القران الكريم في الفكر الاستشراقي المعاصر (مقاربات نقدية لموسوعة القرآن - ليدن - )

القران الكريم في الفكر الاستشراقي المعاصر (مقاربات نقدية لموسوعة القرآن - ليدن - )

تأليف : 

مجموعة مؤلفين 

 

مقدمة المركز 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وسلام على رسول الإسلام؛ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله الطاهرين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وبعد...

إنّ حقيقة القرآن أسمى من أن تدركها العقول، وأوسع من أن تحيطها قوالب الألفاظ؛ لأنّ الألفاظ موضوعةٌ بإزاء معانٍ مجعولة ومُدرَكَة من قِبَل البشر، في حين أنّ حقيقة القرآن حقيقةٌ إلهيّةٌ تنطوي على أعمق المعارف المعنويّة. وقد قضى الله تعالى أن يُلبِسَ هذه الحقيقة لباس الألفاظ؛ ليتسنّى للناس فهم القرآن. ذكر العلامة الطباطبائي(قدس سره) في صدد تفسيره لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٣﴾ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)[1] أنّ: «الضمير مرجعه للكتاب، و( قُرْآنًا عَرَبِيًّا)؛ أي مقرؤًا باللغة العربية، و(لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)؛ غاية الجعل وغرضه. وجَعْل رجاء تعقّله غايةً للجعل المذكور يشهد بأنّ له مرحلة من الكينونة والوجود لا ينالها عقول الناس، ومن شأن العقل أن ينال كلّ أمرٍ فكريٍّ وإن بلغ من اللّطافة والدقّة ما بلغ. فمفاد الآية: أنّ الكتاب بحسب موطنه الذي له في نفسه أمرٌ وراء الفكر، أجنبيٌّ عن العقول البشريّة، وإنّما جعله الله قرآنًا عربيًّا وألبسه هذا اللباس؛ رجاء أن يستأنس به عقول الناس فيعقلوه... وقوله تعالى: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) تأكيد وتبيين لما تدلّ عليه الآية السابقة من أنّ الكتاب في موطنه الأصلي وراء تعقّل العقول. والضمير للكتاب، والمراد بأمّ الكتاب: اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ ﴿٢١﴾ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ)[2]، وتسميته بأمّ الكتاب لكونه أصل الكتب السماويّة؛ يُستَنسَخ منه غيره، والتقييد بأمّ الكتاب و(لَدَيْنَا) للتوضيح لا للاحتراز، والمعنى: أنّه حال كونه في أمّ الكتاب لدينا - حالاً لازمةً - لعلّي حكيم... والمراد بكونه عليًّا على ما يُعطِه مفاد الآية السابقة أنّه رفيع القدر والمنزلة من أن تناله العقول، وبكونه حكيمًا أنّه هناك محكم غير مفصّل ولا مجزّأ إلى سورٍ وآياتٍ وجملٍ وكلماتٍ؛ كما هو كذلك بعد جعله قرآنًا عربيًّا؛ كما يستفاد -أيضًا- من قوله تعالى: (الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )[3]. وهذان النعتان -أعني كونه عليًّا حكيمًا- هما الموجبان لكونه وراء العقول البشرية؛ فإنّ العقل في فكرته لا ينال إلا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أولاً، وكان مؤلّفًا من مقدّماتٍ تصديقيّةٍ يترتّب بعضها على بعضها الآخر؛ كما في الآيات والجمل القرآنيّة، وأمّا إذا كان الأمر وراء المفاهيم والألفاظ، وكان غير متجزّءٍ إلى أجزاءٍ وفصولٍ؛ فلا طريق للعقل إلى نيله. فمحصّل معنى الآيتين: «أنّ الكتاب عندنا في اللّوح المحفوظ ذو مقامٍ رفيعٍ وإحكامٍ لا تناله العقول لذينك الوصفين، وإنّما أنزلناه بجعله مقروأً عربيًّا رجاء أن يعقله الناس»[4].

وبناءً عليه من الضرورة بمكان أن تركّز الأُمّة الإسلاميّة اليوم على هذا التعريف الذي قدّمه نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) للقرآن؛ ليبقى القرآن هو الكتاب المقدّس، والنور، والهدى، والفرقان بين الحقّ والباطل، والحياة، والميزان والشفاء، والذِكْر، الذي لا تتمّ له هذه الخصال بشكلٍ عملي؛ إلاّ إذا تمّ قبل كلّ شي‏ء استيعابه؛ فهمًا، وتطبيقه؛ عملاً. ولهذا كان حَمَلَة القرآن، يتمتّعون بمكانة مرموقة في المجتمع، حيث أعطى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمّة التعليم القائل: «أشراف أُمّتي: حَمَلَة القرآن، وأصحاب الليل»[5]؛ فكان استيعاب القرآن؛ علمًا وعملًا يشكّل قيمةً واقعيّةً. وللعثور على حلٍّ لكلّ مشكلةٍ حياتيّةٍ يجب الرّجوع إلى القرآن.

