لغة القرآن في منظور الاستشراق (دراسة تقويمية نقدية)

لغة القرآن في منظور الاستشراق (دراسة تقويمية نقدية)

تأليف :

د. محمود كيشانه

 

مقدمة المركز 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى آله الطاهرين، وبعد

 لقد صرَّح القرآن الكريم بأنّ لغة القرآن هي اللغة العربيّة في موارد وتعابير عدّة، من قبيل: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[1]، (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)[2]، (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا)[3].

وأمّا اختيار اللغة العربيّة لتكون لغة القرآن الكريم، فيعود إلى نكاتٍ عدّة، منها:

اتّحاد لسان الرسول ورسالته مع المُرسَل إليهم: فقد جاء نزول القرآن باللّغة العربيّة استنادًا إلى أصلٍ عامٍّ وسنّةٍ إلهيّةٍ في الإنذار والتبشير، مفادها: اتّحاد لغة كلّ رسول مع لغة قومه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[4]. كما أنّ هذه السنّة تقتضي أن يكون الرسول من القوم الذين أُرسل إليهم:(أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ)[5] وهذه القاعدة العامّة في إرسال الرسل، تنطبق أيضًا على إنزال الكتب السماويّة: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا...)[6].

ومن هذا المنطلق، فإنّ نزول القرآن باللغة العربيّة أمرٌ طبيعيٌّ موافقٌ للسنّة الإلهيّة في الإنذار والتّبشير. وهذا لا يتنافى مع رسالة الإسلام العالميّة، ودعوته العامّة على مدى العصور والأجيال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[7]، ولا مع ما جاء به القرآن من هدايةٍ عامّة للناس كافّة: (... هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...)[8]. وأمّا إنذار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل مكّة، الذي ورد في سورة الشورى، فلم يكن إلا لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في المراحل الأولى من حركته العالميّة، مكلّفًا بدعوة قومه وهداية أبناء بيئته. ومن غير المعقول أن يُؤمَر(صلى الله عليه وآله وسلم) بإرشاد الناس وهدايتهم، ثمّ يعرض عليهم كتابًا بلغةٍ غريبةٍ عنهم: (وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ)[9].

ويرى علماء اللغة أنّ اللغة العربيّة تمتاز عن اللغات الأخرى بأنّها واسعةٌ جدًّا، ولها قدرةٌ عاليةٌ على حكاية المفاهيم المعنويّة العالية والسّامية التي يطرحها القرآن، أكثر من غيرها من اللغات الأخرى. فعلى سبيل المثال: إنّ الأفعال في اللغة العربيّة لها أربع عشرة صيغة بدلاً من ستّ صيغ في لغات أخرى، ولكلّ الأسماء فيها مذكّر ومؤنّث، وتتطابق معها الأفعال والضمائر والصفات. وتتميّز اللغة العربيّة - أيضًا - بكثرة المفردات، واشتقاق الكلمات، ووفرة قواعدها، وفصاحتها، وبلاغتها، وإيجازها...

وقد اختار الله تعالى اللغة العربيّة لتكون لغة للقرآن الكريم، فقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[10]، وقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[11]. وهاتان الآيتان تكشفان عن حقيقة أنّ إكساء القرآن باللغة العربيّة مُسنَدٌ إلى الله تعالى، وهو الذي أنزل معنى القرآن ومحتواه بقالب اللفظ العربيّ، ليكون قابلاً للتعقّل والتأمّل. وفي الآية الواردة في سورة الزخرف يقول تعالى - بعد بيان أنّ لغة القرآن هي العربيّة -: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، وفي ذلك دلالةٌ ما على أنّ لألفاظ الكتاب العزيز من جهة تعيّنها ونظمها على مستوى الحروف والألفاظ والجُمل والعبارات والآيات والسور، بالاستناد إلى الوحي، وكونها عربيّة، دخلاً في ضبط أسرار الآيات وحقائق المعارف، ما لا يمكن إيصاله عبر لغةٍ أخرى غير اللغة العربية، ولا يمكن تحقّقه عبر ناظمٍ آخر لكلامه غير اللّه تعالى. ولو أنّه تعالى أوحى إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بمعناه، وكان اللفظ الحالي له هو لفظ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما في الأحاديث القدسية - مثلاً -، أو تُرجِم إلى لغة أخرى، لخفي بعض أسرار آياته البيّنات عن عقول الناس، ولم تنله عقولهم وأفهامهم[12].

