، السرّيّة، قول الحقيقة، الفقه القانوني الطبّي، علم الوراثة والطبّ. تتّجه القضايا المتعلّقة بأخلاقيّات الطبّ إلى الظهور ليس من رحم الأسئلة المرتبطة بالنظريّة الأخلاقيّة فحسب ولكن من المخاوف العمليّة والسريريّة أيضًا. يمكن أن يؤدّي الفشل في أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار إلى التحليلات التي لا تشبه إلى حدٍّ بعيد المبادئ أو القواعد التي يمكن تطبيقها في الممارسة السريريّة[1]. ضمن حقل أخلاقيّات الطبّ، هناك ما يرتبط أخلاقيًّا بعلم الأوبئة. كيف يمكن تقصّي ذلك؟

يُعدّ علم الأوبئة دراسة للحالات المتعلّقة بالصحّة لدى السكّان، وتطبيقه من خلال السيطرة على المشاكل الصحّيّة. يتطلّب التفاعل مع الأفراد خلال فترة الدراسة ضرورة معالجة القضايا الأخلاقيّة، خاصّة عندما يتمّ وصف محتوى الدراسات الوبائيّة بأنّها يمكن أن تكون علاجيّة أو غير علاجيّة، هذا له تأثير على القضايا الأخلاقيّة

(33)

ذات الصلة والتي تختلف باختلاف نوع البحث. علاوةً على ذلك، مع التقدّم في علم الأوبئة، مثل: علم الأوبئة الجُزيئي (molecular) وعلم الأوبئة الجِيني (genetic) وما إلى ذلك، تُصبح القضايا الأخلاقيّة أكثر تعقيدًا[1]. لكن يجب طرح سؤال ملحّ جدًّا: هل يوجد فعلًا أخلاقيّات للأوبئة؟

تقوم أخلاقيّات الأوبئة -شأنها شأن الأخلاقيّات المعياريّة عامّة- على التعليل الأخلاقي، وتقديم معايير لتحديد الأوّلويّات والموازنة بين فعلين أو أكثر لتحديد ما هو أمثل وأصلح، ولكن الأهمّ هنا هو أنّنا نتحدّث عن أفعال وتقويمات في زمن استثنائي [حالة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19)]، إنّ حالة الطوارئ هذه تعبير عن حدث غير منجز، بل لا يزال يتشكّل، ولا نعرف له شكلًا نهائيًّا بعدُ، ويتطلّب سياسة متحرّكة ونشطة (dynamic activity)، كما يتطلّب السرعة في اتخاذ القرار. وهي حالة تختبر عمليًّا إمكانيّات المواءمة بين المبادئ والقيم العليا الثابتة في الأحوال الطبيعيّة وبين ما هو متاح أو ممكن في اللحظة الراهنة [...]. ففي حالة الأوبئة، نتحدّث عن مجموعة من القيم، منها: حفظ الحياة والصحّة، والحرّيّة الفرديّة ومسوّغات تقييدها، والمسؤوليّة الأخلاقيّة تجاه النفس والآخرين، ومسؤوليّة الدولة تجاه المجتمع، والواجبات المهنيّة بالنسبة

(34)

للعاملين في مجال الطبّ، وغيرها[1].

تاسعًا: الإتيقا والثقافة

تُعتبر الثقافة مجموعة من القيم والمعايير والمعتقدات والأفكار المشتركة التي يتقاسمها أعضاء من نفس المجموعة. غالبًا ما تكون الثقافة ظاهرة اجتماعيّة؛ لأنّ العناصر الثقافيّة هي حاصل انتماء الأفراد في عيشهم إلى نفس البيئة الاجتماعيّة. فالثقافة هي برمَجة جماعيّة لنظام فكر المجتمع الذي يميّز تجمّعًا بشريًّا عن غيره من التجمّعات، من حيث الفترة الزمنيّة والمنطقة الجغرافيّة ونظام المعاني الدائم نسبيًّا. تختلف هذه البرمَجة باختلاف طبيعة الدوائر الاجتماعيّة التي ظهرت ضمنها. فيعدّ ذلك عاملًا مهمًّا في إفراز ثقافات مختلفة، لها طرق مختلفة لفهم العالم ورؤيته. هذا التمايز والاختلاف، في الوقت نفسه، له أيضًا تأثير في تعريف المشاكل الأخلاقيّة.

في المقابل، تُشير مفاهيم الإتيقا إلى تصنيف، مثل: الخير والشر، الجميل والقبيح، الصدق والكذب الذي أضافه أفراد المجتمع في نفس القيم إلى السلوك والعلاقات الإنسانيّة. تتعامل الأخلاق مع السلوك البشري. يُمكن اعتبار الإتيقا أيضًا إطارًا يضمّ الفلسفة والفلسفة الأخلاقيّة والمشكلات الأخلاقيّة والأحكام الأخلاقيّة. في هذا السياق، الأخلاق هي مجموعة من المعايير والقيم التي تمّ تعديلها للثناء على سلوك الأفراد الذين يعيشون في نفس المجتمع

(35)

أو انتقادها. كيفيّة تأثيرها على تصرّفات الأفراد والمجتمع في الحياة اليوميّة، يتمّ الالتزام بـ «الخير» مع التركيز -بشكل خاصّ- على قضيّة المفهوم. قد تكون قوانين تنظيم الحياة الاجتماعيّة، حتى عندما يتعلّق الأمر بمواقع الحدث غير كافية للتقييم الأخلاقي.

في حين أنّ الثقافة لها تأثير كبير على الإدراك الأخلاقي (the ethical perception)، تلقائيًّا لا يكفي لتفسير أسباب السلوكيّات المختلفة التي تظهر في ظروف مماثلة. يؤثّر المستوى التكاملي والمستوى الفردي على ارتباط هذين المفهومين. بجانب هذه الظروف الفرديّة، مثل: العمر والجنس والدين، إلخ، لها أيضًا تأثير على التصوّرات الأخلاقيّة ومواقفها. كلٌّ من التأثير المباشر وغير المباشر للأخلاق على الثقافة يكون مُتاحًا. يحدث هذا في بعض الأحيان في تفاعل المتغيّرات المختلفة. على سبيل المثال، ما هو «أخلاقي» بمعنى أنّ الشخص، وفقًا لمعايير ثقافية وقيمها، يؤثّر على الوضع الأخلاقي المتصوّر والبدائل والنتائج وإمكانيّة تحقّق هذه الأخيرة. إنّ الإدراك الأخلاقي له دور حاسم في عمليّة صنع القرار الأخلاقي؛ لأنّ تقييم الفرد يعتمد على الوضع الأخلاقي له. [...] هذا هو أحد الأسباب التي تجعل الثقافات المختلفة تُنتج أُطرًا أخلاقيّةً متباينةً. على أساس خلق تصوّرات أخلاقيّة متباينة للثقافة تكمن داخل قيم متمايزة. وهو ما يعترف به المجتمع الذي يكون فيه السلوك خارج حدود السلوكيّات الفرديّة التي تُعتبر ضمن إطار هذه القيم؛ لذلك تؤثّر القيم والمواقف على أولويّات الفرد[1].

(36)

من هذا المنظور، يمكن تعزيز الرؤية القائلة إنّ كلّ مرحلة ثقافيّة عبر التاريخ البشري تُنتج قيمًا أخلاقيّةً توجّه سلوك الفرد والجماعة والمؤسّسة والدولة، فالثقافة المشاعيّة أفرزت قيم التعاون والتكافل والتضامن، أمّا الثقافة الإقطاعيّة أورثت قيم السيطرة والتملّك والاحتكار، تلتها الثقافة الرأسماليّة التي أكّدت -من خلال ممارساتها- على قيم الاغتراب والاستلاب والطبقيّة. وأخيرًا، الثقافة التقنيّة التي شكّلت قيمًا كونيّةً تقوم على مبدأ الهيمنة. نُلاحظ ممّا سبق أنّه بإمكان الثقافة أن تكون محدّدًا لما هو أخلاقي وغير أخلاقي في الحياة الإنسانيّة.  

عاشرًا: الإتيقا والتقنيّة

هناك رابط بين التكنولوجيا والقيم والأخلاق. يمكن تتبّع هذا الانشغال بالقيم المضمّنة في التكنولوجيا من خلال تاريخ طويل ومعقّد، و الشيء نفسه مع التركيز الضيق على التكنولوجيا والأخلاق. حتى خلال الفترة المحدّدة من القرن العشرين، من الصعب إعطاء موقف شامل؛ بسبب العدد الكبير من الاتجاهات المتاحة والتخصّصات متعدّدة المنطلقات. فيما يلي سأسلّط الضوء على اتجاهات حديثة للتكنولوجيا والقيم، وسأناقش خصائص المناهج الأخلاقيّة التي شوهدت في السنوات الأخيرة.

في مقاله الكلاسيكي «هل للتحف الفنّيّة سياسة؟» (1980

(37)

يصف لانغدون وينر (Langdon Winner) بشكل مشهور تطوّر نظام الطرق في لونغ آيلاند (Long Island)، نيويورك. يبدو أنّ روبرت موسيس (Robert Moses) (1888–1981م)، المهندس المعماري المسؤول في مدينة نيويورك، كان لديه أجندة سياسيّة طاردة إلى حدّ ما؛ لأنّه يفترض أنّه أراد حجز الشواطئ الجذّابة والمناطق الترفيهيّة في لونغ آيلاند للأثرياء. تمّ تنفيذ خطّة مثيرة للجدل -غاية في السرّيّة- من خلال تصميم الجسور فوق نظام الطرق بطريقة معيّنة: تمّ بناء الجسور لتكون منخفضة جدًّا لتجنّب وسائل النقل العمومي، مثل الحافلات، التي كانت عالية جدًّا بحيث لا يمكن تجاوزها. يمكن فقط للسيّارات الخاصّة أن تسير تحت الجسور، وبالتالي تمكين الأغنياء، الذين يمكنهم تحمّل امتلاك السيارات، من الاستفادة من المناطق الجذّابة في لونغ آيلاند، في الوقت نفسه الذي استبعدت فيه فئة الأفراد الأكثر فقرًا الذين اضطرّوا إلى الاعتماد على حافلات عموميّة. وبناءً على ذلك، يبدو أنّ تطوير نظام الطرق الحضريّة «له سياسة»؛ لأنّ البنية التحتيّة تؤدّي إلى بعض النتائج ذات الدوافع السياسيّة.
 يمكن القول: إنّ الجسور نفسها لا تتحمّل هذه النتائج السياسيّة المحدّدة، حيث يمكن تخيّل الجسور وأنظمة الطرق بالوظيفة نفسها، ولكن مع آثار سياسيّة أخرى تمامًا. في الردّ، يجب القول بأنّ القطع الأثريّة أو التكنولوجيا لها -على الأقل- نتائج ذات طبيعة غير تقنيّة، على سبيل المثال: سياسيّة. على الرغم من أنّ هذا المثال (موسيس والتخطيط الحضري في نيويورك) قد يكون غير صحيح 

(38)

تاريخيًّا، إلا أنّه لا يزال يمثّل توضيحًا جيّدًا للعلاقة بين التكنولوجيا والقيم.

تقليد حديث آخر يتعلّق بالقيم المُضمّنة بالتكنولوجيا، هو نظريّات التصميم التي تركّز على المستخدِم. كما يوحي الاسم، فإنّ نقطة البداية لهذه النظريّات هي كيف يمكن تصميم التكنولوجيا مع التركيز على رغبات المستخدِمين واحتياجاتهم. من المسائل المركزيّة في هذه الجهود إشراك توقّعات المستخدم النهائي في عمليّة التصميم، وحتى -كما يتبيّن من نظريّة التصميم التشاركي- دعوة المستخدِمين للمشاركة في مرحلة التطوير. إلى جانب التصميم التشاركي، تشمل النظريّات البارزة للتصميم الذي يركّز على المستخدِم التصميم التعاوني والتصميم السياقي بالإضافة إلى عدد من الكتب المؤثّرة، على سبيل المثال: دونالد نورمان (Donald A. Norman) تصميم الأشياء اليوميّة (The Design of Everyday Things) (1990). انطلق عدد من نظريّات التصميم التي تركّز على المستخدِم في التقاليد الاسكندنافيّة للحوسبة والهندسة في السبعينيّات من القرن العشرين، ومع ذلك، يجب ذكر اتجاهات التفكير الحديثة الأخرى. يتمثّل التطوّر في العلاقة بين التكنولوجيا والقيم في التغيير من التركيز على رغبات المستخدِمين واحتياجاتهم إلى البناء الاجتماعي للمستخدِم. هذا التحوّل في الانتباه إلى ديناميّات السلطة في عُرف المستخدِم هو، في جزء منه، نتيجة للمساهمات في المجال الواسع لدراسات العلوم والتكنولوجيا (STS).

 كما يشير التاريخ الموجز الذي رسمناه أعلاه، يبدو من غير

(39)

المثير للجدل اليوم الادّعاء بأنّ التكنولوجيا والقيم ذات أهمّيّة متبادلة؛ فالعديد من الجوانب القيميّة والمتنوّعة للتكنولوجيا، مثل: السياسة والتأثيرات الاجتماعيّة والقضايا البيئيّة والأخلاق معترف بها جدّاً في النقاش الأكاديمي، تمامًا كما تُعتبر التكنولوجيا موضوعًا هامًّا في التخصّصات المتعلّقة بهذه الموضوعات[1].

 يعتبر زمن التقنيّة استباحة الجوانب الإتيقيّة للإنسان المعاصر، وهذا ناتج عن الاستعمال الأداتي لمفهوم التقنيّة في مختلف مفاصل حياة الإنسان. لم تعد التقنيّة وسيلة غائيّة يُحقّق من خلالها الخير العامّ للبشريّة. من تجلّيات هذا المظهر التكنولوجي السلبي هو تقويض نظريّة الأنسنة ومحاصرتها في نواتها المركزيّة، وهي تحرير الإنسان من القيود التقنيّة. أصبح الإنسان آلة في زمن التقنيّة، لم يعد يؤدّي دوره الأخلاقي المنوط به، هذا بالرغم من التحقّق الإيجابي للمكاسب التقنيّة في الحياة الإنسانيّة، إلا أنّ اختزال الإنسان إلى مجرّد آلة أو «روبوتيك» هو مساس بكينونة الإنسان.

الحادي عشر: أخلاقيّات العلاقات الدوليّة

هناك ثلاثة تقاليد أساسية للتفكير الأخلاقي، كلّها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لليبراليّة. أوّلًا، هناك التعاقد الليبرالي، الذي يؤسّس حقوق الدول على الحقوق الطبيعيّة السابقة للأفراد ويرى الدولة على أنّها تجمّع تعاقدي طوعي. ثانياً، هناك التقليد الكانطي، الذي يأخذ عباءة النموذج

(40)

القديم للقانون الطبيعي المسيحي، والذي يدّعي أنّ هناك قوانين أخلاقيّة تشريعيّة عالميّة متسامحة، لها الأوّلويّة على أيّ اعتبار؛ لأسباب سياسيّة معيّنة، والذي يمنح وضعًا أخلاقيًّا فريدًا للفرد البشري على أساس القدرة على معرفة القانون الأخلاقي وسَنّه. ثالثًا، هناك التقليد النفعي، الذي يُجادل بأنّ الحقائق الأساسيّة حول الحالة الإنسانيّة والدافع البشري تكمن وراء الأحكام الأخلاقيّة بغضّ النظر عن نطاقها، سواءً داخلها أو بين الدول. كلٌّ من الكانطيّين والنفعيّين على استعداد للإشارة إلى المبادئ العالميّة (المقدّمة من قِبل الضرورة الحتميّة من ناحية، ومبدأ المنفعة من ناحية أخرى) للتحقّق من الأحكام والتقاليد الأخلاقيّة في السياق الدولي. ينظر الكانطيّون والنفعيّون إلى الشؤون الدوليّة باعتبارها أمرًا لا يجب أن يكون أخلاقيًّا. في المقابل، يتمتّع التعاقد الليبرالي بموقف أكثر تناقضًا إلى حدّ ما؛ حيث على الرغم من أنّه يقوم على فكرة الحقوق الطبيعيّة العالميّة للأفراد، فإنّه يقبل فكرة سلطة الدولة وفقًا للتصوّر التعاقدي. وهذا يعني أنّه يتّجه نحو منح احترام أخلاقي أكثر للدولة سواءً كانت نفعيّة أو كانطيّة، وغالبًا ما يتمّ نشره لدعم موقف واقعي جوهري في الشؤون الدوليّة. في السنوات الأخيرة، تمّ تعزيز التقليد الواقعي أيضًا من خلال المنعطف المجتمعي في الموقف الأخلاقي، الذي يحدّد أسس الحكم الأخلاقي، ليس في الدولة ككيان قانوني له سلطة سياديّة، ولكن في الدولة كدولة قوميّة، ممثّلةً «ثقافة» أو «طريقة حياة» معيّنة. تنشغل النظريّة الأخلاقيّة الدوليّة المعاصرة السائدة بمجموعة معيّنة من الأسئلة المتعلّقة بالعدالة

(41)

في الحرب، وحقوق الإنسان، والحقوق الوطنيّة لتقرير المصير، والعدالة التوزيعيّة العالميّة. فيما يتعلّق بكلّ هذه المواضيع، تتنافس الأصوات الكانطيّة والنفعيّة والتعاقديّة والمجتمعيّة على حلّ مسألة ما هو الصواب أو الخطأ من حيث المبدأ. إنّ الهدف من تحديد الصواب أو الخطأ من حيث المبدأ هو توفير أساس سليم يتمّ من خلاله إنشاء وصفات ملموسة لما يجب أن يحدث في عالم الشؤون الدوليّة.

ليس من المستغرب أنّ الحجج حول مثل هذه القضايا تميل إلى التورط في السؤال الميتافيزيقي للأساس المناسب للحكم الأخلاقي. فكلًّا من المناظرات الحاصلة بين المناهج الأخلاقيّة تصبح غير قابلة للحلّ من حيث المبدأ وأنّها في أحسن الأحوال غير مفيدة وغير قابلة للتطبيق على الإطلاق في الممارسة العمليّة. فهي غير قابلة للحلّ من حيث المبدأ؛ لأنّها تمثّل صدامًا على مستوى الأنطولوجيّات المثاليّة المتنافسة التي تكون حصريّة بشكل متبادل؛ فهي غير مفيدة أو غير قابلة للتطبيق من الناحية العمليّة؛ بسبب الافتقار الدائم للتوافق بين عالم «الأخلاق» الأوّل المفضّل (الأخلاق) مقابل عالم السياسة «الثاني المفضّل»[1].

من الواضح أنّ أخلاقيّات العلاقات الدوليّة هو حقل دراسي انطلقت بداياته من المحاولات التأسيسيّة لجروتيوس في بحثه

(42)

عن القانون الطبيعي، مرورًا بالأرثودوكسيّة المسيحيّة التي أضفت طابع السلام على العلاقات الدوليّة بمرجعيّتها اللاهوتيّة، وصولًا إلى النظريّة النفعيّة مع جون ستيوارت مل التي بلغت درجة الواقعيّة الأخلاقيّة. بعيدًا عن الجدل النظري الذي دار حول الأخلاقيّات في العلاقات الدوليّة، من الصعب الالتزام بمعايير أخلاقيّة موحّدة في تقييم سلوك الشعوب؛ نظرًا للاختلاف الذي يطبع الخبرات الثقافيّة والتاريخيّة للدول. لكن، في المقابل يمكن الوصول إلى مستوى عالي من الأخلاقيّات في العلاقات الدوليّة بشرط أن تتمّ الدعوة إلى تجريم الحرب وتفعيل مفهوم القضايا العادلة في المجال الدولي.

(43)
(44)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

التاريخ النقدي لمصطلح الإتيقا

 

(45)

أغلب الباحثين المعاصرين، ينتقلون من مفهوم الأخلاق كما انحدر إلينا من ثنايا الميتافيزيقا التقليديّة بتلويناتها المختلفة، إلى مفهوم الإتيقا بكلّ اللّبوس الغامضة التي تسكنه، فما هي الرهانات المساوقة لهذا التحوّل فلسفيًّا وسوسيولوجيًّا[1]؟ وهذه الجزئيّة تُعنى التنقيب عن الفرق الجذري بين الإتيقا والأخلاق ضمن تحوّلات المعرفة الإنسانيّة والفلسفات المتباينة حول علم الأخلاقيّات.

إنّ مفهوم الإتيقا بما هو بحث في التأصيل الفلسفي، واستكشاف لعلوم الإنسان المتعلّقة بالقيم السلوكيّة هو مفهوم قديم تمتدُّ جذوره إلى أفلاطون وأرسطو، وكانط، وسبينوزا، ونيتشه، ولكن الذي تغيّر هو طبيعة المقاربة المعاصرة لهذه المسألة جرّاء التراكمات المعرفيّة والتعقيدات البنيويّة التي عرفتها المجتمعات المعاصرة التي ترفض كلّ إتيقا باسم الإتيقا ذاتها. لذا، فإنّ الإتيقا تبدو وكأنّ مجال انهمامها هو الجهد النظري المبذول لبلورة المبادئ التي تنظّم علاقاتنا مع الآخرين، في الوقت الذي تحتفظ فيه الأخلاق بمهمّتها التاريخيّة البدئيّة، وهي وضع المبادئ موضع التطبيق والممارسة. فإذا كانت الأخلاق بالمفهوم الكانطي قد حافظت على وحدتها البنيويّة عبر التاريخ لمعياريّة ما تدعو إليه، حتى لا نقول لتجرُّده وبعدِه عن التطبيقات الواقعيّة، فإنّ الإتيقا قد تشذّرت إلى إتيقيّات بفضل التصدّعات التي ضربت البنية الرسوبيّة للمجتمعات المعاصرة؛ إذ وبالإضافة إلى اهتمام الإتيقا بالانقلابات الاجتماعيّة التي تضرب

(46)

العالم طولًا وعرضًا سواءً ما تعلّق منها بالفرد أم بالمجتمع، كالتحرّر الجنسي، العدالة، الممارسة السياسيّة، الحركات النسويّة، إلى غيرها من الانشغالات الأخرى[1].

أوّلًا: اللحظة الأرسطيّة

في أعلى نقطة من «الأخلاق إلى نيقوماخوس» (l’ةthique à Nicomaque)، بما هي أطروحة أخلاقيّة، يجب أن تُحدّد في وقت واحدٍ مبادئ الحياة الخيّرة، وتساعد قارئها على أن يُصبح فاضلًا. إذا كان يمكن وصف عمل أرسطو بأنّه علمي، عندما يتعامل مع أشياء، مثل: العرض الرياضي أو قوانين الفيزياء، فإنّه يتوقّف عن أن يكون نظريًّا بحتًا حينما يتعلّق الأمر بالمسائل الأخلاقيّة. يؤكّد أرسطو نفسه على الطبيعة المحدّدة للدراسة التي يكرّسها للأخلاق، ويضع تحت هذا المنظور النصّ الكامل للأخلاق إلى نيقوماخوس: «هذا العمل ليس الهدف منه، كباقي الأعمال الأخرى، تكوين نظريّة (ليس في الحقيقة لمعرفة ما هي الفضيلة التي نقبل بها عند الاختيار، ولكن لنُصبح خيّرين، وإلاّ فلن نحتاج إلى هذا العمل)»[2].

يَعتبر أرسطو الأخلاق «علمًا عمليًّا» (science pratique)، لا يوجد سبب لفصل النظر عن المبادئ والنظر في الوسائل التي يتمّ من خلالها تحصيل الفضائل. يُشير هذا المبدأ المنهجي بالفعل

(47)

وصراحةً إلى المسافة التي يأخذها أرسطو مع ما يسمّى «المدرسة الفكريّة السقراطيّة»، والتي يتمّ الدفاع عنها في محاورات أفلاطون، والتي تنصّ على أنّ امتلاك معرفة معيّنة قائمة على الخير أمرٌ كافي لتكون فاضلًا. لا يجب أن تُعرّف الحياة الخيّرة كجوهر، ولكن يجب السعي إليها بالفعل، والأخلاق هي بدقّة البحث عن مبادئ وشروط هذه الحياة الخيّرة[1].

انطلاقًا من هذه المماثلة والمطابقة بين النظر والفعل في الأخلاق عند أرسطو، يمكن القول: إنّ الإتيقا هي فعل سلوكي ناتج عن محاولة تطبيق المبادئ والقواعد الأخلاقيّة التي يُحصّلها الانسان من نظم المعرفة والبنية الاجتماعيّة.

لم تختلف قطُّ الفلسفة السياسيّة الأوروبيّة عمّا تضمّنته نظريّة أرسطو السياسيّة من أعمّ المبادئ الخلقيّة، وهي الإيمان بأنّه ينبغي للدولة أن تكون رابطة بين مواطنين أحرار متساوين خلقيًّا، وأن تحكم نفسها وفقًا للقانون، معتمدةً على المحاجّة والرضا أكثر من اعتمادها على القوّة، وتوضّح هذه الصفات الجليلة السبب في أنّ المفكّرين اللاّحقين، بل من تعاقبَ بعدهم حتى اليوم، يرجعون دوماً وتكراراً إلى أفلاطون وأرسطو[2].

تتّجه الإتيقا الأرسطيّة إلى سوء فهمها أو رفضها من قِبل أحفاده الغربيّين؛ لأنّه لم يكن لديه فكرة عن الالتزام الأخلاقي. تغلغل

(48)

أرسطو داخل إحدى المسارات الثقافيّة الرئيسيّة التي تتقاطع مع الإنتاج الحالي للغرب. يمثّل فكره العقلانيّة اليونانيّة الكلاسيكيّة بامتياز وهو بريءٌ من الانشغالات الأخلاقيّة للتراث اليهودي المسيحي في الغرب الذي لا يقلّ أهمّيّةً. على الرغم من أنّ النظريّات الأخلاقيّة لبنتام وكانط، تستند بشكل رسمي إلى العقلانيّة اليونانيّة، فهي تستدعي واجبات تُعيد -إلى حدٍّ كبير- الحساسيّات الأخلاقيّة المسيحيّة. ومع ذلك، يستمرّ التيّار اليوناني الكلاسيكي في الاستحقاق، وتتعايش القيم الأرسطيّة مع المعايير المسيحيّة في المجتمعات الغربيّة اليوم. تتعلّق أخلاقيّات أرسطو بكيفيّة عيش الحياة الخيّرة. بالنسبة له، حياة الإنسان خيّرة أو شرّيرة بالطريقة نفسها التي تكون بها الأداة خيّرة أو شرّيرة. الأداة الخيّرة هي التي تؤدّي وظيفتها بشكل خيّر[1].

من هنا، نعتبر أنّ الأخلاق الأرسطيّة لها امتداد نظري داخل الفلسفة الحديثة، وهي بمثابة اللبنة الأساسيّة التي مهّدت الطريق نحو فكرة «نمط العيش» وطريقة تعاطي الإنسان مع الحياة، فكما يوجد إتيقا للحياة هناك أيضًا في المقابل إتيقا للموت. وعليه، نستنتج أنّ الأخلاق في جوهرها هي بمثابة الروح في تمثّلها واقعًا وهو ما ذهب إليه هيغل.

ثانيًا: اللحظة الهيغيليّة

دافع هيجل في كتابه «فينومينولوجيا الروح» (Phenomenolo

(49)

gy of Spirit) بأنّه من الممكن فهم التاريخ على أنّه مدفوع بفكرة محوريّة اسمها الروح. هذه الروح إنّما تُشير إلى التوجّهات الأخلاقيّة التي لا بدّ أن تكون ماثلة في المؤسّسات الاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة التي تحكم الحياة الإنسانيّة. إنّها معرفة تتطوّر على نحو هائل عبر الزمن، وبفهمنا للروح أو إمكاناتها الأخلاقيّة؛ فنحن نكتسب صورة أكثر دقّة لعناصر الأخلاق، وكيفيّة الإفصاح عنها. وفي النهاية، أي في «نهاية التاريخ» تنجلي الروح كاملةً، مقترنًا ذلك بأكمل فهم ممكن لكلٍّ من المفاهيم الأخلاقيّة التي تحكم الحياة، وما يناظرها من أشكال مؤسّساتيّة. والدولة الهيجيليّة هي أكثر التجسيدات الأساسيّة للروح؛ لأنّها تقف فوق المجتمع المدني الذي يمثّل ميدانًا تسوده المصالح المتنافسة، وهي من ثمّ تُعطي المجتمع المدني ما يلزم من المعايير الأخلاقيّة. وبفضل ما توفّره الدولة من توجيه أخلاقي يمكن أن يكون هناك الكثير من المصالح المتنوّعة في المجتمع المدني، وفي الوقت نفسه، لن يكون هناك تفكّك اجتماعي أو تنافس هدّام[1]. بمعنى آخر، يمكن للقانون أن يمثّل روحًا أخلاقيّة تستند إليها الدولة في ضبط الحياة الاجتماعيّة بتناقضاتها.

