فهرس المحتويات

مقدِّمة المركز | 7

المدخل | 9

الفصل الأوّل: الحركة الاستشراقيّة: مفهومها، مراحلها، أهدافها، وآليّاتها: | 13

1- تعريف الاستشراق والمستشرق | 15

2- نبذة تاريخية مختصرة عن مراحل الحركة الاستشراقية | 25

3- علاقة الاستشراق بالتبشير(التنصير) والاستعمار | 41

4- أهداف الحركة الاستشراقية ودوافعها | 49

5- آليات الحركة الاستشراقية ووسائلها | 63

الفصل الثاني: الحركة الاستشراقيّة: مدارسها، مجالاتها، وخصائصها،ودوافعها لدراسة القرآن: | 75 

1- أبرز المدارس الاستشراقيّة وأهم المستشرقين | 77

2- الدراسات الاستشراقية، المجالات والخصائص | 137

3- دوافع المستشرقين لدراسة القرآن الكريم | 165

الفصل الثالث: مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلاميّة والقرآنيّة: | 177

1- المناهج العامّة للمستشرقين | 181

2- مناهج المستشرقين في دراستهم للقرآن | 201

الفصل الرابع: القرآن: مصدره، وتاريخه، وترجمته عند المستشرقين: | 233

1- حقيقة القرآن ونظريّات الوحي عند المستشرقين | 237

2- القرآن في دوائر المعارف والمعاجم القرآنية الاستشراقية | 275

3- آراء المستشرقين في مصادر القرآن الكريم وموثوقيّة النصّ القرآنيّ | 295

4- ترجمة القرآن الكريم (دراسة نقدية) | 335

الفصل الخامس: مباحث علوم القرآن في دراسات المستشرقين: | 367

1- جمع القرآن الكريم | 369

2- المكّي والمدني | 389

3- آراء المستشرقين في نسخ القرآن الكريم | 405

4- إعجاز القرآن | 423

5- آراء المستشرقين في القراءات القرآنية | 433

6- شبهات المستشرقين على الأخطاء اللغوية في القرآن | 453

الخاتمة | 465

فهرس المصادر والمراجع | 472

سلسلة القرآن في الدراسات الغربية 8 القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية دراسة تقويمية نقدية تأليف : الشيخ محمود علي سرائب العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

فهرس الكتاب 

مقدِّمة المركز7

مقدِّمة المؤلِّف 9

الفصل الأوّل: الحركة الاستشراقيّة: مفهومها، مراحلها، أهدافها، وآليّاتها:

1- تعريف الاستشراق والمستشرق15

2- نبذة تاريخية مختصرة عن مراحل الحركة الاستشراقية 25

3- علاقة الاستشراق بالتبشير(التنصير) والاستعمار41

4- أهداف الحركة الاستشراقية ودوافعها49

5- آليات الحركة الاستشراقية ووسائلها63

الفصل الثاني: الحركة الاستشراقيّة: مدارسها، مجالاتها، وخصائصها و

دوافعها لدراسة القرآن:

1- أبرز المدارس الاستشراقيّة والمستشرقين77

2- مجالات الدراسات الاستشراقية137

3- دوافع المستشرقين لدراسة القرآن الكريم165

الفصل الثالث: مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلاميّة والقرآنيّة:

1- المناهج العامّة للمستشرقين181

2- مناهج المستشرقين في دراستهم للقرآن201

(5)

فهرس الكتاب 

الفصل الرابع: القرآن: مصدره، وتاريخه، وترجمته عند المستشرقين:

1- حقيقة القرآن ونظريّات الوحي عند المستشرقين237

2- آراء المستشرقين في مصادر القرآن الكريم وموثوقيّة

النصّ القرآنيّ 275

3- القرآن في دوائر المعارف والمعاجم الاستشراقية295

4- الترجمات الاستشراقية للقرآن الكريم335

الفصل الخامس: آراء المستشرقين في المباحث الأساسيّة لعلوم القرآن:

1- جمع القرآن الكريم369

2- المكّي والمدني389

3- النسخ في القرآن405

4- إعجاز القرآن423

5- القراءات القرآنية433

6- شبهات المستشرقين عن ادّعاء الأخطاء اللغويّة في القرآن453

الخاتمة466

فهرس المصادر والمراجع 473

(6)

 

 

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعزّ المرسلين سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

أَوْلى المستشرقون الغربيّون اهتمامًا كبيرًا بالقرآن الكريم نشأ في كثير من الأحيان من المخاوف التي استحوذت على عقليّة الإنسان الغربيّ ونظرته إلى الإسلام نظرة المنافس المهدِّد له باستلاب حضارته وثقافته، فظهر الجدل ضدّ القرآن الكريم مبكِّرًا، منذ القرون الوسطى في الغرب، في الخطاب الدينييّ اليهوديّ والمسيحيّ على لسان يوحنا الدمشقيّ (ت: 749م)، وموسى بن ميمون (ت: 1204م)، وتوما الأكويني (ت: 1274م)، ورئيس دير كلوني بطرس المبجَّل (ت: 1156م) الذي كان أوّل من شجّع على مشروع ترجمة القرآن الكريم إلى لغة غربيّة ودعمه، فظهرت أوّل ترجمة للقرآن إلى اللغة اللاتينيّة على يد البريطاني روبرت كيتون (Robert of Ketton) في الفترة الممتدة بين (1136-1157م)، ثمّ تتابعت من بعدها الترجمات إلى اللغات الأوروبيّة المختلفة؛ كالإنكليزيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة، والإيطاليّة، والهولنديّة، والإسبانيّة، والروسيّة، ... ولم يقتصر عمل المستشرقين على هذا المجال بالنسبة للقرآن الكريم، بل اتّسعت جهودهم إلى مجالات أخرى تتعلّق بالقرآن الكريم؛ كعلوم القرآن والتفسير والدراسات القرآنيّة، فبرزت في هذا الصدد شخصيّات استشراقيّة عدّة تنتمي إلى مدارس استشراقيّة أوروبيّة؛ ألمانيّة، وبريطانيّة، وفرنسيّة، ومجريّة...؛ من قبيل: الألمانيّ تيودور نولدكه (Theodor Noldke) (ت: 1930م)، ومواطنه رودي باريت (Rudi

(7)

Paret) (ت: 1983م)، والمجريّ إجنتس جولدتسيهر (Ignaz Goldziher) (ت: 1921م)، والبريطانيّ ريتشارد بيل (Richard Bell) (ت: 1952م)، والفرنسيّ ريجيس بلاشير (Regis Blachere) (ت: 1973م)، والأستراليّ آرثر جفري (Arthur Jeffery) (ت: 1959م)، ... ووصلت هذه الجهود الاستشراقيّة في مجال دراسة القرآن إلى مرحلة إصدار موسوعات خاصّة؛ كـ«موسوعة القرآن» التي صدرت ما بين
(2000-2006م) عن دار بريل الهولنديّة ضمن ستّ أجزاء، والعمل على مشاريع بحثيّة أخرى؛ كمشروع الموسوعة القرآنيَّة الألمانيَّة (Corpus Coranicum)، الذي بدأ تنفيذه عام 2007م، وتستمرُّ فعاليَّاته حتَّى العام 2025م، والمشروع الداعم له (Coranica)؛ وهو مشروع ألماني- فرنسيّ.

وقد أدّت هذه الجهود الاستشراقيّة في أغلب ما نتج عنها -عن تعمّد أو عن قلّة إطلاع وعلم ودراية- إلى الوقوع في أخطاء خطيرة وجسيمة لا تليق بالقرآن الكريم؛ وهو منزّه عنها؛ ما استدعى ذلك ردودًا من قِبَل العلماء والباحثين المسلمين على مدار العقود المنصرمة.

ويأتي هذا الكتاب بوصفه أحد الجهود العلميّة والتحقيقيّة المبذولة في التعرّف على جهود المستشرقين القدامى في ترجمة القرآن الكريم ودراسة دوافعهم لدراسة القرآن، ومناهجهم في فهم القرآن، إذافة إلى بيان الرأي الحق في الوحي وجمع القرآن وإعجازه، وغيرها من الموضوعات القرآنية الرئيسة، التي سعى المستشرقون لحرفها عن الحقيقة والواقع، ونقد مقولاتهم وتصحيح أخطائهم ودرء شبهاتهم في هذا الصدد.

نرجو أن يقدِّم هذا الكتاب إضافة علميّة وبحثيّة مرجعيّة للباحثين وللطلاب في تعرّفهم على جهود الحركة الاستشراقيّة في مجال الدراسات القرآنيّة ومدارسها وأقطابها ومدارسها ومقولاتها ونقد هذه المقولات.

 

والله الموِّفق
المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة
(8)

 

 

مقدمة المؤلف 

بسم الله الرحمن الرحيم 

هذه الدراسة جهد علميّ، وبحثيّ متواضع في عرض دراسات المستشرقين عن القرآن الكريم ونقدها، وأبرز أعمالهم الفكريّة والعلميّة في هذا المجال.

وقد حاولنا قدر الإمكان أن تتسم دراستنا بالعلميّة، والموضوعيّة، خصوصًا إزاء تلك الدراسات التي طغى عليها الهوى والتعصّب حينًا،  وملامح التبشير تارة أخرى.

وقد دفعنا لكتابة هذا الكتاب دوافع كثيرة على رأسها الحبّ والعشق للقرآن الكريم، وهذا أمر طبيعي تفرضه طبيعة اعتقادنا بقداسة هذا الكتاب وألوهيّته وكونه المنجي للبشريّة من مستنقع الظلم والضلال، بالإضافة لما يتمتّع به من جاذبيّة خاصّة، جذبت قلوب الملايين من غير المسلمين فكيف بنا وقد تربيّنا على تلاوته، وحفظه، وفهمه، منذ نعومة أظفارنا.

بالإضافة إلى ما تعرّض ويتعرّض له هذا الكتاب المقدّس من تشويه متعمّد، وتضليل الناس عن سماعه والاهتداء بهديه، وهو منهج قديم قد حدّثنا عنه القرآن نفسه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ[1]، وما مارسه الاستشراق القديم، ويمارسه الاستشراق المعاصر، ما هو إلا لغو في الكتاب، ولكن بشكل مختلف،

(9)

ظاهره علمي، وحقيقته وجوهره لا تختلف عمّا كان في السابق، فأصبح اللغو له طرق علميّة من خلال إصدار عشرات المجلاّت، وآلاف الكتب، وعقد مئات الندوات والمؤتمرات، وإنشاء عشرات المعاهد التعليميّة، والفروع التخصّصيّة الجامعيّة، وغير ذلك من طرق ووسائل، كلّ ذلك من أجل صرف الناس عن  القرآن، وتصغيره في أعينهم، وإبعاده عن نمط حياتهم، وصناعة مستقبلهم، وجعله كتاب تاريخ لا كتاب حياة تصنع من خلاله الحضارة الإنسانيّة.

وقد كان القرآن الكريم وما زال محطّ أنظار المستشرقين؛ لأنّه مصدر القوّة في حياة المسلمين، ومنبع الرؤية في حضارتهم، والموجّه لحركتهم، ولمناحي التفكير لديهم. وكما كذّب مشركو قريش بالقرآن في السابق، واعتبروه شعرًا مرّة، وسحرًا أخرى، وكهانة مرّة، وأساطير الأوّلين مرّات، وكما رموا صاحب الرسالة بالافتراء والكذب تارة، وبالجنون تارة أخرى، وبحثوا له عن مصدر في الأرض؛ كانت أغلب جهود الاستشراق لا تخرج عن هذه التوجّهات والتوجيهات.

وباختصار ما زالت ملاحقة المتّهم في زعمهم وهو نبيّ الإسلام قائمة، والمحكمة منعقدة، والقضاة أبرموا حكمهم، وأنزلوا أشدّ العقوبة على المتّهم ورسالته، من دون سماع لصاحب الرسالة وأدلّته، ومعرفة بكتاب الله وعظمته، بل افترضوا رسالة ما، ومرسلًا ما، ووجّهوا لهما سهام النّقد، وعند التدقيق في كلامهم نراهم قد أخطؤوا الإصابة، فلا من أصابوه بمقتل -حسب زعمهم- هو القرآن الكريم، ولا من تحدّثوا عنه، وعن نهجه، وسيرته وفكره، هو الرسول الأمين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وإن كانت هذه الدراسة لا تنفي وجود بعض الدراسات المنصفة والجادّة في مجال الدراسات القرآنيّة والإسلاميّة بشكل عامّ، والتي يمكن البناء على بعضها، ولكن ساحتنا لا تزال عطشى لمثل هذه الدراسات.

ولتحقيق غاية هذا الكتاب المتمثّلة في بيان عناصر الضعف العلمي والبحثيّ في دراسات المستشرقين للقرىن الكريم، إضافة إلى النقد المنهجيّ، وتصويب العديد من الشبهات التي سعى المستشرقون إلى تكريسها حول القرآن، والوحي، ونبي

(10)

الإسلام...، بحسب ما يحملون من أهداف وخلفيات تجاه الدين الإسلامي.

وقد تضمّن هذا الكتاب الفصول الآتية.

الفصل الأوّل: الحركة الاستشراقيّة: مفهومها، مراحلها، أهدافها، وآليّاتها.

الفصل الثاني: الحركة الاستشراقيّة: مدارسها، مجالاتها، وخصائصها، ودوافعها لدراسة القرآن.

الفصل الثالث: مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلاميّة والقرآنيّة.

الفصل الرابع: القرآن: مصدره، وتاريخه، وترجمته عند المستشرقين.

الفصل الخامس: آراء المستشرقين في المباحث الأساسيّة لعلوم القرآن.

 الخاتمة: وتضمّنت استخلاصات الدراسة، ونتائجها، وتوصياتها.

 

(11)
(12)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول:

الحركة الاستشراقيّة

مفهومها، مراحلها، أهدافها، وآليّاتها

 

(13)
(14)

 

 

 

 

 

 

المبحث الأوّل

تعريف الاستشراق والمستشرق:

 

(15)
(16)

المطلب الأوّل: المفهوم اللغويّ للاستشراق:

إنّ كلمة (استشراق) على وزن استفعال، مصدر للفعل (استشرَق)، وأصله فعل ثلاثي (شَرَقم)زيد بثلاثة أحرف: الألف والسين والتاء، كما في استغفر، طلب الغفران، واستفهم، طلب الفهم، والمعنى طلب الشرق، وليس هناك معنى محصّل لطلب الشرق إلا طلب علوم الشرق وآدابه ولغاته وأديانه وما شاكل ذلك، وتشير لفظة(شرق) حسب المعجم الوسيط من: شَرَقَت الشمسُ تشرُق شُروقًا وشَرُقًا، أي طلعت وأضاءَت على الأرضِ[1]، واسم الموضع المَشْرِق، و(الشَّرْق) جهة شروق الشمس، و(شرَّق) أخذَ في ناحية المشرق.

وفي معجم مقاييس اللغة: شرق: أصل واحد يدلّ على إضاءة وفتح. من ذلك شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، والشروق: طلوعها[2]، ومن خلال تتبع استعمال هذه الكلمة في المعاجم اللغوية نخرج بهذه النتيجة: إنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الطلوع مع الإضاءة. وعلى هذا لا يصحّ أن يقال: شرق الرجل. ويدلّ على هذا المعنى استعمالها في مقابل الغروب بمعنى البعد والغيبة، والعشاء بمعنى الظلام، كما في: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ[3]، ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ [4] [5].

ولذا يرى بعض الباحثين أن كلمة استشراق لا ترتبط فقط بالمشرق الجغرافي وإنما تعني أن الشرق هو مشرق الشمس ولهذا دلالة معنوية؛ بمعنى الشروق والضياء والنور بعكس الغروب؛ بمعنى الأفول والانتهاء.

(17)

وإذا رجعنا إلى اللغات الأوروبيّة فثمة تعريف للشرق، ليس المراد منه الشرق الجغرافي، وإنما الشرق المقترن بمعنى الشروق والضياء والنور والهداية، وهو قريب من المدلول اللغوي لهذه الكلمة.

فلفظ ORIENT في الدراسات الأوروبية يشير إلى منطقة الشرق المقصودة بالدراسات الشرقيّة بكلمة تتميز بطابع معنوي وهو: Morgenland  وتعني بلاد الصباح، ومعروف أنّ الصباح تشرق فيه الشمس، وتدل هذه الكلمة على تحول من المدلول الجغرافي الفلكي إلى التركيز على معنى الصباح الذي يتضمن معنى النور واليقظة، وفي مقابل ذلك نستخدم في اللغة كلمة Abendland وتعني بلاد المساء لتدل على الظلام والراحة.

وفي اللاتينية تعني كلمة Orient: يتعلَّم أو يبحث عن شيء ما، وبالفرنسية تعني كلمة Orienter وجّه أو هدى أو أرشد، وبالإنجليزية  Orientation،
وorientate  تعني «توجيه الحواس نحو اتجاه أو علاقة ما في مجال الأخلاق أو الاجتماع أو الفكر أو الأدب نحو اهتمامات شخصية في المجال الفكري أو الروحي»[1].

على اﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ أن ﻛﻠﻤﺘﻲ «east» و«orient» ﻣﱰادﻓﺘﺎن ﰲ اﻟﺪﻻﻟﺔ على ﻣﻌﻨﻰ «الشرق» إلا أن الكلمة «east» تأتي ﰲ اﻟﻐﺎﻟﺐ ﻟﻠﺪﻻﻟﺔ على الجهة الشرقيّة والجانب الشرقي من كلّ شيء، ﻟﻠﺪﻻﻟﺔ على اﻟﻨﺼﻒ الشرقي ﻣﻦ الكرة الأرضية، بينما ﺗﻄﻠﻖ ﻛﻠﻤﺔ «orient» ﰲ اﻟﻐﺎﻟﺐ على اﻷﻗﻄﺎر اﻟﻮاﻗﻌﺔ في الشرق من اﻟﺒﺤﺮ اﻷﺑﻴﺾ اﳌﺘﻮسـﻂ وأوروﺑﺎ. وربما ﻛﺎن ﻫﺬا ﻫﻮ اﻟﺴﺒﺐ ﰲ اﻗﺘﺒﺎس ﻣﻔﺮدة «الاستشراق» و«المستشرق» ﻣﻦ اﻟﻜﻠﻤﺔ اﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، وشاع مصطلح «Orientalism» و«Orientalist». وﺑﻄﺒﻴﻌﺔ الحال ﻫﻨﺎك ﻧﻮع ﻣﻦ اﻟﺘﺴﺎﻣﺢ ﰲ ترجمة ﻛﻠﻤﺔ «Orientalism» إﱃ الاستشراق؛ وذﻟﻚ ﻷن اﻟﻼﺣﻘﺔ «al» ﺗﺪلّ على ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻷﺷﻴﺎء «اﳌﺘﻌﻠﻘﺔ بالشرق» وليس «الناحية الشرقيّة من الأرض»

(18)

إلا إذا اعتبرنا مفهوم «الشرق» يطلق على ما هو أعم من الأراضي الشرقيّة وجميع ما يرتبط بها[1].

وبذلك يتبيّن أن مصطلح الاستشراق ليس مستمدًا من المدلول اللغوي، بل من المدلول المعنوي لشروق الشمس التي هي مصدر العلم[2].

وفي الثقافة الإسلاميّة، يطلق على أحد أبرز المدارس الفلسفية اسم المَدرسة الاشراقيَّة المأخوذ من لفظ أشرقَ: وهي المدرسة التي ترى أن المعرفة تتمّ عن طريق ظهور الأنوار العقليّة ولمعانها وفيضانها بالإشراقات على النُّفوس عند تحرّرها، ويطلق اسم الاشراقيين بالأخصّ على شهاب الدين السّهرورديّ وأتباعه.

وما يؤكّد هذا المعنى أنّنا نلحظ حصول تطوّر في معنى كلمة الاستشراق شملت مصر وبلاد شمال أفريقيا، وشمال غرب أفريقيا المسمى بالمغرب، وإن كان الاستشراق مدلولًا لفظيًّا مختصًا بالبلدان الشرقيّة دون غيرها وهذا يدلّل على أن مدلول كلمة الاستشراق ليست محصورة بالجهة المكانية، بل له علاقة بالجنبة المعنوية للكلمة.

ويمكن القول نتيجةً لما تقدّم أنّ مدلول كلمة الاستشراق وربطه بالشرق يعني في المقام الأول المنطقة التي أشرقت فيها شمس المعرفة، وليست الشمس بمعناها الحسّي.

(19)

المطلب الثاني: المفهوم الاصطلاحي للاستشراق:

إنّ المفهوم المقابل للاستشراق هو مفهوم الاستغراب. والأوّل لغة كما تقدّم مأخوذ من الشرق بالمعنى المعنوي لا الحسي فقط، أو طلب الشرق بمعنى طلب علوم الشرق، والثاني مأخوذ من الغرب جهةً أو بمعنى طلب الغرب، والاستغراب اصطلاحًا هو علم يُعنى بدراسة الغرب، على غرار الاستشراق، الذي أطلق على دراسة المجتمعات والثقافات الشرقيّة. 

ولم ترد كلمة «الاستشراق» orientalism، المشتقة من مادة «ش ر ق» في أي من المعاجم العربيّة القديمة، وربما كان المعجم العربي الحديث الوحيد الذي يشير إلى واحد من مشتقاتها هو معجم «متن اللغة» للشيخ أحمد رضا، وأغلب المعاجم الحديثة تعرّضت للفظ استشرق بإيراد فعلها «استشرق» وإتباعه بشرحه له؛ وهو «طلبَ علوم الشرق ولغاتهم»، مع وصف الكلمة بأنها «مولدة عصرية» تطلق على من «يعنى بذلك من علماء الفرنجة»[1]. وفعل «استشرق» العربي مشتق من كلمة «الاستشراق» المترجمة لكلمة «orientalism» الإنجليزية و«orientalisme» الفرنسية، حديثتَي العهد، واستخدمت كلمة «مستشرق» ترجمة لكلمة «orientalist» لتصف المشتغل بهذا الحقل المعرفي.

وإذا قمنا بعملية رصد لتعريفات الاستشراق الواردة في الكتب والأبحاث والرسائل الجامعية فنجد بعضًا منها عامًا، وبعضها خاصًا، قد ركز على نقطة ما تتناسب مع جهة بحثه، وبعضها يجرّم الاستشراق بكل أشكاله، وبعضها يعتبر الاستشراق علمًا، وبعضها يراه أقرب إلى الحركة من العلم، وهكذا... وفي الآتي نعرض بعضًا من هذه التعاريف:

(20)

1- الاستشراق orientalism يعني: «علم الشرق أو علم العالم الشرقي»[1] وكما يقول مكسیم رودنسون الذي أشار إلى أن مصطلح الاستشراق إنما ظهر للحاجة إلى «إیجاد فرع متخصص من فروع المعرفة لدراسة الشرق[2]».

 هو: «ذلك التيار الفكري الذي تمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلاميّ، والتي شملت حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته»[3].

 وأحيانًا يراد به: «ذلك العلم الذي تناول المجتمعات الشرقيّة بالدراسة والتحليل من قبل علماء الغرب»[4].

وبعض التعاريف حاولت أن تعطي أبعادًا ومحاورًا للاستشراق، معتبرة أنّه عبارة عن مجموع من المحاور، فالاستشراق لا يمكن اختزاله في بعده التاريخي أو الجغرافي فقط، أو في بعده الإنساني أو الثقافي فحسب، وإنما هو مجموع ذلك كله:

1- المكان.

2- الزمان.

3- الإنسان.

4- الثقافة.

فالحديث عن الاستشراق مرتبط ارتباطًا عضويًا وتكامليًا مع هذه العناصر الأربعة الأساسيّة، إذ لا بدّ له من مسافة زمنية ومساحة مكانية ونوع إنساني وإنتاج ثقافي وفكري[5]، ويرى أن الشرق الذي اهتمّ الغرب بدراسته والتخصّص في

(21)

ثقافته وتراثه، ليس هو الشرق الجغرافي الطبيعي، وإنما هو «الشرق الهوية» وهو محور ما استهدفه علم الاستشراق ومصدر العناية والاهتمام، فهدف الاستشراق هو معرفة «الشرق الهوية والتاريخ» المتمثّل في الإسلام والمسلمين.

وبعض الباحثين المعاصرين اعتبر أن الاستشراق هو إسقاط من الغرب على الشرق بهدف السيطرة عليه[1]، وسنتعرض لذلك في بحث منهج الإسقاط وهو أحد مناهج المستشرقين.

وما تقدّم من التعريفات التي ذكرت لمفهوم الاستشراق نجد بعض هذه التعريفات عرّفته بلحاظ الرقعة الجغرافيّة سعة وضيقًا، وبعضها بلحاظ البعد المعرفي، فلقد ﻧﻈﺮ المستشرقون إلى الاستشراق ﻣﻦ زواﻳﺎ وخلفيّات ﻣﺘﻨﻮّﻋﺔ، ﻓﻜﺎﻧﺖ ﻛﻞ ﳎﻤﻮﻋﺔ ﻣﻨﻬﻢ ﺗﺒﺤﺚ في ﻣﻮﺿﻮع ﺧﺎص ﻣﻦ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎت الشرق فمنهم من تحدّث عن ﻣﻌﻠﻮﻣﺎت الشرق اﳉﻐﺮاﻓﻴّﺔ واﻟﺘﺎرﳜﻴّﺔ، وآخرون عن اﻟﻠﻐﺔ واﻟﻔﻦ واﻷدب وﻣﺎ إﱃ ذﻟﻚ ﻣﻦ ﺧﺼﺎﺋﺺ اﻟﺒﻠﺪان الشرقيّة، وفريق آخر تحدّث عن ﻛﺎﻓﺔ اﻟﻌﻠﻮم، اﻟﻔﻨﻮن واﳊﻀﺎرة الشرقيّة، والقسّم الأكبر من الدراسات الاستشراقيّة تمحور حول الاستشراق الديني وبالتحديد الدين الإسلاميّ، ﻗﺪ رﻛّﺰوا أﺑﺤﺎﺛﻬﻢ ودراساتهم على ﻣﻌﺮﻓﺔ اﻹسـﻼم ودراسـﺔ ﻋﻠﻮم اﻟﻘﺮان، واﻟﺴﻨّﺔ، وسـﲑة اﻟﻨﺒﻲ اﻷﻛﺮم صلى‌الله‌عليه‌وآله واﳋﻠﻔﺎء واﻷﺋﻤﺔ، ورؤسـﺎء اﳌﺬاﻫﺐ اﻹسـﻼﻣﻴﺔ، وﻣﺸﺎﻫﲑ العلماء ﰲ ﺗﺎرﻳﺦ اﻹسـﻼم، واﳊﺮﻛﺎت اﻹسـﻼﻣﻴﺔ، واﻟﺘﺠﻤّﻌﺎت اﻹسـﻼﻣﻴّﺔ، وﻣﻮاﻃﻦ سـﻜﻨﺎﻫﻢ ﰲ ﻛﺎﻓﺔ ﺑﻘﺎع اﻟﻌﺎﱂ، وﻧﻘﺎط ﻗﻮّة وﺿﻌﻒ اﳌﻌﺎرف اﻹسـﻼﻣﻴّﺔ اﻷﻋﻢ ﻣﻦ اﻟﻌﻘﺎﺋﺪ واﻟﻔﻘﻪ واﻷﺧﻼق واﻟﻔﻠﺴﻔﺔ واﻟﻌﺮﻓﺎن، واﳌﻮاﻃﻦ اﻟﺘﻲ ﺗﺸﻜّﻞ ﺑﺆرة تهديد أو ﺧﻄﺮ ﰲ اﳌﻌﺎرف اﻹسـﻼﻣﻴّﺔ، وﻣﻮاﻃﻦ ﺿﻌﻒ اﻟﺪﻳﻦ اﻹسـﻼﻣﻲّ واﻷﻣﺔ اﻹسـﻼﻣﻴّﺔ أن أهم ﻣﺎ ﻳﺸﻐﻞ ﺗﻔﻜﲑ علماء اﻟﺪﻳﻦ واﳌﺼﻠﺤﲔ ﻣﻦ اﳌﺴﻠﻤﲔ واﻟﺬاﺑّﲔ عن الثقافة الإسلاميّة هو هذا النوع من الاستشراق الخاص ونقده، بمعنى «دراسة الغربيّين للإسلام»[2].

وما نريده في هذه الدراسة هو معنى أخص -إذا صحّ التعبير- للدراسات

(22)

الاستشراقيّة وهو دراسة القرآن الكريم بأبعاده المختلفة.

ويمكن القول في النتيجة: إنّ الاستشراق هو «أسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي (أنطولوجي)، ومعرفي (إبستمولوجي) بين الشرق والغرب، ويستخدم دراسات أكاديميّة يقوم بها علماء غربيين للإسلام والمسلمين من شتى الجوانب عقيدة وشريعة وثقافة وحضارة وتاريخ ونظم وثروات وإمكانات، سواء أكانت هذه الشعوب تقطن شرق البحر الأبيض أم الجانب الجنوبي منه، وسواء أكانت لغة هذه الشعوب العربيّة أم غير العربيّة «كالتركية والفارسية والأوردية» وغيرها من اللغات، لأهداف متنوّعة ومقاصد مختلفة».[1]

 

المطلب الثالث: هوية المستشرق والمستشرقين  Orientalist:

من هو المستشرق وما هي خصائصه وهويته؟

1- المستشرق: هو «عالم متمكِّن من المعارف الخاصة بالشرق ولغاته وآدابه»[2]. وفي تعریف أكسفورد ورد أن المستشرق هو «من تبحَّر في لغات الشرق وآدابها [3]».

 2- هو «ذلك الباحث الذي يحاول دراسة الشرق وتفهمّه، ولن يتأتى له الوصول إلى نتائج سليمة في هذا المضمار ما لم يتقن لغات الشرق»[4].

3- «إنّنا نعني بالمستشرقين الكتاب الغربيّين الذين يكتبون عن الفكر الإسلاميّ وعن الحضارة الإسلاميّة»[5].

(23)

فالمستشرق مصطلحًا -بناءً على هذه التعاريف- ينبغي أن تقتصر على من ليس شرقيًا، لأنّها تصف حالة طلب لشيء غير متوفر في البيئة التي نشأ فيها الطالب وهو معنى الاستشراق أي طلب علوم الشرق كما تقدّم.

هذا هو التحديد الغالب لهوية المستشرق وهو من يحمل ﻫﻮﻳﺔ ﻏﺮﺑﻴﺔ أوروﺑﻴﺔ أو أﻣﺮﻳﻜﻴﺔ، أي غربي يقوم بدراسة الشرق، وبعض الباحثين ونظرًا لوجود دراسات للإسلام من البلدان التي لا تنتمي جعرافيًا للغرب وإن كانت دراساتهم تحقق نَفَس الاستشراق الغربي نفسُه؛ كالصين، والهند، واليابان، فيطلق بعض الباحثين كلمة مستشرق على ﻛﻞ دارس ﻟﻺسـﻼم ﻣﻦ غير  المسلمين سواء أﻛﺎن ﻏﺮﺑﻴًّﺎ أم شرقيًّا.

ولذا عرّف بعضهم الاستشراق أنّه: «اﺷﺘﻐﺎل ﻏﲑ اﳌﺴﻠمين ﺑﻌﻠﻮم اﳌﺴﻠﻤﲔ، ﺑﻐﺾ اﻟﻨﻈﺮ ﻋﻦ وﺟﻬﺔ اﳌﺸﺘﻐﻞ اﳉﻐﺮاﻓﻴﺔ وانتماءاﺗﻪ اﻟﺪﻳﻨﻴﺔ واﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ واﻟﻔﻜﺮﻳﺔ، وﻟﻮ لم ﻳﻜﻮﻧﻮا غربيين»[1].

(24)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

نبذة تاريخيّة مختصرة عن مراحل الحركة الاستشراقيّة

(25)
(26)

ﻻ ﺷﻚّ أن ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺪراسـﺎت الاستشراقيّة؛ ﺧﺎﺻﺔ ﺗﻠﻚ اﳌﺘﻌﻠّﻘﺔ بالشرق اﻹسـﻼﻣﻲ وﺣﻀﺎرﺗﻪ ﻗﺪﻳﻢ، ﻏﲑ أن آراء العلماء واﻟﺒﺎﺣﺜﲔ ﺗﺘﺒﺎﻳﻦ ﺑﺸﺄن تحديد اﻟﺒﺪاﻳﺎت التاريخية ﻟﺘﻠﻚ اﻟﺪراسـﺎت، وﺗﺘﺠﻪ أﻛﺜﺮ اﻵراء إﱃ تحديد ﻓﱰة زﻣﻨﻴﺔ وﻟﻴﺲ إﱃ ﲢﺪﻳﺪ سـﻨﺔ ﺑﻌﻴﻨﻬﺎ ﻟﺒﺪاﻳﺔ الاستشراق[1]. وﻻ ﻳُﻌﺮَف ﺑﺎﻟﻀﺒﻂ ﻣَﻦ ﻫﻮ أول ﻏَﺮْﰊّ ﻋُﻨِﻲ ﺑﺎﻟﺪراسـﺎت الشرقيّة، وﻻ ﰲ أي وﻗﺖ ﻛﺎن ذﻟﻚ، وﻟﻜﻦ اﳌﺆﻛﺪ أن ﺑﻌﺾ اﻟﺮﻫﺒﺎن قصدوا اﻷﻧـﺪﻟﺲ ﰲ إﺑﺎن ﻋﻈﻤﺘﻬﺎ وﳎﺪﻫﺎ، وﺗﺜﻘﻔﻮا ﰲ ﻣﺪارسـﻬﺎ، وﺗﺮﲨﻮا  القرآن واﻟﻜﺘﺐ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ إﱃ لغاتهم، وﺗﺘﻠﻤﺬوا على علماء المسلمين ﰲ ﳐﺘﻠﻒ اﻟﻌﻠﻮم وﺑﺨﺎﺻﺔ ﰲ اﻟﻔﻠﺴﻔﺔ واﻟﻄﺐ واﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺎت[2]

وقبل الدخول في عرض المراحل التاريخية للاستشراق لا بد أن نلفت النظر إلى الأمور الآتية:

أولًا: هناك فرق بين التأريخ لحركة الاستشراق، وبين ظهور مصطلح الاستشراق نفسه الذي تأخر ظهوره عن الحركة الاستشراقيّة بقرون عديدة.

ثانيًا: أن أحد أسباب تعدد آراء الباحثين في تحديد بداية الاستشراق، جاء نتيجةً لاختلافهم في تعريف الاستشراق نفسه. فمن نظر إلى أن الاستشراق يطلق على أي دراسة من غير المسلمين للإسلام؛

1. قال إنه بدأ من بعثة النبيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله واهتمام المشركين من داخل الجزيرة أو خارجها.

2. أو إنّه بدأ بعد الهجرة واحتكاك النبيّ بيهود المدينة ونصارى نجران والجزيرة وبداية مراسلة النبيّ للملوك والقياصرة.

3. وبعضهم أرجع الاستشراق إلى القرن الثامن الميلادي وحدّده من بداية

(27)

الرهبان والملوك إرسال أبناءهم إلى الأندلس لدراسة اللغة العربيّة والإسلام.

وأمّا من نظر إلى الاستشراق أنّه دراسات أكاديميّة، طبعًا هذا لا يعني أنّ هذه الدراسات لا توجد فيها أهداف أخرى كتشويه الصورة الإسلاميّة وتضعيف المصادر الإسلاميّة؛ كالقرآن والحديث وغير ذلك، ولكن المقصود بها أول دراسات وأبحاث صدرت من المستشرقين؛

4. فقد حدّد بداياته في القرن الثاني عشر الميلادي (1343م) وذلك بظهور أول ترجمه لمعاني للقران الكريم إلى اللاتينية؛ أصل اللغات الأوروبية.

5. أو أرجعه إلى عام 1312م في القرن الرابع عشر الميلادي بعد قرار مجمع فيّنا الكنسي القاضي بتأسيس كراسـي الجامعات الأورُوبية لدراسة الإسلام واللغة العربيّة.

6. وأرجعه آخرون إلى أنّه بدأ في القرن السادس عشر الميلادي عام 1539م حيث أنشئت أول كراسي للغة العربيّة في الجامعات.​

إذا دقّقنا في هذه الأقوال نجد أن المسار التاريخي للاستشراق يستوعب تلك الآراء جميعًا وذلك بتقسيم هذه الأقوال إلى: بدايات رسمية، وبدايات غير رسمية، فيكون الأول والثاني والثالث يمثلان البداية غير الرسمية ضمن الجهود الفردية. ويكون الرابع والخامس والسادس ممثلًا للبداية الرسمية.​ وفي ما يأتي نذكر أهم الآراء والمراحل التاريخية للاستشراق مع مراعاة التسلسل الزمني لبيان نشوء الاستشراق في هذا المجال.

مراحل الحركة الاستشراقية:

هناك عدّة مراحل للحركة الاستشراقيّة قد أوصلها بعضهم إلى ما يقارب عشرة مراحل، طبعًا بغضّ النظر عن كون هذه المرحلة أو تلك ينطبق عليها مصطلح الاستشراق المقصود بهذه الدراسة أو لا، فمما لا شك فيه أن الاطلاع على هذه المراحل، ومعرفة الجهود التي قام بها هؤلاء في كل مرحلة مسألة مهمة جدًّا لا

(28)

من باب التاريخ فحسب، بل لأنّ هذه المراحل أشبه بحلقات متكاملة ومن خلال دراستها بشكل كامل تتّضح عندنا الصورة الكاملة للحركة الاستشراقيّة.

ومن الواضح أنّ كل هذه المراحل التي تحدّد نشوء ما يمكن أن يسمّى حركة استشراق تجمعها فكرة واحدة وهي «التعرّف إلى الشرق»؛ فأي تعرّف على هذا الشرق نطلق عليه اسم استشراق سواء كان التعرّف عليه تجاريًا أو عسكريًا أو ثقافيًا أو دينيًا، أو غير ذلك، وسواء كان ذلك قبل ظهور الإسلام أو بعده.

ومن الواضح أيضًا أن بعض هذه المراحل حتى ولو أطلق عليها بعض الباحثين مصطلح الاستشراق فليست مقصودة في هذه الدراسة. ولتتضّح هذه المسألة نذكر هذه المراحل على الشكل الآتي:

القرن السادس قبل الميلاد:

1. الاستشراق العام منذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى القرن السادس بعد الميلاد:

ذﻛﺮ بعض الباحثين أن الاستشراق ﺑﺪأ في اﻟﻐﺮب ﻣﻨﺬ اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎدس ﻗﺒﻞ اﳌﻴﻼد، وذﻟﻚ ﰲ ﻋﻬﺪ اﻟﻜﻨﻌﺎنيين ﺣﻴﺚ أﻗﺎم اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻴﻮن واﻹﻳﺮاﻧﻴﻮن ﻋﻼﻗﺎت تجارية في ما ﺑﻴﻨﻬﻢ، ﺛﻢ أﺧﺬوا ﻳﺘﻮسـّﻌﻮن ﰲ هذه اﻟﻌﻼﻗﺎت ﻟﺘﺸﻤﻞ اﻷﻣﻮر اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ أيضًا[1].

فالارتباط التاريخي بين الشرق والغرب يعود إلى ظهور التبادل التجاري أياّم الكنعانيين والصراع الذي احتدم إثر ذلك في القرن السادس قبل الميلاد بين إيران واليونان، فبدأ الإغريقيون منذ ذلك الحين بـ «التعرّف إلى الشرق» من أجل تحسين أدائهم في عملية الدفاع والهجوم.

وكان أوّل مستشرق في تلك المرحلة هو المؤرّخ اليوناني الشهير هيرودوتس الذي

(29)

قام بتسجيل مشاهداته وملاحظاته حول الري وبلاد ما بين النهرين والرافدين «العراق»، ومصر والشام وشبه الجزيرة العربية، وكذلك معرفة السكان القاطنين فيها وعاداتهم، وتجاراتهم والبضائع التي يتاجرون بها في تاريخه المعروف.

أما الارتباط الثاني فيعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد حيث هاجم الاسكندر المقدوني الملك الإغريقي الشاب الأراضي الإيرانية وكافة الأقطار الشرقيّة، واحتل كافة المناطق الآسيوية[1].

وهذه النظرية كما هو واضح ترى أن الاستشراق كان قبل نشوء الإسلام وظهوره، بل بدء هذه الحركة كان قبل الديانة المسيحيّة أيضًا. ولا بد من الإشارة إلى أن هذه المرحلة مع أهميتها التاريخية ليست مستهدفة في هذه الدراسة. 

بداية ظهور الإسلام:

كما ذﻫﺐ آﺧﺮون إﱃ اﻻﻋﺘﻘﺎد ﺑﺄنّ ﳎﺮد ﻇﻬﻮر اﻟﺪﻳﻦ اﻹسـﻼﻣﻲ ودﻋﻮة خاتم اﻷﻧﺒﻴﺎء اﻟﺘﻲ ﻧﺴﺨﺖ ﻣﺎ سـﺒﻘﻬﺎ ﻣﻦ اﻷدﻳﺎن، أﺛﺎر اﻟﻨﺼﺎرى واﻟﻴﻬﻮد ﰲ اﻟﻐﺮب وﺣﻔّﺰﻫﻢ إﱃ اﻟﺘﻌﺮّف على اﻹسـﻼم ونقده واﳋﻠﻔﻴّﺔ اﻟﻔﻜﺮﻳّﺔ [2].

فقد شكّلت الكتب التي بعث بها النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ملوك البلدان الغربيّة والشرقيّة وزعمائها حافزًا آخر للتعرّف على الإسلام، فكان هناك من رحّب بهذه الكتب وتعامل معها بإيجابيّة وحصل على بعض المعارف الإسلاميّة التي رآها صحيحة، وكان هناك من عمد إلى دراسة الإسلام بدوافع عدائيّة، فاحتدمت إثر ذلك بعض المعارك والصراعات.

القرن الثامن للميلاد:

وقد شهد أيضًا القرن الثامن للميلاد «القرن الهجري الثاني» ظهور عالم نصراني اسمه يوحنا الدمشقي، حيث عاش في كنف الأمويّين وخدم في بلاطهم، فكان أوّل

(30)

مسيحيّ يعمد رسميًا إلى دراسة الإسلام ونقده، وألّف كتبًا في الرد عليه، ومنها: «محاورة مع مسلم»، و«إرشادات النصارى في جدل المسلمين»[1]. واعتبر يوحنا أن الإسلام منشقّ عن الديانة الصحيحة فما هو إلا هرطقة مسيحيّة.

أما المستشرق التبشيريّ الثاني وهو ثيوفانس البيزنطي «المتوفى عام 202 هـ ـ 817 م». فقد ذكر في كتابه «حياة محمد»: أنّ نبيّ الإسلام لم يكن نبيًا، بل أخذ تعاليم الإسلام من علماء النصارى واليهود في الشام، وكان أتباعه يرون فيه المسيح الموعود، وبعبارة أخرى أن النبيّ لم يكن نبيًا مرسلًا بل كان مبتدعًا[2].

ﻣﻦ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻣﻦ إﱃ العاشر:

وذهب بعض الباحثين إﱃ اﻟﻘﻮل: إنّ ﻓﺘﺢ اﻷﻧﺪﻟﺲ واﻟﻔﺘﻮﺣﺎت اﻹسـﻼﻣﻴّﺔ ﰲ أوروﺑﺎ ﰲ اﳌﺪة اﳌﻤﺘﺪّة ﻣﻦ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻣﻦ إﱃ العاشر ﻟﻠﻤﻴﻼد أﺛﺎرت ﻓﺰع اﻟﻐﺮب واﻟﻨﺼﺎرى؛ ﻓﺄﻗﺒﻞ ﻫﺆﻻء على دراسـﺔ الشرق واﻹسـﻼم، ﻟﻠﻌﺜﻮر على أسلوب يخرﺟﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﺬا اﳌﺄزق. ﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻓﻘﺪ ذﻫﺐ بعضهم إﱃ اﻟﻘﻮل إنّ ﻋﻤﺮ الاستشراق ﻳﻤﺘﺪ ﻷﻟﻒ سـﻨﺔ [3].

إنّ دعوة الإسلام في القرون الخمسة الأولى لقيت ترحيبًا من مختلف شعوب الشرق والغرب وشبه الجزيرة العربية. وإنّ تغلغل الإسلام داخل العمق الأوروبي والأندلس والثغور الفرنسيّة قد أثار فزع الكنيسة والمنظومة البابويّة التي كانت حتى ذلك الحين هي الحاكم المطلق في أوروبا. وعلى هذا الأساس فقد عمد القساوسة والبابوات من أمثال الراهب الفرنسي جربرت في القرن العاشر، وبطرس المبجّل في القرن الحادي عشر للميلاد، وغيرهما، إلى مباشرة العمل وخوض المعترك بأنفسهم. فخاضوا في حقل معرفة الإسلام والشرق، وتعلم اللغة العربية، وترجمة القرآن الكريم، وتدوين الإشكالات والنقد عليه[4].

(31)

وكان بطرس المبجّل أول قسّ قام بترجمة القرآن الكريم، وكان الغرض الذي هدف إلى تحقيقه من وراء ترجمته اللاتينيّة هو هداية المسلمين -طبعًا حسب اعتقاده- إلى محاسن الديانة المسيحيّة. وسيأتي الكلام عن ترجمة بطرس للقرآن وتقويمها في الأبحاث القادمة.

لكنّ إخفاق المؤسسة البابويّة في هذا الاتجاه بسبب ضعفها العلمي الشديد أدّى بالكنسيين إلى اختيار سبيل العنف والمواجهة العسكرية. وقد عرفت هذه المواجهات التي امتدت قرابة القرنين من الزمن بـ«الحروب الصليبية»، وكان يراد من تلك المواجهات صدّ زحف الثقافة الإسلاميّة إلى عمق الغرب من خلال إسقاط قلاع الحضارة الإسلاميّة في الأندلس.

اﻟﻘﺮن الثاني عشر:

وﻗﺪ ذﻫﺐ أﻣﺜﺎل: «رودي ﺑﺎرﻳﺖ» و«ﺟﻮسـﺘﺎف دوﺟﺎ»، إﱃ اﻟﻘﻮل: إنّ اﻟﻐﺮب ﻗﺪ ﺷﻬﺪ ﰲ اﻟﻘﺮن الثاني عشر ﻟﻠﻤﻴﻼد ازدﻫﺎر اﳊﻀﺎرة اﻹسـﻼﻣﻴﺔ في اﻷﻧﺪﻟﺲ، واﻧﺘﻘﺎل اﻟﻌﻠﻮم اﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻴﺔ واﻟﺮوﻣﺎﻧﻴﺔ إﱃ اﻷﻣّﺔ اﻹسـﻼﻣﻴﺔ، ﻓﻌﻤﺪ إﱃ ترجمة اﻟﻜﺘﺐ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻹسـﻼﻣﻴﺔ والشرقيّة، ﻛﻲ ﺗﺘﻢ اﻻسـﺘﻔﺎدة ﻣﻦ هذه اﻟﺜﺮوة اﻟﻌﻠﻤﻴﺔ اﳍﺎئلة، وﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﻋﻨﻮن «ﺟﻮسـﺘﺎف دوﺟﺎ» ﻛﺘﺎﺑﻪ اﻟﺬي ﻃﺒﻌﻪ ﻋﺎم ١٩٦٠م: «ﺗﺎرﻳﺦ المسشرقين ﰲ أوروﺑﺎ ﻣﻨﺬ اﻟﻘﺮن الثاني عشر إﱃ اﻟﻘﺮن اﻟﺘﺎسـﻊ عشر» [1].

وذﻫﺐ بعض الباحثين إﱃ اﻻﻋﺘﻘﺎد ﺑﺄنّ ﺑﺪاﻳﺔ الاستشراق اﻟﻔﺮدي إنما كانت ﰲ اﻟﻘﺮن اﳊﺎدي عشر ﻟﻠﻤﻴﻼد، إذ ﺑﺪأ ﺑﺠﻬﻮد (بيتروس فينيرا بيليس) الملقب بـ (ﺑﻄﺮس اﳌﺒﺠﻞ) «1156 ـ 1092 » ﻓﻜﺎن  ﻫﻨﺎك ﺑﻌﺪ ذﻟﻚ أﻓﺮاد ﻗﻼﺋﻞ ﰲ ﻛﻞ ﻗﺮن ﻳﺰاوﻟﻮن ﻫﺬا اﻟﻨﺸﺎط، وﻗﺪ ذﻛﺮ أسماء ﻫﺆﻻء ﰲ ﻣﻘﺪﻣﺔ ﻛﺘﺎﺑﻪ.

أما ﺑﺪاﻳﺔ الاستشراق الجماعي ﻓﻜﺎﻧﺖ ﰲ اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎدس عشر ﻟﻠﻤﻴﻼد، حيث أﺧﺬت ﲨﻮع المحققين والعلماء الغربيين ﰲ ﳐﺘﻠﻒ اﻟﺒﻠﺪان ﺑﺎﻟﺘﻮﺟﻪ ﻧﺤﻮ الاستشراق

(32)

والإﻗﺒﺎل على اﻟﺪراسـﺎت اﻹسـﻼﻣﻴّﺔ. وﻗﺪ ﻋﻤﺪ ﰲ ﻫﺬا اﻟﺴﻴﺎق إﱃ اﻓﺘﺘﺎح ﻛﺘﺎﺑﻪ «ﻃﺒﻘﺎت المستشرقين» ﺑﺎﻟﺘﻌﺮﻳﻒ بالمستشرقين ﰲ اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎدس عشر للميلاد. واﺷﺘﻤﻞ  ﻛﺘﺎﺑﻪ على اﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺑﺴﲑة ﻣﺎ ﻳﻨﻴﻒ على مئتي مستشرق[1].

اﻟﻘﺮنان الثالث عشر واﻟﺮاﺑﻊ عشر:
نقل العلوم والحضارة الإسلاميّة إلى الغرب منذ القرن الثالث عشر للميلاد:

عقد الغربيّون -وخاصة البابوات والمؤسسات الكنسيّة والدول الغربيّة ومستشرقوها- منذ ذلك الحين العزم على استيعاب العلوم والحضارة الإسلاميّة والتقدّم العلميّ، تمهيدًا إلى إعداد المقدّمات العلميّة لنهضة ثقافيّة وحضارة جديدة:

أ. نقل العلوم والحضارة الإسلاميّة إلى الغرب:

كان ريموندوس لولوس (Raymon Lull) مؤسّسًا لأول مركز لتعليم المستشرقين اللغة العربيّة والعلوم الإسلاميّة.

وإثر مشاهدته إخفاق نشاط التبشير المسيحيّ في الحروب توصل إلى نتيجة مفادها ضرورة تعزيز النشاط الثقافي للتبشير المسيحيّ ضد الكفر والإلحاد «الإسلام». وقد ذهب إلى ضرورة تأسيس «مركز لتعليم اللغة العربيّة وتعزيز ثقافة المبشرين ضد الإسلام» للاضطلاع بهذه المهمة.

وبعد أن ارتقى القسّ ريميدوس لولوس إلى مقام الأسقفيّة، ثم البابويّة. باشر تطبيق آماله وطموحاته من موضع سلطته الفعلية، فعمد إلى إرسال البعثات التبشيرية إلى مختلف أنحاء العالم بغية الترويج للكاثوليكيّة وتعلم اللغات المختلفة. كما أمر الذين يتحولون إلى المسيحيّة من الأديان الأخرى تعليم لغاتهم الأم للمبشّرين.

(33)
إعلان مؤتمر فيينا ومشروع تعلّم اللغات الشرقيّة في الجامعات الخمس الكبرى في الغرب:

لقد عمد البابا لولوس في نهاية عمره إلى إقرار قانون في مؤتمر فيينا يقضي على الجامعات الغربيّة الخمس، وهي: «باريس، وأكسفورد، وبولوينا، وسلمنكا، وجامعة الإدارة المركزية للبابا» بأن يضطلع الأساتذة فيها بمهمّة تعليم الطلاب اللغات الشرقيّة؛ من قبيل: العربيّة، والعبريّة، واليونانية، والكلدانية، وما إلى ذلك[1].

ب. سرقة المكتبات والمخطوطات:

بعد أن تمكّنت جيوش الغرب من احتلال بلاد الأندلس الإسلاميّة في حروبها الصليبيّة، واستولت على مركز حضارة العلوم الإسلاميّة وثقافتها، دخلت مكتبة الأندلس العظمى التي قال بعض المؤرّخين إنها كانت تحتوي على أربعة آلاف كتاب.

وقد أرسل الزعماء الصليبيّون العلماء والمحقّقين الغربيّين إلى هذه المكتبة ليصادروا ما يرونه مفيدًا لبناء الحضارة الغربيّة الجديدة والنهضة العلميّة الحديثة في الغرب، وأما الذي لم يفهموه منها فقد عمدوا إلى إحراقه.

وهناك من قال: إنّ اﻟﻐﺮب أﺧﺬ ﻳﻔﻜّﺮ ﻣﻨﺬ اﻟﻘﺮن اﻟﺮاﺑﻊ عشر ﻟﻠﻤﻴﻼد، وبعد اﳊﺮوب اﻟﺼﻠﻴﺒﻴّﺔ، بضرورة التخلّيﻋﻦ ﻓﻜﺮة اﳊﺮب واﻟﻠﺠﻮء إﱃ اﻟﺘﻌﺮّف على ﺛﻘﺎﻓﺔ الشرق ﻣﻦ أﺟﻞ اﻟﻌﺜﻮر على أسـﺎﻟﻴﺐ أﻛﺜﺮ واﻗﻌﻴّﺔ ﻟﻠﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ الشرق انطﻼﻗًﺎ ﻣﻦ ﻣﻌﻄﻴﺎت اﻟﺪراسـﺎت الشرقيّة وﻧﺘﺎﺋﺠﻬﺎ[2].

اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎدس عشر:

وذهب المستشرق «آربري» «Arberry»إلى أنّ المدلول الأصلي لكلمة -مستشرق- أو ﺑﺪاﻳﺔ ﻋﻠﻢ الاستشراق ﻗﺪ ﻇﻬﺮت ﰲ أوروﺑﺎ منذ اﻟﻘﺮن اﻟﺴﺎدس عشر ﻟﻠﻤﻴﻼد؛ لأنّ

(34)

أوّل استعمال لكلمة «مستشرق» في اللغات الأوروبيّة يعود إلى عام 1638م عندما أطلق على أحد أعضاء الكنيسة الشرقيّة أو اليونانية...

في سنة 1691م وصف انتوني وود «Wood Anthon» صمويل كلارك «Samuel Clarke» بأنّه (استشراقي نابه) يعني ذلك أنّه يعرف بعض اللغات الشرقيّة[1].

القرنان الثامن عشر والسابع عشر:

ﻫﻨﺎك ﻣﻦ ذﻫﺐ إﱃ اﻟﻘﻮل: إنّ ﻋﻠﻢ الاستشراق إنّما ﻇﻬﺮ ﺑﺸﻜﻞ رسـﻤﻲّ ﰲ القرن الثامن عشر ﻟﻠﻤﻴﻼد؛ وذﻟﻚ ﻷنّ ﻣﺼﻄﻠﺢ «Orientalism» ﱂ ﻳﺪﺧﻞ ﰲ اﳌﻌﺎﺟﻢ اﻟﻠﻐﻮﻳّﺔ اﻟﻐﺮﺑﻴّﺔ إﻻّ ﰲ اﻟﻨﺼﻒ الثاني ﻣﻦ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻣﻦ عشر.

ويعتبر مكسيم رودنسون أنّ مصطلح المستشرق ظهر أوّلًا في إنجلترا  1779 م أو1780م، ثمّ في فرنسا عام 1799م[2]. في حين لم تدخل كلمة «الاستشراق» معجم الأكاديمية الفرنسية Dictionnaire de l’Académie Française  إلا عام 1838م، وإن كان هذا المصطلح قد انتقل إلى اللغة الفرنسيّة عام 1799م[3]. لقد استعمل مصطلح  «Orientalist» المستشرق للمرة الأولى في مستهلّ عام 1766م، حيث ورد في موسوعة لاتينية للتعريف بالأب بولينوس.

(35)

الاستشراق القديم والاستشراق الجديد:

هناك مصطلح يتداول بين الباحثين في مجال الدراسات الاستشراقيّة؛ وهو وصف الاستشراق بالقديم أو الجديد. فما الفرق بين هذين المصطلحين؟ وما هو الحدّ الزمني الفاصل بينهما؟

انتهى مصطلح الاستشراق، رسميًا، في مؤتمر باريس للاستشراق عام 1973م بمناسبة مرور قرن على بداية عقد المستشرقين لمؤتمراتهم العالميّة التي كانت تعقد كل (3- 5) سنوات. وحين صوّت المشاركون في المؤتمر على مدى الرغبة في استمرار استخدام مصطلح (استشراق ومستشرق) كانت نتيجة التصويت لصالح إلغاء التسمية مع استمرار المؤتمر بنفس وتيرته ولكن بعنوان (المؤتمر العالمي للدراسات الإنسانية عن آسيا وشمال أفريقيا) ثم استبدل بعد مؤتمرين إلى (المؤتمر العالمي للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية).[1]

وبعد تنظيم تسعة وعشرين  مؤتمرًا خلال قرن من الزمن، ستكون باريس التي احتضنت ميلاد هذه المؤتمرات قبرًا لمؤتمرات هذا الاتحاد الدولي، فخلال مؤتمر المستشرقين الذي افتتح في هذه العاصمة بتاريخ (١٤ يوليو ١٩٧٣م) الموافق (١٣٩٣هـ) دعا عدد من كبار المشاركين من أمثال برنارد لويس «Lewis Bernard» وبشم «Basham» «وكلودكاهن» «Cahen Claud» إلى حل مؤتمر المستشرقين على أن يُستبدل بمؤتمرات خاصة، ُأطلق على المتعلّق منها بالدراسات الإسلاميّة «مؤتمر العلوم الإنسانية للشرق الأدنى وشمال إفريقيا»[2].

ومع مستهل القرن الخامس عشر الهجري لم يعد للمستشرقين مؤتمر واحد يجمعهم، بل حتى الإطار الوليد الذي ابتدعوه «مؤتمر العلوم الإنسانية» اختلف

(36)

أنصاره في تسميته قبل أن يتوافقوا -لأجل رفع الالتباس والغموض- على اسم «المؤتمر الدولي للدراسات الآسيوية والشمال إفريقيّة»، لكنّ هذا المؤتمر الذي لا زال يُعقد حتى الآن لم تعد له أبدًا تلك الأهميّة السابقة[1].

أما المستشرقون الساخطون على إلغاء مؤتمرهم الدولي، فأكثرهم من ألمانيا، وقد اتّجهوا إلى تنظيم مؤتمرات خاصة بهم وانضمّ إليهم خلال العقود الثلاثة الأخيرة عدد من نظرائهم ولا سيّما من فرنسا، وظلوا حتى الآن محافظين على الاهتمامات القديمة نفسها التي تتمحور حول أغراض أربعة؛ هي:

1- جمع المخطوطات العربيّة والنصوص القديمة ونشرها وفهرستها

2-  التدريس الجامعي

3- إنشاء المعاهد والمراكز العلميّة

4- تنظيم ملتقيات أكاديميّة

ويمكن القول: لقد بدأ الاستشراق الجديد من نهاية الاستشراق القديم عام 1973م، ومن مكانه الجديد في أميركا، وكان لا بدّ من أن يجد له جذورًا جديدة بالإضافة إلى جذره الاستشراقي القديم فوجدها في أربعة مشارب مغطاة وهي: (دراسات المناطق، مستودعات الأفكار، ما بعد الاستشراق، استشراق ما بعد الحداثة)، ولم يكن الغرض من نشوء هذه البداية واضحًا.

ومع بداية التسعينيات من القرن العشرين وتفكّك العالم الاشتراكي وسقوط الاتحاد السوفيتي وتصدّع العالم الثالث، ظهرت الحاجة، أميركيًا، للاستشراق الجديد ليشكل ظهيرًا ثقافيًا وأيديولوجيًا لإعادة ترتيب العالم من منطلق أميركي جديد تحديدًا؛ ولذلك ظهر أوّل المستشرقين الجدد من أميركا وهم: المستشرق

(37)

البريطاني-الأمريكي برنارد لويس، وفوكوياما والباحث الأميركي في العلوم السياسية صمويل هنتنغتون (صاحب نظرية صدام الحضارات)[1].

وإذا راجعنا صورة الإسلام في الدراسات الحديثة وهي ما يُطلق عليه الاستشراق الجديد فإنّ صورة الإسلام في كتاباتهم هي جزء من مسعى استراتيجي لبناء عدو جديد للغرب. وهي -بحسب بعض الباحثين[2]- صورة نمطية نتجت من الرؤى الاستشراقيّة القديمة نفسها عن الشرق المتخلّف، غير العقلاني، العنيف، المستبدّ الذي يَعُمّه الطغيان، الأدنى منزلةً من الغرب العقلاني، المتحضر، الديمقراطي، المتمسك بحقوق الإنسان.

يمكن القول: إنّ «الاستشراق الجديد» يتقاطع مع «الاستشراق القديم» بتركيزه على بناء تصورات أيديولوجيّة حول الإسلام والمسلمين، من دون أن يسعى إلى تقديم معرفة نظريّة وتطبيقية حقيقيّة؛ ذلك أن جوهر ما يفعله هذا الفرع الجديد من الاستشراق المتحوّل في ثنايا دراسات الاهتمامات الإستراتيجيّة لـ«الامبريالية الأميركيّة العولميّة المتوحّشة»، هو إعادة تمثيل الإسلام والمسلمين بصورة تخدم الغايات الإمبراطوريّة للقوة الأميركيّة التي تسعى إلى الإبقاء على سيطرتها بوصفها قطبًا عالميًا وحيدًا وأوحد. وهذا ما يمكن أن يفسّر دور كل من برنارد لويس وصمويل هنتنغتون في صناعة السياسة الأميركيّة خلال ربع القرن الأخير.

والأبحاث التي سنتعرض لها في هذا الكتاب تشمل أهم الدراسات الاستشراقيّة القديمة من القرن السادس عشر إلى منتصف القرن العشرين تقريبًا، بمعنى أن العقود الخمسة الأخيرة مستثناة من الدراسة وذلك لاختلافها في المجالات البحثيّة وطرائق البحث كما أشرنا إليه وتحتاج إلى دراسة خاصة ومستقلّة وإن  كان يمكن تسمية هذه العقود الأخيرة بمرحلة ما بعد الاستشراق. وعلى سبيل المثال ستستثني

(38)

الدراسة أشهر المستشرقين المعاصرين المهتمين بالدراسات القرآنيّة خلال الربع الأول من القرن الخامس عشر وهم:

 أنجليكا نويورث «Neuwrith Angélika»

 كلود جليوت «Gilliot Claude»[1]

 أندريه ريبان «Andrew Rippin»

 سيرجيو نوصيدا «Noseda Sergio»

التزامًا بمجال البحث وحدوده؛ وهي الدراسات الاستشراقيّة القديّمة.

(39)
(40)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث

علاقة الاستشراق بالتنصير (التبشير) والاستعمار

 

(41)
(42)

إنّ علاقة الاستشراق بالتنصير والاستعمار هي من الأمور الواضحة لكل من راجع نشأة الحركة الاستشراقيّة وأهدافها وآليّات عملها وغير ذلك، طبعًا لا نريد القول: إنّ كلّ منصّر -أي من قام بدعوة الآخر إلى المسيحيّة- هو مستشرق، وإنّ كلّ مستشرق هو منصّر، لأنّه بكل بساطة قد يكون المستشرق يهوديًا كما هو الحال في الاستشراق الإسرائيليّ أو لا يتديّن بديانة معيّنة أو لا يتديّن بديانة أصلًا؛ كبعض الملحدين، ولكن ما نريد قوله: إن هناك علاقة وطيدة ومتينة بين الاستشراق والتنصير من جهة، وبين الاستشراق والاستعمار من جهة أخرى، فهناك علاقة بين هذه الحركات الثلاث: الاستشراق، والتنصير، والاستعمار.

المطلب الأوّل: الاستشراق والتنصير[1]:

قد تقدّم تعريف الاستشراق، أما التنصير فيشير إلى عمليّة تحويل الأفراد أو تحويل شعوب بأكملها في وقت واحد إلى الديانة المسيحيّة. وقد يشير المصطلح أيضًا إلى الفرض القسّري والتحويل الثقافيّ والحضاريّ لغير المسيحيّين بحيث يتبنّون الثقافة المسيحيّة؛ بدلًا من ثقافتهم الأصليّة.

والتنصير حسب ما ورد في الموسوعة العربيّة العالمية: «مصطلح  يقصد به قيام مجموعة من النصارى بنشر النصرانية بين الناس في جميع أنحاء العالم بطريقة تنظيميّة حتى يعتنقها الكثيرون ويرغبون عن دينهم الأصلي»[2]. وطبعًا لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هناك تنصير فرديّ أو عفويّ وهو خطير على معتقدات الناس، وإن كان الأخطر على أفكار وعقائد الناس هو التنصير المؤسسيّ وهو المرتبط بشكل واضح بحركة الاستشراق أو الموّلد لها.

(43)

ومصطلح التنصير يطلقه الباحثون المسلمون على الحركة التي يقوم بها النصارى تجاه الآخرين وبالأخصّ المسلمين، بينما هم أنفسهم يُسمّونه «التَّبشِير»، والتَّبشِير مأخوذ من البشارة؛ أي: «الإنجيل».

وما تقدّم يتبيّن أنّ الاستشراق لم يقم على أهداف نبيلة ونوايا حسنة منذ نشأته، إذ كانت دراسة المستشرقيـن للإسلام في معظمها، تهدف لأخذ المعلومات عنه لاستخدامها في القضاء عليه مـن جهة، ومـن جهة أخرى لحماية النصارى وحجب حقائق الإسلام عنهم، في الوقت الذي يقومـون فيـه باستغلال كل وسيلة للتنصير بين المسلمين، ومع ذلك فقد انتشرت المفاهيم الصحيحة عن الإسلام في المجتمعات الأوروبية، فلجأ المنصّرون إلى تكثيف الهجمة الاستشراقيّة، حيث تركزت على تشويه أحكام الإسلام، والافتراء عليه للحدّ مـن انتشاره في أوروبا، وإضعاف قيمته، وتصويره للرأي الأوروبيّ والأميركيّ بصورة مشوّهة بعيدة عن المستوى الحضاريّ، كما ركزت تلك الدراسات على ضرورة إحلال مفاهيم الصداقة بيـن الدول الغالبـة، والمغلوبـة، تحت اسم الحضارة، والإخاء الإنساني، ونحو ذلك من مسمّيات، لتفكيك عرى الوحدة الإسلاميّة [1].

وكتب القسّيس السابق والذي هداه الله للإسلام (إبراهيم خليل أحمد)[2] في كتابه (المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلاميّم)بيّنًا العلاقة بين التنصير والاستشراق على الشكل الآتي:

1- إنّ التبشير والاستشراق دعامتان من دعائم قيام الاستعمار في البلاد التي يغزونها ويمهّدونها لاستقبال المستعمرين.

2- الاستشراق والتبشير والاستعمار كلّهم يسيرون حسب خطّة مرسومة، الاستشراق مهمته اجتذاب الناس عن طريق العلم والتعليم، والتبشير مهمته

(44)

اجتذاب الناس عن طريق الدعوة المباشرة، وتحبيب النصرانية إلى القلوب بكل وسيلة يستطيعونها.

3- استطاع المبشّرون الأمريكيّون بحكم امتيازاتهم أن يتغلغلوا إلى كل مكان يريدونه في آسيا وأفريقيا.

4- استخدم المبشّرون عملاءهم في كل دولة؛ للقيام بمهمّتهم دون أن يثيروا أي مشكلة بحكم الانتماء الوطني  لأولئك العملاء.

5- استعان التبشير بالقوى العسكريّة الاستعماريّة لحمايته؛ كي يعملوا بهدوء واستقرار[1].

وفي ما يلي نحاول أن نبيّن العلاقة بين هاتين الظاهرتين (التنصير والاستشراق) أما العلاقة بين الاستشراق والاستعمار سنشرحها عندما نتكلّم عن الدافع الاستعماري للاستشراق:

أولًا: بداية حركة الاستشراق نصرانية:

طَلائِع المُستَشرِقين الأولى من النَّصارَى خرجَتْ من الكنائس والأديِرَة، بمناصب دينية[2]، والبداية (الرسمية) للاستشراق من «مجمع فيينا الكنسي» سنة 712هـ - 1312م، الذي أَوصَى بإنشاء عِدَّة كراسيِّ لِلُّغات، ومنها اللغة العربيّة[3].

وقـد قامت الكنيسة بدعم الاستشراق في أوّل نشأته، حيث كان رجال الكنيسة يشكّلون غالبيّة الطبقة المتعلّمة في أوروبا، التي تهتمّ بالجامعات، ومراكز العلم، ويؤكّد ذلك أن عشرين من أصل تسعة وعشرين من أوائل المستشرقين، كانوا من رجال الكنيسة. كما قام البابا ومن معه من رجال الدين النصراني بمساعدة المستشرقين، فعمل علـى إنشاء مطابـع عربيـّة، وتوفيـر مجموعـة لا بأس بها من الكتب الإسلاميّة العربيّة المتنوّعة[4].

(45)

إنّ جميع الباحثين يتّفقون أن بداية الاستشراق كانت من الكنيسة. فروّاد حركة الاستشراق كانوا رهبانًا وقساوسة ولم تكن أعمالهم العلميّة أبدًا بمعزل عن دورهم الكنسي، ومن هؤلاء مثلًا:

1- سلفستر الثاني الذي توفي سنة 1003م.

2- وبطرس، المحترم الذي توفي سنة 1156 م.

3- وبسكوال المتوفي 1300م.

4- ويوحنا الأشقوبي المتوفي 1456 م.

5- وأدوارد بوكوك المتوفى 1691م. وغيرهم.

ويفرد نجيب العقيقي[1] فصلًا كاملًا عن المستشرقين الرهبان؛ وهم على النحو الآتي:

-الرهبان البندكتيون. -الرهبان الكرمليون. -الرهبان اليسوعيون. -الرهبان الفرنسيسكان.

-الرهبان الدمنيكيون. -الرهبان الكيوشيون. -الرهبان البيض.

وقد أوصل عدد المستشرقين الرهبان إلى مائة واثنين وثلاثين (132م)ستشرقًا راهبًا. أما الفصل الخامس عشر من الجزء الأول من الكتاب فقد خصّصه العقيقي للمستشرقين اللبنانيين، وركّز فيه على المذهب الماروني، وأوصل عدد مستشرقيها إلى ثمانية وثلاثين مستشرقًا مارونيًّا وعدّ نفسه آخرهم.

ثانيًا- وحدة الأهداف بين الاستشراق والتنصير:

والناظر إلى أهداف التنصير والاستشراق، يجدها واحدة مع اختلاف الأساليب:

أ. المبشّرون والمنصّرون، يخاطبون عوامّ الناس، ويجذبوهم إلى العقائد المسيحيّة من خلال تقديم المساعدات الإنسانيّـة للفقـراء، والخدمات العلاجيّة للمرضى، كما أن

(46)

للحركات التبشيريّة مؤسّسات تعليميّة بدءًا بدور الحضانة، ورياض الأطفال، مرورًا بالمراحل الابتدائية، والثانويّة، ووصولًا إلى الجامعة. أما المستشرقون فيخاطبون طبقة خاصّة من المجتمع وهي الطبقة المثقّفة، وذلك من خلال استخدام الكتاب والمقال في المجالات العلميّة، والبحثيّة، والأكاديميّة الجامعيّة، وغير ذلك.

ب. المبشرّون أو المنصّرون يمارسون الدعوى للأفكارهم بشكل مباشر وبين الناس أي من خلال الاحتكاك المباشر مع الشريحة المستهدفة. أمـا المستشرقون فعلاقتهم بالمكتبات والكتب فهم يبحـثون وينقّبون في بطونها عن تراث المسلمين لدراسة مفاهيمهم وقيمهم، ويكتبون ما يتوصّلون إليه من نتائج بحثيّة في كتب وبحوث ومقالات ومحاضرات، ويُنشر إنتاجهم من دون أن يكون لهم علاقة واحتكاك مباشر بمن كتبوا لهم.

ج. المنصّر يخفي دعوته إلى التنصير ويعمل بطريقة خفيّة وذكيّة، هو لا يخفي هويّته الدينيّة  ولكنّه يخفي دعوته لكي لا يؤدّي ذلك إلى تنفير الناس من جهة، وانكشاف دعوته الحقيقيّة من جهة أخرى. بخلاف المستشرق فهـو ينشر كتبه ودراساته ويبثّ أفكاره من خلال المحاضرات والندوات والمؤتمرات، ويتظاهر باتبـاع المنهـج العلميّ الموضوعيّ المتجرّد، للوصول إلى أهدافه الحقيقيّة[1].

فالعلاقة بين التنصير والاستشراق قويّة، والارتباط بينهما وثيق، وما يؤكّد ذلك:

    • الأعمال التـي يقوم بها المنصّرون في المناطق المستهدفة، مبنية على دراسات استشراقيّة خاصة بتلك المنطقـة، تظهـر ما خفي من أسرارها، وهكذا فإنّ قوّة التنصير مستمدّة من أعمال المستشرقين ودراساتهم.

    • يزوّد كلّ منصّر بما يحتاج إليه من مؤلّفات المستشرقين، عندما يعمل في الدول الإسلاميّة، كمـا يشترط عليـه إتمـام دراسة ما كتبـه أشدّ المستشرقين حقدًا على الإسلام والمسلمين.

(47)

    • الكثير مـن البارزين في عالم الاستشراق، بدؤوا حياتهم العلميّة بدراسة علم اللاهوت النصراني، قبل التوجّه للدراسات الاستشراقيّة، والتفرّغ لها.[1]

    • المؤسّسات الثقافيّة الاستشراقيّةكانت في معظمها مؤسّسات كنسيّة ومن ذلك مثلًا:

        أ. معهد تعليم اللغات الشرقيّة في فرنسا أنشأه البابا هونوريوس الرابع سنة 1285 م.

        ب. السوربون بدأت بهبة من الأب روبردي سوربون كاهن القديس لويى، ثم جدّد الكردينال رشيليو بناءها 1626م. مراكز اللغات الشرقيّة في روما نشأت بتكليف من مجمع نشر الإيمان الرهبنات.

    معظم إنتاج المستشرقين تركّز حول أساسيّات العقيدة الإسلاميّة، القرآن، والرسول، الفقه، وغير ذلك.

    الارتباط الواضح والمستمرّ بين الهيئات الاستشراقيّة والإرساليات التنصيريّة التي استفادت كثيرًا من الاستشراق الذي يعدّ الهيئة الاستشاريّة للتنصير، ومن أمثال هؤلاء المستشرقين الذين عملوا مع الدوائر التنصيريّة نذكر جيوم وكتابه (الإسلام) وسميث وكتابه (الإسلام في التاريخ الحديث)، وأندرسون وكتابه (تاريخ الأديان)، ولامانس ودراساته: (الحكام الثلاثة أبو بكر وعمر وأبو عبيدة) و(محمد) وغير ذلك من المؤلّفات[2].

وبالنتيجة: إنّ تاريخ التنصير مرتبط ارتباطًا وثيقًا بتاريخ الاستشراق وهما لا ينفصلان عن تاريخ الاستعمار السياسي والفكريّ والأخلاقيّ، وأنّ  كلّ ذلك نتيجة طبيعيّة لتعاليم الكنيسة الغربيّة بأنّ ما لديها هو أسمى وأصدق وأوثق ممّا لدى الكنيسة الشرقيّة الأرثوذكسيّة وغيرها [3].

(48)

 

 

 

 

 

 

المبحث الرابع

أهداف الحركة الاستشراقيّة ودوافعها

 

 

(49)
(50)

لا شكّ أن الغرب لم يتحرّك لدراسة الإسلام والشرق بشكل عام من دون فلسفة تحكم هذا التحرك، وأهداف محدّدة، وإنْ كان هذا لا يلغي الجهود الفرديّة لبعض المستشرقين، وهذا يحتّم علينا أن نتعرّف على المبادئ والفلسفات التي تحكم العقليّة الغربيّة، والتعرّف على أهدافهم، ودوافعهم.

وبعض الباحثين يُفرط في الثناء على المستشرقين ويعتبر أن الدافع الأساس وراء البحث والدراسة عند هؤلاء هو العلم والمعرفة، ولا توجد أهداف أو دوافع أخرى وإن وجدت فهي فرديّة أو قليلة قياسًا للهدف العلميّ، وبعض الباحثين يذمّ وينتقد كل ما يمّت إلى الدراسات الاستشراقيّة بصلة ويجرّم كل أعمال المستشرقين، وفي الحقيقة البحث العلمي يقتضي عدم النظرة التفريطيّة أو الإفراطيّة للدراسات الاستشراقيّة، ونحن إذ نؤمن بهذه المنهجيّة العلميّة، وبعدم التحامُل المُسبق على أيّ دراسة.