ثبات اللغة العربيّة: اللغة ظاهرةٌ اجتماعيّةٌ معرّضةٌ كغيرها من الظواهر الاجتماعيّة للتغيّر والتبدّل، وإنْ كانت عمليّة التبدّل والتغيّر فيها تحتاج إلى عشرات السنين، بل مئات السنين، فما من لغةٍ في التاريخ البشريّ إلّا وقد أصابها التغيّر، إلى حدّ أنّها تبدّلت مع مرور السنين إلى لغةٍ أخرى لا تشترك مع اللغة الأمّ إلا في الاسم. لكنّ اللغة العربيّة وحدها من اللغات البشريّة التي احتفظت بخصائصها ومميّزاتها مع مرور السنين والقرون؛ لأنّ القرآن الكريم حفظها فلم يطرأ عليها تغييرٌ أو تبديلٌ جوهريٌّ في بنيتها، إلّا ما ندر من دخول ألفاظ بفعل احتكاك الشعوب العربيّة بحضارات وثقافات أخرى، أو ظهور معانٍ جديدةٍ لم تكن متداولة للألفاظ سابقًا، وهذا الأمر تستوعبه اللغة العربيّة، بما تشتمل عليه من خاصّيّة التعبير المجازيّ عن معانٍ لها نحو علاقة بالمعنى الحقيقيّ، وخاصّيّات أخرى كالاشتقاق والترادُف والتعريب... وغيرها من الآليَّات التي تستخدمها اللغة العربيّة لتُجدِّد خَلاياها حتى تُناسِب العصر والمُحدَثات، مع احتفاظها بأُصُولها وألفاظها وقواعدها، حتى غدت لُغة الأدب والعلم والحضارة. فلو ألقينا نظرةً كلّيّةً على أغلب مفردات اللغة العربيّة المتداولة قبل قرون من الزمن عند العرب القدماء، لوجدناها مفهومةً لدى العرب المعاصرين، وليس ذلك إلا بفعل ثبات اللغة العربيّة ومتانتها، بحيث لا تنفعل بسهولةٍ أمام لغات الثّقافات والحضارات العريقة التي دخلت بموروثاتها وسماتها الحضاريّة في البيئة الإسلاميّة، كحضارات الفرس والروم وغيرهما. ولكن مع ذلك ظلَّت اللغة العربيّة محافِظةً على هُويَّتها وخصائصها ومميّزاتها، فلم تنصهر في لغات هذه الثّقافات، بل على العكس، جعلتها تنصهر فيها، كما نراه في اللغة الفارسيّة الحاليّة (نسبة كبيرة من مفردات اللغة الفارسيّة المعاصرة هي عربيّة الأصل). وتجدر الإشارة إلى أنّ تميَّز اللغة العربيّة بالثّبات، لا يَعنِي جمودها وعدم تطوُّرها، أو عدم انفعالها بمتغيّرات الزمان والمكان، والاحتكاك الثقافيّ والحضاريّ بلغات الشعوب الأخرى، بل إنّها متطوِّرةٌ في إطارٍ ثابتٍ مؤطّرٍ بقواعد ثابتة، مع مواكبتها لكلّ زمان ومكان. لذلك لم يصبها ما أصاب اللغات الأخرى من تبدّلٍ أو تغييرٍ جذريٍّ في بنيتها، بما أدَّى إلى اندراسها، أو تبدّلها إلى لغات أخرى لا تشترك معها في الجوهر والبنية اللغويّة إلا في الاسم.

اللغة العربيّة لغة السهولة والوضوح: أكّد القرآن الكريم صفة كونه بلسان عربيّ في وجه مَنْ زعموا أنّ هناك شخصًا يعلّم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)[13]. ويُراد بـ «أعجميّ»: أنّه غير فصيح، فـ»الإعجام: الإبهام. والعجم خلاف العرب، والعجميّ منسوب إليهم.

والأعجم: مَنْ في لسانه عجمة، عربيًّا كان أو غير عربيّ»[14]. وورد في حديثٍ جاء جوابًا عن معنى «لسان عربيٍّ مبين»: «يبيّنُ الألسُنَ، ولا تبيّنهُ الألسُنُ[15]. ومن هنا، فالمراد بالعربيّة هو: بيان حقيقة أنّ اللغة العربيّة لغة الفصاحة والوضوح والخلوّ من التعقيد والإبهام، في مقابل الأعجميّ المبهم وغير الواضح والمعقّد. وقد اختارها الله تعالى ليبيّن بها معارف وحقائق راقية، بلغةٍ فصيحةٍ وبليغةٍ.