 في الجزء الثاني من كتاب «مبادئ فلسفة الحقّ والقانون»، يتناول هيجل الأخلاق النظريّة، كما أنّه في الجزء الثالث سيتناول الأخلاق العمليّة. ما هي العلاقة بين الأخلاق والقانون؟ يُحدّد هذه

(50)

العلاقة الإرادة الحرّة الواعية بذاتها، الإرادة التي تُعيّن أفعال الإنسان. فمفهوم الأخلاق عند هيجل يقوم على وعي الإنسان بحرّيّته، أي قيمته اللامتناهية، بالسيطرة على ذاته هو؛ فالإنسان في حدّ ذاته هو القيمة والينبوع للفعل الأخلاقي والأخلاق تمثّل الجانب الواقعي لمفهوم الحرّيّة[1].

لا يكتفي هيغل بوسم الأخلاق بالروح فقط على مستوى الدولة، ولكنّه يذهب إلى أبعد من ذلك؛ فيجعل هذه الروح تسكن ذات الفرد من خلال امتلاك هذا الأخير لإرادته الحرّة التي تُعتبر حصيلة للوعي والمسؤوليّة القاطنين داخل العقل الذي يتجسّد عمله الحرّ في المجتمع بأبنيته المتناقضة والتاريخ بتمثّلاته الجدليّة.

لقد درس هيجل ذلك في إطار ما يُعرف عنده بدياليكتيك الأخلاق. ففي الجزء التالي من فينومينولوجيا الروح، بعنوان «العقل»، نظرَ هيجل في كيفيّة تجسيد عقل الإنسان في قواعده ومؤسّساته. يُشكّل هذا الجزء سردًا للأنواع الرئيسيّة للموقف الأخلاقي وفلسفة التاريخ. يجتمع هذان الخطّان من الفكر مع اعتبار هيجل التطوّر التاريخي من الحضارتين اليونانيّة والرومانيّة إلى المسيحيّة المبْكرة والوسيطة وحتى البروتستانتيّة والثورة الفرنسيّة؛ بوصفها كشفًا للجوانب الرئيسيّة للحرّيّة ومراحلها، وبالتالي، كعمليّة تطوّر جدليّة لما كان مجرّدًا وكامنًا وضمنيًّا في أخلاق العالم القديم. هذا التطوّر الجدلي لأنّه ينطلق من التموّجات ولأنّه أصبح ممكناً؛ بسبب الصراع

(51)

في العالم القديم؛ بسبب الصراع بين آلهة الأسرة وقوانين المدينة وفي العالم الحديث؛ بسبب الصراع بين مطالب الفرد ومتطلّبات المجتمع[1].

 انطلاقًا من أطروحة هيغل حول الدولة، والتي عرضها في مؤلّفه مبادئ فلسفة الحقّ. فقد ركّز على فكرة الإتيقا الاجتماعيّة (sittlichkeit) التي تتوحّد في إطارها الأبعاد الذاتيّة والموضوعيّة للجماعة، عبر ثلاثة لحظات، وهي: العائلة والمجتمع المدني والدولة. وهذه الأبعاد مترابطة داخل وجودنا الاجتماعي، لكنّها متسلسلة بشكل تدريجي؛ حيث تَعتبر الدولة هي الحدّ النهائي لمسارها. بهذا المعنى، يُمكن أن تتحدّد الإتيقا الاجتماعيّة بوصفها حركة منطقيّة للتحقّق الذاتي للدولة، ويمكن لهذه الاخيرة أن تُحدّد بوصفها تحقّقًا للفكرة الإتيقيّة، أي باعتبارها عقلانيّة متحقّقة[2].

 لكن، السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق: هل هذا يعني أنّ هناك ما يمكن تسميته كذلك بإتيقا الدولة؟ نعم، يمكن ذلك ما دام أنّ الإتيقا هي أعلى تحقّق لذات الدولة، إلاّ أنّ ذلك لا يتمّ من غير إصلاح العقل، هذا الأخير الذي يمثّل النواة التي تحرّك الدولة أو الروح التي تحيا بها الدولة.

(52)

ثالثًا: لحظة اسبينوزا

في أواخر عام 1650م، بدأ سبينوزا العمل على أطروحة عن المنهج الفلسفي تدور حول «إصلاح العقل». أوّل أعماله الفلسفيّة الأصليّة المتبقّية؛ حيث تمّ تصوّره كجزء أوّلي من مشروع أكبر. في الأطروحة، يعالج سبينوزا بعض المشكلات الأساسيّة المتعلّقة بطبيعة المعرفة وأنواعها ووسائل تحقيق الفهم السليم، كلّ ذلك في سياق المفهوم الواسع لما يشكّل «خيرًا» للكائن الإنساني. يصرُّ سبينوزا على أنّ طريقة إصلاح العقل و «علاجه» و «تطهيره» و «جعله قادرًا على فهم الأشياء» هي اكتشاف طريقة منهجيّة وموثوقة للتمييز بين البراهين الواضحة والمتميّزة عن تلك غير الكافية التي كثيراً ما تضلّلنا. وبهذه الطريقة، يمكن للمرء أن يتصوّر كيف تعتمد كلّ الأشياء على مبادئ ثابتة وأبديّة، وهدفنا النهائي، إدراك «الاتّحاد الذي يربطنا بالطبيعة كلّها»[1].

كانت الإتيقا عند اسبينوزا محاولةً للوصول إلى تصميم أكثر اكتمالًا ووضوحًا وأكثر منهجيّةً في «النمط الهندسي» لمشروعه الفلسفي الكبير الأخلاقي والفيزيائي. لقد عمل على هذا المسار بثبات لعدّة سنوات، من خلال انتقاله إلى فويربورغ في عام 1663م وحتى صيف عام 1665م[2].

في نهاية سنة 1674م، أتمّ سبينوزا تأليف «علم الأخلاق» الذي كانت خلفيّته قراءاته المتعدّدة لهوبز لِما أثاره مذهبه من مُجادلات

(53)

[...]. وعلى الرغم ممّا لقيته الرسالة في اللاهوت والسياسة 1970م من استنكار شديد من قِبل السلطات الدينيّة؛ بسبب التصدّي لموجة العنف ضدّ حرّيّة التفكير والدعوة إلى علمانيّة الدولة وحرّيّة المعتقد [...]، إلا أنّ سبينوزا كان ينوي نشر علم الأخلاق. فالرسالة في اللاهوت والسياسة كانت ظرفيّة تُعالج مسائل آنيّة، على خلاف «الأخلاق» التي تُعبّر عن انعكاس عقل الله الأزلي من عقل سبينوزا الفاني، ورغم أنّه كتاب لم يشغل فيلسوفنا إلّا بعد تأمّلٍ عميق في شروط إصلاح العقل[1].

إنّ أخلاق سبينوزا ليست عنصرًا أو جزءًا من فلسفته، فلسفته كلّها أخلاقيّة في مبادئها وأسسها وفي أبعادها ومساعيها. ومع أنّ الأبواب الأوّلى من علم الأخلاق تعرض المبادئ الميتافيزيقيّة التي تقوم عليها المبادئ الأخلاقيّة، فضلًا عن كون المطلوب من هذه الأبواب هو أن تبيّن لنا ما ينبغي معرفته لكي يُصبح المشروع الأخلاقي ممكنًا، إلا أنّ ما يُحدّد البعد النظري لهذه الأبواب هو السعي إلى بلوغ الخير الأعظم والفوز بالسعادة الحقيقيّة. لن نَحيد عن الصواب إذا عرّفنا الأخلاق السبينوزيّة بأنّها أخلاق سعادة، وفلسفته بأنّها فلسفة الفرح، باعتبار أنّ الطرح الأخلاقي لقضيّة الفرح والسعادة في كتاب علم الأخلاق لا يخرج عن نطاق التساؤل الآتي: «كيف أضمن لنفسي أكبر عدد من انفعالات الفرح وأقلّ عدد من انفعالات الحزن؟»[2].

(54)

إنّ الحلّ الإتيقي الذي يصوغه اسبينوزا للبشريّة، من خلال رسالته حول الأخلاقيّات (Ethica)، هو الوصول إلى لحظة وئام بين الإله والعالم، بين الإنسان والطبيعة، بين الروح والمادّة. هذا الانسجام الأخلاقي بين الثنائيّة التقليديّة يُمكّن الإنسان من التقاف جوهر السعادة.

رابعًا: اللحظة الكانطيّة

في العمل الأساسي لميتافيزيقيا الأخلاق ونقد العقل العملي، يُقدّم كانط نفسه باعتباره بطلاً للفكر الأخلاقي العادي. في الأساس، يُحدّد المبدأ الأعلى للأخلاق باعتباره ضرورةً حتميّةً وحيدةً ويدافعُ عنه ضدّ الاتهام بأنّه خيالي. يرتبط تحليله صراحةً بما يعتقد أنّه مشترك؛ المفهوم ما قبل الفلسفي للقيمة الأخلاقيّة[1].

تُعرف اللحظة الكانطيّة بمبدأ الواجب في التأسيس للإتيقا الخالصة التي بحث لها كانط عن ميتافيزيقا أخلاقيّة ودينيّة في الآن نفسه، الأوّلى نجدها في إشارته للقواعد البانية والمؤسّسة لمفهوم الواجب الأخلاقي «كالواجب لذاته والواجب في ذاته»، وهي ميتافيزيقا أخلاقيّة تصلُ الإنسان بأهمّيّة مفهوم الإخلاص الموجود من قَبلُ في الثقافة الدينيّة الإسلاميّة، وحتى في الدين الإسلامي الذي يؤكّد دائماً على أنّ صلاح العمل من صلاح النيّة ونقائها.  

إنّ فلسفة كانط النقديّة في بعدها الإتيقي نجد امتدادها في

(55)

الفكر الأخلاقي المعاصر، والذي يمثّله الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، خاصّة أعمال يورغن هابرماس الألماني[1].

خامسًا: لحظة فيتجنشتين

لا يلجأ فيتجنشتاين إلى العالم كشكل، ولكن إلى العالم الإنساني كنشاط من خلال ملاحظته تحت منظور اللغة. وهكذا تُصبح الاستخدامات والحياة والفعل هي مفاتيح فهم هذا التفكير الجديد. يتحوّل المعنى إلى فعل، [...] من هنا، يبدو أنّ البحث عن مفهوم أخلاقي يكمن في العلاقة بين الفعل والمعنى واللغة. وبالتالي، فإنّنا ننضوي تحت الاعتبارات البراغماتيّة. لتوضيح ذلك، يجب أن نفحَص بعض السمات الأساسيّة للنظريّة البراغماتيّة الأخلاقيّة[2].

لا تخرج نظرة فتجنشتاين عن الرؤية العامّة للمدرسة الوضعيّة، فهي تنظر إلى الأحكام الأخلاقيّة من زاوية مغايرة لنظرتها في نظريّة المعرفة، [...] فالأحكام الخُلقيّة عند المدرسة الوضعيّة لا تُوصف بالصدق أو الكذب؛ لأنّها تُعبّر عن رغبات وأحاسيس ومشاعر إنسانيّة فقط، [...] فلا يُمكن الحكم بالصدق أو الكذب

(56)

على الحكم الأخلاقي؛ لأنّ كلّ وجهات النظر الأخلاقيّة في رأي الوضعيّة المنطقيّة مشروعة تماماً، وربّما انحدرت إليهم هذه النظرة من جورج مور[1].

تُعتبر محاضرة فيتجنشتاين لعام 1929م حول الأخلاق، الوحيدة لجمهور غير فلسفي (جمعيّة الزنادقة في كامبريدج)، نصُّه الوحيد الذي يتعامل حصريًّا مع الأخلاق، بالإضافة إلى محاضرته الوحيدة التي تُوجد مسودّات عديدة لها. عادةً لا يتكلّم فيتجنشتاين من نصّ مُعدّ. أراد كلٌّ من زامونر ودي لاسيو (Zamuner, Di Lascio) وليفي لارس هيرتزبيرج (Levy Lars Hertzberg) تصحيح الانطباع بأنّ فتجنشتاين كان لديه القليل من الاهتمام بالأخلاق من خلال القول بأنّه جادّ أخلاقيًّا وأنّ الفلسفة بالنسبة له مهمّة أخلاقيّة. ومع ذلك، في هذا السياق، سيكون من المهمّ التمييز بين الجدّيّة الأخلاقيّة والاهتمام بالفلسفة الأخلاقيّة. يبدو واضحًا لي أنّ القضايا في الفلسفة الأخلاقيّة لم تحرّك الخيال الفكري لفيتجنشتاين إلى أيّ درجة يمكن مقارنتها بالطريقة التي فعلت بها أسئلة اللغة والعقل. هذا، ومن ناحية أخرى، لا ينتقص بأيّ شكل من الأشكال من جدّيّته الأخلاقيّة. كانت النقطة الرئيسيّة في المحاضرة، كما أشار فيتجنشتاين، هي التناقض القائل بأنّ بعض التجارب تبدو ذات قيمة مطلقة (أو خارقة للطبيعة)، ومع ذلك، تُحدث التجارب في العالم، ولا شيء في العالم يمكن أن يكون له قيمةً مطلقةً. [...] كان الحلّ

(57)

الذي قدّمه فيتجنشتاين للمفارقة هو التصريح بأنّ محاولة التعبير عن التجارب المعنيّة (أو إسناد قيمة لها) غير منطقيّة. [...] من الواضح أنّ طريقة فتجنشتاين في التعبير عن نظرته للأخلاق تأثّرت بفكره المنطقي[1].

إذن، ذهب فيجنشتاين نحو إرساء معالم إتيقا سياجها منطقي؛ لأنّ النظر في القيمة الأخلاقيّة مردّه إلى العقل الذي يُؤمن بالتراتبيّة المنطقيّة في تقييم الأشياء في العالم، والسلوك بهذا المعنى يختلف في تراتبيّته القيميّة من شخص إلى آخر. فالإنسان الجيّد في الأخلاق ليس مثل الإنسان السيء في الأخلاق بدرجة معيّنة. القيم تخضع للسلم المنطقي في نظر فيجنشتاين. وجهة النظر هذه أحدثت طفرةً في التعامل مع ما هو إتيقي عمليًّا.

سادسًا: المنعطف الإتيقي والديمقراطيّة

إنّ مراجعة موجزة للنظريّة السياسيّة المعاصرة تكشف عن تطوّر ملحوظ بما فيه الكفاية للحصول على وسم: «التحوّل إلى الأخلاق» (turn to ethics). هذه العبارة، على الرغم من أنّها ذات أهمّيّة، إلّا أنّها مُضلّلة أيضًا؛ لأنّها تقترح ظاهرة موحّدة، تداعيات متأصّلة في الفهم المتعدّد والمتنافس للأخلاق والروح[2] التي تُشكّل النقاش المتزامن. إنّ انتشار المفردات الأخلاقيّة لا يمكن

(58)

إنكاره، لكن هذا يُشير إلى أنّ السعي لتحقيق هدف مشترك أقلّ من الصراع حول الدلالة/ المعنى. ما يَزال، إحدى سمات هوس النظريّة الديمقراطيّة المعاصرة بالأخلاقيّات ملفتًا للنظر. باستمرار، وعبر العمل المُستوحى من مصادر شديدة التباين، تبرز الأخلاقيّات كعلاج لا غنى عنه لسياسة ديمقراطيّة مشلولة [...]؛ حيث يتمّ اعتبار الأخلاق دائمًا كمكمّل حيوي للسياسة، فتمدّ الديمقراطيّة بشيء لا يمكنها أن تقدّمه لنفسها ولكنّها تتطلّبه بشكل عاجل. في الواقع، ربّما كان الاعتقاد الوحيد الذي يُوحّد العمل المتنوّع المتزامن مع التحوّل إلى الأخلاق هو الاعتقاد بأنّ الأخلاق تُشكّل فقدان شيء يمكن أن يساعد في علاج ما يؤذي الحياة الديمقراطيّة. يتزايد انتشار هذه القناعة في الأوساط غير الأكاديميّة أيضًا، وهي أرقام ذات أهمّيّة بارزة في التشخيص السائد للأمراض التي تُصيب الديمقراطيّات الليبراليّة. إنّ صيغ الأخلاق المستوحاة من عمل ميشيل فوكو وإيمانويل ليفيناس تميل إلى تقويض، بدلًا من تعزيز، النشاط الديمقراطي للمواطنين. قد تكون أنماط الأخلاق العلاجيّة والخيريّة، التي تركّز على رعاية الذات ورعاية الآخر، على التوالي، جيّدة في حدّ ذاتها، ولكن على الرغم من الادّعاءات المناهضة، فهي غير مهيّأة لتغذية السياسات الديمقراطيّة. يجب علينا أوّلًا أن نسأل، ما الذي أدّى إلى المنعطف الأخلاقي في الفكر الديمقراطي الحديث[1]؟

(59)

هناك شرطان أساسيّان، هما:

السياق الأوّل: يبرز في مفهوم الروح الديمقراطيّة كطريقة للتفكير فيما يمكن أن يُلهم مشاركة المواطنين العاديّين في السياسة الديمقراطيّة أو يحفّزها. عادةً ما تهتمّ الجهود الرامية إلى تحديد أخلاقيّات الديمقراطيّة بتوضيح الخلفيّات أو التوجّهات التي، إذا تمّ تعزيزها، قد تستقطب المزيد من الأفراد إلى النشاط الديمقراطي. ويتمثّل التحدّي، علاوةً على ذلك، في تطوير توجّهات يمكن أن تُشجّع المشاركة المتحمّسة في العمل الصعب والمحبِط للسياسة الديمقراطيّة مع تجنّب الزخم والشيطنَة التي تميّز الكثير من الجدل السياسي اليوم. يَعتمد الاعتقاد بأنّ الأخلاق بشكل أو آخر يمكن أن تُلهم وتغذّي السياسة الديمقراطيّة على الفهم الضمني للسياسة باعتبارها غير قابلة للاختزال للسمات الرسميّة للحكومة-مؤسّسات النظام وقوانينه وإجراءاته. في الواقع، يتطلّب استقصاء الروح من المرء أن يفكّر في روح الديمقراطيّة، أي عولمة السلوكات، وعادات الشعور، وخصائص الشخصيّة التي تعمل على تحريك ممارسات الحكم الذاتي واستدامته. إذا كانت هذه الروح ضعيفة إلى حدٍّ ما أو حتى مفقودة اليوم، فكيف يمكن زراعتها؟ ما هي التأثيرات أو الخلفيّات التي تقتضيها؟ وهل يمكن تعزيز مثل هذه الصفات بين مواطنين متنوّعين بطرق تحترم التنوّع والحرّيّة؟ البحث عن الأخلاق، جزئيًّا على الأقل، ردًّا على نظام ديمقراطي شكلي يتميّز فقط بالحدّ الأدنى من النشاط الديمقراطي[1].

(60)

أمّا السياق الثاني المهمّ لفهم انتشار النقاش الإتيقي هو ما أشار إليه ماكس فيبر في بداية القرن العشرين على أنّه «وضعنا الذي لا مفرّ منه»، أو ما يُسمّى اليوم غالبًا باسم «حقيقة التعدّديّة». إنّ الاعتراف المتزايد بالسلع والأديان المتنافسة التي لا يمكن التوفيق بينها وطرق الحياة التي تميّز الوجود البشري قد ألقى بظلال من الشكّ على فكرة أخلاق واحدة من شأنها أن تؤسّس الحياة السياسيّة. في ضوء هذا التطوّر، اكتسب موضوع الأخلاق أهمّيّةً جديدةً. إذاً، لم يعدّ من الممكن تصوُّر السياسة على أنّها استنساخ لخير عالمي في عالم يتميّز بآراء شاملة متعدّدة وغير متوافقة، يبدو أنّ أفكار الأخلاق والروح تفتح طُرقًا للتفكير في الأبعاد المعياريّة للسياسة بطرق غير حتميّة. يُشير اقتحام مجال الأخلاق إلى محاولة التعامل مع أسئلة القيمة والشخصيّة والالتزام في عصر التعدّديّة. ولكن، إذا كان البحث في الأخلاق جزئيًّا استجابةً لحقيقة التعدّديّة، المقبولة الآن على نطاقٍ واسعٍ كنقطة انطلاق للتنظير السياسي، فيجب تمييز هذا البحث عن العمل المؤثّر ليورغن هابرماس وجون راولز وورثتهم الفكريّين، والذي يقدّم أيضًا التعدّديّة كنقطة بداية. على الرغم من أنّ كلٍّ من هابرماس وراولز يتعاملان مع وجود مذاهب أو مفاهيم شاملة متعدّدة لا يمكن التوفيق بينها عن الحياة الخيّرة على أنّها أمر محدّد، فإنّ كلًّا منهما يستجيب لهذا الشرط بطرق تتحوّل فيها إلى تحدّيات أخلاقيّة. من ناحية، يُقرّ هابرماس بأنّه لا توجد إجابة واحدة على سؤال الحياة الخيّرة الممكنة؛ الإجابات على هذا السؤال متجذّرة في تقاليد وثقافات معيّنة تتضارب وتتعارض بدون

(61)

وعد المصالحة. مع ذلك، يدّعي أيضًا أنّه يمكن تحقيق وجهة نظر أخلاقيّة من خلال الإخلاص لإجراء خاصّ من التبرير. وجهة النظر الأخلاقيّة هذه عقلانيّة وعالميّة، ولا يمكن اختزالها لأشكال ملموسة من الحياة الأخلاقيّة. يعترف هابرماس بتعدّد القيم الأخلاقيّة وطرق الحياة المقابلة باعتبارها جزءًا كبيرًا من الحداثة، ولكن هذه التعدّدية الأخلاقيّة مؤهّلة ومحدودة من قِبل الأخلاق الإجرائيّة التي تُبقِي على السياسة الديمقراطيّة الليبراليّة شكلًا من أشكال المعايير الطبيعيّة. من ناحية أخرى، يسعى راولز بشكلٍ ملفتٍ للنظر في عمله اللاّحق إلى تقديم مبرّر سياسي، وليس أخلاقيًّا، لمفهومه للعدالة، والذي يظلُّ محايدًا بين الرؤى الأخلاقيّة المتنافسة. إنّ حقيقة التعدّديّة نفسها تقود راولز إلى تغيير نظريّته للعدالة بطريقة تجعل مبرّرها مستقلاً عن أيّ مثال أخلاقي شامل. العدالة كإنصاف لا تطمح إلى العالميّة، ولكن بدلًا من ذلك، وفقًا لراولز، فهي متجذّرة بوعي ذاتي في سياق تاريخي معيّن، أي الديمقراطيّة الدستوريّة الحديثة. ولكن بينما يسعى راولز إلى تجنّب الشموليّة الأخلاقيّة التي يحتفظ بها هابرماس، فإنّ أطروحته غير الميتافيزيقيّة للعدالة تتضمّن الدفاع عن «العقل العام» الذي يحدُّ بشكل صارم من التعبير عن التعدّدية في الحياة السياسيّة. على الرغم من أنّ الفروق الدقيقة في العقل العامّ الراولزي لا تزال موضع جدلٍ حادٍّ، إلّا أنّ وظيفتها واضحة: فهي تحدّد نمط تقديم الأسباب والحجج التي يحملها راولز وينبغي ألا تميّز النقاش العامّ في مجتمع ليبرالي متنوّع. في ظلّ ظروف

(62)

التعدّديّة، كتب راولز: «هناك العديد من الأسباب غير العامّة ولكن هناك سبب عامّ واحد فقط»[1].

إنّ التحوّل إلى الأخلاق في النظريّة الديمقراطيّة بعد التأسيس يأخذ التعدّديّة كنقطة انطلاق، لكن توجّهها نحو هذه الحقيقة يتميّز عن كلٍّ من المقاربة الهابرماسيّة والراولزيّة بطريقتين أساسيّتين. أوّلًا، عندما يتمّ تقديم الأخلاق من نوع أو آخر على أنّها تغذية للحياة الديمقراطيّة، فإنّ هذه البادرة تتنصّل عادةً من الأشكال الأخلاقيّة التقليديّة. يُقدّم العمل الذي يعتمد على فوكو وليفيناس، على سبيل المثال، الإتيقا على أنّها تحدٍّّ صريح للأخلاق، مهما كانت شكليّة أو إجرائيّة. في الواقع، تُسمّى الأخلاق في هذا السياق في بعض الأحيان «ما بعد الأخلاقيّة» (postmoral) اعترافًا بخروجها عن التقاليد الأخلاقيّة المألوفة التي يُعتقد أنّها تَنكر أو تُمارس العنف على تعدّديّة القيم والسلع والأديان. إذا تحدّثنا بشكل منهجي للغاية، يُفهم أنّ الأخلاقيّات أكثر تحديدًا وفاعليّة من النماذج الأخلاقيّة العالميّة التي يحكمها العقل. بينما تتّجه الأخلاق التقليديّة إلى التطلّع نحو وضع القانون، فإنّ الإتيقا تُميّز غرس السلوكات عن اتّباع القواعد، ممّا يُشير إلى طريقة للوجود في العالم لا يمكن صياغتها بمصطلحات شاملة. ثانيًا، عادةً ما يُفهم السعي وراء ما بعد أخلاق الإتيقا (post-moral ethics) على أنّه محاولة لتوسيع، بدلًا من احتواء، التعبير عن التعدّديّة في الحياة العامّة. بالنسبة للمفكّرين مثل ويليام كونولي وجوديث بتلر وسيمون كريتشلي، على سبيل

(63)

المثال، الذين يعتمدون على الأخلاقيّات الفوكوية (Foucauldian) والليفيناسية (Levinasian) لدعم الديمقراطيّة الراديكاليّة، فإنّ المهمّة ليست مفهومة في المقام الأوّل على أنّها للحدّ من وجود التعدّديّة في النقاش السياسي وصنع القرار. وبدلًا من ذلك، فإنّ الهدف هو تصوير صفات شخصيّة وعادات للشعور وتطويرها التي قد تُتيح التبادل الحيوي والمحترم عبر الاختلافات العميقة، ممّا يعزّز المزيد من التعدّديّة في الحياة الجماعيّة. يتساءلون، ما هي الفضائل التي يمكن أن توجّه عمل المواطن وتحرّكه في نظام حكم ديمقراطي ليبرالي يتميّز بآراء شاملة متنافسة لا يمكن التوفيق بينها؟ إذا كان البحث عن روح ديمقراطيّة مدفوعًا إلى حدٍّ كبير بهذه المشاكل المميّزة للحاضر، يمكننا أن نرى أنّ ذلك يُعيد أيضًا إحياء بعض المخاوف القديمة جدًّا داخل النظريّة السياسيّة. على الرغم من أنّ تاريخ الفكر السياسي لا يقدّم أيّة إجماعٍ بسيطٍ على هذه المسألة، فإنّه يكشف عن انشغال دائم بمسألة كيفيّة ارتباط الأخلاقيّات بالسياسة، وهو الانشغال الذي يمتدّ عبر الزمن والتقاليد الفكريّة المتنافسة[1].

يحدّد هذا السجال الإتيقي حول علاقة الأخلاق بالديمقراطيّة -هل يمكن للأخلاق أن تبني ديمقراطيّة سليمة؟- المسار الجدلي للإتيقا المعاصرة، رغم الاختلاف حول هذه المسألة إلاّ أنّ النظام المعرفي الإسلامي يُقدّم إجابة معقولة وواضحة حولها، حينما اعتبر أنّ الأخلاق هي مجموع الفضائل التي يمكن أن تؤسّس لأخلاقيّات

(64)

الحوار والتعاون والتشاور والتراحم واحترام الآخر، فكلّ هذه الفضائل تصدر من مشكاة واحدة وهي خليقة «السَّمَاحة»[1] كما ينعتها عباس محمود العقّاد في كتابه «الديمقراطيّة في الإسلام» -أوّل ما صدر كان حوالي عام 1952م-، بمعنى آخر: إنّ هناك أخلاقًا ديمقراطيّة في الإسلام. 