ولكن من خلال قراءة أعمال أهم المستشرقين ودراستها فإنّنا نجد أن الدافع العلمي أو الهدف النبيّل يبدو ضئيلًا جدًا، بل نجد عكس ذلك تمامًا، كما سيتضح هذا من خلال القراءة النقديّة والتقويميّة لإنتاج المستشرقين وأعمالهم المختلفة، وهذا ما سيتبيّن معنا في طيات هذه الأبحاث المتعلّقة بالقرآن الكريم وعلومه. ونذكر هنا أهمّ هذه الدوافع والأهداف لتتجلّى لنا بشكل واضح معالم الحركة الاستشراقيّة، وهي الآتية:

المطلب الأوّل: الدافع الدينيّ:

لا نحتاج إلى استنتاج وجُهدٍ في البحث لنتعرَّف إلى الدافع الأول للاستشراق عند الغربيّين وهو الدافع الديني، فقد بدأ بالرّهبان، ومن أشهر الرُّهبان الذين اهتموا بالدراسات العربيّة والإسلاميّة الراهب أدلارد أوف باث (1070 - 1135)، وكذلك الراهب الشهير بطرس المبجل. وهذان الراهبان وغيرهما قاموا بتشويه الإسلام، وسيأتي بيان ذلك عند تقويم أعمالهم ومن أهمّها ترجمة هؤلاء للقرآن الكريم.

وذهَب رودي بارت Rudi Paret إلى أن ّالهدف الرئيس من أعمال المستشرقين

(51)

وجهودهم في بدايات الاستشراق في القرن الثاني عشر الميلادي وفي القرون التي تلت ذلك: هو التبشير  heraldin، وعرَّفه بأنّه: «إقناع المسلمين بلغتهم ببُطلان الإسلام، واجتذابهم إلى الدين المسيحيّ، ...»[1].

وقد أطلق محمد حسين الصغير على الدافع الديني اسم الدوافع التبشيرّية[2] وهذا يدلل على حجم التبشير في الحركة الاستشراقيّة وأنّ هذه الحركة تتّفق في أغلبها على تقديم صورة مشوّهة عن الإسلام والقرآن الكريم.

ويمكن إبراز هذا الدافع الديني في أمور ثلاثة وهي:

أولًا: دراسة الإسلام بأنّه دين معادٍ للمسيحية:

وقد أوضح المستشرق «رودي بارت» هذا الأمر بشكل واضح إذ قال: «حقيقة أن العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتّصلون بالمصادر الأولى في تعرّفهم على الإسلام، وكانوا يتّصلون بها على نطاق واسع، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعًا ما كانت تصطدم بحكم سابق؛ يتمثّل في أن هذا الدين المعادي للنصرانية لا يمكن أن يكون فيه خير، هكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلا لتلك المعلومات التي تتّفق مع هذا الرأي المتّخذ من قبل، وكانوا يتلقون بنهَمٍ كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبيّ العربيّ وإلى دين الإسلام»[3].

ثانيًا: دراسة الإسلام بتأثير حركات الإصلاح الديني الكنسي:

أثّرت «حركة الإصلاح الديني المسيحيّ» المعروفة بالحركة «اللوثرية» التي ولدّت المذهب البروتستانتي، بشكل واضح على مسار الدافع الديني للاستشراق.

وقد كان لهذه الحركة أثر في دراسة الإسلام في جانبين:

(52)

الجانب الأوّل: دراسة اللغة العربيّة؛ بوصفها جسر عبور للغة العبريّة:

ذلك أنّه «عندما قامت حركة «لوثر» (1483 - 1546م) بالثورة على الفاتيكان، بدأ بالدعوة إلى دراسة التوراة في لغتها الأولى، وهي العبريّة، ولما كانت العلاقة بين العبريّة وبين العربيّة وثيقة، وكانت العبريّة تائهة المعالم، وغير مضبوطة، فإنّ الاعتماد على اللغة العربيّة في التعرّف على الكلمات العبريّةكان أمرًا ضروريًا»[1].

«ومن هنا اتجهوا إلى دراسة العبرانية، وهذه أدّت بهم إلى دراسة العربيّة فالإسلاميّة، لأنّ الأخيرة كانت ضروريّة لفهم الأولى، خاصة ما كان منها متعلّقًا بالجانب اللغوي، وبمرور الزمن اتسع نطاق الدراسات الشرقيّة حتى شملت أديانًا ولغاتٍ وثقافات غير إسلاميّة وغير عربيّة[2]».

من مَقاصِد الاستشراق الرَّئِيسَة التعرُّف على مَصادِر النصرانية من اللغة العبريّة، خاصَّةً بعد انتِشار حركة الإصلاح الكلونية في الكنائس، وقد ساقَتْهم دراسة اللغة العبريّة إلى تعلُّم اللغة العربيّة، وتعلُّم اللغة العربيّة قادَ إلى الاستشراق، فاللغة العربيّة هي لغة دين وثقافة وفكر جاء ليَحِلَّ محلَّ الدين النصراني والثقافة والفكر المُنبَثِقَيْن عن الدين النصراني، فأَوجَد هذا نزعة التعصُّب والعداء التي قادَتْ إلى استِخدام اللغة العربيّة والعبريّة في هذا المنحى «الاستشراقي الذي اتَّجه إلى الإسلام والعربيّة، وقد قيل: إنّك لا تَكاد تجد مُستَشرِقًا إلا أجاد اللغة العبريّة والعربيّة معًا[3]».

الجانب الثاني: دراسة الإسلام بقصد عرض نقائصه «المزعومة» لإشغال جموع النصارى بها عن الإصغاء لزعماء حركات الإصلاح في نقد رجال الكنيسة وكشف مشاكلهم الفكريّة والعقديّة والروحيّة وغير ذلك. وسيأتي في طيّات الأبحاث القرآنية ما يؤكّد هذا التوجّه عند هؤلاء المستشرقين.

(53)

ثالثًا: دراسة الإسلام بهدف تنصير المسلمين:

يتمثّل هذا الدافع الديني بمجموعة من العوامل ساهمت في ظهور حركة الاستشراق وتطوّرها ومن تحليل هذه العوامل نستطيع أن نفهم من خلالها أن أهمّ دافع لدراسة الإسلام هو تنصير المسلمين، أو لا أقلّ تشكيكهم بدينهم، كما تقدّم.

ومن هنا يعتبر أهمّ أهداف الدراسات الاستشراقيّة كانت في المرتبة الأولى التشكيك بالإسلام، ما يمهّد لدخول المسلمين إلى المسيحيّة؛ وهو ما نقصده «بتنصير المسلمين». ولتحقيق هذا الهدف قام المستشرقون بالخطوات الآتية:

1. التشكيك في رسالة النبيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله.

2. التشكيك في مصدر  القرآن الكريم وصحته.

3. التشكيك في الدين الإسلاميّ نفسه: فهم يقولون: إن الدين الإسلاميّ ليس دينًا منزلًا من عند الله، بل هو دين مستمد من الديانتين اليهوديّة والمسيحيّة.

4. التشكيك في صحّة الحديث النبويّ والذي هو المصدر الثاني من مصادر التشريع. ويبرز هذا الأمر من خلال تركيزهم على بعض الأحاديث الموضوعة والمحرّفة التي دخلث إلى تراثنا الحديثي، متجاهلين جهود العلماء المسلمين في تنقية الحديث الصحيح وتمييزه من غيره، واعتمادهم على قواعد ومناهج دقيقة لهذا العرض عرفت باسم الجرح والتعديل أو علم الرجال بالإضافة إلى باقي علوم الحديث.

5. التشكيك في معظم جوانب التراث الإسلاميّ العلمي والحضاري، فهم يزعمون أن الفقه الإسلاميّ قد استمدّ من الفقه الروماني، وغير ذلك من ترّهات حاولوا إلصاقها بالإسلام.

وهناك وثائق كثيرة تؤكد أنّ هذا الهدف كان من أهمّ أهداف الدراسات الاستشراقيّة نكتفي بذكر واحدة؛ منها:

(54)

«جاء في تقرير المراجع الأكاديميّة المسؤولة في جامعة كمبردج بالنسبة لإنشاء كرسيّ اللغة العربيّة فيها، في خطاب مؤرّخ في 9 من مايو 1636م إلى مؤسّسي هذا الكرسي:

ونحن ندرك أنّنا لا نهدف من هذا العمل إلا الاقتراب من الأدب الجيّد بتعريض جانب كبير من المعرفة للنور بدلًا من احتباسه في نطاق هذه اللغة التي نسعى لتعلّمها، ولكنّنا نهدف أيضًا إلى تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة عن طريق تجارتنا مع الأقطار الشرقيّة، وإلى تمجيد الله بتوسيع حدود الكنيسة، والدعوة إلى الديانة المسيحيّة بين هؤلاء الذين يعيشون الآن في الظلمات»[1].

المطلب الثاني: الدافع العلمي:

 الهدف العلميّ للاستشراق، هو أحد الدوافع التي دفعت بعض المستشرقين إلى دراسة علوم الشرق. ولكن للأسف هذا الصنف عدده قليل جدًا إذا قيس بأعداد المستشرقين الآخرين، وهذا النوع من المستشرقين يتميّز بالروح العلميّة النزيهة، غير أن هناك أمور يشترك فيه جميع المستشرقين بما فيهم هذا النمط الأخير، فهم جميعًا قد يقعون في أخطاء علميّة بسبب جهلهم بأساليب اللغة العربيّة وطرائق التعبير فيها، ويرتّبون على فههم الخاطئ نتائج وأحكامًا خاطئة تبتعد بهم كثيرًا عن منطق الصواب والإنصاف، وقد يكون الفارق بين هذا النمط الأخير وغيرهم هو توفّر حسن النية عند النمط الأخير الذي تميز بالإنصاف والنزاهة وتوفّر سوء القصد وعدم النزاهة عند غيرهم.

فأصحاب الهدف العلمي منهم أقبلوا على الاستشراق بدافع من حبّ الاطلاع على حضارات الأمم وأديانها وثقافاتها ولغاتها، وهؤلاء كانوا أقل من غيرهم خطأً في فهم الإسلام وتراثه؛ لأنّهم لم يكونوا يتعمَّدون الدَسَّ والتحريف، فجاءت

(55)

أبحاثهم أقرب إلى الحقّ وإلى المنهج العملي السليم من أبحاث الجمهرة الغالبة من المُسْتَشْرِقِينَ. ومن خلال معرفتنا لهذا الدافع نستطيع معرفة الهدف الغائي المرتبط به؛ فهدف هذا الدافع: إشباع نهم علميّ متجرّد، وتحصيل معرفة صحيحة تتّصل بأمّة ذات علم، وحضارة أصيلة[1].

إنّ الدراسات الاستشراقيّة كثيرة جدًا فلقد بلغ ما ألّفوه عن الشرق في قرن ونصف قرن (منذ أوائل القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين) ستين ألف كتاب[2]. وبعض هذه الكتب والدراسات ألّفت بداعي البحث مع قلّتها نذكر منها الآتي:

تاريخ الأدب العربي: كارل بروكلمان ت 1956م.[3]

المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف لفنسنك، مرتّبًا على الحروف الأبجدية (ليدن 1927م)، والذي يشمل الكتب الستة المشهورة بالإضافة إلى مسند الدارمي وموطأ مالك ومسند أحمد بن حنبل وقد وضع في سبعة مجلدات نشرت ابتداءً من عام 1936م.

مفتاح كنوز السنة لفنسنك، وقد قام بنشره بالعربيّة محمد فؤاد عبد الباقي[4].

بالإضافة إلى الكتب التي كتبت حول معاجم  القرآن الكريم وغير ذلك.

كما كانت لهم جهود في كشف المخطوطات وحفظها، وفهرستها، والعناية بها، ويوجد في مكتبات أوروبا عشرات الآلاف من المخطوطات الإسلاميّة. وفي مكتبة

(56)

باريس الوطنية وحدها سبعة آلاف مخطوطة عربيّة بينها نفائس علمية وأدبية وتاريخية ونوادر قلما توجد في غيرها.

المطلب الثالث: الدافع السياسي والاستعماري:

عندما ندرس بدايات حركة الاستشراق لا نرى أيّ ترابط واضح بين الاستشراق والحركة الاستعماريّة، بل بداية حركة الاستشراق ودوافعه كما تقدّم كانت دينية وعلميّة، بغضّ النظر عن عدم الموضوعيّة في كثير من هذه الدراسات الاستشراقيّة.

ولكن بعد أن اجتاح الفكر الاستعماريّ الأوروبيّ العالم الشرقيّ واستعمرت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وغيرهم من الدول الغربيّة العالم الشرقي والإسلاميّ، احتاجت هذه الدول الغربيّة دراسة واقع الدول الشرقيّة التي استعمرتها فوجدت في الحركة الاستشراقيّة ضالتها المنشودة التي تساعدهم على تحقيق أهدافهم الاستعمارية، فاستعانت بهم في هذا المجال، والمستشرقون قدّموا دراساتهم في هذا المجال، ومن هنا تحقّق التلاقي بين الاستعمار والاستشراق، ودخلت الحركة الاستشراقيّة في مرحلة جديدة وهي المرحلة الاستعماريّة.

يقول نجيب العقيقي: «فلما أرادت معظم دول الغرب عقد الصلات السياسيّة بدول الشرق والاغتراف من تراثه، والانتفاع بثرائه، والتزاحم على استعماره، أحسنت كل دولة إلى مستشرقيها فضمّهم ملوكها إلى حاشياتهم أمناء أسرار وتراجمة، وانتدبوهم للعمل في سلكي الجيش والدبلوماسيّة إلى بلدان الشرق، وولّوهم كراسيّ اللغات الشرقيّة في كبرى الجامعات والمدارس الخاصة، والمكتبات العامة، والمطابع الوطنية، وأجزلوا عطاءهم في الحلّ والترحال، ومنحوهم ألقاب الشرف وعضويّة المجامع العلميّة[1]».

هكذا اشتغل فريقٌ من المفكّرين بمجال الاستشراق مدفوعين من قبل حكوماتهم

(57)

التي دعتهم إلى مساعدتها على استعمار الشرق، فكانوا عونًا لها مخلصين في تقديم المعلومات التي احتاجت إليها وهي في طريقها إلى اجتياح الشرق، معلنةً الهيمنة عليه لفترةٍ من الزمن تعين على امتصاص خيراته، وعلى إيجاد البديل عند الخروج، وعلى إضعاف مكامن الخطر بالنسبة لهم[1].

فالمستشرقون كان دورهم نقل وتوصيل المعلومات عن العالم الإسلاميّ؛ مثل: جغرافيّته ومكامن قوّته ونقاط ضعفه وعن شعوبه، وأديانه، ولغاته،...

ولقد انبثق الدافع الاستعماري للاستشراق من رحم الحروب الصليبية، فعندما انتهت الحروب الصليبيّة بهزيمة الصليبيين وفشلهم، -وهي في الحقيقة حروب استعمارية دينية- لم ييأس الغربيون من العودة إلى احتلال بلاد الإسلام والعرب. فاتجهوا إلى دراسة هذه البلاد، وجندوا لها علماء بارزين يبحثون عن كل شؤون من عقيدة وتقاليد وعادات وأخلاق وثروات وغيرها، ليتعرفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها، وإلى مواطن الضعف فيستغلوها.

أما الدافع السياسيّ فمن الواضح أن الاستعمار المباشر للبلدان -طبعًا باستثناء فلسطين المحتلّة- قد انتهى. وأمّا الدافع السياسي فما زال قائمًا. فنرى الآن في كل سفارة من سفارات الدول الغربيّة في بلادنا العربيّة والإسلاميّة ملحقًا ثقافيًا يحسن اللغة العربيّة ليتمكن من الاتصال برجال الفكر والصحافة والسياسة، فيتعرّف أفكارهم، ويبثّ فيهم من الاتجاهات السياسيّة ما تريده دولته.

وهذا الدافع برز مع بداية استقلال البلدان الإسلاميّة عن الاستعمار الغربي، «فاقتضى التفكير الاستعماري أن يكون في قنصليّات الدول الغربيّة وسفاراتها رجال لهم باع طويل في ميدان الدارسات الاستشراقيّة لكي يتحمّل هؤلاء مهمّة الاتصال برجال الفكر والثقافة للامتزاج بهم وبثّ الاتجاهات السياسيّة المختلفة بينهم، حتى يكونوا أداة منفّذة لكل مخطّطات الاستعمار وأساليبه»[2]، فكان لهذا الاتصال

(58)

أثر خطير جدًّا ومن خلال السفراء الغربيّين ليبثّوا الدسائس والتفرقة بين الدول العربيّة الإسلاميّة بحجّة النصائح والمعونة والمساعدة، فهم لا يزالون يسعون إلى إضعاف تماسك المسلمين[1].

ويمكن تلخيص هذه المهمّات السياسيّة التي كانت تقوم بها ما يسمّى بالبعثات الدبلومسيّة والسفارات الأجنبيّة بالآتي:

1- الاتصال بالسياسيين والتفاوض معهم لمعرفة آرائهم واتجاهاتهم.

2- الاتصال برجال الفكر والصحافة للتعرّف على أفكارهم وواقع بلادهم.

4- بثّ الاتجاهات السياسية التي تريدها دولهم، فيمن يريدون بثّها فيهم، وإقناعهم بها.

5- الاتصال بعملائهم وأجرائهم الذين يخدمون أغراضهم السياسيّة داخل شعوب الأمّة الإسلاميّة، إلى غير ذلك من الأعمال[2].

ويمكن أن نلحق بالدوافع السياسية، الدافع الاقتصادي، فالاقتصاد، والمصالح التجارية والنزوع نحو استغلال الشعوب الضعيفة، لا تنسلخ عن السياسة والخطط السياسية.

- المطلب الرابع: الدافع الاقتصادي:

من بين دوافع الاستشراق كان هناك الدافع الاقتصاديّ، حيث رغبت الدول الأوروبيّة في تنشيط تجارتها مع دول الشرق الإسلاميّ، وتسويق منتجاتها، والبحث عن مواد خام لصناعاتها، فلزم الأمر القيام بالتعرّف على الشرق وطبيعته وجغرافيّة بلاده، وعادات شعوبه ومعتقداتهم، وتوظيف هذه المعرفة بالشرق في ما يخدم الهدف الاقتصادي.

(59)

وقد سبقت الإشارة إلى ما جاء في تقرير المراجع الأكاديميّة المسؤولة في جامعة كمبردج بشأن كرسيّ اللغة العربيّة فيها،

إنّ البعد الاقتصادي يكمن في «تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة عن طريق تجارتنا مع الأقطار الشرقيّة».

المطلب الخامس: تغريب الفكر الإسلاميّ[1]:

ومن خلال ما تقدّم تبين أن هناك دوافع دينية، وسياسيّة، واقتصادية، وغير ذلك، دفعت المستشرقين لدراسة الشرق وبالأخص الديانة الإسلاميّة، وفي كل هذه الأعمال والدراسات قد نلحظ هدفًا عامًا ركّزت عليه هذه الدراسات سواء بطريقة مباشرة أم لا؛ وهو «تغريب الفكر الإسلاميّ» وبالأحرى تغريب الإسلام. فما المراد بالتغريب؟

يعتبر «تغريب الفكر الإسلاميّ» من الأهداف الرئيسة لأغلب الدراسات الاستشراقيّة، يُطلق «التغريب»، في الاصطلاح الثقافي والفكري المعاصر، غالبًا على «حالات التعلّق والانبهار والإعجاب والتقليد والمحاكاة للثقافة الغربيّة والأخْذ بالقيم والنُّظم وأساليب الحياة الغربيّة؛ بحيث يصبح الفرد أو الجماعة أو المجتمع المسلم الذي له هذا الموقفُ أو الاتجاه غريبًا في مُيوله وعواطفه وعاداته وأساليب حياته وذوقه العام وتوجهاته في الحياة، يَنظر إلى الثقافة الغربيّة وما تشتمل عليه من قِيم ونُظم ونظريات وأساليب حياة نظرةَ إعجابٍ وإكبار، ويرى في الأخذ بها الطريقة المُثلى لتقدُّم جماعته أو أمّته الإسلاميّة[2].

وهذا المعنى قريبٌ من دلالة الفعل «غَرَّب» (To Westernize) في الإنجليزية؛ إذ يعرِّف معجم «أوكسفـورد» هذا الفعل على النحو الآتي: «To Make an eastern country, person, etc more like one in the west, esp in ways of living

(60)

and thinking,.institutions, etc» [1]؛ أي جعْل الشرق تابعًا للغرب في الثقافة وأساليب العيش وطرق التفكير… وفي الفرنسية، يعني التغريب الشيء نفسَه.

ويتّخذ التغريب أشكالًا مختلفة، لعلّ أخْطرها «التغـريب الثقافي»؛ لأنّه إبْدال ثقافي يتغيّى إحْلال ثقافة أجنبيّة محلَّ الثقافة المحليّة الأصليّة، مع ما يرافق ذلك من مظاهر التبدُّل والتغيـير.

وعندما يتحدّث الباحثون والمفكّرون المسلمون عن التغريب؛ فإنّهم يشيرون إلى واقع يومي مَعيش مشاهَد في الحياة المادية والاجتماعية والنفسية والثقافية والحضارية؛ واقعٍ صنَعَته ظروفٌ تاريخية عصيبة، وتضافرت على نسْج خُيوطه عواملُ كثيرة. وبالنظر إلى عُمق ظاهرة التغريب في حياتنا الثقافية المعاصرة، فإننا نرى هؤلاء الباحثين يستعملون عددًا من المصطلحات للدلالة عليه؛ نحو الاغتراب الثقافي، والإلحاق الثقافي، والاسْـتِلاب الثقافي، والمسْـخ، … ومن المؤكَّد أن مصطلح «التغريب»، بدلالته المعاصرة المعروفة، من نتاج الفكر الغربي، ويرتبط بالحركة الإمبريالية الأوروبية التي انطلقت في القرن التاسع عشر. يقول محمد مصطفى هدارة: أن «اصطلاح «التغـريب» ليس من ابتكارنا في الشرق، ولكنه ظهر في المعجم السياسي الغربي باسم «Westernyation»، وكانوا يعنُون به نشْر الحضارة الغربيّة في البلاد الآسيوية والإفريقية الواقعة تحت سيطرتهم عن طريق إزالة القُوى المضادَّة التي تحفظ لهذه البلاد كِيانها وشخصيتها وعاداتها وتقاليدها، وأهمّها الدين واللغة، وفي زوال هذه القوى ضمان لاستمرار السيطرة الغربيّة السياسيّة والاقتصاديّة حتى بعد إعلان استقلال هذه البلاد وتحرُّرها من نير الاستعمار الغربي ظاهـريًا[2].

(61)
(62)

 

 

 

 

 

 

المبحث الخامس

آليّات الحركة الاستشراقيّة ووسائلها

 

 

(63)
(64)

«لم يترك المستشرقون مجالًا من مجالات الأنشطة المعرفيّة والتوجيهيّة العليا إلا تخصّصوا فيها، ومنها التعليم الجامعي، وإنشاء المؤسّسات العالميّة لتوجيه التعليم والتثقيف، وعقد المؤتمرات والندوات ولقاءات التحاور، وإصدار المجلات ونشر المقالات وجمع المخطوطات العربيّة، والتحقيق والنشر وتأليف الكتب، ودس السموم الفكريّة فيها بصورة خفيّة ومتدرّجة، وإنشاء الموسوعات العلميّة الإسلاميّة، والعناية العظمى لإفساد المرأة المسلمة وتزيين الكتابة باللغة العاميّة...»[1]. ونحاول  أن نذكر أهمّ هذه الآليّات والوسائل؛ وهي الآتية:

المطلب الأوّل: نشر الكتب والمجلات:

أولًا: الكتب:

اﻫــﺘﻢّ المستشرقون بتأليف الكتب ونشرها، وإﺻﺪار اﳌﻮسـﻮﻋﺎت واﳌﻌﺎﺟﻢ، وبشتى اللغات الأجنبيّة، ﺣﺘﻰ ﺻﺎر ﳍـﻢ إﻧﺘـﺎج ﺿـﺨﻢ، وسيل متدفّق من الكتب[2] يحمل أهمّ أفكارهم وآرائهم المختلفة، وكثيرٌ من هذه الكتب تُرجمت إلى اللغة العربيّة. وعلى مستوى المضمون لهذه الكتب اشتملت اﳊﺪﻳﺚ ﻋـﻦ ﺟﻮاﻧـﺐ اﻹسـﻼم اﳌﺨﺘﻠﻔـﺔ وﻧﻮاﺣﻴـﻪ اﳌﺘـﺸﻌّﺒﺔ، ﻓﺘﻨﺎوﻟـﺖ العقيدة والشريعة، واﻟﺴﻨّﺔ واﻟﺘﺎرﻳﺦ، والسيرة واﻟﻔﻘـﻪ، واﻟـﺪﻋﻮة اﻹسـﻼﻣﻴﺔ، واﻟﻠﻐـﺔ وغيرها ﻣﻦ ﺟﻮاﻧﺐ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ واﳌﻌﺎرف الإسلاميّة واشتملت هذه الكتب في أغلبها على تزوير للحقائق الثابتة في

(65)

الإسلام وعلى افتراءات على الإسلام والقرآن الكريم وهجوم مركز على شخصية نبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله  وبعض هذه الكتبات والمؤلفات اتّسمت بنوع من الخفاء والدهاء التي قد تجعل بعض السذج يقع في فخ هذه الدراسات وهي أشبه بدس السمّ بالعسل.

وقد تميّزت كتابات المستشرقين في العصور الوسطى أو بدايات الاستشراق بالتعصّب والحقد الشديد والكراهيّة للإسلام وإظهار هذه العواطف والاتجاهات بصراحة متناهية حتى ظهر منهم من كتب منتقدًا هذا الأسلوب ومن هؤلاء ما كتبه نورمان دانيال في كتابه (الإسلام والغرب) [1] وما كتبه ريشتارد سوذرن في كتابه (صورة الإسلام والمسلمين في كتابات العصور الوسطى).[2]

وظهرت في القرن العشرين كتابات عن الإسلام تظاهرت بأنّها تجاوزت التعصّب والحقد القديم ومنها ما كتبه توماس آرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام)[3] وقد يكون هذا الكتاب قدم بعض العبارات والجمل المادحة للإسلام والمسلمين كما ظهرت كتابات مونتغمري وات حول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله (محمد في مكة)[4] و(محمد في

(66)

المدينة) و(محمد رجل الدولة والسياسة) وغيرها من الكتب.

وقد أورد الأستاذ محمد البهيّ ﻗﺎﺋﻤﺔ ﺑـﺒﻌﺾ اﻟﻜﺘـﺐ الاستشراقيّة المتطرفة والمشوِّهة منها:

- ﺣﻴﺎة محمد: ﺗﺄﻟﻴﻒ سير وﻟﻴﺎم ﻣﻮﻳﺮ.

- اﻹسـﻼم: ﺗﺄﻟﻴﻒ أﻟﻔﺮد ﺟﻴﻮم.

- اﻹسـﻼم: ﺑﺎﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ، ﻣﻦ ﺗﺄﻟﻴﻒ ﻫﻨﺮي ﻻﻣﻨﺲ.

- ﺗﺎرﻳﺦ ﻣﺬاﻫﺐ اﻟﺘﻔﺴﲑ اﻹسـﻼﻣﻲ: ﻇﻬﺮ ﺑﺎﻷﳌﺎﻧﻴـﺔ، وﺗـُﺮﺟﻢ إﱃ العربيّة ﻣﻦ ﺗﺄﻟﻴﻒ ﺟﻮﻟﺪزيهر.

- ﻣﺼﺎدر ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﻘﺮآن: ﺑﺎﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳﺔ، ﺗﺄﻟﻴﻒ آرﺛﺮ ﺟﻴﻔﺮي ـ

- اﻟﺘﻄﻮرات اﳌﺒﻜّﺮة ﰲ اﻹسـﻼم: ﺑﺎﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳﺔ، ﺗﺄﻟﻴﻒ د.س ﻣﺮﺟﻠﻴﻮث.

- الحلاج اﻟﺼﻮﰲ اﻟﺸﻬﻴﺪ ﰲ اﻹسـﻼم: ﺑﺎﻟﻔﺮﻧـﺴﻴّﺔ، ﻣـﻦ ﺗﺄﻟﻴﻒ ﻟـﻮي ﻣﺎسـﻨﻴﻮن.

- اﻟﻴﻬﻮدﻳّﺔ ﰲ اﻹسـﻼم: ﺑﺎﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳﺔ، ﻣﻦ ﺗﺄﻟﻴﻒ إﺑﺮاﻫﺎم ﻛﺎسـﻦ. 

- ﻣﻘﺪّﻣﺔ اﻟﻘﺮآن: ﺑﺎﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳﺔ، ﻣﻦ ﺗﺄﻟﻴﻒ ﻛﻴﻨﻴﺚ ﻛﺮاج.  

- دراسـﺎت ﰲ ﺗﺎرﻳﺦ اﻟﺜﻘﺎﻓـﺔ اﻹسـﻼﻣﻴّﺔ: ﺑﺎﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳﺔ، من ﺗﺄﻟﻴﻒ ﻓﻮن ﺟﺮوﻧﻴﺒﺎوم.

 

(67)

ومن المؤلفات الخطيرة:

 كتاب ميزان الحق الدكتور فاندر المستشرق الأمريكي، والدكتور سنكلير تسدل.

 كتاب الهداية، ويقع في أربعة أجزاء، وهو هجوم مريع على الإسلام ونبي الإسلام.

 كتاب: مقالة في الإسلام، للدكتور المستشرق سال.

 كتاب: مصادر الإسلام، للدكتور سنكلير تسدل.

وهذه الكتب الأربعة الاستشراقيّة والتبشيرية، تعتبر من أخطر الكتب في حق الإسلام والقرآن ونبي الإسلام[1].

ولعل أخطر ما قام به المستشرقون حتى الآن هو إصدار «دائرة المعارف الإسلاميّة» بلغات عدّة[2].

ثانيًا: المجلات:

قد زاد عدد اﳌﺠﻼت واﻟﺪورﻳﺎت الشرقيّة ﻟﺪى المستشرقين على ثلاثمائة مجلّة ﻣﺘﻨﻮّﻋﺔ ﺧﺎﺻﺔ بالاستشراق، ﻣﺎ ﻋﺪا ﻣﺌﺎت ﺗﺘﻌﺮّض ﻟـﻪ ﰲ موضوعاتها اﻟﻌﺎﻣـﺔ؛ ﻛﻤﺠﻠﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮن اﳌﻘﺎرن وﳏﻔﻮﻇﺎت اﻟﺘـﺎرﻳﺦ، وﻣﺒﺎﺣـﺚ اﻟﻌﻠـﻮم اﻟﺪﻳﻨﻴّـﺔ، وغير ذلك.

وﻣﻦ هذه اﻟﺪورﻳﺎت:

«مجلة العالم الإسلامي» وهي مجلة تبشيريّة ﺗـﺼﺪر ﺑﺎﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳـﺔ ﰲ ﻫـﺎر ﺗـﺴﻮرد - ﺑﺄﻣﺮﻳﻜﺎ، وﺗﻮزع ﰲ ﲨﻴﻊ أﻧﺤﺎء اﻟﻌﺎﱂ. 

«مجلة العالم الإسلامي» وهي مجلة تبشيريّة ﺗـﺼﺪر ﰲ ﻓﺮﻧـﺴﺎ، وﺗﻮزع ﰲ ﲨﻴﻊ أﻧﺤﺎء اﻟﻌﺎﱂ. 

(68)

«مجلة جمعية اﻟﺪراسـﺎت الشرقيّة» -أﻧــﺸأﻫﺎ المستشرقون اﻷﻣﺮﻳﻜﻴــﻮن ﰲ ﺟﺎﻣﺒﲑ ﺑﻮﻻﻳﺔ أوﻫﺎﻳﻮ، وﻛﺎن ﳍﺎ ﺑﻌﺾ ﻓﺮوع ﰲ أوروﺑﺎ وﻛﻨﺪا.

«مجلة ﺷؤون الشرق اﻷوسـﻂ» ﺗـﺼﺪر ﺑﺎﻹﻧﺠﻠﻴﺰﻳـﺔ ﰲ أﻣﺮﻳﻜـﺎ، وﳛﺮرﻫـﺎ ﻋﺪد ﻣﻦ المستشرقين اﳌﻌﺎدﻳﻦ ﻟﻠﻌﺮب والمسلمين، واهتماهها ﻣﻮﺟـﻪ ﰲ اﻟﺪرﺟـﺔ اﻷوﱃ إﱃ اﳉﻮاﻧﺐ اﻟﺴﻴﺎسـﻴﺔ. وغير ذلك من المجلات والدوريات.

ثالثًا: دور النشر الاستشراقية:

هناك دور نشر كثيرة في الغرب تعنى بإعداد الكتب الاستشراقيّة والترويج لها وتوزيعها في الأماكن المختلفة من العالم، ومن أشهر دورُ النشر نذكر الآتي:

في باريس:

دار إرﻧﺴﺖ ﻟﺮو: ﻣﻌﺮوﻓﺔ بنشر اﳌﻄﺒﻮﻋﺎت الاستشراقيّة ﻣﻦ ﻛﺘﺐ وﳎـﻼت ونشرات، وﺑﺈﺻﺪار ﻓﻬﺮس ﻣﻔﺼﻞ دﻗﻴﻖ ﻛﻞ ﻋﺎم ﺑﻌﻨﻮان: مسرد ﻋﺎم.

دار ﻫﻨﺮي ﻓﻠﱰ: وﻓﻴﻬﺎ اﻟﻜﺜﲑ ﻣﻦ اﳌﺨﻄﻮﻃﺎت اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ والفارسية والتركية النفيسة.

دار ﻣﺰوﻧﻴﻒ: ﻣﻦ أﻛﱪ دور النشر الاستشراقيّةﰲ ﻓﺮﻧﺴﺎ وأوروﺑﺎ.

في إنجلترا:

دار ﺑﺮوﺑﺴﺘﺎﻳﻦ وشركاه ﰲ ﻟﻨﺪن، وتنشر ﻓﻬﺮسـًﺎ دورﻳًّﺎ ﺑﺎسـﻤﻪ.

دار ﻫﻴﻔﺮ وأوﻻده ﰲ ﻛﻤﱪﻳﺪج، وتنشر ﺑﻌﻨـﻮان اﳌﻜﺘﺒـﺔ اﻵسـﻴﻮﻳﺔ ﻓﻬـﺎرس دﻗﻴﻘﺔ ﻟﻠﻤﻄﺒﻮﻋﺎت الشرقيّة على اﺧﺘﻼف موضوعاتها.

دار ﺑﺮﻧـﺎرد ﻛــﻮارﻳﺘﺶ ﰲ ﻟﻨــﺪن، وتنشر ﻓﻬﺮسـًــﺎ دﻗﻴﻘًــﺎ ﻣــﺸﻬﻮرًا بعنوان: ﻓﻬﺮس اﳌﺆﻟﻔﺎت الشرقيّة.

(69)

في إسبانيا:

دار ﻣﺎﻳﺴﱰي ﰲ ﻣﺪرﻳﺪ.

في ألمانيا:

دار ﻫﺎراﺷﻮﻓﺘﺶ ﰲ ﻓﻴـﺴﺒﺎدن، وﳍـﺎ نشرة ﺷـﻬﺮﻳﺔ ﻟﻮﺻـﻒ ﻣـﺎ ﻳـﺼﺪر ﻣـﻦ اﻟﻜﺘﺐ ﰲ مصر وﻟﺒﻨﺎن وسـﻮرﻳﺎ واﳍﻨﺪ واﳌﻐﺮب الأقصى.

في هولندا: 

دار ﺑﺮﻳﻞ ﰲ ليدن

1. الجامعات والمؤتمرات:

أولًا: كرسي التدريس في الجامعة:

اسـﺘﺨﺪم المستشرقون اﻟﺘﺪرﻳﺲ ﰲ الجامعة لنشر أﻓﻜﺎرﻫﻢ وﺗﻮسـﻠﻮا ﺑـﺬﻟﻚ ﻟﺘﺤﻘﻴﻖ أﻏﺮاﺿـﻬﻢ وﺧﺎﺻـﺔ ﻣـﻦ ﺧـﻼل إﻧـﺸﺎء أﻗـﺴﺎم ﻟﻠﺪراسـﺎت اﻹسـﻼﻣﻴﺔ واﻟﻌﺮﺑﻴﺔ بالجامعات اﻟﻐﺮﺑﻴﺔ.

كثرة أقسام الاستشراق ومعاهده في جامعات الغرب:

وﻻ ﺗﻜﺎد ﲣﻠﻮ ﻋﺎﺻﻤﺔ ﻣﻦ ﻋﻮاﺻﻢ اﻟﻐﺮب اﻵن ﻣﻦ ﺟﺎﻣﻌـﺔ بها ﲣـﺼﺺ أو ﻗﺴﻢ ﺧﺎص للاستشراق.

وﻗﺪ ﺑﻠﻎ ﻋـﺪد هذه اﻷﻗـﺴﺎم  [اﻹسـﻼﻣﻴﺔ] ﰲ الجامعات اﻟﻐﺮﺑﻴـﺔ أﻛﺜـﺮ ﻣـﻦ سـﺘﲔ قسمًا ﰲ أﻛﺜـﺮ ﻣـﻦ ستين ﺟﺎﻣﻌـﺔ ﰲ اﻟﻐـﺮب، على رأس اﻷﻗـﺴﺎم أسـﺎﺗﺬة يهود، ومحاورهم اﻷﺻـﻠﻴﺔ ﺗـﺪور ـ ﰲ ﻛﻴﺎسـﺔ ـ ﺣـﻮل اﻟﺘـﺸﻜﻴﻚ ﰲ اﻟـﻮﺣﻲ، وﰲ السنة، وغير ذلك من الأسس والمعتقدات الإسلاميّة المسلمة بين المسلمين.

تضييق المجال على الباحثين المنصفين للإسلام في الجامعات الغربيّة:

وﻫﻨﺎك دﻻﺋﻞ على أن المستشرقين ﺣﺮﻳﺼﻮن ﻣﺎ وسِعهم الحِرصُ، على أن لا يُمكنَّوا

(70)

باحثًا إسلاميًا منصفًا ومتمكنًا من العلوم الإسلاميّة فلا يسمحون لطلاب كهؤلاء من قصد معاهدهم لانصاف الإسلام وبعبارة أخرى تقديم الإسلام كما هو في الواقع، لا كما يريد هؤلاء المستشرقون في معاهدهم وجامعاتهم وعلى ذلك شواهد كثيرة.

قيام المستشرقين بالتدريس في الجامعات الموجودة في البلاد العربيّةوالإسلاميّة:

لا يكتفي هؤلاء بتدريس الإسلام في دولهم الغربيّة، بل يأتون إلى بلادنا وعواصمنا ويدرسون الإسلام في جامعتنا، وخاصة الجامعات غير الحكومية لبلادهم كالجامعة الأمريكية في القاهرة، وفي بيروت.

وكنموذج على ذلك نذكر أنه في 1997-1998م أسندت الجامعة الأمريكية في القاهرة إلى أحد المستشرقين وهو الفرنسي دودييه تدريس مادة «تاريخ المجتمع العربي» وما كان من الأخير إلى أن أضاف إلى المقرر الدراسي كتاب «محمد» للمستشرق ماكسيم رودنسون، والكتاب يطفح بعبارات السوء والبهتان في حق نبي الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله[1].

ثانيا: المؤتمرات:

وﻗــﺪ ﻋﻘــﺪ المستشرقون ﻣﻨــﺬ ﻋﺎم 1873م إﱃ ﻋﺎم 1976م ثلاثين ﻣــﺆﲤﺮ دوﻟﻴًـﺎ، ﺑﺎﻹﺿﺎﻓﺔ إﱃ ﺑﻌﺾ اﳌﺆﲤﺮات اﻹﻗﻠﻴﻤﻴﺔ مثل مؤتمر المستشرقين اﻟﺴﻮﻓﻴﻴﺖ (ﻟﻴﻨﻨﺠﺮاد 1935-1937م) وﺣﻠﻘﺔ المستشرقين ﰲ ﺑﺮوﻛﺴﻞ، حيث نُشرت أﺑﺤﺎﺛﻬــﺎ ﰲ ﻛﺘـﺎب ﺑﻌﻨﻮان: ﺗﻄــﻮر اﻟﻌﻘﻴــﺪة اﻹسـﻼﻣﻴﺔ (باريس 1962م).

وﻳﻀﻢ المؤتمر ﻣﺌـﺎت العلماء ﻣـﻦ أﻋـﻼم المستشرقين وأﻗﻄـﺎب الوطنيين ﰲ اﻟﻐﺮب والشرق، ﻓﻘﺪ اﺷﱰك ﰲ مؤتمر أﻛﺴﻔﻮرد 900 عالم ﻋﻦ 25 دوﻟـﺔ، 85 ﺟﺎﻣﻌﺔ 69 جمعية ﻋﻠﻤﻴﺔ.

وﻳﻨﻘﺴﻤﻮن إﱃ أرﺑﻊ عشرة جماعة، ﺗﻨﻔﺮد ﻛﻞﱞ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻘﺴﻢ ﻣﻦ ﺟـﺪول الأعمال وﻫﻲ:

(71)

اﻟﺪراسـﺎت المصرية اﻟﻘﺪﻳﻤـﺔ، واﻟﺪراسـﺎت اﻵسيـﻮﻳّﺔ اﻟﺒﺎﺑﻠﻴـﺔ، وآﺛـﺎر الشرق اﻷدﻧﻰ، واﻟﻌﻬﺪ اﻟﻘﺪﻳﻢ، وآﺛﺎر اﻟﻜﺘﺎب اﳌﻘـﺪس، والشرق اﳌـﺴﻴﺤﻲ، وﺑﻴﺰﻧﻄـﺔ، واﻟﺪراسـﺎت اﻟﺴﺎﻣﻴﺔ، واﻟﺪراسـﺎت اﻹسـﻼﻣﻴﺔ (اﻟﻠﻐﺔ واﻷدب)، واﻟﺪراسـﺎت اﻹسـﻼﻣﻴﺔ (اﻟﺘـﺎرﻳﺦ اﻟﻔﻨـﻲ)، واﻟﺪراسـﺎت اﻟﱰﻛﻴـﺔ، واﻟﺪراسـﺎت اﳋﺎﺻﺔ ﺑﺈﻳﺮان واﻟﻘﻮﻗﺎز وﻣـﺎ جاورهما، واﻟﺪراسـﺎت الهندية، ودراسـﺎت آسـﻴﺎ اﻟﻮسـﻄﻰ، ودراسـﺎت آسـﻴﺎ الشرقيّة، ودراسـﺎت آسـﻴﺎ الشرقيّة الجنوبية، واﻟﺪراسـﺎت اﻷﻓﺮﻳﻘﻴﺔ[1].

وﻗﺪ أحصى اﻟﻌﻘﻴﻘﻲ ﻣﺆﲤﺮات المستشرقين اﻟﺜﻼﺛــﲔ اﻟﺪوﻟﻴﺔ من سنة 1873-1976م، ﻓﺬﻛﺮ ﻣﻜﺎن ﻛﻞ واﺣﺪ ﻣﻨﻬﺎ ﺗﺎرﻳﺦ اﻧﻌﻘﺎده، وحجم أعماله، ﻛﺄن ﺗﻜــﻮن مجلدين أو ﺛﻼﺛﺔ أو خمسة، وﻫﻜﺬا...كما أورد نماذج ﳑــﺎ ﺗﻨﺎوﻟﺘﻪ ﺑﺎﻟﺪراسـﺔ على ﺟﺪاول أعمالها.

ثالثًا: الاشتراك في المجاميع العلميّة الرسمية في العالم الإسلاميّ:

اسـﺘﻄﺎع المستشرقون أن ﻳﺘــﺴﻠﻠﻮا إﱃ ﺑﻌــﺾ اﳌﺠــﺎﻣﻊ اﻟﻌﻠﻤﻴــﺔ اﻟﺮسـﻤﻴﺔ ﰲ ﺑﻌﺾ اﻟﺒﻼد اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ واﻹسـﻼﻣﻴﺔ، ﻣﺜـﻞ مصر ودﻣـﺸﻖ وﺑﻐـﺪاد، وعملوا ﺟﺎﻫـﺪﻳﻦ على تحويل في أهداف هذه المجافل العلميّة من خلال ﻗﻴـﺎﻣﻬﻢ ﺑﺎﻟـﺪﻋﻮة إﱃ إﺣﻴـﺎء اﻟﻌﺎﻣﻴـﺎت، أو اﻟـﺪﻋﻮة إﱃ ﺗﻌـﺪﻳﻞ اﻟﻨﺤـﻮ اﻟﻌـﺮﰊ، أو اﻟﻠﻐـﺔ اﻟﻮسـﻄﻰ أو اﻟﻜﺘﺎﺑـﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴـﺔ المعاصرة، وﻛﻠﻬـﺎ ﳏـﺎوﻻت ﺗﺮﻣـﻲ إﱃ إﳚـﺎد ﻓﺠﻮة بين ﻟﻐﺔ القرآن وﻟﻐﺔ اﻟﻜﺘﺎﺑﺔ.

وﻣﻦ المستشرقين اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا أﻋﻀﺎء ﰲ اﳌﺠﻤﻊ اﻟﻠﻐﻮي بمصر؛ «ﺟـﺐ» و«ﻣﺮﺟﻠﻴﻮث» و«ﻧﻴﻜﻠﺴﻮن» وﺛﻼﺛﺘﻬﻢ ﻣﻦ إنجلترا و«ﻟـﻮي ﻣﺎسـﻨﻴﻮن» الفرنسي[2]. وﻣﻨﻬﻢ أﻳﻀﺎ: «أ.ج.ﻓﻴﻨﺴﻴﻨﻚ».

وﻣﻦ المستشرقين اﻟﺬﻳﻦ ﻛﺎﻧﻮا أﻋﻀﺎء ﰲ اﳌﺠﻤﻊ اﻟﻌﻠﻤﻲ ﺑﺪﻣﺸﻖ: «ﺟﺮﻳﻔﻨـﻲ»

(72)

اﻹﻳﻄﺎﱄ، و«جوتهيل» اﻟﻜﻮﻟﻮﻣﺒﻲ، و«ﺟﻮﻳﺪي» اﻹﻳﻄﺎﱄ، و«ﺟﻲ سـﻮ» الفرنسي و«ﻧﺎﻟﻴﻨﻮ» اﻹﻳﻄﺎﱄ، و«ﻫﺎرﲤﺎن» ألماني اﻷﺻـﻞ، و«م. هوتمان الهولندي»، وكذلك «مرجيلوث» و«ماسنيون».

ولا بد من الالتفات أنّ ﻫﺆﻻء المستشرقين ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳﺼﻠﻮا إﱃ درﺟﺔ إﺗﻘﺎن اﻟﻠﻐـﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴـﺔ، وﻓﻘﻪ اﻟﺒﻴـﺎن اﻟﻌﺮﰊ، وإدراك أسرار اﻟﺒﻼﻏﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴـﺔ، ﺑﺪرﺟﺔ ﺗــﺆﻫﻠﻬﻢ لأن يكونوا في مصافِّ علماء اﻟﻠﻐﺔ اﳌﻘﺘـﺪرﻳﻦ، بل هناك آراء طرحها هؤلاء تشير إلى جهلهم باللغة العربية.

رابعًا: استخدام تلاميذ المستشرقين والمبشِّرين من الوطنيين:

أن ﻣﻦ أﺧﻄﺮ اﻟﻮسـﺎﺋﻞ وأﺧﺒﺜﻬﺎ ﰲ نشر وإذاﻋﺔ اﻟﻔﻜـﺮ الاستشراقي اﳌﻌـﺎديِّ ﻟﻺسـﻼم؛ اسـﺘﺨﺪام ﺑﻌــﺾ أﺑﻨـﺎء اﻟﻌﺮب واﳌﺴﻠﻤﲔ ﻣــﻦ ﺗﻼﻣﻴــﺬ المستشرقين والمبشرين ﻟﻴﻘﻮﻣﻮا بهذه الوظيفة (نشر الفكر الاستشراقي) ﻧﻴﺎﺑـﺔ عن أساتذتهم، واﻟﱰوﻳﺞ ﻵراء المستشرقين والمبشرين ﻣـﻦ غير ﻧـﺴﺒﺘﻬﺎ إﻟـﻴﻬﻢ، بل على أنها ﻣــﻦ ﻧﺘــﺎج ﻗــﺮاﺋﺢ أوﻟﺌــﻚ اﻟﺘﻼﻣﻴــﺬ، وﺛﻤــﺮة اﺟﺘﻬــﺎدﻫﻢ وتفكيرهم، بينما ﻫـﻲ ﰲ واﻗـﻊ اﻷﻣـﺮ ﻻ ﺗﻌـﺪو أن ﺗﻜـﻮن ﺻـﺪى ﻵراء وسـﻤﻮم ﺧﺼﻮم اﻹسـﻼم. وبعبارة أخرى حرص هؤلاء على صناعة المفكِّر المستغرب من أبناء البلاد الإسلاميّة والعربية.

(73)
(74)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني:

الحركة الاستشراقيَّة

ـ مدارسها ومجالاتها ودوافعها في دراسة القرآن ـ

 

(75)
(76)

 

 

 

 

 

 

المبحث الأوّل

أبرز المدارس الاستشراقيَّة وأهمّ المستشرقين

(77)
(78)

اختصَّت كلّ مدرسة من مدارس الاستشراق الغربيّ بخصوصيَّاتها ومناهجها، وأخذت تتنافس في ميدان البحث والتحقيق. وهناك تقسيمات مختلفة لمدارس الاستشراق نشير إلى أهمّها، وهي:

أسس تقسيم المدارس الاستشراقيَّة:

التقسيم حسب الموضوع البحثيّ (نوعيَّة الموضوعات):

هناك تقسيمات عدَّة لمدارس الاستشراق؛ فبعضها انصبّ على طبيعة المجال البحثيّ للمستشرقين، أيْ من حيث نوعيّة الموضوعات التي اشتغلوا عليها، فقسَّم الدكتور حسين الهراوي -بناءً على ذلك- المدارس إلى  أقسام ثلاثة:

1- مدرسة تختصّ بمباحث القرآن الكريم.

2- مدرسة تتعلَّق بالنبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، أي المختصَّة بحياته وما جرى معه في سيرته، وأعماله، وحروبه وسياسته و….

3- مدرسة تختصّ بالتاريخ العربيّ والإسلامي،ّ أيْ المدرسة التي تُعنَى بتاريخ العرب قبل الإسلام وبعده، وباللغة العربيَّة، وبتاريخ الإسلام في عصر الصحابة، والعصر الأمويّ والعبَّاسيّ إلى يومنا هذا..

ومن الواضح أنّ َهذا التقسيم غير شامل؛ لأنَّ الاستشراق لا يهتمّ فقط بما يتعلّق بالإسلام ومصادره ونبيّه والتاريخ فقط[1]. بل هناك مجالات أخرى، بحثها بعمق علماء الاستشراق؛ كالفلسفة، واللغة، والأدب، والجغرافيا، والاقتصاد، وغيرها[2].

(79)

وقسَّم نجيب العقيقي الاستشراق إلى مدرستين، هما:

1. المدرسة السياسيَّة التي تبحث في الأدب بمفهومه العامّ.

 والأدب بهذا المفهوم يطال كلّ أنواع الفكر الإنسانيّ. وفي هذه المدرسة تندرج دراسات المستشرقين حول الدين، والتاريخ، واللغة، والعادات، والتقاليد للمجتمعات الإسلاميَّة، والشعوب المختلفة، و...

2. المدرسة الأثريَّة التي تهتمّ بالآثار[1].

ومن الواضح أنَّ هذا التقسيم واسع جدًا، ولا يمكنُّنا من تمييز المدارس وتصنيفها بشكلٍ دقيق.

التقسيم الغائيّ:

يعتمد هذا التقسيم على دراسة أهداف المستشرقين، ودوافعهم، وغاياتهم. وفي هذا السياق يمكن تقسيم مدارس الاستشراق على الشكل الآتي:

الاستشراق الدينيّ الأيديولوجيّ: وهو الاستشراق الذي كانت دوافعه دينيَّة، وهو ذاك الاستشراق الذي قادته المؤسَّسات الدينيَّة المسيحيَّة. وقد بيَّنَّا ذلك عند بحث العلاقة بين الاستشراق والتنصير.

الاستشراق الاستعماريّ: وهو الاستشراق الذي كان ينطلق من دافعٍ سياسيّ-عسكريّ-توسُّعيّ. وقد تقدَّم بيانه في الأبحاث السابقة.

الاستشراق العلميّ: وهو الاستشراق الذي لم يرَ في دراسة الشرق سوى مادَّة علميَّة، وقد بدأ شياع هذا النوع من الاستشراق، وهذا الجيل من المستشرقين بالأخصّ بعد الحرب العالميَّة الثانية وانهيار كلّ من الاستعمار الأجنبيّ المباشر وسلطة الكنيسة المطلقة.

(80)

التقسيم الجغرافيّ:

المنهج الجغرافيّ في تقسيم مدارس الاستشراق، وهو التقسيم الذي يعتمد على بلد المستشرق، فيقسِّم الاستشراق وفق الجغرافيا، إلى الاستشراق الفرنسيّ، والإنكليزيّ، والإيطاليّ، والألمانيّ، والروسيّ، وغيرهم.

ومن الواضح صعوبة تصنيف مدارس الاستشراق بالدقَّة؛ لأنَّنا نتكلَّم عن آلاف من المستشرقين، و«من المستحيل تصنيف هذا العدد الهائل من المستشرقين في مدارس ذات خصائص محدَّدة؛ حيث إنَّهم يمثِّلون جنسيَّاتٍ مختلفة، ويتكلَّمون لغاتٍ متعدِّدة، ويسيرون في اتِّجاهاتٍ متنوِّعة، وينطلقون من أهدافٍ متقاربة. ولا بدَّ لكلِّ من أراد الخوض في هذا الموضوع خاصَّة، وميدان الاستشراق عامَّة أن يلمّ بأطراف كلّ هذه الاختلافات، وهذا ما يبدو أمرًا مستحيلًا، ولكن مع استحالته هذه، فإنَّه من الممكن الالتجاء إلى التوزيع الجغرافيّ أساسًا للتصنيف، انطلاقًا من أنَّ البيئة بما لها من خصائص -إيجابيَّة كانت أو سلبيَّة- ذات أثرٍ كبيرٍ في تكوين شخصيَّة الكاتب وتوجيه أفكاره»[1].

المدارس الاستشراقيَّة:

سنعتمد التقسيم الجغرافيّ للمدارس الاستشراقيَّة، لا من باب أنَّه الأفضل من الناحية المنهجيَّة، بل هو الأسهل في اعتماده معيارًا للتقسيم؛ لأنَّه يجنِّبنا التداخل في الأقسام أو خروج بعض الأقسام، بخلاف ما لو اعتمدنا معايير أخرى في هذا المجال.

وأهمّ مدارس الاستشراق هي:

1- الاستشراق الإيطاليّ

2- الاستشراق الفرنسيّ

(81)

3- الاستشراق البريطانيّ

4- الاستشراق الألمانيّ

5- الاستشراق الإسبانيّ

6- الاستشراق الهولنديّ

7- الاستشراق الأمريكيّ

8- الاستشراق الروسيّ

وسنتعرَّض لكلِّ مدرسة من هذه المدارس بشكلٍ مختصر، مع الإشارة إلى أبرز أعلام هذه المدرسة.

 

المطلب الأوَّل: مدرسة الاستشراق الإيطاليّ:

إنَّ لتصدير البحث بالمدرسة الاستشراقيَّة الإيطاليَّة أسبابًا عدَّة، منها:

ـ إنّ إيطاليا مهد الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة في أوروبا؛ فقد كان البابوات هم الذين وجّهوا إلى دراسة اللغة العربيّة، ومن هنا صدر القرار البابويّ بإنشاء كراسٍ ستَّة لتعليم اللغة العربيَّة في باريس ونابولي وسالونيكا وغيرها كما تقدَّم، وقد تعاون مجموعة من نصارى الشام مع الكنيسة الكاثوليكيَّة لنشر الديانة الكاثوليكيّة في المشرق، وقد بدأ هذا التعاون باتِّحاد الكنيستَيْن المارونيَّة والكاثوليكيَّة عام 1575م، وقام المارونيُّون بترجمة العديد من كتب اللاهوت إلى اللغة العربيَّة.

ـ وبدأتِ الجامعات الإيطاليَّة تهتمُّ بالدراسات الإسلاميّة؛ فقامتْ جامعة بولونيا سنة 1076م بالاهتمام بالعلوم العربيَّة، وتلتْها جامعة نابولي عام 1224م، ثمَّ جامعات: مسينا، وروما، وفلورنسا، وبادوا، ثمَّ أخيرًا الجامعة الجريجوريَّة التي

(82)

اعتنتْ بصورة خاصَّة بالدراسات الإسلاميَّة[1]، ويبدو أنَّ أوَّل إيطاليّ تعلَّم اللغة العربيّة واعتنى بدراستها هو «جيراردودا كريمونا» (Gerardo da Cremona) (1114-1187م)، ومن الإيطاليِّين نجد -أيضًا- توما الإكويني (1225-1274م) الذي اهتمّ بالدراسات الفلسفيَّة، وخاصة الفلسفة العربيَّة؛ إذ قضى جلَّ حياته باحثًا فيها، وساهم في نشر الفلسفة الرشديَّة على الرغم من محاربته إيَّاها[2].

ـ إنَّ العلاقة بين إيطاليا والشرق قديمة جدًّا؛ وذلك نظرًا إلى قرب إيطاليا جغرافيًّا من بعض البلاد العربيَّة وإفريقيا، وعندما فتح العرب صقلية توطَّدت هذه الصلة بين إيطاليا والعالم الإسلاميّ ثقافيًّا، وخاصَّةً في عهد الملك «روجار الأوَّل» وحفيده «فريدريك الثاني»، حيث كان بلاطهما كعبةً للعلماء والمثقَّفين من البلاد الشرقيَّة كلّها، وكان لوجود الفاتيكان في إيطاليا أثرٌ كبيرٌ في توطيد الصلة بينها وبين البلاد الشرقيَّة؛ نظرًا إلى ما يوليه الفاتيكان من أهمِّيَّة كبيرة جدًّا في التبشير بالدين المسيحيّ، ومحاولة تنصير الشرقيين في كل مكان.

ـ إنَّ أوَّل كتب عربيَّة جرى طبعها في إيطاليا، وبرز أوَّل كتاب عربيّ مطبوع في إيطاليا سنة 1514م، ذلك في فانو (مدينة صغيرة تقع جنوب البندقيَّة)، ويحمل الكتاب اسم «كتاب صلاة السواعي»، والكتاب العربي الثاني نُشر في جنوة سنة 1516م وعنوانه «مزامير عبرانيّ يونانيّ عربيّ قصدانيّ بترجمة لاتينيّ وتفسيرهم». أمَّا القرآن الكريم، فقد طبع لأوَّل مرَّة في البندقيَّة سنة 1518م من طرف بافاناني، وهو مطبعي من مدينة براسيا. ونشرت تسعة كتب ما بين سنتي 1590 و1610م، كانت ذات مواضيع متنوِّعة، منها: «الإنجيل المقدَّس» (كتابان) وكتاب «الأجروميَّة» لابن آجروم، وكتاب «الكافية» لابن الحاجب، وكتاب «القانون الثاني في الطبّ» لابن سينا، وهو من أبرز معالم الطباعة العربيَّة في أوروبا من حيث إخراجه وتقديمه، وكتاب «نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار والآفاق» للإدريسيّ، وكتاب في الهندسة «كتاب تحرير أصول

(83)

الأوقليدس» ترجمة نصير الدين الطوسيّ. ومن أهمّ المطبوعات التي أشرف عليها المعهد المارونيّ في روما أربعة كتب نحويَّة وكتاب في الفلسفة، نذكر منها: «مبادئ اللغة العربيَّة» سنة 1622م من تأليف المارونيّ نصر الله شالاق، وآخر للمؤلِّف نفسه فيه تقديم للحروف الهجائيَّة العربيَّة، ثمَّ كتابٌ ثالثٌ من عمل تلميذٍ مارونيٍّ هو بطرس المطوشي عام 1624م. أمَّا كتاب الفلسفة، فعنوانه: «مدخل لعلم المنطق» سنة 1625م. وأظهر العالم الإيطاليّ «انطونيو جيجاني» اهتمامًا بتأليف المعجمات، فقد نشر سنة 1632م في مدينة ميلانو معجمًا باللغة العربيَّة واللاتينيَّة في أربعة أجزاءٍ ضخمة، واعتمد فيه على القاموس المحيط للفيروز آبادي اعتمادًا كبيرًا، وبذلك كان له السبق في تعريف الغرب بالمعجمات العربيَّة والاهتمام بها؛ ولذا أطلق المستشرق الإيطاليّ «فرانشيسكو غابريلي» على الاستشراق الإيطاليّ تسمية «الاستعراب»؛ لأنَّه وجه لدراسة اللغة العربيَّة وآدابها وحضارة المسلمين وعلومهم.

أبرز أعلام مدرسة الاستشراق الإيطاليَّة[1]:

قامت نهضة الاستشراق الإيطاليّ الحديث على أعمدةٍ ثلاثة، وذلك في منتصف القرن التاسع عشر وإلى غاية الربع الأوَّل من القرن العشرين حسب «دي غوبرناتي وبريداري» المهتمَّيْن بتاريخ الاستشراق الإيطاليّ، وهذه الشخصيَّات هي:

1. إغناطيوس (إيْنياتْسْيُو) جْوِيدي (1206-1354ه‍/ 1844-1935م):

إغناطيوس (والإيطاليُّون يلفظونها: إينياتسيو جويدي Ignazio Guidi): هو مستشرقٌّ إيطاليّ،ٌ عالمٌ بالعربيّة والحبشيَّة والسريانيَّة. كان «جويدي» يتقن اللغة العربيَّة إتقانًا تامًّا، كما كان على علم بالعامِّيَّة، خصوصًا اللهجة اللبنانيَّة[2]. وهو من

(84)

أعضاء المجمع العلميّ العربيّ، وكان شيخ المستشرقين في عصره. ولد في روما، وعهد إليه بتعليم العربيَّة في جامعتها سنة 1885م. ثمَّ كان أستاذًا في الجامعة المصريَّة سنة 1908م يلقي محاضراته بالعربيَّة، واستمرّ بضع سنين. من كتبه العربيَّة: «محاضرات أدبيَّات الجغرافيا والتاريخ واللغة عند العرب باعتبار علاقتها بأوروبا خصوصًا بإيطاليا» وهي سلسلة من أربعين محاضرة ألقاها في الجامعة المصريَّة، و«جداول كتاب الأغاني» يحتوي على فهارس الشعراء والقوافي والأعلام والأمكنة، وكتاب «المختصر» رسالة في علم اللغة العربيَّة الجنوبيَّة القديمة، ونشر كذلك كتابا «الاستدراك على سيبويه» للزبيدي، و«الأفعال وتصاريفها» لابن القوطيَّة[1].

2. الأمير ليونه كايتاني (1869-1935م):

الأمير ليونه كايتاني (Leone Caetaniم)ن أبزر المستشرقين الإيطاليِّين، فقد كان يحسن سبع لغات، منها: العربيَّة والفارسيَّة. عمل سفيرًا لبلاده في الولايات المتَّحدة، وزار الكثير من البلدان الشرقيَّة، منها: الهند إيران، مصر، سوريا، ولبنان. من أبرز مؤلَّفاته: كتاب «Islam Annalli dell» وطبع منه خلال (1905-1908م) ثمانية مجلَّدات ضخمة محلَّاة بالرسوم والخرائط المفصَّلة، انتهى فيها إلى سنة 40 للهجرة[2]، ويعدّ كتابه «الحوليَّات» مرجعًا مهمًا لكثيرٍ من المستشرقين. وفي المواقف السياسيَّة، عندما احتلَّت إيطاليا ليبيا سنة 1912م كان من بين المعارضين القلائل في البرلمان الإيطاليّ لهذا الاحتلال.

3. كارلو ألفونسو نـَلـّينو(1872-1938م):

كارلو ألفونسو نـَلـّينو (Carlo Alfonso Nallino). مستشرق إيطاليّ ولد في تورين في 16 شباط، ونشأ وتلقَّى دروسه الأوَّليَّة ومبادئ العربيَّة والعبريَّة والسريانيَّة في مدينة أوديني، واستكمل دراسته في جامع تورين وفي المعهد الشرقي بنابولي، ثمَّ في بالرماوروما، ودرس في الجامعة المصريَّة القديمة، وانتخب عضوًا في

(85)

المجمع العلميّ الإيطاليّ، والمجمع اللغويّ في مصر، والمجمع العلميّ العربيّ في دمشق، وعُيِّن مديًرا لتنظيم المحفوظات العثمانيَّة في وزارة المستعمرات في روما، وتولَّى الإشراف على مجلَّة الدراسات الشرقيَّة، ثمَّ مجلَّة الشرق الحديث، وكلتاهما بالإيطاليَّة. من آثاره: «علم الفلك تاريخه عند العرب في القرون الوسطى»، و«تاريخ الآداب العربيَّة من الجاهليَّة حتَّى عصر بني أميَّة»[1].

وقد شملت مؤلَّفاته مختلف فروع الحضارة الإسلاميّة، منذ ما قبل الإسلام وحتّى العصر الحديث، كما اهتمَّ بدراسة العلاقة بين الشرع الإسلاميّ والقانون الرومانيّ، والعلاقة بين القانون الشرقيّ القديم والقانون الشرقيّ المسيحيّ، مضافًا إلى ترجمته شعر ابن الفارض إلى الإيطاليَّة. وقد تُرجم العديد من مؤلَّفاته إلى الفرنسيَّة والإنكليزيَّة.

كان واسع الاهتمام باليمن، وقد وضع دراساتٍ تتعلَّق به، منها ما يتناول الحضارات القديمة المتعاقبة في اليمن، ومنها ما يتعلق باللَّهجاتِ والخطوط العربيَّة فيه، ورُشِّحَ لتدريس تاريخ اليمن في كلِّيَّة الآداب في مصر، ودرَّسَه أربعَ سنواتٍ منذ عام 1927م حتَّى عام 1931م.

وهناك أعلام آخرون في هذه المدرسة، منهم:

- «داڤيد سانتيلانا» (David Santillana) (1855-1931م)

- «بييترو ساڤورنيان دي برازا» (Pietro Paolo Savorgnan di Brazzà)(1852-1905م)

- «فرانشيسكو غابرييلي» (1904-1996م)

 - «لورافيشيا فاغليري»، ولهذه المستشرقة مؤلَّفات اتَّسمت بالموضوعية عن الإسلام والنبيّ، منها: دراسة موضوعيَّة عن الإسلام صدرت بالإيطاليَّة، بعنوان:

(86)

«دفاع عن الإسلام»، ترجمه إلى العربيَّة «منير البعلبكيّ» صدرت الطبعة الأولى منه عام 1960م، ويضمّ فصولًا سبعة، هي:

1- سرعة انتشار الإسلام

2- بساطة العقيدة الإسلاميَّة

3- معنى الشعائر الإسلاميَّة

4- الأخلاق الإسلاميَّة

5- الحكم الإسلاميّ والحضارة

6- معنى التصوُّف في الإسلام

7- الإسلام وصلته بالعلم

ويمكن إيجاز أهم خصائص هذه المدرسة في الآتي:

 بدأتْ لتحقيق أغراض دينيَّة، ثمَّ تطوَّرت لتحقيق أغراض تجاريَّة وسياسيَّة واستعماريَّة.

 التركيز على الدراسات العربيَّة والإسلاميَّة.

 الاهتمام بجمع المخطوطات العربيَّة النادرة.

 

(87)

المطلب الثاني: مدرسة الاستشراق الفرنسيّ:

تُعدّ المدرسة الاستشراقيَّة الفرنسيَّة من أبرز المدارس الاستشراقيَّة، وأغناها فكرًا، وأخصبها إنتاجًا، وأكثرها وضوحًا؛ ويعود سبب ذلك إلى العلاقات الثنائيَّة التي تربط فرنسا بالعالم العربيّ والإسلاميّ قديمًا وحديثًا، وكانت فرنسا موجودة في معظم علاقات العرب بأوروبا في حالات السلم والحرب، فالعرب وصلوا إلى حدود فرنسا وأخافوها، وكانت فرنسا على علاقةٍ وثيقةٍ بدولة الخلافة العبَّاسيَّة في أيَّام شارلمان والرشيد، وشاركت في الحروب الصليبيَّة، وتطلَّعت إلى احتلال أجزاء من الوطن العربيّ، وغزا نابليون مصر، وأقام علاقاتٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ معها، واحتلَّت فرنسا المغرب العربيّ وسوريا ولبنان[1].

وقد برزت المدرسة الفرنسيّة بين مدارس الاستشراق، بخاصَّة منذ إنشاء مدرسة اللغات الشرقيَّة الحيَّة عام 1795م التي رأسها المستشرق المشهور «سلفستر دي ساسي»، وكان هذا المستشرق يعدّ عميد الاستشراق الأوروبيّ في النصف الأوَّل من القرن التاسع عشر دون منافس[2].

ويقول السامرائيّ عن كتاب «ساسي» في قواعد اللغة العربيَّة أنَّه «قد لوَّن الاستشراق الأوروبيّ بصبغةٍ فرنسيَّةٍ»، أمَّا اهتمامات «دي ساسي» فقد تنوَّعت، حيث شملت اللغة العربيَّة وآدابها، والتاريخ، والفرق والجغرافيا، وهي فترة -كما يقول السامرائيّ- افتقدت إلى التخصّص؛ إذ كان المستشرق بمجرَّد دخوله هذا المجال يظنُّ أنَّه يستطيع أن يكتب في كلّ ما يخصّ الإسلام والمسلمين، ولكن هذا النمط استمرَّ كثيرًا بعد هذه الفترة حتَّى يومنا هذا [3].

(88)
أوَّلًا: أبرز أعلام مدرسة الاستشراق الفرنسيّ:
1. «سيلفستر دي ساسي» (Silvester de Sacy) (1758م-1838م):

أنطوان إسحاق سِلفستر دي ساسي (Antoine Isaac Silvestre de Sacy): لقَّبه البدوي بشيخ المستشرقين الفرنسيِّين[1]، ولد في باريس عام 1758م، وتعلَّم اللاتينيَّة واليونانيَّة، ثمَّ درس على بعض القساوسة، منهم: القسّ مور، والأب بارتارو، ثمَّ درس العربيَّة والفارسيَّة والتركيَّة. عمل في نشر المخطوطات الشرقيَّة في مكتبة باريس الوطنيَّة، وكتب العديد من البحوث حول العرب وآدابهم وحقَّق عددًا من المخطوطات.

عُيِّن أستاذًا للُّغة العربيّة في مدرسة اللغات الشرقيّة الحيَّة عام 1795م، وأعدَّ  كتابًا في النحو تُرجم إلى الإنكليزيَّة والألمانيَّة والدنماركيَّة، وأصبح مديرًا لهذه المدرسة عام 1833م، وعندما تأسَّست الجمعيَّة الآسيويَّة انتُخب رئيسًا لها عام 1822م. ومن أبرز اهتماماته «الدروز»، حيث ألَّف كتابًا حولهم في جزأين، أصبحت فرنسا في عهده قبلة المستشرقين من جميع أنحاء القارَّة الأوروبيَّة، ويقول أحد الباحثين -في هذا الصدد- إنَّ الاستشراق اصطبغ بالصبغة الفرنسيَّة في عصره. عمل «دي ساسي» مع الحكومة الفرنسيَّة، وهو الذي ترجم البيانات التي نُشرت عند احتلال الجزائر، وكذلك عند احتلال مصر من قبل حملة نابليون عام 1797م[2].

من آثاره:

1- تحقيق «مقامات الحريري»، وقد طبعها أوَّل مرَّة على حسابه الخاصّ في المطبعة الإمبراطوريَّة عام (1812م)، وزوَّدها بشرحٍ باللغة العربيَّة

2- ترجم إلى اللغة الفرنسيَّة كتاب «الإفادة والاعتبار بما في مصر من الآثار» لموفَّق الدين عبد اللطيف البغداديّ

(89)

3- تحقيق «كليلة ودمنة» عام (1816م)

4- تحقيق «بند نامه» وترجمته إلى اللغة الفرنسيَّة، عام (1819م)

5- ترجمة فصول من كتاب «روضة الصفاء»، تأليف «ميرخاوند بن برهان الدين خاوند شاه»[1]

6- «قانون الملكيَّة في مصر منذ الغزو العربيّ 1805-1818م»

7- «أنطولوجيا النحو» (1829م)

8- «عقيدة الدروز» (جزءان) (1838م)

9- «مختارات أدبيَّة عربيَّة» (1806م)

10- «مذكَّرات حول تاريخ العرب قبل محمَّد» (1785م)

11- «تاريخ الآثار القديمة في بلاد فارس» (1793م)

12- «مبادئ اللغة العربيَّة» (1799م)

13- «النحو العربيّ في مدرسة اللغات الشرقيَّة الحيَّة» (1810م)

14- «مذكَّرات عن جبال كرمنشاه» (1815م)

15- «مذكَّرات حول تاريخ الأدب الشرقيّ» (1818م)

2. أرنست رينان: (بالفرنسيَّة: Ernest Renan) (28 فبراير 1823 – 1892م):

ولد في مقاطعة (بريتاني) في فرنسا، ووهب جلَّ اهتمامه للبحث العلميّ العقليّ الذي تركه أتباع محمَّد. لقد وضع «أرنست رينان» كتابًا عن العملاق «ابن رشد»، وكيف أثَّرت فيه فلسفته، حتى لُقِّب هو وأتباعه بأبناءِ المدرسة الرشديَّة، وهذه المدرسة هي حقيقة واقعة، وقد انقسمت إلى قسمين، القسم الأوَّل: المدرسة

(90)

الرشديَّة اللاتينيَّة، وحمل القسم الثاني لقب المدرسة الرشديَّة العبريَّة، بينما بقي «ابن رشد» أستاذًا للجميع على مختلف مللِهم ونِحَلهم ومختلف عقائدهم.

اشتهر بترجمته ليسوع التي دعا فيها إلى نقد المصادر الدينيّة نقدًا تاريخيًّا علميًّا، وإلى التمييز بين العناصر التاريخيَّة والعناصر الأسطوريَّة الموجودة في الكتاب المقدَّس. الأمر الذي  أثار كاثوليكيَّة ضده.

وعرف عن رينان نطرته القوميَّة والعرقيَّة والتراتبيَّة في الأعراق؛ فهو القائل: «خَلَقت الطبيعة عرقًا من العمَّال. هو العرق الصينيّ المتَّصف بشطارة يده العجيبة، وبخلوه من عزّ النفس. احكموه بالعدل آخذين منها مقابل نعمة هذه السياسة أجرًا كبيرًا لصالح العرق المظفر يرضَ. ثم عرقًا من الفلاحين: الزنج. عاملوه بالمعروف والإنسانيَّة يستتبُّ النظام. ثمَّ عرقًا من الأسياد والجنود: الأوروبيِّين. ليعمل كلّ واحد ما خُلق من أجله يستقِمِ الأمر».

أمَّا نظرته عن الدين الإسلاميّ فتتَّصف بالعصبيَّة واللاموضوعيَّة، فيعبِّر في طيَّات ترجمته ليسوع وأعماله الأخرى عن احتقاره للإسلام، فيقول: «الإسلام هو تعصُّب لم تكد تعرف مثيله إسبانيا في زمان فيليلبي الثاني، أو إيطاليا في زمان بي الخامس. الإسلام هو الاستخفاف بالعلم، هو إزالة المجتمع المدنّي. هو بساطة العقل الساميّ الفظيعة التي تقلِّص دماغ الانسان وتغلقه دون أيَّة فكرة لطيفة ودون كلِّ إحساسٍ رقيقٍ، ثمَّ دون كلّ بحثٍ عقلانيّ ليواجهه بالتحصيل الحاصل الأزلي: الإله هو الإله».

قلَّة معرفة رينان باللغة العربيَّة:

أتقن رينان اللغة العبريَّة، أمَّا العربيَّة فلم يتقنها. ويعزو هو السبب في ذلك إلى كون أستاذه في اللغات الساميَّة في معهد سان سلپيس لم يكن ضليعًا في العربيَّة.

مقالاته عن مؤلَّفات عربيَّة وإسلاميَّة:

لم تقلِّل قلَّة بضاعته في اللغة العربيَّة من اهتمامه بالثقافة العربيَّة والموضوعات الإسلاميّة، بل حرص على متابعة ما يصدر من كتبٍ ودراساتٍ في هذا الميدان، وراح

(91)

يكتب مرارًا عن هذه الكتب في مقالات إضافيَّة. ونورد فما يأتي ثبتًا بهذه المقالات:

1- «مقامات الحريري»، سنة 1853م (مجموع مؤلَّفاته ج 2 ص 199 ـ 208) ـ وهي دراسة كتبها بمناسبة ظهور الطبعة الثانية من كتاب «مقامات الحريري»، وكانت الطبعة الأولى قد أصدرها «دي ساسي» في سنة 1822م، وتشمل النصّ العربيّ وشرحًا عليه، فأشرف على هذه الطبعة الثانية وزوَّدها بتعليقاتٍ بالفرنسيَّة «رينو» (Renaud) و«دارنبور» (Derenbourg) سنة 1853م، ونُشرت هذه الدراسة في (Journal des Dèbats) بتاريخ 8 يونيو من عام 1853م.

2- «إسبانيا الإسلاميَّة»، سنة 1853 (مجموع مؤلَّفاته ج 2 ص 520 ـ 529) وهي دراسة عن كتاب دوزي: «أبحاث في التاريخ السياسيّ والأدبيّ لإسبانيا خلال العصور الوسطى، (ط1، ليدن سنة 1849م). وقد نَشَرَ هذه الدراسة في (Journal des Debates) بتاريخ 31 أغسطس من عام 1853م.

