فهرس المحتويات

مقدمة المركز | 7

 المقدمة | 9

الفصل الأول: الجذور التاريخية للكانطية الجديدة | 15

الجزء الأول: أسباب ظهور الكانطية الجديدة | 16

1. السبب السياسي | 17

2. السبب الفكري-الديني | 20

3. وضع حدودٍ مع المسيحية والطبيعانية والتشاؤم | 21

الجزء الثاني: تعريف الكانطية الجديدة | 25

الجزء الثالث: ظهور مصطلح الكانطية الجديدة | 26

الفصل الثاني: بواكر الكانطية الجديدة | 33

1. فريدريك أدولف تريندلينبورغ | 34

2. فيخنر | 35

3. هيرمان لوتسا | 36

4. أوطو ليبمان | 37

الفصل الثالث: المدارس الثلاثة الرئيسية للكانطية | 41

الجزء الأول: مدرسة بادن | 42

1. فيلهيلم فيندلباند | 43

2. هاينريك ريكرت | 46

3. هوغو مونستيربيرغ | 49

4. ماكسيميليان كارل إيميل فيبر | 51

5. يونس كون | 54

6. إيميل لاسك | 56

7. برونو باوخ | 58

8. غوستاف لامبيرت رادبروخ | 61

9. هيلموت بليسنير | 64

الجزء الثاني: مدرسة ماربوغ | 70

1. هيرمان كوهن | 73

2. باول ناتروب | 80

3. إرنست كاسيرر | 84

4. كارل فورليندر | 88

6. فالتر أدريان شوكين | 92

الجزء الثالث: اتجاه التعديل النقدي في الكانطية الجديدة | 94

1. روبيرت راينينغر | 95

2. ألوايس أدولف ريهل | 97

3. هانس فايهنغر | 99

4. ريخارد هونيغسفالد | 103

6. ليونارد نيلسون | 110

الفصل الرابع: المدارس الثلاثة الرئيسية للكانطية | 113

الجزء الأول: انتشار الكانطية الجديدة | 114

1. في روسيا | 114

2. في بولندا | 116

3. في فرنسا | 119

4. في أنجلترا | 120

5. في الدول الإسكندنافية | 120

6. في إسبانيا والبرتغال | 121

7. في إيطاليا | 122

8. في هولندا | 123

9. في اليابان | 125

10. في كوريا | 127

11. في الدول العربية والمسلمة | 129

الجزء الثاني: راهنية الكانطية الجديدة | 134

1. فتور الاهتمام بالكانطية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية | 135

2. ما بعد الكانطية الجديدة | 139

3. الكانطية وما بعد الحداثة | 141

4. دائرة فيينا المعاصرة والكانطية الجديدة | 144

الفصل الخامس: مرتكزات الكانطية الجديدة ونقدها | 147

الجزء الأول: بعض مرتكزات الكانطية الجديدة | 148

الجزء الثاني: القبلي ونظرية المعرفة | 152

الجزء الثالث: النقد السياسي-الأخلاقي للكانطية الجديدة | 158

الجزء الرابع: نقد فلسفة الدين للكانطية الجديدة | 164

الجزء الخامس: نقد غض طرف الكانطية الجديدة عن الإسـلام | 178

الجزء السادس: نقد إهمال مشروع السلام الدائم في الكانطية الجديدة | 187

خلاصة | 193

قائمة المراجع | 197

نبذة موجزة عن المؤلف | 203

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 31 الكانطية الجديدة رؤية تحليلية نقدية لمفهومها ومدارسها حميد لشهب
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدمة المركز7

 المقدمة9

الفصل الأول: الجذور التاريخية للكانطية الجديدة15

الجزء الأول: أسباب ظهور الكانطية الجديدة16

1. السبب السياسي17

2. السبب الفكري-الديني20

3. وضع حدودٍ مع المسيحية والطبيعانية والتشاؤم21

الجزء الثاني: تعريف الكانطية الجديدة25

الجزء الثالث: ظهور مصطلح الكانطية الجديدة26

الفصل الثاني: بواكر الكانطية الجديدة33

1. فريدريك أدولف تريندلينبورغ34

2. فيخنر35

3. هيرمان لوتسا36

4. أوطو ليبمان37

الفصل الثالث: المدارس الثلاثة الرئيسية للكانطية41

الجزء الأول: مدرسة بادن42

1. فيلهيلم فيندلباند43

2. هاينريك ريكرت46

3. هوغو مونستيربيرغ49

4. ماكسيميليان كارل إيميل فيبر51

5. يونس كون54

6. إيميل لاسك56

7. برونو باوخ58

(4)

الفهرس

8. غوستاف لامبيرت رادبروخ61

9. هيلموت بليسنير64

الجزء الثاني: مدرسة ماربوغ70

1. هيرمان كوهن73

2. باول ناتروب80

3. إرنست كاسيرر84

4. كارل فورليندر88

6. فالتر أدريان شوكين92

الجزء الثالث: اتجاه التعديل النقدي في الكانطية الجديدة94

1. روبيرت راينينغر95

2. ألوايس أدولف ريهل97

3. هانس فايهنغر99

4. ريخارد هونيغسفالد103

6. ليونارد نيلسون 110

الفصل الرابع: المدارس الثلاثة الرئيسية للكانطية113

الجزء الأول: انتشار الكانطية الجديدة114

1. في روسيا114

2. في بولندا116

3. في فرنسا119

4. في أنجلترا120

5. في الدول الإسكندنافية120

6. في إسبانيا والبرتغال121

7. في إيطاليا122

(5)

الفهرس

8. في هولندا123

9. في اليابان125

10. في كوريا127

11. في الدول العربية والمسلمة129

الجزء الثاني: راهنية الكانطية الجديدة134

1. فتور الاهتمام بالكانطية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية135

2. ما بعد الكانطية الجديدة139

3. الكانطية وما بعد الحداثة141

4. دائرة فيينا المعاصرة والكانطية الجديدة144

الفصل الخامس: مرتكزات الكانطية الجديدة ونقدها147

الجزء الأول: بعض مرتكزات الكانطية الجديدة148

الجزء الثاني: القبلي ونظرية المعرفة152

الجزء الثالث: النقد السياسي-الأخلاقي للكانطية الجديدة 158

الجزء الرابع: نقد فلسفة الدين للكانطية الجديدة164

الجزء الخامس: نقد غض طرف الكانطية الجديدة عن الإسـلام178

الجزء السادس: نقد إهمال مشروع السلام الدائم في

الكانطية الجديدة 187

خلاصة193

قائمة المراجع196

نبذة موجزة عن المؤلف203

(6)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحوالتالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أويجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام

(7)

الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

 ***

تركز هذه الدراسة التي تندرج ضمن سلسلة «مصطلحات معاصرة» على بيان المرتكزات الأساسية لمصطلح «الكانطية الجديدة» الذي شاع أمره في الأوساط العلمية والأكاديمية والثقافية غربًا وشرقًا.

كما يتناول بالتحليل والنقد أهم التيارات التي تدخل تحت هذا المصطلح، ولا سيما مدرسة بادن وماربورغ والنقدية الكانطية المعدّلة وذلك لأهميتها في تطور المفهوم وأثره الكبير في الفلسفة المعاصرة.

والله ولي التوفيق
(8)

مقدمة

عندما يتمعن المرء زَخم وزِحام الفكر الفلسفي الجرماني في مطلع القرن العشرين، لا بد له من ملاحظة تلك المنافسة المكشوفة أو الضمنية بين أبناء العم النمساويين والألمان. ففي الوقت الذي نشطت فيه دائرة فيينا بالعاصمة النمساوية[1]، نشطت الكانطية الجديدة في مدن مختلفة بألمانيا كَرَدِّ فعلٍ على رفض المثالية الهيغيلية بالخصوص. وقد كان لمدرسة بادن ونظيرتها ماربورغ والنقدية الكانطية المعدلَّة الدور الحاسم في محاولات فهم كانط وتطوير بعض جوانب فلسفته والدفاع عنها، بل وأيضا تجاوزها.

لا يمكن الحديث أحاديا على أيِّ اتجاهٍ من اتجاهات الكانطية الجديدة المتعددة، دون الأخذ بعين الإعتبار مساهمة كل اتجاهٍ على حدةٍ. ومع ذلك سنركز حديثنا في هذه الدراسة على أهم هذه الاتجاهات ونعني مدرسة بادن ومدرسة ماربورغ والنقدية الكانطية المعدلة، نظرا لأهميتها في تطور الكانطية الجديدة ومساهمتها الكبيرة في الفلسفة المعاصرة عامة.

هناك الكثير من المداخل والمسارب تضمن التوغل في دراسة الكانطية الجديدة، فقد يلجأ المرء إلى تقديم هذا الاتجاه مركِّزا على مجالٍ أو أكثرَ من مجالات اهتمامها الفلسفية: نظرية المعرفة،

(9)

الفلسفة السياسية، الأخلاق، فلسفة القانون، فلسفة الدين، تاريخ الفلسفة إلخ؛ أو تقديم نماذج من ممثليها وبعض ما اشتغلوا عليه، أو وضعها في سياقها التاريخي وتقديمها في هذا الإطار. فكل هذه المداخل مشروعةٌ وممكنةٌ، لأنها تعبر عن الغنى الكبير للكانطية الجديدة. ويوحي عنوان دراستنا هذه: «الكانطية الجديدة ومدارسها. عرضٌ، تحليلٌ، نقدٌ» المنهج العام الذي استعملناه، بحيث إننا لجأنا إلى عرضٍ تاريخيٍّ للكانطية الجديدة وبعض مضامين فلسفتها وفلاسفتها ومدارسها، معتمدين في ذلك على أهم المراجع -القديمة والمعاصرة-. والهدف من هذا كان هو تقديمٌ شاملٌ للكانطية الجديدة للقارئ العربي، بالاعتماد مباشرةً على مراجعَ ألمانيةٍ محضةٍ. ونتمنى أن هذا التقديم يُشكل جديدًا في الساحة الثقافية والفلسفية العربية، فلم يتم إلى حد الآن بهذه الطريقة، بل هناك على أكبر تقديرٍ بعض الأعمال الموجزة عن الكانطية الجديدة في شموليتها. أما المقصود بالتحليل في عنوان كتابنا هذا، فإنه يعني تمعن مختلف ما نوقش في هذا البحر الهائل للكانطية الجديدة في مختلف ميادين الفلسفة. ولابد أن ننبه إلى أننا لم نقم بمسحٍ شاملٍ لكل ما نوقش، بل ركّزنا اهتمامنا على ما ظهر لنا مُهمّا لكي يُعرف من طرف القارئ العربي. وتفرغنا في الجانب النقدي لهذه الدراسة على النتائج السلبية المباشرة أو غير المباشرة للكانطية الجديدة في الساحة الثقافية الناطقة بالعربية.

لتحقيق هذا الهدف الثلاثي الأبعاد، خصصنا لكتابنا هذا خمسة فصولٍ، موزعةً على أجزاءَ غيرِ متساويةٍ في الطول، طبقًا لما عكفنا عليه في كل جزءٍ. خصصنا الفصل الأول إلى تتبع «الجذور التاريخية

(10)

للكانطية الجديدة»، مركزين عل أسباب الظهور وتعريف الكانطية الجديدة بصفةٍ عامةٍ وبدايات استعمال المصطلح في حد ذاته.

استعرضنا في الفصل الثاني: «بواكر الكانطية الجديدة»، ممثلةً في أربعة وجوهٍ علميةٍ وفلسفيةٍ رجعت في أعمالها إلى كانط مثل فريدريك أدولف تريندلينبورغ، فيخنر، هيرمان لوتسا، أوطو ليبمان، الذين كانوا بحق ـ كما سنرى ـ من الأوائل في هذه الحركة الفلسفية التي شغلت القرنين التاسع عشر والعشرين.

عكفنا في الفصل الثالث على تقديم المدارس الثلاثة للكانطية الجديدة في شخص ممثليها، وعملنا جاهدين على تقديم أكبر عددٍ منهم وما تناولوه بالدراسة والتمحيص. وأهم خلاصاتنا في هذا الفصل هو غياب أيِّ وحدةٍ بين مختلف المدارس التي مثلت الكانطية الجديدة، بل نلمس في قلب كل مدرسةٍ على حدة هذا الغياب. ولا يُعد هذا نقصًا في نظرنا فيها، بقدر ما يُعتبر غنًى كبيرًا للفلسفة الكانطية في حد ذاتها، لأنها هي التي فرضت هذه التعددية في الكانطية الجديدة.

نظرا لغنى الكانطية الجديدة السالف الذكر، خصصنا فصلاً رابعًا لتتبع خطواتها في مختلف أقطار المعمورة، سميناه: «انتشار الكانطية الجديدة وراهنيتها». ويبين هذا الفصل مدى حيوية الكانطية الجديدة منذ ظهورها، وهي حيوية لم تفتر لا أثناء الحرب العالمية الأولى ولا إبان الحرب العالمية الثانية، بل اخترقت الأمصار والعصور لنجدها تشغل الكثير من الفلاسفة المعاصرين في الكثير من الدول، وهذا ما يسمح بالقول مع هانس-لودفيغ أوليغ[1] Hans-Ludwig Ollig بأن

(11)

هناك «كانطيةً جديدةً، جديدةً». لا داعي للتذكير هنا بأن الكانطية الجديدة حاضرةٌ بقوةٍ في «فلسفة ما بعد الحداثة»، وبالخصوص في جناحها الفرنسي. بل أكثر من هذا، وكانت هذه من المفاجئات التي أوصلنا لها بحثنا هذا، هناك اهتمامٌ واضحٌ المعالم للوضعية الجديدة المعاصرة بالكانطية الجديدة.

عكفنا في الفصل الخامس والأخير من دراستنا على عرض بعض مرتكزات الكانطية الجديدة، مركِّزين بالخصوص على إشكالياتٍ بعينها كقضية «القبلي» ونظرية المعرفة، والطريقة التي دُرسَت بها من طرف مختلف ممثلي الكانطية الجديدة. وساعدنا هذا العرض على بناء جملةٍ من الانتقادات لهذه المدرسة الفلسفية، وبالخصوص في ما يتعلق بفلسفتها الدينية وغضّها طرفَها عن الإسلام، على الرغم من أن أباها الروحي -كانط- اهتم بهذا الدين «الجليل» أيما اهتمام.

أنهينا بحثنا بخلاصةٍ عامةٍ، ركزنا فيها بالخصوص على النتائج السلبية المباشرة أو غير المباشرة للكانطية الجديدة في الساحة الثقافية العربية وما قد يقود إليه الاستهلاك «الأعمى» للمنتوجات الفكرية والفلسفية الغربية، إذا لم يكن هذا الاستهلاك «مُعقلنًا» ومصحوبًا بنقدٍ مسؤولٍ، لا بنية رفض كل ما هو غربيٌّ من أجل الرفض، بل بوعي نتائج ما يروجه في أوساطنا الثقافية ومدى مساعدة ما يُروج في تقدمنا أو استلابنا.

نؤكد، من موقع تواجدنا منذ أكثر من ربع قرن في الغرب، وفهمنا لبعض ميكانيزمات استحواذه على الآخرين، باستعمال

(12)

أجنحته الثقافية والفلسفية أيضا، على ضرورة الحيطة والحذر في تعاملنا مع الفكر الغربي عمومًا، لأنه على الرغم من «عقلانيته» و«موضوعيته» إلخ... فهو قد شب وترعرع في بيئة غير بيئاتنا، بل في بيئة تحتقرنا وتعمل على إذلالنا بكل الوسائل، سواءً أثقافيًّا أم عسكريًّا أم تجاريًّا. تعيث في أمتنا العربية والمسلمة فسادًا، تفرّق من تريد تفرقتهم وتجمع من تريد جمعهم بغية تفريق الآخرين، وما نفع الغرب فكر كانط العظيم، الذي نَظَّر بطريقة غيرِ مباشرةٍ لمنظمة الأمم المتحدة، التي وعوض أن تكون بالفعل منظمةً لكل الأمم، فهي منظمة لبعض الأمم فقط، عَيْن البعض منها على المسلمين لتنحيتهم من الكرة الأرضية، بكرهها لهم لمجرد الكراهية.

نأمل أن يقدم بحثنا هذا حول الكانطية الجديدة للقراء العرب بعض ما يحتاجونه لإتمام معرفتنا بـ «الآخر»، وحتى وإن لم نكن نزعم بأننا وصلنا فيه إلى الكمال، فإننا واعون بأن العرض الذي قمنا به هنا لهذا الاتجاه أصيلٌ شكلاً ومضمونًا، ساعدنا في ذلك رجوعنا المباشر إلى مؤلفات أقطاب الكانطية الجديدة أنفسهم، وهو رجوعٌ قليلٌ حتى في الثقافات الأوروبية نفسها، ذلك أن الكانطية الجديدة لم تبح بعد بكل «أسرارها» للأوروبيين والغربيين بصفةٍ عامةٍ، فالترجمات من الألمانية إلى اللغات الأوروبية الأخرى حديثة العهد؛ ولربما تفتح هذه الترجمات أبوابا جديدة في الفكر الغربي نفسه، الذي لم يهضم بعد بما فيه الكفاية، لا الكانطية الجديدة ولا كانط نفسه.

(13)
(14)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الجذور التاريخية

للكانطية الجديدة

(15)

الفصل الأول: الجذور التاريخية للكانطية الجديدة

الجزء الأول: أسباب ظهور الكانطية الجديدة

يؤكد كلاوس كريستيان كونكا[1] Klaus Christian Kِhnke وما نفريد باشر[2] Manfred Pascher بأن هناك أسبابًا عديدةً لظهور الكانطية الجديدة، مسايرَيْن في ذلك مختلف مؤرخي الفلسفة الألمانية الحديثة والمعاصرة. ومن بين أهم هذه الأسباب تقدمُ العلوم الطبيعية ابتداءً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر. ومن المعلوم أن هذا التطور كان من أسباب أفول نجم الفلسفة الهيغيلية. ويؤول الكثيرون هذا برجوع الفلسفة من جديدٍ إلى سكة العلوم، بعدما كانت غادرتها في «عصر المثالية»، مركزةً في هذا الرجوع على نظرية المعرفة، بما يتضمنه ذلك من مُعاودةً الاهتمام بفلسفة كانط.

بيّن كونكا Kِhnke بما فيه الكفاية كيف كان ضروريًّا الرجوعُ إلى كانط بعد أفول المثالية الهيغيلية والشروط التي كانت وراء

(16)

ظهور الكانطية الجديدة وانتشارها بسرعةٍ قياسيةٍ في سبعينيات القرن التاسع عشر. وسنعول على هذا المؤلف الثمين هنا ونقدم أهم ما جاء فيه، لأنه يُعتبر حاليًّا من أهم المراجع المتوفرة في ما يخص الكانطية الجديدة في الوقت الحالي.

أهم جديدٍ في تأريخ كونكا هذا هو تأكيده على أن ما أيقظ في الواقع الاهتمام بكانط لم يكن هو الاهتمام المبدئي بكانط نفسه، بقدر ما كان يتمثل في اندماج فلسفته في روح نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر في الأوساط الجامعية الألمانية.

1. السبب السياسي

كانت هناك ظروفٌ سياسيةٌ بعينها ساعدت على ذلك وعلى رأسها إخفاق ثورة 1848 في ألمانيا[1]. وكان من بين أهم نتائج هذا الإخفاق إبعادُ القضايا السياسية والاجتماعية من مقررات الجامعة، كما تم تضييق الخناق على «جيوش» الفلسفة التطبيقية والسياسية ونقد الثقافة: «بقيت في الجامعة الإتجاهات المحافظة القوية وممثلي الفلسفة التأملية وفلاسفة نظرية المعرفة الجدد، في حين بقيت الاتجاهات الفلسفية الأخرى خارج الجامعة [...] النقد الديني لليسار الهيغيلي والفلسفة المادية وفلسفة التشاؤم

(17)

لشوبنهاور»[1]. وبهذا فإن أصل الكانطية الجديدة لم يكن متوغلاً في معارضته للاتجاهات المادية الوضعية التي كانت منتشرةً بعد المثالية الهيغيلية، بقد ما استفادت من منعطفٍ تاريخيٍّ في السياسة الألمانية بعد الثورة آنفة الذكر.

هناك عاملٌ آخرُ كان حاسمًا في ظهور الكانطية الجديدة، يتمثل في «المحاجات المادية[2] Materialismusstreit» في السنوات التالية على عام 1854، بحيث فرض على ممثلي مختلف الاتجاهات الفلسفية في الجامعات الاعتراف بالمسيحية كأيديولوجيا مُؤَسِّسةٍ للدولة أو التصريح العلني بالانتماء إلى تصورٍ ماديٍّ للعالم. وكان الأمر أسهل آنذاك على كل فيلسوفٍ ربط حباله بحبال الفلسفة الكانطية، بالاعتماد على الإرث الذي خلفه كانط في ميدان فلسفة الدين؛ وبالخصوص عدم معاداته للدين -على الأقل علانيةً وصراحةً-، بل حاول في مواضعَ مختلفةٍ من فكره توضيح كون عالم التجربة في العلوم ليس هو عالم الدين، لاختلافٍ في الموضوع والمنهج.

كانت نتيجة الضغوط السياسية لعام 1850 هو انفصال مفكري الرأي العام عن المتخصصين الأكاديميين في الجامعات، استمر الأولون في «نضالهم» في إطار نقدٍ ثقافيٍّ عامٍّ للأوضاع واهتموا بالإشكاليات السياسية والفلسفة التطبيقية؛ في حين انسحب

(18)

الأخيرين من مناقشات هذه المواضيع. فتحت ضغط السلطات الألمانية السياسية في ذلك الوقت، كان معظم الفلاسفة الذين كانوا يعيشون من وظائفهم كأساتذةٍ مضطرين «للانضباط»، وكل من تجاوز السياج الذي وضعته السلطات، كان يغامر بقوت يومه. وكانت النتيجة الفضيعة لهذا هو فقدان الفلسفة بصفةٍ عامةٍ الكثير من مصداقيتها وشهرتها ومكانتها عند الرأي العام إلى حدود نهاية خمسينيات القرن التاسع عشر.

على الرغم من كل هذا، حافظت التيارات المادية، إلى جانب فلسفة شوبنهاور، على تأثيرها إلى غاية نهاية القرن التاسع عشر، وحدث في حالاتٍ معينةٍ نوعٌ من مزجٍ للمادية والوضعية، كما حاول ذلك لودفيغ بوخنر Ludwig Buchner في كتابه Kraft und Stoff، وكان ثمن مثل هذه المحاولات هو العزل عن التدريس، كما وقع له شخصيًّا. المصير نفسُه حدث «لما قبل الكانطيين الجدد»، بحيث إن مسارهم الجامعي، كما يحكي باشر Pascher في كتابه آنف الذكر ـ معتمدًا على كونكا Kِhnke-، كان يعرف الكثير من العقبات والصعاب، لا لشيءٍ إلا لكونهم كانوا فلاسفةً، ومن كان كذلك في ذاك الوقت (خمسينيات القرن التاسع عشر) لم ينجُ من مراقبة وضغط السلطات عليه بطريقةٍ أو بأخرى. ومن بين الاستثناءات كان هناك هيرمان هيلمهولتس Hermann Helmholtz، الذي يُعتبر في نظر كونكا Kِhnke من معبدي الطريق للكانطية الجديدة. ومن بين الفلاسفة الذين كانوا ضحيةً لهذا الأمر كان هناك رودولف هايم، كارل برانتل، فريدريك أوبيرفيغ، كونو

 

(19)

فيشر، يورغن بونا ماير، ألبيرت لانغا[1]، إما بحرمانهم من التقدم إلى الأستاذية بعد الحصول على الدكتوراه أو بتوقيفهم عن التدريس، أو غادروا البلاد كما حدث لهايم وفيشر[2]. وكما سنرى في معرض حديثنا عن الكانطيين الجدد كل واحدٍ على حدةٍ، فإن الوقت الذي كان يمر بين الحصول على شهادة الأستاذية، عند القبل الكانطيين الجدد»، والإدماج في التدريس هو 14 سنة في المعدل. لكن هذه المدة تقلصت إلى حوالي ثمانية سنواتٍ ونصفٍ في المعدل مع الجيل الأول للكانطيين الجدد في سبعينيات القرن السابع عشر. بمعنى أن البدايات الحقيقية للكانطية الجديدة كان في هذا الوقت، على الرغم من أن أقطابها لم ينتظموا في مجموعاتٍ تحمل هذا الاسم إلا بعد ذلك بكثيرٍ.

2. السبب الفكري-الديني

كما أشرنا إلى ذلك باقتضابٍ في مستهل حديثنا في هذه النقطة، فإن ما شجع على الرجوع إلى كانط كان هو موقفه الفلسفي الإيجابي من العلوم الطبيعية، على عكس هيغل، الذي بنى نوعًا من الفلسفة الطبيعية المبللة بنوع من إدخال روحٍ للطبيعة ليست فيها، ليسقط في الكثير من الأوقات في فلسفةٍ طبيعيةٍ تأمليةٍ، تتماشى وروح الرومنطيقية المثالية. أكثر من هذا فُهم كانط في بدايات الاهتمام به من طرف الكانطيين الجدد كمؤسسٍ لنظريةٍ معرفيةٍ في العلوم. ولربما لم يكن من قبيل الصدفة أن هيلمهولتس Helmholtz سالف

(20)

الذكر، أحد أهم العلماء الطبيعيين في ذلك الوقت، كان من بين من اهتم بكانط وشجع بذلك، بقصدٍ أو بدون قصدٍ، على تنامي الاهتمام بما خلفه كانط.

قُبيل ظهور الكانطية الجديدة، وبعد انتهاء الهيغلية، انتشرت كما قلنا اتجاهاتٌ طبيعيةٌ وماديةٌ قلبت النسق الهيغلي رأساً على عقبٍ؛ لكنها لم تَرقَ إلى دقة وعمق الكانطية، وبالخصوص في أهم شيءٍ كان يشغل الفكر آنذاك: علاقة العلم بالدين، أو محاولة القضاء على الدين باسم العلم أو السياسة. ذلك أن كانط أكد في أكثر من موضعٍ بأن المرء لا يمكنه، لا في الفلسفة النظرية ولا في الفلسفة التطبيقية، فهم المعرفة والسلوك الأخلاقي انطلاقًا من موقع العلوم الطبيعية. ولهذا السبب ميز بين ميدان المعرفة والميدان الديني-الأخلاقي. وبهذا فُهم موقفه كبديلٍ عن المثالية الذاتية وعن المادية. من هنا وطدت الكانطية، بوعيٍ أو بدون وعيٍ، الميول التي أصبحت في ذلك واضحةً أكثر فأكثر، والمتمثلة في القبول بتقدم العلوم ورفض المادية.

3. وضع حدودٍ مع المسيحية والطبيعانية والتشاؤم

نقطةٌ مهمةٌ أخرى لا بد من الإشارة إليها ولو باقتضابٍ هنا: هناك ثلاثة ميادين وضعت الكانطية الجديدة حدودًا واضحةً معها: الدين المؤسساتي، الطبيعانية والتشاؤم. وكان الدين المؤسساتي هو أهم ما عارضته، لأنها كانت ترى بأنه يُقدم تصورًا شموليًّا للعالم، بل يحتكر هذا التصور ويُقدمه كالتصور الممكن الوحيد والمقبول بصفةٍ نهائيةٍ، دون تقديم أي برهان مقنعٍ على ذلك. وعلى الرغم من أن أغلبية الكانطيين الجدد كانوا متدينين، فإنهم كانوا ليبراليين

(21)

في ما يخص الدين، كما أنهم طالبوا بالتفريق بين الكنيسة والدولة. ومن بين أهم ما تصدوا له بهذا الصدد هو التعليم الديني بالمدارس الحكومية، بحيث أنهم طالبوا بالحد منه أو إلغائه تمامًا نظرًا للتأثير الواضح الذي تمارسه الكاثوليكية السياسية من خلاله في الحياة العامة. وكان هذا سببًا كافيًا للوقوف في صف بيسمارك ضد الكنيسة المسيحية، لأنها كانت ضد التفريق بين الكنيسة والدولة وضد إمكانية استقلال العقل والفلسفة. ويقودنا هذا للتأكيد بأن الكانطية الجديدة لم تكن محايدةً ولم تكتف بالتفرج على الصراع بين العلوم الطبيعية والدين، بل انخرطت فيه بطرق متعددة. فبإعطائها الأولوية للمادة على حساب الروح، نفت العلوم الطبيعية أيّ مشروعيةٍ لإمكانية الوصول إلى أيِّ معرفةٍ من خلال الدين، وبهذا هاجمت الروح بدون هوادةٍ، وهو الهجوم الذي قاد عام 1854 إلى ما اصطلح عليه «المحاجات المادية Materialismusstreit» [1]. دافع الفيزيولوجي رودولف فاغنر Rudolf Wagner مثلا على المسيحية كأساس للعلوم الطبيعية، في الوقت الذي كان فيه الخبير في علم الحيوان كارل فوغت Carl Vogt يرى بأن المادة هي شرط وجود ما هو روحيٌّ. واشتد الصراع بين الجانبين بعد نشر كتاب شارل داروين «أصل الأنواع» عام 1859، إلى أن أصبح صراعًا حول تصور ظهور العالم، ذلك أن النزعة الطبيعانية حاولت تعويض التصور المسيحي لخلق العالم بتصورٍ ماديٍّ محضٍ.

كما أشرنا إلى ذلك فإن معارضة الكانطية الجديدة للإمبريقية تكمن في تفريقها بين المنهج العلمي وتصور أو تمثل العالم. وعلى

(22)

الرغم من أنها كانت تشجع وتطالب بتطبيق المناهج العلمية، معتبرةً إياها ناجعةً في العلوم الطبيعية، فإنها كانت ضد التصور الحتمي للعالم المادي، وهو التصور الذي كانت العلوم تقدمه كبديلٍ عن التصور الديني للعالم، لأنها كانت ترى في ذلك فرض نوعٍ من إطلاقيةٍ نظريةِ معرفة العلوم الطبيعية.

لا تفوتنا الإشارة أيضا، في غمار الحديث عن تطور الكانطية الجديدة، إلى الأزمة السياسية الكبيرة التي وقعت في ألمانيا القيصرية إثر محاولة اغتيال القيصر عام 1878، والتي أدت إلى إعادة النظر في الليبرالية كوسيلة حكمٍ. ولم تنج الكانطية الجديدة من الآثار السلبية لنتائج هذه الأزمة، وبالخصوص في ما يخص اليهود منهم؛ ذلك أن حركة معاداة السامية تقوَّت بشكلٍ ملحوظٍ في ذلك الوقت، حتى وإن كان المرء يميز بين اليهودية كدين واليهود، ومن أهم ما اتهموا به هو سلوكهم الاحتكاري في التجارة. ورافق هذه الأزمةَ أيضا نوعٌ من الاضطراب في الأوساط البورجوازية، التي كانت تمثل العمود الفقري لليبرالية.

على إثر هذه الإضطرابات غيرت الكانطية الجديدة مجرى تيارها من الاهتمام النظري الفكري إلى الفلسفة العملية أو التطبيقية، إلى درجة أن المرء قد يؤكد مع باشر Pascher، بأنها تحولت من كونها فلسفةً «نقديةً» إلى فلسفةٍ وضعيةٍ[1]. حدث إذًا نوعٌ من الردة على المبادئ في الكانطية الجديدة، ذلك أنها تحولت مثلاً من مقاومة أيِّ تصورٍ للعالم إلى فلسفةٍ ذات مِثل هذا التصور. حدث إذًا رجوعٌ إلى المثالية، بما يمثله ذلك من قيمٍ. قل الاهتمام بنظرية المعرفة وانصب

(23)

على نظريةٍ ثقافيةٍ أقربَ إلى هيغل منها إلى كانط؛ بما يعنيه ذلك من إعطاء سلطةٍ للعقل ـ هيغل ـ على حساب نقد هذا العقل وإظهار حدوده ـ كانط ـ . وحتى وإن لم يكن المرء، في ذلك الوقت، قام بالخطوة الحاسمة بين المثالية النقدية الكانطية إلى المثالية الذاتية الهيغلية[1]، فإن هذه الخطوة تحققت بالفعل بعد الحرب العالمية الأولى. وكان الكانطي الجديد ناتروب  من الأمثلة على ذلك[2].

يمكن القول عموما بأن ما شجع على «ازدهار» الكانطية الجديدة بعد 1870 هو أيضا المناخ السياسي-الفكري، وبالخصوص ما وُرث عن كانط في ما يخص موقفه المتعلق بالتمييز بين العلم والتصور أو التمثل العامي للعالم. وبهذا فإنه لم يطور فقط طريقةً ممتازةً للعلوم الطبيعية، بل وضح بأن هذه العلوم لا تمس بأيِّ طريقةٍ من الطرق تصوراتنا الدينية والأخلاقية.

يتبين لنا إذًا بأن ظهور الكانطية الجديدة كان مشروطًا بعواملَ سياسيةٍ وفكريةٍ في المقام الأول، كانت في العمق في صالحها، على الرغم من أن أقطابها الأوائل عانوا من الكثير من المضايقات كفلاسفة، لكن عندما تغيرت الأوضاع أصبحت الكانطية الجديدة

(24)

تقليعةً، وبالخصوص بفضل مواقف كانط من الدين والعلم. أصبح روادها من كبار الأساتذة في الجامعات الألمانية، وبهذه الطريقة غرست جذورها في الفضاء الأكاديمي الألماني، الذي عرف توسيعًا كبيرًا له وأصبح الطلب على الأساتذة الجامعيين كبيرًا. إضافةً إلى هذا كانت الليبرالية قد وصلت إلى مستوًى مقبولٍ، ومعلومٌ أن أغلبية الكانطيين الجدد كانوا ذوي ميولاتٍ ليبراليةٍ.

الجزء الثاني: تعريف الكانطية الجديدة

لا يوجد تعريفٌ موحدٌ للكانطية الجديدة، لا فقط لكثرة مدارسها، بل لإمكانية تقديمها بطرقٍ مختلفةٍ، كما أكد على ذلك طوماتس كوباليكا[1]. فهناك الكثير من الباحثين الذين يشتغلون على الكانطية الجديدة، في محاولةٍ لتحديدها، لكن لا يمكن لأيٍّ منهم البرهنة على أن أقواله في هذا الإطار نهائيةٌ وغيرُ قابلةٍ للدّحض أو للنقاش. وتبدأ الصعوبات في محاولة التحديد التاريخي الدقيق لبداية ونهاية الكانطية الجديدة. وتتمثل الصعوبة الإضافية في صعوبة التمييز بين الكانطية الجديدة وتياراتٍ فلسفيةٍ أخرى معاصرةٍ كالهيغلية والفينومينولوجيا والفلسفة التحليلية إلخ. وتتعقد الأمور أكثر عندما يُحاول المرء شرح ظاهرة ظهور مختلف أنواع الكانطية الجديدة ومساراتها ومراحل تطورها وتحديد تشكيل أعضائها. ويشهد الإعلان عن جائزةٍ[2] كانت الجمعية الألمانية لكانط أعلنت عنها

(25)

عام 1918 عن الصعوبة الجمة لتحديد مفهوم «الكانطية الجديدة». كان موضوع الجائزة يدور حول: «التاريخ النقدي للكانطية الجديدة من بداياتها حتى اليوم»[1]. أجَّل المرء تاريخ تسليم الأعمال مرتين متتابعتين إلى حدود عام 1923، واستُغنِيَ عن الجائزة لعدم تقديم أيِّ عملٍ لنيلها. وإن دل هذا على شيءٍ، في اعتقادنا، فإنما يدل على الصعوبة الجمة لإعطاء تعريفٍ إجرائيٍّ دقيقٍ لمصطلح الكانطية الجديدة.

الجزء الثالث: ظهور مصطلح الكانطية الجديدة

قد يكون كتاب شوبنهاور «العالم إرادةٌ وتصوُّرٌ» وكتابه الآخر «نقد نقد العقل الخالص»[2] الخطوة الأولى لما اصطلح عليه لاحقًا بالكانطية الجديدة. ويطلق هذا المصطلح على تلك الاتجاهات الفلسفية التي تنادي بالعودة إلى روح فلسفة كانط.

تُطلقَ عبارة الكانطية بصفةٍ عامةٍ على المواقف أو الإتجاهات الفلسفية التي تُعتبر منتميةً لكانط بطريقةٍ مباشرةٍ، وتعبر عن ذلك صراحةً. وهناك مجموعاتٌ مختلفةٌ تٌعتبر كذلك:

1. التلامذة المباشرون لكانط، ممن نشروا فلسفته مثل Marcus Herz, Gottlob Benjamin Jنsche, Carl Christian Erhard Schmid, Johann Gottfried Kiesewetter, Wilhelm Traugott Krug وبالخصوص Friedrich Gottlob Born.

(26)

2. الفلاسفة الذين اشتغلوا بطريقةٍ مكثفةٍ على فلسفة كانط، حتى وإن حدثت في دراساتهم بعض التغييرات مثل Carl Leonhard Reinhold, Jakob Friedrich Fries, Salomon Maimon, Friedrich Eduard Beneke.

3. الكانطيون الجدد للنصف الثاني من القرن التاسع، وخاصة المنتمين لمدرسة بادن ومدرسة ماربورغ.

4. النقديون، إما أنهم كانوا في صفوف الكانطية الجديدة واستقلوا عنها، أو اشتغلوا باستقلال عنها منذ البداية.

5. الباحثون المتخصصون المعاصرون، الذين يرجعون إلى فلسفته بصفةٍ عامةٍ أو جانبٍ محددٍ منها لدراسته بعمقٍ مثل . Henry E. Allison, Rainer Brandt, Paul Guyer, Dieter Henrich, Otfried Hِffe, Helmut Holzhey, Gerold Prauss, Dieter Schِnecker, Dietmar Heidemann.

6. وهناك ممثلون آخرون للكانطية مثل Friedrich Karl Forberg, Eric Weil, Jean Ferrari, Claude Piché, Monique Castillo, Robert Theis..

بدأ تداول مصطلح «الكانطية الجديدة» في ألمانيا منذ حوالي عام 1875. وعرفت منذ بدايتها اتجاهاتٍ متعددةً. ما يجمعها هو رجوعها كلها للإرث الفلسفي الكانطي الكبير، لا لإحيائه والمحافظة عليه، بل لدراسته في عمقه ونقده، ولربما تطويره: «لم تتطلع أبداً إلى شيء أكثر من العودة إلى روح كانط، ولم

(27)

تسع على الإطلاق إلى إحياء نظامه الفلسفي برمته»[1]. وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد هناك تحديدٌ قارٌّ لمصطلح «الكانطية الجديدة». فتراوغوت كونستانتين أوسترياخ Traugott Konstantin Oesterreich  مثلا، يتحدث عن سبعة اتجاهاتٍ[2]: الاتجاه الفيزيولوجي الممثل من طرف هلمهولتز ولانغي Helmholtz, Lange، والاتجاه الميتافيزيقي الممثل من طرف ليبمان وفولكلت Liebmann, Volkelt والاتجاه الواقعي الممثل من طرف ريهل Riehl والاتجاه المنطقي الممثل من طرف كوهن وناتورب وكاسيرر Cohen, Natorp, Cassirer (أصحاب مدرسة ماربورغ Marburger Schule) ونظرية القيم النقدية الممثلة من طرف فيندلباند، ريكرت، مونستربيرغ Windelband, Rickert, Münsterberg (ممثلي مدرسة بادن) واتجاه التعديل النسبي للنقدية، ممثلة من طرف سيمل Simmel والاتجاه السيكولوجي/النفساني، الممثل من طرف نيلسون وآخرون. بمعنى أن الكانطية الجديدة عرفت العديد من المدارس والمدارس الفرعية، وهناك اثنتان منهما فقط عُرفتا على نطاقٍ واسعٍ، لاستمراريتهما وتأثيرهما: «مدرسة بادن أو هايدلبيرغ أو ألمانيا الجنوبية الشرقية» -وهي كلها أسماء أطلقت عليها- و«مدرسة ماربورغ».

هناك إجماعٌ شبهُ عامٍّ عند الفلاسفة الناطقين بالألمانية

(28)

(الجرمانيين) وجمهور المهتمين بالفلسفة الألمانية عموماً[1]، وخاصّة المتخصصين منهم، على كون ظهور الكانطية الجديدة كان تعبيرًا على أزمةٍ حقيقيةٍ للفكر الألماني، الذي وجد نفسه مستمرًّا في السباحة في مثاليةٍ موروثةٍ، في الوقت التي «هاجمت» تياراتٌ فلسفيةٌ أخرى الصوامع الهادئة للتفكير المثالي هذا. وكان الهدف الرئيسي للبوادر الأولى للتيار الكانطي الجديد هي محاولة التوفيق بين العلوم الطبيعية والفكر المثالي القديم. وتعتبر هذه المحاولة ردًّا صريحًا على اختيار «دائرة فيينا» تجاوز، بل ولربما مقاومة، المثالية الألمانية باختيارها هدم الميتافيزيقا والتركيز على فلسفة العلوم. ومن بين أهم من انتبه إلى الخطر المحدق بالفلسفة المثالية نذكر بالخصوص كلًّا من فيخنر Fechner ولوتسا Lotze وأوطو ليبمان Liebmann. ينطلق كلٌّ منهم من العلوم الطبيعية، وكانت لهم علاقةٌ خاصةٌ بما نصطلح عليه حاليًّا العلوم الإنسانية، وبالخصوص الموضوع الفلسفي الأهم عندهما: العلاقة بين الروح والجسد.

لم يكن النداء إلى «الرجوع إلى كانط» رجوعًا عاديًّا، بل دعوةً لتعميق الفلسفة الكانطية في اتجاهين أساسيين: في اتجاه «عقلنة» الدين (كوهن) وفي اتجاه بناء نظريةٍ معرفيةٍ/إبستمولوجيّه (كاسيرر).

بعد انهيار المثالية التأملية أصبح الإلحاح قويًّا للرجوع إلى «نقدية» كانط، للخروج بالفلسفة من وضعها الحرج، لأنه يساعد في الوقت نفسه على التفكير في العلوم وفي مكانة العقل في الفكر

(29)

الإنساني. وعلى الرغم من أن كانط اهتم في فلسفته بميادينَ عديدةٍ، فإن اهتمامه بالعلوم الطبيعية كان قويًّا أيضًا، على خلافٍ تامٍّ مع المثالية التأملية التي كانت تدّعي بأنها قضت عليها. وللتجربة Erfahrung في الفهم الكانطي، باعتبارها تجربةً مَعيشةً، أهميةٌ مركزيةٌ بالنسبة لكانط، خصوصًا إذا استحضرنا للذهن أن هذه التجربة تبقى متوافقةً مع العلوم الطبيعية ومنهجها. وعلى عكس الهيغلية، فإن كانط لم يزعم معرفة الأشياء في كليتها، ولم يرجع إلى الدوغمائية التأملية، بل إن «طغيان» هذه الأخيرة هو الذي شجّع أيضا على ظهور الكانطية الجديدة. والشيءُ نفسُه يمكن أن يُقال عن الدوغمائية المادية، ذلك أن الفلسفة الكانطية نجحت إلى حدودٍ بعيدةٍ في إعادة الاعتبار للذات المفكرة وللتجربة في الوقت نفسِه.

من غير المشروع إذًا توهم «الرجوع إلى كانط» كرجوعٍ إلى الكانطية الخالصة، لكنه كان رجوعاً إلى نتائجها النهائية لفتح ممراتٍ جديدة ومساربَ عديدةٍ في طريق التفكير الفلسفي. فالتطور الكبير للفيزياء منذ نيوتن، بالرجوع إلى الرياضيات، وظهور النسبية والفيزياء الكوانطية، والتقدم الهائل للبيولوجيا، منح الكانطية الجديدة برنامجَ عملٍ يتمثل في إعادة النطر في نظريات كانط على ضوء كل هذا التطور العلمي وتكييفها إذا اقتضى الأمر ذلك.