 سابعًا: اللحظة ما بعد الحداثيّة للإتيقا

هناك العديد من المفاهيم الخاطئة حول أخلاقيّات ما بعد الحداثة التي تنشأ من أولئك المنظّرين الذين يستقرؤون الأفكار اعتمادًا على التفكير ما بعد الحداثي بشكل عام، مثل: التركيز على الاختلاف، والبناء السردي للذات والبناء الاجتماعي للمعرفة، ومحاولة تطبيقها على نظريّة أخلاقيّة. [...] نحتاج إلى تبديد بعض التفكير السلبي المنسوب إلى أخلاقيّات ما بعد الحداثة المتعلّقة بالنسبيّة الأخلاقيّة وتناقض الأخلاق. [...] تُشير ما بعد الحداثة، خاصّةً كما تبنّتها نظريّة ما بعد الاستعمار، إلى الطريقة التي تتفوّق بها القيم الغربيّة على القيم التقليديّة أو الأصليّة. تنطلق نظريّة باومان (Bauman) الأخلاقيّة ما بعد الحداثيّة القائمة من: عدم اليقين الأخلاقي والتناقض الأخلاقي والمسؤوليّة الأخلاقيّة. فهو يسعى إلى رفع غطاء الوهم الذي أوجده اليقين المنشود للأخلاقيّات الحديثة - وهو النوع الذي يشترك فيه

(65)

السوسيولوجيّون كما هو مُوضّح في النظريّة الأخلاقيّة لهابرماس. [...] نقطة الانطلاق لأخلاق ما بعد الحداثة هي الاعتراف بعدم اليقين الدائم عندما يتعلّق الأمر بقضايا الأخلاق، والتوتّرات المستمرّة في الأمور المتعلّقة بالقيم والإتيقا والأخلاق[1].

اكتست الأخلاق ما بعد الحداثيّة طابعًا تعدّديًّا بفعل التصدّعات التي طرأت على الأرضيّة الاجتماعيّة داخل المجتمعات المعاصرة التي تأثّرت بالتقنيّة وتغيّر لغة التواصل، وعودة الدين بثوب علماني جديد، وتبدُّل الخطابات السياسيّة التي أصبحت أكثر براغماتيّة ونفعيّة، أيضًا ارتبط التحوّل الإتيقي بتغيّر الأنظمة السياسيّة في العالم وبحثها عن أخلقة الممارسات الديموقراطيّة أو في المقابل دمقرطة الأخلاق الإنسانيّة كترسيم الحرّيّات والحقوق وتدعيم الحركات النسويّة خاصّة في أوروبا. إذن، نتيجةً لهذه العوامل السياسيّة والتكنولوجيّة والأخلاقيّة، نحن بصدد عمليّة تفكيكيّة للأخلاق المعاصرة؛ تشظّت المنظومة الأخلاقيّة الواحدة إلى أخلاقيّات متعدّدة.

طرح باومان السؤال الآتي: هل «المجتمع» نتيجة لكبح الأنانيّة والميول العدوانيّة لدى أعضائه بواجب التعاون، أو هل هو، على النقيض من ذلك؛ نتيجة لتخفيف غيريّتهم المستوطنة واللامحدودة «بنظام الأنانيّة»؟ باستعمال مفردات إيمانويل ليفيناس، يمكننا أن نقول: إنّ الوظيفة الرئيسيّة للمجتمع، «بمؤسّساته، وأنماطه العالميّة»،

(66)

هي أن يجعل المسؤوليّة غير المشروطة في جوهرها واللامحدودة تُجاه الآخر مشروطة [...] إمّا باستعمال مفردات كنود لوغستروب (وهو مفكّر قريب الرؤية إلى حدٍّ بعيد من لفيناس ويصر، مثل ليفيناس، على أولويّة الأخلاقيّات على واقع الحياة في المجتمع ويدعو العالم لتحمّل مسؤوليّة فشله في الارتفاع إلى مستويات المسؤوليّة الأخلاقيّة)، سنقول: إنّ المجتمع نظام يهدف إلى جعل الوصيّة الأخلاقيّة الصامتة على نحو عنيد، ومزعج ومؤلم[1].

بعد مجيء مجتمع الحداثة السائلة [...] برز التدمير الواضح لنظام الضبط المعياري، ونتيجة لذلك؛ تحرّرت تدفّقات ضخمة من السلوك الإنساني من التنميط القسري، الرقابة، والسيطرة البوليسيّة، وأُحيلت أعداد كبيرة من الوظائف التي كانت اجتماعيّة إلى منطقة «سياسيّات الحياة» الفرديّة. في الوضع المخصّص والمحرَّر من الضوابط والمركِّز على المشاغل الاستهلاكيّة ومساعيها، أُلقيت المسؤوليّة العاجلة للاختيارات -للفعل الذي يتلو الاختيار ولنتائج تلك الافعال- على كاهل الفاعلين الأفراد. كما أشار بيير بورديو قبل عقدين، لقد حلّت الإثارة محلّ القسر، والإغراء محلّ الفرض العنيف للأنماط السلوكيّة، والعلاقات العامّة والإعلان محلّ المراقبة البوليسيّة للسلوك، وإثارة احتياجات ورغبات جديدة محلّ الضبط المعياري بصفته تلك[2].

(67)

ينطبق معنى التعدّديّة الأخلاقيّة على ما أتى به عالم الاجتماع البولندي، والأستاذ بجامعة «ليندز» البريطانيّة، زيغمونت باومان (1925-2017م)، على تطبيقه لمفهوم السيولة على الحياة الأخلاقيّة؛ وذلك بفعل التأثّر بالعامل الاستهلاكي، ليس في بعده المادّي فقط، وإنّما كذلك في معنى الاستهلاك النهِم للبعد التكنولوجي بما يؤثّر على العلاقات الإنسانيّة في تواصلها الإتيقي المشحون بالقدرة والطاقة المتّجهة نحو الأخلاق والحبّ والحياة، كلّ ذلك أصبح مُنفصمًا عن السياسة، لم تعد هذه الأخيرة تضبط الأخلاق. لأنّنا غدونا في عصر الحداثة السائلة الذي جعل الأخلاق في حالة اضطرابيّة واضطراريّة؛ فقد أصبحت الأخلاق رهينة للمُتعيّة واللّحظيّة والفوريّة في الاستجابة للسلع الاستهلاكيّة، سواءً كانت هذه السلع دينيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة.

(68)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الاتجاهات الفلسفيّة المعاصرة

لمفهوم الإتيقا

نقد للأخلاق التقليديّة والنظريّة

 

(69)

أوّلًا: الفلسفة السياسيّة كمقاربة لأزمة القيم المعاصرة

سادت في الفكر الأوروبي خلال فترة الحربين الغربيّتين وما بعدها تيّارات فلسفيّة اهتمّت بموضوعات الإنسان، كالقلق، والوجود، والتشاؤم، والالتزام، والصراع الطبقي، ونهاية التاريخ، وغيرها من القيم التي أعقبت انهيار الثقة بالإنسان، والإيمان بالعقل؛ من جرّاء الحروب، وإفلاس أفكار التنوير، والشكّ في تفاؤل النزعة العلميّة للقرن التاسع عشر بعد اكتشاف الخطر الذرّي[1].

وقعت أوروبا خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تحت ضغط حركة عميقة من الفكر الاجتماعي، واضطرابات اقتصاديّة خطيرة، وتجديدات جذريّة في الفنّ، وإصلاحات واضحة في مجال الدين[2].

في حقل الفلسفة، اهتمّ الفلاسفة بالقيم المتعلّقة بالحقيقة والخير والجمال؛ أمّا في العلوم السياسيّة، فركّز العلماء على القيم التي تؤثّر على العلاقات الاجتماعيّة من حيث عمليّة التكامل التي تميّز المجتمعات المعاصرة[3].

من جهة أخرى، طَرحت إمكانيّة عودة الأخلقة (re-mora

(70)

lization) إلى الواجهة بعض الأسئلة المهمّة: من أين تأتي القيم الأخلاقيّة؟ وما هي، على وجه الخصوص، مصادر القيم الأخلاقيّة في مجتمع ما بعد الصناعة؟ هذا الموضوع، والذي من الغريب أنّه لم يحظ باهتمام كبير [...] حسب فوكوياما قد يقول معظم الناس إنّ القيم إمّا تنتقل من الأجيال السابقة من خلال التنشئة الاجتماعيّة، أو تفرضها كنيسة أو سلطة هرميّة أخرى. لا زال يتعيّن البحث عن إجابات لهذه الأسئلة في عمق الروحانيّة وفي العودة إلى الله. فالمؤسّسات الدينيّة قد تلعب دورًا حاسمًا في فرض منظورات على الجمهور؛ من أجل التأثير على المؤسّسة السياسيّة عند اتخاذ قرارات سياسيّة. وفقًا للمنظور الأخلاقي، هناك حاجة للتأكيد على مبدأ عدم اتخاذ أيّ قرارات سياسيّة أو تنفيذها، فيما يتعلّق بالقضايا المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأخلاق والمحمّلة بالضوابط الأخلاقيّة، في المجال العلماني حصريًّا، ودون أيّ مشاركة من الشريحة ذات التوجّه الروحي في المجتمع ودون مراعاة رأي العقيدة الدينيّة. أيُّ قضيّة تتعارض مع العناصر الإتيقيّة أو الأخلاقيّة هي قضيّة يجب تفويضها إلى المعسكر الروحي والديني، من أجل محاولة تقديم حلول أكثر ملائمَة في سياق تاريخي معيّن. ما أفهمه هو أنّ الإجابات على الأسئلة الأخلاقيّة يجب أن يكون لها مصدر أخلاقي، وبالتالي، فإنّ وجهة النظر هذه تعود إلى الكتاب المقدّس.

يخلص فوكوياما إلى أنْ: تُسمّى فضائل الصدق والموثوقيّة، التي تعدّ أساسيّة للتعاون الاجتماعي والمركّب غير المادّي للثقة المتبادلة والمشاركة ﺑ «رأس المال الاجتماعي». جادل الكثير

(71)

بأنّ هذه الفضائل لها مصادر دينيّة، وأنّ المجتمعات الرأسماليّة المعاصرة تعيش خارج رأس المال الثقافي من العصور السابقة-في أمريكا، وبشكل رئيسي، تقاليدها البيوريتانيّة (Puritan). إنّ الرأسماليّة الحديثة، وفقًا لهذا الرأي، بتركيزها غير الأخلاقي على الأرباح، تقوّض باطّراد أساسها الأخلاقي[1].

لهذا، يمكن فهم مدخل الفلسفة السياسيّة للإتيقا المعاصرة كإعادة نظر في الأخلاق التقليديّة من خلال العودة إلى الدين، ومحاولة بناء أخلقة جديدة للحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، بإمكان ذلك أن يرقى بالإنسان إلى مستوى «ميتا-إتيقي» جيّد.

ثانيًا: الإتيقا الأصليّة لدى مارتن هايدغر

تفتتح جوانا هودج كتابها الذي أفردته للحديث عن «هايدغر والأخلاق» بالعبارة الآتية: «ما كتب هايدغر نفسه إلّا النزر اليسير عن «الإتيقا»، وقد كتب ما كتب لا لشيء إلّا ليقول: إنّ المسائل الأخلاقيّة لا تهمّه». بمعنى غياب «فلسفة أخلاقيّة» في فكره. وعلى النقيض من هذا الرأي الشائع، يرى الفيلسوف الفرنسي جون ليك نانسي أنّ: «وحدها قراءة عمياء، أو غياب قراءة، أمكنها أن تعتقد أنّ هايدغر ظلّ بمنأى عن كلّ اهتمام خُلقي». أي إنّ الإتيقا بقيت موضوعًا متواريًا في تضاعيف أعمال هايدغر وثناياها؛ لذلك يصحّ القول أيضًا -وفي هكذا مفارقة وأيُّما مفارقة- أنّها كانت كذلك اهتمامًا دائمًا وتوجيهًا موصولًا لفكره؛ ومن هنا، لزم البحث عنها في فكر هايدغر بأكمله؛ إذ ما فتئ «فكر الكينونة» -وهو أحبّ الأسماء التي كان هايدغر يحبّ

(72)

أن يدعو بها فكره- مسكونًا بالهاجس الإتيقي، حتى أنّ هايدغر دعاه «إتيقا أصليّة»، مُسوّيًا بذلك بين الفكر والإتيقا[1].

إنّ أيّ نظر في الإنسان هو لا محالة نظرٌ في فعل الإنسان، وليست الإتيقا سوى هذا النظر. ولمّا كان فكر هايدغر نظرًا ضدّيًّا في الإنسان، فإنّه على جهة السلب، نظر في فعل الإنسان. ومن ثمّة فهو إتيقا بهذا المعنى. إن فعل الإنسان عند هايدغر إنّما يتعلّق بالكينونة، إنْ طمسًا لها أو كشفًا عنها. وحده في تولّي الإنسان رسالته في الكشف عن كينونة الكائنات، بدلَ طمسها -وهو الأمر الغالب عليه- تحرير «للإنسان» نحو تحقيق «إنسيَته». هي ذي «إتيقا» ذاك الكائن -المختلف عن باقي الكائنات، بوصفه الكائن الوحيد الذي [ينفتح] على كينونته وكينونة الكائنات والكينونة على وجه الإجمال- والذي سمّوه «الإنسان»، ويفضّل هايدغر تسميته «الدازاين». وفق هذا المعنى ما كانت «الإتيقا الأصليّة» سوى «أنطولوجيا إقامة المعنى». على أنّ هايدغر يربط بين إتيقا معاملة الكائن وفكر القيم الذي ساد في تاريخ الفكر الغربي؛ إذ يعترف، في رسالة بعثها إلى مؤلّف كتاب «هايدغر ونقد مفهوم القيمة» -هنري منجيس- بمدى ضرورة التوضيح النقدي لمفهوم القيمة بالنظر إلى جملة تاريخ الفلسفة الغربيّة، ومدى إلحاحيّة نقد هذا المفهوم، وبضرورة ربطه بمسألة الوجود[2]

(73)

لم تعد الإتيقا حبيسة التعالي مع هايدغر، بل دعى هذا الأخير إلى ضرورة الانفتاح على الوجود الإنساني والبحث عن أسس إتيقيّة له، من خلال دراسة التجربة الدينيّة برؤية فينومينولوجيّة لتلقّف الجوانب الأخلاقيّة والسياسيّة والجماليّة للإنسان داخل كينونته وخارجها.

ثالثًا: إتيقا المسؤوليّة عند هانس جوناس

في عام 1979م، نشر هانز جوناس كتابه الرئيس «مبدأ المسؤوليّة»[1]، الذي حدّد فيه هدفين أساسيّين: 1- يُوجز في سياق ازدراء جميع الأرثوذوكسيّات والتعاليم العقائديّة الدوغمائيّة، الأطر المفاهيميّة المناسبة لوجود أخلاقيّات جديدة تتناسب مع المشاكل الأخلاقيّة الجديدة الناشئة عن تشابك الإدراك حول زيادة خطورة التكنولوجيّات الحديثة المتقدّمة (مع إمكاناتها التدميريّة الكبيرة)، للأزمة الإيكولوجيّة (مع تهديداتها، على المدى الطويل، لبقاء الإنسانيّة) وإدراك الحاجة إلى تحديد مبدأ جديد لمفهوم «المسؤوليّة»، يمكن أن يكون ذلك بمثابة دليل وبوصلة نظريّة للفعل الإنساني المعاصر؛ 2- لدحض «مبدأ الأمل» لأرنست بلوخ، الفيلسوف الألماني (الماركسي)، من خلال تعبئة جميع الحجج المنطقيّة والفلسفيّة والسياسيّة الممكنة، [...] على الرغم من أنّه يبدو من الواضح أنّ جوناس قد حقّق هدفه الأوّل، على سبيل

(74)

المثال، عن طريق استبدال إتيقا الواجب الكانطي والواجب القطعي مع الأخلاق التي تركّز على وجود الإنسان والطبيعة والحفاظ على البيئة ومسؤوليّتنا تجاه الأجيال المقبلة (شعبيّة جوناس مع علماء البيئة تكمن فيما يبدو في هذا)، في الوقت نفسه، كما يعتقد آرنو مينستر Arno Münster، بأقلّ ثقة من أنّه حقّق بالفعل هدفه الثاني، وهو دحض فكر أرنست بلوخ، اليوتوبي «الأُخروي»[1] utopico-eschatologique ومبدأه حول «الأمل»[2].

إنّ أخلاقيّات المسؤوليّة، خلافًا للأخلاقيّات العقلانيّة، تركّز كثيرًا على المشاعر دون إنكار الدور الكبير الذي يلعبه العقل في الأخلاق، يعتقد جوناس أنّه ما زال للشعور مكانًا أساسيًّا، فوفقاً له، ما يجعلنا نشعر بالمسؤوليّة تجاه الآخرين هو الشعور وليس العقل. ما يحفّزنا على التصرّف أخلاقيّاً، هو بالنسبة لجوناس، «قدرتنا على التأثّر» بحاجة الآخرين. وفقًا لجوناس، فإنّ فكرة إنشاء نظام أخلاقي يعتمد على العقل تمامًا هي فكرة مجنونة للغاية؛ لأنّ الإنسان ككل، لا يمكنه إنكار أحدهما[3].

(75)

هذا الطرح يستدعي أنّ العقل ضرورة بإمكانها ضبط العلاقة الإتيقيّة بين الإنسان والطبيعة والآخر، وفقًا لأخلاقيّات المسؤوليّة. تبدو أهمّيّة هذا الطرح كذلك فيما يترتّب عليه من التزام أخلاقي يجب على الإنسان أن يخضع له في أن يكون عادلًا مع الطبيعة بتكريس مبادئ الحفاظ على البيئة، واحترام مطالب الآخر الإنساني المختلف عنه في الدين والثقافة والجنس والعرق في ظلّ العيش المشترك ضمن فضاء عمومي واحد.

رابعًا: إتيقا العدالة لدى جون راولز

من بين الفلاسفة المعاصرين البارزين الذين كرّسوا أفكارهم للمسائل الأخلاقيّة والسياسيّة، نجد جون راولز. ولد في عام 1921م من عائلة بالتيمور الغنيّة، التحق بجامعة برينستون عام 1939م. أنهى شهادة الدكتوراه في الفلسفة عام 1949م. خلال هذه الفترة، وضع الأساس للبحث الذي سيشغله أكثر من عشرين عامًا والذي سُيتوّج في عام 1971م، بنشر مؤلّفه «نظريّة العدالة»، العمل الذي يمكن اعتباره -بحقّ- بمثابة العمل التأسيسي للتجديد المعاصر حول التفكير في الأخلاقيّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. في عام 2000م، نشر دروسًا عن تاريخ الفلسفة الأخلاقيّة (التي نُشرت ترجمتها الفرنسيّة في عام 2002م)، وهو كتاب يعرض فيه قراءاته لمفكّرين، مثل: كانط وهيوم وليبنتز وهيغل[1].

  قدّم راولز نظريّة «العدالة بوصفها إنصافًا»، من خلال اعتبارها

(76)

طرحًا ليبيراليًّا سياسيًّا دستوريًّا مؤسَّسًا على فلسفة أخلاقيّة واجبيّة، منتهيًا إلى تأكيد الحقوق والحرّيّات الأساسيّة والمساواة في الفرص والعدالة في التوزيع، الأمر الذي يحدُّ من التطرّف في التفاوت الذي ازداد في ظلّ الأنظمة الليبيراليّة (الرعائيّة وتلك المبنيّة على مبدأ «دعه يعمل») المؤسّسة على فلسفة نفعيّة[1]. نالت العدالة -بوصفها إنصافًا- انتقادات ونقاشات، أهمّها: النقد الليبرتاري، الذي يُعدُّ نوزيك نموذجه الأهمّ، والنقد الجماعاتي، الذي يمثّله كيمليكا وساندل، فضلًا عن انتقادات عامّة، أهمّها: ما قدّمه سِن وهابرماس[2].

قدّم راولز مفهومًا إجرائيًّا للعدالة، وحاول أن يثبّت قواعد راسخة لأخلاقيّات العدالة قائمةً على التوفيق بين الحرّيّة السياسيّة والمساواة الاجتماعيّة، لكن من الواضح أنّ نظريّته اتجهت منحى ليبيراليًّا سياسيًّا أفقد النظريّة جوهرها الاجتماعي، ممّا فرض ضرورة نحت إتيقا جديدة تبحث في قيم التواصل وتجذير معانيها داخل المجتمعات المعاصرة من خلال التدقيق في فرضيّة التواصل ضمن سياق التعدّديّة الثقافيّة.

خامسًا: إتيقا المناقشة والحوار عند يورغن هابرماس وكارل أتو آبل

تُشير «أخلاقيّات الحوار» إلى مقاربة النظريّة الأخلاقيّة التي

(77)

وضعها يورغن هابرماس. إنّه إعادة بناء لفكرة إيمانويل كانط حول العقل العملي الذي يؤدّي إلى إعادة صياغة لواجبه القطعي: بدلًا من وصف الآخرين كمعايير صالحة أستطيع أن أكوّن قوانين عالميّة، يجب أن أُقدّم القواعد للآخرين لأغراض الاختبار التجريبي للعالميّة المفترضة. يقول هابرماس: «فقط تلك المعايير قد تدّعي أنّها صالحة ويمكن أن تحظى بقبول جميع المتضرّرين/ المتأثّرين بصفتهم مشاركين في الخطاب/ الحوار العملي»[1].

ينطلق هابرماس -حسب آبل- من افتراض لتأسيس الإتيقا، هو أيُّ رفضٍ مبدئيٍّ منحدرٍ من مسارات العقلَنة يُفضي -إلزاميًّا- إلى مسار مرضي للتدمير الذاتي، ويرى آبل أنّه بإمكاننا -حسب هابرماس- أن نستخلص النتائج التالية من ذلك الافتراض، وهي كالآتي:

-إنّنا نتوصّل إلى صيغة ضعيفة للتأسيس التداولي- الترنسندنتالي للمبادئ الأساسيّة للأخلاق بمجرّد إمساكنا بالشروط الضروريّة لكلّ تواصل في العالم المَعيش، ومن ثمّةَ الإمساك بالشروط الضروريّة للأخلاقيّة.

-إنّ تأسيسًا نهائيًّا لمبادئ الأخلاق يتجاوز الصيغة الأوّلى، ويعمل على التشبّث فكريًّا بافتراضات القول الحجاجي بوصفه نمطًا تفكيريًّا للتواصل في العالم المَعيش، صار مستحيلًا وغير مُجدٍ في نهاية المطاف. تلك هي المحصّلة التي يخلُص إليها هابرماس، وهي -بحسبه- لا تنتمي إلى الأخلاقيّة المَعيشة في كلّ حالة خاصّة،

(78)

إنّما تنتمي إلى مبادئ أخلاقيّة -بمعنى كانط، أو لنقُل بمعنى التحوّل الكانطي، لأخلاقيّة النقاش- لتمثيل المعايير الشكليّة، هذه المعايير هي المعايير الشاملة الوحيدة للواجب التي تفترض، بالضرورة، كلّ التقديرات الخاصّة بالحياة الخيّرة، والتي ستُضاف -بموازاة ذلك- إلى أشكال الحياة الملموسة، بالإضافة إلى مشكلة مكمّلة تأتي كمحّصلة للأولى، وهي التحقّق الفردي للحياة الخيّرة ضمن الشروط القسريّة للأخلاق.

-إنّ التأسيس النهائي للأخلاق (وهو على كلٍّ مستحيل بالنسبة لهابرماس) ينبغي أن يُستبدَل باللجوء إلى الأخلاقيّة التي كانت دائمًا مُنغرسة في بنية النشاط التواصلي التي بدونها سيُختزل الفرد إلى مجرّد تدمير ذاتي[1].

هكذا، فإنّ إتيقا المناقشة (Ethique de la discussion) عند هابرماس تقوم على الحوار العقلاني والمحاججة والإقناع، وفق الشروط التي وضّحناها سابقًا، وهو أمر مرفوق عنده بعدم دعوى امتلاك الحقيقة من دون الآخرين؛ وذلك لاستحالة إدراك الذات للحقيقة كما اعتقد كثير من الفلاسفة والمفكّرين في الماضي عندما كانت الذات -في زعمهم- تمثّل مصدر الحقائق المتعلّقة بالطبيعة والحياة والإنسان، إلخ. واللغة في نظره تهدف إلى تأسيس التفاهم وبلوغ التوافق، «فحسب إتيقا المناقشة لا يمكن ادّعاء صلاحيّة

(79)

معيار ما إلّا إذا اتفق كلُّ الأشخاص المعنيّين باعتبارهم مشاركين في نقاش عملي حول صلاحيّة معيار ما»؛ لأنّ هذه الإتيقا تهدف لدى هابرماس إلى معرفة الإطار الإجرائي الذي تجري فيه تلك المناقشات العمليّة ذات الطابع المعياري والإجراءات المتّبعة عند الشروع في تبرير صلاحيّة معيارها، وقد تُتخذ هذه الإجراءات الخاصّة بالمحاججة الإتيقيّة بعيدًا عن المضامين الميتافيزيقيّة أو الدينيّة؛ لأنّ إتيقا المناقشة (أو الإتيقا التواصليّة) عنده لا تتمثّل في الأوامر والنواهي بل هي مجرّد معايير تنظّم العمليّة التواصليّة في المجتمع وتُبلور أشكال التفاهم الذي يتمّ بين الأفراد في إطار العقلَنة اللغويّة وسيادة المعقوليّة النقديّة[1].

لقد توجّه هابرماس في التسعينيّات نحو الحقل الفلسفي السياسي قصد تطوير إتيقا جون راولز للمناقشة، وحاول من خلال تأثير الفيلسوف الأمريكي راولز عليه تطوير نظريّة الفعل التواصلي وتعميقها ضمن منظور جديد، أسماه: المنظور الاجرائوي (Proceduralisme)، غير أنّ هونيث انتقد هذا المنظور؛ على اعتبار أنّ ذلك قد أبعد هابرماس عن الأسس المركزيّة للنظريّة النقديّة[2].

تشتغل فرانكفورت على مبدأ تحقيق الذات، لكن مع وجود انحدار إتيقي وقيمي، أصبح من الصعب بلوغ ذلك خاصّة في ظلّ الوضع الذي خلّفته الرأسماليّة المتوحّشة حسب هونيث، والذي

(80)

يتميّز بانعدام الشروط الثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة التي سيغيب معها قيم التضامن والحبّ والاستقلاليّة والتقدير الاجتماعي.

سادسًا: إتيقا الغيريّة عند إيمانويل ليفيناس

إنّ استخدام الفلسفة الليفيناسيّة (Lavinassian) في مجال الطبّ محدود؛ لأنّ علاقة المسؤوليّة التي يصفها ليفيناس في إتيقاه متّصلة بالعلاقة بين الناس بشكل عامّ. يؤكّد ليفيناس على الطبيعة الإنسانيّة العميقة لكلّ نشاط يهدف إلى التقليل من المعاناة، ويؤيّد الأخلاقيّات الطبّيّة في الإطار العالمي لواجبات الإنسان نحو الآخر القريب. من خلال هذا التأصيل، إذا كان ليفيناس يسلّط الضوء على الاتجاه/ المعنى الإتيقي التأسيسي لأيّ علاقة طبّيّة، فإنّها لا تفسّر جميع جوانب أخلاقيّاته الداخليّة[1].

في كتابي -يصرح ليفيناس- «الكلّي واللانهائي»: «استعملت كلمة عدالة (justice) فيما يخصّ الأخلاق (ethique)، للإشارة إلى العلاقة بين شخصين. لقد تحدّثتُ عن العدالة، حتى ولو أنّ العدالة، بالنسبة إليّ، شيء مرتبط بالحساب والمعرفة، ويفترض أنّها شيء ملازم للسياسة. العدالة هي ما أميّزُه عن الأخلاق، [...] لكنّ كلمتَي أخلاق (ethique) وعادل (juste) في كتاب «الكلّي واللانهائي» هما اللفظ ذاته، والقضيّة عينها، واللغة نفسها. حين أستعمل كلمة عدالة ليست، بمعنى تقني، شيئًا ما مناقضًا ومختلفًا عن الأخلاقيّات (morale)[2].

