فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 38 الإيديولوجيا دراسة في المصطلح والمفهوم وحقول الاستعمال تأليف : محمد رضا خاكي قراملكي مدخل تحليلي ومراجعة: محمود حيدر
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدمة المركز5

مدخل تحليلي7

الفصل الأول

ماهية الإيديولوجيا وضرورتها 45

الفصل الثاني

تعريف الإيديولوجيا وفق معاييرَ فرعيةٍ57

الفصل الثالث

العلامات الفارقة لمفهوم الإيديولوجيا83

الفصل الرابع

نظرية نهاية الإيديولوجيا103

الفصل الخامس

نقد رؤية بوبر125

الفصل السادس

وظائف الإيديولوجيا139

الفصل السابع

الإيديولوجيا في الاقتصاد والسياسة والاجتماع183

الفصل الثامن

الإيديولوجيا وصياغة الهويّة217

(4)

مقدمة المركز 

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانية؛ ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أولًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأنّ كثيرًا من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(5)

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلامية، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

* * *

في هذا الكتاب الذي يندرج ضم سلسلة مصطلحات معاصرة مقاربة لمصطلح الإيديولوجيا تتناول منشأ المصطلح وتعريفاته والجدل الذي رافقه في تاريخ الفكر الحديث.

والله ولي التوفيق
(6)

مدخل تحليلي

حاضريّة الإيديولوجيا

دراسة في فهم دلالات المصطلح وفلسفته العمليّة
* محمود حيدر

قَلَّ أن دخلت كلمة حقول الجدل الفكري ككلمة الإيديولوجيا. الصورة التي ظهرت عليها في مقتبل حداثة الغرب جاءت مكتظة بأحمال شتّى من التعاريف والتفسيرات. وما ضاعف من اضطراب هيئتها أن كل تعريف وتفسير لماهيتها وهويّتها والغاية منها، جاء على شاكلة واضِعِه والنظام المعرفي الذي يعتقده. وبهذه السمة تكتسب هذه الكلمة غموضاً بيِّناً أعربت عنه الشروحات الواسعة والمتباينة التي حفل بها القاموس الفلسفي والسوسيولوجي على امتداد أحقاب متعاقبة من عصور الحداثة. ومن مجمل تلك الشروح والتعريفات نذكر ثلاثة منظورات جرى عرضها لصورة الإيديولوجيا:

الأول: إنها فكر قائم في ذاته ولذاته.. والثاني: إنها طريقة للتفكير والتأويل والمقاربة، والثالث: إنها نمط سلوك ونظام رؤية للظواهر والأحداث. سوى إن تجليات الصورة التي تظهرها الإيديولوجيا تبقى مشدودة إلى جذر واحد، هو عصبُ الفكرة التي تختلج في وجدان الأفراد والجماعات؛ ثم تخرج إلى الملأ طازجة، بريئة، كأنْ لم تمْسَسْها يدُ سوء. لكأن الإيديولوجيا بمعنى ما، هي غريزة الناس وقد حلّت في وعيهم وثقافتهم. أو من قبل أن يتكفّل هذا -الوعي-

(7)

وتلك الثقافة- القبض على هذه «المادة الخام» فيعيد تصنيعها من جديد، ويمنحها روحه ومصلحته العليا. أما هذه الآلة العجيبة التي اسمها الفكر فسرعان ما تتمثل صنيعتها (الإيديولولجيا) ليندهش بسحرها، ويعود القهقري إلى جِبلَّته الأولى ويصير لحظتئذ كما لو إنّه الإيديولوجيا عينها.

تمكث الإيديولوجيا داخل كل فكرة. وبهذا المعنى فإن ما يصدر عنها يعكس مقاصدها مهما اتّخذت هذه الفكرة لنفسها الوجهة التي بها تفسِّر الظواهر الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة. الإيديولوجيا إذًا، لازمة للظواهر، ومن دونها لن يتسنّى لفكر أن يشق سبيله إلى الفعّالية ليصبح كيانًا معنويًّا مكتمل الحضور. هذه الرؤية هي التي حدت بعالم الأنتروبولوجيا المعروف «كلايفور جيرتس» إلى وصف الإيديولوجيا بأنها الخارطة الفكرية للكون. وربما للشيء نفسه دعا فلاسفة الحداثة إلى وجوب نقل كل المشكلات إلى الشعور وصولاً إلى الشغف، كشرط ضروري لفهم تعقيدات الاجتماع البشري. وسنرى، حالئذٍ، كيف سعت الإيديولوجيا لتسمو فوق التنميط والتجزئة والحصر. وقصدها في ذلك أن تحل في الميادين كلّها، ثم لتأخذ بناصية كل فكرة طموحة وتحيلها إلى أمر واقع أو حدثٍ سارٍ في التاريخ.

* الإيديولوجيا في معانيها وأسمائها المتعدّدة

يُنظر إلى الإيديولوجيا في ميدان اللغة والمصطلح وحقُول الاستخدام، كإحدى أهم المشاغل المعرفية في عالم السياسة والفكر والفلسفة. إلَّا أن الاهتمام فيه يظل مهمة ملحَّة علمياً ومعرفياً

(8)

في وقت بدأ فيه الحديث عن عودته إلى التداول بعد ما جرى الكلام على نهايته مطلع الألفيَّة الثالثة. وهذا ما يفترض الرجوع إلى بسط السؤال مجددًا حول ماهية المفهوم وبيان مرجعيّته اللغويّة والاصطلاحيّة.

تعني الإيديولوجيا بلسان اليونانية القديمة: δέα  إيديا، «فكرة»، وλόγος لوغوس، «علم، وخطاب»؛ وبالعربية: منطق الأفكار الأدلوجة، الفكرويَّة، الفكرانية، العقيدة الفكرية، هذا فضلاً عن رزمة تعريفات تناولت جانباً أو أكثر من جوانب هذا المصطلح. إلَّا أن التعريف الأكثر تداولاً هو الذي يحدِّد الإيديولوجيا بأنها «النسق الكلّي للأفكار والمعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة. وهي تساعد على تفسير الأسس الأخلاقية للفعل الواقعي، وتعمل على توجيهه. وللنسق المقدرة على تبرير السلوك الشخصي، وإضفاء المشروعية على النظام القائم والدفاع عنه. فضلاً عن أن الإيديولوجيا أصبحت نسقاً قابلاً للتغيُّر، وذلك استجابة للتغيرات الراهنة والمتوقعة، سواء كانت على المستوى المحلي أم العالمي.

في كتابه «الإيديولوجيا واليوتوبيا» يحدد عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم مفهوم الإيديولوجيا، من خلال مستويين[1]:

- المستوى التقويمي: يتعامل مع الإيديولوجيا على أساس أنها تتضمن أحكاماً تُعنى بواقع الأفكار وبناءات الوعي.

(9)

- المستوى الدينامي: يتناول الإيديولوجيا من خلال خصائصها الحركية. وذلك على أساس أن هذه الأحكام دائماً ما تُقاس من طريق الواقع الذي يحيا في ظل تدفق ثابت وجريان دائم.

وحول الأنماط التي تسلكها الإيديولوجيا في تطبيقاتها يشير مانهايم إلى ما سمَّاه بـ«التشوُّه الإيديولوجي» والوعي الزائف الذي يعني التفسير غير الصادق الذي يضعه شخص ما. هذا ما أكّده  أيضًا عالم الاجتماع الأميركي ديفيد هوكس حين رأى أن كلمة «إيديولوجيا» تشير أحياناً إلى طريقة خاطئة في التفكير على نحو نسقي، ووعي زائف[1]. وهكذا فرّق مانهايم بين نمطين من الإيديولوجيا، هما: 1ـ الإيديولوجيا الخاصة التي تتعلَّق بمفهوم الأفراد وتبريراتهم للمواقف التي تهدِّد مصالحهم الخاصة..

2ـ الإيديولوجيا الكلية التي تتعلق بالتفكير السائد داخل الطبقة أو الحقبة التاريخية، كما هي الحال في نمط التفكير السائد لدى البرجوازية أو البروليتاريا (الطبقة العاملة).

في ضوء هذين النمطين عرّف مانهايم الإيديولوجيا بوصفها مجموعة قيم أساسية ونماذج للمعرفة والإدراك، يرتبط بعضها ببعض، وتنشأ بينها وبين القوى الاجتماعية والاقتصادية صلات وطيدة. فإذا أخذنا بتصور مانهايم هذا لمفهوم الإيديولوجيا، نستطيع أن نميِّز في أي مجتمع طبقي بين نمطين منها:

(10)

النمط الأول: إيديولوجيا الجماعات الحاكمة التي تريد فرض تصوراتها وأفكارها على بقية أفراد المجتمع، وتبرير الأوضاع الراهنة والدفاع عنها.

النمط الثاني: إيديولوجيا الجماعات الخاضعة، التي تحاول تغيير هذه الأوضاع لمصلحتها، وإحداث تغيرات في بناء القوة القائم، بما في ذلك تحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الدخول توزيعاً عادلاً[1].

معاني الايديولوجيا المتعدّدة

في كتاب أعدّه المفكر الفرنسي ميشيل فاديه بعنوان: «الإيديولوجية – وثائق من الأصول الفلسفية» نقرأ مجموعة من التعريفات نقلها من كتابات عدد من الفلاسفة وعلماء الاجتماع في الغرب، وهي تعرب على الإجمال عن واقع أن الإيديولوجيا مفهوم متعدّد المعاني والدلالات وطرائق الفهم. وفي ما يلي نقتطف أبرزها كما وردت في كتابه المذكور[2]:

1 - عند مبتكر الكلمة عالم الاجتماع الفرنسي ديتسوت دي تراسي تعني الإيديولوجيا علم الأفكار في أعم معنى لهذه الكلمة، أي علم حالات الوعي. هذا الخلق الجديد للكلمة، كان يهدف إلى إحلاله محل «سيكولوجي» التي كانت معيبة لأنها تستدعي النفس.

(11)

2 - الفيلسوف الفرنسي مان دوبيران (1766 - 1824) وصف الإيديولوجيا بأنّها كلمة تحلِّق فوق جميع العلوم، لأن العلوم ليست إلّا أفكارنا وعلاقتها المختلفة. يضيف: هذه الأفكار شبيهة بالبلد الممتد واللاَّنهائي التنوع، والمنقسم إلى مقاطعات عديدة، يوصلها بعضها ببعض عدد أكبر من طرائق الاتصال(...) ولكن لكل هذه الطرائق أصل واحد، بل إن أكثرها يبدأ من نقطة مشتركة ثم يتشعب في ما بعد؟ هذا الأصل الواحد، وهذه النقاط المشتركة، التي يجهلها المسافرون غالباً، يأخذ الإيديولوجي على عاتقه مهمة أن يعلّمهم إياها بشكل أساسي[1].

3 - الإيديولوجية هي عملية يمارسها فعلاً الفكر المدِّعي بوعي، ولكن وعي (زائف)، ذلك أنه يظل يجهل القوى المحركة الحقيقية. ولولا ذلك لما كانت هذه العملية عملية إيديولوجية إنجلز. (خطاب إلى ن. ميهرنج 14 يوليو 1893).

4 - الإيديولوجية عرض ذهني يستجيب لمطلب عاطفي (...) وكأن الإيديولوجية – إذاً – مصنعة لتلبية حاجات اجتماعية معينة، أي بين الأفراد – مثل المنتجات الصناعية التي تلبي حاجات اقتصادية معينة.

5 -  الإيديولوجية هي المعادل الوظيفي للأسطورة[2].

6 - الإيديولوجية في علاقتها بالفلسفة تشبه علاقة التبسيط 

(12)

Vulgarisation”» بالعلم. إذ عندما يُرى العلم عبر التبسيط لا يُعرف غالباً، وإن كان التبسيط مديناً للعلم بأصله.[1]

7 - الإيديولوجيات تشكِّك في الفلسفات، وهي مستمدة من فلسفات سريعة ومرتجلة، وهي كذلك مبنية على فلسفات أعمق، يُعاد تشكيلها تلبية لحاجات عاطفية متفقة إلى حد ما مع التبادل ومع تقلبات سوق المال في السياسة اليومية(...) وثمة سمة أساسية للإيديولوجية، هي أنها تلعب ـ بطبيعة إنتاجها ـ دور العلامة المسجلة للسلعة[2].

8 - الأفكار مكتظة بالإيديولوجيات، وهي مجردات تثبت وتبسط من أجل استهلاك واسع، وتلك المجردات تشكل الأذهان، وتقاوم فيها الخلق الروحي.

9 - تسعى الإيديولوجية ـ بطبعها ـ لأن تصبح دعاية ـ أي انتقالاً آلياً إلى صيغ مغناطيسية، بواسطة هوى يشكل في جوهره العميق كراهية، ولا يُجسّد إلا بشرط أن يمارس ضد فئة معينة من البشر.

10 - تكاد صيغة «الإيديولوجية هي فكرة عدوي» أن تكون أقل تعريفات الإيديولوجية سوءاً.[3] 

11 - الإيديولوجية هي مجموعة من الأفكار تعيش حياتها  

(13)

المستقلة ولا تخضع إلا لقوانينها الخاصة. (فريدريك انجلز. لودفيغ فيورباخ).

 12 - الإيديولوجية هي ظاهرة أسطورية مفهومية. (جورج لوكاتش في كتابه الشهير التاريخ والوعي الطبقي).

13 - رجال الثقافة الذين يأتون بعد فترات الازدهار الكبيرة، والذين يشرعون في ترتيب الأنظمة أو اكتساب أراض لا تزال غير معروفة تماماً ـ من خلال مناهج جديدة، والذين يعطون للنظرية وظائف عملية، ويستعملونها كأداة للهدم أو للبناء؛ هؤلاء لا يصح أن نسميهم فلاسفة. فهم يستغلون الأرضية، ويرصدون ما فيها، ويقيمون عليها بعض الأبنية، ويصدف ـ حتى ـ أن يحدثوا فيها بعض التغييرات الداخلية، ولكنهم يظلون يتغذون على فكر الموتى. هذا الفكر تحمله الجماهير ـ المتحركة، التي تشكل وسطهم الثقافي ومستقبلهم، وتحدد مجال أبحاثهم حتى «إبداعهم». وفي هذا الحيِّز من التعريف يقترح الفيلسوف الفرنسي الوجودي جان بول سارتر تسمية هؤلاء الرجال النسبيين: بـ الإيديولوجيين.[1]

الإيديولوجيا كنظير لعلم العقيدة

يذهب عدد من المفكّرين ممن تناولوا مصطلح الإيديولوجيا في العالم الإسلامي إلى تعريفه كمقابل ونظير لعلم العقيدة. فالأيديولوجي هو صاحب عقيدة خاصة، والإيديولوجيا هي العقيدة الخاصة لجماعة، أو لطبقة، أو لفئة، أو لشعب ما أو عنصر ما. ومن قبل أن يتخذ المفهوم صيغته النهائية فإن هذه التفسيرات تبيِّن

(14)

حدود الاختلاف بين العلم والإيديولوجيا على الوجه التالي: العلم عبارة عن وعي العالم للواقع الخارجي، وهو تعبير عن صورة ذهنية للواقع العيني، استكشاف صلة ما، أصل ما، صفة ما، أو ميّزة ما، في الإنسان، في الطبيعة وفي الموجودات. بناء على هذا فإن صلة العلم بالمعلوم، والتي اسمها العلم، هي صلة المرآة بالأشياء، أو المنظر الذي أمامها، إذاً فالعلم ـ أساساً ـ ظاهرة سلبية (passive)، فالعالم لا يؤثر في المعلوم، كما هو الفيزيائي مثلاً: يعلم أن مقدار جاذبية أي جرم يسقط إلى الأرض يقاس وفقاً لتربيع حاصل ضرب سرعته بالمسافة فهذا يمثل قانون سقوط هذا الشيء في الطبيعة. أما الإيديولوجيا، فهي عبارة عن نوع من اعتقاد المفكر بالنسبة إلى أهمية الواقع الخارجي وتقويمه، وكذلك الاعتقاد بما لهذا الواقع من صعوبات وإمكانية تغييرها، وكيف يمكنها أن تكون نموذجية.
بناء على ما مرَّ من عروض تحليليّة يمكن أن تتضح المعالم الإجماليّة لعلاقة الإيديولوجيا بالعلم، أما عن العلاقة بين الفلسفة والإيديولوجيا، فستبدو هذه الثنائيّة في رأي جمعٍ من المفكرين متقاربة؛ حتى أنهما تُتَصَوَّران مترادفتيْن على الرغم من أن الفلسفة بعيدة عن الإيديولوجيا كبعد العلم عن الإيديولوجيا. ولسوف يتبيَّن لنا هذا المائز من خلال التعريفات الكلاسيكيّة للفلسفة. فهذه الأخيرة عبارة عن التفكير بكليات ومجهولات لا يصل إليها العلم، وهي خارج عهدته، مثلاً التفكير حول مصير الإنسان، معنى الوجود، فلسفة الحياة البشرية، غاية خلقة الإنسان، موضع 

(15)

ومكانة البشر في العالم، هذه أمور فلسفية. وبناء على هذا فإن علاقة الفلسفة بالإيديولوجيا هي نفس علاقة العلم بالإيديولوجيا، بمعنى أن الفلسفة كالعلم أيضاً تبحث عن اكتشاف المجهول. فالفلسفة علم، إلاّ أنها علم ما وراء العلم، أي أنها تتطلع للمجاهيل والواقعيات، يعقّب أحكاماً على الواقع، وهذا الواقع أسمى من «الواقع» والواقعيات التي يبحث عنها العلم في المختبرات، بناء على هذا، فالفلسفة هي العلم نفسه إلا أنها في مرتبة أسمى من مرتبة وهي بالنسبة للمسائل أهم وأعمّ. أما الإيديولوجيا، فهي عبارة عن العقيدة، والعقيدة عبارة مجموعة متآلفة من الأفهام:

أولاً: نوع التصوّر والفهم الذي نحمله عن العالم، عن الحياة، وعن الإنسان.

ثانياً: نوع الانطباع والتقويم الخاص والذي وفقاً له تتحدد نظرتنا للأمور التي نحن على صلة معها والتي تكوّن نطاقنا الاجتماعي، والفكري. المرحلة الثانية هي الإيديولوجيا.

ثالثاً: والمرحلة الثالثة هي عبارة عن الاقتراحات، طرق الحل، وكذلك عرض النماذج المثالية من أجل أن نغيّر، طبقاً لذلك، كل ما هو  غير نموذجي والذي لا نقبله الآن[1].

وعليه، فالإيديولوجيا بوصف كونها عقيدة ـ حسب هذه الرؤية ـ تتكون من ثلاث مراحل: الأولى رؤية كونية، الثانية: نوع من التقويم الانتقادي للمحيط والقضايا. في المرحلة الثالثة، تقدِّم نماذج عمليةً ومثاليات وخططاً نموجيةً. إذ إن لكل صاحب الإيديولوجيا التزاماً

(16)

ومسؤوليةً تجاه هذه المثاليات التي يعتقد بها، ويجب عليه تغيير الوضع الموجود وفقاً لذلك[1].

لا شك في أن هذه الإطلالة على التشكُّلات المتصوَّرة لمفهوم الإيديولوجيا هي إطلالة إجمالية. فقد حاولت الإحاطة بالتعريفات التي شاعت في أوروبا على امتداد عصور الحداثة، لكن تبقى الإشارة إلى أن هذا المفهوم يظل مشرعاً على المزيد من التأويلات ما دامت الإيديولوجيا حاضرة في مجمل العلوم الإنسانية، كما في كل نشاط بشري.

معاثر الأيديولوجيا في ظهوراتها المعاصرة

السجال الحالي في حقول الإيديولوجيا المعاصرة ينتمي على الجملة إلى المنعطف الذي طرأ على النظام العالمي بعد سقوط المنظومة الاشتراكيّة وصعود الرأسماليّة الليبراليّة في الغرب. وسيظهر لنا أن مقولة موت الإيديولوجيا لم تدخل ميادين الاحتدام الفكري إلا بعد أن اكتملت عناصر ومقومات المنعطف المشار إليه. فقد تعاملت الليبراليّة الجديدة مع الانعطاف العالمي الذي حدث في نهايات القرن العشرين بوصفه تاريخاً ناجزاً ومكتملاً. على هذا الأساس عملت على إقصاء الإيديولوجيا والتاريخ معاً. افترضت الليبراليّة الصاعدة أن المقولتين (التاريخ والإيديولوجيا) قد تآزرتا ضدها، فجهرت بعدائها للتاريخ لأنه يصفعها بلعنة النهاية، كما جهرت بكراهية الإيديولوجيا لأنها تذكرها بخصم عنيد ناصبها الأعداء على امتداد سبعين سنة كاملة.

(17)

قدر الإيديولوجيا أنها ارتبطت بإيديولوجيات القوميّة في أوروبا الحديثة لحظة صعودها وزهوها؛ ثم لازمتها لحظة انهيارها في الربع الأخير من القرن العشرين. فكان يسيراً على الليبرالية أن تفتح لنفسها نافذة فلسفية تسد بها الفراغ الذي أحدثه انهيار نظام القيم العالمي. وبدا كما لو أنها تريد أن تؤسَّس على موت الماركسية السياسية وإيديولوجيتها بقاءها الأبدي. وراحت النخب الليبرالية تستعيد من شيوخ الحداثة الفلسفية الغربية ما أنجزوه من أفكار لتغطية انتصارها السياسي. من هيغل إلى هوسرل وهايدغر وفوكو وهابرماز ودولوز ورورتي وفيتغنشتين، وقبل كل شيء من نيتشه الذي رسم صورة متشائمة للإنسان وما قد تكون عليه تلك الصورة في نهاية التاريخ. ومن دون أدنى عناء سنرى أن إعادة إحياء فلسفة الغلبة والاقتدار هو بفعل الحادث السياسي الكبير الذي انعطف فيه العالم باتّجاه الأحادية الصارمة لليبراليّة الجديدة. فلقد جاءت إيقاعات المشهد الإجمالي لتقرر أن إخفاق الإيديولوجيات القوميّة والاشتراكيّة هو انتصار للحقيقة الواقعيّة في ميدان الفلسفة، وللفضيلة في ميدان الأخلاق، ولمبدأ الملكية الخاصة في مجال الإقتصاد، وللديمقراطية في الحياة السياسية.

لكن ما الذي حمل الليبرالية المستأنفة على استعمال تعريفات أعدائها من أجل أن تسوّغ لمشروعها العالمي الجديد؟

سوف نرى في ما يمكث وراء الحملة الليبرالية دعوة إلى منح انتصارها على خصومها رداءً «أخلاقياً» ومعرفيًّا يتيح لها نقل مشروعها المفترض من حيّز القوّة القهريّة إلى مجال الوعي الثقافي. وعلى الرغم من حاجة الليبرالية إلى تسويق نفسها، إلاّ أنها ظلّت

(18)

قلقة حيال ديمومة الزهو وخيلاء النصر. لهذا وجدنا كيف دأب منظّروها على إضفاء هالة إيديولوجيّة تحفظ لهم ما أحرزوه من غلبة على العوالم المغايرة. فالعقيدة الليبراليّة – كما يقول زييغنيو بريجنسكي أحد أبرز منظريِّ النموذج الليبرالي- هي عامل اسمنتي اجتماعي هام[1]. وفي رأيه أن المجتمع الذي لا يؤمن بأي شيء هو مجتمع في حالة تحلل. وبالنسبة إلى الليبرالي الذي يرى نفسه قوة تقدميّة فإن العقيدة ضرورية للتمثل الإجتماعي الفعال للتغيير. أما فرنسيس فوكوياما فهو الآخر يبيَّن أثر المعتقد في دفع التطوّر العالمي، لكنه قطع شوطاً أبعد في التخصيص المذهبي حين استبعد جميع الديانات السماوية وغير السماوية بجميع مذاهبها باعتبارها معوقة لعملية التحديث والنمو الإقتصادي فيما عدا المذهب البروتستانتي – الذي رأى أنه الكفيل بإيصال العالم إلى مرحلة الديقراطية الليبرالية، ومن ثم إلى نهاية التاريخ. ثم يعترف بأن الولايات المتحدة – التي يعتقد بانها نموذج الدولة العالمية المنسجمة – ستشهد بدايات تشكل إيديولوجيات غير ليبرالية كنتيجة بعيدة للمواقف الثقافية المختلفة تجاه النشاط الإقتصادي.