إضافةً إلى هذا فمن الأسباب الحاسمة للنداء بالرجوع إلى كانط، على حساب كل ما بنته الهيغلية والهيغلية الجديدة، كانت هناك كذلك الأزمات السياسية المتعاقبة بين مختلف الدويلات الألمانية، بروسيا والنمسا، وبروسيا وفرنسا. بمعنى أن الحاجة إلى

(30)

الرجوع إلى فلسفة التنوير كما عبر عنها كانط[1] أصبحت في ذلك الوقت ملحةً، أي الرّجوع إلى فلسفة تحريرٍ داخليةٍ، لا إلى هيغل وشلينغ وفيخته، الذين كانوا يُعتبرون سلطويين.

اهتمت الكانطية الجديدة بكانط بالتمييز بين نتائج ما توصل له هو نفسه والمنهج الذي استعمله للوصول إلى ذلك، مؤكدةً على أن المنهج يبقى صحيحًا باستقلالٍ عن تطور النظريات العلمية، بحيث إنه منهجٌ يسمح بتوحيد مختلف الميادين العلمية وإعطاء معنًى للإنسان عن طريق هذه الوحدة. بمعنى أن الكانطية الجديدة تعتبر الأسئلة الكانطية المشهورة: «ماذا يمكنني معرفته؟»، «ماذا يمكنني تمنيه؟»، و«ماذا عليَّ عمله؟» صالحةً «أزليًّا». وللإشارة فإن الكانطية الجديدة اهتمت بالسؤال الأول بصورةٍ خاصةٍ وحيَّنَتْه، مُعتبرةَ إشكالية شروط العلم وتركيبها من اختصاص الفلسفة وميدان عملها بامتيازٍ. إضافةً إلى هذا فإن الخطوة النقدية لم تكن عند الكانطية الجديدة لحظةً بسيطةً في تاريخ الفلسفة، بل اعتبرتها مُكَوِّنًا من مكوناتها الأساسية.

(31)
(32)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

بواكر الكانطية الجديدة

 

(33)

الفصل الثاني: بواكر الكانطية الجديدة

1. فريدريك أدولف تريندلينبورغ
  Friedrich Adolf Trendelenburg 

هناك في تاريخ الفلسفة الألمانية للقرن التاسع عشر فيلسوفٌ غيرُ معروفٍ، كان نقده لهيغل لا يُناقش، كما أن نقده لكانط كان، إضافةً إلى مساهمة كونو فيشرKuno Fischer، أكبر عملٍ أدى إلى ظهور الاتجاهات الفلسفية المختلفة للكانطية الجديدة. وكان نشر أهم مؤلَّفٍ له: «بحوثٌ منطقيةٌ Logische Untersuchungen» (1840) بمثابة بداية تاريخ الحركة الجديدة لنظرية المعرفة والنظرية العلمية في ألمانيا.

وكان هذا الفيلسوف الكبير غير المعروف أستاذَ مجموعةٍ مهمةٍ من الفلاسفة الألمان ومنهم على الخصوص برينطانو Brentano، كوهن Cohen، ديلتي Dilthey، دورينغ Dühring، أويكن Eucken، برانتل Prantl، أوبرفيغ Ueberweg، يورغن بونا مِيِير Jürgen Bona Meyer ويتعلق الأمر ب فريدريك أدولف تريندلينبورغ، الذي يُعتبر حلقة وصلٍ بين كانط والكانطيين الجدد.

تتلمذ تريندلينبورغ على يد كارل ليونارد راينهولد Karl Leonhard Reinhold، الذي يرجع الفضل له في نشر الفلسفة الكانطية في ألمانيا، الفضل نفسه في هذا الإطار يرجع إلى الأستاذ الثاني لتريندلينبورغ إيريك فون بيرغر Erich von Berger -كان تلميذ فيخته-.

(34)

في وقتٍ كان يتسم بأفول الاهتمام بفلاسفةٍ ألمانٍ كبارٍ في الجامعات العريقة للمدن الكبيرة مثل ياكوبي Jacobi وشيلر وراينهولد Reinhold وحتى كانط نفسه وفيخته وشيلنغ؛ كانت بعض المدن الصغيرة كأويتينر Eutiner مهد ظهور فلاسفةٍ اهتموا أيما اهتمامٍ بكانط مثل يوهان هاينريك فوس Johann Heinrich Voss، غيورغ لودفيغ كونيغ Georg Ludwig Kِnig، فريدريك كارل فولف Friedrich Carl Wolf، بوا Boie، تحت تأثير أو بفضل ومساعدة كارل ليونارد راينهولد وإيريك فون بيرغر في مدينة كيل Kiel وفريس Fries في مدينة يينا Jena وهيربارت Herbart في مدينة غوتينغن. ويؤكد كونكا Kِhnke في هذا الإطار على أهمية تريندلينبورغ كباكورةٍ للكانطية الجديدة بقوله: «كان تريندلينبورغ مصمم/مهندس الفهم الفلسفي الكانطي الجديد والنظرية العلمية»[1].

2. فيخنر

دافع فيخنر (1801 – 1887) في كتابه «تزيند-أفيستا» أو «حول أمور السماء والآخرة»[2] على الميتافيزيقا معتبرًا إياها علمًا حقًّا، تؤسس حاجة الإنسان للاعتقاد بمبدأ الخير والعدل. ويحاول البرهنة على هذا الأمر بالقول بأن الإنسان دائم البحث عن هذا المبدأ، وليس هناك اختيارَ آخرُ له من غير الاستمرار في بحثه هذا.

(35)

كما أنه كان يرى بأن المنهج الاستنباطي الذي تستعمله الميتافيزيقا في دراساتها لمواضيعها لا يقل أهميةً عن المنهج الاستقرائي للعلوم الطبيعية، بما في ذلك الرياضيات والفيزياء إلخ.

اشتهر فيخنر كمؤسس علم النفس الفيزيقي (الجسدي)، وكان كتابه «عناصر علم النفس الفيزيائيElemente der Psychophysik «(1860) أول مُؤَلَّفٍ منظَّمٍ في علم النفس مبنيٍّ على الرياضيات. كان همه الأساس هو البرهنة على علمية تخصصه والدفاع عن مبدأ العلاقة بين العالم الفيزيقي والعالم النفسي، ومن خلال هذه العلاقة إثبات العلاقة بين النفس والجسد. وحاول حل التعارض بينهما بما سماه «التوازي Parallelism  النفس-فيزيقي»، أي التأكيد على علاقة التأثير المتبادل بينهما. وهو صاحب قانون «فيبر - فيخنر للإحساس». يربط هذا القانون بين المثير والإحساس بمعادلةٍ رياضيةٍ مفادها أن شدة الإحساس تتناسب تناسباً طرديّاً مع لوغاريتم شدة المثير. بمعنى أن الزيادة في شدة المثير تؤدى إلى الزيادة في شدة الإحساس.

3. هيرمان لوتسا

درس هيرمان لوتسا Hermann Lotze (1817 – 1881) العلوم الطبيعية والطب[1]، ولم يكتب إلى أن بلغ من العمر 35 سنةً إلا كتبًا في هذا الميدان. إلى جانب مؤهلاته العلمية كانت له مؤهلاتٌ فلسفيةٌ كذلك؛ اُعتُبر إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية أهمَّ ميتافيزيقيٍّ ألمانيٍّ بعد هيغل، وكان يُقر بأن لايبنتز Leibniz هو فيلسوفه المفضل. ناقشه كلٌّ من الفيلسوف يوهان فريديريك

(36)

هيربارت Johann Friedrich Herbart ونظيره كريستيان هيرمان فايسا Christian Hermann Weisse في أفكاره الفلسفية. حاول باستمرارٍ التوفيق بين الفلسفة والعلوم والمنطق[1] والميتافيزيقا[2]. كما حاول في دراساته المتأخرة القيام بنوعٍ من الوحدة بين الاتجاهات الفلسفية المختلفة، لربما كجوابٍ على محاولة دائرة فيينا المتمثلة في النداء إلى «وحدة العلوم». لم يقتصر تأثيره على الكانطية الجديدة فقط، بل تعداه إلى الهيغلية المحدثة في أنجلترا (ريتشل Ritschl) والبرغماتية الأمريكية والفينومينولوجيا ومدرسة ديلتي Dilthey. وللتذكير فإن لوتسا هو الذي أدخل مفهومَيْ «الصلاحية/الصحة/الصدق Geltung» و«القيمة Wert» في النقاشات الفلسفية[3]. ويذهب برونو باوخ Bruno Bauch إلى القول بأن هناك علاقةً بين منطق لوتسا وبعض المقاطع المهمة لفلسفة فريغي Gottlob Frege. ويبرر باوخ هذا الأمر باتفاقهما مثلاً على المعارضة النفسانية Antipsychologismus لنظرية الصحة وتأكيد لوتسا على إمكانية تأسيس الرياضيات على المنطق.

4. أوطو ليبمان

كان أوطو ليبمان Otto Liebmann [4] (1840-1912) أول من

(37)

رفع شعار «العودة إلى كانط «zurück zu Kant» فى كتابه «كانط والمقلدون» الذى نشر عام 1865، بحيث إن كل فصل من فصول هذا الكتاب ينتهى تقريبًا بقوله: «لذلك فمن الضرورى العودة إلى كانط Also muك auf Kant zurückgegangen werden» وهنا مقطعٌ منه: «إما أن المكان والزمان اُفتُرضا، إذا فالروح ليسَ مطلقًا. أو أن المكان والزمان لم يُفترضا مُطلقًا، إذًا فإنه خارج المكان وخارج الزمان، يعني أنه تصورٌ لا يمكن تصوره.

«الشيء في ذاته Ding ansich».

يحق لنا هنا تطبيق طريقتنا النقدية. إننا نرى بأن هيغل لا يفترض الفلسفة الكانطية بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ فقط، بما أنه يُتمم تخمينات فيخته وشلينغ، والتي لن تكون ممكنةً إلا بكانط، لكن أيضا بطريقةٍ مباشرةٍ، ما دامت الثنائية النقدية كخطوةٍ ضروريةٍ سابقةٍ في تطور الفلسفة وكمرفوعةٍ في فلسفة الهوية صالحةٍ في نظره.

إضافةً إلى هذا فقد كان يعرف جيدًا جدًّا «الشيء في ذاته» الكانطي وناقشه بتفصيلٍ. ومع ذلك فإنه لم يحذفه من الفلسفة الكانطية، بل سقط بنفسه في الخطأ نفسه، لأنه اعتبر روحه المطلق خارج المكان والزمان يُوجد في مجال «الشيء في ذاته».

إذًا فإنه لم يصحح الفلسفة الكانطية، ولهذا يجب الرجوع إلى كانط».

يستعرض ليبمان في هذا الكتاب فلسفة كانط ومن جاء بعده من الكانطيين، بحيث إنه يُقدم التعاليم الكانطية الرئيسية ونقائصها، ثم ينتقل إلى جانبها المثالي مع فيخته وشلينغ وهيغل، وينتقل إلى

(38)

جانبها الواقعي مع هيربارت Herbart. ويخصص حيزًا من الكتاب لفريز Fries كممثل للإتجاه التجريبي، قبل أن يختم بجزءٍ كاملٍ عن شوبنهاور كممثلٍ للاتجاه المتعالي في فلسفة كانط. بعد ذلك يقوم بنقدٍ لكل ممثلي كانط مجتمعين، محاولاً وضع الأصبع على هفواتهم في سوءِ فهم كانط، وتوغُّل جلِّهم في دوغمائيةٍ نظريةٍ، ومن ثَمَّ فإنّ مطالبته بالعودة إلى كانط، ليست تمجيدًا، بل نقدًا وتكميلاً، مستخرجًا بذلك ما سماه الميتافيزيقا النقدية. وكان روح الفلسفة المتعالية لكانط Transzendentalphilosophie «أزليًّا» وغير قابل للاندثار بالنسبة له. ولهذا السبب طالب بإعادة فهمه وإعادة تأسيسه والدفاع عنه ضد كل تجريبية كانطية. والحال أن ليبمان كان يرى في كانط أسمى مفكر جادت به ألمانيا على الإطلاق. وأكد بأن الشرط الأساسي لمجموع العالم الإمبريقي يوجد كمضمونٍ للتمثل في «الذات الواعية الخاصة بذكاء العنصر البشري». وطبقا لليبمان، فإننا نعرف ونتعرف على العالم فقط بالطريقة التي ننظم بها ملكاتنا المعرفية.

كما أن معرفة الواقع كما هو So-Sein للحقيقة، لا تقدم لنا في نظر ليبمان ضرورةً في الواقع أبدًا. وكان يعتبر التجربة الخالصة من باب الخيال النظري، لأنه كان يرى بأن التجربة هي هديةٌ من الفهم/العقل. فواقعةٌ ما تكون حقيقيةً/صحيحةً فقط عندما تكون قانونًا. لم تكن «ميتافيزيقاه النقدية» علمًا للرموز، لكنها كانت شروحًا تخمينيةً للتمثل الإنساني في ما يخص السبب والجوهر والعلاقة المتبادلة بين كل الأشياء. ولم تكن مفاهيم هذه الميتافيزيقا النقدية لليبمان من طبيعة المفاهيم الدوغمائية الأنطولوجية، لكن تعبيرًا

(39)

عن تأويلٍ منطقيٍّ حاسمٍ للتجربة. من هذا المنطلق، وكما أكد على ذلك فيندلباند Windelband فإن ليبمان كان من أكثر الأوفياء لكانط. فقد قاد فلسفة كانط إلى ميتافيزيقا نقديةٍ، وأظهر بأن الطريقة النقدية تتطلب أيضا مناقشةً مضامينيةً للواقع. ولم تُقدم فلسفته في هذا الإطار أيَّ أجوبةٍ وحلولٍ جاهزةٍ، لكنها فتحت إمكانية الدخول إلى غنى العالم والفكر في داخل حدود العقل. فقد خصص حياته للعرض الحيوي للفكر الكانطي الأساسي واستمراره.

 

(40)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

المدارس الثلاثة الرئيسية

للكانطية الجديدة

(41)

الفصل الثالث:

 المدارس الثلاثة الرئيسية للكانطية الجديدة

الجزء الأول: مدرسة بادن

تعتبر مدرسةُ بادن أو مدرسة ألمانيا الجنوبية الشرقية للكانطية الجديدة Südwestdeutsche Schule des Neukantianismus -تسمى كذلك مدرسة هايدلبرغ Die Heidelberger Schule- اتجاهًا فلسفيًّا للكانطية الجديدة دُرِّست بين 1890 و1930 وبالخصوص في فرايبورغ وهايدلبرغ الألمانيتين وستراسبورغ الفرنسية (كانت آنذاك تابعة لألمانيا). ومن أهم ممثليها كان هناك فيلهيلم فيندلباند وتلميذه هاينريك ريكرت.

ظهرت مدرسة بادن حوالي عام 1890، وركزت على القيم بالخصوص، وطوّر أتباعها مفهوم ومنهج العلوم الإنسانية، ابتداءً من فيندلباند، الذي فهم الفلسفة كدراسةٍ للقيم المعترف بها والمتعارف عليها عمومًا، يعني الحقيقة في التفكير والخير في الإرادة والسلوك والجمال في الإحساس. كما أنه كان يعتبر فهم كانط، تجاوزًا له كذلك.

كانت نقطةُ انطلاق هذه المدرسة هي ثنائيةَ طرق البحث، والتي تحدد علوم الطبيعة كباحثة على القوانين العامة nomothetisch والعلوم الإنسانية كواصفةٍ وفرديةٍ idiographisch. شارك ممثلو مدرسة بادن في مناقشة تحديد «مصطلح» و«طريقة» العلوم

(42)

الإنسانية، بينما ركز ممثلو مدرسة ماربورغ Marburg للكانطية الجديدة، على نظرية معرفة قبلية مُوجهة من طرف العلوم الطبيعية.

من بين ممثلي هذه المدرسة هناك هوغو مونستربيرغ Hugo Münsterberg، ماكس فيبر Max Weber، يوناس كوهن Jonas Cohn، إيميل لاسك Emil Lask، برونو باوخ Bruno Bauch، غوستاف رادبروخ Gustav Radbruch، هيلموت بليسنر Helmuth Plessner، أوجين هيريغل Eugen Herrigel.

كان لمدرسة بادن تأثيرٌ كبيرٌ  في الفكر الألماني في القرن العشرين، بفضل أساتذة جامعتَيْ هيدلبرغ وفرايبورغ. ركّزت المدرسة اهتمامها على تبرير التناقض بين العلوم الطبيعية ونظيرتها الاجتماعية على أساس التمييز الكانطي بين العقل العملي والعقل النظري وعلى أساس محاولة إظهار استحالة المعرفة العلمية للظواهر الإجتماعية. وقد عارضت المدرسة المنهج التاريخي بالمنهج العلمي الطبيعي، واعتبرت التاريخ هو علم الوقائع الفردية للتطور. فالعلم الطبيعي هو إدراك العام والتاريخ إدراك الفردي. كما تضع هذه المدرسة الوجود نقيضاً للضرورة. ونظرًا لأهمية أفكار هذا الاتجاه الكانطي الجديد، نقدم في ما يلي باختصارٍ ممثليه، دون التعمق في آرائهم، لأننا سنقوم بتركيبٍ عامٍّ لها في نقطةٍ لاحقةٍ من هذا البحث.

1. فيلهيلم فيندلباند Wilhelm Windelband

بدأ الفيلسوف الألماني فيندلباند (1915-1848) دراسة الطب والعلوم الطبيعية بجامعة يينا، ثم برلين ومنها إلى غوتينغن وأضاف

(43)

لهذه التخصصات التاريخ والفلسفة. حصل على الدوكتوراه بجامعة غوتينغن 1870 وحصل على درجة الأستاذية عام 1873 من جامعة لايبتزيغ Leipzig، حيث درس إلى سنة 1876، قبل الالتحاق للتدريس بجامعة زيوريخ السويسرية ومنها إلى جامعة فرايبورغ عام 1877 ثم جامعة ستراسبورغ عام 1882، حيث بقي مدةً طويلةً، قبل أن يغادرها ليلتحق بجامعة هايدلبيرغ عام 1903 ليشغل الكرسي الذي كان كونو فيشر يشغله بتلك الجامعة، ويُتمم نشاطه العلمي، الذي توّجه بنشر مجموعةٍ من الكتب القيمة في الفلسفة[1].

بدأ فيندلباند مشواره الفكري كمؤرخٍ للفلسفة، وكان هرمان

(44)

لوتسا Hermann Lotze أحد أساتذته. يميز كانط بين ميدان الواقع/الوجود، الذي تتم معرفته عن طريق شروطٍ معرفيةٍ واقعيةٍ quaestio facti، وبين ميدان الفعل، الذي يقدم إمكانية معرفته من خلال شروط فاعلة quaestio iuris، بينما يقدم لوتسا Lotze هذين الميدانين بتبعيةٍ متبادلةٍ بينهما. لكن فيندلباند يعكس العلاقة بين الميدانين، بتأكيده على أنه يجب اعتبار كل حقيقةٍ واقعيةٍ، إذا اُستُخرِج منها مسبقًا حكمٌ صحيحٌ.

ركز فيندلباند اهتمامه على رسم الحدود بين العلوم الطبيعية والعلوم الثقافية (العلوم الإنسانية). تستعمل الأولى الطريقة nomothetisch [1]، يعني أنها تصف موضوعها عن طريق قوانينَ عامةٍ. أما العلوم الإنسانية فإنها تستعمل الطريقة idiographisch [2]، لأن الأمر يتعلق فيها، حسب فيندلباند، بأفرادٍ فريدين وخاصّين في طبيعتهم. هناك تمييزٌ واضحٌ عنده بين العلوم المعيارية (الإنسانية) والعلوم الوصفية (الطبيعية)[3].

نفر فيندلباند من الموقف الذي يعتبر الواقع كفكرٍ خالصٍ، كما مثلها كوهن مثلا، بتأكيده على إشكالية القيم كمشكلةٍ إبستيمولوجيةٍ للواقع التجريبي.

تدرس «العلوم واضعة القوانين» ما يتكرر على نمطٍ واحدٍ بينما

(45)

تدرس «العلوم المصورة للأفكار»، العلوم الإنسانية مثلاً، ما حدث مرةً ولا يحدث مرةً أخرى. هدف العالم التجريبي هي المعرفة، هذه غاية العلم، أما المؤرخ فإنه يسعى إلى التقويم، من هنا يمكن اعتبار التاريخ من علوم القيم. فالأحكام الأخلاقية التي يصدرها المؤرخون (حكم التاريخ) تجعل هذا العلم قريبًا من علم الأخلاق.

2. هاينريك ريكرت Heinrich John Rickert

كان ريكرت (1936-1863) ثاني مؤسسٍ لمدرسة بادن بعد فيندلباند. بدأ دراسة الفلسفة بجامعة ستراسبورغ عام 1885، وكان تلميذًا مباشرًا لفيندلباند، كما دَرَس أيضا الاقتصاد والفيزيولوجيا. وحصل على الدكتورة برسالةٍ تحت عنوان: «حول تعاليم التعريف» تحت إشراف فيندلباند. حصل على الأستاذية بجامعة فرايبورغ برسالةٍ تحت عنوان: «موضوع المعرفة» تحت إشراف ألوايس ريهل Alois Riehl عام 1901، وبدأ التدريس بتلك الجامعة منذ ذلك الوقت. كان مارتين هايدغر أحد طلبته، وهو الذي كان مشرفًا على رسالة أطروحته حول دونس سكوتوس (1915)، ويُقال أن ريكرت لم يقرأ هذه الأطروحة[1].

انتقل ريكرت عام 1915 ليخلف فيندلباند بجامعة هايدلبيرغ، وكان هوسرل هو الذي عوضه في فرايبورغ. من بين من تتلمذ على يد ريكرت، بغض النظر عن هايدغر، كان هناك برونو باوخ Bruno Bauch وإيميل لاسك Emil Lask وفلاسفةٌ ألمانٌ آخرون[2].

(46)

كانت نقطة انطلاق ريكرت في ما يخص الكانطية الجديدة تتمثل في موضوعية العلوم بمعارفَ صحيحةٍ، سواءً أتعلق الأمر بعلوم الطبيعة أم ما كان يسمى أنذاك (علوم الثقافة -العلوم الإنسانية). وعوّض ريكرت منهج التقابل بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية الذي سبق أن أشرنا له لفيندلباند بتمييزٍ نسبيٍّ بين العلوم المُعَمِّمَة والعلوم الفردانية. ودافع في نظرية المعرفة على الترنسندالتية المثالية، التي قد تتطابق مع الواقعية التجريبية للعلوم كل واحدٍ على حدةٍ.

أما موضوع الفلسفة عنده فهو مجموع العالم («Weltallswissenschaft») في معنى فكرةٍ يجب تحقيقها. فالفلسفة كـ «نظريةٍ

(47)

شاملةٍ لمجموع الحياة الثقافية»[1] تحقق بطريقةٍ موضوعيةٍ «نسقًا من القيم»، بأخذها بعين الإعتبار المحدودية التاريخية للإنسان كإنسانٍ. وعن طريق ملاحظة التاريخ يجب تجاوز التاريخانية. وتهدف نظرية القيم عنده إلى تجاوز الأخلاق الكانطية، مع الاحتفاظ بالمبدأ النقدي. وبهذا فإن الفلسفة عنده، ليست فقط «تصورًا للعالم»، لأنها خاليةٌ من متطلبات الحياة الصدفوية.

يقف ريكرت، وبالخصوص في كتابه «Das Eine, die Einheit und die Eins» (الواحد، الوحدة وواحد) المنشور عام 1911، ضد ممثلي الرياضيات المنطقية. وكان ينبه إلى خطر «الريضنة المنطقية Mathematizismus» -أي اعتبار كلِّ شيءٍ رياضياتٍ وحسابٍ-. ولم يكن يرى هذا الخطر في الحركات العقلانية فقط، بل كذلك في الحركات الفينومينولوجية والضد عقلانية بصفةٍ عامةٍ. ويشخص ريكيرت الخطر في تأكيده بأن خاصية المنطق تكمن في خطر خلطه بالرياضيات. ولا يوجد أيُّ حلٍّ في نظره من غير التمييز الدقيق بين الإثنين. إضافةً إلى هذا كان ريكيرت معاديًا للفينومينولوجيا كما طورها هوسرل وهايدغر وللفلسفة الوجودية كما نظر لها ياسبرس ولفلسفة الحياة كما نجدها عند هنري بيرغسون Henri Bergson.

كان ريكرت يمثل مثاليةً متعاليةً، وكان يعتقد ضرورة تطابق هذه الأخيرة مع الواقعية التجريبية للعلوم كلّ واحدٍ على حدةٍ، كما دافع عن فكرة كون الواجب Sollen المتعالي هو الذي يحدد موضوع المعرفة لا قيمة صحة الوجود Sein، كما يقول في كتابه «موضوع المعرفة»: «لا وجود للمنطقي، لكنه صالحٌ Das Logische exi

(48)

stiert nicht, sondern es gilt»[1] . فالاعتراف بالواجب Sollen يمنح لأفعال الأحكام صحتها. فالقرار/الحكم/القضاء Urteilen هو دائمًا إبداءٌ لرأيٍ/تقديرٍ/حكمٍ Beurteilen، ومن ثَمَّ التقويم والتقدير Werten.

قدم ريكرت إذًا، بالرجوع إلى كانط، مثاليةً متعاليةً في نظرية معرفته، يتوافق مع الواقعية التجريبية للعلوم المأخوذة منفردةً وبمعزلٍ عن العلوم الأخرى؛ على الرغم من أنه افترض بأن الواجب المتعالي كموضوعٍ للمعرفة.

3. هوغو مونستيربيرغ Hugo Münsterberg

دَرَسَ هوغو مونستيربيرغ (1916-1863) الفلسفة والسيكولوجيا والطب، وتخرج عام 1885 من جامعة لايبتزيغ، وكان عنوان أطروحته هو: «تعالييم التأقلم في تطورها، تطبيقها ومعناها»، وكان مؤسس السيكولوجيا كعلمٍ قائمٍ بذاته، فيلهيلم فونت Wilhelm Wundt، الأستاذ الذي أشرف على أطروحته. حصل على شهادة الدكتورة في الطب من جامعة هايدلبيرغ وعلى شهادة الأستاذية من جامعة فرايبورغ ببحثٍ حول: «فعل الإرادة»، حيث حاول دراسة العمليات العضوية التي تُترجم قرارات الإرادة إلى فِعْلٍ. وانتقد التنوع الكبير للنظريات في هذا الميدان واعتبره علامة على عدم معرفة الباحث الطبيعي. ونبّه إلى أن المرء لا يعرف عن الإرادة أهم حاجةٍ، ألا وهي إنتاجها «لطاقةٍ لانهائيةٍ من كتلةٍ لانهائيةٍ». وكباقي معاصريه، كان مونستربيرغ يعتقد بأن «ميكانيكا الذرة» ستشرح الكثير من الأمور

(49)

في المستقبل. في العمق كان بحثُه هذا تقريرًا رزينًا ومعقولًا عما وصل إليه مستوى العلم في ما يخص: «العلاقة الدقيقة بين العصب المحرك والعضلات من جهةٍ، والعضو المركزي (المخ) من جهةٍ أخرى».

أسّس، في الوقت الذي درس فيه في جامعة فرايبورغ من 1888 إلى 1892، مختبرًا سيكولوجيًّا. وجذبت أعماله الإمبريقية الكثيرة في هذا الميدان الكثير من الطلبة، ومن بينهم الكثير من الولايات المتحدة الأمريكية. وحتى وإن كان فيندلباند وريهل Riehl  قبله يقدمان محاضراتٍ في السيكولوجيا والسيكولوجيا الفيزيقية، فإن المرور إلى السيكولوجيا التجريبية لم يتم إلا مع مونستربيرغ. ومن تم أدخلت الجامعة إلى مقررات دراستها «الدراسات السيكولوجية التجريبية» للطلبة المبتدئين ومن تقدمهم في الدراسة على حدٍّ سواءٍ، ومحاضراتٍ حول «السيكولوجيا العامة» و«السيكولوجيا والسيكولوجيا الاجتماعية» و«التنويم المغناطيسي». للإشارة فقد كان مونستربيرغ ضد التحليل النفسي، لأن اللاوعي والشبق/التنزع Trieb لم يكونا ينتميان في نظره إلى علم النفس، ذلك أنه كان يرى بأن حياة الغرائز تندرج في «الغرائز Instinkt» وكما يقول في كتابه «الخصائص الأساسية للسيكولوجيا»: «لا يوجد أيُّ معنًى لمفهوم الغرائز اليوم لا في الفيزيولوجيا ولا في السيكولوجيا، إنه مصطلحٌ بيولوجيٌّ خالصٌ»[1]. وللإشارة فإن ماكس فيبر اعتمد على هذا الكتاب في تأسيس جزء من نظريته السوسيولوجية وفي علوم الثقافة.

كان وليام جيمس William James سببا في قبول مونستربيرغ

(50)

كمحاضرٍ زائرٍ بجامعة هارفارد بين 1892 و 1894. وبعد 1897 استقر نهائيًّا في أمريكا، ليساهم في تأسيس السيكولوجيا التجريبية، محققًا بذلك رغبة جيمس في هذا الأمر. وبعد مرحلة التأسيس هذه، ركز مونستربيرغ اهتمامه على ما سُمي أنذاك بالسيكولوجيا التقنية، التي طور من خلالها السيكولوجية التطبيقية، بالتعاون مع كلٍّ من وليام شتيرن William Stern وفالتر ديل سكوت وجون موريس لاي.

اهتم مونستربيرغ بنظرية المعرفة العامة فلسفيًّا، باعتباره كانطيًّا جديدًا، ومنها العلاقة بين العلوم الطبيعية ونظيرتها الإنسانية وبكيفية الاستنتاج والتأسيس الفلسفيين للقيم والأخلاق بصفةٍ عامةٍ. توفي عام 1916 وهو يحاضر، وترك الكثير من المؤلفات في السيكولوجيا والفلسفة والأخلاق[1].

4. ماكسيميليان كارل إيميل فيبر

 Maximilian Carl Emil Weber

بدأ ماكسيميليان كارل إيميل فيبر، المعروف باختصار بماكس فيبر (1920-1864)، دراسته عام 1882 في القانون والاقتصاد

(51)

والفلسفة والتاريخ بجامعات هايدلبيرغ، غوتينغن وبرلين. كان اهتمامه بالفلسفة جدَّ مبكرٍ، ذلك أنه قرأ بعض مؤلفات كلٍّ من شوبنهاور وسبينوزا وكانط في سن الثالثة عشر، إضافةً إلى بعض الكتب الأدبية لغوتية، إلا أنه تخصص في الاقتصاد، حيث حصل على الدكتوراه عام 1889 من جامعة برلين. وفي عام 1892 حصل على شهادة الأستاذية في التخصص نفسه من الجامعة نفسها. سنة بعد ذلك بدأ التدريس ببرلين، قبل أن يشتغل بجامعة فرايبورغ 1894 إلى 1896، ليغير إلى جامعة هايدلبيرغ؛ لكنه توقف نهائيًّا عن التدريس بسبب مرضٍ حل به عام 1903، على الرغم من محاولاتٍ عديدةٍ منه ومن جامعاتٍ عديدةٍ لمُعاودة التدريس.

شكل إرث الكانطية والكانطية الجديدة أرضيةً فلسفيةً مهمةً بالنسبة لفيبر. أطرت تصوراته وأفكاره في ما يخص المناهج المرتبطة بالتاريخ والاقتصاد والاجتماع، كما أنها شكلت الخلفية الأساسية لموضوعه الجوهري المتعلق بالعقلنة. من هنا لا يمكن فهم فيبر إلا من خلال التفكير الكانطي وما لحقه من تصورات الكانطية الجديدة.

كان للعقل مكانةٌ مهمةٌ في تفكير فيبر، وتتجسد هذه المكانة في القدرة على تجميع كل المعارف التاريخية المشتتة في إطار ما سماه «النمط المثالي» لتجميع واختيار المعلومات والمعطيات لتَيْسِير عقلنتها. فالعقل الفيبري يبحث عن الوحدة داخل التعدد. وبما أن العالم الخارجي يتمظهر في فوضًى وتشتُّتٍ وعدمِ نظامٍ، فإنّ مهمة العقل هي محاولة تشكيل وتنميط هذا العالم من خلال الفهم. يسير فيبر على خطى كانط في ما يخص تركيب العناصر وتنسيقها

(52)

وانتقائها، إذ يستند إلى مفهوم الدلالة الثقافية. وهذه الأخيرة هي الأفكار أو القيم التي يرتبط بها موضوعٌ أو ظاهرةٌ إنسانيةٌ ما.

يتصور فيبر النمط المثالي كـ: «مجرد لوحةٍ أو جدولٍ من الأفكار. إنه ليس الواقع التاريخي وليس أيضا الواقع الفعلي، بل يصلح كخطاطةٍ يتم من خلالها تنظيم وترتيب الواقع. إنه المثل أو النموذج الذي لا أهمية له من غير كونه تصوُّرًا محدودًا مثاليًّا خالصًا، من خلاله نقيس الواقع لتوضيح المضمون الاختياري لبعض العناصر المهمة التي تقارنه بها»[1]. بمعنى أننا أمام خطاطاتٍ وقوالبَ ذهنيةٍ يتم الاعتماد عليها في تركيب وتأليف عناصرِ حدثٍ ما. وما هو مهمٌّ داخل هذه الأداة هو عملية الانتقاء وترتيب الجوانب المهمة داخل عالم الوقائع، أكثر من كونها صورةً أو نسخةً لأيِّ جزءٍ من أجزاء أو عناصر هذا الواقع. ويزداد الأمر أكثر وضوحًا، وتظهر الصورة الكانطية لمفهوم وحدة الوعي، في قوله: «إنها ليست غايةً في ذاتها، إنها وسائلُ ذهنيةٌ تساعد العقل لكي يصبح سيدًا على المعطيات الطبيعية»[2].

إن السببية، في نظر فيبر، ليست غايةً، بل هي وسيلةٌ تُيَسِّرُ عملية الإسناد السببي لظاهرةٍ في ما يخص أهميتها من الناحية الثقافية أو الدلالية. فعوض الرجوع إلى طبيعة الوضع الذي يحتله الموضوع، فإن فيبر يرجع إلى بناء تمايزاتٍ وعلاقاتٍ نوعيةٍ هدفها، كما يقول، الانتقال من مستوى المعنى الظاهري إلى مجال الموضوع ذاته، بحيث تُعطَى الأولوية للمقولات التي ينطلق منها الباحث في بحثه.

(53)

5. يونس كون Jonas Cohn

درس كُون (1947-1869) في كلٍّ من جامعة لايبتزيغ هايدلبيرغ وبرلين وتخرج من هذه الأخيرة عام 1892 في تخصص علم النباتات. غادر العلوم الطبيعية إلى العلوم الإنسانية وحصل على درجة الأستاذية عام 1897 في الفلسفة والسيكولوجيا والبيداغوجيا بجامعة فرايبورغ، وكان فيندلباند هو المشرف على بحث أستاذيته. اشتغل بين 1897 و1933 كأستاذٍ بجامعة فرايبورغ، حيث عمل بمعهد السيكولوجيا. وتجدر الإشارة إلى أنه كان أستاذًا مساعدا لهوسرل سنة 1916. وفي عام 1933 أحيل على التقاعد الإجباري لأسبابٍ عنصريةٍ، وكان هايدغر حينها هو عميد الجامعة. وهاجر إلى أنجلترا عام 1939، حيث توفي عام 1947، مُخلِّفًا مجموعةً من المؤلفات المهمة[1].

(54)

مثل كون الكانطية الجديدة بالطريقة نفسها التي مثلها فيندلباند وريكرت. تبع الفلسفة الكانطية في فرضياته المعرفية النقدية، لكنه اعتبر الشكلانية الأخلاقية الكانطية كأساسٍ للإستيطيقا والأخلاق والبيداغوجيا غيرَ صالحةٍ. وفي مقابل ذلك طوّر نوعًا من «التعاليم الأخلاقية الدياليكتيكية». وعلى خلاف دياليكتيك هيغل، فإن دياليكتيك كون كان مفتوحًا، بمعنى أنه يتطور باستمرارٍ. وطبقًا لهذا كان يرى بأن السلوك الإنساني محدَّدٌ بالمعيشات والتجربة وبـ «الإنتاج الذاتي للوعي» المعياري. وللتذكير فإنّ الوعي كان مرسَّخًا في «المثالية المتعالية» في السابق.

اشتغل من بين ما اشتغل عليه في الفلسفة على المفاهيم، على اعتبار أنّ هذا الموضوع كان من الأهمية بمكان في الفلسفة، وبالخصوص في فلسفة الروح. وغالبًا ما يتعلق الأمر في المفاهيم بتصوُّرٍ مرتبطٍ بالتحديد الدقيق لمضمونه باسمٍ معيَّنٍ. وينطلق المرء عادةً من الاعتقاد بأن الأمر يتعلق ببناءٍ منطقيٍّ لهذا المفهوم أو ذاك. لكنّ كُون انطلق من مُسلَّمةٍ تتمثل في كون الفلاسفة، وككلِّ البشر الآخرين، يشتغلون أيضا بدون منطقٍ؛ بمعنى أنهم يربطون المفاهيم

(55)

بتجاربَ أو مشاعرَ. وينتج عن هذا بالنسبة للفلسفة ما يلي: «إن الاسم الذي يُمثل المصطلح يُربط ... بالكثير من التصورات الجانبية التي يصعب مراقبتها، ونتيجة هذا هو أنه يكتسب علاقةً بالحياة العاطفية أيضًا. يحصل على قيمةٍ عاطفيةٍ، دون أن يُقدّم للمفكر وعيًا واضحًا، ولكن له نتائجُ جدُّ مهمةٍ في تفكيره ... ويجعل هذا الوضع مهمة العرض الواضح للمبادئ القيمية السائدة ملحةً بالنسبة لكلِّ فلسفةٍ مستقبليةٍ»[1]. وتلعب الصيرورات الدياليكتية هنا دورًا مهمًّا أيضًا. ذلك أن الهدف الأسمى الذي كان كُون يتوخّاه كان يتمثل في ضمان تربيةٍ وتكوينٍ مَدْرَسِيٍّ للأطفال يُخوّل لهم استقلاليتهم في سن الرشد.

6. إيميل لاسك Emil Lask

بدأ لاسك (1915-1875) دراسته الجامعيّة عام 1894 بجامعة فرايبورغ في القانون، لكنه سرعان ما غيّر إلى الفلسفة. تتلمذ على يد كل من ريكرت وريهل Riehl وماكس فيبر. انتقل إلى جامعة ستراسبورغ عام 1896، وكان فيندلباند أستاذًا له. رجع إلى جامعة فرايبورغ من جديد عام 1891، وحصل على الدكتوراه بهذه الجامعة عام 1901 بأطروحةٍ تحت عنوان: «ميثالية فيختيه والتاريخ» تحت إشراف ريكرت. اهتم بين عام 1901 و 1905 بمناهج فقه القانون الوضعي وإشكاليات فلسفة القانون وقانون الدولة. وفي هذا الوقت تعرّف على غيورغ سيمل Georg Simmel. وفي سنة 1905 حصل

(56)

على الأستاذية بجامعة هايدلبيرغ تحت إشراف فيندلباند، ودرّس في هذه الجامعة بجانب أستاذه فيندلباند هذا، قبل أن يشغل كرسي كونو فيشر بعد تقاعده.

سبح لاسك في عالم الكانطية الجديدة في حلتها البادينية (نسبة إلى بادن) بين 1905 و 1915 حتى في علاقات صداقته، حيث كانت تربطه علاقةُ صداقةٍ متينةٌ مع كلٍّ من ماكس فيبر وزوجته ماريانا وغوستاف رادبروخ Gustav Radbruch وبطبيعة الحال مع ريكرت وزوجته صوفيا. وفي تلك الحقبة أيضا عكف على مؤلَّفَيْه الرئيسِيَّيْن «منطق الفلسفة وتعاليم الأصناف» (1911) و«تعاليم الحكم» (1912). توفي لاسك في ساحة الحرب أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1915.

انطلاقًا من اهتمامه بفلسفة الأخلاق عند ريكرت استفاد فكر لاسك أيضا من اقتراحاتٍ مهمةٍ من فينومينولوجيا هوسرل. وطور موقفًا فلسفيًّا خاصًّا به، عبّر فيه عن معارضته لريكرت الذي قال بأسبقية الأخلاق في المنطق. بدأ لاسك ببناء نسقه الفلسفي بتعاليم الأصناف في الكتابين السالفي الذكر[1]. وشبه طوماس رينتش[2]

(57)

Thomas Rentsch اشتغال لاسك على المنطق بفيتغنشطاين في كتابه الشهير « Tractatus-logico-philosophicus «. أثّر لاسك في جورج لوكاش Georg Luckلcs بنقده الراديكالي لتاريخ الفلسفة وهايدغر في شبابه واعتمد غوستاف رادبروخ عليه في أسس فلسفته في القانون بصورةٍ واضحةٍ. وكان تلميذه أوغين هيريغل Eugen Herrigel، الذي تكلف بعد موته بنشر أعماله الكاملة[1]، سببًا في شهرة لاسك في اليابان.

7. برونو باوخ Bruno Bauch

بدأ برونو باوخ (1942-1877) دراسته بجامعة فرايبورغ في الفلسفة والرياضيات والعلوم الطبيعية. تتلمذ على يد ريكرت، ثم انتقل إلى جامعة ستراسبورغ، حيث درس على يد فيندلباند، ثم رحل لإكمال دراسته بجامعة هايدلبيرغ، قبل أن يعود في نهاية الأمر عام 1901 إلى جامعة فرايبورغ. وهناك حصل على شهادة الدكتوراه سنة 1902 برسالة تحت عنوان: «النعيم والشخصية في الأخلاق النقدية». وفي السنة نفسها انتقل إلى برلين، حيث اهتم إلى جانب الأخلاق وفلسفة الدين الكانطية بلوثر Luther. وألف نتيجة اهتمامه هذا نصًّا تحت عنوان «لوثر وكانط»، كان سببًا في عرض هانس فايهنجر Vaihinger عليه الانضمام إلى مجلة «الدراسات الكانطية»، التي كان يديرها.

بدأ التدريس الجامعي بجامعة هاليHalle  عام 1903، وركز

(58)

اهتمامه الفكري على تقديم تعاليم كانط، وكانت النتيجة نصه «إيمانويل كانط». حصل على درجة الأستاذية عام 1910، وعوض أوطو ليبمان بجامعة يينا Jena عام 1911. ومن بين من تتلمذ على يده، بل أشرف على رسالة أطروحته كان هناك بالخصوص رودول كارناب Rudolf Carnap، أحد مؤسسي دائرة فيينا.

سياسيّا لم يكن باوخ يُخفي ميولاته العدائية ضد اليهود وكان من بين الأساتذة الجامعيين الذين وقّعوا تضمانا لكي يتقدم هيتلر إلى الانتخابات، بعدها تقلب في مناصب مختلفة إبان حكم هيتلر لألمانيا.

يُعدُّ باوخ بصفةٍ عامةٍ من أقطاب الكانطية الجديدة في جناحها الباديني (من بادن). فقد أثّر فيه أستاذاه فيندلباند وريكرت أيّما تأثيرٍ في هذا الميدان، ولم يكن تأثير ليبمان أقلَّ أهميةً، وهو الذي خلفه كما سبق الذكر في جامعة يينا. كما أنا ريهل Riehl وفايهنغر  Vaihinger، اللذيْن كانا يديران مجلة «دراساتٌ كانطيةٌ»، كانا يعتبرانه تابعًا فكريًّا لكانط. للإشارة فقد تأثر باوخ أيضا بغوتلوب فريجي Gottlob Frege في يينا فيما يخص البرهنة المنطقية.

أكثر من هذا كان برونو باوخ يقدّم نفسه ككانطيٍّ جديدٍ، دون أن يعني هذا بأنه كان تابعًا له بطريقةٍ «عمياء»، بل حاول أن يجد أفكارًا جديدةً بنقد كانط في الأماكن التي لم يحسم فيها في نسقه الفلسفي. وفي هذا الإطار عكف على دراسة الضرورة القطعية الكانطية، ونبّه إلى أن هذه الضرورة لا يمكن أن تُعتبر مبدأً للسلوك الأخلاقي الحقيقي، وكان يرى أن حلَّ هذا الإشكال هو أهمُّ وظيفةٍ للأخلاق في زمانه.