(81)

من الواضح أنّ الأخلاق -يُكمل ليفيناس- تخصّ الكائنات الحيّة كلّها. فنحن لا نريد تعذيب حيوان دون حاجة. لكن نموذج ذلك هو الأخلاق الإنسانيّة. إنّ النظام النباتي (vegetarisme) -مثلًا- ينجم عن نقل فكرة المعاناة إلى الحيوان: الحيوان يعاني، يمكننا أن نعيش هذا الالتزام؛ لأنّنا، من حيث إنّنا بشر، نعلم ماهيّة المعاناة. إنّ الأطروحة المنتشرة جدًّا، التي بحسبها تتوقّف الأخلاق على المجال البيولوجي، تُفيد في نهاية المطاف أنّ الإنسان يمثّل الطور الأخير في تطوّر الحيوان، على العكس، سأقول: إنّ الإنسان، في علاقته بالحيوان، هو ظاهرة جديدة[1].

كلّ ما قلته -ليفيناس- عن العدالة سليل الفكر اليوناني والسياسة اليونانيّة. لكن ما أقوله ببساطة، هو أنّ هذا كلّه يرتكز في النهاية على العلاقة بالآخر، على الأخلاق التي من دونها ما كنت لأبحث عن العدالة. إنّ العدالة هي الطريقة التي أُجيب بها الوجه بأنّني لست وحيدًا في العالم مع الآخر. لكن إذا كان كلّ شيء يجد غايته في العدالة، فلماذا إذًا يُروى هذا التاريخ الطويل عن الوجه الذي هو المقابل للعدالة؟ السبب الأوّل: هو أنّ الأخلاق تشيّد العدالة؛ لأنّ العدالة ليست هي الأساس. إنّنا، بداخل العدالة، نبحث عن عدالة أفضل[2].

ينطلق ليفيناس من علم الهيرتيولوجيا (الغيريّة) في بحثه عن

(82)

الإتيقا، بمعنى «العلاقة الإتيقيّة» المباشرة -وليست المرتبطة بالقواعد الأخلاقيّة المعياريّة- بين الأنا والآخر، وحجّته الانطولوجيّة في ذلك هي «الوجه». يُعتبر هذا الأخير مرآة القيم الأخلاقيّة لدى ليفيناس، حيث ينبري عنه مفهوم الضيافة والاعتراف والصداقة والاحترام. كلّها قيم كينونيّة (هايدغر) تؤسّس لوجود الآخر الإنساني وتتجاوز «الذاتيّة الأنانيّة». أعتقد أنّ ليفيناس هنا يقف مناهضًا للمركزيّة الغربيّة التي تصطدم مع مقولة الآخر.

سابعًا: إتيقا الذات الريكوريّة

أمّا بول ريكور، ومع أنّه أحد الوجوه الفلسفيّة الكبيرة للقرن العشرين، ومع أنّه يمكن النظر إلى فلسفته برمّتها على أنّها فلسفة للفعل، فإنّ فلسفته الأخلاقيّة لم تتبلور بكيفيّة واضحة مستقلّة إلّا في كتابه «الذات عينها كآخر» (Soi-même comme un autre) (1990). يميّز بين ثلاثة مستويات لسؤال الأخلاق: مستوى القيم، ويستعيد فيه أرسطو والتراث اليوناني ويعرّفه بالغاية الأعمّ للأخلاق وهي العيش السعيد مع ومن أجل الآخرين وفي مؤسّسات عادلة، وأمّا المستوى الثاني: فمستوى الإكراه والإلزام، أي مستوى القواعد القانونيّة والأخلاقيّة النافذة بفعل قوّة الإلزام، في هذا المستوى حسب ريكور تَنحصر صلاحيّة نظريّتي راولز وهابرماس. أمّا المستوى الأخير: فيسمّيه بالحكمة العمليّة مستحضرًا في ذلك مفهوم الـ (Phronêsis)[1] اليوناني وما يجرّه وراءه من أسئلة

(83)

مستعصية شهدت تعبيرها الخطابي منذ التراجيديا اليونانيّة، لا شكّ أنّ ريكور بإضافته للبعد القيمي الغائي للعيش السعيد مع ومن أجل الآخرين وفي مؤسّسات عادلة يُدخل بعداً ميتافيزيقيًّا حذرًا للفلسفة الأخلاقيّة، ولكنّه بعدٌ لا جوهري؛ بما أنّه لا يتحدّد بمضمون ملموس بعينه وإنّما يتعلّق بقصد فارغ يحتاج للامتلاء. وتتبيّن أهمّيّة هذا البعد في كونه المرجعيّة العليا في حالة تَعارض القاعدة العامّة مع الحالة الفرديّة[1].

يبدو لي أنّ ريكور يضع لنا مثلّثًا إتيقيًّا يحاول من خلاله البحث عن الحياة الجيّدة والسعيدة، منطلقًا من الأنا، التي تُعبّر عن الذات في قيمها التي يجب أن تتجاوزها إلى العيش بها مع الآخر ومن أجل الغير، وفقاً لإطار قانوني وسياسي يضمن تحقيق مفهوم العدالة، هذا الإطار هو المؤسّسة الباحثة عن الخير العامّ للمجتمع؛ ما ينعته ريكور بالمقصد الإتيقي.

 ثامنًا: الإتيقا النسويّة

يقول بعض النسويّين: إنّ إعادة توزيع الثروات في شكل رفاه مهمّ، ليس لأنّه يعكس حقوق الأفراد في العدالة؛ بل لأنّه يجسّد «أخلاقيّات الرعاية»[2]. والنسويّون الذين يشتغلون داخل هذا التراث

(84)

يقولون إنّه ينبغي علينا التفكير في العدالة ليس على أنّها موازنة الحقوق الفرديّة، بل من ناحية الاعتراف بشبكة العلاقات الاجتماعيّة التي تُعزّز المجتمع والمحافظة عليه. فمفهوم الفرد الذي يدعّم هذه الرؤية مختلف عن المفهوم الذي يشكّل معظم النظريّات الليبيراليّة؛ فالأفراد هنا ليسوا ذواتًا «متشظّية» منفصلة تحرّكها المصلحة الذاتيّة، بل أعضاء بينهم اعتماد متبادل في مجتمعات تجعلهم على ما هم عليه. يُقيم منظّروا الأخلاقيّات هذه الرؤية على الخبرة التي اكتسبتها النساء من خلال أدوارهنّ الاجتماعيّة كمقدّمات رعاية، وبشكل خاصّ داخل الأسر. تمنحهنّ هذه الخبرة [ليس ما يراه الفلاسفة الذكور في الغالب من الناحية التاريخيّة على أنّه «الطبيعة الأساسيّة» للنساء] ما أسمته عالمة النفس الأخلاقيّة كارول جيلجان «الصوت المختلف»، غير الموائم لتنظيم الادّعاءات المتضاربة بموجب العدالة، والمتناسب -بشكل أفضل- مع إعادة الإنتاج الاجتماعي. فعندما يصل الأمر إلى إعادة توزيع الثروات، يتّجه منظّروا أخلاقيّات الرعاية إلى دعم المقاربة القائمة على الحاجيّات التي تعكس المسؤوليّات المشتركة نحو رعاية أبناء مجتمعنا[1].

في عام 1991م، كتبت عالِمة السياسة جان بثكي إلشتين (Jean Bethke Elshtain)، «النسويّة بدون أخلاق أمر لا يمكن تصوّره».

(85)

وفقًا لـ (Elshtain)، تقدّم كلّ النسويّات موقعًا أخلاقيًّا يُصاحب أجندة سياسيّة وناشطة لتحقيق العدالة الاجتماعيّة وتحسين حياة المرأة. مع ذلك، بدأ علماء الأخلاق مؤخّرًا في فحص المساهمات الفريدة التي تقدّمها الحركة النسويّة في مجال الأخلاقيّات. قبل ثلاثين عامًا، لم يكن هناك حقل يُسمّى «الأخلاقيّات النسويّة». على النقيض من ذلك، فإنّ الفلاسفة النسويّين اليوم ينضمّون إلى علماء النفس وعلماء الاجتماع والمربّين والمحامين وعلماء اللاهوت في تعريف الأخلاقيّات النسويّة وتطبيقها على المشكلات العمليّة التي تتحدّى الممارسين. تُشير النظريّة الأخلاقيّة النسويّة التفكير إلى كيفيّة تعريف الصالح الأخلاقي من منظور نسوي وكيفيّة استخدام هذا المنظور لحلّ المعضلات الأخلاقيّة. يدّعي علماء الأخلاق النسويّة أنّ العمل الأخلاقي مطلوب للمشروع النسوي ويصفون الالتزامات الأخلاقيّة للفكر النسوي وحركته؛ حيث تنطوي الأخلاق النسويّة على الكثير ممّا تتضمّنه الأخلاقيّات التقليديّة. فقد درس الأخلاقيّون التقليديّون بعناية: أ- طبيعة الأفعال (هل هي مطلوبة أم محظورة أم أنّها مسموح بها فقط؟)؛ ب- العواقب[1].

يأتي النقد الأساسي للأخلاق النسويّة من أولئك الذين يؤمنون بتطبيق المبادئ الأخلاقيّة بطريقة عقلانيّة، دون تعقيد العواطف أو الاهتمام بالعلاقات. فقد غطّى أنصار الأخلاقيّات النسويّة سلسلة متّصلة من الاعتراف بهذه المقاربة باعتبارها مكمّلًا يمتدّ

(86)

إلى أخلاقيّات القاعدة والقيم الأخلاقيّة، وإلى الدعوة لتطبيق الأخلاقيّات النسويّة بطرق جديدة ومتطوّرة تمامًا[1].

يُبرز الأفق التأويلي المعاصر في فرنسا نقاشات حول «نظريّة الجندر»، من بين المعارضين لهذه النظريّة ايريك زيمور (ةric Zemmour)[2]، وهو كاتب وصحفي سياسي فرنسي، حين يعتبر أنّ الفئة الشبّانيّة التي تعتبر نفسها مُتعذرة عن التصنيف الفئوي: «لا رجل ولا أنثى»، حيث يقدّم نقدًا إتيقيًّا أيديولوجيًّا واجتماعيًّا للظاهرة الجندريّة، ويرى أنّ الجامعة والإعلام والمجتمع هي الحلقات الوسائطيّة التي روّجت لأيديولوجيّة الجندر، هذه الأخيرة التي تبحث عن نسج مجتمعات مفكّكة في الغرب.

تاسعًا: إتيقا الإعلام عند ريجيس دوبريه

يُسارع «دعاة الإنسانيّة» اليوم إلى تعريف الثقافة على أنّها مجموع تلك الوظائف التي تُقدَّم مقاوِمةً للتكنولوجيا، بالطريقة نفسها التي تقاوم بها الحياة الموت. يبدو أنّهم نسوا ذلك التضامن المُقدَّر للتصميم الذي ينقش الإنسان في الآلة على عتبة الإنسانيّات أو الفنون الليبراليّة. وراء كلّ ذاتيّة جماعيّة، يوجد نظام تقني واحد أو عدّة أنظمة، والعكس صحيح. لا يوجد أكثر من حقيقة أنّ وجود

(87)

التكنولوجيا كاستقلاليّة مثاليّة، هل توجد حقيقة الثقافة بشكل مستقلّ. كلّ منهما يتحكّم في الآخر. [...] ممّا لا شكّ فيه أنّ المادّة يمكن أن تتحرّك أسرع من العقل. تُوسِّعُ ديناميّات تقنيّات الفكر الأخاديد بين النماذج الموروثة للأدوات السابقة ومتطلّبات الآلات الأحدث. لذلك سيشعر الشخص بالانقسام بين الثقافة الرمزيّة التي يتلقّاها من تاريخه والثقافة التكنولوجيّة للحاضر. لحظة، بين ما يسمّيه القيم، من ناحية، والأعراف من ناحية أخرى. ينشأ عدم الارتياح أو الارتباك أو «الأزمة» في داخلنا عندما يتمّ فرض آليّات من مختلف الأعمار. غالبًا ما نعزّز هذا التناقض في المراحل إلى انقسام بين القيم الثقافيّة والمعايير الصناعيّة -بقدر ما نُطلق على «القيمة» معيارًا تكنولوجيًّا منذ زمن بعيد، [...] والحقيقة هي أنّ إرث الدلالات والتخمين المرتبط بتقنيّات الكتابة (الفنّ والدين والفلسفة والأخلاق) لا يمكن مواءمته مع الأنظمة الإلكترونيّة والرقميّة. يجب أن يكون هذا الفصل العميق الذي لا يمكن إنكاره بين اختراعات الأمس واختراعات اليوم حافزًا لـ «دمج التكنولوجيا في الثقافة»، كما هو الحال في التعبير المُكرّس، بدلًا من فتح الصدْع، أو إضفاء المزيد من الشرعيّة عليه، بين الاثنين. ولكن سواءً كان هذا الهدف النهائي صحيحًا أو لا، واقعيًّا أو غير قابل للتحقيق، فمن الخطأ أن يتجاهل المرء حقيقة أنّ هذا التكامل كان دائمًا حقيقة من وجهة نظر التاريخ الإيجابي. نحن نسمّي «الثقافة» تفاعلًا يتمّ إعادة التفاوض بشأنه باستمرار بين قيمنا وأدواتنا (وهو الذي يخلق، فيما يتعلّق بالثقافة، «الفُحش التكنولوجي»). ستُفهم الثقافة عندئذٍ على

(88)

أنّها بصمة لميكانيكا مجال الوسائط عندما لا يمكن تفسير التنوّع الواضح للخصائص الجمعيّة أثناء بقائها في مرحلة واحدة متجانسة من تاريخ التقنيّات[1].

دعونا نتذكّر المفارقة العكسيّة التي نتجت عن الوهم الانتصارى واللامبالاة التكنولوجيّة للموقف الذي عبّرنا عنه بأنّ «التلفاز هو ما نصنعه منه»: الانحناء لأوامر الوسيلة كان من شأنه التراجع أخلاقيّاً وسياسيّاً. [...] إنّ تقييمًا واضحًا للخصائص الموضوعيّة للأنظمة التقنيّة والأجهزة الإعلاميّة، من قِبل القادة السياسيّين وغيرهم من المسؤولين، من شأنه أن يُلحق ضررًا أقلّ من قدرة أو إمكانات العمل السياسي تبعًا للوهم السياسي، أيْ افتراض -«إذا كانت سياساتنا جيّدة، سيتّبعها الباقي». [...] لا يمكن للسياسة الجيّدة أن تمنع وسيطًا جماهيريًّا من العمل وفقًا لاقتصادها أكثر ممّا يمكّنها من منع حدوث جفاف شديد. إنّ أسبقيّة الإرادة أو التصميم الأخلاقي على جيل معيّن من الأنظمة التكنولوجيّة لم تقطع أبدًا طول التقليل من قيمة تلك الأنظمة فكريًّا[2]. إنّ الإحساس بأنّ الذات البشريّة قد تحوّلت إلى موضوع للتلاعب التكنولوجي قد حشد بشكل واضح الشعور بالمسؤوليّة الاجتماعيّة[3].

 إنّ حلقة التغذية الراجعة المستمرّة في العمل بين التكنولوجيا

(89)

التي تقترح والمجتمع الذي يتصرّف (حلقة «بيولوجيّة بيئيّة» كما يقول إدغار موران (Edgar Morin)). على أيِّ حالٍ، يجب أن تجعل الأخلاق من التقنيّات نقطة خلاف تضع ضغطًا كبيرًا على الثقافة. ولولا ذلك، فكيف يمكن لمجتمعاتنا أن تتفاوض على الأشكال التي ستّتخذها البشريّة بآلاتنا؟؛ لأن السؤال الأكثر أهمّيّة لم يعد «ماذا وأيُّ جوهرٍ هو جوهر الإنسان؟» لكن السؤال الفلسفي الذي يطرحه التكوين التكنولوجي البشري: «ما هو ممكن حقًّا، وما هو نوع الإنسان الذي يمكن أن يظهر في الأفق غدًا؟» قال هولدلين: «حيثما يوجد خطر، هناك أيضًا ينمو ما يمكن أن يُنقذنا»[1]. إذن، سيكون من الخسارة بأي حالٍ للفلسفة ألّا تصنع معانيها حيث يتمّ اللعب بمستقبل البشر، ضمن التقنيّة، بالتأكيد أكثر ممّا كان عليه في قرن التنوير[2].

 أسّس ريجيس دوبريه ما أطلق عليه حقل الميديولوجيا (Médiologie)، الذي يختصّ بالبحث في الوسيط «الميديو، (Médium)» الناقل للمعرفة الإعلاميّة لدى المتلقّي، بالرغم من اختلاف طبيعة الوسائط عبر العصور الميديولوجيّة إلا أنّ المعايير الأخلاقيّة والتطبيقات الإتيقيّة في مجال الإعلام والاتصال كان لها الأثر البالغ على الحياة الاجتماعيّة داخل الفضاء التقني للإنسان الراهن؛ والدليل على ذلك: ما وصلت إليه الاعتماديّة المتبادلة بين الثقافة الإنسانيّة والبعد التكنولوجي للعيش المعاصر، جعل هذا المدّ

(90)

والجزر بين المتغيّرين أخلاق الفرد حبيسة نسق النسبويّة الثقافيّة التي تبعتها شروط تفرضها التقنيّة العالميّة.

عاشرًا: الجدل الإتيقي: بين النسبويّة السياقيّة والكونيّة العالميّة

كانت الأخلاق في بداية العصر الحديث حتى القرن العشرين منهمِمَةً بشكل أساسي بالنظريّة، وتشمل النظريّات الأكثر شهرةً النقد الديونطولوجي (deontological critique) (الوجوبي) عند إيمانويل كانط للعقل العملي، وموقف النفعيّة أفضل خير لأكبر عدد، وأخيرًا أخلاق الفضيلة. هيمنت هذه النظريّات على النقاش الأخلاقي داخل الفلسفة. بالرغم من ذلك، في منتصف القرن العشرين تمّ توسيع النقاش ليشمل منظورًا تطبيقيًّا؛ حيث تمّ التركيز على عدد من المشكلات الملموسة المتعلّقة بالطبّ والتكنولوجيا على سبيل المثال، ممّا أدّى إلى النظر في السياق الأوسع للظواهر التي تمّ التفكير فيها سابقًا في عزلة. ومن الأمثلة على هذا الاتجاه: النقاشات المتعلّقة بتطوير الأسلحة الذرّية في نهاية الحرب العالميّة الثانيّة[1].

في ظلّ العولمة وهيمنة رموزها وخطاباتها، بات الإكراه الذي تُمارسه بعض أخلاقيّات المجتمعات الإقليميّة باسم الشرعيّة التاريخيّة أو الحضاريّة أو حتى العرقيّة، كالتي تتبنّاه أخلاقيّات المجتمعات الغربيّة الليبيراليّة -أخلاق المركز- على أخلاق المجتمعات الأخرى المهمّشة تاريخيًّا -أخلاق الأطراف- يُترجم

(91)

عمليًّا، إنّ انتهاك منظومة قواعد الأخلاق العامّة للبشر، يُحدث اضطرابًا في الضمير العامّ، وعدم قبول إكراهات الأخلاق الأخرى كالذي تنتهجه أخلاق المركز. فأخلاق المركز التي تُظهر نفسها نموذجيّة، التي في نظرها يستدعي إتيقيًّا تعميمها على الإنسانيّة، هذا الفعل ولّد الشعور بالإكراه الذي تمارسه أخلاق المركز النموذجيّة؛ بسبب تجاوزها لحدودها الاجتماعيّة والجغرافيّة، ممّا جعلها تتصادم مباشرةً مع أخلاق مجتمعات الأطراف التي هي في مجملها مستمدّة من الدين والهويّة. هناك صدام أخلاق الإنسان أثناء أداء حقوقه وواجباته في صفتها الإنسانيّة تحت غطاء العولمة، مع أخلاق الهويّة والثقافة المحلّيّة والعرفيّة، وهذا الذي يجعل من أخلاق المركز أثناء توسُّعها تفقد حمولتها الإتيقيّة، التي كانت تتمتّع بها مجتمعاتها الأصليّة، لتصل إلى إنسان الطرف لا أخلاقيّة؛ لأنّ ما جلبته معها من أحكام معياريّة ومن غايات تتعارض تمامًا مع ما تقوم عليه أخلاق الأطراف، ممّا يساعد على توليد شُحنات الصراع والصدام والرفض لها جملةً وتفصيلًا[1].

إنّ قضيّة «الحجاب الإسلامي»، والخلافات المتكرّرة بشأن ممارسة الختان، ومشكلة «واجب التدخّل» التي أحدثتها الأحداث في رومانيا، إلخ، توضّح الارتباك الذي تكتنفه المواجهة مع التنوّع. الممارسات الثقافيّة والتقاليد السياسيّة. في مواجهة هذا التنوّع، هناك العديد ممّن يدافعون عن فكرة وجود تعدّديّة في الأخلاق تتّخذ

(92)

مبادئ مختلفة للعدالة. إنّ الاحتجاج بنسبويّة الأخلاق هو، بالطبع، موقف مناسب: فمن ناحية، يتمّ تأسيسها تجريبيًّا على التنوّع الشديد للمعتقدات الرمزيّة وممارساتها وتنظيرها الثقافي في الإثنولوجيا؛ من ناحية أخرى، فإنّ الاهتمام بالاختلافات الثقافيّة يرتدي الزي السخي لمكافحة العنصريّة، والعنصريّة، من هذا المنظور، يُنظر إليها حصريًّا على أنّها «نظريّة» غير مساواتيّة. إذن، تتجذّر النسبويّة الأخلاقيّة في تبعيّة الفرد للمجتمع أو، إذا كان المرء يفضّل، الهويّة الفرديّة على الهويّة الثقافيّة. ثمّ يُنظر إلى الأخيرة على أنّها ممارسة حتميّة مطلقة تحرم من التحرّر بسبب المحتوى. وبالتالي، فإنّ قيمة المبادئ الأخلاقيّة أو العادات الاجتماعيّة مرتبطة بالانتماء إلى المجتمع. لا يمكن الاتفاق على المبادئ إلا إذا كانت قائمةً على ممارسات وقناعات مشتركة[1].

تدعو الدول الأوروبيّة الغربيّة اليوم إلى ضرورة اندماج الجاليات المغتربة في ثقافتها المحلّيّة، الملاحظ أنّ هذه الدعوة لا تحترم مبدأ النسبويّة الثقافيّة ممّا يوقع السياسات الثقافيّة لهذه الدول في إشكاليّات أخلاقيّة جمّة وكبرى، من أبرزها: مشكلة الحرّيّة وعدم احترام الرأي الآخر وفرض نمط العيش. نسوق مثالاً بارزاً حدث في فرنسا مطلع العام 2021م، الذي تُجسّده سياسات الرئيس ماكرون تجاه الجالية المسلمة، هذه السياسات فرضت على الجالية المسلمة توقيع «ميثاق الأئمّة» على المجلس الفرنسي للديانة الإسلاميّة[2]،

(93)

هذا القرار ضيّق على المسلمين؛ لأنّه يدعو إلى الالتزام بقيم الجمهوريّة الفرنسيّة من قِبل جميع الائمّة في فرنسا، مثل: المساواة بين الرجل والمرأة وضرورة توافق العقيدة الإسلاميّة مع المبادئ العلمانيّة وعدم توظيف الإسلام لأغراض سياسيّة. ألم يكن ذلك بداية شرارة لتحويل «الإسلام في فرنسا إلى إسلام فرنسي»؟ أليس ذلك انتهاك صارخ للأخلاقيّات الاجتماعيّة والدينيّة التي اعتادت عليها الجاليات المسلمة في بلدانها الأصليّة؟ 

الحادي عشر: مناقشة النظريّات الأخلاقيّة المعاصرة

مع انهيار العديد من الاقتصاديّات والمؤسّسات، تمّ تكريس البحوث الأخيرة بشكل متزايد للبحث في القضايا الأخلاقيّة. يتماشى هذا الظرف مع حقيقة أنّ القضايا الأخلاقيّة الحاليّة ليست دائمًا واضحة ومفهومة. لتحديد ما إذا كان السلوك أو القرار يتمّ تنفيذه بشكل أخلاقي، هناك العديد من النظريّات الأخلاقيّة -لتفسير ما هو الصواب وما هو الخطأ- التي تشمل النظريّة النسبويّة، نظريّة النفعيّة، النظريّة «الأنيّة»، نظريّة الأخلاق، نظريّة الأمر الإلهي، ونظريّة أخلاق الفضيلة. هذه النظريّات هي الإطار النظري الحالي الذي يتمّ تطبيقه من خلال الأبحاث الحديثة لتفسير الظاهرة الأخلاقيّة.

النظريّة النسبويّة

تقترح نظريّة النسبويّة أنّ القيم الأخلاقيّة تتعلّق ببيئة أو مكان معيّن. يُناقش القيم الأخلاقيّة من حيث إنّها يمكن أن تكون مختلفة من ثقافة إلى أخرى، ومن وقت لآخر. وفقًا لهذه النظريّة، لا تُوجد

(94)

مبادئ أخلاقيّة صحيحة تمامًا وقابلة للتطبيق على جماعات وأفراد من جميع البلدان. هذا يعني ما يلي: 1- البلدان والمجتمعات المختلفة قد يكون لها مدوّنات أخلاقيّة مختلفة؛ 2- لا يوجد معيار أو مبدأ يمكن استخدامه لتقييم رمز مجتمعي أفضل من الآخر؛ 3- لم يكن للمدوّنة الأخلاقيّة لمجتمع معيّن مرتبة خاصّة، ممّا يعني أنّه ببساطة واحد من بين العديد من المرتبات؛ 4- لا توجد حقيقة عالميّة في المبادئ الإتيقيّة/ الأخلاقيّة يمكن تحمّلها من طرف جميع الشعوب في كلّ الأوقات؛ 5- يُحدّد القانون الأخلاقي لبلد أو مجتمع معيّن ما هو صحيح داخل ذلك المجتمع؛ إذا كان القانون الأخلاقي لذلك البلد أو المجتمع يعتبر أنّ فعلًا معيّنًا صحيحًا، فإنّ هذا الإجراء صحيح على الأقلّ داخل ذلك المجتمع.

  جادل منتقدو النظريّة النسبويّة بأنّ هناك العديد من المبادئ والقيم الأخلاقيّة التي يجب على أعضاء أي مجتمع أو ثقافة قبولها إذا كان لهذا المجتمع أن يبقى على قيد الحياة وإذا كان على أعضائه العمل مع بعضهم البعض بكفاءة. على سبيل المثال، لدى جميع المجتمعات والثقافات معايير ضدّ قتل أفراد آخرين في المجتمع، ومعايير ضدّ سرقة السلع الشخصيّة لأفراد آخرين في المجتمع، ومعايير ضدّ أخذ الرشوة أو التورّط في الفساد. لقد تمّ انتقاد النظريّة النسبويّة على هذا الأساس؛ لأنّ الأشخاص المختلفين لديهم وجهات نظر أخلاقيّة مختلفة فيما يتعلّق ببعض القضايا، فإنّه لا يُتّبع بشكل معقول أنّه لا توجد حقيقة موضوعيّة حول هذه المسألة أو أنّ جميع المواقف حول هذه القضيّة مقبولة على قدم

(95)

المساواة. عندما يكون لدى شخصين أو مجموعتين وجهات نظر مختلفة، فإنّ المنظّرين والباحثين مضطرّين للإشارة إلى أنّ واحدًا منهم على الأقلّ خاطئ. أيضًا، لن يكون لهذه النظريّة أيُّ معنًى لرفض ممارسات المجتمعات الأخرى طالما أنّ ممارساتها تتوافق مع مبادئها وقيمها. على سبيل المثال، يعني هذا عمليًّا أنّه لا ينبغي الحكم على الشركات متعدّدة الجنسيّات بالتصرّف بطريقة مشروعة أو غير مشروعة؛ لأنّها تفعل ذلك وفقًا لثقافات مختلفة موصوفة.

من منظور إسلامي، تعتبر النظريّة النسبويّة إشكاليّة أيضًا. فوفقاً للإسلام، فإنّ ما هو صواب وما هو خطأ لا يمكن تركه لمجتمع معيّن؛ لأنّ البشر لديهم نقاط ضعف متأصّلة في أنّهم يميلون إلى التصرّف بالطريقة التي يرونها مناسبة، بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا العمل صحيحًا أو خاطئًا. لذلك يجب على المسلمين أن يبنوا أعمالهم وفقاً لكلام الله وسنّة النبي. لهذا السبب، يرفض الإسلام النظريّة النسبويّة. ومع ذلك، يحترم الإسلام أيضًا ثقافة أيّ مجتمع طالما أنّه لا يتعارض مع ما هو شرعي إسلامي. على سبيل المثال، يعترف النبي محمد (ص) بأفعال، مثل: قول الحقيقة؛ كحقّ أخلاقي، ويرفض أفعالًا أخرى، مثل: قتل فتاة حديثة الولادة؛ على اعتبار أنّه خطأ أخلاقي[1].