ولقد سعى الغربيّون منذ القدم لإبعاد كلام الله عن ميدان الحياة، وإيجاد الفصل بين الدين والحياة الاجتماعيّة، والتفريق بين الدنيا والآخرة...، فإنّ جماعة من المستشرقين قد دأبوا منذ زمنٍ حتى عصرنا الحاضر على وصف القرآن بأنّه نسيجٌ من السّخافات، وبأنّ الإسلام مجموعةٌ من البدع، وكان نموذج ذلك من المشترقين: «نيكولا دكيز، وفيفش، وفراتشي، وهو تنجر، ويلياندر، وبريدو »، وغيرهم[6]. فسعى هؤلاء إلى الغضّ من مكانة القرآن والإسلام، لتقليل أهمّيتهما وزعزعة النّفوس عنهما، وقد عمد قسمٌ من المستشرقين الألمان واليهود، أمثال: «فيل، وجولد سهير، وبول»، وغيرهم إلى القول بأنّ القرآن حُرّف وبُدّل بعد وفاة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي صدر الإسلام الأوّل...، كلّ ذلك بهدف عزل الإسلام عن الحياة بإخراج القرآن عن المجال الذّهني والقلبي والعملي للأُمّة الإسلاميّة.

وفي هذا الزمن المليء بالشّبهات والانزلاقات الفكريّة تبرز أهميّة العودة إلى القرآن، والاهتمام العلمي والبحثي والتحقيقي به، وبالعلوم والدراسات المرتبطة به. وهي المهمّة المُلقَاة على عاتق المؤمنين بالقرآن، وفي طليعتهم العارفون به، والعلماء، والمبلّغون الدينيُّون، روي عن
رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم؛ فعليكم بالقرآن؛ فإنَّه شافع مشفع، وماحل مصدّق، مَن جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلُّ على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيلٌ وبيانٌ وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليُجِلْ جال بصره، وليبلغ الصفة نظره؛ ينجُ من عطب، ويتخلّصُ من نشب؛ فإنّ التفكّر حياة قلب البصير؛ كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربّص»[7].

ومن هذا المنطلق سعى المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إلى استنفار الجهود والطاقات لإصدار سلسلة دراساتٍ متخصّصةٍ تُعنى بدراسة كل ما أنتجه الغربيون من موسوعات وكتب وبحوث ودراسات حول القرآن الكريم وعلومه، للتعرّف على أهدافه وغاياته ومناهجه في قراءة الإسلام، وأهم مصادره المتمثّلة في القرآن الكريم، ومناقشة هذا الفكر بكلّ أطروحاته غير الموضوعيّة أو العلميّة ونقده ودحض كلّ الشّبهات التي أثاروها حوله؛ لتقديم الصورة الحقيقيّة والواقعيّة عن الإسلام والقرآن للغربيين والمتغربنين معًا. وذلك بأسلوبٍ ومنهجٍ علميٍّ قويٍّ متينٍ.

وهذا الكتاب هو جزءٌ من هذا المشروع الذي صدر منه كتب ودراسات عدّة في موضوعاتٍ حيويّةٍ ومعاصرةٍ. وهو جهدُ مجموعةٍ من الباحثين الذين شاركوا في المؤتمر، الذي عقده المركز تحت عنوان: المـؤتمر الدولي الأوّل، «القرآن الكريم في الفكر الاستشراقيّ المعاصر -مقاربات نقديّة لموسوعة القرآن (ليدن)Encyclopaedia of the Quran-»

والمخصّص لنقد مشروع علميّ موسوعيّ يحوي مجموعةً من البحوث والدّراسات المتمحورة حول القرآن الكريم والموضوعات والقضايا المرتبطة به. وقد تمّ تأليفه بأقلام مجموعة من المستشرقين الغربيّين المعاصرين من مختلف دول العالم الغربيّ؛  وإصداره باسم «موسوعة القرآن»(ليدن)(Encyclopaedia of the Quran).

والهدف من هذا المؤتمر النّظر في علميّة الموسوعة ومنهجيّتها وتقويمها؛ بوصفها جهدًا موسوعيًّا يتمحور حول القرآن الكريم، يقدَّم إلى الباحثين والطلّاب الجامعيّن الغربيّين على أنّه نتاجٌ علميٌّ يحكي عن القرآن الكريم ومكانته الدينيّة والتشريعيّة عند المسلمين، مع ما تعاني منه هذه الموسوعة من مشاكلَ منهجيّةٍ ومضمونيّةٍ لا يمكن القبول بها؛ ما يستلزم بذل الجهود العلميّة والبحثيّة لنقد هذه الدّراسات الواردة فيها، وتصويب دراسات أخرى وتوجيهها، وإزالة التباسات وشبهات تفرزها دراسات من نوع ثالث اهتمّت بها الموسوعة.

ولا يسعنا إلا أن نتقدّم من الفريق العلميّ والإداري الذي تابع كل خطوات المؤتمر ومراحله بخالص الشكر والتقدير، ولا سيما الإخوة، الشيخ لبنان الزين، السيد مصطفى مكة في بيروت، والأخوة في دار الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في كربلاء ولا سيما أ.د. عادل نذير بيري (حفظه المولى) وجميع الإخوة في اللجان العلميّة، وفريق العمل الإداري. والسيد حسن علي المرسومي.

والحمد لله رب العالمين

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

-----------------------------

[1]. سورة الزخرف، الآيتان 3-4.

[2]- سورة البروج، الآيتان 21-22.

[3]- سورة هود، الآية 1.

[4]- انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ، ط1، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1417هـ، ج18، ص83-84.

[5]- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): معاني الأخبار، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، لاط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة، 1379هـ.ق/ 1338هـ.ش، باب معنى أشراف الأمّة، ح1، ص178.

[6]- بكري، أمين: التعبير الفني في القرآن، لاط، بيروت، دار الشروق، 1972، ص18.

[7]- الكليني، محمد بن يعقوب: الكافي، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط4، طهران، دار الكتب الإسلامية؛ مطبعة حيدري، 1365هـ.ش، ج2، كتاب فضل القرآن، باب في تمثّل القرآن وشفاعته لأهله، ح2، ص599.