لقد استعاد التنظير النيوليبرالي بنسخته الأميركيّة أطروحات هيغل -حول نهاية التاريخ والدولة العالميّة المنسجمة- ليبني عليها فلسفته السياسية. كان هذا التنظير يأمل أن يحقق غايته باعتراف العالم كله بسيادة النيوليبراليّة فوق أنقاض التاريخ والإيديولوجيا. وكان ينطلق من مقولة هيغلية ترى إلى التاريخ بوصفه قاعدة صراع من أجل

(19)

الإعتراف. فلا بد إذن من إنجاز الإعتراف بالذات المنتصرة لكي تنجز مهمّة إنهاء التاريخ. لقد انبرى منظّرو الليبرالية الجديدة إلى الإستعانة بهيغل، وأحياناً بماركس، لكي يُضفوا ضرباً من التسامح على محمولهم العقائدي. لكنهم سوف يكتشفون بعد قليل أن مفهوماً كهذا لم يُخترع من جانب هيغل، بل هو قديم قدم الفلسفة السياسية الغربية ذاتها، ويستند إلى جزء مألوف تماماً في الشخص البشري. ففي تاريخ الفلسفة السياسية نجد أن أفلاطون مثلاً يتكلم عن «التيموس» وهو تعبير لا يمكن ترجمته في الحقيقة وبالإمكان تقريبه من تعبير «الحماس الروحي». وإن ميكافيلي يتحدّث عن «رغبة المجد عند الإنسان» وهوبز عن «اعتزازه وتكبّره» وروسو عن «حبه لذاته»؛ والكسندر هاملتون عن «حبه للشعر»؛ وجايمس ماديسون عن «الطموح»؛ وهيغل عن «الإعتراف بالإنسان باعتباره إنساناً» وحسب.

ديمومة الايديولوجيا وحاضريتها

حين تذوي الإيديولوجيا في ظرف زماني ومكاني ما، فلا يعني ذلك اندثارها وموتها. فالذي اندثر وغاب عن الحضور هو الشرط المكاني والزماني والحادث السياسي الذي اختُبرت فيه. فقد تضمحل الإيديولوجيا باضمحلال ظاهرة سياسية ما، سواء تعلق الأمر بدولة أو جماعة أو طبقة اجتماعية-سياسية، فالحاصل هو ان ما اضمحلَّ وذَوَى هو الحدث الإيديولوجي حصراً، لا عصب الجماعة الكامن في «لاوعيها الجمعي»  والذي لا يفتأ أن يولد على نشأة أخرى في مكان آخر وتاريخ آخر.

(20)

لم تمُتِ الإيديولوجيا لتُولد مِن جديد. فهي على احتجاب وظهور دائمين. هي نفسها عند الغالب والمغلوب، تمنح مذهبها للجميع، وكلٌ له منها نصيب. إنها واحدة في عالم الأضداد. الضدُّ ونظيرُه يلتقيان على المفهوم ويختصمان في استخدامه.

تحطُّ الإيديولوجيا في عالم الشعور من قبل أن تسري إلى عالم الفكر. ولا يفعل الإيديولوجي في ملحمة التحيُّز سوى تحويل مشاعره إلى أفكار وأفكاره إلى مصالح. ولأن تشكيل الأفكار يتوقف على تشكيل الكلمات، فإن كل متحيِّز ماضٍ إلى إنشاء مختزنٍ من المفردات والإصطلاحات والرموز، يسدِّد بها نظامه الفكري ويؤهله لصدِّ موجات الخصوم. إذ مهما كانت الأفكار سديدة ومحكمة البناء فلن تفلح في مقاصدها على الوجه الأتمّ، ما لم تحظَ بجاذبية العبارة وسحرها.

عند هذه المنزلة المخصوصة تحضر الإيديولوجيا لتفصح عن أفكارٍ يعجز العلم الموضوعي عن برهنة حقيقتها وشرعيتها. ذلك بأن قوة هذه الأفكار تظهر ـ كما يقول كارل مانهايم - من خلال نغمتها العاطفية وأسلوبها المحرِّر للجماهير...

حضور الإيديولوجيا في دنيا الإنسان كمثل حضور الجاذبية في فيزياء الطبيعة. الجاذبية غير مرئية ولكنها حاضرة في المنظومة الكونية. الإيديولوجيا كذلك على وجه الشَّبه والنشأة. لا تُرى.. إلا أنها تُستشعرُ، وتسيطرُ، وتقودُ، ثم تسري من غير انقطاع مع كل خاطرة وفكرة، ومع كل حدثٍ ومَيْلٍ إلى مصلحة. فهي إذن من الحتميات التي لا مناص منها للإجتماع الإنساني في اختلافه

(21)

وتنوعه ووحدته. لا تنموالإيديولوجيا إلا في أرض الاحتدام، ولذا فهي في احتياجٍ مستدام إلى ضدٍّ لها، أو عدو. لا بد من آخر يناظرها أو تناظره لكي تنفرد بعجيب قولها، ومن أجل أن تسري بأهلها نحو أغراضهم وغاياتهم. والذين أعلنوا موتها في مستهل الألفية الميلادية الثالثة سيرجعون إليها القهقرى صاغرين. وَجَدَ هؤلاء لمّا فرغوا من أوهام الإنقلابات الكبرى في نهاية القرن العشرين، أن للإيديولوجيا سرَّها المكمون. وأنها بالنسبة للمتحيِّزين أشبه بـ «قنبلة مزروعة في الرأس».. وأن الجدل بشأنها ما لبث حتى عاد إلى حيويته القصوى. فإذا كان العالم الجديد مكتظاً بالتخاصم، شأن ما سلف من عوالم، حقّ ان نرى إليها مذهباً لكل منتمٍ إلى قضية أو متحيِّز إلى هوية. ولعلّ في قول المفكر الفرنسي ريمون آرون، «تكاد الإيديولوجيا ان تكون فكرة عدوِّي» ما يُعربُ بقوّة عن صورة عالم فرَّقه الاختصام.

تلقاء الإيديولوجيا، نجدنا بإزاء تشكيل هندسي متعدد الوجوه، وكل وجه يصلح أن يكون باباً للدخول إلى هذا الشيء الساحر الذي يدعى المصطلح. فالاستدلال عليه كوحدة معجمية، يتواجه على جاري العادة بعثرات جمّة، أبرزها: -1 تعايشه مع وحدات اصطلاحية موازية لا ترتبط بمجال تخصصه ـ -2 تعايش عدة معان داخل المصطلح نفسه ـ -3 التغيُّر اللفظي والتكرار الإحالي اللذان يتاخمان نموه بصورة دائمة.

إذا كان ما ذُكر يُشكل عقبة منهجية للإستدلال النظري على المصطلح، ففي مقام الإيديولوجيا يتضاعف التعقيد واللَّبس والاجتهاد، بسبب من تموضعه بين منزلَتيْ النظر والعمل. كيف لنا

(22)

إذاً، أن نقترب من مصطلح ارتبط بالإنسان ارتباط الاسم بالمسمى، وتعلَّقَ به تعلُّق الماهيات بعلة وجودها؟..

مبتدأ المشكل المعرفي، إن بعض علماء الاجتماع غالباً ما تعاملوا مع الإيديولوجيا كما لو كانت خارج ذواتهم الحضاريّة وهويّاتهم الوطنيّة. والحال خلاف ذلك على نحو قطعي. الأقلُّون هم الذين تنبَّهوا إلى أن الدارس ليس بإزاء مفهوم مستقل عن ماهية الإنسان وهويته وأفعاله. فلو ابتنينا على هذا المقتضى، لقلنا إن منطق عمل الإيديولوجيا هو أدنى إلى غريزة، منه إلى مفهوم أُدرِجَ في العلوم الإنسانية كسائر المفاهيم. وحين نُنسِّبُه إلى الغريزة فلأنها محرِّكُه الذي يعمل من خلف حجاب. فالإنسان مفطور على التفرد والانحياز والولاء. والفطرة على ما نعلم، سابقة على الفكرة، تحكمها وقلَّما تتحكم بها. لهذا جاز الكلام عما نسميه «فطرة الإيديولوجيا»، لكونها متأصِّلة في ذات حاملها ولا تفارقها البتّة. تتمدَّد حركة الإيديولوجيا في جوهر نشاط الكائن الاجتماعي، ولا يعوزها لكي تظهر إلى الوجود ان ترفع صوتها وتبعث برسائل وإشارات. ذلك بأنها تجري بصمت، وليست مستقلة عن الفرد، ولا عن الجماعة، ولا عن المنبسط الحضاري. فالتحيّز بين الناس يجري مجرى الدم في العروق. ثم لا يلبث المتحيِّز حتى يعلن عن نفسه بشغف، وهو يجوب عالم الإختلاف والإختصام...

الإيديولوجيا فلسفة المنتمي والمتحيِّز

الإيديولوجيا بهذه الخاصِّية هي عينُها فلسفة المتحيِّز. ولم نقصد إذ نضفي عليها نعتاً فلسفياً، إلا لنشير إلى ماهيتها كحقل

(23)

خصبٍ للتفلسف. بهذه المثابة هي فلسفة عمل، إلا أنها ليست من سلالة الفلسفات المضافة، كفلسفة التاريخ، وفلسفة العلم، وفلسفة الدين، والفلسفة السياسية، الخ.. فهي على الحقيقة فلسفة طريقة تتحرك في سماء الكل، وتتقدم على شكل موضوعات وقضايا، ثم تأتي الفلسفة لتمنح كل موضوع سَمْتَه الخاص.

خاصية الإيديولوجيا هي كمثل خاصِّية الفلسفة من وجهٍ ما. مشاغلها متعددة بقدر ما تتعدد القضايا التي تؤلف محاور اهتمامها. وعلى ما نعلم، فإن الخاصية الملحوظة لكل التعاليم الميتافيزيقية مهما كانت متشعبة، تنتهي إلى الالتقاء حول ضرورة البحث عن السبب الأول لكل موجود. كذلك هي خاصية الإيديولوجيا. فالقضايا التي تؤلف مدار نشاطها، تبقى موصولة بنقطة الجاذبية المتمثلة ببلوغ الغرض الأقصى الذي يتطلع الإيديولوجي إليه. والمعاينة الاستقرائية لتلك الطريقة تثبت أن نموذج الأفكار ومحتواها يمكن أن يتغير. ومع ذلك تبقى طبيعة العقل البشري هي نفسها في جوهرها، حتى بعد حصول تحول تام في الأحداث التي يفترض أنها انبثقت منها. هذا يبرهن ـ كما يقول الفيلسوف الفرنسي المعاصر إتيان جلسون (1884 ـ 1978) ـ في كتابه «وحدة التجربة الفلسفية» أن الإنسان حيوان ميتافيزيقي بالطبع[1]. أما خلفية مثل هذا التصعيد «الفوق أرسطي» للإنسان فعائدٌ إلى أنه ـ أي الإنسان ـ دائم التطلّع إلى ما هو فوق الحسّ، وما يتعدّى كيانه الفيزيائي. ففي عقل المتحيِّز وقلبه يتحد البعدان الحسيّ والميتافيزيقي لينتهيا إلى أصلٍ واحدٍ

(24)

وطبيعة واحدة. كما يعود بالنتيجة إلى أن ماهيّة الإيديولوجيا متعلّقة بماهية الإنسان تعلُّقاً ذاتياً. لها ما بالإنسان وعليها ما عليه. ولأنها إنسانية الطبع والطابع، فالتعرُّف على فصولها ومجال نشاطها يكون في منطقة التحيّز الزماني والمكاني للكائن الإنساني نفسه. وهذا النشاط هو مزيج من التركيب والتداخل بين المرئي واللّامرئي وبين الطبيعي والميتافيزيقي. من أجل ذلك وجدنا أنها كتلة وعيٍ مؤلَّفة من الأفكار والمعاني والمشاعر المنظورة وغير المنظورة. وهي بالتالي مخصوصة بكل بيئة اتخذت العمل الإيديولوجي مذهباً لها. لهذا لا يسعنا، وسط النزاع المديد حول المصطلح، إلا أن نجتاز ذلك السيل العَرِم من التعريفات. ربما علينا أن نمضي في مثل هذا الإختبار المعرفي بعدما كفّت الإيديولوجيا عن أن تُعرَّف بمركّبها اللغوي(علم الفكرة) (Ideo-Logic). في مقام الاختبار تتوسع أرض المتحيِّز وتتعدد معاني ما ينجزه من كلمات وأعمال. فعلى هذه الأرض تنبري الإيديولوجيا لتعلن خطبتها، ثم لتؤكد صدق هذه الخطبة، ثم لا تعبأ بما لدى الملأ من نقد. فلو لم تنشأ الإيديولوجيا من أرض الضرورة التكوينية للطبيعة الإنسانية ما كانت لتوجد، وما كان لها كل هذه الجاذبية. ولذا وجب التعامل معها، والنظر إليها كقانون شأن قانون الجاذبية في عالم الطبيعة كما أسلفنا[1].

إيديولوجيّة عصر ما بعد الإيديولوجيا

  عطفاً على ما مرَّ معنا، وما قد يجيء لاحقاً، لم نجد للإيديولوجيا تاريخ ولادة، كما حال أي مفهوم أو مصطلح. لكن المشتغل بعالم الأفكار، وهو يسعى للعثور على مفاتيح لتفسير الظواهر والوقوف

(25)

على منطقها الداخلي، جادٌ في رؤيتها كجسم مفهومي. ولكي تستوي عمليات الفهم لديه على استقامة منهجية يروح يتوسل أقرب السبل لكي ينزلها قاموس المفاهيم. كذلك فعل عالمُ الاجتماع الفرنسي «دستوت دو تريسي» (1754 - 1836) لمَّا نحت كلمة الإيديولوجيا. فقد جعلها مفتاحاً يُستدل به على منطق عمل الأفكار في أحداث التاريخ. ثم عرَّفها بأنها علم حالات الوعي. أو العلم الذي يدرس مدى صحة أو خطأ الأفكار التي يحملها الناس في نشاطهم الاجتماعي.

  مع تريسي صارت الإيديولوجيا من جنس المفاهيم. ثم راحت تشق طريقها وسط اعتراك لا مستقرّ له من التأويلات والأحكام. مع هذا ظلت على فرادتها، بصفة كونها نوعاً مفارقاً لأبناء جنسها. لقد اتخذت سبيلها لِتُجاوِرَ أكثر المفاهيم تعقيداً وتتوغل فيها في الآن عينه. ولذا فلا انتهاء لزمانها بسبب من سَرَيانها الدائم، ومتاخمتها لكل حدثٍ ذي صلة بالنشاط العام.

أما الكلام المستحدث اليوم عما يسمى «عصر ما بعد الإيديولوجيا»، فهو في واقع حاله وصفٌ لطور تالٍ من تبدَّياتها، وليس ختماً لسيرورتها كما قد يُظن. فالعصر ما بعد الإيديولوجي هو استئناف لغريزة المتحيِّز ومنطِقِهِ بطرق ووسائل أخرى. فلئن انوَسمَت أزمنة الحداثة بالأدلجة، فلسبب يرجع إلى الإعصار الفكري الذي شهدته أوروبا لحظة صعودها القومي والاشتراكي ذي الطابع التوتاليتاري. أما المرحلة النيوليبرالية التي أطلقتها العولمة، فقد امتلأت أدبياتها بالأنباء العاجلة عن حرية السوق، والمجتمع المفتوح كبديل من الإيديولوجيات الفارطة.

(26)

لو أنَّ لنا أن نأتي بمفهوم يدل على مفعول الكلمات في الناس وفي الأشياء، لكانت لنا بالإيديولوجيا حجةٌ بليغة. لكنْ لسنا على يقين من أننا بإزائها أمام مفهوم اعتيادي. فلئن كان كل مفهوم على ما نعلم هو تصوُّر ذهني لا يغادر حصنه الذهبي إلاَّ بإرادة تحيلُه إلى مهمة واقعية، فالإيديولوجيا هي تصوُّر وإرادةٌ في آن. إنها الفكرة وحقل اختبارها في اللحظة عينها، فلا يفترقان ولا يتباينان. فالمفهوم بالنسبة إلى الإيديولوجيا ليس إلا ما تكشف عنه أفعالها في الواقع. ينشأ القول الإيديولوجي من حقل الأفعال، ثم ينمو هذا الحقل ويزدهر بفعل ذلك القول بما ينطوي عليه من جاذبية وقدرة على صنع الأحداث. القضية إذاً، قضية الفاعل الإيديولوجي الذي يحفر حقله بالكلمات، ثم يرجع إلى الحقل إيَّاه فيسدِّده ويرشِّدُه، أو ليضيف ويعدِّل من لغته[1].

إذا كانت خصيصة المفهوم، كما في الشائع، تكمن في ما يستدعي ظنيَّة الدلالة عليه، الأمر الذي يوجب الاختلاف والتباين وتكثُّر الرؤى في شأنه، فإن الخصيصة المستترة للإيديولوجيا هي أنها تختصبُ في المنطقة الجامعة بين الظن واليقين. ذاك أنها فكرةٌ وحدثٌ معاً. فإذا كانت الفكرة مبعثاً للظن، فالحدث بما هو وجودٌ عياني، وحضورٌ واقعي، باعثٌ على اليقين. فكيف إذا كان الحدثُ والفكرة متحَدين في مضمار واحد.

تتميَّز الإيديولوجيا بأنها غير ثابتة ثباتاً مطلقاً، وإنما تتمتع بخاصية الحراك. على الدوام تشهد على دورات جديدة من النمو،

(27)

والتحوّل، والاختفاء، والظهور. كل هذا يحدث في ضوء الأوضاع والمواقف الاجتماعية المختلفة والمتغيرة. فكثيراً ما تتعرض المجتمعات لاهتزازات داخلية أو خارجية، تظهر حيناً على شكل انزياحات عن الإيديولوجيا السائدة، وتغيرات في البنية الاجتماعية والاقتصادية، وحيناً آخر على شكل صراع بين القيم الخاصة والعامة، وحيناً ثالثاً نتيجة كوارث طبيعية، أو ثورات أو غير ذلك. في مثل هذه الحالات، قد تدخل عناصر جديدة إلى النسق الإيديولوجي تلغي بعض عناصره، أو تعدِّل من بعضها لتتواءم مع الواقع الاجتماعي الجديد. لذا لا ينبغي ان يُنظر إلى النسق الإيديولوجي كنسقٍ ثابت، وإنما كدينامية سارية في مجمل التحيُّزات الإنسانية..

تشير أفعال المتحيِّز واختباراته، إلى أن الإيديولوجيا قادرةٌ على الفعل، وتحويل الثابت إلى مسعى حيوي. ثمة من نقاد الحداثة من وجد أن العملية الإيديولوجية تختزن القدرة لا على تفسير العالم وحسب، ولكن أيضاً على المشاركة في تحويله. حتى ماركس ـ الذي كان عليه لكي يفتتح عصر الاشتراكية العلمية، أن يذمّ الإيديولوجيا بوصفها وعياً زائفاً ـ ما لبث حتى استوطن عبر أرض الإيديولوجيا الفسيح. وهذا مرجعه إلى أن الوهم الذي تُصنِّعُه السلطة الإيديولوجية حتى تستمرئ أغراضها، هو نفسه جوهر المعرفة التي تمارسها في الواقع. الفيلسوف الإيطالي انطونيو غرامشي تنبَّه إلى المشكلة بعمق في كتابه “الأمير الحديث”. كان عليه أن يوجِّه نقداً عاليَ النبرة لنظرة ماركس المبتورة لينظر إلى الإيديولوجيا بما هي حقيقة واقعية لا وعياً كاذباً. لقد مارس غرامشي في الواقع نشاطاً «تفكيرياً» معاكساً لرؤية ماركس، ومؤدى موقفه الفعلي إعادة مَوْضَعَة المفهوم في

(28)

المحل الذي تستمكن فيه الكتلة التاريخية في إيطاليا من الانتقال بالحداثة البورجوازية، إلى التوزيع العادل للثروة.

أما الفيلسوف السلوفاكي المعاصر (سلافوي جيجيك)، فسيلاحظ في سياق مراجعاته النقدية ان الإيديولوجيا ليست وعياً مزوَّراً ولا تمثيلاً وهمياً للواقع، بل إن ذلك الواقع نفسه هو الذي يتعيَّن تعقُّلَه بسبب من اتخاذه طابعاً ايديولوجياً[1].

  بموجز: لما حكمت الحداثةـ بجناحيها الليبرالي البوروجوازي والماركسي البروليتاري ـ بالنفي على كل ما ليس بمادي، كانت تمضي إلى الدرجة القصوى من التحيُّز الإيديولوجي. والصفاء العلمي الذي اعتُبر من طرفها معياراً لفهم العالم، غدا في قليل من الوقت محض حيلة فكرية تعمل وفق مذهب المتحيِّز وفلسفته.قدمت الحداثة تصوّراً ثورياً لتغيير العالم بواسطة العلم، إلا أن النتائج اللاحقة لمثل هذا التصوّر آلت إلى ضربٍ من وثنية مستحدثة.

لقد ظهرت الحداثة وهي في ذروة دعواها كـ (مادية دنيوية) صمَّاء. لقد حرَّرت ذاتها تماماً من اللاَّهوت والميتافيزيقا، ثم زعمت أن الإنسان يمكن أن يعيش في جنّة وضعية إلى الأبد، وأنه بسبب قدرته على التفكير يستطيع أن ينجز خلاصَهُ التامّ... هذه العقيدة المطلقة للمادية الدنيوية ستحظى من الفلسفة الحديثة بغطاء إيديولوجي صلب. جرى ذلك بصفة خاصة على يد هيغل حين أدخل المطلق في الزمان البشري، وكان هدفه الأساسي وصف الظهور التدريجي لروح ما، أو فكرة ما، بأنه ظهور موقوت وآيلٌ إلى

(29)

نهاية التاريخ. أما فكرة الخلاص عنده فتكشف عن ذاتها في العالم حيث لا شيء مكشوفاً في ذلك العالم ـ كما يقرِّر ـ غير هذه الفكرة وشرفها ومجدها.. على هذه السجيَّة خطت المادية الدنيوية خطوتها العظمى لتجرّد الحضارة الغربية الحديثة من روحانيتها. ومن خلالها أكملت ما نظَّر له لودفيغ فيورباخ لمّا دعا إلى تدمير كل ما هو فوق أرضي، بزعم أن الإنسان هو الحقيقة السامية المطلقة، ولن يبحث من بعد ذلك عن السعادة خارج ذاته.