(96)
نظريّة الأمر الإلهي

تُجادل نظريّة السيادة الإلهيّة بأنّ طبيعة الصواب والخطأ تقوم على المعتقدات الدينيّة، والتي تُشير في هذا السياق إلى الديانات اليهوديّة والمسيحيّة التي يُزعم أنّها إلهيّة. وفقًا لهذه النظريّة، تُعرّف كلٌّ من الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة «الحقّ الأخلاقي» على أنّه شيء «يأمر به الله»، و «الخطأ الأخلاقي» يعني شيئًا «ممنوعًا من عند الله». وبعبارة أخرى، الأخلاق والدين يسيران دائمًا جنبًا إلى جنب. يعتقد المتديّنون عمومًا أنّ الأخلاق لا يمكن فهمها إلّا في سياق الدين. وفقًا لـ راشيلز (Rachels) (1993م)، يتمّ تقديم الله على أنّه مشرّعًا لخلقنا، والعالم الذي نعيش فيه، لغرض معيّن. مع ذلك، لم يتمّ فهم هذا الغرض بشكل مطلق. خَلقت هذه النظريّة بعض المشاكل الخطيرة للمؤمنين وغير المؤمنين على حدٍّ سواء. يرفض غير المؤمنين، مثل الملحدين، النظريّة تمامًا؛ لأنّهم يعتقدون أنّ الله غير موجود. عندما لا يكون الله موجودًا، فمن غير المنطقي أن تستند الأخلاق على أمر الله. من ناحية أخرى، يُعاني المؤمنون من مشاكل في هذه النظريّة لأسباب مفتعلة. ليس من الواضح، كما اقترح سقراط، ما إذا كان السلوك صحيحًا؛ لأنّ الله يأمر به، أو أنّ الله يأمر بسلوك لأنه صحيح؛ نظرًا لأنّه ليس من الواضح في المقام الأوّل سبب الأمر بالسلوك ولماذا توجد البشريّة في هذا العالم، وعليه فإنّ النظريّة مرفوضة.

على عكس الديانات اليهوديّة والمسيحيّة، فإنّ الإسلام يجعل الغرض من وجود البشريّة في هذا العالم واضحًا. يتمّ خلق البشر

(97)

لغرض وحيد هو عبادة الله الواحد من خلال إشراك الأشياء الخيّرة وتجنّب الانخراط في أشياء خاطئة. ومن ثمّ، فبالنسبة للمسلمين، فإنّ الصواب والخطأ يتمّ تبنّيه بوضوح من خلال كلمة الله وسنّة النبي محمد. بناءً على هذين الأساسين المهمّين، يعتقد المسلمون أنّ السلوك هو الصحيح؛ لأنّ الله سبحانه وتعإلى أمر به نبيّه محمد. يؤمن المسلمون ويقبلون أمر الله بما هو صواب وما هو خطأ؛ لأنّ الله يعلم كلّ شيء، بما في ذلك ما هو أفضل للناس[1].

- نظريّات نتائج الفعل (النظريّة النفعيّة ونظريّة»الأنيّة»)

تنظر نظريّات نتائج الفعل: النظريّة النفعيّة ونظريّة «الأنيّة»، في عواقب أيّ فعل لتحديد ما إذا كان صحيحًا أم خاطئًا. في النظريّة النفعيّة، يُعتبر الفعل صحيحًا من الناحية الأخلاقيّة إذا كان جالباً لأكبر خير لأكبر عدد من الأفراد. يجب أن يؤدّي هذا الإجراء إلى أقصى حدّ ويُحدث أقلّ ضرر. في المقابل، تهتمّ نظريّة «الأنيّة» بعواقب الخير الأعظم للشخص فقط دون النظر في العواقب المنعكسة على الآخرين.

إنّ الفكرة العامّة للنظريّة «الأنيّة» هي أنّه يجب على المرء دائمًا أن يعمل لمصلحته الخاصّة. يُعتبر هذا الإجراء صحيحًا من الناحية الأخلاقيّة عندما يُعزّز مصالح الشخص الذاتيّة أكثر من مصالح الآخرين. بعبارة أخرى، تفترض النظريّة «الأنيّة» أنّ كلّ شخص يجب أن يتّبع مصلحته الذاتيّة حصريًّا. هذا يعني أنّ الشخص ليس

(98)

لديه واجب أخلاقي إلا أن يفعل ما هو أفضل له. لذا، فإنّ معيار السلوك النهائي الوحيد هو معيار المصلحة الذاتيّة، ويتضمّن هذا المعيار واجبات الشخص والتزاماته الطبيعيّة.

على العكس، يجادل باير (1958م) بأنّ النظريّة «الأنيّة» لا يمكن أن تكون صحيحة؛ لأنّها لا تستطيع تفسير تضارب المصالح. أيضاً، فشلت النظريّة في تبرير أخلاقيّات الإيثار. علاوةً على ذلك، فإنّ النظريّة ستُعطي كلّ شخص أهمّيّة أكبر لمصالحه أكثر من مصالح الآخرين. لكن، لا يوجد فرق عام بين ذاته والآخرين يمكن لكلّ شخص أن يستأنفه، وهو ما يُبرّر الفرق في العلاج. ونتيجةً لذلك، يُجادل النقاد بأنّ نظريّة «الأنيّة» منطقيّة بشكل غير مقبول؛ لأنّ الناس يجب أن يهتمّوا بمصالح الأشخاص الآخرين للسبب نفسه الذي يهتمون به لمصالحهم الخاصّة. يُشير آرمسترونغ (1993) إلى أنّ نظريّة «الأنيّة» وثيقة الصلة بمدارس إدارة الأعمال؛ حيث تبحث الشركات عن تعظيم الأرباح كهدف رئيسي لها. بالرغم من ذلك، تؤدّي هذه النظريّة بشكل مستمرّ إلى تضارب في المصالح ولا يمكن تكييفها دائمًا مع مهمّة خدمة مصالح الجمهور والعملاء كما هو الحال في مهنة المحاسبة. زيادةً على ذلك، قد تتعارض نظريّة «الأنيّة» مع مبادئ مدوّنة السلوك الأخلاقيّة للمحاسبين حيث يجب أن يتّسموا بالموضوعيّة والنزاهة والعناية الواجبة وحماية المصلحة العامّة. بالتالي، فإنّ نظريّة «الأنيّة» لها حدودها كنظريّة أخلاقيّة كافية للمحاسبين. نظريّة «الأنيّة» غير مقبولة في الإسلام؛ لأنها تتعارض بشكل أساسي مع مبادئ العدل الإسلاميّة، ومساعدة

(99)

الآخرين، والإيثار. وفقًا للنبي محمّد، المسلم ليس له إيمان حتى يحبّ أخاه كما يحبّ نفسه. يتمّ تشجيع المسلمين بقوّة على مراعاة الآخرين ومساعدتهم دون البحث عن مكافآت مادّيّة من المجتمع. بذلك، سيحصلون على مكافآت في الآخرة كما وعد الله وذكرها في عدّة أماكن في القرآن[1].

 يُعتبر مصطلح النفعيّة شائعًا؛ لأنّه يرى أنّه يجب تقييم الإجراءات على أساس الفوائد والتكاليف التي تفرضها على المجتمع. تُجادل النظريّة النفعيّة بأنّ السلوك يُعتبر أخلاقيًّا صحيحًا عندما يَنتج عنه عدد من الأدوات المساعدة أكثر مما يمكن تحقيقه من خلال أيّ عمل آخر. كلًّا من النظريّة النفعيّة والنظريّة «الأنيّة» تأخذ في الاعتبار نتائج الفعل مع مناهج مختلفة لتقييم السلوك الأخلاقي. تُركّز نظريّة «الأنيّة» على عواقب الفعل على الذات، بينما تركّز النظريّة النفعيّة ليس فقط على الذات ولكن أيضًا لأكبر عدد ممكن من الذوات. إلى جانب ذلك، تستخدم النظريّة النفعيّة تحليلات التكلفة والفائدة للحكم على سلوك مقبول أخلاقيًّا وتقول «إنّه يجب على الأفراد التصرّف لخلق أكبر خير لأكبر عدد من الناس».

 تمّ انتقاد نظريّة النفعيّة؛ لأنها من الصعب عليها إثبات ما يُعتبر قيمةً أو خيرًا. قد يكون أحدهم سيّئًا والعكس صحيحًا. علاوةً على ذلك، قد يجد المهنيّون، مثل: المحاسبين والمديرين، صعوبة في تحديد الأفضل لجميع أصحاب المصلحة. ونتيجةً لذلك، سيكون من الصعب على المحترفين تحديد الأفضل؛ لأنّ المستقبل يتغيّر

(100)

باستمرار. كما يُجادل النقّاد بأنّ نظريّة النفعيّة تفشل في الحفاظ على حقوق الإنسان والعدالة؛ هذا لأنّ هذه النظريّة تركّز فقط على النتائج. على سبيل المثال، إذا قام شخص بسرقة بنك لمساعدة الفقراء، فإنّ هذا الإجراء يعتبر أخلاقيًّا من منظور النفعيّة.

بشكل عام، لا يقبل الإسلام أيَّ فعلٍ خاطئ، على سبيل المثال، السرقة أو الغش، بغضّ النظر عمّا إذا كان يجلب المزيد من الخير للمجتمع أم لا. في ضوء ذلك، لا يقبل الإسلام النظريّة النفعيّة كنظريّة كافية؛ لأنّ هذه النظريّة تَعتبر الأخلاق لها أكبر النتائج النفعيّة على العدد الأكبر، عندما تكون بعض الأفعال خاطئة بطبيعتها. من منظور إسلامي، يجب على المسلمين اتباع الأخلاق الصحيحة وفقاً للمبادئ الإسلاميّة. يعتني النظام الإسلامي بمصالح الكلّ في المجتمع؛ بسبب القيم والمبادئ الأخلاقيّة العالميّة التي يفرضها الدين[1].

-النظريّة الديونطولوجيّة (الوجوبيّة)[2]

تؤكّد النظريّة الديونطولوجيّة على الواجب كفئة أخلاقيّة أساسيّة. حيث تركّز هذه النظريّة أيضًا على العبارات العالميّة للصواب

(101)

والخطأ. مع ذلك، على عكس النظريّة النفعيّة، لا تهتمّ هذه النظريّة بنتائج الفعل، ممّا يعني أنّ الفعل مستقلّ في حدّ ذاته. بعبارة أخرى، تُجادل هذه النظريّة بأنّ على الشخص واجب القيام بما هو صواب دون الحاجة إلى التفكير في نتائج أفعاله. إنّ أكثر مؤيّدي النظريّة الديونطولوجيّة تمثيلًا هو إيمانويل كانط، الفيلسوف الألماني في القرن الثامن عشر. يعتقد كانط أنّ هناك أخلاقيّات عالميّة يجب على الجميع قبولها، على سبيل المثال، «لا تفعل شيئًا أبدًا إلّا إذا كنت على استعداد لجعل الجميع يفعل ذلك». مثال آخر على الأخلاق العالميّة لـ (Kant) هو «عدم استخدام الناس كمجرّد وسيلة، ولكن دائمًا احترام قدرتهم وتطويرها على الاختيار لأنفسهم».

 يجادل النقّاد مثل فيلاسكيز (Velasquez) (2006م) بأنّ الضرورات القاطعة للنظريّة الديونطولوجيّة غير واضحة؛ لأنّ هذه النظريّة تَعتبر فقط الواجب أو الفعل بشكل مستقلّ دون النظر إلى النتائج. يمكن أن يتعارض ذلك مع الفهم المعياري للناس وأحيانًا ينطوي على بعض الاستنتاجات الأخلاقيّة الخاطئة. في تطبيق هذه النظريّة على الممارسات المحاسبيّة، قد يجد المحاسبون المحترفون صعوبةً في التعامل مع تضارب الواجبات لمختلف أصحاب المصلحة. وبالتالي، قد يقيّمون النتائج ويؤدّون ما هو أقلّ ضررًا أو أكبر فائدةً لمصالحه الذاتيّة. عندما يحدث هذا، يمكن تقييم عمل المحاسبين المحترفين في مقابل النظريّة «الأنيّة» أو النظريّة النفعيّة لحلّ الصراع في نهاية المطاف. بالإضافة إلى ذلك، قد تواجه النظريّة الديونطولوجيّة صعوبةً في تفسير أسباب اتخاذ

(102)

إجراء ما إذا لم ينتج عن هذا الإجراء عواقب جيّدة.

كما أنّ النظريّة الديونطولوجيّة غير مقبولة في سياق إسلامي؛ لأنّ المشرّع الوحيد للنظام العامّ، بما في ذلك النظام الأخلاقي، هو الله. نصَح النبي محمد (ص) أتباعه (أو الصحابة) بمعاملة الآخرين كما يعاملون أنفسهم[1].

 -نظريّة أخلاق الفضيلة

تحدّد نظريّة أخلاق الفضيلة ما هو الصواب والخطأ بناءً على سمات وقيم محدّدة يجب على كلّ شخص اتباعها. وفقًا لهذه النظريّة، فإنّ الغرض من الحياة الأخلاقيّة هو تطوير سمات عامّة تُسمّى الفضائل الأخلاقيّة، وتطبيقها وعرضها في الواقع. على عكس النظريّات السابقة، مثل: نظريّات نتائج الفعل والنظريّة الديونطولوجيّة التي تهتمّ بفعل الفرد، تركّز نظريّة أخلاق الفضيلة على الذات وعلى مسألة ما يجب أن يكون عليه الناس بدلًا ممّا يجب أن يفعلوه. بعبارة أخرى، تركّز هذه النظريّة على ما يجعل الفرد أو الشخص خيّرًا بدلًا ممّا يجعل الفعل خيّرًا. أرسطو هو أكثر الممثّلين لنظريّة أخلاق الفضيلة. اقترح أرسطو عدّة صفات فاضلة يجب أن يمتلكها كلّ شخص؛ التعاونيّة، الشجاعة، العدالة، الصداقة، الكرم، الأمانة، الولاء، الثقة بالنفس، ضبط النفس، التواضع، والتسامح. نظريّة أخلاق الفضيلة تقف عند حدود معيّنة في الإجابة على سؤال، مثل: ما هي مصادر هذه الأخلاق؟

(103)

ينظر الإسلام في كلّ من الإجراءات الأخلاقيّة وأخلاقيّات الفضيلة، على أنّه ليس هناك معيارًا واحدًا فقط كما تناقشه نظريّة أخلاق الفضيلة القائمة على الشخصيّة. في الإسلام، يجب على كلّ شخص أن يتصرّف وفقًا لخصائص أخلاقيّة محدّدة، لكن مصادر هذه الخصائص هي القرآن والسنّة. إلى جانب ذلك، في الإسلام، لدى الأفراد صورة واضحة للغاية حول ما هو الصواب والخطأ كما هو مكرّس في القرآن والسنّة.

إنّ نظريّات، مثل: النسبويّة والنفعيّة و «الأنيّة» وعلم الأخلاق وأخلاق الفضيلة، كلّها نتاج الفهم الغربي لماهيّة الأخلاق وكيف يمكن تطبيقها لتعزيز عمليّة صنع القرار. لكلّ نظريّة وجهة نظر واحدة فيما يتعلّق بالقضايا الأخلاقيّة، مثل: الفعل أو الشخصية أو الدين أو الثقافة. مع ذلك، على الرغم من فائدتها، تجادل هذه الدراسة بأنّ المفاهيم الغربيّة وفهم الأخلاق محدودة وغير شاملة في تفسير ما هو الصواب وما هو الخطأ. في الواقع، يستنتج فيلاسكيز (2006م) أنه لا توجد نظريّة أخلاقيّة مطلقة قادرة على تقديم تفسير كافٍ عن الأخلاق. بالإضافة إلى ذلك، فلا الفلاسفة الأخلاقيّون قادرون على توفير قاعدة أو معيار عالمي يمكن أن يُفسّر عندما تُصبح اعتبارات العدالة، على سبيل المثال، مهمّة بما يكفي للتفوّق على الانتهاكات للحقّ المتضارب أو نتائج الفعل. بعبارة أخرى، لم يتمكّن المنظّرون الأخلاقيّون من الاتفاق على أيّ نظام شامل لإصدار مثل هذه الأحكام الأخلاقيّة.

في المقابل، يضع الإسلام تصوّرًا للأخلاق بناءً على المصادر

(104)

الإسلاميّة. يذهب الإسلام إلى أبعد من هذه النظريّات من خلال التأكيد على أن جميع الأنظمة، بما في ذلك النظام الأخلاقي، في يد الله. في حين أنّ الإسلام يتفق مع نظريّة الأمر الإلهي، التي تمّ رفضها في الأدب الغربي، إلا أنّ لها اعتبارات مختلفة كما ذكرنا سابقًا[1].

(105)
(106)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

نقد للأخلاقيّات التطبيقيّة

نحو ما بعد الإتيقا

(107)

أوّلًا: المرتكزات الأساسيّة للأخلاقيّات التطبيقيّة

يرتكز حقل الأخلاقيّات التطبيقيّة على مجموعة من الأسس الجوهريّة تُميّزه عن باقي الحقول المعرفيّة المتاخمة له، لذلك وجب مناقشة الحدود التي ترسم وظائف هذا الحقل وخصائصه، من خلال الملاحظات الآتية:

فيما يخصّ الحقائق والقيم، ما الذي يَشغل فلاسفة الأخلاق اليوم؟ في السنوات الأخيرة، ارتبط السؤال الأساسي في نظريّة الأخلاق بإمكان استنباط نتائج قيميّة من مقدّمات واقعيّة. هل نستطيع الحصول على قيم من حقائق؟ هل يمكن اشتقاق «ينبغي» من «يكون»؟ هذا لا يَصدق فحسب على الفلسفة التحليليّة: إنّه كامن في لبّ الجدل بين الوجوديّين وخصومهم. إنّ استقلاليّة القيم عن الحقائق أمر جوهري نسبةً إلى ثقافتنا المؤسّسة علميًّا. أكّدت العلوم الاجتماعيّة هذه الاستقلاليّة عبر محاولة ممارسيها تطوير علم اجتماع «لا قيمي». لكن هذا لا يعني أنّه ليست للحقائق علاقة بالأسئلة القيميّة. فمثلًا: جون راولز من جامعة هارفاد كتب «نظريّة في العدالة» حيث اعتقد أنّه بالإمكان استنباط الأحكام القيميّة من الأحكام الواقعيّة. ولكنّك لن تجد في كتابه برهانًا استنباطيًّا سليمًا واحدًا يدعّم صحّة نتائج أخلاقيّة عبر اشتقاق القيم من الحقائق[1].

(108)

عِوضًا عن ذلك تجد لجوءًا إلى حدوس وأحكام يُأمل أن نتفق معها. بالطبع فإنّه يكسب الرهان؛ لأنّنا نشأنا في بيئة تُكرّس حدوسه ومحاباته؛ أمّا بوصفه برهانًا، فإنّه لا قيمة له. إنّ راولز يتحدّث عن العدالة التوزيعيّة. ثمّة كتب مُهمّة في هذا الصدد نُشرت في الآونة الأخيرة، أبرزها كتاب راولز نفسه وكتاب روبرت نوزيك «الفوضى، والدولة، والمدينة الفاضلة». نوزيك يعمل أيضًا في هارفارد لكنّه يختلف في مذهبه جذريًّا عن راولز على خلفيّتهما المتشابهة. كلٌّ منهما يلجأ إلى الحدوس على أمل أن يحظى بموافقة قُرّائه، لكنّهما يخلصان إلى نتائج متعارضة. إنّها ليست متعارضة تمامًا، ذلك أنّ نقيض موقف نوزيك هو المذهب المساواتي، في حين أنّ راولز لا يَعتدُّ بهذا المذهب. يرى المساواتيّون أنّه يتعيّن توزيع ثروة المجتمع بالتساوي ما لم تكن هناك ضرورةً تحُول دون ذلك. يرفض نوزيك هذه الفكرة كلّيّةً، فهو يعتقد أنّ لدينا الحقّ -ككائنات حرّة- في استبدال ممتلكاتنا بطريقة عادلة إلى أن يحدث تفاوت هائل نتيجةً لتراكم أثر هذا الاستبدال العادل. يتّخذ راولز موقفًا وسطًا: النسق الاقتصادي العادل يقوم بأفضل ما يمكن القيام به في سبيل مصلحة ذوي الظروف السيّئة. إذا تحسّنت تلك الظروف فأصبحت كأحسن ما يمكن أن تكون، فإنّ راولز لا يعبأُ بما يحدث للباقي. هكذا نحصل على ثلاثة مواقف؛ لذلك فإنّك لا تجد في مذهب أيٍّ منها برهانًا يحسم القضيّة، فأصحابها يكتفون بالتعويل على حدوس قرّائهم، التي تختلف باختلاف الموقف من القرار السياسي[1].

(109)

إنّ أهمّ قضيّة في فلسفة الأخلاق في الوقت الراهن وفي أيِّ وقتٍ مضى؛ هو منطق البرهنة الأخلاقيّة التي تحمل الخصائص الآتية: الأوّلى، هي القابليّة للتطبيق الشامل؛ إذ يتعيّن على الحكم الأخلاقي الصادر بخصوص حالة بعينها أنْ يصدرَ على أيّة حالة أخرى تشبهها تمامًا. الثانية هي المعياريّة؛ فللأحكام الأخلاقيّة المركزيّة علاقة بسلوكيّاتنا، بمعنى أنّه إذا اعتقدنا فيها فسوف نسلُك وِفقها إذا كان ذلك بمقدورنا. هاتان الخاصيّتان كافيتان بذاتهما لإنتاج منطق مساعد في البرهنة الأخلاقيّة[1]. فلو قام الناس بنقد حدوسهم ومحاباتها بخصوص ما هو عادل وحاولوا فهم الحدوس ومحاباة أغيارهم لتسنّى الاتفاق على مواطن مشتركة، هذا الفهم المتبادل يرتهن بتطبيق العقل على الأسئلة الأخلاقيّة[2].

 في ظلّ جدل الحقائق والقيم في الإسلام اليوم، يَفترض علماء الأخلاقيّات الإسلاميّة بأنّ العلم يتعاطى مع الحقائق، وتتدخّل القيم في الطريقة التي تُحوّل من خلالها «حقائق العلم» إلى واقع. لا يتنافى ذلك مع قناعات غربيّة راهنة عديدة، من أبرزها: ما ذهب إليه جون دوبري[3]، لكن هذا الأخير يختلف عن الطرح الإسلامي في كونه يجعل تدخّل القيم في تطبيق حقائق العلم مسألة اختياريّة.

(110)

لذلك ينزع التصوّر الميتا-إتيقي المعاصر لدى الغرب إلى التأكيد على ضرورة الاتصال بين القيم والحقائق، والرفض التامّ لفصلها عن بعضها البعض؛ نظرًا لأهمّيّتها المعرفيّة في دراسة الظواهر في العلوم الاجتماعيّة.

 ثانيًا: عدم تماسك مصطلح «تطبيقيّة»

 في العقود الأخيرة، بدَت رغبة لدى علماء الأخلاق لتطبيق التفكير الأخلاقي على القضايا العمليّة. كما كان سائدًا في العالم الكلاسيكي، على سبيل المثال، لم يكن هناك مُمانعة في تطبيق النظريّات الفلسفيّة على الأسئلة العمليّة التي تؤثّر على النظام الاجتماعي. عند الفلاسفة البريطانيّين في أوائل القرن السابع عشر، نجد فرانسيس بيكون (Francis Bacon) (1561-1626م) يدعو، إلى جانب ابتكار طريقة استقرائيّة جديدة للسعي وراء العلم، لتوظيفها التعاوني من أجل المنفعة البشريّة. في جمهوريّته الخياليّة نيو أتلانتس (New Atlantis) (التي تمّ تصويرها في كتاب عام 1624م يحمل نفس الاسم)، تمّ استخدام هذه الطريقة لتعزيز الزراعة والتغلّب على المرض. أمّا توماس هوبز (Thomas Hobbes) (1588-1679م)، سكرتير بيكون السابق، بدوره قام بتطبيق فلسفته المختلفة جدًّا على القضايا الاجتماعيّة؛ فباستخدام الطريقة الهندسيّة لإقليدس، حاول وضع «قوانين للطبيعة» التي لدى الأفراد العقلانيّين أسبابًا لاعتمادها على أساس المصلحة الذاتيّة المستنيرة، والتي تُشكّل أساسًا للعقد الذي يقوم عليه المجتمع وشرعيّة الحكومة. في وقتٍ لاحقٍ، طبّق جون لوك (John Locke) (1632-1704م) إيمانه بالحقوق الممنوحة من

(111)

الله على كلٍّ من الفلسفة السياسيّة وحقوق المواطنين في مقابل الدولة (في أطروحاته عن الحكومة) والتسامح الديني (في رسالته المتعلّقة بالتسامح). تمّ تأليف هذين العملين خلال منفاه في هولندا (1683-89م)؛ وَجد عدد كبير من الفلاسفة في ذلك الوقت -بما في ذلك البريطانيون- مجالًا لتطبيق أفكارهم على القضايا المثيرة للجدل حول الحرّيّة النسبيّة في ذلك البلد[1].

أيضًا، قام جيريمي بنثام (Jeremy Bentham)، مؤسّس النفعيّة (1748-1832)، بتطبيق فلسفته الأخلاقيّة على تبرير العقاب، وهو موضوع ظلّ مشكلة عالقة بالنسبة للفلاسفة التحليليّين إلى غاية منتصف القرن العشرين عندما اعتُبرت موضوعات أخرى في الفلسفة التطبيقيّة غير فلسفيّة. بالإضافة إلى أنّ جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill) (1806-1873) طبّق نسخته عن النفعيّة الليبراليّة على الحكومة التمثيليّة، وعلى حقوق الأقلّيّات والمساواة الجنسيّة، وقام هنري سيدجويك (Henry Sidgwick) (1838-1900) بتطبيق النفعيّة على الوسائل المستخدَمة في الحرب. غادر الفيلسوف الاجتماعي ليونارد هوبهاوس (Leonard Hobhouse)  (1864-1929م) أكسفورد ليصبح كاتب عمود في الجارديان (The Guardian) ودافع عن الاشتراكيّة الديمقراطيّة، في فترة كان فيها التطبيق الفعلي للفلسفة على السياسة العامّة[2].

(112)

في وقتٍ مُبكرٍ من القرن العشرين، بدأ المنطق العملي لخصائص الأخلاقيّات التطبيقيّة يفقد بريقهُ بشكلٍ متزايدٍ بين الفلاسفة الأنجلو ساكسونيّين، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى التحوّل اللغوي للفلسفة ولأنّ مور (G.E. Moore’s) أدّى «بالمغالطة الطبيعانيّة» (thenaturalistic fallacy) التي وردت في مبادئ الإتيقا (Principia Ethica) (1903م) إلى تضليل الكثيرين لافتراض أنّ المنطق في عالم القيم مستحيل [على الرغم من أنّ مور شرع في نشر، كتابه «الأخلاق، مساهمة منطقيّة في الأخلاق المعياريّة ذاتها»]. لقد خيّم الصمت التدريجي على جميع فروع الأخلاق ولكن مرحلة ما بعد الميتا-إتيقا (meta-ethics)، تمّ تحفيزها من خلال الموقف غير العقلاني للغة الأخلاقيّة الذي قدّمتهُ النزعة الشعوريّة (emotivism)[1]، كما أنّ وجهة نظر فيتجنشتاين لم تُساعد في أنّ محاولات كتابة الأخلاق تتعارض مع حدود اللغة، حيث يُفترض أنّ القيم لا تُشكّل أيَّ جزءٍ من العالم. خلال هذه الفترة التي استمرّت ستّة عقود، أصبحت الفلسفة (بما في ذلك الميتا-إتيقا) تَعتبر نفسها حقلاً خطيرًا؛ بسبب وضعها من الدرجة الثانية، والتي تمّ تحصينها من الالتزامات من الدرجة الأوّلى للحديث عن القيمة والمشاركة الأخلاقيّة. إلى جانب الأخلاق التطبيقيّة، غادرت الفلسفة السياسيّة والاجتماعيّة أيضًا المشهد الفلسفي، على الأقلّ في إنجلترا وويلز[2].