(59)

تنطلق الفلسفة الأخلاقية التي تمثّلها مدرسة بادن من مسلمةٍ تتلخص في كون كل ما هو مشروطٌ بالطبيعة، يعني يُمكن شرحه طبقًا لقوانينَ طبيعيةٍ، لا تكون له قيمةٌ، ولا يمكن أن تقوم القيم إلا مع الثقافة التاريخية، التي يجب أن تُعتبر قيمةً أيضا. ودَوَّنَ باوخ فهمه للأخلاق في كتابه: «الحقيقة، القيمة، والواقع Wahrheit, Wert und Wirklichkeit». وطبقا لفهمه هذا من اللازم تلخيص هذه المفاهيم الثلاثة في إشكاليةٍ كُليةٍ، لأنها تُشكل وحدةً إشكاليةً. وتحدد الحقيقة في نظره العلاقة بين الواقع والقيمة. فكلُّ معرفةٍ هي في الوقت نفسه معرفةٌ للحقيقة ومعرفةٌ للمواضيع/الأشياء، وبهذا فإنّ معرفة الوقائع الحقيقية تكون مرتبطةً دائمًا بمعرفة الحقيقة: لا يمكن للحقيقة والواقع القيام باستقلالٍ عن بعضهما.

يشرح باوخ قيمة الحقيقة في علاقتها بالحياة البيولوجية كأداةٍ لمعرفة طريقة التوجُّه في الوجود، يعني كشرط للمشاركة في الحياة الثقافية في المقام الأول. ذلك أن باوخ يؤوّل الإشكالية النقدية المركزية (تساؤلات كانط حول شروط إمكانيات المعرفة) لا بالرجوع إلى الطبيعة أو إلى الروح، بل بالرجوع إلى الثقافة. ذلك أن المعرفة النهائية بالنسبة له لا تكون ممكنةً إلا بملكة الحكم. من هنا فإن المعارف العلمية تُشرح عنده كمعارفَ «خالصةٍ» وكمضمونٍ محوريٍّ للثقافة.

على الرغم من أن باوخ يُتمم برنامج الفلسفة الثقافية الذي بدأه أساتذته، فإنه في الوقتِ نفسِه يتموقع بأطروحات أساسية ضد الموقف الكانطي الجديد لكل من فيندلباند وريكرت ولاسك. ذلك أن الواقع طبقَّا له، لا يُمكن أن يُفهم كمُهمةٍ/رسالةٍ، لأنه يرى بأن

(60)

ذلك لا معنى له، لأنه يكون واقيًا كواقعٍ. لكن إذا لم يفهم المرء الواقع كرسالةٍ، فليس لهذه الأخيرة أيُّ قيمةٍ، كالحقيقة مثلاً أو الجميل إلخ. وبهذا فإن قيمة الواقع تكمن بصفةٍ حصريةٍ في المعرفة الحقيقية فقط، في السلوك الأخلاقي الفعلي وفي الفن الحق إلخ. ومن هنا بالضبط يُلمَس اهتمامه السياسي، وبالخصوص سياسة التكوين والتربية[1].

8. غوستاف لامبيرت رادبروخ Gustav Lambert Radbruch

دَرَسَ رادبروخ (1878-1949) العلوم القانونية بميونيخ، ومنها انتقل إلى جامعة لايبتزيغ ثم برلين. حصل عام 1902 على الدكتوراه في القانون، بعدها رحل إلى جامعة هيدلبيرغ من جديدٍ حيث حصل

(61)

على درجة الأستاذية، وبدأ التدريس بهذه الجامعة عام 1910. تعرف على ماكس فيبر وعن طريقه احتكّ بالكانطية الجديدة، وتعزز هذا الاحتكاك بتعرّفه على إيميل لاسك. إلا أنّه غادر إلى جامعة كيل  عام 1919، حيث بقي إلى عام 1926. انضم إلى الحزب الإشتراكي الديمقراطي الألماني وأصبح عام 1924 نائبًا برلمانيًّا، وقبل ذلك وزيرًا للعدل بين 1921 و1923. رفض من بعد ذلك الاستوزار وتفرّغ للتركيز على عمله الأكاديمي، حيث التحق مجددًا بجامعة هايدلبيرغ للتدريس فيها. عُزل من التعليم عام 1933 بعد وصول النازية للحكم في ألمانيا، وعكف في ذلك الوقت على دراسة فلسفة القانون. لم يُسمح له بالهجرة من طرف النازيين، حتى وإن سُمح له بين 1935 و1936 بالذهاب للبحث العلمي في أكسفورد بأنجلترا.

مباشرةً بعد الحرب العالمية الثانية، استأنف رادبروخ التدريس بجامعة هايدلبيرغ كرئيسٍ للجامعة وأعاد بناء كلية الحقوق، على الرغم من حالته الصحية التي لم تكن على ما يرام. ومع ذلك أغنى الخزانة الألمانية بنصوصٍ مهمةٍ في القانون،[1] وعاد للنشاط السياسي من جديدٍ بهدف بناء اشتراكيةٍ مسيحيةٍ؛ وعكف بمعية

(62)

فيرنايصل Emil Vierneisel وشتاكيلبيك Hans Stakelbeck على تحرير برنامج حزب أطلقوا عليه إسم «الوحدة المسيحية ـ الإشتراكية». وحتى وإن كان هناك بعض الشبه لهذا الحزب مع حزب «الوحد المسيحية الديمقراطية»، فإن الفرق بينهما كان كبيرًا جدًّا. لكن رادبروخ رجع إلى الحزب الديمقراطي الإشتراكي عام 1948، سنةً من بعد ذلك توفي في ربيعه 71.

كان رادبروخ يدافع على المنهجية الثلاثية، مؤكِّدًا بأنه بين العلوم الطبيعية الشارحة والعلوم الفلسفية ذات التعاليم القيمية، هناك العلوم الثقافية المتعلقة بالأخلاق. وتمظهرت هذه المنهجية الثلاثية عنده في سوسيلوجيا القانون وفلسفة القانون والدوغمائية القانونية. وتتموضع هذه الأخيرة بين الأولين من حيث الموضوع وتتوجه بالقانون الوضعي كما يوجد في الواقع الاجتماعي، أما منهجيًّا فإنها تعتمد على المعنى الموضوعي القاطع للقانون، ويستفيد من التأويل المتعلق بالقيم.

الأمر المركزي في فلسفة القانون عند رادبروخ هي دراساته حول «مفهوم القانون» و«فكرة القانون» و«شرعية القانون». ويحدد مفهوم القانون في كتابه «فلسفة القانون» (1932) كالتالي: «القانون هو الواقع في معنى خدمة العدل». والنتيجة هي أنه يطبع الهوة الصنفية (من الصنف) بين الوجود والواجب، ومن هنا اعتبار القانون كمنتوجٍ ثقافيٍّ. وفكرة القانون هنا هي العدل. ويتضمن هذا الأخير المساواة والملاءَمة وضمان القانون. وتتأسس معادلة رادبروخ في القانون، المعمول بها في المحاكم الألمانية إلى اليوم في الكثير من الأحكام، كالتالي: يجب على الظلم القانوني تجنب القانون المُشرع.

(63)

ناقش المرء كثيرًا مسألة ما إذا لم يكن رادبروخ قبل 1933 من أتباع القانون الوضعي، قد غير موقفه الفكري في هذا الميدان في فترة حكم النازية لألمانيا، أم أنه طوّر من جراء ما لاحظه من ظلمٍ وجرائمَ مارستها النازية تعاليمَ قيمةٍ نسبيةٍ. فقد طفا على سطح الوعي العام الفرق بين القانون الوضعي والقانون العادل من جديدٍ في ألمانيا بفعل إشكالية طاعة الأوامر (المقصود طاعة الأوامر النازية) في محاكمة البنائين. وفي هذا الصدد قُدمت النظريات القانونية لرادبروخ ضد التعاليم القانونية الوضعية اليمينية الخالصة، التي مثلها هانس كيلسن Hans Kelsen وإلى حدٍّ ما غييورغ ييلنيك Georg Jellinek.

9. هيلموت بليسنير Helmuth Plessner

بدأ  بليسنير (1985-1892) دراسته عام 1910 في الطب وعلم الحيوان وغَيَّر إلى الفلسفة بجامعة فرايبورغ. دَرَسَ كذلك بجامعة غوتينغين وهايدلبيرغ، وكان فيندلباند وماكس فيبر من أساتذه، كما تتلمذ على يد هوسرل، وهكذا عرف تأثير الكانطية الجديدة والفينومينولوجيا. حصل على الدكتورة بجامعة إيرلانغن Erlangen برسالة تحت عنوان: «أزمة الحقيقة المتعالية في بداياتها» عام 1916، وعلى الأستاذية بـ: «بحث حول النقد الفلسفي لملكة الحكم» بجامعة كولن Koeln عام 1920، ودَرَّسَ بها ابتداءً من 1926، وهنالك تعرّف على ماكس شيلر Max Scheler. وفي عام 1933، عُزِل من الجامعة بسبب الأصل اليهودي لوالده قبل أن يصبح مسيحيًّا. هاجر في بادئ الأمر إلى تركيا إلى نهاية عام 1933، ثم رحل

(64)

إلى هولندا في مارس 1934، حيث كان يقدم محاضراتٍ بجامعة غرونينغين Groningen. وفي عام 1943، احتل النازيون هولندا وعُزل بليسنر عن الجامعة من جديدٍ، وعاش متخفِّيًا في هولندا.

رفض بليسنير الرجوع للتدريس في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه قبل الرجوع للعمل بجامعة غرونينغين الهولندية من جديد عام 1946. رجع إلى ألمانيا عام 1952 واشتغل إلى سنة 1962 بمعهد السوسيولوجيا بغوتينغين، حيث دَرَّسَ السوسيولوجيا. بعدها أحيل على المعاش. ومع ذلك استمر في التدريس بجامعة زيوريخ السويسرية، حيث دَرَّسَ الفلسفة وعمل كمحاضرٍ زائرٍ بـ «المدرسة الجديدة للبحث السوسيولوجي» بنيويورك.

يُعد بليسنير إلى جانب ماكس شيلر وقبل أرنولد غيلن Arnold gehlen من الممثلين الرئيسيين للأنثروبولوجيا الفلسفية، التي تطورت شيئًا فشيئًا في الثلث الأول للقرن العشرين، في محاولة لإعادة بناءٍ جديدٍ لإشكالية الإنسان ومكانه ومكانته في العالم والتاريخ والطبيعة. تطورت مُنَافَسَةً لاتجاهاتٍ فلسفيةٍ أخرى كالفينومينولوجيا والكانطية الجديدة والعلوم الطبيعية ذاتها، وبالخصوص البيولوجيا[1]. ويُعد كتابه «درجات العضوي والإنسان»

(65)

التطوير الحقيقي للأنثروبولوجيا التي طورها بليسنير. ويمكن إعادة بناء هذه الأنثروبولوجيا بتلخيصٍ شديدٍ من خلال سؤالين رئيسيين:

1. ماذا يميز الظواهر الحية وغير الحية؟

2. كيف تتنظم الظواهر الحية؟

يوجد الجواب الأول عنده في مفهوم «الحدود Grenze»: بالمقارنة مع الأجسام غير العضوية، فإنّ للأجسام العضوية علاقةً بمحيطها مُنظَّمة في استقلال عن حدودها. فالنباتات والحيوانات هي مخلوقاتٌ «تُحقق حدودًا». ويوجد الجواب الثاني في مفهوم «الوضع Position»، ذلك أن بليسنير يميز الأشكال (أو الدرجات) التنظيمية الثلاثة لما هو حيٌّ: النبات، الحيوان، الإنسان، طبقًا لمواضعها أو وضعها. رأى بأن النبات منظَّمٌ بطريقةٍ مفتوحةٍ، لأنه لا يتوفر على أعضاءَ مركزيةٍ. والحيوان منظَّمٌ بطريقةٍ مركزيةٍ، بحيث إنه يعيش من مركزٍ معيَّنٍ. أما طريقة تنظيم الإنسان فإنها لامركزيةٌ exzentrisch ، لأنه من الممكن أن يدخل في أيِّ لحظةٍ في علاقةٍ انعكاسيةٍ في حياته. وفي لحظةٍ معينةٍ من هذه العلاقة الإنعكاسية يتكون الوعي بالذات، طبقا لبليسنير، وهو وعيٌ لا يدرسه كما في

(66)

التقليد الفلسفي المُعتاد كظاهرةٍ روحيةٍ/عقليةٍ، بل يرى بأنه تَطوَّر انطلاقًا من جذوره البيولوجية. ويحلل تنظيم الإنسان هذا من جانبين: كبشرٍ لنا جسمٌ Kِrper وهيئةٍ Leib.

طبقًا لهذا التقسيم الثلاثي، يصل الإنسان إلى العالم ـ حسب بليسنير ـ كعالَمٍ خارجيٍّ وعالمٍ داخليٍّ و«عالمٍ مع» أو «مع العالم Mitwelt»، وهي العوالم التي تتسابق بدورها على الأبعاد الثقافية والتاريخ والمجتمع. ويضيف بليسنير في كتابٍ آخرَ له: «السلطة والطبيعة الإنسانية» قانونًا أنثروبولوجيًّا آخرَ، سماه «قانون غموضٌ» الإنسان، وهو غموض يفتح البعد السياسي. وانطلاقًا من تأويل الوقائع البيولوجية يصل بليسنير إلى التأسيس الفلسفي للسوسيولوجيا والعلوم القريبة منها.

10. أُويْغِين فيكتور هيريغل Eugen Victor Herrigel

بدأ هيريغل (1955-1884) دراسته بجامعة هيدلبيرغ عام 1907 في كلية اللاهوت البروتيستاني وغير عام 1908 إلى الفلسفة، وبالضبط الكانطية الجديدة. حصل على الدكتوراه عام 1913 برسالة أطروحةٍ تحت عنوان: «منطق الرقم»، تحت إشراف فيندلباند. كما تتلمذ على يد لاسك، وهو الذي نشر مؤلفاته بأمرٍ من ريكرت في ثلاثة أجزاء عامي 1923 و1924. حصل على الأستاذية عام 1922، برسالةٍ موغلةٍ في الكانطية الجديدة: «المادة الأصلية والشكل الأصلي». وفي ذلك الوقت تعرّف على «بوذية الزن».

سافر هيريغل إلى اليابان عام 1924 رفقة زوجته الأولى، ودرَّس الفلسفة بين 1924 و1929 بالجامعية القيصرية طوهوكو. وبعد

(67)

وفاة زوجته الأولى، تزوج مرةً أخرى عام 1925. وفي اليابان تعلم هو وزوجته الثانية الرماية بمساعدة الياباني أَوَا كنزو، الذي طور طريقةً صوفيةً باطنيةً. وبعد عودته عام 1929 من اليابان بدأ هيريغل تدريس الفلسفة بجامعة إيرلانغن الألمانية. وفي تلك السنة أنهى عمله «الشكل الميتافيزيقي». وهو عملٌ ركّز فيه على تدريسه لكانط باليابان.

ابتداءً من 1937 نشر هيريغل نصوصًا بحث فيها التشابه المفترض في الفضائل الألمانية واليابانية، ومنها بالخصوص الاستعداد للتضحية من أجل الوطن الأم وعدم الخوف من الموت. وبغض النظر عن هذا، ترك نصوصًا فلسفيةً مهمةً للغاية، تتمحور كلها تقريبًا حول الكانطية الجديدة[1].

حاول هيريغر بطريقةٍ ما التوفيق بين طريقة فهم أستاذيْه لاسك

(68)

وريكرت لكانط في كتابه «المادة الأصلية والشكل الأصلي». من جهةٍ لم يصل كَلاَسْك من خلال تعاليم الأسبقية إلى أيِّ نظامٍ تسلسليٍّ للميادين الحسية في ما بينها، ومع ذلك فإنها تقدم النوعين الرئيسيين للتفلسف، يعني الموضوعية والذاتية، في تسلسل تراتبيٍّ.

من بين ما اهتم به هيريغر في ما يخص الكانطية الجديدة، هناك أيضا إشكالية أربعة مفاهيم: القيمة، الصلاحية، الواجب والمعيار، التي تُستعمل غالبًا كمترادفاتٍ أو لا يميز المرء بينها بطريقةٍ دقيقةٍ. ويؤكد في هذا الإطار بأنه من المنطقي ألا يكون للصلاحية أسبقيةٌ على القيمة، أي أن صلاحية القيمة لا تأتي قبل القيمة ذاتها. أما في ما يخص مصطلح «الواجب»، والذي استعمل منذ فيخته لشرح «مسؤولية/التزام» القيمة، فلم يقم المرء فيه بأيِّ تمييزٍ يُذكر، على الرغم من أن ريكرت وضع بمصطلحه «الواجب المتعالي» نوعين الواحد قبالة الآخر، يعني «واجب» الاعتراف (كمطلبٍ متعالٍ) والاعتراف بالواجب (كأداءٍ ذاتيٍّ). وعلى خلاف المألوف، حاول هيريغل التمييز بين القيمة والواجب، باعتماده على مصطلح الواجب، كما استُعمل في كتاب كانط: «نقد العقل العملي»، حيث يتخذ القانون الأخلاقي «يجب عليك» شكل الضرورة القطعية. وطبقًا لهيريغل لا يحق استعمال مفهوم الواجب كتعبيرٍ عن القيمة المطالبة بشيءٍ، بل يجب فقط أن تعبر على السلوك الذي تتطلبه القيمة.

أما في ما يخص المعيار فلم يقم بأيِّ تمييزٍ دقيقٍ، حتى وإن كان يرى بأن اعتبار المعيار خضوعًا كاملاً للقيمة يمثل مشكلاً. من هنا فإن هيريغل يحاول تعريف «المعيار» كسلوكٍ/موقفٍ حيث يتمظهر الخضوع الذاتي للقيمة كنموذجٍ يُقتدى به. كالقيمة، فإن المعيار

(69)

«يتطلب» بدوره الاعتراف به، لكنه يُعبر في هذه الحالة على تعريفٍ للقيمة، يحاول، في الواجهة الخلفية للتفكير، تحقيق هدفٍ معينٍ. وبهذا فإن مفهوم المعيار هو بالضبط، بالنسبة له، خاصية الصلاحيةٌ للقيمة، وهي صلاحية ترتفع في معناها النظري وتصبح مقياسًا لما يتبعها بعد ذلك.

الجزء الثاني: مدرسة ماربوغ

تُعتبر «مدرسةُ ماربورغ»، نسبة إلى مدينة جامعة ماربورغ Marburg الألمانية، حركةً معارِضةً للتفسيرات الخاطئة التي تعرض لها كانط وفلسفته. يرتبط ظهورها بكلٍّ من فردريك ألبرت لانغي، أوطو ليبمان، إدوارد تيلر وهرمان فون هيلمهولتس[1]، على الرغم من أن هرمان كوهن كان هو المؤسس الفعلي للمدرسة. وترجح كارول برومبسي[2] الظهور الرسمي لمدرسة ماربورغ إلى عام 1871، وهو العام الذي نُشر فيه كتاب كوهن «نظرية كانط حول التجربة»، حيث نجد لأول مرة التوجيهات التي تحدد المدرسة، مبنيةً على أساس تقديم فهمٍ مغايرٍ لما كان متداولاً عن كانط، وبالخصوص في ما يخص إشكالية «القبلي» والسجال الذي كانت رحاه دائرة حول هذا المفهوم بين كونو فيشر Kuno Fischer وتريندلينبورغ Trendelenburg.

كان لمدرسة ماربورغ توجُّهًا رياضيًّا وعلميًّا قويًّا، انتقدت النزعة السيكولوجية انطلاقًا من موقف كانط في هذا الأمر، معتمدةً في

(70)

ذلك على المعارف الرياضية، التي كانت تُفهم كمعرفةٍ مستقلةٍ عن النفس. وبهذا الشكل قالت هذه المدرسة بأنه يجب على المعرفة ألّا تكون مرتبطةً بذاتٍ فقط، بل أيضا وقبل كل شيءٍ بأساسها المنطقي. وركز أصحابها على نظرية المعرفة القبلية للعلوم الطبيعية.

هناك ثلةٌ من المفكرين الألمان ممن تبنوا توجهات مدرسة ماربورغ واشتغلوا على مواضيع في هذا الإتجاه، منهم باول ناطورب Paul Natorp الذي اهتم بالأسس المنطقية للعلوم الحقة، لكنه رفض وجود «الشيء في ذاته» والتمثلات المستقلة عن الإدراك. طبق ناتورب المنهج الترانسندنتالى لتفسير أفلاطون وعلم النفس ومناهج البحث في العلوم الدقيقة. وكارل فورلندر Karl Vorlنnder الذي ركز على تاريخ الفلسفة في علاقته بالماركسية. ورودولف ستاملر Rudolf Stammler الذي تخصص في الفلسفة الإجتماعية ونظيرتها القانونية، في حين تألق فالطر شوكين Walther Schücking في قانون حق الشعوب وأثر بقوةٍ في تطور قانون سلام الشعوب والقانون الدستوري في القرن العشرين.

يعتبر هرمان كوهن  (1918-1842) مؤسس ما يُسمى بمدرسة ماربورغ، والتي كان لها توجُهًا رياضيًّا وعلميًّا. انتقد كوهن النزعة السيكولوجية من وجهة النظر الكانطية. وأكد على أن هناك معرفةً مستقلةً عن الروح.. وطبقًا لهذا لا يمكن للمعرفة أن تكون مرتبطةً بذاتٍ ما فقط. وبالإعتماد على كانط، طور كوهن موقفه الفلسفي، بعدها شق طريقه الخاص، مع الإشارة إلى أنه اتخذ موقفا مثاليًّا، خاصة وأنه أكد على أنّ الأحكامَ هي التي تؤسس التفكير الإنساني لا المفاهيمَ.

(71)

يعتبر إرنست كسيرير من مدرسة ماربورغ أيضا. اختص في إشكاليات فلسفة اللغة ومواضيع «المعنى» وفلسفة الأشكال الرمزية. بالنسبة له فإن أشكالًا رمزيةً مختلفةً كاللغة والدين والفن والتقنية والتاريخ والقانون إلخ، تساهم في ربط علاقةٍ بالعالم، وليس الأصناف العلمية فقط.

اهتم باول ناتورب بأحدث اكتشافات العلوم وخاصة نظرية النسبية في زمانه وحاول مَلْءَ الفراغ الذى تركه كوهن بين العلم كواقعةٍ معرفيةٍ قائمةٍ وبين الوعي الفردي، الذي كون هذه المعرفة مخالفا بذلك كوهن. واستطاع الوصول في علم النفس إلى نتائج تماثل النتائج التي وصل إليها دلتاي. يرى البعض بأن ناتورب، بحرصه على تحقيق التقارب بين الموضوعي والذاتي، حاول تحقيق الوحدة الفكرية والمنهجية للفلسفة بوجهٍ عامٍّ. علاوةً على هذا فإنه قام بتفسير الأفلاطونية تفسيرًا جديدًا واشتغل على الاشكاليات السيكولوجية والبيداغوجية.

عكف هلمهولتز على الدراسات السيكولوجية والإبستمولوجية والعلمية عن المكان والزمان وقدم نظريةً تجريبيةً عن الحس والإدراك. كان من أنصار الاتجاه العلمي القائل بوجود قوًى نوعيةٍ لأعصاب الحس وقاده هذا إلى القول بذاتية الصفات الحسية. وكانت النتيجة تتمثل في تصور المكان طبقًا لتكويننا الجسمي. ويعني هذا بأن هلمهولتز أقر بإمكانية وجود أكثر من تصورٍ واحدٍ للمكان، وبإمكانية ظهور هندساتٍ أخرى غيرِ إقليديةٍ، تلتقى كلُّ واحدةٍ منها مع مجموعةٍ خاصةٍ من أعصاب الحس التي يملكها الإنسان. وأكد هلمهولتز في نهاية المطاف بأن هذه التصورات

(72)

الهندسية المتعددة لا يتطابق أيٌّ منها بالضرورة مع البناء الواقعي للعالم.

ذهب لانغي Lange في نفس اتجاه هلمهولتز، بتأكيده بأن معرفة الواقع المحسوس هي حصيلة التفاعل بين الكيان العضوى الإنساني وبين أيِّ واقعٍ آخرَ يمكن أن يكون غيرَ معروفٍ. وتتحدد تجربة عالم الموضوعات الفيزيائية بواسطة التفاعل بين بني الإنسان، لكن الإنسان فقط هو الذي يكون موضوع التجربة ويمكن فهمه بواسطة علم النفس والفيزيولوجيا.

كما أن الفيلسوفة الرومانية أنيس فوانيسكو تُعدُّ من مدرسة ماربورغ. تتلمذت على يد كوهن وناتروب، قبل الرحيل للدراسة في السوربون، حيث هيأت أطروحتها حول مدرسة ماربورغ. اهتمت بعد تخرجها بالإستيطيقا وتاريخ المسرح.

نقدم في ما يلي بشيءٍ من التفصيل أقطاب هذه المدرسة كلَّ واحدٍ على حدةٍ، منبِّهين بأننا لن نُطيل في هذا التقديم، لأن الهدف هو فقط أخذ فكرةٍ عنهم وعن مساهمتهم في مدرسة ماربورغ والكانطية الجديدة بصفةٍ عامةٍ.

1. هيرمان كوهن Hermann Cohen

يُعتبر كوهن (1842-1918)، بالمشاركة مع ناتروب، المؤسس الحقيقي لمدرسة ماربورغ، كما يُعتبر أهم ممثلٍ للفلسفة اليهودية في القرن العشرين. دَرَسَ الدين اليهودي والعلوم القديمة والفلسفة في جامعة بريسلاو Breslau وبرلين، حيث تأثر بالخصوص بفريدريك

(73)

أدولف ترينديلينبورغ Friedrich Adolf Trendelenburg [1] وهييمان شتاينتهال Heymann Steinthal [2]، وحصل على شهادة الدكتوراه بجامعة هالا Halleعام 1865. ونشر العديد من المقالات في «مجلة للسيكولوجيا الشعبية والعلوم الاجتماعية» التي أسسها شتاينتهال السابق الذكر وموريتس لازاروس Moriz Lazarus.

كان تقديمه لنصٍّ شاركه به في الجدل الذي كان قائمًا بين ترينديلينبورغ سالف الذكر وكونو فيشر، حول إشكالية تأويل الفلسفة النقدية لكانط بمثابة بداية وُلُوجِه لعالم الكانطية الجديدة. فرض كوهن نفسه ابتداءً من عام 1870 كباعثٍ للفلسفة الكانطية بألمانيا، ذلك أنه اقترح تأويلًا جديدًا لكانط، تُوِّجَ بنصه: «نظرية كانط التجريبية Kants Theorie der Erfahrung». وبفضل الانطباع الإيجابي الكبير الذي أحدثه هذا النص على الباحثين في فلسفة كانط، اقترح على كوهن اجتياز امتحان الأستاذية بجامعة ماربورغ، حيث كان يشتغل فريدريك ألبيرت لانجا. وقدم كوهن لهذا الغرض نصًّا تحت عنوان: «المفاهيم النسقية في الكتابات قبل النقدية Die systematischen Begriffe in Kants vorkritischen Schriften». وبما أن لانجي كان وصفه كـ «خليفته الروحي»، فإنه عُيِّن عام 1876 بالفعل بعد وفاته لشغل منصبه كأستاذٍ جامعيٍّ، ومنذ ذلك الوقت لم يغادر جامعة ماربورغ. وهنالك أسس مدرسة ماربورغ للكانطية الجديدة، وتابع دراساته حول كانط طبقًا لنموذج «ثلاثة انتقاداتٍ» وتساءل عن الشروط التاريخية للإشكاليات الفلسفية الكانطية، وبهذا ساعد في استعمال علم التاريخ في دراسة

(74)

الفلسفة النسقية. ومن بين من تتلمذ على يده كان هناك الروسي بوريس باستيرناك، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1958. وبعد وصوله سن التقاعد حاول مساعدة إيرنست كاسيرر لخلافته على كرسيه الجامعي، لكن دون جدوًى. اهتم كوهن في آخر حياته بفلسفة الدين أكثر، وبالخصوص اليهودية[1].

تؤوّل الكانطية الجديدة لكوهن «الضرورة القطعية» لكانط بطريقةٍ يطالب بها: «اجعل من التشريع الذاتي للقوانين في شخص كلِّ إنسانٍ هدفًا لك»[2]. ونتيجة هذا هو أن مدرسة ماربورغ استعملت فلسفة

(75)

كانط لتأسيس برنامجٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ، قريبٍ من الإشتراكية. وفي الوقت الذي كان فيه «الكانطيون الحمر (الإشتراكيون)» كارل فورليندر وفرانتس شتاودينغر يدافعون على ضرورة مساهمة مدرسة ماربورغ في الإصلاحات الاجتماعية والسياسية، وهو أمرٌ أثّر في ما بعد على ثوّار بايرن، فإن كوهن دافع علنًا على اعتبار اليهود مواطنين ألمانيين، حتى وإن لم يكونوا معمدين ومسيحيين. كان يرى بأن الأخلاق المثالية، والتي يرى بأن كانط قد أسسها، هي أخلاقٌ متجذرةٌ في الثقافة الألمانية، تمامًا كما هي متجذرةٌ في الدين اليهودي كذلك: «توهج الحماس الأخلاقي للأنبياء».

يعتبر هرمان كوهن كذلك من بين نقاد النزعة السيكولوجية Psychologismus برجوعه إلى الفلسفة الكانطية. فقد كانت النزعة السيكولوجية تختزل القوانين في عملياتٍ تجريبيةٍ نفسيةٍ، وهذا ما عارضه كوهن. ومن بين البراهين التي قدمها ضد هذه النزعة هو تأكيده على كون الرياضيات مثلًا توجد باستقلال تام عن الذات، على اعتبار أن النزعة السيكولوجية كانت تفسر كلَّ شيءٍ تقريبًا بإرجاعه للذات. بمعنى أن كوهن كان يدافع على أطروحةٍ تتمثل في عدم ربط المعرفة بذاتٍ ما فقط. وقد طور موقفه في ما بعد، وهو موقفٌ يلمس فيه المرء آثار المثالية، مؤكِّدًا في كلِّ ذلك بأن الأحكامَ لا المفاهيمَ هي التي تؤسس فكر الإنسان.

رفض كوهن التفسيرات السيكولوجية عند هلمهولتز ولانغي وانتقد موقفهما المتمثل في ضرورة بداية الفلسفة بتحليل الوعي للكشف عن تطبيق مقولات الفكر على معطيات الحس وما يتبع ذلك من تكوين عالمٍ للظواهر يختلف عن «عالم الشيء في ذاته».

(76)

لا ينبغي للفلسفة، في نطر كوهين، الانشغال بدراسة عملياتٍ سيكولوجيةٍ، تصل من خلالها إلى نتائجَ احتماليةٍ، بل عليها الانشغال بالمعرفة العلمية ذاتها.

نجد فكرة بارمنيدس القائلة بأنّ «التفكيرَ Denken والواقعَ Sein هما شيءٌ واحدٌ» عند كوهين أيضًا. لا توجد بالنسبة له مسافةٌ بين الفكر والواقع، ذلك أن الفكر هو جوهر العلم والواقع وأساسهما. وأقام كوهين منطقه على «مبدأ الأصل» واعتقد بأن منطق حساب التفاضل والفيزياء الرياضية هما أفضل ما يزودنا بإمكانية معرفة المبادئ الأساسية لواقع الأشياء التجريبية وفهمها وبأن نيوتن برهن على إمكانية معرفة الطبيعة والأشياء الفيزيقية قبليًّا عن طريق المفاهيم الرياضية للمكان والزمان.

لا يعتبر المنطق عند كوهن سيكولوجيًّا ولا صوريًّا بحتًا، على اعتبار أنه يفترض دائمًا وجود معطيات مصدرها الإدراك أو حتى الحدس الخالص. فالمنطق بالنسبة له ليس فكرا فارغا، ولا معنى لصحة أيِّ حكمٍ تقريريٍّ إلا بالنسبة إلى موقعه داخل نسقٍ من القوانين الشمولية، تعتمد بدورها على أسسٍ منهجيةٍ مضبوطةٍ. وبهذا لا تنفصل صورة الفكر عن مضمونه، وهذا المضمون ما هو إلا الواقع، باعتباره موضوعًا وهدفًا لها. وباهتمامه بحساب التفاضل والتكامل، أكد كوهن على أن الأعداد ليست مادةً خامًّا تُفرض من الخارج، أكثر من هذا أكد بأنه لا وجود للأعداد اللامتناهية كمعطياتٍ خارجيةٍ، بل إنها من خلق الفكر.

من هنا فإنّ وقائع العلم تتحدد عند كوهين بالفكر. ولهذا فإن

(77)

«الأشياء في ذاتها» بالنسبة له ليست أشياءَ كما هي وكما تعرف بالمنطق وبالفيزياء الرياضية. وانتقد كوهن في أعماله فكرة كانط عن «المعطيات المستقلة» لمقولات «الأشياء في ذاتها» وقوانينها، واكتفى بالتأكيد على كون الخاصية الضرورية للطبيعة تستمد من المنطق الرياضي للفكر الخالص وتكون مستقلةً عن إدارك الحواس. وبهذا حاول بمساعدة «المنهج المتعالي» تحطيم الحاجز الذى أقامه كانط بين المعرفة القبلية والمعرفة التجريبية أو البعدية بالتمييز بين الإحساس، باعتباره مستقلًّا، والفهم، باعتباره فعاليةً تلقائيةً.

لم تقف الكانطية الجديدة عند كوهن في حدود الفلسفة الكانطية فقط، بل تجاوزتها بعض الشيء. برفضه للتصور الخاص بعالم «النيومينا»، أي عالم الشيء في ذاته، وتجاوزه لـ«عالم الفينومينا»، أي عالم الظواهر؛ أكد كوهن بأنه لا يمكن فهم قوانين الطبيعة باعتبارها مقولاتٍ يستطيع العقل بمساعدتها تنظيم المعطيات الحسية التي يتلقاها. والصحيح عنده هو أن فهم القوانين يُستمد من عالم الفكر الخالص وحده، بعيدًا عن المعطيات الحسية الخام. وبهذا تجاوز كوهن مثالية كانط، وأصبح مثاليًّا أكثر منه.

من الأخطاء الرئيسية التي عبر عنها كوهن في التأويلات المختلفة لفلسفة كانط هي تفريق لحظات «نقد العقل الخالص». دعا إذًا إلى عدم تفريق المراحل التي قطعها كانط وعدم التفريق بين البراهين المختلفة «للإستيطيقا» وعدم عزل هذه الأخيرة عن «المنطق». وتعتبر هذه القراءة صالحةً بالخصوص «للقبليّ». فحقيقة القبلي، طبقا لكوهن، لا تكمن في الذات، كما كانت المثالية الألمانية تعتقد -وبالخصوص فيختيه-، لكن هذه الحقيقة موجودةٌ في العلاقة بين

(78)

الذات والموضوع. وكلُّ تأكيدٍ يتناقض مع هذا هو، طبقًا لكوهن، رجوعٌ إلى الإشكالية قبل الكانطية، المتمثلة في المذهب فطرية بفرضية الواقعية السيكولوجية. وهذه الواقعية الميتافيزيقية هي التي تقود إلى المثالية المطلقة من وراء المثالية النقدية، لأنها (أي المثالية المطلقة) تستخلص كل شيءٍ من وعي الذات، لا من شروط إمكانيته الموضوعية. وبهذا أكد كوهن على أن القبلي لا يجد معناه إلا في وظيفته السيكولوجية، أي في علاقته الضرورية بالمعرفة وفي دوره المتعالي الواقعي.

يؤكد كوهن بصفةٍ عامةٍ بأنه لا يمكن فهم كانط إذا لم نتجاوز الميتافيزيقي للوصول إلى المتعالي؛ لأن هذا التجاوز هو تجاوز الذاتية إلى الموضوعية والكثرة إلى الوحدة. بكلمةٍ مختصَرةٍ، فالمنطق المتعالي هو الذي يبني المنطق الشكلي، لا العكس[1].

يكمن المبدأ الأسمى للمنهج المتعالي في إمكانية التجربة. لكن هذا المبدأ يعترف بأنه هو نفسه مشِكلٌ، يفكر في ذاته ويكتشف ضرورة تحديد نفسه؛ وهذا التحديد الذاتي للعلاقة بالتجربة الممكنة هو الذي يُشكّل المعرفة. إنّه طبقًا لكوهن الشيء في ذاته. مع المتعالي نمرّ من التعارض بين الذات والموضوع إلى التقابل بين الظاهرة والنومين Noumenon. ولا يمكن تأويل الشيء في ذاته من حيث الواقعية كوجدانٍ متعالٍ. وتكمن وظيفة الشيء في ذاته في التنظيم النسقي لميدان التجربة، إنه يؤسس وحدة التجربة وحدودها، إنه قانون الفكر الجوهري للمبادئ القصوى للمعرفة، ولا يمكن أن يكون محدوسًا. وإذا كانت المثالية الألمانية قد استعملته (أي الشيء

(79)

في ذاته)، فلأنها بتشخيص الواقع الميتافيزيقي والوعي بالذات في الحدس العقلي، لم تستطع التمييز بين المُفَكَّر فيه والشعور. وبما أن الشيء في ذاته يعبّر عن العلاقة الضرورية بين المعرفة والفكر، فإنه إذًا الأساس المتعالي للتمييز بين المعرفة والتفكير. ويكمن دوره السلبي في إظهار نسبية كل معرفةٍ مشروطةٍ ضروريًّا بالحواس؛ لكنه يُشير كذلك إلى الوظيفة الإيجابية للفكر، الذي عليه العمل جاهدًا لتجاوز حدوده، حتى وإن كان هذا التجاوز يأخذ شكل جَمْعٍ لا نهائيٍّ. إضافةً إلى كل هذا فقد أوَّل كوهن الشرط القطعي لكانط بطريقةٍ أسس بها برنامجًا سياسيًّا واجتماعيًّا ذا توجُّهٍ اشتراكيٍّ.

2. باول ناتروب Paul Gerhard Natorp

يعتبر باول ناتروب (1854-1924) أحد مؤسسي مدرسة ماربورغ. كان فيلسوفًا وعالم بيداغوجيا. دَرَسَ الموسيقى وتاريخ علم اللغة والفلسفة بجامعة برلين وبون وستراسبورغ الفرنسية (كانت آنذاك مدينةً ألمانيةً)، حيث حصل على شهادة الدكتوراه عام 1876، ثم عاد إلى ماربورغ حيث اشتغل أستاذًا خاصًّا، قبل أن يحصل على الأستاذية تحت إشراف هيرمان كوهن، ويبدأ عمله كأستاذٍ جامعيٍّ بجامعة ماربورغ إلى غاية حصوله على المعاش عام 1922. وفي الفصل الجامعي الشتوي 1923/24 قام بإجراء نقاشٍ عميقٍ مع هايدغر، الذي اشتغل لمدةٍ معينةٍ بماربورغ، حول كتابه «دون سكوتوس وطوماس فون إيرفورت)، الذي سبق لناتروب أن قرأه. سياسيًّا كان ناتروب يساريًّا، تعاطف مع قضايا هذا الجناح من الدعوة لتحرير المرأة إلى النداء لإلغاء الحكم بالإعدام.

(80)

دافع ناتروب، تمامًا ككوهن، في نظرية المعرفة، على مثاليةٍ نسقيّةٍ واضحةٍ. فقد أصبح التصورُ والفهمُ الكانطيّان عنده مادة وشكل المعرفة. أما المكان والزمان فقد كان عنده المحددين الفكريين للعلاقة والحجم. وأصبح المعطى Gegebene المُتخلَّى/المُتنازَل عنه Aufgegebenen. علاوة على هذا فإنّ طرح السؤال لا يكون له أيُّ معنًى. فالمعارف ليست ذاتيةً، بل يجب أن تصبح موضوعيةً بتحديدها القانوني المتمظهر. وتعتبر الوحدة التركيبية القانون الأساسي للمعرفة، والذي يُحدَّد بدوره بالوظائف الأساسية للأصناف (الكيف Qualitنt، الكم Quantitنt، العلاقة Relation والكيفية Modalitنt».

بالرجوع إلى الأفكار التنظيمية لكانط، يحدد ناتروب «قانون الواجب das Gesetz des Sollens»، حيث تكمن وظيفة الدعامات الواجب اتخاذها لمعرفة اللانهائي. ومن هذا استخرج مستويات طموح هذه المعرفة كغريزةٍ وإرادةٍ ورغبةٍ في العقل، والتي ربطها بتعاليم الفضيلة. والفعلي الحقيقي بالنسبة له، لم يكن هو الفرد، بل الجماعة. ولعل هذا الاقتناع الفكري هو الذي دفع به إلى الدفاع على سياسة تعليم اشتراكية، وبالخصوص في الحق في التعليم المجاني في المدرسة الابتدائية وضرورة تكافؤِ الفرص للجميع في التعليم.

دافع ناتروب عن فكرةٍ مؤداها أن مصدر الدين هو الإحساس Gefühl، والذي اعتبره بمثابة معرفة الذات مباشرةً، وبالتالي فإن أساس صحة الدين هو الذاتية، وتقود لانهائية الإحساس إلى التعالي. إذا رغب المرء في تلخيص أسس تفكير ناتروب، فقد يقول: إن التفكير لا يعني الاستنتاج Beziehen فقط، بل

(81)

التواجد في علاقاتٍ معيَّنةٍ Beziehungen. وبهذا فإنّ ناتروب يُكيِّف برنامج تأسيس مصطلحيٍّ غوتلوب فريجي Gottlob Frege -المتأثر بلوتسا Lotze-، وهو تأسيسٌ أتت به الفلسفة التحليلية عن طريق راسل وفيغتنشطاين، وأصبع العقل التعبيري مع روبيرت براندومس Robert Brandoms مُحيَّنًا من جديد. ففي الوقت الذي كانت فيه التحاليل المقربة من فيغتنشطاين تعتبر العلاقات «كمواضيعَ»، أو أنها اعتبرتها، بالرجوع إلى الحس العام، علاقاتٍ فقط دون قيمةٍ، فإن ناتروب اعتبر «العلاقة» بوضوحٍ على رأس قائمة كل الاعتبارات المنطقية، وجعل منها بهذا «مفهوم المفاهيم». والمرور من المفهوم الجوهري إلى المفهوم العلائقي أصبح معروفًا بفضل كاسيرر أحد تلامذة ناتروب كمرورٍ من «المفهوم الجوهري إلى المفهوم الوظيفي».

توقع ما قاله ريخارد رورتي Richard Rorty 70 سنة من بعد في صورةٍ مركّزةٍ ذاع صيتها: «مرآة الطبيعة»، ومفادها أن «التمثلات Reprنsentation»، أي التصور والعرض للعالم، لا «ترسمه abbildet»، لكنها تُنتجه. إن التفكير الأساسي لـ «ارتباطيته الأحادية» المتمثلة في كون المعرفة كعلاقةٍ للتفكير بالموضوع، تعني في الوقت نفسِه مرورها إلى وسيلة المعرفة، أدى به منذ البداية إلى ضم الميادين المختلفة إلى بعضها كالطبيعة والثقافة، المنطق والسياسة والبيداغوجيا. وكان مطلبه في هذا الإطار يتمثل في ضرورة تطبيق كل التخصصات من الرياضيات إلى اللغة وعلوم التاريخ في تكوين الشعب كله، للوصول من جديدٍ بنفسه إلى الحياة والممارسة. وبهذا

(82)

فإن فكر ناتروب في الفلسفة وعلوم التربية[1] مهمٌّ للغاية لعصرنا الحالي كذلك.

مجمل القول فإن ناتروب دافع، كأستاذه كوهن، على مثاليةٍ منهجيةٍ ورفض وجود الشيء في ذاته وفهم مصدر المعرفة (التأمل والعقل) كمادةٍ وشكلٍ للمعرفة، كما أول المعطى الفعلي كمعطًى مُتَخَلًّى عنه، وبذلك أكد على أن المعارف لا يمكن أن تكون ذاتيةً، لكنها تكون كامنةً في موضوعية التحديد القانوني للتمظهرات.