3- «ابن بطوطة»، سنة 1853م (مجموع مؤلَّفاته ج 2 ص530 ـ 539)، وهي دراسة كتبها بمناسبة صدور الجزء الأوَّل من تحقيق النصّ العربيّ مع الترجمة الفرنسيَّة لرحلة ابن بطوطة على يد (C.Defrèmery) والطبيب (B-R. San guinetti، سنة 1853م. وقد نشر هذه الدراسة في
(Journal des Dèbates) بتاريخ 14 ديسمبر من عام 1853م.

4- «مروج الذهب للمسعودي»، سنة 1873م (مجموع مؤلَّفاته، ج 2 ص 502 ـ 519)، وهي دراسة بمناسبة ظهور الجزء الرابع من تحقيق «باربييه دي مينار» وترجمته لكتاب «مروج الذهب» للمسعوديّ. وقد نشر هذه الدراسة في (Journal des Dèbats) بتاريخ 1، 2 أكتوبر من عام 1873م.

موقفه من الإسلام:

ترجع شهرة رينان في البلاد العربيَّة منذ سنة 1883م حتَّى اليوم إلى محاضرةٍ ألقاها في السوربون بتاريخ 29 مارس سنة 1883م، عنوانها: «الإسلام والعلم»،

(92)

ونشرت في (Journal des Dèbats) بتاريخ 30 مارس 1883م. وقد ردَّ عليها السيِّد جمال الدين الأفغانيّ -وكان آنذاك في باريس، بينما كان الشيخ محمَّد عبده في بيروت- بمقالٍ نُشر في عدد 18 مايو سنة 1883م في الجريدة نفسها. وفي اليوم التالي أجاب «رينان» على هذا الردّ في الجريدة نفسها -أيضًا- بتاريخ 19 مايو.

ونبدأ بذكر الآراء الرئيسة في محاضرة «رينان»، خصوصًا المثيرة للجدل:

أ. ما يسمَّى بالعلم عند العرب ليس فيه من العروبة إلَّا الاسم

ب. الإسلام اضطهد دائمًا «العلم والفلسفة»

جـ. «الأحرار الذين يدافعون عن الإسلام لا يعرفون الإسلام. إنَّ الإسلام هو التوحيد غير المميّز بين ما هو روحيّ وما هو دنيويّ، إنَّه سيطرة عقيدة، وهو أثقل قيد حملته الإنسانيَّة. وفي النصف الأوَّل من العصور الوسطى احتمل الإسلام الفلسفة؛ لأنَّه لم يستطع منعها؛ وهو لم يستطع منعها، لأنَّه كان غير متماسك، ولم تكن لديه الأداة الكافية للإرهاب. فالشرطة كما قلت كانت في أيدي النصارى، وكانت مهمّتها الرئيسة هي مطاردة محاولات شيعة علي».

إنَّ المفاخرة بالإسلام بسبب ابن سينا، وابن زهر، وابن رشد هي مثلما نفاخر بالكاثوليكيَّة  بسبب جالليو ـ يعني أنَّه لا فضل للإسلام على ابن سينا وابن زهر وابن رشد، كما لا فضل للكاثوليكيَّة على جالليو.

إنَّ ما يأخذه «رينان» على الإسلام هو أنَّه «اضطهد الفكر الحرّ؛ ولا أقول إنَّه فعل ذلك على نحوٍ أشدّ وطأة من سائر المذاهب الدينيَّة، وإنَّما لأنَّ ذلك كان على نحوٍ أكثر فعاليَّة. لقد جعل من البلاد التي فتحها ميدانًا مغلقًا دون الثقافة الفعليَّة للروح».

وآخر بحثٍ كتبه «رينان» في ميدان الدراسات الإسلاميّة هو مقال كتبه بمناسبة بحث كتبه ألسندرو دانكونا (Alessandro d’Ancona)، بعنوان: «أسطورة محمَّد في الغرب» ونشر في (Giora – ale storico della letteratura italiana)[1].

(93)

وفي أثناء عرض «رينان» لمحتويات البحث أبدى آراءه الخاصَّة في سيرة النبيّ محمَّد، وشخصيَّة الراهب بحيرا، والعناصر التي أثّرت في تكوين «أسطورة» عن النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله في أوروبا في العصور الوسطى وما تلاها[1].

3. لويس ماسينيون (Louis Massingon) (1883م-1962م)[2]:

ولد في باريس وحصل على دبلوم الدراسات العليا في بحثٍ عن المغرب، كما حصل على دبلوم اللغة العربيَّة من مدرسة اللغات الشرقيّة الحيَّة (فصحى وعامِّيَّة)، زار كلًّا من الجزائر والمغرب، وفي الجزائر انعقدت الصلة بينه وبين بعض كبار المستشرقين، مثل: جولدزيهر، وآسين، بلاثيوس، وسنوك هورخرونيه، ولي شاتيليه.

التحق بالمعهد الفرنسيّ للآثار الشرقيّة في القاهرة أعوامًا عدَّة (1907م-1908م) وفي عام 1909م عاد إلى مصر وهناك حضر بعض دروس الأزهر وكان مرتديًا الزي الأزهريّ، زار العديد من البلاد الإسلاميَّة، منها: الحجاز، والقاهرة، والقدس، ولبنان، وتركيا. عمل معيدًا في كرسي الاجتماع الإسلاميّ في معهد فرنسا (1919م-1924م) وأصبح أستاذًا لهذا الكرسي (1926م-1954م) ومديرًا للدراسات في المدرسة العلميّة العليا حتَّى تقاعده عام 1954م.

لقد اشتهر «ماسنيون» باهتمامه بالتصوُّف الإسلاميّ، وبخاصة بالحلَّاج؛ حيث حقّق ديوان الحلاج (الطواسين) وكانت رسالته للدكتوراه بعنوان (آلام الحلَّاج شهيد التصوُّف) في جزأين، وقد نشرت في كتاب تزيد صفحاته على ألف صفحة، وقد تُرجم الكتاب إلى اللغة الانكليزيَّة، وله اهتمامٌ -أيضًا- بالشيعة والتشيُّع، وعُرف عن «لويس» صلته بالحكومة الفرنسيَّة وتقديمه المشورة لها.

بلغت مؤلَّفات «ماسينيون» أكثر من مئتي كتاب ومقالة، يُذكر منها: «عالم الإسلام» (1912-1913م) و«الكنيسة الكاثوليكيَّة  والإسلام» (1915م)، و«الإسلام والاتِّحاد السوڤييتيّ» (1917- 1927م)، ومن مقالاته: «تاريخ العقائد الفلسفيَّة

(94)

العربيَّة في جامعة القاهرة» (1912-1921م)، و«الدراسات الإسلاميَّة في إسبانيا» (1918-1936م)، و«أصول عقيدة الوهابيَّة وفهرس بمصنَّفات مؤسِّسها» (1918- 1936م)، و«أساليب تطبيق الفنون لدى شعوب الإسلام» (1921م) صدرت كلّها في مجلَّة «العالم الإسلاميّ». كما كتب «حال الإسلام اليوم» مجلَّة «باريس» (1929م)، و«أثر الإسلام في تأسيس المصارف اليهوديَّة وحركتها في العصر الوسيط» في مجلَّة «الدراسات الشرقيّة» (1931م). وفي مجلَّة «تاريخ علم الأخلاق» كتب «أسباب وأساليب الدعوة الإسلاميَّة بين شعوب إفـريقيا الوثنيَّة» (1938م)، و«التصوُّف الإسلاميّ والتصوُّف المسيحيّ في العصر الوسيط» (1956م). وتحدَّث عن مكانة الثقافة العربيَّة في الحضارة العالميَّة في مؤتمر الأونيسكو - بيروت (1948م)، ونشر له المعهد الفرنسيّ في القاهرة عام (1952م) «فلسفة ابن سينا وألفباؤه الفلسفيَّة».

وقد تخرَّجت على يديه أجيال من المستشرقين والمفكِّرين العرب -أيضًا-، أمثال: عبد الرحمن بدوي، والشيخ عبد الحليم محمود الذي أصبح في ما بعد شيخ الأزهر، والمستشرق الكبير ذي الأصل اللبنانيّ جورج مقدسي.

4. ريجيس بلاشير (R.L. Blacher) (1900م-1973م):

ولد في باريس وتلقَّى التعليم الثانوي في الدار البيضاء، وتخرَّج باللغة العربيَّة من كلِّيَّة الآداب بالجزائر، تولَّى العديد من المناصب العلميَّة، منها: أستاذ اللغة العربيَّة في معهد مولاي يوسف بالرباط، ومدير معهد الدراسات المغربيَّة العليا (1924م-1935م)، وأستاذ كرسي الأدب العربيّ في مدرسة اللغات الشرقيّة الحيَّة في باريس وأستاذًا محاضرًا في السوريون، ثمَّ مدير مدرسة الدراسات العليا والعلميّة، ثم أستاذ اللغة العربيّة وحضارتها في باريس.

اهتمّ «ريجيس بلاشير» بمسائل عدّة في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة وكتب فيها، ولعلّ أهمّها الأدب العربيّ قديمه وحديثه، وخاصَّة تراث أبي الطيِّب المتنبّي الذي حظي بنصيبٍ وافرٍ من كتاباته وأبحاثه، وكذلك تاريخ العلوم عند العرب، وله -أيضًا- عددٌ من الدراسات الدينيَّة لعلَّ أهمَّها ترجمته للقرآن وفق نزول السور والآيات في مرحلةٍ أولى، ثمَّ وفق

(95)

الترتيب الشائع للمصحف مع محاولاتٍ بسيطة في التفسير. هذا مضافًا إلى مؤلَّفه «معضلة محمَّد» الذي جمع فيه بإيجاز مجمل أبحاث المستشرقين في السيرة النبويَّة.

لم يسعفه الأجل في استكمال مشروعٍ ضخمٍ باشر التأليف فيه، يتعلَّق بـ«تاريخ الأدب العربيّ» فلم ينجز منه إلَّا ثلاثة أجزاء توقَّفت عند حدود سنة 125هـ، وكان المؤمّل إنجاز مسحٍ يبلغ القرن التاسع للهجرة[1].

وقد كان ضليعًا في اللغة والآداب العربيَّة من جهة وفي الدراسات القرآنيَّة والإسلاميَّة من جهةٍ أخرى. وقد تخرَّجت على يديه -أيضًا- كوكبةٌ من الباحثين المسلمين والأجانب ليس أقلّهم «أندريه ميكل» و«محمَّد أركون». ومعلوم أنَّه ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسيَّة، وقدَّم عنه عدَّة دراسات تاريخيَّة مهمَّة.

ومن أبرز إنتاجه ترجمته لمعاني القرآن الكريم، وكذلك كتابه «تاريخ الأدب العربيّ» في جزأين، وترجمه إلى العربيَّة: إبراهيم الكيلاني، وله -أيضًا- كتاب، بعنوان: «أبو الطيِّب المتنبِّي: دراسة في التاريخ الأدبيّ.»

5. مكسيم رودنسون (Maxim Rodinson) (1915-2004)[2].

ولد في باريس في 26 يناير 1915م، وحصل على الدكتوراه في الآداب، ثمَّ على شهادةٍ من المدرسة الوطنيَّة للُّغات الشرقيّة الحيَّة والمدرسة العلميَّة العليا، تولَّى العديد من المناصب العلميَّة في كلٍّ من سوريا ولبنان في المعاهد التابعة للحكومة الفرنسيَّة هناك، تولَّى منصب مدير الدراسات في المدرسة العلميَّة للدراسات العليا قسم العلوم التاريخيَّة واللغويَّة، ثمَّ محاضرًا في قسم العلوم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، نال العديد من الأوسمة والجوائز من الجهات العلميَّة الفرنسيَّة والأوروبيَّة.

مع أنَّ «رودنسون» من أصولٍ يهوديَّة دينيَّة، ولكنَّه أصبح معروفًا في فرنسا عندما أظهر معارضةً حادَّة، تتناول إسرائيل، وقد عارض على وجه الخصوص سياسة الاستيطان

(96)

للدولة اليهوديَّة. وفي الوقت نفسه اتَّهمه البعض بالارتباط «بالفاشيَّة الإسلاميَّة» (le fascisme islamique) في 1979م، التى اعتاد أن يصفها بالثورة الإيرانيَّة.

له العديد من المؤلَّفات، منها: كتابه الذي ترجم إلى العديد من لغات العالم عن النبيّ العربيّ «محمد»، الذي صدر عام 1961م… ثمَّ في أواخر الستينات، كتاب «الإسلام والرأسماليَّة» وكتاب «إسرائيل والرفض العربيّ: 75 عامًا من التاريخ»، ثمَّ كتاب «الماركسية والعالم الإسلاميّ» في العام 1972م، وكتاب «العرب» في إحدى موسوعات دور النشر الفرنسيَّة في العام 1979م… وبعد الثورة الإيرانيَّة كتاب «جاذبيَّة الإسلام» عام 1980م، وكتاب «شعب يهوديّ أم مسألة يهوديَّة؟» في العام 1981م، و«الإسلام: سياسة وعقيدة» عام 1993م، و«من پيثاغورس إلى لينين» في العام ذاته، وكتب ومقالات عديدة أخرى أصدرها أو كانت نتاج حوارٍ طويلٍ معه، ككتاب «بين الإسلام والغرب» عام 1998م.

ويتميَّز «رودنسون» عن غيره بتطبيق المنهجيَّة السوسيولوجيَّة على تاريخ الإسلام والمجتمعات الإسلاميَّة. فهو لا يكتفي بالمنهجيَّة التاريخيَّة الفللوجيَّة أو اللغويَّة كما يفعل الاستشراق الكلاسيكيّ منذ القرن التاسع عشر. وإنَّما يضيف إليها منهجيَّات علم الاجتماع وتاريخ الأديان المقارن، بل وحتَّى التحليل النفسيّ.

وهناك العديد من المستشرقين الفرنسيِّين البارزين، مثل: «هنري لاؤوست»[1]، و«كلود كاهن»[2]، و«شارل بيلا»[3]، والأب البلجيكيّ الأصل الفرنسيّ الجنسيَّة

(97)

الأب «لامانس»[1]، و«أندريه ريموند»[2]، و«روبير مانتران»، وغيرهم.

ثانيًا: بعض ملامح الاستشراق الفرنسيّ:

1. تتركَّز دراساته حول محاور ثلاثة، هي:

    أ.  المحور الدينيّ

    ب.  المحور السياسيّ

    ت. المحور الاستعماريّ

2. يعتبر معهد اللغات الشرقيَّة الذي أسّس سنة 1195م أهم مكان ترعرع فيه الاستشراق الفرنسيّ.

3. أسَّس كثيرًا من المعاهد والمدارس الثقافيَّة في بلاد الشرق التي كان لها تأثير كبير في فرنسة عددٍ من هذه البلاد، خاصَّة التي استعمرت من قبل فرنسا.

4. يمتاز الاستشراق بالتخصُّص، أي إنَّ معظم أفراده تخصَّص كلٌّ منهم في جانبٍ معيَّن من جوانب البحث والدراسة[3].

(98)

المطلب الثالث: الاستشراق البريطانيّ:

قد يكون من الأفضل تسمية هذه المدرسة بالاستشراق الإنكليزيّ؛ لأنَّ الاستشراق البريطانيّ يتداخل مع:  الاستشراق الإنكليزيّ، واستشراق المملكة المتَّحدة، واستشراق الدول الناطقة باللغة الإنكليزيَّة، وربَّما الكمنولث[1]. وعلى أيّ حال، فقد اهتمَّ الاستشراق البريطانيّ بدراسةِ العقائد الإسلاميَّة والدين الإسلاميّ.

وللاستشراق الإنكليزيّ بعض الخصائص التي تختلف في طبيعتها ووظيفتها عن باقي المدارس الاستشراقيَّة كالفرنسيَّة، وقد تقدَّم في الأبحاث السابقة بيان العلاقة بين الاستعمار والاستشراق، فالإمبراطوريَّة البريطانيَّة الاستعماريَّة تختلف في التعامل مع ثقافات المستعمرات عن الاستعمار الفرنسيّ مثلًا، فالاستعمار الفرنسيّ الاستيطانيّ يقوم على اقتلاع أشجار الثقافة في المستعمرات، أمَّا الاستعمار الإنكليزيّ فيُفضِّل تعطيش تلك الأشجار أو تسميمها، والمقارنةُ ظاهرةٌ بين ما حدث في الجزائر أيْ الاستعمار الفرنسيّ مثلًا، وما حدث في الهند من الاستعمار الإنكليزيّ.

الطابع الإمبراطوريّ والانتشار الواسع، مضافًا إلى الاستفادة من التطوُّر العلميّ المادِّيّ والفكريّ، سمح كلّ ذلك للمستشرقين البريطانيِّين من الوصول إلى مناطق نائيةٍ ومتنوِّعةٍ كثيرة ساهمت في صبغ المدرسة الاستشراقيَّة البريطانيَّة بالتوسُّع والتنوُّع الأفقيّ بالانتشار الجغرافيّ والعموديّ في تنوّع الموضوعات.

الطابع المؤسَّساتي للاستشراق البريطانيّ وارتباطه بمصالح الدولة السياسيَّة والاقتصاديَّة خاصيَّة واضحة في مراحل تاريخ الاستشراق البريطانيّ؛ فبعض الدراسات تُرجع احتكاك بريطانيا بالتراث الشرقيّ إلى William BEDWELL (1561-1632م)، وهو خرِّيج جامعة كامبريدج، ومهتمّ باللغة العربيَّة طالًبا وأستاذًا، كما

(99)

أسهم السير (Thomas ADAMS) في تأسيس كرسي الدراسات العربيَّة في جامعة كمبريدج.

الطابع الإمبراطوريّ -أيضًا- ساهم في الرحلات المحميَّة إلى مختلف المناطق الغنيَّة بتاريخها الحافل، ولكن -أيضًا- بهجرة أبناء المستعمرات إلى مركز المتربول، فاستفادت المراكز البحثيَّة منهم باعتبارهم باحثين مجتهدين كما كُلِّفوا من المراكز نفسها بدراسة مناطقهم وفق المناهج العلميَّة وضمن سياسة تراكميَّة للبحوث تلتزم بها الهيئات العلميَّة الرصينة.

وكان التركيز على المناطق الآتية: مصر، الجزيرة العربيَّة، بلاد الشام، العراق، تركيا، إيران، وشبه القارَّة الهنديَّة. وكلّ هذه المناطق كانت لها حضارات مشهودة قبل الإسلام وبعده، وهذا ما يفتح شهيَّة المستشرقين للدراسات المقارنة والتأصيليَّة وفق نظرتهم لتعدُّديَّة المصادر الدينيَّة والثقافيَّة.

-أوَّلًا: أبرز أعلام الاستشراق البريطانيّ:
1. وليام بدوِل (William Bedwell) ‏(1561- 5 مايو1632م):

مستشرق إنكليزيّ، ينعته الإنكليز بأبي الدراسات العربيَّة، ويعدّه الأوروبيُّون من «المستعربين». كان يقول عن العربية «إنَّها لغة الدين الفريدة، إنَّها أعظم لغة للسياسة، من الجزائر السعيدة إلى بحر الصين». وهو أوَّل من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزيَّة. له «معجم عربيّ» في مجلَّدات سبعة، قال الدكتور «برنارد لويس» عنه: «لم يُنشر لسوء الحظّ». وبين مؤلَّفاته المطبوعة في إنكلترا: «نصوص عربيّة»، و«معجم للمفردات العربيَّة المستعملة في اللغات الغربيَّة من العصر البيزنطيّ إلى أيَّامه»[1].

2. جورج سيل (George Sale) (1697م-1736م):

مستشرق إنكليزيّ، كان يحترف المحاماة. تعلَّم العربيَّة، وحصل على مجموعةٍ

(100)

وافرة من مخطوطاتها، وعُني بتاريخ الإسلام حتَّى ُوصف بأنَّه نصف مسلم! له بالإنكليزيَّة (ترجمة القرآن) وهو أوَّل من حاول ترجمته إلى هذه اللغة كاملًا[1].

ولد في لندن، التحق في البداية بالتعليم اللاهوتيّ، تعلَّم العربيَّة على يد معلِّمٍ من سوريا، وكان يتقن اللغة العبريَّة أيضًا، من أبرز أعماله ترجمته لمعاني القرآن الكريم التي قدَّم لها بمقدَّمةٍ احتوت على كثيرٍ من الافتراءات والشبهات، يقول عنها عبد الرحمن بدوي: «ترجمة سيل واضحة ومحكمة معًا، ولهذا راجت رواجًا عظيمًا طوال القرن الثامن عشر؛ إذ عنها تُرجم القرآن إلى الألمانيَّة عام 1746م»، ويقول في موضعٍ آخر: «وكان سيل منصفًا للإسلام بريئًا -رغم تديُّنه المسيحيّ- من تعصُّب المبشِّرين المسيحيِّين وأحكامهم السابقة الزائفة[2]».

وهناك ملاحظات كثيرة على ترجمته للقرآن، ما يجعل الباحث يطمئنُّ بوجود تعمُّدٍ لتحريف الترجمة، وهناك شواهد عدَّة على ذلك، سنأتي على ذكرها في مبحث ترجمة القرآن الكريم.

3. داڤيد صمويل مرجليوث (David Samuel Margoliouth) (1858م-1940م):

إنكليزيّ يهوديّ، من كبار المستشرقين، متعصِّب ضدَّ الإسلام، عُيِّن أستاذًا للعربيَّة في جامعة أكسفورد.

بدأ حياته العلميَّة بدراسة اليونانيَّة واللاتينيَّة، ثمَّ اهتمَّ بدراسة اللغات الساميَّة، فتعلَّم العربيَّة، ومن أشهر مؤلَّفاته ما كتبه في السيرة النبويَّة، وكتابه عن الإسلام، وكتابه عن العلاقات بين العرب واليهود، منها: «التطوُّرات المبكرة في الإسلام»، و«محمَّد ومطلع الإسلام»، و«الجامعة الإسلاميَّة» وغير ذلك.

ولكنَّ هذه الكتابات اتَّسمت بالتعصُّب والتحيُّز والبعد الشديد عن الموضوعيَّة كما وصفها عبد الرحمن بدوي، ولكن يُحسب له اهتمامه بالتراث العربيّ كنشره

(101)

لكتاب معجم الأدباء لياقوت الحموي، ورسائل أبي العلاء المعرّي، وغير ذلك من الأبحاث .وقد أهداه أحمد شوقي قصيدة النيل[1].

4. توماس واكر أرنولد (Sir Thomas Walker Arnold) ‏(1864-1930م):

ولد في Devenport (إنكلترا) في 19 أبريل عام 1864م. تعلَّم أوَّلًا في مدرسة بلايموث Plymouth  الثانويَّة، ومن ثمَّ انتقل في سنة 1880م للدراسة في مدرسة مدينة لندن City of London School ، ثمَّ التحق بكلِّيَّة المجدليَّة في جامعة كمبردج في سنة 1882م، حيث اجتذبته الدراسات الشرقيَّة تحت تأثير «إدوارد بيلس كورل» (Ed. Byles Courell) و«وليم روبرتسون اسمث» (William Robertson Smith)، وبعد أن أنجز بنجاحٍ دراسته في الكلاسيكيَّات أمضى السنة الرابعة في كمبردج -أيضًا- متوفرًا على دراسة تاريخ الإسلام.

ونظرًا إلى اهتمامه بالدراسات الإسلاميَّة، فقد اختير لتدريس الفلسفة في كلِّيَّة عليكَره الإسلاميَّة في المقاطعات المتَّحدة بشمالي الهند. وأمضى في كلِّيَّة عليكَره عشر سنوات (1888-1898م)، وهي فترة كانت ذات تأثيرٍ بالغٍ في تشكيل نظرات «توماس آرنولد» للإسلام.

ألَّف أوَّل كتبه المهمَّة، وهو كتاب: «الدعوة الإسلاميَّة (The Preaching of Islam)» (سنة 1896م).

إنتاجه العلميّ:

كان لانشغال «آرنولد» بالأعمال الإداريَّة أثرٌ في قلَّة إنتاجه العلميّ، حتى أنَّ كتابه «الدعوة الإسلاميّة» ظلَّ حتَّى سنة 1920م -أيْ وهو في السادسة والخمسين من عمره- الإنتاج العلميّ الوحيد ذا القيمة. وقد أعيد طبعه في سنة 1913م في طبعة موسَّعة ومنقَّحة، وتُرجم إلى اللغتين الأورديَّة والتركيَّة، كما تُرجم في الأربعينات إلى اللغة العربيَّة.

(102)

وألَّف -وهو لا يزال في الهند- كُتيِّبًا صغيرًا عن «المعتزلة» (The Mu’tazilah) (سنة 1902م) ليس بذي قيمةٍ علميَّةٍ تذكر.

وبمناسبة زوال الخلافة في سنة 1924م، ألَّف توماس آرنولد كتابًا بعنوان: «الخلافة» (The Caliphate) تتبَّع فيه تاريخ منصب الخلافة في الإسلام منذ الخلفاء الراشدين حتَّى إلغاء الخلافة سنة 1924م على يد كمال أتاتورك. وعقَّب ذلك بتلخيصٍ لهذا الكتاب في كُتيِّب صغير جدًّا، بعنوان: «الدين الإسلاميّ» (The Islamic Faith) (سنة 1928م) قصد به إلى الجمهور.

وكتب مادَّتَي: «الاضطهاد» و«التَّسامح» في الإسلام، وذلك في «موسوعة الدين والأخلاق». وأدَّى به ذلك إلى التفكير في كتابة كتاب موسَّع عن التسامح في الإسلام؛ لكنَّه لم يُنجز هذا المشروع.

وكتب مقالاتٍ عدَّة تتعلَّق خصوصًا بالهند الإسلاميَّة في «دائرة المعارف الإسلاميَّة» التي صار هو من هيئة مصدِّري الطبعة الإنكليزيَّة لها ابتداءً من سنة 1910م[1].

5. سير هاملتون جيب (Sir Hamilton R. A. Gibb):

ولد «هاملتون جيب» في الإسكندريَّة في 2 يناير 1895م، انتقل إلى إسكتلندا وهو في الخامسة من عمره للدراسة هناك؛ ولكنَّه كان يمضي الصيف مع والدته في الإسكندريَّة. التحق بجامعة أدنبرة لدراسة اللغات الساميَّة، عمل محاضرًا في مدرسة الدراسات الشرقيّة والإفريقيَّة في جامعة لندن عام 1921م، وتدرَّج في المناصب الأكاديميَّة حتَّى أصبح أستاذًا للُّغة العربيَّة عام 1937م، وانتُخب لشغل منصب كرسيّ اللغة العربيَّة في جامعة أكسفورد. انتقل إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة؛ ليعمل مديرًا لمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد بعد أن عمل أستاذًا للُّغة العربيَّة في الجامعة.

مضافًا إلى اهتمامه اللغويّ، فقد أضاف إلى ذلك الاهتمام بتاريخ الإسلام وانتشاره، وقد تأثَّر بمستشرقين كبار من أمثال «توماس آرنولد» وغيره.

(103)

من أبزر إنتاج «جيب» كتاب «الفتوحات الإسلاميّة في آسيا الوسطى» (1933م)، ودراسات في الأدب العربيّ المعاصر، وكتاب «الاتِّجاهات الحديثة في الإسلام». كما وشارك في تأليف «إلى أين يتَّجه الإسلام»، وقد انتقل «جيب» من دراسة اللغة والآداب والتاريخ إلى دراسة العالم الإسلاميّ المعاصر، وهو ما التفت إليه الاستشراق الأمريكيّ حينما أنشأ الدراسات الإقليميَّة أو دراسات المناطق، وله كتاب بعنوان: «المحمَّديَّة»، وقد أعاد نشره بعنوان: «الإسلام»، وله كتابٌ عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله[1].

بعض آراء «هاملتون جيب» وتوجُّهاته:

ـ إنَّ الأسلوب الذي اتَّبعه في كتبه يعتمد على إثارة الأسئلة أكثر من اعتماده على عرض الموضوعات،كما في كتابه «الإسلام إلى أين؟» على سبيل المثال.

ـ تميَّز «هاملتون جيب» باطِّلاعه العميق على أوضاع العالم العربيّ، بفضل إتقانه اللغة العربيَّة ومعرفته بالثقافة الإسلاميَّة، قد عبّر عن مخاوفه منذ ثلاثينيَّات القرن الماضي من موجة التغريب التي تهدِّد المجتمعات الإسلاميَّة.

ـ يرى في كتابه «دعوة تجديد الإسلام» أنَّ إغلاق باب الاجتهاد أدَّى إلى وضع حدٍّ فعالٍ للفعاليَّة والحركيَّة في الإسلام[2].

لا يرى السير «هاملتون» صحَّة فصل الإسلام عن قضايا المجتمع والسياسة والاقتصاد؛ لأنَّ الإسلام في نظره دينٌ متكاملٌ في رؤيته للحياة.

طبعًا، هناك ملاحظات كثيرة على آراء «هاملتون»؛ فالمقارنات التي طرحها تستهدف شيئًا رئيسًا، وهو تصوير الرسول على أنَّه مصلحٌ اجتماعيٌّ عكس ضرورات البيئة العربيَّة في مكَّة. ويقول جيب: «إنَّه نجح لكونه أحد المكِّيّين» بمعنى أنَّه عبَّر عن الحاجيَّات المحلِّيَّة، وقد ذهب في كتابه: «المذهب المحمَّديّ» إلى أنَّ محمَّدًا

(104)

صنعته بيئته الخاصَّة بمركزها الثقافيّ والدينيّ والتجاريّ، وبحكم مركزها من العالم وصلتها بأرقى شعوبه. وقد وصف النبيّ بأنَّه شخصيَّة مبدعة، قد تأثَّرت بضرورات الظروف الخارجيَّة المحيطة بها.

6. وليام مونتغمري واط (Montgomery Watt) (14مارس 1909 - 24 أكتوبر 2006م):

ولد في كريس فايف في 14مارس 1909م، والده القسِّيس «اندرووات»، درس في كلٍّ من أكاديميَّة لارخ (1914-1919م)، وفي كلِّيَّة جورج واتسون في أدنبرة، وجامعة أدنبرة (1927م-1930م)، وكلِّيَّة باليول في أكسفورد (1930م-1933م)، وجامعة جينا في ألمانيا (1933م)، وجامعة أكسفورد، وجامعة أدنبرة في الفترة من (1938م إلى1939م) ومن (1940م إلى 1943م) على التوالي، عمل راعيًا لكنائس عدَّة في لندن وفي أدنبرة. تخصَّص في الإسلام لدى القسّ الإنجليكانيّ في القدس، وبعد تقاعده عاد إلى العمل في المناصب الدينيّة.

عمل رئيسًا لقسم اللغة العربيَّة والدراسات الإسلاميَّة في جامعة أدنبرة في الفترة (1947-1979م). نال درجة الأستاذيَّة عام 1964م. دُعي للعمل أستاذًا زائرًا في كلٍّ من الجامعات الآتية: جامعة تورنتو (1963و1978م)، وكلِّيَّة فرنسا في باريس (عام 1970م)، وجامعة جورجتاون في واشنطن (عام 1978-1979م).

أصدر العديد من المؤلَّفات، من أشهرها: «محمَّد في مكَّة»، «محمَّد في المدينة»، «محمَّد نبيّ ورجل دولة»، «الفلسفة الإسلاميَّة والعقيدة»، «الفكر السياسيّ الإسلاميّ»، «تأثير الإسلام في أوروبا القرون الوسطى»، «الأصوليَّة الإسلاميَّة والتحديث»، و«العلاقات الإسلاميَّة النصرانيَّة». ومن آخر كتبه: «حقيقة الدين في عصرنا» (سنة 1996م)، وكتاب «الفترة التكوينيَّة للفكر الإسلاميّ» (سنة 1998م)، و«موجز تاريخ الإسلام» (سنة 1995م)، وغيرها كثير.[1]

(105)
7. آرثر جون أربري (Arthur John Arberry)  (1905م-1969م):

ولد في 12مايو 1905م في مدينة بورتسموث جنوب بريطانيا، التحق بجامعة كامبريدج لدراسة اللغات الكلاسيكيَّة اللاتينيَّة واليونانيَّة، شجَّعه أحد أساتذته على دراسة العربيَّة والفارسيَّة، ارتحل إلى مصر لمواصلة دراسته للُّغة العربيَّة، عاد إلى مصر ليعمل في كلِّيَّة الآداب رئيسًا لقسم الدراسات القديمة (اليونانيَّة واللاتينيَّة) وزار فلسطين وسوريا ولبنان.

اهتمَّ بالأدب العربيّ، فترجم «مسرحيَّة مجنون ليلى» لأحمد شوقي، كما حقَّق كتاب «التعرُّف إلى أهل التصوُّف»، وواصل اهتمامه بالتصوُّف؛ وذلك بنشره كتاب «المواقف والمخاطبات» للنفري وترجمه إلى الإنكليزيَّة.

عمل آربري مع وزارة الحرب البريطانيَّة أثناء الحرب العالميَّة الثانية مهتمًّا بشؤون الإعلام والرقابة البريديَّة، وأصدر كتابه «المستشرقون البريطانيُّون». في سنة 1943م تولَّى منصب أستاذ كرسي اللغة العربيَّة في مدرسة الدراسات الشرقيَّة والإفريقيَّة، ثمَّ انتقل إلى جامعة كامبريدج؛ وحاز فيها على منصب أستاذ كرسي اللغة العربيَّة.

ولعلَّ من أبرز جهود آربري ترجمته لمعاني القرآن الكريم، حيث أصدر أوَّلًا مختارات من بعض آيات القرآن الكريم مع مقدِّمة طويلة ثمَّ أكمل الترجمة وأصدرها عام 1955م[1].

8. برنارد لويس (Bernard Lewis) (1916-19 مايو 2018م):

ولد لويس في 31 مايو 1916م، وتلقَّى تعليمه الأوَّل في كلِّيَّة ولسون والمدرسة المهنيَّة، حيث أكمل دراسته الثانويَّة. لا تذكر المراجع أيَّ معلومات عن تلقِّيه تعليمًا دينيًّا يهوديًّا خاصًّا. التحق بجامعة لندن لدراسة التاريخ، ثم انتقل إلى فرنسا للحصول على دبلوم الدراسات الساميَّة سنة 1937م متتلمذًا على المستشرق الفرنسيّ «ماسنيون» وغيره، ثمَّ عاد إلى جامعة لندن، مدرسة الدراسات الشرقيّة والإفريقيَّة، وحصل على الدكتوراه عام 1939م عن رسالته القصيرة حول أصول الإسماعيليَّة.

(106)

استُدعي أثناء الحرب العالمية الثانية لأداء الخدمة العسكريَّة، وأعيرت خدماته لوزارة الخارجيَّة من سنة 1941م حتَّى 1945م، عاد بعد الحرب إلى مدرسة الدراسات الشرقيَّة والإفريقيَّة؛ لتدريس التاريخ الإسلاميّ، وأصبح أستاذ كرسي التاريخ الإسلاميّ عام 1949م، ثم أصبح رئيسًا لقسم التاريخ عام 1957م، وظلَّ رئيسًا له حتَّى انتقل إلى الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة عام 1974م.

دُعِي للعمل أستاذً زائرًا في العديد من الجامعات الأمريكيَّة والأوروبيَّة، منها: جامعة كولمبيا، وجامعة إنديانا، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وجامعة أكلاهوما، وجامعة برنستون التي انتقل إليها وعمل فيها من 1974م حتَّى تقاعده عام 1986م. وهنا عُيِّن مديرًا مشاركًا لمعهد أنانبرج اليهوديّ للدراسات اليهوديَّة والشرق أوسطيَّة في مدينة فيلاديلفيا بولاية بنسلفانيا.

يعدُّ لويس من أغزر المستشرقين إنتاجًا -وإن كانت له قدرة على إعادة نشر بعض ما سبق نشره بصورٍ أخرى- وقد تنوعت اهتماماته من التاريخ الإسلاميّ
ـ حيث كتب عن: الإسماعيليَّة، وعن الحشَّاشين، وعن الطوائف المختلفة في المجتمع الإسلاميّ ـ إلى الحديث عن المجتمع الإسلاميّ؛ ولكنَّه في السنوات الأخيرة قبل تقاعده بقليل بدأ الاهتمام بقضايا العالم العربيّ والإسلاميّ المعاصرة، فكتب عن الحركات الإسلاميّة (الأصوليَّة) وعن الإسلام والديمقراطيَّة.

قدَّم خدماته واستشاراته لكلٍّ من الحكومة البريطانيَّة التي كلَّفته القيام برحلةٍ إلى العديد من الجامعات الأمريكيَّة وإلقاء الأحاديث الإذاعيَّة والتلفازيَّة عام 1954م، كما قدَّم استشارته للكونغرس الأمريكيّ أكثر من مرَّة. وفي إحدى المرَّات (8 مارس 1974م) ألقى محاضرةً في أعضاء لجنة الشؤون الخارجيَّة بالكونغرس الأمريكيّ حول قضيَّة الشرق الأوسط، ولأهمِّيَّة هذه المحاضرة نشرتها وزارة الخارجيَّة الإسرائيليَّة بعد أسبوعين من إلقائها [1].

(107)
ثانيًا: خصائص الاستشراق البريطانيّ:

ويمكن لنا إيجاز أهم خصائص هذه المدرسة في الآتي:

 يمتاز الاستشراق البريطاني بارتباطه بالحركة الاستعمارية، ومحاولة ترسيخ السياسات الاستعمارية الإنجليزية في الشرق.

 الاهتمام باللغة العربية؛ نظرًا لمصالح بريطانيا الاقتصادية والسياسية التي تربطها بالعالم العربي.

 تتميز هذه المدرسة بالتعدُّد والشمول في سائر الدراسات الشرقيّة «آداب -تاريخ - فلسفة- علوم- فنون وعمارة وآثار».

 تتميَّز هذه المدرسة -أيضًا- بالتخصصية الدقيقة، فكلُّ مستشرقٍ له تخصُّصه الدقيق في أحد مجالات المعرفة الشرقيّة.

 الاهتمام بدراسة المعارف الخاصة بالمنطقة الجغرافية التي تقع تحت قبضتها الاستعمارية «مصر وإفريقيا السوداء»، مع الإهمال الواضح لشمال إفريقيا؛ نظرًا لوقوعه تحت قبضة الاستعمار الفرنسي[1].

(108)

المطلب الرابع: مدرسة الاستشراق الألمانيّ:

ساهم المستشرقون الألمان أكثرَ من غيرهم من المستشرقين بجمع المخطوطات العربية ونشرها وفهرستها، وخصوصًا كتب المراجع والأصول المهمة، ونشر المخطوطات، فان أهمَّ ما قام به المستشرقون الألمان وضعُ المعاجم العربية؛ فقد وضع فرايتاج (1788 – 1861) المعجمَ العربي اللاتيني في أربعة أجزاء، ثم وضع فيشر (1865 – 1949مم)عجمًا للغة العربيّة الفصحى، وقاموس هانزفير (1909 – 1981م) العربي –الألماني للغة العربيّة المعاصرة، وقاموس شراكل (1923م) الألماني– العربي، الذي صدر سنة 1974، والقاموس الضخم للغة العربيّة الفصحى الذي عمل عليه أولمان (1931) في جامعة توبنجن، وفي سنة 1980م كان قد وصل إلى حرف الكاف (ك)، وفي سنة 2000 انتقل العمل على هذا القاموس إلى جامعة ميونيخ، ووصل إلى حرف الميم (م)[1].

وإنّ أكبر الإفادات من بحوث الألمان في التاريخ العربي القديم، تمت على يد الدكتور جواد علي صاحب الكتاب القيّم «المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، في عشر مجلدات؛ فقد رجع الرجل إلى ستة وعشرين كتابا ألمانيًّا، وحوالي الأربعمائة مقالة للباحثين الألمان... وما يزال الذين يؤلفون الكتب المدرسية للجامعات عن تاريخ العرب القديم يرجعون الى دراسات هؤلاء العلماء عبر كتاب جواد علي دونما ذكر له في كثير من الأحيان.

على أنّ أكبر تأثير للاستشراق الألماني في مجال التاريخ والكتابة التاريخية جاء من خلال كتاب يوليوس فلهاوزن المشهور: الدولة العربيّة وسقوطها، وقد صدر الكتاب عام 1901م، وتُرجم إلى الإنجليزية، وبدأ الدارسون العرب يعرفونه من خلال تلك الترجمة. ثم ترجم إلى العربيّة مرتين في مصر والشام، على يد عبد الرحمن بدوي ويوسف العش، وقد أثر في الكتابة التاريخية العربيّة تأثيرًا كبيرًا[2].

(109)

وسيأتي الحديث عن الآثار التي تركتها دراسات تيودور نولدكه (1836- 1930م)، الذي اهتم بالأبحاث القرآنيّة.

أولًا: أبرز أعلام الاستشراق الألماني[1]:
1. يوهان جاكوب رايسكه Johann Jakob Reiske (1716-1774):

يعدُّ رايسكه مؤسس الدراسات العربيّة في ألمانيا، حيث بدأ تعلّم العربية، ثم درس في جامعة ليبزيج Leipzig، وانتقل إلى جامعة ليدن لدراسة المخطوطات العربيّة فيها، كما اهتمَّ بدراسة اللغة العربيّة والحضارة الإسلاميّة، وإنْ كان له فضل في هذا المجال فهو الابتعاد بالدراسات العربيّة الإسلاميّة عن الارتباط بالدراسات اللاهوتية التي كانت تميز هذه الدراسات في القرون الوسطى (الأوروبية).

وقدم رايسكه في كتاباته رؤية منصفة للإسلام ونبيه ودفع ثمن هذا الانصاف، إذ تعرض لمضايقات من رجال اللاهوت الذين اتهموه بالزندقة.

وقد رفض في كتابٍ له باللاتينية وصف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالكذب أو التضليل أو وصف دينه بأنّه خرافات مضحكة -كما كان سائدًا حينذاك- ورفض تقسيم تاريخ العالم إلى تاريخ مقدس وتاريخ غير مقدس، بل وضع العالم الإسلاميّ في قلب التاريخ العالمي وعبر عن آرائه بأعظم قدر من الصراحة، غير مكترث بكل العواقب المترتبة على ذلك وهو ما جرّ عليه ويلات كثيرة جعلته يعيش معظم أيام حياته في ضائقة مالية.

2. جورج ولهلهم فرايتاج George Wilhelm Freytag (1788-1861):

بدأ دراسة اللغة العربيّة في ألمانيا ثم التحق بمدرسة الدراسات الشرقيّة الحية في باريس على يدي المستشرق الفرنسي المشهور سيلفستر دي ساسي. عيِّن أستاذًا للغات الشرقيّة بجامعة بون، ومن أهم انتاجه القاموس العربي اللاتيني في أربعة أجزاء. كما اهتمَّ بالشعر العربي وبخاصة المعلقات، وحقَّق

(110)

ونشر بعض الشعر الإسلاميّ. شارك في نشر كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي.

3. غوستاف فلوجل Gustav Flugel (1802-1870):

تعلَّم اللغة العربيّة في جامعة ليبزيج وفي جامعة فيينا، ثم التحق بمدرسة اللغات الشرقيّة الحية في باريس على يدي دي ساسي. ومن أهم أعمال فلوجل وضع (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم) كما اهتمَّ بالتراث الإسلاميّ في مجال الفلسفة، والنحو العربي.

4. يوليوس فيلهاوزن Jullius Wellhausen (1844- 1918):

تخصَّص في دراسة التاريخ الإسلاميّ والفرق الإسلاميّة، من أبرز مؤلّفاته: تحقيق تاريخ الطبري. وألَّف كتابًا بعنوان (الإمبراطورية العربيّة وسقوطها) ومن اهتماماته بالفرق الإسلاميّة تأليف كتابيه (الأحزاب المعارضة في الإسلام) وكتابه (الخوارج والشيعة) وكتب عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في كتابه (تنظيم محمد للجماعة في المدينة) وكتابه (محمد والسفارات التي وجهت إليه).

5. ثيودور نولدكه Theodor Noldeke (1836-1930):

ولد في هامبرج في (2مارس 1836)م، ودرس فيها اللغة العربية، ودرس في جامعة ليبزيج وفينا وليدن وبرلين. عيِّن أستاذًا للغات الإسلاميّة والتاريخ الإسلاميّ في جامعة توبنجن، وعمل أيضًا في جامعة ستراستبرج. اهتمَّ بالشعر الجاهلي وبقواعد اللغة العربية، وأصدر كتابًا بعنوان (مختارات من الشعر العربيم)ن أهمِّ مؤلفاته كتابه (تاريخ  القرآن) نشره عام (1860م)، وهو رسالته للدكتوراه، وفيه تناول ترتيب سور القرآن الكريم، وحاول أن يجعل لها ترتيبًا ابتدعه.

6. كارل بروكلمان Carl Brockelmann (1868- 1956):

ولد في (17سبتمبر 1868م)، في مدينة روستوك، بدأ دراسة اللغة العربية، وهو في المرحلة الثانوية، ودرس في الجامعة اللغات الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية)؛

(111)

بالإضافة إلى اللغات الشرقيّة، ودرس على يدي المستشرق نولدكه. اهتمَّ بدراسة التاريخ الإسلاميّ، وله في هذا المجال كتاب مشهور (تاريخ الشعوب الإسلاميّة)، ولكنه مليء بالمغالطات والافتراءات على الإسلام.

ومن أشهر مؤلفاته كتاب (تاريخ الأدب العربي) الذي تُرجم في ستة مجلدات، وفيه رصد لما كُتب في اللغة العربيّة في العلوم المختلفة من مخطوطات، ووصفها ومكان وجودها.

7. كارل هاينرتش بيكر Carl Heinrich Becker (1876-1933):

ولد في (2 أبريل 1876م)، ودرس في جامعة لوزان وفي جامعة هيدلبيرج وجامعة برلين. كان له اهتمام كبير بدراسة الأديان، وهي التي قادته إلى الاهتمام بدراسة الدين الإسلاميّ. ويعدُّ  من أشهر المستشرقين الذين كتبوا في التاريخ الإسلاميّ وبخاصة في جوانب تأثير العوامل الاقتصادية وتأثير العناصر الإغريقية والمسيحيّة في الحضارة الإسلاميّة. واهتمَّ كذلك بدراسة التاريخ الاقتصادي والإداري في صدر الإسلام. قام برحلات علمية كثيرة في أنحاء أوروبا حيث عمل فترة في مكتبة الأسكوريال في مدريد (إسبانيا)، واطلع على المخطوطات العربيّة فيها. زار مصر وتعمَّق هناك في دراسة اللغة العربية. تولَّى منصب أستاذ في معهد هامبورج الاستعماري الذي أنشأته الحكومة الألمانية لمساعدتها في التعامل مع الشعوب العربيّة والإفريقية. أسهم في إنشاء مجلة (الإسلام) Der Islam عام (1910م)، وتولَّى منصب وزير الثقافة في بروسيا (إحدى الولايات الألمانية).

8. جوزف شاخت Josef Schacht (1902-1969):

ولد في (15مارس 1902م)، درس اللغات الشرقيّة في جامعة برسلاووليبتسك، انتدب للعمل في الجامعة المصرية عام (1934م)، لتدريس مادة فقه اللغة العربيّة واللغة السريانية. شارك في هيئة تحرير دائرة المعارف الإسلاميّة في طبعتها الثانية. عُرف شاخت باهتمامه بالفقه الإسلاميّ، ولكنه صاحب إنتاج في مجال المخطوطات وفي علم الكلام وفي تاريخ العلوم والفلسفة.

(112)
9. هيلموت ريتر Hellmut Ritter (1892-1971):

ولد في (27فبراير 1892م)، درس على المستشرق الألماني هينريتش بيكر، عمل في الجيش الألماني، عاش في إسطنبول في تركيا في الفترة من (1927- 1949م)؛ ما أتاح له الفرصة للاطلاع على ما في مكتبات تركيا من كنوز المخطوطات الإسلاميّة. وله تحقيقات مهمة من أبرزها الآتي:

    - مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري.

    - الوافي بالوفيات.

    - فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختي.

    - أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني.

أسّس المكتبة الإسلاميّة في ألمانيا عام (1918م)، للعناية بحفظ المخطوطات الإسلاميّة ونشرها، كما أسّس مجلة أويانس عام (1948م)(Oriens).

10. رودي بارت Rudi Paret:

ولد عام (1901م)، درس في جامعة توبنجن اللغات السامية والتركية والفارسية في الفترة من (1920حتى 1924م)، وتخرَّج على يد المستشرق الألماني ليتمان. أمضى سنتين في القاهرة (1925-1926م)، كان اهتمامه في البداية بالأدب الشعبي، ولكنه تحوَّل إلى الاهتمام باللغة العربيّة والدراسات الإسلاميّة، وبخاصة  القرآن الكريم.

تولَّى العديد من المناصب العلميّة؛ منها: مدرِّس في جامعة توبنجن وأستاذًا في جامعة هايدلبرج، ثم عاد إلى توبنجن أستاذًا للغة العربيّة والإسلاميّات من عام (1951- 1968م). ومن أهمِّ مؤلفاته (محمد والقرآن) وترجم معاني القرآن الكريم إلى الألمانية، وله كتاب عن  القرآن بعنوان (القرآن تعليق وفهرست).

(113)
11. آنا ماري شميل Annemarie Schimmel (7 أبريل 1922 ـ 26 يناير 2003)

هي واحدة من أشهر المستشرقين الألمان على المستوى الدولي، بدأت دراسة اللغة العربيّة في سن الخامسة عشرة، وتتقن العديد من لغات المسلمين، وهي التركية والفارسية والأوردو. درَّست في العديد من الجامعات في ألمانيا وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي أنقرة. اهتمت بدراسة الإسلام، وحاولت تقديم هذه المعرفة بأسلوب علمي موضوعي لبني قومها، حتى نالت أسمى جائزة ينالها كاتب في ألمانيا تسمَّى جائزة السلام. ولكن بعض الجهات المعادية للإسلام لم يرقها أن تنال هذه الباحثة المدافعة عن الإسلام هذه الجائزة في وجه الهجمات الغربيّة عليه، فحاولوا أن يمنعوا حصولها عليها...

ثانيًا: خصائص مدرسة الاستشراق الألمانيّ:

امتازت مدرسة الاستشراق الألماني منذ القرن الثامن عشر في ظل رائدها يوهان جاكوب رايسكه (1716- 1774)، بخصائص منها:

 إنّها لم تكن نتيجة لأهداف سياسية واستعمارية. ولم تكن وثيقة الصلة بالأهداف الدينيّة التبشيرية؛ لبعض الدول الأخرى؛ كفرنسا وإنكلترا وإيطاليا، بل على العكس كان الألمان على علاقة طيبة بالدولة العثمانية، فقد تحالفوا معها في الحرب العالمية الأولى [1].

 غلبة الروح العلميّة وتقصي الحقائق على الدراسات الشرقيّة في ألمانيا، فهي تمتاز بالعمق والشمولية.

 ما يبرزها عن غيرها من المدارس الاستشراقيّة الأخرى هو الاهتمام بالقديم والتركيز على دراسة التراث العربي وخدمة التراث. بدأ الاهتمام باللغات الشرقيّة مرتبطًا بعلم اللاهوت. وكانت اللغة العبريّة هي أساس هذه

(114)

الدراسات، ثم ما لبثت اللغة العربيّة والإسلام أن لقيا الاهتمام في أعقاب القرون الوسطى والدخول في عصور النهضة. ولعل أبرز ما قام به المستشرقون الألمان في مجال اللغة والتاريخ العربيّين والدراسات الإسلاميّة هو أنهم جمعوا المخطوطات العربيّة والنصوص القديمة ونشروها وفهرسوها[1].

 

المطلب الخامس: الاستشراق الإسبانيّ[2]:

نشأ الاستشراق الإسباني في أحضان حركة عدائية لكل ما هو عربي ومسلم، وكان هدفها التحقير والانتقام والتشويه، وقد وصف المستعرب الإسباني خوان غويتسولو في كتابه (في الاستشراق الإسباني) نماذجًا من هذا النوع حين يكتبون عن الإسلام والمسلمين بقوله إنّهم «إنّما يكتبون ويتصرفون وينطقون باسم المسيحيّة في مواجهة حضارة متدنية، وفي أفضل الأحوال، فإنّ استحضار الماضي المجيد الذي عرفه العالم الإسلاميّ يدفعهم إلى التفجع على نحو متحذلق على الانحطاط الحالي (انحطاطًا كان في رأيهم محتّمًا ولا مناص منه) وعلى عجزه الطبيعي عن هضم التقدم الأوروبي. «ووصف غويتسولو دراسات المستشرقين الأسبان للغات الإسلاميّة بأنّهم يدرسونها كما لو كانت «لغات حضارات منقرضة، ومقطوعة عن اللغات الحالية التي هي وريثها الشرعي، حاكمين عليها بذلك بأنْ تشكّل عدمًا أو ما هو أقل من العدم»[3].

واختلط الدافع الديني الحاقد بدافع استعماري سياسي حينما بدأت حركات الاحتلال الأوروبي للعالم الإسلاميّ وطمعت إسبانيا في المناطق المجاورة لها فجندت

(115)

مستشرقيها لإعداد الدراسات لمعرفة مواصفات السكان وطبائعهم وتجارتهم وزراعتهم، وكذلك معرفة اللغات واللهجات المحلية، وقد أنشأت الحكومة الأسبانية العديد من المراكز لتعليم العربيّة العاميّة والمغربيّة، فتجاوزت خمسين مدرسة.

وما تزال إسبانيا تحتفظ بالكثير من المخطوطات العربيّة في مكتباتها الكبرى كمكتبة الاسكوريال ومكتبة مدريد الوطنيّة، ومكتبة جمعية الأبحاث الوطنيّة.

و«الإسبان الذين يهتمّون بالدراسات العربيّة الإسلاميّة يفضلون تسميتهم بالمستعربين (الاستعراب Arabists)؛ عوض المستشرقين، وذلك نظير ما قاموا به خدمةٍ لدراسة اللغة العربيّة وآدابها، وحضارة المسلمين وعلومهم في شبه الجزيرة الإيبيرية بصفةٍ خاصةٍ، دون أن يهتموا بلغاتٍ شرقيةٍ أخرى؛ كالفارسية والتركية والأردية وغيرها»[1].

ويشير بعض الباحثين إلى أنّ مفهوم الاستعراب «ربما يكون قد أخذ منحى آخر في الأندلس حيث أطلق على العناصر المسيحيّة التي استعربت لغتها وعاداتها ولكنها بقيت على دينها محتفظة ببعض تراثها اللغوي والحضاري خاصة وأنّ الدولة الإسلاميّة كفلت لهم حرية العقيدة، فأبقت لهم كنائسهم وأديرتهم وطقوسهم الدينيّة التي كانت تقام باللغة اللاتينية»[2].

وجدير بالذِكْر أنّ أيّ دارس للاستشراق الإسباني وتاريخه لا يمكن له الإحاطة به بشكل سليم إلا بالرجوع لخلفياته الثقافية والتاريخية ولا يمكن إلا برده لأصوله التاريخية والمعرفية؛ أي بالغور في جذور الفكر الإسباني وبالذات الاستشراقي للوصول إلى هويّته العربيّة الإسلاميّة؛ باعتباره حقبة زاهرة في تاريخ أوروبا، ولذلك نجد من رواد هذا الفكر أسماء تعتبر من أقطاب الفكر العربي الإسلاميّ؛ كابن رشد وابن طفيل وابن باجه وابن حزم.

(116)
أولًا: من أعلام الاستشراق الإسباني:
1. ميغيل آسين بلاثيوسMiguel Asin Placios (1871م-1944م)

ولد في 5 يوليو1871م في مدينة سرقسطة والتحق بكلية الآداب في جامعة سرقسطة بالإضافة إلى دراسته في المعهد المجمعي، فتخرج فيه قسيسًا.

من مؤلفاته كتاب «علم الأخرويات الإسلاميّ في الكوميديا الإلهية» (1919، بالإسبانية: La Escatología musulmana en la Divina Comedia)، الذي ألقى فيه الضوء على المصادر الإسلاميّة للأفكار والدوال الموجودة في الكوميديا الإلهية لدانتي كتب بلاثيوس الكثير من المؤلفات عن الإسلام في العصور الوسطى، وقد عَنِي بلاثيوس بمحيي الدين بن عربي عناية شديدة، فنشر عنه سلسلة دراسات منوعة.[1]

2. سيكودي لوثينا باريديس Secode Lucena Paredes

ولد في غرناطة ودرس الفلسفة في كلية الآداب في جامعة غرناطة، عمل مستشارًا للثقافة والتعليم في الإقامة الإسبانية في المغرب، عيّن أستاذًا للغة العربيّة في جامعة غرناطة عام 1942م، وثمّ عيّن مديرًا لمعهد الدراسات العربيّة في غرناطة، وعمل رئيسًا لقسم الدراسات العربيّة في معهد الدراسات الإفريقية في مدريد، انتخب عضوًا في مجمع الفنون الجميلة، له إنتاج غزير في مجال تحقيق المخطوطات وفي البحوث عن الشريعة الإسلاميّة، وكذلك عن التاريخ الإسلاميّ والآثار الإسلاميّة.[2]

3. إميليوجارثيا جوميز Emilio Varcia Gomez

ولد في مدريد ودرس في جامعتها، عمل أستاذًا في جامعة غرناطة وفي جامعة مدريد. تولى إدارة المعهد الثقافي الإسباني، زار سوريا ولبنان، انتخب عضوًا في المجمع

(117)

العلمي العربي في دمشق عام 1948م، عمل سفيرًا لبلاده في بغداد وفي لبنان، له دراسات عديدة في الأدب العربي وترجمات لبعض الشعر العربي إلى الإسبانية.

ومن أقوال غارسيا «لو لم يكن الحضور العربي في الأندلس وما أفرزته من حضارة مشرقة طوال ثمانية قرون، لما وصل الغرب إلى ما وصل إليه الآن، بل كان عليه أن يبدأ من حيث انتهى الرومان والإغريق «اميليوغارسيا غومز لمجلة الأندلس، العدد 47، مدريد 1995»[1].

4. بوش فيلا Bosch Villa

ولد في فيجراس عام 1922م، درس في جامعة برشلونه فقه اللغات السامية وحصل على الدكتوراه من جامعة مدريد بعنوان (الإقطاع، مملكة الطوائف على عهد بنورزين) عمل في تدريس اللغة العربيّة في كل من جامعتي برشلونة وجامعة سرقسطة، تولى منصب أستاذ مساعد للتاريخ والنظم الإسلاميّة في جامعة مدريد وعمل أمين مكتبة معهد الدراسات العربيّة في مدريد، ودرّس التاريخ والنظم الإسلاميّة في جامعة غرناطة.

تولى رئاسة الجمعية الإسبانية للمستشرقين، وهو عضو جمعية شمال أمريكا لدراسات الشرق الأوسط، تركزت بحوثه في مجال الدراسات الإسلاميّة والجغرافيا والتاريخ كما اهتم بقضايا العالم العربي المعاصرة.

آثاره:

    1- دراسات عن الأصل التاريخي لكتاب الروض المعطار (سرقسطة 1950)

    2- والوثائق العربيّة والعبريّة في أراغون ونبره (سرقسطة 1953)

    3- وأثر العرب في ثقافة الثغر الأعلى (مدريد 1954)

(118)

    4- وتاريخ المغرب، جـ 5، الموحدون (تطوان 1957)

    5- ومملكة بني رزين (مدريد 1959)

    6- ومباحث عن الكتابات العبريّة والعربيّة (تكريم مياس فاليكروسا 1954)

    7- وحول بعثة نصرانية إلى بلاط المقتدر ابن هود (تمودا 1954)

    8-  والدنانير الأسبانية (تمودا 1954)[1].

5. فيدريكيوكورينتي CORRIENTE  Federico

ولد في غرناطة في 14/11/1940م درس اللغات الشرقيّة في جامعة مدريد، حصل على الدكتوراه في علم اللغة، عمل مديرًا للمركز الثقافي في القاهرة 1962م-1965م، تولى منصب أستاذ اللغة الإسبانية في مدرسة الألسن العليا في جامعة عين شمس في الفترة نفسها، وترأس قسم اللغة الإسبانية في جامعة محمد الخامس في الرباط عام 1965م-1968م، عمل في جامعة فيلاديلفيا أستاذًا للغات الشرقيّة والعربية، وأستاذًا لكرسي اللغة العربيّة في جامعة سرقسطة منذ عام 1976م.

ألّف أعمالًا هامّة توطّد التلاقح اللغوي والثقافي العربي الإسباني؛ مثل: القاموس العربي الإسباني، والقاموس الإسباني العربي، وقاموس المفردات الإسبانية ذات الأصول العربيّة، وغيرها من أعمال الترجمة عن الأدب العربي القديم، وعن أدب القرون الوسطى والأدب العربي المعاصر، فضلًا عن بعض الدراسات المتعلّقة بعلم اللهجات؛ كاهتمامه بلغة الأندلس وعلاقتها بلغات شبه الجزيرة الإيبيرية. حاز على جوائز عالميّة عدّة عن أعماله التي وصلت إلى أربعين كتابًا وخمس وخمسين مقالةً؛ بالإسبانية والإنجليزية والعربيّة والفرنسية والبرتغالية والروسية[2].

(119)
ثانيًا: خصوصيّات المدرسة الاستشراقيّة الإسبانيّة:

أهم ما يميز الاستشراق الإسباني ما يأتي:

1- يعتبر الدافع العلمي المحرك الأول للاستشراق الإسباني، فالرغبة في تعلم اللغة العربيّة من أجل دراسة الكتب العربيّة وترجمتها كانت السبب الرئيس في إقبال الإسبان على حقل الاستشراق.

2- يكاد الاستشراق الإسباني أن يكون مشابهًا للاستشراق الألماني في التركيز على التراث العلمي العربي، والاهتمام به؛ حفظًا وفهرسةً وتحقيقًا ونشرًا، ولعلّه امتاز عنه بامتلاك جزءٍ كبيرٍ من هذا التراث في المكتبات الإسبانية.

3- على الرغم من أن القرن العشرين شهد انخفاضًا واضحًا في العمل الاستشراقي من حيث المستوى الكمّيّ، إلا أنّنا نجد شذوذًا في الاستشراق الإسباني يمثله عدد من المستشرقين الإسبان وفي طليعتهم آسين بلاسيوس الذي خلف ما يقرب عن مائتين وخمسين كتابًا وبحثًا بعضها في عدةِ مجلداتٍ، وكذلك غونزاليث بلانسيا الذي خلف ما يقرب عن ثلاثمائة وعشرين كتابًا وبحثًا، وهو عددٌ يذكّرنا بما تميز به الألمان في مراحل الاستشراق الأولى من تفرغ للبحث والإنتاج العلمي.

4- كان للقساوسة والرهبان أثرٌ واضحٌ في تنشيط الاستشراق الإسباني، وذلك بانخراطهم الشخصي في هذا الميدان، أو بدفعهم الباحثين الآخرين إليه، ومن أشهر هؤلاء يوحنا الأشقوبي، وبدرو القلعاوي، وريموندو مارتيني، وكانيس.

5- فهرسة المخطوطات العربيّة أحد المجالات التي اهتم بها المستشرقون الإسبان، وكان لهم فيها دورٌ واضحٌ، ومن الأسماء اللامعة في الفهرسة: غينغوس، وسلفادور غوميث، وألاركون[1].

 ولكن لا يمكن إنكار الدوافع الدينية الكامنة والظاهرة في هذا الاستشراق،

(120)

وما شابه من نزعة تعصب ديني نتيجة الصراع بين المسلمين والمسيحيين في الأندلس وطرد المسلمين من تلك البلاد.

 

المطلب السادس: الاستشراق الهولندي: 

اهتمّ المستشرقون الهولنديون باللغة العربيّة ومعاجمها، كما اهتموا بتحقيق النصوص العربية، وما يميز الاستشراق الهولندي اتساع نشاطات الجامعات ومراكز البحوث والمعاهد الهولندية في مجال الدراسات العربيّة والإسلاميّة، وبخاصة جامعة ليدن التي يوجد فيها كليَتَي الآداب واللغات والثقافة، وكلية اللاهوت التي تضم معهد ليدن لدراسة الأديان. ولو أضفنا إلى هذه الجامعات ما تقوم به دار بريل للنشر من الإشراف على طباعة دائرة المعارف الإسلاميّة وسلسلة من الكتب المختارة بعناية عن الإسلام والمسلمين لتأكّد لنا أهمية هذا الاستشراق.

والمتابع للنشاطات الاستشراقيّة الأوروبية يلفت نظره سعة الاستشراق الهولنديّ ونشاطاته الواسعة والدعم الحكومي الكبير ودعم المؤسسات التجارية والخيرية الهولندية لهذا المجال حتى تكاد تكون هولندا هي رائدة الاستشراق الأوروبي المعاصر.

إنّ جامعة ليدن تعدّ أم الجامعات الهولندية في مجال الدراسات العربيّة والإسلاميّة، وقد تأسّست هذه الجامعة عام 1575م وبدأت الدراسات الاستشراقيّة فيها عام 1591 عندما استقدمت الجامعة العالم الأوروبي المشهور جوزيف سكاليجر (1540-1609مم)ن فرنسا. ومنذ ذلك الحين والدراسات العربيّة الإسلاميّة في تطور مستمر وقد ازدادت تطورًا خلال الأعوام العشر الماضية لتصبح بؤرة لاهتمام المستشرقين الغربيّين عمومًا وبخاصة أن مدينة ليدن تضم مؤسسة بريل التي تقوم بطباعة دائرة المعارف الإسلاميّة ونشرها.

(121)
ومن أبرز أعلام الاستشراق الهولندي:
1. رينهارت دوزي Rienhart Dozy (1820م-1883م)

ولد في 21 فبراير 1920 في مدينة ليدن، بدأ دراسة العربيّة في المرحلة الثانوية وواصل هذه الدراسة في الجامعة، حصل على الدكتوراه عام 1881م عن بحثه (أخبار بني عيّاد عن الكتّاب العرب) اهتم بالمخطوطات العربيّة وبخاصة كتاب الذخيرة لابن بسّام وغيره من الكتب، اهتم بتاريخ المسلمين في الأندلس وأبرز كتبه «تاريخ المسلمين في إسبانيا» المكون من عدة مجلدات، أشهر هذه الكتب: تكملة المعاجم العربية[1].

2. ميخيل يوهنا دى خويه Michael Jan De Goje (عاش 1836-1909).

ولد في 9 أغسطس 1836، تخصص في جامعة ليدن بالدراسات الشرقيّة ومن أساتذته المستشرق دوزي وكانت رسالته للدكتوراه بعنوان (أنموذج من الكتابات الشرقيّة في وصف المغرب مأخوذ من كتاب البلدان لليعقوبي)، عمل في التدريس في جامعة ليدن، وكان أبرز اهتماماته الجغرافيا، وكذلك التاريخ الإسلاميّ، ومن إنتاجاته: تحقيق كتاب فتوح البلدان للبلاذري، كما شارك وأشرف على تحقيق تاريخ الطبري، وهو غزير الإنتاج.

يعتبر أرسخ المستشرقين قدمًا في الدراسات العربيّة. تعلم في جامعتي ليدن وأكسفورد، ودرس في الأولى. وكان من أعضاء المجمع الشرقي في ليدن ومجامع أخرى. ونشر نفائس من الكتب العربية.

انصبّ اهتمام دي خويه على كتب الجغرافيا العربيّة، وصدرت باهتمامه سلسلة المكتبة الجغرافية العربيّة في عشرة أجزاء، ما بين عامي (1870- 1894م)عتمدًا فيها على مخطوطات مكتبة ليدن الشهيرة. وتضمنت الكتب الأمهات الجغرافية والتاريخية ومنها:

(122)

كتاب البلدان لليعقوبي (توفي 284هـ/ 897م) يُعني هذا الكتاب بالجغرافية الاقتصادية وإحصاءات الجباية.

    - فتوح البلدان الصغير للبلاذري.

    - مسالك الممالك للإصطخري.

    - صورة الأرض لابن حوقل.

    - أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي.

    - التنبيه والإشراف للمسعودي.

مختارات من كتاب الخراج لأبي فرج قدامة بن جعفر يعرض لنظام البريد والجباية والإدارة. وغيرها من الكتب[1].

3. سنوك هورخرونيه Christiaan Snouk Hurgronje (1857-1936م)

ولد في أستر هوت، وتعلم بليدن وستراسبورج. وأقام في «جدة «في الحجاز (سنة 1884) سبعة أشهر، ويقول إنّه دخل مكة متسمّيًا بعبد الغفّار، ومكث فيها، في «سوق الليل» خمسة أشهر، واضطر إلى مغادرتها فجأة قبل حلول موسم الحج، لانكشاف أمره بكلمات فاه بها وكيل قنصل فرنسة في جدة في بعض المجالس. ورحل إلى بلاد الجاوي، فأقام 17 سنة. وعيّن (سنة 1906) أستاذًا للعربيّة في جامعة ليدن، خلفًا لدي خويه.

ثمّ كان مستشارًا في الأمور الإسلاميّة والعربيّة، في وزارة المستعمرات الهولندية.

له كتب عدّة، بالألمانية، عن الإسلام والمسلمين، أشهرها كتابه عن «مكة في القرن التاسع عشر»، في مجلّدين، نشره سنة 1889م، وهي مجموعة في ستة مجلدات، طبعها سنة 1923 - 1927 في «الإسلام وتاريخه» و«الشريعة الإسلاميّة» و«بلاد العرب وتركيا» و«الإسلام في المهاجر الهولندية» و«اللغة

(123)

والأدب» و«ملاحظات في الكتب» ذكر فيه بعض المخطوطات وتواريخ كتابتها، و«فهارس الأجزاء المتقدّمة»[1].

وأبرز من أثّر على سنوك هرخرونيه في مرحلة دراسته؛ هما:

    • ثيودور نولدكه.

    • دي خويه.

يعد سنوك أنموذجًا للمستشرق الذي خدم الاستعمار خدمات كبيرة وسخّر علمه لهذا الغرض.

4. أرنت ڤنسنك Arnet Jan Wensink (1882-1939)

كان أستاذ اللغة العربيّة في جامعة ليدن من سنة 1972 إلى وفاته. وقام برحلات إلى مصر وسورية وغيرهما من بلاد العرب. وانصرف إلى العناية بالحديث النبوي، فوضع بالإنجليزية معجمًا للألفاظ الواردة في أربعة عشر كتابًا من كتب السنن والسيرة، نقله إلى العربيّة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي وسمّاه (مفتاح كنوز السنة) وتولّى فنسنك تحرير (دائرة المعارف الإسلاميّة سنة 1925 م، بلغاتها الثلاث، فأتم منها أربعة مجلدات وخمس ملازم. وكتب مقالات كثيرة في مجلات مختلفة. وله كتب بالإنجليزية عن الإسلام والمسلمين. وبدأ بنشر المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي) بالعربيّة، وتوفي قبل إتمامه[2].

له إنتاج غزير في مجال الدراسات الإسلاميّة؛ منها: (الإسلام في مرآة الغرب) و(واقع الجامعات العربيّة–مجلدان) والطرق الكلاسيكية لدراسة الدين، شارك في الكتابة في دائرة المعارف الإسلاميّة (الطبعة الثانية) وقد كتب مادة (مستشرقون).

(124)

المطلب السابع: مدرسة الاستشراق الأمريكي:

نشأت حركة الاستشراق في أوائل القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد غلب عليها الطابع الديني، ولكن مع عدم إغفال الأطماع السياسية، فكيف يكون لبريطانيا إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس ولا يكون لأمريكا اهتمامات إمبريالية، وقد اشترك الهدفان، فتأسّست الجمعية الشرقيّة عام 1840م وأرسلت باحثيها إلى العالمين العربي الإسلاميّ، وحرصت بعض الجامعات الأمريكية على أن تنال نصيبها من المخطوطات الإسلاميّة، فاشترت جامعة برنستون Princeton كمية من المخطوطات حتى أصبحت تضم ثاني أكبر مجموعة مخطوطات إسلامية[1].

ولكنّ الاستشراق الأمريكي بدأ عمليًا بعد الحرب العالمية الثانية، وشَهِد نهضةً شاملة حينما أَخْلَتْ بريطانيا مواقعَها للنفوذ الأمريكي؛ كما ذكر ذلك «مايلز كوبلاند» ضابط المخابرات الأمريكي في كتابه: (لعبة الأمم)، ووجد الأمريكيون أنّهم بحاجةٍ إلى عددٍ كبير من المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، فأصدرتِ الحكومة الأمريكية مرسومًا عام 1952م خصصتْ بموجبِه مبالغَ كبيرة لتشجيعِ الجامعات على افتتاحِ أقسام الدراسات العربيّة الإسلاميّة، واستقدم لذلك خبراء في هذا المجال من الجامعات الأوروبية، وحضر من بريطانيا كلٌّ من: «جوستاف فون جرونباوم»، و«هاملتون جب»، و«برنارد لويس»، وغيرهم، فأسّس هاملتون جب مركزَ دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، و«جرونباوم» أسّس مركزًا في جامعة كاليفورنيا في مدينة لوس أنجلوس»، وبعد  أن خرجت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب العالمية الثانية منتصرة، وأصبحت قوة عظمى، وتغيرت موازين القوى في العالم كان لا بد لها أن تتعلم من الأوروبيين الذين كانوا يسيطرون على معظم أرجاء العالم الإسلاميّ كيف كانوا يُحكِمون سيطرتهم عليه، فماذا هم متعلمون؟

(125)

«بدأت وزارة الدفاع الأمريكية باستصدار قانون يخولها الإنفاق بسخاء على برامج الدراسات العربيّة والإسلاميّة وبرامج دراسات الشرق الأوسط في الجامعات الأمريكية، وفي مراكز البحوث والمؤسسات العلميّة المختلفة، واستعانت في هذا الأمر بمجموعة من المستشرقين الأوروبيين الذين تركوا بلادهم إلى العالم الجديد؛ لأنّهم أدركوا اهتمام أمريكا بخبراتهم.

وانتشرت مراكز الدراسات العربيّة الإسلاميّة وأقسام الشرق الأوسط في الجامعات والمعاهد العلميّة الأمريكية حتى تجاوز عددها المئات، وبدأت نشاطًا محمومًا في دراسة العالم الإسلاميّ. وبعد مضي فترة من الزمن لم تطل كثيرًا أصبحت هذه المراكز عصب السياسة الأمريكية تمد السياسيين بالمعلومات والمقترحات والآراء والخطط، وحدث تبادل في المراكز فكم من مستشرق أو متخصص في الدراسات العربيّة الإسلاميّة انتقل إلى العمل السياسي، وكم من سياسي ترك السياسة إلى العمل الجامعي والبحث والدراسة.

 ولعل من أبرز اهتمامات السياسة الأمريكية دراسة الحركة الإسلاميّة وسبل مواجهتها والقضاء عليها، ومن ذلك أن مجموعة من المستشرقين والسياسيين الذين عملوا في العالم الإسلاميّ قدموا ثمرة خبراتهم وبحوثهم إلى الكونجرس الأمريكي في جلسات خاصة في صيف وخريف عام 1985م، وقد نشرت محاضر الجلسات في كتاب بلغت صفحات اثنتين وأربعين وأربعمائة صفحة ووزع توزيعًا محدودًا حتى يتسنى للمختصين مواصلة البحث والدراسة» [1].

ومن أبرز أعلام الاستشراق الأمريكيّ:
1. كرنيليوس فنديك Cornilius Van Dyke(1818-1895)

مستشرق وطبيب أمريكي، هولندي الأصل ومن أقدم أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت عمل في مستشفى مار يوحنا في بيروت. أما في الطب فله مؤلّفات عدّة؛

(126)

منها: كتاب الباثولوجيا التشخيص الطبيعي للفحص الطبي، ورسالة في الجدري والحصبة للرازي، وغير ذلك[1].

ولد في قرية من أعمال نيويورك، وتعلم الطب الصيدلية في مدرسة جفرسن (في فيلادلفيا) وأرسله مجمع المرسلين الأميركيين، للتبشير الديني في سورية، وهو في الحادية والعشرين من عمره، فقدم بيروت سنة 1840 وحذق العربيّة كل الحذق، وحفظ كثيرًا من أشعارها وأمثالها ومفرداتها وتاريخها. وأنشأ مع بطرس البستاني مدرسة في عبية (في لبنان) وتنقّل في الإقامة بين القدس ولبنان وصيدا.

له نحو خمسة وعشرين مصنّفًا عربيًّا، أشهرها: «المرآة الوضية في الكرة الأرضية» و«النقش في الحجر»  ثمانية أجزاء، و«أصول علم الهيئة» و«التشخيص الطبيعي» و«الروضة الزهرية في الأصول الجبرية» و«الأصول الهندسية» و«أصول الكيمياء» و«طب العين.» ونُشرت له أبحاثًا من كتابه «تاريخ الأطباء»، في المقتطف[2].

2. جورج سارتون George Sarton (1884-1956).

بلجيكي الأصل متخصص في العلوم الطبيعية والرياضية درس العربيّة في الجامعة الأمريكية في بيروت 1931-1932، ألقى محاضرات عن فضل العرب على الفكر الإنساني، أشرف مع ماكدونالد على مجلة إيزيس 1913-1946 وأبرز إنتاجه (المدخل إلى تاريخ العلم).