حين أدَّت المنظومة الإيديولوجية لعبتها كـ (مادية دنيوية)، كانت في الواقع تقوم بمهمّة تأويلية غايتها تحويل إدراكات الناس وإعادة تركيب وعيهم على نصاب أمرها. وتلك مهمة تتحرك في ختام المطاف وفق معيار المصلحة كغاية عليا. من هذا النحو لن يعود التأويل، سواء كان لنص أو لحدث تاريخي، بقادرٍ على النجاة من شروط تلك اللعبة الإيديولوجية ومقتضياتها. كل لحظة في العملية التأويلية تظهر وكأنها مشغولة بإتقان وشغف. ذلك ان الفهم الناتج من تلك العملية لا يمكن فصله عن بنية الحامل الإيديولوجي الثقافية والاجتماعية والعقائدية والنفسية. وبالتالي عن مقاصده وغاياته الحضارية، والكيفية التي ينكشف فيها فهمه على شكل خطاب فلسفي أو بيان سياسي.

ماذا يعني كل هذا في سياق مسعانا لتظهير مرسوم يقترب من حقيقة الإيديولوجيا؟

إن كل صفة تكتسبها الإيديولوجيا تتأتَّى من فعلها. ولا تتحصَّل الكلمات المعبرة عن هذا الفعل إلاَّ بفضل التبادل بين النَّسق

(30)

والفعل، وبين البنية والحدث. وبين خصوصيات الحيِّز الاجتماعي والفاعلين فيه. وإذن، تتميَّز العملية الإيديولوجية في كونها متعددة الصفات كفاعلها، أي الكائن المتحيِّز. كأن يُقال مثلاً: هذا قول إيديولوجي وذاك قول إيديولوجي، لكن لكلٍ من القولَيْن موقع مختلف تبعاً لاختلاف القائلين به وتعدد مواقعهم. لقد كان من أبرز إنجازات كارل مانهايم أنه أدرك المشكلة فراح يوسع مفهوم الإيديولوجيا إلى النقطة التي أصبح معها يضم الشخص نفسه الذي ينادي بهذا المفهوم. بمعنى.. أن المفهوم صار هو نفسه الشخص الذي يمارس عملية الفهم. ذاك الشخص الذي يختبر فكره وشعوره وشغفه إلى الحد الذي يمتلئ بكلماته ويقول: أنا هو الإيديولوجي أنا هي الإيديولوجيا.

سوف يدحض مانهايم بقوةٍ وجهة النظر القائلة بوجود متفرِّج مطلق، غير متورط في اللعبة الاجتماعية، ويعتبرها ضرباً من المستحيل. فأنْ نصِفَ شيئاً بأنه إيديولوجي، ليس أبداً أننا نصدر حكماً نظرياً مجرداً، بل إن وصفاً كهذا ينطوي على معاينة اختبارية، لممارسة معينة، أو لرأي يتحرك في الواقع تقدمه لنا هذه الممارسة. فكل منظور يُعبَّر عنه من زاوية الناظر هو فعلٌ إيديولوجي بشكل ما. ويذهب جيرار ما ندل ((Gerard Mendel) في تفسيره لرأي مانهايم، إلى أن الشخص الإيديولوجي متعدد. إذ أن كل إنسان هو في الوقت عينه استيهام وإدراك. إنه حالة مركبة من ثنائيات متعاكسة متباينة في آن: لاعقلانيةٌ وعقلانية، لاوعيٌ ووعي. حياةٌ على أرضية من الموت، ذاتيةٌ جذرية وضرورةٌ موضوعية، حبٌّ للذات وارتماء

(31)

في أحضان الموضوع، فطريةٌ واكتساب، مصيرٌ وتشكلُّ، وكذلك استلابٌ وحرية[1].

الإيديولوجيا إذاً، متعددة كأحوال فاعليها. لهذا انْبَتَتْ فلسفتُها على البساطة والتركيب، وعلى التناقض والتكامل في اللحظة عينها. هي متعالية لكنها شديدة المرونة عندما تهبط إلى الطبقات الدنيا في عالم الناس. مع هذا لا يمكن الحكم عليها من دون أن تُرى صورتها في الحدث، أو في ما يُتوخى منها من تسيُّد وغلبة. ربما هذا هو الشيء الذي حمل كثيرين إلى نفي الشائعة القائلة بوجود مفهوم بسيط بالإطلاق. ومدَّعى هؤلاء، أن كل مفهوم يملك مكوِّنات معينة ويكون محدَّداً بها.

جدليّة الفكرة والمصلحة

لغة الإيديولوجي حين يتكلَّم هي في أكثر حقول نشاطها، زئبقية ولا تُضبط بيسر، ولا يقدر أحدٌ وقفها على لون واحد. إنها مزيج من ألوان وحروف وكلمات تترجم أحوال المتحيِّز، وتعكس طبائعه ورغباته. وهي من التكثيف واللّبس حتى لا تكاد ترى إلا في تلك المنطقة الرمادية التي يبقى ظهور كل لون فيها رهناً بحضورٍ موازٍ للون آخر. عندما توصف الإيديولوجيا بطريقة فضفاضة ومسطّحة فسيكون ذلك ناتج خطأ اقترفه الآخر. لهذا غالباً ما يمتنع أهل الإيديولوجيا عن وصف أنفسهم بأنهم إيديولوجيون. والسبب أن المصطلح موجّه على الدوام ضد الغير. فلا أثر له إلا في ساحة الشخص الخصم أو في رحاب الفكرة الخصم. بالنسبة إلى ضمير

(32)

المتكلم هي وعيٌ وإدراك ويقين بالغ الصفاء والنُبل، وهي في ضمير المخاطب، وعيٌ زائف ومضلِّل ولا غاية لها سوى الإلغاء والإيذاء. إن لغة الإيديولوجي متحركة، متوترة، سيّالة. لغة سهلة على الفهم وممتنعة عنه في الوقت نفسه. فلسوف يحتاج الناظر فيها إلى مشقة التفكيك، والتحليل، والفطنة، والدراية، لكي تتميّز مواطن الصدق والكذب، والكشف والحجب، والخفاء والظهور. لكن حين يعرب الإيديولوجي عن أمرٍ ما، لا يعود قولُه فيه مجرد كلمات مرسلة إلى النظراء والخصوم.فالقولُ المرَسلُ من طرف المتحيِّز الإيديولوجي لا يلبث ان يرتد إليه على شكل قبول وإقبال من جانب المريدين والأتباع. فإذا استجاب هؤلاء إلى تلك الكلمات وتماهوا معها، سَرَتْ في وجدانهم ومنحوها شهادة الولاء والطاعة[1].

تفترض الطبيعة الرومانسية المركبة لخطاب الفاعل الإيديولوجي أن تحيط مفرداته بضمير المتكلم وضمير المخاطب معاً، حتى يصيرا مزيجاً لضمير واحد. فالكلمات المُرسلةُ صادقةٌ لا ريب فيها بالنسبة لواضع الخطاب. لقد تمثّلها من قبل أن ينطقها؛ ثم تمثَّلها كرَّة أخرى حين عادت إليه مزهوَّة بشهادة الجمهور. ربما لهذا المقصد كان ميشيل فوكو يردِّد عبارات لافتة للروائي صمويل بيكيت، يقول فيها: «يجب أن أقول الكلمات إلى أن تقولني.. إلى أن تعثر عليّ...

إنها «استراتيجية التكرار»، التي هي من بديهيات عمل الإيديولوجي. ذاك أنها مركز الجاذبية الذي ينظم خطبته وعمله على السواء. من دون هذه التقنية التكرارية ـ التي تبدو في الظاهر باعثة على الضجر ـ لن تبلغ الخطبة غايتها. ففي التكرار تترسخ الكلماتُ

(33)

في الأذهان، وتتملّك الخطبةُ المشاعر، حتى تُحصَّل الاستجابة. يتسامح الإيديولوجي وهو يواصل شغله التأويلي، مع ما لاحظه الفقيه اللغوي ابن جنِّي من أن «أكثر اللغة مجاز لا حقيقة». المجاز والحقيقة عنده على نفس الأمر. مجازٌ في مقام الحقيقة، وحقيقةٌ في مقام المجاز. كل ما هو مهم وحقيقي بالنسبة إليه هو في مدى تماهيه مع المَيْلَ العام لسيكولوجية الجماهير. لهذا السبب لا يعبأ الإيديولوجي بأحكام الآخرين على واقعية، أو لا واقعية ما يقول. وهذا بالضبط ما قصده بول ريكور بالاستراتيجية الإيصالية للخطاب الإيديولوجي. وهي استراتيجية تقوم على نشاط مثلث الأضلاع:

- الأول: قيادة الجهاز الإيديولوجي، واضع تلك الاستراتيجية.

- الثاني: اللغة الموصِلة أو الموجَّهة من أجل أن تكتمل جدلية التخاطب.

- الثالث: وهو الحلقة الأخيرة في توليد العملية الإجمالية للخطاب الإيديولوجي. بها تتم الدورة الخطابية بإفهام المرسَل إليه فحوى الرسالة.

  عندما يمضي الفاعل الإيديولوجي إلى بيان هدفه من خلال الكلمات، فإنه لا ينفصل عن الوقائع التي يسعى ليغشاها بتلك الكلمات. وهو بهذا إنما يقوم بإجراء تمرينات على الربط بين الواقعي المتعيِّن، واللاّواقعي الممتلئ بقابليات التوظيف. هذا يشير إلى أن ثمة علاقية حَثِّية بين الوجهين. كلٌ منهما يستحثّ صاحبه على الحراك ليصيرا معاً مصدراً لولادات لا نهاية لها. فلو أفلح الفاعل الإيديولوجي في إجراءاته، لدلّ فعلُهُ على حسن التوحيد بين

(34)

مظهرين يبدوان متغايرين فيما هما يستويان على نشأة واحدة.

هل بالإمكان التجاوز عن الممارسة السلبيّة للإيديولوجيا من دون أن يؤدي ذلك إلى ذمِّها وإنكارها أو الانزياح عن مركز جاذبيتها؟...

يبدو السؤال مستغرباً للوهلة الأولى، إلا أنه يحتل منزلته الاستثنائية في الحثِّ على تفقُّه العلاقة بين الفكر والحدث، وعلى التمييز بين براغماتية المصلحة وأخلاقية الاستهداف. بيد أننا لو خطونا أبعد من ذلك، لألفيناه سؤالاً جديراً بفهم ما قدَّمته الفلسفة الأولى من تنظيرات. لقد أورث الإغريق خلفاءهم معارف ترتبط بماهية الإنسان واحتياجاته المختلفة: المنطق الذي يعلّم كيف نفكّر، والفلسفة التي تعلِّم كيف نعيش. ويمكن القول أن وَرَثَة الثقافة الإغريقية في الغرب الحديث، وسَّعوا تراثهم وعمّقوه، ولم يفكّروا مطلقاً بالإنقلاب عليه. إلا أنهم وقعوا في نسيان الغاية العظمى من تعاليم الميتافيزيقا. وهي تسامي الإنسان وتعاليه من خلال تطلعه نحو ما لا يُدرك من عالم المُثُل. وهنا ظهرت السلبية الأساسية للحضارة الغربيّة الحديثة، بما هي مادية دنيوية منزوعة الروح. فمع إرهاصات الحداثة على عتبة القرن الثالث عشر أخذت عقيدة «العقل الخالص» تحفر مسارها في تفكير الغرب، لتعلن: إن أفضل ما يُمكن أن يوصف به هذا الإنسان هو أنه حيوان عاقل.

لما وضع أرسطو «كوجيتو المنطق» ربما لم يكن متنبهِّاً للوهلة الأولى إلى تلك الجرعة الزائدة من سطوة الإيديولوجيا على دنيا الإنسان. راح يبيِّن أن الإنسان حيوان راغب بالمعرفة، بعدما خلع

(35)

عليه نعت الحيوانية الناطقة. سوى أنه لم يمضِ إلى المحل الذي منه تُستظهر غريزة الكائن الاجتماعي في مقام تحيُّزها. فالإنسان إلى كونه عاقلاً، هو كائن متحيِّز بفطرته إلى التسليم بيقين ما والإيمان به. وما ذاك إلا لتطمئن نفسه إلى نهايتها المحتومة. من هذا المحل الغائر في الأعماق تنهض الغريزة الإيديولوجية لتجتاح عوالمه كلها. ولأن الإنسان «حيوان كسول» كما طاب للحكمة اليونانية أن تقول، فقد أردفت قولها بتنبيه أهل المدن، «إما أن يختاروا الراحة وإما أن يكونوا أحراراً». وما انبرى اليونان ليتقوَّلوا هذا، إلا لفتح نافذة للحكمة، والتهيُّؤ لظهور الحكيم. فالحكيم وحده من يظهر إلى الملأ كراغب بالمعرفة والمتحيِّز إلى الخيريِّة التامة في آن[1].

الحكيم المتعرِّف في لحظة انهمامه بالكشف عما لا علم له به، لا يرفض اليقين الدنيوي كما تنشده الإيديولوجيا، إلا أنه لا يتخذه قياساً للأحكام. يرى إلى الولاءات والعصبيات بعين الحكمة.. يستحكيها بعقل بارد.. يتبصَّرها بوصفها ظاهرة، ويتأولُها كنمط تفكير. ومن قبل ان يصدر حكمه، ينصرف إلى مساءلتها والاستفهام عن بواعثها وديناميات عملها. فليست مهمة الفيلسوف ـ بما هو فيلسوف إلا أن يكون في لحظة التعرَّف متسامياً على فتنة المتناقضات. وما ذاك إلا قصد التحرِّي والجمع وتظهير خط التواصل والامتداد في ما بينها بينها. ذلك لا يعني البتة استقلاله السلبي أو حياده. هو ليس محايداً بين الحكمة والضلالة. وبوصف كونه حكيماً، فهو متحيِّز إلى الحكمة بما تفيض على سالكها من خيرية المعايشة. ولأن التعرُّفَ

(36)

منفسحٌ يسمو فوق التحيُّزات، لا يلتجئ الحكيم إليه من أجل أن يكون محايداً بين حق وباطل، وإنما ليتحرَّى منازل الحقانية، والبطلان في مجمل التحيزات التي يعبر فضاءاتها.

كان هوسرل، يدعو كل من أراد أن يصير فيلسوفاً إلى الانعطاف ولو مرة واحدة في حياته على ذاته. وفي داخل ذاته يحاول ان يقلب كل المعارف المقبولة، وان يسعى إلى معاودة بنائها. فالفلسفة بهذا النحو تغدو ـ برأيه ـ مسألة شخصية لا غير. أي انها معرفته الخاصة التي تسير به نحو ما هو كوني[1].

تمكث الإيديولوجيا بمحاذاة هذا الفهم، لأنها أكثر المفاهيم التي تنتجها الفلسفة، جمعاً بين البساطة والتركيب. فمن ناحية كونها مفهوماً بسيطاً، ليس للإيديولوجيا مصداق مادي بعينه. فالمفهوم البسيط ينطوي على استعدادات كثيرة لتوليد مصاديق شتى. وأما من ناحية كونه تركيباً فلأنه يحمل من الصفات والمعاني ما يجعله حاوياً لوقائع وظواهر تبدو حال ظهورها متباينة ومتفاوتة ومتناقضة بصورة مذهلة.

لذلك لا تُدرَكُ ماهية الإيديولوجيا الا بالتثنية. أي بالمقابلة بين شيئين وأكثر، أو بين شخص وآخر. كذلك تستظهرُ باتحاد الكلمات والأفعال. يحصل هذا إما على شكل تصور في الذهن، تنقله الإرادة بشغف حميم إلى وجود بالفعل..وإما على نحو التمثيل لوجودات واقعية تحمل على التفكُّر بأمرها.

(37)

ولأن الإيديولوجيا بسيطة لا تُدرَك إلاَّ بالتركيب، فهي عالم صلاتٍ وعلاقات. وإذن، فهي مولود هذا العالم المتناقض والكثيف ولا تقوم إلاَّ به. أي عبر تفاعل الأجزاء الحية لذلك العالم. يمكن القول إن ثمة شَبَهاً بين الإيديولوجيا والعلاقة.. فالعلاقة لا تحدث إلاَّ بين حدَّين وأكثر. وإن لم توجد الحدود فلا وجود لشيء اسمه علاقة. إن العلاقة ـ على ما تنظر الفلسفة الأولى ـ من أوهن مقولات الفكر بل إنها الأكثر زوالاً وتبدلاً. ومع ذلك فهي موجودة مع كونها غير قائمة بذاتها. بها تظهر الأشياء متحدة من دون أن تختلط، ومتميزة من دون أن تتفكك. وبها تنتظم الأشياء، وتتألف فكرة الكون. إنها تقتضي الوحدة والكثرة في آن. هي واحدة، وكثيرة بحكم خصيصة الأُلفة التي حظيت بها بين البساطة والتركيب. على صعيد الفكر تربط (العلاقة) بين مواضيع فكرية مختلفة وتجمعها في إدراك عقلي واحد، تارة بسببية، وأخرى بتشابه أو تضاد، وثالثة بقرب أو بعد. وعلى صعيد الواقع فإنها تجمع بين أقسام كيان، أو بين كائنات كاملة محافظة عليها في تعددها. وإذ يستحيل تقديم توصيف محدد للعلاقة حيث لا وجود مستقل لها، فهي كالماهية من وجه ما، لا موجودة ولا معدومة إلاَّ إذا عرض عليها الوجود لتكون به ويكون بها. لذلك سيقول عنها أرسطو، إنها واحدة من المقولات العشر، وهي عَرَضٌ يظهر لدى الكائن بمثابة اتجاه. إنها صوب آخر، تطلُّع، ميلٌ، مرجعٌ، ويقتضي دائماً لظهوره وجود كائنين متقابلين على الأقل. صاحب العلاقة وقطبها الآخر، ثم الاتصال بينهما[1].

(38)

ديالكتيك المعنى والاستعمال

يصعب فهم معنى الإيديولوجيا بمنأى من الطرق التي يأخذ بها الناس لتدبير أحوالهم وقضاء حوائجهم.. كان فيلسوف الألسنية فيتغنشتاين يقول: «لا تسأل عن المعنى، انظر إلى الاستعمال». وهو في ذلك يسعى إلى انتزاع المعنى من الأشياء عن طريق اختبارها، ومن الأحداث عن طريق وعي شروط حدوثها. هكذا يُنتزعُ معنى الإيديولوجيا، إذ يتبدَّى لنا في أفعالها وفي الإتجاهات المقصودة من هذه الأفعال. من خلال الاختبار تستظهِرُ الكلمات معناها، حيث تغدو في حقل الأفعال والانفعالات كينونة ضاجَّة بالحركة. ففي اللحظة التي تنجز فيها الكلمات مهمتها في الواقع، تروح تخلع رداءها القديم وحروفها المنصرمة. ثم ليقوم أولئك الذين تلقوها سمعاً وطاعة بإلباسها حروفاً جديدة وعبارات جديدة. فالفكرة ما إن تتمأسس حتى تفقد حيويتها، وبعدها لا تعود تناسب الطور الجديد الذي حلَّت فيه.

لا تهتم الإيديولوجيا بالتوصيف. فهي إن فعلت ووصَّفت المشهد فسترى نفسها وضدها في آن. لذا فهي تؤثر اجتناب الرؤية الدائرية للزمان والمكان الذي تعمل فيه، لئلا يلتبس عليها الأمر وتقع في الاضطراب. وإذا حصل ووقعت في مثل هذا الإلتباس، فقد تستغرق في سوء الرؤية، فيلتبس الخطاب وتنكفئ قدرة الفاعل الإيديولوجي على ضبط توترها الداخلي، أو صون حياضها من استباحة الخارج.

ـ من طبائع الإيديولوجيا انحصار كلماتها في الواجب. على

(39)

الدوام تدور خطبتها العصماء مدار الحقَّانية والرجحان. إنها والحقيقة من الرحم إياه. ولذا بدا أهل الإيديولوجيا على ثقة تامّة من حقانية خطبتهم، حتى حين تجري الوقائع على خلاف ما يقرأونه في الواقع. لهذا السبب يصبح التقرير الإيديولوجي أدنى إلى مقرَّرٍ يعادل «لحظة العقلنة» حسب المصطلح الفرويدي. أي عقلنة ما ليس بمعقول، وإدخاله من ثمة في مصلحة الجماعة. من مفارقات الخطبة الإيديولوجية وفي اللحظة التي تستعمل فيها لغة‌ التوكيد على الـ «ما ينبغي أن يكون»، أنها تسعى لفهم الموجود بما هو موجود من أجل ان تصدر أحكامها. وبحكم طبيعتها الجامعة بين حكم القيمة وحكم الواقع، تستخدمُ العقلانيةَ كوسيلة لإصدار الحكم على نحو أفضل. ربما لهذا سيلاحظ بول ريكور أن الإيديولوجيا هي الخطأ الذي يجعلنا نستبدل الصورة بالواقع، والإنعكاس بالأصل». ولنا هنا ان نزيد: متى كنا في دائرة المصلحة فلن يقع بَصَرُنا على شيء غير قابل للإستثمار. كل ما في خطبة المتحيِّز يؤول إلى تحويل الأشياء عن مواضعها لتصبح بعد هنيهة، حقائق متخيَّلة ترتدي مشروعية التحويل إلى حقائق واقعية.

مثل هذه الممارسة ليست ناتجة بالضرورة من وَهَنٍ مفترض، في تعقيل ثنائية الواجب والواقع، أو من قصور ذاتي في إدراك الخارطة التفصيلية لمجالات الاختبار. العقلاني متضمَّنٌ، غالباً في «ميكانيكا الممارسة»، لكنه يختفي تحت ضغط الرغبة في إيصال لغة «الما يجب» إلى حقل الغرائز. ينطوي العقلاني  انطواءً إلزامياً ضمن عمليات التخطيط المدروسة في الممارسة الإيديولوجية،

(40)

فلا يفارقها البتة. ذلك أنه يتعلق بتلك الممارسة تعلقاً ذاتياً بوصفه جزءاً منها، ونسقاً فاعلاً في إنجاز أهدافها. وفي سياق اشتغاله على ترسيخ منظومته الفكرية والثقافية لإبطال حجة الخصم، يُقدِمُ الفاعلُ الإيديولوجي على الأخذ بناصية «المعرفي العقلاني»، تفادياً لاقتراف حكم مجرد عن البرهان. وذلك ضربٌ من «المواجهة بالحيلة» عن طريق إفحام الخصم تمهيداً لتحقيق الغلبة عليه. حتى لتبدو الصورة وكأن «المعرفي العقلاني» يسبق الإيديولوجي، ولو أنه على الحقيقة، يذوي فيه. وبهذا الفهم تصير حضوريته أمراً بديهياً في تقنيات التظهير المنشود للخطبة الإيديولوجية. في كل آن يمارس الإيديولوجي لعبته تكون ممارسته معقولة، ومحكومة بمعايير الحساب العقلي وميزان الخطأ والصواب. وعلى ما يتناهى لنا، فإن كل معقول معروف من جانب العاقل، متَّحدٌ به اتحاد الوسيلة بالغاية. ولو صُودِفَ أن حلَّ الفساد في القضية السارية في حقل الاختبار، فذلك لا يعود إلى الانفصال اللاًَّمنطقي بين المقدمات والنتائج، وإنما إلى سوء التقدير في طريقة جمع تركيب وتوليف وتوظيف العناصر الموصلة إلى الغاية.

أما حين يكمل الإيديولوجي ولادته، فسيكون «المعرفي العقلاني»قد تحيَّز، واتخذ لنفسه المحل المناسب في تلك الولادة. لقد تحول «المعرفي العقلاني» إلى قابلية خالصة للخدمة. ولذا فلن يعود بمقدوره أن يتحرك إلاَّ كظلٍّ للإيديولوجي. فالعلاقة بين الطرفين، هي علاقة اتصال الجزء بالكل، والتابع بالمتبوع، وكذلك علاقة المحتاج إلى الغنيّ.