(83)

3. إرنست كاسيرر Ernst Cassirer

بدأ دراسته الجامعية في قسم القانون عام 1892، وأضاف له الأدب الألماني والفلسفة بجامعة برلين. كان غيورغ سيمل Georg Simmel أحد الأساتذة الذين تتلمذ على يدهم، وهو الذي قرّبه من فلسفة كانط ومن هيرمان كوهن، الذي أصبح أستاذه المباشر عندما دَرَسَ في جامعة ماربورغ ابتداءً من عام 1896، وهنالك التحق بمدرسة ماربورغ للكانطية الجديدة بصفةٍ رسميةٍ. حصل على شهادة الدكتوراه ببحث حول «نقد المعرفة الرياضية والعلم طبيعية» عند ديكارت، تحت إشراف كل من كوهن وناتروب. حصل على درجة الأستاذية عام 1906 بجامعة برلين ببحثٍ تحت عنوان: «إشكالية المعرفة في فلسفة وعلوم الوقت الحالي». درَّس بعدها في الجامعة نفسِها لمدة ثلاثة عشر سنة، مشتغلًا بالخصوص على نظرية المعرفة. انتقل للتدريس بجامعة هامبورغ عام 1919، حيث ظلّ إلى أن عُزل. وتقلد كأوّل يهوديٍّ منصب عميد الجامعة عامَيْ 1929/1930. وبين 1923 و1929 نشر على التوالي المجلدات الثلاثة لعمله الرئيسي «فلسفة الأشكال الرمزية Philosophie der symbolischen Formen». كان هدفه من هذا العمل، بتتميم وتغيير أفكار كانط، إظهار الطرق المختلفة التي تسمح بمعرفة العالم كالميتوس والدين والعلم واللغة إلخ. عن طريق الرموز.

حصل بفضل الطبعة الثانية للبحث الذي حصل به على الأستاذية على جائزة كونو فيشر التي كانت جامعة هايدلبيرغ تمنحها. حُرم من التدريس الجامعي على يد النازيين عام 1933، رحل على إثرها إلى أنجلترا كلاجئٍ وبعدها إلى السويد، وحصل عام 1939 على

(84)

الجنسية السويدية. وهاجر عام 1941 إلى أمريكا، حيث دَرَّسَ بجامعة أوكسفورد وجامعاتٍ أمريكيةٍ أخرى. وحتى وإن كانت شهرته بفضل مؤلَّفه «فلسفة الأشكال الرمزية»، لكنه ألف مجموعةً من الكتب حول نظرية المعرفة ونظرية العلم كذلك. رفضَ كاسيرر القبليَّ المرتبط بالحواس (كمبدأٍ تأسيسيٍّ). فالمكان والزمان لم يعودا قبليَّيْن، بل أصبحا تمثلين. ولم يعترف كاسيرر إلا بالقبلي المرتبط بالعقل، كالسببية مثلًا كمبدأٍ تنظيميٍّ. ذلك أن القبلي بالنسبة له هو شرطٌ لكل حكمٍ واقعٍ، لكنه غيرُ ثابتٍ كما هو الشأن بالنسبة للأصناف الكانطية. فالقبلي هو ثوابتُ منطقيةٌ، يؤسس كل تحديد للتجربة ذات القوانين الطبيعية. من هنا يتضح بأن ممثلي مدرسة ماربورغ تخلّوا على فرضيةٍ كانطيةٍ جوهريةٍ، وهي المتمثلة في ثنائية الحس والعقل. وبهذا وقع تغييرٌ في اتجاه المثالية.

لم يشق كاسيرر طريقه الفلسفي الخاص إلا بعد نشر نصه: «المفهوم الجوهري والمفهوم الوظيفي» عام 1910. بيَّن مثلًا بأن مفهوم الرياضيات ومفهوم العلوم الطبيعية هما من المفاهيم العلائقية لا مفاهيم أشياء. وطبقا لهذا فإن الواقعية/النسبية Dinglichkeit تُنتج عن طريق المفاهيم. كما أنه كان يرى بأن مفاهيم العلوم الحقة هي حلقاتٌ في سلسلةٍ، تربط تشعب التصور بطريقةٍ معينةٍ، وطبقا لقانونٍ مسبقٍ تمرّ في صيرورةٍ لانهائيةٍ لتطور العلوم. ويعتبر موضوع المعرفة بالنسبة لكاسيرر نسيج من العلاقات. وتتم الوحدة بين التفكير والوجود من مبدأَيْ تقارب السلسلة Konvergenz der Reihe وتقارب الخبرة Konvergenz der Erfahrung. ولا تُعتبر النظرية ضربًا من التخمين، بل وصفًا عن طريق اللغة الرمزية

(85)

للرياضيات، حيث لا وجود لأيِّ رسومٍ توضيحيةٍ، لكن توجد فقط علاقةٌ Beziehung واضحةٌ تُقدَّم كعلاقةٍ Relation. ويعتبر العلوم التجريبية بمثابة التشريح الوصفي والربط التركيبي لأجزاء الأنساق في كلٍّ معيَّنٍ.

على الرغم من أن كاسيرر كان ماربورغيًّا مقتنعًا بالكانطية الجديدة وفلسفة كانط على العموم، فإنه في فلسفته الثقافية يُظهر بعض الاختلاف الواضح مع كانط ومدرسة ماربورغ. لقد وسّع لمفهوم المعرفة إلى أن أصبح عنده المبدأ التوجيهي المسمى «التجربة أو المعيش Erleben». وموضوع فلسفته الثقافية ليس هو فقط المعرفة، بل فهم العالم Weltverstنndnis. وكان هدفه الأساس هو التنبيه إلى أن هناك «معيشا» خارج العلوم الصارمة، يُعبر عن نفسه في اللغة والأساطير والدين والفن إلخ. وحتى التاريخ والتقنية والعلم والأخلاق والسياسة لها «عوالم معيش Erlebniswelten» في نظره.

يبتعد كاسيرر عن كانط والكانطية الجديدة بتأكيده على أن المفاهيم وحدها (كما هو الشأن بالنسبة لكانط) ليست هي التي تساهم في المعرفة، بل إنّ كلَّ شكلٍ من أشكال العلاقة بالعالم مُتوقفةٌ على الترميز Symbolisierung. وهنا يوجد الإنسان بالنسبة لكاسيرر في العالم دائمًا وهو غيرُ مضطرٍّ أن يبني قنطرةً للوصول إليه، كالذات الكانطية التي ليس لها أيُّ عالَمٍ. وعكس كانط الذي كان يعتقد بأن أساس العلاقة بالعالم هي الملكات المعرفية المجردة، لكن التوجه اليومي في العالم.

(86)

إن الحديث عن مساهمة كاسيرر في الكانطية الجديدة في جناحها الماربورغي قد يطول، نظرًا لغنى المواضيع التي عالجها وتنوعها وأهميتها[1]، لا يسع المقام هنا لتتبعها كلها، لذلك نترك الحديث عنه هنا ونذكر فقط بأن تأثيره كان كبيرًا على من جاء بعده كموريس ميرلو-بونتي مثلا وإيريك فايلس Eric Weils في أعماله المبكرة و كليفورد غيتس Clifford Geetz وسوزانا لانجر Susanne L. Langer ونيلسون غودمان Nelson Goodman وآخرين.

بإيجازٍ فإن كاسيرر وسّع فلسفة مدرسة ماربورغ، انطلاقا من أصناف المعرفة، لتصبح أشكالًا رمزيةً مختلفةً مستقلة كاللغة والدين والفن والتقنية والتاريخ والقانون.

(87)

4. كارل فورليندر Karl Vorländer

دَرَسَ كارل فورليندر (1928-1860) الفلسفة والأدب الألماني والتاريخ بجامعة برلين، وانتقل إلى جامعة ماربورغ حيث عكف على دراسة الفلسفة وحدها على يد كوهن وناتروب. دافع على أطروحة دكتوراه ببحثٍ حول «الدفاع على كانط ضد تهمة الشكلانية» عام 1883. اشتهر فورليندر ببحوثه الممتازة حول كانط. اشتغل بنجاحٍ على لغة كانط ونشر بين عام 1899 و1906 أغلبية مؤلفات كانط، بمقدماتٍ عالية المستوى لها. ونشر عام 1924 أول بيوغرافيا لكانط تحت عنوان: «إيمانويل كانط. الإنسان والمُؤَلَّف.

رفض فورليندر تاريخ الفلسفة الذي تعرّف عليه في زمانه، مُتَّهِمًا إياه بالذاتية وعدم الموضوعية، وبالتالي عدم جدواه. وتجدر الإشارة إلى أنه حاول في كتابته لتاريخ الفلسفة تطبيق المنهج التاريخي النقدي، مع الأخذ بعين الاعتبار للجانب الثقافي التاريخي والعلمي التاريخي، إضافةً إلى العوامل النسقية. وكان يؤكد على أن مؤرخ الفلسفة لا بد أن يكون فيلسوفًا أيضا، وكان يعتبر تاريخ الفلسفة الذي كان يشتغل عليه مطابقًا للعقل والفلسفة كتصوُّرٍ للعالَم مطابقٍ للعقل. وإلى حدود 1919 نشر خمسة أجزاء من مشروعه حول تاريخ الفلسفة، لازال المرء يعيد طبعها إلى حد الساعة[1].

(88)

كان قريبًا من كوهن في انشغاله بالكانطية المحدثة، وكان كوهن وناتروب يقدّران كثيرًا مثابرته في العمل ونزاهة شخصيته. سياسيًّا كان اشتراكيًّا ديمقراطيًّا، وكباقي الكانطيين الجدد الماربورغيين كان يعتقد -على أساس الأخلاق الكانطية- بأنه لا يمكن بناء مجتمعٍ حرٍّ ومواطنين بإرادةٍ ذاتيةٍ قويةٍ إلا بمساعدة الحركة الإشتراكية الصاعدة. وكان الماربورغيون الكانطيون الجدد مقتنعين بأن الإشتراكيةَ «مبررةٌ أخلاقيًّا»، وبأن الرأسماليةَ غيرُ عادلةٍ ولا أخلاقيةٌ، لأن العمال لا يمكنهم السلوك بحرية، بل يستغلهم المرء كأداةٍ فقط. وكانوا يعتبرون الضرورة القطعية لكانط مبدأً أزليًّا، وعليه تتأسس الاشتراكية. ويشرح فورليندر هذا الفهم في محاضرةٍ له ألقاها بفيينا حول كانط وماركس بتاريخ 8 أبريل 1904، حيث يقول مثلا: «يعترف الفلاسفة الاجتماعيون لليوم، والذين تتحدد طريقة عملهم من خلال المعرفة النقدية الكانطية بالمادية التاريخية كتقدمٍ علميٍّ مهمٍّ». واعتبر في هذه المحاضرة ناتروب وشتاودينغر Staudinger وشتاملر Stammler من بين هؤلاء الفلاسفة الاجتماعيين.

حتى وإن كان أقرّ بأنه لا وجود لأيِّ أفكارٍ سياسيةٍ اجتماعيةٍ عند

(89)

كانط، إلا أنه لم يتعب من التأكيد بأن «الأخلاق الخالصة» لكانط أو الضرورة القطعية كمبدأٍ أخلاقيٍّ كان مُوجَّهًا لكل مواطني دولةٍ ما، بل للإنسانية جمعاء. ويوجد هذا المبدأ في الاشتراكية أيضا. ويستشهد فورليندر بما قاله كوهن في هذا الإطار: «كان كانط الواضع الحقيقي والفعلي للاشتراكية الألمانية». كما سبقت الإشارة، فإن نقطة الربط بين كانط والاشتراكية في نظر فورليندر هي الضرورة القطعية، ويُعتبر هذا الربطُ ضروريًّا في نظره، عندما يتعلق الأمر بتطبيق المُثل الاشتراكية، والتي يؤوّلها كمملكةٍ للأهداف الكانطية. ومع ذلك لم يصل الأمر بين الطرفين (الاشتراكية والكانطية الجديدة) إلى حد تطوير تصوُّرٍ سياسيٍّ مشتركٍ، بل إن الحركة الإشتراكية في ألمانيا انقسمت على نفسها عام 1914 عندما وافق الفريق الاشتراكي في البرلمان على المشاركة في الحرب العالمية الأولى. وأثّر هذا الأمر على مدرسة ماربورغ، التي عرفت صراعاتٍ داخليةً وانسحابَ بعض ممثليها منها. ويفترض بعض المحللين اليوم بأن الاشتراكيين كانوا يرون في مثالية الكانطية الجديدة الماربورغية منافسًا لمثاليتهم، بل: «شُهِّرَ بهم كخيطٍ رفيعٍ معادٍ للاشتراكية للأيديولوجيين البرورجوازيين»[1].

5. كارل يوليوس تيودوررودولف شتاملر

 Karl Eduard Julius Theodor Rudolf Stammler

دَرَسَ شتاملر (1938-1856) القانون في كلٍّ من غيسن  Gieكenولايبتزيك. اشتغل، بعد تخرجه وحصوله على الأستاذية، بجامعة

(90)

ماربورغ قبل أن يغادرها لجامعة غيسن وبعدها إلى جامعة هالا Halle، ومنها من جديد إلى جامعة برلين (1916 إلى 1923). أسس عام 1913 «مجلة فلسفة القانون». كما كان إبان الحكم النازي منخرطًا في «دائرة الحرية الألمانية»، الذي كان تابعًا للحزب العمال الألماني الاشتراكي الوطني[1]، وبعدها كان عضوًا في لجنة فلسفة القانون لأكاديمية القانون الألماني التي أسسها وزير العدل النازي الألماني آنذاك. وحتى وإن لم يكن أعلن معارضته للنازية، فإنه لم يلتزم بها مباشرةً ولم يكن من مناضليها.

عُرف شتاملر كمؤسِّسٍ لفلسفة القانون للكانطية الجديدة، ودارت مؤلفاته كلها تقريبًا حول القانون[2]. كان يرى بأن مادة الحياة الاجتماعية تتمثل في الاقتصاد وشكل القانون المطبق. ومن الضروري، طبقًا له، تحديد القانون بطريقةٍ «صحيحةٍ». لم يرفض شتاملر القانون الطبيعي مبدئيًّا، لكنه كان يؤكد على ضرورة أخذ الشروط الاجتماعية بعين الاعتبار في التغييرات الاجتماعية. كانت

(91)

الطريقة الوضعية التاريخية التي كانت سائدةً في دراسة القانون، سببًا في اقتراحه لفهمٍ جديدٍ للقانون لخّصه في مقولة «القانون الصحيح»، تابعًا في ذلك كانط ورافضًا بوضوحٍ الأفكار الماركسية في هذا الإطار. انطلق من مفهومٍ للقانون صالحٍ بالضرورة، لكنه يعدله عندما يحدده بدقّةٍ. كان يعتبر تشريع القانون كإجراء «للنظام الروحي»، الناتج عن الإرادة الإنسانية. وكان يرى في القانون نوعًا من «محاولة فرض الصحيح» وفي آخر المطاف توَافُقٌ لـ «للمضمون الممكن للإرادة».

كانت الأطروحات البعيدة الأمر لشتاملر حول الإرادة والعدل وعلاقة القانون بالاقتصاد سببًا في جدالات البيئة العلمية لزمانه، والتي كانت مسيسةً بما فيه الكفاية. فمن جهةٍ كان عمل شتاملر -اُعتُبر في ذلك الوقت عملا مثاليًّا- مُهمًّا بالنسبة لما كان يُطلق عليه «اشتراكيي الكنيسة». ومن جهة أخرى قدم لماكس فيبر -اعتبر في ذلك الوقت كماديٍّ- منطلقات الهجوم. وكان فيبر بالنسبة لشتاملر «تجريبيًّا غيرَ كاملٍ، متوسِّطٍ».

6. فالتر أدريان شوكين Walther Adrian Schücking

كان شوكين (1935-1875) سياسيًّا ليبراليًّا، متخصصًا في القانون الدولي ومن دعاة السلم. وكان أول وآخر قاضٍ ألمانيٍّ لحد الساعة اشتغل كقاضٍ في محكمة العدل الدولية بهاغ Haag من سنة 1931 إلى أن توفي. بدأ دراسته الجامعية بجامعة ميونيخ عام 1894 في تخصص العلوم القانونية، وغادرها إلى جامعة بون ومنها إلى برلين وحصل على شهادة دكتوراه بجامعة غوتينغن. وفي

(92)

عام 1900 حصل على شهادة الأستاذية، التي خولت له التدريس عام 1902 بجامعة بريسلاو، قبل أن ينتقل لجامعة ماربورغ، حيث درَّسَ قانون الدولة والقانون الدولي وقانون الكنيسة والإدارة. وفي ماربورغ كانت له اتصالاتٌ بكوهن وناتروب، لأنه فضّل الكانطية الجديدة على القانون المحافظ الذي كان مُمَثلا من طرف أساتذة جامعة ماربورغ آنذاك.

انخرط شوكين في السياسة وتقدم للانتخابات البرلمانية مرتين، لكنه لم يتوفق. كان سياسيًّا ضد الحكومة البروسية، ولم تمر هذه المعارضة دون آثارٍ جانبيةٍ عليه، حيث عُزل أمد الحياة كأستاذٍ عضوٍ في امتحانات الدولة. طالب البروسيين بالمرور إلى نظامٍ برلمانيٍّ وبحقوق المرأة وفصل الدولة عن الكنيسة والتوازن بين الرأسمالية والاشتراكية والصلح بين القومية والعالمية وإدماج الدمقراطيين الإشتراكيين في الدولة[1].

(93)

الجزء الثالث: اتجاه التعديل النقدي في الكانطية الجديدة

إضافةً إلى مدرسة بادن ومدرسة ماربورغ، مثّل الكانطيةَ الجديدةَ في ألمانيا جناحٌ عُرف باتجاه التعديل النقدي. كان من بين ممثليه روبيرت راينينغر Robert Reininger (1869-1955)، الذي اشتغل بالخصوص على الإشكاليات النفسية وفلسفة القيم، وألوايس ريهل Alois Riehl (1844-1924)، الذي كان يَعتبر الفلسفةَ نقدًا للمعرفة لا تصوُّرًا للعالم. كما برع هانس فَايْهينغر في التعليق على كتاب كانط «نقد العقل الخالص». طوّر نوعًا من الفلسفة سماها «كما لو Als Ob»، تُحسب على البراغماتية بسبب اسخدامها لتعريفٍ خاصٍّ للحقيقة. طبقا لهذا التعريف، تقوم المعرفة على أساس خيالاتٍ افتراضيةٍ. ويكون مضمون صحتها تابعًا لقيمة العيش الفعلي، وبهذا عدم إمكانية قيام أيِّ معرفةٍ موضوعيةٍ. أما تلميذه ريخارد هونيغسفالد Richard Hِnigswald فقد اهتم أساسًا بالبحث في «الشيء في ذاته» انطلاقًا من زاويةٍ سيكولوجيةٍ محضةٍ، على عكس مدرسة ماربورغ. ذلك أنه أقر بوجود علاقةٍ بين الوعي والموضوع، ولهذا السبب رأى بأن اللغة ضروريةٌ للوعي، ولا يمكن إقامة موضوعية موضوعٍ ما إلا عن طريق اللغة.

أما إيريك كاوفمان فإنه اتهم الكانطية الجديدة في جانبها الفلسفي القانوني الهروب من تنوع وتعدد الواقع والاحتماء بتشكيل مفاهيم أحادية الجانب وشكليةٍ، عوض بناء ميتافيزيقا موضوعيةٍ لمواجهة الوضعية التجريبية. وبسبب نفوره من الكانطيين الجدد الممثلين في مدرسة بادن ونظيرتها ماربورغ، التحق بالتيار الهيغلي الجديد.

(94)

نجد ليونارد نيلسون قريبًا في أعماله الفلسفية وكذا في التزامه السياسي والاجتماعي من فريس Fries ومن مدرسة ماربورغ، دون أن يكون منتميًا لها بطريقةٍ مباشرةٍ.

نقوم في ما يلي بتلخيص أفكار بعض ممثلي هذا الاتجاه لكي تكتمل لنا ملامح صورة الكانطية الجديدة كاملةً.

1. روبيرت راينينغر Robert Reininger

دَرَسَ الفيلسوف النمساوي روبيرت راينينغر (1955-1869) الفلسفة والعلوم الطبيعية في كلٍّ من جامعة بون وهايدلبيرغ الألمانية وكذا بجامعة فيينا النمساوية. كان الكانطي الجديد كونو فيشر أحد أساتذته في هايدلبيرغ. حصل على الدكتورة بفيينا عام 1893، حيث دَرَّس تاريخ الفلسفة ابتداء من عام 1913. ويُعتبر ممثّلًا للفلسفة الباطنية Immanenzphilosophie، واهتم كذلك بإشكاليات نظرية المعرفة والأخلاق الكانطية. ترأس من 1912 إلى 1939 الجمعية الفلسفية بجامعة فيينا[1].

(95)

هناك ثلاثة اختياراتٍ فلسفيةٍ طبعت اهتماماته وهو بالثانوية، بل أثّرت في حياته الفكرية الفلسفية أيما تأثيرٍ في ما بعد. كان متحمسًا جدًّا للمثالية الفيختية (نسبة إلى فيختيه في ما يخص تحديد الإنسان) ولكانط (حتى وإن كان ابتعد عنه في ما بعد) وعنده حبٌّ للحيوانات، قاده عبر شوبنهاور لاكتشاف تعاليم فلسفة هندية سميت الأوبانيشادا Upanishade، وهي فلسفة عُكست في التصور الفلسفي لراينينغر الذي سماه «المعيش الأصلي Urerlebniss».

فهم بامتيازٍ تطوير فلسفةٍ أساسيةٍ للإشكاليات الشرطية والتمرن فيها على التفكير النقدي. وقد يكون السؤال الفلسفي الذي طرحه مبكرًا في بدايات ممارسته الفلسفية كافيا للتذكير بأن اشتغاله على «التعالي Transzendentalitنt»، يجعل منه أحد نقاد الكانطية الجديدة، بل كانط نفسه. ومحتوى تساؤله الفلسفي هذا يختصر في تساؤله كيف وصل الفكر الحديث منذ ديكارت عن طريق مفهوم «الأنا Ich» التفكير في التعالي والوجود في الوقت نفسه. فالعلوم المأخوذة كلُّ واحدٍ على حدةٍ تفترض دون مشاكل ميدانًا محددًا لـ «المعطى»، وبهذا فإنها في مجموع مناهج بحثها وفي إطارها العام تبقى جانبيةً. والنتيجة هي أن الفلسفة لا تتوفر على ميدانٍ يكون موضوع دراسةٍ لها، بل تفكر فقط وأساسًا في كيفية الحديث عن «المعطى».

انطلاقًا من هذا الفهم لمهمة الفلسفة، يرى راينينغر بأن الفلسفة لا توجد كخطٍّ إضافيٍّ للعلوم الأخرى، بل إنها في نظره الخط العمودي، الذي يتقاطع مع كل الخطوط الأخرى. لذا يجب ألّا تربط الفلسفة نفسها بالعلوم الأخرى، ويجب عليها أيضا ألّا تنتظر أيَّ مساعدةٍ من هذه العلوم، بل إن هذه الأخيره تُشكِّل مُشكلًا

(96)

بالنسبة لها. بمعنى أن المعطى المنفرد الذي تهتم به العلوم كلُّ واحدٍ على حدةٍ هو مشكلٌ بالنسبة للفلسفة. وعندما يفكر في التطور الذي عرفته الوضعية الجديدة منذ «دائرة فيينا» وإلى عصرنا هذا، فقد يعترف المرء بالنتائج المهمة لفلسفة راينينغر. ذلك أن مفهوم «المعطى» حُط محطَّ تساؤُلٍ في تطور الوضعية المنطقية هذا، تماما كالنداء إلى الرجوع إلى «التجربة»، التي كانت بمثابة «لهجةٍ منبريةِ/باطوس» لهذا الاتجاه، في هجومه على الميتافيزيقا كتخصُّصٍ يهتم بمشاكل لا معنى لها[1]. وطالما أن الوضعية الجديدة لا تحدد المعنى الدقيق للتجربة، فعليها القيام بنقدٍ ذاتيٍّ والإعتراف بأن النداء بالرجوع إلى التجربة لا يتوفر على أيِّ أهميةٍ فلسفيةٍ تذكر. لم يكن راينينغر ضد الوضعية الجديدة بصفةٍ مطلقةٍ، بل رأى بأنها مارست الميتافيزيقا أيضا في ندائها للرجوع إلى التجربة. وهذا صحيحُ إلى حدٍّ بعيدٍ، لكنه لا يظهر الحدود بين راينينغر والوضعية التجريبية.

2. ألوايس أدولف ريهل Alois Adolf Riehl

درس الفيلسوف النمساوي ريهل (1924-1844) الفلسفة والجغرافيا والتاريخ بجامعات فيينا وميونيخ وإنزبروك وغراتس، وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1868 من جامعة إنزبروك النمساوية. وحصل على الأستاذية من جامعة غراتس النمساوية أيضا عام 1870، وبدأ تدريس الفلسفة بها، قبل أن يغادر قاصدًا جامعة فرايبورغ الألمانية عام 1882، كخليفةٍ للكانطي الجديد فيندلباند. ثم غادرها عام 1905 ليخلف فيلهيلم ديلتيس Diltheys بجامعة برلين.

(97)

ينتمي ريهل إلى فلاسفة القرن التاسع عشر والعشرين الذين نُسي اسمهم في الساحة الفلسفية الناطقة بالألمانية. فلا نجد مثلا أهم عملٍ له من ثلاثة مجلدات تحت عنوان: «النقدية الفلسفية. التاريخ والنسق» في موسوعة كرونر للأعمال الفلسفية[1]، على الرغم من أن هذا الناشر سبق له أن نشر العمل[2] بين 1924 و 1926. ولا يذكر اسم ريهل إلا قليلا ويكتفي المرء في غالب الأحيان بتسجيل اسمه وتاريخ ميلاده وتخصصه.

تعتبر الفلسفة عند ريهل نقدًا للمعرفة لا تعاليمَ في تصوُّر العالم. كما تمّم ما بدأه كانط بالأخذ بعين الاعتبار لمعارف العلوم الطبيعية والرياضيات، ومنها مثلا الهندسةُ غير الإقليدية.[3]

أكد ريهل على الميول الضد ميتافيزيقية الواقعية لكانط بتلويناتٍ وضعيةِ (على الرغم من أنه يعترف بأسبقية المعرفة). كان يفترض بأن

(98)

الفلسفة لا يمكن أن تقوم إلا كتعاليم مبادئ المعرفة ونقدها الذاتي، وفي هذا الإطار ساهم بالخصوص في نظرية المعرفة والعلوم الطبيعية. ألح على ضرورة التمييز بين البحث عن صحة المعرفة ومشكل حدوثها السيكولوجي. ورأى بأن أسبقية المعرفة لا يعني القبل والبعد الزمنييّن بين المفاهيم، بل علاقتها المنطقية، بحيث إن الصنف لا يسبق التجربة، لكنه يشكلها في ذاتها.

إضافةً إلى هذا دافع على فكرة كون الشيء في ذاته يجب عدم القضاء عليه من طرف النقدية، ورأى بأن ضمانةً واقيةً العالم الخارجي معطاةٌ في كل الإدراك الحسي، وهي واقعيةٌ تحتوي في داخلها على علاقة بشيءٍ مستقلٍ عنها ذاتها. فبنيةُ جوهر الواقعي غيرُ معروفةٍ بالنسبة لنا، نعرف فقط بأنه يوجد وبأنه يؤثر على إدراكاتنا الحسية. وهذه الأخيرة هي التي، طبقًا لريهل، تمنح المعرفة يقينها المادي، وعلى العكس من هذا فإن قوانين التفكير لا تمنح إلا يقينًا شكليًّا. وبغض النظر عن الرياضيات لا توجد هناك أيُّ معرفةٍ لا تكون في حاجة للتجربة لتأكيدها. من هنا كان يرى بأن التجربة ليست فقط فردانية سيكولوجية، لكنها تُعتبر في نظره مُصطلحًا اجتماعيًّا. ولا تملك الفلسفة التعاليم المعرفية التي ذكرها فقط، بل لها أيضا واجب تقديم قيمٍ وإبداعها.

3. هانس فايهنغر Hans Vaihinger

بدأ هانس فايهنغر (1933-1852) دراسته الجامعية في اللاهوت بجامعة توبينغين وما لبث أن غيّر التخصص ليدرس الفلسفة. حصل على الدكتوراه عام 1874 وحصل عام 1877 على الأستاذية بجامعة

(99)

ستراسبورغ، حيث دَرَّسَ ابتداءً من 1883، قبل أن يلتحق بجامعة هالي Halle عام 1884، وبسبب مرضٍ في عينيه، أدى إلى عماه، حصل على المعاش عام 1906، منقطعًا بذلك عن التدريس، لكنه تفرغ للكتابة بمساعدة كاتبٍ خاصٍّ له[1].

كانت فلسفة كانط محور اهتمامه الفكري، علق في

(100)

دراسةٍ له بإسهابٍ (1881) على نقد العقل الخالص لكانط. كما أنه ساهم في تنظيم الدراسات حول كانط بتأسيس مجلة «الدراسات الكانطية» عام 1897 وجمعية كانط عام 1904، بمناسبة مرور قرنٍ على وفاة كانط. كما أشرف على «حوليات الفلسفة» بمساعدة تلميذه رايموند شميدت Raymund Schmidt بين 1919 و 1930.

يُعدُّ فايهينغر تلميذ الكانطي الجديد لانغي Lange ومتمم أعماله الفلسفية، لكنه ابتعد عنه عندما أكد بأنه يفهم الفلسفة النقدية التي تستهويه كطريقةٍ لا كمؤسسة تعليمية للكانطية. علاوةً على هذا، كان فايهينغر من أوائل الفلاسفة الأكاديميين الذين اهتموا بفلسفة نيتشه، وكان عضوًا في مجلس إدارة «مؤسسة أرشيف نيتشه» منذ نشأتها (1894) إلى أن مات هو عام 1933.

عُرف فايهينغر بما سماه هو نفسه «فلسفة كما لو أَنَّ Philosophie des Als Ob»، المنشورة في كتابٍ قائمٍ بذاته بالعنوانِ نفسِه عام 1911. على عكس الفكرة التي كانت شائعةً سواءً بين أعضاء الجناح المثالي أو نظرائهم الواقعيين من أتباع الكانطية الجديدة، والمتمثلة في وجوب فهم الحقيقة كمُمَاثَلةٍ بين المعرفة والواقع، فإن هدف المعرفة عند فايهينغر هو التحكم في العالم الخارجي من طرف الذات العارفة. وتلعب المراسلة/التواصل بين الأفكار والاقتناعات من جهةٍ والواقع من جهةٍ أخرى دورًا ثانويًّا في نجاح التصرف/السلوك. ونلمس هنا نفحة تأثير داروين وكذا شوبنهاور ونيتشه في فكر فايهينغر.

(101)

يكمن منطلق إشكالية  فلسفة «كما لو أَنَّ» من التفكير في كيفية الوصول إلى شيءٍ صحيح انطلاقًا من فرضياتٍ خاطئةٍ. وبهذا المعنى، فإن المعرفة عند فايهينغر تعني مقارنة غير المعروف بالمعروف، ويرى نهاية المعرفة في عدم القدرة على تقليص غير المعروف في المعروف. ويعتبر فايهينغر في هذا الإطار الذرة والله والروح كخيالاتٍ مفيدةٍ[1]، تكتسب معنى «كما لو أنها» صحيحةٌ، حتى وإن كانت تتعارض عن وعيٍ مع البناء الفكري. ذلك أن فايهنغر، وعلى غرار كل فلاسفة «الخيال المفيد» الكثيرين، يؤكد بأن مثل هذا الخيال المفيد يستمد مشروعيته من أهداف الحياة العملية. وعن طريق التعريج على «كما لو أن» يصل المرء إلى «المعطى»، إلى أن يصل إلى طريقٍ أقصرَ بظهور نموذجٍ جديدٍ

(102)

للواقع. يتعلق الأمر إذًا بعمليةٍ فكريةٍ مفتوحةٍ على الأفق، لا تُنهى، بل تستمر دائمًا. ونلمس هنا تقاربًا بين هذه الفكرة والبراغماتية الأمريكية.

4. ريخارد هونيغسفالد Richard Hönigswald

بدأ الفيلسوف النمساوي الأصل هونيغسفالد (1947-1875) دراسته في الطب بجامعة فيينا عام 1892 وحصل على الدكتوراه عام 1902. بعد ذلك تفرّغ لدراسة الفلسفة بجامعة غراتس النمساوية قبل الانتقال إلى جامعة هالي Halle ، حيث تتلمذ من بين من تتلمذ على يدههم على  ريهل Riehel، الذي أشرف كذلك على رسالته للدكتوراه عام 1904 تحت عنوان: «حول تعاليم هيوم عن واقع الأشياء الخارجية». حصل على الأستاذية من جامعة بريسلاو Breslau الألمانية عام 1906، ببحثٍ عنوانه: «مساهمةٌ في نظرية المعرفة والمنهجية»، واشتغل بهذه الجامعة، إلى أن عوّض عام 1916 ويليان شتيرن William Stern كرئيسٍ لقسم الفلسفة والسيكولوجيا والبيداغوجيا. وفي عام 1929، انتقل للتدريس في جامعة ميونيخ. أوقف عن التدريس عام 1933، عندما وصل النازيون للحكم، وفُرض عليه الذهاب المبكر على المعاش. وفي عام 1939 اضطر للهجرة إلى أمريكا، وبعدما أُسقطت عليه الجنسية الألمانية التي كان حصل عليها من قبل، حصل على الجنسية الأمريكية عام 1944، لكنه لم ينجح

(103)

في الاشتغال بأيِّ جامعة بها، واستمر في الكتابة مع ذلك[1].

تطور التفكير الفلسفي لهونيغسفالد خطوةً خطوةً إلى أن أصبح عملًا نسقيًّا متكاملًا إلى حدٍّ ما. طوّر في البدء موقفًا كانطيًّا تابعًا في ذلك أستاذه ريهل، وهو موقفٌ كان في الوقت نفسِه نقدًا للوضعية الجديدة، لكنه موقفٌ تضمّن أيضًا بعض العناصر مما سُمي فلسفة الوعي كما مثّلها برينطانو وهوسرل مثلًا.

إلى حدود 1915 كان هناك شبهُ توازٍ بين هونيغسفالد وكاسيرر وبرونو باوخ، وينعكس موقفه من أساتذته بالخصوص في اشتغاله على تاريخ الفلسفة. بعد ذلك دخل حيّز اهتماماته فلسفة التفكير والبيداغوجيا وفلسفة اللغة. نلمس في كل جهده الفكري في ما

(104)

يخص موضوع دراسته ما سماه «الموناس Monas» حاضرًا في كل عمله، ويعني به مفهوم «الموضوعانية Gegenstنndlichkeit». ويلمس المرء نضج اشتغاله النسقي حوالي عام 1930، في بعض كتبه كـ «الإشكاليات الأساسية لنظرية المعرفة» وبطريقة أكثر تركيزًا في «التقديم الذاتي». إلا أن البناء العام لنسقيته سواءً على الصعيد المنهج أو المضمون لا يظهر بوضوحٍ إلى في الكتابيْن اللذَيْن نُشرا له بعد وفاته: «الأسس العامة للتعاليم المنهجية» و«نسق الفلسفة مُطوَّرًا من خلال التصميم الفردي للإشكاية». وتجدر الإشارة إلى أن هونيغسفالد حاول في اشتغاله الفلسفي التصدي لفكر هايدغر من جهةٍ والمثالية المغالَى فيها لهيغل من جهة أخرى.

لم يهتم هونيغسفالد في نظرية المعرفة بتقرير الحدود في «أنا أفكر» الكانطي، بل بالربط بين المعرفة والذاتية Subjektivitنt. والأهم بالنسبة له هنا هو الأخذ بعين الاعتبار للتحديد السيكولوجي الأساسي في ما يخص دراسة أسبقية المعرفة. ويرى بأن موضوع التأمل لا ينحصر في المعارف العلمية، بل يتعداه إلى كل المعارف والتجارب الإنسانية الأخرى بما في ذلك تلك التي تعتمد على الأخلاق والإستيطيقا والدين. ونشير هنا إلى أن إشكالية «التأسيس النهائي» تصبح معه إشكالية «تكوين أو تشكيل الموضوع». وأكد في هذا الإطار أنه لا يكفي التركيز على الوقائع التجريبية التي يمكن معرفتها، كما تقول الوضعية أو الاهتمام ببنيات الوعي كما تؤكد على ذلك الفلسفة القصدية لهوسرل مثلا، بل يتعلق الأمر عنده بالوصل بين الذات والموضوع، الذي

(105)

تُراد معرفته في الموضوعية. وبهذا يرى أن الإشكالية الرئيسية للفلسفة هي تحديد الموضوعية.

في محاولة تحديده للموضوعية (Gegenstنndlichen)، يُضمّن هونيغسفالد إشكالية العلاقة بين الوحدة Einheit والتعدد Vielheit، بين العامّ والخاصّ، أو بلغته هو بين الوقائع (المعطيات) والمبدأ (المفهوم والمنهج). ويفهم التفكير كظاهرةٍ سيكولوجيةٍ أساسيةٍ غيرِ قابلةٍ للاستنتاج، لا يمكن الذهاب إلى أبعد منها. ويحدث التوتر في نظره بين الواقع الفعلي كَتَمَظْهُرٍ وبين الإمكانيات غير النافذة للفكر أو التفكير. يتعلق الأمر إذًا هنا بالنسبة له بالعلاقة بين المعيش والمعرفة والمَلَكَات الروحية للذات المُجسَّدة. واستنادًا إلى لايبنتز يسمي الذات التي نتعرف عليها عن طريق التفكير بـ «الموناس Monas». وهناك علاقةٌ متبادلةٌ لا يمكن حلها بين الموناس والعالم. ويوجد في الموناس «حضورٌ ذاتيٌّ»، أو ما سماه «العلاقة مع الذات»، وهذا ما يجعل من الموناس في نظره موضوعًا. ويهتم هونيغسفالد في هذا الإطار بطريقةٍ نقديةٍ بإشكالية ما إذا لم يكن بالإمكان أن يُصبح «اللاشيء Nichts» مضمونًا للتجربة. ويلمس المرء هنا بوضوح تعرّضه لهايدغر، وبالخصوص في نصه «ما هي الميتافيزيقا» (1929)، ويرى بأن «اللاشيء»، على العكس من اللّانهائي، لا يمكن أن يتوفر على موضوعيةٍ. ويهاجمه هايدغر مُتهمًا إياه بغياب إشكالية معرفة الموضوع عنده وعوض دراسة ما هو معطًى لا يدرس إلا النهائي.

إن الحديث عن النسق الفلسفي لهونيغسفالد طويل وشيق

(106)

للغاية، لأن طبيعة اللغة التي كان يستعملها في المتناول، على الرغم من أنها كانت تعالج مواضيعَ فلسفيةً عميقةً ومعقدةً. تبقى إشارةٌ لا بد منها في ما يتعلق باهتمامه بالدين. ففي الإعتقاد بالله، يتعرف الإنسان في نظره على معنى الوجود. كما أنه يرى بأن إمكانية الإيمان مؤسسةٌ في الوجود الإلهي ذاته، ويعبّر عن هذا الأمر بطريقةٍ جميلةٍ جدًّا عندما يقول: «إن الله ليس لا شيئًا لأنني أعتقد فيه، بل أعتقد فيه لأنه يوجد. وفي وجوده هذا ينعكس مضمون معنى الاعتقاد ... ويتمظهر الوجود الإلهي بالضرورة كتحقيقٍ لهذه الفرضية. تكشف مباشرة الله المعنى الإيماني لكل ما هو مشروطٌ ولكل شارطٍ. أفكر في الله في معنى الإيمان من خلال «افتراض» وجودي في الله»[1].

5. إيريك كاوفمان Erich Kaufmann

بدأ كاوفمان (1972-1880) دراسته الجامعية بالفلسفة وتاريخ الأدب بجامعة هايدلبيرغ وبعدها بجامعة فرايبورغ، قبل أن يغيّر لدراسة القانون. حصل على الدكتوراه عام 1906 بجامعة هالا Halle . حصل على درجة الأستاذية عام 1908 من جامعة كيل Kiel ، وبدأ التدريس بهذه الجامعة عام 1912، قبل أن ينتقل عام 1913 إلى جامعة كونيغسبيرغ[2] . بعد الحرب العالمية الأولى، حيث أُرغم

(107)

على المشاركة وجُرح جُرحًا خطيرًا، تابع التدريس بجامعة برلين عام 1917 وانتقل إلى جامعة بون عام 1920.

ظهر نقده للكانطية الجديدة بجلاءٍ عام 1921، عندما عكف نقديًّا على دراسة فلسفة القانون للكانطية الجديدة. وبعد دراسته هذه تفرغ للعمل الميداني في القانون وتقلب في مناصِبَ عدّةِ، ليعود إلى برلين حيث استأنف التدريس إلى حدود 1933، حيث فرض عليه التوقف على التدريس من طرف النازية؛ لكنه نجح في جمع شلة من الطلبة حوله في بيته ببرلين في ما سُمي «حلقة بحيرة نيكولاس Nikolasseer Seminare». هرب إلى هولندا عام 1938، حيث نشر المحاضرات التي سبق له أن ألقاها عام 1935 في أكاديمية هاغ للقانون الدولي تحت عنوان: «القواعد العامة لقانون السلام». رجع إلى ألمانيا عام 1946 وتابع التدريس بجامعة ميونيخ إلى أن حصل على المعاش عام 1950.

عُرف، كمتخصصٍ في القانون، كمدافعٍ على الحق أو القانون الطبيعي وعلى المنهج الأنطولوجي والميتافيزيقي، كما عُرف

(108)

بمواقفه المعارضة لما سُمي بالكانطية الجديدة ذات النفحة الوضعية في القانون. فبتأكيده على وجود قانونٍ طبيعيٍّ، فإنه حاول مقاومة الوضعية والنسبية في آنٍ واحدٍ، اللتَيْن كانتا تُعتبران بالنسبة له نتائجَ طبيعيةً للنزعة العقلانية. وكان نقدُه في هذا الإطار ذا أبعادٍ ثلاثةٍ: فالتأويل الوضعي للقانون لم يكن يفهم في نظره العدالة إلا على شكلٍ تبادليٍّ، وبهذا تضيع أشكاله التوزيعية والانتقائية. أما النزعة العقلانية فإنها اختزلت المجتمع إلى مجموعةٍ من الأفراد فقط، وبهذا نسيت المؤسسات وأهداف وإنجازات الإنسانية. ويقود هذا إلى البعد النقدي الثالث له والمتمثل في العجز عن تصور استمرارية المؤسسات في الزمن، يعني في تعاقب الأجيال التي تشكلها وتجددها. كما أنه يؤاخذ الوضعية على إضافة عنصرٍ أساسيٍّ في انحطاط العدالة، وهو إعطاؤُها «إجابةً شكيّةً» على إشكالية ما هي العدالة. وفي هيجان نقده يعتبر القانون الوضعي بمثابة -على حد تعبيره ـ «عاهرةٍ»، تقدم نفسها لكل من هبّ ودبّ.

ما يُعاب على كاوفمان في تنظيره لفلسفة القانون هو أنه لم يعطِ جوابًا مقنعًا على معنى العدالة، بل اكتفى بالتأكيد على أن المرء لا يمكنه تحديد معناها، ودعا لعدم البحث عن وجودها الفعلي في الواقع كشيءٍ طبيعيٍّ يمكن لمسه، بقدر ما يجب البحث عن مضمونها في هذا الواقع. ويعزو لله وحده إمكانية المعرفة الكاملة والشاملة للعدالة ولا يمكن للإنسان أن يعطي لهذه العدالة إلا معنًى تقريبيًّا. ويتشمم المرء هنا رائحة هجومه من جديدٍ على النزعة العقلانية، المُتهمة من طرفه بالخلط بين المُشَرِّعِ والله، حتى ليُخيَّل للمرء بأنه هو الله نفسه.