وجورج سارتون من أعضاء المجمع العلمي العربي. قالت مجلة المجمع في وصفه: (أخلص الحب للعرب ولغتهم، وجلا فضل علمائهم على العالم القديم، في تجرّد وانصاف) هاجر من بلاده إلى أميركا (سنة 1916م) فكان مدرس (تاريخ العلوم) في جامعة هارفرد (1917 - 49) وزار مصر وبلاد الشام وإفريقية الشمالية سنة 31 – 32 وألقى محاضرات حول بيان (فضل العرب على التفكير الإنساني)

(127)

وانشأ مجلتين إنكليزيتين علميتين؛ هما: (إيزيس) و(أوزيريس) فأصدر منها 43 مجلّدًا، وتخلّى عن الإشراف عليهما بعد ذلك لبعض العلماء. وكان من أعضاء عشرة مجامع علمية دولية، ومنح ست شهادات (دكتوراه) فخرية وظل مدة طويلة رئيسًا للاتحاد الدولي لتاريخ العلوم، في باريس. وكتب وألّف كثيرًا. أجلّ كتبه (المدخل إلى تاريخ العلوم) بالإنجليزية، في خمسة مجلدات، خص تاريخ العلوم عند العرب بجزء وافر منه. وله (حضانة الشرق الأوسط للثقافة الغربيّةم)حاضرة ترجمها إلى العربيّة عمر فروخ، و(تاريخ العلم) الأول والثاني، ترجمتهما إلى العربيّة لجنة نشر مؤسسة فرانكلن»[1].

3. جوستاف فون جرونباوم Gustav Von Grunbaum (1909-1972)

ولد في فيينا في 1/9/1909م، درس في جامعة فيينا وفي جامعة برلين، هاجر إلى الولايات المتحدة والتحق بجامعة نيويورك عام 1938م، ثم جامعة شيكاغو، ثم استقر به المقام في جامعة كاليفورنيا حيث أسهم في تأسيس مركز دراسات الشرق الأوسط الذي أطلق عليه اسمه في ما بعد، من أهم كتبه الإسلام في العصر الوسيط، كما اهتم بدراسة الأدب العربي وله إنتاج غزير في هذا المجال.[2]

4. جورج رنتز George Snavely Rentz (1912 -1987)

هو باحث ومستعرب ورائد من روّاد شركة الزيت العربيّة الأمريكية (أرامكو) حيث عمل فيها من عام 1946 حتى 1963، وهو مؤسس قسم الأبحاث والترجمة في إدارة العلاقات الحكومية في أرامكو.

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عينت أرامكو جورج رينتز مترجمًا في قسم الأبحاث والترجمة بشكل مؤقت ولكن فترة عمله طالت وامتدت حتى انتهى به

(128)

المطاف إلى أن  عمل مع أرامكو لمدة 17 عامًا، فقد عُين رينتز في عام 1946 مديرًا لقسم الأبحاث والترجمة في إدارة العلاقات الحكومية، وأصبح له تأثيرًا كبيرًا على سياسات أرامكو التي تحكم علاقتها بموظفيها السعوديين وبموظفي الحكومة السعودية الذين تتعامل معهم، وذلك في ما يتعلق بأمور الدين والثقافة والأعراف.

في فترة عمله مع أرامكو قام رينتز بتوثيق التاريخ الشفوي للقبائل البدوية ونشر سلسلة من كتيبات أرامكوAramco Handbooks  وهي المطبوعات التي تصدرها أرامكو أدلةً لموظفيها الغربيّين عن ديانة المملكة العربيّة السعودية وثقافتها وأعرافها، ونشرت في ما بعد للتوزيع العام مثل كتيّب جزيرة ابن سعود The Arabia of Ibn Sa’ud. في عام 1948م. أنهى رينتز أطروحته عن الحركة الوهابية في المملكة العربيّة السعودية وهي أطروحة شهادة الدكتوراه التي حصل عليها من جامعة كاليفورنيا، بركلي. وفي الخمسينات أنجز رينتز مع زميله وليام موليجان بعض من أهم الدراسات التي خرجت من قسم الأبحاث والترجمة في أرامكو:

    • الروافد الشرقيّة لمنطقة الإحساء

The Eastern Reaches of al-Hasa Province

    • عمان والساحل الجنوبي للخليج الفارسي

Oman and the Southern Shore of the Persian [1]Gulf.

5. ويلفرد كانتويل سميث Wilfred Cantwell Smith (1916-2000)

وهو كَندي، أستاذ في مقارنة الأديان، كان يعمل مدير مركز جامعة هارڤرد (1964-1973) لدراسة الديانات في العالم. ويعتبر من أكثر الشخصيات تأثيرًا في هذا المجال في القرن الماضي. أثار عمله (المعنى ونهاية الدين) في عام 1962م جدلًا واسعًا لتشكيكه في صحّة مفهوم الدين.

(129)

درس اللغات الشرقيّة في جامعة تورنتو، حصل على الماجستير والدكتوراه في مجال دراسات الشرق الأدنى من جامعة برنستون، متخصص في دراسة الإسلام وأوضاع العالم الإسلاميّ المعاصرة وأشهر كتبه في هذا المجال (الإسلام في العصر الحديث) عمل أستاذًا في جامعة هارفرد وفي معهد الدراسات الإسلاميّة في جامعة مكگيل في كندا، قام بتدريس الدين الإسلاميّ في كلية نورمان المسيحيّة في مدينة لاهور في باكستان 1941م - 1945م، دعي للعمل أستاذًا زائرًا في العديد من الجامعات، صدر له كتب عدّة؛ منها: (نماذج الإيمان حول العالم)، و(الإيمان نظرة تاريخية)، و(الإيمان والاعتقاد والفرق بينهما)[1].

6. باربرا ريجينا فراير ستواسر Barbara Regina Fryer Stowasser (ت 2012)

ولدت في ألمانيا حيث تلقت تعليمها الأولي ثم حصلت على الشهادة الجامعية من جامعة أنقرة في دراسة اللغة التركية العثمانية والحديثة واللغة الفارسية والعربيّة والتصوف، حصلت على الماجستير من جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس في تاريخ الشرق الأوسط وحضارته، حصلت على الدكتوراه من جامعة مونستر Munster  في ألمانيا في الدراسات الإسلاميّة.

تولت العديد من المناصب منها أستاذة مساعدة بقسم اللغة العربيّة في جامعة جورج تاون في واشنطن العاصمة. ثم عينت مديرة لمركز الدراسات العربيّة المعاصرة بالجامعة نفسها في الفترة من 1993 حتى الآن، لها العديد من المؤلّفات منها: (النساء في القرآن وفي الحديث وفي التفسير)، و(التطور الديني والسياسي، بعض الأفكار حول ابن خلدون وميكيافيللي)، وعدد كبير من البحوث عن الدراسات الإسلاميّة؛ وبخاصة في ما يتعلق بالمرأة في الإسلام؛ قديمًا وحديثًا.

وهي عضو مؤسس في المجلس الأمريكي لجمعيات الدراسات الإسلاميّة، وعضو في الجمعية الاستشراقيّة الأمريكية، وعضو الرابطة الأمريكية لمعلمي اللغة العربية.

(130)

المطلب الثامن: مدرسة الاستشراق الروسي[1]:

قوي الاهتمام بالاستشراق في روسيا في بداية القرن التاسع عشر حينما أنشأت بعض الجامعات الروسية كراسٍ باللغة العربيّة عن الإسلام، ومن هذه الجامعات: جامعة قازان، وجامعة موسكو، وجامعة بطرس برغ، وكلية لازاريف، وغيرها، حيث شجّعت الحكومات الروسية في العهود المختلفة دراسة التراث العربي الإسلاميّ، وخاصة ذلك الذي يتعلّق بالأقاليم الإسلاميّة الواقعة تحت سيطرة روسيا لتوسيع المعرفة بالشعوب الإسلاميّة.

إنّ بدء العمل الرسمي والمنظّم في الدراسات الاستشراقيّة العربيّة الإسلاميّة، كان مع عهد القيصر بطرس الأكبر، عندما أُنجِزَت أوّل ترجمة للقران الكريم عام 1716م إلى اللغة الروسية، وقد قام بها الدكتور (بيتر بوستينكوف) عن الترجمة الفرنسية للمستشرق الفرنسي (ديوري) عام 1643م، تلا ذلك ترجمة أخرى عام 1776م، ولكن أول ترجمة للقرآن من اللغة العربيّة مباشرة إلى اللغة الروسية كانت في عام 1878م، قام بها المستعرب (سابلوكوف) 1854م -1880م، الذي كان يتقن العربيّة إتقانًا جيدًا، وقد تكررت طباعة هذه الترجمة في أعوام 1879م-1898م. وقام المستعرب (موخلينسكي) 1808م - 1877م بترجمة وتفسير  القرآن إلى اللغة البيلاروسية والبولندية من أجل التتار المسلمين الذين كانوا على حدود بيلاروسيا وبولندا وليتوانيا[2].

(131)

وقد تواصل هذا الاهتمام ولا سيّما خلال الربع الأخير من القرن نفسه، ففي عهد القيصرة كاتيرينا الثانية، أُرسل عدد من الطلاّب في بعثات لعدد من الدول الأوروبيّة، للتوسّع في تعلّم لغات الشعوب الإسلاميّة في الأقاليم الإسلاميّة، كما تمّ التوسع في الطباعة العربية، ولقد كان لمطابع سان بطرسبرج وقازان شهرة عالميّة في هذا المجال، حيث طُبع العديد من المؤلّفات والكتب الإسلاميّة، ويأتي على رأس تلك المطبوعات، طباعة المصحف الشريف، الذي طبع سنة 1778م، ثم تكرّر طبعه في سنوات لاحقة [1].

ومن أبرز أعلام الاستشراق الروسيّ:
1. فاسيلي فلاديمر بارتولد V.V. Barthold  (1869م-1930م)

وُلد فاسيلي فلاديمر بارتولد في مدينة سان بطرسبرج في أقصى الغرب الروسي سنة 1869م لأسرة تعود أصولها إلى الألمان الذين استوطنوا روسيا، وكانت أسرته على درجة كبيرة من الغنى والثراء ساعدته في دراساته وأسفاره، وقد استهوته دراسة اللغات وتاريخ الشعوب الشرقيّة، فتخرج في كلية اللغات الشرقيّة في جامعة بطرسبرج سنة 1891م، ثم قرر بعد التخرج السفر ليسمع على كبار المستشرقين في عصره، فاتجه صوب ألمانيا، وتمكّن من سماع محاضرات أساطين هذا اللون من الدراسات مثل أُوجست مولر ونولدكه وغيرهم، ثم قرر السفر إلى بعض بلدان وسط آسيا مثل تركستان ليقف بنفسه على تاريخ هذه الشعوب فيراها رأي العين[2].

درس التاريخ الإسلاميّ في جامعة بطرسبرج وعمل فيها أستاذًا لتاريخ الشرق الإسلاميّ، اهتم بمصادر التاريخ الإسلاميّ العربية، كما اهتم بدراسة ابن خلدون ونظريته في الحكم.

انتخب عضوًا في مجمع العلوم الروسي ورئيسًا للجنة المستشرقين، له كتابات كثيرة في مجال التاريخ الإسلاميّ.

(132)

وله مؤلفات متعددة منها:

«تاريخ تركستان» وهو رسالة ماجستير... وانخرط في السلك الأكاديمي في جامعة بطرسبرج ومنها إلى أعلى المراتب؛ عضوا في المجمع الأكاديمي السوفييتي ليكون له الدور الأكبر في إصدار مجلة علمية مختصة بدراسة الإسلام وهي مجلة «عالم الإسلام» التي صار رئيس تحريرها[1]. في عام 1894م بدأ بارتولد بنشر مقالاته عن الإسلام، مثل «الإسلام المعاصر ومهماته»، و«العلم الإسلاميّ في مكة» التي نشرها في العام التالي، وبعد ذلك بست سنوات كاملة، نشر بارتولد دراسته «الأفكار الثيوقراطية والسلطة المدينية في الدولة الإسلاميّة».

وبعد عام 1916م انصرف بارتولد لتأليف كُتيّبات مبسطة بمنهجية علمية سليمة عن الإسلام والحضارة العربية، فأصدر كتيّبه الأول «الإسلام» الذي يقع في 60 صفحة، وتلاه كتابه «الحضارة الإسلاميّة» ثم كتاب «عالم الإسلام»، وهي الكتب التي لا تزال من أهم شواهد الانصاف في حقل الدراسات الاستشراقيّة للإسلام وشعوبه وثقافته، وإنْ شابها بعض القصور أو الخطأ[2].

2. إجناتي يوليانوفتش(كرتشكوفسكي) Ignaij Julianovic Krackovskij  (1883-1951م)

مستشرق روسي. ولد بفيلنل في 4 آذار وتعلم بها، ثم في معهد اللغات الشرقيّة في جامعة بطرسبرج، حيث عكف على دراسة اللغات العربيّة والفارسية والتركية والتتارية والعبريّة والحبشية القديمة، وأرسل في بعثة علمية إلى الشرق العربي، فأقام عامين (1908 -1910م) في سورية ولبنان وفلسطين ومصر ولما عاد إلى بلاده عُيّن مديًرا لمكتبة فرع اللغات الشرقيّة في كلية لينيغراد، فمدرّسًا للعربيّة فيها، وجعل من أعضاء أكاديمية العلوم الروسية في قسم التاريخ واللغات سنة 1921

(133)

م وانتخبه المجمع العلمي العربي في دمشق عضوًا مراسلًا سنة 1923 م، وتوفّي في لينينغراد.

من آثاره الرسائل الآتية: ترجمة الشاعر أبي دحبل الجمحي، التعاويذ عند عرب الجنوب الرواية التاريخية وكتبة العرب، حماسة البحتري وأول من اكتشفها في أوروبا، ونظرة في وصف مخطوطات ابن طيفور والأوراق للصولي[1].

ويمكن أن نقسّم إنتاج كرتشكوفسكي إلى الأبواب التالية:

أ. نشر النصوص العربيّة القديمة.

ب. ترجمات لنصوص عربيّة قديمة.

جـ . دراسات وترجمات للأدب العربيّ المعاصر.

د.  دراسات للأحوال الخاصة للعالم العربي:

    1. مقال بعنوان: «مصطفى كامل وجولييت آدم، بحث في تاريخ الحركة الوطنية في مصر».

      2 . «الشيخ أبو نَضًارة، مؤسس الصحافة الساخرة العربيّة في مصر».

      3 . «في الصحافة العربيّة في مصر».

      4. «المسألة العربيّة والتعاطف الروسي».

      5. «الكُتّاب الروس في الأدب العربي».

وإلى جانب هذه الدراسات والنشرات ألّف كرتشكوفسكي كتابين نال أولهما شهرة واسعة حتى ترجم إلى لغات عدّة، وهما:

1. «بين المخطوطات العربية».

2. «تاريخ التأليف في الجغرافيا عند العرب»[2].

(134)
3. فلاديمير إيفانوف W. Ivanov (1886م-1970م)

مستشرق روسي ورائد متقدم، بل ومُؤسس، في الدراسات النزارية الإسماعيلية الحديثة. وُلد في سانت بطرسبورج، ودرس التاريخ العربي والفارسي، إضافة إلى التاريخ الإسلاميّ وتاريخ آسيا الوسطى، في كلية اللغات الشرقيّة في جامعة سانت بطرسبورج، حيث تخرج في العام 1911. قام إيفانوف ببحث ميداني عن اللهجات الفارسية والشعر الشعبي في إيران استغرق سنوات عدّة. وبعد ثورة 1917م الروسية استقر إيفانوف في الهند، في كلكتا أولًا حيث قام بفهرسة مجموعات المخطوطات الفارسية الضخمة العائدة للجمعية الآسيوية في البنغال.

وفي العام 1931م قام الآغا خان الثالث بتوظيف إيفانوف عنده للقيام في أبحاث عن التاريخ والأدب الإسماعيليين. تمكن خلالها من التعرف على أعداد ضخمة من نصوص الأدب الإسماعيلي، التي صنفها في كتابه «المرشد إلى الأدب الإسماعيلي»[1]، فكان هذا العمل أول فهرس بالمصادر الإسماعيلية في الأزمنة الحديثة.

كما لعب إيفانوف دورًا فعالًا في تأسيس الجمعية الإسماعيلية في بومباي سنة 1946م برعاية الآغا خان الثالث، وأصبحت جلّ دراساته الإسماعيلية الكثيرة وتحقيقاته للنصوص الإسماعيلية وترجمتها، لا سيما تلك المتعلّقة بالمصادر النزارية، تصدر عبر سلسلة منشورات الجمعية الإسماعيلية. أمضى إيفانوف العقد الأخير من حياته في طهران، حيث توفي فيها ودفُن سنة 1970م.

«فهو متخصص بالدراسات (النزارية)، زار آلموت [قلعة آلموت (|Alamūt|)] مرّتين لدراستها على الطبيعة والتأكد من بعض ما ورد عنهم وعنها»[2]. ومن آثاره المخطوطات الإسلاميّة في المتحف الأسيوي، وثائق جديدة لدراسة الحِجاج وعقيدة الفاطميين.

(135)
4. أغاتنگل يوخيموڤيتش كرمسكي A.E. Krymsky (1871م-1941م)

(عاش1871-  1942م) اهتم بدراسة التاريخ العربي والإسلاميّ وكذلك اللغات السامية وتاريخ الشعوب الناطقة بالتركية ولا سيما تتار القرم الذين ينتمي إليهم عن طريق والده.

درس في جامعة موسكو في الفترة من 1892م إلى 1896م اللغات السلافية والعربيّة والفارسية. عاش في سوريا في الفترة من 1896م إلى 1898م، عمل أستاذًا للعربيّة وآدابها في كلية لازاريف، وأستاذًا للعربيّة في قازان من 1898م إلى 1918م. تولى منصب سكرتير مجمع العلوم الأكراني. وترأس قسم الدراسات العليا في خاكوف بعد الثورة البلشفية 1917م.

أصدر كريمسكي العديد من البحوث العلميّة؛ منها:

«دراسة تطور الصوفية حتى نهاية القرن الثالث الهجري» (1895)

«محاضرات حول القرآن الكريم» (1902)

«تأريخ الإسلام» في ثلاثة مجلدات (1903-1904)

«تأريخ تركيا وآدابها» في مجلدين (1910-1916)

«تأريخ العرب والأدب العربي» في ثلاثة مجلدات (1911-1913)

«تأريخ فارس وآدابها وحكمة الدروشة الصوفية» في ثلاثة مجلدات (1909–1917)

«تاريخ الأدب العربي الحديث» (1971)

«نظامي ومعاصروه» (1981) وغيرهم[1].

5. أ. إ. شميت A.E. Schmidt (1871م-1941م)

تلقى تعليمه على يد المستشرقين روزين وجولدزيهر، تخصص في دراسة اللغة العربيّة والتاريخ الإسلاميّ، عمل أستاذًا في جامعة بطرسبرج مدة عشرين سنة، ثم انتقل إلى طشقند عام 1920م ليؤسس جامعة فيها وكان أول رئيس لها، من آثاره: (تاريخ الإسلام)، و(النبيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله)، و(محاولة التقريب بين السنة والشيعة)، و(فهرس المخطوطات العربيّة في طشقند)[2].

(136)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

الدراسات الاستشراقيّة (المجالات، والخصائص)

 

(137)
(138)

كتب المستشرقون كتب كثيرة عن الإسلام والمسلمين؛ بناءً على معتقدات خاطئة ومزاعم مفتراة، هدفها تشويه صورة الإسلام والمسلمين في المجتمع الغربي، وإنْ كان هذا لا يمنع من بروز بعض المؤلّفات المنصفة للإسلام والمسلمين، ومن تلك الكتب المتطرّفة نذكر: تاريخ القرآن لتيودور نولدكه، حياة محمد لسير وليام موير، تاريخ مذاهب التفسير الإسلاميّ لجولدزيهر، مصادر تاريخ القرآن لآرثر جفري، دراسات في تاريخ الثقافة الإسلاميّة لفون جرونيباوم، الإسلام لألفرد جيوم، مقالة في الإسلام لجرجس سال، كتاب مصادر الإسلام لسنكلير تسدل.

وإنّ هذه الأعمال الاستشراقيّة التي كتبت عن الإسلام من كثرتها ألّفت عنها دراسات ببلوغرافية تحصي الدراسات والمقالات، نذكر على سبيل المثال: كتاب (كتابشناسي خاورشناسان) الذي دوّنته مجموعة من الباحثين والمترجمين، وصدر عن (انتشارات بين المللي الهدى) في طهران عام 1993م، وكتاب (طبقات المستشرقين) للدكتور عبد الحميد صالح حمدان، وكتاب (المستشرقون) لنجيب العقيقي، و(موسوعة المستشرقين) لعبد الرحمن بدوي.

وسنتعرض لنماذج من مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلاميّة وغيرها، طبعًا ما عدا القرآن الكريم وعلومه؛ لأنّه سيأتي الحديث عنه في الفصول القادمة.

 

المطلب الأوّل: السنّة النبويّة الشريفة:

حظيت السنّة النبويّة الشريفة، والسيرة النبويّة كذلك باهتمام منقطع النظير من قبل الباحثين المستشرقين ومن المدارس المختلفة، وإنْ اختلفت الدراسات والأبحاث؛ كمًّا ونوعًا، فالاستشراق الألماني، والبريطاني اهتمًا بشكل واضح بالسيرة النبويّة، والسنّة الشريفة، فتُرجمت السير والمغازي والملاحم، ووُضعت المصنّفات المرتبطة بشخص الرسول وسيرته المباركة، بينما نجد الاستشراق الهولندي مع أنّه

(139)

يعتبر من أهمّ المدارس الاستشراقيّة الأوروبيّة ولكنّه انصبّ جهده على الأدب واللغة العربيّة واللغات بشكل عام أكثر من اهتماهه بالسيرة والسنّة.

وقد تعدّدت الكتابات الحديثة في بيان موقف المستشرقين من الحديث الشريف أو السنة النبويّة المطهّرة، ومناقشة شبهاتهم حولها، مثل شبهة تأخّر تدوين السنّة، وشبهة تطوّر الإسناد، وشبهة اهتمام المحدّثين بنقد سند الحديث وإهمال نقد المتن، وغير ذلك من الشبه[1]. كما تناولت بعض الدراسات نقد مناهج المستشرقين في دراستهم لعلم الحديث والسيرة النبوية[2].

وهناك إشكالات متعدّدة وشبهات نسجتها الدراسات الاستشراقيّة على السنة النبوية وهناك شبهات يمكن اعتبارها مشتركة بين كل الدراسات الاستشراقيّة، نذكرها على الشكل الآتي:

1- مفهوم السنة النبوية عند المستشرقين.

2- الطعن في رسالة النبيّ.

3- الطعن في شخصية النبيّ ومنها:

    • زعمهم انشعالة بالنساء.

    • زعمهم اهتمام الرسول بالغنائم والسلب.

الطعن في الأحاديث النبوية سندًا ومتنًا[3].

(140)

أولًا: أشهر المستشرقين ودراساتهم الاستشراقيّة عن السنّة النبوية:

ألويس أشبرنجر:(1228 - 1310 هـ / 1813 - 1893 م)

هو مستشرق نمساوي. اشتغل في مدرسة دهلي ومطبعة كالكوتا في الهند عام 1842. تجنس بالجنسية الإنجليزية، واشتهر بكتابه عن حياة النبيّ محمد [1] [2]. وهو أول من نشر كتاب الإتقان للسيوطي، والإصابة لابن حجر، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي، كما كتب عددًا من المقالات في السنَّة النبويَّة[3].

وليم موير: (1819-1902مم)

مستشرق أسكتلنديّ. يعدّ من مشاهير المستشرقين الذين ظهروا في القرن التاسع عشر، صنَّف العديد من المؤلفات، بحث فيها التاريخ الإسلاميّ منذ البعثة النبويَّة الشريفة حتى سقوط المماليك الشراكسة وزوال الخلافة العباسية في مصر على أيدي العثمانيين.

ومن مؤلفاته نذكر: حوليات الخلافة، أصدره عام 1853م؛ وهو كتاب تناول فيه الخلفاء الراشدين حتى نهاية الدولة الأموية، والقرآن: تأليفه وتعاليمه، وتاريخ

(141)

دولة المماليك في مصر، والتي وصفت من قبل بعض الباحثين بأنّها مراجع علمية في الجامعات الإنجليزية والهندية، لكن عبد الرحمن بدوي أكد أنّ مؤلفات موير جميعًا تسودها نزعة تبشيرية شديدة التعصّب.

وكتاب حياة محمد وتاريخ الإسلام أصدره بين عامي (1856-1861م)، وقال عبد الرحمن بدوي عن محتوى هذا الكتاب، إنّه عبارة عن مقالات كتبها المستشرق عن تاريخ العرب قبل الإسلام ومصادر السيرة النبوية وحياة الرسول الكريم حتى الهجرة، ثم جمعها وأضاف إليها مقدمة طويلة عن المصادر وأصدرها في كتاب ضخم من أربعة أجزاء. وذُكِرَ له بحث آخر بعنوان (سيرة النبيّ والتاريخ الإسلاميّ) عدَّه البعض مرجعًا معتمدًا في الجامعات الإنجليزية والهندية لما يحتويه من شمول الشرح ودقَّة المعلومات المسندة إلى المصادر الإسلاميّة[1].

إجناتس جولدتسيهر: (1266 - 1340ه‍ / 1850 - 1921م):

هو مستشرق يهودي مجري عُرف بنقده للإسلام وبجدّيّة كتاباته، ومن محرّري دائرة المعارف الإسلاميّة، ولقد اشتهر بغزارة إنتاجه عن الإسلام حتى عد من أهم المستشرقين لكثرة إسهامه وتحقيقاته عن الإسلام ورجاله، متأثرًا في كل ذلك ربما بيهوديته. وهو أبرز من قام بمحاولة واسعة وشاملة لنسف السيرة النبوية[2].

من أهم كتبه: (العقيدة والشريعة في الإسلام) نقله إلى العربيّة الدكتور عبد الحليم النجار، والدكتور محمد يوسف موسى، والأستاذ عبد العزيز عبد الحق، كما توجد له كتب أخرى، كالحديث في الإسلام، صدر عام 1909م، وكتاب مذاهب التفسير الإسلاميّ، وأخوان الصفا 1910م، والمعتزلة والمترادفات العربيّة عام 1918م، والمجلية الآسيوية البريطانية 1912م، ودراسات عن النبيّ، صلى‌الله‌عليه‌وآله، وقد علق الشيخ محمد الغزالي على كتابه العقيدة والشريعة في الإسلام بقوله: والحق أن الكتاب من شر ما ألف عن الإسلام، وأسوء ما وجه إليه من طعنات.

(142)
أرند جان فِنْسِنْك

قد تقدمت ترجمته.

بدأ في عمل معجم مفهرس لألفاظ الحديث الشريف مستعينًا بعدد كبير من الباحثين وتمويل من أكاديمية العلوم في أمستردام ومؤسسات هولندية وأوروبية أخرى. وأصدر كتابًا في فهرسة الحديث ترجمه محمد فؤاد عبد الباقي بعنوان (مفتاح كنوز السنة).

جوزيف شاخت:

تقدَّمت ترجمته، هو متخصص في الفقه الإسلاميّ وأحاديث الأحكام، ويعد خليفة جولدتسيهر في مجال الدراسات الإسلاميّة. وقد كان لآرائه أثر كبير في كتابات من جاء بعده من المستشرقين.

الميدان الحقيقي الذي برّز فيه شاخت هو تاريخ الفقه الإسلاميّ. وأهم ما له في هذا الباب كتابه الرئيس: «بداية الفقه الإسلاميّ» أكسفورد 1950، ويقع في 350 صفحة، وأعيد طبعه The Origins of Muhammadan Jurisprudence  وقد درس فيه خصوصًا مذهب الإمام الشافعي، استنادًا إلى «الرسالة» للإمام الشافعي. ويتلوه في الأهمية كتيّب صغير بعنوان: «مخطط تاريخ الفقه الإسلاميّ»، وقد ترجمه إلى الفرنسية Arin، ونشر في باريس 1953 في 91 Esquisse d’une Histoire du droit Musulman [1].

جيمس روبسون: (المولود عام 1890) Robson, J

تخرّج في اللغات الشرقيّة من جامعة جلاسجو. وعين مساعد أستاذ اللغة العبريّة فيها (1915ـ 16) وتنقلّ بين العراق والهند (1916 ـ 18) واختير معيدًا للإنجليزية في لاهور (1918 ـ 19) ثم قصد عدن (1919ـ 26) وعين وزيرًا في شاندون
(1926 ـ 28) ومعيدًا للعربيّة في جلاسجو(1928 ـ 1948) ثم محاضرًا (1949) وأستاذًا للعربيّة في جامعة مانشستر (1949).

من كتبه: المسيح في الإسلام (1928)، وآلات الطرب العربيّة القديمة (1938)، وذم الملاهي لابن أبي الدنيا (مقالات في سماع الموسيقى. لندن 1938 ثم ترجمه إلى

(143)

الإنجليزية) والملاهي لأبي طالب المفضل بن سلمة النحوي اللغوي عن مخطوط في الآستانة بجميع صوره (جلاسجو 1938، ثم ترجمه إلى الإنجليزية)، وفهرس المخطوطات الشرقيّة في مكتبة جامعة جلاسجو، وقد نشره مولر وير (الدراسات السامية الشرقيّة، جلاسجو 1945)، والمدخل إلى علم الحديث (1953). وغير ذلك [1].

-ثانيًا: خلاصة منهج المستشرقين في دراسة السنّة النبويّة:

إن ّفريقًا من المستشرقين يعتقد أنّ محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله مخلصٌ قولًا وعملًا، ولكنه يخبر بما خيل إليه أنّه رآه أو سمعه وهو في حالة غيبوبة.

وفريق يقف من محمد موقف المرتاب أو الجاحد المنكر[2]. وفريق يزعم أنّ محمدًا استمد القرآن من مصادر يهودية، وبالأخص العهد القديم، وكذلك من مصادر نصرانية[3].

والسنة التي هي قول النبيّ وفعله وتقريره، يرى الدكتور الدسوقي أنّ المستشرقين يكادون يجمعون على أن السنة لم تعرف التدوين إلا في القرن الثاني، وهذا يعني أنّه لم يكن هناك تدوين في القرن الأول لا في حياة النبيّ ولا في حياة الصحابة من بعده، ثم تعد الكتب المعول من السنة لدى المسلمين ليست صحيحة كلها وأنّ كتابًا كالبخاري على حد تعبير بعض المستشرقين يشتمل على أمور كثيرة يود المؤمن الصادق أنّه لم ترد فيه[4].

ومنهجهم في دراسة السنّة أي كتب الأحاديث يعتمد تكذيب الأحاديث المروية في الصحاح، يقول «هربلو» أن جملة الأحاديث التي في الكتب الستة والموطأ والدارمي والدارقطني والبيهقي والسيوطي مأخوذة إلى حد كبير من التلمود.

(144)

وهم ينتقدون طريقة اعتماد الأسانيد في تصحيح الأحاديث لاحتمال الدسّ في سلسلة الرواة، ويقرّون بأنّ الأسانيد أضيفت إلى المتون بتأثير خارجي، لأنّ العرب لا يعرفون الإسناد[1].

ويرى «موريس بوكاي» أنّ الأحاديث في صحيح البخاري مشكوك فيها[2].

ويمكن تلخيص رؤية علماء الاستشراق للسنة النبوية بالأفكار الرئيسة الآتية:

أ. السنة هي نتيجة التطور الاجتماعي للمسلمين:

يركّز عدد من المستشرقين وعلى رأسهم جولدتسيهر وشاخت على أنّ الحديث والسنّة وضعت نتيجة التطوّر والتحوّل في الحركة الاجتماعيّة للمسلمين. ففي هذه النظرية لا حاجة للحديث عن الأحاديث الضعيفة والصحيحة أو حتى الموضوعة؛ لأنّ الحديث ظاهرة لم تكن في زمن النبيّ أصلًا؛ إنّما استحدثت بعده نظرًا لحركة التطور والتحول في البيئة العربيّة والإسلاميّة.

وملخّص الفكرة:

    • واجه المسلمون وضعًا جديدًا نتيجة الفتوحات

  • انتج هذا الوضع مجموعة من الأسئلة وفي مختلف المجالات: الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، و...

    • لا يمكن إهمال هذه الأسئلة بل لا بد من أجوبة عن كل شيءٍ مستجدّ

    • لا بد أن تمتلك هذه الأجوبة حظًّا من المشروعية والقدسية

    • الإجابات القرآنيّة محدودة ولا تسع كل الأسئلة

    • فكانت السنّة هي الملجأ لذلك، وتم وضع السنة على الشكل الآتي:

        ـ تحويل الأفكار إلى نصوص.

        ـ نسبة هذه النصوص إلى النبيّ لتملك نفوذًا وسلطانًا.

(145)
ب.  نظرية ظهور الأسانيد في القرن الثاني الهجري:

الفكرة الأساس التي ينطلق منها جملة من المستشرقين هي أنّ إسناد الحديث لم يعهده المسلمون في القرن الهجري الأول، بل عندما  كانوا يتحدّثون عن النبيّ وأقواله وأفعاله لم يكونوا يذكرون السند، بل كانوا ينسبون ذلك مباشرةً إلى النبيّ، وفي القرن الثاني الهجري وبعدما تطوّرت الأمور وظهرت الحاجة للإجابة عن كثير من التساؤلات، ظهرت فكرة الإسناد، كي يؤكّد الجميع أن ما عندهم معلوم النسبة للنبي وليس مختلق.

ويشير جولدتسيهر إلى فكرة تتعلّق ببُنية الحديث، حيث يرى أنّ الأحاديث الصحيحة لا تختلف عن غيرها في مكوّناتها الدلالية والأدبية، أي ما نطلق عليها المتن فهو يريد أن يقول لا فرق بين الحديث الصحيح والحديث الضعيف متنًا وإن اختلف الإسناد، فالإسناد لا يغيّر شيئًا، وهو يريد أن يصل إلى فكرة مفادها أنّه لو كان هناك حديث صحيح واقعًا لظهر اختلاف في تركيبة الأحاديث الصحيحة وغيرها، وهو أمر لا نجد أنّ علم السند يوفّره لنا[1].

وتعتمد حجج المستشرقين ونتاﺋﺠﻬﻢ على نظرتهم إﱃ الحديث اﻟﻨﺒــــﻮي وفق النتاﺋﺞ اﻟـﱵ وﺿـﻌﻬﺎ اﳌﺴتشـﺮق إﺟﻨـﺎﺗﺲ ﺟﻮﻟﺪﺗﺴـﻴﻬﺮ في كتابه Muhammedanisch Studien: دراسـﺎت محمّدية وﻛﻞ ﻣﻦ أﺗﻰ ﺑﻌــﺪ ﺟﻮﻟﺪﺗﺴـﻴﻬﺮ اعتمد ﻋﻠــﻰ آراﺋــﻪ اﻟــﱵ ذﻛﺮﻫــﺎ ويرى «أﻧّﻪ ﻣﻦ اﻟﺼﻌﻮﺑﺔ بمكان أن ﻧﻨﺨـﻞ أو نميز  وﺑﺜﻘـﺔ ﻣـﻦ  ﻛﻤﻴـــﺔ الحديث الكبيرة اﻟﻮاسـﻌﺔ ﻗﺴـﻤًﺎ ﺻـﺤﻴﺤًﺎ يمكننا نسبته إﱃ النبي أو إﱃ أﺻﺤﺎﺑﻪ» وﺗﻮﺻﻞ ﺟﻮﻟﺪﺗﺴـﻴﻬﺮ إﱃ النتيجة الآتية: «أنّ الحديث اﻟﻨﺒـﻮي وﺟــــﺪ نتيجة للتطور الديني والتاريخي والاجتماعي اﻹسـﻼﻣﻲ ﺧﻼل القرنين الأولين ﻟﻠﻬﺠـﺮة»[2].

(146)
ج. نظريّة القذف الخلفي عند شاخت (تطور استخدام الإسناد):

تبنى «شاخت» نظرية «إﺟﻨـﺎﺗﺲ ﺟﻮﻟﺪﺗﺴـﻴﻬﺮ» حول السنّة إلا أنّه أضاف فكرة أخرى؛ وهي: أﻧّﻪ ﻛﺎﻧـﺖ ﻋـﺎدة الجيلين ﻣـــﻦ اﻟﻌﻠﻤﺎء اﻟﺬﻳﻦ سبقوا اﻟﺸـافعي أن ﻳﻨﺴـﺒﻮا اﻷﺣﺎدﻳـﺚ إﱃ اﻟﺼﺤﺎﺑﺔ والتابعين، وﻣﻦ اﻟﻨﺎدر أنّهم ﻛﺎﻧﻮا ﻳﻨﺴﺒﻮنها إﱃ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله. ووﺻـﻞ إﱃ نتيجة مفادها: أنّ اﻷﺣﺎدﻳﺚ اﳌﻨﺴـﻮﺑﺔ ﻟﻠﺼـﺤﺎﺑﺔ والتابعين سـﺒﻘﺖ ﰲ وﺟﻮدﻫـﺎ اﻷﺣﺎدﻳﺚ اﳌﻨﺴـﻮﺑﺔ ﻟﻠﻨـﱯ وﻫـﻮ ﺑـﺬﻟﻚ يودّ أن ﻳﻘﻠـﻊ ﺟـﺬور اﻟﺸﺮﻳﻌﺔ اﻹسـﻼﻣﻴﺔ، ويقضي على تاريخ التشريع اﻹسـﻼﻣﻲ ﻗﻀﺎءً ﺗﺎﻣًّﺎ، ولهذا فقد وصف اﻟﻌﻠﻤﺎء المسلمين ﺧﻼل اﻟﻘــﺮون اﻷوﱃ بأنّهم ﻛﺎﻧﻮا كذّابين وملفّقين وغير أمناء[1].

ومعنى هذا الكلام أنّه لا يوجد علاقة بين كثير من العلوم الإسلاميّة؛ كالحديث والتفسير، والحديث والفقه، فالفقه لم يخرج من رحم الحديث؛ وإنّما من رحم الأفكار والعادات والأعراف والتوجّهات التي عرفتها الأجيال بعد النبيّ، ففي البداية كان الفقه وليد الأوضاع الجديدة ونتيجةً للمجهود البشري، ثم نسب إلى الصحابة والتابعين، ثم في القرن الثاني الهجري بدأ ينسب إلى الرسول، وهذا يعني أنّ النسبة للنبي وتكوّن الإسناد وتطوّره قد مرّا بمراحل تدريجية، ويرجع شاخت ولادة اختلاق الأحاديث إلى بداية القرن الهجري الثاني أو على أبعد تقدير القرن الأول.

ويقول المستشرق البريطاني نورمان كولدر: «إنّ شاخت ﻛﺴﺮ ﻟﻨﺎ اﻟﻌﻼﻗﺔ التاريخية ﺑﲔ الحديث واﻟﻔﻘﻪ. واﻟﺬي ﺑﻴّﻨـﻪ ﻟﻨـﺎ هو أنّ اﻟﻔﻘـﻪ ﻛـﺎن ﰲ ﺑﺪاﻳــﺔ ﻇﻬــﻮرﻩ منفصلًا عن الحديث، وأنّ أصول الفقه الإسلاميّ الحقيقية عنده ترجع إلى العادات الحية السائدة للمدارس الفقهية المحلية».

والنتيجة عند شاخت ومن تبعه هي: إنّ ﻛﻞ أﺣﺎدﻳﺚ اﻟﻨﺒﻲ لم يكن لها وجود أصلًا، بل اخْتُرِعَتْ ووُضِعَتْ خلال منتصف القرن الثاني الهجري، فالأسانيد التي نراها مع الأحاديث إنّما هي كلّها موضوعة.

(147)

المطلب الثاني: السيرة النبوية الشريفة [1]:

إنّ أشهر من صنَّف في السيرة النبويّة: جولدتسيهر، ومونتغمري وات، وجوستاف لوبون، وستانلي بول، وغيرهم، ومن بين هؤلاء المؤلّفين نجد من أنصف شخص الرسول وسيرته المباركة، ولكن بشكل عام نجد في كتب السيرة الاستشراقيّة نوعًا من التشويه المتعمّد أو غير المتعمّد للرسول وسيرته، وهناك من المستشرقين من وضع منهجية لكتابة السيرة، وسار عليها أغلب الباحثين بعده في هذا المجال وأدّى ذلك إلى تحريف صورة النبيّ وسيرته.

أولًا: أنموذج منصف في دراسة السيرة:

يعدّ المستشرق البريطانيّ ستانلي بول أحد المستشرقين المرموقين في القرن العشرين، وله تآليف عديدة حول العرب والإسلام، وقد تناول سيرة النبيّ محمّد بالتحليل في دراسة أعدّها ونشرتها مجلة Islamic Review عام 1956 أي عقب وفاته بأكثر من عقدين.

وفي هذه الدراسة يغاير بول منهج المستشرقين الأوائل الذين درسوا سيرة النبيّ محمد مثل إيجانس جولدتسيهر والذين عمدوا إلى تشويه صورة النبيّ وتصويره على أنّه إنسان يعاني نوبات صرعيّة وشهوات جسمانيّة تدفعه إلى الإفراط في الزواج، أما ستانلي فيبدو أكثر اعتدالًا وحياديّة:

أ. يفتتح دراسته بالقول: إنّه لا يسع المرء إلّا أن يشير إلى كون النبيّ إنسانًا متسامحًا مع أعدائه ويعرض جملة من المشاهد الدالّة على ذلك، مستخلصًا من ذلك كلّه إلى أنّ القوّة لم تكن جزءًا من طبيعته وتكوينه.

(148)

ب. يخفّف ستانلي بول من حدّة الصورة النمطيّة للنبيّ الأكرم في الكتابات الاستشراقية، فيناقش المسائل الشائكة المتعلّقة بشهوانية النبيّ، فمن يشاهد-حسب ستانلي- تقشفه في طعامه وحصيره القاسي الذي ينام عليه وتعبده بالليل شواهد تجعله أقرب للراهب، وأما زيجاته فقد كانت مدفوعة إمّا بعوامل إنسانية بعد سقوط بعض الأزواج في معارك وتركهم زوجاتهنّ دون حماية، أو بعوامل سياسية للتأليف بين الأحزاب، وهكذا في مسألة انتشار الإسلام بالسيف، وغير ذلك، فهو وإن كان لم ينسف هذه المقولات الاستشراقيّة؛ وإنّما خفف فقط من غلوائها.

ج. يصف النبيّ بقوله: «كان محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله رؤوفًا شفيقًا؛ يعود المريض، ويزور الفقير، ويُجِيب دعواتِ العبيد الأرقاء، وقد كان يُصلِح ثيابَه بيدِه؛ فهو إذًا -لا شكَّ- نَبِي مقدَّس، نشأ يتيمًا مُعْوِزًا، حتى صار فاتحًا عظيمًا».

د. أمّا في قضية النبوة فهو لا يخالف فيها رأي المستشرقين السالفين حيث يعتقد أنّ محمدًا قد آمن في نفسه إيمانًا راسخًا بأنّه رسول موحى إليه، وأنّ تصوره عن الألوهية ليس وحيًا؛ وإنّما هو تصوّر خاص لم يخرج عمّا فهمه عقل الساميين دائمًا من كون الإله قادر على فعل كل شيء، وعليم بكل أمر، ولا يظلم الناس شيئًا، وأمّا القوة فهي من أهم صفاته العليّة لكنها مقرونة دومًا بالرحمة والغفران. وبهذا الفهم استطاع محمد «إيجاد الشكل الوحيد من التوحيد الذي يلائم كل الطوائف الكبيرة في العالم الشرقي»، حيث لم تستطع المسيحيّة قط أن تهيمن على الشرق بفعل رؤيتها التثليثية للإله.

 

 

(149)

ثانيًا: أنموذج متعصّب في دراسة السيرة:

وقبل عرض منهج «مونتغمري وات»  نشير إلى أنّ (وات، وبركلمان، وفلهاوزن) اتبعوا مناهج عديدة في دراسة السنّة؛ وهي:

    • منهج الأثر والتأثر.

    • المنهج العلماني.

    • المنهج المادي.

    • المنهج الإسقاطي.

    • منهج النفي والافتراض واعتماد الضعيف الشاذ.

    • منهج البناء والهدم.

سنشير إلى بعض من هذه المناهج، لأنّ التفصيل في كل المناهج يحتاج إلى دراسة مستقلّة لمناهج المستشرقين لدراسة السنّة.

منهج «مونتغمري وات»:

إنّ دراسة المستشرق البريطاني «مونتغمري وات» -والذي تقدّمت ترجمته- للسيرة النبوية في كتابيه «محمد في مكة» و«محمد في المدينة» وقدم خلالهما رؤية وصفت بأنّها شاملة ولاقت تقديرًا كبيرًا ليس في الغرب وحده؛ وإنّما في الشرق حيث ترجم كتابَيه مرّات عدّة إلى اللغة العربية، ونستطيع القول وللأسف إنّ أغلب الدراسات الاستشراقيّة القديمة والحديثة تعكس هذه العقلية والمنهجية المتعصّبة وغير المنصفة في دراسة شخصيّة النبيّ وسيرته المباركة.

أشار مونتغمري وات في مقدمة كتابه محمد في مكة إلى منهجه أو ما أسماه (standpoint) في كتابة السيرة، موضحًا أنّ دراسته موجَّهة إلى المؤرّخين بالأساس، وأنّه سيلتزم بالحياد في القضايا المختلف بشأنها بين الإسلام والمسيحيّة، وبما تمليه

(150)

عليه قواعد البحث التاريخي التي تقتضيه ألا يرد أو يدحض أيًّا من مبادئ الإسلام الرئيسة. غير أنّ هذه لم تكن جميعها معالم المنهج لديه فقد استنبط عبد الله النعيمي في كتابه الاستشراق في السيرة النبوية[1] بعضًا من معالم منهجه؛ ومنها:

أ. منهج التأثير والتأثّر، ويعني به تأثر الإسلام بالديانات السماوية في الجزيرة العربية، وقد حدث ذلك عبر ورقة ابن نوفل وبحيرا الراهب اليهودي، وهذا التأثر يبدو جليًّا في توجّه المسلمين في صلاتهم نحو القدس، وصيام عاشوراء، وصلاة الجمعة، وتحليل طعام أهل الكتاب، وهذا التأثّر يحمل على الاعتقاد أنّ الإسلام ليس إلا مزيج ملفّق من الديانتين اليهودية والمسيحيّة، وأنّ «الرسول قد صاغه على شاكلة الدين الأقدم».

ب. التأويل المادي للنبوة والمعجزات النبوية، وهي معلم آخر من معالم المنهج لدى مونتغمري وات ويشاركه فيه عدد لا بأس فيه من المستشرقين، فهو يعلّق على واقعة شقّ الصدر بالقول «إنّ هناك العديد من القصص ذات الطابع الديني يكاد يكون من المتيقن بأنّها ليست حقيقة من وجهة نظر المؤرّخ العلماني».

أما نبوّته فهي ليست حقيقة واقعيّة؛ وإنما هي محض تخيل من الرسول، إذ هناك ما يؤكد من الناحية التاريخية نزول جبريل بالوحي عليه، وهذا الإنكار للنبوة والوحي يؤكّده بقوله «إنّ القول إنّ محمدًا كان صادقًا -في ادعائه النبوة- لا يعني أنّ القرآن وحي وأنّه من صنع الله، إذ يمكن أن نعتقد بدون تناقض أن

(151)

محمدًا كان يعتقد أنّ القرآن ينزل عليه من الله، وأنْ نؤمن في ذات الوقت أنّه كان مخطئًا»، وهو يرجع مصدر الوحي المحمدي إلى «اللاوعي الجماعي» الذي هو مصدر كل وحي ديني سواء كان الإسلام أم المسيحيّة أم اليهودية، ويختم رأيه في مسألة النبوة بالقول: إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله «رجل تجسّد فيه التخيّل الخلّاق حتى الأعماق فاستطاع أن ينتج أفكارًا وثيقة الصلة بقضية الوجود الإنساني».

ج. التفسير الاقتصادي للغزوات والفتوحات، فيذكر مونتغمري أن مؤرخ القرن العشرين ينبغي أن يسأل أسئلة كثيرة عن الجذور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للحركة التي بدأها محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من غير أن يتجاهل جوانبها الأيديولوجية، وهو يفسّر حركة الفتوح الإسلاميّة انطلاقًا من العامل الاقتصادي، ويذهب إلى أنّها جاءت ردّ فعل على المشكل الاقتصاديّ الذي ظهر في عهد النبوة والمتمثل في زيادة السكان بفعل توقف الحروب القبلية، فكان هناك ضرورة للبحث عن متنفّس للطاقة يستطيع في ذات الوقت أنْ يحقق موارد مالية، وبفعل هذا اندفع المسلمون منذ العهد النبوي في حركة فتوح خارجية لتأمين الرفاهية الاقتصادية.

-ثالثًا: خلاصة منهج المستشرقين في دراسة السيرة النبويّة:

يمكن القول إنّ  المنهج الاستشراقي في التعامل مع السيرة النبويّة قد تميّز بعدد من الخصائص المميّزة؛ منها:

نفي النبوة عن النبيّ محمد وإنكار ظاهرة الوحي.

والتأكيد على أهميّة التأثيرات اليهوديّة والمسيحيّة ونفي الخصوصيّة عن دين الإسلام.

 والتركيز على الجانب الماديّ السياسيّ والاقتصاديّ في السيرة النبويّة وتهميش الإصلاحات الاجتماعيّة والتربويّة والفكريّة الأخرى.

(152)

المطلب الثالث: المستشرقون والعقيدة الإسلاميّة:

نالت العقيدة الإسلاميّة والفِرق في التاريخ الإسلاميّ اهتمامًا خاصًا، فنجد في مواد «الموسوعة الإسلاميّة» مواد كثيرة تتعلّق بالعقيدة. وهناك كتب وأبحاث متعدّدة؛ منها: ما كتبه فون كريمر «تاريخ الفِرق في الإسلام»، وهوتسما «العقيدة الإسلاميّة والأشعري»، كما قام شبرنجر بإعداد «فهرست كتب الشيعة». ومنها ما كتبه مونتغمري وات بعنوان: «الجبر والاختيار في الإسلام المبكر». وقد كان هذا البحث عنوان رسالته لنيل درجة الدكتوراه. كما اهتم عدد من المستشرقين بالفرق في التاريخ الإسلاميّ، ومن هؤلاء لويس ماسنيون Louis Massingion والمستشرق برنارد لويس. فقد اهتم الأول بالحلاج المتصوف الذي أطلق عليه (شهيد الإسلام) وأنفق حياته في تحقيق كتاباته ونشرها. أما الثاني فقد كتب حول الإسماعيلية والحشاشين وغيرهم من الفرق.

ومن المستشرقين الذين اهتمُّوا بالتصوّف: المستشرق الإنجليزي آربري؛ حيث كان ينصح طلابه في مرحلتي الماجستير والدكتوراه بدراسة قضايا تتعلق بالتصوّف.

توافر عددٌ من المستشرقين على دراسة العقيدة الإسلاميّة من خلال دراسة  القرآن الكريم والسنّة النبوية والسيرة والتاريخ الإسلاميّ، وزعموا: «عدم أصالة الإسلام واعتماده على الأديان السابقة»[1]، وأصبحت هذه النتيجة كما قال أحد المستشرقين: «(موضة) بين عموم المستشرقين»[2]، ولكي يصلوا إلى هذه النتيجة قاموا بتجزئة أمور العقيدة الإسلاميّة إلى أجزاء متناثرة، وحاولوا إرجاعها إلى مصادر أخرى في الأديان السابقة، ولا شكّ أنّ هذا المسلك محاولة لنفي تميُّز الأُمَّة الإسلاميّة، وذلك بزعم نسبة عقيدتها إلى أخلاطٍ من اليهودية والنصرانية والوثنية.

(153)

وحاول جملة من المستشرقين تشويه المعتقدات الأساس في الإسلام فزعم «جولدتسيهر» أنّه من العسير أن نستخلص من القرآن نفسه في العقيدة موقفًا متجانسًا خاليًا من التناقضات فالتوحيد مذهب مبني على النقائض العسيرة على الفهم، أما التثليث فمذهب واضح في فهم الألوهية. وربما كان بهذه التهمة يستهدف أن يسوّي بين الإسلام والمسيحيّة في تطور العقيدة وتدرج الإيمان[1].

والقسّ «زويمر»: يرى أن المسلمين وإنْ كانوا موحّدين، فإنّ إلههم ليس إله قداسة ومحبة[2].

 ولبيان نظرة المستشرقين للعقيدة الإسلاميّة سنقسم العناوين على الشكل الآتي:

ملخّص صورة العقيدة الإسلاميّة لدى الغرب في العصور الوسطى:

• زعم (يوحنا الدمشقي): «أنّ الإسلام زندقة مسيحيَّة نسطورية الأصل والمضمون، وأنّ محمدًا لم يكن نبيًا مرسلًا، بل صاحب نبوة منتحلة مبتدعة: Pseudo-Prophentes  جاء العرب من قومه بكتاب مُخْتَلَقٍ، جمع أشتات مادته من راهب من أتباع آريوس المنشق عن الكنيسة، وأنّه إنّما ملك قلوب أتباعه بما كان يصطنع من ورع وتقوى كاذبة»[3].

• ألَّفَ (ثيوفانس): المؤرّخ البيزنطي الشهير كتابًا عن حياة محمد؛ عُدَّ من بعده مرجعًا معتمدًا وموثقًا يستمد اللاحقون منه مادتهم عن الإسلام، جاء فيه: «... توفي عام 632 للميلاد حاكم العرب ونبيهم الكذّاب (ماومود - Mouamed) الذي أضلَّ بمكره وسحره في أول أمره جمعًا من اليهود الذين اعتقدوه باطلًا بأنّه المسيح المخلص الذي ينتظرونه، فآمن به عدد من أحبار اليهود، ودخلوا في عقيدته، وارتدوا عن دين موسى الذي كانوا عليه»[4].

(154)

• صُوِّر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله على أنّه: الصنم المعبود عند أتباعه، وصُوِّر كذلك المسلمون على أنّهم: «وثنيين يعبدون مجمعًا من الأوثان المعبودة مشخصة في صور تماثيل مصنوعة من الذهب والفضة يتقرب إليها وتعبد وفق تقاليد وطقوس معينة، ويستثار رضاها ويلتمس عونها في الحروب والقتال ضد النصارى، حتى إذا فشل العرب في القتال، وغالب أمرهم أن يفشلوا، لعنت الآلهة وشتمت ودست في التراب»[1].

هذه نبذة مختصرة عن صورة العقيدة الإسلاميّة لدى الغرب في عصورهم الوسطى، وإن كانت هذه الصورة أصبحت مرفوضة في أعراف المستشرقين في العصر الحديث، وقد وجهوا لها انتقادات حادَّة ووصفوها بالتعصب والجهل والحماقة، ولكن السؤال المطروح اليوم هو: هل جاءت الدراسات الاستشراقيّة في ما بعد أقرب إلى الانصاف والبحث العلمي المجرد عن الأحقاد التاريخيَّة الموروثة، والتعصّب الديني المقيت؟

ولكنْ للأسف الذي يراجع الدراسات الاستشراقيّة التي جاءت بعد العصور الوسطى يجد أن صورة النبيّ والإسلام والعقيدة الإسلاميّة ما زالت على حالها أن لم نقل ازدادت سوءًا.

أولًا: نماذج من آراء المستشرقين في العقيدة الإسلاميّة:

أ. الإسلام مأخوذ من اليهودية والنصرانية:

يقول (ستوبرت) في ذلك: «لقد تأثر محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله بمعتنقي ديانتي التوحيد: اليهودية والمسيحيّة، إذ لم يبخل عليه الأحبار والرهبان بالمعلومات التي تتعلق بهاتين الديانتين، وتشهد بذلك كتب السيرة عند المسلمين أنفسهم».

وقد عقد إميل در منغم في كتابه (حياة محمد) فصلًا بعنوان: (النصرانية والإسلام)، تطرَّق فيه إلى هذا الادّعاء.

(155)

ولكارل بروكلمان أقوال متناثرة في كتابيه: (تاريخ الأدب العربي وتاريخ الشعوب الإسلاميّة) تشير إلى الفكرة نفسه.

و(لجولدتسيهر) في كتابيه: العقيدة والشريعة[1]، ومذاهب التفسير الإسلاميّ[2] أقوال تشكك في العقيدة الإسلاميّة ففي كتابه الأول تركزت تلك الأقوال على أربع مزاعم، هي:

    • أنّ القرآن من صنع محمد.

    • أنّ الحديث النبوي من صناعة الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب الفقهية.

    • التشريع الإسلاميّ مستمد من القانون الروماني.

  • أنّ الجيوش الإسلاميّة لم يكن باعثها الإيمان، وإنما الذي أخرجها من الجزيرة العربيّة القحط والجوع»[3].

وممّا يخصّ مجال العقيدة: زعم بأنّ الإسلام: «ليس إلا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينية عرفها (محمد) بفضل اتصاله بالعناصر اليهودية والمسيحيّة»[4]. وأنّه لم يأتِ بجديد[5].

يكاد هذا الموقف من العقيدة الإسلاميّة أن يكون متأصلًا في دراساتهم الاستشراقيّة والذي يؤكّد ذلك ما وردت في الموسوعات ودوائر المعارف التي كتبها هؤلاء ونعرض بعضًا منها نماذجًا على ذلك:

    • تقول دائرة المعارف الإسلاميّة تحت مادة (السامرة):

(156)

«وما من أحد يشك في تعدد مصدر الأصول التي استقى محمد منها معارفه، وكثيرًا ما جرى القول بتأثير اليهودية والنصرانية فيه...»[1].

    • جاء في دائرة المعارف البريطانية: «إنّ صورة اللَّه التي تتداخل فيها صفات القوة والعدل والرحمة ذات صلة بالتراث اليهودي المسيحيّ، حيث استمدت منه بعد أن طرأ عليها بعض التعديلات، وكذلك تتصل بالوثنية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة العربية» [2].

    • وجاء في موسوعة الحضارة التي أصدرتها هيئة اليونسكو: «الإسلام تركيب ملفَّق من اليهودية والنصرانية ورواسب الوثنية»[3].

- ثانيًا: نماذج من دراسات المستشرقين للعقيدة:

بحث المستشرقون المنظومة العقدية كلّها عند المسلمين من التوحيد إلى المعاد، ولا نتمكن في هذا البحث من عرضها بشكل كامل، ولكن سنأخذ منها بعض النماذج التي تدلل على المنهجية التي اعتمدها أغلب علماء الاستشراق في مقاربة الفكر العقدي عند المسلمين وإن كانت أكثر الأبحاث انصبّت على الفكر السنّيّ، وقلّما نرى أبحاثًا عقديّةً مرتبطة بالفكر الشيعي بشكل عام وبالإمامي بشكل خاص. ونذكر بعض النماذج التي تبيّن نظرة هؤلاء إلى العقيدة الإسلاميّة.

 الإيمان بالملائكة:

إدعاء «سورديل» أنّ الرسول أخذ مفهوم الملائكة وما لهم من أعمال من التقاليد الخيالية التي كانت سائدة في عصره آنذاك.

(157)

ثمّ ذهب «هنري ماسيه» إلى أبعد من ذلك فزعم أنّ عقيدة الملائكة المقربين (في الإسلام) قد أخذها محمد من اليهودية[1].

الإيمان بالقضاء والقدر:

شكّك المستشرقون في هذه العقيدة المهمة جدًا عند المسلمين فجاء على لسان المستشرق «جيته»:

إنّ هذه العقيدة فكرة إسلاميّة خاصة وإنّ المحمدين يقومون بتعليمها إلى شبابهم على أنّهم لا يصيبهم إلا ما قدّر الله ودبّر بإرادته، هذا أساس دينهم منذ الأزل.

ثم زعموا أنّ الإسلام بهذه العقيدة كان سببًا في تخلف المسلمين عن ركب الحضارة، وكانت دعوة إلى التواكل والخمول والكسل وعدم السعي للعمل اعتمادًا على أن الله قدّر عليهم كل شيء وأنّه لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، فهم نتيجة لهذا المعتقد مستسلمون[2].

 

 

 

 

 

(158)

المطلب الرابع: المستشرقون ودراسة الفقه الإسلاميّ:

من أبرز المستشرقين الذين كتبوا في الفقه- المستشرق: «جوزيف شاخت» 1902 - 1970-كما تقدم-، ومن المعروف بأنّه حاول أن يأتِي بنظرية جديدة في أسس الفقه الإسلاميّ، ونشر لبيانها كتب ومقالات عدّة؛ بالإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، ووضع كتاب (المدخل إلى الفقه الإسلاميّ) لهذا الغرض، وإن كان كتابُه: (أصول الشريعة المحمدية) يعدُّ من أشهر مؤلفاته على الإطلاق، كما عبَّر عنه المستشرق «جب» بأنّه (سيصبح أساسًا في المستقبل لكل دراسةٍ عن حضارة الإسلام وشريعته، على الأقل في العالم الغربي)، وقد أثَّرت نظريات (شاخت) تأثيرًا بالغًا على جميع المستشرقين تقريبًا؛ مثل: (أندرسون)، و(روبسون)، و(فيتزجرالد)، و(كولسون)، و(بوزورث)؛ كما أن لهذه النظريات تأثيرًا عميقًا على مَن تثقفوا بالثقافات الغربيّة من المسلمين.[1]

 «فكتاب شاخت يحاول أن يقلع جذور الشريعة الإسلاميّة، ويقضي على تاريخ التشريع الإسلاميّ قضاءً تامًا... فهو يزعم أنّه «في الجزء الأكبر من القرن الأول لم يكن للفقه الإسلاميّ -في معناه الاصطلاحي- وجودٌ كما كان في عهد النبيّ، والقانون -أي الشريعة- من حيث هي هكذا كانت تقعُ خارجةً عن نطاق الدين، وما لم يكن هناك اعتراض ديني أو معنوي روحي على تعامل خاصٍّ في السلوك؛ فقد كانت مسألة القانون تمثِّل عملية لامبالاة بالنسبة للمسلمين؛ حيث صرَّح «شاخت» بأنّه «من الصعوبة اعتبار حديثٍ ما من الأحاديث الفقهية صحيحًا بالنسبة إلى النبيّ»[2].

وبالإضافة لذلك يحاول جمهور المستشرقين نفي أي قيمة علمية للفقه والفقهاء المسلمين، بل يتهمون الفقه الإسلاميّ بأنّه قد استعان بالفقه الروماني وتأثّر به تأثّرًا

(159)

كبيرًا، وقد أشار «ﺟﻮﻟﺪﺗﺴـﻴﻬﺮ» في عديد من أبحاثه إلى التشابه الكبير بين الفقه الإسلاميّ والقانون الروماني، وتأثره كذلك بالتلمود اليهودي[1].

ويقول «يوسف شاخت» عن مكانة الشريعة في الإسلام: «إنّ القانون (الشريعة) تقع إلى حدٍ كبير خارج نطاق الدين»[2].

والفكرة الأساس التي يريدها «شاخت» هي إبعاد النظرة التأصيلية للفقه واعتبار ما يسمى فقه أو شريعة هي أمور وجدت بعد النبيّ لدواعٍ كثيرة؛ منها: التمدّد الإسلاميّ؛ ما استدعى وجود قوانين صُبغت بالصبغة الإسلاميّة واضطر العلماء أن يضعوا لها أحاديث نسبوها إلى النبيّ وهذا يعني الشطب الكلي للتراث الفقهي للمسلمين.

 

المطلب الخامس: المستشرقون ودراسة اللغة العربيّة وآدابها:

هناك لائحة كبيرة من أسماء المستشرقين الذين تخصّصوا في اللغة العربيّة وآدابها، أمثال «هاملتون جب»، وكذلك «ماسينيون»، «سلفستر دي ساسي»، الذي أسّس «مدرسة اللغات الشرقيّة الحية» في باريس، وكانت «قِبلة» المستشرقين في ذلك الزمن، ومن خلال اهتمام المستشرقين باللغة العربيّة وآدابها نادى بعضهم بالاهتمام باللهجات المحلية، بل إنّ بعض  المستشرقين كـ لويس ماسينيون وغيره نادوا بكتابة اللغة العربيّة بالأحرف اللاتينية.[3]

(160)

وهناك دوريات مثيرة تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا، تتخصص في الأدب العربي أو الدراسات العربية؛ فهناك مثلًا: (المجلة الدورية للدراسات العربيّة Arab Studies Quarterly، ومجلة المختار في دراسات الشرق الأوسط Digest of Middle East Studies التي بدأتْ في الصدور منذ ست سنوات، ومجلة آداب الشرق الأوسط أدبيات) (Middle East Literature) (Literary Articles)، التي تتعاون في إصدارها جامعة «أكسفورد» البريطانية، وجامعة «داكوتا» الشمالية بالولايات المتحدة الأمريكية، وبدأت في الصدور منذ عام 1996م[1].

أولًا: أهم الجهود الاستشراقيّة القديمة في دراسة اللغة العربية:

ولمعرفة حجم الدراسات التي قام بها علماء الاستشراق في مختلف مدارسهم في مجال اللغة العربيّة، لا بد أن نلحظ هذه المحطات الرئيسة لدراسة اللغة العربية.

    • لقد بدأت الدراسات الشرقيّة الإسلاميّة بتعلم العربيّة ولغات شرقية أخرى لأغراض تبشيرية، بهدف تنصير المسلمين ذوى اللسان العربي، وتأليف أدبيات ناقدة للقرآن.

    • فى عام 1143 م أعد روبرت آينيت Kennet Robert بمساعدة آخرين ترجمة لاتينية للقرآن كي ما يفندها نقدًا بيير رئيس دير كلوني الفرنسي. Peter di Cluny

    • فى إسبانيا – تحديدًا في طليطلة Toledo كان الإيطالي جيراردو دي آريمونا di Gerardo Cremona (1114-1187) بارعًا في دراسة العربية.

  • وفي فرنسا اقترح بيير دوبوا Pierre DuBois) 1250-1312) تأسيس مستعمرات أوروبية في فلسطين لأغراض التبشير بين العرب.

(161)

    • أمّا في بريطانيا القرن الثالث عشر الميلادي؛ فقد شجّع الفرنسيسكاني روجر بيكون Bacon Roger  على تعلّم اللغات الشرقيّة -واللغة العربيّة بالأخص- لأسباب غير تبشيرية. وأول مبرراته لتعلم اليونانية والعبريّة والعربيّة يكمن في أنّها «دراسات تبلغ الكمال في الحكمة».

    • أمّا في فرنسا القرن السادس عشر فقد ظهر المستعرب والمستشرق جيولوم بوستل Giullaume  Postel  الذي كان قد درس في باريس وتعلّم العربيّة والعثمانية في بلاد المشرق. وفي عام 1539  أخرج إلى النور مؤلفه الهام في «أجرومية اللغة العربية».

    • في القرن السادس عشر كانت هولندا تستعدّ لتصبح أهم مركز لدراسة اللغة العربيّة على يد نيكولاس آلينداروس Nicolas Clendarus 1495-1542. الذي حوّل اهتمامه من اللاهوت إلى تعلّم اللغات.

إنّ معرفة اللغة العربيّة في أوروبا العصور الوسطى كانت تمثّل نقطة انطلاق نحو التنافس العقديّ مع الإسلام. أي أنّ بداية الدراسات الشرقيّة كانت مبنيّة على صراع مع الإسلام، وتنافس سياسي، ولا يزال كلاهما يلقى دعمًا من بعض المستشرقين إلى يومنا هذا[1].

ثانيًا: أهداف دراسة اللغة العربيّة عند المستشرقين:

هناك أهداف متعدّدة ودوافع لدراسة اللغة قد تكون كل أهداف الحركة الاستشراقيّة الاقتصادية، السياسية، الدينية، وغير ذلك تكاد تجتمع في دراسة هذه اللغة. وأحاول الإشارة إلى بعض هذه الأهداف وباختصار.

وأمّا الأهداف الاقتصادية والسياسية، ففي ذلك يقول وليام بدويل (1561 ـ 1632) في سياق ترغيبه في تعلم العربية: «إنّها هي لغة الدين الوحيدة وأهم لغة للسياسة والعمل من الجزائر السعيدة إلى بلاد الصين»[2].

(162)

وأما التنصير فهو ذو علاقة وثيقة بالاستشراق، بل إنّهما توأمان يصعب التفريق بينهما كثيرًا وبخاصة في بداية نشأتهما، فقد كان علماء الكنيسة المسيحيّة هم أول من اعتنى بدراسة اللغة العربيّة وتعلّمها.

فأول مؤسس لكرسي الاستشراق في جامعة أكسفورد هو رئيس الأساقفة واسمه «لود»، كان ذلك في سنة (1636). وكان من أهداف أول جالس على كرسي اللغة العربيّة في كمبردج في السنة نفسها أن يعد مشروعًا لتفنيد القرآن، كما كان من أهداف هذا الكرسي أيضًا تمجيد الله بتوسيع حدود الكنيسة، والدعوة إلى الديانة المسيحيّة بين هؤلاء الذين يعيشون في الظلمات !

ويقول جيوم بوستل (ت 1581 م) أول من شغل كرسي اللغة العربيّة في «الكوليج دي فرانس» في باريس عن اللغة العربيّة «إنّها تفيد بوصفها لغة عالمية في التعامل مع المغاربة والمصريين والفرس والأتراك والتتار والهنود، وتحتوي على أدب ثري، ومن يجيدها يستطيع أن يطعن كل أعداء العقيدة النصرانية بسيف الكتاب المقدس»[1].

وأما الأهداف اللاهوتية فخلاصتها أنّ للغة العربيّة أهمّيّة كبيرة من هذه الناحية تتمثل في أنّها -ببقائها حيّة وبأصلها السامي- تساعد على فكّ طلاسم نصوص العهدين القديم والجديد وفهمها يقول يوهان فوك عن المستشرقين الذين معظمهم من اللاهوتيين: «لم يدرسوا اللغة العربيّة لقيمتها الأدبية أو للتعمّق في تاريخ الإسلام أو لدرس تطوّر الأدب عند المسلمين، بل لاستعمالها وسيلة لدرس العهد القديم واللغة العبرانية»[2].

ولم يخلُ الاستشراق والاهتمام باللغة العربيّة من أهداف علمية وثقافية خالصة؛ لأنّ المسلمين ظلّوا متقدّمين وأساتذة العالم من القرن التاسع الميلادي إلى القرن الرابع عشر، فقد كان من يرغب من الغربيّين في العلم أو الفنّ أو الأدب أو الفلسفة ييمّم شطر الشرق وهناك شواهد كثيرة على ذلك.

(163)
(164)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث

دوافع المستشرقين لدراسة القرآن الكريم

(165)
(166)

قد كان للقرآن الكريم مركزًا جوهريًا في الدراسات الاستشراقيّة التي بدأت بترجمته لأهدافٍ دينية معادية؛ مثل ترجمته الأولى إلى اللغة اللاتينية التي أشرف عليه (بيتروس فينيرا بيليس) الملقّب بـ (بطرس المبجل) رئيس دير (كلوني) وسيأتي الكلام عن هذه الترجمة وغيرها. 

والذي يطالع حجم الدراسات الاستشراقيّة عن القرآن الكريم، وتنوع هذه الدراسات التي اشتملت في بعض الأحيان على بعض الأبحاث التي لم يتعرّض لها المسلمون أنفسهم، يعرف مدى اهتمام هؤلاء بالقرآن الكريم وجعله على رأس الأولويات التي شغلت بالهم وتفكيرهم، ولعل المستشرقين قد أدركوا أهمية القرآن بل خطورته على أفكارهم ومعتقداتهم اللاهوتية، بعد ترجمتهم له؛ ما دفعهم لدراسته ونقده.

«ومن خلال استقراء متنوع الجهود الاستشراقيّة في الدراسات القرآنيّة؛ فإنّ أهمّ أعمالهم تدور حول الموضوعات التالية بحسب أهميتها عندهم، أو بحسب ما أنتجوه فيها:

1- تأريخ القرآن الكريم، وكل ما يتعلق بأسباب نزوله، وتأريخ سوره، ومكيّه ومدنيه، وقراءاته ولهجاته، وكتابته وتدوينه، وما دار في هذا الفلك من رأي، أو فكرة أو نظرية.

2- ترجمة القرآن إلى مختلف اللغات العالمية والألسن الحيّة، ترجمة حرفية أو تفسيرية أو لغوية، جزئية وكلية.

3- نشر ما كتب عن  القرآن وما ألّف فيه، وتحقيق النصوص القديمة في آثاره، والتدوين والفهرسة بمختلف الأصناف»[1].

فلماذا اهتّمّ المستشرقون بدراسة القرآن الكريم؟ وبعبارة أخرى ما هي الدوافع الرئيسة وراء هذا الاهتمام البالغ واللافت في دراسة القرآن.

(167)

إنّ معرفة الأسباب والدوافع وراء دراستهم تكشف لنا عن أسباب اختيارهم لبعض المناهج التي استخدموها في دراسة  القرآن الكريم.

فهناك دوافع عدّة للبحث الاستشراقي في القرآن نذكر منها:

 

المطلب الأوّل: الدافع الديني:

بعد أن ترجم رجال الكنيسة القرآن واطلعوا على ما فيه من أفكار ومعتقدات، وجدوا أنّ ما جاء في هذا الكتاب فيه إبطال واضح وصريح لأسس الاعتقاد الذي يقوم عليه الإيمان المسيحيّ أي: (التثليث، الصلب، الفداء)، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [1].

وقال -تعالى- ردًا على فكرة صلب السيد المسيح: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا)[2].

فالقرآن أبطل بشكل واضح عقيدة التثليث، والصلب للسيد المسيح عليه‌السلام وغير ذلك من اعتقادات، وهذا دفع المستشرقين وبالأخص رجال اللاهوت المسيحيّ لدراسة القرآن الكريم، أولًا: لحماية العقائد المسيحيّة لكي لا يتأثر أتباع الديانة المسيحيّة أنفسهم بأفكار القرآن، ثانيًا: إقناع المسلمين ببطلان أفكارهم وعقائدهم من خلال إضعاف المصدر الأول لعقيدتهم وهو القرآن وإبطال وحيانية القرآن والقول إنّه من صنع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعند ذلك يتمكّن علماء اللاهوت من التبشير بالدين المسيحيّ وإقناع المسلمين به، ولذا استخدموا من أجل ذلك وسائل وأساليب ومناهج للوصول إلى هذه الغاية المحددة، من قبيل تطبيق نظرية «النقد الأعلى»

(168)

على القرآن وهي النظرية التي طبقها علماء اللاهوت في أمريكا على الإنجيل والتوراة.

فالدافع الديني يعتبر من أهم الدوافع لدراسة القرآن الكريم وعلومه ولذا يُعتبر القرآن المجال الخصب لهؤلاء المستشرقين وبالأخص لعلماء اللاهوت المسيحيّ في الدرجة الأولى؛ لأنّهم يريدون من خلال دراساتهم المختلفة تحطيم المسلّمات التي يؤمن بها المسلمون أو تشويهها، وفي الوقت ذاته الحيلولة دون تأثّر الغرب المسيحيّ واقتناعه بالقرآن الكريم.

وهذا الدافع الديني جعل الكنيسة تشن حملة واسعة ضد القرآن الكريم بشكل خاص، وشخص النبيّ والإسلام بشكل عام، وكان لهذه الحملة أشكال متعدّدة من الافتراءات على القرآن الكريم وعلى الرسول الأعظم؛ منها:

    • إنّ حقيقة الوحي الإلهي ما هي إلا نوبات من الصرع، أو مجموعة من الأوهام والخيالات الخاصة بالرسول.

    • الترويج لفكرة أنّ النبيّ استقى تعاليم القرآن من كتب اليهود والنصارى[1]. يقول بعض الباحثين «إنّ السبب الأوّل لحقد المستشرقين على القرآن وإصرارهم على أنّه من كلام محمد وليس من عند الله وكلامه هو أنّ  القرآن اتّهم أتباع التوراة والإنجيل بتحريفهما، ولذلك زعموا أنّ محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله استمدّ معارفه في إنشاء  القرآن من هذين الكتابين؛ قصصًا وأخبارًا وأحكامًا؛ كما أنّ القرآن من ناحية أخرى ينكر الأسس الثلاثة التي تقوم عليها مسيحيّتهم؛ وهي «التثليث والصلب والفداء»[2].

    • تكذيب الأفكار والمعتقدات الإسلاميّة بمجرد مخالفتها للمسيحية يوضح (مونتغمري وات) الموقف الكنسي من القرآن والإسلام قائلًا «لقد سيطرت مفاهيم الكتاب المقدس خلال القرون الوسطى على نظرة الأوروبيين عن

(169)

الطبيعة، والله، والإنسان، بحيث لم تمكنهم من أن يتصوّروا أنّ هناك طريقًا بديلة للتعبير عن هذه العلاقة، وكانت النتيجة أن حُكم على تعاليم الإسلام بالكذب حين اختلفت مع المسيحيّة[1]».

ا لقول إنّ الإسلام لم يكن سوى هرطقة مسيحيّة وإنّ الإسلام كان أسوأ من ذلك، وبالإمكان اعتبار المسلمين وثنيين، ولقد جاءت نواة الاعتقاد المسيحيّ في هذا الصدد من أنّه ما دام محمد لم يكن رسولًا، وما دام قد أقام دينًا، فلا بدّ إذن من أنّه شجع الشر، وبذلك فإنّه يجب أن يكون أداة للشيطان؛ وبهذه الطريقة وضع الإسلام على طرفي نقيض مع المسيحيّة»[2].