(41)

صدق الإيديولوجيا وعدم صدقها

من قبل أن تمارس الإيديولوجيا ظهوراتها لن يكون بوسعنا الحكم عليها إن كانت كاذبة أو صادقة، عقلانية أو غير عقلانية، ذكية أو حمقاء، كاشفة للحقيقة أو حاجبة لها، مزيفة للوعي أو منتجة لوعي واقعي وحقيقي. في العالم الإيديولوجي كل حكم ظهر إلى العلن فإنما يظهر من ثنايا التحيُّزات التي تضج بحيوية الفاعلين. الناس هم الذين يخلعون على الإيديولوجي، والظواهر الإيديولوجية صفات الحسن والقبح، او الصواب والخطأ، او العلم والجهل. ولكي ندنو من بيان الصورة، علينا أن نلاحظ أن الإيديولوجيا تمارس مشاغلها ضمن ثلاثة مدارج هي أشبه بالأوعية المتصلة:

ـ  الوهم، كأمر مستقل عن الخطأ.

ـ الإسقاط، كمكوّن أساس لشعور زائف بالتعالي.

ـالعقلنة، بما هي إعادة ترتيب منطقي للدوافع والمصالح على نحو يظهر وكأنه تبرير عقلاني للأهداف المقصودة.

سنرى في منطقة التحيُّز، ـ والتحيّز السياسي على وجه التعيين ـ كيف يُحكم على الإيديولوجيا بالصدق والكذب تبعاً لفشلها ونجاحها. فعلى قاعدة الفشل والنجاح تصدر الأحكام، بوصفها تقريراً يخبر عن قضية غادرت بنيتها الذهنيّة لتحل في مختبر التجربة.

ليس بالضرورة حين يتقرر الحكم بالصدق مثلاً على قضية منتصرة، أن تكون نتائجها شرعية. أو أن يكون الفاعل الإيديولوجي

(42)

في هذه القضية، فاضلاً أو حكيماً. المسألة هنا تدور مدار منطق القوة وميزان الغلبة. لكن على الأكيد فإن الغالب استطاع في مثل هذه الحال، أن يستجمع مكوِّنات القدرة لديه، ويلبسها الرداء المناسب من الإنشاءات اللفظية. فقد يستطيع الغالب مثلاً أن يضفي المشروعية على أفعاله عبر توسيع مساحات التكذيب والبهتان ضد المغلوب، بما يجعلها أكثر قابلية للتصديق.

المسألة تتعلق بالسؤال عن كيفية توظيف القدرات باتجاه المصلحة. وبين البداية وبلوغ الغاية يظهر العقل الإيديولوجي ليحدد تلك الاستراتيجية. في هذا يمكن القول، أن معنى الإيديولوجيا سيتخذ سياقاً أكثر عمقاً ضمن فلسفة الأولوليات. وما سيلُ الخُطَب والأفكار والكلمات سوى الهندسة المعرفية الذي سيمضي الفاعل الإيديولوجي على هَدْيها نحو المصلحة. سواء كانت هذه المصلحة آنية أو بعيدة، أو أنها مصلحة عليا يتوقف عليها مصير مجتمع ودولة وأمة.

لو قُيِّض لنا أن نرى إلى الإيديولوجيا كفضاء لسياحة فلسفية لاخترنا لها هذا التعريف: إنها علم بممارسة الأفكار. أو ـ بتوضيح أوسع قليلاً ـ هي العلم بجدلية ارتباط الأفكار المحدِثة للأشياء، بالأشياء المحدِثة للأفكار. أما مجال عملها فيمكث على خط العلاقة الذي يصل الفكرة بالحدث. والحدث بالفكرة إذ يعيد صنعها في نشأة أخرى. خط العلاقة ذاك، يشتدُّ أو يرتخي، ينقبض أو ينبسط، تبعاً لحركة داخلية جوهرية تتفاعل فيها الإرادة المنتجة للفكرة بإرادة الموضوع الذي تقصده تلك الفكرة لتغيّره. فيتحصَّل من كل ذلك خروج الظاهرة الإيديولوجية إلى الوجود.

(43)

على سبيل الختم:

الإيديولوجيا كفلسفة للمتحيّز هي فلسفة الجميع. ليس من أحد إلا هو وارِدُها بجرعة ما. كلٌّ منا ينطوي على إيديولوجي وهو يختبر دنياه الضاجَّة بالاحتدام. فلا مناص للناس في دنياهم من إيديولوجية تعصمهم التيه، كما لا بد لهم في كل حين من إيديولوجي برٍّ أو فاجر.

 

(44)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

ماهية الإيديولوجيا وضرورتها

 

(45)
 

الفصل الأول

ماهية الإيديولوجيا وضرورتها[1]

يمكن تسليط الضوء على ضرورة الإيديولوجيا بالشرح والتحليل من ثلاث نواحٍ هي التعاريف والرؤى والأداء الوظيفي، وعلى أساس بيان معالمها بصفتها أمرًا ضروريًّا، تتّضح لنا الحكمة من وجود التوجّهات الفكرية والعقائدية على الصعيد العملي بشكلٍ أفضلَ. وثمرة هذه التوجّهات امتلاك فهمٍ أكثرَ دقّةً إزاء العلاقة الرابطة بين الإنسان والإيديولوجيا؛ لذا حينما نتحدّث عنها هنا لا نقصد تقييم التوجّهات الإيديولوجية ومضامينها، بل الهدف هو مجرّد الحديث عن التوجّهات الفكرية والعقائدية التي يقوم عليها واقع السلوك الإنساني في شتّى المجالات العملية بغضّ النظر عن نوع هذه التوجّهات، ومن ثمّ بيان كيفية استعراض هذا الواقع السلوكي في المجتمعات البشرية بصفته «إيديولوجيا» وكيف ارتبط البشر به وعاشوا في رحابه.

الإيديولوجيا هي ظاهرةٌ غربيةٌ نشأت وترعرعت في العالم الغربي، وقد تمخّضت من المساعي الرامية إلى مواجهة الدين ومحو الفكر الميتافيزيقي من الوجود، لذلك اعتبرت في مقابل الدين لكونها تسعى للاستحواذ على الدور الفاعل الذي يفي به في الحياة

(46)

من خلال التشكيك بمصداقية قدسيته، ولكن على الرغم من كلّ ذلك ومع أنّ عصرنا الحديث شهد ولادة الكثير من الإيديولوجيات، هناك من يرفض التوجّهات الفكرية الإيديولوجية من أساسها بداعي انتهاء العهد الذي كان يقتضي وجودها كضرورةٍ لا بدّ منها، وهذا الرفض يبلغ درجةً بحيث إنّ من يتبّناه يطالب كلّ إنسانٍ بأن يبدي رأيه إزاءها ويعلن عن موقفه تجاهها.

الجدير بالذكر هنا أنّ الإيديولوجيات البشرية القائمة بذاتها لم تستطع بتاتًا أن تفي بدور الدين على نحوٍ تامٍّ وكاملٍ جرّاء عجزها عن التلاحم مع الأصول الذاتية للبشر وعدم قدرتها على تلبية متطلّباتهم الحقيقية، وهذا هو السبب الكامن وراء تراوح واقعها بين الرقيّ والأفول على مرّ التأريخ؛ ولكن على الرغم من ذلك لا بدّ من طرحها على ضوء مدلولٍ جديدٍ بصفتها ميزةً يتّسم بها العصر الحديث؛ وبغضّ النظر عن المحاذير التي تكتنفها والقيود المعرفية والفكرية التي تطوّقها، ليس من الممكن ادّعاء أنّها زالت أو من الممكن أن تزول بالكامل مستقبلًا.

ما لم ينتهج الإنسانُ إيديولوجيا مرتكزةً على أساسٍ دينيٍّ أصيلٍ - منشؤه الوحي - فهو لن يحقّق شيئًا، والإيديولوجيات البشرية لا انتهاء لها لكون الإنسان عادةً ما يحاول تبنّي توجّهاتٍ فكريةٍ في أعلى المستويات وتكتنفه نزعةٌ حول استكشاف الحقائق، حيث يروم من وراء هذه التوجّهات إشباع رغباته الفطرية المكنونة في ذاته، لذلك فهو لا يتوقّف عن الولوج في شتّى المدارس الفكرية ومختلف الإيديولوجيات تلبيةً لما يجول في خاطره؛ وهذه المسألة

(47)

تبلغ الذروة حينما تسعى بعض الإيديولوجيات المتحجّرة والناقصة أداء دور الدين في المجتمع.

الإيديولوجيا لا تتعارض مع الدين من الناحية المنطقية، وإنّما تتواكب دائمًا مع المنطق الديني، ما يعني أنّها جزءٌ من الدين وذاتُ ارتباطٍ بجانبه العملي، فهي تتّسم بصبغةٍ دينيةٍ عندما تعمل على إيجاد منطقٍ ونظامٍ عمليٍّ بطابعٍ ديني في شتّى المجالات؛ ومن هذا المنطلق ترتبط مع الإسلام بشكلٍ عمليٍّ، أي إنّ الإيديولوجيا والإسلام بينهما ارتباطٌ عمليٌّ.

يتمحور البحث والتحليل في هذا الكتاب حول إثبات أنّ الفكر الإيديولوجي يعدّ من الأسس الثابتة التي لا يمكن إنكارها، ثمّ إثبات ضرورته؛ ومن هذا المنطلق لم نسلّط الضوء على الموضوع تحت عنوان «طبيعة العلاقة المنطقية بين الدين والإيديولوجيا»، بل سلّطنا الضوء عليه تحت عنوان «طبيعة الإنتاج والاستنتاج المنطقيين الإيديولوجيين من الدين» باعتبار أنّ هذا العنوان من الأصول الثابتة.

الإيديولوجيا في العالم الغربي اعتُبرت ندًّا للدين من الناحية التأريخية، وفي خضمّ هذا التناحر بسطت نفوذها على الساحة بدلًا عن المدارس الفكرية الدينية بعد أن همّشت المبادئ الميتافيزيقية التي تقوم عليها المنظومة الفكرية لهذه المدارس، لذا من الطبيعي عدم إمكانية تصوّر وجود أيّ علاقةٍ بينهما؛ لأنّها، تاريخيًا، لم ترتبط به من الناحية الإنتاجية مطلقًا، وفي هذا السياق قال الباحث الفرنسي ريموند آرون أنّ الإيديولوجيات البشرية هي «الأديانُ ذات

(48)

الطابع الدنيوي» نفسُها والتي حلّت محلّ الدين. وكذلك اعتبر جان باشلار الإيديولوجيا ثمرةً للعقل المتجدّد الذي جعل الثقافة أمرًا دنيويًّا، لذا ضمن سعي هذا العقل إلى إدارة شؤون الحياة الدنيوية للبشر وتهميش جوانبها المتعالية، فقد كان بحاجةٍ إلى نظامٍ فكريٍّ وعقائديٍّ يصوغه في إطارٍ إيديولوجيٍّ يتناسب مع متطلّبات العصر الحديث والظروف الجديدة في المجتمعات البشرية. على هذا الأساس اعتبر باشلار الإيديولوجيا ثمرةً للعقل التنويري ومن ثمّ فهي برأيه حركةٌ دائبةٌ لوسم الثقافة بطابعٍ دنيويٍّ، وممّا قاله في هذا المضمار: «خلاصة الكلام أنّ الإنسان الغربي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر حاول صياغة نظامٍ فكريٍّ وعقائديٍّ متجدّدٍ على أساس العقل -العلوم والتكنولوجيا-.. وإضفاء طابعٍ دنيويٍّ عليه بالتزامن مع إضفاء طابعٍ عقلانيٍّ... والميزة الفارقة والواضحة لهذه الظاهرة هي تهميش الدين وتقييده بشؤون الحياة الخاصّة فحسب»[1].

جينيالوجيا مفهوم الإيديولوجيا

الإيديولوجيا من جملة المصطلحات التي طُرحت لها تعاريفُ متنوّعةٌ تتّسم بالضدّية، لذلك اكتنفها غموضٌ دلاليٌّ وتعقيدٌ من حيث المعنى،[2] وبطبيعة الحال لا يمكن تجاهل هذا الغموض وتجاوزه بسهولةٍ نظرًا لتأثيرها البالغ في شتّى المجالات ولا سيّما

(49)

السياسة والمجتمع، ومن هذا المنطلق فالضرورة تقتضي بذل ما بوسعنا لطرح تعريفٍ واضحٍ وجامعٍ لها.

تعريف الإيديولوجيا هو أوّل خطوةٍ لإحباط مساعي من ينظّر بقصد تهميشها من الساحة بالكامل على الرغم من أهميتها البالغة وآثارها التي لا يمكن إنكارها بتاتًا، إذ بقليلٍ من التأمّل والتحرّي الميداني نلاحظ كيف أنّ هذا المصطلح منذ اللحظة الأولى لطرحه في النظريات والآراء الاجتماعية والسياسية تمكّن مفهومه من فرض نفسه في نطاق قضايا اجتماعيةٍ وسياسيةٍ خاصّةٍ ومن ثمّ أسفر عن صدور ردود أفعالٍ متنوّعةٍ يتّسم بعضها بالتضادّ مع بعضٍ آخرَ.

مصطلح «إيديولوجيا» ضمن دلالته الجديدة ومعناه المفهومي الخاصّ الذي اتّسم به في عصرنا الحاضر، بات اليوم سلاحًا فتّاكًا يُعتمد عليه في الصراعات والنقاشات اللغوية، والسبب في ذلك يرجع إلى أنّ هذا المفهوم يثير تساؤلاتٍ حول الأسس العقائدية ومدى صلاحيتها؛ لذا فهو مفهومٌ مختلَفٌ فيه بحيث أمسى واحدًا من المفاهيم التي لم تتّضح دلالتها بالكامل حتّى الآن في العلوم الاجتماعية قاطبةً؛[1] وتتزايد أهمية الموضوع حينما ندرك أنّ طبيعة ردود الأفعال إزاءه ناشئةٌ بالدرجة الأولى من طبيعة التعاريف المطروحة حوله، وذلك لأنّ بعض التعاريف تثير المخاطب بنحوٍ سلبيٍّ وبرؤيةٍ تشاؤميةٍ، في حين أنّ بعضها تثير لديه شعورًا إيجابيًّا؛ وهذا الاختلاف ناشئٌ من الاختلاف الحاصل بين معناه الذي كان

(50)

معروفًا في بادئ الأمر والمعنى الذي اتّسم به في الفترة الأخيرة، وهذا الاختلاف المفهومي يضرب بجذوره في قرنين من الزمن، أي منذ ولادة مفهوم الإيديولوجيا وإلى يومنا هذا.

إذًا، تأريخ مصطلح «إيديولوجيا» يتّسم عمومًا بعدم الاستقرار، إذ من لحظة ظهوره وإلى العصر الحاضر طُرحت حوله تعاريفُ متنوّعةٌ[1].

الباحث مالكولم هاملتون راجع 85 مصدرًا واستخرج منها 27 من العناصر الأساسية التي لها دورٌ في تعريف الإيديولوجيا، وحينما نمعن النظر في مجمل التعاريف المطروحة حولها نستشفّ منها عناصرَ أساسيةً متّفقًا عليها من قبل الجميع ومقبولةً لدى كلّ باحثٍ.

* تعريف الإيديولوجيا وفق معيارٍ شاملٍ

مصطلح إيديولوجيا يمكن تقسيمه من حيث نطاقه الدلالي إلى قسمين أحدهما شاملٌ والآخر جزئيٌّ، وتعريفه يشمل كافّة المجالات في حياة البشر، لذا فهو يستبطن قابليةً على بيان وتبرير جميع الأوضاع التي تطرأ في كلّ مضمارٍ من حياتنا، ما يعني قدرته على بيان مختلف مواقف الإنسان والسلوكات التي بدرت منه في المرحلة التي سبقت هذه المواقف والمرحلة اللاحقة لها.

الإيديولوجيا فور طرحها في مجالٍ ما فهي تسعى إلى إيجاد ارتباطٍ بين الظروف والأوضاع الحاصلة إثر تداعياتٍ فكريةٍ وعقائديةٍ

(51)

منبثقةٍ من أحد التوجّهات الفلسفية أو الدينية أو العلمية، وذلك لتحفيز مخاطَبها على الإذعان بما يجري حوله، وخلال هذه المرحلة تتّضح أهمية عنصرَيِ «الإقناع» و «القبول» في تعريفها، الأمر الذي يعني أنّ السلوك بصورتيْه الاجتماعية والفردية ينشأ على ضوء الإقناع ومن ثمّ يؤدّي إلى الحفاظ على التوجّه الفكري الموجود؛ والعكس صحيحٌ، إذِ الإيديولوجيا من شأنها تحفيز الإنسان على القيام بأفعالٍ واتّخاذ مواقفَ خاصّةٍ بهدف تحقيق ظروفٍ معيّنةٍ على الصعيدين الاجتماعي والفردي.

الإيديولوجيا من ناحيةٍ شموليةٍ بمثابةِ منظومةٍ فكريةٍ وعقائديةٍ ذاتِ ارتباطٍ بالسلوك العملي، ولها القابلية على التنسيق بين أعضاء المجتمع على صعيد اتّخاذ مواقفَ عمليةٍ معيّنةٍ في شتّى مجالات الحياة، وبالتالي من شأنها الإشراف على هذه المواقف الموحّدة بغية تحقيق هدفٍ أكسيولوجيٍّ متعالٍ؛ والجدير بالذكر هنا أنّ الدور التنظيمي لها يتبلور في معظم الأحيان ضمن التوجّهات الدينية كما هو الحال في المسيحية، لذلك يمكن لمنظومةٍ فكريةٍ دينيةٍ أن تصبح إيديولوجية إلى جانب صبغتها الدينية، ولكن حينما تحوّلت الإيديولوجيات البشرية بديلةً عن الدين وحلّت محلّه في المنظومة الفكرية البشرية، أسفرت عن إيجاد منظومةٍ مستقلّةٍ يتمّ على أساسها تفعيلُ التوجّهات الفكرية في رحابٍ دنيويٍّ وإقرارُ أسسٍ عقائديةٍ خاصّةٍ قوامها العقل.

إذًا، يمكن تعريف الإيديولوجيا وفقًا لما ذكر بأنّها منظومةٌ من الأفكار والمعتقدات والتوجّهات التي تتبلور بشكلٍ جماعيٍّ ومنتظمٍ

(52)

وفق قواعدَ خاصّةٍ وحقيقيةٍ بحيث تطرح نفسها على ضوء أنموذجٍ جزئيٍّ من العلاقات والأنظمة الاجتماعية بهدف تبرير نمطٍ سلوكيٍّ معيّنٍ يسعى مؤيّدوها إلى تطويره وتطبيقه على أرض الواقع والسير على نهجه أو على أقلّ تقديرٍ يبذلون ما بوسعهم للحفاظ عليه.

عالم الاجتماع غي روشيه (Guy ROCHER) أشار في تعريف الإيديولوجيا إلى مدلولها المنهجي، حيث قال: «الإيديولوجيا عبارةٌ عن نظامٍ من الأفكار والأحكام الواضحة والصريحة، وهي متناسقةٌ بشكلٍ عامٍّ ضمن منهجٍ معيَّنٍ له القابلية على توجيه وتفسير وشرح وإثبات وجهةٍ لمجموعةٍ من الناس أو لمجتمعاتٍ بشريةٍ؛ وهذا النظام يستلهم مبادئه من القيم ويتأثّر بها إلى حدٍّ كبيرٍ، كما تُطرح على أساسه توجّهاتٌ معيَّنةٌ إزاء السلوك الاجتماعي لتلك الجماعات والمجتمعات.

الإيديولوجيا استنادًا إلى هذا التعريف كامنةٌ في باطن الثقافة بوصفها نظامًا إدراكيًّا مترابطَ الأجزاء بالكامل ومتناسقًا ومنتظمًا، وفي رحابها تُطرح مختلف وجهات النظر، ومن هذا المنطلق يمكن وصفها بأنّها نظامٌ»[1].

تعريف الإيديولوجيا بكونها منظومةً يُقصد منه تصويرها وكأنّها كيانٌ شاملٌ فيه أجزاء مترابطةٌ مع بعضها ومتناسقةٌ في إطارِ تعاملٍ متبادلٍ يراد منه تحقيق هدفٍ معيَّنٍ والسير نحو وجهةٍ محدَّدةٍ مسبقًا؛ لذا فهي تجسّد نظامًا من الأفكار والمعتقدات والنشاطات العملية

(53)

التي توجّه السلوك وتجعله هادفًا. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ التعريف المذكور للنظام في النظريات التقليدية نستشفّ منه أنّه ذو ارتباطٍ بالتعريف المذكور للإيديولوجيا بوصفها منظومةً كما هو واضحٌ في التعريف التالي: «النظام عبارةٌ عن مجموعةٍ من الأجزاء المنتظمة إلى جانب بعضها بشكلٍ متناسقٍ والتي تمّ تبنّيها على ضوء روابطَ خاصّةٍ، والهدف من إقراره هو تحقيق أهدافٍ معيَّنةٍ وبلوغ مقاصدَ عامّةٍ؛[1] ونظرية النظام تنظر إلى الكيان المنتظم وكأنّه [كلٌّ] مكوَّنٌ من أجزاء معقّدةٍ تترابط وتتداخل مع بعضها بشكلٍ ديناميكيٍّ».[2]

لو اعتبرنا الإيديولوجيا منظومةً من حيث المفهوم، فهي بمعناها الشامل تجري كالنظام الشمولي، لذا يمكن اعتبارها رؤيةً شموليةً تعمّ جميع الأفكار العملية في شتّى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي هي بمثابة أنظمةٍ فرعيةٍ؛ ومن هذا المنطلق فجميع الانفعالات والسلوكات والمواقف التي تُتّخذ من قبل مختلف الناس يمكن تفسيرها وفق رؤيةٍ إيديولوجية سواءً قبل تبلورها على أرض الواقع أو بعد ذلك، لذا يمكن تعريفها بشكلٍ شاملٍ وممنهجٍ كما يلي: هي عبارةٌ عن مجموعةٍ من الأفكار المنطقية المرتبطة مع بعضها والتي لها القابلية على تفسير الأوضاع الراهنة في الحياة وعرض صورةٍ مثاليةٍ لأحد المجتمعات اعتمادًا

(54)

على مبادئَ أكسيولوجيةٍ خاصّةٍ به، وفي هذا السياق فهي تُعَدّ منطلقًا لاستراتيجية السلوك وبنيةً أساسيةً لتفعيله في رحاب وسائلَ مؤثِّرةٍ فكريًّا وعاطفيًّا؛ وهذه الميزة تنمّ عن قابليتها على التأثير في الكثير من الفئات الاجتماعية.

الجدير بالذكر هنا أنّ الإيديولوجيا المتكاملة تشمل الكثير من الأفكار الخاصّة بشتّى المواضيع، بما في ذلك ما يلي: مكانة الإنسان، وعلاقته بخالقه، وعلاقته بالتأريخ، وعلاقته بالقوى الماورائية، والأهداف العليا للمجتمع والحكومة، والفطرة الأصيلة للبشر، وأفضل الوسائل المعتمدة لتحقيق أسمى الأهداف الاجتماعية والسياسية. هذه المواضيع تتناغم مع بعضها من الناحية المنطقية بنحوٍ ما[1].