 

(109)

6. ليونارد نيلسون Leonard Nelson

بدأ نلسون (1927-1882) دراسته الجامعية بهايدلبيرغ في الفلسفة والعلوم الطبيعية والقانون. ومن بين أساتذته في الفلسفة كان هناك الكانطي الجديد كونو فيشر. انتقل إلى جامعة برلين وبعدها إلى جامعة غوتينغين، حيث حصل على الدكتوراه برسالةٍ حول ياكوب فريدريك فريس ويوليوس باومان. حصل على درجة الأستاذية عام 1908، على الرغم من المحاولات المتكررة لهوسرل لعرقلة مساره الجامعي، لأن نيلسون كان من منتقديه، بل هيأ أطروحة أستاذيته كلها لنقد جانبٍ من فلسفة هوسرل، وفي عام 1919 بدأ التدريس بهذه الجامعة.

كان ليونارد نيلسون مفكرًا سياسيّاً بارزاً: شكلت الفلسفة والممارسة وحدةً بالنسبة له. كان المرور من التأمل الفكري إلى نمط الحياة الأخلاقي مطلوبًا من قبل برنامجه الفلسفي. صاغ نيلسون مفهوم الاشتراكية الأخلاقية، كما عبر المرء عنها قبلا بمدرسة ماربورغ للكانطية الجديدة. وقع بينه وبين الحزب الإشتراكي الديمقراطي نزاعٌ عام 1917 عندما أسس «الاتحاد الدولي للشباب Internationalen Jugend-Bund».

أسس نيلسون وهو طالبٌ بعدُ مع مجموعة من الطلبة الشباب «مدرسة فريس الجديدة» (نسبة للكانطي الجديد فريس Jakob Friedrich Fries) ببرلين وغوتينغين، وكانت في العمق عبارةً عن دائرة نقاشٍ فلسفيةٍ، حملت على عاتقها رعاية وإتمام الفلسفة النقدية لكانط، بمساعدة ما اشتغل عليه

(110)

فريس في هذا الإطار. وغير اسم الدائرة «المدرسة» ليصبح عام 1913: «جمعية ياكوب-فريدريك فريس». وبسبب الحرب العالمية الأولى لم تستطع الجمعية الاشتغال بطريقةٍ منظمةٍ ومستمرةٍ، فإلى حدود 1921، نظمت ندوة فقط حول «نظرية المعرفة والفلسفة النقدية».

كان نيلسون يطالب التفكير الفلسفي بالعلم الصارم والمصداقية، والتطبيق المتسق لما يتوصل له في السياسة عمومًا. مثَّل في كتابه: «استحالة نظرية المعرفة Die Unmِglichkeit der Erkenntnistheorie» التصور القائل باستحالة نظرية المعرفة، لأنه لا يمكن تأسيس الصلاحية الموضوعية للمعرفة موضوعيًّا، دون أن يفترض المرء هذه الصلاحية من قبلُ. في المقابل كان يرى أهمية فلسفة الأخلاق، وبالخصوص في فترات التحول الاجتماعي الكبرى. وكان مصطلح «المصالح Interessen» مركزيًّا في تفكيره الأخلاقي. وطبقًا لمبدئه الأساسي المتعلق بكرامة الشخص، فإنه من الضروري احترام مصالح كلِّ مخلوقٍ يشعُر بالمتعة أو الألم، وتنتمي الحيوانات بالنسبة له إلى هذه المخلوقات، ولهذا السبب كان يطالب بـ «حقوق الحيوان» وعيش الإنسان على نمطٍ نباتيٍّ: «إن العامل الذي لا يريد أن يكون «عائقًا للرأسمالية» فقط، والذي يأخذ النضال ضد الاستغلال محلَّ الجد، ولا يريد الركوع أمام العودة الفَضَّة المتمثلة في استغلال الحيوانات غير الضارة، هذا العامل لا يشارك في قتل ملايين الحيوانات يوميًّا»[1].

(111)

مات نيلسون في سن مبكرٍ وكانت حياته الفكرية حافلةً بالعطاء الفلسفي والسياسي، ترك للخزانة الألمانية كتبًا قيمةً في اختصاصه، تُعدُّ إلى حدِّ الآن مراجعَ مهمةً للدارسين، وبالخصوص المهتمين بالفكر الكانطي الجديد في حلته النقدية[1].

(112)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

انتشار الكانطية الجديدة

وراهنيتها

 

(113)

الفصل الرابع: انتشار الكانطية الجديدة وراهنيتها

الجزء الأول: انتشار الكانطية الجديدة

قادت صحوة إعادة الاهتمام بالكانطية إذًا من بين ما قادت إليه إلى ظهور الكانطية الجديدة بمدرستيها الرئيسيتين وكل ما تفرع عنهما أو «نبت» بجانبهما. ولم يقتصر حضور الكانطية الجديدة جغرافيًّا في ألمانيا، بل تعداه لينشتر في كل بقاع العالم تقريبًا[1].

1. في روسيا

لم يقتصر تأثير الكانطية الجديدة جغرافيًّا على ألمانيا وحسب، بل شمل دولًا أوروبيةً كثيرةً. فهناك فريقٌ كانطيٌّ جديدٌ روسيٌّ ارتوى من كلتا المدرستين «بادن وماربورغ»[2] مثل أليكسسييف N. Aleksejew، بوييك O. Buek، هيسين S. Hessen، كانانوف P. Kananow، لانز H. Lanz، روبينشطاين S. Rubinstein، ساخيتي A. Sacchetti، سافالسكي W. Sawal’sky، سالاغوف L. Ssalagoff، طوبوركوف A. Toporkoff، فوغت B. Vogt، فيشيسلافيتيف B. Wischeslavzeff.

كما نجد تلاميذَ عدةً لفيندلباند وريكرت مثل بيردياجيف

(114)

N. Berdiajew ، بوبنوف N. Bubnoff، فوندامينسكي I. Fondaminski، فوندمينسكايا A. Fondaminskaja، غوتس A. Gotz، إيليين I. Iljin، ياكوفينكي B. Jakowenko، كيتسيافوسكي B. (Th.) Kistiakowski، ماندلسطام O. Mandelstam، نوفغوروتدتزيف P. Nowgorodzew، م. روبينشطاين M. Rubinstein، شاغينيان، M. Schaginyan، سينسينوف W. Sensinow، شتاينبيرغ A. Steinberg، ستيبون F. Stepun.

 وهناك فريق آخر تتلمذ على يد كوهن وناتورب كبيلياجيف W. Beliajew ، بولديريف N. Boldyrew، غاورينسكي D. Gawronsky، غليكسون M. Glikson، غوربونكوف M. Gorbunkoff، غوردون G. Gordon، هارتمان N. Hartmann، كاغان M. Kagan، كلاتسكين J. Klatzkin، كوبيتسكي A. Kubitzky، باستيرناك B. Pasternak، سامارين D. Samarin وآخرين.

من بين من يلاحظ فيهم تأثير مدرسة ماربورغ هناك باختين M. Bachtin، دينزا Wl. Dinse، غابريلوفيتش L. Gabrilowitsch، غوردين J. Gordin، غورلاند A. Gurland، ياكوفينكو B. Jakowenko، كوانغن D. Koigen، كورالنيك A. Koralnik وغيرهم.

وكانت مجلة «اللوغوس Logos» لسان حال الكانطيين الجدد الروس، الذين فهموا فلسفتهم كنقيضٍ للتفلسف الديني الصوفي الروسي، الذي كان منتشرًا آنذاك، ودعوةً للالتحاق بفكر الأنوار لتطوير الفلسفة الروسية، لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الروسية.

(115)

لم يساعد هذا الاهتمام الكثيف بالكانطية الجديدة في شقيها في بناء مدرسةٍ روسيةٍ لهذا الاتجاه الفلسفي قائمةٍ بذاتها بالمعنى الحقيقي للكلمة، نظرًا للظروف الصعبة التي كانت الفلسفة والبحث الفلسفي يعيشه في الجامعات الروسية آنذاك، ونظرًا للصورة الرهيبة التي كانت للفلسفة في الرأي العام الروسي بمختلف طبقاته الاجتماعية، كأداةٍ تمثل خطرًا على استقرار البلد[1].

2. في بولندا

تتلمذ على يد كانط مباشرةً فيلسوفان بولانديان هما بوروفسكي Borowski وفاسيانسكي[2] Wasiański . ويُجمع المؤرخون على أن أفكار كانط بدأت دخول بولاندا ابتداءً من ثمانينيات القرن الثامن عشر. ونُعت كانط بـ «فيلسوف الشمال الأزلي»[3] عام 1790، وفي هذه المرحلة بدأت أيضا ترجمات مؤلفاته إلى اللغة البولاندية. وتجدر الإشارة إلى أن أول نصٍّ تُرجم لكانط إلى هذه اللغة كان «حول السلم الأبدي».

في نهاية القرن 18 وبداية القرن 19، وتحت تأثير اتجاهاتٍ فلسفيةٍ أخرى، ونتيجة التحولات السياسية والأيديولوجية في بولاندا، اهتم المفكرون في هذا البلد في عز عصر الأنوار عندهم بالربوبية Deismus الإنجليزية و«الحس العام» الإستكلندي والنزعة العقلانية

(116)

الفرنسية. وكلها اتجاهاتٌ كانت إلى حدٍّ ما ضد الميتافيزيقا، بل أكثر من هذا فهم الكثير من الباحثين البولنديين آنذاك فلسفة كانط باعتبارها ميتافيزيقا[1]، قاوموا بها الاتجاهات المذكورة أعلاه.

كلُّ باحثٍ عن تأثير الكانطية في بلاد بولاندا لا يمكنه عدم ذكر أحد أهم الأسماء البولندية التي اشتغلت على فلسفة كانط بعمقٍ، ويتعلق الأمر بماريا هونا ـ فرونسكي Maria Hoene-Wronski. وكان أول اشتغالٍ له على كانط عام 1803 بجامعة مارسيليا الفرنسية. وكان عمله هذا أوَّل عملٍ نسقيٍّ وصف التعاليم الكانطية بفرنسا. ويُجمع مؤرخو الفلسفة على أن عمل هونا-فرونسكي هذا كان أولَ عملٍ أصيلٍ عن كانط في أوروبا في ذلك الوقت[2]. في أواخر القرن 19 بدأ الاهتمام بكانط يكبر مجددًا في بولندا بفعل تأثير «النقدية الجديدة» من جهةٍ والكانطية الجديدة من جهةٍ أخرى. ونجح الجناحان معًا في الدخول المباشر في ما سُمي «مدرسة فارشاو-ليمبيرغر Warschauer-Lemberger Schule»، التي طبعت الساحة الفكرية لبولندا قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، بل إلى اليوم كذلك. وتمت ترجمة العديد من مؤلفات كانط في إطار هذه المدرسة أو بالتعاون مع الدوائر الفكرية التي كانت قريبةً منها. وتجدر الإشارة -إن لم يقل المرء بالأحرى من الغريب آنذاك- أن إعادة ترجمة «نقد العقل الخالص» تمت على يدي بولنديٍّ فينومينولوجيٍّ هو رومان إينغاردن Roman Ingarden. وإلى

(117)

حدود اندلاع الحرب العالمية الثانية بدأ المرء بالإهتمام في بولندا بفلسفة القانون وفلسفة الأخلاق الكانطية.

كانت علاقة الماركسية البولندية بالكانطية غامضةً. فقد عُمِّم بين 1945 و 1956 التأويل الستاليني الغريب للكانطية، الذي أكد على أن كانط هو أيديولوجيٌّ رجعيٌّ ويشكل خطرًا أيديولوجيًّا على التعديلية. لكن بعد 1956، مع بدايات إحلال الماركسية بالليبرالية، بدأ الاهتمام مجددًا بكانط وأعيد طبع ترجمات كتبه بالبولندية وتُجرمت كتبٌ جديدةٌ له إلى هذه اللغة. اهتم المرء في بولندا في هذه الحقبة بتركيزٍ على الأخلاق الكانطية، بل كان هناك من حاول في بولندا الجمع بين الأفكار الليبرالية لماركس الشاب والأخلاق الكانطية (كما هو الشأن بالنسبة لماريك فريتسهاندMarek Fritzhand)

يوضح هذا بما فيه الكفاية بأن المرء اهتم في هذا الإطار بمحاولة تطوير تصورٍ عن الأخلاق المعيارية في مواجهة النظرية الأخلاقية للطبقات، المعهودة في الماركسية. واُستُغلت الكانطيةُ سياسيًّا لمحاولة كسر الحضر الذي كان مطبقًا على كل ما لم يكن ماركسيًّا آنذاك، وكانت أول ندوةٍ بمناسبة مرور 250 سنة على ميلاد كانط عام 1974، جمعت ما يناهز 200 فيلسوفٍ بولنديٍّ، بمثابة فاتحة عهدٍ جديدٍ للكانطية في بولندا، بل وأيضا إعلان «الانتصار» على الفكر الشيوعي بصفةٍ عامةٍ. وقع هناك ثقبٌ في الأيديولوجيا الشيوعية هذه بفضل أفكار كانط، وأصبحت مُثُلٌ كالديمقراطية وحقوق الإنسان واستقلالية الإنسان والكرامة الإنسانية والمسؤولية الشعبية والحرية السياسية إلخ تشق طريقها في النقاشات العمومية، عن طريق الاهتمام بفكر كانط عمومًا.

(118)

يستمر النقاش في بولندا حاليًّا حول أفكار كانط، وبالخصوص في ما يتعلق بالإشكاليات الأخلاقية، وهي إشكالياتٌ يطرحها بالخصوص الفلاسفة الكاثوليك، بحثًا على العلاقة بين الإيمان والعقل ودور الكنيسة ومكانتها في المجتمع المدني في النظام السياسي السائد حاليًّا.

3. في فرنسا

يرجع الفضل للكانطية الجديدة الروسية في فتح باب الكانطية الجديدة على الباحثين الفرنسيين. فقد كان لنشر «موجزٌ للفلسفة النقدية» بالفرنسية للروسي أفرايكن سبر عام 1877. ويمكن اعتبار الفيلسوف الفرنسي «شارل بيرنار رينوفار» Charles Bernard Renouvier أحد ممثلي الجناح الكانطي الجديد الفرنسي[1]. انطلق من فلسفة كانط، لكنه وصل إلى نتائجَ مغايرةٍ له. أكد مثلا على الظاهرة كما تتجلى أمامنا، وأنكر «الشيءَ في ذاته». كما ناقش تمييز كانط بين العقل النظري ونظيره العملي، محافظًا على مقولة العلاقة كمقولةٍ وحيدةٍ، معمِّمًا إياها على كل مقولات كانط الأخرى. ونجد حضور هذا الاتجاه بقوةٍ عند ميشال فوكو في نصوصٍ مختلفةٍ له.

هناك فرنسيٌّ آخرُ اهتم بالكانطية الجديدة في مطلع القرن العشرين، ويتعلق الأمر بلاشوليي Lachelier (1832-1918)، الذي انطلق في الأصل من كانط، لكنه غيّر إلى ميتافيزيقا مثاليةٍ، قادت تلميذه بوتروكس Boutroux (1845-1918) إلى نوعٍ من فلسفة

(119)

الحرية. وهناك أيضا رويسن، الذي ألف كتابًا قائمًا بذاته عن كانط، اعتبر مرجعًا مهمًّا بالفرنسية في ذلك الوقت[1]. أكثر من هذا، حاول البعض في فرنسا ربط الكانطية بالفلسفة المسيحية[2]،

4. في أنجلترا

تُرجمت مؤلفاتُ الكانطيين الجدد الألمان، بشقيهما، إلى اللغة الإنجليزية في وقت مبكرٍ بالمقارنة مع لغاتٍ أوروبيةٍ أخرى، وبالخصوص كتاب لانغي «تاريخ المادية ونقد لأهميتها الراهنة» (ترجم عام 1880)، وأعيد طبعه مع مقدمة لبيرتراند روسل سنة 1950.

كان هناك تقاربٌ بين هاميلتون Hamilton) 1788-1856)  وتلميذه مانزل Mansel (1820-71)  في ما يخص نسبية المعرفة الإنسانية واهتمامهما بالفلسفة النقدية لكانط. لكن الاهتمام بهذا الأخير في أنجلترا لم يظهر بوضوحٍ ولم يتعزز إلى ما بعد نشر الكتاب النقدي لفسلفة كانط (1877) لصاحبه كايرد Caird (1835-1908) وتوسيعه بعد ذلك[3]. ويعتبر عمل غرين  ومدرسته «المثالية النقدية» جوابًا على التجريبية وسيكولوجية التداعي.

5. في الدول الإسكندنافية

اهتم الفيلسوفان السويدان بويتيوس Boëthius (1750-1810)

(120)

و هويير Hِijer (1767-1812) بفلسفة كانط في مطلع القرن التاسع عشر، بل كان له تأثيرٌ مهمٌّ عليهما، في مقابل مواطِنِهما بوستروم Bostrِm (1797-1866)، الذي كان يهتم بالمثالية العقلانية التي كانت سائدةً في ذلك الوقت ولم تكن له إلا القليل من النقط المشتركة مع كانط. ومن أهم الفلاسفة السويديين الذين دافعوا على الكانطية وطالبوا بتجديد وتطوير الفلسفة السويدية طبقًا للمعرفة النقدية الكانطية كان هناك فانيروس[1] Vannérus، المزداد عام 1862 وهاغرستروم Hنgerstrِm المولود 1868. وابتداءً من نهاية سبعينيات القرن التاسع عشر، نجد تأثير كانط يتزايد في الدنمارك مع كل من هيغارد Heegaard وكرومان Kromann وفيلكنس Wilkens وغيرهم؛ والنرويج مع فولد Vold.

6. في إسبانيا والبرتغال

لم يكن كانط معروفًا في هذين البلدين إلا عن طريق الترجمات الفرنسية القليلة التي كانت تصلهما. ولم يحدث التقاءٌ مباشرٌ في إسبانيا بنصوص كانط إلى بعدما ترجم إلى الإسبانية الكوبي بيريخو Perojo ، الذي دَرَسَ في جامعة هايدلبيرغ بين 1873 و1875 جزءًا من كتاب كانط المشهور: «نقد العقل الخالص»، ويتعلق الأمر بجزء: «التحليل المتعالي». بعد ذلك ذهب الكثير من الطلبة الإسبان للدراسة في ألمانيا، وبالخصوص في ماربورغ، وانضموا مبكرًا للكانطية الجديدة مثل الفيلسوف والسوسيولوجي خوزي أورطيغا غاسي José Ortega y Gasset (1883-1955)، الذي درس

(121)

في ألمانيا بين 1905 و1911 في كل من لايبتزيغ، وبرلين وماربورغ، وفي هذه الجامعة حصل احتكاكه المباشر بالكانطية الجديدة وكوهن وناتروب.

أما في البرتغال فقد مثل الكانطية، حوالي سنة 1900، فيلسوفُ القانون سيلفستر بينهايرو فيرايرا Ferreira (1769-1846) وتبعه بعد ذلك الكثير من الفلاسفة البرتغاليين.

7. في إيطاليا

لم يكن كانط معروفًا تقريبًا في إيطاليا في النصف الأول للقرن التاسع عشر، بل «حورب» أثناء المحاولات الأولى لنشر فكره في هذا البلد. فقد حاول طيستا Testa (1784-1860) في العشرين سنة الأخيرة من حياته تعويض الهيغلية التي كانت جدَّ قويةٍ في إيطاليا بالتعريف بكانط. لكن الوضع تغير عندما بدأ التقارب بين إيطاليا وألمانيا سياسيًّا في سبعينيات القرن التاسع عشر، حيث بدأت الكانطية الجديدة تأخذ طريقها في النسيج الثقافي الفكري الإيطالي بخطًى حثيثةٍ. ومن بين أهم ممثليها كان هناك كانطوني Cantoni (1906-1840)، الذي نشر كتابًا من ثلاثة أجزاء حول كانط[1] وطوكوTocco (1911-1845)، الذي ألف مونوغرافيا حول كوهن وكريداروس Credaros. وانضاف لهم مفكرون آخرون مثل وجيوبرت Giobert وفيورنتينو Fiorentino وماسكى Masci وشيابلى Chiappelli أنطونيو

(122)

روزميني سيرباتي Antonio Rosmini Serbati (1855-1797)، الذي لُقِّب بكانط الإيطالي، لأنه حاول في فلسفته التوفيق بين الفلسفة والدين.

8. في هولندا

من الملاحظات المهمة التي يمكن أن نبدأ بها هنا هو أن الاهتمام بكانط في هولندا، بدأ مع الشعراء وبعض الساسة[1]. ويرجع سبب هذا إلى أن الهولنديين لم يهتموا بالتأريخ لفلسفتهم إلا متأخرًا جدًا، ومن ثمَّ يصعب تتبّع الاهتمام بالكانطية المبكرة عند المفكرين الهولنديين. أكثر من هذا، طغى على الدراسات الفلسفية الهولندية لنهاية القرن 18 وبداية القرن 19 فقهُ اللغة القديمُ، الذي كان «عدوًّا» لدُودًا للكانطية، تحت ذريعة كونها تُسمم الفهم السليم للهولنديين ودينهم[2]. للإشارة كانت الكلفانية هي الديانة السائدة في هذا البلد. وحتى وإن التقينا ببعض الهولنديين من الفلاسفة ممن اهتم بكانط في ذلك الوقت، فإن هذا الاهتمام كان متواضعًا جدًّا، للأسباب التي ذكرناها[3]: «من الأهمية بمكان للفهم السليم للاستقبال الهولندي لكانط، هو أن هذا الاستقبال لم يتم في

(123)

الجامعات، بل في الغالب في صالونات أمستردام»[1]. والركيزتان الأساسيتان للكانطية في هولندا كانا متمثلتيْن في كل من يوهانيس كينكر Johannes Kinker (1764-1845) و باولوس فان هيمرت Paulus van Hemert (1756-1825). كان هذا الأخير قسًّا في كنيسةٍ كلفانيةٍ، عُزل عن مزاولة مهامه الكنسية عام 1784، بسبب الصراع حول إشكالية العلاقة بين الإيمان والعقل. ذلك أن الكنيسة رأت بأن هيميرت أعطى للعقل سلطةً أكثر من الإيمان. لم يستسلم هذا القس في دفاعه عن العقل أمام سلطة الكنيسة، بل هاجمها وهاجم موقفها من العقل الذي كانت تعتبره فاسدًا[2].

إذا اعتبرنا صراع الكنيسة في هولندا مع من اهتم بأفكار كانط مدخلًا للكانطية في هذا البلد، فلا يسعنا إلا التأكيد على أنّ كانط قد «غزا» جيرانه في وقتٍ مبكرٍ. ففي عام 1798، ظهرت مجلةٌ هولنديةٌ بأمستردام غيرُ ناطقةٍ بالألمانية اهتمت أساسا بالفلسفة النقدية لكانط[3]. وفي عام 1787 أعلنت أكاديمية هارليم للعلوم عن جائزةٍ لدراسة الفلسفة النقدية لكانط، فاز بها القسُّ ألارد هولسهوف Allard Hulshoff (1734-1795) ولعب دورا مهمًّا في ما بعد فيما يتعلق بالجائزة الثانية لعام 1789، حيث كان عضوًا

(124)

في اللجنة المنظمة للجائزة وهو الذي أعلن عن جائزة 1791 وكان أيضا عضوًا في لجنتها. وكان هولسهوف أصغر من كانط بعشرة سنواتٍ فقط، حصل على الدكتوراه عام 1755 بأطروحةٍ حول: «البرهان القبلي على وجود الله». وفي عام 1758 نشر مؤلفًا «أفضلُ عالَمٍ ممكنٍ» انتقد فيه بحدةٍ لايبنتز، أهدى نسخةً منه لكانط شخصيًّا عام 1790.

على الرغم من الاهتمام الظاهر لهولسهوف بفلسفة كانط، إلا أنه لم يكن متفقًا معه في كل شيء، وبالخصوص في ما يخص البرهنة على وجود الله، التي بقيت عند كانط غامضةً في نظره إلى حدٍّ ما. كما أنه اهتم بالتعاليم الأخلاقية لكانط، مبتعدًا عن التصور الأخلاقي المسيحي الأرثدوكسي المتمثل في الوصول إلى النعيم الإلهي كهدفٍ أخلاقيٍّ مفضلًا الخير الأخلاقي.

9. في اليابان

قد يكون من المفيد في هذا المقام الإشارة ولو في عجالةٍ إلى أن اليابان كان يدخل في الاهتمامات المباشرة لكانط[1]، حتى وإن كانت معرفته بهذا البلد قد تمت عن طريق الكتب فقط. فمن المعلوم أن كانط لم يغادر أبدًا مسقط رأسه، أي مدينة كونيغسبيرغ. وكانت تقارير إنغلبيرت كمبفر Engelbert Kنmpfer (1651-1716)، الطبيب والمستكشف، من بين المصادر التي اعتمد عليها كانط في اهتمامه باليابان، بل هو قد تطرق له بنوعٍ من التفصيل في محاضراته في الجغرافيًا الفيزيائية، وهي مادةٌ درَّسها أيضا. ونشر

(125)

هيلموت فون غلاسنأب Helmuth von Glasenapp ما درَّسه كانط في هذا الإطار.[1]

تعرف المهتمون بكانط في اليابان على كانط في غضون النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما بدأوا بدراسة الثقافة الأوروبية وأنظمتها الاجتماعية والسياسية. كان اسم كانط مرتبطًا عند اليابانيين بالفلسفة مباشرةً، بل مرادفًا «للفيلسوف». وابتداءً من عام 1887 قُدمت للطلبة اليابانيين تسهيلاتٌ للدراسة في أوروبا، وسافر عددٌ منهم إلى ألمانيا، ومن بين من استقر في هذا البلد كان هناك من اهتم مباشرةً بالكانطية الجديدة، سواءً اتجاه بادن أو نظيره لماربورغ. وابتداءً من ثلاثينيات القرن العشرين بدأ إنتاج نصوص عن كانط مباشرة باللغة اليابانية. وعلى الرغم من التنافس الذي كانت تعرفه الاتجاهات الفلسفية الأخرى كالمثالية والمادية والهيغلية والماركسية والفينومينولوجية والوجودية، فإن فلسفة كانط ظلت سيدتهم عند اليابانيين. ولم يفتر الاهتمام بكانط في هذه الجزيرة الكبيرة، بل عمق المرء أكثر اهتمامه به، ذلك أن «نقد ملكة الحكم» أصبح منذ 1995 حاضرًا بقوة في الاهتمامات الفلسفية اليابانية، لما له من أهمية في ما يخص إشكاليات الأخلاق اللاهوتية.

تجدر الإشارة إلى أن الترجمة المبكرة للأعمال الكاملة لكانط إلى اليابانية ساهمت لا محالة في تعزيز حضور فلسفته باليابان[2]. وفي بداية القرن الواحد والعشرين تمت ترجمةٌ جديدةٌ لهذه الأعمال

(126)

الكاملة في 22 مجلدًا. وإذا أخذنا الإقبال الكبير لليابانيين على قراءة كتب معينة لكانط كمعيارٍ لقياس التأثير الكبير له في اليابان، فإننا لا نتفاجأ إذا علمنا بأن ترجمة «نقد العقل الخالص» ونشره باليابانية في ثلاثة أجزاء[1]، أعيد طبع الجزء الأول منه 65 مرةً إلى حدود 2013. وتُرجم «نقد العقل العملي» عام 1979، وأعيد طبعه 37 مرةً إلى حدود 2012. كما تُرجم «نقد ملكة الحكم» عام 1964 في جزئين، وأعيد طبع الجزء الأول منه 33 مرةً إلى حدود 2010 وأعيد طبع الجزء الثاني 27 مرةً إلى حدود 2011. وتُرجم «حول السلم الدائم» عام 1985 وأعيد طبعه 44 مرةً إلى حدود 2013.

تعزز حضور الكانطية في اليابان في السنين الأخيرة بتأسيس «الجمعية الكانطية في اليابان» عام 1976، وابتداءً من عام 2000، تصدر «مجلة الدراسات الكانطية باليابان Nihon Kantkenkyu» وهناك مجموعةٌ يابانيةٌ أخرى تهتم بالكانطية، تسمى «مجموعة البحث الكانطية لطوكيو»، ظهرت عام 1987، وتصدر مند 1989 دوريةً سنويةً سمتها «الدراسات الكانطية الحالية Gendai Kantkenkyu».

10. في كوريا

كان أول حضورٍ لكانط في كوريا قبل 120 سنةً. خلت، في حقبةٍ تاريخيةٍ كانت مليئةً بالصراعات مع القوى الأوروبية ونهاية أسرةٍ حاكمةٍ حكمت البلاد لمدة 500 سنة. وفي هذا الجو السياسي والتاريخي حط اهتمام الفلاسفة الكوريين بكانط، وبالخصوص

(127)

في ما يتعلق بفلسفته الأخلاقية وميولاته السلمية. وبما أن الكونفوشيوسية كانت ديانةً وفلسفةً رسميةً آنذاك في كوريا، فإن الفلسفة التطبيقية لكانط كانت لها الأولوية على فلسفته النظرية، ذلك أن الكونفوشيوسية هي في المقام الأول وفي جانبها الكبير فلسفةٌ تطبيقيةٌ[1]. ومن هذه الزاوية، لم يكن من الصدفة أن أول مترجمٍ كوريٍّ لكانط، جي-هي شوي Jae-Hi Choi، ترجم ما هو عمليٌّ لكانط عام 1969.

عندما يقسم المرء فلسفة كانط التطبيقية إلى أخلاقٍ[2] وفلسفة قانونٍ[3] وعندما يتأمل المرء دخولها إلى كوريا، فإن المرء قد يلاحظ ظاهرةً غيرَ متوقَّعةٍ. ففي الوقت الذي دُرست الفلسفة الأخلاقية لكانط بإسهابٍ منذ وصولها إلى كوريا، بقيت فلسفته السياسية جانبًا نوعًا ما، ويتمظهر هذا في حركة ترجمة مؤلفاته في هذا الإطار. واعتبارًا لهذا يمكن القول أن الاهتمام بكانط كان أحادي الجانب نوعًا ما في كوريا. ويصعب فهم هذه الظاهرة أو شرحها، خاصةً إذا استحضرنا إلى الذهن بأن كوريا في ال200 سنة المنصرمة طورت ديموقراطيةً سياسيةً على مثال

(128)

أوروبا. وقد يكون سبب هذا الأمر كامنًا في الكونفوشيوسية ذاتها.

كان الطريق المباشر لوصول كانط لكوريا هي الصين. وفي زمنٍ كانت فيه البلاد تحت سيطرة اليابان، التي عرفت رواجًا كبيرًا ومكثفا للكانطية في أوساطها الفكرية والفلسفية، استطاع الكثير من الطلبة التعرف على فلسفة كانط. بعد الحرب، سافر العديد من الطلبة الكوريين للدراسة في ألمانيا، وفي أواخر الثمانينيات من القرن العشرين دخلت الكانطية بطريقةٍ منطمةٍ إلى كوريا، مُنافِسةً للهيغلية والماركسية. وفي عام 1990، تأسست «الجمعية الكانطية الكورية»، وهناك دوريةٌ نصفُ سنويةٍ مخصصةٌ «للدراسات الكانطية» في هذا البلد.

11. في الدول العربية والمسلمة

يُجمع الكثير من الباحثين على أن حضور كانط في العالم الفكري العربي والمسلم هو حضورٌ متميزٌ حاليًّا،[1] وحتى وإن نُشرت بعض النصوص الكانطية في جرائد عربية منذ نهاية القرن 19، كما يؤكد على ذلك أحمد عبد الحليم عطية، فإن الأكيد هو أن كانط لم يعرف رواجًا كبيرًا في العالم المسلم عموما إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وبدايات تحرر الدول المسلمة من الاستعمار السياسي الغربي، ودخول كانط مدرجات الجامعات، ولعل مصر كانت السباقة في هذا الإطار.

هناك الكثير من المفكرين العرب ممن اهتموا بكانط، سواءً في إطار مقررات الدراسة، التي كان عليهم تقديمها لطلبتهم في ما

(129)

يسمى بالفلسفة الغربية، أو في دراساتٍ مستقلةٍ، سواءً أكانت عبارةً عن مقالاتٍ مطولةٍ أم عبارة عن كتبٍ قائمةٍ بذاتها[1]. وتعزز حضور كانط بعدما أصبحت ترجمات كتبه متوفرةً، على الرغم من أن الكثير منها تُرجم عن طريق لغاتٍ أوروبيةٍ أخرى وبالخصوص من الفرنسية في عموم المغرب العربي (شمال إفريقيا) أو الإنجليزية في ما يخص مصر وبلاد الشام. والكتب القليلة التي تُرجمت لكانط مباشرةً من الألمانية إلى حدود منتصف التسعينيات من القرن العشرين، وحتى وإن كانت مهمةً لأخذ فكرةٍ عن فكره، إلا أن أكثريتها لا يجب التعويل عليه، لنقصٍ فيها، سواءً على مستوى اللغة كلغةٍ أو تمرير الأفكار بسلاسةٍ. لذا كان على الساحة الفكرية العربية انتظار مجموعة من الفلاسفة العرب ممن زاوجوا في تكوينهم بين الفلسفة وتعلم اللغة الألمانية بطريقةٍ جيدةٍ جدًّا[2]. وكان عام 2004، ذكرى مرور 200 سنةٍ على وفاة كانط، حافلًا بالأنشطة حول فكره في العالم العربي عمومًا، وثمّ نشرُ مجموعةٍ مهمةٍ من المجلات والجرائد لدراساتٍ مستفيضةٍ حول جانبٍ من جوانب فكره هذا[3]. وفي السنة الماضية (2017) نظم المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية (بتاريخ 15/8/2017) ندوةً تناولت فكر الفيلسوف كانط بحضور محمود حيدر، جميل قاسم، حسين صفي الدين، هادي قبيسي (قدم

(130)

مداخلته بالنيابة جمال عمار». وإن دل هذا الاهتمام عن شيءٍ، فإنما يدل على أن فكر كانط حاضرٌ بما فيه الكفاية في العالم الإسلامي المعاصر.

انكب اهتمام المفكر العربي على فلسفة الأخلاق الكانطية[1] والدين وفكرة الحرية والسلام[2] وفلسفته النقدية[3] والثورة[4] والتنوير والإبستيمولوجيا ونظرية المعرفة[5] إلخ. فنظرة ولو خاطفة على هذه الإهتمامات توشي بأن حضور كانط لم يكن حضورًا مناسباتيًّا وحسب، بل نلمس استمرارية في الزمن لم تكتمل بعد، لأن هضم فكر فيلسوفٍ شغل عالم الفكر منذ أكثر من ثلاثة قرونٍ، لم يكتمل بعدُ عالميًّا أيضًا[6]. حاول التحليليون إيجاد جذورٍ لهم في فلسفته، والشيءُ نفسُه بالنسبة للبنيويين والماركسيين والوضعيين إلخ. كما

(131)

أن ما يُسمى بفلاسفة ما بعد الحداثة وفلاسفة الحداثة أنفسهم[1]، لم يستطيعوا الاستغناء عن كانط. أكثر من هذا يعتبر هابرماس فلسفة الحداثة مستمرةً لم تُتَجاوَز بعدُ منذ سؤال كانط: «ما التنوير؟»[2].

لا يرجع، في اعتقادنا، اهتمام العرب والمسلمين بكانط إلى اهتمامه هو نفسه بالمسلمين في العديد من كتبه[3]، بل إلى غنى ما درسه وألف فيه، وأهمية إرثه هذا للمسلمين باعتباره فيلسوفًا عبّر في زمانه عن الكثير من الإشكاليات التي شغلت وتشغل المفكر العربي والمسلم سواءً في ما يخص الدين أو السياسية أو الأخلاق وتنظيم المجتمع. ذلك أن راهنيته في الساحة العربية والمسلمة لا غبار عليها، ويتجلى ذلك في كثرة الأطروحات والبحوث الجامعية، إضافةً إلى المؤلفات، حوله في الكثير من الجامعات العربية والمسلمة.

في جانب المشرق من العالم الإسلامي الحالي -إيران-، لم يكن حظ كانط من الدراسة والتمحيص أقل منه في العالم العربي. فالشيخ

(132)

مرتضى مطهري ( 1919-1979)[1]، أحد رواد النهضة الإسلامية، في اهتمامه بتأصيل الهوية المسلمة بما يتناسب وإكراهات الشريعة وضروريات العصر، وبالأخص في ما يتعلق بقيامه بالنقد الذاتي للمسلمين ونقد الآخر، اهتم من بين من اهتم بهم من الفلاسفة الغربيين بكانط. عرض البعض من معارفه في ميادينَ معرفيةٍ مختلفةٍ وحللها وانتقدها بعقلٍ نيِّرٍ وعميقٍ.

نظرًا للعائق اللغوي، فإن المهتم العربي بالفكر الفلسفي الإيراني الغني، وبالخصوص في تعامله المرن مع الفكر الغربي، لا يسعه إلا أن ينتظر ترجمات المؤلفات الإيرانية إلى العربية للاطلاع على كيفية تعاملهم مع الإرث الكانطي. ومن المفيد أن نشير ولو في عجالةٍ إلى أحد الاجتهادات الإيرانية المعاصرة بخصوص فكر كانط، ويتعلق الأمر بـالباحث رضا گندمي نصر آبادي[2]، الذي أقدم على دراسةٍ أصيلةٍ -ولو أنها قصيرةٌ- لعلاقة كانط بالعلمانية حيث يقول في مقدمة بحثه هذا: «إن جذور العلمانية باديةٌ بوضوح في جميع مؤلفاته ولا سيما تلك المرتبطة بدائرة الحقل العملي وخاصة كتاب (الدين في حدود العقل) ... في هذا المقال سنكتفي بالإجابة عن السؤال الأول فقط. وهو السؤال القائل: ما الدور الذي لعبته فلسفة كانط ـ الأعم من النظرية والعلمية ـ في ظهور الفكر العلماني

(133)

وانتشاره؟ وقبل كل شيء نقدم خلاصة لآراء (كانط) في نقد العقل المحض، وارتباطها بالعلمانية، لننتقل بعد ذلك إلى أعماله في حقل نقد العقل العملي».

الجزء الثاني: راهنية الكانطية الجديدة

الواقع أن الرجوع إلى كانط لم يقتصر على الكانطية الجديدة بكل تلويناتها، بل كان هناك فلاسفةٌ رجعوا له قبل الكانطية الجديدة كياكوب فريس ويوهان هيربارت ورودولف لوتسا وويليام ديلتي؛ وهناك من رجع له بعد ظهور الكانطية الجديدة كياسبيرس وهايدغر ونيكولاي هارتمان ومدرسة فرانكفورت وفوكو وفرانسوا ليوطار وغيرهم كثيرٌ. ويكمن الفرق في الاهتمام بكانط من طرف من ذكرناهم وبين الكانطية الجديدة، في كون هذه الأخيرة كانت تهدف إلى تطوير فلسفة كانط: «إننا كلنا ممن يتفلسف في القرن التاسع عشر تلامذة كانط. لكن «رجوعنا» الحالي له اليوم لا يجب أن يكون تجديدًا للشكل غير المشروط تاريخيًّا وحسب، حيث قدم فكرة الفلسفة النقدية. فكلما لمس المرء بعمقٍ التناقض الموجود بين مختلف أشكال فكره، كلما عثر على الوسائل لدراسة الإشكاليات، التي خلقها عن طريق حله لإشكالياته. ففهم كانط يعني تجاوزه»[1]. ما يُميز الكانطية الجديدة في اهتمامها بكانط عن باقي كل من اهتم به هو كونها لم تقتصر على شرح فكره الفلسفي لغويًّا وتاريخيًّا، بل حاولت تطويره وتوسيعه وتحيينه نسقيًّا؛ لأن الإشكاليات الفلسفية التي حلها، طرحت إشكالياتٍ جديدةً، تطلبت حلولًا جديدةً أيضا.

(134)

وهذه ميزةٌ تُميّزها عن الفهم الهيغلي للتطور التاريخي عمومًا، أي تأكيده على سيرورة تطور لها بدايةٌ ونهايةٌ. فالطريق الكانطي الجديد، الذي سار عليه فيندلباند، لا يُقدم أيِّ تطورٍ عموديٍّ لتاريخ الفكر الفلسفي، بقدر ما يؤكد على التطور غير النهائي للإشكاليات الفلسفية. ولربما لهذا السبب نجد حاليًّا انتعاشًا ملحوظًا في الاهتمام بكانط، بعد فترةٍ معينةٍ من فتور الكانطية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، ويُترجم هذا الاهتمام في على أكثر من مستوًى، سواءً في الجامعات الغربية كمؤسساتٍ رسميةٍ، أو عند الكثير من المفكرين.

1. فتور الاهتمام بالكانطية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية

قد يكون من الضروري التساؤل عن مصير الكانطية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية وما آل إليه البحث في هذا الاتجاه، خاصةً ونحن نعلم بأنّ دعم، بل ومشاركة بعض أقطابه في النازية لم يكن سرّا خافيًا على أحدٍ. هل يمكن الحديث بالفعل عن أيِّ راهنيةٍ للكانطية الجديدة، أو حتى على ما بعد كانطية جديدة في عصر «المابعد»؟ كيف «تسربت» الكانطية الجديدة لعالم القرن الواحد والعشرين وأين تتجلى بصماتها؟

قد تكون الإجابة عن هذه السلسلة من الأسئلة بمثابة مشروع بحثٍ مستقلٍّ، لأنّ مادةَ البحث غنيةٌ ودسمةٌ، من شأنها توفير الفرصة لإصدار بحثٍ قائمٍ بذاته عن الموضوع. لذا نكتفي هنا ببعض الإشارات التمهيدية، التي قد تُحمِّس باحثين آخرين لإتمام البحث في هذه النقطة، من أجل إتمام فهمنا للكانطية الجديدة

(135)

وأخذ موقفٍ أقربَ إلى الموضوعية منها، لتعزيز أخذ موقفٍ ثقافيٍّ وحضاريٍّ مما يُروَّج في الساحة الثقافية الناطقة بالعربية، كمسؤوليةٍ حضاريةٍ يتحملها الجيل الجديد من الباحثين العرب.

يؤكد غيرت إيدل[1] Geert Edel على إن الادعاء القائل بأن الكانطية الجديدة قد صبت كرافدٍ مُهمٍّ في «بحر» التحليل اللغوي والهيرمونيطيقا هو ادعاءٌ «رخيصٌ» لم يفهم بعدُ عمق ومدى الكانطية الجديدة. فعندما يتأمل المرء إنتاجات مؤرخي الفلسفة المعاصرين[2]، فإنه يلاحظ وكأن المرء يحاول جاهدًا وضع سدٍّ «اصطناعيٍّ» أمام الكانطية الجديدة، التي لا يشار إليها إلا عرضيًّا وباختصارٍ شديدٍ للغاية، وكأنها انتهت بالتحفظ المشهور لهوسرل اتجاهها عندما أكد بأن الفينومينولوجيا هي نتيجة: «عدم ثقةٍ اتجاه البناءات المثالية التأملية للكانطية الجديدة». ويشخص إيدل أسباب محاولة إقصاء الكانطية الجديدة من طرف مؤرخي الفلسفة المعاصرين في اعتبارهم إياها بقايا فكر القرن التاسع عشر، وهي بقايا تُجُووِزَت ولم تبق لها أيُّ أهميةٍ تُذكر، كما عبر هايدغر وغادامير Gadamer وأتباعهم مثلا على ذلك؛ بل يُهاجم المرء الكانطية الجديدة بسلاح الكانطي الجديد كوهن، الذي قال عنها بأنها ليست علميةً. أكثر من هذا فإن إيدل يرى بأن أحد الأسباب الحاسمة في عدم التطرق للكانطية الجديدة، أو المرور عليها مرور

(136)

الكرام فقط، في التاريخ المعاصر للفلسفة هو سببٌ سياسيٌّ محضٌ، تمخض عن الحرب العالمية الأولى واعتبار الإنجليز بالخصوص الكانطية الجديدة بمثابة الفلسفة الرسمية لألمانيا، نظرًا للمواقف التي أبان عنها الكثير من ممثليها قُبيل وأثناء هذه الحرب، دفاعًا عن وطنهم، لكونهم كانوا قوميين في غالبيتهم. وبهذا عوضت «الفلسفة التحليلية» الكانطية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية،  مقدمةً نفسها بأنها فلسفةٌ داتُ منحًى علميٍّ، أيْ علميةٌ.