 

المطلب الثاني: الدافع الاستعماريّ:

لا تخفى الصلة بين الاستشراق والاستعمار، فالتراث الاستشراقي بمثابة دليل للاستعمار من أجل فرض السيطرة الاستعمارية على الشرق وإخضاع شعوبه وإذلالها والهيمنة عليها[3].

ولكي يصل الاستعمار إلى أهدافه التوسعية لا بدّ أن يضعف عقيدة الشعوب، لأنّ قوة الشعوب بسبب معتقداتها، والقرآن الكريم يشكل المصدر الأساس لعقيدة المسلمين، فلذا كان لا بدّ من المرور عبره والتشكيك في منظومته الفكرية، وأصوله الاعتقادية، ومبانيه الأخلاقية، ولا أقل التقليل من قيمتها.

تشويه مفهوم الجهاد في دراسات المستشرقين:

ومن هنا تناول المستشرقون العديد من المفاهيم والموضوعات القرآنيّة الرئيسة؛

(170)

وبالأخص التي تواجه حركتهم الاستعمارية، وكان أوّل ما تناوله المستشرقون -بوابة المستعمر الكبرى- «مفهوم الجهاد» في القرآن الكريم هذا الجهاد الذي أكّده القرآن في تضاعيف آياته فبلغت آيات الجهاد والنفير والقتال في القرآن الكريم (70 آية)، وحاول هؤلاء تشويه هذا الجهاد المقدس وقاموا بتصويره تصويرًا سيئًا، وكان هدفهم واضحًا وهو: إضعاف روح المقاومة والدفاع عن الدين والنفس والأرض... فاعتبروا الإسلام عقيدة سيف، وكان جون هيجل[1] يقول: «كان الإسلام دائمًا، وسيبقى دائمًا، دين السيف، لأنّه لا يمكن العثور على أيّ فكرة للحب في القرآن»[2].

وهناك دراسات كتبها المستشرقون عن نقد موضوع الجهاد في الإسلام، نذكر منها:

ـ «الحرب المقدّسة: الحملات الصليبيّة وأثرها على العالم اليوم» للمستشرقة البريطانية كارين آرمسترونغ Karen Armstrong الطبعة العربيّة للكتاب: ترجمة: سامي الكعكي، (بيروت، دار الكتاب العربي، 2005م).

ـ «الجهاد من أجل القيصر» للمستشرق النمساوي شتيفان كرويتسر.

ـ المستشرق البريطاني ويليام مونتغمري وات William Montgomery Watt (1909-2006) المعنون بـ: «مُحمَّد في المدينة» Muhammad at Medina.. والذي تعرض في كتابه إلى دراسة نقدية تحليلية لغزوات وسرايا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله[3].

(171)

والدافع إلى هذا التشكيك خصوصًا في موضوع الجهاد:

    • الخوف من سيطرة الإسلام على عالم الغرب المسيحيّ.

    • الرغبة الجامحة والحلم القديم الجديد في السيطرة على الشرق، ونهب ثرواته.

يقول الوزير البريطاني السابق «جلادستون»[1] في سياق كلامه عن أسباب الحملة التي شُنت على  القرآن الكريم ولا تزال تُشن وبأساليب مختلفة: «ما دام هذا القرآن موجودًا، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان»[2].

وقد رد بديع الزمان النورسي[3] على مقالة «جلادستون» بقوله: «أقسم بالله إنّني سأكرّس نفسي للقرآن باذلًا حياتي مهما كانت مكائد الوزير البريطاني القذرة»، ويقصد به وزير المستعمرات البريطاني غلادستون الذي قال آنذاك: «طالما أنّ القرآن مع المسلمين فسيبقون في طريقنا ولذلك يجب علينا أن نبعده عن حياتهم»[4].

وقال أيضًا: «لأبرهننّ للعالم بأنّ القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاؤها»، فجعل القرآن محور حياته والنهضة بالمسلمين وجهته، وكان من آثار ذلك أنّه توجّه إلى إسطنبول وعرض على السلطان عبد الحميد إنشاء جامعة في شرق الأناضول باسم مدرسة الزهراء تكون ميدانًا لتدريس العلوم الدينيّة والشرعية

(172)

معًا ليقدم النموذج الذي ينهض به المسلمون ممّا كانوا فيه من حال تخلّف[1].

وكتب النورسي «رسائل النور» وتبلغ رسائله مئة وثلاثين رسالة وتقع في تسعة مجلدات هي: الكلمات والمكتوبات واللمعات والشعاعات وإشارات الإعجاز والمثنوي العربي النوري والملاحق وصيقل الإسلام وسيرة ذاتية ووُضع  للرسائل جزء عاشر بمثابة فهرس تحليلي عام.

وقد عرّف الأستاذ النورسي رسائل النور فبيّن أنّها «برهان باهر للقرآن الكريم وتفسير قيّم له وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعنوي، ورشحة من رشحات ذلك البحر وشعاع من تلك الشمس وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته»[2].

ثالثًا: الدافع العلميّ:

إنّ ما تقدم من دوافع لا يمنع من ظهور الدافع العلمي، هذا الدافع الذي سعت إليه قلة قليلة من المستشرقين إذا ما قيسوا بالجمهور منهم[3]، فكانت الأخطاء التي وقعوا فيها أثناء البحث في  القرآن الكريم ودراسته أخطاء طبيعية.

ولكن بشكل عام تهدف الدراسات الاستشراقيّة للقرآن الكريم وعلومه بالدرجة الأولى إلى زعزعة عقيدة المسلم، وتشكيكه في أمهات الكتب الإسلاميّة، من خلال مناهجهم -المزعومة- التي لا تحتكم إلى المنهج العلمي الرصين.

(173)

ولكي تتضح -ولو بصورة إجمالية- آراء هؤلاء تجاه القرآن نعرض بعض الأمثلة على ذلك، على أنّه سيأتي البحث بشكل موسّع عن بعض الافتراءات والأكاذيب التي كتبها هؤلاء تجاه القرآن الكريم.

المثال الأوّل: نزول الوحي:

يرى المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون أنّ التصرفات التي كانت تعتري الرسول إبان نزول الوحي عليه ما هي إلا بسب إصابته بالهوس[1]. ويرى مونتغمري وات أن الوحي من نتاج الخيال الخلاّق للرسول[2]. ويرى جولدتسيهر أن النبوة مسألة نفسية من تشبّع الإنسان بحالة خاصّة[3].

المثال الثاني: جمع القرآن الكريم وحفظه:

حاول المستشرق (كازانوفا) أن يثبت من خلال بحثه أنّ القرآن قد أضيفت إليه أمور كثيرة بعد وفاة النبيّ[4]. ويقرّر (جولدتسيهر) أنّه لا يوجد نصّ موحّد للقرآن، بل قد حذفت منه آيات كثيرة، وهذا ما أكده (نولدكه) و(موير) أيضًا[5].

المثال الثالث: مصدر القرآن:

زعموا أنّ الرسول استمد تعليمات القرآن الكريم من الديانات الأخرى، فشرائع الإسلام تأسّست من الشرائع المعاصرة له والمنتشرة وقتئذٍ في الشرق، ألا وهي: اليهودية، المسيحيّة، الهندية، الصابئة، الزرادشتية، الجاهلية[6]. وهذا ما يراه المستشرق (جب) في كتابه (المذهب المحمدي) والمستشرق (سنكريل تسدل) في كتابه (مصادر الإسلام) وغيرهما.

(174)

وهناك أمثلة كثيرة في هذا المجال توضح مدى افتراء هؤلاء على الرسول والرسالة ويمكن اختصار موقفهم في النقاط الآتية:

 القرآن من تأليف محمد.

 وهو ليس وحيًا على الإطلاق.

 وليس بمعجزةٍ أصلًا.

 فيه كثيرٌ من التناقضات.

 وهو خليطٌ من الديانات والعادات.

 

 

(175)
(176)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث:

مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلاميّة والقرآنيّة

(177)
(178)

لا شكَّ في ضرورة اتِّباع منهجٍ ما، في أيِّ دراسةٍ من الدراسات؛ لأنَّ المنهج هو الطريق المؤدِّي إلى التعرُّف على الحقيقة في العلوم بواسطة طائفةٍ من القواعد العامَّة التي تهيمن على سير العقل، وتحدِّد عمليَّاته حتَّى يصل إلى نتيجةٍ معلومة. وبعبارة أوجز: هو القانون، أو القاعدة التي تحكُّم أي محاولة للدراسة العلميَّة، وفي أيِّ مجال.

ثمَّ إنَّ المناهج تختلف باختلاف العلوم التي تبحث فيها؛ فلكلِّ علمٍ منهجٌ يناسبه، مع وجود حدٍّ مشترك بين المناهج المختلفة، وقد تتعاون -وهو الغالب- مجموعةٌ من المناهج لخدمة فنٍّ واحدٍ ومعالجته[1].

ولكن لكلِّ منهجٍ حدودًا معيَّنة، ومن هنا فمن الخطورة بمكان أن نعتقد أنَّ منهجًا بعينه يصلح لدراسة الظواهر المختلفة، فقد يفيد المنهج الفلانيّ في دراسة ظاهرةٍ محدَّدةٍ أو موضوعٍ معيَّنٍ في بيئةٍ معيَّنةٍ، بينما قد يأتي استخدام المنهج نفسه بنتائج خاطئة بل كارثيَّة في بعض الأحيان، إذا ما طُبِّق على موضوعٍ آخر مشابهٍ في بيئةٍ أخرى وظروفٍ مختلفة.

هناك مناهج علميَّة أو مكتبيَّة (Méthodes Library) اعتمدها المستشرقون، من قبيل: المنهج التاريخيّ، المنهج الوصفيّ، وغيرهما. والمقصود بالعلميَّة طريقة استعمال المصادر، والدراسات العلميَّة التي لها صلة مباشرة، أو غير مباشرة بموضوع الدراسة، والتي تحصل وتتمّ من على المكتب دون الحاجة للنزول إلى الميدان. وهناك مناهج عمليَّة تتطلَّب الحضور الميدانيّ، من قبيل: المنهج الأنثروبولوجيّ في دراسة التراث.

(179)
(180)

 

 

 

 

 

 

المبحث الأوّل

المناهج العامَّة للمستشرقين

 

(181)
(182)

المطلب الأوَّل: المنهج التاريخيّ:

الاتِّجاه التاريخيّ هو من الاتِّجاهات اللاهوتيَّة، ويبدو أنَّه نابعٌ من محاولة بعض المستشرقين تطبيق مناهج النقد التاريخيَّة عنْوةً على النصِّ القرآنيّ، وهي المناهج التي طُبِّقت على الكتاب المقدَّس، وطوَّرت في ما بعد علم اليهوديَّة، ومن ثمَّ علم نقد أسفار العهد القديم في الغرب، وخرجَت هذه المناهج بنتائج تفيد بأنَّ هذه النصوص كُتبت في مراحل تاريخيَّة مختلفة، وتنتمي لأكثر من مؤلِّف لا لمؤلِّفٍ واحد، ومن أشهر الكتابات الاستشراقيَّة في هذا الصدد كتاب المستشرق الألمانيّ تيودور نولدكه: «تاريخ القرآن» عام 1860م، الذي تأثَّرت به -على أغلب الظنّ- كثيرٌ من الكتابات الاستشراقيَّة التي نهجَت هذا النهج؛ إِذْ حاولَت وضع النصّ القرآنيّ في إطارٍ تاريخيّ، مقسِّمةً سور القرآن إلى مجموعات، وفقًا لمراحل وحقب تاريخيَّة مختلفة ارتأَتْ أن َّكلًّا منها كان لها تأثيرٌ على مضامين آيِ القرآن.

ويقصد بالمنهج التاريخيّ القوانين العامَّة للوصول إلى الأحداث الماضية من خلال التحليل المفصَّل الذي يقود من المشاهدة المادِّيَّة للوثائق إلى معرفة الوقائع[1]، وقد قام بتوضيح معالم هذا المنهج العالمان الفرنسيّان لانجلو وسينوبوس في كتابٍ لهما، بعنوان: «المدخل إلى الدراسات التاريخيَّة»، وعالجا فيه شروط المعرفة في التاريخ، وعلاماتها وخصائصها، وكيفيَّة التعامل مع وثيقةٍ تاريخيَّة، وقد تَرجَمَ هذا الكتاب الدكتور عبد الرحمن بدوي[2].

ويُعرِّفه بعض الباحثين بأنَّه: «عبارة عن ترتيب وقائع تاريخيَّة أو اجتماعيَّة، وتبويبها وترتيبها، ثمَّ الإخبار عنها، والتعريف بها باعتبارها الظاهرة الفكريَّة ذاتها. وقد خلطوه بالمنهج الذاتيّ، فجاءت دراستهم ذاتيَّة أكثر منها تاريخيَّة.

(183)

والمنهج التاريخيّ قد يكون عامًّا يشمل دراسة كلّ الظواهر السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والقانونيَّة للمجتمع، وقد يكون خاصًّا بجزءٍ معيَّنٍ مقتصرًا عليه. والمستشرقون حين طبقوا هذا المنهج على الحضارة الإسلاميَّة، فإنَّهم صنَّفوا التاريخ الإسلاميّ ومفكِّريه على نمط العقليَّة الغربيّة؛ فهم إذا تحدَّثوا عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قالوا: إنَّه كان تاجرًا ميسورًا، وعندما يتناولون دعوته يقولون: إنَّها جاءت للانقضاض على الأرستقراطيَّة القرشيَّة، وعندما يتحدَّثون عن نضاله وجهاده يقولون: إنَّ لديه أغراضًا سياسيَّة يرمي إلى تحقيقها بالقوَّة المسلَّحة للوصول إلى السلطة والهيمنة على الجزيزة، وعندما يتحدَّثون عن مفكِّري الإسلام كابن رشد والغزالي فإنَّهم يصنِّفونهم على أنَّهم أصحاب مدارس كالغربيّين، وهذا غير صحيح بل بعيدٌ كلَّ البعد عن التاريخ الإسلاميّ. ونتائج تطبيق هذا المنهج ليست صحيحةً غالبًا كما أنَّه يؤدِّي إلى إنكار نبوَّة محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، وعدم صدق الوحي؛ حيث يفسِّر كلّ شيءٍ على أنَّه ظاهرةٌ تاريخيَّةٌ ذات أصولٍ مادِّيَّة، وهو بذلك يقوم على فكرةٍ مسبقةٍ وتمييزٍ حضاريٍّ وتعصُّبٍ دينيّ»[1].

 

 

 

 

 

 

(184)

مراحل البحث التاريخيّ:

البحث التاريخيّ يمرّ بمرحلتين:

المرحلة الأولى: مرحلة جمع الأصول المرتبطة بواقعةٍ تاريخيَّة وتمحيصها؛ لإثبات صحَّتها، وتعيين درجة الاعتماد عليها.

المرحلة الثانية: مرحلة إعادة بناء تصوُّر الواقع التاريخيّ بعد تجزئة المعلومات عنها وتصنيفها وترتيبها على أساس التسلسل المنطقيّ للحوادث[1].

نقاط منهجيَّة في المنهج التاريخيّ:

    • حاز النقد التاريخيّ في الغرب مكانةً عليا في الدراسات التاريخيَّة، وأصبح هذا المنهج مهيمنًا على مجال البحث العلميّ-التاريخيّ، كما شاع استعماله في البحث الأكاديميّ للكتاب المقدّس.

    • قد تناولت الدراسات الإسلاميَّة عند المستشرقين عددًا من الموضوعات المرتبطة بالقرآن الكريم، والسنَّة، والسيرة النبويَّة، والتاريخ الإسلاميّ، على أسسٍ منهجيَّةٍ نقديَّةٍ متأثِّرين بهذا المنهج.

    • الهدف من استخدام النقد التاريخيّ في دراسة الأديان وكتبها المقدَّسة هو الكشف عن نشأتها وطبيعتها.

    • الفكرة الرئيسة في هذا المنهج هي أنَّ الأديان تمرّ بمراحل نشأةٍ وتطوُّر في التاريخ، وأنَّها خاضعة لقانون التأثُّر والتأثير، فهي أديان متطوِّرة في التاريخ.

ملاحظات على المنهج التاريخيّ:

هناك ملاحظات عدَّة على المنهج التاريخيّ، نذكر أهمّها:

(185)
خطورة التعميم في المنهجيَّة:

إنَّ من مسلَّمات المنهج العلميّ أن يكون صالحًا لموضوع البحث، فالتزام المنهج المناسب لمجال البحث يكون ضمانًا لتوليد معرفةٍ صحيحةٍ، وعدم مراعاة التناسب بين المنهج والموضوع سيؤدِّي إلى معرفةٍ فاسدة ونتائجَ خاطئة؛ ولذلك تُشترط في المنهج العلميّ شروطٌ ثلاثة:

    الشرط الأوَّل: أن يكون منهجًا محدَّدًا

    الشرط الثاني: أن يكون ملائمًا لموضوع البحث

    الشرط الثالث: أن يكون متناسبًا مع طاقة العقل، وفي حدود قدراته[1].

«والخطأ الأوَّل هو خطأ التعميم الذي وقع فيه المستشرقون. وهذا الخطأ المنهجيّ الاستشراقيّ ينبع من الاعتقاد في أنّ ما ينطبق على اليهوديَّة والنصرانيَّة ينطبق بالضرورة على الإسلام، وأنَّ ما ينطبق على النصوص الدينيَّة المقدَّسة في اليهوديَّة والنصرانيَّة صالحٌ للتطبيق على الإسلام»[2]. وهذا خطأٌ منهجيٌّ في المقايسة، ولكي يتَّضح هذا الخلل لا بد أن نلتفت إلى النقطة الآتية:

الفوارق بين النصوص في اليهوديَّة والنصرانيَّة وبين النصوص في الإسلام:

هناك فارق كبير بين  القرآن الكريم بوصفه كتابًا ووحيًا سماويًّا وبين الكتب السماويَّة الأخرى كالإنجيل والتوارة؛ فالقرآن الكريم نزل خلال 23 عامًا، وقد كُتب أمام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مع تمام نزول الوحي، أيْ لم ينزل القرآن ثم بعد رحيل النبيّ بسنواتٍ أو عقودٍ أو قرونٍ كُتِبَ القرآن؛ ولذا بالنسبة إلى النصّ الأوَّل في الإسلام، وهو القرآن الكريم، ليس هناك فترةٌ يمكن أن تُسمَّى تاريخًا، أي وجود زمنٍ فاصلٍ بين نزول الوحي القرآنيّ  وتدوين النصّ القرآنيّ.

(186)

أمَّا النصوص الدينيَّة المقدَّسة في اليهوديَّة، فلها تاريخٌ طويلٌ يقترب من ثمانمئة عامٍ بين زمن نزول الوحي وتدوينه، أيْ بين زمن نزول الوحي على النبيّ موسى عليه‌السلام، أي القرن الثالث عشر قبل الميلاد وزمن إخضاع هذا الوحي للكتابة والتدوين على يد عزرا الكاتب أيْ منتصف القرن الخامس قبل الميلاد. وهي فترة طويلة جدًّا، فنحن أمامَ نصٍّ له تاريخٌ تغيَّر فيه شكله من النصّ الشفويّ إلى النص الكتبّي على يد «عزرا الكاتب»، وهذه الفترة سمحت بأنواع التحريف والتبديل كلِّها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى العهد الجدي، فلكلِّ إنجيلٍ من الأناجيل الأربعة تاريخ[1].

الصحيح أنَّ اليهوديَّة والنصرانيَّة ديانتان تاريخيَّتان، وكلُّ ديانةٍ منهما لها تاريخ ينقسم إلى عصور. بالنسبة إلى الديانة اليهوديَّة، وحسب التقسيمات اليهوديَّة لتاريخها، هناك ما يُعرف بيهوديَّة التوراة، ويهوديَّة الأنبياء، ويهوديَّة العهد القديم ككلّ، ويهوديَّة التلمود بعد انتهاء عصر العهد القديم، وهكذا... وبالنسبة إلى الديانة النصرانيَّة، فقد أدَّى تاريخ النصّ إلى تطوُّر نصرانياتٍ عدَّة، من بينها: ديانة عيسى عليه‌السلام، والنصرانيَّة اليهوديَّة (Jewish Christianity)، ونصرانيَّة الأناجيل المختلفة، ونصرانيَّة بولس، ونصرانيَّات المذاهب الأرثوذكسيَّة، والكاثوليكيَّة، والبروتستانتيَّة. وفي مقابل هذا التطوُّر العقديّ الناتج عن تاريخ النصّ والمؤدِّي إلى تطوُّر تاريخٍ لليهوديَّة وتاريخٍ للنصرانيَّة، لا يوجد تاريخٌ للإسلام بالمعنى المتقدِّم، فهناك توافقٌ تامٌّ بين  القرآن بوصفه نصًّا والإسلام بوصفه دينًا، ولا يوجد إسلام خارج حدود النصّ القرآنيّ، وبالتالي لا يوجد تطوُّر عقديّ أو عصور للإسلام. وهنا يجب عدم الخلط بين الإسلام، وتاريخ المسلمين؛ فالتاريخ الموجود هو تاريخ المسلمين، وليس تاريخ الإسلام[2].

(187)

المطلب الثاني: منهج التأثير والتأثُّر:

في عام 1837م صدر كتاب «أبراهام جايجر»، بعنوان: «ماذا أخذ  القرآن عن اليهودية»؟ وهدفه ممَّا طرحه في هذا الكتاب إرجاع العناصر الرئيسة في الإسلام إلى الديانة اليهوديّة، وبالتالي إفقاد الإسلام الأصالة الدينيَّة، واعتباره ديانة التقاطيَّة وتلفيقيَّة. فَوِفقًا لكتابه الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه باللغة الألمانيَّة، بعنوان: «ماذا أخذ محمَّدٌ عن اليهوديَّة؟» (Was hat Mohammed aus dem judenthume aufgenommen)، فإنَّ النصَّ القرآنيَّ في مجمله اقتباساتٌ عن الديانة اليهوديَّة.

فـ «مهمَّتنا -على ما يقول غايغر- هي أن نثبت أنَّه كم كانت مرتبطة روح محمّد، نضاله وأهدافه، مع عقل زمانه ودستور محيطه، ومن ثمَّ إثبات حقيقة أنَّه حتَّى إذا كنَّا حُرِمنا من جميع البراهين التي تظهر على نحوٍ لا يمكن إنكاره أنَّ اليهوديَّة مصدرٌ للقران، فإنَّ التخمين بأنَّه استعارةٌ من اليهوديَّة كانت قد حدثت لا تزال تمتلك احتماليَّةً عظيمة»[1].

ومن النماذج –أيضًا- لمنهج التأثير والتأثُّر كتاب «مصادر يهوديَّة للقرآن» باللغة العبريّة، لمؤلِّفه الحاخام والمستشرق الإسرائيليّ أندريه شالوم زاوي، الصادر في القدس عن دار نشر (دافير) الإسرائيليَّة عام 1983م، والذي يعدُّ من المؤلَّفات النادرة التي تركِّز بالتحليل والنقد على الآيات القرآنيَّة؛ إِذْ شمل جميع سور القرآن الكريم، رادًّا عددًا كبيرًا من آياته إلى مصادر دينيَّة يهوديَّة قديمة ومتأخِّرة، وإلى مصادر أخرى غير أصيلة، علاوة على اعتبار عددٍ من ألفاظه ذات أصول عبريَّة وأخرى أجنبيَّة.

ويمكن الردّ على هذا المنهج في ما يتعلَّق بالإسلام والنصِّ القرآنيّ تحديدًا، بأنَّ الذي يحلّ محلّ ظاهرة التأثير والتأثُّر هو الرؤية القرآنيَّة والإسلاميَّة عن الوحدة

(188)

الإلهيَّة للأديان في علاقاتها باليهوديَّة والنصرانيَّة وكتبهما المقدَّسة، فمن الطبيعيّ أن تكون المتشابهات موجودة بين نصوص هذه الأديان طالما أنَّ المصدر واحد[1]؛ وهو ما يتَّضح أكثر من خلال مفهوم «الهيمنة» القرآنّي، وهو من المفاهيم الـمُهمَلة في الدراسات الاستشراقيَّة عن الإسلام[2].

وباختصار، فإنَّ المقصد من منهج التأثير والتأثُّر هو ردُّ كلّ عناصر منظومة الإسلام بعد تجزئتها إلى اليهوديَّة والنصرانيَّة أو إليهما معًا، أو إلى ما هو خارج اليهوديَّة والنصرانيَّة؛ كالهنديَّة، والفارسيَّة، واليونانيَّة، وغير ذلك. والهدف من تطبيق هذا المنهج هو الاستدلال على عدم أصالة الدين الإسلاميّ بأصوله وفروعه. فالتوحيد بناءً على هذا التصوُّر تكون أصوله يهوديَّة، والتصوُّف أسسه هنديَّة وفارسيَّة، والفلسفة يونانيَّة، وهكذا غدا الفقه الإسلاميّ عندهم نسخة من القانون الرومانيّ[3]، والحضارة الإسلاميَّة -في أحسن أحوالها- ليست إلا شكلًا من أشكال «الهللينيَّة»[4]، بل إنَّ الإسلام ذاته هو لون جديد يجمع بين اليهوديَّة والمسيحيَّة[5]. والصحيح -بناءً على قواعد المنهج العلميّ الرصين- عدم صحَّة تطبيق هذه القاعدة بمجرَّد التشابه؛ لأنَّ  القرآن عندما تحدَّث عن الأديان الأخرى تحدَّث عنها ضمن فكرة وحدة المصدر الإلهيّ للأديان، ولكن علماء الاستشراق تعاملوا مع الأديان على أنَّها منفصلة عن بعضها لا يجمع بينها رابط، وعندما أرادوا إجراء مقارنة بين الأديان سمحوا لمخيِّلتهم الإجابة عن أسئلة افتراضيَّة ومبنيَّة على رؤية غير منهجيَّة، من قبيل: من تأثر بمن؟ وما هي أدلّة التأثير؟ وهكذا بدل أن تكون حالات التشابه بين

(189)

الأديان عاملًا يوحِّدها ويرجعها إلى منبعها الأصليّ، تحولت بيد علماء الاستشراق إلى أداة سطوٍ فكريّ، يجري بواسطتها «إفراغ الإسلام من مضمونه؛ وذلك بإرجاعه إلى مصادر خارجيَّة كالنصرانيَّة، واليهوديَّة، والمجوسيَّة، والبوذيَّة، والبابليَّة»[1]. وقد اعتبر بعض الباحثين أنَّ كلّ الدراسات والموسوعات التي كتبها المستشرقون عن الإسلام تسير على منهج (التأثير والتأثُّر) ولا تعدوه[2].

وهذا المنهج الذي يقوم أصلًا -كما أشرنا- على محاولة تفريغ الظاهرة الفكريَّة من مضمونها، محاولًا ردّها إلى عناصر خارجية في بيئات ثقافيَّة أخرى، دون وضع أيِّ منطقٍ سابقٍ لمفهوم التأثير والتأثُّر، بل بإصدار هذا الحكم دائمًا لمجرَّد وجود اتِّصالٍ بين بيئتين أو ثقافتين، وظهور تشابهٍ بينهما، مع أنَّ هذا التشابه قد يكون كاذبًا وقد يكون حقيقيًّا، وقد يكون لفظيًّا وقد يكون معنويًّا[3].

 

المطلب الثالث: المنهج الفيلولوجيّ التفكيكيّ:

لا بد من الإشارة إلى أنّ هذا المنهج غير المنهج التاريخيّ المتقدِّم، وإن كان كلاهما من المناهج المتَّبعة في دراسة الكتاب المقدَّس.

ولا بد من الإشارة -أيضًا- إلى أنَّ المنهج الفيلولوجيّ قد يجمع منهجيَّات عدَّة، يمكن الكلام عنها وبحثها بشكلٍ مستقلّ، من قبيل: النقد النصِّيّ، أو نقد المصادر، أو تحقيق النصوص، فكلّ هذه الأمور تدخل في المنهج الفيلولوجيّ.

أوَّلًا: ما المنهج الفيلولوجيّ؟:

يمكن -وبشكلٍ مختصر- تعريف الفيلولوجيا بأنَّها: دراسة النصوص بشكلٍ يؤهِّل لفهم الحضارة القديمة، مع مراعاة التطوُّر الإنسانيّ فيها سياسيًّا، واقتصاديًّا،

(190)

واجتماعيًّا، وأدبيًّا؛ من خلال استيعاب عقليَّة الشعوب، وتطوُّرها الثقافيّ، وتمظهراتها اللغويَّة.

ويهتمّ علم الفيلولوجيا بنقاط رئيسة ثلاث، هي:

    1- إعداد النصوص وطبعها

    2- نقد صحّة النصوص

    3- البحث عن مصادر النصوص.

فعلم الفيلولوجيا يعتني بدراسة التغيُّرات اللغويَّة عبر التاريخ، واصطلاح الفيلولوجيا في منشئه يدور بين معنيين: معنى قديم (دراسة النصوص القديمة)، ومعنى حديث (علم اللغة)، ويرى صبحي الصالح  أنَّ «اسم فقه اللغة عندهم [أي الغربيِّين] (philology): كلمة مركَّبة من لفظين إغريقيَّين: أحدهما (philos) بمعنى الصديق، والثاني (Logos) بمعنى الخطبة أو الكلام، فكأنَّ واضع التسمية لاحظ أنَّ فقه اللغة يقوم على حبّ الكلام، للتعمق في دراسته من حيث قواعده وأصوله وتاريخه، وعلى هذا النحو كان العلماء في عصر إحياء العلوم يفهمون «فقه اللغة»، بل كان هذا الاسم إذا أطلقوه لا ينصرف إلَّا إلى دراسة اللغتين الإغريقيَّة واللاتينيَّة؛ من حيث قواعدهما، وتاريخ أدبها، ونقد نصوصها»[1]. وبذلك يدلّ اصطلاح الفيلولوجيا في الغرب قديمًا على الاعتناء بالنصوص القديمة دراسة ونقدًا وتحقيقًا وضبطًا… ابتداءً بالنصوص اليونانيَّة واللاتينيَّة فالشرقيّة (العبريَّة والفارسيَّة…) ثمَّ العربيَّة.

ويمكن القول إنَّه حصل توسُّع في الفيلولوجيا، ليتعدى دراسة اللغة اليونانيَّة فقط، ويشمل دراسة أيّ لغة من اللغات ذات بعد حضاريّ.

«وهذا المصطلح له معان مختلفة في اللغات الأوروبيّة، ففي اللغة الإنكليزيّة يعني (الدراسات التاريخيَّة المقارنة)، وأمَّا في الألمانيَّة، فإنَّه يستعمل عنوانًا للدّاسة العلميَّة المتعلِّقة بالنصوص الأدبيَّة، ولا سيَّما تلك المتعلِّقة بالعالم الإغريقيّ الرومانيّ

(191)

القديم، ويستعمل فيها -أيضًا- على نحوٍ أكثر عموميَّة لدراسة الثقافة والحضارة من خلال الوثائق الأدبيَّة. وهو يعمد في فرنسا إلى دراسة النصوص الأدبيَّة المكتوبة، ونقدها، وإعدادها للنشر. ومعنى ذلك أنّ ما يعنيه مصطلح (الفيلولوجيا) في اللغة الإنكليزيَّة هو مرحلة متقدِّمة من مراحل علم اللغة الذي كان من أهمّ بشائره تطبيق منهج البحث التاريخيّ ومنهج البحث المقارن في دراسة اللغة»[1].

وهناك دراسات استشراقيَّة فيلولوجيَّة كثيرة حول القرآن الكريم، نذكر أبرزها -على أن يأتي الردّ على بعضها في طيَّات أبحاث الكتاب- ومن هذه الدراسات:

ـ الدراسة الفيلولوجيَّة حول النصوص القرآنيَّة للمستشرق نولدكه في كتابه «تاريخ  القرآن» في الجزء الأوَّل منه والذي حمل عنوان: «في أصل القرآن»

ـ دراسة المستشرق الإنكليزيّ وليام موير، وذلك في كتابين له: أحدهما في السيرة وهو كتاب «حياة محمَّد»، والآخر في القرآن، بعنوان: «القرآن: نظمه وتعاليمه وشهادته للكتب المقدَّسة»

ـ دراسة المستشرق المجريّ جولدتسيهر في كتابه «العقيدة والشريعة في الإسلام» في موضوع «محمَّد والإسلام»

ـ دراسة المستشرق الفرنسيّ ريجيس بلاشير في كتابيه «القرآن -نزوله، تدوينه، ترجمته، وتأثيره-» و«تاريخ الأدب العربيّ»، فهو أحد الذين صرَّحوا أنَّ الفيلُولُوجيا هي مما يُعين على اكتشاف معالم  القرآن الذي يُمثِّل انعكاسًا لسيرة النبيّ محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله

والعبارات التي يستخدمها أصحاب هذا المنهج هي من قبيل: «إعادة قراءة القرآن» وهو عنوان كتاب لجاك بيرك، أو تعبير بلاشير في كتابه «تاريخ الأدب العربيّ» بعنوان «تكوين النصّ القرآنيّ»، أو ما كتبه كريستوف لكسنبرغ بعنوان «قراءة سريانيَّة آراميَّة للقرآن -مساهمة في تحليل اللغة القرآنيَّة-».

(192)

ثانيًا: نقد المنهج الفيلولوجيّ:

1. الاعتماد على الفرضيَّات المسبقة:

استخدم المستشرقون هذا المنهج في دراستهم للنصوص الإسلاميَّة، وبرعوا من هذه الناحية وأجادوا، وكان لهم في ذلك جهدٌ كبيرٌ وفضلٌ في استخراج العديد من المخطوطات، وقد ساعدهم على ذلك معرفتهم للعديد من اللغات واطِّلاعهم على المخطوطات ووصولهم إلى أماكنها، واكتشافهم للعديد من النقوش والآثار، وقد برعوا في جمع هذه المخطوطات ومقابلتها والتوفيق بينها، كما برعوا في الدقَّة في الترجمة وتحقيق النصوص وإرجاعها إلى مصادرها الأصليَّة. ولكنَّ هذه الطريقة لم تسلم من الخطأ؛ فإنَّ أغلب المستشرقين قد رسخت في أذهانهم فرضيَّات علميَّة وأحكام مسبقة، وهم يحاولون إثباتها دائمًا وتطويع النصوص للبرهنة على صحَّتها[1].

2. التفكيك:

يعتمد المنهج الفيلولوجي في بناء الموضوع على النصوص التي يجتهد في جمعها الباحث من المصادر المتاحة، ويركِّز على جزئيات الموضوع إذا وجدها جاهزةً أو يعمل على تجزئة الموضوع إن كان فيه تركيب، ثمَّ يبحث لكلِّ جزءٍ عن أصلٍ في التراث الإسلاميّ أو في التراث السابق عليه؛ ثم إذا حان وقت استخلاص النتيجة يتوقَّف صاحبه أو يتردد خوفًا من أن تكون هناك نصوص لم تكتشف بعد قد لا تؤيِّد الحكم الذي قرَّره، فهو -إذًا- لا يصل إلى نتيجة نهائيَّة، بل يترك الباب مفتوحًا أحيانًا. وحسب الظاهر، فإنَّ هذا المنهج إيجابيٌّ لشدَّة احتياطه وعدم استسلامه للتخمينات والفرضيَّات، لكن هذه المزايا لا تلبث أن تتوارى أمام المساوئ الناتجة عنها؛ ذلك أنَّ لهذا المنهج عند المستشرقين خلفيَّة أيديولوجيَّة خاصَّة، فتمارِس النظرة التجزيئيَّة التي يعتمدها هذا المنهج -عندئذٍ- عدوانًا خطيرًا على النصِّ وصاحبه، فتفتِّته وتقتل الحياة في سياقه، وتنتزع منه ما تريد وتلقي بالباقي وراء ظهرها. وأخيرًا، فإنَّ حرصَ هذا المنهج على ردِّ كلِّ فكرةٍ إلى أصلٍ سابقٍ عليها يصدر

(193)

عن تصوُّرٍ مسبقٍ مفاده أنَّ حضارةً ما عقيمة؛ وبالتالي فإنَّ مفكِّريها عاجزون عن الإبداع والتجديد[1].

وعليه، يمكن اختصار المعالم الرئيسة لهذا المنهج في أمرين:

    1- تفكيك القضيَّة الكلِّيّة إلى جزئيَّات عدَّة

    2- عزل تلك الجزئيَّات عن ذلك المفهوم الكلّيّ.

ومثال على ذلك أنَّهم حكموا -مثلًا- على وضع المرأة المسلمة من خلال عناصر معزولة عن الرؤية الكلِّيَّة للإسلام كالحجاب، وتعدُّد الزوجات، وعدم الاختلاط، إلى غير ذلك من هذه الأشياء التي تبدو سلبيَّة في إطار النظرة الجزئيَّة السريعة المفصولة عن الرؤية الكلِّيَّة لوضع المرأة في الإسلام، وبالمقابل تأتي النظرة الاستشراقيَّة للمرأة الغربيَّة في ضوء عناصر جزئيَّة تبدو إيجابيَّة في شكلها المفصول عن الإطار العامّ، كعلاقاتها المفتوحة مع الرجال، وحرّيَّتها غير المنضبطة. والنظرتان مخطئتان؛ لقيامهما على وقائع جزئيَّة لا تقدِّم تصوُّرًا صحيحًا عن حال المرأة عند الجانبين وفي الرؤيتين الإسلاميَّة والغربيَّة.

3. الإسقاط:

لعلَّ أبرز وأهمّ نقدٍ للمنهج الفيلولوجيّ، خصوصًا في ما يتعلَّق بالدراسات القرآنيَّة الاستشراقيَّة، هو أنَّ هذا المنهج قام بإسقاط النتائج التي خرج بها من نقد (الكتاب المقدس) على  القرآن الكريم. ولا يهمّنا في هذه الدراسة توجيه النقد إلى أصل المنهج الفيلولوجيّ، بل يكفي بيان سلبيَّات تطبيقه على النصوص القرآنيَّة.

والهدف الأساس من الإسقاط «إثبات أنَّ القرآن يخضع لأثر البيئة ويتطوَّر بتطوُّرها، وتنعكس فيه المصالح الاجتماعيَّة والسياسيَّة»[2].

(194)

المطلب الرابع: المنهج الإسقاطيّ[1]:

في الواقع منهج الإسقاط هو عبارة عن توصيفٍ للدراسات الاستشراقيَّة، لا أنَّه منهج يعتمده المستشرقون كما هو حال المنهج التاريخيّ أو المنهج الفيلولوجيّ، أو غير ذلك من المنهاج؛ ولذا عدَّ بعض المهتمِّين بالدراسات الاستشراقيَّة عمليَّة الإسقاط منهجًا معتمدًا لدى بعض الدارسين الغربيّين للعلوم الإسلاميّة. والحقيقة أنَّ هذا المنهج منهجٌ نفسيٌّ لا يمكن التحرُّر منه إلَّا بالتقيُّد الجازم بالمنهج العلميّ السليم والأمانة العلميَّة الحقَّة، ولهذا السبب فهو منهجٌ مذمومٌ من جهة، ولا يُحبّذ الوقوع فيه -بقصدٍ أم بغير قصد- والإعلان عن استعماله من جهةٍ أخرى، كما أنَّه ليس منسوبًا في بدايته إلى أحدٍ بعَينه. نعم، يمكن اعتبار أيّ عمليّة إسقاط هي غير علميَّة سواء صدرت من المستشرقين أو من غيرهم، ولكن لكثرة وقوع هؤلاء في الإسقاطات اعتبر هذا الإسقاط منهجًا؛ لأنَّه من غير المنطقيّ الوقوع بهذا الحجم الكبير والخطير دون قصد.

وعلماء النفس اعتبروا الإسقاط عمليةَّ لا شعوريَّة يقوم بها المسقط على أفكار الآخرين؛ لأنَّهم كما قالوا: «الإسقاط حيلة نفسيَّة، يلجأ إليها الشخص وسيلةً للدفاع عن نفسه ضدّ مشاعر غير سارّة في داخله، مثل الشعور بالذنب أو الشعور بالنقص، فيعمد -على غير وعيٍ منه- إلى أن ينسب للآخرين أفكارًا ومشاعر وأفعالًا حياله، ثمَّ يقوم من خلالها بتبرير نفسه أمام ناظريه»[2].

ويبدو أنَّ تفسير كلّ عمليَّات الإسقاط على أنَّها عمليَّات لا شعوريَّة غير صحيح؛ لأنَّ هناك عمليَّات إسقاطٍ مقصودة، نلحظها خصوصًا في الدراسات الاستشراقيّة والغربيّة للإسلام والقرآن الكريم.

(195)

فعند مراجعة بعض دراساتهم للقرآن الكريم وعلومه -كما سيأتي- نرى أنَّ هؤلاء قد مارسوا عمليَّة الإسقاط متأثِّرين بخلفيَّاتهم العقديَّة وموروثاتهم الفكريَّة، ومندفعين بدافعٍ نفسيٍّ يهدف إلى رَمي القرآن الكريم بما ثبت في حقِّ كتبهم المقدَّسة، والانتقاص من هذا الكتاب العظيم.

وسنحاول الإضاءة المختصرة على هذا المنهج من دون الدخول في النماذج الإسقاطيَّة في الدراسات الاستشراقيَّة، من قبيل: إسقاط المفاهيم الاستشراقيَّة على التعريف بالقرآن الكريم، أو إسقاط المفاهيم الاستشراقيَّة على تاريخ القرآن الكريم، والإسقاطات ذات المنطلقات الدينيَّة أو الفكريَّة، وغير ذلك؛ لأنَّنا سنبيِّن بعضًا من ذلك في الأبحاث القادمة.

أوَّلًا: تعريف المنهج الإسقاطيّ:

هو إسقاط الواقع المعيش على الحوادث والوقائع التاريخيَّة، إنَّه تصوُّر الذات في الحدث أو الواقعة التاريخيَّة[1]. فالمنهج الإسقاطيّ هو المنهج الذي يُسقط فيه المستشرق من ذاته على الموضوع، أي ممَّا في ذهنه من أحكامٍ مسبقةٍ من ثقافته ودينه وتحيُّزاته الخاصَّة، فتغطِّي الموضوع وتكون بديلًا عنه، وقد يصل الأمر إلى حدِّ التعصب لهذه الأحكام الإسقاطيَّة الخاصَّة.

فيسمَّى الإسلام -مثلًا- «المحمَّديَّة»  كما فعل «جِبْ» قياسًا على المسيحيَّة نسبةً إلى المسيح، أو البوذيَّة نسبة إلى بوذا، أو الكونفوشوسيَّة نسبة إلى كونفوشيوس، أو التاويَّة نسبة إلى تاو.. مع أنَّ الإسلام غير مشتقّ من اسم الرسول محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، بل من لفظ «سلم».

ويتمثَّل هذا المنهج في خضوع الباحث إلى هواه، وعدم استطاعته التخلّص من الانطباعات التي تركتها عليه بيئته الثقافيَّة المعيَّنة، وعدم تحرُّره من الأحكام المسبقة التي يكوِّنها عن موضوع بحثه، ويعني ذلك تفسير التاريخ بإسقاط الواقع

(196)

المعاصر المعاش على الوقائع التاريخيَّة الضاربة في أعماق التاريخ، فيفسِّرونها في ضوء خبراتهم ومشاعرهم الخاصَّة وما يعرفونه من واقع حياتهم ومجتمعاتهم، وهم بذلك يحاولون إثبات الصور المرسومة في أذهانهم حتَّى وإن استحال وقوعها وينفون الحقائق الواقعة التي لا تتصوَّرها أذهانهم[1].

ثانيًا: نقد المنهج الإسقاطيّ:

من الملاحظات المنهجيَّة على هذا المنهج:

ـ هذه المنهجيَّة خاضعة للهوى، وبالتالي لا يرجى منها إعطاء نتائج صائبة حول الإسلام وحضارته وعلومه

ـ ما في ذهن المستشرق هو أحكام مسبقة من ثقافته ودينه وتحيُّزاته الخاصَّة، يُسقطها على الموضوع، فتغطّيه وتكون بديلًا عنه. وقد يصل الأمر إلى حدِّ التعصب لهذه الأحكام الإسقاطيَّة الخاصَّة.

 

المطلب الخامس: المنهج التحليليّ:

المنهج التحليليّ: هو منهج يقضي بتحليل الظاهرة المركَّبة إلى عناصرها الأوَّليَّة التي تكوَّنت منها لمعرفة الأجزاء بوضوحٍ وإصدار الأحكام على كلٍّ منها. وهو أفضل من ترك الظاهرة الكلِّيَّة والحكم عليها دون رؤية الأجزاء من قبل. الكلّ مركَّبُ من أجزاء، ولا يمكن إصدار الحكم على الكلّ دون معرفة الأجزاء التي يتكوَّن منها. الفكر مثل الجسم، كلٌّ منهما مركَّب من أجزاء. والحضارة الإسلاميّة علوم، وكلُّ علمٍ مكوَّنٌ من موضوعات، وكلٌّ موضوعٍ من موضوعات أصغر، وبتفكيكها تضيع الرؤية الكلِّيَّة. والحضارة قصدٌ كلِّيّ، لا يمكن تقطيعه إلى أجزاء مثل التوحيد في علم أصول الدين، والمصلحة العامَّة في علم أصول الفقه، والحكمة في الفلسفة، والكمال

(197)

في التصوُّف. ويعتزُّ الغرب بأنَّه وضع المنهج التحليليّ منذ ديكارت عندما جعل التحليل القاعدة الثانية في المنهج العقليّ بعد الحدس وقبل التركيب والمراجعة. وصحيحٌ أنَّ الغرب تفادى عيوب التحليل بالتركيب في المنهج التكامليّ في علم النفس والمنهج الجدليّ لاكتشاف قوانين التاريخ... لكنّ قوَّة الحضارة الإسلاميّة في مقاصدها الكلِّيَّة، وتفتيتها يضعفها ويضيع رؤيتها للعالم ويحوّلها إلى شذراتٍ تاريخيَّة صِرف. كان الهدف من المنهج التحليليّ في الغرب التحقُّق من صدق الكلِّيَّات، سواء في تحليل الظواهر أم في تحليل النفس أم في تحليل اللغة. وهو ما سمَّاه الأصوليُّون السبر والتقسيم في البحث عن العلَّة الفاعلة، أو العلَّة المؤثِّرة، أو العلَّة المناسبة، أو العلَّة الملائمة، بعد رصد العلل الممكنة، ثمَّ اختبار كلّ واحدة منها، وهو ما سمَّاه اللغويُّون القسمة للألفاظ وأنواعها. والتحليل عند القدماء وسيلةٌ لا غاية. في حين أنَّ استخدام المستشرقين للتحليل هو لضياع النظرة الكلِّيَّة، وتحويل الحضارة الإسلاميَّة الحيَّة إلى أجزاء متناثرة مثل أجزاء محرِّك مفكَّك ولا يعمل[1].

يُستعمل المنهج التحليليّ عمدًا للقضاء على الطابع الكلِّيّ الشامل. وهو أهمّ ما يميِّز الحضارة الإسلاميّة التي قامت -أيضًا- على وحيٍ كلِّيٍّ شامل، فبتفتيت الكلّ لا يرى أحد الأجزاء المتناثرة، ومن ثمَّ لا تختلف الحضارة الإسلاميَّة عن الغربيَّة في شيء، فكلٌّ منهما ستبدو في هذه الحالة وكأنَّها مجموعةٌ متناثرةٌ من الأجزاء. وقد يُستعمل التحليل بطريق لا شعوريّ تعبيرًا عن رغبةٍ دفينةٍ في الهدم المنهجيّ، وقضاءً على الموضوع، فالتحليل تفتيت وسحق، وقد يحقِّق الباحث، من خلاله وتحت دعاوى منهجيَّة، ما يريد من القضاء على الظاهرة إن أراد، أو تقديمها بطريقةٍ غير موضوعيَّة وغير سليمة. وقد يُستعمل التحليل حتى يمكن ردّ كلّ جزءٍ إلى أجزاء شبيهة في حضارات معاصرة، ومن ثمَّ يكون التحليل مقدِّمة لإثبات الأثر الخارجيّ، وتفريغ الحضارة من مضمونها الأصيل، والادِّعاء بأنَّ كلَّ اكتشافاتها ومنجزاتها المعرفيَّة -مثلًا- مأخوذة أصلًا من ثقافاتٍ وحضاراتٍ أخرى، وفي هذا تقليلٌ من شأن جهدها وموروثها[2].

(198)

المطلب السادس: منهج البناء والهدم والملاحظات العامَّة على سائر المناهج:

أولًا: تعريف منهج البناء والهدم:

منهج البناء والهدم، حيث الإطراء والمديح ثمَّ الطعن. ففي مرحلة البناء، يقوم المستشرق بالإطراء على الظاهرة التي يدرسها، أو على جوانب ثانويَّة منها، ثم يأتي دور الهدم، حيث يجرِّد تلك الظاهرة من أهمّ مقوّماتها وأركانها على نحوٍ يؤدِّي إلى سقوطها، وهذا ما اعتمد عليه المستشرقون المعاصرون أمثال وات، غوستاف فون غرونبوم[1].

فعلى سبيل المثال المستشرق الفرنسيّ «غوستاف لوبون» (Lebon) (ت1931م) يستخدم هذا المنهج في كتابه «حضارة العرب» فيذكر -على سبيل المثال- أفكارًا صحيحةً ومعتدلةً عن الإسلام، ويشيد بالإسلام ونبيِّه، وبعد جملةٍ وافرة من المديح والإطراء، يبدأ بعمليَّة الهدم، فيصنِّف النبيّ ضمن فصيلة المتهوّسين وأصحاب الصرع، إلى غيرها من المناهج الخطيرة على فهم الإسلام والقرآن ونبيِّ الإسلام. وسيأتي تفصيلٌ آخر للمناهج في مبحث مناهج دراسة القرآن الكريم.

ثانيًا: ملاحظات عامَّة على المناهج الاستشراقيَّة:

نُسجِّل -هنا- ملاحظات عدَّة على منطلقات البحث في المناهج الاستشراقيَّة، تتمثَّل في عاملين:

ـ جهلُ كثيرٍ من المستشرقين بحقائق الإسلام… وهذا الجهل قد أدَّى بهم إلى كثيرٍ من الأخطاء في استنتاجاتهم العلميَّة

ـ الحكم المسبق على الإسلام، وإنكار كثيرٍ من المسلَّمات التي يرتكز عليها الفكر

(199)

الإسلاميّ، وبخاصَّة في ما يتعلَّق بالوحي والقرآن والسنَّة والعقيدة. و«يعتمد جمهرة المستشرقين في تحرير أبحاثهم عن الشريعة الإسلاميّة على ميزانٍ غريبٍ بالغ الغرابة في ميدان البحث العلميّ، فمن المعروف أنَّ العالِـمَ الـمُخْلِصَ يتجرَّد عن كلِّ هوىً وميلٍ شخصيٍّ في ما يريد البحث عنه، ويتابع النصوص والمراجع الموثوق بها، فما أدَّت إليه بعد المقارنة والتمحيص كان هو النتيجة المحتّمة التي ينبغي عليه اعتقادها. ولكنَّ أغلب هؤلاء المستشرقين يضعون في أذهانهم فكرةً معيَّنةً يريدون تصيُّد الأدلَّة لإثباتها، وحين يبحثون عن هذه الأدلَّة لا تهمُّهم صحَّتها بمقدار ما يهمّهم إمكان الاستفادة منها لدعم آرائهم الشخصيَّة»[1].

ـ إنَّ مناهج البحث الاستشراقيَّة بخصائصها المتميِّزة لا يمكنها بحال أن تقدِّم تفسيرًا معقولًا شاملًا متماسكًا لتاريخنا الإسلاميّ؛ لأنَّ التفكير الذي يحكم عقليَّة المستشرق هي الدوافع المادِّيَّة، ولذا تسعى مناهحهم دائمًا إلى ترجيح الدافع المادِّيّ، وتقليص مساحة الدوافع الروحيَّة في حركة التاريخ، وربَّما طمسها وإنكارها أساسًا. فهي لا تقوم على أساسٍ متوازنٍ ينظر إلى القيم الروحيَّة والماديَّة على أنَّها عوامل فعَّالة مشتركة في صنع التاريخ.

ـ من المشاكل التي تحكم المناهج الاستشراقيّة هي مركزيَّة الغرب في عمليَّة أيّ تقييم لأيّ نموذجٍ آخر؛ فالثقافة والحضارة الغربيّة هي الأعلى والأسمى والأنقى، وبالتالي إنَّ طريقة الحياة الغربيّة هي النموذج الصحيح الوحيد الذي يمكن أن يُتَّخذ مقياسًا للحكم على سائر طرائق الحياة؛ لأنَّ كلَّ مفهومٍ ثقافيٍّ أو مؤسَّسة اجتماعيَّة أو تقييمٍ أدبيٍّ يتعارض مع النموذج الغربيّ، إنَّما ينتمي -حتمًا- إلى درجةٍ من الوجود أدنى وأحطّ.

(200)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

مناهج المستشرقين في دراستهم للقرآن

 

(201)
(202)

تقدم في المبحث السابق إطلالةٌ عامةٌ على معنى المنهج، وعرضنا بعضًا من المناهج التي اعتمدها المستشرقون في دراستهم للشرق وبالأخص العلوم والمعارف الإسلاميّة ومن هذه المناهج: المنهج التاريخي، والمنهج الفيلولوجي، والمنهج الإسقاطي، وغير ذلك مما تقدّم، وما نريد طرحه في هذا المبحث هو خصوص مناهج دراسة القرآن الكريم التي تتقاطع مع المناهج العامّة، وفيها بعض الخصوصيات الأخرى.

وقبل الدخول في مناهج المستشرقين في دراستهم للقرآن، لا بدّ من الإشارة إلى بعض النقاط المنهجية المهمّة في هذا الصدد:

 

المطلب الأوّل:

أولًا: لا منهجية الكتابات الأولى للاستشراق:

عندما بدأت دراسات المستشرقين للإسلام لم تكن كتابات علمية ومنهجية ولا بحوثًا تتوخى حقائق التاريخ، وإنما كانت أسلحة من أسلحة الدعاية الحربية، وأسلوبًا انتقاديًا ضد الإسلام وأهله؛ وذلك ردّة فعل لما لاقوا من هزائم على أيدي المسلمين.

ومن أشد هذه الكتابات على الإسلام كانت الكتب التي صدرت في العصور الوسطى، أما كتب القرنين الحادي عشر والثاني عشر فقد تميزت بكثير من التهور والاندفاع في حرب الإسلام وأهله[1].

وهذا يعني أننا لا نستطيع اكتشاف المناهج الاستشراقيّة من هذه الكتابات، بل لا بدّ من تتبع الدراسات الأخرى التي كتبت في ما بعد ذلك خصوصًا من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين.

(203)

ثانيًا: اختلاف المناهج باختلاف الباحثين:

«إنّ ﺍﻟﻤﻨﺎﻫﺞ الخاصة بالمستشرقين في بحث الدراسات والقضايا القرآنيّة، تتغيّر وتتبدّل من بحث لآخر، تبعًا لخلفيات الباحث ومنطلقاته الفكرية في توظيف المنهج على الدراسة بعينها»[1].

ومن خلال استقراء مناهج المستشرقين في دراسة  القرآن الكريم وعلومه، يلحظ الباحث صعوبة استبانة طرق المعالجة، وآليات المنهج الموظف، نظرًا لتباين الخلفيات الفكرية التي ينطلق منها هؤلاء في دارستهم للقرآن.

طبعًا هذا لا يمنع من وجود مناهج عامة حكمت أغلب الدراسات الاستشراقيّة  للقرآن، ولكن من الصعوبة بمكان الالتزام بمنهج أو أكثر وتعميمه على كل الدراسات الاستشراقيّة من دون ملاحظة المناهج البحثية للباحث نفسه، التي قد تختلف من مستشرق لآخر؛ بمعنى أنّه قد يستخدم منهجًا ما أو أكثر من منهج، ولكنه في الوقت نفسه يستخدم منهجًا خاصًّا به، غير ما استخدمه مستشرق آخر، اتفق معه في المنهج العام، ولا بد من الالتفات أيضًا إلى أنّ منهج المستشرق الخاص قد يؤثر حتى على منهجه العام. ولذا اعتقد أنّه من الأدق من الناحية العلميّة اعتماد المناهج المنوطة بالدراسة نفسها وتحليلها.

ثالثًا: هل يصح حصر المناهج الاستشراقيّة القرآنيّة بعدد معين؟

على الرغم من الملاحظة المتقدمة، من الممكن الإشارة إلى بعض المناهج العامة التي لوحظ وجودها في كثير من الدراسات الاستشراقية، ولكن السؤال هو هل يمكن حصر هذه المناهج بعدد معين؟

يعتبر بعض الباحثين أنّه قد غلب على الموضوعات القرآنيّة المتعددة عند المستشرقين اتّجاهات عدّة؛ من أهمّها: 

(204)

    • اتجاه دراسة القرآن الكريم في ضوء علم نقد الكتاب المقدس Biblical Criticim.

    • اتجاه دراسة القرآن الكريم في ضوء المنهج التنصيري.

    • اتجاه دراسة القرآن الكريم في ضوء المنهج المقارن.

    • الاتجاه المرتبط بترجمات معاني القرآن الكريم[1].

وبعض الباحثين عمموا المناهج ولكنهم اختلفوا في عددها وتسمياتها، فبعضهم اعتبر أن المناهج المختلفة عند المستشرقين لا تتعدى منهجًا واحدًا وهو منهج الإسقاط وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المنهج في الأبحاث السابقة، فقد «مارس المستشرقون عملية الإسقاط متأثرين بخلفياتهم العقدية وموروثاتهم الفكرية ومندفعين بدافع نفسي يهدف إلى رَمي  القرآن الكريم بما ثبت في حق كتبهم المقدّسة ودياناتهم المحرّفة، محاولين بذلك الانتقاص من قدر هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي -لا محالة- يشهد له في كل عصر شهودٌ جُددٌ بالإعجاز والعظمة.

ومنهم من عدها أربعة مناهج وقال إنّه يمكن إجمال هذه المناهج التي يشترك فيها عدد من المستشرقين قديمًا وحديثًا وهي النزعة التأثيرية، الانشطارية، الشك والتزوير، وسنعرض هذه المناهج ضمن عنوان: «المناهج الاستشراقيّة لدراسة  القرآن الكريم»[2]. ونعتقد أنّ هناك مناهج أخرى غير هذه الثلاثة المتقدمة فلا حاجة لحصر المناهج الاستشراقيّة  القرآنيّة بعدد معيّن.

رابعًا: المناهج الاستشراقيّة والظواهر الغيبيّة:

بغضّ النظر عن صحة المناهج الاستشراقيّة التي سنتعرض لها فإنّها لا يمكنها أن

(205)

تعالج الظواهر الغيبية كالقرآن الكريم، لأنّها بالأصل تعالج هذه الحقائق الغيبية وفق المنهج المادي والعقلي المحض، ومن هنا كانت نتائجها غير صحيحة، ولا تزيد الباحث إلا بُعدًا عن  القرآن وتعاليمه، هذا في حال افترضنا حُسن النية عند هؤلاء في استخدام هذه المناهج.

يقول رودي باريت: «ونحن في هذا نطبّق على الإسلام وتاريخه، وعلى المؤلفات العربيّة التي نشتغل بها المعيار النقدي نفسه الذي نطبّقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن»[1].

خامسًا: حقدهم على الإسلام:

ينطلق أغلب هؤلاء من نظرية التفوق العنصري، والكراهية والحقد على الإسلام، وهذا ليس مجرد إدعاء في حقهم بل تشهد على ذلك عشرات بل مئات الدراسات التي سطّروها عن الإسلام؛ وبالأخص عن القرآن الكريم.

سادسًا: فكرة تغريب الفكر الإسلاميّ:

اعتمد المستشرقون بشكل عام على فكرة تغريب الحضارة والفكر الإسلاميّ، في أغلب دراساتهم والهدف من ذلك تضعيف الحضارة الإسلاميّة، فقد حاول هؤلاء بكل الأساليب والطرق الممكنة تغريب الفكر الإسلاميّ، والمقصود بالتغريب إظهار تفوق الفكر الغربي على الفكر الإسلاميّ، يقول بعض الباحثين: إنّ «اصطلاح «التغـريب» ليس من ابتكارنا في الشرق، ولكنه ظهر في المعجم السياسي الغربي باسم «Westernyation»، وكانوا يعنُون به نشْر الحضارة الغربيّة في البلاد الآسيوية والإفريقية الواقعة تحت سيطرتهم عن طريق إزالة القُوى المضادَّة التي تحفظ لهذه البلاد كِيانها وشخصيتها وعاداتها وتقاليدها، وأهمّها الدين واللغة، وفي زوال هذه القوى ضمان لاستمرار السيطرة الغربيّة السياسية والاقتصادية حتى بعد إعلان استقلال هذه البلاد وتحرُّرها من نير الاستعمار الغربي ظاهـريًا[2] ويكاد

(206)

التغريب يرافق كل مراحل الحركة الاستشراقيّة وكل التيارات المختلفة، قد بيّن المستشرق هاملتون جب في كتاب «وجهة الإسلام»[1] الذي ألفه مع مجموعة من المستشرقين، وصدر سنة 1947م. وأشار إلى أنّ الهدف من هذا البحث هو معرفة إلى أي حد وصلت إليه حركة تغريب الفكر الإسلاميّ، وما هي العوامل التي تحول دون هذا التغريب.

ويمكن من خلال مطالعة الكتاب المذكور أن يكتشف القارئ أبرز مناهج التغريب التي يسقطها المستشرقون على الفكر الإسلاميّ.

ويستخدم الآن في الدراسات المعاصرة مصطلحا (علم الاستغراب) occidentalism أو (فقه الاستغراب) وهما في مواجهة (التغريب) westernization الذي امتد أثره إلى الحياة الثقافية للعالم، وهدد استقلالنا الحضاري وامتد إلى أساليب الحياة وأنماطها.

فالاستغراب علم أو حركة تقابل علم أو حركة الاستشراق ويعنى بدراسات علمية وثقافية للغرب، أما التغريب فهو تقمص الفكر الغربي على حساب الفكر الإسلاميّ والثقافة الإسلاميّة[2].

المطلب الثاني: أهم المناهج الاستشراقية في دراسة القرآن:

أولًا: منهج الأخذ بالنزعة التأثيريّة:

وهذا المنهج هو ما يطلق عليه مصطلح «التأثر والتأثير»، -وسنشير إلى تطبيقاته في الأبحاث الآتية-، وهو نزعة دراسية يأخذ بها من اعتادوا رد كل عناصر الإسلام وعلى رأسها  القرآن إلى عناصر أخرى؛ كاليهودية أو النصرانية أو إليهما معًا، وللأسف

(207)

أصر جملة من المستشرقين كماركس هورتن الألماني، ورينان الفرنسي أن الجنس العربي ليس من صفاته التعمق في التفكير ولا الابتكار، بل عنده قصور في هذا المجال فالعربي ليس من طبيعته التفلسف[1]. وهؤلاء من شدة عنصريتهم وتعصبهم لا يُرجعون المصادر الإسلاميّة فقط إلى مصادر يهودية ومسيحية، بل يصفون العرب بالقصور الذاتي في التفكير، وأنّ العربي لا يتمكن من الناحية التكوينية من التفكير المعمّق والتفلسف، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على مدى الانحطاط الفكري عند هذه العيّنة من المستشرقين.

وهذه النزعة التأثيرية تشكل خطورة كبيرة على أصالة الفكر الإسلاميّ، لا لأنّنا لا نعترف بوجود تشابه في بعض الأمور والأفكار بين الفكر الإسلاميّ وغيره، بل لأنّ محض التشابه لا يؤدي إلى تهجين الفكر الإسلاميّ وعدم أصالته والحكم عليه بأنّه فكر تلفيقيٌ من أفكار يهودية، ومسيحية، وفارسية، وغير ذلك.

والفكرة الحاضرة عند المستشرقين هي: كلما وجد تشابهٌ بين الأفكار الإسلاميّة وغيرها من الأفكار الأجنبية، فهذا يعني أن الفكرة غير إسلامية، فعندما نراجع دراسات المستشرقين للتصوف الإسلاميّ نجدهم يرجعونه إلى أصول خارجية كالعنصر الفارسي أو الهندي، لا لشيء إلا لوجود عناصر متشابهة بين التصوف الإسلاميّ والتصوف الفارسي.

ثم حاولوا تطبيق ذلك على  القرآن من خلال ردّ قصصه، وأحكامه، وعقائده،... إلى التوارة، والتلمود، والإنجيل، ...

ثانيًا: الانشطاريّة:

الانشطاريّة تعني الفصل بين القيم المتكاملة في الفكر الإسلاميّ، والقول بعجزها عن التفاعل والترابط، وعدم قدرتها على الاستيعاب والتكامل.

والمستشرقون الغربيّون يعون جيّدًا مدى تكامل المعرفة الإسلاميّة والفكر

(208)

الإسلاميّ المبني أساسًا على التكامل بين قيمه ومُثُله، والترابط بين مختلف جوانبه، ولكنهم عندما يحاولون دراسة بعض مباحث الفكر الإسلاميّ؛ فإنّهم يسعَون جاهدين إلى تجزئتها وعزل بعضها عن بعض؛ بقصد التأكيد على استحالة التقاء عناصر القوة والتكامل في آن واحد.

ولعل أبرز ما وصلت إليه الانشطارية في الفكر الغربي وحاول المستشرقون تطبيقه على الفكر الإسلاميّ هو الدعوة إلى الانفصال بين الحاضر والماضي؛ فإنكار الماضي كلّيّةً مع الدعوة إلى الانفصال عنه يعتبر من خصائص الفكر الغربي، وهو ما يحاول بعض المستشرقين نقله إلى الفكر الإسلاميّ؛ حيث نجد ثُلَّة منهم يرمون التراث الإسلاميّ بكل مهانة وانتقاص، بل إنّهم ينكرون على زملائهم من التقليديين إضاعةَ الوقت في تكريس الاتجاهات المطلوبة؛ ولذلك فإنّ معظم المستشرقين لا يسلكون مسلكَ المسلمين في التدليل على قيمة الإسلام وتراثه الخالد في صلته بالحياة[1].

ثالثًا: الشكّ والتزوير:

من المناهج التي نراها في كثير من الدراسات الاستشراقيّة وبالأخص الدراسات القرآنيّة، وسيتّضح هذا الأمر في طيات هذه الأبحاث.

لا بدّ من التنويه أنّ منهجي الشك والتزوير استخدمهما علماء الاستشراق بشكل عام ولكن تم توظيفهما بشكل مكثّف وواضح في مجال القرآن بهدف التشكيك بمصدر القرآن والوثوق بنقله، وجمعه، وترتيبه، والنسخ، والمكي والمدني، بالإضافة إلى تزوير بعض الحقائق القرآنيّة المسلَّمة، وهذا المنهج قديم وقد استخدمه المشركون في بداية الدعوى الإسلاميّة فوصفوا النبيّ بأنّه مفتري، وأنّه تعلّم القرآن من بشر وغير ذلك من الافتراءات التي سيأتي الحديث عنها.

واستخدم المستشرقون المنهج الشكّي الديكارتي في تفسير المبادئ الإسلاميّة

(209)

وظاهرة الوحي والنبوة، وتفسير بعض المعجزات التي حصلت للأنبياء السابقين، لذلك كانت نتائجهم مخالفة لاعتقاد المسلمين[1].

تطبيقات المنهج الشكّي عند المستشرقين:

ولقد انساق المستشرقون المعاصرون مع أسلافهم في اتباع منهج الشكّ والمبالغة في إثارة الشكوك على الوقائع التاريخيّة الثابتة، والروايات الصحيحة المرتبطة بتاريخ القرآن وعلومه، واعتمدوا في ذلك على عمليّة الانتقاء بطريقة مغرضة وهادفة إلى ما يصبون إليه من نتائج عكسية، والذي عزز بعض النتائج عند هؤلاء الأمور الآتية:

ـ عدم ثقتهم في صحة النص القرآني دفعهم إلى الشك في أمانة نقله وسلامة تبليغه.

ـ الشك في جمعه وترتيبه، كما يدعي كثير من المستشرقين أنّ النص القرآني الذي جاء به محمد قد نالته تعديلات بالزيادة والنقصان خاصة في صورته المكتوبة، ووجدوا في موضوع اختلاف المصاحف الخاصة التي كانت بأيدي بعض الصحابة ميدانًا لزلزلة العقيدة وفتح أبواب الشكوك والارتياب بصحة النص القرآني.

وقد جمع المستشرق الإنجليزي آرثر جفري[2] الاختلافات المنسوبة إلى المصاحف الفردية لبعض الصحابة أمثال ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي موسى الأشعري، وحفصة، وأنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وغيرهم - رضي الله عنهم - كما جمع الاختلافات المنسوبة إلى بعض مصاحف التابعين، وقد جمع ذلك من مختلف المصادر القديمة التي احتفظت بالروايات الآحاد والشاذة المنسوبة إليهـم، وبخاصة تفسير الطبري الذي استقصى الشيء الكثير من ذلك.

ومع أنّ بعضهم لا يجدون مناصًا من الاعتراف بأنّ بعض الاختلافات تبدو مستحيلة من الناحية اللغوية، وبعضها الآخر يشعر أنّها ممّا اخترعه بعض اللغويين

(210)

الذين نسبوها لهؤلاء الصحابة والتابعين، فإنّهم يصفون مصحف عثمان بأنّه أقرب المصاحف إلى الأصل، ولا يقولون إنّه الأصل الموثوق به نفسه، فهم يتحاشون الاعتراف بأنّ القرآن الكريم قد جُمع وفق منهج علمي رصين قوامه التوثيق والدقة والتثبت[1].

ـ وجد (ولش) في موضوع خلوّ مصحف الصحابي عبد الله بن مسعود من المعوذتين (الفلق، والناس)، مجالًا للتشكيك في تواتر السورتين، وبالتالي التشكيك في موثوقية النص القرآنيّ.

وهناك شواهد كثيرة على أنّ المستشرقين مارسوا هذا المنهج في التعامل مع القرآن، على سبيل المثال، نذكر بعض النماذج، وسيأتي الرّد على بعض هذه الأفكار في المباحث الآتية:

1- كان علماء اللاهوت المسيحيّ قبل القرن السابع عشر الميلادي لا يرون أنّ القرآن جدير بالدراسة، ولقد أطلقوا عليه جميع الأوصاف والنعوت الشائنة، وحاولوا النيل من جوهره وتاريخه[2].

2- سجّل المستشرق الفرنسي(بلاشير) في كتابه (القرآن نزوله تدوينه...) العديد من الافتراءات والطعون، منها: أنّ القرآن منقول عن راهب من رهبان الكنيسة وأما ما فيه من قصص فهو أساطير معروفة في الجزيرة  العربيّة، وغير ذلك من الافتراءات على  القرآن الكريم[3].

(211)

أمّا المستشرق المجري(جولدتسيهر) فلقد حاول في كتابه (مذاهب التفسير الإسلاميّ) التشكيك في النص القرآني، حيث اعتبره مضطربًا وغير ثابت، وعباراته واضحة التحيّز والتعصّب[1].

 ويقول (جورج سيل): «أمّا أنّ محمدًا كان في الحقيقة مؤلّف القرآن، والمخترع الرئيس له؛ فأمر لا يقبل الجدل...»[2].

 ويذهب المستشرق (لوت) إلى «أنّ النبيّ مدين بفكرة فواتح السور من مثل حم وطسم وألم إلى آخره لتأثير أجنبي، ويرجح أنّه تأثير يهودي؛ ظنًّا منه أن السور التي بدئت بهذه الفواتح مدنية، خضع فيها النبيّ لتأثير اليهود، ولو دقّق في الأمر لعلم أن سبعًا وعشرين من تلك السور التسع والعشرين مكية، وأنّ اثنين فقط من هذه السور مدنية، وهما سورتا البقرة وآل عمران[3].

رابعًا: المنهج الانتقائيّ:

والمقصود بالانتقاء: تفضيل الشيء على غيره، أو الإتيان بالتصرّف على الوجه الذي يريد، أو ترجيح تصرف على غيره وهذا المعنى من الانتقائية هو المعنى اللغوي. والمنهج الانتقائي عند المستشرقين قريب من معناه اللغوي أو العامّ وهو الانتقاء من دون الخضوع للضوابط العلميّة والمنهجية، فعلى سبيل المثال نجد في كتاباتهم عن القرآن الكريم، والسيرة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلاميّ أنّهم ينتقون بعض الروايات والأحداث والقضايا ويكتبون عنها ويهملون غيرها وهكذا الأمر في كتب الحديث فهم يذهبون إلى الكتب التي تجمع الأحاديث وبخاصة مثل كنز العمال وغيرها من الكتب التي لا يرد فيها تصحيح أو تخريج للأحاديث. 

وهناك عدد من المستشرقين استخدموا هذا المنهج من قبيل (لامنس) و(بلاشير) وغيرهم. ومن أخطر أشكال الانتقائية الانتقاء في المصادر.

(212)
الانتقاء في استعمال المصادر:

لا شك أنّ فعالية المنهج المتبع في أيّ دراسة، تتوقف على قيمة المصادر والروافد المعتمدة؛ إذ هي القاعدة المغذية والمادة الخام التي ترتكز عليها الدراسة، فكلما كانت المصادر رئيسة وأصيلة وذات علاقة مباشرة بالموضوع، كانت الدراسة أقرب إلى حصول المراد المنشود والمبتغى المقصود للباحث.

وفي إطار البحث الاستشراقي يتبين أن المنهج المتبع في انتقاء المصادر المعينة على بحث الموضوعات المرتبطة بالقرآنيات يتنوع ويختلف تبعًا لطبيعة الموضوعات المستهدفة من جهة، وموضوعية المستشرق وأمانته العلميّة أو حياده على الأقل في توظيف تلك المصادر والنقل عنها من جهة ثانية.

ومثالًا على هذا النوع من الانتقائية يذكر أحد الباحثين في دراسة أجراها أنّه بتتبّع عدد المراجع التي ذكرها (بلاشـير) فـي مقدمة كتابه مدخل إلى القرآن وجد أنّه اعتمد على مائة وثمانية وسبعين كتابًا ليس منها سوى سبعة وأربعين كتابًا عربيًّا، وكثير منها في الأدب والتاريخ؛ مثل اليعقـوبي ومـروج الذهب للمسعودي وأسد الغابة لابن الأثير ومقدمة ابن خلدون والفهرست لابـن النـديم[1].

ولعل من أبرز مواطن الخلل -في مجال انتقاء المصادر المتعلّقة بالقرآن وعلومه-التي يمكن الإشارة إليها- نذكر الآتي:

1. اعتماد عدد معين ومحدود من مصنفات علوم القرآن دون غيرها:

وهذا أمر يمكن أن يلاحظه كل من تتبع بدقة بعض دراسات المستشرقين في القرآنيّات، فعدد المصنفات العربيّة المتعلّقة بعلوم القرآن المعتمدة من طرف المستشرقين محدودة جدًّا، وهي في معظمها كتب جامعة لم تتحرَّ الصحة والنقد والرواية السليمة، وهكذا نجد أن نولدكه، وبيل، وبلاشير، وبورتون في جمع  القرآن الكريم لا يتجاوزون كتب المصاحف لابن أبي داود، والإتقان للسيوطي، والفهرست

(213)

لابن النديم، في حين لا نجد عندهم اعتمادًا يذكر على الروايات الصحيحة الواردة في كتب الصحاح والسنن أو في مقدمات المفسرين عند السنة؛ فضلًا عن الكتب الروائية والقرآنيّة عند علماء الإمامية. فاقتصروا على دراسة تفاسير محددة (الطبري -الزمخشري- ابن عربي...) ولم يستقصوا بيان مذاهب التفسير كلّها وقد يكون من حق الباحث أن يسلك هذا الطريق طوال بحثه، وألا يؤمن ببعض المناهج ويكفر بالبعض الآخر، ولو فعل المستشرق ذلك واستقصى جوانب التفسير المذهبي كلها من تشريعية فقهية، إلى لغوية نحوية، أو أثرية موسوعية من خلال جميع كتب التفسير التي كانت -على الأقل- في وقته لتكشَّفت له حقيقة مغايرة، وهي أن ّالنص القرآنيّ خصيب متجدّد وثريّ. فليس سهوًا إذن أن يغفل جولدتسيهر عن آثار أخرى في التفسير، وإنما هو التجاهل المتعمّد ليبدو محصول المسلمين من التفسير في النهاية رذاذًا متناثرًا فرّقته الأهواء الحزبيّة والفكريّة.

2. انتقاء الروايات الضعيفة والشاذة من مصادر علوم القرآن:

يكاد يتّفق منهج المستشرقين العام في الدراسات القرآنية على تعمّد اختيار الأخبار الضعيفة والروايات الشاذة في بطون الكتب وذلك لمقاصد وأغراض معينة. ولقد وجد المستشرقون في كتب معينة من كتب الأدب والتاريخ ضالتهم في هذا المحال فقاموا بتصيّد جملة من النصوص والشواهد وجعلوها أسسًا بنوا عليها أحكامهم القرآنية وغيرها.

لقد أخذ المستشرقون بالخبر الضعيف في بعض الأحيان وحكموا بموجبه، يقول جواد علي: «واستعانوا بالشاذ ولو كان متأخرًا، أو كان من النوع الذي استغربه النّقدة (النقًاد)، وأشاروا إلى نشوزه، تعمدوا ذلك لأنّ هذا الشاذ هو الأداة الوحيدة في إثارة الشك»[1].