وبالعودة إلى محاولات المستشرقين المتنوّعة والكثيرة والتّشكيكيّة في لغة القرآن، حيث حاول بعض المستشرقين أن يصوّرها بصورة الأدب العادي، واجتهدوا في التّنقيب عن مواطن التّشابه والمماثلة بين لغة القرآن ولغة البشر، ورأوا أنّ لغة القرآن تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ الشّعر العربي القديم في إيقاعه ووزنه وقافيته. وحاول آخرون وصفها بالنّقص والتّبعيّة للغات أخرى أصيلة وقديمة، وغيرها من الإشكاليات الكثيرة التي أثاروها.

نذكر في هذا المجال ما ذكره المستشرق الفرنسي إدوارد مونتيه بقوله: «إنّ أسلوب القرآن أسلوبٌ شعريٌّ مقفى، غير أنّ هذا الأسلوب الشعري ينحصر في السّور المكّيّة، خصوصًا القديمة جدًا منها، دون السور المدنية»[16].

وكذا ما ورد عن المستشرق البلجيكي «هنري لامانس» بقوله: «إنّ كل آيةٍ تنتهي بسجع يقوم مقام القافية، هذه القافية من جنس خاص تسمى السجع، كانت سابقًا مستعملةً عند الكهان الوثنيين العرب، وكانت مستعملةً بحريّة أكثر وبتسامح في البحور العروضية»[17].

وللتدليل أكثر وبشكل أوضح، نستعرض جانبًا من اهتمامات المستشرقين بلغة القرآن، مثل ما كُتِب حول الاشتقاق وأصول الكلمات، وبعض المصطلحات، وجزء من المفردات، وإشارة إلى اللهجات في القرآن الكريم[18] على النحو الآتي:

 كتب فرانكيل الألماني (١٨٥٥ م ـ ١٩٠٩ م) رسالته للدكتوراه بعنوان (الكلمات الأجنبية في القرآن)، ليدن (١٨٧٨).

وكتب المستشرق النمساوي كارل فولليرس (١٨٥٧ م ـ ١٩٠٩ م) موضوعًا بعنوان: (القرآن بلهجة مكة الشعبية).

وكتب المستشرق الألماني كارل هنريخ بيكر (١٨٧٦ م ـ ١٩٣٣ م)، (قواعد لغة القرآن في دراسات نولدكه)، مجلة الإسلام (١٩١٠ م).

وكتب الأستاذ مرجليوث (١٨٥٨ م ـ ١٩٤٠ م) موضوعًا بعنوان (نصوص القرآن) مجلة العالم الإسلامي، (١٩٢٥ م).

وفي روسيا قام كاشتاليفا (١٨٩٧ م ـ ١٩٣٩ م) بكتابة تقارير إلى مجمع العلوم في مصطلحات: أناب، أسلم، أطاع، شهد وحنف في القرآن، وله (مصطلحات القرآن في ضوء جديد) (١٩٢٨ م).

وكتب المستشرق الألماني كاله، (ولد: ١٨٧٥ م) بحثًا بعنوان: (القرآن والعربية)، ذكرى جولد سهير، (١٩٤٨ م).

هذا وإن لم نكن هنا في مقام النّقد والمناقشة لهذه الشّبهات والإشكاليات المثارة، لكن ينبغي الإشارة إلى خصيصةٍ هامّةٍ من خصائص تكوين اللغة العربية تجيب عن الكثير من التّساؤلات، وهي: وجود قسمين للكلام، هما: النثر والشعر، وبالضرورة لابدّ لأيّ نصٍّ مكتوبٍ أو مقروءٍ في اللغة أن ينتمي إلى أحدهما، إلّا أنّنا عند التفحّص والتمعّن أو الاستماع للقرآن الكريم أو قراءته، نجد أنفسنا أمام جنسٍ أدبيٍّ متفرّدٍ في أشكاله البلاغيّة، وأدواته الفنّيّة التّصويريّة، وهذا ما حمل «المارودي» إلى تصنيف الكلام إلى ثلاثة أنواع:

- الأول: منثور، يدخل في قدرة الخَلق.

- والثاني: شعر هو أعلى منه، يقدر عليه فريق، ويعجز عنه فريق.