لكن خلال الستّينات والسبعينات، ظهر السعي وراء الأخلاق

(113)

التطبيقيّة إلى العودة الواعية. أصبح هذا ممكنًا من خلال كتابات الفلاسفة، مثل: ويليام فرانكينا (William Frankena) وجون سيرل (John Searle) وفيليبا فوت (Philippa Foot) الذين ناقشوا مسألة تمييز القيمة-الحقيقيّة، على الرغم من أنّ ريتشارد هير (Richard Hare)، أحد أتباع هذا التمييز، ابتكر للمساهمة في الأخلاقيّات التطبيقيّة بنفسه من خلال الادّعاء بأنّ وصفته الميتا-إتيقيّة تُدعّم النفعيّة، ومن خلال تطبيق هذه النظريّة المعياريّة على مواضيع، مثل: العبوديّة. طالب جيل من الطلاب الأمريكيّين بدراسة القضايا الأخلاقيّة من الدرجة الأوّلى، وتمرّنوا أخلاقيّاً حول القتال في فيتنام، وحول الحقوق المدنيّة، وحول المشاكل البيئيّة التي كشفت عنها أحداث، مثل: الربيع الصامت (Silent Spring) لراشيل كارسون Rachel Carson (1962م). تمّ دفع الآخرين مرّة أخرى إلى التفكير الأخلاقي في السبعينات من خلال أعمال العديد من الفلاسفة الشباب (بما في ذلك بيتر سينجر (Peter Singer) وتوم ريغان (Tom Regan) حول أخلاقيّات معاملة الحيوانات، والتي ألهمت حركة تحرير الحيوانات. بالرغم من هذا، كان الحافز الوحيد والأكبر الذي أعاد إحياء الأخلاقيّات التطبيقيّة والفلسفة السياسيّة على حدٍّ سواء هو ذيوع صيت نظريّة العدل لدى جون راولز عام 1971م، والتي أعطت للكثيرين حياةً جديدةً للمناقشة العقلانيّة حول العدالة والمؤسّسات الاجتماعيّة بشكلٍ عامّ، وبالنسبة للبعض إطار عمل من خلاله يمكن التعامل مع قضايا العدالة الدوليّة[1].

(114)

إذن، منذ عام 1970م أصبحت الفلسفة التطبيقيّة مجالًا نشطًا جدًّا في الفلسفة، فالعديد ربطها بالأخلاق التطبيقيّة فقط. تُعرّف الفلسفة التطبيقيّة في قاموس أوكسفورد الإنكليزي (OED)، بأنّها: «دراسة الطبيعة الأساسيّة للمعرفة والواقع والوجود وأساس الفهم البشري وحدوده». يعتقد راسموسن أنّ الفلسفة الخالصة تسكن الفلسفة التطبيقيّة، في هذا المعنى لا يتمّ تمييز المصطلحين باستخدام مفردة «تطبيقيّة»؛ هذا لأنّ المشاكل التي تعالجها هي تلك التي تُعتبر عادةً مشاكل فلسفيّة بالمعنى الضيّق. مجازيًّا: الفلسفة الخالصة هي فلسفة مطبِّقة على نفسها -أي، للمشاكل الفلسفيّة، مثل: الطبيعة الأساسيّة للواقع والمعرفة والأخلاق وما إلى ذلك- بينما الفلسفة التطبيقيّة هي فلسفة مطبقَّة على المشكلات غير الفلسفيّة التي يتمّ تفسيرها على نطاقٍ واسعٍ. إنّ تطبيق الفلسفة هو مسألة تطبيق المبادئ الفلسفيّة الموضوعيّة. غالبًا ما سيتضمّن القيام بذلك في تحديد الحقائق التجريبيّة ذات الصلة بالمسألة بعناية. على سبيل المثال، علماء الأخلاق التطبيقيّة الذين يناقشون عقوبة الإعدام ويعتقدون أنّ آثار الردع قد تبرّر العقوبة سوف ينظرون فيما إذا كانت عقوبة الإعدام، كمسألة حقيقة تجريبيّة، تقلّل من معدّلات الجريمة الإجماليّة[1].

تراودنا في هذا المجال عديد من التساؤلات والاستفهامات

(115)

وأسئلة الفرق والماهيّة: ماذا نقصد بالفلسفة التطبيقيّة؟ وما الذي نعنيه بالفلسفة العمليّة؟ وهل ينتمي موضوع الإتيقا إلى الفلسفة العمليّة؟ ما هو الاختيار العقلاني للاستقرار على مصطلح معيّن في حقل الأخلاقيّات؟ هل نتفق على الأخلاقيّات التطبيقيّة أم نَثبُت على مصطلح الأخلاقيّات العمليّة؟ أيّهما أقرب إلى التبرير الإتيقي؟ أعتقد أنّ النفعيّة المعاصرة صاغت لنا مبرّرًا منطقيًّا لاعتماد المصطلح الأقرب إلى ما يحقّق للإنسان حاجيّاته اليوميّة ويفكّر في متطلّباته الجوهريّة من أخلاق وسلوك وكلّ ما له علاقة باليومي المَعيش.

 ثالثًا: الترابط المعقد بين الحقوقي الإنساني والتقني العلمي

إنّ التعدّد والتنوّع في مجال البحث البيوإتيقي يجعل منه بحثاً متعدّد الجوانب ومتداخل التخصّصات. وأكثر دليل على ذلك نشأته وتطوّره التي لم تعد في الأصل إلى علماء ميدان خاصّ وحدهم (بيولوجيّون، أطبّاء) بل كان نتيجةً لتدخّل باحثين مختلفين في اختصاصاتهم واهتماماتهم: رجال الدين وعلماء البيولوجيا، أطبّاء وفلاسفة، علماء نفس وحقوقيّون، سوسيولوجيّون، وعلماء سياسة وعلماء اقتصاد. إنّ المشاكل البيوإتيقيّة نفسها تطرح في مجتمعات معقّدة: فردانيّة، متنوّعة، متعدّدة الثقافات، ومتكوّنة من مجموعات مصالح متعدّدة [...] لهذا فإنّه من الأحسن الحديث عن بيوأخلاق وليس بيو إتيقا في مجتمع متجانس ومستقرّ (Stable). في هذه الحالة، تتمثّل البيوأخلاق في الحكم على البحوث التقنيّة-العلميّة المراد القيام بها وتطبيقاتها المنتظرة من زاوية القيم والقواعد الأخلاقيّة السائدة لدى جميع أفراد المجتمع (البيوأخلاق المسيحيّة،

(116)

البيوأخلاق الإسلاميّة، إلخ)[1]. إنّ البيوإتيقا هي «الحقل المعرفي الناجم عن استعمال التقنيّات الجديدة في مجال البيوطبّي، تكون الغاية من هذا التوفيق بين متطلّبات البحث العلمي والمحافظة على كرامة الإنسان موضوع هذا البحث»[2].

يتناول الإعلان العالمي حول «البيوإيتيقا وحقوق الإنسان»[3]، الذي وضعته اليونسكو واعتُمد في عام 2005م، القضايا التي أثارتها ممارسة الطبّ والبحوث في علوم الحياة، واستخدام التقنيّات المرتبطة بها. لا تتناول بشكل مباشر أسئلة قابلة للمقارنة أُثيرت، على سبيل المثال، من قِبل العلوم الفيزيائيّة الأخرى و/ أو العلوم الاجتماعيّة. كما يُوحي عنوانه، يَستخدم الإعلان بشكل صريح لغة حقوق الإنسان في سياق البيوإيتيقا، بما في ذلك الإشارات إلى «كرامة الإنسان» و «حقوق الإنسان» و «الحرّيّات الأساسيّة». بذلك، يتجاوز الإعلان السوابق الدوليّة الماضية للبيوإتيقا ويوضّح أنّه في سياق هذه الأخيرة، فإنّ المعايير الدوليّة لحماية الأشخاص ومعايير حقوق الإنسان تُدعم بعضها البعض. وكإعلان أخلاقي، يُعتبر الإعلان سابقةً في الإشارة صراحةً إلى مبادئ حقوق الإنسان: فهو يؤكّد على الحقّ في المشاركة والفوائد المستمدّة من التقدّم في العلوم والتكنولوجيا (المادّة 15)، وأهمّيّة الوصول العادل إلى الرعاية الصحّيّة والأدوية الأساسيّة (المادّة 14). ويتناول الإعلان

(117)

كذلك: الموازنة بين الفوائد العلميّة والضرر (المادّة 4)؛ واجب الحصول على موافقة حرّة ومستنيرة لموضوع البحث (المادّة 6)؛ وتطبيق الحقّ في الخصوصية (المادّة 9). في المادّة 27، يُقرّ الإعلان بأنّ المبادئ المنصوص عليها في الإعلان ليست مطلقة وقد تكون محدودةً عند الضرورة لحماية حقوق الإنسان. يَعكس الإعلان العالمي للبيوإتيقا وحقوق الإنسان خلفيّات البيوإتيقا الدوليّة من نورمبرغ (Nuremberg) وهلسنكير (Helsinki)، ويتّسق بشكل عامّ مع مدوّنات قواعد السلوك الخاصّة بالرابطات العلميّة الأمريكيّة بشأن مسألة حماية الإنسان. يتميّز الإعلان عن غيره من مدوّنات الأخلاقيّات من خلال إشاراته الصريحة إلى حقوق الإنسان[1].

تذهب مقاربات ايلون مسك (Elon Musk) وري كرزفايل (Rey Cherryville) ومارك زوكربرغ (Mark Zuckerberg) المؤسّسة للحركة ما بعد الإنسانيّة (Transhumanism) إلى أبعد من ذلك، حيث استلهمت مفهوم «تحسين الإنسان» (Human improvement) داخل المجتمعات والتي ترتبط بما يُعرف بالذكاء الاصطناعي الذي يهدف إلى التحسين النوعي في القدرات الفكريّة والجسديّة للإنسان من خلال استثمار تكنولوجيا «النانو» واستغلال العلوم الفيزيائيّة لتجاوز الإنسانيّة بتطوير الدماغ وإلغاء ما يشكّل هاجسًا بالنسبة إليها مثل المعاناة والمرض والغباء والتخلّص من الموت والشيخوخة. تطرح هذه الحركة أسئلة عديدة على مستوى

(118)

الأخلاقيّات الإسلاميّة التطبيقيّة المعاصرة، هل يُعتبر التحسين هو تعديل أو إضافة للخلق الإلهي للبشر؟ بدوري أطرح السؤال الآتي: كيف نحافظ على بشريّتنا في ظلّ الإمكان اللابشري؟

رابعًا: نقد الأساس النفعي للبيوإتيقا ومسألة العدالة 

كثيرًا ما لُوحظ أنّ البيواتيقا هي ظاهرة أمريكيّة جوهريّة. بشكل عامّ، تتّجه البيوإتيقا بوصفها حقلًا إلى تكريس قيمة الاستقلاليّة، فهي تضع الحقوق الفرديّة فوق الرفاهية المجتمعيّة، وقد تبنّت وجهةَ نظرٍ متساهلةً ومتفائلةً تنتمي إلى حدٍّ كبير للتكنولوجيّات الحيويّة الناشئة. على النقيض من التفكير الأوروبي عند تقاطع الأخلاق والطبّ، كان حقل البيوإتيقا على الطريقة الأمريكيّة حازمًا بشكل قاطع، متجنّبًا الخطط الفلسفيّة الكبرى لصالح صنع السياسات البراغماتيّة والتوافق الديمقراطي. ربّما كانت هذه مسألة وقت فقط قبل أن يبدأ العديد من المنظّرين في اقتراح التزاوج بين البيوإتيقا والبراغماتيّة، وجلّهم ينتمي إلى الفلسفة الأمريكيّة المحلّيّة. إنّ ظهور سُلالة براغماتيّة مميّزة من التفكير البيوإتيقي يَعِدُ بإضافةِ بُعدٍ جديدٍ إلى الانغلاق المنهجي (the methodological ferment) الذي نشّط هذا المجال خلال السنوات العشر الماضية. منذ بداية حركة البيوإتيقا المعاصرة في السبعينيّات، كانت اللغة الميدانيّة المهيمنة والتوجّه المنهجي السائد هو «مذهب» الفيلسوف توم

(119)

بوشامب (Tom Beauchamp) وعالم الأخلاق الديني جيمس تشيلدريس (James Childress). في المواقف الملموسة، سعَت المبادئ إلى تحديد جوهر المنطق الأخلاقي في تفسير المبادئ الأخلاقيّة وموازنتها «متوسّطة المستوى»، مثل تلك التي تؤثّر على الاستقلال الفردي والإحسان والعدالة[1]. كيف للبيوإتيقي أن يكون عادلاً مع الإنساني؟ أعتقد أنّ ذلك يُمكنه أن يتحقّق باحترام مبادئ البيوإتيقا نفسها وهي تحقيق كرامة الإنسان ومراعاة حرّيّاته الأساسيّة وحماية حقوقه بالرغم من موجة التطوير والتحسين التي تُجرى على حياته وقدراته. أي، محاولة التوفيق في مبدأ المشروعيّة التطبيقيّة للتكنولوجيّات الجديدة والطبيعة الإنسانيّة.

 خامسًا: تداخل الإتيقي والسياسي

يُمكن تبسيط المواقف الرئيسيّة حول الأخلاقيّات السياسيّة على النحو الآتي: 1- الشكّيّة (Scepticism): تردّد قوي في تطبيق الأخلاقيّات على السياسة، رغم أنّه سيكون لطيفًا. لا أخلاقي. 2- السخرية (Cynicism): تعلن كمبدأ أنّ الأخلاقيّات ليست فقط غير مهمّة ولكنّها ضارّة في السياسة. عدميّة الأخلاق. 3- الأخلاقيّة (Moralism): تصوّر القيم الأخلاقيّة المثاليّة كأهداف لأيّ سياسة

(120)

وتعتبرها معياريّة أو على الأقلّ مُلهمة. 4- البراغماتيّة (Pragmatism): تَعتبر الأخلاق قيمةً مضافةً محتملةً للسياسة وتتحقّق كلّ حالة على حدى سواءً كان هذا صحيحًا أو لا[1].

إنّ إلغاء المسؤوليّة الأخلاقيّة والسياسيّة هو إحدى ظواهر عصرنا، والتي تولّد جميع أنواع الخلافات المفسّرة للاستياء الذي يَبرزُ مظهره على الفواعل السياسيّة والمؤسّسات السياسيّة تحت قيادتها [...]. يكمن السبب في ذلك، كما يلي: «في المجتمعات الديمقراطيّة الليبراليّة الحديثة، هناك حاجة سياسيّة أساسيّة لإعطاء مستويات أعلى من المسؤوليّة الأخلاقيّة للشركات». في الواقع، «المسؤوليّة الأخلاقيّة للشركات ضروريّة للحفاظ على التنسيق الاجتماعي الذي يُعزّز الرفاهيّة الاجتماعيّة ويَحمي الاستحقاقات الأخلاقيّة للمواطنين. يُمكن القول بأنّ الشركات «مديرة للواجب» من حيث إنّها يُمكن أن تُطوّع المبادئ الأخلاقيّة في عمليّات صنع القرار الخاصّة بهم حول كيفيّة إدارة الأعمال». في الوقت نفسه، تُجادل ستيفاني كولينز ( Stefanie Collins) بأنّنا «نميل إلى الاعتقاد بأنّ على الدول واجبات أخلاقيّة: واجبات للتخفيف من الاحتباس الحراري، وحماية الحقوق المعنويّة للمواطنين، وقبول طالبي اللجوء، أو شنّ الحروب فقط. تتوافق وجهة النظر المنطقيّة هذه مع

(121)

إجماع فلسفي متزايد على أنّ الدول هي فواعل أخلاقيّة مؤسّسيّة قادرة على تحمّل الواجبات ككيانات متميّزة من الناحية المفاهيميّة[1]. إن الجدل الإتيقي السائد الآن يدور حول مسألة الواجب بين الأبعاد المؤسّسيّة والسمات الفرديّة، فهناك نظرة اختزاليّة لواجب الفرد في واجب الدولة باعتبارها مؤسّسات. في المقابل، يوجد نظرة شموليّة تفصل بين النمطين مفاهيميًّا[2]. بغضّ النظر عن هذا الجدل، ما يمكن أن نضيفه هو أنّه ينبغي أنْ لا يعطِّل السياسي عمل الإتيقي بالنسبة لواجبات الدولة تجاه المواطن.

(122)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

الأخلاقيّات الإسلاميّة

بديل معرفيّ

(123)

منظور إسلامي، ترتبط الأخلاق بالعديد من المصطلحات العربيّة: المعروف (الخير)، الخير (الحقّ)، البرّ (الطاعة)، القِسط (الإنصاف)، العدل (التوازن والعدالة)، التقوى (الإيمان). تُوصف الأعمال الصالحة بأنّها الصالحات والأفعال السيّئة بأنّها سيّئات. مع ذلك، فإنّ المصطلح الأكثر ارتباطًا بالقرآن هو الأخلاق. على الرغم من تعريف الأخلاق على أنّها ماهيّة للصواب والخطأ، فإنّ القضيّة الأكثر إلحاحًا هي كيف يمكن للمرء أن يَعرف الصواب من الخطأ[1]. أو كيف يمكن التأسيس لمعرفة أخلاقيّة معياريّة في الإسلام؟

 أوّلًا: الأخلاق الإسلاميّة: النطاق والمبادئ

تقوم الأخلاق الإسلاميّة على رؤية العالم[2] بأنّ الإنسان أمين/وصيٌّ ويتحمّل مسؤوليّة كونه خليفةً. ضمن هذا الفهم وُجد الإنسان نتيجةً للمخطّط الإلهي، الذي يتمّ على أساسه تفويض الإنسان لإدارة العيش وتحسينه على الأرض. وفقًا للقوانين الإلهيّة (وحي). للقيام بذلك، يذكر القرآن أنّ الله سبحانه وتعإلى قد مكّن الإنسان من صفات العقل والمعرفة والحرّيّة والتوجيه، ما رفع الإنسان إلى موقع فريد فوق سائر مخلوقات الله. في حين أنّ المصطلح القرآني

(124)

«خليفة» يعني التكليف بالواجب والمسؤوليّة، فإنّ مفهوم «التعمير» يعني التحسين المستمرّ للحياة. كخليفة (نائب) واجبه هو تحسين الحياة، تمّ تولية الإنسان ليكون الوصيَّ (المسخّر)، الذي سيُدير ​​الموارد البشريّة والطبيعيّة، لتحسين الحياة وجعل الأرض مكانًا صالحًا للعيش. بناءً على هذا الفهم، لا تكون السلوكيّات البشريّة أخلاقيّة إلاّ عندما تُساهم في تحسين الحياة، وتتوافق مع التعاليم الإلهيّة. هذا يجعل النظام الأخلاقي الإسلامي إلهيًّا ومتجاوزًا وعالميًّا وموجّهًا. على هذا النحو، من بين الميّزات التي تجعل الأخلاق الإسلاميّة فريدة من نوعها، هي أوّلًا، الأخلاق الإسلاميّة متسامحة. في الإسلام، يتجاوز مصدر الأخلاق الرغبات البشريّة وثقافتها. إنّه رمز إلهي ينحدر من العوالم الإلهيّة. تشريع السلوك الأخلاقي أو غير ذلك، يعتمد على الكتاب المقدّس الإلهي (الوحي الإلهي) الذي يتجاوز حدود (التغيّرات) الزمان والثقافة. وهذا يجعل الأخلاق الإسلاميّة تختلف عن الأخلاق التقليديّة التي يُوصف فيها السلوك الأخلاقي بأنّه سيّء أو جيّد بناءً على نتائجها ومكاسبها النفعيّة. ثانيًا، في النظام الأخلاقي الإسلامي، طبيعة الإنسان ليست شرّيرة ولا عديمة الرحمة، بل خيّرة (فطرة). يُولد الإنسان بطريقة طبيعيّة خيريّة. يتمّ الحصول على سمات الشرّ وإضافتها إلى الطبيعة البشريّة. ثالثًا، كقواعد سلوك عالميّة، تُعلِّم المعايير الأخلاقيّة الإسلاميّة العدالة العالميّة والمساواة الإنسانيّة.

بادئ ذي بدء، تعكس هذه الافتراضات الأخلاقيّة الحقائق الأخلاقيّة العالميّة بغضّ النظر عن الثقافة أو العرق أو الدين

(125)

أو الجنسيّة أو أيُّ ميزةٍ خاصّةٍ أخرى؛ وبالتالي لا مكان للنسبيّة الأخلاقيّة في الإسلام. ثانيًا، البشر متساوون ولا توجد محاباة لأيِّ مجموعة عرقيّة على أخرى. لا يوجد فرد أقرب إلى الله إلا من خلال الأعمال الصالحة. ثالثًا، يُعتبر السلوك البشري أخلاقيًّا أو غير ذلك، حسب نيّة الفرد ووفقًا للنصوص الإلهيّة.

يُعتبر السلوك البشري أخلاقيًّا (عمل صالح) بتحقّق شرطين: الأوّل، يجب أن يتمّ السلوك بدوافع خيّرة (نيّة حسنة). الثاني، يجب أن يتوافق مع أحكام الشريعة. في هذه الحالة، يجب أن تكون وسائل (طريقة) السلوك ودوافعه خيّرة. لا يمكن للنوايا الحسنة أن تحوّل الأعمال اللاّأخلاقيّة إلى خيّرة، في حين أنّ النتائج الخيّرة لا يمكن أن تبرّر الوسائل غير الأخلاقيّة؛ على هذا النحو، فإنّ النظام الأخلاقي الإسلامي ليس تبعيًّا ولا نفعيًّا. بالتالي، يمكن أن يكون سلوك الشخص خاطئًا حتى لو أدّى إلى أفضل النتائج الممكنة. رابعاً، يقدّم الإسلام «نظامًا مفتوحًا للأخلاق، وليس نظامًا ذاتيًّا»؛ نظرًا لأنّ المصلحة الفرديّة والرضا الشخصي يرتبطان كثيرًا بالصالح العامّ والمصالح الجماعيّة، فإنّ الأنانيّة ليس لها مكان في النظام الأخلاقي الإسلامي. خامسًا، في قرارات النظام الأخلاقي الإسلامي التي تُفيد الأغلبيّة أو الأقلّيّة ليست بالضرورة أخلاقيّة في حدّ ذاتها. على سبيل المثال، بغضّ النظر عن عدد (نسبة) الأشخاص الذين يتبنّون الفساد والرشوة، فإنّ كلًّا من الفساد والرشوة غير أخلاقي، وسيبقى غير أخلاقي في الإسلام. سادسًا، من الصحيح أنّ القيم الأخلاقيّة في الإسلام تهدف إلى استقطاب الاهتمام الإنساني

(126)

(جلب المصلحة) ومنع المشقّة (درئ المفسدة)؛ ومع ذلك، لا يمكن مساواة ذلك مع النفعيّة الأخلاقيّة[1].

اقتربت عديد من الدراسات الرائدة التي نُشرت في القرن العشرين، خاصّة منذ النصف الثاني وما بعده، من الأخلاقيّات الإسلاميّة كموضوع للتقصّي الأكاديمي والنقدي. حيث تمّ تطوير هذه الدراسات بأسماء بارزة في مجال الدراسات الإسلاميّة، مثل: محمد عبد الله دراز (توفي 1958م)، جورج حوراني (توفي 1984م)، فضل الرحمن (توفي عام 1988م)، داوود رحبر (توفي 2013م) وماجد فخري. على مدى العقد الماضي أو نحو ذلك، شهد الحقل الأكاديمي للدراسات الإسلاميّة «منعطفًا إتيقيًّا» (ethical turn). من بين عوامل أخرى، أصبح هذا التحوّل الملموس حقيقةً واقعيّةً بفضل المساهمات الجوهريّة التي قدّمها العديد من الأكاديميّين بما في ذلك حسين عجرمة، خالد أبو الفضل، محمد عابد الجابري، طه عبد الرحمن، طارق رمضان، وائل حلاّق، وغيرهم. على الرغم من بعض الاختلافات الفرديّة حول قضايا محدّدة، يتّفق المساهمون الرئيسيّون في هذا المجال على الحاجة الملحّة إلى (إعادة) مقاربة التقاليد الإسلاميّة ونظامها الشامل (الشريعة) ككيان لا يتجزّأ، مع الأخلاق باعتباره جوهرها المركزي.

ليس بعيدًا عن الدراسات الإسلاميّة، شهدت الأنثروبولوجيا «تحوّلًا أخلاقيًّا» موازٍ، حيث أعطى زخمًا كبيرًا لمجالات، مثل:

(127)

الإثنوغرافيا الأخلاقيّة وأنثروبولوجيا الأخلاق (فاسين 2014م). ساهم بعض علماء الأنثروبولوجيا، مثل: صبا محمود (2005م) وتشارلز هيرشكيند (2006م) في هذا التحوّل الأخلاقي في علم الإنسان واستفادوا منه. سيُساهم هذا «التحوّل الأخلاقي» الذي يمرّ به كلا التخصّصين بشكل كبير في نحت مساحات جديدة للأخلاقيّات في دراسة الإسلام على حدٍّ سواء كتقليد قائم على الكتاب المقدّس («نصّ») وكحقيقة حيّة («سياق»). يبدو أنّ الدراسات حول الأخلاقيّات الإسلاميّة التي تنتقل بين «النصّ» و «السياق» وتلك ذات الطابع متعدّد التخصّصات بشكل عامّ لديها إمكانات أكاديميّة كبيرة. يمكن للمرء ببساطة التفكير في عدد كبير من التحدّيات الأخلاقيّة التي تطرحها العلوم والتقنيّات الحديثة التي تنتظر الفحص والتحليل الإتيقي الصارمين للتقاليد الأخلاقيّة الغنيّة مثل الإسلام.

من أجل الاستجابة لهذا الطلب الملح، يحتاج الباحثون في مختلف المجالات إلى العمل سويًّا وإنتاج أبحاث مبتكرة تعالج هذه التحدّيات الجديدة. تعمل بعض المشاريع الكبيرة بالفعل على وضع خطط أو تطويرها لتطوير قواعد البيانات والموسوعات التي تهدف إلى تسهيل عمل الباحثين في مجال الأخلاقيّات الإسلاميّة الناشئة. من جهة أخرى، تَعمل بعض المؤسّسات الأكاديميّة على وضع خُطط لإعداد جيل جديد من الأكاديميّين المدرَّبين في هذا المجال الواعد. في قطر، بدأ التخصّص الجديد «الفكر الإسلامي والأخلاقيّات التطبيقيّة» العام الدراسي (2016-2017م). حيث

(128)

قدّم مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق (CILE) اقتراحًا لهذا التخصّص الجديد منذ حوالي عام، وهو الآن مُدمج في برنامج ماجستير الدراسات الإسلاميّة، كلّيّة الدراسات الإسلاميّة، جامعة حمد بن خليفة (HBKU).

اكتسب حقل البيوإتيقا القائمة على المبادئ، أو المبدئيّة (principisme)، أهمّيّة كبيرة لدى الغرب في سبعينيّات القرن الماضي وأوائل الثمانينيّات. حيث أخذ هذا المجال الجديد مجموعات معيّنة من المبادئ كأطر مرجعيّة للمسلّمات التقييميّة على أمل أن تُبرز هذه المبادئ درجة معيّنة من التماسك والاتساق في مجال البيوإتيقا الجنينيّة آنذاك. لا تزال نظريّة المبادئ الأربعة (الاستقلاليّة والانتفاع/الخيريّة وعدم الإجحاف/ الإيذائيّة والعدالة) التي قدّمها الفيلسوفان الأمريكيّان توم بوشامب وجيمس تشيلدريس في كتابهما «مبادئ البيو إتيقا الطبّيّة» واحدةً من أكثر النظريّات التي نُوقشت على نطاقٍ واسعٍ في المجال البيوإتيقي، مع الحجج المؤيّدة والمعارضة. واحدة من الأطروحات المركزيّة ﻠ بوشامب وتشيلدريس هو أنّ المبادئ الأربعة هي عالميّة، وبالتالي متوافقة مع مختلف الثقافات والتقاليد وفلسفات الحياة. تَنعكس هذه النقطة بالفعل في عنوان مساهمة بوشامب في هذا المجلّد، «مبادئ البيوإتيقا الطبّيّة كمبادئ عالميّة». لقد تمّ فحص قابلية تطبيق هذه المبادئ الأربعة ومناقشتها على الثقافات والمجتمعات والتقاليد الدينيّة المختلفة ومناقشتها من قِبل عدد كبير من العلماء، والتقاليد الإسلاميّة ليست استثناء. على الرغم من النقاشات الغنيّة داخل التقاليد الإسلاميّة حول

(129)

مجموعة واسعة من القضايا الخاصّة بالبيوإتيقا الطبّيّة، فإنّ مسألة مبادئها العامّة لم تتلقّ حتى الآن سوى علاجًا سطحيًّا[1].