يختلف البحث الاستشراقي في حقّ القرآنيات عن المنهج الإسلاميّ المؤسس على ضرورة اعتماد الموثوق من المصادر والمشهود له بالأولية والتميز، فالمصادر القرآنيّة

(214)

الموثوقة ليس فيها ما يسعفهم في تسويغ ما يَصْبون إلى تأكيده من أحكام مغرضة، واستنتاجات مغلوطة وخاطئة أريد لها أن تكون كذلك، ولهذا يلجئون إلى مصادر أخرى بحثًا عما يعينهم على بلوغ مأمولهم فيجدون بغيتهم في كتب الأدب والتاريخ وغيرها دون أدنى اكتراث بما يشكله اعتماد تلك المصادر في قضايا جوهرية ترتبط بالدراسات  القرآنيّة، والواقع أن كثيرًا من المستشرقين ودعاة التغريب قد أصروا على اعتماد مثل هذه الكتب، وأولوها الاهتمام البالغ وأعادوا طبعها وروّجوها، وحرضوا الباحثين من التغريبيين على اعتمادها مصادر ومراجع ؛ وذلك لأنّها تفسد الحقائق وترسم صورًا غير صحيحة ولا موثوقة عن واقع الأمور.

3. إهمال المصادر القرآنيّة الأصيلة والاكتفاء بدراسات المستشرقين السابقة:

يبدو أنّ من أخطاء منهج المستشرقين في اعتماد مصادر ومراجع معيّنة تعمُّد عدم الاكتراث بموثوقيّتها وأولويّة بعضها؛ لهذا نجد أنّ المستشرق الذي يسعى إلى فرض فكرة معيّنة وتكريسها لا يلقي اهتمامًا إلا إلى المصادر التي ترمي مضامينها إلى ما يذهب إليه، وهو يعمد في الغالب إلى تقديم كتب ثانوية وغير موثوقة على ما هو معروف من كتب موثوقة، وهذا المنهج الخاطئ كفيل بأنْ يؤدّي إلى نتائج مغلوطة وخاطئة. ويبدو أنّ من أعظم أخطاء هذا المنهج المتمثّل في عدم ترتيب المصادر حسب موثوقيّتها وقيمتها هو تقديم كتب المستشرقين على غيرها من كتب العلماء المسلمين الأوائل في نقل الروايات، والنصوص القديمة[1].

بالإضافة إلى الانتقائيّة في المصادر كما تقدّم، والاعتماد على المصادر باللغة الأجنبيّة وقلّة الاعتماد على مصادر باللغة العربيّة، سواء كانت أصيلة أم غير أصلية، فإنّ إطلالة سريعة على «دائرة المعارف الإسلاميّة» و«الموسوعة البريطانية» و«وغيرهما يؤكّد صحّة هذا الكلام وسيأتي التعريف بهاتين الموسوعتين.

ونجد أيضًا أنّ هناك انتقائيّة مذهبيّة فنجد تغييبًا متعمّدًا لنصوص علماء الإماميّة وآرائهم؛ كما أشرنا، وهذا واضح جدًّا خاصّة في الدراسات القرآنيّة، ويقع

(215)

التركيز فقط على علماء السنّة، بل للأسف على الضعيف أو الشاذّ من أقوال علماء السنّة والاعتماد على الكتب الضعيفة عندهم؛ سواء في مجال التفسير وعلوم  القرآن، أو الكتب الحديثية.

خامسًا: المنهج الافتراضي:

ويقوم هذا المنهج على أنْ يضع الباحث فرضًا ليصل به إلى حلّ مسألة مُعيَّنة، و(الفرضيةم)قولة تُقبل على علَّتها دون إثبات[1].

و«إذا كان المستشرقون في منهجهم التشكيكي يشكّكون في الوقائع القطعيّة ففي المنهج الافتراضي يفترضون أفكارًا مسبقة ومحددة، ثم يأخذون النتائج بناء على الافتراضات التي افترضوها، وليس المراد بالافتراض هنا الفرضيّة البحثيّة أي أنّني أفترض مجموعة احتمالات للبحث قد أصل إلى صحتها وقد أصل إلى بطلانها، بل المقصود هو الانطلاق من افتراض معيّن وجعله هو الحاكم على البحث.

ولعلّ أبرز حقل قرآني مارس فيه المستشرقون هذا المنهج هو ترتيب الآيات والسور في القرآن، إذ نجد معظم المستشرقين قد أبدوا في مسألة ترتيب الآيات،...وانطلاقًا من منهجهم التاريخي الذي يفترض ترتيبًا منطقيًا يقبله العقل البشري، حاولوا افتراض ترتيبات جديدة يحكمها الهوى المجرد، وهذا الترتيب المفترض سببه اعتمادهم على المنهج التاريخي والذي أوصلهم إلى نتائج غير صحيحة علميًا في حقل القرآنيات»[2].

مع أنّ هناك توجه واضح لدي علماء التفسير هو أنّ ترتيب الآيات مسألة توقيفية لا اجتهادية، وأقاموا على ذلك أدلة متعددة نذكر منها:

ـ أنّ العقل والاعتبار لا يريان للاجتهاد في القرآن مجالًا؛ الأمر الذي يؤثّر في إعجازه الخالد، إذ لو جاز إعمال الرأي والقياس في ترتيب آياته لأمكن حدوث

(216)

الخطأ أحيانًا في الترتيب، وهذا يوجب اختلالًا في الأسلوب القرآني المعجز. ومن المعروف أنّ من أهمّ أنواع الإعجاز القرآنيّ هو الإعجاز النظمي للقرآن، وهو مرتبط بنظم كلمات الآية، ونظم الآيات في السورة.

أضف إلى ذلك، أنّ ترتيب القرآن الموجود ليس له ملاك واحد، يكون أساسًا مطّردًا في تقديم هذا وتأخير ذاك، ومثالًا على ذلك تأمّل في الآيتين من سورة الشمس: ﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ‎﴿٣﴾‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا)[1] فترى ذكر النهار فيها مقدّمًا على ذكر الليل، بخلاف الآيتين في سورة الليل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ)[2] فالليل فيها مقدم على النهار، الأمر الذي يقوّي الظنّ بأنّ الترتيب لم يكن بالاجتهاد والاستحسان، وإلا لقدّم أحدهما في جميع المواضع.

ـ الأحاديث المنقولة عن النبيّ الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّ بعض الآيات بأنّها آخر السورة الفلانية أو أوّلها، ما يكشف عن أنّ أول السورة وآخرها قد كان مشخصًا في زمنه صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ـ ما دلّ على أنّ وضع الآيات في أماكنها كان يحصل بأمره صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّه كان يقول: ضعوا هذه الآيات في مكان كذا وتلك في مكان كذا، ...[3].

من نماذج المنهج الافتراضي في مسألة ترتيب الآيات ما ذكره المستشرق الإنجليزي آرثر جيفري عن سورة الجن، فيقول: «إنّ الآيات الخاتمة للسورة تختلف كثيرًا في الشكل والأسلوب، وتظهر وكأنّها قطعة غريبة وضعها جامعو القرآن أو كتبته»[4].

فجفري يريد أن يؤكّد للقارئ وجود اختلاف وعدم تناسب وتناسق بين الآيات الخاتمة (يرمي بدون شك إلى الآيات 19 فما بعدها من السورة) والتي قبلها من خلال التلميح -بشكل عرضي وكأنّه أمر طبيعي- إلى أنّ كتبة الوحي هم الذين

(217)

أضافوا المقطع الذي لا يتناسب -حسب زعم جفري- مع الآيات السابقة، وهذه طريقة معروفة لدى المستشرقين في مخاطبة قرائهم. ولو رجع جفري إلى كتب التفسير، وكتب علم التناسب القرآنيّ؛ لتبيّن له أن لا اضطراب ولا اختلاف بين طرفي السورة [1].

يقول برهان الدين البقاعي (ت885ه): «لقد ﺍﻟﺘﻘﻰ ﺃﻭل السورة وآخرها؛ فدل آخرها ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻭل المجمل، وﺃﻭﻟﻬﺎ ﻋﻠﻰ الآخر المفصل، ﻭذلك ﺃﻥ ﺃﻭل السورة بين عظمة الوحي بسبب الجن، ثم بين في أثنائها حفظه من مسترقي السمع، وختم بتأكيد حفظه وحفظ جميع كلماته...»[2].

ويُعد (تيودور نولدكه) أول من رسم لنفسه هذه المنهجية في كتابه «ملحوظات نقدية حول التركيب والأسلوب في  القرآن» وتأثر به كل من أتى من بعده، فأصبح موضوع الترتيب الشغل الشاغل لأذهان المستشرقين. وتعتبر المستشرقة المعاصرة أنجليكا نويورث ممّن اتبع هذا المنهج فكثيرًا ما نجدها تختار سورة محدّدة مثل سورة يوسف، أو سورة الفاتحة، أو سورة الرحمن، أو سورة الحجر، وتكتب عنها، على شاكلة ما دعا إليه نولدكه.

ولقد زعم بلاشير أن فواتح السور بالأحرف المقطعة ليست من  القرآن الكريم، فمثلًا حرف الميم كان رمزًا لمصحف المغيرة، والهاء لمصحف إبراهيم، والصاد لسعد بن أبي وقاص، والنون لمصحف عثمان بن عفان»[3].

ويفترض (بلاشير) أيضًا في ما يتعلق بنزول القرآن افتراضات عجيبة فقد نفى أن يكون ما نزل من القرآن في مكة، قد دوّن في عهد الرسول، وأنّ بدء التدوين كان بعد الهجرة، ومع ذلك لم يكن هذا التدوين صحيحًا ودقيقًا، فسقطت آيات كثيرة منه، فضلًا أن بعض ما كان مكتوبًا عليه من رقاع قد ضاع[4]. وهناك كثير من هذه الافتراضات عند المستشرقين نكتفي بما أوردناه.

(218)

وما لا شك فيه أنّ للمستشرقين في كل موضوع من موضوعات القرآن التي يناقشونها ويدرسونها هدفًا وغاية يدور فلكها حول الهدف الأكبر الذي هو إثبات بشرية القرآن بكل الوسائل. وإزاء موضوع ترتيب آيات القرآن الكريم وسوره، يتّضح أنّ هدفهم من افتراض ترتيبات جديدة ومحاولات مبتكرة على بساط البحث والدرس يرمي إلى إظهار التناقض المزعوم في  القرآن سواء من حيث الموضوع أو من حيث الأسلوب[1].

إذن منهجية المستشرقين، ومن سلك مسلكهم تنمّ عن تعسف في إطلاق الأحكام، واتباع الهوى، وحب الافتراض والتخمين، وفي ذلك تجاهل لقيمة الرواية الصحيحة التي تعدّ الطريقة الوحيدة في ترتيب الآيات ترتيبًا دقيقًا حكيمًا[2].

سادسًا: المنهج الإسقاطيّ:

تقدّم في مبحث المناهج العامّة للحركة الاستشراقية، الكلام عن المنهج الإسقاطي إجمالًا، وفي هذا الموضع سنبيّن أنواع الإسقاطات التي قام بها المستشرقون على القرآن الكريم، بالإضافة لذكر بعض النماذج على ذلك.

وبعض الباحثين يعتبر أنّ المستشرقين يكذّبون لا يخطئون فقط في عمليات الإسقاط فيقول هم «ﻻ يخطئون فقط في كلّ جملة يقولونها، بل يكذّبون؛ أي إنّهم لم يعودوا أحرارًا في أن يكذبوا ببراءة وبسبب الجهل» [3].

وهذه العمليّات الإسقاطية على القرآن الكريم وعلومه يمكن النظر إليها من زاويتين:

الزاوية الأولى: بالنظر إلى هذه العمليات الإسقاطية من حيث موضوعاتها، ويمكن تصنيفها إلى موضوعات متعدّدة منها:

(219)

    1- إسقاط المفاهيم الاستشراقيّة على التعريف بالقرآن الكريم.

    2- إسقاط المفاهيم الاستشراقيّة على تاريخ القرآن الكريم.

    3- إسقاط المفاهيم الاستشراقيّة على العقائد القرآنية.

الزاوية الثانية: وبالنظر الى منطلقاتها المذهبية، يمكن تصنيفها إلى المنطلقات الآتية:

    1- المنطلقات الدينية: وتشمل المفاهيم اليهودية والمفاهيم النصرانية.

    2- المنطلقات الفكرية: وتشمل المفاهيم المادية والمفاهيم الصوفية[1].

أولًا: إسقاط المفاهيم الاستشراقيّة على التعريف بالقرآن الكريم:

صدّر اﳌﺴﺘﺸﺮق ﺟﻮﻟﺪتسيهر ﻛﺘﺎﺑﻪ (ﻣﺬاﻫﺐ اﻟﺘﻔﺴﲑ اﻹسـﻼﻣﻲ) الذي يقول ﻓﻴﻪ: «ﻓﻼ ﻳﻮﺟﺪ ﻛﺘﺎب ﺗﺸﺮﻳﻌﻲ -اﻋﱰﻓﺖ ﺑﻪ ﻃﺎﺋﻔﺔ دﻳﻨﻴﺔ اﻋﱰافًا عقديًا ﻋﻠﻰ أﻧّﻪ ﻧﺺّ ﻣﻨـﺰل أو ﻣﻮﺣﻰ ﺑﻪ-...[فيه] من الاضطراب وعدم الثبات كما نجد في  القرآن»[2].

وﰲ ﻛﺘﺎبه (اﻟﻌﻘﻴﺪة واﻟﺸﺮﻳﻌﺔ ﰲ اﻹسـﻼم) يعرّف ﺟﻮﻟﺪزﻳﻬﺮ اﻟﻘﺮآن بقوله: «القرآن هو الأساس الأول للديّن الإسلاميّ، وهو كتابه المقدّس، ودستوره الموحى به، وهو في مجموعه مزيجًا من الطوابع المختلفة اختلافًا جوهريًا، والتي طَبَعت كلا العصرَين الأولين من عهد طفولة الإسلام»[3].

وﻳﻘﻮل ﺑﺮﻧﺎرد ﻟﻮﻳﺲ أﺛﻨﺎء ﺗﻌﺮﻳﻔﻪ للقرآن: «ويرى ﻣﻌﻈﻢ اﳌﺆرﺧﲔ أﻧّﻪ سـﺠﻞ أﺻﻴﻞ ﻟﺘﻌﺎﻟﻴﻢ ﳏﻤﺪ وﻧﺸﺎﻃﺎﺗﻪ»[4].

إذا لاحظنا التعاريف السابقة للقرآن فإنّنا نجد تأثّر هؤلاء بما يحملونه من

(220)

أفكار يهودية فجولدزيهر اعتبر أنّ القرآن الكريم فيه اضطراب وعدم ثبات وأنّه مزيج مختلط من الثقافات المتعددة وليس من عند الله. وهو بذلك ﱂ يستطع الخروج من تأثيرات العقيدة اليهودية، وبتعريفه ذاك ﺃﺭﺍﺩ أن يضفي على القرآن ما أضفاه أصحاب الديانات الأخرى من التغيير والتبديل، لأنّه على علم بما احتوته الكتب المقدّسة عند اليهود سواء العهد القديم أم التلمود من فروق واختلافات بين النُسَخ وتناقضات في الأخبار واضطراب في الألفاظ والأساليب البيانية.

وﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺑﺮﻧﺎرد ﻟﻮﻳﺲ ﻟﻠﻘﺮآن اﻟﻜﺮﱘ، فهو يعتبر أنّ القرآن هو سجل لنشاطات محمد فهو في نفس الاتجاه والاسقاطات؛ لأنّ اﻟﻐﺎﻟﺐ ﻋﻠﻰ ﻛﺘﺐ اﻟﻌﻬﺪ القديم ﻫﻮ ﻫﺬا اﻻﻫﺘﻤﺎم اﻟﺬي أسـﻘﻄﻪ اﳌﺴﺘﺸﺮق ﻋﻠﻰ ﳏﺘﻮى اﻟﻘﺮآن واﳌﺘﻤﺜﻞ ﰲ ﺗﺴﺠﻴﻞ أﻧﺸﻄﺔ رﺟﺎل اﻟﺪﻳﻦ ﻣﻦ اﻷﻧﺒﻴﺎء وﻏﲑﻫﻢ.

بينما لا تمثل الآيات المعنية بسيرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إلا جزءًا يسيرًا من القرآن، في حين أنّ الآيات المتعلّقة بقصة النبيّ موسى هي أكبر بكثير من قصة النبيّ محمد بل هي أكبر قصة في القرآن الكريم. فقد ذكر اسم موسى عليه‌السلام في  القرآن 136 مرة في سور متفرقة في كتاب الله عز وجل. بينما ذكر اسم النبيّ محمد 4 مرات في  القرآن.

ثانيًا: إسقاط المفاهيم الاستشراقيّة على تاريخ القرآن الكريم:

تقدم في الأبحاث السابقة أن هناك فارق كبير بين القرآن الكريم؛ بوصفه كتابًا ووحيًا سماويًّا وبين الكتب السماوية الأخرى؛ كالإنجيل، والتوارة، وأشرنا أنّه لا يوجد فترة يمكن أن تسمّى تاريخًا بالنسبة للقرآن؛ أي وجود فاصل زمني بين نزول الوحي القرآني وتدوين النص القرآنيّ.

أمّا النصوص الدينيّة المقدسة في اليهودية لها تاريخ طويل يقترب من ثمانمئة عام بين زمن نزول الوحي وتدوينه أي بين زمن نزول الوحي على النبيّ موسى عليه‌السلام أي القرن الثالث عشر قبل الميلاد وزمن إخضاع هذا الوحي للكتابة والتدوين على يد عزرا الكاتب أي منتصف القرن الخامس قبل الميلاد. وهي فترة طويلة جدًا

(221)

فنحن أمام نص له تاريخ تغير فيه شكله من النص الشفوي إلى النص الكتابي على يد «عزرا الكاتب» وهذه الفترة سمحت بكل أنواع التحريف والتبديل. وكذلك بالنسبة للعهد الجديد فلكل إنجيل من الأناجيل الأربعة تاريخ.

لم يُكتب للتوراة ولا الإنجيل أن يلقيا الحرص والاهتمام المبكّرَين من أجل حفظ نصوصهما، فعلى حدّ الروايات اليهودية قد حفظ موسى عليه‌السلام نسخة التوراة في تابوت وعهد إلى أبناء هارون عليه‌السلام بحفظها وتعليمها بني إسرائيل، فتساهل الأحبار من آل هارون في مسألة الرجوع إلى الأصول التوراتية المحفوظة في التابوت في فتاواهم الشرعية؛ ما عرّض أحكامها للضياع والتبديل، وبعد وفاة موسى عليه‌السلام بجيلَين أو ثلاث؛ نَهب الفلسطينيون الإسرائيليين واستولوا على تابوت التوراة، ومن ذلك الوقت لم تظهر التوراة حتى عودة أجزاء منها على يد الملك طالوت الذي أرسله الله لمقاتلة الفلسطينيين الوثنيين عام 1020ق.م.[1]

وأما الإنجيل فإنّ النصارى يزعمون أنّه لم يكن سوى تعاليم ووصايا ألقاها المسيح عليه‌السلام شفويًا على حواريّيه، ولم يكن على نحو كتاب تشريعي، ويضيفون بأنّ الأناجيل الموجودة اليوم ما هي إلاّ من تأليفات الحواريين بعد وفاة المسيح عليه‌السلام[2].

وهذه الأفكار والمعلومات لم تكن غائبة عن المستشرقين الذين خاضوا في مجال الدراسات القرآنيّة، لأنّهم هم أهل الاختصاص في مجال الدراسات الدينيّة وبالأخص اليهودية والنصرانية، وهم من خلال ذلك قاموا بعملية إسقاط لهذه المعارف والمفاهيم على  القرآن الكريم ونظروا له نظرة تاريخية؛ مثل كتبهم المقدسة فاتهموه بالنقائص نفسها التي اعترت تاريخ كتبهم المقدّسة من قِبَل علماء الدين وورثة الأنبياء. وسنبين إسقاطات هؤلاء على تاريخ القرآن في الأبحاث القادمة.

(222)
ثالثًا: إسقاط المفاهيم الاستشراقيّة على العقائد القرآنيّة:
1. إسقاط المفاهيم الدينيّة:
• إسقاط المفاهيم الدينيّة اليهودية والنصرانية على مفهوم (الله) سبحانه وتعالى في القرآن الكريم:

يؤمن اليهود بإله واحد هو الله، ويعتقدون في أن الله خالق كل شيء بلا شريك، وأنّه لا شبيه له، ولا يمكن رؤيته وهو محجوب عن الخلق، وفي سفر التثنية تجد دليلًا توراتيًّا على التوحيد في الآية: «اسمع يا إسرائيل، الربّ إلهنا رب واحد» (التثنية 6: 4).

ولكن للأسف تعرضت هذه العقيدة للتحريف بعد ما تعرضت التوراة إلى التحريف من قبل أحبار اليهود أصبحت تجد في سطور هذا الكتاب كلمات تتنافى مع قدسية الله، فتارة تقرأ أن الله يغضب وتارة تجد أن الناس فعلوا الشر في أعين الرب. وأصبح الرب في التوراة لا يتورع عن مصارعة أحد أفراد البشر، ويغضب ويغار ويعتب ويحنق وغير ذلك من الصفات التي نسبوها إلى الله تعالى.

وهذا الأمر يعكس بشكل كبير تأثر أحبار اليهود وكتاب العهد القديم بالعقائد التي سبقت ظهور أنبياء بني إسرائيل، الأمر الذي جعلهم يشبهون الله بذاك الإله البدائي القبلي القديم الذي كان على شاكلة البشر يحب ويكره ويحزن ويغار ويصارع باليد ويطالب بنصيبه من اللحم والشحم والمسكن ككل الناس كما تذكّرنا بها مرارًا نصوص التوراة..!

ويعكس اسم الرب في اليهودية أيضًا تخبّطًا شديدًا هم يطلقون عليه «إلوهيم» وهذه صيغة جمع تعني «الآلهة» وليس إلهًا واحدًا، وهم يفعلون هذا على الرغم من أنّهم أقرّوا في هذه الفترة بالتوحيد لله، لكنّ ثقافتهم ظلّت عاجزة عن تفادي آثار التعددية التي سيطرت على عقائدهم قبل ظهور الأنبياء.

وفي مرحلة أخرى يتغاضى بنو إسرائيل عن نطق اسم الرب، فيكتبونه «يهوه» وينطقونه «أدوناي» أي السيد. أو ينطقونه «هَشِمْ» أي الاسم، وهم يفعلون ذلك تطهيرًا لاسم الرب من أن ينطق على لسانهم.

(223)

والخلاصة: أنّ بني إسرائيل على الرغم ممّا هم فيه من ضلال، وكذلك بعدهم عن ما أنزل عليهم في التوراة، لكنّهم يعبدون إلهًا واحدًا لا يشركون به شيئًا.      

وكان للمستشرق جولدزيهر قصب السبق في تحريف مدلولات القرآن الكريم عن الله تعالى بإسقاط المفاهيم اليهودية والنصرانية على هذه المدلولات التي لا تتفق والعقيدة الإسلاميّة، ومن ذلك [1]إسقاطه لمفهوم التجسّد الإلهي عند

اليهود والنصارى على التمثيل القرآني لنور الله سبحانه وتعالى بنور المصباح في مشكاة وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2] ، وهذا الإسقاط نابع من جهل المستشرق بالأساليب البلاغية في اللغة العربيّة التي منها التشبيه، وهو نابع كذلك من تأثره بمسلك العقائد اليهودية.

وقد خضع المستشرق جاك بيرك Jacques Berqueأيضًا لعقيدة التجسيد وأسقط مفهومها على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [3] مفسِّرًا إياها بـ: «فالله هو الذي تاب بدلًا منكم لأنّه يميل إلى التوبة»[4].

كما قام المستشرق كراتشكوفسكي Kratchkovski بنهج المنهج نفسه في ترجمة سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ‎﴿١﴾‏ مَلِكِ النَّاسِ ‎﴿٢﴾‏ إِلَٰهِ النَّاسِ ‎﴿٣﴾‏ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ‎﴿٤﴾‏ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي

(224)

صُدُورِ النَّاسِ ‎﴿٥﴾‏ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ[1] إذ ترجمها بـ: «أعوذ بإله الناس الذي يختبئ من شرّ الوسواس الذي يوسوس صدورَ الناس»[2]. إلى غيرها من النماذج التي ذكرها هؤلاء وجسدت إسقاطات للعقيدة التي يحملونها عن الله على القرآن الكريم.

• إسقاط المفاهيم الدينيّة اليهودية والنصرانية على ذِكر محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله في  القرآن الكريم:

فمن ذلك إقدام عدد من المستشرقين الذين قاموا بترجمة معاني القرآن الكريم إلى لغات أوروبية على ترجمة كلمة (الأُمِّيّ) -التي وصف الله تعالى بها نبيّه محمدًا- بـ (نبي الوثنية) أو (نبي الكفرة)، ومن أبرز هؤلاء المستشرقين كلٌ من: هيننج Henning (في ترجمته المنشورة عام 1901)، ورودي بارت Rudi Paret (في ترجمته المنشورة عام 1966) وبلاشير Blachere (في ترجمته المنشورة في باريس عام 1966(وماسون Masson) في الطبعة الأولى لترجمتها المنشورة عام 1976 [3].

ومن المعلوم أن كلمة (الأُمِّيّ) تعني الشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا المعنى لم يكن خافيًا على المستشرقين فإنّ الذي يعنينا في هذا المقام هو أنّ هؤلاء المستشرقين أسقطوا من خلال هذه الترجمة مفهومًا عقديًا يهوديًا أو نصرانيًا على كلمة (الأُمِّيّ)، حيث إنّ اليهود دأبوا على إطلاق كلمة (غويم) goim على غير اليهود من الأمم الأخرى، وهذه الكلمة هي التي كانوا يعبّرون عنها في الجزيرة العربيّة بكلمة (الأُمِّيين) وهي التي ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[4]، وكان اليهود يقصدون بكلمة (غويم) الفاسدين أو المرتدين والوثنيين؛ لأنّ الكلمة في

(225)

صيغة الجمع، ومفردها (غَوِيّ) وهي على معناها نفسه في اللغة العربية.

• إسقاط المفاهيم الدينيّة اليهودية والنصرانية على ذِكر الملائكة في القرآن الكريم:

يعتقد المسلمون أنّ جبريل عليه‌السلام من الملائكة المقرَّبين عند الله تعالى، وهو الذي نزل بالوحي الإلهي إلى أنبيائه وبالتحديث على الصالحين من عباده، وهو الذي بشَّر مريم بنت عمران بعيسى عليهما السلام، وقد وصفه الله تعالى بلفظ (رُوح القُدس) وقد ذكر مؤيدًا للمسيح عيسى بن مريم، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ[1]، وهو الذي بشّر مريم بولادة المسيح، فقد ورد في  القرآن﴿ فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا[2] وفي آية أخرى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا[3]. وجبريل  في الإسلام هو الروح الأمين وروح من أمر الله، وهو الملاك الذي نزل بالرسالات على الرسل. ووصف بأوصاف عديدة في  القرآن، منها وصفه الله بالقوة[4]، وذكر في  القرآن الكريم باسمه صراحة في سورتي البقرة والتحريم[5].

أما الروح القدس في المسيحيّة هو من أقانيم الله الواحد، مع أقنوم الله الأب

(226)

وأقنوم الله الابن. وهذه العقيدة هي عقيدة الثالوث. حيث يؤمن المسيحيّون أنّ الروح القدس هو روح الله الذي يرشد البشر ويكون دليلًا لهم.

ذكر الروح القدس مرات عدة في الإنجيل منها؛ مثلًا: «ولما اعتمد جميع الشعب اعتمد يسوع أيضًا، وإذ كان يصلي انفتحت السماء * ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة، وكان صوت من السماء قائلًا أنت هو ابني الحبيب الذي به سررت»[1]، «ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة * وصارت بغتة من السماء كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين * وظهرت لهم السنة منقسمة كأنّها من نار واستقرت على كل واحد فيهم * وامتلأ الجميع من الروح القدس.....»[2]. فالروح القدس هو الذي يساعد المؤمن في صلاته، والمؤمن عندما يكون مع الله يكون مملوءًا من الروح القدس وهو الذي يوجّهه ويساعده.

فعقيدتهم تتمثل في كونه واحدًا من الأقانيم الثلاثة للألوهية، وهم يطلقون عليه مسمّى (الرُّوح القدس) – بإضافة (ال) إلى كلمة (روح)، ويقصدون بالروح المعرَّفة: حياة الله تعالى ولهذا يضيفونها إلى القدس.

وعندما قام المستشرق آربري Arberryبترجمة معاني  القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية؛ ترجم لفظ (روح القدس) بـ The Holy Spirit  أي: الروح القدس، فجعل (القدس) صفةً بعد ما كانت في  القرآن مضافًا إليه، ولم يكن ذلك من آربري Arberry إلاّ لإسقاطه مفهومه العقدي المسيحيّ على جبريل عليه‌السلام؛ على الرغم من اختلاف عقيدة  القرآن واختلاف موقع كلمة (القدس) النحوي.

(227)
• إسقاط المفاهيم الدينيّة اليهودية والنصرانية على ذِكر اليوم الآخر في القرآن الكريم:

لمعرفة كيفية إسقاط المفاهيم بل في بعض الأحيان نفس الألفاظ الواردة في الكتاب المقدّس على القرآن، فلنقرأ الجدول الآتي:

كلام جولدزيهر عن اليوم الآخر في القرآن

يوم القيامة في الإنجيل

........... ........................... المقارنة وعملية الإسقاط

يقول جولدزيهر عند حديثه عن اليوم الآخر في  القرآن الكريم: «فمحمد منذرٌ بنهاية العالَم وبيوم الغضب والحساب، ولهذا نراه في نظريته الخاصة بالدار الآخرة يميل إلى جانب التشاؤم، أما التفاؤل فهو من نصيب المصطفين للجنة دون غيرهم..»[1]

يقول الرسول بولس مخاطبًا الذين قست قلوبهم ورفضوا التوبة مستهينين بلطف الله وإمهاله قائلًا: «وَلكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التًائِبِ، تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلان دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ»[2]، وفي سفر الرؤيا يقدّم لنا يوحنا الرائي مشهدًا موجزًا عن الدينونة فيقول: «ورأيت الأموات صغارًا وكبارًا واقفين أمام الله.... وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار، هذا هو الموت الثاني (أي الانفصال الأبدي عن الله)، وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طُرح في بحيرة النار»[3]

وإذا ما قارنّا رؤية جولدزيهر عن ذِكر الآخرة في  القرآن الكريم بما جاء على لسان بعض رسل النصرانية؛ نجد اتفاق التصورَين اتفاقًا كليًا.

لعلّنا نلاحِظ وصف القيامة بـ (يوم الغضب)، والنظرة التشاؤمية التامّة للعصاة بحيث لا وزن للأعمال، بل العبرة كل العبرة بما هو مكتوب في سِفر الحياة، وهذا ما عبّر عنه المستشرق بقوله ((المصطفين للجنة))، نلاحِظ هذا التطابق عند المستشرق وعند رسل النصرانية، أما  القرآن الكريم فهو لم يسمِّ يوم القيامة بيوم الغضب أبدًا، ولم تأت هذه التسمية في أي حديث صحيح من الأحاديث النبوية الشريفة، وبالنسبة لمصير الكافرين؛ فهوحقًا مصير مشؤوم في نظر القرآن، لكنّ العبرة يوم القيامة بالأعمال وليس بما هو مكتوب في الكتاب.

إذن فليس تصوّر المستشرق إلاّ ضربًا من إسقاط المفاهيم الدينيّة لأهل الكتاب على العقائد القرآنيّة.[4]

(228)
• إسقاط المفاهيم الدينيّة اليهودية والنصرانية على كلمات عقدية أخرى في  القرآن الكريم:

ترجمة كلمة «الفرقان»

معنى الفرقان في  القرآن

الإسقاط

ترجم المستشرق آربري كلمة (الفرقان) حيثما وردت في  القرآن الكريم بكلمة

 salvation وتعني:

(النجاة أو الخلاص)[1].

والفرقان في اللغة العربيّة تعني: كلّ ما فُرّق به بين الحق والباطل أو بين شيئين[2]، وهو أيضًا اسم للقرآن ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾[3].

أما كلمة (الخلاص) فهي ذات مدلولات عقدية نصرانية، وقد تطلق على الإنجيل؛ لان فيها الدعوة إلى الإيمان بالخلاص، وقد أسقط آربري هذا المفهوم العقدي النصراني على كلمة (الفرقان) الواردة في  القرآن الكريم.

ترجم المستشرق جاك بيرك كلمة (المسجد) حيثما وردت في  القرآن الكريم بكلمتي (Sanctuaire) و(Oratoire)، وتعني الكلمة الأولى: المعبد الكنسي، وأما الثانية فتعني: المصلى في كنيسة صغيرة[4]

ومن الواضح الفرق بين كلمة مسجد والمعبد أو المصلى في الكنيسة، ويختلفان من عدة وجوه معلومة، والأمر الذي يزيدنا يقينًا من معرفة المستشرق للفروق بين المسجد والكنيسة هوانه عندما يأتي لقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾[5]، فإنّه يترجم كلمة (المساجد) بـ (Mosques) وهي الكلمة المعروفة لدى الفرنسيين عن المسجد، وكان ينبغي استعمالها في كل مكان، ولكن المستشرق لم يستعملها إلاّ في هذا الموضع عندما خشي التباس المساجد بالصوامع والبيع[6].

إسقاط لمفهوم نصراني لمكان العبادة على مفهوم إسلامي عن كلمة (المسجد).

(229)
2) إسقاط المفاهيم الفكرية:

إسقاط المفاهيم المادية على مفهوم (الله) تعالى في القرآن الكريم:

من المعلوم أن المذهب المادي الإلحادي المنكر للديانات والروحانيات كان سائدًا في الاتحاد السوفييتي السابق مدة سبعين سنة تقريبًا، ولذلك فإنّ عددًا من المستشرقين الروس قد تأثروا بهذا المذهب الفكري عند قيامهم بترجمة معاني  القرآن الكريم إلى اللغات الروسية، ومن هؤلاء المستشرقين مَن أسقطوا مفاهيمهم المادية على كلمة (ربّنا) في القرآن الكريم حيثما وردت وترجموها بكلمة (سلطاننا)[1]

إسقاط المفاهيم المادية على ذِكر الملائكة واليوم الآخر في القرآن الكريم:

لقد أسقطت المستشرقة الروسية بروخوفا ذلك المفهوم المادي السائد في بلادها على مفهوم (الملائكة) في بعض المواطن في  القرآن الكريم، حيث نجدها تقول عند تفسيرها لقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [2]: «هم الملائكة الذين يمثّلون الحواس التي بواسطتها يشعر الإنسان بالعالم»[3].

كما نجد المستشرقة نفسها تفسّر قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [4] «تسمية هاروت وماروت بالملكَين من المجاز، وفي الحقيقة فإنّهما كانا من أناس عاديين في بابل، وقد تفوّقا في علوم حضارتهم المختلفة»[5].

إلى غيرها من الإسقاطات التي نلاحظها بكثرة في ترجمات القرآن الكريم للغات

(230)

المختلفة. وسيأتي تقويم هذه الترجمات في الأبحاث القادمة.

هذه أهم مناهج المستشرقين في دراسة القضايا القرآنية، بيد أنّ هذه المناهج قد تزيد وقد تنقص لدى بعض الباحثين، فبعضهم أضاف منهجًا أو أكثر لما تقدّم، وإنْ كان عند التدقيق نجد أنّ بعض ما ذكر يرجع إلى المناهج السابقة؛ مثل: منهج النفي، الذي يهدف إلى نفي الحقائق القرآنيّة والوقائع التاريخية المرتبطة بنُزول القرآن وجمعه وغير ذلك، ويتحقّق ذلك من خلال إثارة الشكوك والمبالغة في النقد إلى حد الإلغاء والنفي الكيفي لكل ما يتعارض مع وجهات النظر الاستشراقيّة. وهذا المنهج يدخل في منهج الشك.

(231)
(232)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع:

حقيقة القرآن، ومصدره، وترجمته عند المستشرقين

(233)
(234)

تمهيد:

اهتم المستشرقون بدراسة علوم القرآن والتفسير اهتمامًا بالغًا؛ طبعًا ضمن أغراضهم وأهدافهم الخاصّة، التي أشرنا في الأبحاث السابقة إلى أهمّها وهو «إثبات بشريّة القرآن»، ولذا قاموا بالدراسة والنقد والتحليل للقرآن الكريم، وكل ما يتصل به من علوم؛ وهي ما يطلق عليه في الدراسات الإسلاميّة اسم «علوم  القرآن»، وقد لاحظنا في العقود الثلاثة الأخيرة، جهدًا ملحوظًا في الرد على الدراسات الاستشراقيّة من قبل الباحثين المسلمين وتقديم دراسات نقدية وازنة لتفنيد أفكارهم الرئيسة وتثبيت الثوابت الإسلاميّة والقرآنيّة.  

وفي هذا الفصل، والفصل اللاحق سنقدم نماذج من الأبحاث الاستشراقيّة للدراسات القرآنيّة، مع نقد لأهمّ أفكارهم ومناهجهم في هذا المجال، وسنكتفي ببعض المباحث المهمة في علوم القرآن، ولن نتعرّض للتفسير الاستشراقي للقرآن مع أهميته القصوى، لأنّ ذلك يحتاج إلى دراسة تفصيلية للمدارس التفسيريّة الاستشراقية ومناهجها، وكتب المستشرقين في  التفسير، ونقد كل ذلك، وهذا يتجاوز الأهداف المتوخّاة لهذا الكتاب.

وفي هذا الفصل سنعالج الإطار النظري الأساس لموضوعات علوم القرآن والمتمثلة في نظرة المستشرقين للقرآن وفهمهم لحقيقة الوحي، ثم تصوراتهم عن مصادر القرآن الكريم، وكيف عرّفوه في موسوعاتهم وقاربوه في معاجمهم، وأخيرًا كيف تعاملوا مع ترجمته إلى لغات أخرى ونخصص الفصل الخامس والأخير لبحوث هامة في علوم القرآن من منظار استشراقي: عرضًا، ونقدًا.

(235)
(236)

 

 

 

 

 

 

المبحث الأوّل

حقيقة القرآن ونظريّات الوحي عند المستشرقين

(237)
(238)

حاز القرآن الكريم مكانة معنوية كبيرة في نفوس المسلمين، فهو المصدر الأساس لتنظيم حياتهم الفردية والاجتماعية، وأمور دينهم ودنياهم وآخرتهم.

والقرآن الكريم الذي يعتقد به المسلمون له الخصائص الآتية مجتمعة؛ وهي:

1- هو الكتاب السماويّ المقدّس لدى المسلمين.

2- وهو المصدر الأول للتشريع.

3- أُوحيَ للنّبيّ محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خلال فترة نُبُوَّته التي دامت (23) سنة.

4- بواسطة الملك جبرائيل عليه‌السلام[1].

5- القرآن بألفاظه هو كلام الله، ومعجزة النبيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله.

6- هو الكتاب السماوي الأخير.

7- هو من المعاجز الأساس التي أتى بها الرسول الأكرم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، بحيث لا يمكن لأحدٍ من الخلق أن يأتي بمثله.

8- له أوجه إعجاز متعدّدة؛ من أهمها: الإعجاز اللغوي والبلاغي، وما جاء به من أخبار القرون والأمم البائدة، والإعجاز على المستوى العلمي (الإخبار عن القوانين الكونية) والتشريعي (الجامعية في التشريع) وغير ذلك.

9- يرى جميع المسلمين اليوم أنّ القرآن لم يحرّف، والقرآن الموجود بين الدّفتين حاليًا هو بعينه ما نزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

ويمكن تعريف القرآن الكريم -حسب المشهور بين العلماء- بأنّه: كلام الله ـ عز وجل- المعجز، المتعبّد بتلاوته، المنزل على خاتم أنبيائه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله بلفظه ومعناه،

(239)

المنقول عنه بالتواتر المفيد للقطع والتعيين، المكتوب بين دفتي المصحف من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الناس.

المطلب الأوّل: تعريفه عند المستشرقين:

هناك تعاريف متعدّدة ذكرها المستشرقون للقرآن الكريم ومنها ما ورد في دائرة المعارف الإسلاميّة فهو يكشف بعضًا من اتجاه هؤلاء في تعريفهم للقرآن طبعًا بناء على خلفيات مسبقة في هذا المجال.

وقبل عرض التعريف المطروح في دائرة لمعارف من المناسب إجراء إطلالة عامّة على الأجواء والخلفيات التي كانت تحكم الدراسات الاستشراقيّة القديمة تجاه القرآن الكريم.

فالدراسات الاستشراقيّة كانت في عمومها قائمة على اعتبار القرآن الكريم نتاجًا بشريًا، فهم لا يؤمنون بأنّ القرآن وحي إلهي. وتميل هذه الدراسات إلى النزعة التشويهية للقرآن الكريم؛ سواء كانت عن قصد أم عن غير قصد، وسواء كان عن مصدره أم تاريخه أم بنيته وغير ذلك. والهدف الذي يصرّح به بعضهم هو ضرورة مكافحة القرآن الكريم ومواجهته، فقد كتب القسّيس الألماني «إبراهام هنكلمان» الذي قام بنشر القرآن الكريم باللغة العربيّة في القرن السابع عشر، في مقدمته قوله: «من الضروري أن نعرف القرآن معرفة دقيقة إذا أردنا مكافحته، وتمهيد السبيل لانتشار المسيحيّة في الشرق»[1]، ويقول الراهب الإيطالي «ماراتشي»: «أنّه قضى أربعين سنة في دراسة القرآن وكتب التفسير العربية؛ كي يستطيع محاربة الإسلام بأسلحته نفسها»[2].

وتتجه أكثر هذه الدراسات إلى توجيه الدراسة للجهات الخارجيّة للقرآن الكريم أي الدراسات المرتبطة بالنص القرآني من تاريخه، وأسباب نزوله، وتفسيره، والدراسات الإحصائية لسوره وآياته وكلماته وغير ذلك، دون الدراسات المعمقة للنص القرآني نفسه؛ إلا ما ندر، أي دراسة مداليل الآيات والسور في المجالات الحياتية، والتشريعية، والاجتماعية، والأخلاقية، وغير ذلك. وهذا التوجه بالإضافة

(240)

إلى النزعة التشويهية انسحب على أكثر الدراسات الاستشراقيّة القديمة، وأثّر بشكل واضح على تعريف القرآن والمواد التي ذكروها للتعريف بالقرآن الكريم؛ كما سنبيّن.

وقد غلب على أكثر المناهج الاستشراقيّة في دراسة القرآن المناهج التي اعتمدها هؤلاء في دراسة التوراة والإنجيل؛ ومنها: «منهج النقد الأعلى والأدنى للكتاب المقدس»، ومن المستشرقين الذين عبّروا عن هذا المنهج المستشرق «آرثر جيفري» في المقدمة التي وضعها لكتاب المصاحف لابن أبي داود، بل إن بعض المستشرقين كان له التأثير المنهجي الواضح على الأبحاث الاستشراقيّة؛ أمثال: المستشرق «جولدتسيهر» فقد قال عنه المستشرق «بيكر» في حفل رثاء «جولدتسيهر» «مهما تكن التطورات والتعديلات التي تطرأ على بحث الإسلام في المستقبل فما لا شك فيه أن هذا البحث سيقوم دائمًا على الأسس والمناهج التي وضعها جولدزيهر»[1]. وهذه الأسس والمناهج في فهم الحديث والقرآن أثرت على مجمل الدراسات الاستشراقية. وبشكل عام كان للمستشرقين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الأثر الأكبر على الدراسات الاستشراقيّة عن الإسلام والقرآن الكريم. يقول المستشرق «هاملتون جب»: «لقد قامت في صفوفهم في السنوات الأخيرة محاولة إيجابية تحاول النفاذ بصدق وإخلاص إلى أعماق الفكر الديني للمسلمين بدل السطحية الفاضحة التي صبغت دراساتهم السابقة، وعلى الرغم من ذلك فإنّ التأثر بالأحكام التي صدرت مسبقًا على الإسلام، والتي اتخذت صورة تقليد منهجي في الغرب، لا زال قويًّا في بحوثهم، ولا يمكن الإغفال عنها في أية دراسة لهم عن الإسلام»[2].

- أولًا: تعريف القرآن في دائرة المعارف:

1. من كتب مادة «قرآن» في دائرة المعارف:

المادة التعريفية كتبها المستشرق «ف.بول»[3]. وقد عرض هذه المادة في ثلاث

(241)

عشرة صفحة ذكر في أولها أنّ القرآن هو كتاب المحمديين المقدس، ثم قسم حديثه عن القرآن إلى أقسام عدّة جعلها على شكل فقرات مرقّمة بلغت اثنتين وعشرين فقرة. وتختصر هذه المادة التعريفية أغلب الآراء حول القرآن الكريم التي كانت سائدة في الدراسات الاستشراقيّة القديمة؛ لأنّ هذه المادة التعريفية للقرآن الكريم تناولته من أبعاد مختلفة؛ كما سنبيّن.

2. تعريف القرآن:

 القرآن هو: كتاب المحمّديين المقدس[1] وضعه النبيّ من عند نفسه، اتّهم فيه اليهود بأنّهم حرَّفوا التوراة، وأنّهم يكتمون ما أنزل الله به من البينات والهدى، واتّهم فيه النصارى بأنّهم حرَّفوا الإنجيل، وأنّهم حرَّفوا الآيات الشاهدة على صدقه[2]، وقد جمعه من القصص السريانية، والأساطير اليهودية، والتوراة، والزبور والتلمود[3]، والهاجاداة[4]، ومشناه سنهدرين[5]، وسفر التكوين، ومصادر يهودية

(242)

متأثرة بالإيرانية، وسفر إستير[1]، وسفري الملوك وسفر الخروج، وسفر التكوين، والإنجيل، وإنجيل صُبُوَّة المسيح، وإنجيل لوقا، وأعمال الرسل، وقصة الإسكندر، وملحمة جلجامش[2].

 القرآن كان في الحقيقة كتابًا محجوبًا، وإنّ النبيّ سمع صوت الله ولم يقرأ شيئًا، وإنّه يجب علينا أن نتخيل أنّ الله قد قرأ حقيقة على النبيّ من الكتاب السماوي.

وقد وقع فيه اختلاف بين نسخه من ناحية ترتيب آياته وسوره، وتمكّن الشيطان من تخليطه، ونسي الرسول  من آياته عددًا، وجاء فيه بأخبار متناقضة سعى المفسّرون للتخلّص منها، ويحتوي على عدد من الإضافات التفصيلية وانتقال الجمل والتحريفات غير الضارّة، وأعيدت صياغته، فانتهى إلى صورته الحالية بعد أن فقد كمية كبيرة من الوحي المبكر[3].

فالقرآن حسب دائرة المعارف الإسلاميّة هو عبارة عن:

    1- كتاب بشري من صنع النبيّ محمد.

    2- ملفّق من مصادر متعدّدة.

    3- محرّف فقد فُقدت منه آيات ثم أعاد المسلمون صياغته[4].

(243)

-ثانيًا: تعريف القرآن الكريم في دائرة المعارف البريطانية:

  (Encyclopaedia Britannica)

طرحت هذه الموسوعة عناوين عدّة عن القرآن: تعريف القرآن، شكل القرآن ومضمونه، محتوياته، مصير الإنسان، أصول القرآن طبقًا للمسلمين، أصوله طبقًا للمستشرقين، التفسير والتراجم. وسنركّز البحث على العنوان الأول وهو تعريف القرآن الكريم.

جاء تعريف القرآن في دائرة المعارف البريطانية: القرآن هو كتاب المسلمين المقدس، ويعده المؤمنون كلمة الحق من ربهم، وأنّه كتاب أوحي به إلى النبيّ وجمع في كتاب بعد مماته ويعتقدون أنّه كتاب أزلي وأنّه أوجد في اللوح المحفوظ ومن المحتمل أنّ كلمة قرآن مشتقة من كلمة قرأ وهي كلمة سريانية في أصلها وفي القراءة كانت تستعمل في الكنيسة السريانية. والقرآن ينظر إليه المسلمون بوصفه مرجعًا أساسًا للفصل في المسائل التي تتعلّق بالأمور التشريعية والأمور الدينية، ولا يقبل بأيّ حال من الأحوال الطعن في ما يقول. كما أنّ اللغة العربيّة التي صيغ بها تعد بأنّها لا يمكن التفوق عليها في نقائها وجمالها وأسلوبها الرائع، وأنّه لا مجال لتقليده، حيث إنّ هذا هو الجنون بعينه.

في هذا التعريف يوجد نقاط عدّة نشير إليها على أنّ بعضها سيأتي بحثها بشكل مفصّل. وهذه النقاط هي:

    1- ما يتعلّق بجمع القرآن الكريم.

    2- ما يتعلّق بمحاكاة القرآن والإتيان بمثله.

    3- ما يتعلّق بأصل كلمة القرآن الكريم ومادتها.

(244)
1. ما يتعلّق بجمع القرآن:

ورد في الموسوعة: «وجمع في كتاب بعد مماته».

من المعلوم أنّ الآيات القرآنيّة كانت تنزل على قلب النبيّ وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله يقرؤها على أصحابه، وأصحابه ولشدّة شغفهم وتعلّقهم بالقرآن يتلقّونها بالحفظ، ومن المعروف بين الباحثين أنّ هناك ظاهرة على زمن الرسول أُطلق عليها اسم «كُتّاب الوحي» وأنّ القرآن الكريم كتب في زمنه صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنّ قضية الجمع للمصحف ليست بمعنى الكتابة كما سيأتي.

2. ما يتعلّق بالإتيان بمثله:

وفي آخر التعريف: «وأنّه لا مجال لتقليده، حيث إنّ هذا هو الجنون بعينه».

 القرآن الكريم هو معجزة الرسول الخالدة؛ كما قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ[1] وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [2]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [3]، ولكل مرحلة من مراحل التحدي طبيعتها وظروفها، وآخر مرحلة طرحها القرآن هي الإتيان بسورة واحدة من مثله من دون تحديد نوع السورة وحجمها، وعلى كل حال لم يأتوا بشيء من مثله وإلى الآن لا العرب القدماء ولا غيرهم قدروا على ذلك، فلم يتمكن أحد إلى هذه اللحظة من محاكاة القرآن، وعلى قاعدة لو كان لبان، فإنّ عدم الإتيان بمثله سببه عجزهم عن ذلك، وسيأتي الكلام بحث إعجاز القرآن عند المستشرقين[4].

(245)
3. معنى كلمة قرآن:

ورد في التعريف: «كلمة قرآن مشتقة من كلمة قرأ وهي كلمة سريانية في أصلها وفي القراءة كانت تستعمل في الكنيسة السريانية».

الصحيح أنّه لا يوجد في القرآن كلمة غير عربية، فلو كان ثمّة كلمات غير عربيّة في القرآن لاتهموا القرآن الكريم بالكذب، ولقالوا: كيف يصف نفسه بأنّه قرآن عربي مبين، وفيه كلمات أعجمية، مع العلم أن الله عز وجل في ما يربو عن عشرة آيات يشدد ويؤكّد على أنّه قرآن عربي مبين، بل نراه يصرح وينفي كونه أعجميًا بالمجموع، وينفي أن يكون بعض آياته عربيًا والبعض الآخر أعجميًا، وهذا ما نجده واضحًا وصريحًا في سورة فصلت في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ [1]. فهل يعقل أن العرب الفصحاء لم تمر على مسامعهم كلمات في القرآن غير عربيّة ولم يلتفتوا إليها ولم يحتجوا بها في مقام الرد، والصحيح أنّهم لو وجدوا كلمة واحدة غير عربيّة لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، ولوصلت إلينا هذه الردود والتشكيكات.

إنّ هنالك عند العرب كلمات معربة، أي إنّها جاءت إلى العرب من لغات أخرى، ولم يتلفظوا بها كما هي، وإنما عرّبوها ونطقوا بها، أي لم يستعملوها كما وردتهم، وسبب ذلك أنّهم عرب لهم لغتهم الخاصة ويتفاخرون بها، ولا يرضون بأي دخيل وغريب يدخل فيها، ومن هذه الكلمات هي كلمة (قريان) وغيرها، فلم نجد ولم ينقل أن العرب استعملت هذه الكلمة وغيرها بحسب أصلها، وإنما عرّبوها إلى (قرآن)، وظاهرة التعريب في كلام العرب ظاهرة مقررة عند أهل العربية؛ والتعريب ليس أخذًا للكلمة من اللغات الأخرى كما هي ووضعها في اللغة العربية، بل التعريب هو: أن تصاغ اللفظة الأعجمية بالوزن العربي، فتصبح عربيّة بعد

(246)

وضعها على وزان الألفاظ العربية، فيتدخلون في بنية الكلمة بزيادة أو نقيصة حتى تكون على طبق الوزن العربي الفصيح. وسيأتي الرد على سريانية القرآن الكريم أو آراميّته.

ثالثًا: تعريف القرآن في موسوعة قصّة الحضارة:

ملخّص ما جاء في الموسوعة[1]:

1. القرآن يتألّف كما يتألف الكتاب المقدس كتاب اليهود والمسيحيّين من أجزاء جمع بعضها إلى بعض.

2. القرآن يختلف عن التوارة في أنّه كله نطق به رجل واحد.

3. القرآن لم يجمع في كتاب واحد في حياة النبيّ وأنّه كان مكتوبًا في أشياء مختلفة ومتفاوتة ولم يكن مرتبًا ترتيبًا زمنيًا أو منطقيًا...

4. لمّا كانت ألفاظ القرآن خالية من الحركات فقد اختلف بعض القرّاء في تفسير بعضها واختلفت نصوصها.

5. من شأن الظروف التي أحاطت بالقرآن أنْ تعرّضه للتكرار وعدم الانسجام فكل فقرة تؤدي إلى غرض واضح مفهوم ولكننا لسنا واثقين من أنّ محمدًا كان يريد جمع هذه الأجزاء كلها في كتاب واحد، فقد كان كثير منها حديثًا لرجل واحد بعينه في وقت بعينه ويصعب فهمه دون معرفة واسعة بتاريخ ذلك الوقت وتقاليد أهله.

6. عدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة وهي مرتبة حسب طولها، لا بحسب نزولها.

7. إذا كانت قصار السور بوجه عام أقدم عهدًا من طوالها؛ فإنّ للقرآن تاريخ مقلوب. فالسور المدنية وهي التي يبدأ بها الكتاب، وهي  عملية في أغراضها،

(247)

عادية في أسلوبها. أما السور المكية فهي شعرية روحية وبها ينتهي الكتاب. وخليق بنا أن نبدأ بقرائته من نهايته.

8. جميع السور ما عدا فاتحة الكتاب حديث من الله أو جبريل إلى النبيّ أو أتباعه أو أعدائه، وتلك هي الطريقة التي سار عليها أنبياء بني إسرائيل، وهي التي نراها في كثير من فقرات أسفار موسى الخمسة. وكان محمد يعتقد أنّه ما من قانون أخلاقي يمكن أن يقع في النفوس، وأن يطاع طاعة تكفل للمجتمع النظام والقوة؛ إلا إذا آمن الناس أنّه منزل من عند الله، وهذه الطريقة تتفق مع الأسلوب الحماسي الفخم ومع البلاغة اللذين يسموان في بعض الأحيان عن أقوال النبيّ أشعيا. وهو غني بالتشبيهات والاستعارات القوية الواضحة والعبارات الخلابة التي لا توائم ذوق الغربيين[1].

وسيأتي الرد على أهم هذه الأمور؛ كجمع القرآن والقراءات القرآنيّة...  

 

المطلب الثاني: الوحي القرآني في نظريّات المستشرقين:

-أولًا: الوحي في نظر علماء الإسلام:

الوحي ظاهرة تحدث للأنبياء عليهم‌السلام وهي عبارة عن علاقة لا مرئية ومعنوية بین نبي من الأنبياء وعالم الغيب، ويتحقّق من خلالها تبيان الرسالة الإلهية، والوحي بهذا المعنى مختص بالأنبياء عليهم‌السلام. ويحتاج الوحي إلى واسطة في بعض الأحيان (مثل واسطة الملائكة كالمَلكِ جبرائيل)، ويستغني عن الواسطة في أحيان أخرى وهو ما يطلق عليه العلماء اسم (الوحي المباشر)  ويختلف المعنى الاصطلاحي للوحي عن معنيي الإلهام والتحديث.

عرّف شيخ الطائفة الطوسي الوحي بأنّه: «البيان الذي ليس بإيضاح، نحو الإشارة

(248)

والدلالة، لأنّ كلام المَلَك كان للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله على هذا الوجه»[1]. وفي موضع آخر قال إنّ: «الإيحاء إلقاء المعنى في النفس على وجه يخفى، وهو ما يجيء به من دون أن يرى ذلك غيره من الخلق[2]».

ويتّضح من خلال التحديدين السابقين أنّهما ناظران إلى أكثر أنحاء الوحي ورودًا في القرآن الكريم، وهو طريق وحي  القرآن الكريم نفسه، عبر إرسال مَلَك، وهو جبرائيل عليه‌السلام إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ‎﴿١٩٣﴾‏ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ[3].

وحدّد العلامة الطباطبائي الوحي بأنّه: «إلقاء المعنى بنحو يخفى على غير من قُصِدَ إفهامه»[4]، ويشمل هذا التحديد كلّ أنحاء الوحي، فيدخل فيه الوحي المباشر(بلا واسطة) والوحي غير المباشر(كالوحي بواسطة مَلَك).

ثانيًا: الوحي النبوي في نظر المستشرقين:

ورد في (موجز دائرة المعارف الإسلاميّة)[5]:

بعنوان: محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن:

1- لا توجد إشارة قط إلى مصدر الوحي أو صيغة المتكلم في السور والآيات التي يظهر أنّها أقدم ما نزل من  القرآن.

(249)

2- يبدو من بعض الآيات أنّ محمدًا هو المتحدّث.

3- من غير المستبعد أن يكون محمد في بعض الأحيان يكتب بنفسه ما يوحى إليه[1].

وهناك آراء متعددة عن الوحي المحمدي أوصلها بعض الباحثين إلى ثلاثين رأيًا ولكن يمكن إجمالها بالنقاط الآتية:

اتّهام الصادق الأمين بالكذب:

الاتّهام المباشر للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله -والعياذ بالله- بالكذب وأنّه افترى القرآن من عند نفسه، ونسبه إلى الله تعالى.

عرض المستشرقون جملة من الشبهات على الوحي وعند مراجعة كلامهم فإنّ أكثرهم يؤكّدون فكرة واحدة؛ وهي أنّ «القرآن من صنع النبيّ محمد»، ومن هذه الأقوال نذكر:

يقول مونتغري وات: «أنّ محمّدًا لم يكن يؤمن بما كان يوحى إليه وأنّه لم يتلقَّ الوحي من مصدر خارجي عنه، بل إنّه ألّف الآيات عن قصد ثم أعلنها للناس بصورة خدعهم بها وجعلهم يتبعونه فضمن لنفسه بذلك من يرضي طموحه...»[2].

يقول ماكدونالد: «القرآن ليس من عند الله»[3]، وقريب منه قول ويلز: «محمد هو الذي صنع  القرآن»[4] وغيرها من الأقوال التي تؤكّد الفكرة نفسها.

(250)
1. الوحي حالة باطنيّة عند الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله:

وقد عبّروا عن هذه المقولة الباطلة بتعبيرات شتّى:

    • الوحي حالة نفسية (الوحي النفسي).

    • الوحي انفعال عاطفي (نوبات انفعالية).

    • الوحي تنويم ذاتي.

    • الوحي تجربة ذهنية.

    • الوحي حالة مرضية؛ كالصرع الهستيري.

    • الوحي نوع من الهوس المَرَضي.

يقول جولدتسيهر عن النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه «خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكارًا أخذ يجترها في قرارة نفسه وهو منطوٍ في تأملاته أثناء عزلته، ولميل إدراكه وشعوره للتأملات المجردة التي يلمح فيها أثر حالته المرضية، نراه ينساق ضد العقلية الدينيّة والأخلاقية لقومه الأقربين والأبعدين»[1].

    • عبقرية محمد، هي التي مكنته من وضع القرآن على هذه الهيئة.

   • إنّ محمدًا ليس رسولًا من عند الله، وإنّما هو رجل ذكي أتى بنوادر الأعمال الإنسانية، ثم انتحل صفة الرسالة والرسول.

    • مناجاة روح الخداع والحماسة التي لا تقطن السماء، وإنّما تسكن عقلَ النبيّ.

    • نبوة الرسول ليست وحيًا، وإنّما هي فكرة بشرية تتطور في نفس صاحبها.

(251)
2. القرآن ليس وحيًا أصلًا، بل هو من صنع محمد بتأثيرات خارجية؛ فهو:

    • من إملاءات الكهنة والمنجمين.

    • جمعه من البيئة المكية.

    • من الديانة اليهودية والنصرانية والبيئة الجاهلية.

ويذهب بروكلمان إلى أنّ القرآن ناتج عن أمرين؛ الأول: الأفكار التي كوّنها النبيّ، والثاني: ما استقاه من الديانتين اليهودية والنصرانية. فيقول في هذا المجال: «لم يكن عالمه الفكري من إبداعه الخاص إلا جزءًا صغيرًا فقد انبثق في الدرجة الأولى عن اليهودية والنصرانية»[1].

ويقول: جرجس سال: «اجتمع في جزيرة العرب عدد وافر من الفرق المختلفة الأسماء لجأوا إليها هربًا من اضطهاد القياصرة فأدخل محمد كثيرًا من عقائدهم في دينه، أمّا اليهود الذين كانوا أذلّاء لا يعتد بهم فقد قويت شوكتهم في بلاد العرب حيث لجأ كثير منهم على أثر خراب بيت المقدس وهوّدوا كثيرًا من ملوك العرب، ولذا كان محمد في بادئ أمره يداريهم حتى أنّه أخذ عنهم كثيرًا من مقالاتهم ورسومهم تألّفًا لهم لعلهم يشايعونه»[2].

• أخذه من غيره، وهذا الغير مختلف فيه بين أفراد -كما سيأتي- وجماعات؛ كاليهود والنصارى أو بعض المؤمنين من أهل الكتاب.

ينقل المستشرق الروسي أليكس -مشكّكًا- قصة أنّ النبيّ أخذ من الراهب بحيرا أثناء سفره إلى الشام «أنّ محمدًا كان في البداية تلميذًا للراهب النسطوري سرجيوس بحيرا، زاعمين أنّه تلقّى منه بعض المعلومات الأساسيّة من التوراة والإنجيل»[3].

(252)

وبعضهم ذهب إلى أنّه النبي قد تعلّم من ورقة بن نوفل. يقول مونتغري وات: «كانت خديجة ابنة عم رجل يدعى ورقة بن نوفل بن أسد وهو رجل متدين اعتنق أخيرًا المسيحيّة، ولا شك أن خديجة قد وقعت تحت تأثيره ويمكن أن يكون محمد قد أخذ شيئًا من حماسه وآرائه»[1].

3. القرآن شعر أو سحر:

    • كلام عربي نَظَمه محمد شعرًا.

    • القرآن ما هو إلا سحر من كلامه.

يقول مونتيه: «إنّ أسلوب القرآن أسلوب شعري مقفى، غير أنّ هذا الأسلوب الشعري ينحصر في السور المكية، خصوصًا القديمة جدًّا منها، دون السور المدينة... إلى أن يقول: المقطع الشعري يتبعه تقسيم منظم، فهو مجموعة أبيات في نظام محدد، تحدث بروابطها ورجوعها انطباعًا لطيفًا في الأذن»[2].

ويري «ريجس بلاشير» أنّ لغة القرآن تشبه لغة الشعر العربي الأصيل في إيقاعه وحركاته وسجعه وقافيته[3]... ويقول: المستشرق البلجيكي «هنري لامانس»: «إنّ كل آية تنتهي بسجع يقوم مقام القافية، هذه القافية من جنس خاص تسمى السجع، كانت سابقًا مستعملة عند الكهّان الوثنيين العرب، وكانت مستعملة بحرّيّة أكثر وبتسامح في البحور العروضية»[4].

4. القرآن صياغة جديدة للكتب المقدسة:

 القرآن صياغة عربيّة جديدة لما ورد في التوراة والإنجيل، وليس وحيًا من عند الله تعالى.[5]

(253)

يقول «مكسيم رودنسون» في كتابه محمّد: «إنّ قصص القرآن ما هي إلا ترديد لما تعلّمه محمد وسرقه من الأديان السابقة، ومن الكتب اليهودية»[1].

ويرى «ريتشارد بل» مؤلّف كتاب (مقدمة  القرآن): «إنّ النبيّ قد اعتمد في كتابه القرآن على الكتاب المقدّس، وخاصة على العهد القديم في قسم القصص...»[2].

 

المطلب الثالث: تصنيف الشبهات حول الوحي:

يمكن تصنيف هذه الشبهات إلى أربعة أصناف:

أولًا: الصنف الأول: إبطال الوحي ونفي الرسالة عن الرسول الخاتم بدعوى تكذيب الرسول، والادعاء بأنّه افترى  القرآن من عند نفسه.

ولو سألت هؤلاء كيف تمكّن محمدٌ صلى‌الله‌عليه‌وآله من صنع القرآن، مع اعترافكم بأنّ أسلوب القرآن في أعلى درجات البلاغة، والفصاحة وقوة التعبير، بالإضافة إلى تناوله الكثير من قضايا العلوم والمعارف الكونية وغيرها التي لم يكن لها وجود في عصر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله؟

لرأيتهم يصتنعون جملة من الأجوبة في هذا المجال؛ منها: أن محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله كان عنده عبقرية خارقة، أو كان ساحرًا، أو كان شاعرًا، أو جمعه من البيئة المكية، وغير ذلك من الأجوبة المتقدمة.

1. الردّ على شبهة أنّ القرآن من عند نفسه:

وهذه الشبهة قد ردّ عليها جملة من المستشرقين المنصفين. قال إدوارد مونتيه: «كان محمد نبيًا بالمعنى الذي يعرفه العبرانيون القدماء، ولقد كان يدافع عن عقيدة خالصة لا صلة لها بالوثنية»[3].

(254)

كما تصدّت المستشرقة الإيطالية لورا للأقلام المغرضة ودافعت عن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بتفنيد الأكاذيب التي كانت تشاع عنه في القرون الوسطى[1].

والموقف نفسه نجده عند المستشرق السويسري حنّا الذي قال: «بقدر ما نرى صفة محمد الحقيقيّة بعين البصيرة والتروي في المصادر التاريخية الصحيحة... وقد جاء بشرع لا يسعنا أن نتهمه فيه»[2].

يقول المستشرق كارل: «لقد أخطأ من قال إنّ نبي العرب دجّال أو ساحر؛ لأنّه لم يفهم مبدأه السامي، أنّ محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله جدير بالتقدير، ومبدأَه حري بالاتباع، ليس لنا أن نحكم قبل أن نعلم، وأنّ محمدًا خير رجل جاء إلى العالم بدين الهدى والكمال، كما أنّنا لا نرى أنّ الديانة الإسلاميّة بعيدة عن الديانة المسيحيّة»[3].

وممّن دحض هذه المزاعم: المستشرق الروسي جان ميكائيليس (1717م-1791م)، وكذلك المستشرق الفرنسي دينيه، كما اعترف بصدق رسالته وتأكيد نزول الوحي إليه كل من: توماس كارليل، ولامارتين ماري لوي دي، والكونت كاستري، والباحث الأوروبي سنكس، والفيلسوف الروسي تولستوي، والبروفيسور ليك، والإنجليزي توماس آرنولد.

هؤلاء وغيرهم من المستشرقين المنصفين كانت لهم اعترافات بنُزول الوحي على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وصرحوا بصدقه صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد دراسة عميقة، بعدل وإنصاف[4].

ومن الملاحظات التي يمكن إيرادها في هذا المجال نذكر الآتي:

• لو كان  القرآن من صنعه صلى‌الله‌عليه‌وآله لماذا كان ذلك بعد (40) سنة من عمره؟ ولماذا حصلت الدعوة بهذه الطريقة، ولماذا سكت كل هذه المدة؟

• لو كان القرآن عملًا أدبيًا للنبي لماذا لا نجد اشتراكًا بينه وبين الأدب

(255)

الجاهلي، اللهم إلا في اللغة العربية، فلا الأفكار هي نفسها، ولا الأسلوب، ولا المنهج، ولا أي شيء آخر.

• لو كان القرآن صنع النبيّ لماذا تختلف أحاديث النبيّ -وبشكل واضح- من ناحية الأسلوب والروح والألفاظ والتراكيب عن القرآن الكريم؟

• لو كان الوحي القرآني من عندياته ومن إبداعاته لجعله يوافق هواه، ولو كان من إنشائه، فلماذا لم يضمنه أحاديثه؟ ولماذا لم يسرد فيه قصة حياته؟ و...

• القرآن نفسه ينفي أن يكون من صنع البشر وتأليفهم، وإنّما هو كلام الله المنـزل على رسوله وذلك لأسباب عدّة:

ـ من ناحية أسلوبه البليغ المعجز المغاير لأسلوب الرسول.

ـ من ناحية ما تضمنه القرآن من إشارات علمية دقيقة، ونبوءات غيبية، وأخبار القرون الماضية، وأمور التشريع، وغير ذلك من العلوم والمعارف...

ـ القرآن لا يعكس شخصية الرسول في أفراحه وأحزانه، فقد توفي عمه وزوجه في عام واحد فحزن عليهما حزنًا شديدًا، ومع ذلك لم نر في  القرآن أي إشارة إلى ذلك.

2. رد  القرآن على هذه الشبهات:

أشرنا في ما سبق إلى أنّ هذه الشبهات التي أثارها المستشرقون ما هي إلا ترديد للشبهات القديمة التي أثارها المجتمع الجاهلي آنذاك في نفي الوحي وإنكار النبوة، والرد عليهم هو نفسه الرد على آراء المستشرقين، باعتبار أنّ هذه الآراء ما هي إلا صدى لتلك الشبهات.

قالوا: إنّ القرآن سحر ومحمد ساحر، فحكى الله ذلك عنهم بقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً

(256)

سْتَسْخِرُونَ ‎﴿١٤﴾‏ وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ [1]، وبقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ[2].

وقالوا: إنّ القرآن شعر ومحمد شاعر، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ[3]، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ[4].

وقالوا عنه: إنّه مجنون، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)[5]، فرد الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ‎﴿٤٠﴾‏ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ ‎﴿٤١﴾‏ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ‎﴿٤٢﴾‏ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [6]، ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ [7].

ثانياً: الصنف الثاني: إنكار الوحي واتّهامه صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّه تلقّاه من عند غيره؟

يتفق أصحاب هذه الشبهة على أنّ القرآن الكريم هو من صُنع الآخر، فمحمد تلقّاه من الآخرين، طبعًا اختلفوا في مرجع هذا التلقّي، فقالوا إنّه الأديان السابقة، أو المجتمع الوثني، وغير ذلك وقد تقدّمت الإشارة إلى هذه الأمور، ومن بين التُهم قالوا إنّ محمدًا كان يعلّمه بشر، وهم في ذلك أنكروا الوحي وأرجعوا  القرآن إلى بشر آخرين غير شخص النبيّ، ومن الأسماء التي طرحوها في المجال نذكر الآتي:

    ـ الحداد الرومي.

    ـ بحيرا النصراني.

    ـ ورقة بن نوفل القرشي.

(257)

وفي تفسير قوله تعالى من سورة الفرقان: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ. ذكر المفسرون جملة من الأسماء في هذا المجال.

قال العلامة الطباطبائي: «وقد ورد في بعض الآثار أن القوم الآخرين هم عداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وجبر مولى عامر، كانوا من أهل الكتاب يقرءون التوراة أسلموا وكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله يتعهدهم فقيل ما قيل»[1].

والمستشرقون لم يأتوا بشيء جديد وما يقولونه إنّما هو صدى لما كان يردّده أسلافهم من المشركين وأهل الكتاب أثناء نزول الوحي. ولكن هؤلاء لكي يعطوا هذا الكلام نوعًا من المصداقية، قالوا إنّ محمدًا قد تعلّمه من بشر، ولكنهم حدّدوا صنفين:

الأول: أن يكون من سكان مكة، وذلك ليتمكّنوا من ادّعاء الملاقاة بينه وبين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

الثاني: أن لا يكون من أبناء جلدتهم فقالوا إنّه تعلّم القرآن من حداد رومي. قيل: بلعام، وقيل: يعيش، وقيل: جبر، وقيل: يسار، وغير ذلك المهم أنّ النبيّ حسب ادعاءهم تعلّم القرآن منه[2].

والقرآن الكريم ردّ على هذه الفرية بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ[3].

1. تقرير الجواب عن الشبهة استنادًا للآية:

لا بد من الالتفات أولًا إلى أنّ تمام الجواب عن الشبهة ليس فقط في هذه الآية

(258)

بل إلى تمام الآيتين التي بعدها أي الآية 104 و105؛ لأنّه قد يقال حتى لو افترضنا أنّ من علّمه القرآن هو أعجمي فمن المحتمل أن يعلّمه المعاني والنبيّ يصوغها ويسبكها بعباراته وألفاظه العربية.

ولذا تمام الجواب مأخوذ من الآيات الثلاث من سورة النحل، أي الآية 103 المتقدمة وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‎﴿١٠٤﴾‏ إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ[1].

فالجواب على الشكل الآتي:

أنّ اتّهام النبيّ بأنّ هناك بشر يعلّمه القرآن الكريم لا يخلو من احتمالين:

الاحتمال الأوّل: أنّه يعلّمه القرآن بلفظه، فالقرآن كلام الرومي لا كلام الله.

 وجوابه: أنّ هذا الرجل لسانه أعجمي، وهذا  القرآن عربي مبين. وهذا ما أفادته الآية 103من سورة النحل.

الاحتمال الثاني: كان يعلّمه معاني القرآن واللفظ من النبيّ، ثمّ النبيّ ينسبه إلى الله افتراء عليه.

والجواب عنه:

أولًا: أنّ الذي يتضمّنه القرآن معارف حقّة لا يرتاب ذو لبّ فيها وتضطر العقول إلى قبولها قد هدى الله النبيّ إليها فهو مؤمن بآيات الله إذ لو لم يكن مؤمنًا لم يهده الله، والله لا يهدى من لا يؤمن بآياته. وهذا ما أفادته الآية 104 من سورة النحل.

ثانيًا: وإذ كان مؤمنًا بآيات الله فهو لا يفتري على الله الكذب؛ فإنّه لا يفتري عليه إلا من لا يؤمن بآياته، فليس هذا القرآن بمفترى، ولا مأخوذًا من بشر، ولا منسوبًا إلى الله سبحانه كذبًا. وهذا ما أفادته الآية 105 من سورة النحل.

(259)

والمعنى إنّ الذين لا يؤمنون بآيات الله ويكفرون بها لا يهديهم الله إليه وإلى معارفه الحقّة الظاهرة ولهم عذاب أليم والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مؤمن بآيات الله لأنّه مهدي بهداية الله؛ وإنّما يفتري الكذب وينسبه إلى الله الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون المستمرون على الكذب. وأمّا مثل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله المؤمن بآيات الله فإنّه لا يفتري الكذب ولا يكذب، فالآيتان كنايتان عن أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مهدي بهداية الله مؤمن بآياته ومثله لا يفتري ولا يكذب[1].

«فإذا كان قوم من الذين كانوا أحرص الناس على خصومته، وأدراهم بأسفاره، وأحصاهم لأحواله، عجزوا أن يقدموا أي صلة علمية بينه وبين أهل العلم في عصره، فما بال المستشرقين وأذنابهم من الملحدين يبحثون عن تلك الصلة بعد مضي أربعة عشر قرنًا وربع من الزمان؟ فلو وُجِدت لأثبتها سلفهم، وكَفَوهم عناء البحث، فليريحوا أنفسهم وليشتغلوا بغير هذه الشبهات»[2].

2. أمّيّة النبيّ تنفي تعلّمه من بشر:

يقول توماس كاريل: «ثمّ علينا أن لا ننسى شيئًا وهو أنّ محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يتلقّ درسًا عن أستاذ أبدًا، ويظهر لي أنّ الحقيقة هي أنّ محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن يعرف الخطّ والقراءة، وكل ما تعلّمه هو عيشة الصحراء وأحوالها. وعجيب والله أميّة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، نعم إنّه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسّر له أو يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه»[3]. ويقول هنري كاستري: «ثبت إذن أنّ محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقرأ كتابًا مقدّسًا، ولم يسترشد في دينه بمذهب متقدّم عليه»[4].

لقد حاول المستشرقون إثبات عدم أميّة النبيّ لإثبات تعلّمه الكتاب المقدّس من الآخرين.

(260)

والمعروف أنّ النبيّ أمّيّ؛ بمعنى لا يقرأ ولا يكتب. وهذا هو الرأي المعروف عند علماء أهل السنّة وعند جملة من علماء الإمامية. وهناك رأي آخر عند بعض العلماء وهو أنّ النبيّ كان يقرأ ويكتب ولكنه لم يمارس القراءة والكتابة أصلًا، طبعًا وهناك أدلّة متعددة على ذلك. وعلى كلا الأمرين فهذا لا يثبت ما ادّعاه المستشرقون.