- والثالث: قرآن هو أعلى من جميعها، وأفضل من سائرها، وتجاوز رتبة النّوعين لخروجه عن قدرة الفريقين[19].

ختامًا ينبغي الإشارة إلى أنّ منطلقات المستشرقين في طريقة دراستهم للغة القرآن، ومحاولة إخضاعه لخصائص الأدب البشريّ وطبائعه، وصولاً إلى الدّعوة إلى إلحاق العرب ولغتهم باللغة الإنكليزية، أو دعوتهم لاعتماد اللهجات المحكيّة العاميّة، كونها أقدر على التّخاطب والاستعمال في المجال الثّقافيّ من اللغة الفصحى...، كل ذلك يرتبط بنظرتهم إلى القرآن من جهة، فالقرآن في نظر كثير من المستشرقين لا يعدو أن يكون مرحلةً من مراحل الأدب العربي، وإلى حساسيّة المكانة المقدّسة للقرآن وما يترتّب على ذلك على المستوى الفكري والعقدي  والتشريعي، وهنا يكمن السرّ الأعمق في التّشنيع بلغة القرآن واللغة العربية.

والحمد لله رب العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة

------------------------------

[1]- سورة يوسف، الآية 2، وانظر: سورة طه، الآية 113، سورة الزمر، الآية 28، سورة فصّلت، الآية 3، سورة الشورى، الآية 7، سورة الزخرف، الآية 3.

[2]- سورة النحل، الآية 103، وانظر: سورة الأحقاف، الآية 12.

[3]- سورة الرعد، الآية 37.

[4]- سورة إبراهيم، الآية 4.

[5]- سورة الأنعام، الآية 130.

[6]- سورة الشورى، الآية 7.

[7]-  سورة سبأ، الآية 28.

[8]-  سورة البقرة، الآية 185.

[9]- سورة الشعراء، الآيتان 198-199.

[10]- سورة يوسف، الآية 2.

[11]- سورة الزخرف، الآية 3.

[12]- الطباطبائيّ، الميزان في تفسير القرآن، ط1، بيروت، دار التعارف، 1997، ج11، ص75. (بتصرّف)

[13]- سورة النحل، الآية 103.

[14]- انظر: الأصفهانيّ، مفردات ألفاظ القرآن، نزار مصطفى الباز، لا م، لا ت، مادّة «عجم»، ص549.

[15]- الكلينيّ، الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، ط4، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1365 ش، ج2، كتاب فضل القرآن، باب النوادر، ح20، ص632.

[16]- إدوارد مونتيه، محمد والقرآن، ص49-50.

[17]- هنري لامانس، الإسلام: المعتقدات والمؤسسات، ص52.

[18]-  الصغير، محمد حسين علي، المستشرقون والدراسات القرآنية، ط1، بيروت، دار المؤرّخ العربي، 1420ه، ص87.

[19]- انظر: الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي: أعلام النبوة، ط1، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 1409 ه، ص69.

 

مقدمة المؤلف 

مما لا شكَّ فيه أنَّ الاستشراق قديمه وحديثه قام بدراساتٍ عدَّة حول لغة القرآن الكريم، من حيث اللغويّات والأساليب والنّحو والصّرف وغيرها؛ استكمالاً لدراساتٍ عديدةٍ قام بها المستشرقون في مجالات: القرآن، والسّنّة، والتّاريخ الإسلاميّ، والعلوم الإسلاميّة. وهي الدّراسات التي كان لها أسبابها التي وقف عندها كثيرًا أعلام الفكر الإسلاميّ من المهتمِّين بدراسة قضايا الاستشراق.

 ومن ثمَّ فإنَّ هذه الدِّراسة تحاول أن تستكشف موقف هؤلاء المستشرقين منها، ثمَّ تعرض هذا الموقف على ميزان المنهج العلميّ، محاولين التَّعرُّف على حظِّه من المنهجيّة العلميّة، ومحاولين الإجابة على سؤال مهمِّ مؤدَّاه: هل تعرَّضت لغة القرآن إلى الَّتشويه على يد هؤلاء المستشرقين؟ أم نالت حظَّها من الإنصاف؟