وعلى الرغم من كل محاولات الإقصاء هذه[1]، فإن الكانطية الجديدة ظلت صامدةً وتابعت «الفتوحات» الكانطية مع مجموعةٍ من الفلاسفة المعاصرين من مختلف الأقطار والقارات إلى اليوم، ولم يكن فوكو مخطئًا تمامًا عندما قال: «إننا كلَّنا كانطيون جددٌ».

إن الهم الجوهري للدراسات الكانطية الجديدة في الوقت المعاصر هو تساؤلها الثلاثي الأبعاد: الموضوع الأساسي للكانطية الجديدة، نتيجتها السوسيو ـ العلمية التاريخية وثقلها الثقافي.

تطرح الدراسات الحالية وجهة النظر الداخلية لتساؤل الكانطيين الجدد أنفسهم، وهو تساؤُلٌ اهتم، نتيجة التركيب الكانطي، بإشكالية الوحدة للتفكير في «وحدة الوعي والعقل» كشرطٍ لـ«وحدة التجربة»[2].

(137)

إلى جانب المواضيع المركزية للكانطية الجديدة، يهتم البحث حاليًّا في بعده العلم ـ سوسيولوجي التاريخي من جهة بخاصية الكانطية الجديدة، والذي يتجاوز المدرستين المعروفتين (بادن وماربورغ)، ومن جهةٍ أخرى تتساءل عن معايير انتمائها للكانطية. ويتميز هذا البعد ببناء بعدٍ داخليٍّ متباينٍ للكانطية الجديدة، وهو بعدٌ يُوضَع موضعَ تساؤُلٍ عن طريق بعدٍ خارجيٍّ يتساءل عن وحدته. ذلك أن التمييز الداخلي لهذا الاتجاه الفلسفي يميز بين توجُّهٍ فيزيولوجيٍّ (هيلمهولتس، لانجي) وتوجُّهٍ ميتافيزيقيٍّ (ليبمان، فولكيلت Volkelt) وتوجُّهٍ واقعيٍّ (ريهل) وتوجُّهٍ منطقيٍّ (كوهن، ناتروب، كاسيرر) وتوجُّهٍ قيميٍّ نظريٍّ ونقديٍّ (فيندلباند، ريكرت، مزنستربيرغ) وتوجُّهٍ نسبيٍّ (سيمل Simmel) وتوجُّهٍ سيكولوجيٍّ (فريس والمدرسة الفريسية الجديدة). يطرح إذًا هذا التنوع الداخلي إشكالية معيار الانتماء إلى الكانطية الجديدة، بمعنى ما يوجد داخلها ويُحسب عليها؟ وما يوجد خارجها ولا يُحسب عليها؟

أما البعد الثالث فإنّه ذو طبيعةٍ ثقافيةٍ فلسفيّةٍ، تركّز على وحدة التطلعات الفلسفية والعلمية للقرن التاسع عشر. وبما أن الكانطية الجديدة كانت تطمح إلى ضم خيوط الثقافة العقلية الكانطية إلى نسيج الوعي الثقافي الفعلي للقرن التاسع عشر، اعْتُرِفَ للكانطية الجديدة بحافزٍ تاريخيٍّ، له صلةٌ وثيقةٌ بظهور مفهومٍ للثقافة وللوعي، مغايرٍ كمفهومٍ زمنيٍّ تاريخيٍّ للمثالية التاريخانية الألمانية.

 

 

(138)

2. ما بعد الكانطية الجديدة

يتحدث هانس ـ لودفيغ أوليغ[1] Hans-Ludwig Ollig عما سماه: «الكانطية الجديدة الجديدة Der Neoneokantianismus»، التي اهتمت أساسًا بالفلسفة الترنسندالية. ويذكر من بين من يذكر رودولف تسوخر Rudolf Zocher (1976-1887)، الذي كان تلميذًا لريكرت، وكانت هناك أسئلةٌ جوهريةٌ كثيرةٌ شغلته في بحثه حول الكانطية ومنها بالخصوص تساؤله حول مساهمة النسق النقدي الكانطي في تأسيس التفكير الفلسفي. وتتضمن هذه الإشكالية الجانب النقدي لكانط وجانبًا تأسيسيًّا يُحيِّن فيه التعاليم الأساسية لكانط. وفولفغانغ كرامر Wolfgang Cramer (1974-1901)، الذي من بين من تتلمذ على يدهم الكانطي الجديد ريخارد هونيغسفالد. حاول كرامر، انطلاقًا من الكانطية الجديدة، تجاوز الفلسفة الترانسندالية وتطوير نظريةٍ حول المطلق. وكان منطلقه النسقي في هذا الإطار انشغاله بالمثالية المتعالية لكانط ومونادولوجيا لايبنتز، محاولًا تأسيس أنطولوجيا متعاليةٍ. واهتم بالخصوص من زاويةٍ نقديةٍ بدحض كانط للبراهين على وجود الله. ومارس هذا الاهتمام الفلسفي الخاص بكرامر «سحرًا» خاصًّا على مجموعةِ من الفلاسفة الألمان الآخرين، ممن يمكن تأطيرهم في خانة «مابعد الكانطيين الجدد»، ومنهم هانس فاغنر Hans Wagner (2000-1917)، الذي حاول توسيع الكانطية الجديدة والفينومينولوجيا، معتمدًا في ذلك على كانط في المقام الأول ـ وبعض الشيء هيغل-، مساهمًا بدوره في تأسيس الفلسفة المتعالية.

(139)

قبل حوالي ربع قرن (1995) ظهر عملٌ في ألمانيا يهتم بـ «ما بعد الكانطية الجديدة»، ويوثق لها منهجًا وموضوعًا انطلاقًا ممن اشتغل عليها وأنتج فيها. وبهذا قدم صاحبها كورت فالتر تسايدلر Kurt Walter Zeidler خدمةً جليلةً للخزانة العالمية في هذا الإطار[1].

انطلاقًا من عنوان هذا الكتاب يفهم المرء مضمونه والحيز الزمني الذي يهتم به. فأما من حيث الموضوع، فإن الأمر يتعلق بالتأسيس النسقي لما بعد الكانطية الجديدة، التي تشبثت بالبعد المتعالي والنسقية في اهتمامها بفلسفة ما بين الحربين العالميّتين وما بعدها (الأنطولوجيا الجديدة والفلسفة الوجودية وفلسفة الحياة)؛ بمحاولة تقديم الصلاحية الأزلية للفكرة والوجود الزمني الداخلي، بطريقةٍ ديالكتيكيةٍ أو مونادوليجيةٍ. ويفهم المرء البناءات النسقية المابعد الكانطيية الجديدة بطريقةٍ أفضلَ، عندما يسلط الضوء على اختلافهم مع الكانطية الجديدة. فبسبب رفضهم «بناءَ موضوعٍ مثاليٍّ»، اهتموا بإشكالية تحقيق التعالي أو فلسفةٍ ذاتيةٍ فعليةٍ. وبما أنه بالإمكان وصف فينومينولوجيا هوسرل والأنثروبولوجيا الفلسفية بالطريقة نفسِها، فمن الضروري فهم إشكاليات مابعد الكانطية الجديدة لا كتوديعٍ للإرث الكانطي الجديد، بل كتتمةٍ له، لأنه أظهر مقاومةً اتجاه محاولات إعادة بناء صلابته النظرية، وبذلك كان من

(140)

الضروري إعادة النظر في الكثير من أحكامه المسبقة في ما يتعلق بالاتجاهات الفلسفية المعاصرة.

ابتداءً من 2009، تُوجد نشرةٌ رقميةٌ سنويةٌ خاصةٌ بالتعريف بأحدث ما يصدر من بحوثٍ ومقالاتٍ وندواتٍ حول مابعد الكانطية الجديدة[1]، يسهر عليها الهولاندي كريينن Ch. Krijnen ، أحد المتخصصين المعاصرين في مابعد الكانطية الجديدة، لأنه فتح آفاقًا جديدةً في البحث في هذا الاتجاه. وفي غضون سنواتٍ قليلةٍ فقط أصبحت هذه النشرة الرقمية مصدر معلوماتٍ مهمةٍ للغاية للمختصين وغير المختصين، المهتمين بالكانطية الجديدة وبما بعد الكانطية الجديدة. وتَجمع النشرةُ كل المساهمات التي تصلها من مختلف بقاع العالم[2]، وإن دل هذا على شيءٍ، فإنما يدل على حيوية ونشاط الكانطية بصفةٍ عامةٍ والكانطية الجديدة وما بعدها؛ وهي حيويةٌ تُعبّر في آخر المطاف على غنى وعدم فتور الفكر الكانطي نفسه، بل إنه مُستمرٌّ في البوح ببعض أسراره للمهتمين بالفكر الفلسفي عمومًا.

3. الكانطية وما بعد الحداثة

ليس هناك أيُّ أدنى شكٍّ في التأثير الواضح والحاسم لكانط في الحداثة الأوروبية وعقلانيتها التنويرية. الشيءُ نفسُه يمكن تأكيده في ما يخصّ «مابعد الحداثة»، كما يؤكد على ذلك الكثير من الباحثين،

(141)

ومنهم كارولا هينتش[1] Carola Hنntsch مثلًا، على الرغم من أنها تؤكد في الوقت نفسه على قلة البحوث التي تهتم بهذا الموضوع. وركزت هينتش في بحثها هذا على مستوياتٍ ثلاثةٍ مهمةٍ، تعلق الأمر في الأول منها بالمنطلقات والاختلافات في الحداثة وما بعد الحداثة. ثم تطرقت إلى موقع/مكان كانط في هذا الاختلاف، مقدمةً بعض المساهمات الفلسفية المابعد حداثية، وبالخصوص الفرنسية منها، التي اهتمت بكانط بعد الكانطية الجديدة، إذا لم نقل بأنها اعتمدت عليها أيضًا في الكثير من الجوانب في اهتمامها بكانط.

إن المقصود بفلسفة الحداثة عند هينتش هي فلسفة العصر الحديث، التي جعلت من الإنسان مركز اهتمامها، معتبرةً إياه موجودًا عاقلًا ومفكِّرًا، وبالخصوص مع فرانسيس بيكون Francis Bacon وديكارت. إن الحداثة إذًا هي تفكيرٌ انطلاقًا من الهوية Identitنt والوحدة Einheit. فالعقل Vernunft الحديث هو عقلانيةٌ Rationalitنt. وتجد الحداثة بهذا المعنى مداها الأقصى في التنوير. من هنا فإن الفكر الغربي المعاصر هو وريث هذه الحداثة وهذا التنوير، وفيه تجد الحداثة استمراريتها. وعلى الرغم من عقلانيته التنويرية، فإن هذا الإرث الحداثي الأوروبي لم ينجح في تجنيب الغرب الأوروبي أهوال حروبٍ ونزاعاتٍ وأزماتٍ مُدمِّرةٍ في القرنين العشرين والواحد والعشرين. وهذا ما أدى إلى التساؤل النقدي من جديدٍ حول العقل الإنساني وقدرته وكفاءته

(142)

في فهم الحداثة كعقلانيةٍ معياريةٍ، وبالخصوص في فرنسا ابتداءً من ثمانينيات القرن العشرين؛ ومن هنا ظهور مصطلح «مابعد الحداثة». وتحدد هينتش هذا المصطلح كالتالي: «إنني لا أستعمل المصطلح لتشخيص حقبةٍ فكريةٍ جاءت بعد الحداثة، لكن كمفهومٍ للتعبير عن طريقةٍ مغايرةٍ في التفلسف، طريقةِ تفكيرٍ تضع الخطاب الحداثي موضع تساؤلٍ في ما يتعلق بفرضياته وخلفياته العلمية والفلسفية السياسية»[1].

على الرغم من كل الانتقادات التي وجهها هابرماس مثلا لمنظري ما بعد الحداثة، يبقى التأكيد على أن هذه الأخيرة فرضت نفسها آخر المطاف في الأوساط الفلسفية وساهمت إلى حدٍّ كبيرٍ في فتح آفاقٍ فلسفيةٍ نقديةٍ شاسعةٍ أمام الجيل الشاب من الفلاسفة المعاصرين، بتأكيدها على ضرورة التركيز على الفرد وعلى المسؤولية، وهنا بالضبط نلمس «معانقتها» للكانطية. وهذا ما يُخوّل لنا القول بأن مابعد الحداثة لم تتأسس فقط على فلسفة نيتشه والسابقين واللاحقين له، بل أيضا على فلسفة كانط كما نجد ذلك عند الكثير ممن دافعوا على ما بعد الحداثة مثل ليفيناس Levinas وليوطار Lyotard وفوكو Foucault وبورديو Boudieu ودولوز Deleuze وديريدا Derida وغيرهم. والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في هذا الإطار هو: كيف يمكن شرح هذا الرجوع الكثيف لكانط من طرف المابعد حداثيين، على الرغم من أن المرء هاجمهم بدعوة هدمهم للعقلانية الأوروبية، وهي العقلانية التي أسسها كانط نفسه؟

وجدت الفلسفة الأوروبية نفسها في نهاية القرن العشرين

(143)

مضطرةً لفهم كانط كناقدٍ للعقل، وهو فهمٌ ناتجٌ في المقام الأول عن الاهتمام بالتأويل الهايدغري لكانط. وقد طال نقد كانط الدين والدولة والعقل ذاته. وبهذا لا يُعتبر فيلسوف «العقل الخالص»، لكن ناقد هذا الأخير. بعبارةٍ أخرى كان البُعد النقدي للعقل عند كانط، بكل النتائج المترتبة عنه في ما يخص التفكير في الأخلاق والإستيطيقا والسياسة، هو الذي استهوى -إلى جانب نيتشه- الكثير من المفكرين الفرنسيين، وهذا ما فتح لهم الباب على مصراعيه لتقديم محاولات مابعد حداثية.

4. دائرة فيينا المعاصرة والكانطية الجديدة

قد نعتبر اهتمام دائرة فيينا بالكانطية الجديدة في السنين القليلة الماضية نوعًا من ما بعد الكانطية. ويتمظهر هذا الاهتمام في فتح تكوينٍ رسميٍّ بجامعة الفلسفة بفيينا، حيث مقر دائرة فيينا، والندوات التي شاركت هذه الدائرة في تنظيمها حول الموضوعِ نفسِه[1]، شارك فيها الكثير من أقطاب دائرة فيينا المعاصرين، وعلى رأسهم مدير «دائرة فيينا» الحالي فريدريك شتادلر[2] Friedrich Stadler.

(144)

ويؤكد هذا الأخير في هذا الإطار على اهتمام العديد من الوضعيين الجدد لدائرة فيينا بفلسفة كانط النظرية والتطبيقية وبأشكالٍ متعددةٍ للكانطية الجديدة، على الرغم من الموقف الحاسم المبدئي للوضعية المنطقية الرافضة لكانط. ويرجع ممثلو دائرة فيينا الذين يهتمون بكانط والكانطية الجديدة بالخصوص إلى ثنائية التركيب والتحليل والقبلية والواقعية والضرورة القطعية. ويسجل شتادلر غياب بناءٍ متكاملٍ لحضور كانط في دائرته، بعيدًا عن السجالات الفلسفية القديمة بين دائرة فيينا والكانطيين الجدد، بحيث إن الوضعيين الجدد عابوا على الكانطية غياب فلسفة علمٍ فيها ورفض الكانطية الجديدة للوضعية التجريبية وحواشيها (العقلانية النقدية والتعاليم القانونية الخالصة).

الإهتمام نفسُه نجده عند الوضعيِّ الجديد المعاصر ماسيمو فيراري Massimo Ferrari، الذي اهتم أساسًا بالكانطي الجديد كاسيرر والوضعيِّ المنطقي شليك[1]، لا في إطار الخصومات المبدئية بين الاتجاهاين، والتي دُرِست بما فيه الكفاية، كما تشهد على ذلك دراساتٌ متعددةٌ، بل انصب اهتمامه على شروط ونتائج مواقف شليك وكاسيرر في إطار الفلسفة الألمانية. ذلك أن شليك اهتم بين 1910 و1918 بمدرسة ماربورغ وكاسيرر، كما اهتم هذا الأخير في وقتٍ متأخِّرٍ بالطبعة الأولى من مؤلف شليك: «نظرية المعرفة العامة».

في الاتجاه نفسِه، اهتم وضعيٌّ جديدٌ آخرُ، هو طوماس مورمان[2]

(145)

Thomas Mormann، بعلاقة كاسرير بدائرة فيينا بعد 1933، مؤكِّدًا على كون كاسيرر ربطته علاقاتُ صداقةٍ فكريةٍ مع بعض المنضوين لدائرة فيينا آنذاك، ومن هذه العلاقات نتجت نقاشاتٌ مهمةٌ بينهم، وبالخصوص مع الوضعيّ الجديد هانس رايخنباخ، حول نظرية النسبية الأينشطاينية والعلاقة بين فلسفة العلوم الوضعية ونظيرتها الكانطية الجديدة في بدايات عشرينيات القرن العشرين.

أما ميخائيل هايدلبيرغر[1] Michael Heidelberger فقد حاول إظهار الخلفية الكانطية الجديدة لأحد أقطاب الوضعية الجديدة بفيينا، موريتس شليك، في ما يخص اهتمامه الرئيسي قبل الانتماء لدائرة فيينا، ويتعلق الأمر بنظرية العلاقة بين الجسم والروح، التي اشتغل عليها الكانطي الجديد ألوايس ريهل Alois Riehl.

هناك إذًا اهتمامٌ واضحٌ للوضعية المنطقية لدائرة فيينا الحالية بالكانطية الجديدة في السنين الأخيرة، وفي غياب أيِّ دراسةٍ حول أسباب ونتائج هذا الاهتمام، فإننا نُدرجها من جانبنا مؤقَّتًا في إطار المابعد الكانطية الجديدة، وهو إدراجٌ تمليه علينا فرضيةٌ مضمرةٌ ثنائيةٌ تتمثل في إما محاولة «ابتلاع» دائرة فيينا المعاصرة للكانطية الجديدة، أو وعيها بأهمية فلسفة كانط في ميدان إبستمولوجيا العلوم بصفةٍ عامةٍ، أي الميدان المفضل للوضعية الجديدة بصفةٍ عامةٍ.

(146)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

مرتكزات الكانطية

 الجديدة ونقدها

 

(147)

الفصل الخامس: مرتكزات الكانطية الجديدة ونقدها

الجزء الأول: بعض مرتكزات الكانطية الجديدة

إنّ الانتماء إلى نفس التيار الفلسفي الكانطي الجديد، لم يكن سببًا لقيام وحدةٍ بين اتجاهاته الرئيسية واتجاهاته الفرعية في ما يخص النقاط المحورية وبالخصوص في ما يخص تأويلهم لكانط، بما في ذلك الاتجاه الذي يجب تتبعه لتطوير فلسفته النقدية. وعلى الرغم من أن الحركة المثالية لهذا الاتجاه، التي قامت قبل أكثر من مائة سنةٍ كانت تؤكد بأنها ليست إلّا فلسفةً كانطيةً، لكنها طُورت في مناحٍ كثيرةٍ أفكار كانط نفسه، عكس الدراسات الكانطية الحديثة، التي لا تبارح الفلسفة الكانطية ذاتها في منطلقاتها والتصاقها بمؤلفات كانط.

على الرغم من الاختلافات التي نجدها بين الكانطيين الجدد، فقد اشتركت كلُّ مدارسها في خصوصيات نُجملها كالتالي:

- التركيز على نظرية المعرفة في أبحاثها.

- الاستغناء على «الشيء في ذاته Ding an sich».

- تجاوز كانط بعد فهمه.

بالنسبة لمدرسة ماربورغ، فإن الكانطية الجديدة هي فلسفةٌ، وبالخصوص نظريةُ معرفةٍ ونظريةٌ علميةٌ. وبالرجوع إلى الاستنتاج المتعالي الكانطي، حاولت هذه المدرسة تأسيس الشروط المنطقية

(148)

للعلوم الطبيعية والرياضيات، أي نوعًا من «المثالية المنطقية»؛ كما نجد ذلك عند أهم ممثلي هذه المدرسة من أمثال هرمان كوهن Hermann Cohen، باول ناتورب Paul Natorp، إرنست كاسيرر Ernst Cassirer، برونو باوخ Bruno Bauch وريخارد هونيغسفالد Richard Hِnigswald.

في حين ركزت مدرسة بادن على إشكالية القيم. وقد كان هناك نوعٌ من العداوة بين ممثلي المدرستين. وعلى الرغم من ذلك يظهر بأن الأساسي بالنسبة للكانطية الجديدة كان هو «المثالية»، وبهذا فإنها تذكِّر كثيرًا بأفلاطون. ففي الوقت الذي نجد فيه المثالية الذاتية عند ممثلي مدرسة ماربورغ، نجد ما سُمي بالمثالية الموضوعية عند رواد مدرسة بادن.

وقفت الاتجاهات الكانطية الجديدة فى وجه المذاهب الميتافيزيقية التقليدية وكانت تؤمن بأنه بإمكان الفلسفة اكتساب صفات العلم «إذا سايرت طريقة كانط النقدية». من هذه الزاوية يمكن القول بأن ظهور الكانطية الجديدة هو تجسيدٌ لما قاله كانط، والمتمثل في اعتقاده بأن نتائج فكره ستتحقق مائة عام من بعده. ويمكن القول عموما بأن ما يَجمع الكانطيين الجدد هو:

- حملوا على عاتقهم مهمة إعادة إحياء الفلسفة وإنقاذ الوعي الأوربي من مخالب المذهب التجريبي والتأويلات الوضعية لكانط، بقراءة كانط عن طريق أفلاطون، وتغليب الجانب القبلي اللاتجريبي اللانفسي النقدي فى فلسفته، وتأسيس الفلسفة على الفكر الخالص. كما كرسوا جهودهم على البحث عن المنطقي والقبلي المستقل

(149)

عن التجربة فى شتى العلوم الإنسانية فى الجمال والأخلاق وعلم النفس والقانون والاجتماع والتاريخ إلخ. فـ «الشيء في ذاته» -كما سبقت الإشارة مرارًا وتكرارًا- هو عندهم تصوُّر محدّدٌ مستقلٌ عن العقل، أما عالم الظاهر فإنه عالمٌ واقعيٌّ، هو عالم الأفكار. ولهذا السبب اعتبرت الكانطية الجديدة إحدى صور المثالية.

- انتسابهم جميعا إلى كانط، الذي يعتبر في نظرهم مفكر الثقافة الغربية الحديثة بامتيازٍ. تقبل الأغلبية الساحقة منهم مجموعةً كبيرةً من مواقفه الأساس: يرفضون مثلًا المنهج النفسي والميتافيزيقا، معتبرين هذه الأخيرة مستحيلةً وغيرَ ممكنةٍ. كما نادوا بإحلال المنهج المتعالي (الترنسندنتالي) في الفلسفة عوض  المنهج النفسي وكلِّ منهجٍ تجريبيٍّ آخرَ.

- مِثْل كانط، يُعتبرُون كلُّهم «تجريديِّين/تصوريِّين»، ينكرون وجود الحدس العقلي. فالعقل بالنسبة لهم ما هو إلا ملكة تكوين الكل، انطلاقًا من عناصره ولا يسمح بأيِّ قدرةٍ باستثناء قدرة التركيب. والنتيجة، باستثناء لاسك Lask، هي تأكيدهم على عدم وجود معرفةٍ لمضمون الأشياء.

- يُعتبرون مثاليّين فى نظرية المعرفة. لا يتم فعل المعرفة في نظرهم في عملية إدراك الموضوع، بل فى خلق الموضوع نفسه.

كما رأينا، عرفت الكانطية الجديدة انتشارًا كبيرًا في العالم كله تقريبًا وهو انتشارٌ لازال ساري المفعول، بالنظر إلى الدراسات المعاصرة التي تهتم بجانبٍ من جوانب هذا الاتجاه الفلسفي. وهذا ما يجعل منها الاتجاه الأوسع في نظرية المعرفة.

(150)

عندما نُمعن النظر في عمق الكانطية الجديدة، بكل اتجاهاتها والمشتغلين عليها، فلا يمكن ألّا نلاحظ بأنها كانت نتيجة ما نسميه هنا بـ «العصر الطبيعي»، بحيث نجدها ملتصقةً أيضا بالعلوم الطبيعية الحقة، وبالخصوص الفيزياء[1]، تمامًا كما نجد ذلك عند كانط نفسه.

من بين النقط التي يُجمع عليها الكانطيون الجدد بمختلف ميولاتهم الفلسفية هي تأكيدهم على أنه لا يمكن معرفة الواقع كما هو، كما تعتقد الواقعية الساذجة. بمعنى أن التأكيد يخص المسائل التي تُعتبر علميةً محضةً، فالألوان مثلًا أو الأصوات لا توجد كما نراها ونسمعها، بل تُعتبر تابعةً لتصورنا لها. وعندما نستقرأ هذا الإجماع الكانطي الجديد، ونُصغي جيدًا لتاريخ الفلسفة الغربية، فإننا نجده بكمياتٍ متساويةٍ عند هيوم ولوك وديكارت وغاليلي. فلم يكن كانط السبَّاق «لاكتشاف» هذا الأمر، حتى وإن كان لزامًا علينا الإقرار بأنه هو الذي عبّر عنه بطريقةٍ نسقيةٍ عميقةٍ.

أما الخاصية المشتركة الثانية للكانطية الجديدة فتتمثل في الاقتناع القائل بأن الطبيعة لا تُعتبر مضمونًا لتمثلاتنا الحسية، لكنها تُعتبر في مجموعها الجوهري نتاج فكرنا/تفكيرنا. وباهتمامها النسقي للبرهنة على هذه «الأطروحة» اكتسبت الكانطية عموما مكانةً مهمةً في عالم الفكر الفلسفي. إضافةً إلى هذا فقد افترضت كل الاتجاهات الكانطية الجديدة أيضًا بأن العوامل القبلية تلعب

(151)

دورًا حاسمًا في بناء الطبيعة، لكن هذا لم يمنعهم من الاختلاف في تصوُّر «القبليِّ».

الجزء الثاني: القبلي ونظرية المعرفة

لم يعد للتعبير القديم المتعلق بمشروطية تصورنا للعالم عن طريق أعضائنا الحسية ـ كما نجد ذلك عند هيلمهولتس Helmholtz مثلًا ـ أيُّ وجودٍ في الوقت الحاضر. الشيءُ نفسُه ينطبق على التصور القائل بأن روحنا تملك وظائفَ فطريةً معينةً، ولهذا السبب لا يمكن عزلها عن تصورنا للعالم. وقد عبّر عن هذا سيمل Simmel بوعيٍ مرارًا وتكرارًا، على الرغم من أننا نجد عنده في الوقت نفسِه تصوُّرًا منطقيًّا بجانب التصور الذي أشرنا له. وما حدث معه هو أنه، وفي تأسيسه لنظرية المعرفة للعلوم الإنسانية، اعتبر الفهم السيكولوجي مُهمًّا لدراسة الظواهر الاجتماعية.

وصل نيلسون Nelson إلى الإعتراف الأساس ودون حدودٍ بالأهمية السيكولوجية «للقبليِّ»، وباعتماده على فريس Fries، طالب بتأويلٍ سيكولوجيٍّ لكانط. فعن طريق التأمل الذاتي يجب إيصال تأسيس الجمل البديهية (القبلية) إلى الوعي. وبهذا فإن الأمر يتعلق إما بوجهات نظرٍ واضحةٍ في جُمَلٍ بعينها، أو باستنتاجاتٍ فقط، مفادها أنّ هناك مبادئَ معينةً تؤسس فكرنا في بنائه للطبيعة. ومن المعلوم أن كانط رفض الحالة الأولى، أما الحالة الثانية فلا تحدث إلا في السلوك الواقعي للأفراد. وما عدا هذا، فإن الكانطية الجديدة ترفض مبدأ الأهمية السيكولوجية للقبليّ، ولا تعترف إلا بالتأويل المنطقي لكانط، كتأويلٍ صحيحٍ.

(152)

تنطلق مدرسة ماربورغ من موضوعية العلوم الدقيقة، وبالخصوص الفيزياء النظرية في اشتغالها على نظرية المعرفة. للإشارة فإن هذا الجناح الكانطي لا يفهم من العلم أساسًا إلّا العلوم الطبيعية الدقيقة، الفيزياء. وعلى خطوات كانط، فإن الماربورغية (نسبةً إلى مدرسة ماربورغ) ترى بأن كل العلوم الأخرى لا تُؤخذ بعين الاعتبار لتشكيل نظرية المعرفة. بل كانت تَعْتَبِر هذه العلوم الأخرى أنواعًا معرفيةً غيرَ كاملةٍ، ستختفي عندما تكتمل الفيزياء. من هنا يجب تشريحُ البنية المنطقية للفيزياء وإضاءَتُها. لكن لم يذكر المرء كيف يمكن للفرد الوصول إلى تمثل العالم هذا ولا كيف حصل ذلك تاريخيًّا. وبهذا يكون المرء قد قدّم مبدأ الابتعاد الكلي عن كلِّ تجربةٍ حسّيّةٍ. وللإشارة فإن كوهن مثلًا كان يرفض الاعتراف للتجربة الحسية بكل خاصيةٍ تجعل منها مصدرًا مشروعًا للمعرفة. وكانت النتيجة الضرورية لهذا هو إعادة تشكيل مفهوم الواقع. وطبقًا لهذا التصور فإنّ ما يحدد الحالة الخاصة للواقع ليس هو الإدراك المباشر، لكن الوضع الذي يمثل في العلوم الطبيعية الرياضية قيمةً أكبرَ من الصفر. ويعترف كوهن للواقع، لا فقط بالأعداد السلبية ونظيرتها الإيجابية، بل أيضا بالأعداد المُتخَيَّلة، وبهذا يُرْفَع كلُّ فرقٍ بين الكميات الواقعية والرياضية.

على الرغم من أن ناتروب وكاسيرير لم يكونا بعيدين عمّا سبق ذكره وتشبثا بتأويل القَبْلِيّ تأويلًا منطقيًّا محضًا، فإننا نلمس إلحاح عاملٍ سيكولوجيٍّ في تفكيرَيْهما في هذا الموضوع. فهذا ناتروب مثلا يؤكد بأن كلَّ إدراكٍ، والذي يتضمن كذلك دائما حكمًا، هو «تحديدٌ للفكر Denkbestimmung». كما أن كلَّ واقعٍ عنده هو

(153)

«محتوى الفكر Denkinhalt»، وباعتباره هكذا فإنه يخضع للأصناف الأساسية للكمية والقيمة والعلاقة. وتحدّث ناتروب أيضا عن انفصال مفهوم الواقع عن الإدراك، لكن بفهمٍ مغايرٍ لفهم كوهن. ما هو حاسمٌ في إيجاد المعنى بالنسبة لناتروب هو ما يكون متضَمَّنا في الصورةِ الطبيعيةِ المضبوطةِ المُفَكَّرِ فيها بطريقةٍ كاملةٍ، وتكون هذه الصورة عنده جزءٍ لا يتجزأ من إيجاد المعنى هذا. وبهذا يمكن التأكيد بأن ناتروب كان يتوفر على فهمٍ مغايرٍ لعدم اكتمال المعرفة بالمقارنة مع كوهن. ولهذا السبب فإنّ «الحقيقةَ Tatsache» عنده ما هي إلا هدفٌ للمعرفة، لا شيءٌ موجودٌ مُبرهنٌ عليه، لأن المعرفة الطبيعية تكون غيرَ كاملة. لكنه لا «يتخلص» من كانط بمثل هذه الأطروحات في نظرية المعرفة، فكل ما هو مسموحٌ به في هذا الإطار هي صورةٌ عن العالم نابعةٌ من السببية الطبيعية المغلقة. وكانت نتيجة هذا هو نفيه للاستقلال المعرفي للسيكولوجيا، التي عليها أن تكون خطوةً أوليةً فقط للمعرفة. كمنهجٍ للعلم يجب دراسة مادة الشعور أو الإحساس بطريقةٍ عقليةٍ وبالإخراج الكلي أو الجزئي لمثل هذه التكميلات، بما فيها الاحتمالية كذلك، تقوم صورةٌ للعالم سببيةٌ مغلقةٌ وصارمةٌ في قوانينها. وهذه الطريقة وحدها هي التي تُعتبر طريقةً علميةً كاملةً في نظر ناتروب، وكلُّ ما يسبقها ما هو إلا خطوةٌ أوليةٌ لها. وبهذا يمر ناتروب من التحليل المنطقي إلى السيكولوجيا المؤسِّسة للمعرفة. وبهذا تطور فهم مدرسة ماربورغ لنظرية المعرفة مع كاسيرر خطوةً إضافيةً. فقد رفض أيضا الاعتراف بالإدراك كمعيارٍ أخيرٍ للواقع، كما ألغى «الموضوعية». فالموضوعي يوجد بالنسبة له فقط في العلوم الطبيعية، لا في المعطى المباشر الموجود في الوعي.

(154)

طبقًا لمدرسة ماربورغ فإن كلَّ مصطلحات العلوم الطبيعية كالوزن والمادة والأثير والقوة إلخ. ليست بأيِّ حالٍ من الأحوال نسخًا عقليةً لحقائقَ توجد في استقلالٍ عنَّا، تُدرك عن طريق الحواس بطريقةٍ غيرِ كافيةٍ؛ بل تُعتبر عند هذه المدرسة وسائلَ عقليةً مساعدةً لإقامة نظامٍ ما في تشابك التمظهرات الطبيعية والوصول في آخر المطاف إلى بناء صورةٍ عن العالم بطريقةٍ سببيةٍ على شكل معادلاتٍ رياضيةٍ. وبهذا فإن التقريرات الإدراكية البسيطة لمضامين الوعي، الذي يتجاهل السياق الطبيعي تمامًا، لا تجد عند كاسيرر أيِّ اعترافٍ بها، بل توجد في نظره خارج العلم. وفي تطابقٍ مع الميول إلى اعتبار الطبيعة ككيانٍ منطقيٍّ خالصٍ، وبالتالي إخضاعها إلى التحليل العقلي واستبعاد الإدراك من التأمل المعرف-نظري، ترفض مدرسة ماربورغ للكانطية الجديدة الفرضية القائلة بوجود قيمةٍ موضوعيةٍ «للأشياء في ذاتها» وراء الإدراك الحسي. على العكس من هذا تؤكد على وجود تشابكٍ أو شبكةٍ من التمظهرات الحسية من جهةٍ وأشكالٍ منطقيةٍ للطبيعة من جهةٍ أخرى. وما هو موضوعيٌّ بالنسبة لها هي فقط هذه الأشكال الطبيعية، في كمالها المثالي. كما أن الموضوعي لا يعني أكثر من وقوع العاملِ المعنيِّ بالأمر (المُتَوخَّى) في صورة العالم هذه.

للإشارة فإن هذا الفهم الخاص للمنهج المعرفي النظري طُبِّق من طرف مدرسة ماربورغ في الحقل الأخلاقي. فبالطريقة التي تدرس بها نظرية المعرفة الشروط المنطقية للوجود والواقع، يجب على الأخلاق كذلك تحديد شروط الواجب. ويتميز الآداء الخاص لكوهن وناتروب في تحقيق الأخلاق النقدية بمضامينَ إيجابيةٍ،

(155)

وهو ما تفتقر إليه أخلاق الوقت الحاضر في غالب الأحيان. وفي هذا الميدان بالضبط «يتشمم» المرء التأثير الواضح للماركسية على بعض أعضاء الكانطية الجديدة، على الرغم من أنهم تجاوزوا الانتماء المحض لتعاليم الماركسية. فمفهومَا «الواجب» و«الكرامة الإنسانية» يوجدان في قلب الأخلاق الكانطية الجديدة في جناحها الماربورغي (نسبة لماربورغ)، وهما مصطلحان ماركسيان كما نعلم، أو على الأقل كانا من بين أهم المصطلحات فيها.

ترفض مدرسة بادن أيضا فرضية «الأشياء في ذاتها» وفهم الإدراك كنوعٍ من التمكين لواقعٍ يوجد باستقلالٍ عَنَّا. لكن هذه المدرسة تحل إشكالية «الموضوعي» و«الواقعي» بطريقةٍ مغايرةٍ لمدرسة ماربورغ. تبحث للوصول إلى معيار الموضوعية من خلال الفكر (أو التفكير) بالرجوع إلى مفهوم القيمة. فهذا فيندلباند Windelband مثلًا يجد الفرق الجوهري بين التفكير الصحيح والتفكير الخاطئ معتبرًا الأول مطابقًا للمعايير، بينما يتناقض الثاني مع معايير التفكير. فكما أن هناك معيارًا للسلوك في الواجب المطلق، هناك معيارٌ أيضًا للفكر. من هنا يعتبر الفكرُ الصحيح مطابقًا للمعيار المطلق -ويتحدث كانط عن «القاعدة» عوض المعيار-، أما التفكير الخاطئ فإنه، وكما قلنا، يعارض هذا المعيار المطلق. ولا وجود، طبقًا لهذا الفهم، لأيِّ تطابقٍ يُذكر مع حقيقةٍ موضوعيةٍ خارجَ وعينا وإدراكنا، وستكون غيرَ قابلةٍ للاكتشاف أو الكشف، لأنه لا يمكننا أبدًا تجاوز محيط وعينا. ويوجد تحديد هذا النظام المعياري على عاتق نظرية المعرفة. وكما أكد فيختيه  على ذلك، فإن مبادئها تُظهر بناءً غائيًّا، وهدفُها هو التفكير الصالح شموليًّا. ويوجد في الواقع

(156)

خليطٌ من التفكير، منه ما يطابق المعايير ومنه ما يتناقض معها، تمامًا كوجود السلوك الحسن والمشين والجميل والقبيح. ففي الوقت الذي تكتفي فيه العلوم الدقيقة بتوثيقٍ ما يوجد ولا تهتم بإشكالية المعايير الأخلاقية، فإن الفلسفة تهتم بكل ميادين المعايير. وبهذا المعنى تُعتبر نظريةً معياريةً.

يدافع ريكرت Rickert أيضًا على هذا التصور المعياري، مضيفًا معيارًا آخرَ يتمثل في تأكيده على أن كلَّ وجودٍ يوجد في الوعي، على الرغم من أنه لا يعتبر هذا الوعي أمرًا فرديًّا وشخصيًّا، لكن فوقَ شخصيًّا. وتشير إشكالية المتعالي عنده، إلى هذا الوعي فقط، لا إلى الفرد أو الشخص. ويوجد الكائن Seiende، كما يؤكد ريكرت ذلك، ما وراء الوعي الفردي بطبيعة الحال، لكنه يرفض في المقابل كل كينونةٍ Sein وراء الوعي. والغريب أنه يعتقد بأن هذا الوعي أو هذا الإدراك لا يوجد كمصطلحٍ فقط، بل كواقعٍ حقيقيٍّ، لا فقط كمجموع وعي الأفراد. ويؤكد مونستربيرغ Muensterberg الخاصية القيمية المنطقية كذلك.

في مقابل هذين الجناحين للكانطية الجديدة اللذَيْن يرفضان مبدأ «الشيء في ذاته» نجد الاتجاه الذي دافع عنه، تمامًا كما فعل كانط نفسُه في الكثير من المواضع في مؤلفاته. ذلك أن ريهل، الممثل الرئيسي لهذا الاتجاه كما سبق وأن رأينا في هذا البحث، يؤكد كذلك بأن معرفتنا ليست ببساطةٍ نتيجةً لإدراكاتنا الحسية، لكنها نتيجةُ فكرنا وتفكيرنا أيضًا. فعن طريق معالجة الانطباعات الحسية تقوم الإدراكات الحقيقية، لأنها تحتوي منطقيًّا دائمًا على أمورٍ أكثرَ من الانطباعات الحسية. وتقوم تجاربنا طبقًا لشروطِ

(157)

مبادئَ تجريبيةٍ معينةٍ، مثل جمل/قضايا المحافظة على المادة والسببية غير المشروطة، وهي جملٌ/قضايا عبّر عنها المرء أيضًا في العصور القديمة، والتي تأكدت بهذا في قبليتها وفي خاصيتها الخالية من أيِّ خبرةٍ/تجربةٍ. وبما أن لهذه المبادئ أهميةً تأسيسيةً لكل تجربةٍ، فإن هذه الأخيرة لن تتناقض معها أبدًا. وبهذا يجب تحديدها من خلال التحليل المنطقي للعلوم الدقيقة. وبعكس مدرسة ماربورغ، فإن ريهل يعتقد بأن الخلق العقلي للطبيعة ليس شكلًا يحلّق بحرية في الهواء، بل يُعتبر عكسًا لواقعٍ موضوعيٍّ يوجد باستقلالٍ عَنَّا. وتُعتبر المشاعرُ الحسيةُ علامةً على وجوده. ولا تتوفر المعاني الموضوعية إلا على المضمون الرقمي والمنطقي لإدراكاتنا. لكن من حيث الجودة، تبقى الأشياء في ذاتها غيرَ معروفةٍ لنا. وبما أنه ليس للوقت/الزمن أيُّ صلاحيةٍ موضوعيةٍ، فإن ريهل، ككانط، يعتبر المعيشات النفسية كظواهر فقط، ولربما يكون هو الوحيدَ الذي يدافع على هذا الرأي. وأكد فولكيلت Volkelt أيضًا وبقوةٍ بأن التجاوز الحتمي للانطباعات الحسية يقدم الأصناف القبلية كالسببية والضرورة والعمومية والمطابقة.

الجزء الثالث: النقد السياسي-الأخلاقي للكانطية الجديدة

بعيدًا عن الميادين الفلسفية التي اهتم بها الكانطيون الجدد، بغضّ النظر عن المدرسة التي كانوا ينتمون إليها، فإنّ هناك انتقادًا عميقًا يوجَّه لهم، وبالخصوص إلى مدرسة بادن والكثير من ممثليها، ويتعلق الأمر بمساندتهم للنظام النازي عند ظهوره. وما يُعاب عليهم في هذا الإطار هو أنهم لم يستفيدوا من فلسفة كانط،

(158)

التي كان بإمكانها «تسليحهم» بما هو ضروريٌّ لتجنب براثن هذا النظام العنصري المتطرف. ويُرجع هانس فريديريك فولدا[1] Hans Friederich Fulda مثلًا أسباب هذا الأمر إلى كون مدرسة بادن لم تفهم بما فيه الكفاية فلسفة كانط، وسوء فهمها هذا كان سببًا في مؤازرتها لألمانيا الهتليرية.

من أهم ممثلي النازية في مدرسة بادن كان هناك ريكرت[2]. وكما يؤكد على ذلك فولدا، فإنه وبعدما كان من الناحية السياسية ديمقراطيًّا ومعاديًا للنازية، فإنه انقلب على نفسه ابتداءً من عام 1933 بعدما وصل هيتلر إلى الحكم. ويؤكد فولدا في هذا الإطار بأن الدافع الأساسي وراء هذا الإنجرار كان نابعًا من اقتناعٍ فكريٍّ لريكرت لا لأسبابٍ سياسيةٍ أو انبهارٍ بشخصية هيتلر أو خوفٍ من بطش نظامه. والخلفية الفلسفية التي كوّنت اقتناع ريكرت بالنظام النازي تضرب بجدورها طبقًا لفولدا بعيدًا، بحيث إن ريكرت كان يعتبر فيخته Fichte بمثابة أول قوميٍّ اشتراكيٍّ (تسميةٌ أخرى للنازية)، لأنه في نظره كان قوميًّا/وطنيًّا واشتراكيًّا في الوقتِ نفسِه، وكان ريكرت يعتبره محاربًا على صعيد الفلسفة الاجتماعية وفلسفة

(159)

الأمة والسياسة. ويعزز فولدا ما يقوله بمحتوى محاضرة ريكرت حول فيخته للموسم الجامعي 33/1934، حيث عبّر عن اقتناعه المتمثل في كون فيخته كان قوميًّا اشتراكيًّا.

دافع ريكرت إذًا على النازية كنظامِ حكمٍ، وبهذا حدث هناك انعطافٌ للكانطية الجديدة عنده من الفلسفة النقدية إلى الأيديولوجيا النازية، بكلِّ ما يتضمنه ذلك من انتماءٍ وانضمامٍ علنيٍّ أو ضمنيٍّ للفكر الإقصائي للنازية، سواءً تعلق الأمر بأيديولوجيا سموّ العرق الآري على كل الأجناس أو كره كل ما ليس ألمانيًّا/غربيًّا. يعني هذه العنصرية الموروثة من الفكر الغربي عمومًا، والتي عشّشت في استراتيجيات السياسات الاستعمارية، حتى أصبح «أبارتهايدًا» خالصًا.