لأنّه حتى لو ثبتت قدرة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله على القراءة والكتابة؛ فإنّ ذلك لا يقلّل من إعجاز  القرآن؛ لأنّه لا يتطرّق الاحتمال إلى أنّ ما جاء به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من نظم عجيب وكلام بليغ هو من عند الأقوام السابقة أو من الأديان السالفة، بل الكلّ أدرك أنّ ما جاء به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله هو شيء جديد يختلف عمّا سمعوه سابقًا من كلام السابقين والذي يؤكِّد هذا المعنى أنّ القرآن تحدى الجميع بأنّ يأتوا بمثله، وكان بإمكانهم وبكلّ سهولة أن يقولوا إنّ ما نسمعه من كلام محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله هو نفس الموجود في الكتب السماوية السابقة، وهذا سيؤدي إلى انهيار دعوى النبيّ، ويؤكِّد عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن. ومن هذه الجهة لا موضوعيّة لكون النبيّ يقرأ ويكتب أو لا، فعجزهم عن ذلك يكفي لأن يكون  القرآن الكريم هو كلام يفوق كلّ كلام سابق أو لاحق.

3. تلّقي النبيّ من بحيرا وورقة:

فقولهم: إنّ محمدًا اتصل بـ (بحيرا) فأملى عليه معلومات، ثم لما رجع إلى مكة تبنًاها وزعم أنّها من عند الله.

فردّه واضح لأنّ إلقاءه ذلك كان محدودًا وبحضور زعماء قريش، وكان عمر النبيّ اثني عشر عامًا، فطبيعة اللّقاء تنفي أن يكون قد حصل تعلّم لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من بحيرا؛ لأنّه لقاء قصير عابر لا يكفي للدرس والتحصيل، وسنّ النبيّ إذ ذاك صغيرة لا تؤهِّله للتلقّي، ولا توجد رواية تذكر ذلك التعليم، ثم إنّ اللقاء حضره عدد من رجال القافلة، فلم يذكروا شيئًا من ذلك، وقد كانوا أحرص الناس على إحباطها بعد إعلانها.[1]

(261)

أمّا دعوى تعلّمه من ورقة بن نوفل فإنّه لم يثبت تاريخيًا أنّ ورقة كان يدعو إلى النصرانية، وإنّ جميع الروايات الصحيحة أكّدت عدم اتصال الرسول بورقة إلا بعد مجيء الوحي إليه، وعدم وجود أي صلة سابقة بين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وورقة.

ثم إنّ موقف ورقة من ذلك اللّقاء كان موقف المستفسر لما حصل مع الرسوّل في غار حراء، فلمًا سمع ما وقع للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله آمن به وشهد على صدقه، ووعده أنّه سينصره نصرًا مؤزرًا، بعد أن أخبره أن قومه سيؤذونه ويخرجونه، ثم لم يلبث ورقة أن توفى وفتر الوحي[1].

فلو سلّمنا أنّ هناك لقاء بين النبيّ وورقة، لكن ذلك لا يكفي للتعليم؛ أي ليأخذ النبيّ منه القرآن والتعاليم الإسلاميّة، والمشكلة الحقيقية هي في أصل قصة ورقة بن نوفل!

فمن راجع هذه القصّة في المجاميع الروائية؛ كالبخاري، ومسلم، وغيرهما وكتب التفسير كابن كثير، والطبري، و.. يجد أنّ بعض علماء أهل السنّة يقبلون قصة ورقة بن نوفل في بداية الوحي، بل بعضهم يدافع عن ذلك بحجّة أنّ الرواية أخرجها الشيخان، ويطرحون تصوّرات خطيرة جدًا لا يمكن القبول بها على الإطلاق، تمس شخص النبيّ، بل أصل الوحي، منها تصور خوف النبيّ ورعبه من الوحي أو تحديدًا من الملاك جبرائيل، ثم بعد ذلك لجأ إلى ورقة بن نوفل باقتراح من السيدة خديجة عليها‌السلام ليهدّئ له من روعه وشدة خوفه!  ولندقّق ونتأمّل بعض المقاطع الخطيرة:

روى عروة بن الزبير، عن السيدة عائشة: «إنّه نزل جبرئيل بغار حراء على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله، وكان حينها يتعبَّد في ذلك الموقع، فنزل عليه جبرئيل وقال له: يا محمد، اقرأ. قال: ما أنا بقارىء. فأخذه، وغطَّه، حتى بلغ منه الجهد، وفي رواية: حتى كاد أن يموت، فلما أشرف على الموت أطلقه. ثم قال له: يا محمد، اقرأ، قال: ما أنا بقارئ. فأخذه، وغطَّه، وضمَّه ضمًا شديدًا، حتى بلغ منه الجهد، وحتى كادت روحه أن تزهق، ثم أطلقه. ثم قال له: يا محمد، اقرأ، اقرأ باسم ربِّك الذي خلق -فتلا عليه الآيات-...

(262)

• فنزل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من الجبل، وذهب إلى بيت السيدة خديجة مرهوبًا، مرعوبًا، مضطربًا، خائفًا، وقال: زمِّلوني زمِّلوني[1].

• وبعد أن هدَأ عنه الرَّوع والخوف، أخبر خديجة بالأمر، وقال: أخشى أنّه قد اعتراني مسٌّ من الشيطان... فهدّأتْ خديجةُ من رَوعه...[2].

• ثم قال: لأطرحـنَّ نفسي منه، فلأقتلـنَّها، ولأستريحـن. وفي رواية، أو روايات عديدة: ولألقيـنَّ نفسي من أعالي الجبال، وأقتلها[3].

• لم تكتفِ خديجة بما فعلت بل أخذته إلى ورقة بن نوفل!! فهدّأ ورقةُ من روعه، وقال: إنّ الذي يأتيك هو الناموس الأكبر الذي كان يأتي النبيّ موسى[4].

• فاطمئنَ قليلًا، لكنّه لا يكاد يطمئن إلا ويعاوده التردُّد، والشكّ، والرهبة، والرعب، والخوف! وتُؤكد الروايات الواردة من طرقهم أنّه لم يطمئن بذلك في أول الأمر، بل بادر إلى قتل نفسه، فذهب إلى الجبال؛ يريد أن يلقي بنفسه من أعاليها -كما تؤكِّد رواياتهم-، وكان كلَّما أراد أن يُلقي بنفسه تجلَّى له جبرئيل، وقال له: إنّك لرسول. فيهدأ، ثم يُعاوده الشك، وهكذا مرارًا[5].

(263)

• ومن الوسائل التي اعتمدتْها السيدة خديجة -كما يروون- بطلبٍ من ورقة بن نوفل، حيث قال لها: إذا جاءه الذي يأتيه، فليجلس على شقِّك الأيمن، ثم الشق الأيسر، ثم في حجرك. ففعلت ذلك، فلما جاءه الملَك، جلس عند جانبها الأيمن، فلم يذهب الملَك.. ثم قام وجلس عند قدمها اليسرى، فلم يذهب الملَك.. ثم أدخل رأسه من تحت جيبها، وألصق جلده بجلدها، وكشفت هي عن خمارها وشعرها، فرحل الملَك. فقالت ما هذا بشيطان وأنّه الملَك؛ إذ لو لم يكن هو الملَك، لما رحل عندما كشفتُ خماري...[1].

 إلى هنا نبينا الأعظم محمد -والعياذ بالله-: كان مضطربًا، مرعوبًا، لا يعرف ما الذي يحصل معه إلى أن هدأت خديجة من روعه، ولم تكتف خديجة بذلك بل أخذته إلى ورقة بن نوفل النصراني، ثم فكّر محمد بالانتحار، ثم طرح ورقة بن نوفل تلك الطريقة المخجلة والمؤسفة التي نراها في كتب المسلمين لمعرفة الوحي...

في الحقيقة هذه الروايات وأمثالها هي أسوأ ممّا ذهب إليه المستشرقون، بل بعض هذه الروايات تمسّك بها هؤلاء لتأيد أوهامهم في شأن الوحي.

وينبغي على الباحثين من الفريقين أن يرفضوا هكذا نوع من الروايات سواء وجدت في كتب أهل السنّة أم الشيعة، لأنّ لها لوازم خطيرة على المعتقد الإسلاميّ، وعلى شخص الرسول الكريم، ولذا المعروف بين علماء المسلمين أن كل رواية فيها إساءة إلى شخص النبيّ أو تنافي المعتقدات المسلَّم بها والمجمَع عليها تُرفض ولا يعمل بها.

ولذا إذا رجعنا إلى هدي الإمام المعصوم عليه‌السلام فهو يرفض هذه الفكرة الخطيرة ويعطينا قاعدة في هذا المجال؛ وهي: أنّ الله تعالى لا يبعث نبي من الأنبياء حتى ينزل عليه السكينة والوقار.

(264)

عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَيْفَ لَمْ يَخَفْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ فِيمَا يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ اَللَّهِ أن يَكُونَ ذَلِكَ مِمًا يَنْزِغُ بِهِ اَلشَّيْطَان قَالَ: فَقَالَ: «إنّ اَللَّهَ إِذَا اِتَّخَذَ عَبْدًا رَسُولًا أنزَلَ عَلَيْهِ اَلسَّكِينَةَ وَاَلْوَقَارَ، فَكَان [اَلَّذِي] يَأْتِيهِ مِنْ قِبَلِ اَللَّهِ مِثْلُ اَلَّذِي يَرَاهُ بِعَيْنِهِ»[1].

عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: فِي قَوْلِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، فَقَالَ: قَالَ أَثْنُوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا لَهُ. فَقُلْتُ كَيْفَ عَلِمَتِ اَلرُّسُلُ أنّهَا رُسُلٌ. قَالَ: كُشِفَ عَنْهَا اَلْغِطَاءُ[2].

ثالثًا: الصنف الثالث: وصف الوحي بالظواهر النفسيّة:

يعني هذا الصنف من تفسير الوحي بـ (الوحي النفسيم)ع الاضطراب في تحديده ويعنون بـ: «أنّ القرآن فيض من خاطر محمد أو انطباع لإلهامه، أي أنه ناتج عن تأملاته الشخصية، وخواطره الفكرية وسبحاته الروحية»[3].

يقول بروكلمان: «تحقّقت عنده أنّ عقيدة مواطنيه الوثنيين فارغة فكان يعتمل في أعماقه هذا السؤال: إلى متى يمدهم الله في ضلالهم ما دام هو قد تجلى آخر الأمم للشعوب الأخرى بواسطة أنبيائه؟ وهكذا نضجت في نفسه الفكرة أنّه مدعوّ إلى أداء رسالة النبوة»[4].

وقد اضطربوا في تحديد حالة النبيّ النفسية التي صدر عنها القرآن، فاختلفوا في ذلك إلى أقوال متباينة[5] وقد تقدم بيان هذه الأقوال.

يرى جوستاف لوبون أنّ التصرفات التي تعتري الرسول إبان نزول الوحي الإلهي

(265)

عليه ما هي إلا إصابته بالصرع الذي ينتابه في هـذه اللحظات، فيعتريه احتقان فغطيط، فغثيان. ويرى أنّه يجب اعتبار محمد من فصيلة المتهوسين ويقول في هذا الصدد: ولا أهمية لذلك فلم يكن ذو المزاج البارد من المفكرين هم الذين ينشئون الديانات، ويقودون الناس، وإنما أولو الهوس هم الذين مثلوا هذا الدور، وهم الذين أقاموا الأديان، وهدموا الدول، وأثار الجموع وقادوا البشر، ولو كان العقل لا الهوس هو الذي يسود العالم لكان للتاريخ مجرى آخر[1].

1. تقرير شبهة الوحي النفسي:

وخلاصة الشبهة: أنّ الوحي عبارة عن فيض وجدان النبيّ الباطني الناتج عن تفكيره بخلاص قومه من الشرك والظلم.

أ. النقاط الرئيسة في الشبهة:

    • أدرك بطلان ما عليه قومه.

    • ابتعد عن ممارسة الظلم وارتكاب الفواحش.

    • فكرّ بإصلاحهم.

    • استقى معلوماته من أهل الكتاب[2].

    • اعتقد أنّه النبيّ المبشَّر به.

    • أوحت له نفسه[3].

(266)
ب. صياغة الشبهة:

إنّ محمّدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أدرك بقوّة عقله الذاتية، وما يتمتّع به من نقاءٍ وصفاءٍ روحيّ ونفسيّ، بطلان ما كان عليه قومه من عبادة الأصنام، وفطرته الزكيّة؛ إضافةً إلى بعض الظروف الموضوعيّة التي حالت دون أن يمارس أساليب الظلم الاجتماعي، ثم طال تفكيره من أجل إنقاذهم من ذلك الشرك القبيح، وتطهيرهم من تلك الفواحش والمنكرات.

وقد استفاد من النصارى في المعلومات وإن كان لم يقبل جميع ما وصل إليه منهم؛ كألوهيّة المسيح وأُمّه، وغير ذلك.

وكان قد سمع أنّ الله سيبعث نبيًا، وتولّد في نفسه أملٌ ورجاء في أن يكون هو ذلك النبيّ الذي آن أوانه، وأخذ يتوسّل إلى تحقيق هذا الأمل بالانقطاع لعبادة الله تعالى في خلوته في غار حراء.

وهنالك قَوِيَ إيمانه وسما وجدانه، وبعد فترة من التأمل أصبح أهلًا لهداية الناس، ثم ما زال يفكّر ويتأمّل ويتقلّب بين الآلام والآمال، حتّى أيقن أنّه هو النبيّ المنتظَر الذي يبعثه الله لهداية البشرية، وتجلّى له هذا الاعتقاد في الرؤى المناميّة، ثم قَوِيَ حتّى صار يتمثّل له الملك يلقّنه الوحي في اليقظة.

وأمّا المعلومات التي جاءته من هذا الوحي، فهي مستمدة في الأصل من تلك المعلومات، التي حصل عليها من اليهود والنصارى، وممّا هداه إليه عقله وتفكيره في التمييز بين ما يصحّ منها وما لا يصح، ولكنّها كانت تتجلّى وكأنّها وحي السماء، وخطاب الخالق عزّ وجلّ، كما كان يأتي الأنبياء؛ كموسى وعيسى عليهم‌السلام[1].

2. الردّ على نظريّة الوحي النفسي:

وإذا أردنا أن ندرس هذه النظرية (نظرية الوحي النفسي)، لا نجدها تصمد أمام النقد والمناقشة العلميّتين، إذ يمكن أن يُلاحظ عليها من خلال أبعاد ثلاثة:

(267)

الأوّل: أنّ الدلائل التأريخية القطعية وطبيعة الظروف التي مرّ بها النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله تأبى التصديق بهذه النظرية وقبولها.

الثاني: أنّ المحتوى الداخلي للقرآن الكريم -بما يضمّ من تشريع وأخلاق وعقائد وتأريخ- لا يتّفق مع هذه النظرية في تفسير الوحي القرآني.

الثالث : أنّ موقف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من الظاهرة القرآنيّة، يشهد بوضوحٍ على رفض تفسير الظاهرة القرآنيّة بنظريّة الوحي النفسي.

قد أجاب الشيخ محمد رشيد رضا في كتاب الوحي المحمدي بالتفصيل عن هذه الشبهة، فعرض أولًا المقدمات العشرة التي رتبها (درمنغام)، ثم أبطل كل هذه المقدمات لأنّ أكثر المقدمات التي أخذوا منها هذه النتيجة هي آراء متخيّلة، أو دعاوى باطلة، لا قضايا تاريخية ثابتة، وإذا بطلت المقدمات بطل لزوم النتيجة لها[1].

أ. الدلائل التأريخيّة تناقض نظرية الوحي النفسي:

• ما يذكرونه من تفاصيل ليس لها مصدر تأريخي معتمد من قبيل:

مسألة لقاء الراهب بحيرا مع محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو بصحبة عمّه أبي طالب، الأمر الذي يدعوهم إلى الاستنتاج وافتراض محادثات دينية وفلسفية معقدة جرت بينهما.

تعليل اطلاعه على أخبار عاد وثمود، من أنّه كان نتيجة مروره بأرض الأحقاف، بالرغم من أنّ هذه الأرض لا تقع على الطريق الاعتيادي لمرور القوافل التجارية، كما أنّ التأريخ لم يذكر لنا مرور النبيّ بها إلى غير ذلك من الأحداث والقضايا.

• افتراض تعلم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من نصارى الشام وغيرهم لا يتفق مع واقع الحيرة والتردد في موقف المشركين من دعوة رسول الله ونسبته الرسالة إلى الوحي

(268)

الإلهي، لأنّ مثل هذه العلاقة -لو كانت موجودة- لا يمكن التستر عليها أمام أعداء الدعوة من المشركين وغيرهم، الذين عاصروه وعايشوه في مجتمع ضيق وعرفوا أخباره وخبروا حياته العامة بما فيها من سفرات ورحلات.

«ولو فرض محالًا ذلك [تعلمه من أهل الكتاب] فما هذه المعارف والعلوم؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق؟ وممّن هذه البلاغة في البيان الذي خضعت له الرقاب وكلّت دونه الألسن الفصاح؟»[1].

• إنّه لم يعرف عن الرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه كان ينتظر أن يفاجأ بالوحي، أو يأمل أن يكون هو الرسول المنتظر، لينمو ويتطور هذا الأمل في نفسه، فيصبح واقعًا نفسيًّا، بالرغم من تدوين كتب السيرة النبوية لأدق الأحداث والتفصيلات عن حياة الرسول الشخصية.

ولعلّ من القرائن التأريخية التي تشهد بكذب هذا الافتراض: هو ما ذكرته كتب السيرة من اضطراب النبيّ -في البداية- وخوفه حين فاجأه الوحي في غار حراء[2].

• إنّ هذه النظرية تفرض أن يكون إعلان النبوة في اللحظة الأولى من الدعوى وأن يطرح مفاهيمه وأفكاره ومناهجه عن الكون والحياة والمجتمع بجوانبه المتعددة ودفعة واحدة، لأنّ المفروض أنّ الصورة كانت متكاملة عنده نتيجة التفكير الطويل ودراسة الكتب وأعمال الانبياء السابقين، مع أنّ التأريخ يؤكد أنّ أسلوب الدعوة وطريقتها كانا يختلفان عن ذلك تمامًا.

(269)
ب. المحتوى الداخلي للظاهرة القرآنيّة يناقض نظرية الوحي النفسي:

إنّ للمحتوى الداخلي للظاهرة القرآنيّة وما تتصف به من مواصفات، ولسعة النظرية القرآنيّة وآفاقها المتعددة ومجالاتها المتشعبة، أهمية كبرى في رفض نظرية الوحي النفسي، إذ إنّ هذه المواصفات وهذا الاتساع والشمول لا يتفق مع طبيعة المصادر التي تفرضها النظرية، ويتضح ذلك عندما نلاحظ الأمور التالية:

• أنّ الموقف العام للقرآن الكريم تجاه الديانتين اليهودية والمسيحيّة هو موقف المصدّق لهما والمهيمن عليهما، فقد صدّق القرآن الكريم الأصل الإلهي لهاتين الديانتين وارتباطهما بالمبدأ الأعلى، ولكنّه في الوقت نفسه جاء مهيمنًا ورقيبًا وحاكمًا على ما فيهما، ومبيّنًا لواقع ما ورد عليهما من تحريفات وبدع وضلالات.

وجاءت هذه الرقابة دقيقة شاملة، فلم تترك مفهومًا أو حكمًا أو حادثةً إلا ووضعت المقياس الصحيح له. ولا يمكن أن نتصوّر محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يأخذ عن أهل الكتاب ويراهم قد أخذوا عن الوحي الإلهي، ومع ذلك يتمكن من أن يصفهم بالجهل والتحريف والتبديل بمثل هذا اليقين والثبات، ثم يوضح الموقف الصحيح في المسائل الكبرى التي اختلفوا فيها أو خالفوا الواقع الصحيح للديانة، ثم تأتي نظريته بعد ذلك كاملة شاملة ودقيقة ليس فيها تناقض ولا اختلاف!

ولكنّ الحقيقة هي أنّ محمدًا لم يكن قد أخذ منهم شيئًا، وإنّما تلقّى كلّ ذلك عن الوحي الإلهي الذي جاء مصدّقًا لما سبقه من الوحي ومهيمنًا عليه، ومبيّنًا للانحراف والتحريف الذي أصاب الرسالات السابقة عليه.

• ونجد القرآن أيضًا يخالف التوراة والإنجيل في بعض الأحداث التأريخية، فيذكرها بدقة متناهية ويتمسّك بها بإصرار، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يتجاهل بعضها على الأقل، تفاديًا للاصطدام بالتوراة والإنجيل[1].

(270)

• سعة التشريع الإسلاميّ وعمقه وشموله للمجالات المختلفة من الحياة، مع دقّة التفاصيل التي تناولها، والانسجام الكبير بين هذه التفصيلات.

ج. موقف النبيّ من الظاهرة القرآنيّة شاهد على رفض نظرية الوحي النفسي:

إنّ موقف النبيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من الظاهرة القرآنيّة هو من أفضل الشواهد على بطلان نظرية الوحي النفسي، فقد كان النبيّ محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله يدرك بشكل واضح الانفصال التام بين ذاته المتلقية والذات الإلهية الملقية من أعلى.

وكان له مظاهر عديدة نذكر منها الأشكال الثلاثة التالية:

الشكل الأول:

الصورة التي يبدو فيها النبيّ من خلال الظاهرة القرآنيّة عبدًا ضعيفًا لله سبحانه، يقف بين يدي مولاه يستمد منه العون ويطلب منه المغفرة ويمتثل أوامره، ونواهيه، والأمثلة القرآنيّة على ذلك كثيرة:

1. فالقرآن يصور محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله في صورة الإنسان المطيع الذي لا يملك لنفسه شيئًا، ويخاف ربّه إن عصاه، فيلتزم الحدود التي وضعها له ويرجو رحمته وليس من شيء يأتيه إلّا من قبل ربّه، فهو يعترف بالعجز المطلق تجاه إرادة الله أو تبديل حرف من  القرآن[1].

2. ثم يزداد هذا الفرق وضوحًا بين ذات الله المتكلم منزل الوحي وصفاته، وبين ذات رسوله المخاطب متلقي الوحي وصفاته في الآيات التي يعتب الله فيها على نبيّه، أو يُعلِمه فيها بعفوه عنه وغفرانه[2].

3. ويبدو لنا أيضًا: كامل الوعي للفرق بين ذاته المأمورة وذات الله الآمرة،

(271)

وبوعيه الكامل هذا كان صلى‌الله‌عليه‌وآله يفرق بوضوح بين الوحي الذي ينزل عليه وبين أحاديثه الخاصة التي كان يعبر عنها بإلهام من الله.

الشكل الثاني:

يبدو النبيّ في القرآن الكريم بمظهر الخائف من ضياع بعض الآيات القرآنيّة ونسيانها، الأمر الذي كان يدعوه إلى أن يعجل بقراءة القرآن، قبل أن يقضى إليه وحيه ويأخذ بترديده ويجهد نفسه وفكره من أجل أن لا يفوته شيء من ذلك[1].

الشكل الثالث:

يبدو النبيّ من خلال تأريخ نزول القرآن أنّه كان مقتنعًا بأنّ التّنزيل القرآني مصحوب بانمحاء إرادته الشخصية، وأنّه منسلخ عن الطبيعة البشرية حتى ما بقي له اختيار في ما ينزل إليه أو ينقطع عنه، فقد يتتابع الوحي ويحمى حتى يشعر أنّه يكثر عليه، وقد يفتر عنه بل وينقطع وهو يشعر أنّه أحوج ما يكون إليه.

وبالنتيجة: حين نلتفت إلى هذه الأشكال الثلاثة بصورها المختلفة، ونضيف إليها البعدين الآخرين السالفين، لا يبقى لدينا مجال لأي تردّد في شأن حقيقة الظاهرة القرآنيّة، وانفصالها عن الذات المحمّدية، وبطلان الوحي النفسي وما إليه من شبهات قد تثار[2].

رابعًا: الصنف الرابع: تفسيرات الوحي بالتفسيرات المادّيّة:

تصوّر أصحاب التيار المادي أنّ الأنبياء (بعثوا) ولم (يبعثوا) بتأثير وضغط الحاجة الفكرية والنفسية والاقتصادية التي عانى منها أفراد مجتمعاتهم، وقد كان أولئك الأنبياء مرهفي الإحساس، شديدي الذكاء، قادرين على استغلال تلك الحاجة في النفوس بتحريك أصحابها وقيادتهم. ويرون أنّ دعوة الأنبياء جاءت نتيجة عاطفتهم الإنسانية أو ميلهم نحو الإصلاح.

(272)

يقول توماس كارليل أثناء مدحه للنبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله: «القرآن لو تبصرون ما هو إلا جمرات ذاكيات قذفت بها نفس رجل كبير السن بعد أن أوقدتها الأفكار الطوال في الخلوات الصامتات، وكانت الخواطر تتراكم عليه بأسرع من لمح البصر وتتزاحم في صدره» إلى أن يقول: «وقد أتخيل روح محمد الحادّة الناريّة، وهي تتململ طول الليل الساهر يطفوبها الوجد ويرسب، وتدور بها دوّامات الفكر، حتى إذا أسفرت لها بارقة رأي حسبته نورًا هبط عليها من السماء وكل عزم مقدّس يهم به يخاله جبريل ووحيه»[1].

ولا شكّ أن هناك فروقًا واضحة بين الأنبياء والمصلحين: فالنبيّ: إنسان حرّ من بني آدم أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه، فهم جاؤوا بأفكار جديدة تخالف ما كان عليه ثقافة أقوامهم، وأتوا بقيم أخلاقية واجتماعية غير متأثرة بما كانت عليه أممهم؛ ما يدّل على ربانية ما جاؤوا به من علم أو كتاب.

ولقد ظهر لكل منصف أنّ ما دعا إليه الرسول من الشعائر العبادية والقيم الأخلاقية، وقواعد السلوك لم يكن نابعًا من بيئته، بل كان غريبًا عن ثقافتهم مباينًا لأعرافهم، كما قرّره جعفر بن أبي طالب، أمام ملك الحبشة، مظهرًا المفارقة بين مظاهر الواقع، ومعطيات الوحي، قال: «أَيُّهَا الْمَلِكُ كُنَا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ و... حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَان وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ وَنَهَانا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ...»[2].

(273)

فوصف لنا الحالة التي كانوا يعيشونها، ثم بَيَّنَ صفات النبيّ الموحى إليه، ثم بين ما أمرهم به مما يخالف ما كانوا عليه، وما نهاهم عنه من الأوزار، ثم عدد أمور الإسلام الأخرى.

فدّل هذا على أن الوحي يأتي إلى الرسول من قِبَلِ الله؛ لإعادة الناس إلى فطرهم الأصلية التي انصرفوا عنها بفعل عوامل كثيرة اقترفوها مع عامل الزمن[1].

(274)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

القرآن الكريم في دوائر المعارف والمعاجم القرآنية الاستشراقيّة

 

(275)
(276)

صنّفت موسوعات متعددة، ومعاجم مختلفة في الغرب وباهتمام مجموعة من كبار علماءهم، عنيت بالتعريف بالإسلام، والقرآن الكريم، ومضامينه، وسنكتفي في هذه الدراسة بذكر أنموذجٍ واحدٍ لموسوعة قرآنية، وبعض النماذج للمعاجم القرآنية، حتى نستكمل الإحاطة بالنظرة الاستشراقية للقرآن الكريم. 

المطلب الأوّل: التعريف بدائرة المعارف الإسلاميّة

(Encyclopedia of Islam):

الموسوعة المختارة هي دائرة المعارف الإسلاميّة، وسبق أن تحدّثنا عن تعريف القرآن في هذه الموسوعة في المبحث السابق.

وهذه الموسوعة، كما لاحظنا في التعريف المقتبس منها لم تبتعد عن السياقات والارتكازات الاستشراقية التي عجّت بها كتب المستشرقين وبحوثهم، ومن هذه الكتب:

1- ضد قرآن محمد: كتبه ريكولدوبنيني راهب دومينكي.

2- في الرد على  القرآن: كتبه لودوفيقوماراتشي راهب إيطالي.

3- التوراة في  القرآن: كتبه المستشرق الألماني حوستاف قابل.

4- الراهب بحيرا والقرآن:  كتبه المستشرق الفرنسي كارا دينو.

5- القرآن: الإنجيل المحمدي: كتبه المستشرق السويدي سرجستين.

6- تاريخ القرآن: وهو من أبرز الكتب التي ألفها المستشرقون للمستشرق الألماني نولدكه.

لم يتوقف اهتمام علماء الغرب بالإنتاج الموسوعي لمعارفهم فقط، بل اهتموا

(277)

بإنتاج الأعمال الموسوعية للأديان والحضارات الأخرى، ومن بينها الإسلام الذي لقي عناية خاصّة في إصدارهم في هذا المجال. وظهر ذلك جليًّا «دائرة المعارف الإسلاميّة» التي تعدّ من أكبر الدراسات الاستشراقيّة للإسلام، وأعظمها خطورة خلال القرن العشرين، فقد تضمنت خلاصة جهود المستشرقين في الدراسات الإسلاميّة.

ويمكن التعريف بـ«دائرة المعارف الإسلاميّة» بأنّها: مجموعة من المقالات والبحوث المتعلقة بالإسلام والمسلمين بأقلام كبار المستشرقين ولكل منهم أهدافًا من وراء الكتابة فيها بدأت فكرتها عندما شعروا في مؤتمراتهم الدولية بالحاجة إلى دائرة معارف لأعلام العرب والإسلام لكي تجمع شتات دراساتهم عنهم باللغات الثلاث: (الألمانية والفرنسية والانجليزية). فبدأ تأليفها سنة 1906م وقد صدر المجلد الأول واستمر في أربعة مجلدات كبيرة وملحق عام 1938م.

وإذا رجعنا إلى مصادر هؤلاء في هذه الدائرة فنجد أنّهم انتقائيون في مصادرهم وذلك لتحقيق أغراضهم الخاصة، وهي على الشكل الآتي: كثيرًا ما يترك المستشرقون الاستدلال بالكتاب والسنة في بيان اعتقاد المسلمين، بل يأخذون من كتب أهل البدع والقصص والعجائب، ويلاحظ مخالفتهم للمنهج العلمي في الأخذ من المصادر؛ مثل أن ينسب بعضهم إلى المصدر ما يستنتجه، مع أن استنتاجه قد لا يكون صحيحًا، ومثل الاستدلال بالكتاب التركي المليء بالخرافات على عقيدة اليوم الآخر، والاستشهاد بكتب القصص لبيان تطبيق المسلمين للأحكام الشرعية (مثل الإحالة على ألف ليلة وليلة)، ويركّزوا على الكتب التي تجمع الروايات المختلفة، والانتقاء منها كالطبري في تفسيره وتاريخه.

أما طريقة الدائرة في بث المطاعن: فهي البحث عن مواطن الضعف، ومن ثم إبرازها وجمع المعلومات ومن ثم تقديمها بكل جرأه ويبنون عليها نظرية لا وجود لها إلا في أنفسهم وأذهانهم فدراساتهم تبين أنهم يريدون النيل من الإسلام عن طريقة النقد.

ويصف بعض الباحثين هذه الموسوعة بقوله: «عندما وصل الاستشراق إلى

(278)

ذروة نفوذه وغاية تأثيره جمع كل شبهاته وتأثيراته وسمومه في موسوعة جامعة أُطْلِقَ عليها اسم (دائرة المعارف الإسلاميّة)، جمعت خلاصة فكر المستشرقين الكبار جميعًا، كلٌ في المجال الذي تخصص فيه، وقدمت هذه الموسوعة أساسًا لتشكيك الباحثين في الغرب في حقائق الإسلام، وعظمة تاريخه، وسماحة أبطاله وأعلامه، ثم ترجمت إلى اللغة العربية؛ لتكون مرجعًا في الجامعات والمعاهد والمدارس، في مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ»[1].

ويؤكّد باحث آخر خطورتها بقوله: «ولعل أخطر ما قام به المستشرقون حتى الآن هو إصدار (دائرة المعارف الإسلاميّة) بلغات عدّة، وكذلك إصدار موجز لها باللغات الحيّة نفسها التي صدرت بها الدائرة، وقد بدأوا في الوقت الحاضر في إصدار طبعة جديدة تظهر في أجزاء، ومصدر الخطورة في هذا العمل هو أنّ المستشرقين عبّأوا كل قواهم وأقلامهم لإصدار هذه الدائرة، وهي مرجع لكثير من المسلمين في دراستهم على ما فيها من خلط وتحريف وتعصب سافر ضد الإسلام والمسلمين»[2].

وباختصار فهي موسوعة تعنى بكل ما يتّصل بالحضارة الإسلاميّة، سواء من الناحية الدينيّة أو الثقافية أو العلميّة أو الأدبية أو السياسية أو الجغرافية على امتداد العصور، بما في ذلك العصر السابق للإسلام.

وقد تم إصدارها على طبعتين، الأولى بين 1913 و1938م، والثانية ما بين 1954 و2005، ويتم إصدارها من قبل شركة بريل الهولندية.

وظهرت هذه الموسوعة بأكثر من لغة، أما بالنسبة للعربيّة فقد تم تعريب بعض أجزائها وتنقيحها وصدرت في مصر في الستينات وأعيد طبعها بالشارقة عام 1998م[3].

وهناك نقاط خطيرة وغير صحيحة في هذه الدائرة سواء ما يتعلق بالسنة والنبيّ وما يهمنا ما يتعلق بالقرآن الكريم ومنها.

(279)

و«الادّعاء بأنّ القرآن من حيث المصدر يرجع إلى أصول يهودية ونصرانية والادّعاء بالأخذ عن غير المسلمين»[1].

وعندما نراجع كبار المستشرقين الذين كتبوا هذه الموسوعة وقد كان لبعضهم الدور الأبرز في تحرير موادّها، ومن ثم نعرف ميولهم الفكرية تجاه الإسلام والقرآن الكريم نعرف خطورة هذا العمل وعدم حياديته بل عدم موضوعيته أصلًا.

وقد بلغ عدد كتاب دائرة المعارف الإسلاميّة في كلتا الطبعتين 486 كاتبًا، حرّروا 3930 مادة وجعلت كل مادة رمزًا مستقلًا؛ نظرًا لاختلاف المواد والكتاب في دائرة المعارف، ومن أشهر كتاب الدائرة:

ـ لويس ماسينيون (1883-1962م) أكبر مستشرقي فرنسا المتأخرين.

ـ جوزيف شاخت (1902-1970مم)ستشرق هولندي من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق.

ـ دافيد صموئيل مرجليوث (1858-1940مم)ن كبار المستشرقين، من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق.

ـ دانكن بلاك ماكدونلد (1863-1943م-م)ستشرق أميركي.

ـ إجناس كولد ذهير (1850-1921م)ستشرق مجري موسوعي، عرف بعدائه للإسلام وبخطورة كتاباته عنه.

ـ كارل بروكلمان (1868-1956م)ستشرق ألماني يعتبر أحد أبرز المستشرقين في العصر الحديث.

وأشرف على الطبعة الأولى المستشرق الهولندي أرند جان فنسنك
A. J. Wensinck وقد كان عضوًا في مجمع اللغة العربيّة في القاهرة وفُصل منه نتيجة مؤلفاته التي هاجمت الإسلام والقرآن والرسول.

(280)

وشارك -أيضًا- في إعداد هذه الموسوعة المنصِّر والمستشرق الفرنسي لويس ماسينيون Louis Massignon وهو يعتبر رائد الحركة التبشيرية في مصر. وفي مدينة دمياط تعهد مع معاونيه على بذل حياتهم لتنصير المسلمين قائلًا: الهدف ليس فقط تنصيرهم، ولكن جعل إرادة الربّ تعمل بهم ومن خلالهم قد اشتهر بالعمل على تنصير الأمّيّين عبر خداعهم بتحوير آيات القرآن الكريم لإيهامهم بموافقتها للنصرانية.

كما اشترك -أيضًا- في تحرير الموسوعة كثير من اليهود؛ مثل: جوزيف شاخت Joseph Schacht المستشرق الهولندي وإجناس جولذيهر Ignaz Goldziher المستشرق المجري وجورجيوليفي دلا فيدا Giorgio Levi Della Vida المستشرق الإيطالي وبرنارد لويس بالإنجليزية: Bernard Lewis المستشرق البريطاني. وبرنارد لويس من أشد المناصرين لإسرائيل وهو صاحب مصطلح «صراع الحضارات» الذي أعلنه عام 1990 وقصد به الصراع بين الغرب والإسلام؛ بوصفه عدوًا قادمًا بعد انهيار الاتّحاد السوفيتي. وكلّ كتبه عن الإسلام تدعو إلى محاربته بشتى الطرق. وهو أيضًا من المشاركين في صنع القرار في الولايات المتحدة في ما يخصّ الشرق الأوسط.

واشترك في كتابتها -أيضًا- قساوسة وعلماء لاهوت ومنصِّرون؛ مثل: القسّ دافيد صموئيل مرجليوث David Samuel Margoliouth وكان قسًّا بالكنيسة الإنجليزية وعرف عنه التعصّب ضدّ الإسلام. وكذلك عالم اللاهوت والمستشرق هنري لامن-س Henry Lammans وقد عمل بالتنصير في بيروت وعرف عنه الحقد الشديد على الإسلام.

 وكذلك المستشرق ج. كريمرز J. H. Kramers وكتاباته تركز على التنصير. أمّا دانكن بلاك ماكدونلد Duncan Black Macdonald فهو منصِّر أمريكي تتركز مؤلفاته حول تنصير المسلمين وكان قد أنشأ معهدًا متخصصًا لهذا الغرض. وأيضًا أدوين كالڤرلي Edwin Calverley المنصِّر الأمريكي الذي رأس تحرير مجلة العالم الإسلاميّ التنصيريّة التي تهتم بتنصير المسلمين[1].

(281)

المطلب الثاني: مادّة (قرآن) في موسوعة دائرة المعارف الإسلاميّة:

تضمّنت دائرة المعارف الإسلاميّة في موادها التعريفية مادة (القرآن)، كتبها المستشرق الدانماركي «ف.بول».

وعرض الكاتب هذه المادَّة في ثلاث عشرة صفحة[1]، ذكر في أولها أنَّ القرآن كتاب المحمَّديين المقدَّس، ثم قسَّم حديثه عن القرآن إلى أقسام عدَّة، جعلها على شكل فقرات مرقَّمة بلغت اثنتين وعشرين فقرة. ولنتوقَّف عند أهمّ الفقرات ومدلولاتها:

أوَّلًا: مصدر القرآن:

في هذه الفقرة تحدث الكاتب عن مصدر  القرآن، وعن بعض موضوعاته، وكيفيَّة نزول الوحي على النبيّ، وذكر على نحو مختصر قصة الغرانيق. وفي آخر الفقرة شكَّك الكاتب في حقيقة قصار السور؛ إذ ذكر أنَّها قد أخذت نصَّها الحاليّ بعد إعادة الصياغة.

ثانيًا: نزول القرآن منجَّمًا: 

قال: إنّ تقسيم نزول القرآن إلى أجزاء قصيرة كان مرتبطًا بهجوم معارضيه في مكَّة، وبالعوامل السياسيَّة وغيرها في المدينة؛ ولذلك كانت لظروفه صلى‌الله‌عليه‌وآله أثرها على محتويات القرآن وهيئته.

ويقول: ولا نجد في أيّ مكان معالجةً شاملةً لأساسيَّات العقيدة أو للقوانين، ولكن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يتحوّل بسرعة من موضوع إلى آخر حسب الرغبات.

ثالثًا: النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وتبليغ الوحي:

ذكر أن النبيّ قد استفاد من الأفكار الدينيّة الموجودة في جزيرة العرب، والتي كانت تمثِّل فروعًا لبعض الطوائف التي تتَّصل باليهود والنصارى. وقال أيضًا: إنَّ

(282)

النبيّ كان يعرض القرآن ليس طبقًا لنماذج الكتاب المقدَّس، وإنَّما كان يعرضه بأسلوب الكهَّان من العرب الوثنيِّين.

رابعًا: لغة القرآن وأسلوبه:

ادَّعى أنَّ أجزاء القرآن الأولى تختلف عن أجزائه المتأخِّرة، وكان يؤكد أنَّ تلك الأجزاء المبكرة والمتأخِّرة هي من إنتاج الفرد نفسه، واستمرّ الكاتب في تأكيد أنّ القرآن من وضع النبيّ.

خامسًا: جمع القرآن بعد وفاته صلى‌الله‌عليه‌وآله

وجاء في المقالة مع وفاة النبيّ تغيّر الوضع تدريجيًا، ولم يَرِثْ أحد موهبة محمد التنبّؤية...، وقد استدعى الواجب جمع تراثه القيّم في صورة كاملة وصحيحة قدر الإمكان، وحفظه من الضياع، وهذا الأمر هو ما أكَّدته الروايات؛ ولكن لسوء الحظّ بطريقة تترك الكثير غامضًا... إلى آخر النقاط التي عرضتها دائرة المعارف الإسلاميّة.[1]

وقد كتب بعض الباحثين ردودًا تفصيلية على ما ورد في دائرة المعارف الإسلاميّة[2]، منها:

يقول بعض الباحثين عن الموسوعة –وهو من الذين كتبوا ردودًا تفصيليَّة ومهمَّة على الموسوعة –: «وقد عكفت على هذا الكتاب أتمعّن فيه فهالني ما يسوده من انحرافٍ عن المنهج العلمي، وعداوة بارزة للإسلام ورسوله وكتابه وعقائده وشرائعه، ورغبة جارفة في تلطيخ كلّ شيء فيه. ولم أجد مرة أحدًا من كتّاب الموسوعة قد تحدث عن ديننا ورسولنا وقرآننا بشيء من رحابة الصدر وسعة الأفق، بل دائمًا ما تُقدّم أسوأ التفسيرات،... إلى أن قال: وقد دفعني هذا كلّه إلى الكتابة عن هذه الموسوعة، وتبيين ما فيها من انحراف عن منهج البحث العلمي، وإلقاء الضوء على الأخطاء الرهيبة والتناقضات الخطيرة التي تطفح بها...»[3].

(283)

المطلب الثالث: أهمّ الشبهات الاستشراقيّة في مادَّة (قرآن) في دائرة المعارف:

ثمَّة أخطاء كثيرة وجسيمة في هذه الموسوعة، ويجدر بنا الوقوف عند نماذج من هذه الشبهات الواهية، خاصَّة تلك التي وردت في مادَّة «قرآن»:

أوَّلًا: شبهة أصل كلمة القرآن ومرادفاتها:

إنَّ المستشرقين قبلوا النظرية التي قال بها «شفالي» في كتابه «تاريخ القرآن» من أنَّ كلمة (قرآن) قد اشتقّت من كلمة (قرياءنا) السريانيَّة، ومعناها: القراءة المقدَّسة، والدرس.

وبعد ذلك يعرض لكلمة (سورة)، فينقل عن «شفالي» قوله: «إنَّها تبدو مشتقَّة من (صورطا) أو (سورثا) السريانيَّة، ومعناها: الكتاب المقدَّس».

كما يعرض للفظ (مثاني)، فينقل ما قاله بعض المستشرقين من أنَّها مشتقَّة من (مشنا) العبريَّة، وبعضهم الآخر اعتبرها مشتقَّة من «ماثنيتكا» السريانيَّة أو الآراميَّة.

ويعرض الكاتب كلمات أخرى، ويحاول إرجاعها إلى أصول غير عربيّة، ولا شك أنّ الهدف من وراء هذا التشكيك في أصالة المصطلحات الرئيسة في القرآن وردِّها إلى أصول عبريَّة أوساميَّة أو آراميَّة، إنَّما هو استدراج للقارئ وتمهيد لإقناعه بأن القرآن هو من اختراع محمَّد وتأليفه، وأنَّه قد تعلّم هذه الألفاظ من اليهود والنصارى.

وهذا الكلام يفترض الآتي:

1- أنَّ محمدًا كان يعرف العبريّة والسريانيَّة واليونانيَّة، ولا بدَّ أنَّه كانت لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كلّ الأدب التلموديّ والأناجيل المسيحيّة و...

(284)

وهل يمكن أن يعقل هذا الكلام الشاذّ لهؤلاء الكتَّاب، وهو كلام لا برهان عليه.

 2- يمكن أن تكون هذه الألفاظ قد وجدت في العربيّة قبل زمن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بوقتٍ طويل، واستقرّت في اللغة العربيّة حتى أصبحت جزءًا منها وصارت من مفرداتها التي يروج استخدامها بين العرب. كما أنَّه من المستحيل الآن -بسبب غموض تاريخ اللغات الساميَّة- أن نحدّد من اقتبس هذه الألفاظ المشتركة من الآخر: العربيّة أم العبريَّة[1].

ثانيًا: شبهة العلاقة بين محمَّد والقرآن:

الفكرة الأساس أنّ كتاب الإسلام المقدس وتجربة محمَّد النبوية ترتبطان ارتباطًا وثيقًا بحيث لا يمكن فهم أيّهما فهمًا كاملًا دون الآخر.  ثمَّ يشير إلى ما استقرّ عليه الرأي من أنَّ الله في القرآن هو المتكلِّم دائمًا، وأن محمَّدًا هو المتلقّي، وأن جبريل هو وسيط الوحي، ويضيف: ولكنّ تحليل النصّ يبيّن أنّ الموقف أشدّ تعقيدًا من هذا. ويبدأ الكاتب في عرض نصوص من القرآن الكريم لبيان العلاقة التي تربط بين أطراف القضيَّة الثلاثة: المتكلِّم، والوسيط، والمتلقِّي؛ استنادًا إلى منهج «النقد الأعلى والأدنى» الذي يعمد إلى تحليل هذه النصوص وربط بعضها ببعضٍ ربطًا تاريخيًّا[2].

وتفصيل هذه المسألة في المبحث الآتي عن مصادر القرآن وموثوقيّته.

ثالثًا: الشيطان تمكّن من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله:

ويشير الكاتب في زعمه بإغواء الشيطان للنبيّ إلى قصَّة الغرانيق التي أقحمها بعض المفسّرين والمحدِّثين في مؤلَّفاتهم.

ولكن ليس من الموضوعيَّة أصلًا الاعتماد على فكرة أو حادثة بمجرد وجودها في

(285)

كتب التفسير أو الحديث فقط لأنَّها تتناسب مع معتقداتنا، بل لا بدّ من معرفة آراء علماء المسلمين في هذا المجال.

بالنسبة إلى حادثة الغرانيق المرويَّة في كتب العامَّة، فقد رفضها علماء العامَّة قبل الخاصَّة، وهناك شبه اتّفاق بين العلماء على رفض هذه الحادثة التي لا مجال لذكر تفاصيلها هنا، ولكن نشير إشارة إجماليَّة لهذا الموضوع:

ـ ملخّص الحادثة أنّ الرسول قرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ ‎﴿١٩﴾‏ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى، ففرح المشركون بأنّ النبيّ ذكر آلهتهم بخير، فنزل جبرائيل وطلب من النبيّ أن يقرأ القرآن كما أنزله الله تعالى، وأنَّ هذا الذي قاله من الشيطان، فقرأ كما هو مثبت في المصحف الشريف إلى آخر القصَّة المخترعة.

ـ أقوال بعض علماء العامة في هذه الحادثة: إنَّ علماء العامَّة أنكروا هذه الحادثة ونفوا حصولها؛ قال ابن حزم الأندلسيّ: «وأما الحديث الذي فيه الغرانيق فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصحّ قط من طريق النقل، فلا معنى للاشتغال به، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد»[1]. وقال أبو حيّان: «إنّ رواته مطعون عليهم، وليس في الصحاح ولا في التصانيف الحديثيّة شيء ممّا ذكروه، فوجب إطراحه، ولذلك نزّهت كتابي عن ذكره فيه، والعجب من نقل هذا وهم يتلون في كتاب الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ‎﴿١﴾‏ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ‎﴿٢﴾‏ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ [2]، ثم إنَّ هذه القصة تناقض أصول الإسلام، وقواعد الدين، وصريح الآيات، وصحيح المرويا، وليس لها إسناد صحيح، ومتونها مضطربة متناقضة-حيث رُويت في سبعة عشر لفظًا ـ وألفاظها ينادي بعضها على بعض بالنكران»[3].

(286)

رابعًا: تحريف القرآن الكريم:

احتوى الكلام في الفقرة الأخيرة من التعريف على جملة من الافتراءات والادعاءات غير الصحيحة وإن كانت كلها تصبّ في فكرة واحدة، وهي تحريف القرآن؛ فقد ادّعى أنّ القرآن:

1- يحتوي على عددٍ من الإضافات، وقد انتقلت إليه بعض الجمل والتحريفات غير الضارّة.

2- القرآن قد أعيدت صياغته، فانتهى إلى صورته الحاليّة.

3- فقد كمية كبيرة من الوحي المبكر.

المطلب الرابع: القرآن في المعاجم القرآنيّة الاستشراقيّة:

كان للمستشرقين نشاط واضح في مجال صناعة المعاجم، فقد أسهموا في صناعة المعجم العربيّ وغيره من المعاجم، من قبيل: معاجم السنة النبويّة، ومعاجم القرآن الكريم. فصدرت مجموعة من هذه المعاجم مع اختلافٍ بينها في مناهجها وأغراضها وأسسها، ولم تكن كلّها في مستوى واحد من الجودة والإتقان، وما يهمّنا في هذه الدراسة هو الإطلالة المختصرة على المعاجم القرآنيّة، نذكر منها:

أوَّلًا: نجوم الفرقان في أطراف القرآن:

وضع المستشرق الألمانيّ «جوستاف فلوجل» (1802 - 1870م) فهرسًا أبجديًا لكلمات القرآن الكريم، مع ذكر رقم السورة ورقم الآية التي ترد فيها، وأسماه: «نجوم الفرقان في أطراف القرآن»، وطبع في ليبتسك عام 1842م، وأعيد طبعُه فيها عام 1898م، وهذا الكتاب هو الذي اعتمده محمّد فؤاد عبد الباقي وجعله أساس معجمه: «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن»؛ كما أخبر هو بذلك في قوله: «وإذ كان خير ما أُلف وأكثره استيعابًا في هذا الفن -دون منازع ولا معارض- هو كتاب «نجوم الفرقان في أطراف القرآن» لمؤلّفه المستشرق «فلوجل» الألمانيّ،

(287)

الذي طبع لأول مرة عام 1842م ميلادية، فقد اعتضدتُ به وجعلته أساسًا لمعجمي، ولـمَّا أجمعت العزم على ذلك راجعت معجم «فلوجل» مادَّة مادَّة على معاجم اللغة وتفاسير الأئمَّة اللغويين، وناقشت موادّه، حتى رجعت كل مادة إلى بابها...»[1].

وبحسب المشهور والمتدوال بين الباحثين أوّل من قام بالعمل المُعجمي أو ما يسمّى التكشيف الموضوعيّ للقرآن هم المستشرقون، وعلى رأسهم فلوجل؛ ولذا يعتبر هذا المعجم هو أول عمل معجمي لألفاظ القرآن الكريم، وقد اختار فلوجل لمعجمه عنوانًا عربيًا، وهو ما تقدم، وهذا العمل هو الأساس الذي سارت عليه كل المعاجم في البلاد العربيّة والإسلاميّة، ولم يصل إلى درجته من الدقة والاستيعاب أيّ عمل مماثل»[2].

ولكن الواقع خلاف ذلك فقد قام العالم التركي محمود الورداري، بكتابة كتابه «ترتيب زيبا»، وبذلك يكون قد سبق «فلوجل» إلى ذلك بما يقارب قرنين من الزمن.

ويقول بعض الباحثين في هذا المجال: «ولقد أحسّ بهذه الحاجة الملحّة بعض علماء الإسلام خصوصًا عندما قّل عدد حفَّاظ كتاب الله الكريم، وصعب معه تحديد أماكن آيات القرآن. ومع هذه الحاجة بدأت تظهر كشّافات آيات  القرآن الكريم، وكان ذلك في منتصف القرن الحادي عشر الهجري على يد العالم التركي محمود الورداري (كان حيًّا حتّى عام 1054هـ) في كتابه المعروف «ترتيب زيبا». وهذا لا يعني أنَّه لم تكن هناك أدوات ترشد لبعض ألفاظ  القرآن الكريم، فكتب غريب القرآن وكتب الوجوه والنظائر شواهد على ذلك، وهي إرهاصات لظهور كشَّافات  القرآن الكريم فيما بعد. وبعد ترتيب «زيبا» بدأت تظهر كشّافات القرآن تباعًا، واختلفت المناهج وطرق الترتيب لهذه الكشّافات[3].

(288)

ووضع سعيد الأفغان -أيضًا- كشَّافًا يُعرف باسم «نجوم الفرقان» ويُعرف -أيضًا- بـ«كشاف كلكتا» سبق به فلوجل في كشّافه «نجوم الفرقان في أطرف  القرآن». ويمكن القول: إنَّ كشاف «نجوم الفرقان في أطراف القرآن» أوَّل كشَّاف لألفاظ القرآن الكريم وضعه مستشرق أوروبيّ، وليس أوّل كشاف ألفاظ للقرآن ظهر في هذا المضمار على الإطلاق»[1].

 

ثانيًا: تفصيل آيات القرآن الكريم:

وضعه بالفرنسيّة المستشرق «جول لابوم» ويليه المستدرك، وهو فهرس مواد القرآن الكريم، وضعه «إدوار مونتيه» تضمّن 158 بابًا آخر، ونقلهما إلى العربيّة الأستاذ محمّد فؤاد عبد الباقي، رتب واضعه موضوعات القرآن الكريم في ثمانية عشر بابًا، ثم حاول توزيع آيات القرآن على هذه الأبواب، وجعل تحت كلّ باب فروعًا، بلغت هذه الفروع حوالي 350 فرعًا، ويذكر بجوار كل آية رقمها ورقم السورة في المصحف. ومع ذلك فقد غابت مقاصد كثيرة عن فهم هؤلاء الدارسين.

أمَّا الأبواب الرئيسة، فهي: 1- التاريخ، 2- محمَّد صلى‌الله‌عليه‌وآله، 3- التبليغ، 4- بنو إسرائيل، 5- التوراة، 6- النصارى. 7- ما وراء الطبيعة، 8- التوحيد، 9- القرآن، 10- الدين، 11- العقائد، 12- العبادات، 13- الشريعة، 14- النظام الاجتماعي، 15- العلوم والفنون، 16- التجارة، 17- علم تهذيب الأخلاق، 18- النجاح.

طبعًا، لم يخلُ هذا الكتاب -مع أهمّيّته في مجاله- من بعض الأخطاء والعيوب، نذكر منها:

يقول عبد الله دراز وهو يتحدَّث عن عيوب أعمال المستشرقين: «وترجع عيوب المضمون إمَّا إلى ترجمات غير صحيحة، وإمَّا إلى تلخيص سيِّئ، وإمَّا إلى الأمرين معًا، وهو ما نجده واضحًا لدى المستشرق «جول لابوم» في كتابه «تحليل آيات القرآن»،

(289)

وهو مع ذلك أقلّ الأعمال التحليلية في هذا المجال بعدًا عن التمام»[1].

ويمكن تقسيم الملاحظات على هذا العمل إلى قسمين:

أ. الخطأ في الاستشهاد:

نذكر في هذا المجال النقاط الآتية:

ـ وضع الآيات في غير موضعها الصحيح بسبب الفهم الخاطىء للمراد بها:

ندكر بعض الأمثلة على ذلك:

في الباب التاسع  وتحت فرع  القرآن[2]، افتتحه بقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ[3]؛ ظنًّا منه أنّ معنى «الكتاب» المراد في الآية هو «القرآن الكريم».

في الباب الحادي عشر فرع الأعراف[4]، ذكر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ‎﴿٢٣﴾‏ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۖ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ[5].

مع أنَّ  الآية -كما هو واضح- لا علاقة لها بالأعراف بل جاءت في سياق الإنكار على اليهود والنصاري الذين إذا دُعوا إلى التحاكم إلى كتبهم، وما فيها من تصديق النبيّ تولوا وأعرضوا.

الإيهام بوضع آيات تحت عناوين تحمل معانٍ مغايرة:

(290)

من الأمثلة على ذلك:

تحت باب العبادات، فرع السبت، ذكر آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[1].

وهذا فيه إيهام وخلط بين يومين: اليوم الخاصّ باليهود وهو السبت، واليوم الخاصّ بالمسلمين وهو الجمعة.

ـ أن يضع الآية تحت أحد الفروع حسب الأقوال التفسيريَّة الضعيفة لها:

في باب: علم تهذيب الأخلاق ذكر في اللواطة قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا [2].

ـ أن يذكر آيات معينة فيحصرها بنوع واحد:

في الباب الرابع عشر، النظام الاجتماعيّ، فرع الرجل، ذكر آيات عدّة هي عامة في الرجل والمرأة وليست محصورة في الرجل وحده كما هو واضح، منها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [3]. وغير ذلك من الآيات التي ذكرها وهي عامّة، ولكن ذكرها في نوع واحد.

ـ أن يذكر آيات لا صلة لها بموضوعها:

فمثلًا في باب العبادات، فرع الصلاة، ذكر آيات بل وسور لا علاقة لها بالموضوع

(291)

أصلًا، فقد ذكر في ذلك آية الكرسي، وآخر آيتين من سورة البقرة، والآيات التي اشتملت على الدعاء، وذكر سورة الفلق وسورة الناس بل ذكر سورة يس كاملة في هذا الفرع.

ب. الخطأ في التبويب:

من الواضح أنّ المقصود الأساس من المعاجم والكشّافات هو دقة العبارة وصحّتها للدلالة على موضوعها؛ ولذا فحينما يكون الموضوع الذي تذكر تحته الفروع خطأً أوموهِمًا، فإن المعجم سيفتقد المهمّة الرئيسة التي وضع لأجلها.

ويمكن إجمال أخطاء المؤلِّف في هذا الباب من خلال النقاط الآتية:

ـ الخلط بين المصطلحات المتقاربة:

في الباب العاشر: الدين، فرع الإيمان، ذكر قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ومن الواضح الفرق بين مصطلحي الأمانة والإيمان.

التبويب على خلاف ما دلَّت عليه الآية:

في الباب الخامس: التوراة، فرع التثليث، أورد قوله تعالى: ﴿بِاللَّهِ  لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . والأولى أن يكون عنوان الفرع هو نفي التثليث.

ـ التبويب بعناوين مخالفة تمامًا لمضمون الآية:

في باب الدين، ذكر فرعًا بعنوان التعصُّب، وذكر فيه آية (وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلًا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ...٧٣) [1]. وهناك ملاحظات كثيرة يمكن إيرادها على هذا المعجم[2].

(292)

ثالثًا: دليل القرآن:

ألَّف المستشرق إدوارد ماير (1857-1945م) كتابًا جمع فيه مفردات القرآن الكريم وأفعاله وحروف الجر والعطف وأسماه (دليل القرآن)، وقدَّم برجشتراسر دراسةً عن «حروف النفي في القرآن» (لايبتسيش 1911م) واهتمّ فيها بصفة خاصة بالقراءات؛ فقدَّم دراسة متنوعة في هذا المجال منها «معجم قرّاء القرآن وتراجمهم» (1912م)[1].

عند مراجعة الأبحاث والدراسات التي كتبها المستشرقون عن ﻣﺼﺪر اﻟﻘﺮان اﻟﻜﺮﻳﻢ نجد أنّ موقفهم متّفق في الأغلب على مسألة واحدة، وهي: نفي أي علاقة بين هذا الكتاب والسماء، أيْ التعامل مع القرآن على أنَّه نتاج بشريّ وليس كتابًا سماويًّا. تهدف هذه الدراسة في النتيجة إلى التشكيك بحجّيّة القرآن. والمستشرقون في هذا الاتجاه يسلكون مسارين متكاملين:

-إرجاع القرآن إلى مصادر شتى من خارج منظومة الوحي الإلهيّ.

-التشكيك في صحة النص القرآني وموثوقيته ورميه بالتحريف.

وعن هذا الموضوع أُلّفت العديد من الكتب والبحوث، منها:

1. «المدخل إلى القرآن»، لـ«بلاشير الفرنسيّ»، ونشر في باريس 1947م.

2. «المدخل إلى القرآن»، لـ«د. بل»، ونشر في إدنبرة عام 1954م.

3. «المصادر الأصلية للقرآن»، للمنصر البورتستانتي «سانت كلير تِسدَل».

4. «مصـادر القصص الأصلية في القرآن وقصص الأنبياء»، لـ«سـايدر سكاي»، باريس 1932م.

(293)

5. «مصادر تاريخ القرآن»، لـ«آرثر جفري».

6. «تاريخ القرآن»، لـ«بوتيه»، طبع في باريس 1904م.

7. «التطور التاريخي للقرآن»، لـ«إدوارد سيل»، مدراس الهند 1898م.

8. تاريخ النصّ القرآنيّ، لـ«إجناس جولدتسهر»، جوتنجن 1860م.

9. «تاريخ النصّ القرآنيّ»، لـ«تيودور نولدكه».

(294)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث

آراء المستشرقين في مصادر القرآن الكريم وموثوقيّته

(295)
(296)

المطلب الأوّل: تشكيك المستشرقين في وحيانيَّة القرآن:

قبل عرض آراء المستشرقين في مصدر القرآن وتفنيدها، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ القرآن الكريم يقرّر حقّانيّة رسالة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وأنّ أوَّل دلائل النبوة وأعظمها وأظهرها هو القرآن الكريم المنزل على قلب الرسول الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله بلسان عربيّ مبين تحدّى الله به الأولين والآخرين أن يأتوا بسورة من مثل سوره، فعجزوا وإلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

قال تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‎(23)‏ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [1]. فالله تعالى أنزل القرآن على النبيّ ليكون دالًّا على ﺻﺪق اﻟﺮﺳﻮل ﰲ دﻋﻮة اﻟﺮﺳﺎﻟﺔ واﻟﺘﺒﻠﻴﻎ ﻋﻨﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ وبمقتضى هذا أنزله يحمل في أسلوبه ومعانيه، وﺗﺸﺮﻳﻌﻪ وﻣﻌﺎرﻓﻪ ﻋﻨﺎﺻﺮ اﻹﻋﺠﺎز، وﻗﺪ أﻣﺮ الله رﺳﻮﻟﻪ أن ﻳﺘﺤﺪّى ﺑﻪ اﻟﻘﻮم، ﻓﺘﺤﺪَّاﻫﻢ وأﻇﻬﺮ ﻋﺠﺰﻫﻢ، فتمّت بذلك اﳊﺠّﺔ ﻋﻠﻴﻬﻢ.

أوَّلًا: التشكيك في مصدر القرآن الكريم دعوى قديمة:

إذا تأملنا في بعض آيات القرآن نجد أنّ هذه الدعوى كانت في عصر النبوة؛ فقد حكى القرآن عن موقف الكفار منه  (أي من القرآن الكريم نفسه) بقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى ۚ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ[2]، وبقولهم الذي حكاه -أيضًا- عنهم من أنّ هذا الكتاب

(297)

أعانه عليه الآخرون، وأنَّه أساطير الأولين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا ‎﴿٤﴾‏ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [1].

كما حكى القرآن موقفهم وتخبّطهم في هذا المجال، فتارة قالوا هو أضغاث أحلام وافتراه شاعر[2]، وتارة شكَّكوا بأنّ من نُزِّل عليه القرآن ليس أهلًا لذلك[3]، وتارة أقرّوا بصدق المنَزَّل وأهلية المنَزّل عليه؛ ولكنَّهم أنكروا كيفيّة إنزاله[4]، وتارة طلبوا قرآنًا غير هذا القرآن[5]، إلى غير ذلك من مواقفهم المختلفة والمضطربة والتي تدل على انعدام المنطق عندهم.

أمَّا موقف أهل الكتاب، فهو يختلف عن موقف الكفار؛ فهؤلاء -حسب ما يحكي القرآن عنهم- عرفوا الحق؛ ولكنهم أنكروه أو أخفوه كما قال -تعالى-: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ[6].

ثانيًا: آراء المستشرقين في مصدر القرآن:

من الواضح أنّ هؤلاء قد وجّهوا سهام نقدهم للقرآن؛ لأنَّه المعجزة الخالدة للدين الإسلاميّ، وبتضعيفهم لهذا الكتاب يكونون قد قضوا -حسب زعهمهم- على الدين الإسلاميّ؛ لذا ركّز المستشرقون جهودهم في بعض البحوث   القرآنيّة، خاصة بحث «مصدر القرآن الكريم»؛ لأنَّه من خلال التشكيك بوحيانيّة القرآن والقول بأنَّه من صُنع البشر، يتوصَّل هؤلاء -حسب زعمهم- إلى إبطال أصل الدين الإسلاميّ.

(298)

1. التشكيك في مصدر القرآن في دائرة المعارف الإسلاميّة:

تقدَّمت الإشارة في المبحث السابق (القرآن في دوائر المعارف والمعاجم الاستشراقية) إلى شبهة العلاقة بين القرآن ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله التي وردت في بعض فقرات دائرة المعارف الإسلاميّة، والهدف من هذا البحث عند المستشرقين -سواء في دائرة المعارف أم في غيرها- هو نفي الصبغة الإلهيّة عن القرآن الكريم، والتشكيك في كونه وحيًا إلهيًا.

يقول محرِّر مادة (القرآن) في دائرة المعارف الإسلاميّة: «ارﺗﺒﻂ اﻟﻘﺮآن اﻟﻜﺮﱘ ﺑﻨﺒﻮة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، بحيث لا يمكننا فهم أيٍّ منهما دون فهم الآخر. ونظرة المسلمين السنّة لا تعدو أن يكون الله هو المتحدِّث، وأنَّ محمدًا هو المتلقّي، وأنَّ جبريل هو الوسيط الموكل توصيل كلام الله إلى محمد.... ولكن تحليل النص القرآني يُظهر -لنا- أنّ المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك؛ إذ لا توجد إشارة قطّ إلى مصدر الوحي أو صيغة المتكلم في السور والآيات التي يظهر أنَّها أقدم ما نزل من  القرآن الكريم؛ ففي بعض الآيات ليست هناك أدنى إشارة إلى أنّ هناك رسالة من الله[1] -سبحانه وتعالى- وفي بعض الآيات الأخرى يبدو وكأنَّ محمدًا هو المتحدِّث[2]، وﰲ اﳌﺮﺣﻠﺔ اﳌﺪﻧﻴﺔ اﻟﺒﺎﻛﺮة ﳒﺪ ما يشير إلى أنَّ جبرائيل هو الموكل إليه الوحي[3]»[4].

وكذلك ما ورد في الدائرة في مادة أصول: «وكان همّ المفسّرين المتأخّرين التخلّص من المتناقضات العديدة الواردة في  القرآن، والتي تصور لنا تدرج محمد في نبوته، إمّا بما عمدوا إليه من التوفيق فيما بينهما، وإمَّا بالاعتراف بأن الآيات المتأخرة تنسخ ما قبلها وذلك في الحالات التي يشتدّ فيها التناقض بين تلك الآيات»[5].

وعند تحليل كلام الكاتب في مادة (القرآن) يتبين أنّ فيه مغالطات عدَّة:

(299)
أ. تحليل كلامه:

ـ التشكيك في كلامه يبدأ من قوله: «ولكن تحليل النص القرآني...»، فهو يظهر أنّ القرآن الكريم نفسه لا يحسم فكرة مصدر الوحي.

ـ استند حسب زعمه إلى أنّ هناك مجموعة من الآيات في سور متعددة، وهي أقدم ما نزل من القرآن، لا تشير إلى مصدر الوحي، أيْ أنَّه من الله -تعالى- وهي على الشكل الآتي:

    • مجموعة من الآيات لا تشير إلى أنّ هناك رسالة من الله تعالى

    • هناك آيات تشير أنّ محمّدًا هو المتحدّث

    • وآيات أنّ الموكل إليه الوحي هو جبريل.

ب. الردّ على كلامه:

قوله: «لا توجد إشارة قط إلى مصدر الوحي أو صيغة المتكلم في السور والآيات...».

• ترك الكاتب آيات في القرآن الكريم تصرّح بمصدر الوحي وبمنزّل القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ‎﴿١﴾‏ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ‎﴿٢﴾‏ نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ‎﴿٣﴾‏ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ‎﴿٤﴾‏ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [1]. والسورة الكريمة هي أقدم من السور التي ذكرها.

• ما استند إليه من أنّ بعض السور تفيد بأنّ المصدر تارة هو جبريل، وأخرى نفس النبيّ، هو غير صحيح؛ لأنَّ اﻟﻘﺮان ﻛﻠّﻪ ﻣﻦ ﻣﺼﺪر واﺣﺪ، وﻟﻘﺪ ﺻﺮﺣﺖ آﻳﺎت اﻟﻘﺮان ﰲ ﻣﻮاﺿﻊ ﻛﺜﲑة ﺑﺄنّ ﻣﻨﺰﻟﻪ ﻛﻠﻪ ﻫﻮ ﷲ ﺗﻌﺎﱃ، وﻧﺬﻛﺮ من هذه الآيات الآتي:

﴿‏ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا  [2].

(300)

﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [1].

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[2].

 وهذه الآيات تكفي لإثبات أنّ القرآن كلّه من عند الله تعالى، أي المصدر، أمَّا أنّ الواسطة تارة هي جبريل، أو عبر الرؤيا بالمنام، أو عبر الوحي المباشر، فهذه كلها تفاصيل مرتبطة بكيفيّة الوحي وأساليبه، لا في تنوّع مصدر الوحي الذي هو الله تعالى.

المطلب الثاني: مصادر القرآن المدّعاة في كلمات المستشرقين:

-أوّلًا: المصدر الأوّل: بشريّة القرآن الكريم:

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الشبهة، أيْ نسبة القرآن إلى النبيّ من أقدم الشبهات التي أثارها العرب في عهد النبوة، كما أشار لذلك القرآن الكريم في قوله: ﴿ وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [3]أي إنّك متقوِّل على الله تعالى. وكما قال أيضًا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا[4]، إلى غيرها من الآيات.

فما ذهب إليه بعض المستشرقين من أنّ مصدر القرآن الكريم هو محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس بجديد، وأنَّه قد ألّفه بلغته الخاصة، ولذلك كان يغيّر في القرآن ويبدّل فيه حسب هواه، وهذا يدلّ على أن «القرآن ليس من عند الله تعالى»[5]، كما قال

(301)

المستشرق ه.ج ويلز: «محمد هو الذي صنع  القرآن»[1]، وكما قال يوليوس فلهاوزن: «القرآن من عند محمد ومن تأليفه»[2].

وﻗﺎل اﳌﺴﺘﺸﺮق اﻹنكليزيّ «جورج ﺳﻴﻞ»: «وﳑﺎ ﻻ ﺷﻚ ﻓﻴﻪ وﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ أن ﳜﺘﻠﻒ ﻓﻴﻪ اﺛﻨﺎن أنّ ﳏﻤّﺪًا هو في اﳊﻘﻴﻘﺔ ﻣﺼﻨﻒ اﻟﻘﺮآن وأوّل واﺿﻌﻴﻪ، وإن ﻛﺎن ﻻ ﻳﺒﻌﺪ أن ﻏﲑﻩ أﻋﺎﻧﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻛﻤﺎ اتهمته العرب، وﻟﻜﻨﻬﻢ ﻟﺸﺪّة اﺧﺘﻼﻓﻬﻢ ﰲ ﺗﻌﻴﲔ اﻷﺷﺨﺎص اﻟﺬﻳﻦ زﻋﻤﻮا انهم ﻛﺎﻧﻮا يعينونه وَهَت حجّتهم، وﻋﺠﺰوا ﻋﻦ إﺛﺒﺎت دﻋﻮاﻫﻢ، ولعلّ ذلك لأنّ محمدًا كان أشدّ احتياطًا من أن يترك سبيلًا لكشف الأمر»[3].

على كل حال «اﳌﺘﺘﺒّﻊ ﳌﻮﻗﻒ ﲨﻮع اﳌﺴﺘﺸﺮﻗﲔ ﻣﻦ اﻟﻘﺮان اﻟﻜﺮﱘ ﳚﺪ أن ﳏﺼﻠّﺔ اﻟﻌﻘﻴﺪة اﻻﺳﺘﺸﺮاﻗﻴﺔ ﰲ نهاية اﻷﻣﺮ ﲡﺰم ﺑﺄن اﻟﻘﺮان اﻟﻜﺮﱘ ﻣﻦ ﻛﻼم ﳏﻤﺪ وأنه ﳝﺜّﻞ ﲦﺮة ﻣﻌﺎﻧﺎة ﳏﻤﺪ النفسيّة، وﻳﻌﻜﺲ اﻟﺼﺮاع واﻟﺘﻄﻮّر اﻟﻨﻔﺴﻲ ﻟﻪ»[4].

الردّ على المصدر الأوّل:

• إذا رجعنا إلى القرآن الكريم نفسه نجده ينفي وبشكل قاطع أن يتمكّن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من تغيير ولو حرفٍ واحد من القرآن، قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[5]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ‎﴿٤٤﴾‏ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ[6].

• لو كان القرآن من عند النبيّ، كما زعم المجتمع الجاهلي قبل زعم هؤلاء،

(302)

لكان العرب استجابوا لدعوى التحدي، بل لاستطاع العرب أن يأتوا بمثله، مع حرصهم الشديد على معارضته، ولما حار العرب بأمره وتخبّطت آراؤهم فيه، وذلك باعتبار أن القرآن من صُنع محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله فمن الممكن الإتيان بمثله، ولكن القرآن تحدَّاهم بذلك، قال -تعالى-: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ ‎﴿٣٣﴾‏ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [1].

• لو كان القرآن الكريم من كلام محمد للزم أن يكون النبيّ قارئًا وكاتبًا وعالمًا بتفاصيل المنهج القرآني في العقيدة، والأخلاق، والتشريع، و.. وأن يكون على معرفة دقيقة بأخبار السابقين وقصصهم؛ من أنبياء وغيرهم، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [2].

• ما يكتبه البشر يحمل الطابع البشري وينعكس بشكل واضح على الأسلوب والمضمون، وهذا ما لا نجده لا في أسلوب القرآن ولا في مضمونه، فبالمقارنة بين القرآن والسنة النبوية يتضح الفرق بين الأسلوب الإلهي والأسلوب البشري، فلو كان القرآن من عند محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله  كما زعموا لوجدنا تشابهًا بين القرآن وبين كلام محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله، وبما أنّه لا يوجد تشابه بينهما، فيثبت أنّ القرآن ليس من عند محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله بل هو من عند الله تعالى.

 

-ثانيًا: المصدر الثاني: البيئة الجاهلية الوثنية:

وتقرير الشبهة: أنّ محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله استقى معلوماته التي وضعها في القرآن من البيئة التي عاش فيها، وذلك بدليل التشابه. والمقصود من التشابه، هو التشابه المزعوم بين مقاطع من الشعر الجاهلي وبعض الآيات القرآنيّة[3]، بالإضافة إلى

(303)

التشابه بين القوانين والتشريعات والطقوس القرآنيّة وما كان سائدًا في المجتمع الوثني العربي[1] حيث زعموا أن محمدًا صلى‌الله‌عليه‌وآله استقى هذه الأمور من وسطه الوثني ووضعها في القرآن.

ويذهب شاخت إلى أنّ الشريعة الإسلاميّة: تشتمل على عناصر من شرائع العرب في الجاهلية، وعناصر عديدة مأخوذة من شعوب البلاد التي فتحها المسلمون[2].

ويقول أيضًا: إنّ ما نسمّيه قانون العقوبات ينتمي إلى باب رد المظالم، وهو باب ليجمع بين القانون المدني وقانون العقوبات، وقد احتفظ به التشريع الإسلاميّ من القانون الذي كان سائدًا أيام الجاهلي[3].

يقول «فنسنك Wensinck» تحت مادة «أصل الحج في الإسلام»: «لم تكن نظرة النبيّ إلى الحج واحدة على الدوام، فلا بد أنّه اشترك كثيرًا في مناسكه وهو حدث، أمّا بعد دعوته فقد كانت عنايته قليلة أول الأمر بالحج. فلم يرد ذكر الحج في السور القديمة. ولا يبدو من المصادر الأخرى أن النبيّ اتّخذ خطّةّ محدّدة حيال هذه العادة وثنية الأصل»[4].

 

الردّ على المصدر الثاني:

وللردّ على هذه الشبهة الأفضل أن نفصّل العناوين التي تعرضوا لها في هذا المجال:

أ. ادعاء أن التوحيد من الوسط الوثني[5].
(304)

إنّ الباحث عندما يقارن دعوى الإسلام التوحيدية مع ما كانت عليه شبه الجزيرة العربيّة آنذاك من شرك ووثنية، وبالإضافة إلى ما قام به النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله  عندما أمر الإمام علي عليه‌السلام بتحطيم الأصنام عند فتح مكة، وبالإضافة إلى الآيات الكثيرة في القرآن الداعية إلى التوحيد والنابذة للشرك وعبادة الأصنام، يقطع أنّ دعوى النبيّ للوحدانية لم يكن بتأثير الوسط الوثني كما زعم المستشرقون بل هي صدى للدعوة الأولى دعوة إبراهيم عليه‌السلام، لأنّ أصلهما واحد. والتاريخ يشهد بذلك.

والقرآن الكريم -كما قلنا- مليء بالآيات القرآنيّة الداعية إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ[1] وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ[2].

وكذلك وضّح القرآن هذه القضية في دعوة إبراهيم عليه‌السلام كما أنّه كان داعية إلى هذا التوحيد. قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[3].

ب. الشعائر الإسلاميّة والجاهلية:

ادّعى المستشرقون أنّ هناك تشابهًا بين الشعائر الإسلاميّة والوسط الجاهلي كالحج مثلًا، فالسعي، والطواف، وتقبيل الحجر الأسود، وغير ذلك هي عادات وطقوس جاهلية.