ويمكن القول إنَّ هناك نفرًا من المفكّرين المسلمين ممَّن نهضوا لمناقشة مواقف هؤلاء المستشرقين في نظرتهم للغة النصِّ القرآنيّ وأساليبه، فأثمر ذلك عددًا من الدّراسات في هذا الحقل، لكن لم تُعالج هذه الدّراسات الموضوع من زوايا عدّة متعاضدة كما فعلنا في هذه الدّراسة، ولكنَّ كلّ واحدةٍ منهنَّ اقتصرت على معالجة زاوية أو جزء منها، دون أن تنظر إلى الموضوع نظرةً شاملةً موسّعةً. إلّا أنَّ هذا لا يمنع من أنَّ هذه الدّراسات تتضمَّن العديد من النّقود لكثير من الشّبهات التي أثارها المستشرقون حول اللغة العربيَّة الفصحى عامّةً، ولغة النصِّ القرآنيّ خاصّةً، في إطار معالجة قضايا جزئيّة من القضيّة، أو في إطار النّظرة إلى الاستشراق بالمعنى العامّ.

ومن هذه الدّراسات التي تناولت الموضوع من إحدى زواياه، خاصَّةً في مجال الردّ على اتِّهام اللغة العربيَّة بالقصور، هي دراسة إسماعيل أحمد عمايرة، التي حملت عنوان: المستشرقون والمناهج اللغويّة، وكذلك دراسته المعنونة بـــ: بحوث في الاستشراق واللّغة، وهما دراستان اهتمّتا بالأساس باللّغة العربيَّة عامَّةً دون الاقتصار على موقف المستشرقين من لغة النصِّ القرآنيّ ذاته، لكنّها تبقى في إطار إنصاف اللغة العربيَّة من تهمة القصور التي يدَّعيها المستشرقون.

ومنها الدّراسات العامَّة التي تهتمُّ بموقف الاستشراق من القرآن الكريم كليّةً، وإن عرجت على بعض مواقفه من لغة النصِّ القرآنيّ، كدراسة محمد مهر علي، الموسومة بـ: مزاعم المستشرقين حول القرآن الكريم، ويُضاف إليها دراسة محمد أمين حسن «المستشرقون والقرآن الكريم»؛ وهما دراستان لم تكونا منصبّتين على المزاعم اللغويّة، بل شملتا مزاعم تندرج تحت مجالاتٍ أخرى، فهما دراستان تتبَّعان مزاعم المستشرقين في أكثر من اتّجاهٍ من اتجاهات المستشرقين في الدّراسات القرآنيّة.

ومن هذه الدّراسات أيضًا، دراسةٌ في مجال الردِّ على الزّعم بوجود أخطاءٍ لغويّةٍ في القرآن، وهي دراسة إلمير رفائيل كولييف، التي تحمل عنوان: القرآن وعالمه للمستشرق يفيم ريزفان ومزاعمه حول كتاب الله. وكذلك دراسة آدم بمبا المعنونة بـــ:  المستشرقون ودعوى الأخطاء اللغويّة في القرآن الكريم، دراسة تطبيقيّة لبعض الإشكالات في المطابقة.

لكنّنا نعتقد أنّ أشمل الدّراسات في هذا المجال هي موسوعة بيان القرآن، وهي الموسوعة التي شارك فيها عشرات من الباحثين والأكاديميّين في تخصُّصاتٍ متعدِّدةٍ، فهي موسوعة بمعنى الكلمة تقف عند الشّبهات التي أثارها المستشرقون في كلّ المجالات، وتردفها بالردِّ القوي والمقنع من النّاحية العقليّة والعلميّة، وكان من ضمن ما وقفت عليه من شبهات وردود الشّبهات المتعلّقة بلغة النصِّ القرآنيّ.

كما أنّ هناك بعض الدّراسات التي وقفت على لغة النصِّ القرآنيّ في منظور الترجمات الاستشراقيّة، ومنها دراسة: محمد محمود أبو غدير، ترجمة أوري روبين لمعاني القرآن الكريم بالعبرية (عرض وتقويم)، ودراسة ناصر الدين أبو خضير، ترجمات القرآن الكريم إلى العبرية.. ترجمة روبين نموذجًا، مجلة العربيَّة والترجمة/ دراسات، 2016م، ودراسة إبراهيم عوض، ترجمة جاك بيرك للقرآن الكريم بين المادحين والقادحين، ودراسة زينب عبد العزيز، ترجمات القرآن إلى أين؟ وجهان لجاك بيرك، ودراسة: حسن إدريس عزوزي، ملاحظات على ترجمة معاني القرآن الكريم للمستشرق الفرنسيّ جاك بيرك.