استنادًا إلى ما ذُكر يمكن القول أنّ كلّ إيديولوجيا متكاملةٍ يجب أن ترتكز على عناصرَ فكريةٍ بمحورية روابطَ وقضايا منسجمةٍ مع بعضها، وعلى ضوء ما ذكر فهي تمتاز بخمس خصائصَ ذاتِ ارتباطٍ بعناصرها الفكرية، وذلك كما يلي:

1) القيَم: كلّ إيديولوجيا عادةً ما تكون منبثقةً من الاعتقاد بكون بعض القيم أهمّ من غيرها.

2) الفكر السياسي المثالي: الإيديولوجيات تستلهم عناصرها

(55)

على ضوء تصوير كيفية وضع أسس مجتمعٍ سياسيٍّ يتمّ بناؤه والإشراف عليه بأمثل شكلٍ.

3) فطرة الإنسان: كلّ إيديولوجيا يجب أن تشمل رؤًى تُصاغ على أساسها السلوكات التي نلاحظها على الصعيدين الاجتماعي والحكومي.

4) الاستراتيجيا العملية: كلّ إيديولوجيا لا بدّ أن تتبنّى استراتيجيا خاصّةً بغية إجراء تغييراتٍ على المجتمع السياسي الموجود وتحويله إلى مجتمعٍ سياسيٍّ مثاليٍّ.

5) التدابير السياسية: كلّ إيديولوجيا تنتقي أسلوبًا خاصًّا على صعيد الأداء السياسي ومن ثمّ تتحرّك على أساسه[1].

من الواضح بمكانٍ أنّ الاستراتيجيا العملية ليست حكرًا على المجتمع السياسي المثالي، بل من الممكن أيضًا أن تبسط نفوذها في شتّى أروقة المجتمع وتصوغها بشكلٍ مثاليٍّ.

(56)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

تعريف الإيديولوجيا 

وفق معاييرَ فرعيةٍ

(57)

الفصل الثاني

تعريف الإيديولوجيا وفق معاييرَ فرعيةٍ

- الإيديولوجيا السياسية

الإيديولوجيا في نطاقها المحدود تدلّ على الأنظمة الاعتقادية والفكرية المرتبطة بالجانب العملي من الحياة ضمن نطاقٍ خاصٍّ سياسيٍّ أو اقتصاديٍّ أو اجتماعيٍّ، لذا يمكن وصف الأنظمة العقائدية والفكرية التي تحدّد طبيعة الأداء السياسي ومنطقه والأطر العامّة للنشاطات السياسية بأنّها «إيديولوجيا سياسيةٌ»، وذلك لما يلي: «كلّ إيديولوجيا عادةً ما تحدّد أهدافًا خاصّةً للنظام الحاكم، وكلّ واحدٍ من هذه الأهداف لا بدّ أن يكون مطمحًا لكلّ نشاطٍ ومؤسّسةٍ سياسيةٍ؛ وأبسط أنواعها ما يُذكر بخصوص المجتمع المثالي أو المدينة الفاضلة التي تتحقّق فيها القيم الإيديولوجية المقصودة بالكامل»[1].

بعض الباحثين المختصّين بالعلوم السياسية والعلوم الاجتماعية يعتقدون أنّ مصطلح «إيديولوجيا» في هذا الإطار الخاصّ - السياسي والاجتماعي - له مدلولٌ معيَّنٌ، ويقصدون من هذا الكلام تعريف الإيديولوجيا بأنّها عبارةٌ عن منطقٍ باطنيٍّ حاكمٍ على أحد الأنظمة السياسية، ومن هذا المنطلق يعتبرونها ذاتَ تأثيرٍ على التوجّه

(58)

الفكري الحاكم على مختلف الأنظمة، ومن جملة هؤلاء الباحثين جان باشلار (Jean BACHELARD)، الذي وضّح مقصوده منها كما يلي: «أنا أعتبر الإيديولوجيا صورةً من الإدراك المرتبط بالسلوك السياسي، وخلاصة الكلام أنّ كلّ صورةٍ من الإدراك والشعور من شأنها أن تتّسم بطابعٍ إيديولوجيٍّ بمجرّد انغماسها في النشاط السياسي»[1].

نستشفّ من جملة ما ذُكر أنّ المفهوم الشائع والمعنى المتداول للإيديولوجيا على صعيد الخطابات السياسية، غالبًا ما يكون ذا طابعٍ سياسيٍّ؛ فالإيديولوجيا السياسية تُقحم المعالم الأساسية والمبادئ العملية للاستراتيجيَات الشاملة في عالم السياسة، ومن هذا المنطلق فالخبير المختصّ بعلم السياسية تتمحور نشاطاته الفكرية حول الإيديولوجيا باعتبارها خارطةَ طريقٍ معتمَدةٍ على ضوء قابليتها لإيجاد نظمٍ وأمنٍ سياسيَّيْن وقدرتها على احتواء مختلف الفئات الاجتماعية والتحرّكات الشعبية وتسييرها نحو أهدافٍ معيّنةٍ؛ لأنّ الإيديولوجيات تطرح وصفًا تحليليًّا للمجتمع، وهي عبارةٌ عن خرائطَ مركَّبةٍ من عدّةِ نقاطٍ بحيث يمكن لمن يجول في فلكها معرفة الطريق المرسوم له في عالم السياسة.

المفكّر كارل هاينريش فون شتاين (Karl Heinrich VON STEIN) أكّد على الجانب السياسي من الإيديولوجيا، ومن هذا المنطلق سلّط الضوء عليها ضمن نطاقٍ سياسيٍّ، حيث اعتبرها

(59)

بمثابة نظامٍ منسجمٍ من الآراء والمعتقدات التي تحكي عن موقف الإنسان إزاء مجتمعه، فهي نظامٌ يسوقه نحو منهجٍ سلوكيٍّ معيَّنٍ يتبلور فيه نوع معتقداته ونهجه الفكري.[1]

المنظِّر المعاصر كليفورد غيرتز (Clifford GEERTZ) أكّد بدوره على وجود نوعين من الفكر تقتضي الضرورة التمييز بينهما، أحدهما الفكر الذي يُستنتج وفق معايير الصدق والكذب، والآخر هو الفكر الذي يصون أعضاء المجتمع من الضلال في هذه الحياة الاجتماعية المعقّدة؛ والنوع الثاني هو الذي يحكي عن المفهوم الإيديولوجي، وعلى أساس هذا المفهوم فالإنسان يلتزم بإحدى الإيديولوجيات بغية إنشاء نظامٍ اجتماعيٍّ يتحوّل على ضوئه إلى كائنٍ سياسيٍّ، وأمّا مهمّة الإيديولوجيا فهي منحه مفاهيمَ معتبرةً لها القابلية على إضفاء دلالةٍ إلى كلّ أمرٍ سياسيٍّ، ومن ثمّ تيسّر هذا الأمر له عبر صياغتها تصوّراتٍ محرّكةً تجعل المبادئ السياسية ملموسةً بالنسبة إليه.

وأمّا عالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون (Raymond BOUDON) فقد اعتبر الأفكار من النوع الثاني بأنّها مفاهيمُ بيانيةٌ وأنّها، في الحين ذاته، آمرةٌ، وعلى هذا الأساس فهي من خلال التوضيح الذي تطرحه بخصوص الواقع الاجتماعي عادةً ما تمنح الإنسان خارطةً دلاليةً خاصّةً في المضمار السياسي[2].

(60)

الجدير بالذكر هنا أنّ التقسيم الذي ذكره غيرتز لا يقوم على أسسٍ منطقيةٍ مقنِعةٍ لكونه لم يوضّح معالم النظام المنطقي الذي يرتكز عليه هذا النمط الفكري المعتمَد سلوكيًّا، إذ إنّ منشأ الفكر بشكلٍ عامٍّ والسياسي منه على الخصوص لا يمكن أن يكون غريبًا على المعايير الإبستيمولوجية للصدق والكذب، ومن هذا المنطلق لا يمكن اعتبار تقسيمه دقيقًا، إذ إنّ مدى اعتبار كلّ نظريةٍ وإيديولوجيا سياسيةٍ يعود إلى مرتكزاتها الإبستيمولوجية.

نستنتج من جملة ما ذكر في تعريف الإيديولوجيا السياسية ما يلي: الأفكار والمعتقدات التي تشرف على السلوك السياسي ضمن حركةٍ ممنهجةٍ ومنسجمةٍ على ضوء أوامرَ وتعاليمَ خاصّةٍ، توصف بأنّها إيديولوجيا سياسيةٌ؛ وعلى هذا الأساس فالنظريات السياسية التي تُطرح في عالم السياسة لأهدافٍ عمليةٍ تُعتبر في الواقع نظرياتٍ إيديولوجية سياسيةً، ومن ثمّ فالسلوكات وردود الأفعال السياسية المنبثقة منها والتي تتبلور ضمن السلوكات الفردية والجماعية في المجالين الشامل والجزئي، هي عبارةٌ عن إيديولوجيا. ومن الواضح بمكانٍ أنّ الخطوط العامّة للسياسة والنظريات الإيديولوجية السياسية، تجري وفق المنطق الحاكم على الإيديولوجيا الشاملة.

* الإيديولوجيا الاقتصادية

النظام الفكري والعقائدي الذي له القابلية على صياغة إطارٍ عامٍّ لأحد الأنظمة الاقتصادية ضمن مستوًى محدودٍ بنحوٍ ما بحيث تنشأ في رحابه مبادئُ اقتصاديةٌ وسلسلةٌ من العلاقات

(61)

والسلوكات الاقتصادية، يُصطلح عليه بـ «إيديولوجيا اقتصادية».

من الواضح أنّ الإيديولوجيا الاقتصادية بمثابة نظامٍ جزئيٍّ مقارنةً مع النظام الإيديولوجي الشامل الحاكم عليها، لذا يمكن اعتبارها تابعةً له من الناحية المنطقية وبالتالي فهي من حيث استراتيجيتها العملية يجب أن تمتلك القابلية للسير وفق الخطوط العامّة للمبادئ الإيديولوجية الشاملة التي تنضوي تحت مظلّتها، أي أنّ مسارها العملي الاقتصادي لا بدّ أن يدور في فلك هذه المبادئ.

هذه الإيديولوجيا تعمل على تحقيق مقاصدها وأهدافها الاقتصادية السامية من خلال اتّباع نظامٍ فكريٍّ وعقائديٍّ قائمٍ على القيم الإيديولوجية الحاكمة والتي صيغ وانتظم على أساسها المنطق والنظام السلوكي وشتّى السلوكات الاقتصادية لأعضاء المجتمع في مختلف المستويات؛ لذلك يمكن وصف الأنظمة الاقتصادية بأنّها إيديولوجيا اقتصاديةٌ.

الباحث جوزيف لاجوجي (Joseph LAJUGIE) عرّف النظام الاقتصادي كما يلي: «النظام الاقتصادي عبارةٌ عن مجموعةٍ من المثُل السلوكية التي يبادر أعضاء النظام إلى إيجاد ارتباطٍ بينها من جهةٍ، وبينها وبين الأموال ومصادر الثروة من جهةٍ أخرى؛ وهي تنتظم بشكلٍ منسجمٍ على أساس مبادئَ معيَّنةٍ بغية تحقيق أهدافٍ خاصّةٍ».[1] الإيديولوجيا الاقتصادية استنادًا إلى هذا التعريف عبارةٌ عن مجموعةٍ من القواعد والقوانين العملية التي تمهّد الأرضية

(62)

المناسبة للنشاطات الاقتصادية في المجتمع، لذا فهي ذاتُ خصوصيةٍ آمرةٍ ومرشدةٍ بالنسبة إلى بعض السلوكات التي تتّصف بطابعٍ خاصٍّ والمتناسبة مع الأسس الأكسيولوجية، ومن الممكن أن تُدرج هذه السلوكات ضمن البراهين الإيديولوجية الخاصّة بالأفعال والسلوكات والعلاقات الاقتصادية؛ فكل النظاميْن الاقتصادي الرأسمالي والاشتراكي، على سبيل المثال، هو عبارةٌ عن نوعٍ من الإيديولوجيا الاقتصادية، حيث يتّبع كلّ واحدٍ منهما إيديولوجياه الخاصّة لأجل تحقيق أهدافه الاقتصادية. جميع القواعد والنشاطات الاقتصادية حسب أسس النظام الاقتصادي الرأسمالي يجب وأن تنسجم مع الإيديولوجيا الحاكمة في المجتمع الرأسمالي، وهذه الإيديولوجيا ترتكز طبعًا على رؤيةٍ فرديةٍ من منطلق كونها ركنًا أساسيًّا في الفكر الليبرالي؛ وقد وضّح الباحث إمري كي. هانت مبادئ هذا النظام قائلًا: «الفردانية التي تُعَدّ البنية الأساسية للفكر الليبرالي التقليدي، تضرب بجذورها في النظريات الرأسمالية المطروحة حول طبيعة الإنسان وحاجته إلى التحرّر من القيود الاقتصادية المتشدّدة التي تعتبر عقبةً في نشاطاته الاقتصادية... وفي العهد الصناعي أصبحت الرؤية الفردانية الليبرالية التقليدية إيديولوجيا حاكمةً على الرأسمالية»[1].

الليبرالية الاقتصادية تعدّ المرتكز الفكري الأساسي للنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يقوم بدوره على عنصرين أساسيين

(63)

هما أصالة الفرد وحرّيته، وعلى ضوء هذه الرؤية نشأت إيديولوجيا اقتصاديةٌ خاصّةٌ تختلف عن نظيراتها في شتّى أرجاء العالم؛ وأهم ما تمخّض عن هذا النوع من الفكر الاقتصادي الليبرالي بوصفه إيديولوجيا اقتصاديةً تمّ توضيحه من قبل الباحث آدم سميث في كتابه «ثروة الأمم» الذي ألّفه في عام 1776م، حيث أكّد على أنّ كلّ إنسانٍ يسعى دائبًا إلى تسخير ما لديه من ثروةٍ ضمن أعمالٍ تعود عليه بأكثرِ مقدارٍ من النفع. هذه النظرية الاقتصادية نشأ على ضوئها «السوق الحرّ» الذي خالفت مبادئُه الاقتصادية جميعَ القوانين والقوى من منطلق نظامٍ اقتصاديٍّ خاصٍّ، وكلّ منتجٍ ضمن هذا النظام الاقتصادي الشامل ملزمٌ بأن يخضع للمستهلك، وممّا قاله في هذا المضمار: «... ومن هذا المنطلق فالسوق الحرّ يتنافس في رحابه المنتجون بشكلٍ أنانيٍّ لأجل تحقيق أكبر مقدارٍ من الربح، حيث توجّه الثروة والعمل في رحابه نحو وجهةٍ مقبولةٍ لتعمّ نطاقًا واسعًا، كما أنّ السوق الحرّة تضمن أن تكون السلع المنتجة متناسبةً مع متطلّبات المستهلك أكثر من أيّ شيءٍ آخر»[1].

خلاصة الكلام أنّ الإيديولوجيا الاقتصادية بوصفها إيديولوجيا جزئيةً فهي تؤكّد على قوانينها وقيمها الاقتصادية، وهذه القوانين والقيم بطبيعة الحال تتناسب بالكامل مع الأنظمة الإيديولوجية الحاكمة عليها وتجري وفقًا لها، لذا يمكن وصف الاقتصاد الرأسمالي كمثالٍ لها بأنّه ذو طابعٍ إيديولوجيٍّ في مبادئه كما أنّ مقرّراته ونظرياته

(64)

الاقتصادية تتضمّن أسسًا إيديولوجية ذاتَ وجهةٍ معيّنةٍ.

إمري كي. هانت لدى تحليله الإيديولوجيا الاقتصادية عرّف الإيديولوجيا بأنّها وسيلةٌ يمكن الاعتماد عليها لتمهيد الأرضية العقائدية والفكرية للناس كي يتبنّوْا نظامًا اقتصاديًّا غيرَ منسجمٍ مع أصولهم الدينية والتقليدية؛ فالأنظمة الإيديولوجية من خلال اعتمادها على هذا التوجّه الفكري تسعى إلى تغيير واقع النشاطات المعقّدة في الأنظمة الاقتصادية الجديدة عبر إزالة التعقيد عنها بهدف تأسيس وحدةٍ اجتماعيةٍ؛ وقد وضّح رأيه بالنسبة إلى الإيديولوجيا قائلًا: «مصطلح الإيديولوجيا يُطلق على المعتقدات التي يُراد منها إضفاء صبغةٍ أخلاقيةٍ على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، وغالبية أعضاء المجتمع يؤصّلونها في باطنهم... وهذا الاعتقاد المشترك يضفي على المجتمع وحدةً ويُعينه على مواصلة طريقه في الحياة، لذا فإنّ فقدانه يُسفر عن حدوث فوضًى عارمةٍ»[1].

المقصود من الإيديولوجيا الاقتصادية ذلك النظام الفكري والعقائدي الذي يتبلور على ضوئه الإطار العامّ للقواعد والأسس المنطقية المعتمدة في النشاطات الاقتصادية، ويؤكّد على نمطٍ معيّنٍ من العلاقات الاقتصادية، وعلى هذا الأساس فالأنظمة الاقتصادية الجزئية تُدرج ضمن الإيديولوجيا الاقتصادية، ومن ثمّ تنشأ في رحابها الأسس العملية الإيديولوجية مثل إضفاء صبغةٍ مشروعةٍ إلى

(65)

السلوكات والروابط الاقتصادية، وهي في تعاملٍ دائمٍ وانسجامٍ تامٍّ مع النظام الإيديولوجي الشامل الحاكم عليها. بناءً على هذا الكلام يمكن اعتبار أنّ الإيديولوجيا الاقتصادية الإسلامية نظامٌ فكريٌّ وعقائديٌّ يتضمّن أحكامًا وقوانينَ خاصّةً بالنسبة إلى الإنتاج والاستهلاك والخدمات الاقتصادية، ومن هذا المنطلق يمكن تعريف الاقتصاد الإسلامي كما يلي: «الاقتصاد الإسلامي عبارةٌ عن مجموعةٍ من الأوامر والقوانين الشرعية المدوّنة بشكلٍ منسجمٍ على أساس الحقّ والعدل بهدف إرشاد الناس في مجال الإنتاج وتوزيع الخدمات والاستهلاك الصحيح للحيلولة دون حدوث مشاكلَ مادّيةٍ وتلبية متطلّباتهم وإزالة الفقر والحرمان، كذلك الحيلولة دون التكاثر»[1].

كون الاقتصاد ضربًا من الإيديولوجيا يُراد منه ارتكاز ما يسوّغه وما يحظره وجميع أوامره على أسسٍ دينيةٍ، أي يجب أن تكون منبثقةً من تعاليمَ دينيةٍ بحيث تُعتبر بحكم القانون، وهي بطبيعتها تؤكّد على مثُلٍ سلوكيةٍ اقتصاديةٍ معيّنةٍ يتبلور على ضوئها السلوك الاقتصادي بشكلٍ عمليٍّ في شتّى المجالات الاقتصادية، سواءً في الكيانات والروابط الاقتصادية، وكذلك في النشاطات الاقتصادية؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الإيديولوجيا الاقتصادية ذاتُ ارتباطٍ جذريٍّ بالإيديولوجيا الحاكمة.

أهداف الاقتصاد الإسلامي حسب تعاليمنا الدينية لها ارتباطٌ بالإيديولوجيا الإسلامية... وهذه الإيديولوجيا في رحاب الأنظمة

(66)

المتمركزة تضع المعالم الأساسية لتوجيه الاقتصاد نحو طابعٍ حكوميٍّ، وعلى ضوء بيانها الهواجس المرتبطة بالأهداف والأصول الاقتصادية الإسلامية، والجدير بالذكر هنا أنّها تستدعي البرمجة والتخطيط لأجل تحقيق أهدافها وأصولها[1].

* الإيديولوجيا الاجتماعية

الإيديولوجيا الفرعية - الجزئية - حينما تصاغ على أساسها القواعد والأطر العامّة للسلوكات الاجتماعية، ولـمّا تصبح وازعًا لتفعيل النشاطات الجماعية، توصف بأنّها «إيديولوجيا اجتماعيةٌ».

الإيديولوجيا الاجتماعية تُشرف على الأفعال وردود الأفعال الاجتماعية وتقوم بتشذيبها وإصلاحها على ضوء إشاعة بعض المثُل، وعلى هذا الأساس فهي ذاتُ دورٍ فاعلٍ في جميع المكوّنات والمؤسّسات الاجتماعية ولها تأثيرٌ ملحوظٌ على المبادئ والسلوكات المتعارفة في المجتمع باعتبارها عنصرًا معنويًّا معتمدًا في مجال الحفاظ على الأوضاع الراهنة في المجتمع، فهي بوصفها نظامًا منسجمًا تنسّق بين جميع محتوياتها لأجل وضع أسسٍ إيديولوجية شاملةٍ تحكم المجتمع.

الباحث تومسون وصف الإيديولوجيا بأنّها على غرار العنصر الدلالي واعتبر هدفها الحفاظ على أواصر السلطة، ما يعني أنّها على ضوء حركةٍ منهجيةٍ معيَّنةٍ ومن خلال طرحها أساليبَ عمليةً

(67)

خاصّةً، من شأنها تسخير أحد المفاهيم ضمن ظروفٍ محدَّدةٍ خدمةً لأواصر السلطة ودعمًا لاستقرارها والحفاظ عليها[1].

الإيديولوجيا الاجتماعية عادةً ما تُطرح في إطار نظامٍ فكريٍّ وعقائديٍّ، وهي تضمن وحدة المجتمع، وبما أنّها تمثّل نظامًا جزئيًّا فلا بدّ أن تكون على صلةٍ بالنظام الشامل المطروح من قبل المبادئ الإيديولوجية الحاكمة، وبالتالي يتسنّى لها صياغة قيمٍ وأصولٍ اجتماعيةٍ خاصّةٍ تساهم في توطيد أواصر وحدة المجتمع ووفاق أعضائه؛ ولا شكّ في أنّ كلّ ما يصوغه المجتمع من أسسٍ منطقيةٍ ومثاليةٍ يجب أن لا يتعارض مع الأهداف والتوجّهات العامّة للإيديولوجيا الحاكمة فيه، وإلا ستنعكس هذه الأسس بشكلٍ سلبيٍّ على الواقع الاجتماعي بحيث تزعزع كيانه وتشوّش انتظامه.

إذًا، جميع النظريات الاجتماعية التي تُطرح من قِبل علماء الاجتماع استنادًا إلى هذا الرأي يجب اعتبارها إيديولوجياتٍ كي تكون لها القدرة على تحليل السلوكات الاجتماعية وتقييمها.

عالم الاجتماع الأمريكي ألفين غولدنر (Alvin GOULDNER) تبنّى وجهةً انتقاديةً إزاء علم الاجتماع المعاصر، ولا سيّما علم الاجتماع الأمريكي الذي يؤكّد باحثوه على أنّ النظريات الاجتماعية لا يمكن أن تطبّق في منأًى عن القيم والنظريات العامّة التي تصاغ القوانين على أساسها، إذ حينما يتّخذ أحد علماء الاجتماع مفهوم «العالَـم الاجتماعي» موضوعًا لدراسته التجريبية ليستكشف القوانين الحاكمة على المجتمع، فهذا يعني وجود نظرياتٍ شاملةٍ

(68)

- إيديولوجيا شاملةٍ - في هذا المضمار بحيث تحرّكه نحو وجهةٍ معيّنةٍ، وهناك فرضياتٌ خاصّةٌ تنشأ في نطاق المجتمع على ضوء الإيديولوجيا الحاكمة عليه، حيث تسوق القيم والأصول الاجتماعية والنزعات والأحاسيس والرغبات الاجتماعية نحو جهةٍ معيّنةٍ.