والصحيح أنّ الجزيرة العربيّة نبتت فيها دعوة إبراهيم وابنه إسماعيل عليه‌السلام ولكن العرب هم الذين غيروها بالشركيات والوثنيات ومع هذا فإنّه بقي في هذا الوسط الوثني شيء من تلك الديانة الحنيفية.

كما أن الشرائع الإلهية التي نزلت على إبراهيم وإسماعيل ومحمد ـ عليهم‌

(305)

السلام ـ أصلها واحد وهي منزلة من عند الله عزّ وجلّ؛ لأنّهم جميعًا رسله لأقوامهم فالصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر العبادات ممّا شرعه الله عزّ وجلّ في كل الديانات؛ سواء ديانة إبراهيم أو ديانة محمد أو غيرهما من أنبياء الله عليهم‌السلام.

فالمسلمون يقفون في حجهم على جبل عرفات، واليهود يقفون في حجهم على جبل سيناء، والنصارى يحجون إلى بيت المقدس في فلسطين، فهل يعني هذا أن الديانات الثلاث أخذت شعيرة الحج من الوسط الجاهلي الوثني! والمستشرقون يعرفون أن اليهودية والنصرانية سابقة للوثنية في الجزيرة العربيّة فلا يبقى إلا أن يكون المصدر لكل ذلك هو الله عزّ وجلّ.

ج. القرآن والشعر الجاهلي:

وزعم بعض المستشرقين أمثال «تسدال» و«شيخو» و«شبرنجر» أن من مصادر القرآن الكريم: الشعر الجاهلي. فقد توافقت بعض الآيات القرآنيّة مع مقاطع من شعر أمية بن أبي الصلت وامرئ القيس؛ ما يدلّ في زعمهم على أنّ القرآن الكريم قد اقتبس من قصائد الشعراء الجاهليين؛ كالمعلقات[1].

فادّعوا أن هناك تشابه واضح بين شعر أمية بن أبي الصلت وبين آيات من سورة القمر وسورة الملك، وهناك تشابه أيضًا بين أبيات امرئ القيس مع سورة القمر.

وأبيات أمية المقصودة بالتوافق:

ويوم موعدهم أن يحشروا زمرًا يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر

مستوسقين مع الداعي كأنّهم          رجل الجراد زفته الريح منتشر

وأبرزوا بصعيد مستوجرز                  وأنزل والميزان والزبر

إلى آخر ما نُسب إليه من أبيات.

(306)

وأمّا أبيات امرئ القيس التي ذكرها «تسدال» متوافقة مع آيات من سورة القمر فمطلعها:

دنت الساعة وانشق القمر         عن غزال صاد قلبي ونفر

أحور قد حرت في أوصافه          ناعس الطرف بعينه حور

ويمكن تسجيل ملاحظات عدّة على زعمهم؛ وهي:

1- قضية التلفيق في الشعر ونسبتها للقدماء من الشعراء أمر لا يستطيع أحد إنكاره وقد فعل هذا حمّاد الراوية وخلف الأحمر[1] فما الذي يمنع أن يكون هذا الشعر ملفّقًا على العصر الجاهلي وعلى شعرائه؟!

2- أمية بن أبي الصلت توفي سنة 9 ه [2] أي أنّه كان معاصرًا للنبي، واستمر في قرض الشعر طوال ما يقرب من ثماني سنوات بعد هجرة النبيّ ومن ثمّ يمكن القول إن أميّة أخذ من القرآن لا أنّ النبيّ اقتبس من أميّة، لذا يكون من التعسّف الادّعاء بأنّ هذا الشعر كان سابقًا للقرآن من الناحية التاريخية.

3- أمّا أبيات امرئ القيس فلم تثبت عند أحد من الناحية التاريخية إلا عند المستشرقين والأبيات المزعومة تتحدّث عن وصف الحبيبة الموعودة باللقاء وفيها يتغزّل الشاعر بمحبوبته فقصده من (الساعة) ساعة موعد اللقاء، ويقصد (بانشقاق القمر) ظهور وجه محبوبته من وسط سواد شعرها أو ظلام الليل.  فلو سلّمنا صحّة نسبة هذه الأبيات إلى امرئ القيس فوجود هذه الألفاظ المستعملة في غير ما استعملت له في القرآن الكريم لا يقتضي الأخذ والاقتباس. فالقرآن الكريم قد نزل بلغات العرب وأساليبهم والقرآن عربي وأسلوبه عربي وقد استعملت هذه الألفاظ قبل نزول القرآن وبعده

(307)

ولم يدّع أحد من معاصريه أنّ القرآن مقتبس من شعر الشعراء أو خطب الخطباء أو كلام الكهّان مع معرفتهم بكل ذلك. ولو ثبت شيء من ذلك لرفعت قريش عقيرتها بإبطال دعوى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله[1].

ثالثًا: المصدر الثالث: (الحنفاء):

ذهب بعض المستشرقين ومنهم تسدال ومستر كانون (سل) وغيرهما إلى أن الحنفية ورجالها قبل البعثة المحمدية هم أحد مصادر القرآن بدليل وجود توافق وتشابه بين أحكام القرآن وهداياته وبين ما كان يدعو إليه الحنفاء؛ مثل:

    1- الدعوة لإفراد الله بوحدانيته سبحانه وتعالى.

    2- رفض عبادة الأصنام.

    3- الوعد بالجنان.

    4- الوعيد بالعقاب في جهنم.

    5- اختصاص المولى بأسماء: الرحمن، الرب، الغفور.

    6- منع وأد البنات، والإقرار بالبعث والنشور والحساب.

الردّ على المصدر الثالث:

ما المراد بالحنفاء؟

كلمة (حنيف) عربيّة الأصل وهي بمعنى الميل والحنف اعوجاج في الرجل إلى الداخل والحنيف: المائل إلى الدين المستقيم[2] قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ[3].

(308)

أﻣﺎ اﳊﻨﻔﺎء إذا ذﻛﺮوا ﰲ ﻣﻀﻤﺎر اﻟﺒﺤﺚ اﻟﺘﺎرﳜﻲ ﻓﻬﻢ أﻋﺪاد ﻣﺘﻔﺮّﻗﻮن ﻣﻦ اﻟﻨﺎس ﻣﺎﻟﻮا ﻋﻦ اﻟﻮﺛﻨﻴﺔ وﻋﺒﺎدة اﻷﺻﻨﺎم إﱃ اﻟﺘﻮﺣﻴﺪ ولم يكونوا تحت شريعة واحدة ﺑﻞ ﻛﺎن ﻇﻬﻮرﻫﻢ ﰲ أﻣﺎﻛﻦ ﳐﺘﻠﻔﺔ، ﻣﺘﺄﺛﺮﻳﻦ ﲟﺒﺎدئ اﻟﺘﻮﺣﻴﺪ اﻟﱵ ﲪﻠﺘﻬﺎ إﻟﻴﻬﻢ اﻟﻴﻬﻮدﻳﺔ واﻟﻨﺼﺮاﻧﻴﺔ. وظهروا في الجزيرة العربيّة امتدادًا لدعوة أبينا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما‌ السلام، فبقوا محافظين على شيء من تراث إبراهيم عليه‌السلام من دعوة للوحدانية، ونبذ لعبادة الأصنام، والإقرار بالبعث والنشور، والحشر وتبشير المؤمنين بالجنة، وتخويف الكافرين من النار، والابتعاد عن الخمر، ووأد البنات، وسيّئ الأخلاق[1].

أما الرد فهو باختصار: أنّ الناظر بأدنى تأمل في القرآن الكريم وما أتى به هؤلاء الحنفاء يرى البون الشاسع بينهما، حيث يرى بساطة ما دعوا إليه، ويرى مقابله قرآنًا معجزًا في لغته وأسلوبه قد عجز العرب جميعًا عن مضاهاته مع فصاحتهم وطلاقة ألسنتهم. ثمّ إنّ هؤلاء الحنفاء كانوا هم أنفسهم يخبرون الناس بقرب بعثة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله.

يقول محمد رشيد رضا: ومن هنا يتبيّن الفرق بين نبوة كاملة تامة، وشرع متكامل، وقرآن معجز عظيم وبين بقايا دين طمس نوره بين حطام الجاهلية وأوحال الشرك والوثنية، فالقرآن بما حواه من لغة رفيعة المستوى، وأسلوب محكم بديع وبما فيه من فصاحة وبلاغة خارقة، وحكم بالغة، وأمثال محكمة، وذكر لأحوال الماضين من أنبياء وأمم وأنباء المستقبل، وعلاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بغيره، والتشريع العظيم الشأن الذي صار موضوع بحث الأئمّة المجتهدين، والعلماء الأعلام لا يكون مصدره اجتماع «زيد بن عمرو» برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مصادفة في حراء أو في الطريق[2]  ولكنها الرسالة التي بعث بها أكرم رسول وهو محمد من عند الله عز وجل. فوافق نوره بقايا النور الإلهي الضارب في أعماق التاريخ لإبراهيم عليه‌السلام.

(309)

رابعًا: المصدر الرابع: الأديان الأخرى الصابئة واليهود والنصارى:

أ. الصابئة:

اعتبر المستشرقون الصابئة مصدرًا من مصادر القرآن الكريم وذلك للتشابه بينهما وبين ما جاء في القرآن من عقائد وعبادات ونسك؛ منها:

    1- التشابه بين الصابئة والإسلام في الصلاة.

    2- التشابه في الصوم وارتقاب انتهائه وارتقاب الأعياد ببعض الكواكب.

    3- التشابه في الحج والتلبية وتقديم القرابين.

ويمكن الرد على هذه الشبهة على الشكل الآتي:

1- الحقيقة أنّ الصابئة من أكثر الفرق صعوبة في الحكم عليها حيث إنها تلتقي مع كثير من الديانات السماوية وغير السماوية سواء في العقائد أو في العبادات أو غير ذلك من أجل هذا اختلفت أحكام الناس عليهم منذ القِدَم. فعندما نراجع آراء الباحثين عن الصابئة نجدها لا تتفق على تحديد هوية لهؤلاء فمن قائل: إنهم قوم لا دين لهم، ومن قائل: هم أهل دين من الأديان كانوا في جزيرة العرب، ومن قائل: هم عبدة الملائكة، ومن قائل: هم فرقة من أهم الكتاب، ومن قائل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى؛ لكنّ قبلتهم نحو الجنوب، ومن قال: إنّهم وثنيون فذلك لعبادتهم الأصنام والكواكب والملائكة وتقديمهم القرابين لها، ومن قال: هم من اليهود فذلك لموافقتهم اليهود في طريقة الذبح وحرق القرابين، ومن قال: هم فرقة من النصارى... إلى غير ذلك من الأقوال. فأي صابئة نقصد؟ حتى نزعم أنّ تعاليمها تشبه تعاليم الإسلام والقرآن.

2- عند دراسة التشابه المدّعى بين طقوس الصابئة وبين العبادات والشعائر الإسلاميّة نجد اختلافًا واضحًا في هذا المجال ومجرد التشابه في بعض الصلوات

(310)

لا يعني أنّ القرآن أحد مصادره الصابئة. فقد ذكر أن صلواتهم سبعة وبعض الباحثين قالوا ثلاثة، وكيفية صلاتهم تختلف عن صلاة المسلمين.

3- أمّا صومهم فهو لا يشبه صوم المسلمين فالصوم من العبادات التي عرفتها الصابئّة الحرانيون وهي عندهم ثلاثين ليلة من الليل إلى شروق الشمس، أما الصابئة المندائيّون الحاليّون يحرمّون الصيام في طقوسهم الدينية. وهم يمتنعون عن أكل اللحوم المباحة لهم (٣٦) يومًا، متفرقة على طول السنة، على نحو امتناع النصارى عنها. 

4- أعيادهم تكون بمراقبة خمسة نجوم في السماء وهي: (الجدي، الزهرة، زحل، القمر، والشمس). بينما الأعياد الإسلاميّة تثبت بمراقبة القمر فقط[1].

على كل حال هناك أقوال متعددة في طبيعة الصابئة وهناك اختلافات واضحة وجلية بين طقوس الصابئة وطقوس المسلمين فلا يصح على الإطلاق اعتبار الصابئة أحد مصادر القرآن الكريم؛ لأنّ هناك فرقًا كبيرًا بين الإسلام وبين الصابئة في الاعتقادات والعبادات والأحكام والسلوك.

ب. النصارى:

قالوا إنّ خمسة وسبعين في المائة من آيات القرآن مقتبسة من الكتاب المقدس للنصارى (العهد الجديد) وفي هذا يقول القسّ أنيس شروش: «إنّ هناك نصوصًا عديدة من مقاطع العهد الجديد قد استعارها القرآن واقتبسها من الكتاب المقدس؛ فهناك مثلًا حوالي (130م)قطعًا في القرآن مستوحاة من سفر المزامير».

واستدلوا أيضًا بأنّ الرسول كان قد استعان ببحيرا الراهب، ونسطور في كتابة بعض آيات القرآن!!

وزعم تسدال أنّ النصرانية كانت أحد المصادر التي أخذ منها محمد وأدخلها في قرآنه، واستشهد تسدال على ذلك ببعض القصص وبعض القضايا الأخرى؛ منها:

(311)

1- قصة أصحاب الكهف.

2-  قصة مريم عليها السلام.

3- قصة طفولة المسيح.

الردّ على شبهة أنّ النصرانيّة مصدر من مصادر القرآن:

• ما معنى الاقتباس:

الفكرة التي يروّجها هؤلاء هي أنّ القرآن اقتبس معلوماته ومعارفه أو نسخهما عن اليهود والنصارى، أي عن الكتاب المقدّس؛ لأنّه هو مصدر الديانة اليهوديّة والنصرانيّة.

وحقيقة (الاقتباس) التامّ[1] هي: نقل فكرة ما، إمّا نقلًا كليًا أو نقلًا جزئيًا، بحيث لا يزيد الناقل المقتبس شيئًا؛ أمّا إذا زاد الناقل وأضاف وعدّل بعض الأفكار وصحّحها، فإنّ هذا لا يسمّى اقتباسًا.

• مجرّد الاتفاق لا يؤدّي إلى الاقتباس:

من حقّنا أن نسأل: هل يعتبر مجرّد الاتفاق على وقوع قصة ما، كقصّة النبيّ آدم والسيدة حواء، أو قصة النبيّ موسى أو أي قصة أخرى، ونقل أحداثها ومجرياتها، اقتباسًا ونقلًا؟ وهذا لا يمنع من التشابه بين بعض نصوص الإنجيل أو التوراة والقرآن الكريم.

ويمكن ادّعاء ذلك لو فرضنا أنّ القرآن الكريم لم يأتِ بجديد؛ وكان بعض ما فيه أو أكثره نسخة عن الكتاب المقدس، ولكن من الواضح أنّ القرآن قد أضاف وعدَّل وصحَّح كثيرًا من الأحكام والوقائع، فكيف يصحّ والحال كذلك أن يسمى هذا اقتباسًا؟ ولبيان ذلك نعرض أنموذجًا ممّا ذكر في الإنجيل والقرآن؛ وهو

(312)

بشارة زكريا بـيحيى عليهما السلام ليتبيّن معنا مدى الاختلاف بينهما، وهناك عشرات النماذج تشبه هذا الأنموذج لا يسع المقام لذكرها.

في النصّ الإنجيلي وردت البشارة على الشكل الآتي:

«لم يكن لهما يعنى زكريا وامرأته ولد. إذ كانت اليصابات يعني امرأة زكريا عاقرًا. وكان كلاهما متقدمين في أيامهما، فبينما هو يكهن في نوبة غرفته أمام الله حسب عادة الكهنوت، أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر، وكان كل جمهور الشعب يصلّي خارجًا وقت البخور. فظهر له ملاك الرب واقفًا عن يمين مذبح البخور. فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك: لا تخف يا زكريا؛ لأن طلبتك قد سمعت، وامرأتك اليصابات ستلد لك ولدًا وتسميه يوحنا، ويكون لك فرح وابتهاج. وكثيرون سيفخرون بولادته؛ لأنّه يكون عظيمًا أمام الرب. وخمرًا ومسكرًا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس، ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم، ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء. والعصاة إلى فكر الأبرار، لكي يهيء للرب شعبًا مستعدًا. فقال زكريا للملاك: كيف أعلم هذا وأنا شيخ وامرأتي متقدمة في أيامها؟! فأجاب الملاك وقال: أنا جبرائيل الواقف قدام الله. وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا. وها أنت تكون صامتًا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذى يكون فيه هذا؛ لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته. وكان الشعب منتظرين زكريا ومتعجبين من إبطائه في الهيكل. فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم ففهموا أنه قد رأى رؤيا في الهيكل. فكان يومئ إليهم، وبقي صامتًا...»[1].

أمّا بشارة زكريا بيحيى بحسب النصّ القرآن؛ فهي:

قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ‎﴿٣٨﴾‏ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ

(313)

 الصَّالِحِينَ ‎﴿٣٩﴾‏ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ‎﴿٤٠﴾‏ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [1].

وقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ‎﴿٢﴾‏ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ‎﴿٣﴾‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ‎﴿٤﴾‏ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ‎﴿٥﴾‏ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ‎﴿٦﴾‏ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ‎﴿٧﴾‏ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ‎﴿٨﴾‏ قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ‎﴿٩﴾‏ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا ‎﴿١٠﴾‏ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ‎﴿١١﴾‏ يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ‎﴿١٢﴾‏ وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا ‎﴿١٣﴾‏ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ‎﴿١٤﴾‏ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [2].

إنّ المقارنة بين نصّ الإنجيل لهذه الواقعة وبين النصّ القرآنيّ، تظهر الفوارق الآتية:

1- في سورة «آل عمران» تقدم على قصة بشارة زكريا بيحيى، قصة نذر امرأة عمران ما في بطنها خالصًا لله، في حين أنّه لم يرد ذكر لهذا في النصّ الإنجيلي.

2- النص القرآني أخبر أن امرأة عمران ولدت أنثى؛ وكانت ترجو أن يكون المولود ذكرًا، وهذا أيضًا لم يأتِ له ذكر في النص الإنجيلي.

3- ذَكَر النص القرآنيّ كفالة زكريا للمولودة «مريم» وأخبر عن وجود رزقها عندها، وبيَّن أن مصدر هذا الرزق هو الله. وهذا بدوره لم يرد ذكره في النص الإنجيلي.

(314)

4- ربط النص القرآني بين قصة الدعاء بمولود لزكريا، وبين قصة مولودة امرأة عمران. وهذا لا وجود له في النص الإنجيلي.

5- ذَكَر النص القرآني دعاء زكريا، في حين أنّنا لا نجد ذكرًا لذلك في النص الإنجيلي.

6- تناول النصّ القرآني ما رتّبه زكريا على هبة الله له وليًا، وهو أن يرثه ويرث من آل يعقوب. بينما لم يرد ذكر لهذا في النص الإنجيلي.

7- بيَّن النصّ القرآنيّ أن السبب الذي حمل زكريا على دعاء ربه، هو خوفه الموالي من ورائه. والنص الإنجيلي خالٍ من هذا تمامًا.

8- صرَّح النص القرآني بأنّ زكريا أوحى لقومه، بأنْ يسبحوًا بكرة وعشيًا. ولا وجود لهذا في النص الإنجيلي.

9- ذَكَر النص القرآني الثناء على المولود «يحيى» وبيَّن أنّه بارّ بوالديه، يوم ولادته ويوم موته ويوم بعثه حيًا. ولا مقابل لهذا الثناء في النص الإنجيلي.

وأيضًا القرآن قام بمهمّة تصحيح الأخطاء التي وردت في النص الإنجيلي، وبيان هذا وِفْقَ الآتي:

ـ أنّ النص الإنجيلي جعل الصمت الذي قام به زكريا عقوبة له من الملاك. بينما الصمت -بحسب النص القرآنيّ- كان تكريمًا لزكريا من الله، وهذا ممّا يتناسب مع خصائص الأنبياء والرسل.

ـ النص الإنجيلي يحدّد مدّة الصمت بخروج زكريا من الهيكل إلى يوم أن ولد يحيى. في حين أنّ النص القرآن  يصحح هذا الخطأ، ويذكر أن مدته كانت ثلاثة أيام بلياليهن، بعد الخروج من المحراب.

ـ النص الإنجيلي يجعل البشارة على لسان ملاك واحد، بينما النص القرآن يجعل البشارة على لسان جمع من الملائكة.

ـ النص الإنجيلي جعل التسمية بـ«يحيى» -«يوحنا» بحسب النص الإنجيلي-

(315)

من اختيار زكريا، غير أنّ الملاك قد تنبأ بها. في حين أنّ النص القرآنيّ صحح هذا الخطأ، وبيَّن أن التسمية كانت من وحي الله إلى زكريا.

وعلى ضوء هذه المقارنة، يتضح لنا، أنّ القرآن قد أدى في تعقّبه للنص الإنجيلي، مهمتين أساسيّتين؛ هما:

الأولى: تصوير الواقعة تصويرًا أدقّ تفصيلًا، وأجدر تصديقًا.

الثانية: تصحيح الأخطاء الواردة في النص الإنجيلي المقارن.

لقد أوضحت هذه المقارنة أنّ القرآن لم يقتبس جزءًا من الواقعة، فضلًا عن أن يقتبس الواقعة كلها؛ وإنّما صور الواقعة تصويرًا دقيقًا، فسجل كل حقائقها، وبيَّن كل دقائقها. وعرضها عرضًا جديدًا، وربط بينها وبين وقائع محددة، كانت كالسبب الموحد لها، والناظم لعقدها.

ت. اليهود:

زعم تسدال، وأندريه، ولامنز، وجولدتسيهر، وغيرهم أنّ اليهودية مصدر من مصادر الإسلام والقرآن واستدلوا على ذلك بما يلي:

1- تشابه القرآن واليهودية في القصص؛ مثل قصة ابني آدم وقصة إبراهيم.

2-  التشابه في بعض القضايا العقدية والتشريعية والحث على مكارم الأخلاق.

ولعل من أبرز الكتب -كما تقدم- التي أكدت هذه الفكرة هو كتاب «أبراهام جايجر»، بعنوان: «ماذا أخذ القرآن عن اليهودية»؟ ومن الاستشراق المعاصر (مصادر يهودية في القرآن) لمؤلِّفه شالوم زاوي الذي يعد من مؤلفات الاستشراق الإسرائيلي المهمّة في هذا المجال.

وبالطريقة نفسها التي حاول بها بعض المستشرقين إثبات أنّ بعض المعارف القرآنيّة ترجع إلى أصول نصرانية وأنّ محمدًا اقتبس نصوص القرآن الكريم من الإنجيل، نجدهم يحاولون إثبات أنّ بعض المعارف القرآنيّة ترجع إلى أصول يهودية

(316)

أي إلى التوراة. ولعل منهجية الإجابة على هذه الشبهة هي منهجيّة الشبهة السابقة نفسها؛ أي من خلال المقارنة بين نصوص التوراة ونصوص القرآن الكريم.

فعلى سبيل المثال، إنّ فرضيات كتاب (مصادر يهودية في القرآن) انحصرت في ردّه القرآن لمصادر يهودية، وذلك على مستويين أساسيين، وهما: 1- قصص  القرآن. 2- لغة  القرآن. وقد تعرضنا لهذا الموضوع في الأبحاث السابقة.

المطلب الثاني: التشكيك في موثوقية النص القرآني:

من لوازم تشكيك المستشرقين في المصدر الإلهي، الطعن في موثوقية النص القرآني ورمي القرآن بأنّه نص محرف نقيصة أو زيادة على الرغم من الاتّفاق بين الشيعة والسنّة على أنّ القرآن الكريم المُنزَل على الرسول الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله قد وَصل إلينا دون أيِّ نقصٍ أو تحريف.

وقد حَشد الأعلام عدَدًا من الأدلَّة التي تدلّ على عدم وقوع التحريف، كآية الحفظ وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[1]وآية نفي الباطل وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ‎﴿٤١﴾‏ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ[2] ورواية الثقلين وهي قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله: «...إني تَارِك فِيكمْ أَمْرَينِ أن أَخَذْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا- كتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وأَهْلَ بَيتِي عِتْرَتِي أَيهَا النَاسُ اسْمَعُوا وقَدْ بَلَّغْتُ انكمْ سَتَرِدُونَ عَلَيّ الْحَوْضَ فَأَسْأَلُكمْ عَمَا فَعَلْتُمْ فِي الثَّقَلَينِ، وَالثَّقَلان كتَابُ اللَّهِ جَلَّ ذِكرُهُ وَأَهْلُ بَيتِي‏... «[3]، وما دلَّ على جواز قراءة أيّ سورةٍ في الصلاة، وأخبار عرض الروايات على  القرآن كقوله: «كلُّ حديثٍ لا يُوافق كتاب الله فهو زخرف»[4]، وحجيَّة ظواهر القرآن وغير ذلك[5].

(317)

وقد أثار هذه الشبهة أي (موثوقية النص القرآني) أصحاب دائرة المعارف الإسلاميّة؛ كما مرّ بنا في التعريف بالموسوعة في المبحث السابق، و«تيودور نولدكه».

 ويعتبر نولدكه من أوائل الذين فتحوا باب التشكيك في موثقية النص القرآني، ففي كتابه تاريخ القرآن يعقد فصلًا بعنوان: (الوحي الذي نزل على محمد ولم يحفظ في القرآن) والذي يبدو فيه قائلًا بالتحريف تلميحًا، ونجد تصريحًا بذلك في مادة قرآن في دائرة المعارف الإسلاميّة: «إنّه ممّا لا شك فيه أن هناك فقرات من القرآن ضاعت... وأن  القرآن غير كامل الأجزاء»[1]. كما حاول  «اجنتس جولدتسيهر» و«ريجي بلاشير» و«ريتشارد بل» أن يشككوا في صحة القرآن من خلال نسبة التحريف إليه كما فعل «ريتشارد بل» حيث قال: «لو أنّ شخصًا سأل ما الضّمان القائم على أنّ القرآن الذي تمّ جمعه في عهد عثمان تسجيل صحيح للتنزيلات كما تمّ تلقّيها وإعلانها بواسطة محمد..»[2]. وبعضهم صرّح بذلك كـ«جولدتسيهر» في مقدّمة كتابه مذاهب التفسير الإسلاميّ حيث قال: «فلا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به طائفة دينية اعترافًا عقديًا على أنّه نص منزل أو موحى به، يقدّم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثباتّ، كما نجد في نص القرآن»[3].

وقد ردّ هّؤلاء أسباب هذا الاختلاف والاضطراب لأمور عدّة؛ منها:

1- الاعتماد في حفظ القرآن على صدور الصحابة.

2- الكتابة بوسائل بدائية يصعب المحافظة عليها.

3- نسيان شيء من القرآن استنادًا للنصوص العامّة من القرآن والسنّة التي ذكرت هذا الأمر.

4- وجود منسوخ التلاوة.

(318)

5- اختلاف مصاحف الصحابة في عدد السوّر والآيات ووجوه القراءات والاختلاف في الرسّم.

6- النقصان والزيادة في القرآن الكريم للمصلحة[1].

ومن جملة الموارد التي وقعت تحت أيدي هؤلاء المستشرقين واستندوا إليها للدلالة على وقوع تحريف في القرآن الكريم هو حذف سورتي الخلع والحفد، وآيات الرجم، وبعض الآيات من سورة الأحزاب، وسورة النور، وضياع جملة من الآيات القرآنيّة في معركة اليمامة وغير ذلك. وسنكتفي بمعالجة بعض هذه الشبهات.

ولكنّ السؤال المهم هو: أنّه مع وجود هذا الإجماع بين المسلمين؛ ما هي أسباب ومناشئ القول بتحريف القرآن الكريم عند المستشرقين؟

أولًا: قياس القرآن على الكتب السماويّة السابقة:

حين يتكلّم المستشرقون عن تاريخ القرآن يقصدون بذلك إظهار أنّ القرآن مثل كتب أهل الكتاب له تاريخ من التغيير والتبديل، وأنّ يد التحريف والتبديل دخلت إليه، حتى أن هناك بونًا بين ما ينسب إلى الكتاب وما بين أيدينا من نسخته[2].

ولعلَّ من مناشئ القول بتحريف القرآن اعتقاد علماء سائر الأديان بتحريف الكتب المقدّسة لسائر الأديان، فقد قامت عقيدتهم على أنّ الأناجيل الأربعة دوِّنَت من قِبل الحواريّين الأربعة، فبَعد الذي جرى على المسيح من أحداث، قام هؤلاء بتدوين رحلات المسيح وحياته ونصائحه. إلى حدّ أننا نجد بين الأناجيل الأربعة تناقضًا وتهافتًا.

كما نَجد ذلك أيضًا في الدِّيانة اليهوديّة، فليس لدى اليهود كتابًا خاصًا معروفًا بأنّه الكتاب المُنزَل على موسى، بل ما لديهم اليوم هو ما قام بعضٌ بتدوينه طبقًا لميوله الخاصّة في وصف الظروف المحيطة.

(319)

ثانيًا: الأهداف التبشيريّة والسياسيّة:

تقدّم في الفصل الأوّل من الكتاب بيان أهداف الحركة الاستشراقيّة ودوافعها ولعل أبرزها شيوعًا الأهداف التبشيرية والأهداف السياسية.

فبعض المستشرقين كان دافعه لدراسة الشرق أن يَدفع المسلمين إلى إساءة الظنِّ بدينهم وبعقيدتهم. فقد سعى هؤلاء ومن خلال اختلاق بعض الشُّبهات حول الإسلام والقرآن، لإضعاف إيمان المسلمين بدينهم بهدف توفير الظروف الملائمة للقبول بالدِّيانة المسيحيّة دينًا بديلًا عن الإسلام[1].

وتقدم أيضًا أنّ خوف الاستعمار والدول الغربيّة من قوة المسلمين جعلتهم يشنون حروبًا طابعها ثقافي وعلمي حسب الظاهر، وهدفها الواقعي ضرب القوة الإسلاميّة وأفضل طريقة لذلك هي تضعيف المصادر الإسلاميّة وعلى رأسها  القرآن الكريم، وأفضل طريقة لتضعيف القرآن هي القول بتحريفه.

ولذا سعَت الدول المستعمِرة والقوى العالميّة الكبرى، حيث رأت في التعاليم القرآنيّة سدًا منيعًا أمام وصولها إلى أهدافها ومصالحها، إلى تربية فكرة تحريف القرآن في أذهان المسلمين، وبهذا انصبَّ جهدهم على هدم أساس الإسلام المتمثِّل بالقرآن الكريم.

ثالثًا: وجود بعض الروايات الضعيفة في تحريف القرآن الكريم:

المنشأ الثالث للقول بتحريف القرآن وجود بعض الروايات التي تدلّ على تحريف القرآن، وقد نُقلت هذه الروايات في كتب الفريقين، ولكن لم يقبلها أكابر علماء السنة والشيعة.

يقسّم الإمام الخميني روايات جمع القرآن إلى طوائف ثلاث:

-الروايات الضعيفة التي لا يُمكن الاستدلال بها.

(320)

- الروايات الموضوعة التي قامت القرائن والشواهد على الوضع فيها.

- الروايات الصحيحة التي نصل من خلال التأمّل فيها إلى أن المقصود من التحريف فيها هو التحريف في معاني الآيات لا التغيير في ألفاظها[1].

ولكن على الرغم من الإجماع بين علماء المسلمين على عدم تحريف القرآن ورفضهم للروايات الموجودة في كتب الأحاديث أو حملها على التحريف المعنوي وغير ذلك من ردود تفصيلية ومطولة في كتبهم المختلفة، نجد بعض المستشرقين؛ أمثال (جولدتسيهر) يعتمدون على الروايات الضعيفة والموضوعة ويرون أنّ الشيعة يَعتقدون بأنّ في المصحف العثماني زيادات وإضافات وتغييرات على أصل القرآن المنزل على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله. ويذكرون بأنّ لدى الشيعة من الروايات ما يدلّ على أنّ القرآن المنزَل على الرسول الأكرم عليه‌السلام أطول وأكثر تفصيلًا من القرآن الحاليّ، كسورة الأحزاب والتي تحوي الآن ثلاث وسبعون آية، ولكنَّها على أساس النصِّ السابق تُعادل سورة البقرة، وكسورة النور التي تحتوي في النصِّ الحاليّ على أربع وستون آية، ولكنَّها كانت سابقًا تزيد على مائة آية، وكسورة الحجر التي تحتوي على تسعٍ وتسعونَ آية، ولكنَّها كانت سابقًا تزيد على مائة وتسعين آية![2].

 

المطلب الثالث: الردّ على شبهات المستشرقين:

يمكن تقسيم شبهات المستشرقين في ادّعاءهم تحريف القرآن الكريم إلى أقسام عدّة، على الشكل الآتي:

أولًا: شبهة الزيادة في القرآن الكريم والردّ عليها:

ويقصدون من الزيادة في القرآن أنّ بعض القرآن؛ كبعض السور أو بعض الآيات

(321)

ليست من  القرآن بل هي من الزيادات التي زادها بعض الصحابة أو غيرهم على القرآن الكريم. ومن الأمور التي تمسّكوا بها نذكر الآتي:

1- قالوا: إنّ القرآن الكريم قد زيد فيه ما ليس منه بدليل ما ورد أن عبد الله ابن مسعود كان لا يكتب الفاتحة والمعوذتين في مصحفه. يقول: (مونتغمري وات) أن (عبد الله بن مسعود) لم يدوّن المعوذتين في مصحفه، وكان يرى أنّهما ليستا من القرآن[1].

2- وينقل (روجيه بلاشير) أن من بين متكلمي المعتزلة من استنكف ونظرًا لإيمانه بمفهوم الإله الواحد العادل والرحيم، عن قبول بعض اللعن والتجريح الموجود في القرآن بالنسبة لبعض الأعداء الشخصيّين للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، وذلك لأنّهم كانوا يرون ذلك منافيًا لعظمة الوحي. وبعض الخوارج وهم أتباع عبد الكريم بن عجرد ينكرون كون سورة يوسف من القرآن لأنّه لا يُمكن القول بصحّة وجود قصّة عشقٍ كجزءٍ من القرآن. ويستنتج (بلاشيرم)ن ذلك أن القرآن الكريم قد تعرض لإضافات محض بشرية في هذا المجال[2].

3- وذهب بعض المستشرقين أمثال (كازانوفا) إلى أن الآية 144 من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ هي من كلام أبي بكر، وأن الآية 125 من سورة البقرة، ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى هي من كلام عمر بن الخطاب[3].

فهذه النماذج وغيرها تدل على وجود الزيادة في القرآن الكريم.

(322)
أمّا الردود على هذه الشبهة؛ فهي:

أ. في إبطال أصل فكرة الزيادة في القرآن: يقول السيد الخوئي: «التحريف بالزيادة بمعنى أن بعض المصحف الذي بأيدينا ليس من الكلام المنزل. والتحريف بهذا المعنى باطل بإجماع المسلمين، بل هو مما علم بطلانه بالضرورة»[1].

قال النووي: «أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة وسائر السور المكتوبة في المصحف قرآن، وأنّ من جحد شيئًا منه كفر. وما نُقل عن ابن مسعود في الفاتحة والمعوذتين باطل ليس بصحيحٍ عنه»[2].

ب. في ما يتعلق بخلوّ مصحف ابن مسعود من الفاتحة أو المعوذتين يقول ابن قتيبة:» وأمّا إسقاطه الفاتحة من مصحفه فليس لجهله بأنّها من القرآن، كيف وهو أشدّ الصحابة عناية بالقرآن، ولم يزل يسمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يؤمّ بها، ويقول: لا صلاة إلاّ بسورة الحمد، وهي السبع المثاني وأم الكتاب. لكنّه ذهب في ما يظنّ أهل النظر (المحقّقون) إلى أنّ القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين (الدفّتينم)خافة الشكّ والنسيان والزيادة والنقصان، ورأى أن ذلك مأمون على سورة الحمد، فلمّا أمن عليها العلّة التي من أجلها كتب المصحف، ترك كتابتها، وهو يعلم أنّها من القرآن»[3]. فإسقاطه سورة الفاتحة، لا اعتقادًا أنّها ليست من  القرآن، بل لأنّ الثبت في المصحف كان قيدًا للسور دون الضياع.

ونُقل في الروايات أن ابن مسعود  كان يحكّ المعوذتين من المصاحف، ويقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه، إنّهما ليستا من كتاب الله، إنما أمر النبيّ ويقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه، إنّهما ليستا من كتاب الله، إنّما أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يتعوّذ بهما.. وكان ابن مسعود لا يقرأ بهما في صلاته[4].

(323)

هذا.. وقد أنكر بعضهم صحّة هذه النسبة إلى ابن مسعود، كالرازي وابن حزم- في ما نقل عنهما ابن حجر- وردّ عليهما بصحّة إسناد الرواية قال: والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل. بل الرواية صحيحة والتأويل محتمل[1].

ج. في ما يتعلق من دعوى أنّ في القرآن الكريم آيات هي من أقوال الصحابة؛ كما تقدم:

• هذه الدعوى لا يقبلها العلماء من الطرفين وحملوا بعض الإضافات التي نقلت عن الصحابي ابن مسعود على أنها إضافات تفسيرية وهو منهج ابن مسعود في تعليم القرآن؛ فقد كان من عادة بعض الصحابة – لا سيما عبد الله بن مسعود – أنّهم يكتبون في مصاحفهم تفسيرًا لبعض الآيات، ولا يميزونها عن الآيات، اعتمادًا منهم على أنّ لفظ الآية معروف ومحفوظ. ونجد أيضًا في روايات أهل البيت عليهم‌السلام بعض الإضافات التي حُملت على التفسير أيضًا أو أنّها من باب بيان المصداق الأبرز للآية، لا أن الآية نزلت باللفظ الفلاني المخالف للنص المتواتر الموجود بين أيدي المسلمين. فقد جاء في تفسير القمي بسند صحيح: «أنّ ابن سنان قرأ على الإمام الصادق عليه‌السلام: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...[2]. فقال عليه‌السلام: خير أمة، تقتلون أمير المؤمنين، والحسن، والحسين بن علي عليهم السلام؟! فقال القاري: جعلت فداك، كيف نزلت؟ قال: نزلت: كنتم خير أئمة أخرجت للناس، ألا ترى مدح الله لهم: ﴿...تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ  ...[3].

(324)

والمراد بنزولها كذلك: أنّ هذا التفسير لكلمة: «الأمّة»، بكلمة «الأئمة»، قد نزل من عند الله سبحانه. حتى ليصح أن نضع هذه بدل تلك، على سبيل التفسير، لا لتصبح هذه هي القرآن المنزَل!... أو فقل: إنّ كلمة «الأمّة» هكذا نزلت، مرادًا بها هذا المعنى، وهو «الأئمة»، دون سواه...[1].

• أما في ما يتعلق بشبهة تأليف آية من كلام أبي بكر فقد زعموا أن قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ... هي من كلام أبي بكر ردّ بها على عمر عندما أنكر وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله.

إنّ مجرد تلاوة أبي بكر لهذه الآية في رده على عمر، وتهدئة الناس لا يعني مطلقًا، أنها من كلام أبي بكر وقد تفوه بها، أو قالها، وذلك من جهتين:

الأولى: أن جميع الصحابة، ومنهم أبو بكر يحفظونها، ويعلمون أنّها من القرآن، وأنها كلام الله تعالى، وترتيبها في سورة آل عمران، ونزلت قبل وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ببضع سنين.

الثانية: أنّ الكثير الكثير من الصحابة يعلمون سبب نزولها، ومكان، وتاريخ نزولها. وقد ورد في الروايات أن الآية: قد نزلت في غزوة أحد، عتابًا من الله تعالى على الصحابة، لفرارهم من القتال. حيث إنّه عندما أصيب المسلمون في غزوة أُحُد، وكسرت رباعية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وشجّ وجهه، وشاع بين المقاتلين أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد قُتل[2].

أمّا بالنسبة للآية المنسوبة إلى عمر فقد حملها علماء العامة على أنّها من باب الاقتراح على رسول الله حيث قال عمر للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزل قول الله تعالى: ﴿وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فالآية وافقت اقتراح عمر لا أنّ الآية من كلامه وقد

(325)

ورد في كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، في النوع العاشر: في ما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة. قال السيوطي فيه: «هو في الحقيقة نوع من أسباب النزول، والأصل في موافقات عمر، وقد أفردها بالتصنيف جماعة»[1]. وممن أفردوا لذلك السيوطي نفسه في كتابه «قطف الثمر في موافقات عمر» وذكر الفرق بين سبب النزول والموافقة أنّ الموافقة ما نزل من القرآن لقول الصحابي بينما سبب النزول بيان لما قال أو فعل أو سأل الصحابي[2].

ثانيًا: شبهة النقيصة في القرآن الكريم والردّ عليها:

ذهب بعض المستشرقين واستنادًا منهم إلى بعض الشواهد التاريخيّة واعتمادًا على بعض الروايات الضعيفة والموضوعة إلى القول بوجود نقصٍ في القرآن الحالي. وقد تمسَّكوا لإثبات هذا النوع من التحريف بمجموعة من الشُبهات نذكر منها:

1. وجود سورتي الخلع والحفد في مصحف «أُبي بن كعب»:

زعموا أنّ القرآن نقص منه بعض السور مستدلين على ذلك بكتابة بعض الصحابة كأبي بن كعب بعض السور ولم تكتب في  القرآن الحالي ويقصدون بذلك سورتي الخلع والحفد[3]

وهذا نص سورة الخلع المزعومة: «اَللّهُمّ انا نَسْتَعِيْنُك وَنَسْتَغْفِرُكَ ونُثْني عَلَيْكَ اَلْخَيْرَ ولا نَكْفُرُك ونَخْلَعُ ونـَــتـْرُكُ مَنْ يَفْجُرُك».

وهذا نص سورة الحفد المزعومة: «اَللّهُمّ إيًاكَ نَعْبُدُ ولَكَ نُصَلِّي ونَسْجُدُ وَإِلَيْكَ نَسْعَى ونَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَكْ ونَخْشَى عَذَابَكَ اَلْجَد أن عَذَاْبَكَ بِالكُفًارِ مُلْحِقٌ».

(326)

لم يقبل علماء العامة هذه الدعوى واعتبر بعضهم أن ما نُسب إلى بعض الصحابة لم يُنسب بعنوان أنهما من  القرآن، بل قد يكونا من القنوت في الصلاة، وعلماء الإمامية أيضًا رفضوا ذلك أيضًا فكون سورتي الخلع والحفد من القرآن أمر مرفوض بالإجماع.

ومن أسباب ذلك الرفض:

1- عدم ملائمة مضمون هاتين السورتين وانسجامه مع ألفاظ القرآن الكريم ومعانيه، فالركاكة واضحة عليهما ولا يصح نسبتهما إلى أدباء العرب وشعرائهم، فكيف بالقرآن الكريم المعجز في بلاغته وفصاحته.

2- إنّ في بعض الروايات التي روت هاتين السورتين المزعومتين، قد يفهم منها أنهما من أدعية الصلاة؛ أي من القنوت[1].

ومن أسباب عد ملائمة السورتين المزعومتين لأسلوب القرآن الكريم نذكر الآتي:

ـ الملاحظات المتعلقة بكلمة «اللهم» التي أفتتحت بها سورتي «الحفد والخلع»:

    • وردت كلمة «اللهم» في  القرآن خمس مرات لم تأتِ أي منها في بداية أيّ سورة بتاتًا.[2]

    • لا تفتتح السور القرآنيّة بمناداة الله تعالى، بل بمناداة البشر: «يا أيها الناس»، «يا أيها الذين آمنوا»، «يا أيها المـُزَّمِّل».

    • لم تأتِ كلمة «اللهم» في أيّ سورة إلا وسبقتها كلمة تدلّ على «القول» لفظًا أو معنىً.

    • لم يرِد بعد النداء بكلمة «اللهم» في  القرآن أي ضمير، أو «أن» الناسخة.

ـ بعض الكلمات والصيغ المستعملة لم ترد ولو مرّة واحدة في القرآن الكريم:

(327)

    • لا يوجد في  القرآن كله الفعل: «نُصَلِّي».

    • لا وجود لفعل «يحفد» في القرآن في أي زمن من الأزمان أو أيّ صيغة من الصيغ. الموجود كلمة «حَفَدَة» وهم أبناء الأبناء، وهذا شيء مختلف عما نحن فيه.

    • ليس في القرآن كلّه كلمة «خَلْع» التي تدور عليها السورة المدَّعاة وعُنْوِنَتْ بها، بل ليس فيه من ذات المادة إلا فعل الأمر: «اخلع»: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)[1].

    • لا يتقدَّم حرف الجر على الفعل الدال على الصلاة: «ولَكَ نُصَلِّي»، بل المشاهد أنّه إذا كان هناك حرف جر فإنّه يأتى بعد الفعل، أو تُذْكَر الصلاة مطلقة دون حرف جر أصلًا[2].

    • كلمة «عذاب» قد تكررت في القرآن المجيد بضع مئات من المرات: نكرةً ومعرَّفةً بـ«أل» ومضافةً، فلم يتصادف أن جاءت مضافة إلى «كاف الخطاب» قط كما هو وَضْعها هنا. ولم يتفق أيضًا أن اقترنت الاستعانة بالاستغفار في القرآن قط كما هو الأمر في الجملة التي نحن أمامها: «نستعينك ونستغفرك».. وهناك ملاحظات أخرى أعرضنا عن ذكرها خشية الإطالة.

2. سورتي النورين والولاية:

أشار نولدكه إلى وجود هاتين السورتين عند الشيعة في كتاب تاريخ القرآن نقلًا عن كتاب «دبستان مذاهب»[3].

غولدتسيهر ذكر هذا الأمر بشيء من التفصيل يقول: «وهم في الحق لا يأتون بالأجزاء الناقصة من النص، وبدلًا من ذلك جاءوا بسور ناقصة بالكلية من القرآن

(328)

العثماني، أخفتها الجماعة التي كلّفها عثمان بكتابته، عن سوء نية، في زعمهم، إذ هي تشتمل على تمجيد لعليّ، وقد نشر جارسان دي تاسي Garcin de Tassy ومرزا كاظم بك، لأول مرّة، في المجلة الآسيوية (Journal Asiatique) (1842)، صورة من هذه السور المتداولة في دوائر الشيعة.

وحديثًا وجدت في مكتبة بانكيبور (بالهند) نسخة من  القرآن تشتمل، فضلًا عن هذه السورة، على سورة «النورين» (41 آية)، وسورة أخرى شيعية أيضًا (ذات سبع آيات)، وهي سورة الولاية، أي الموالاة لعليّ والأئمّة، كما تشتمل على تفسيرات مذهبية كثيرة في بقية السور المشتركة”.

وكل هذه الزيادات الشيعية نشرها كلير تسدال W. st. Clair Tisdall باللغة الإنجليزية[1].

وذلك يدل على استمرار افتراض الشيعة حصول نقص غير قليل في نصّ القرآن العثماني بالنسبة إلى المصحف الأصلي الصحيح[2].

ومما جاء في سورة النورين: بسم الله الرحمن الرحيم * يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم.* نوران بعضهما من بعض وأنا لسميع عليم.* إن الذين يعرفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات نعيم* والذين كفروا من بعدما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يقذفونه في الجحيم... إلى أخر السورة المزعومة. وادّعوا أنّ عدد آيات هذه السورة 42 أو43 آية.

ومما جاء في سورة الولاية: بسم الله الرحمن الرحيم * يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبيّ والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم * نبي وولي بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير * إن الذين يوفون بعهد الله لهم جنات النعيم * والذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين *...

(329)
ردّ الشيعة على السورتين المزعومتين:

لا يعتقد أيّ من الشيعة أن هذه السور مشمولة في القرآن، ولكنْ ادُّعِيَ أنّها بالفعل جزء أصيل من القرآن وأدرجوها في نسختهم من القرآن (في ما أطلق عليه اسم القرآن الشيعي). ومع ذلك، فإنّ الشيعة يرفضون ذلك باعتباره اتهامات لا أساس لها تهدف إلى اتهام الشيعة بالاعتقاد بفساد القرآن، ولا يوجد شيء اسمه القرآن الشيعي!

ولا تحتوي أيّ نسخة من القرآن الكريم على هاتين السورتين وليس هناك ذكر لهما في أي من المخطوطات القديمة من  القرآن والحديث. ويقال إنّ مؤلّف النص كان فارسيًا وفقًا لبعض الأكاديميين[1].

ويعتقد الأكاديميون الغربيون، مثل فون جرونيبوم، أنّ النص هو تزوير واضح، على الرغم من أن الكثير منهم اعتبروا أن إدخال النصين هم من عمل الزرادشتيين وليس الشيعة[2].

ولا يوجد أي ذكر لهاتين السورتين المزعوتين في أي من مصادر الإمامية؛ كالكتب الأربعة، أو الكتب القديمة؛ ككتاب سُليم بن قيس، أو غيرها من المصادر.

وإن مصدر المستشرقين ومرجعهم، وكذلك الآخرين حول سورتي النورين والولاية، ليس سوى كتاب «دبستان مذاهب»، ونسخة من القرآن يقال إنّها مكتوبة في القرن السابع عشر الميلادي، ولم يقدّم أحد أي مصدر ومستند آخر لهما. وقد يضاف أيضًا فصل الخطاب للمحدّث النوري، وتذكرة الأئمة لمحمد باقر اللاهيجي. 

والظاهر أنّ المصدر الأساس لسورة النورين أو سورة الولاية ليس سوى كتاب «دبستان مذاهب» والذي يعود إلى القرن الحادي عشر الهجري، وتذكرة الأئمة الذي جاء بعد حوالي القرن منه استقى منه هذه الفكرة، أمّا النسخة المجهولة التي

(330)

عثر عليها في بلاد الهند في القرن السابع عشر الميلادي، وادعى كلير تسدال بأنّ هذه السورة موجودة فيها، فثمة احتمال قوي عندما نلاحظ تاريخ كتابة هذه النسخة أن تكون مأخوذة من كتاب «دبستان مذاهب» نفسه أيضًا، وبالتالي فقبل هذا الكتاب ليس ثمة مصدر أو مستند يرجع إليه في ما يخصّ سورة النورين. أمّا سورة الولاية، فلم يعثر عليها إلاّ في تلك النسخة المجهولة من القرآن في القرن السابع عشر الميلادي. وعليه، فلا يوجد أي أثر عن هاتين السورتين في أي مصدر من مصادر الشيعة على الإطلاق كما أشرنا[1].

أما كتاب دبستان المذاهب الذي هو المصدر الأساس لسورة النورين المزعومة فهو» كتاب فارسي في المذاهب والملل المختلفة، وهو مجهول المؤلف. الكتاب عرض للمذاهب الدينيّة المنتشرة في الهند في القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي وفي ختامه درس عن الفلاسفة المشائين وأتباع الأفلاطونية المحدثة[2]. اكتشفه وليم جونز – حسب قول بدوي- سنة 1787م[3].

أما كتاب تذكرة الأئمة فقد عده بعض الباحثين اشتباهًا من كتب العلامة المجلسي وذلك لوجود تشابه بين اسم كتاب للمجلسي وهو «تذكرة الأئمة» والكتاب المذكور، وكون المؤلف معاصر للعلامة المجلسي. ولكن الصحيح أن الكتاب هو لمحمد باقر اللاهيجي. وقال الشيخ آغا بزرگ الطهراني عن كتاب «تذكرة الأئمة»: «(تذكرة الأئمة) في تواريخ الأئمة المعصومين عليهم السلام من ولادتهم ووفياتهم وبيان سائر حالاتهم وما يتعلق بذلك، للمولى محمّد باقر بن محمّد تقي اللاهيجي، فارسي... فرغ من تأليفه في (1085) حكى شيخنا في الفيض القدسي، تصريح صاحب الرياض بأنّ مؤلفه كان معاصرًا للعلاّمة المجلسي مشاركًا معه في الاسم واسم الأب وكان مائلًا إلى التصوف، ومع هذا التصريح من صاحب الرياض وهو تلميذ العلاّمة

(331)

المجلسي وخرّيت الصناعة فتكون نسبة الكتاب إلى المجلسي توهم منشؤه الاشتراك الإسمي...»[1].

وبالنتيجة: السورة فكرة وهمية اخترعها بعض المستشرقين أو غيرهم ونسبوها إلى الشيعة أو إلى ما يسمونه «القرآن الشيعي السري»[2]، مع أنّه حتى «المحدّث النوري» في كتابه «فصل الخطاب» قال عن السورة المزعومة: «لم أجد لها أثرًا في كتب الشيعة».

2. اختلاف مصحف الإمام علي مع باقي المصاحف:

ينقل (جولدتسيهر) في كتابه (مذاهب التفسير الإسلاميّ) بعض الروايات التي تدلُّ على أنّ لدى العلويِّين قرآنًا مدوّنًا بحسب ترتيب نزوله، وأنّ هذا القرآن قد كتَبه علي عليه‌السلام بعد وفاة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مراعيًا فيه ترتيب النزول، وهذا الترتيب مخالفٌ للترتيب العثماني. وهذا القرآن يشتمل على سبعة أجزاء[3].

واعتبر نولدكه أنّ الإمامية يؤمنون بالمصحف الحالي أي «المصحف الذي جمعه عثمان» بشكل مؤقت وأنّ المصحف الحقيقي يظهر عند ظهور الإمام المهدي عليه‌السلام[4].

لا بد من الإشارة إلى أنّ كلام نولدكه متداخل مع كلام جولدتسيهر عن مصحف علي عليه‌السلام مع باقي مصاحف الصحابة.

ولكن الصحيح أن أوجه الاختلاف بين مصحف أمير المؤمنين ومصاحف الصحابه؛ كمصحف أبي بن كعب، ومصحف ابن مسعود، وغيرهما، قد تكون في أمور أخرى لا تؤدّي إلى تحريف القرآن الكريم بالزيادة والنقيصة:

1- الاختلاف في الترتيب والتأليف، وذهب إليه جماعة، يقول العلامة

(332)

الطباطبائي: «إنّ جمعه عليه‌السلام القرآن وحمله إليهم وعرضه عليهم لا يدلّ على مخالفة ما جمعه لما جمعوه في شيء من الحقائق الدينيّة    الأصليّة أوالفرعية، إلاّ أن يكون في شيء من ترتيب السور أو الآيات من السور التي نزل نجومًا، بحيث لا يرجع إلى مخالفة في بعض الحقائق الدينية. ولو كان كذلك لعارضهم بالاحتجاج ودافع فيه ولم يقنع بمجرد إعراضهم عمّا جمعه واستغنائهم عنه، كما روي عنه عليه‌السلام في موارد شتَّى، ولم ينقل عنه عليه‌السلام في ما روي من احتجاجاته أنّه قرأ في أمر ولايته ولا غيرها آية أو سورة تدلّ على ذلك، وجّبهم على إسقاطها أو تحريفها [1]».

 الاختلاف بالزيادة والنقصان من جهة الأحاديث القدسيّة، بأن يكون مصحف الإمام عليه‌السلام مشتملًا عليها، ومصحفهم خاليًا عنها، كما ذهب إليه شيخ المحدّثين الصدوق[2].

 الاختلاف بالزيادة والنقصان من جهة التأويل والتفسير، بأن يكون مصحفه عليه‌السلام مشتملًا على تأويل الآيات وتفسيرها، والمصحف الموجود خال عن ذلك، كما ذهب إلى ذلك جماعة[3]

 

 

 

(333)
(334)

 

 

 

 

 

 

المبحث الرابع

ترجمة القرآن الكريم (دراسة نقدية)

 

(335)
(336)

من أبرز جهود المستشرقين في مجال الدراسات القرآنية عنايتهم الخاصة بترجمة القرآن الكريم إلى أمهات اللغات العالمية، وقد جاءت على نحوين:

 

ترجمة كلّيّة: لكلّ القرآن الكريم:

• ففي أوروبا تمت أول ترجمة للقرآن بين عامي (1141م ـ 1143م)، إلى اللغة اللاتينية بتوجيه وبطلب من الأب: (بيتروس فينيرا بيليس) (بطرس المبجل).

• ونشر المستشرق الإيطالي (أريفاين) أول ترجمة من القرآن إلى الإيطالية.

• ثم ترجم القرآن إلى اللغة الألمانية من قبل (شنيجر النور مبرجي) (عام 1616م)، وأعقبت ذلك ترجمة إلى الفرنسية بقلم (سيور دوريز) (باريس 1647م).

• وفي إيطاليا يبدو أنّ الأب (دومينيك جرمانوس) (1588م ـ 1670م) قام بأول ترجمة للقرآن إلى اللاتينية.

• وقد قام جورج سيل (1697م ـ 1736م) بترجمة  القرآن إلى اللغة الإنجليزية.

• وصدرت الترجمة الروسية للقرآن في عام (1776م) بـ (سنت بطرسبرج) (لينينجراد) بينما نجد أن أول ترجمة علمية إلى الروسية قام بها (سابلوكوف) (1804م ـ 1880 م) (عام 1878م)، ثم توالت ترجمة القرآن ترجمة كلية إلى لغات عدّة.

(337)

ترجمة جزئية: لبعض سوره:

    • ترجم القرآن جزئيًا كازيميرسكي البولوني (1808م ـ 1887م) إلى الفرنسية،

    • وترجم فصول عدّة من القرآن إلى الإسبانية المستشرق السويدي سترستين،

 • ونقل المستشرق الدانماركي (بول ـ Bull) أجزاء عدّة من القرآن إلى الدانماركية[1].

 

المطلب الأوّل: معنى الترجمة ومشروعيّتها:

أولًا: تعريف الترجمة:

التَّرْجَمَة أو النَّقْل هي عملية تحويل نص أصلي مكتوب (ويسمى النص المصدرم)ن اللغة المصدر إلى نص مكتوب (النص الهدف) في اللغة الأخرى. فتعدّ الترجمة نقل للحضارة والثقافة والفكر[2].

وهي بعبارة أوضح نقل الكلام أو النص من لغته الأصلية التي كُتب بها إلى لغة أخرى مع الإلتزام بنقل الكلمات بطريقة صحيحة لتتشابه مع معانيها الأصلية حتى لا يؤدي إلى تغيير في معنى النص الأصلي.

والترجمة في الأساس ليست مجرد نقل كل كلمة بما يقابلها في اللغة الهدف ولكن نقل لقواعد اللغة التي توصل المعلومة ونقل للمعلومة ذاتها ونقل لفكر الكاتب وثقافته وأسلوبه أيضًا.

 

 

(338)

ثانيًا: أقسام الترجمة ومشروعيّتها:

إنّ البحث في ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى تارة يكون عن إمكانية الترجمة؛ أي هل ترجمة القرآن ممكنة أصلًا؟ وهذا مرتبط بتحرير معنى الترجمة المراد في هذه الأبحاث، وأخرى يكون البحث عن المشروعية والجواز أي هل تجوز(شرعًا) ترجمة القرآن الكريم؟ وهذا السؤال يُسأل عادة بعد حسم إمكانية الترجمة، ونعتقد أنّه لا حاجة للخوض في بحث إمكانية الترجمة لأنّ ترجمة القرآن كما سيظهر هي مرتبة من مراتب تفسير القرآن، وتفسير القرآن مع إحراز الشروط العلميّة، والمنهجية جائز بل مطلوب أيضًا.

وفي البداية نعرض أقسام الترجمة، ثم نبين بعد ذلك مشروعية ترجمة القرآن الكريم.

1. أقسام الترجمة:

ولكي تتضح الإجابة سواء عن إمكانية الترجمة أم مشروعيتها لا بد من الالتفات إلى أقسام الترجمة، فالترجمة على ما هو المعروف تقسم إلى قسمين:

أ. الترجمة الحرفية:

وهي نقل ألفاظ من لغة إلى لغة أخرى بحيث تقابل اللفظة بمثلها من غير إخلال بترتيب الكلام المترجم.

وقد عرفها بعض الباحثين بأنّها: «نقل ألفاظ من لغة إلى نظائرها من اللغات الأخرى بحيث يكون النظم موافقًا للنظم، والترتيب موافقًا للترتيب»[1]. فالترجمة الحرفية هي عملية محاكاة للأصل وهي تشبه وضع المرادف مكان مرادفه أو ذكر المقابل للفظ من اللغة الأخرى، وهذا غير ممكن في اللغة العربيّة لعدم وجود لغة مشابه لها في سعتها وأساليبها البلاغية فكل هذه الأمور تختص بها اللغة العربيّة دون غيرها ويقل نظيرها في اللغات الأخرى، فإذا ترُجم القرآن ترجمة حرفية فيلزم منه تغيير المعنى.

(339)
ب. الترجمة التفسيرية أو المعنوية:

وهي أن ينقل مضمون الكلام إلى لغة أخرى من غير التزام بنظم الألفاظ وترتيبها أو عدد الكلمات المترجم إليها. ففي الترجمة التفسيرية لا نراعي المحاكاة بين الأصل واللغة المنقولة لها، بل يعمد المترجم إلى المعنى الذي يدل عليه تركيب الأصل فيفهمه بالدقة في المرحلة الأولى، ثم يصبه بقالب آخر باللغة الأخرى يؤدي المعنى الموجود في الأصل، ولا يتوقف عند كل مفردة ويستبدلها بلفظ مساوي لها وهذا هو الفرق الأساس بينها وبين الترجمة الحرفية.

ويمكن تعريفها بأنّها: بيان معنى الكلام بلغة أخرى من غير تقيد بترتيب الأصل أو مراعاة لنظمه[1].

ج. الفروق بين الترجمة التفسيرية والتفسير:

الترجمة تفسيرية سميت بذلك لأنّ حسن تصوير المعاني والأغراض فيها جعلها تشبه التفسير وما هي بتفسير، فما هو الفرق بين الأمرين؟

فالتفسير لغة: تفعيل مشتق من جذر(فسْر) التي تعني الإبانة، والفصل، والإيضاح، وكشف المغطّى، وإظهار المعنى المعقول[2]، وقد ورد لفظ التفسير مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلًا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا[3]، أي: بيانًا وكشفًا[4]. أمّا التفسير اصطلاحًا فله تعاريف متعددة منها: «هو بيان معاني الآيات   القرآنيّة والكشف عن مقاصدها ومداليلها»[5].

والترجمة تختلف عن التفسير في النقاط الآتية:

• الاهتمام بالكلية والأداة التعبيرية في الترجمة دون التفسير.

(340)

• الترجمة لا تكون إلا نقلًا لمعنى الألفاظ من لغة إلى أخرى في حين أن التفسير يكون كذلك ويكون تعبيرًا عن المعنى بألفاظ أخرى في نفس اللغة.

• إنّ صيغة الترجمة استقلالية يراعى فيها الاستغناء بها عن أصلها وحلولها محله، بينما التفسير قائم أبدًا على الارتباط بأصله، فبالتفسير لا يمكن قطع التراكيب بعضها عن بعض.

• الترجمة لا يجوز فيها الاستطراد أما التفسير فيجوز بل قد يجب فيه الاستطراد.

• الترجمة تتضمن عرفًا دعوى الوفاء بجميع معاني الأصل ومقاصده، بينما التفسير قائم على كمال الإيضاح سواء أكان بطريق إجمالي أو تفصيلي متناولًا كافة المعاني والمقاصد أو مقتصرًا على بعضها دون الآخر[1]. وهناك فوارق أخرى للتفسير والترجمة وما ذكر يكفي لبيان الفرق بينهما.

2. حُكم ترجمة القرآن الكريم:

قبل بيان الحكم الشرعي للترجمة، نعطي مثالًا للفرق بين الترجمة الحرفية والترجمة التفسيرية، فلو أراد المترجم أن يترجم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)[2].

فالمترجم ترجمة حرفية يأتي بكلام من لغة الترجمة يدل على النهي عن ربط اليد في العنق وعن مدها غاية المد مع مراعاة ترتيب الأصل ونظامه ولكن هذا التعبير الجديد يخرج في أسلوب ما يرمي إليه الأصل من النهي عن التقتير والتبذير بل قد يستنكر المترجم لهم ويقول: ما باله ينهى عن ربط اليد بالعنق وعن مدها غاية المد.

أما إذا أردت ترجمة تفسيرية فإنك بعد أن تفهم المراد وهو النهي عن التقتير

(341)

والتبذير في أبشع صورة منفردة تعمد إلى هذه الترجمة فتأتي بعبارة تدل على هذا النهي المراد في نفوس المترجَم لهم أكبر الأثر وأوفاه في استبشاع التقتير والتبذير بدون رعاية في نظمه وترتيبه اللفظي[1].

أ. الترجمة الحرفية:

لا بد من الالتفات إلى نقطة جوهرية عقدية مهمة في مبحث الترجمة الحرفية للقرآن وهي أننا نعتقد بوصفنا مسلمين أنّ القرآن وحي إلهي فهو ليس كأيّ نص آخر ولا يشبه أي كتاب آخر، فالقرآن بلفظه ومعناه نزل على قلب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله، والقرآن:-حسب تعريفه المشهور بين الباحثين في علوم  القرآن- هو الوحي الإلهي المنزل على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لفظًا ومعنًى وأسلوبًا والمكتوب في المصاحف والمنقول عنه بالتواتر. وبناء على هذا التعريف فإنّ أي ترجمة للقرآن هي نقل لمضمون القرآن وبيانه وتوضيحه بلغة أخرى، لأنّ القرآن بلفظه ومعناه معجز.

فـ«لا يجد المرء أدنى شبهة في حرمة ترجمة القرآن ترجمة حرفية فالقرآن هو كلام الله المنزل على رسوله المعجز بألفاظه ومعانيه المتعبد بتلاوته، ولا يقول أحد أن الكلمة المترجمة هي نفسها كلام الله. فإنّ الله لم يتكلم إلا بما نتلوه بالعربيّة ولن يتأتى الإعجاز بالترجمة لأنّ الإعجاز خاص باللغة العربيّة»[2].

ويمكن صياغة دليل على استحالة الترجمة الحرفية على الشكل الآتي:

ترجمة القرآن بهذا المعنى تستلزم المحال وكل ما يستلزم المحال محال.

بيان الملازمة:

الترجمة بهذا المعنى تقتضي نقل كل الأساليب البلاغية (وهي وجه إعجاز القرآن).

وكل نقل بهذا المعنى (أي نقل كلّ الأساليب البلاغية) يقتضي الإتيان بمثل للقرآن، والإتيان بمثل القرآن ممتنع.

(342)

فالترجمة الحرفية للقرآن ممتنعة (أي مستحيلة).

وجه الاستحالة مرتبطة بعوامل كثيرة منها: ترتيب الجملة في اللغة العربيّة، الخصائص التعبيرية للغة، ففي العربيّة هناك الحقيقة والمجاز، والتشبيه والاستعارة والكنايات، واللغة العربيّة من أوسع اللغات استعمالًا للأساليب البيانية وعلم البديع، ولا يقابلها شيء في اللغات الأخرى.

ب. الترجمة التفسيرية:

أما الترجمة التفسيرية أو المعنوية: فهي ممكنة لأنها لون من تفسير القرآن الكريم، فكما يفسر القرآن باللغة العربيّة لبيان معانيه، وشرح الغامض، وتفصيل المجمل، فكذلك تفسيره بأي لغة أخرى ممكن؛ لنقل المعاني وتوضيحها بلغة أخرى، فان المترجَم عندئذ هو فهم المترجم للمراد بالآية حسب طاقته البشرية[1].

ولكي يتضح حكم الترجمة التفسيرية للقرآن لا بد من التمييز بين المعاني الأصلية للقرآن والمعاني الثانوية، فللقرآن نوعان من المعاني: معان أصلية ومعان ثانوية.

المعاني الأصلية: هي التي يستوي في فهمها كل من عرف مدلولات الألفاظ المفردة وعرف وجوه تراكيبها معرفة إجمالية.

المعاني الثانوية: هي خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام وبها كان القرآن معجزًا[2].

إنّ ترجمة المعاني الثانوية أمر غير ميسور أصلًا لأنها مرتبطة بالإعجاز البياني للقرآن، والمعاني الأصلية فقط هي التي يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى.

يقول الشاطبي: «إنّ ترجمة القرآن على الوجه الأول ممكن ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معانيه للعامة ومن ليس لهم فهمٌ يقوى على تحصيل معانيه ومع هذا فإن ترجمة المعاني الأصلية لا تخلو من فساد فإن اللفظ الواحد قد يكون

(343)

له معنيان أو أكثر فيضع المترجم لفظًا يدل على معنى واحد حيث لا يجد لفظًا يشاكل اللفظ العربي في ضمان تلك المعاني. وقد يستعمل القرآن اللفظ في معنى مجازي فيأتي المترجم بلفظ يرادف اللفظ العربي في معناه الحقيقي ولهذا وقعت أخطاء في ترجمة معاني القرآن»[1].

والترجمة التفسيرية للمعاني الأصلية للقرآن الكريم جائزة بشروط نذكر منها:

    1- معرفة المترجم لأوضاع اللغتين لغة الأصل ولغة الترجمة.

    2- معرفته لأساليبهما وخصائصهما.

    3- وفاء الترجمة بجميع معاني الأصل ومقاصده على وجه مطمئن.

    4- أن تكون صيغة الترجمة مستقلة عن الأصل بحيث يمكن أن يستغنى بها عنه بأن تحل محله كأنّ لا أصل هناك ولا فرع[2].

ثالثًا: ترجمة القرآن الكريم في رأي علماء الإمامية:

يقول السيد الخوئي قدس‌سره : لقد بعث الله نبيه لهداية الناس فعزّزه بالقرآن، وفيه كل ما يسعدهم ويرقى بهم إلى مراتب الكمال، وهذا لطف من الله لا يختص بقوم دون آخر بل يعمّ البشر عامة، وقد شاءت حكمته البالغة أن ينزل قرآنه العظيم على نبيه بلسان قومه، مع أن تعاليمه عامة، وهدايته شاملة، ولذلك فمن الواجب أن يفهم القرآن كل أحد ليهتدي به.

ولا شكّ أن ترجمته ممّا يعين على ذلك، ولكنه لا بد وأن تتوفر في الترجمة براعة وإحاطة كاملة باللغة التي ينقل منها  القرآن إلى غيرها، لأن الترجمة مهما كانت متقنة لا تفي بمزايا البلاغة التي امتاز بها القرآن، بل ويجري ذلك في كل كلام إذ لا يؤمن أن تنتهي الترجمة إلى عكس ما يريد الأصل.

(344)

ولا بد -إذن- في ترجمة القرآن من فهمه، وينحصر فهمه في أمور ثلاثة:

    1- الظهور اللفظي الذي تفهمه العرب الفصحى.

    2- حكم العقل الفطري السليم.

    3- ما جاء من المعصوم في تفسيره.

وعلى هذا تتطلب إحاطة المترجم بكل ذلك لينقل منها معنى القرآن إلى لغة أخرى.

وأما الآراء الشخصية التي يطلقها بعض المفسرين في تفاسيرهم، لم تكن على ضوء تلك الموازين فهي من التفسير بالرأي، وساقطة عن الاعتبار، وليس للمترجم أن يتكل عليها في ترجمته.

وإذا روعي في الترجمة كل ذلك فمن الراجح أن تنقل حقائق القرآن ومفاهيمه إلى كل قوم بلغتهم، لأنها نزلت للناس كافة، ولا ينبغي أن تحجب ذلك عنهم لغة القرآن ما دامت تعاليمه وحقائقه لهم جميعًا[1].

ومع مراعاة الضوابط السابقة يجوز لنا ترجمة معاني القرآن إلى لغة أخرى أما الألفاظ بدقتها مع الأسلوب الإعجازي للقرآن فترجمة هذه الأمور غير ممكنة أصلًا كما تقدم، ولذا فقهاء الإمامية يعتبرون ترجمة القرآن ليست القرآن الكريم نفسه، فلا يمكن الاحتجاج بترجمة القرآن بنحو الإعجاز لناقلها لأن إعجاز القرآن النظمي والبلاغي بلغته الأم لا بغيره من اللغات بل حتى بترجمته إلى المعنى العربي الدارج لا يكون معجزًا إلا بألفاظه التي نزل بها حصرًا.

يقول الشيخ الأعظم الأنصاري قدس‌سره: «لأن ترجمة القرآن لا يصدق عليه القرآن، ولا يجعل منه المقصود الأصلي من  القرآن وهو نظمه المعجز، بخلاف ترجمة الذكر؛ الذي لو لم يصدق عليه خصوص الذكر المأثور، لكن يحصل منه المقصود الأصلي منه...»[2].

(345)

ويقول آقا ضياء الدين العراقي: «(و) كيف كان (لا يجزئ) في الصلاة (الترجمة) أي ترجمة  القرآن، لعدم صدق القراءة التي هي عبارة عن ذكر ألفاظ القرآن بقصد حكاية كلامه تعالى، كما هو الشأن في قراءة عبارة شخص أو شعر أو غيره»[1]. أمّا جواز الترجمة فيرى علماء الإمامية جواز ذلك، بل رجحانه.

ويقول المحقق الطهراني في الذريعة: «نعم يمكن ترجمة خصوص ظواهر آيات الأحكام والآداب والقصص وأمثالها من  القرآن بلغة أخرى وإن فات بالترجمة جميع المزايا التي بها عجزت الأنس والجن عن الإتيان بآية واحدة مثله ومع ذلك تعد عند أهل العرف هذه الترجمة كسوة ثانية لمعاني تلك الألفاظ الآلهية فينبغي أن يراعى في كتاب الترجمة جميع الشؤون والاحترامات العرفية التي لأصله ويحترز عن هتكه وتوهينه بمجرد تلك الإضافة وأما سائر الأحكام الثابتة في شرع الإسلام، من حرمة المس من غير طهر، وحرمة التنجيس، ووجوب إزالة النجاسة عنه، ووجوب القراءة به في الصلاة، ووجوب الانصات لها، وغير ذلك فإنما يلحق جميعها لنفس تلك الآيات والسور العربيّة وهي خاصة بها بعينها، وأما ترجمتها بلغة أخرى فلا يترتب عليها شيء من تلك الآثار مطلقًا وإن طابقتها حرفًا بحرف، إذ لا يخرج كتاب الترجمة عن كونه تأليف البشر نظير كتب التفاسير الفارسية والهندية التي هي ترجمة وزيادة شروح وبيانات، وقد ترجم  القرآن بكثير من اللغات قديمًا وحديثًا»[2].

ويقول الشيخ محمد جواد مغنية: «وتسأل: هل تجوز ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية؟ ومع الجواز هل تجري أحكام  القرآن على ترجمته فلا يمسها إلا المطهرون؟ الجواب: لا شبهة ولا ريب في جواز ترجمة القرآن إلى كل اللغات، بل ورجحانها أيضًا لأنّ القرآن هو رسالة اللَّه والإسلام إلى الإنسانية كلها، والترجمة عامل أساسي على بث هذه الرسالة الإلهية المحمدية وانتشاره...»[3].

(346)

وبالنتيجة:

هناك فرق بين ترجمة نفس القرآن الكريم إلى لغة أخرى فهذا أمر غير ممكن أصلًا، وبين ترجمة معاني القرآن أي تفسير  القرآن فهذا أمر ممكن بل واجب علينا من باب تبليغ الإسلام إلى غير العرب وبلغاتهم الخاصة، بالإضافة إلى أن علمنا بوجود تحريفات متعمدة أو غير متعمدة في ترجمات القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى قد يوجب علينا القيام بهذه المهمة؛ وهي ترجمة القرآن.

المطلب الثاني: تاريخ ترجمات المستشرقين لمعاني القرآن وأهدافها:

تُرجم  القرآن أولًا إلى اللغات: الفارسية، والسريانية واللاتينية.  فقد نقل السرخسي عن أبي حنيفة أن الفرس كتبوا إلى سلمان رضي الله عنه أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكانوا يقرؤن ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم للعربية[1].

وترجمت آيات من القرآن قام بها مترجمون غير مسلمين وبخاصة من القساوسة السريان؛ حيث تضم مكتبة مانشستر البريطانية، والمتحف البريطاني في لندن مجموعة من المخطوطات باللغة السريانية يرجع تاريخها إلى عهد هشام بن عبد الملك. ويقول الفيكونت دوطرازي[2] في دراسته عن القرآن إنّه اطّلع على ترجمة سريانية للقرآن كاملة، ويتوقع طرازي أن الذي ترجم هذه النسخة القديمة هو باسيل مطران الرها في حدود سنة 1145 م[3].

وفي أوروبا، رعى «بطرس المبجل»[4] رئيس دير كلوني cluny الشهير أولَ ترجمة

(347)

للقرآن الكريم إلى اللاتينية، فقد عهد بهذه الترجمة إلى العالم الإنجليزي robert ketton بمساعدة الألماني«هرمانوس» وراهب إسباني آخر مجهول الاسم، وقد استغرقت هذه الترجمة ثلاث سنوات من 1141م إلى 1134 م[1].

فاللغة اللاتينية هي اللغة الأولى التي ترجم إليها  القرآن الكريم، ويبدو أن الترجمة اللاتينية التي صار لها رواج في اللغات الأوروبية هي ترجمة دير كلوني. وقد ترجمت نسخة كلوني إلى اللغات الإيطالية والألمانية والهولندية والفرنسية والإنجليزية والروسية. والمهم أن نعلم أن حركة ترجمة القرآن الكريم من قبل المستشرقين عرفت مدارس متخصّصة عنيت بالموضوع أشهرها وأهمها: المدرسة الإسبانية والمدرسة الألمانية والمدرسة الإنجليزية.

وعندما نقوم باستقراء لبعض الترجمات سنجد أن أهداف وأغراض المترجمي