فضلاً عن أنَّنا نجد بعض الدّراسات التي تناولت قضيّة التّأثير السريانيّ الآراميّ في لغة القرآن بالتّحليل والنّقد، كدراسة أحمد محمد علي الجمل: «القرآن ولغة السريان»، وهي عبارة عن بحثٍ منشورٍ في مجلّة كلِّيَّة اللغات والترجمة، جامعة الأزهر، عدد 42 لسنة 2007م.

لكنَّ هذه الدّراسات لم تتعقَّب موقف الاستشراق من لغة النصِّ القرآني في الاستشراق القديم والاستشراق المعاصر، وهذا ما حاولت هذه الدّراسة أن تقوم به؛ حيث وقفت على آراء ومواقف عددٍ من المستشرقين المعاصرين تجاه لغة النصِّ القرآنيّ جنبًا إلى جنبٍ مع عددٍ من المستشرقين القدماء، هادفين إلى بيان مدى قرب هؤلاء من أولئك أو بعدهم عنهم؟ وهنا تكمن أهمِّيَّة هذا الموضوع.

وتبدو أهمِّيَّة هذا الموضوع في أنّه يلقي الضّوء على موقف المستشرقين في الاستشراق القديم والاسشراق المعاصر من لغة النَّصّ القرآنيّ، وهو من الموضوعات التي لم تنل حظَّها من الدِّراسات الموسَّعة، ومن ثمَّ فإنَّ تناوله في دراسةٍ مخصوصةٍ سوف يكشف عن الكثير من هذا الموقف الاستشراقيّ.

كما تبدو أهمِّيَّة هذا الموضوع في محاولته الوقوف على اتِّهام المستشرقين للغة العربيَّة بالقصور، وما ينطوي عليه هذا الموقف من أسانيد عرضها المستشرقون، وما يمكن أن يُوجَّه إليهم من نقدٍ في ذلك. كذلك تبدو أهمِّيَّته في الوقوف على الدَّعاوى التي أثارها المستشرقون في علاقة القرآن بالأدب، وإخضاعهم النَّصّ القرآنيّ في لغته للنَّقد الأدبيّ.

ولعلَّ من أهداف هذه الدّراسة الكشف عن شبهة الأخطاء اللُّغويّة التي أثارها المستشرقون حول لغة النصِّ القرآنيّ، بوصفها واحدةً من الموضوعات التي وقف عندها المستشرقون للانطلاق إلى القول ببشريّة المصدر القرآنيّ، وهو ما حدا بالدّراسة إلى أن تنزع نزوعًا نقديًّا يهدف إلى تفنيد هذه الفرية والردِّ العلميّ عليها.

وتعدُّ ترجمة النصِّ القرآني وحظّها من المنهجيَّة والسّلامة العلميَّة هدفًا رئيسًا من أهداف هذه الدّراسة، كونها وثيقة الصّلة بلغة القرآن الكريم، ولكن لمَّا كانت التّرجمات التي تناولت نقل ألفاظ النصِّ القرآنيّ إلى اللغات الأخرى كثيرة، وتنوء أيُّ دراسة بحملها، فقد اكتفينا بتناول ترجمتين فقط: الأولى لجاك بيرك، والثانية لأوري روبين.

دعاوى نسبة القرآن إلى اللغات الآراميّة – السريانيّة والعبريّة التي قال بها بعض المستشرقين كانت من الأهداف الرئيسة التي عمدت هذه الدّراسة إلى الوقوف عندها، ومحاولة الكشف عن حقيقة ما ذهبوا إليه في هذا الشأن، وقد قامت الدّراسة في هذه القضيّة على التناول التّحليليّ والنّقديّ لأقوال المستشرق كريستوف لوكسنبرغ.