غولدنر وضّح طبيعة تأثير الفرضيات على النظريات الاجتماعية كما يلي: «الفرضيات العامّة هي في الواقع (ثروةٌ) ذهنيةٌ يرثها المنظِّر، أي أنّه يتبنّى محتواها ضمن مرتكزاته العلمية قبل أن يكون عالمًا، إذ من شأن الرؤى التي تُطرح على أساسها أن تمتزج مع التقنية العلمية؛ وعلى الرغم من أنّها تتّسم بطابعٍ شبهِ نظريٍّ لكن لها القابلية على صياغة نظريةٍ مقبولةٍ تزيد من قابلياتها وتمهّد الأرضية المناسبة لتعميمها من الناحية التقنية»[1].

إذًا، النظريات الاجتماعية برأي هذا الباحث الغربي عبارةٌ عن إيديولوجيا، وبالتالي يمكن اعتبارها إيديولوجيا اجتماعيةً لكونها منبثقةً من رؤًى شخصيةٍ محدودةِ النطاق لبعض التوجّهات الخاصّة ولعددٍ من الفرضيات الأساسية؛ ومن هذا المنطلق فكلّ نظريةٍ اجتماعيةٍ تحفّز على نمطٍ معيَّنٍ من السلوكات الاجتماعية وتشجّع الناس على قبول الواقع الموجود في الحياة أو تغييره، بمعنى أنّ كلّ منظِّر يصوغ رؤًى إيديولوجية على ضوء نظرياته التي يستوحي مفاهيمها من الواقع الاجتماعي[2].

(69)

نستنتج ممّا ذُكر أنّ كلّ نظريةٍ اجتماعيةٍ لا بدّ أن تتّسم بطابعٍ إيديولوجيٍّ، بل إذا طرحت بصفتها انعكاسًا لقواعدَ وأسسٍ اجتماعيةٍ فهي بحدّ ذاتها تصبح نظامًا إيديولوجيا، وفي هذا السياق قال الباحث السويدي جونار ميردال (Gunnar MYRDAL): «ليس هناك أيُّ علمٍ اجتماعيٍّ محايدٍ وسوف لا يوجد علمٌ كهذا مطلقًا، فهذا الأمر غيرُ ممكنٍ لأسبابٍ منطقيةٍ، إذ كلّ رأيٍ عادةً ما ينشأ من رؤيةٍ خاصّةٍ»[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ الإيديولوجيا الاجتماعية تتمحور حول قواعدَ وأسسٍ منطقيةٍ خاصّةٍ بالسلوك الاجتماعي في شتّى المجالات، وبناءً على هذه الميزة جمع عالم الاجتماعي المجري كارل مانهايم  في كتابه (الإيديولوجيا واليوتوبيا: مقدّمةٌ في سوسيولوجيا المعرفة) نظرياته التي صاغها بخصوص سوسيولوجيا المعرفة والتي تتضمّن آراءه الخاصّة بالتوجّهات الفكرية المرتبطة بهذا الموضوع، ومن جملة ما طرحه في هذا الكتاب تعريف الإيديولوجيا بأنّها عبارةٌ عن أنماطٍ فكريةٍ تختصّ بالظواهر الاجتماعية، وعلى ضوء بحوثه التي أجراها في هذا الصدد وصفها بكونها نظامًا فكريًّا يدور في فلك علم الاجتماع بحيث يمكن الاعتماد عليها كمحورٍ ارتكازيٍّ لمختلف الظواهر الاجتماعية[2].

(70)

كما أنّ الباحث الفرنسي لويس بيير ألتوسير الذي يتبنّى فكرًا ماركسيًّا، طرح نظريةً جديدةً من نوعها حول الإيديولوجيا الاجتماعية، حيث أشار إلى أنّ البشر لا يعتمدون على الإيديولوجيا كمنطلقٍ لبيان الأنماط الخاصّة بعلاقاتهم وأوضاعهم المعيشية، بل يتّخذونها وسيلةً لبيان طبيعة معيشتهم وفق العلاقات الرابطة بينهم وحسب ظروفهم المعيشية؛ وهذا النمط من الحياة يُعتبر واقعيًّا وفي الحين ذاته غيرَ واقعيٍّ.[1] كما أكّد هذا الباحث على أنّ الإيديولوجيا يمكن تشبيهها بالإسمنت الخفي - أي الخرسانة غير المرئية - لكونها جسرًا رابطًا بين المجتمعات البشرية، لذا فهي عبارةٌ عن عضوٍ من هيكل المجتمع وميزةٍ ثابتةٍ فيه، ومن ثمّ فهي ذاتُ وظائفَ اجتماعيةٍ برأيه.

المجتمعات البشرية تخلق الإيديولوجيا بوصفها عنصرًا حقيقيًّا ومضمارًا هامًّا لتأريخ أبنائها،[2] وعلى هذا الأساس فهي عبارةٌ عن نطاقٍ للنشاطات الاجتماعية، ومن ثمّ لا بدّ من أن تكون فاعلةً ومتواجدةً في شتّى الظروف وفي كلّ آنٍ ومكانٍ، ناهيك عن أنّها تُسهم في تلاحم كيان أبناء المجتمع مهما اختلفت توجّهاتهم ومشاربهم الفكرية، كما تعمل على إبقاء الأهداف السامية والقيم الاجتماعية المشتركة متلاحمةً مع بعضها.

(71)
* التناسق بين الإيديولوجيا الشاملة والإيديولوجيا الجزئية

التعاريف التي ذكرناها حتّى الآن للإيديولوجيا تتمحور حول نوعين أساسيين، أحدهما تعريفٌ منهجيٌّ شاملٌ، والآخر تعريفٌ منهجيٌّ جزئيٌّ، والهدف المشترك بين هذين النوعين هو إثبات أنّ الإيديولوجيا بكِلا قسميْها ذاتُ نظامٍ منهجيٍّ، وهذا النظام بحدّ ذاته ينقسم إلى عامٍّ (شاملٍ) وجزئيٍّ، ويقوم على عدّة أركان هي كالتالي:

1) المبادئ التي يتلقّاها الفرد والمجتمع. 

2) عملية التنظيم.

3) المبادئ التي يتمّ الترويج لها.

4) الإشراف الذاتي[1].

وأمّا هرمية الأنظمة فيمكن بيانها كما يلي: الأنظمة لها هرميةٌ واضحةٌ، فالنظام الوجودي الشامل ينقسم إلى أنظمةٍ متنوّعةٍ كلُّ واحدٍ منها ينقسم بدوره إلى أنظمةٍ جزئيةٍ، وهكذا أيضًا يمكن تقسيم هذه الأنظمة الجزئية إلى أجزاء أصغر وفق مستوياتٍ تحليليةٍ خاصّةٍ؛[2] ونحن أيضٍا نتبنّى هذا الترتيب الهرمي ضمن تعريفنا، لذلك نقول أنّ الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي في الواقع عبارةٌ عن أنظمةٍ جزئيةٍ من شأنها أن تنقسم إلى أنظمةٍ جزئيةٍ أخرى، وبالتالي فجميع هذه الأنظمة الجزئية على ضوء ارتباطها

(72)

بالنظام الشامل، لها القابلية لتحقيق أهدافها التي تُعَدّ ركنًا أساسيًّا للنظام المنهجي.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ التعريف الشامل والجزئي للإيديولوجيا يمكن أن يُطرح وفق تقسيمٍ آخرَ للنظام المنهجي، إذ بما أنّ الأنظمة تُصنَّف إلى «منفتحةٍ» و «مغلَقةٍ»، يمكن القول على هذا الأساس أنّ الإيديولوجيات الشاملة والجزئية تنقسم أيضًا إلى منفتحةٍ ومغلقةٍ، والمقصود من المنفتحة هنا هو تلك الإيديولوجيات التي لها القابلية دائمًا لأن تتناغم مع التغيّرات التي تطرأ في البيئة الاجتماعية، خلافًا للمغلقة التي هي في الواقع في معزلٍ عن البيئة الاجتماعية بحيث لا تبدر منها أيّ مرونةٍ وتفاعلٍ، ومن ثمّ فهي تقطع الصلة مع ما حولها.

إذًا، النظام المغلق ليس مرتبطًا ببيئته الاجتماعية، بل هو قائمٌ بنفسه، وارتباطُه بعالم الخارج منقطعٌ بالكامل... وأمّا النظام المنفتح فهو نظامٌ يتبادل مع البيئة المحيطة به بشكلٍ تفاعليٍّ وحيويٍّ مؤثِّرٍ من حيث المادّة المكوّنة له والمعلومات التي تنضوي تحت مظلّته... فالأنظمة المنفتحة تتلقّى دائمًا معلوماتٍ متنوّعةً من البيئة الاجتماعية الخاصّة بها، وهذه المعلومات تُسهم في تنظيم علاقات النظام المنهجي كما تساعد على القيام بإجراءاتٍ تعديليةٍ لأجل إزالة الانحرافات التي غيّرت المسار الصحيح ومن ثمّ إعادة المياه إلى مجاريها[1].

بناءً على ما ذُكر يمكن وصف الإيديولوجيا التي لها القابلية

(73)

للتناغم مع البيئة الاجتماعية المحيطة بها والتفاعل مع ظروفها، بأنّها «إيديولوجيا منفتحةٌ»، لذا فهي على خلاف «الإيديولوجيا المغلقة» التي لا تتفاعل بتاتًا مع ما حولها وتفتقر إلى القابلية على التناغم مع الأجواء الجديدة المحيطة بها.

الإيديولوجيا الشاملة لها القابلية على أن تفي بدور النظام الشامل عندما تكون مثيلةً له من حيث ارتباطه بعناصره الداخلية، وذلك على ضوء ارتباطها مع الإيديولوجيات الجزئية التي تنضوي تحت مظلّتها؛ لذا فكلّ نظامٍ فكريٍّ وعقائديٍّ يجب أن يصاغ بشكلٍ يجعله قادرًا على بلوغ هدفٍ معيَّنٍ.

في الأنظمة الفكرية الشاملة مثل الإيديولوجيا الليبرالية القائمة على أهدافٍ نفعيةٍ (Utilitarianist) وفردانية، ينبغي لكلّ نظريةٍ اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ تحقيق هذه الأهداف الأساسية، وإن لم تتمكّن من ذلك فهي تسفر عن حدوث تعارضٍ في النظرية والتطبيق، لذا إن كانت مبادئ نظامها الاقتصادي تتمحور حول نبذ الإسراف، فهذا النظام الاقتصادي يُعتبر مغايرًا للمبادئ التي تتبنّاها.

خلاصة الكلام أنّ المقصود هو ضرورة وجود ارتباطٍ وتنسيقٍ بين التعريفين المذكورين للإيديولوجيا بكلا نوعيها، الشمولية والجزئية، ومن هذا المنطلق نقول أنّ الإيديولوجيا بمفهومها الشامل تمثّل منطقًا عمليًّا حاكمًا وشاملًا، له القابلية على التنسيق بين مختلف الإيديولوجيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ في حين أنّ

(74)

الإيديولوجيا الجزئية تحكي عن المنطق العملي الحاكم على السلوكات التي تؤدّى في نطاقٍ جزئيٍّ، فالإيديولوجيا السياسية على سبيل المثال تُطرح على أساسها سلوكاتٌ سياسيةٌ في نطاقٍ جزئيٍّ، ومن ثمّ تُساق جميع استراتيجيَاتها الشاملة في هذا المضمار نحو الوجهة التي تتبنّاها الإيديولوجيا الكلّية الحاكمة.

الباحث الأميركي ألفين توفلر[1] المدافع عن نظرية حضارة الموجة الثالثة، شدّد على عدم إمكانية التخلّي عن الإيديولوجيا الشاملة، وقال في هذا السياق: حضارات الموجة الثانية بادرت إلى توسيع نطاق أهدافها عبر استنادها إلى نمطٍ إيديولوجيٍّ خاصٍّ. وضمن تأكيده على أنّ هذه الحضارات أنتجت فرضياتٍ ومعتقداتٍ وإيديولوجياتٍ جديدةً، نوّه على أنّها تسبّبت أيضًا بحدوث صراعٍ إيديولوجيٍّ محتدمٍ بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتّحاد السوفييتي، حيث تطرّق إلى بيان هذه الظاهرة التي شهدها العالم في تلك الآونة ليثبت أنّ كلتا القوتين العظميَيْن ترتكز على إيديولوجيا واحدةٍ على الرغم من الخلافات الشديدة بينهما، وقال موضّحًا: «على الرغم من أنّ كلّ طرفٍ استعرض إيديولوجيا مختلفةً عن الآخر، لكن ليس هناك اختلافٌ بين إيديولوجيَيْهما، فهما في الواقع إيديولوجيا واحدةٌ عُرضت من قبل كلّ طرفٍ منهما للبيع... لذا نلاحظ أنّ جبهتي الصراع في هذه الصراع الإيديولوجي تنتهجان رؤيتيْن متشابهتيْن قوامهما (الإنسان السائر خلافًا للطبيعة)

(75)

و (الإنسان الذي يسعى إلى تسخيرها)، ما يعني أنّ الإيديولوجيا الماركسية والإيديولوجيا المناهضة لها قد اقتبستا فرضياتهما من الوجهة الفكرية ذاتها»[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ توفلر لم يقيّد هذه الإيديولوجيا التي تحكي عن وحدة أعظم قطبين في العالم بحضارات الموجة الثانية، حيث طرح الموضوع ضمن حضارةٍ عظيمةٍ جديدةٍ هي حضارة الموجة الثالثة التي كان يترقّب تحقّقها، وفي هذا المضمار أكّد على أنّ هذه الحضارة لا تُعتبر امتدادًا للمجتمع الصناعي، وإنّما تجسّد ثورةً جذريةً وتحوُّلًا عظيمًا لا بدّ من أن تُطرح في رحابه إيديولوجيا ذاتُ معالمَ خاصّةٍ باعتبارها نظريةً ثقافيةً أساسيةً تُسهم في صياغة الرؤى والسلوكات الاجتماعية ومن ثمّ توجيهها نحو أهدافٍ معيَّنةٍ؛ وممّا قاله في هذا الصدد: «كلّ حضارةٍ ترتبط مع عالم الخارج بعلاقاتٍ خاصّةٍ، وهذا الارتباط قائمٌ على الاستثمار والتعاون، وهي إمّا أن تكون عدائيةً أو مسالمةً؛ وكلّ واحدةٍ منهما لها إيديولوجياها العظمى الخاصّة بها والتي هي عبارةٌ عن مجموعةٍ من الفرضيات الثقافية الأساسية التي تُسهم في تطبيق الرؤية الحضارية على أرض الواقع وتُشرعن كلّ ما يبدر في رحابها من سلوكات»[2].

الإيديولوجيا العظمى التي أشار توفلر إلى ظهورها في حضارة

(76)

الموجة الثالثة، تُسفر في نهاية المطاف عن تأسيس مدينةٍ فاضلةٍ على أرض الواقع بحيث تصبح الحياة في رحابها ممكنةً وأفضلَ من أيّ حياةٍ أخرى شهدتها البشرية على مرّ التأريخ،[1] ومن الضروري طبعًا أن تتناغم الإيديولوجيا الجزئية في هذه الموجة الحضارية مع الإيديولوجيا العظمى الحاكمة والمعتمدة كمرتكزٍ لتأسيس المدينة الفاضلة، ومن هذا المنطلق فالإيديولوجيا لا تتحقّق على أرض الواقع إلا عن طريق إيجاد درعٍ حصينةٍ في مجالاتٍ خاصّةٍ معيشيةٍ واجتماعيةٍ ومعلوماتيةٍ وسياسيةٍ، وذلك يتسنّى بالتأكيد على ضوء طرح إيديولوجيات جزئيةٍ، إذ إنّ التنسيق بينها هو الذي يساعد على إرساء دعائم المدينة الفاضلة وظهورها على أرض الواقع بشكلٍ عمليٍّ؛ وممّا ذكره في هذا الصعيد: «هذه المدينة الفاضلة التي ستظهر على أرض الواقع مستقبلًا تقوم على حضارةٍ تتبلور في رحابها الاختلافات الفردية والتنوّعات العرقية والإقليمية والدينية والثقافات الفرعية، وهي (بدل أنّ تقمع هذه الظواهر) سوف تستقبلها برحابة صدرٍ»[2].

الباحث جون بلاميناتز[3] ضمن تسليطه الضوء على مسألة تقسيم الإيديولوجيا إلى شاملةٍ وجزئيةٍ، وبيانه واقع الصلة بينهما باعتبار أنّ الجزئية مولودةٌ من رحم الشاملة، بادر إلى التفكيك بين تعريفيهما

(77)

على ضوء مفهوميهما الشامل والخاصّ. وعند بيانه المفهوم الشامل للإيديولوجيا الشاملة أكّد على أنّها تشمل جميع الرؤى والمعتقدات التي يتبنّاها الناس، بينما اعتبر المفهوم الجزئي للإيديولوجيا الجزئية دالًّا على بيئةٍ معيَّنةٍ وجزءٍ من الواقع فحسب؛[1] وفي هذا السياق وضّح طبيعة الانسجام بينهما قائلًا: "الإيديولوجيا بمضمونها السياسي المحدود تنتهل من الإيديولوجيا التي هي أوسعُ نطاقًا منها لدرجة أنّها تتأثّر بها عند طروء أيّ تغيّرٍ؛ وهذا الفعل والانفعال بين الإيديولوجيا (السياسية) و (الشاملة) استقطبا الأنظار نحوهما في الكثير من الأحيان، لكنّهما لم يُطرحا للبحث والتحليل بتاتًا"[2].

الجدير بالذكر هنا أنّ هذا المفكّر الغربي لم يصرّح ما إن كانت الأفكار والمعتقدات البحتة متلازمةً مع النزعات العلمية التي تقوم عليها أو لا، ونحن بدورنا نعتقد أنّ الأفكار والمعتقدات البحتة لا يمكن أن تُعتبر إيديولوجيا، إذ لا بدّ من وجود اختلافٍ بين المضمار النظري البحت والمضمار العملي الذي يجري على أساسه؛ لذا نرى من أنّه الأفضل على سبيل المثال إطلاق عنوان "رؤية كونية" على المضمار النظري البحت، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّنا في هذه الدراسة نسعى إلى التأكيد على الأفكار والرؤى الممنهجة التي تتمحور حول المنطق والأسلوب السلوكي للفرد والمجتمع.

(78)
* الخلفية التأريخية لتصوير الإيديولوجيا الشاملة بطابعٍ سلبيٍّ

إذا أردنا تتبّع الجذور التأريخية لمفهوم الإيديولوجيا ومعرفة المقصود من مفهومها الفردي الذي كان له الأثر البالغ في توسيع نطاق مدلولها، فلا بدّ لنا من تسليط الضوء على نظرية كارل ماركس، إذ لا نبالغ لو قلنا أنّ هذا المفكّر الغربي ورث من أسلافه المدلول النقدي لها وورث أيضًا فكرة توسيع نطاقها الدلالي.

استخدم ماركس، في بادئ الأمر، مصطلح الإيديولوجيا ضمن مفهومٍ محدودِ الدلالة في نطاق ما اصطُلح عليه بـ «الوعي الزائف» (la fausse conscience)، وهذا المفهوم في الحقيقة يضمن مصالح الطبقة البرجوازية فقط، لكنّه تدارك الأمر في مؤلّفاته اللاحقة وبالتحديد في كتابيْه «بؤس الفلسفة» (La misère de la philosophie) و «بيان الحزب الشيوعي» (Manifeste du Parti Communiste)، حيث استخدم مصطلح الإيديولوجيا بمعنًى مغايرٍ للمدلول السلبي الذي طرحه في بادئ الأمر ليوسّع نطاقه إلى مضمونٍ أكثرَ شموليةً.

الباحث جورج غورفيتش[1] تحدّث عن هذا التحوّل الفكري لماركس قائلًا: «لقد استخدم مصطلح الإيديولوجيا بشكلٍ ينمّ عن أنّ مدلوله الجديد أشملُ نطاقًا من مدلوله القديم، لأنّ المراد منه في النصّ المذكور - بيان الحزب الشيوعي - أنّها تشمل جميع العلوم الإنسانية ولا سيّما العلوم الاجتماعية (الاقتصاد السياسي

(79)

والتأريخ، ما لم يُطرحا وفق النهج الماركسي، فهما جزء من العلوم الاجتماعية) وتشمل أيضًا المناهج التي تتبنّاها شتّى الأحزاب السياسية والبيانات التي تُصدرها، وحتّى المعتقدات والسلوكات النفسية ومختلف التوجّهات الطبقية؛ فكلّ هذه القضايا تندرج ضمن مفهوم الإيديولوجيا»[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ دلالة هذا المفهوم لم تتوقّف عند هذا الحدّ، بل اتّسع نطاقها لتشمل مضمارًا آخرَ، وفي هذا السياق تطرّق غورفيتش إلى بيان تفاصيل الموضوع اعتمادًا على مقدّمة كتاب «مساهمةٌ في نقد الاقتصاد السياسي»، حيث قال: «ماركس اعتبر التراث الثقافي بما هو ثقافيٌّ عبارةً عن إيديولوجيا (مثل الحقوق والأخلاق والأستيطيقا واللغة والفلسفة والعلم)، كذلك أضاف إليها جميع السلوكات والمواقف الاجتماعية والسياسية، ومختلف الإرهاصات الذهنية، وكافّة الطباع والسلوكات النفسانية التي تحكي عن الوعي الطبقي أو الفردي؛ وقد استثنى من ذلك أمرًا واحدًا، ألا وهو الاقتصاد السياسي الماركسي الذي ارتقى إلى مستوًى عمليٍّ بشكلٍ فريدٍ من نوعه بعد أن وُلد من رحم الإيديولوجيا مع سائر العلوم الطبيعية»[2].

ننوّه هنا إلى أنّنا لسنا في صدد نقد آراء كارل ماركس، لكن هناك

(80)

مسألةٌ حَرِيّةٌ بالاهتمام في هذا المضمار، لذا لا نرى بأسًا من تسليط الضوء عليها، وهي أنّ الرؤية السلبية التي تبنّاها هذا المفكّر الغربي إزاء الإيديولوجيا جعلته يواجه تناقضًا فكريًّا لا مفرّ له منه؛ كما أنّ استثناءه الاقتصاد السياسي الماركسي من المضمار الإيديولوجي ليس سوى ادّعاءٍ بلا عملٍ، لأنّ هذا النمط الاقتصادي لا يتبلور في أرض الواقع بشكل عمليٍّ إلا إذا تواكب مع رؤًى إيديولوجية يسفر تجاهلها عن الوقوع مرّةً أخرى في فخّ الإيديولوجيا.

خلاصة الكلام أنّ ادّعاء ماركس بأنّه داعمٌ للطبقة البروليتارية (الطبقة العاملة) في مواجهتها للطبقة البرجوازية (الطبقة الحاكمة)، لا يمكن أن يتحقّق على أرض الواقع في منأًى عن مرتكزاتٍ إيديولوجية وتوجّهاتٍ فكريةٍ معيَّنةٍ، إذ بدون ذلك لا يمكنه مؤازرة هذه الطبقة؛ والدليل على ذلك أنّ الحركات الثورية قاطبةً قد انطلقت وفق رؤًى وتوجّهاتً معيَّنةٍ تضمن مصالح الذين قاموا بها، فكلّ ثورةٍ وحركةٍ سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ إنّما تؤتي أكلها حينما تقوم على وجهةٍ فكريةٍ شموليةٍ ورؤٍى جزئيةٍ معيّنةٍ، وهذه الوجهة الشمولية في الحقيقة هي التي زعم ماركس أنّه بريءٌ منها.