إنّ مشاركة علماء البيوإتيقا الإسلاميّة في حوار مع علماء البيوإتيقا الدينيّة الأخرى أمر بالغ الأهمّيّة. مثل هذا الحوار، مع فحص دقيق للأخلاق الدينيّة المقارنة، من شأنه أنْ يُساعد العلماء في هذا المجال على مشاركة هواجسهم وكذلك الحلول العمليّة للمعضلات البيوإتيقيّة. مع ذلك، كما تمّ اقتراحه، فإنّ البيوإتيقا الإسلاميّة تحتاج إلى بناء لغة مفهومة عبر الثقافات والتقاليد للاستفادة من فرصة المناقشة للعلماء حول مناهج البيوإتيقا الدينيّة أو العلمانيّة الأخرى (Sachedina 2012م). لبدء الحوار مع علماء الأخلاق الحيويّة من العلمانيّين أو الآخرين على أساس ديني، يجب على العلماء المسلمين ألاّ يفهموا فقط أسس التداول الأخلاقي في البيوإتيقا العلمانيّة أو غيرها من الأخلاقيّات البيولوجيّة القائمة على الدين ولكن أيضًا أن يبذلوا مجهودًا لمشاركة أسس التداوليّات اللاّهوتيّة والأخلاقيّة الإسلاميّة[2].

في التأكيد حول إمكان وجود حقل للأخلاقيّات الإسلاميّة في الزمن الحاضر، نعتقد بأنّ المسألة ممكنة جدًّا نظرًا للقاعدة اللاهوتيّة المؤسّسة: الكتاب والسنّة، المنبثقة عنها رؤى معرفيّة مهمّة: الأفق

(130)

الأخلاقي الإسلامي في ظلّ المعرفة الإنسانيّة المتاحة، التي تجعل الأخلاقيّات الإسلاميّة تملك منظور ابستيمي بديل حول الإتيقا، بشرط تجاوز مطبّاته المنهجيّة.

هذه الأخيرة (المطبّات) التي نستشفّها من دراسة موسومة بسؤال الأخلاق في الحضارة الإسلاميّة[1]، وهي كالآتي:

-حلّ مشكلة التقابل الراديكاليّة، في مطلب التنمية وفي غائيّتها، بين «أوّليّة الاقتصادي» ومبدأ الربح المحرّك له وبين «أوّليّة الأخلاقي» وقيم الخير والعدل المجتمعيّة؛ بين الاستجابة لمتطلّبات السوق ومنطقها الرأسمالي الذي يزداد توحّشًا، وبين القيم الأخلاقيّة السامية: قيم الخير والعدل والمساواة والمصلحة والخير العامّ. هنا نقف في قلب التقابل بين «الليبيراليّة الاجتماعيّة» التي تتعلّق بالمجتمعي والعدل والخير العامّ، وبين «الليبرتاريّة» أو «النيو ليبيراليّة» التي تُطلق الحرّيّة الاقتصاديّة، من دون حدود أو قيود وتَعدل صراحة عن طريق العدل. المرجّح هو أنّ المنظور الأوّل هو الذي يتعيّن الأخذ به عربيًّا[2].

-اعتبار المطلب الأخلاقي بمثابة المسألة الجوهريّة في نقد الحداثة وتشخيص أزمتها وإعادة تأسيسها، وأنّ الدين فاعليّة أساسيّة في تقديم الجواب الأخلاقي عن اختلالات الحداثة. هذا انطلاقًا من الفشل الأخلاقي للحداثة؛ إذ أخفق مشروع التنوير الذي قامت عليه

(131)

في تأسيس أخلاق دنيويّة مستقلّة عن فرضيّات الدين والميتافيزيقا. فالحداثة لم تأخذ في الاعتبار العمق الأخلاقي للدين وتنوّع عالمنا الروحي، ولم تنفتح إيجابيًّا على كلّ العالم، بحيث تتمكّن كلّ المجتمعات من المساهمة الفعّالة في بناء الحياة المعاصرة بكلّ أوجهها؛ لن تكون الحداثة أبدًا ظاهرة كونيّة محقّقة لتطلّعات الإنسانيّة كافّة. وهذا بالضبط مشروع ما بعد الحداثة الأخلاقي[1].

 تَشهد أوروبا الحديثة مشكلة صعود التمييز-أو الفصل في الواقع- بين «ما هو كائن» و «ما ينبغي أن يكون». هذا ما يُطلق عليه نشأة القانوني، وهذا اللفظ الأخير يحمل أهمّيّة خاصّة. في المقابل هناك نشأة للسياسي، الذي أفصَحت عنه أشدّ الإفصاح هوبزية كارل شميت الجديدة. وهاتان الظاهرتان متشابكتان تاريخيًّا وموضوعيًّا على حدٍّ سواء، ويرتبط سياقهما بتصوّر وممارسة معيّنة للسيطرة. سأوضّح -يقول حلاّق- أنّ نشأة القانوني والسياسي في المشروع الحديث يجعلهما غير متوائمين مع الأشكال المؤسّسيّة؛ لأنّه نمط إسلامي للحكم؛ لأنّهما يناقضان حتّى أدنى درجات النسيج الأخلاقي الذي يجب أن يتوافر في أيّ حكم من هذا النوع كي يمكن أن نسمّيه إسلاميًّا على نحو له معنى[2].

يُعتبر السلوك الإنساني أخلاقيًّا عندما يساهم في الجهود

(132)

الحضاريّة بما يتماشى مع إرادة الله، التي تؤهّل هذه المجتمعات بعد ذلك وفقًا لنظام أخلاقي إسلامي مليء بالمبادئ الإلهيّة، المتعالية والعالميّة. تُقدّم الأخلاقيّات الإسلاميّة دليلًا كاملًا للإدارة المُطبقة للأخلاق والأدب لبناء حضارة قويّة. إذن، يلعب النظام الأخلاقي الإسلامي دور الدافع الروحي في تحديد موقف الإنسان إمّا جيّدًا أو سيّئًا. على النحو الأمثل، الأخلاق والدين والقانون تتكامل وتفتقر إلى التناقض، وبالتالي تشكّل ممارسة أخلاقيّة[1].

ثانيًا: الأخلاقيّات الإسلاميّة والراهن اليومي

من بين البديهيّات الأخلاقيّة في الإسلام التي تُغطّي جميع جوانب الحياة؛ الوحدة (حياة المرء مرتبطة تمامًا وإلى الأبد بالله) والتوازن والمسؤوليّة. ففي الإسلام، لا يمكن فصل الأخلاق في العمل عن حياة المسلمين بأكملها. إنّ المعايير الثلاثة المهمّة للأخلاقيّات الإسلاميّة هي العدل، الأمانة، والإحسان. بالإضافة إلى الرحمة، والجدارة بالثقة، والصدق، والتسامح، والعدالة التي تشكّل القيم الرئيسيّة في الأخلاقيّات الإسلاميّة. يُشير العديد من المؤلّفين إلى أنّ مفهوم التوحيد (وحدانيّة الله وسيادته) يعتبر جوهر الأخلاق الإسلاميّة[2].

(133)

إنّ الأخلاقيّات الإسلاميّة لا تحدّد السلوك الأخلاقي فحسب، بل تعلّمنا أيضًا بناء طريقة حياة أفضل للنظام الفردي والاجتماعي الذي يسكن فيه. يعلّمنا الإسلام أنّ الله خلق البشريّة وأنشأ قوانين وأنظمة تتعلّق بالمعتقدات والتعاليم الأخلاقيّة المناسبة للممارسات البشريّة وحكمها. يواجه العصر الحديث العديد من التحدّيات بما في ذلك التطوّرات المتسارعة في العلوم والتكنولوجيا. بما أنّ الإسلام دين كامل وشامل، فمن المؤكّد أنّ كلّ ما يحدث يمكن التعامل معه من خلال الأخلاق الإسلاميّة مع التوجيه السليم من القرآن والسنّة وغيرها من المصادر الإسلاميّة. تُعلّمنا الأخلاق الإسلاميّة كيفيّة التصرّف بطريقة خيّرة وتجنّب الخطأ في الفعل. وبالتالي، تُقدّم الأخلاقيّات الإسلاميّة مبادئ توجيهيّة تقويميّة تحكم العلوم والتكنولوجيا الحديثة مع ضمان نتائج عامّة متّفقة مع الصالح العامّ[1].

تنشأ التغييرات في أنماط الحياة البشريّة من تطوّر التكنولوجيا والعلوم التي تتحدّى في كثير من الأحيان القيم الأخلاقيّة والعقليّة الثقافيّة. تمكّنت التكنولوجيا والمعلومات أيضًا من إزالة بعض القيود المفروضة على الحدود الوطنيّة. في الواقع، فهي تسمح للتأثيرات التي تغيّر المفاهيم والأيديولوجيّة ومختلف العناصر الخارجيّة بالدخول إلى بلد ما دون قيود أو ضوابط. توقّع نيسبيت (Naisbitt) (1982م) أنْ تستند واحدة من كلّ عشرة اتجاهات إنسانيّة في أوائل القرن الحادي والعشرين إلى معلومات من عالم معولم كدوافع حاسمة في المستقبل؛ لأنّ المعلومات ستنتشر

(134)

دوليًّا عبر وسائط التواصل الاجتماعي. على الرغم من وجود مثل هذه التأثيرات القويّة على الحضارة، لا ينبغي تجاهل الآثار الضارّة المُحتملة؛ لأنّها يمكن أنْ تُصبح سرطانًا يؤدّي إلى تفاقم الأمراض الاجتماعيّة القائمة. يُقدّم الإسلام منظورات أخلاقيّة يمكنها مواجهة التأثيرات السلبيّة من خلال توليد وئام حقيقي وازدهار في عالم حديث مليء بالأزمات الأخلاقيّة[1]. فمثلاً في الوقت الحاضر، يمكن لشبكات التواصل الاجتماعي وصفحات «الويب» الشخصيّة مشاركة المعلومات الخاصّة والعامّة التي لها تأثير مباشر على القضايا الاجتماعيّة. من دون قيود، يمكن أن يكون ذلك مفيدًا سطحيًّا، لكن يمكن أن تنشأ في كثير من الأحيان نتائج فظيعة تدعو إلى فقد احترام القيم الأخلاقيّة. وبالتالي، يجب أنْ تكون التنمية موجّهة نحو تحسين كرامة الإنسان في جميع المجالات. لا تنفصل الاعتبارات الأخلاقيّة عن المساعي الروحيّة والمادّيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. إنّ المقاربة الشموليّة للتنمية التي توفّرها الأخلاق الإسلاميّة موجّهة أخلاقيّاً وتغطّي الجوانب متعدّدة الأبعاد للتقدّم المادّي والاجتماعي[2].

ثالثًا: المحاولات الجادّة في الفضاء الإتيقي الإسلامي

نروم من هذه الجزئيّة التركيز على محاولتين: فرديّة ومؤسّسيّة، كلاهما يحمل مشروعًا معرفيًّا ونقديًّا يسعى لتأسيس أخلاقيّات إسلاميّة مطبّقة.

(135)
- محاولة البروفيسور طارق رمضان

يُعتبر طارق رمضان مدافعًا صريحًا عن فكرة أنّ المسلمين الأوروبيّين يمكن أن يكونوا أوروبيّين ومسلمين على حدّ سواء...[1]،  فيَقترح رمضان -في معرض محاولته لبناء معرفة من أجل توطين الإسلام في المجتمعات الغربيّة- اجتهادًا إسلاميًّا معاصراً يُساعد في نشر وعي ثقافي مشترك، قاعدته الإيمان بالقيم الكونيّة الحديثة، المؤسّسة على مبادئ الحرّيّة والتسامح والحقوق المدنيّة والمواطنة وقبول التعدّد. ففي نظر رمضان أنّ روحانيّة الإسلام وفيض مخزونه الأخلاقي خير دواء لعِلَل مجتمعات ما بعد الحداثة. فالمعادلة التي يصوغها هذا الخطاب الإصلاحي تتّسع لتُعانق أُفق الكونيّة، من بوّابة الأخلاق الإسلاميّة[2].

في الواقع، يمكن القول: إنّ رمضان في السياقات الأوروبيّة، وخاصّة الفرنسيّة، أصبح رمزًا مُقلقًا خاصّةً بالنسبة للصحفيّين والمعلّقين المشهورين الذين درسوا واستجابوا لمختلف تصريحاته العامّة ومحاضراته وأعماله التي تناولت مكانة المسلمين الأوروبيّين والإسلام داخل المجتمعات العلمانيّة الليبراليّة. كما يُشير أندرو ف. مارش في العديد من مناقشاته التفصيليّة ومراجعاته لعمل رمضان،

(136)

فإنّ الكثير من هذا القلق الواضح الذي شعرت به هذه النخب الصحفيّة والسياسيّة الأوروبيّة كان نتيجةً للصعوبة الواضحة التي قد تكون واجهتهم في تصنيف رمضان على أنّه إمّا «إسلاموي» (Islamiste) مهدِّد وفقًا لإرث جدّه حسن البنّا (ت: 1949م) أو كمفكّر مسلم لا ينتقد بشكل مُريح الليبراليّة العلمانيّة الأوروبيّة المعاصرة في صيَغها المختلفة[1].

ومن أعمال رمضان... أنّه بدأ في صياغةٍ طموحةٍ لمشروع إصلاحي أصلي على ما يبدو. ثم قام بتحويل تركيزه بعيدًا عن المجتمعات الإسلاميّة الأوروبيّة، والنظر بدلًا من ذلك إلى نظام الفقه الإسلامي ككلّ. يُفسّر مارش (March) عمل رمضان على أنّه يسعى إلى تشريد أو «حلّ» الشريعة الإسلاميّة كمصدر للمعايير السلوكيّة الإسلاميّة. [...] يبدو أنّ هذا الحلّ يتماشى مع المفهوم الأكثر شموليّة لـ «الأخلاق»، حيث يُصبح القانون الإسلامي مجرّد «وسيط متلاشي». بينما يبدو أنّ أهداف رمضان «المراوِغة» تَزيد من عدم الارتياح لدى منتقديه، فإنّ الإصلاح الراديكالي، كما يقدّمه مارش أيضًا، يعتبر «لغزًا» أكيدًا على أساس أنّه بالنسبة لجميع طموحات رمضان هو صياغة نظاماً جذريّاً حقيقيّاً للأخلاق الإسلاميّة، كما سيتبيّن هذا من خلال موقف معيّن عندما يتعلّق الأمر بمناقشة أكثر

(137)

واقعيّة حول «دراسات حالة» معيّنة في فصله الرابع. يُفسّر مارش هذا اللغز فيما يتعلّق بـ «معضلة المصلح»، حيث يكون المصلح المحتمَل تحدّياً للالتزامات التأسيسيّة المشتركة للمجتمع الأخلاقي الأكثر تكلفةً بكثير من حيث «رأس المال اللاّهوتي» (theological capital) من المقاربة الأكثر تجزيئًا لتغيير المعتقدات والممارسات التطبيقيّة. هذا الاعتبار يقود مارش، إلى الاعتماد على حجّة راولز من حيث إنّ الانقسامات التأسيسيّة والميتافيزيقيّة في مجتمع ما تُسبّب انقسامًا كبيرًا بحيث يجب تجنّبها عند الضرورة، للاستفسار عن سبب ظهور حالة «معكوسة» في حالة رمضان[1].

 يتعلّق المجال الأخير من الإجماع المتداخل بجودة العلاقات مع غير المسلمين. حيث يؤيّد العديد من الإسلاميّين الموقف التعاقدي أعلاه، لكنّهم يصرّون على أنّ العلاقات مع غير المسلمين يجب أن تكون محدودة وأنّ المشاركة السياسيّة لا يمكن السماح بها إلاّ لتعزيز المصالح المجتمعيّة الإسلاميّة. من الواضح أنّ رمضان يُعارض هذا الموقف السائد المُستوحى من الإخوان. أوّلاً، يؤكّد على مفهوم العدالة الذي لا يميّز بين مصالح المسلمين وغير المسلمين: «للدفاع عن العدالة لا يمكن أن يكون الدفاع عن المسلمين فقط: أفضل شاهد على تفوّق (استحسان) الطريقة الإسلاميّة في الحياة. يكمن في احترام المثل الأعلى للعدالة بالإضافة إلى إخفاقات المؤمنين المسلمين». في حين أنّ مفكّر

(138)

الإخوان المسلمين قد لا يرفض هذا الموقف تمامًا، يُشير رمضان إلى ضرورة أنْ يهتمّ المسلمون بأنفسهم على أساس مبدئي مرتبط بمصالح غير المسلمين وحقوقهم[1].

على الرغم من ذلك، فإنّ مسألة المشاركة السياسيّة تَكشف أكثر عن تفرّد رمضان في السياق الإسلامي الأوروبي. يَرفض العديد من علماء الإسلام المشاركة في الأنظمة السياسيّة الأوروبيّة إمّا على أساس أنّه من الخطأ التواطؤ في السلطة التشريعيّة والسياسيّة غير الإسلاميّة، أو أنّه من الأفضل عدم تعزيز قوّة المجتمعات غير الإسلاميّة. زيادةً على ذلك، يُبرّر العديد من العلماء المسلمين أو المفكّرين العامّين هذه المشاركة فقط بشرط أن تُساهم في تحسين رفاهيّة المجتمعات الإسلاميّة على وجه الخصوص أو أنّ هذه المشاركة يمكن أن تُسهم في إصلاح السياسات الأوروبيّة في اتجاه غير ليبرالي (مثلًا: عندما دعا بعض المسلمين البريطانيّين إلى تمديد قانون ازدراء المقدّسات (blasphemy law) البريطاني ليشمل جميع الأديان). هنا، تَعترض الليبراليّة على أنّه، في حين لا يتمّ انتهاك أيّ قوانين، تكشف الحجج الخاصّة بالمشاركة السياسيّة عن كراهية معاكسة للحكومة الديمقراطيّة ونفور من التضامن المفرط مع غير المسلمين. على النقيض من ذلك، فإنّ تأمل وجهات نظر رمضان بشأن المشاركة السياسيّة: يجب السماح للمسلمين بالالتزام داخل المجتمع والعمل لصالح التضامن الإنساني. هذا يعني أيضًا أنّه

(139)

يمكن للمسلمين المشاركة في الأنشطة الاجتماعيّة وكذلك السياسيّة والاقتصاديّة. لهذا السبب، على المستوى المحلّي والوطني، فإنّ التزامهم كمسلمين ومواطنين أمر حتمي؛ لأنّه الطريقة الوحيدة لاستكمال إيمانهم والرسالة الأساسيّة لدينهم. يجب أن يسمح لهم الفضاء الاجتماعي بقوانينه وعاداته بتحقيق ذلك[1].

      يقول طارق رمضان: «[...] إنّ مجهودنا هو التكيّف وليس تغيير الواقع، فمفهوم الأخلاق لا يهدف إلى كيف نقبل الواقع وأن نتوقّف عن البحث عن قواعد تسمح لنا بتغييره، وإنّما كيف يمكننا من قواعد معيّنة أن نتمكّن من تغيير الواقع وهذا ما فعله ادغار موران في مؤلّفه «الطريق» عندما يتحدّث فيه عن كيف يمكننا أن نفكّر ببعض المبادئ لنغيّر العالم إلى ما هو أفضل [...] سؤال قِيَميٌّ بامتياز: كيف نستطيع أن نحمي الغايات والأهداف المحلّيّة في عالم يتغيّر وبشكل معولم»[2].

-مركز أبحاث التشريع الإسلامي والأخلاق (CILE)[3]

يهدف المركز إلى تعزيز الإصلاح الجذري القائم على مفهوم أساسي هو التجديد التحوّلي. هذا المفهوم يتجاوز التجديد التقليدي، الذي يتّجه نحو قبول الواقع والتكيّف معه، لتقييم مكوّناته

(140)

من خلال نظام قانوني إسلامي متوافق مع القيم الأخلاقيّة السائدة؛ إلى خلق نوع من التجديد والفقه الذي يتعامل مع الحقائق بشكل نقدي ويستكشف الواقع فكريًّا لإصلاحه، أو حتى إعادة بنائه عند الضرورة[1]. يمكن عرض بعض القضايا التي شغلت المركز منذ تأسيسه، وهي كالآتي:

قضيّة الهجرة في المنظور الأخلاقي الإسلامي

كيف يمكن للتقاليد الأخلاقيّة والقانونيّة الإسلاميّة أنْ تُساهم في المناقشات العالميّة الحاليّة حول معضلات الهجرة والنزوح. هل يمكن للتقاليد الإسلاميّة أنْ تقدّم نموذجًا أخلاقيًّا وقانونيًّا دوليًّا بديلًا أثبت آخرون أنّه غير ملائمٍ؟ يُجادل أبو الفضل، في هذا المجلّد، بأنّ التقاليد الإسلاميّة مَليئة بـ «دوافع أخلاقيّة فاضلة قويّة يمكن أن تُقدّم مساهمات جوهريّة في مجال الهجرة القسريّة والنزوح». أخلاق الإخاء والضيافة، الإيجار (توفير الحماية والدعم)، الأمان والجوار، «السوترا» (الحماية، خاصّة في حالة الزواج)، الكفالة (ضمان شخص) من بين أمور أخرى، قد يوفّر الأسس الأخلاقيّة المشتركة مع التقاليد الدينيّة الأخرى والفلسفات الأخلاقيّة والعادات الاجتماعيّة التي يمكن أنْ تتجاوز التطبيقات التقنيّة والمعايير الإجرائيّة للقانون الدولي. إنّ الحجّة القائلة بأنّ هذه المبادئ الأخلاقيّة أو «الإمكانات الأخلاقيّة والمسارات» لا يحقُّ لها سوى المسلمين ولا تنطبق على غير المسلمين، تتناقض مع المسارات التاريخيّة العامّة والفهم المعياري في الإسلام. هذه الأخلاق، وفقًا لمؤلّفي هذا المجلّد،

(141)

شاملة وليست خاصّة بالسياق. إنّهم يقدّمون «ضرورة معياريّة للمسلمين تُطبّق عندما يكون هناك التزام بالهروب من القمع أو الظلم»، وتمثّل «البناء الهادف للفضائل الاجتماعيّة والسياسيّة» (أبو الفضل، الفصل الأوّل). لسوء الحظّ، كان العلماء المسلمون في مرحلة ما بعد الاستعمار أكثر انشغالًا بالخطاب الاعتذاري إمّا إعادة تفسير المفاهيم الكلاسيكيّة (مثل تقسيم العالم إلى دار السلام ودار الحرب) للارتباط بالمفاهيم السياسيّة للدول القوميّة المعاصرة، أو إثبات التوافق والتوفيق الأساسي بين اللاهوت الإسلامي والقانون الدولي. إنّ المهمّة الأفضل هي تحويل الضرورات الأخلاقيّة الموروثة من التقاليد الإسلاميّة إلى ارتباطات لاهوتيّة وأخلاقيّة مهمّة مع الخطابات الحديثة حول حقوق الإنسان وكرامته. يُقدّم هذا المجلّد محاولات علميّة لإنجاز هذه المهمّة من خلال مراجعة مسائل الهجرة والإقامة والتجنّس والمواطنة من وجهات نظر متعدّدة الجوانب، وبالتالي تحديد التقليد الإسلامي على نطاق أوسع ليشمل ليس اللاّهوت فحسب، بل ليشمل أيضًا الأخلاق والعادات والأعراف الاجتماعيّة، وكذلك الخطابات السياسيّة والإنسانيّة والحقوقيّة الحديثة. [...] إنّ البحث في قضايا الهجرة -نادرًا، وربما لم يحدث أبدًا، من منظور إسلامي وأخلاقي. بالرغم من أنّ نسبة كبيرة من الهجرة العالميّة وتحرّكات اللاّجئين مرتبطة بدول ذات غالبيّة مسلمة. سواءً بلدان المنشأ والعبور والمقصد[1].

(142)
الإيمان والأخلاق

بغضّ النظر عمّا إذا كانوا يدعمون جعل الشريعة القانون الرسمي للبلاد، يتّفق المسلمون حول العالم بأغلبيّة ساحقة على أنّه لكي يكون الشخص أخلاقيًّا، يجب عليه أن يؤمن بالله. يتّفق المسلمون في جميع المناطق بشكل عامّ أيضًا على أنّ بعض السلوكيّات -مثل: الانتحار والشذوذ الجنسي وتعاطي الكحول- غير مقبولة أخلاقيًّا. مع ذلك، فإنّ المسلمين أقلّ توحّدًا عندما يتعلّق الأمر بأخلاق الطلاق وتحديد النسل وتعدّد الزوجات. حتى المسلمين الذين يرغبون في تكريس الشريعة كقانون رسمي للإقليم لا يصطفّون دائمًا على الجانب نفسه من هذه القضايا[1].

العالم الغربي والمقاربة الإسلاميّة للسلام:

في المفهوم الغربي السائد، يرتبط السلام بغياب الحرب أو العنف المنظّم والعدالة مع غياب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. يتمّ الحفاظ على السلام من خلال التهديد بالإكراه وإضفاء الطابع المؤسّسي على اللوائح وإجراءات اتخاذ القرار. يتمّ التفكير في السلام وحلّ النزاعات من حيث النظام العقلاني أو حلّ المشكلات بناءً على العقل. يحتلّ السلام مكانة مركزيّة بين التعاليم الإسلاميّة، حيث يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعدالة والازدهار البشري.

(143)

في الواقع، يدلّ السلام على وجود إضافي لكرامة الإنسان والرفاه الاقتصادي والتوازن الإيكولوجي. السلام في الإسلام يبدأ بالله. الله سلام، السلام هو من «أسماء الله الحسنى»[1].

المقاربة الضامنة مجتمعيًّا لحلّ النزاعات

من منظور غربي، يُنظر إلى النزاع على أنّه طبيعي وربّما إيجابي، وليس مجرّد مصدر لعدم الاستقرار والتهديد؛ يُنظر إلى محاولات قمع الصراع فقط من خلال القوّة القسريّة والقواعد الموثوقة على أنّها مكروهة على النقيض من محاولات التوسّط لحلّ قرارات دائمة ذات فائدة مُتبادلة للمشاكل، ممّا يُرضي مصالح الأطراف المتنافسة في حلّ «يكسب فيه الجميع». تَعتمد مناهج المسلمين في حلّ النزاعات على القيم الدينيّة، وطقوس المصالحة التقليديّة والممارسات التاريخيّة للتعايش بين الجماعات وبين المجتمعات. تَهدف هذه الآليات إلى تمكين مجموعات الأسر وأفراد المجتمع من المشاركة في الأمور ذات الاهتمام المشترك، ويتمّ التركيز بشدّة على الروابط بين الهويّة الشخصيّة والهويّة الجماعيّة[2].

العلاقة بين الأخلاق الإسلاميّة والشريعة

تعدُّ الشريعة الإسلاميّة أمر من الله تعإلى إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله، وهو قانون يُسيطر على الدولة والمجتمع. هذا يعني أنّ الدولة والمجتمع يجب أن يلتزموا بإملاءات الشريعة. الشريعة تختلف عن قانون

(144)

الإنسان بسبب أصلها الإلهي الذي يقوم على الوحي الإلهي. إنّ ذلك يختلف كثيرًا عن آراء أفلاطون الذي قال بأنّ القانون ينتمي إلى الفئة التعاقديّة؛ إذا اتفق جميع الأطراف أو الأشخاص على قضيّة واحدة، فيمكن أنْ يكون القانون، حتى لو لم يتوافقوا عليه، فلا يمكن أنْ يكون قانونًا. لذلك، تختلف الشريعة الإسلاميّة أو الشريعة عن القانون الإنساني لأنّ هذا الأخير هو نتاج العقل والقواعد العرفيّة. لا يمكنه أبدًا إنتاج تجانس مثالي للسلوك. إنّ الخير لمجموعة واحدة من الناس ليس بالضرورة بالنسبة لمجموعة أخرى، وبالتالي، فإنّ ممارسة السلوك الأخلاقي ستكون مختلفة عن بعضها البعض. في هذا السياق، فإنّ الشريعة الإسلاميّة قادرة على إنتاج قواعد سلوك قياسيّة مثاليّة في جميع جوانب حياة الإنسان. إنّه يكمن في المعايير المحدِّدة للخير والشر والفضيلة والرذيلة[1].