ومن ثمّ، فإنّ هذه الدّراسة تحاول الإجابة على مجموعةٍ من الإشكاليّات التي تثور مؤدَّاها: هل اللغة العربيَّة لغة تُوصف بالقصور؟ وكيف نظر المستشرقون لها؟ وهل كانت مواقفهم منها مواقف علميّة تتَّسم بالمنهجيّة والبعد عن التعصُّب؟! وتثور هناك إشكاليَّة وتساؤل آخر: هل أخضع المستشرقون المعاصرون والقدماء لغة النصِّ القرآنيّ للنقد الأدبيّ؟! هل تعاملهم مع النصِّ القرآنيّ كتعاملهم مع أيِّ نصٍّ بشريٍّ أوصلهم إلى نتائج منطقيّة؟! ما الغاية من محاولات المستشرقين الحثيثة البحث عن تأثُّر القرآن بالشّعر الجاهليِّ؟ وهل يقدِّم لنا الشّعر الجاهليُّ خاصَّةً عن امرئ القيس وأميَّة بن الصلت ما يدلّ على ذلك؟

ولنا هنا أن نتساءل متعجِّبين لماذا تعامل بعض المستشرقين مع لغة القرآن على أنَّها تُمثِّل مرحلةً من مراحل الأدب العربيّ؟! وهل يليق أن يربط بروكلمان بين لغة القرآن وسجع الكهّان؟! وكيف نفسِّر كلّ ذلك في ضوء دعوة مارجليوث إلى التخلِّي عن لغة القرآن رجاء التّمسُّك باللّهجة الإنجليزيّة؟ ومتى دمجنا العربيَّة في الإنجليزيّة، فكيف نقرأ القرآن حينها؟ لعلّه يريد أن نقرأه بالإنجليزيّة، وهذا كلّه -وغيره كثير- يمثِّل افتراءً على لغة النصِّ القرآنيّ من قبل الاستشراق.

وماذا عن دعوى الأخطاء اللغويّة في القرآن الكريم؟ ومَنْ مِن المستشرقين المعاصرين والقدماء أذاع هذه القضيّة وتمسَّك بها؟! وهل في مواقفهم وفرضيَّاتهم أدلَّة وقرائن تثبتها أم هي مجرّد خواطر لا ترقى إلى مستوى الدّليل؟

وماذا عن ترجمة المستشرقين لألفاظ القرآن الكريم باعتبار الترجمة منصبَّة على لغة النصِّ القرآنيّ؟ هل كانت ترجماتهم أمينةً أم شابها تعصُّب للعقيدة أو الجنس؟! وإلى أيّ مدى عبَّرت ترجماتهم عن مضمون لغة هذا النصِّ القرآنيّ؟ وما مناهج المستشرقين في ترجماتهم؟ وما الغايات التي قامت عليها؟

وأخيرًا، ما صحَّة نسبة القرآن إلى اللّغات الآراميّة – السريانيّة والعبريّة؟ وهل ألفاظ القرآن الكريم مأخوذة من هذه اللغات كما ذهب إلى ذلك بعض المستشرقين؟ وما هي الأسانيد التي استند إليها هؤلاء المستشرقون في ذلك؟! وهل تصمد هذه الأسانيد أمام الردود العلميّة من فقه لغة وعلم لغة وغيرهما؟!

وبناءً على هذه الإشكاليّات فإنّ محاور الدّراسة هي:

الأوّل: اتِّهام اللغة الغربيّة لغة القرآن بالقصور.

الثاني: إخضاع النصِّ القرآنيّ بلغته لمقاييس النّقد الأدبيّ.

الثالث: شبهة الأخطاء اللغويّة في القرآن الكريم.

الرابع: محاولات ترجمة لغة القرآن بصورة لا تتناسب معه.

الخامس: نسبة القرآن إلى اللغات الآراميّة والسريانيّة والعبريّة.   

ويمكن القول إنَّ لغة القرآن تظهر في منظور الاستشراق بمظهرٍ لا يليق بها؛ نتيجة التّشويه الذي قام به المستشرقون، والذي لا يمكن حصره، ومن ثمَّ فنحن في هذه الدّراسة سوف نتعرّض للشّبه والأباطيل التي حاكها المستشرقون للنصِّ القرآنيّ في جانبه اللغويّ، محاولين في الوقت ذاته بيان تهافتها وسقوطها وعدم رسوخها أمام النّقد العلميّ السّليم.

وفي سبيل ذلك فإنَّ المنهج المتَّبع في الدّراسة هو المنهج التّحليليّ النّقديّ، يقوم على تحليل الشّبهات التي سيقت بهذا الصدد في إطارٍ استقصائيٍّ، ثم نردفها بالردِّ في إطار المنهج النقديّ الذي لا يُعنى بغلبة الخصم، وإنِّما يُعنى بالإقناع والعمل على الوصول إلى الحقيقة التي تستند إلى بُعدين رئيسيّن: معرفيّ ودينيّ.

المؤلّف