الجدير بالذكر هنا أنّ رؤية ماركس بالنسبة إلى الإيديولوجيا كانت عرضةً لنقدٍ لاذعٍ حتّى من قبل الماركسيين الجدد، حيث سنتطرّق إلى بيان تفاصيل الموضوع في موضعه.

(81)
(82)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

العلامات الفارقة لمفهوم

الإيديولوجيا

(83)
 

الفصل الثالث

العلامات الفارقة لمفهوم الإيديولوجيا

هناك أربعُ علاماتٍ فارقةٍ يمكن الاعتماد عليها كأركانٍ أساسيةٍ في تعريف مفهوم الإيديولوجيا وبيان بنيته الأساسية، وهي كالتالي:

1) نظامها المنهجي

تمّ تعريف الإيديولوجيا ووُضّح مفهومها بوصفها نظامًا منهجيًّا متناسقًا، لذلك نلاحظ أنّ التعاريف التي ذُكرت لها تؤكّد بشكلٍ عامٍّ على كونها إطارًا كلّيًّا منسجمًا ومنهجًا ذا أسسٍ منتظمةٍ والهدف منها تحقيق غاياتٍ معيَّنةٍ، لذلك تحكي غالبية تعاريفها عن هذا الجانب بنحوٍ ما؛ ومثال ذلك التعريف الذي تبنّاه المفكّر غي روشيه، حيث تطرّق فيه إلى بيان خصائصها مؤكّدًا على أنّ إحدى هذه الخصائص هي اتّصافها بنظامٍ منهجيٍّ،[1] ما يعني أنّ تجريدها عن هذا العنصر الذاتي يُسفر عن عقمها وعدم فاعليتها على الصعيد العملي؛ فهو يحكي عن ميزةٍ تضمن سيادتها وشموليتها في مضمار الحياة.

2) قدرتها على التوجيه والإقناع

العنصر الارتكازي الثاني المعتمَد في تعريف الإيديولوجيا هو قابليتها للإقناع والتوجيه، إذ كلّ إيديولوجيا إنّما تكتسب مشروعيتها

(84)

وتصبح مقبولةً لدى الناس على ضوء هاتين الميزتين الذاتيتين، وفي هذا السياق قال الباحث جون بلاميناتز: «المعتقدات والنظريات لهما وظيفتان، فهما من ناحيةٍ تتكفّلان بالوصف والبيان، ومن ناحيةٍ أخرى تنصرفان إلى التوجيه والترويج أو النبذ والتقبيح؛ لذا يُطلق على الوظيفة الأولى أنّها وصفيةٌ،[1] بينما الثانية تسمّى إقناعيةً[2] أو تبكيتيةً[3]».[4] هذا الكلام كما هو واضحٌ يحكي عن الميزة الظاهرية للإيديولوجيا، أي وظيفتها في مجال التوجيه والإقناع، وعلى الرغم من أنّهما انعكاسٌ للجانب العملي منها لكنّهما يُذكران في كلّ تعريفٍ يُطرح لها؛ لأنّ دورهما فاعلٌ ومؤثِّرٌ سواءً في المرحلة السابقة للعمل أو في المرحلة اللاحقة له، فهما قبل العمل تساعدان على إيجاد دافعٍ لدى الإنسان إزاء أحد السلوكات الإيديولوجية، وهذا الدافع بطبيعة الحال يُسفر عن إيجاد إقناعٍ؛ وأمّا بعد العمل فهما تضفيان مشروعيةً ودلالةً إلى السلوكات التي تبدر من الإنسان، ولا فرق في ذلك بين كون التوجيه صادرًا من الفرد بذاته تجاه سلوكه أو من المعنيين بالشأن السياسي أو الديني.

3) آمريّتها وتجويزها

الإيديولوجيا بعد مرحلة التوجيه والإقناع، فهي بحسب الأسس والقواعد المنطقية تدعو الإنسان إلى اتّخاذ سلوكٍ أو موقفٍ معيّنٍ

(85)

إزاء الهدف الذي تطمح إلى تحقيقه، لذا توصف في هذه المرحلة بكونها ذاتَ طابعٍ آمريٍّ وتجويزيٍّ، وبذلك تتمهّد الأرضية لها كي يتمّ تطبيقها على أرض الواقع، وأمّا أوّل خطوةٍ في مسيرتها هذه فتتمثّل في إسهامها بتوجيه المخاطب وإقناعه مهما اختلفت الظروف وتنوّعت، بينما الخطوة الثانية تتمثّل في طرحها أوامرَ وحلولٍ عمليةٍ محدّدةٍ بالنسبة إلى الأوضاع الطارئة والأوضاع التي يتمّ توجيه المخاطب نحوها.

الباحث جون بلاميناتز قال في هذا الصدد: «الإيديولوجيا تتّسم بأنّها إقناعيةٌ في المرحلة الأولى، ثمّ تتحوّل في المرحلة الثانية إلى تجويزيةٍ وآمرةٍ (إذا صحّ وصفها بهذين اللفظين)... والكثير من النظريات والمنظومات العقائدية تُعتبر إيديولوجية إلى جانب كونها تجويزيةً بمعنى أنّها تشمل الأوامر والنصائح الخاصّة بالسلوك الأمثل للإنسان، كذلك تشمل بعض الأحكام الأكسيولوجية».[1]

4) قابليتها لاتّخاذ موقفٍ علميٍّ

الإيديولوجيا تحكي عن المنطق العملي وأصول سلوكات الإنسان في شتّى المجالات، ومن هذا المنطلق فكلّ تعريفٍ يُطرح بخصوصها عادةً ما يتواكب مع الترغيب والتحريض على العمل بحيث يضفي عليه طابعًا إيديولوجيا، لذلك قيل: «إذا أريد لإحدى المنظومات العقائدية أن تتّسم بطابعٍ إيديولوجيٍّ، فكلّ من يتبنّاها من أفرادٍ وجماعاتٍ أو

(86)

فئاتٍ اجتماعيةٍ، عادةً ما يتمسّك بها في ذلك الجانب المعيّن».[1]

وجهات النظر إزاء الإيديولوجيا

بعد أن سلّطنا الضوء على تعاريف الإيديولوجيا، سوف نتطرّق في المباحث التالية إلى بيان مختلف الرؤى والمواقف إزاءها على مرّ تأريخ ظهورها، إذ من خلال بيان وجهات النظر المطروحة حولها سندرك مدى تعقيد مفهومها وعدم اتّضاح دلالتها طوال تأريخ وجودها إلا بعد مضيّ فترةٍ طويلةٍ، والاختلاف الكائن في هذا المضمار يحكي عن أنّ كلّ موقفٍ يتّخذ إزاءها عادةً ما يكون ذا منشأٍ سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ معيَّنٍ ممّا أسفر عن إضفاء مدلولٍ معيَّنٍ إليها في رحاب هذا التنوّع.

* موقف نابليون بونابرت إزاء الإيديولوجيا

أوّل موقفٍ شهده التأريخ إزاء الإيديولوجيا اتّسم بطابعٍ سلبيٍّ ومناهضٍ لها، فالمفكّر الفرنسي الكونت دو تراسي حينما صاغ هذا المصطلح في عام 1797م أراد من وراء ذلك إيجاد علمٍ عقائديٍّ على غرار علم الحيوان وفقًا لوجهة نظرٍ وضعيةٍ؛ حيث كان يعتقد بوجود نوعٍ من التشابه بين القوانين والمناهج في العلوم الطبيعية والإنسانية، حيث سلك في رؤيته الوضعية نهج الفيلسوف التجريبي في عصره إيتيان كوندياك[2] ومن هذا المنطلق سعى إلى تأسيس نظامٍ معرفيٍّ عقائديٍّ مجرّدٍ عن كلّ فكرٍ ماورائيٍّ بهدف إرساء دعائمِ

(87)

مجتمعٍ مزدهرٍ يسوده العدل، لذلك ارتقى بمفهوم الإيديولوجيا وأضفى إليه طابعًا إيجابيًّا من حيث الأهداف التي يراد تحقيقها في رحابه؛ لذا يمكن القول أنّ هذا المفهوم قد انبثق بوصفه وجهةً فكريةً دنيويةً لا قدسيةً لها، وهذا الأمر مشهودٌ بكلّ وضوحٍ.

كما أنّ المفكر ديفيد ماكليلاند[1] توصّل إلى النتيجة ذاتها، حيث قال: «الكونت دو تراسي أكّد على أنّ تسليط الضوء على العقائد بالبحث والتحليل وفق أسسٍ منطقيةٍ في منأًى عن التعاليم الدينية والميتافيزيقية، يعدّ ركيزةً لإرساء دعائمِ مجتمعٍ عادلٍ ومزدهرٍ... ما يعني أنّ مفهوم الإيديولوجيا يتّسم بطابعٍ إيجابيٍّ ومتعالٍ من حيث منشؤُه»[2].

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ أوّل من تعامل مع هذا المصطلح بشكلٍ سلبيٍّ بعد صياغته من قبل الكونت دو تراسي، هو القائد الفرنسي الشهير نابليون بونابرت، حيث سخر من الذين دافعوا عنه ووصفهم بأنّهم «إيديولوجيون»[3] لكون الإيديولوجيا برأيه مجرّدَ وجهة نظرٍ فكريةٍ انتزاعيةٍ لا ارتباط لها بواقع السلطتين السياسية والاجتماعية؛ لذا فهو يقصد من هذا الوصف بيان النمط الفكري الذي تبنّاه من أراد إبدال الأسس السياسية الحقيقية التي تحكي عن المعنى المعاصر للسياسة بقضايا انتزاعيةٍ؛ ومنذ تلك الآونة أصبح مصطلح

(88)

«إيديولوجيا» انعكاسًا لنظريةٍ مجرّدةٍ ومحتملةٍ، بحيث ادّعى البعض أنّه ذو أسسٍ عقليةٍ وعلميةٍ، وهدفهم من وراء ترويجه هو صياغة نظامٍ اجتماعيٍّ محدّدٍ وتوجيه القرارات والنشاطات السياسية نحو هدفٍ معيَّنٍ[1].

بعد أن تمكّن نابليون من بسط سلطته في عالم السياسة تزامنًا مع ظهور طبقةٍ جديدةٍ من النبلاء في فرنسا، ناهض النظام الحاكم في هذا البلد تلك التوجّهات العقلية التي روّج لها الكونت دو تراسي، فهذا النظام كان يتبنّى نهجًا استبداديًّا يسير بوتيرةٍ تصاعديةٍ؛ لذلك ادّعى نابليون أنّ دو تراسي وكلّ من يتبنّى نهجه الفكري في الأكاديمية الوطنية الفرنسية يشكّلون تهديدًا جادًّا على حكومته، وممّا قيل في وصف موقفه إزاء الإيديولوجيا: «الرؤى السياسية التحرّرية الداعية إلى إقرار نظامٍ جمهوريٍّ، هي السبب [برأيه] في كلّ المشاكل التي تعاني منها فرنسا، لذلك وصف المفكّرين الداعين إليها بالإيديولوجيين»[2].

كما يبدو فالتوجّهات الدينية التي يتبنّاها نابليون تُعَدّ من جملة الأسباب التي جعلته يستهين بالأفكار الإيديولوجية التي طرحها الكونت دو تراسي، لأنّ إمبراطوريته كانت مدعومةً دينيًّا من قبل الكنيسة، والتوجّهات الكنسية كما هو معلومٌ كانت تتعارض بشكلٍ

(89)

صريحٍ مع الرؤى العقلية والنزعات الوضعية، لذلك تبنّى رؤيةً سلبيةً تجاه الإيديولوجيا وكانت ردّة فعله إزاءها مناهضةً وعدائيةً بكلّ ما للكلمة من معنًى؛ وممّا قاله المفكّر ماكليلاند بهذا الخصوص: «النظام الحاكم حظي بدعمٍ دينيٍّ رسميٍ [من الكنيسة الكاثوليكية] تزامنًا مع تكامل أركانه، لذا لم يجد أسياده بدًّا من توجيه النقد إلى الإيديولوجيين الليبراليين والجمهوريين (الذين وُصفوا بأنّهم إيديولوجيون)»[1].

إذًا، الإيديولوجيا منذ باكورة نشأتها كانت تستبطن مدلولين متضادّين، أحدهما علم العقائد بحسب رؤية الكونت دو تراسي، والآخر هو الأفكار الانتزاعية والآراء المستوحاة من واقع الحياة الاجتماعية وفق رؤية نابليون الذي اعتبر الإيديولوجيا مجرّد معتقداتٍ زائفةٍ؛ لذلك قيل: «هذا التذبذب بين أحد المعاني الضمنية الإيجابية أو السلبية، هو الميزة البارزة لتأريخ الإيديولوجيا بأسره».[2]

* موقف كارل ماركس إزاء الإيديولوجيا

كارل ماركس هو ثاني شخصٍ أضفى على الإيديولوجيا مدلولًا سلبيًّا وخاض في التراث الغامض لهذا المفهوم ليوسّع من نطاقه، ففي الفترة التي نسبت تأريخيًّا إلى فكره بلغ هذا المفهوم الذروة في المباحث النظرية بعد أن احتدمت النقاشات حوله، وممّا قيل في هذا الصدد: «ماركس كان على علمٍ بذلك المعنى الإيجابي الذي

(90)

وضعه الكونت دو تراسي للإيديولوجيا، لكنّه مع ذلك رجّح المعنى السلبي الموروث من نابليون؛ لذلك اتّخذ في بادئ الأمر موقفًا سلبيًّا مناهضًا إزاءه وطرحه في ما بعد ضمن رؤيةٍ انتقاديةٍ واسعةِ النطاق.

ماركس أطلق على الإيديولوجيا عنوان (الوعي الكاذب)، [1] والسبب الذي دعاه إلى ذلك يضرب بجذوره في الظروف المادّية والاقتصادية التي كانت حاكمةً آنذاك، كما اعتبرها انعكاسًا للظروف والأوضاع الاجتماعية، ومن هذا المنطلق اعتبرها حصيلةً اجتماعيةً لا فرديةً، وذلك لأنّ التكامل الذي يطرأ على جميع أنماط الإيديولوجيات إنّما يتبلور في رحاب التكامل الاجتماعي، بينما التكامل الإيديولوجي يُعَدّ الخطوة الأولى لاستحواذ التكامل المادّي على مقاليد الأمور في حياة البشر».[2]

الجدير بالذكر هنا أنّ الرؤية التي تبنّاها كارل ماركس بهذا الخصوص - كما قال ديفيد ماكليلاند - تتّسم بطابعٍ حتميٍّ (جبريٍّ) إلى حدٍّ كبيرٍ وتُسفر في نهاية المطاف عن تجريبيةٍ معكوسةٍ، لكنّه ضمن كتابه «الإيديولوجيا الألمانية» نقض هذا الكلام وأكّد على أنّ المعتقدات هي التي تُرسي دعائم الحياة الاجتماعية، لذا فهي ليست مجرّدَ انعكاسٍ لها[3].

الباحث جورج بوليتزر أشار إلى مسألةٍ ظريفةٍ بهذا الخصوص،

(91)

حيث قال: «الإيديولوجيا إلى جانب كونها انعكاسًا للظروف الاقتصادية، تُعتبر أيضًا ثمرةً لها، إذ العلاقة بينهما ليست في غاية البساطة، فطالما نلاحظ أنّ الإيديولوجيات يكون لها دورٌ متبادلٌ مع أسباب نشأتها وجذورها الأولى».[1]

كارل ماركس أكّد في كتابه «الإيديولوجيا الألمانية» على أنّ الإيديولوجيا تُعَدّ انعكاسًا مقلوبًا للظروف الاجتماعية والمادّية، وقد وضّح هذا الانعكاس ضمن مثالٍ مشهودٍ في الحياة العملية ألا وهو الغرفة السوداء (المظلمة) التي تتمّ فيها طباعة الصور الفوتوغرافية، فقال: «إنتاج الأفكار والتصوّرات ومختلف الصور الإدراكية يرتبط - قبل كلّ شيءٍ - بشكلٍ وطيدٍ ومباشرٍ بالنشاطات المادّية والتبادل التجاري بين الناس، لذا فهو اللغة الحقيقية للحياة؛ وحينما نلمس في كلّ إيديولوجيا انعكاسًا للعلاقات الشخصية، فهذا الأمر على غرار ما يحدث في الغرفة السوداء (المظلمة) التي تتمّ فيها طباعة الصور لكون هذه العلاقات ناشئةً من المسيرة التأريخية في حياة البشر، وهذا الأمر يشبه بالتحديد انعكاس الأشياء في شبكية عين الإنسان، فهذا الانعكاس في الحقيقة ناشئٌ بشكلٍ مباشرٍ من الحياة المادّية».[2]

كارل مارکس تطرّق في الحديث عن الإيديولوجيا إلى جهتها السلبية وصيغتها التي تجعلها عرضةً للنقد، ومن هذا المنطلق

(92)

وصفها بالوعي الزائف ما يعني أنّ هذا الزيف برأيه ملازمٌ لها، حيث اتّفق مع فريدريك أنغلز في هذا الصعيد قائلًا أنّ الإيديولوجيا عبارةٌ عن: «عمليةٍ فكريةٍ يتفاعل المفكّر في رحابها بوعيٍ، لكنّ وعيه فيه خللٌ؛ فالقوى الدافعة التي تحرّكه في الواقع تبقى غامضةً عليه، ولولا هذا الغموض لما نشأ أيّ انفعالٍ إيديولوجيٍّ من الأساس».[1]

المفكّر ريمون آرون ضمن تأييده المعنى السائد للإيديولوجيا، أكّد على أنّ مراد ماركس منها هو الوعي الزائف أو التصوّر الزائف الذي ينشأ لدى إحدى الطبقات الاجتماعية بالنسبة إلى وضعها الخاصّ ووضع المجتمع بأسره؛[2] وأمّا السبب الذي دعا ماركس لأنّ يصفها بذلك فهو يعود إلى اعتقاده كونها مرتكزًا للحفاظ على مصالح الطبقة البرجوازية وضمان سلطتها على المجتمع، فهذه الطبقة الاجتماعية تسعى إلى تخدير سائر الطبقات والشرائح الاجتماعية في أفكارها الطبقية عبر اللجوء إلى الفكر الإيديولوجي، كما أنّ الطبقة الحاكمة تعتمد على هذا النمط الفكري لتجعل الطبقة البروليتارية قابعةً في جحرها دون أن تعلم ما يدور حولها بحيث لا تعي أوضاعها المزرية، لذا يمكن اعتبار الإيديولوجيا كالأفيون بالنسبة إلى هذه الطبقة الاجتماعية لكونها وازعًا لابتعادها عن هويتها الحقيقية وسببًا لحرمانها من الوعي الذي يجب أن تتحلّى به.

(93)

المفكّر غي روشيه سلك النهج ذاته الذي تبنّاه كارل ماركس وعرّف الإيديولوجيا بالأسلوب الماركسي ذاته باعتبارها مرتكزًا للطبقة الحاكمة، حيث قال في هذا السياق: «الإيديولوجيا تعني الاعتراف رسميًّا بسلطة الطبقة النافذة في المجتمع، أي أنّها تُبقي على نفوذها وتصون مصالحها، لذا فهي كالأفيون بالنسبة إلى سائر الطبقات الاجتماعية لكونها سببًا في غربة الإنسان عن ذاته، كما تضمحلّ إثرها الطاقات الثورية في المجتمع وتتلاشى بالكامل.

استنادًا إلى هذا التعريف يمكن اعتبار الإيديولوجيا ضربًا من الوعي الزائف الذي يهدف إلى إبقاء الأوضاع على حالها والحفاظ على مصالح الطبقة النافذة في المجتمع».[1]

ماركس ضمن تأكيده على أنّ الإيديولوجيا مجرّدُ وعيٍ زائفٍ يضمن مصالح السلطة الحاكمة والطبقة الاجتماعية النافذة، اعتبر الفكر الإيديولوجي الحاكم فكرَ الطبقة النافذة والسلطة الحاكمة؛ وفي مقابل هذا الوعي الزائف أشار إلى وجود «وعيٍ طبقيٍّ»،[2] وقد وصف غي روشيه هذه الرؤية قائلًا: «هو يعتقد في الواقع أنّ الوعي الطبقي يجسّد نوعًا من الصحوة على صعيد المصالح الطبقية وضربًا من الوعي يُعَدّ ضروريًّا لكلّ موقفٍ سياسيٍّ وثوريٍّ يراد منه

(94)

القضاء على استحواذ الطبقة النافذة في المجتمع».[1]

كارل ماركس تصوّر أنّه وفق رؤيته هذه تمكّن من تجريد الإيديولوجيا من سمتها السلبية المتمثّلة بالوعي الزائف، إلا أنّ واقع الحال على خلاف تصوّره هذا، إذ لو كانت المصالح الطبقية تُسفر عن إنشاء إيديولوجيا، ففي هذه الحالة سوف تعمل الطبقة البروليتارية على إنشاء فكرٍ إيديولوجي ووعيٍ زائفٍ من منطلق كونها داعمةً لمصالح الطبقة العاملة!

لا شكّ في أنّنا لو اعتبرنا التوجّهات الفكرية التي تتبنّاها الطبقة الحاكمة وازعًا لضمان مصالحها وتسويغها بشكلٍ رسميٍّ، فلا محيص عندئذٍ من اعتبار الوجهة الفكرية للطبقة العاملة وازعًا أيضًا لضمان مصالحها وتسويغها بشكلٍ رسميٍّ؛ ومن هذا المنطلق أكّد ماركس على أنّها ذاتُ طابعٍ إيديولوجيٍّ، وقد وضّح غي روشيه هذا الاستنتاج كما يلي: «هناك مسألةٌ هامّةٌ قد يغفل الكثيرون عنها بالنسبة إلى التضادّ البالغ بين الإيديولوجيا والوعي الطبقي، وهي أنّ هذا الوعي بحدّ ذاته لا يتبلور إلا في رحاب الإيديولوجيا، أي إنّ الوعي الحقيقي الذي هو في مقابل الوعي الزائف لا يتولّد تلقائيًّا ومن عدم وعيٍ، بل هو في معظم الأحيان ثمرةٌ للتبرير الممنهج الذي يطرح بالنسبة إلى الظروف السائدة في المجتمع من قبل المبشّرين والدعاة إلى إحدى الإيديولوجيات الجديدة التي تتبلور على أساسها صورةٌ

(95)

مختلفةٌ عمّا عليه واقع الحال وما كان موجودًا حتّى لحظة الترويج لهذه الإيديولوجيا؛ وهذا الأمر يُعَدّ بحدّ ذاته نوعًا من (الإيديولوجيا المضادّة) قبال الإيديولوجيا الحاكمة».[1]

استنادًا إلى ما ذُكر يمكن اعتبار الإيديولوجيا بأنّها سببٌ في غربة النفس الإنسانية عن هويتها الحقيقية، لذا نلاحظ ريمون آرون حينما انتقدها بوصفها وعيًا زائفًا، استنتج ما يلي: هناك إشكالان أساسيان يُطرحان على القول بأنّ انتساب توجّهٍ فكريٍّ إلى إحدى الطبقات الاجتماعية مؤشّرٌ على زيفه نظرًاً لكون الطبقية بحدّ ذاتها تعدّ سببًا لزيف الوعي، الأوّل هو ضرورة الإذعان بعدم وجود أيّ حقيقةٍ في الحياة ومن ثمّ لا يمكن للإنسان معرفة الحقائق جرّاء انعدامها من الأساس، إذ إنّ جميع أنماط الوعي زائفةٌ ولا يمكن القول بوجود أيّ وعيٍ محايدٍ وغيرِ منحازٍ إلى فئةٍ معيَّنةٍ أو شريحةٍ اجتماعيةٍ محدّدةٍ، ما يعني أنّ الوعي مهما تنوّع يبقى زائفًا ولا حقيقة له. هذا الأسلوب في التفكير يُسفر عن وقوع من يتبنّاه في فخّ الرؤية النسبوية. وأمّا الإشكال الثاني فهو وجوب الإذعان بعدم قدرة الإنسان عن انتشال نفسه من مصيدة الوعي الزائف، لأنّ المصالح الطبقية ملازمةٌ لحياته بحيث لا يمكنه التحرّر منها مطلقًا[2].