رابعًا: سياسة التراحم الجديدة: إنسانيّة محدودة

بدون اعتراف سياسي، يتواجد المهاجرون الذين لا يحوزون على الوثائق الرسميّة (غير الشرعيّين) كشكل من أشكال «الموتى الأحياء»، في حالةٍ لا يمكن تمييزها، من حيث سرعة نضالهم وكثافته من أجل البقاء، عن خطر الموت الجسدي. الفرق بين نوع المستقبل الذي يضمنه كلّ علاج -أوراق أو دواء- لا يزال قائمًا. بهذا المعنى، من غير الواضح للأطباء والمرضى على حدٍّ سواء، وهو الشكل الأكثر ضراوةً للمعاناة: لا أوراق ولا دواء. يكشف الخلط بين الاثنين عن إقليم جديد تكون فيه سياسات الهجرة

(145)

والمواطنة في آن واحد سياسات حياة وموت. في هذا المشهد، اكتسبت الحياة البيولوجيّة والحياة السياسيّة أهمّيّة متساوية: الحياة كشخص مريض قابلة للتبادل مع الحياة كموضوع معترف به سياسيًّا. في الواقع، المرض هو ما يجب أن يكون موضوعًا سياسيًّا [...] لقد نوقشت حتى الآن المواقف التي تمخّض عنها موضوع التقاطع بين رأس المال العالمي والعمل والأخلاقيّات الإنسانيّة. [...] ما كُنت أود أن أُفصح عنه -كما تقول ميريام تيكتين- هو نتيجة المؤسّسة المتزامنة لشرط المرض الإنساني وإغلاق الحدود أمام المهاجرين واللاجئين. يُشير هذا الافتتاح والختام المتزامنين إلى احترام أكبر لمفهوم الإنسانيّة الذي يثيره المرض. على الرغم من أنّ المرء قد يتصوّر أنّ هذا المفهوم للإنسانيّة القائم على عالميّة الحياة البيولوجيّة سيقترب من المساواة، أقرب إلى نظام الإدماج الذي يتجاهل جميع الهويّات والانتماءات السياسيّة الخلافيّة -ما يشير إليه ريتشارد رورتي (Richard Rorty 1993) باسم «الأنماط-العضويّة» (species-membership-) في الواقع، قد تمّ تطبيق هذا المفهوم من خلال سياسة التراحم التي تؤكّد على الإحسان، العدالة، ومعايير الصداقة على تلك الالتزامات- وهو المعيار الذي يحمي ويشجع في نهاية المطاف فكرة محدودة جدّاً عن الإنسانيّة. مع ذلك، ما الذي يوصف بأنّه «مهدّد للحياة» عندما تظلّ الحياة نفسها غير محدّدة؟ [1]

(146)

هذا خطاب غربي حول أخلاقيّات الهجرة والمرض وممارساتها لدى الغرب. يبدو أنّ المنظومة الغربيّة تعاني أزمات أخلاقيّة حادّة من الداخل. أثبتت سياسات الهجرة في الأنظمة الغربيّة عجزها عن التقيّد بالنموذج الأخلاقي في التعامل مع الرعايا الأجانب في الحالات الاستثنائيّة والوضعيّات العاديّة على حدٍّ سواء.

(147)

خاتمة:

ينتهي البحث إلى حزمة من الاستنتاجات الموضوعيّة حول مفهوم الإتيقا وتاريخه النقدي وتحوّلاته الاجتماعيّة وانتقالاته الحضاريّة والابستيمولوجيّة وتعدّديّته الفكريّة والفلسفيّة، يمكن إجمالها في الآتي:

-يوجد إتيقيّات وليس إتيقا واحدة، انفلات مفهوم الإتيقا من القالب الجامد للدين والأخلاق في حدّ ذاتها، أضفى على المفهوم طابعًا سوسيولوجيًّا وتاريخيًّا عجّل بولادة براديغمات فكريّة وحضاريّة متناغمة أحيانًا، ومتصادمة أحيانًا أخرى. يرتبط هذا التحوّل بالمنعطف الإتيقي الذي هيّأ جوًّا مناسبًا للانفتاح على مسألة التعدّديّة الإتيقيّة وهذا ناتج عن ديمقراطيّة المعرفة والعلم، التي ساهمت في بروز ما أسميته أخلاقيّات ابستيميّة.

-لم تعد الأخلاق في عالم اليوم، مجرّد أحكام جاهزة وقواعد ومبادئ مطلوب من الإنسان أن يطبّقها فقط، لكن عليه السعي إلى فهم أحكامها وقواعدها وفقًا للمتغيّرات المستجدّة؛ لأنّ السلوك الإنساني هو في الأصل متغيّر، هذا لا يعني الخروج عن ناموس الأخلاق وإنّما هي دعوة للتمسّك بإتيقيّات عقلانيّة بالإضافة إلى المبادئ الأوّلى للأخلاق.

-يختلف التداول الإتيقي للأخلاق من الغرب المسيحي إلى العالم الإسلامي من حيث الوسائل والمناهج والأدوات. إنّ الانهمام بالغايات الكبرى للأخلاق هو الذي يؤكّد عليه التقليد

(148)

الإسلامي، لكن الغرب الآن يعيش أزمة انفلات الغاية الجوهريّة؛ بسبب تركيزه على المادّيّات واستغراقه في نموذج العلمنة الذي مجّد الحرّيّة والعقل على حساب الدين.

-لم تَعد الأخلاقيّات الإسلاميّة المطبّقة ترى الأخلاق على أنّها موضوع خاصّ بالخطاب الديني ومرجعيّاته فقط، بل أصبحت ممارساتها النقديّة وسجالاتها الفكريّة مع ما ينتجه الغرب من نظريّات إتيقيّة إحدى روافدها في النظر للشأن الأخلاقي المعاصر. وهي ترمي بذلك إلى تأسيس مشروع معرفي منفتح على الآخر لنقد المعرفة الغربيّة حول الإتيقا.

 

(149)

المصادر والمراجع

 باللغة العربيّة:

1- آبل، كارل أوتو، التفكير مع هابرماس ضد هابرماس، ترجمة وتقديم عمر مهيبل، منشورات الاختلاف-المركز الثقافي العربي-الدار العربيّة للعلوم، الجزائر-الرباط-بيروت، 2005م.

2- باومان، زيغمونت، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، ترجمة سعد البازعي وبثينة الإبراهيم، أبو ظبي، هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 2016م.

3- بدوي، عبد الرحمن، فلسفة القانون والسياسة عند هيجل، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، دار الفارس للنشر والتوزيع، دار الشروق، بيروت-عمان-القاهرة، 1996م.

4- بو هلال، محمد، «الأخلاق في الحداثة من النطاق الثانوي إلى النطاق المركزي: مقاربة وائل حلاق»، تبيّن للدراسات الفلسفيّة والنظريّة النقديّة، العدد 22، المجلّد 6، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، خريف 2017م.

5- بومنير، كمال، النظريّة النقديّة لمدرسة فرانكفورت: من ماكس هوركهايمر إلى اكسل هونيث، منشورات الاختلاف-دار أمان-الدار العربيّة للعلوم ناشرون، الجزائر-الرباط-بيروت، 2010م.

(150)

6- بوشتسكي، إ.م.، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، تر: عزت قرني، سلسلة عالم المعرفة-المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.

7- بلكفيف، سمير، «هابرماس والارث الكانطي أو من إتيقا الأنوار إلى إتيقا التواصل»، مجلّة لوغوس، العدد الثالث والرابع، المجلّد الثالث، مخبر الفينومينولوجيا وتطبيقاتها، جامعة تلمسان.

8- بن دوبة، شريف الدين، «الأخلاق التطبيقيّة في الفقه الإسلامي المعاصر: قراءة فلسفيّة للمذهب المالكي»، أطروحة دكتوراه علوم، تخصّص فلسفة، كلّيّة العلوم الاجتماعيّة، جامعة وهران 2، 2017-2018م.

9- بخضرة، مونيس، تأمّلات فلسفيّة في رسم بعض إشكالات العصر: العنف-التسامح-المعرفة، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، اربد، 2013م.

10- جدعان، فهمي، «مُركّب أخلاقي حديث للمستقبل العربي»، تبيّن للدراسات الفلسفيّة والنظريّة النقديّة، العدد 22، المجلّد 6، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، خريف 2017م.

11- ديوي، جون، إعادة البناء في الفلسفة، ترجمة وتقديم أحمد الأنصاري، مراجعة حسن حنفي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2010م.

(151)

12- ديلو، ستيفن، التفكير السياسي والنظريّة السياسيّة والمجتمع المدني، ترجمة ربيع وهبة، المجلس الأعلى للثقافة-المشروع القومي للترجمة.

13- هابرماس، يورغن، إتيقا المناقشة ومسألة الحقيقة، ترجمة وتقديم عمر مهيبل، الدار العربيّة للعلوم ناشرون-منشورات الاختلاف، بيروت-الجزائر، 2010م.

14- الحاجي، البشير، «سلطة الأخلاق في المجتمع: قراءة في أبرز النقود التي وجهت للأخلاق الكانطيّة»، مجلّة يتفكرون: ملف الأخلاق والسياسة، العدد السادس، مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط، 2015م.

15- حلاق، وائل ب.، الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة عمرو عثمان، مراجعة ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2014م.

16- حمدي، رضا، «الإسلام الأوروبي: ممكنات الاجتهاد المعاصر وتأميم الإسلام»، بحث محكم بقسم الدراسات الدينيّة، مؤسّسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الرباط، 01 أكتوبر 2018م.

17- ماجي، براين (محررًا)، رجال الفكر: مقدّمة للفلسفة الغربيّة المعاصرة، ترجمة وتقديم نجيب الحصادي، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي، د.س.ن.

(152)

18- محمود، محمد عثمان، العدالة الاجتماعيّة الدستوريّة في الفكر الليبرالي السياسي المعاصر: بحث في نموذج رولز، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، 2014م.

19- سباين، جورج، تطوّر الفكر السياسي، الكتاب الأوّل، ترجمة حسن جلال العروسي، مراجعة وتقديم عثمان خليل عثمان، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب.

20- سبينوزا، باروخ، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، مراجعة جورج كتورة، المنظّمة العربيّة للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، 2009م.

21- سيبرتان-بلان، غيوم، الفلسفة السياسيّة في القرنيين التاسع عشر والعشرين، ترجمة عز الدين الخطابي، مراجعة جورج كتورة، مركز دراسات الوحدة العربيّة-المنظّمة العربيّة للترجمة، بيروت، 2011م.

22- سميثس، كاثرين، تطبيق النظريّة السياسيّة: قضايا ونقاشات، ترجمة أحمد محمود، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2013م.

23- عبد الحكيم، صايم، «أزمة القيم عند أدورنو»، في كمال بومنير (مشرفًا ومقدمًا)، ثيودور أدورنو: من النقد إلى الإستطيقا (مقاربات فلسفيّة)، دار الأمان-منشورات الاختلاف، الرباط-الجزائر، 2011م.

(153)

24- العيادي، عبد العزيز، إتيقا الموت والسعادة، دار صامد للنشر والتوزيع، تونس، 2005م.

25- العقّاد، عباس محمود، الديمقراطيّة في الإسلام، مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2013م.

26- ريكور، بول، «الكوني والتاريخي»، مدارات فلسفيّة: مجلّة الجمعيّة الفلسفيّة المغربيّة، العدد السادس، 2008م.

27- الشيخ، محمد، «فلسفة الأخلاق ومشكلات القيم والتغير في الغرب المعاصر: هايدغر..ريكور..رولز..هابرماس»، مجلّة التفاهم، العدد 28، وزارة الأوقاف والشؤون الدينيّة، سلطنة عُمان، 2009م.

28- غريب، مختار، الفلسفة السياسيّة: من المفهوم الكلاسيكي إلى  البيوإتيقا، مؤسّسة كنوز الحكمة للنشر والتوزيع، الأبيار-الجزائر، 2009م.

29- «مفارقة الخُلُقيّة: حوار مع ايمانويل ليفيناس، حاوره تامرا رايت، بيتر هيوز، وأليسون آينلي»، ترجمة عماد أيوب، مراجعة جمال عمار، مجلّة الاستغراب، العدد العاشر، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة، بيروت، شتاء 2018م.

30- مجموعة مؤلّفين، سؤال الأخلاق في الحضارة العربيّة الإسلاميّة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018م.

31- مقالات على مواقع الكترونيّة:

(154)

32- كريمي، حنان، «البيئة من منظور أخلاقي»، مقالة منشورة بموقع مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، الدوحة، بتاريخ 29 اوت 2012م، اطلع على الموقع يوم 18 ديسمبر 2020م. أنظر:

https://www.cilecenter.org/ar/resources/articles-essays/ethical-perspective-concerning-environment

33- موران، ادغار وطارق رمضان، المحاضرة الموسومة «الأخلاق في عالم اليوم بين التنظير والتطبيق»، مركز أبحاث التشريع الإسلامي والأخلاق، بتاريخ 29/10/2013م، تمّ الاطلاع على المحاضرة بتاريخ 13/03/2021م. أنظر الموقع:

https://www.youtube.com/watch?v=W_rQlb7Lasg 

34- خويلدي، زهير، «التجديد الإتيقي بين هيدجر وليفيناس وريكور»، نشر على موقع الحوار المتمدّن، بتاريخ 19 مارس 2020م. تمّ الاطلاع على الموقع يوم 17 ديسمبر 2020م. أنظر:

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=669326

35- الخطيب، معتز، «كورونا وأخلاقيّات الأوبئة»، مقالة منشورة على موقع الجزيرة، بتاريخ 01 افريل 2020م. تمّ الاطلاع على الموقع يوم 18 ديسمبر 2020م.

 

(155)

باللغة الأجنبيّة:

1- Astroulakis, Nikos, «Ethics And International Development: The Development Ethics Paradigm», Journal of Economics and Business, Vol. XVI – 2013, No 1.

2- Agacinski, Daniel, Aristote : Sur la justice Éthique à Nicomaque, Traduction par Richard Bodéüs, livre VÉditions Flammarion, Paris, 2008.

3- Albrechtslund, Anders, «Ethics and technology design», Ethics and Information Technology, (2007) 9.

4- AL-Aidaros, AL-Hasan, Faridahwati Moh D. Shamsudin & Kamil MD. Idris, «Ethics and Ethical Theories from an Islamic Perspective», International Journal of Islamic Thought Vol. 4: (Dec.) 2013.

5- Attfield, Robin, «Applied Ethics.», Continuum Encyclopedia of British Philosophy, Editors: A.C. Grayling, Andrew Pyle and Naomi Goulder, Vol. I, Publisher: Continuum, (2006).

(156)

6- Arras, John D., «Pragmatism In Bioethics: Been There, Done That», Social Philosophy & Policy Foundation. USA, 2002.

7-Abedi-Sarvestani, Ahmad, and Mansoor Shahvali, «Environmental Ethics: Toward an Islamic Perspective American-Eurasian», J. Agric. & Environ. Sci., 3 (4), 2008.

8- BÉRUBÉ, Fanchon Sophie, «Le Principe Responsabilite De Hans JONAS et La Responsabilite Sociale», Memoire Presente Comme Exigence Partielle De La Maitrise en Philosophie, Universite Du Quebec À Montreal, Fevrier 2007.

9- Brabeck, Mary M. And Kathleen Ting, «Feminist ethics: Lenses for examining ethical psychological practice.

10- Boas, George (1967), «cousin, victor (1792–1867)», Donald M. Borchert, Encyclopedia of Philosophy, 2006 Vol.02.

11- Borrillo, Daniel,  Bioethique Éditions Dalloz, 2011.

(157)

12- Bagheri, Alireza, and Khalid Alali, «Islamic Bioethics: Current Issues & Challenges», Intercultural Dialogue in Bioethics  Vol. 2 World Scientific Publishing Europe Ltd.London 2017.

13- Badri, Malik, Colleen Ward, Psychologie & Éthique Islamique, CILE, 2017.

14- Debray Regis Media Manifestos On the Technological Transmission of Cultural Forms Transla ted by Eric Rauth First published Verso Londan 1996.

15- Di Lascio, Zamuner, & Levy Lars Hertzberg Wittgenstein’s Lecture on Ethics, BOOK REVIEWS Nordic Wittgenstein Review 4 (No. 2) 2015.

16- Dillon, Michael, Politics of Security: Towards a political philosophy of continental thought, Routledge London and New York First published 1996. 

18-  Des GASPER, »What Is the Point of Development Ethics?«, Ethics and Economics, 4 (2), 2006.

19- Dupre’, john, «Fact and Value,» In book: Value-Free Science: Ideals and Illusions. (pp.27 -41)

(158)

Publisher: Oxford University Press Editors: H. Kincaid, J.Dupré, and A. Wylie.

19- Ebrahimi, Mansoureh, and Kamaruzaman Yusoff, «Islamic Identity, Ethical Principles and Human Values«, European Journal of Multidisciplinary Studies, Sep.-Dec. 2017 Vol.6, Nr.1.

20- Fornes, Antony, «Sens et éthique: Au coeur du discours, “ Wittgenstein à l’hôpital», Thèse de doctorat Présentée en vue de l’obtention du grade de docteur en Philosophie de Université Côte D’Azur Centre de Recherche en Histoire des Idées (C.R.H.I.) 2017.

21- Fox, Nova, «Les représentations sociales des concepts d’éthique, du religieux et du dialogue chez les enseignants d’ÉCR du secondaire»,  Mémoire présenté en vue de l’obtention du grade de Maîtrise en éducation Universite du Québec a Chicoutimi, Canada 2018..

22- Girardin, Benoît, Ethics in Politics Why it matters more than ever and How it can make difference, Globethics.net Focus, 5 2012.

(159)

23- Gray, Mel, «Postmodern ethics», in Gray, M., & Webb, S. A. (Eds.). (2010). Ethics and value perspectives in social work. London: Palgrave.

24- Goulet, Denis, »A New Discipline: Development Ethics», The Helen Kellogg Institute For International Studies, Working Paper #231- August 1996.

25- Ghaly, Mohammed, «The Journal of Islamic Ethics A Pressing Demand and a Promising Field», Journal of Islamic Ethics, koninklijke brill nv, leiden, 1 (2017). 

26- ----------------------, L’éthique biomédicale et ses principes: perspectives islamiques,

27- Hashi, Abdurezak A. «Islamic ethics: An outline of its principles and scope»,    Revelation and Science,  Vol. 01, No.03 (1433H/2011).

28- Hutchings, Kimberly, «International Politics as Ethical Life», In H. Seckinelgin et al. (eds.), Ethics and International Relations, Palgrave Macmillan, London 2001.

29- Hooker, J. N., «Three Kinds of Ethics», November 1996 https://www.researchgate.net/publi

(160)

 cation/2653562_Three_Kinds_of_Ethics

30- İbrahimoğlu, Nurettin, Şemsettin Çiğdem, Mehmet Seyhan, «Relationship between culture & ethic: a research in terms of cultural diversity», Procedia - Social and Behavioral Sciences, 143, (2014).

31- «Intersections of Science, Ethics and Human Rights: The Question of Human Subjects Protection», Report of the Science Ethics and Human Rights Working Group, February 2012. 

32-Jureidini, Ray,  and Said Fares Hassan, «Migration and Islamic Ethics»,  https://brill.com/view/book/edcoll/9789004417342/BP000001.xml#container-29702-item-29701

33- Jonas, Cf.Hans, Le Principe Responsabilité (Une éthique pour la civilisation technologique), traduit de l’allemand par Jean Greisch, Paris, Flammarion, 1995 (reprise de la troisième édition publiée, en traduction française, en 1990, aux Editions du Cerf ).

34- Kumar, Chirom Ranjeev, Thokchom Shantajit,

 

(161)

Abhay Gaidhane, «Ethical issues in epidemiological studies»,  International Journal of Clinical and Biomedical Research.  Int. j. clin. biomed. res. 2018;4 (4).

35- Laeheem, Kasetchai, «Relationships between Islamic ethical behavior and Islamic factors among Muslim youths in the three southern border provinces of Thailand», Kasetsart Journal of Social Sciences, 39 (2018).

36- Lippert-Rasmussen, Kasper, «the Nature of Applied Philosophy,» In: A Companion to Applied Philosophy, Edited by Kasper Lippert-Rasmussen, Kimberley Brownlee, and David Coady, John Wiley & Sons, Ltd. First Published, 2017.

37- Lammer-Heindel, Christoffer Spencer, «Does the state have moral duties? State duty-claims and the possibility of institutionally held moral obligations», PhD (Doctor of Philosophy) thesis, University of Iowa, 2012. https://doi.org/10.17077/etd.50p84s2u

38- March, Andrew F., «Reading Tariq Ramadan :

(162)

Political Liberalism, Islam, and ‘‘Overlapping Consensus’’», Ethics & International Affairs, 21.(4), Cambridge University Press, 2007.

39- Marco, Ginés, «The Political Ethics and the Attribution of Moral Responsibility to Public Organizations: Its Scope and its Limits», International Journal of Humanities and Social Science, Vol. 7, No. 4; April 2017.

40- Mansour, Walid, Khoutem Ben Jedidia, and Jihed Majdoub, «How Ethical is Islamic Banking in the Light of the Objectives of Islamic Law?», Journal of Religious Ethics,  JRE 43.1 March 2015.

41- Münster, Arno, Pour une éthique de la responsabilité et du commun Une lecture critique de Hans Jonas, Association EcoRev’ | « EcoRev’ » 2012/1 N° 39.

42-  Maréchal, Jean-Paul, «L’éthique économique de John Rawls», L’Economie politique n° 17 2003. 

43- Myers, Ella, Worldly Ethics: Democratic Politics and Care for the World, Duke University Press,  2013.

(163)

44- Merks, Karl Wilhelm, «Morale Et Reliqion Pistes de recherche», Revue D’Ethique Et De Theologie Morale _ No 2 4 8 _ MARS 2008.

45-  Müller, Denis, «Les sources religieuses du soi et l’éthique de l’action juste», Laval théologique et philosophique, 58 (2), 2002.

46- Mustapha, Shettima, & Babagana Umar; «East African Scholars J Edu Humanit Lit»; Vol-1, Iss-3 (Dec, 2018).

47- McCarthy, Thomas (1996),  «discourse ethics», Donald M. Borchert, Encyclopedia of Philosophy, 2006 Vol.03.

48- N.Maillard, «Emmanuel Levinas et l ethique medicale: De la relation à l’Autre au rapport de soin», Ethique et Sante, Masson, Paris, 2004.

49- Nadler, Steven, Spinoza’ s Ethics: An Introductuion, New york, Camberdge University Press, 2006.

50- Palmer, Clare, Katie McShane, and Ronald Sandler, «Environmental Ethics», Annual Review of Environment and Resources· 39 (1): October 2014.

(164)

51- Pew Research Center Religion & Public Life, «The World’s Muslims: Religion, Politics and Society», APRIL 30, 2013.

52- https://www.pewforum.org/2013/04/30/the-worlds-muslims-religion-politics-society-overview/

53- Policar Alain. «Relativisme moral et universalisme éthique». In: Raison présente, n°95, 3e trimestre 1990. Bouleversements à L’Est.

54- Ramadan, Tariq,  Radical Reform: Islamic Ethics and Liberation, Oxford University Press, 2009.

55- Racher, Frances E., «The Evolution of Ethics for Community Practice»  Journal of Community Health Nursing 24(1): February 2007.

56-  Reber, Bernard, «Argumenter et délibérer entre éthique et politique», Archives de Philosophie, 74, 2011.

57- Ristovski, Ljupco, «Morality and Ethics in Politics in the Contemporary Societies», Journal of Liberty and International Affairs | Vol. 2, No. 3, 2017.

58- Scott, Charles E., «heidegger, martin (1889

(165)

1976)», Donald M. Borchert, Encyclopedia of Philosophy, Vol.4, 2006.

59- Ticktin, Miriam, «Where ethics and politics meet: The violence of humanitarianism in France», American Ethnologist, Vol.33 N.1, February 2006.

60-Timmermann, Jens, «Kantian Dilemmas? Moral Conflict in Kant’s», Ethical Theory, De  Gruyter, AGPh 2013; 95 (1).

61- Tolstoi, Leon, «Religion et morale», Traduction par Charles Salomon. A. Davy, 1898.

62- Wei, Pan, «Les Valeurs Fondatrices Des Societes Contemporaines», Diogène, n° 221, janvier-mars 2008.

63- Warren, David, «Doha—The Center of Reformist Islam? Considering Radical Reform in the Qatar Context: Tariq Ramadan and the Research Center for Islamic Legislation and Ethics (CILE)», In Adis Duderija,  Maqāṣid al-Sharīʿa and Contemporary Reformist Muslim Thought, Palgrave Macmillan, New York, 2014.

64- Zucker, Arthur, «Medical ethics», In Donald M.

(166)

Borchert, Editor in Chief . Encyclopedia of Philosophy, Vol.6, Second Edition Thomson Gale, Macmillan Reference USA 2006.

65- Zemmour, Éric: «La théorie du genre pour tous», Journal Le Figaro, Publié le 09/11/2016 à 21:08

(167)
المؤلف في سطور د.محمد امين بن جيلالي باحث واكاديمي جزائري استاذ محاضر في العلوم السياسية بكلية الحقوق جامعة تلمسان يدور مجال اهتمام الباحث حول الفلسفة السياسية الغربية والدراسات السياسية والثقافية والسوسيولوجية المقارنة حصل على دكتوراه في السياسات المقارنة من جامعة وهران (8102) يحضر لأطروحة دكتوراه في الفلسفة الغربية المعاصرة حول الاتيقا وسياسات الضيافة عند الفيلسوف الفرنسي ايمانويل ليفيناس . 1- كتب الاتيقا : نقد المفهوم وتحولاته في العلوم الانسانية والاجتماعية (هذا الكتاب) 1202 ثقافة الآخر : قراءة ما بعد كولونيالية لايمانويل ليفيناس للكاتب الفرنسي فريد بوشي (كتاب قيد الترجمة) 2- كتب مشاركة المقدس والتاريخ اوحمنة الحاج دواق والبشير ربوح ، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث قسم الدين و قضايا المجتمع الراهن ، الرباط ، المغرب 6102 بمقالة اهواء بارت ومغامرات البارتية محمد بكاي منشورات ضفاف \ الاختلاف ، بيروت – الرباط 7102 بمقالة : . تأويل العقل الثقافي الافريقي مونيس بخضرة دار الأيام الأردن 8102 بمقالة مترجمة لكزيتو أوونا (كانط وافريقا : المسألة العالمية ) 3- ترجمات الفضاء العمومي المغاربي في فرنسا : رؤية مفكر فرنسي ميشال دي سارتو لمحمد شوقي الزين تبين للدراسات الثقافية والفكرية ، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تموز \ يوليو 7102 السوسيولوجيا العالمية : نحو اتجاهات جديدة لساري حنفي اضافات العدد 64 مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ربيع 9102 الدين والسياسات المقارنة لأنطوني جيل ، الدراسات الانسانية والاجتماعية العدد 01 جامعة وهران 2 ، جوان 9102
هذا الكتاب الإتيقا يتناول هذا الكتاب مفهوم الإتيقا في مصدره اللغوي والاصطلاحي فضلا عن ظروف نشأته في الفكر الغربي ودوافعه وفي تجارب الحداثة على وجه الخصوص كما يتطرق الى ابرز الإشكاليات التي يثيرها المصطلح عبر مراحل استعمالاته في الغرب مع التركيز على نقد الافكار المتاخمة له في مجال الاخلاق والعلوم الانسانية ومدى ارتباطها بها . وفي ختام دراسته يقوم الباحث بإجراء مقاربة نقدية للمفهوم انطلاقا من اختباراته في الفكر الغربي الحديث . المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]