يُرجع كيغي[1] Kaegi سبب مساندة ريكرت للنازية إلى فقدان مدرسة بادن للكثير من مكانتها في ما يخص فلسفة القيم، نظرًا للمنافسة الحادة لتياراتٍ فلسفيةٍ معاصرةٍ لها كالفينومينولوجيا والأنثروبولوجيا الفلسفية والوجودية والأنطولوجيا الأساسية لهايدغر مثلًا. وتسبب هذا في نظره في أزمةٍ فعليةٍ للكانطية الجديدة، ويُرجع فولدا سبب هذه الأزمة إلى خلط المدرسة للقيمي والسياسي؛ وهو خلطٌ وقعَ مبكرًا عندها، سبق وصول النازية للحكم بسنواتٍ عديدةٍ.

كما سبق وأن رأينا في عرض أهم ممثلي الكانطية الجديدة، فإن توجهاتهم السياسية كانت مختلفةً قبل وبعد الحرب العالمية

(160)

الثانية. كان منهم اليساريون واليمينيون، بل حتى اللامبالون سياسيًّا. وببداية الحكم النازي تحول معظمهم إلى النازية، وكانت أسباب هذا التحول تختلف من شخصٍ لآخر. ويُعبّر هذا في العمق على تفاقم الأزمة التي أشرنا لها سابقًا، وتتفاقم هذه الأزمة إذا استحضرنا للذهن إشكالية تعريف مصطلح «الأمة». فريكرت مثلا ربطها بأصلٍ طبيعيٍّ، إثنيٍّ مشتركٍ، لكنه استثنى اليهود، لأنهم في نظره لا ينتمون في الحقيقة إلى الأمة الألمانية؛ وحتى الكانطيون الجدد مثل كوهن وكاسيرر ويونس كون وريخارد كرونر وغيرهم، لم يكونوا في نظره قادرين على فهم الثقافة الألمانية من الداخل بطريقةٍ سليمةٍ، بما في ذلك كانط؛ ولا يحبون في اعتقاده الوطن الأم (ألمانيا) حب الألمان له. والغريب في الأمر هو أن لا كوهن ولا كاسيرر اعترضوا على مثل هذه الأمور، باستثناء هانس إيرنبيرغ Ehrenberg، الذي انفصل عن الكانطية قبل ذلك. كما أن كوهن وكاسيرر لم يساهما أيضًا في تحديد مفهوم «الأمة» و«الشعب» في إطار فلسفة القيم، حتى عندما نادى ريكرت بضرورة إجلاء اليهود وإخراجهم من ألمانيا، ناسيًا أو متناسيًا مواقفه ضد العنصرية ودفاعه على حقوق الإنسان في وقتٍ سابقٍ.

هناك الكثير من الخلفيات الفلسفية التي كانت وراء سقوط الكثير من الكانطيين الجدد في مخالب النازية، ومن بين أهم هذه الخلفيات، طبقًا لفولدا، هناك الفهم الخاطئ للكانطية الجديدة في جناح بادن ونظيره جناح ماربورغ لمفهوم القانون الكانطي، وهذا الخطأ هو الذي أدى إلى احتواء فلسفة القانون الكانطي الجديد على بذورٍ مضمرةٍ للطوطاليرية، بإدماج فلسفة القانون في فلسفة

(161)

الأخلاق؛ ضدًّا على كل محاولات كانط نفسه لإبقاء الميدانيْن بعيديْن عن بعضهما.

على الرغم من التباين بين الكانطية الجديدة والعلوم الاجتماعية، وبالخصوص السوسيولوجيا التجريبية والوضعية، في ما يتعلق بفلسفة القانون؛ فإن هناك الكثير من مواطن الاتفاق بينهما في ما يخص فلسفة القانون، لا يسمح المقام بتفصيل القول فيه هنا، لأن ما يهمنا أكثر هي العلاقة بين فكر فلسفة الكانطية الجديدة وفلسفة القانون والعلوم القانونية. والسؤال الجوهري الذي نطرحه مع كاوفمان Erich Kaufmann في هذا الإطار هو ما هي الأسباب التي دفعت بالفكر الألماني إلى الرجوع إلى كانط بعدما كان المرء يعتقد بأن فكره قد طُوِيَ جرّاء هيمنة التفكير التأمليّ؟ ويرى كاوفمان سببين لهذا الأمر، يكمن الأول منهما في تأكيده على أن العقلانية القبلية وتعاليمه حَول الضرورة القاطعة لسيادة القوانين العقلية قدمت دعما لا يُستهان به لمواجهة التجريبية التي كانت طاغيةً آنذاك على الحياة الحديثة بكل تعقيداتها ومخاطرها، بما في ذلك نزوحها المادي والنسبي. أما السبب الثاني فيكمن في نظر كاوفمان في فهم القانون العقلي القبلي بطريقةٍ شكليةٍ، وهو فهمٌ رُحِّب به في ذلك الوقت، بسبب فراغه مضامينيّا بالخصوص؛ لأنه بذلك لم يقوّض العلوم الدقيقة في اشتغالها على المادة الطبيعية تجريبيّا، وبهذا نجح كانط، طبقًا لكاوفمان، في تقديم أساسٍ لنظرية المعرفة.

بعدم دعوة كانط إلى تأسيس الميتافيزيقا من جديدٍ، بل بتحويلها إلى منهجٍ، فإن الكانطية الجديدة لعصر التجريبية الذي ظهرت فيه، لم تر في موقف كانط أيِّ خطرٍ، بل اعتبرته من لحمتها، على اعتبار

(162)

أن ما كان يهمها في المقام الأول هو تشكيل الشروط الشكلية للعلوم الإنسانية عن طريق التحديد النقدي الذاتي؛ وبهذا ظهرت الكانطية الجديدة كعلمٍ خاصٍّ، إلى جانب كل العلوم الأخرى. وكما أكد كاوفمان على ذلك، فإن الكانطية الجديدة حاولت بهذا توحيد ما هو غيرُ قابلٍ للتوحيد، لأن محاولة إعطاء العالم الإمبريقي متّكأً ومعنًى، قاد إلى عدم فهم العلاقة بين الكانطية الجديدة، التي قدمت عالمًا متعاليًا شكليًّا وقيميًّا (من القيم)، والعالم التجريبي.

ميّز كانط بين أشكال التأمل وأشكال الأصناف وتأسيس «الفكر» وبين «أفكار العقل» المنظمة. وأعطى لفكرة العقل وظيفةً تاريخيةً فلسفيةً، عن طريق تاريخ الميتافيزيقا العقلاني، المؤسس في آخر المطاف على الشيء في ذاته التأمليّة. إلى جانب هذا طور في «نقد ملكة الحكم» غائيةً عقلانيةً لفهم العالم التاريخي. ويؤكد كاوفمان بأن كلَّ هذا صُبّ في الكانطية الجديدة بطُرقٍ مختلفةٍ في مدارسها المتعددة بطريقةٍ «لاكانطيّةٍ» وبطريقةٍ غيرِ واضحةٍ. فقد حاول المرء مثلا تجنب الميتافيزيقا الكانطية، لكنه سقط في صعوباتٍ غيرِ قابلةٍ للحل في الأماكن التي كان تفكير كانط فيها متجذرًا ميتافيزيقيًّا.

إضافةً إلى هذا فإن الكانطية الجديدة رفضت الفهم المدرسي للقيم المطلقة، التي كانت تعتبرها جواهَر ميتافيزيقيةً، لها مستوياتٌ أو درجاتٌ مختلفةٌ؛ لكنها لم تقدم أيَّ بديلٍ عنها، ولا يمكن تعويضها بتجريداتٍ معرفيةٍ نظريةٍ.

 

(163)

الجزء الرابع: نقد فلسفة الدين للكانطية الجديدة

كانت الحرب العالمية الأولى، بكل أسبابها ومسبباتها ومبرراتها ونتائجها، سببًا في إعادة الرأي العام الغربي بصفةٍ عامةٍ في قضية الدين ومكانه، ولربما مكانته في المجتمع؛ بعد أكثر من قرنٍ من الزمن من «شعارات» «التخلص من الدين»، حتى وإن كانت هذه الحرب لم تندلع لأسبابٍ «دينيةٍ»، بل لأسبابٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ محضةٍ.

ما حصل على مستوى العلاقة بالدين، هو أن الإنسان الأوروبي الشعبي العامي البسيط، الذي وعلى الرغم من كل «الثورات» الثقافية ونشر ثقافةٍ ماديةٍ ملحدةٍ، -لم تكتف برفض الدين بل هاجمته بمناسبة أو بغير مناسبةٍ بحجة عدم عقلانيته- انتبه إلى أن الحرب كانت بمثابة هدمٍ للعقل، الذي تغنّى المرء بفضائله وحباه بمقامٍ سامٍ، وبالتالي كان من شبه المنطقي، في ظروف الحرب هذه، عدم التضحية بالدين. ذلك أن هذا الأخير لم يغادر الواقع الاجتماعي الغربي، وبالخصوص الناطق بالألمانية منه، حتى وإن كانت التيارات الملحدة سوّقت دون هوادةٍ منذ الثورة الفرنسية وَهْمَ كون: "الدين قُضي عليه إلى غير رجعة"[1].

من بين التيارات الفلسفية التي اهتمت بكثافةٍ بالدين قُبيل وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، كانت هناك الكانطية الجديدة؛ التي بقيت إلى حدودٍ معينةٍ[2] سابحةٍ في الفهم الأغسطيني للمسيحية.

(164)

ولا داعي للتذكير أن أغسطين حاول تذويب المسيحية والأفلاطونية في بعضيهما. طبقًا لهيسن Hessen فإن الفلسفة الكانطية: «تستنشق مع أفضل ممثليها الأفلاطونية»، وبهذا، ومن خلال أفلاطون وبالرجوع إلى أغسطين، تسبح الكانطية الجديدة إذًا في المسيحية، وبالخصوص في جناحها البروتيستاني، كما يؤكد على ذلك هيسن السالف الذكر؛ باستثناء كوهن الذي اهتم في المقام الأول باليهودية، دينه الأصلي.

كان المشكل الأساسي بالنسبة للكانطية الجديدة هو موضعة أو وضع الدين في مكانٍ ما من نسقها الفلسفي العام، الخاص بالفلسفة الثقافية المكونة من العلم والأخلاق والفن؛ في وقتٍ وحقبةٍ تاريخيةٍ أصبح الاهتمام بالدين في الثقافات الغربية من نوافل القول. وكانت هناك محاولاتٌ عديدةٌ ومختلفةٌ لإيجاد مكان للدين في هذا الفضاء الفلسفي الشاسع للكانطية الجديدة. فإما أن المرء ترك الدين يسبق الفلسفة، أو أنه اعتبره تتمةً للميادين الثقافية الأخرى أو اعتبره خاتمةً للفلسفة أو درس إشكالية الدين في استقلال عن الميادين الأخرى أو في علاقتها بالنسق الفلسفي الثقافي العام. نجد إذًا كل هذه الحلول الأربعة مُمَثَّلة في الكانطية الجديدة في مدرستيها الرئيسيتين: ماربورغ وبادن.

مثّل ناتروب الحل الأول في دراسته: «الدين في حدود الإنسانية»[1]، معتبرًا أنّ الدين ينتمي إلى الذاتية المحضة، في مقابل المواضيع الثقافية الأخرى: العلم، الأخلاق، الفن. وبما أنه كان يرى بأن الدين لا يتوفر على أيِّ موضوعٍ، ولا يمكن أن يتوفر عليه،

(165)

فمن الضروري أن يسقط موضوعه المتعالي؛ وهذا من شأنه، كما كان يرى، أن يحدث تغييرا في الدين الموحى به التاريخي، ليصبح دين الإنسانية. ونتيجة هذا هو أن فكرة الله ستصبح فكرة الإنسان، وسيصبح القدر النهائي للإنسان ليس هو الخلاص والحياة الأبدية، لأن فهم ناتروب للدين لا يضمن أيَّ حياةٍ بعد الموت.

أما كوهن فقد  مثل الحل الثاني، بَدْءًا من نصّه «مفهوم الدين في النسق الفلسفي». فبعدما كان يطالب بإلحاق الدين بالأخلاق، فإنه غيّر رأيه بالاعتراف للدين بمجاله الخاصّ به، دون الاعتراف له بالإستقلال عن الفلسفة. كان يرى بأن العلاقة بين الدين والمنطق تكمن في رجوعهما سويًّا إلى الوجود. ذلك أن هذا الأخير يكون ممثلًا في المنطق في مواضيع العلوم الطبيعية، أما في الدين فإن الوجود الوحيد المعترف به هو الله. وانطلاقا من هذا فإن الأخلاق، طبقا لكوهن، تقود بالضرورة إلى فكرة الله. كما أنه كان يرى بأنّ هناك علاقةً بين الدين والإستيطيقا، تتمثل في تأسيس كليهما على الأحاسيس والمشاعر والمعيشات الداخلية للأفراد؛ على الرغم من أنه يعطي للأحاسيس والمشاعر الدينية فهمًا خاصًّا، يتمثل في الشعور بألم وحاجة الآخر والتتوق الشغوف للإقتراب من الله.

أما السبب الرئيس الذي حدا بكوهن إلى عدم تقرير استقلال الدين كحقلٍ خاصٍّ، فيرجع إلى اعتقاده في كون الدين لا يُشكّل أيَّ توجُهٍ خاصٍّ للوعي[1]. فليس هناك، على ما يقوله، إلى جانب التفكير الخالص والشعور والإرادة أيُّ وظيفةٍ أخرى يمكن للدين

(166)

الزعم بأنها خاصٌّة به. وعلى الرغم من ذلك فإنه كان يرى بأن الميادين الثقافية الثلاثة آنفة الذكر في حاجةٍ إلى إتمامٍ لها عبر الدين.

حاول المنتمون لمدرسة بادن أو القريبون منهم الإجابة على الحل الثالث. وعلى عكس ما رآه كوهن وناتروب، فإن فيندلباند، مؤسس مدرس بادن، رأى بأن الدين يتجاوز المنطق والأخلاق والإستيطيقا. وما يميّز الدين عنده هو حيازته لميدانه الخاص، المتمثل في المقدس Heiligen. كما أنه أكد على أن المرء بإمكانه الحديث عن ميدانٍ خاصٍّ بالحقيقي أو الصحيح والخيّر والجميل شكليًّا فقط، لا من وجهة نظرٍ ماديةٍ. ويذهب فيندلباند أكثر من هذا، ليؤكد بأن المدى والوظيفة النفسية للمنطقي والأخلاقي والإستيطيقي يصلان إلى حدهما الأقصى، وبهذا لا يجب البحث عن المقدس في ميدان الحياة النفسية. من هنا فإنه يؤكد بأن المقدس يستمد مضمونه من الميادين القيمية الثلاثة الأخرى؛ فالمقدس هو الوعي المادي للحقيقي أو الصحيح والخيّر والجميل، ويُعاش كحقيقة مُتعالية. ففي الوقت الذي تكون فيه هذه القيم محدودةً، بالنظر إلى ما هو صحيحٌ نفسيًّا ومعياريًّا، فإنها تكون في الدين صالحةً دون حدودٍ. بمعنى أنه يرى بأن ما يسود في الدين هو شمولية المعايير. ويعتبر فيندلباند هذه المعايير بمثابة أسمى وآخر ما نمتلكه في شمولية مضمون وعينا، ولا نعرف أيَّ شيءٍ آخرَ خارجها. وتُعتبر مقدسةً بالنسبة لنا، لأنها ليست نتاج الحياة الروحية للأفراد ولا نتيجة الوعي المجتمعي التجريبي، بل إنّها مضمونُ قيمِ وجودٍ عقليٍّ أسمَى. ويُعتبر الإنسان متدينًا إذا كان مُحددًا بهذا النوع من التعالي السامي.

بصفةٍ عامة، فالدين عند فيندلباند هو حياةٌ متعاليةٌ، وما هو

(167)

جوهريٌّ في هذه الأخيرة ويُعاش فوق التجربة هو «وعي الانتماء إلى عالم قيم روحية». من هنا يُعبّر الدين عن نفسه، طبقًا له، كإحساسٍ متعالٍ، وتمثُّلٍ متعال وتصوُّرٍ متعالٍ وإرادةٌ متعاليةٌ وسلوكٌ متعالٍ.

فَهِمَ ريكرت الدين كذلك كتكميلٍ وخاتمةٍ للثقافة. ويميّز في نسقُه القيميُّ بين القيم التأملية والقيم النشيطة، ويُعتبر التصوف عنده -إلى جانب العلم والفن ـ قيمةً تأمليةً؛ في حين يعتبر التوحيد، إلى جانب الخيرات الأخلاقية والشخصية، قيمةً نشيطةً. فإذا كانت الحلولية تميل إلى توحيد العالم، فإن التوحيد يُضمر عند ريكرت تأييد الحياة الفردية والجماعية. فالعلاقة بالألوهية لا تأتي بإيقاعٍ للأنا الفردي، بل إنّ اللحظة الاجتماعية: «ترفع إلى ما وراء كل ما هو عرضيٌّ، بما ان الألوهية تتقدم لكل أنًا كأنت خاصٍّ، يدخل معه في اتحادٍ داخليٍّ عميقٍ»[1]. ولم يعط ريكرت أيَّ معنًى موحدٍ  للحياة الدينية ولم يناقش صحة هذا الدين أو ذاك، لكن ما كان يهمه في المقام الأول هو التأكيد على أنه: «لله الشخصي للتوحيد وكثرة الأرواح النشيطة في عرفنا مكانها كالحلولية في الجهة الأخرى للحياة التأملية»[2].

في الوقت الذي ينطلق فيه فيندلباند من الواقع الميتافيزيقي للقيم الدينية كوجودٍ حقيقيٍّ سامٍ، فإن ريكرت يُرجع هذا الوجود إلى ميدان الاعتقاد؛ ذلك أن الذي يعتقد في الله، لا يقنع بصلاحية القيم وحسب، بل يفترض أيضًا سلطانها على الواقع. وينبه إلى أن

(168)

لمرء يقوم بهذا انطلاقًا من إيمانه، لا طبقًا لأيِّ قانونٍ موضوعٍ من طرف جهةٍ ما.

إذا انتقلنا لباوخ Bauch، فإننا نجد عنده الفهمَ نفسَه للدين كما رأيناه عند فيندلباند وريكرت، ذلك أن الواقع والقيمة توجدان عنده كذلك في تقابلٍ مع بعضهما. فطالما شكّلنا الواقع طبقًا للقيم، فإنّ القيمة تكتسي معنًى حقيقيًّا. أما الإلهي فإنه عند باوخ: «القيمة في علاقتها مع الواقع، في أهميته الحقيقية»[1]. كما أنه يرى خاصية الدين في كونه يُضيف لحظةً جديدةً إلى القيم الثقافية، وبالضبط لحظة علاقة صحة صلابة الواقع بقيم الثقافة. وبهذا يُثبت الدين نفسه كإتمام وتاج للثقافة، طبقًا لباوخ. لكنه يبقى وفيًّا للمبدأ المثالي للكانطية الجديدة، لأنه لا يعتبر القيمة الدينية كحقيقة أو كواقع ميتافيزيقي كفندلباند، ولا كحقيقةٍ واقعيةٍ كريكرت، لكنه يعتبرها فقط كـ «فوق واقعيةً»، مؤكِّدًا على العلاقة بين القيمة والواقع، لكن هي نفسها ليست واقعًا.

تقترح مدرسة ماربورغ للكانطية الجديدة جوابًا على الحل الرابع المتعلق بالدين، كما ذكرنا سابقًا. ونجد أنفسنا في هذه النقطة من جديدٍ وجهًا لوجهٍ مع كوهن، وبالخصوص في اهتمامه المتأخر بالدين، كما نجد ذلك في كتابه: «دين العقل انطلاقًا من مصادرَ يهوديةٍ». وعلى الرغم من أن المرء يلمس عنده في كتابه هذا ميله إلى استنتاجٍ قبليٍّ لدينٍ عقليٍّ، إلا أن الواقع يوحي، عند قراءةٍ متأنيةٍ لهذا الكتاب، بأنه سقط في نوع من البناء البعدي لحبه لدينه الأصلي

(169)

(اليهودية)؛ وهنا نلمس نوعا من الإزدواجية عنده، إذا لم نقل تناقضًا أو تأرجحًا، في ما يخص المفهوم المركزي الذي استعمله، أي مصطلح الارتباط Korrelation: الفرد المتدين-الله. وبهذا نلمس بوضوحٍ، بالطريقة التي تعرض بها كوهن للظاهرة الدينية، بأنه قاد الكانطية الجديدة لمدرسة ماربورغ إلى حدودٍ فظيعةٍ، لأننا نلمس فيها آثارًا واضحةً للوجودية، أو على الأقل نوعًا من الحوار مع هذه الأخيرة.

الشيء نفسه نجده تقريبا كذلك عند ناتروب المتأخر، الذي تجاوز بوضوح نسقية مدرسة ماربورغ، ووجد فهمه للدين في شيخوخته صدى في الثيولوجيا الدياليكتيكية، كما نظر لها فريدريك غوغارتين Friedrich Gogarten (1967-1887). ويتمثل اقتراب ناتروب من هذه الثيولوجيا في علاقة الذاتية الفانية بالله كمصدر لها. ويفهم ناتروب الذاتية الفانية كمغايرٍ بطريقةٍ مطلقةٍ لله وغيرِ قادرةٍ على إعادة العلاقة مع مصدرها انطلاقا من ذاتها نفسها. لكنها تكون على الرغم من ذلك في قابليتها للفناء في علاقةٍ فوقَ فانيةٍ معه (أي مصدرها).

تعرضت فلسفة الدين للكانطية الجديدة لانتقاداتٍ عديدةٍ منذ ظهورها، وبالخصوص من طرف كورت كيسلر[1] Kurt Kessler وماكس شيلر[2] Max Scheler وهاينريك شولتس[3] Heinrich Scholz ورودولف أوطو[4] Rudolf Otto. ويؤكد هيسن[5] بأنّ هناك

(170)

نواقصَ مهمةً في الفلسفة الدينية للكانطية الجديدة، تطرّق للبعض منها، ومن أهمها في نظره كونها لم تنطلق من تاريخ الدين ولا من سيكولوجيا الدين؛ بل فضّلت الانطلاق من منطقٍ استنتاجيٍّ أو استنباطيٍّ عوض المنطق الاستقرائي في تحديدها لجوهر الدين. ولهذا الأمر في نظره علاقةٌ وطيدةٌ بالتصور المثالي الأساسي للكانطية الجديدة: «طبقًا لهذا التصور فإن المفاهيم لا تُستخرج من مادة التجربة، بل تُؤَسَّس قبليَّا وتُقدَّم من خلال التفكير الخالص وتُنتَجُ كأفكارٍ. من هنا لا يمكن لتاريخ الدين وللسيكولوجيا الدينية، والتي تُعتبر علومًا إمبريقيةً، أن تُقدِّم لنا مفهوم الدين، بل إنّ الفلسفة النسقية وحدها هي التي باستطاعتها ذلك»[1].

إذا تقصّينا خُطى هيسن هذا في نقده سالف الذكر، فإننا نجد إشكالية صحة الدين من وجهة نظر الكانطية الجديدة حاضرةً بقوةٍ. فالدين، طبقًا لهيسن، يستمد مشروعيته من قانونه الداخلي ومن نوعٍ من اليقين الداخلي له علاقةٌ وطيدةٌ بالتجربة الخاصة التي يقوم بها أيُّ إنسانٍ في اتحاده مع أو بالله. وهذه التجربة هي التي تؤسس في آخر المطاف نوعًا من الوعي الديني، كما نجد ذلك في الكثير من التجارب الصوفية مثلا. لكن الكانطية الجديدة لا تعترف بهذا اليقين، بل تعتبر ذلك غيرَ عقلانيٍّ، كما نجد ذلك عند الكثير من ممثلي هذا الاتجاه الفلسفي كليبرت Liebert وكوهن، الذي ادعى أنه يحاول تحرير الدين من مثل هذا النوع من الحدس الديني[2]، بالاعتماد في المقام الأول على منهج الاستنباط، لأنه يعتقد بأنّ

(171)

الموضوعية لا يمكن أن تتحقق إلا بمراقبة المعارف المحصَّل عليها[1]. ويمشي ناتروب في الدربِ نفسِه: «من المستحيل الوصول إلى أيِّ موضوعيةٍ بالانطلاق من الذاتية».[2]

من المعلوم أن الكانطية الجديدة اهتمت في نسقها الفلسفي كله أيّما اهتمامٍ بمحاولة فهم العالم انطلاقًا من مبدأٍ واحدٍ. ولا يتعلق الأمر في هذا الإطار بمحاولة توحيدٍ ميتافيزيقيٍّ، بل بإيجاد وحدةٍ معرف ـ نظريةٍ. ولا يتعلق الأمر من جديدٍ بوحدةٍ مضامينيةٍ، بل بوحدةٍ شكليةٍ فقط.

ما يُشكّل مشكلًا في الفلسفة الدينية للكانطية الجديدة عمومًا هو تحديدها للعلاقة بين الدين والثقافة. ذلك أن إلحاق الدين للثقافة، واعتبار هذه الأخيرة نشاطًا خلّاقًا، يطرح مشكلًّا على أكثرَ من مستوًى، وبالخصوص في ما يتعلق بأهمية الدين، لأنها بهذا الإلحاق تُثبت بأن الدين هو على الأكثر عنصرًا من عناصر الثقافة ليس إلا. والواقع أن الدين هو ثقافةٌ قائمةٌ بذاتها من جهةٍ، ومؤثرٌ، بل مصدرٌ مهمٌّ لمختلف الثقافات الفرعية في المجتمع.

برفض حق الدين في تأسيس صحته داخليًّا، كما رأينا، تُقوّض الكانطية الجديدة كل حقائق الدين وترفضها. بمعنى أنها ترفض باختصارٍ شديدٍ مضامين الدين وصلاحية هذه الأخيرة، وبالتالي لا تعترف بالقيم الدينية. ويرى هيسن في هذا الأمر أحاديتها: «تُمثِّلُ الكانطية الجديدة، التي يُعتبر اللوغوس عندها كلّ شيءٍ والوجود (existentia) Dasein لاشيء، الجانب الأقصى الآخر للوضعية

(172)

والبراغماتية، اللتَيْن تستبعدان كليًّا اللوغوس ولا تعترف إلا بوجودٍ غيرِ منطقيٍّ. وانطلاقًا من هذه الزاوية، يظهر بأن الكانطية الجديدة أحادية الجانب كذلك»[1]. ويضيف في نقده هذا: «إذا سمّينا الأشياء بأسمائها، فإننا نجد بأن الطريقة التي تعبّر بها الكانطية الجديدة على الدين وتتبناها (أي الطريقة -إ م-)، فعلينا أن نعتبر هذا بمثابة مثاليةٍ تطبيقيةٍ»[2]، لكن يجب التنبيه إلى أن الفرق بين الدين والمثالية[3] فرقٌ شاسعٌ حقًّا؛ لأن كل واحدٍ منهما يُقدِّم عالمًا مغايرًا على عالم الآخر. وعلى العموم، وكيفما كان موقف الكانطية الجديدة من الدين وفهمها له والمكان الذي حددته له على خارطة الثقافة التي جاءت بها؛ فإن أكبر عقبةٍ لم تستطع تجاوزها هو الانطلاق من النهائي لفهم اللانهائي. فهذا الأخير، الذي يُعتبر بحقٍّ الموضوع الداخلي العميق لأيِّ دينٍ، لا ينتمي إلى مثاليةٍ نهائيةٍ، بل إلى واقعٍ لانهائيٍّ، يصعب فهمه أو الاقتراب منه بالوسائل والمناهج التي أنتجها العقل الإنساني، الذي له حدودٌ كما عبّر ذلك كانط نفسه. وكما قال كيسلر: «أظهرت الكانطية الجديدة لحد الساعة، نتيجة عقلانيتها، بأنها لم تكن قادرةً على تقديم فلسفةٍ دينيةٍ تتطابق وجوهر الدين»[4].

علاوةً على هذا، غُضَّ النظر عن كون الدين يتضمن دائمًا لحظاتٍ وجوديةً وروحانيةً غيرَ قابلةٍ البتة للتجربة، ومستقلةً تمام

(173)

الاستقلال عن الخلق أو الإبداع الثقافيَّيْن، بل قد يكون الدين مصدر هذا الخلق، كما نلاحظ ذلك في ميدان الفن التشكيلي، لا في الغرب المسيحي فقط، بل في الكثير من ثقافات الديانات الأخرى، بما في ذلك المسلمة، ولربما نقول بالخصوص هذه الأخيرة، التي أنتجت فنًّا معماريًّا وتشكيليًّا قل نظيره وموسيقى روحيةً إلخ. الشيءُ نفسُه يمكن قوله في ما يخص الإبداع الأدبي في كل تفرعاته (شعر، نثر، قصة قصيرة، رواية إلخ)، أو فن صناعة الأفلام أو الموسيقى إلخ. من هنا، لا يمكن القبول بالتصور الاختزالي للدين من طرف الكانطية الجديدة، لأنه يختزل كل الوجود الإنساني، في كل مستوياته في مفهوم ثقافةٍ لا يتسع للدين. والشيءُ نفسُه يمكن قوله في ما يخص مفهوم الله الذي حددته الكانطية الجديدة.

ما نسجّله بقوة كنقد للكانطية الجديدة في هذه النقطة هو عدم أخذها تذبذبات «فلسفة الدين الكانطية» محل الجد. فكتاب «الدين في حدود العقل» ضايق العديد من الكانطيين الجدد، وبالخصوص كاسيرر، الذي اعتبره مؤلفًّا توفيقيًّا موضوعًا للعامة، وليس في مستوى كتبه النقدية السابقة عليه: «إن كتاب كانط في الدين لا يمكن أن يُقاس بنفس مقياس أعماله النقدية الأساسية والرئيسية. فهو لا يقف على نفس أرضية كتابات تأصيل النسق، من نقد العقل المحض أو العملي، من تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق أو نقد ملكة الحكم»[1]. ويرجع كاسيرر سبب ذلك إلى غياب فلسفةِ دينٍ حقيقيةٍ في النسق الفلسفي الكانطي عمومًا، باعتبار أنّها غيرُ مستقلةٍ، بل تخدم نظريته الأخلاقية لا غير.

(174)

لم تتأمل الكانطية الجديدة الموقف المتضارب لكانط من الدين، بل لم تدرسه في عمقه فتأخذَ موقفًا واضحًا منه. فكانط هو أبو «الملحدين»[1] عند الكثيرين، وهو في الوقتِ نفسِه المدافع الشرس عن «البروستنطانية» ضد «الكاثوليكية»[2]، أي الغارس جذوره في تقليدٍ دينيٍّ لا يعترف إلا بنفسه وبمصالحه، وعنه تفرعت كل الفرق المعاصرة التي نشرت في العالم ويلاتٍ لا حصر لها. ألا يقول بالحرف:«النّقد فقط هو وحده القادر على اجتثاث جُذور المادّية، والقدريّة والإلحَاد وكُفرِ المُفكّرين الأحْرار»[3]. فأي كانط نأخذ به؟ أم إن كانط الحقيقي يكمن بالضبط في هذه الثنائية المتعارضة في ما يخص قضية الدين؟ وما هو أثر هذا على المستقبل المسلم لفكره في هذا الإطار؟

صحيحٌ أن موقف كانط من الإسلام كان إيجابيًّا بالمقارنة مع الكثير من المعاصرين له[4]، ومع ذلك على كل مفكِّرٍ مسلمٍ

(175)

الاحتراس من فهمه للدين عمومًا، لأنّ فيه نزوعاتٍ سلبيةً مختلفةً لا تتماشى وروحَ الإسلام وعلى رأسها بالخصوص تصوره لله ودفاعة المضمر أو المعلن على الطائفية ورفض كل ما يؤسس الديانات التوحيدية من إقامة للشعائر والطقوس والممارسات التعبدية.

لا يمكن لمفكِّرٍ مسلمٍ ملتزمٍ بدينه قبول تصور كانط عن الله، لأنه لا يضرب فقط جوهر الله، بل وأيضا كل ما يُساهم في تمثله[1]. في حمّى محاولة بناءٍ كل شيءٍ على العقل، أنكر على هذا الأخير إمكانية الوصول إلى معرفة الله والبرهنة بالتالي على وجوده: «حسب كانط، الله هو نومين، وعلى أساس براهينه فإن ذاك الكائن المثالي المتعالي الذي دعوناه، حتى اللحظة، الله، ليس هو إلاّ افتراضًا. إنه نتيجةُ وهمٍ طبيعيٍّ. أجل، كانط يبرهن كيف أننا لا نستطيع أن نعرف شيئا عن هذا النومين، عن الله، وكيف أنّ أيَّ برهنةٍ عقلانيةٍ عن وجود الله مستحيلةٌ»[2].

رأى كانط في الممارسات التعبدية وطقوس التقرب إلى الله رجوعًا إلى الوثنية، وإن كان في هذا المضمار يقصد الكاثوليكية، فإنه يفتح المجال أمام أشباه الباحثين المسلمين المنبهرين بالفكر الغربي، وغير القادرين على تمييز الغث من النفيس فيه، لمهاجمتهم دينهم الأصلي والارتماء في أحضان الإلحاد والترويج له. كيف يمكن لمفكرٍ مسلمٍ يستحقّ هذا الإسم قبول رفض كانط لطقس الصلاة واعتباره غيرَ ضروريٍّ في علاقة العبد بخالقه، بل

(176)

تملقًا مصدره الخوف لا حبا في الله في ذاته وبذاته: «الدين إذًا هو وثنيةٌ»[1]؟ إذا كانت الصلاة ركنًا أساسيًّا من أركان الإسلام، فكيف يمكن فهم مطالبة كانط التخلي عن الصلاة، لأنها ضربٌ من الوثنية؟

لا يمكن المرور مرور الكرام في ما يخص فلسفة كانط الدينية دون التنبيه بأنه كان مقتنعًا اقتناعًا كافيًا، ولربما قويًّا باللوثيرية وفهمها للدين. وبغضّ النظر على كون لوثر كان يعتبر الإسلام عملًا شيطانيًّا -على الرغم من أن بعض المسلمين يعتبرون بهتانًا بأن تعاليمه قريبة من الإسلام ـ، فإن كانط كان يعتبر البروستنطانية الدين الذي يجب أن يُهيمن في العالم، وإلا فإن مصير هذا الأخير سيكون الزوال [2]. وقد تحققت رغبة كانط هذه عبر التاريخ، إلى درجة أن بعض فرقها المتطرفة أصبحت «سيدة» العالم، ويتجلى هذا بوضوحٍ في السياسات الأمريكية بالخصوص إلى يومنا هذا. أكثر من هذا أصبح من المعتاد تقريبًا انتظار إصلاحٍ دينيٍّ لوثري في الإسلام، هي فكرةٌ معشِّشةٌ في الفكر الغربي؛ بل إن الغرب يطالب المسلمين بمثل هذا الإصلاح، وتصفِّق له بعض الأيادي غير الآمنة في الأمة المسلمة. لا ينتبه المرء بأن مثل هذه الدعوة تسبح في مركزيةٍ أوروبيةٍ

(177)

جليةٍ، يُحاول الغربي تحديد كل مجالات حياة المسلم، بما فيها دينه وكيفية وجوده وممارسته، وينتظر من المسلمين، بل يضغط عليهم لتغيير دينهم على الطرية اللوثرية: «لكنّ عريضة لوثر ينبغي عليها اليوم قبل أن تقارع سلطة الكهنوت أن تقود حركة إصلاحٍ في منظومة الحداثة التي وقع تحنيط قيمها ومقولاتها واستغلال قدراتها المتراكمة بأساليبَ ذاتِ وقعٍ مدمِّرِ على الإنسان والعالم. سيكون على مارتن خوض نضالٍ جديدٍ للتبرؤ من مسالك وتقاليد وممارسات تذرعت بالبروتستانتية أيضاً خلال ضلوعها في التمدد الاستعماري والمشروع الصهيوني والتفرقة العنصرية والحمّى النازية والجشع الرأسمالي وصورٍ متعددةٍ من الشرور، التي لا تنفي الوجوه الإيجابية التي دفعت بها أيضاً وإن لم تكن مكتملةً»[1].

الجزء الخامس: نقد غض طرف الكانطية الجديدة عن الإسلام

أهم ما يمكن لمفكرٍ ذي ثقافةٍ مسلمةٍ مؤاخذة الكانطية الجديدة عليه في تعرّضها للدين هو إغفال التصور النبيل الذي قدمه أستاذهم جميعا (نقصد هنا كانط) عن الإسلام. لم يتطرق، حسب علمنا، أيٌّ منهم إلى مساهمة كانط في مهاجمة اليهودية والكاثوليكية ودياناتٍ أخرى، مفضلًا الإسلام عليها كلِّها، مقدمًا في ذلك تحاليلَ وتأويلاتٍ مقنعةً إلى حدٍّ كبيرٍ. ويؤكد بعض الباحثين بأن كوهن كان معارضًا لكانط لأسبابٍ دينيةٍ محضةٍ وعميقةٍ، ولربما كان تأسيسه لمدرسة ماربورغ لهذا الهدف بالذات: «ليس لأنه كان كانطيّا، كان كوهن ضد هيغل، بل توجه لكانط لأنه كان ضد هيغل بشدةٍ، نظرا ليهوديته

(178)

بدون شكٍّ. لم يستطع قبول أطروحة هيغل القائلة بأن المسيحية هي حقيقة اليهودية»[1]، مُعلِّلًا الموقف السلبي لكانط من اليهودية بكونه تعرف على هذا الدين عن طريق سبينوزا، الذي قاده إلى حلوليةٍ، لم يقبلها كانط.

قد يكون من المفيد التطرق ولو بتلخيص إلى دراسة كانط للإسلام، وسنرجع في هذا المقام إلى الدراسة القيمة للمسكيني في هذا الإطار.

يؤكد فتحي المسكيني[2]، على حدِّ علمه كما يقول، بأن كانط لم يستعمل مصطلح «الإسلام» إلا مرةً واحدةً في نصٍّ له قبل المرحلة النقدية[3]، ومع ذلك يلمس المرء الكثير من ملاحظاته حول العرب في العديد من نصوصه[4]. ويُذكّر المسكيني بكتابة كانط بأحرفٍ عربيةٍ «للبسملة» على غلاف أطروحته. كما أنه يذكر بأن كانط يعتبر العرب، إلى جانب الفرس، من الشعوب التي «أخذت» الفلسفة عن اليونان في «دروسٌ في الميتافيزيقا» (بين 1775 و 1780). ويعترف كانط للعرب في هذا الميدان بدورٍ أكثرَ من الاستهلاك السلبي للموروث اليوناني: «إذا ما اجتزنا، الآن بنظرةٍ خاطفةٍ، تلك الأجزاء

(179)

الأخرى من العالم، إذًا، لالتقينا بالعربي، الإنسان الأكثر نبلًا في الشرق، ولكن المشوب بشعورٍ كثيرًا ما ينقلب إلى مغامرةٍ خطرةٍ. إنه مضيافٌ، ذو سماحةٍ، وصادقٌ؛ إلا أن حكاياته وقصصه، وأحاسيسه عامة، مخلوطةٌ، في كل آنٍ، بشيءٍ من الأعاجيب. إن خياله المحموم إنما يُقدم له الأشياء في صورٍ غيرِ طبيعيةٍ وملتويةٍ، حتى انتشار ديانته كان مغامرةً كبيرةً. وإذا كان العرب بمثابة إسبان الشرق، فإن الفرس هم فرنجة آسيا. إنهم شعراءُ جيدون، مهذَّبون، وأصحابُ ذوقٍ على قدرٍ محمودٍ من الرقة، والأناقة. إنهم ليسوا بأتباعٍ متشددين للإسلام، وإنهم ليسمحون لمزاجهم المشدود إلى المزاح بأن يتأول القرآن بقدر محمودٍ من الترفّق والتلطف»[1]. ويرجع المسكيني إلى نصِّ كانط «حول مشاعر الجميل والجليل» (1764)، سابرًا أغوار اهتمام كانط بالعرب، وكأنه في اعتقادنا في جلسة تحليلٍ نفسيةٍ لشخصيةٍ اسمها «العرب»، مُركِّزا على الجانب الروحي والأخلاقي والطباع: «وفي نهاية الأمر، خمدت جذوة الثقافة عند الرومان، وظهرت البربرية، وذلك حتى جاء العرب، الذين غمروا أجزاء من الإمبراطورية الرومانية، وعزموا، في القرن السابع،  على نذر أنفسهم للعلوم، وأوْلَوْا أرسطو مكانةً مرموقةً. وحين أفاقت العلوم في الغرب من كبوتها، تم اتباع أرسطو كالعبيد»[2]. ويرجع المسكيني إلى ما قاله كانط عن الإسبان لفهم مقارنته للعرب بهم، قائلًا بأن كانط كان يعتبر الفرنسيين والإيطاليين شعوب الجميل، في حين اعتبر الألمان والإنجليز والإسبان شعوب الجليل. ولم يَفُت المسكيني الرجوع

(180)

إلى المعنى الذي يُعطيه كانط لمصطلحَيْ «الجميل» و«الجليل»: «الجميل ذاته إما فاتنٌ ومؤثِّرٌ وإما مضحكٌ وظريفٌ». ويقول عن الجليل: «في الطبع القومي، الذي يمتلك تعبيرًا عن الجليل، يكون هذا الأخير إما من نمط الهائل، الذي يميل، شيئًا من الميل، إلى المغامرة الجسور، وإما هو شعورٌ بالنبل، أو، ربما، هو رائعٌ. وأعتقد أن لي أسبابًا تمكّنني من أن أمنح الإسبان النمط الأول من الشعور، أما الثاني فللإنجليز، وأما الثالث فللألمان»[1].

للإشارة، فإن المسكيني يُذكّر بأنّ ثنائية مصطلحَيْ «الجميل والجليل»  متجذران في الثرات الإسلامي، بحيث نجدهما عند بن عربي في إطار حديثه عن الصفات الجمالية والصفات الجلالية لله في الإسلام.

يخلص المسكيني في معرض اهتمامه باهتمام كانط بالإسلام إلى البحث عن نوعية هذا الاهتمام  في كتابين له؛ مؤكدا على أنّ هناك طريقتين تظهران متناقضتَيْن لهذا الاهتمام الكانطي بالإسلام. ففي كتابه «نقد العقل العملي» (1788)، يتحدث كانط من بين ما يتحدث عنه عن العقل النظري والعقل العملي. الأول خاصُّ بالعلوم والبحث عن قوانينها وعلاقاتها، أما الثاني فإنه خاصٌّ بعالم المشاعر والأخلاق بصفةٍ عامةٍ. وفي هذا الإطار يؤكد المسكيني بأن حديث الدين عن الجنة والنار هو حديثٌ يخرج عن نطاق العقل النظري المحض، لأنه يوجد في نطاق الخيال والانفعال. فهناك، طبقًا له، مصلحةٌ روحيةٌ محضةٌ لفكرة الجنة تفوق مصالح العقل العملي في رأيه، وهو العقل الذي يُوسع إمكانية التفكير في حريتنا، ولا يُنتج أيَّ معرفةٍ حقيقيةٍ حول أو عن أنفسنا.

(181)

أما في «الدين في حدود مجرّد العقل» (1793)، فإن كانط يتدارك ما قاله في «نقد العقل العملي»: «إن المحمديين إنما يعرفون (كما يبين رينالد) كيف يمنحون وصف فردوسهم، المرسوم بكلِّ شهوةٍ حسيةٍ، معنًى روحيًّا حقًّا جدًّا، وذاك ما فعله الهنود مع تفسير الفيداس، على الأقل، بالنسبة للقسم المتنور من شعبهم»[1]. ويؤوّل المسكيني هذا «الانعطاف» الكانطي اتجاه الإسلام في تأكيده بأن كانط كان يبحث عن طريقةٍ يمكن للأخلاق العقلية من خلالها تطوير أملٍ يتماشى والطبيعةَ البشريةَ المحدودةَ؛ قد تُؤَمِّن علاقةً روحيةً بالله مثلًا، دون السقوط الأعمى في دينِ معاركَ وحروبٍ. من هنا يصل المسكيني إلى أن كانط كان يرى بأن: «المحمديين قد تأوّلوا فردوسهم الحسي بشكلٍ روحيٍّ فقط».

انطلاقًا من كل هذا، هناك في العمق، تغييرٌ في فهم كانط للدين عمومًا، لا فقط في ما يخصّ رأيه عن الإسلام. ذلك أنه مرّ من فكرة الخلاص الأخروي في الجنة إلى فكرة اعتقادٍ يُفكِّر؛ يعني حسب مفردات المسكيني، هناك انتقالٌ خطيرٌ عنده من الفلسفة إلى التأويل. كما أن الكونية عند كانط، طبقًا للمسكيني، هي أهم سمةٍ لأيِّ دينٍ؛ إضافةً إلى اعتماده على الحواس، دون المس بشرط التعايش بين البشر المختلفين في ديانتهم، أي الوصول إلى الدين العقلي: «أن يسهم في أداء جميع واجبات الإنسان، بوصفها أوامرَ إلهيةً (وهو ما يُمثل جوهر كل دينٍ)»[2]. وعلى خلاف الأديان التاريخية، فإن الدين العقلي الكانطي لا يتوفر ولا يريد أن يتوفر على أيِّ مضمونٍ تبشيريٍّ محدَّدٍ.

(182)

يضيف المسكيني في تقديمه لاهتمام كانط بالإسلام معلومةً أخرى تتمثل في اعتبار كانط للإسلام كدينٍ مؤسَّسٍ على الكبرياء، وكلُّ طقوسه من نوعٍ شجاعٍ؛ بالمقارنة مع اليهودية والمسيحية بالخصوص. والمقصود بالكبرياء عند كانط في هذا الإطار، حسب المسكيني، هو اعتماد الإسلام على الفتوحات والانتصارات عوض المعجزات: «أما دين محمد، فهو يتميز بالكبرياء، إذ بدلًا من المعجزات، وجد التأييد الخاص بإيمانه في الانتصارات، وفي قهر الشعوب الأخرى، وطقوس عبادته كلها من نوعٍ شجاعٍ». ومعنى الشجاعة عند كانط، كما يؤوّل ذلك المسكيني، هي قدرةٌ نبيلةٌ على الواجب، والمقصود هنا هو الواجب الأخلاقي تحديدًا، والذي لا يُعتبر إكراهًا يُفرض على المرء من الخارخ، بل نفرضه على أنفسنا بأنفسنا. ولا يتم ذلك إلا إذا كان المرء حُرًّا، وله الشجاعة الكافية للانتصار على نفسه؛ أي إذا كان فاضلًا، ما دام الأمر يدور حول الحرية الباطنية عند كانط.

يميز كانط بين الكبرياء والتكبر، يعني الأول -كما يقول المسكيني- عدم التنازل عن أيِّ شيءٍ من الكرامة الإنسانية للفرد بالمقارنة مع الآخرين. أما التكبر فإنه الرغبة في إيهام الآخرين بأننا أحسن منهم، أو نفرض عليهم التصور الذي نريد أن يحملونه عنّا. ويعتبر كانط هذا الأمر رذيلةً متناقضةً مع فضيلة احترام الآخر.

نوافق المسكيني في المعنى الذي أعطاه كانط للإسلام كدين كبرياءٍ، لأنه لا يُعوِّل على المعجزات التي تستخف بالعقل، بل على الانتصارات. إضافةً إلى هذا، هناك إمكانيةٌ لفهم الإسلام كدين كبرياءٍ لا كدين تكبُّرٍ، لأنّ نبيَّ الإسلام (ص) لم يدَّعِ بأنه جاء بمفهومٍ

(183)

جديدٍ لوحدانية الله ووحدته وتحرُّرٍ تمثله من طرف البشر في شكل من الأشكال، وهو اعترافٌ صريحٌ لكانط بنُبل «دين الكبرياء»، كما عبر عن ذلك المسكيني.

ويخلص المسكيني إلى كون كانط في مدحه للإسلام، فإنما كان يقصد نقد المسيحية: «يتبين لنا، آخر الأمر، أن كانط لم يتكلم عن الإسلام، أو عن المحمدية، إلا من أجل نقد الإيمان المسيحي، في مرآة إيمانٍ آخرَ يتميز عنه بالقدرة على التعبير عن نفسه بشكلٍ شجاعٍ، ومن ثَمَّ هو أقرب إلى حفظ الكرامة الإنسانية من أيِّ دينٍ آخرَ»[1].

بين تأويل المسكيني لاهتمام كانط بالإسلام وأسباب هذا الاهتمام وحكم محمود كيشانة على كانط بعداوته للإسلام[2] هناك هُوّةٌ عميقةٌ، نابعةٌ من غلوٍّ مَا إمّا في التأويل أو في الحكم. ودون نية الدفاع عن أيٍّ من المفكرَيْن، لا نرى أيَّ هجومٍ لكانط على الإسلام، بقدرِ ما نلاحظ نوعًا من اعتباره «نموذجًا»، استغله للهجوم على دينه المسيحي وعلى اليهودية في الوقتِ نفسِه. لا نتنكر أو ننكر بأن الهدف الأخير لكانط كان هو تقديم بديلٍ -لا تعويضًا كما رأى كيشانة- للديانات التاريخية الثلاثة، ولربما لكل الديانات الأخرى، وهو بديلٌ يتماشى والحقبةَ التاريخيةَ التي وُجد فيها. فالزعزعة التي تعرضت لها المسيحية من طرف فكر الأنوار، نجحت على المستوى الأكاديمي بالخصوص

(184)

في حث الباحثين الحداثيين على تكثيف نقد الدين، لا فقط لأسبابٍ ثقافيةٍ عقليةٍ، بل وأيضًا لأسبابٍ سياسيةٍ؛ بما أن المشكل الحقيقي كان هو جمع الكنيسة للسلطة الدينية والدنيوية، بكل النتائج التي نعرفها من قهرٍ وبطشٍ وأحادية الرؤية إلى غير ذلك.

ما ننتقده هنا هو أن كانط، باهتمامه بالإسلام وتقديم صورةٍ إيجابيةٍ عنه، فإنما ساهم أيضا في تأجيج كراهيته من طرف الكثير من المفكرين في زمانه وبعده. ولربما يرجع «إهمال» الكانطية الجديدة بدراسة الإسلام إلى هذا الأمر، بل أكثر من هذا أُتيحت الفرصة لكوهن «ليُعلي» قيمة دينه اليهودي، على الرغم من الصورة السلبية جدًّا التي كانت لهذا الدين في أوساط المفكرين والشعوب الأوروبية آنذاك. وأتى إلحاح كوهن على «تلميع» صورة دينه بأكمله بعد الحرب العالمية الثانية بالخصوص، بحيث أصبح الاعتراف بأهمية هذا الدين مرتبطًا أساسًا بالاعتراف بالهولوكوست ومحاولة إبادة اليهود، وبالتالي الاعتراف بالصهيونية كمرادفٍ لليهودية، وتشجيعها المباشر أو غير المباشر على إبادة المسلمين في الشرق الأوسط.

إذًا، إذا كان هناك كانطيٌّ جديدٌ قلب معادلة الاهتمام الإيجابي لكانط بالإسلام، إلى سكوت الكانطية الجديدة عن هذا الاهتمام، والإهتمام السلبي العام به، فإنه كوهن. ونلمس نتائج قلب هذه المعادلة إلى يومنا هذا، ويؤكد بروكشطاين شروح Bruckstein اoruh [1] بأن الحديث في ألمانيا حاليًّا عن تراثٍ مشتركٍ بين

(185)

اليهودية والمسيحية -وهو التراث الذي رفضه كانط جملةً وتفصيلًا ومعه العديد من الفلاسفة الغربيون- يُقاد باسم المحافظة على «دولة الحق والقانون» وعلى حساب الإسلام والمسلمين. ولا يقتصر هذا على ألمانيا وحدها، بل يشمل عموم الغرب المعاصر. في هذا القلب هناك أيضا قلبٌ للتاريخ، ففي العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، كان المرء يتغنى باشتراك «اليهود والمسلمين» في تراثٍ دينيٍّ مشتركٍ واشتغال مفكرين مسلمين يدًا في يد مع مفكرين يهودٍ (موسى الميموني مثلا (1204-1135). لا ندعو هنا إلى إعادة إحياء هذا التراث، بقدر ما نضع الأصبع على ما قاله جاك دريدا في زيارته في يوم من الأيام لإسرائيل الغاشمة: «لو أن الميموني كان عرف بأن المرء قد جنده في يوم من الأيام وجند كل التراث اليهودي معه لتلك الحرب الغريبة وبأنه وعلى غير علمه وقَّع اتفاقية مع ألمانيا المابعد اللوثرية، فهل سترقد روحه في سلامٍ؟»[1]. ما تعيشه صورة الإسلام والمسلمين من تشويهٍ على يد الغرب، عاشته اليهودية بين منتصف القرنين السابع عشر والعشرين. وتساهم الصهيونية في التشويه الذي يعرفه الإسلام حاليًّا بمقدارٍ كبيرٍ، باسم «الإرث اليهودي المسيحي» كذلك.

نؤكد مجددًا على رفض السكوت المطبق للكانطية الجديدة على مساهمة كانط في تقديم الإسلام بصورةٍ إيجابيةٍ، وبهذا السكوت ساهمت إلى حدٍّ بعيدٍ في الصورة السلبية التي يتعامل بها الغرب السياسي وأغلبية شعوبه مع الإسلام والمسلمين حاليًّا.

(186)

الجزء السادس:

 نقد إهمال مشروع السلام الدائم في الكانطية الجديدة

لم تعط الكانطية الجديدة أهميةً تذكر لـ «مشروع السلام الدائم»[1] لكانط[2]، بل لم ينل هذا الموضوع الأهمية التي يستحقها، حتى بعد تأسيس «الأمم المتحدة» بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى الرغم من أننا نجد بصمات فلسفة كانط المتعلقة بالسلام في مبادئ الاتحاد الأوروبي على مستوياتٍ عدةٍ: « في عام 1795 رفع الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1804-1724) مشاريعَ الوحدة الأوروبية هذه بكُتيبه الصغير تحت عنوان «من أجل السلام الدائم» أو «مشروع السلم الدائم»، الذي يحاول تحديد فلسفةٍ سياسيةٍ للسلام بطابعٍ كونيٍّ. لم يكن الفيلسوف الألماني يطمح إلى الوصول إلى السلم والوحدة في القارة الأوروبية وحسب. إنه اقترح مخطَّطًا فلسفيًّا من أجل وحدةٍ عالميةٍ للشعوب تتجاوز أوروبا، مؤسَّسًا على الحقوق

(187)

الأساسية لكل البشر»[1]، فإن هذا الإتحاد يظهر كحملٍ أمام الذئب الأمريكي، الذي لم يترك له أيَّ مجالٍ للفعل الحقيقي، وبالخصوص للمساهمة في تطوير ثقافة السلام في العالم، بقدر ما يستعمل كل الإمكانيات المتاحة له، لإبقائه في حضيرة التابعين له.

على الرغم من أن ميثاق «منظمة الأمم المتحدة» استلهم الكثير من مبادئه من فلسفة كانط: «إن الهدف من هذا المقال هو تحديد التأثير الكانطي على مبادئ وقيم اتفاقية الأمم المتحدة»[2]، فإن السلام الذي تُنتجه هذه المنظمة هو في العمق ظلمٌ حقيقيٌّ في حق الإنسانية جمعاء، يقترفه بعض أعضائها الدائمين. كان هدف كانط هو جعل حدٍّ للحروب بين الدول وتطوير نوعٍ من القانون الدولي يُنهي حالة الفوضى التي كانت تتسم بها العلاقات الدولية في عهده، في محاولةٍ لتأسيسها على قوانينَ تُنظّم علاقاتِها على المستوى الخارجي، وأخرى على المستوى الداخلي بضمان قوانينَ عادلةٍ بين المواطنين وتوفير حقوقٍ بعينها لكل مواطنٍ على حدةٍ، بما في ذلك الأجانب. لكن عندما نمعن النظر في فصول منظمة الأمم المتحدة،

(188)

فإننا نقتنع بأنها خانت إلى حدٍّ كبيرٍ المبادئ الأساسية والمهمة لكانط في ما يخص العلاقات الدولية والسلم العالميَّيْن. فلا جدال في كون هذه المنظمة هي تنظيمٌ للمنتصرين في الحرب العالمية الثانية لا أقل ولا أكثر. يتعلق الأمر بسلامٍ يفرضه المنتصرون طبقًا لمصالحهم وأهدافهم السياسية والاقتصادية والاستراتيجية بعيدة الأمد، ويتناقض هذا كليًّا مع ما دعا إليه كانط. ويوحي هذا بأن البلدان المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة لم تأخذ أيَّ عِبَرٍ من حربَيْن عالميتيْن مدمرتَيْن، لأن منطق «العدوّ» بقي مركزيًّا في ميثاقها: «تنطبق عبارة «الدولة المعادية» المذكورة في الفقرة الأولى من هذه المادة على أيِّ دولةٍ كانت في الحرب العالمية الثانية من أعداء أيِّ دولةٍ موقِّعةٍ على هذا الميثاق»[1] وأيضا: «ليس في هذا الميثاق ما يبطل أو يمنع أيَّ عمل إزاء دولةٍ كانت في أثناء الحرب العالمية الثانية معاديةً لإحدى الدول الموقعة على هذا الميثاق إذا كان هذا العمل قد اُتُّخِذ أو رُخِّص به نتيجة لتلك الحرب من قِبل الحكومات المسؤولة عن القيام بهذا العمل»[2].

أصبحت هذه المنظمة إذًا، بشهادة حتى الكثير من الغربيين أنفسهم[3]، أداةً طيعةً في يد الاستكبار الأمريكي بالخصوص اتجاه القضايا العربية والمسلمة. فإذا كان الهدف الأسمى من تأسيس هذه المنظمة قبل ستة عقودٍ هو إحلال السلام بين الشعوب، فإننا نلاحظ فرادى وجماعاتٍ وفي كل قارات المعمورة، بأنها تساهم مباشرةً في

(189)

إشعال الحروب بين الشعوب بخضوعها لإرادة الأعضاء الدائمين بصفةٍ عامةٍ، والإرادة الأمريكية بصفةٍ خاصةٍ. وبهذا يبقى «مشروع السلام الدائم» الكانطي مثالًا نظريًّا، لم تعتنِ به الكانطية الجديدة ليصبح من أولويات الساسة. وحتى وإن كان كانط قد كتب هذا النص (1795) كردِّ فعلٍ على ما تسببت فيه الثورة الفرنسية من إراقة للدماء بين نابوليون والأوروبيين، وكموقفٍ له بمناسبة عقد مؤتمر بال عام 1795 (معاهدة السلام بين بروسيا وفرنسا) - في الوقت الذي كانت فيه النمسا وأنجلترا في حالةِ حربٍ-، فإن لا الحرب العالمية الأولى ولا الثانية كانت مناسبةً للكانطية الجديدة لإعادة النظر في البناء الفكري-النفسي العدواني للغرب، الذي مارسه داخليًّا وخارجيًّا اتجاه مستعمراته وما يزال يمارسه إلى اليوم.

كان التفكير في «السلام الدائم» من أهم محطات التفكير في القرن الثامن عشر[1]. نجده مثلا عند الأب سان بيير[2] Saint-Pierre، الذي تطرق لهذا الموضوع في نصٍّ له عام 1713، على الرغم من أن ما قدمه في هذا الإطار لا يرقى إلى المساهمة الثمينة لكانط (1975)، وما ترتب عنها بعده عند الكثير من المفكرين والفلاسفة. إضافةً إلى هذا فإن اهتمام كانط بالموضوع يرجع إلى

(190)

عام 1784، عندما اعتبر تطور البشرية كسيرورةٍ تتجه نحو شكلٍ من أشكال الدولة العالمية، وفي ذلك «تحقيقٌ لمُثُل العقل» عن طريق مجتمعٍ مدنيٍّ يُدير القانون بطريقةٍ كونيةٍ. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف إلا بتغييرٍ راديكاليٍّ لدساتير المجتمعات، وهذا ما سبق لروسو قوله كذلك  بطريقةٍ خاصّةٍ، وبذلك يُعارض كانط وينتقد حكم السلام الدائم للأب سان بيير، فما طالب به كانط في هذا الإطار هو إقرارُ نظامٍ جمهوريٍّ من أجل بناء مجتمع الأمم، لأن الشرط الإنساني يكمن في رغبة البشر في العيش في سلمٍ وسلامٍ. ولم يعتبر كانط السلم الدائم، كنتيجةٍ لنظامٍ عالميٍّ، «حلمًا مثاليًّا»، بل هو في عرفه حركةٌ موضوعيةٌ للإنسانية. فلم تُقنع فكرة «الأخوّة الكونية»، التي كانت توجد في ثنايا الثورة الفرنسية، كانط، لأنها لم تكن كافيةً في نظره لبناء أيٍّ سلامٍ دائمٍ، بل أكد على أنّ الأساس الذي ينبني عليه هذا السلام هي الواجبات التي تجمع كل البشر. وسبب هذا هو أنه كان يرى السلام كأفقٍ سياسيٍّ وكشرطٍ عقليٍّ.

تطرّق كانط في مشروع السلام الدائم إلى بعض العوائق التي تقف أمام تحقيق هذا المشروع، ومنها بالخصوص وقوفه ضد الاستعمار والديبلوماسية السرية والمخابراتية وبناء جيوشٍ دائمةٍ. ويرى بأن السلام يتطلب قوانين بعينها، حددها في الحق العام وحق الأشخاص والحق الكوني. وما يؤكده في هذا الإطار هو هو كون السلام لا يكمن في غياب النزاعات والتناحرات، بل في حضور قانونٍ عادلٍ يمكن الاحتكام إليه. والنظام الدستوري الجمهوري هو الذي يمكنه في نظره ضمان هذه المستويات الثلاثة للقانون أو الحقوق.

(191)

بغض النظر عن المبيعات المهمة لكتاب كانط حول السلام الدائم وإعادة طبعه مراتٍ عديدةً في وقتٍ وجيزٍ بعد صدوره وترجمته إلى لغاتٍ أخرى، فإنه ألهم فلاسفةً ومفكرين كُثُرًا للاهتمام بالموضوع نفسِه، وأثار زوبعةً من النقاشات السياسية في ألمانيا وفرنسا بالخصوص[1].

خلاصة القول، لا بد للمفكر العربي والمسلم الاحتراس من النظريات البراقة للغرب، سواءً قديمًا أو حديثًا. فمساهمة الغرب في الثقافة العالمية لم تُفهم من طرف الغرب نفسه إلا كوسيلةٍ لبسط النفوذ على الشعوب الأخرى واستعبادها. والحد الأقصى لهذه الأيديولوجيا الغربية يتجلى حاليّا في «ثقافته التكنولوجية». فالانبهار بالمنتوجات التكنولوجية والرغبة في حيازتها من طرف الشعوب غير المصنِّعة لها، يُقحمها في تبعيةٍ دائمةٍ. لا يُصدر الغرب، أو لا يقتسم علم التكنولوجيا، بل يسوّق منتوجاتها في الدول التابعة فقط. الشيءُ نفسُه يُقال عن الصناعة الحربية، الممركزة في يد الغرب، وبالخصوص أمريكا، وما إن تحاول أيُّ دولةٍ غيرِ غربيةٍ الاجتهاد للالتحاق بالركب العلمي لصناعة أسلحةٍ تكنولوجيةٍ حديثةٍ، حتى تنزل قبضة «رعاة البقر» على رقبة هذا البلد.

(192)

هناك إذًا حلقةٌ مغلقةٌ للفكر الغربي لم تنجح الكانطية الجديدة في تجاوزها أو «فرقعتها» لبلوغ ما كان كانط ينتظره من إعمال العقل والوصول إلى شرطٍ إنسانيٍّ عادلٍ، ينبذ الهيمنة والاستعمار. فإلى جانب مساندتها للنازية، الوجه الخشن والمتوحش للثقافة الغربية عمومًا، فإنها كانت حسب بعض الدارسين مسانِدةً للإمبريالية كذلك[1].

خلاصة

صحيحٌ أن الكانطية الجديدة، وبالخصوص مدرسة بادن، قد تكون أقرب إلى طبيعة الثقافة العربية والإسلامية بالمقارنة مع اتجاهاتٍ فكريةٍ وفلسفيةٍ غربيةٍ أخرى، لأنها حاولت إحياء المثالية بطريقتها وكانت بمثابة لبنةٍ للقومية الجرمانية. وكانت هذه الأخيرة مثالًا لجحافل «الثوار» العرب بعد الحرب العالمية الثانية بالخصوص، سعيًا إلى التحرر من الاستعمار الغربي. ظهرت حركات القومية العربية، وبالخصوص في الشرق العربي، محاولةً بناء وعيٍ قوميٍّ على أساس العروبة والإسلام، وأجهضت مشاريع الوحدة والتعاون والتآزر، ليُفسح المجال للشذرمة والتفريق والتمزيق الأيديولوجي والعقائدي في الأقطار المسلمة. بل وصل الأمر إلى دَكِّ أقطارٍ عربيةٍ بعينها وزرع فتيل الفتنة فيها وإشعال الحرب المدمرة بين حكام شعوبها.

لا نزعم بأن الكانطية الجديدة هي سبب ويلاتنا الحالية، بقدر ما

(193)

نوثق لارتباط فكرها بمركزيةٍ غربيةٍ لمطلع القرن العشرين، لم يشتغل على صحة شعاراته الفلسفية ومُثلها الإنسانية: العدالة، الحرية، السلم إلخ، والاعتراف للشعوب غير الأوروبية بحقها الطبيعي في هذه المثل، بقدر ما كرّس -بسكوته- السياسات الاستعمارية اتجاه غير الأوروبيين، ومنهم بالخصوص الدول المسلمة. لم تعتن الكانطية الجديدة مثلًا بتمثّل كانط للأنوار، على الرغم من أنها وجُدت في وقتٍ تغذّى كثيرًا من إرثها. لا نريد هنا الترويج لفكر الأنوار الأوربية، بقدر ما نؤكد على أن المناخ العام لألمانيا في ذلك الوقت، والدول الأوروبية معها، يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ مناخ الدول العربية المعاصر. ولا نريد هنا إيقاظ الشعور بأننا نحاول إسقاط تاريخ أممٍ على أممٍ أخرى، بل إن تقدم الأمم يكون دائمًا تفاعليًّا، أخذًا وعطاءً، تأثيرًا وتأثيرا مضادًا. ما قد يهم المفكر العربي المعاصر في المقام الأول في الأنوار كما نظر لها كانط هو عدم البقاء مكتوف اليدين اتجاه ما يحدث على طول خارطة العرب، أو اعتباره قدرًا محتومًا، بل محاولة فهم ما يحدث ومحاولة تحليله والمشاركة في تقديم حلولٍ. فرياح التغيير لم تهدأ من الهبوب في البلدان العربية، على الرغم من كل سرقات الحراك العربي، سواءً من طرف الحكام العرب أنفسهم أو أيادٍ خارجيةٍ أو حركاتٍ دينيةٍ رجعيةٍ، لا تفهم إلا لغة العنف والهدم. إذا لم يُبعث بعدُ من رحم السلطات التي تحكم العرب منذ عهودٍ أيٌّ «ملكٍ أو أميرٍ فيلسوفٍ»، يُشبه فريدريك الثاني[1]، الذي لم يكتف بالحكم فقط، بل نظر

(194)

لممارسة السلطة وأخذ موقفًا معاديًا من الحرب، على الرغم من أنه أُقحم فيها، فإن الوضع الحالي سيرجعنا إلى عصور الظلام والتناحر المستمر بين أصحاب القرار في الدول العربية. قد يفهم صاحب السلطة العربي المعاصر، الذي يشارك بنشاطٍ في حروب الممالك، ويُساهم في إشعال فتيل الفتنة السياسية بين الفرقاء العرب، ويتفنن في تشتيت المسلمين بتشجيع فرقةٍ ضد فرقةٍ أخرى، ومذهبٍ ضد آخرَ، والشيعة ضد السنة، والسنّة ضد الشيعة، بل ويشنّ حروبًا مذهبيةً «مقدسةً» على آخرين بمؤازرة من يعتبرهم مبدئيّا أعداء في العقيدة، بأن السلطة ليست تشريفًا، بل تكليفًا، وبأنّ مصيرها -إذا لم تكن نابعةً من إرادة الشعوب- لن يكون إلا الاندثار، كما يشهد التاريخ على ذلك. قد يفهم المفكر العربي، بأن المطلوب ليس هو التركيز على أعراض «مرض العرب»، بل التسرب لفهم أسباب هذا المرض. فالملاحظ أن المفكر العربي الذي يهتم حاليّا بأحوال أمته، لم يتجاوز بعد مرحلة الترقب والانتظار، بل في بعض المرات يسقط، عن وعيٍ أو دون وعيٍ، في مؤازرة نظام هذا الحاكم أو ذاك، منسلخًا بذلك على دوره الأساسي، المتمثل في إيقاظ المجتمعات العربية، وتشجيعها على أخذ مصيرها بين أيديها، لأن ما يهم حكامها، ليس هو مساعدتَها للخروج من حالة القصور إلى مرحلة النضج (كانط)، بل إبقاءَها تابعةً لها ومسيَّرةً من طرفها.

ليس هناك أيُّ حاكمٍ عربيٍّ يفكر في إعتاق شعبه من عبوديات

(195)

لا حصر لها، بقدر ما يعمل جاهدًا للمحافظة على سلطته وامتيازات الفئة التي تسبح في فلكه، على حساب رعية لم تصل بعد إلى مرحلة المواطنة. المطلوب الآن في الدول العربية هو أن تطالب شعوبها بحقها في المواطنة، بكل ما يترتب عن ذلك من نتائج، وبالخصوص تحمل مسؤولياتها اتجاه ذواتها واتجاه أوطانها. فليس هناك مواطنةٌ دون حريةٍ، وليس هناك حريةٌ دون مسؤوليةٍ، وليس هناك مسؤوليةٌ دون وعيٍ وتربيةٍ وبناءِ مُثلٍ أخلاقيةٍ إنسانيةٍ توحّد الشعوب وتساعدها على تقرير مصيرها.

(196)

المراجع بالعربية

-علي أكبر أحمدي. الحداثة عند كانط في رحاب آراء الشيخ مرتضى مطهري. ترجمة: أسعد مندي الكعبي. المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية. العتبة العباسية المقدسة. الطبعة الأولى. 1438هـ – 2017م.

-إيمانويل كانط. أنطولوجيا الوجود. ترجمة: محمد أحميد سليمان. دار التنوير، 2009.

-إيمانويل كانط. الدين في حدود مجرد العقل. ترجمة فتحي المسكيني. جداول للطباعة والنشر. بيروت-لبنان، 2012.

-إيمانويل كانت. تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق. ترجمة: عبد الغفار مكاوي. منشورات الجمل. كولونيا-ألمانيا 2002.

-إيمانويل كانط. مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة يمكن أن تصير علمًا. متبوع بـ: أسس ميتافيزيقا الأخلاق. ترجمة: نازلي إسماعيل حسين ومحمد فتحي الشنيطي، موفيم للنشر، 1991.

-إيمانويل كنت. نقد العقل العملي. ترجمة: غانم هنا. المنظمة العربية للترجمة. بيروت، 2008.

-إيمانويل كانط. نقد ملكة الحكم. ترجمة: سعيد الغانمي. منشورات الجمل. بيروت-لبنان، 2009.

-رضا گندمي نصر آبادي: «الجذور العلمانية في فلسفة

(197)

كانط الحداثة بدنيويتها الصارم». تعريب: علي حسن مطر. مجلة الاستغراب، خريف 2017.

-غيضان السيد علي: «أثر الأخلاق الكانطية في الفكر العربي المعاصر». مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2015.

-علي الزاوي: «مفهوم اللغة في الفلسفة الكانطية الجديدة». مجلة اللغة العربية. العدد الرابع. جامعة الكويت.

-عبد الرحمن بدوي. إيمانويل كنط. الكويت، 1977.

-عبد الرحمن بدوي. فلسفة الدين والتربية عند كنت. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت، 1980.

-فريال حسن خليفة. الدين والسلام عند كانط. مصر العربية للنشر والتوزيع. القاهرة-مصر، 2001.

-محمود زيدان. كنط وفلسفته النظرية. دار المعارف، 1979.

-المختار شعالي. «نظرية المعرفة عند كانط»، هيسبريس، 1 أبريل 2017.

-أحمد عبد الحليم عطية: «كانط وفلاسفة ما بعد الحداثة. دوامات التأويل». مجلة الاستغراب. خريف 2017.

-أحمد عبد الحليم عطية. كانط وأنطولوجيا العصر. دار الفارابي. بيروت-لبنان، 2010.

-حنان علي عواضة: «الفلسفة النقدية لكانط. طبيعتها وتطبيقاته». مجلة اﻷﺳﺘﺎذ، العدد 303، 2012.

(198)

- الشيخ كامل محمد محمد عويضة. عيمانويل كانط. شيخ الفلسفة في العصر الحديث. دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان 1993.

- مراد وهبة. المذهب عند كانط. تعريب: نظمي لوقا. مكتبة الأنجلو المصرية، 1974.

بلغات أجنبية

- Cassirer, Ernst: Symbolische Prنgnanz, Ausdrucksphنnomen und ‘Wiener Kreis’. Hrsg. V. Ch. Mِckel, Meiner Verlag, Hamburg 2011.

- Cohen, Hermann: Kleinere Schriften I [1865-1869], Werke 12, Hildesheim u.a., Olms 2012.

- Hermann Cohen: Kants Begründung der Ethik. 1877, 2., erw. Aufl. 1910.

- Hermann Cohen: Ethik des reinen Willens. 1904, 2., rev. Aufl. 1907, 3. Aufl. 1921, 4. Aufl. 1923, 5. Aufl. 1981.

- Deutsche Zeitschrift für Philosophie, Volume 59, Issue 2 (May 2011). Schwerpunkt: Hermann Cohens Philosophie. Jahrbuch 6 (2011)

- Dmitrieva N. A., Der russische Neukantianismus: «Marburg» in Russland. Historisch-philosophische Skiz

(199)

zen, Moskva 2007.

- Marion Heinz und Christian Krijnen (Hrsg.): Kant im Neukantianismus. Fortschritt oder Rückschritt?. Studien und Materialien zum Neukantianismus. Kِnigshausen und Neumann, Würzburg 2007.

- Peter Hoeres: Kants Friedensidee in der deutschen Kriegsphilosophie des Ersten Weltkriegs. In: Kant-Studien 93 (2002)

- Helmut Holzhey (Hrsg.): Ethischer Sozialismus. Zur politischen Philosophie des Neukantianismus. Suhrkamp, Frankfurt 1994.

- Marburger und Südwestdeutscher Neukantianismus. (Anthologie). Hrsg. v. Andrzej J. Noras, Tomasz Kubalica. Katowice: Wydawnctwo US 2011.

- Revue de Métaphysique et de Morale, 2011, Nr. 1: Hermann Cohen. L’idéalisme critique aux prises avec le matérialisme (numero dirigé par M. Bienenstock).

- Renate Schindler und Gesine Palmer, Frieden und Krieg. Mit Beitrنgen zu Cohen. Gonzلlez Porta, Mario 2011.

- Ulrich Sieg: Aufstieg und Niedergang des Marburger Neukantianismus: die Geschichte einer philosophischen

(200)

Schulgemeinschaft. Kِnigshausen und Neumann, Würzburg 1994.

- Der Vernunftkritik zur Erkenntnislogik. Die Entwicklung der theoretischen Philosophie Hermann Cohens. Freiburg/München 1988.

- Hans-Dieter Hنuكer: Transzendentale Reflexion und Erkenntnisgegenstand. Zur transzendentalphilosophischen Erkenntnisbegründung unter besonderer Berücksichtigung objektivistischer Transformation des Kritizismus. Ein Beitrag zur systematischen und historischen Genese des Neukantianismus. Bouvier, Bonn 1989.

- Marion Heinz und Christian Krijnen (Hrsg.): Kant im Neukantianismus. Fortschritt oder Rückschritt?. Studien und Materialien zum Neukantianismus. Kِnigshausen und Neumann, Würzburg 2007.

- Peter Hoeres: Kants Friedensidee in der deutschen Kriegsphilosophie des Ersten Weltkriegs. In: Kant-Studien 93 (2002), S. 84–112.

- Helmut Holzhey: Cohen und Natorp. 2 Bنnde (Band 1: Ursprung und Einheit. Die Geschichte der ‚Marburger Schule‘ als Auseinandersetzung um die Logik des Denkens. Band 2: Der Marburger Neukantianismus in Quel

(201)

len. Zeugnisse kritischer Lektüre – Briefe der Marburger – Dokumente zur Philosophiepolitik der Schule), Schwabe, Basel 1986.

- Helmut Holzhey (Hrsg.): Ethischer Sozialismus. Zur politischen Philosophie des Neukantianismus. Suhrkamp, Frankfurt 1994.

- Helmut Holzhey: Neukantianismus. In: Wolfgang Rِd (Hrsg.): Geschichte der Philosophie, Band 12, Beck, München 2004.

- Christian Krijnen: Nachmetaphysischer Sinn. Eine problemgeschichtliche und systematische Studie zu den Prinzipien der Wertphilosophie Heinrich Rickerts, Kِnigshausen und Neumann, Würzburg 2001.

- Christian Krijnen: Philosophie als System. Prinzipientheoretische Untersuchungen zum Systemgedanken bei Hegel, im Neukantianismus und in der Gegenwartsphilosophie. Würzburg 2008.

- Wolfgang Marx und Ernst Wolfgang Orth: Hermann Cohen und die Erkenntnistheorie. Kِnigshausen und Neumann, Würzburg 2001.

- Peter-Ulrich Merz-Benz, Ursula Renz (Hgg.): Ethik oder ؤsthetik. Zur Aktualitنt der neukantianischen Kul

(202)

turphilosophie, Kِnigshausen & Neumann, Würzburg 2004.

- Ulrich Sieg. Aufstieg und Niedergang des Marburger Neukantianismus: die Geschichte einer philosophischen Schulgemeinschaft. Kِnigshausen und Neumann, Würzburg 1994.

- Eggert Winter: Ethik und Rechtswissenschaft: Eine historisch-systematische Untersuchung zur Ethik-Konzeption des Marburger Neukantianismus im Werke Hermann Cohens. Duncker und Humblot, Berlin 1980.

- Kurt Walter Zeidler: Kritische Dialektik und Transzendentalontologie. Der Ausgang des Neukantianismus und die post-neukantianische Systematik R. Hِnigswalds, W. Cramers, B. Bauchs, H. Wagners, R. Reiningers und E. Heintels. Bouvier, Bonn 1995.

-Sascha Ziemann: Neukantianisches Strafrechtsdenken. Die Philosophie des Südwestdeutschen Neukantianismus und ihre Rezeption in der Strafrechtswissenschaft des frühen 20. Jahrhunderts. Nomos, Baden-Baden 2009.

نبذة موجزة عن المؤلف

- ازداد سنة 1962 بالمغرب، مقيمٌ في النمسا منذ أكثر من 25

(203)

سنة.

- درس علم النفس الإكلينيكي بالنمسا.

- حصل على درجة دكتوراه قسم الفلسفة، علوم اللغة والتواصل وعلوم التربية، تخصص علوم التربية، جامعة ستراسبورغ الفرنسية، سنة 1993.

- حصل على دبلوم الدراسات المعمقة، في التخصص نفسه والجامعة نفسها عام سنة 1989.

- تخرج من جامعة محمد بن عبد الله، بفاس، قسم الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، تخصص علم النفس سنة 1987.

ـ حصل كأول باحثٍ عربيٍّ على الجائزة العالمية إريك فروم لسنة 2004.

يعمل منذ 1993 كسيكولوجيٍّ وبيداغوجيٍّ، متخصصٍ في المراهقة والشباب في النمسا وإمارة الليكتنشطاين.

ـ اشتغل من 2008 إلى 2015 في مشاريع عمل مع الفيلسوف النمساوي هانس كوكلر، الرئيس السابق لقسم الفلسفة بجامعة إنزبروك النمساوية، ترجماتٌ وندواتٌ.

ـ اشتغل من 2004 إلى 2016 في مشاريع عمل مع الجمعية العالمية لإريك فروم: ترجماتٌ وندواتٌ.

- درس عام 2002 بأكاديمية العمل الإجتماعي بمدينة بريغينس النمساوية، تخصص: «سيكولوجية الشباب والمراهقة».

- اشتغل بين 2000 و2005 في إطار مشاريع بحث وترجمة

(204)

ودورات بالأكاديمية العالمية للفلسفة بإمارة الليكتنشطاين.

- عضو المجلس البلدي لمدينة فيلدكيرخ النمساوية منذ 2005.

له مؤلفاتٌ ودراساتٌ ومقالاتٌ عديدةٌ في الميدان الفلسفي والسيكولوجي والبيداغوجي والسياسي، منها على الخصوص:

1 إبستمولوجية علوم التربية وعلوم التربية العربية الواقع والآفاق، منشورات اختلاف، 1996.

2 الطفل والله: الأسس النفسية لظهور وتطور فكرة الله عند الطفل. البوكيلي للطباعة، دسمبر 1998

رحابة فكر، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، 2010.

3. في رحاب الفكر، جاهز للطبع.

4. النخبة المغربية المهاجرة. الرأسمال البشري الضائع؟ في طريق الإعداد.

5. مشارف. حوارات في الفكر و الحوار الثقافي و الهجرة. جاهز للطبع.

6. لعب الظل (عمل أدبي مشترك بالألمانية)، مع مجموعة من الأدباء النمساويين، 1995.

7. الكتابة، (عمل أدبي مشترك بالألمانية)، 1987.

8. أبي مغربي (رواية عن الجنود المغاربة للذين شاركوا في تحرير النمسا من النازية عام 1945). دورنبيرن، النمسا، 2005

9. ثمانية عشر سنة دراسية مهربة عن طريق البحر (رواية عن

(205)

هجرة الطلبة المغاربة)، مطبعة فضالة، شتنبر 1999.

10. موسم العودة إلى الجنوب (رواية عن الهجرة المغربية لأوروبا)، الهلال العربية للنشر والتوزيع، أكتوبر 1998.

11. حفريات مهاجر (قصص قصيرة عن المهاجرين العرب في أوروبا). مطبعة فضالة، المحمدية، 2003.

12. غربة الحب ـ حب الغربة. (جاهز للطبع).

13. Sindibad le Surfer, Imprimerie Fedala, Mohamadia, 2003 (رواية بالفرنسية عن خلخلة البنى الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في الدول العربية جراء التطور وسائل التواصل المعاصرة)

ترجم من الألمانية إلى العربية:

1. اللهُ كبرهانٍ على وجود الله. إعادة بناء فينومونولوجي للبرهان الأنطولوجي. تأليف يوسف سايفرت. أفريقيا الشرق، 2001.

2. الطبيب كدواء. العلاقة العلاجية بين الطبيب والمريض. تأليف بوريس لوبان بلوتسا، طباعة ناداكوم، الرباط، 2003.

3. تفاعل الحضارات. دور الفينومنولوجيا الواقعية في حوار الحضارات والديانات. طباعة ناداكوم، الرباط، 2004.

4. الحرب الغريبة، تأليف مارتين أور. طباعة ناداكوم، الرباط، 2005.

5. الإنسان المستلب وآفاق تحرره. إريك فروم. فيديبرانت الرباط، 2003.

(206)

6. المسلمون والغرب. من الصراع إلى الحوار. دار طوب، الدار البيضاء، 2009.

7. الشك ونقد المجتمع عند هايدغر. مطبعة التيسير، الدار البيضاء، 2012.

8. الشك ونقد المجتمع عند هيدجر. طبعة مزيدة ومنقحة. جداول للطباعة والنشر والترجمة، بيروت 2013.

9. تشنج العلاقة بين المسلمين والغرب. الأسباب والحلول. تأليف هانس كوكلر. جداول للطباعة والنشر والترجمة، بيروت 2013.

10. جدلية العلمنة. العقل والدين. جداول للطباعة والنشر والترجمة، بيروت 2013.

11. شوبنهاور: نقد الفلسفة الكنطية. تحت الطبع.

12. «الرسائل». تبادل الرسائل بين هانا أرينت ومارتين هايدغر جداول للطباعة والنشر، بيروت، 2014.

13. راينر فونك. الأنا والنحن. التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة. جداول للطباعة والنشر، بيروت، 2016.

14. إريك فروم. حب الحياة. نصوص مختارة. جداول للطباعة والنشر، بيروت، 2016

15. جذور التملك وآفاق الكينونية في فكر إيريك فروم (كتاب مشترك). طباعة ناداكوم، الرباط، 2005

16. العقل والدين في المجتمع الحديث ومابعد الحديث (كتاب مشترك). طباعة ناداكوم، الرباط، 2005

(207)

17. دور النزعة الإنسانية في حوار الثقافات. إيريك فروم كنموذج (كتاب مشترك). دار طوب، الدار البيضاء، 2007.

18. حوار العالمين الجرماني والعربي. دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط 2007

شارك في العديد من اللقاءات العلمية والندوات في المغرب، ألمانيا والنمسا، وشارك في تنظيم أكثر من خمسة ندوات علمية، في المغرب والنمسا وألمانيا.

له الكثير من الدراسات والمقالات في ميدان الفلسفة والفكر والبيداغوجيا والسيكولوجيا والسياسة والهجرة، نُشرت في مجلاتٍ متخصصةٍ وجرائد في العالم العربي والعالم الجرماني. حاور العديد من المفكرين والفلاسفة العرب والجرمانيين، كما حاورته العديد من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.

(208)
المؤلف في سطور د. حميد لشهب باحث واكاديمي مغربي مقيم في النمسا منذ أكثر من سنة 25 سنة . حصل على درجة دكتوراه قسم الفلسفة ، علوم اللغة والتواصل وعلوم التربية ، تخصص علوم التربية ، جامعة ستراسبورغ الفرنسية ، سنة 1993 . للمؤلف : 1- إبستمولوجية علوم التربية وعلوم التربية العربية الواقع والآفاق ، منشورات اختلاف ، 1996 . 2- الطفل والله : الأسس النفسية لظهور وتطور فكرة الله عند الطفل . البوكيلي للطباعة ، دسمبر 1998 . رحابة فكر ، دار أبي رقراق للطباعة والنشر ، الرباط ، 2010 . 3- في رحاب الفكر ، جاهز للطبع . 4- النخبة المغربية المهاجرة الرأسمال البشري الضائع ؟ في طريق الأعداد . 5- مشارف حوارات في الفكر والحوار الثقافي والهجرة . جاهز للطبع . كتب بالألمانية : 1- لعب الظل مع مجموعة م الأدباء النمساويين ،1995 . 2- الكتابة ، مع مجموعة من الأدباء النمساويين ، 1987 . 3- أبي مغربي دورنبيرن ، النمسا ، 2005 . بالعربية : 4- ثمانية عشر سنة دراسية مهربة عن طريق البحر ، مطبعة فضالة ، شتنبر 1999 5- موسم العودة إلى جنوب ، الهلال العربية للنشر والتوزيع ، أكتوبر 1998 6- حفريات مهاجر ، مطبعة فضالة ، المحمدية 2003 7- غربة الحب - حب الغربة (في طريق الإنجاز) بالفرنسية : 8-sindibad le surfer imprimerie fedala mohamadia 2003 وله عشرات الكتب والدراسات المترجمة من الألمانية إلى العربية
هذا الكتاب الكانطية الجديدة تركز هذه الدراسة التي تندرج ضمن سلسلة مصطلحات معاصرة على بيان المرتكزات الأساسية لمصطلح الكانطية الجديدة الذي شاع أمره في الأوساط العلمية والأكاديمية والثقافية غربا وشرقا . كما يتناول بالتحليل والنقد أهم التيارات التي تدخل تحت هذا المصطلح ، ولا سيما مدرسة بادن وماريورغ والنقدية الكانطية المعدلة وذلك لأهميتها في تطور المفهوم وأثره الكبير في الفلسفة المعاصرة . من المقدمة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]