(96)

* نقد رؤية ماركس بالنسبة إلى الإيديولوجيا

كارل ماركس تبنّى رؤًى متعدّدةً ومتناقضةً إزاء الإيديولوجيا وتعريفها، فأوّل تعريفٍ ذكره لها ضمن كتابه «الإيديولوجيا الألمانية» يتّسم بسذاجةٍ بحيث لا يتناسب بتاتًا مع أسس البحث العلمي القويم، وفي هذا السياق قال ديفيد ماكليلاند أنّ ماركس لم يبتدع عبارة «الوعي الزائف» في وصف الإيديولوجيا، بل هذه العبارة ذُكرت أوّل مرّةٍ من قبل فريدريك إنغلز؛ لذلك أكّد على أنّ تعريفه مرتكزٌ بشكلٍ أساسيٍّ على ما دوّنه في كتاب «الإيديولوجيا الألمانية»، حيث نجد في هذا الكتاب أكثر التفاصيل التي ذكرها في مسيرته الفكرية بخصوص الإيديولوجيا، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه دوّنه في عهدٍ لم يبلغ فيه مستوى النضوج الفكري بعد كما لم يتمكّن أيضًا من نشره. وأضاف ماكليلاند أنّ ماركس ألّف هذا الكتاب حينما كان منهمكًا في صياغة منظومته العقائدية التي لم تكن متكاملةً آنذاك، لذلك لا نلمس فيه تحليلًا واضحَ المعالم بالنسبة للمجتمع الرأسمالي، بل يتّسم بطابعٍ جدليٍّ بحتٍ[1].

نستشفّ ممّا قاله ماكليلاند أنّ ماركس لم يتقيّد الرؤية ذاتها بالنسبة إلى تعريف الإيديولوجيا طوال مسيرته الفكرية، والطريف أنّ المفكّر الماركسي الشهير جورج غورفيتش استنتج من آثار ماركس ثلاثة عشر معنًى متباينًا بهذا الخصوص بحيث لا يمكن

(97)

الجمع بينها مطلقًا؛[1] لكن نستنتج من جملة آرائه في نهاية المطاف أنّ وجهة النظر الأولى التي تبنّاها إزاء الإيديولوجيا والتي صاغها بطابعٍ سلبيٍّ وطرحها في إطارٍ نقديٍّ، هي الأرجح على غيرها، ما يعني أنّ الفضل في ذيوع صيته لدى تعريف الإيديولوجيا يرجع إلى هذه الرؤية السلبية إزاءها والتي اتّسمت بوجهةٍ نقديةٍ؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّه سلك هذا النهج إثر عواملَ سياسيةٍ واجتماعيةٍ خاصّةٍ تزامنت مع صقل أفكاره في تلك الآونة، وبيان تفاصيل هذا الأمر يتطلّب بحثًا مسهبًا لا مجال لطرحه هنا.

هذا التأثير في الحقيقة ترك انطباعًا على المسيرة التأريخية لمصطلح «إيديولوجيا»، وهو أمرٌ واقعٌ لا يمكن التغاضي عنه مطلقًا، لذلك قال المفكّر تومسون: «ماركس كان له دورٌ فريدٌ على صعيد مفهوم الإيديولوجيا، ودوره هذا يتمثّل في أنّه ورث مفهومه السلبي من نابليون، لكنّه أقحمه في إطارٍ نظريٍّ وبرنامجٍ سياسيٍّ، متأثّرًا إلى أقصى حدٍّ بمبادئ الحركة التنويرية ومن ثمّ ساهم في إجراء تغييرٍ شاملٍ عليه.

كتابات ماركس تُعَدّ مستندَا ارتكازيًّا على هذا الصعيد، إذ حظي مفهوم الإيديولوجيا بمكانةٍ جديدةٍ باعتباره وسيلةً نقديةً وجزءًا لا ينفكّ عن المنظومات الفكرية الجديدة»[2].

(98)

تجدر الإشارة هنا إلى وجود تناغمٍ بين رأي نابليون بونابرت رأي كارل ماركس في مجال نقدهما للرؤية الفلسفية التي كانت سائدةً في عصر كلّ واحدٍ منهما، فكما أنّ الأوّل اعتبر المدرسة الفلسفية الوضعية سببًا في بؤس المجتمع ووصف أتباعها بالإيديولوجيين، كذا هو الحال بالنسبة إلى الثاني الذي انتقد الرؤى الفلسفية المطروحة في عصره وما ذهب إليه الهيغليون الجدد (الشباب)؛ لذلك وافق نظيره فريدريك إنغلز وحاول تمييز هذه الأفكار الانتزاعية والفلسفية عبر وصفها بـ «الإيديولوجيا الألمانية»، ومن هذا المنطلق أكّد على أنّ الرؤى الفكرية التي تبنّاها هؤلاء في تلك الظروف السياسية والاجتماعية تُعَدّ عاملًا أساسيًّا في تخلّف المجتمع. «النقد المطروح من قبل كلٍّ من ماركس وإنغلز إزاء الرؤى التي تبنّاها الهيغليون الجدد، يرتكز على تصوير النظريات والآراء الفلسفية التي فرضت نفسها في المجتمع آنذاك بكونها عديمة الفائدة»[1].

المفكّر ريمون بودون هو الآخر نوّه على هذا التناغم والارتباط الوطيد بين هاتين الوجهتين، والجدير بالذكر هنا أنّ ماركس بنفسه عزا السبب في تأليف كتاب «الإيديولوجيا الألمانية» إلى اعتراضه على الأفكار والمعتقدات الإيديولوجية التي كانت شائعةً في الفلسفة الألمانية آنذاك، لذا فهو ضمن تعاريفه المتنوّعة والمتباينة التي ذكرها للإيديولوجيا ارتكز بشكلٍ أساسيٍّ على عواملَ سياسيةٍ،

(99)

وقد تجلّى هذا الأمر بكلّ وضوحٍ ضمن أوّل تأليفٍ له والذي يُعتبر المنشأ الأساسي لمواقفه السلبية إزاء هذا المفهوم. لذلك نلاحظ أنّ أتباعه والمدافعين عن نهجه الفكري قد تبنّوْا أيضًا مواقفَ متباينةً إزاءه. وفي هذا السياق أكّد ديفيد ماكليلاند على أنّ ماركس حينما سلّط الضوء على الإيديولوجيا في أوّل كتابٍ له، شهدت منظومته الفكرية ثلاثة تحوّلاتٍ أساسيةٍ بالنسبة إلى مفهومها، وذلك كما يلي:

1 - التحوّل الأوّل: طرأ في العهد الثاني من الفكر الماركسي العالمي والذي ابتدأ من عام 1889م وانتهى في عام 1914م، وضمن هذه المرحلة ارتكزت رؤيته على اعتبار أنّ الإيديولوجيا ترادف الوعي الزائف بالكامل.

2 - التحوّل الثاني: طرأ في مواجهة نظرية لينين، حيث تمّ تنزيه الإيديولوجيا من سماتها السلبية بحيث اعتبر الفكر الماركسي بحدّ ذاته مؤدلَجًا.

3 - التحوّل الثالث: طرأ بعد هزيمة الحركة الماركسية، وفي تلك الآونة سادت رؤيةٌ فحواها أنّ الإيديولوجيا عبارةٌ عن مركز قدرةٍ مستقلٍّ ومؤثّرٍ في المجتمع، وبالتالي حظيت باهتمامٍ أكبر من قبل الماركسيين الغربيين من أمثال غرامشي وألتوسير[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ تومسون عارض هذا الموقف لكونه ينمّ عن قصر نظرٍ، ومن ثمّ اعتبره نقضًا للموضوع من أساسه؛ لذلك

(100)

نلاحظ أنّ مفهوم الإيديولوجيا لم يشهد استقرارًا طوال مسيرته التأريخية لدرجة أنّ الكثير من المفكّرين الغربيين كانوا يترفّعون عن وصف منظوماتهم الفكرية به لدرجة أنّهم لجأوا إلى تعابيرَ أخرى في هذا الصعيد، فهذا المفهوم خلال تلك الحقبة من تأريخ الفكر البشري كان انعكاسًا للفكر الماركسي قبل أيّ شيءٍ آخرَ بعد أن نشأ وترعرع في أحضان أتباع هذا التيار. ومن جملة المفكّرين الغربيين الذين ترفّعوا عن استخدامه لهذا السبب ماكس فيبر وفيلفريدو باريتو وإميل دوركهايم؛ وممّا قاله ريمون بودون في هذا المضمار: «علماء الاجتماع التقليديون في أواخر القرن التاسع عشر كانوا يترفّعون عن استخدام مصطلح (إيديولوجيا) وبمن فيهم ماكس فيبر وباريتو ودوركهايم، ولربّما يعود السبب في ذلك إلى ارتباطه الوثيق بالفكر الماركسي، وهؤلاء كانوا ينأوْن بأنفسهم عن هذا الفكر»[1]. باريتو هو الوحيد الذي كان متعلّقًا بالفكر الماركسي من بين هؤلاء الثلاثة، لكنّه استخدم كلمة (مشتقات) بدلًا عن كلمة (إيديولوجيا)، كما أنّ سورل استخدم كلمة (أسطورة) بدلًا عنها؛ ولكن هناك غموضٌ حول مقصوديهما من هاتين الكلمتين بحيث لا تتّضح الصورة دون الإمعان بدقّةٍ في الموضوع؛ لذلك قال جون بلاميناتز: «ما وصفه ماركس وأتباعه بأنّه (إيديولوجيا)، أطلق عليه باريتو عنوان (مشتقات) وسورل أسماه (أسطورة)؛ والمشتقات والأسطورة هنا عبارةٌ عن سلسلةٍ من المعتقدات تُسوَّغ على أساسها سلوكات

(101)

مختلف الشرائح الاجتماعية وتعمل على توجيهها نحو وجهةٍ معيَّنةٍ بنحوٍ ما، وهذه السلوكات باعتقاد باريتو منبثقةٌ من (الغرائز) التي تنطبق على ما يصفه بـ (البقايا)، وأمّا سورل فهو يعتقد بأنّ السلوكات الطبقية تنشأ من دوافعَ باطنيةٍ»[1].

فيلفريدو باريتو أكّد على أنّ الإنسان لو أراد إقناع نفسه وغيره - من منطلق كون هذا الإقناع من الميزات الأساسية للإيديولوجيا - فهو بحاجةٍ ماسّةٍ إلى نظرياتٍ تثبت صوابيّة معتقداته وتبرّرها بالدليل، لكنّه لم يصف هذه النظريات بكونها إيديولوجيا، بل اعتبرها (مشتقّاتٍ)؛ وهناك مسألةٌ جديرةٌ بالاهتمام حول وجهة نظره فحواها أنّنا نلمس وجود إحساسٍ في جميع أنماط الإيديولوجيات (المشتقّات) لكونه يعتبرها انعكاسًا عقلانيًّا للمشاعر التي تراود النفس الإنسانية.

(102)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

نظرية نهاية الإيديولوجيا

 

(103)
 

الفصل الرابع

نظرية نهاية الإيديولوجيا

أصحاب نظرية نهاية عصر الإيديولوجيا تبنّوْا نهجًا مناهضًا ورؤيةً سلبيةً إزاء مصطلح الإيديولوجيا، حيث كانوا يصرّون على أنّ عهد هذا النهج الفكري الشمولي الذي تجلّى في عالم السياسة تحت عنوان (إيديولوجيا) قد ولّى دون عودةٍ، ولا شكّ في أنّه لا يمكن اعتبار وجهة نظرهم هذه مجرّدَ تعاملٍ سطحيٍّ ولفظيٍّ مع الموضوع، إذ لا بدّ من وجود مسوّغٍ دعاهم إلى نبذ الفكر الشمولي الذي له القابلية على إيجاد ظروفٍ مثاليةٍ وتوجيه الأوضاع الراهنة.

أكّد أتباع هذه الوجهة الفكرية على وجود ظروفٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ خاصّةٍ أسفرت عن ظهور الإيديولوجيا في تلك الآونة بشكلٍ يتناسب مع الأوضاع التي كانت سائدةً آنذاك، لذا فور تغيّر هذه الظروف والمقتضيات الزمكانية لم تبق هناك حاجةٌ إليها، حيث لم يعُد لها أيّ دورٍ عمليٍّ.

دانييل بيل مؤلّف كتاب «نهاية الإيديولوجيا» هو أحد المفكّرين الذين كان لهم دورٌ مشهودٌ في طرح نظرية نهاية عصر الإيديولوجيا، كذلك سيمور مارتن ليبست مؤلّف كتاب «الإنسان السياسي»، وإدوارد شيلز مؤلّف كتاب الإيديولوجيا والحضارة والفلسفة السياسية التنويرية، وريمون آرون مؤلّف كتاب «أفيون المثقّفين»[1].

(104)

مؤيّدو نظرية نهاية الإيديولوجيا لم ينفكّوا عن التأكيد على نهاية عهد الإيديولوجيا على الرغم من كلّ تلك القيم ووجهات النظر المطروحة في رحابها، وإدوارد شيلز يُعتبر أوّل من ذكر عبارة «نهاية الإيديولوجيا» ضمن محاضرةٍ ألقاها في أحد المؤتمرات التي عقدت عام 1955م، إلا أنّ ريمون آرون هو أوّل من أشار إلى هذا الموضوع بعد الحرب العالمية الثانية ضمن كتابه «أفيون المثقّفين» حيث طرح النظرية مرّةً أخرى، ففي عام 1955م وصفها بعبارة «نهاية التأريخ» حيث استنتج هذا المضمون من الدراسات والبحوث التي أجراها طوال مسيرته الفكرية.

ديفيد ماكليلاند اعتبر سيمور مارتن ليبست من جملة المفكّرين الذين كانت لهم اليد الطولى في هذا المضمار، ومن جملة أطروحاته في هذا الصعيد أنّه دوّن أحد فصول كتابه تحت عنوان «نهاية الإيديولوجيا»، وقد وصف ماكليلاند رؤيته هذه قائلًا: «بعد أن وُضعت حلولٌ للمعضلات الأساسية التي اعترضت طريق الثورة الصناعية، سوف يتواصل الجدل الطبقي الديمقراطي، لكنّه جدلٌ بعيدٌ عن الإيديولوجيا».[1] كما صرّح سيمور مارتن ليبست بنفسه بهذا الموضوع حينما قال: «الديمقراطية في العالم الغربي تمثّل مجتمعها من الناحية العملية، وأمّا القوى الإيديولوجية من معيار أكبر فهي تحكي عن أمرٍ مرتبطٍ بالماضي»[2].

(105)

إذًا، يتّضح لنا من جملة ما ذُكر أنّ ليبست عزا الحكمة من وجود الإيديولوجيا في الأنظمة الغربية إلى أنّها كانت مرتكزًا لحلحلة المشاكل التي شهدتها المجتمعات الغربية ومنطلقًا للإجابة عن الأسئلة الجادّة التي طُرحت بعد الثورة الصناعية والتي تزامنت مع أفول الدين من المجتمع وتزعزع أركانه وتجريده عن مشروعيته؛ لذلك اتُّخذت كمنطلقٍ لإرساء دعائم مشروعيةٍ جديدةٍ في الأنظمة الغربية بوصفها بديلًا ضمن منظومةٍ فكريةٍ وعقائديةٍ جديدةٍ تتناغم مع الظروف والأوضاع الاجتماعية الجديدة، وفي هذا السياق أكّد تومسون على أنّها ميزةٌ فارقةٌ للمجتمعات الحديثة بحيث لا يتّضح مفهومها الحقيقي إلا في رحابها؛ وهنا يُطرح السؤال التالي: هل إنّ المجتمعات الحديثة ضمن نهْلها المتواصل من الحداثة استطاعت تحرير نفسها من الأزمات الحادّة التي طرأت على مسألة (المشروعية) في عهد الثورة الصناعية؟ الجدير بالذكر هنا أنّ إجابتنا عن هذا السؤال تتناسق مع ما يتبنّاه أصحاب نظرية نهاية الإيديولوجيا، وهو ما سنتطرّق إلى تفصيله. 

* دانييل بيل ونظرية نهاية الإيديولوجيا 

دانييل بيل هو أشهر منظِّرٍ تطرّق إلى نظرية نهاية الإيديولوجيا، والمسائل التي ذكرها بهذا الخصوص تفوق ما ذكره سواه من منظِّرين آخرين من حيث الكمّية والتفصيل مع الحفاظ على ذات المضمون، لذا اقترنت هذه النظرية باسمه إلى حدٍّ كبيرٍ بحيث نُسبت إليه. 
يرى هذا المفكّر الغربي أنّ الإيديولوجيا كانت في فترةٍ من الزمن مضمارًا لإجراءات عمليةٍ لكنّها اليوم - في عهده - دخلت 

(106)

في نفقٍ مظلمٍ، وضمن مقالةٍ دوّنها تحت عنوان «تعاملٌ آخرُ مع نهاية الإيديولوجيا» أعرب عن أسفه لكونها باتت عنوانًا يتّصف به كلّ نهجٍ فكريٍّ يرغب الإنسان في الانضواء تحت مظلّته، وهذا هو السبب الذي أدّى إلى تجريدها عن مضمونها التأريخي بحيث أصبحت مصطلحًا مضمحلًّا بحيث لا يمكن إحياؤه من جديدٍ[1].

الباحث مايكل راش وضّح وجهة نظر دانييل بيل بخصوص نهاية الإيديولوجيا قائلًا: «بعد عشرين عامًا من نشر كتاب «نهاية الإيديولوجيا»، نُشر مرّةً أخرى مُرفقًا بملحقٍ ومقدّمةٍ مسهبةٍ تتناغم مع الرؤية الماركسية القائلة بأنّ الإيديولوجيا ليست سوى الوعي الزائف؛ والحقيقة أنّ ما ذكره دانييل بيل في عام 1960م والذي أعلن عنه مرّةً أخرى في عام 1988م، هو انتهاء عهد جميع الإيديولوجيات المفيدة»[2].

الجدير بالذكر هنا أنّ دانييل بيل وضّح وجهة نظره إزاء الإيديولوجيا كما يلي: «الحركات الاجتماعية هي الموضوع المحوري في الإيديولوجيا، وهذه الحركات تسعى بطبيعة الحال إلى تحشيد الناس بهدف العمل وفق معتقداتٍ [معيّنةٍ]، وهنا حينما تمتزج القضايا السياسية مع الحماس الشعبي، فالإيديولوجيا بدورها تعمل على توفير سلسلةٍ من الأصول الأخلاقية التي يمكن الاعتماد

(107)

عليها لتبرير تلك الأهداف التي لا بدّ من تحقيقها اعتمادًا على وسائلَ غيرِ أخلاقيةٍ.

التعنّت الذي طغى على المنضوين تحت مظلّة الحركات المشار إليها أسفر عن اضمحلال الإيديولوجيا وحرمان مناصريها منها، أو أنّ هذه الحركات لـمّا تتولّى زمام السلطة فهي تُحوّل الإيديولوجيا إلى قوّةٍ قاهرةٍ يعتمد عليها الحكّام للحفاظ على دوام سلطتهم».[1]

الإشكال الذي ذكره دانييل بيل بخصوص الخلفية التأريخية للإيديولوجيا هو في الواقع إشكالٌ وجيهٌ، لأنّ هذا المصطلح بعد أن اقتُطع من منشئه التأريخي أُسيء فهمه بحيث اكتسب معانيَ ومداليلَ أخرى تتناسب مع مختلف الظروف الاجتماعية والسياسية.

* نقد نظرية نهاية الإيديولوجيا

ذُكر الكثير من النقد الجادّ حول مسألة نهاية عصر الإيديولوجيا، وفي ما يلي نشير إلى جانبٍ منه على نحو الإجمال:

أوّلاً: نظرية نهاية الإيديولوجيا تُعَدّ بحدّ ذاتها بمثابة إيديولوجيا فرضت نفسها في الأوساط الفكرية، لذا يمكن اعتبار الرأي القائل بنهايتها منطلقًا لإعلان إيديولوجيا جديدةٍ، ومن ثمّ لا يمكن القول أنّ هذه النظرية قد أثبتت موت الإيديولوجيا بالكامل واضمحلال الأنظمة القائمة على أساسها نظرًا لانتهاء عصر الفكر الإيديولوجي؛ فهذه النظرية في الواقع منبثقةٌ من نظامٍ فكريٍّ معيَّنٍ يراد منه تنظيم

(108)

شؤون المجتمع وتوجيهه نحو وجهةٍ فكريةٍ معيَّنةٍ قائمةٍ على قيمٍ وقواعدَ محدَّدةٍ، حيث يروم دعاتُها إرساء دعائم مجتمعٍ مثاليٍّ يتناغم مع متبنّياتهم الفكرية والهواجس التي تراود أذهانهم، وهذا المجتمع بطبيعة الحال يجب وأن يتواكب مع الظروف الراهنة ويتماشى مع ما يقتضيه المستقبل.

إذًا، النظرية المذكورة هي في الحقيقة ضربٌ من الإيديولوجيا لكونها تستبطن الخصائص ذاتها التي تتّسم بها الإيديولوجيا.

المنظِّرون الذين تبنّوْا فكرة نهاية الإيديولوجيا، استندوا في أطروحتهم هذه إلى مجموعةٍ من المبادئ والقيم الثابتة التي يمكن اعتبارها مبادئَ متوارثةً، إذ يمكن على أساسها تفنيد الرأي القائل بكون الإيديولوجيا دعامةً أساسيةً في القضايا السياسية، وثمرةُ بحوثهم التي دوّنوها في هذا المضمار هي أنّ فكرة نهاية الإيديولوجيا تُعتبر صيغةً أخرى للفكر المؤدلَج ضمن الظروف الراهنة والذي يراد منه البرهنة على مشروعية انغماس المفكّرين في نمط الحياة الأميركية.

نستشفّ ممّا ذُكر أعلاه أنّ هذه النظرية أسفرت عن ولادة فكرٍ إيديولوجيٍّ جديدٍ يتناغم مع الظروف المعاصرة، حيث نشأت في كنف المجتمع الأمريكي، وعلى الرغم من أنّ دانييل بيل كان يتوقّع انتهاء عصر الإيديولوجيا، لكنّ هذا لا يعني توقّعه انتهاء عصر الفكر والقيم والمثُل بصفتها عناصر وقابليات مؤثّرة في مضمارَيِ السياسة والمجتمع؛ والمفكّر أولف هيميلستراند سلّط الضوء في هذا السياق

(109)

على الإيديولوجيا وتطرّق إلى الحديث عن النظرية القائلة بنهايتها في رحاب وجهة نظرٍ خاصّةٍ، حيث أكّد على أنّ هذه النظرية لا تعني موت الإيديولوجيا بالكامل وزوالها من الوجود، بل يراد منها عدم فاعليتها على الصعيد السياسي، أي إنّها لم تَعد تلك الركيزة الأساسية التي كانت معتمدةً في النشاطات السياسية[1].

مع ذلك فالقول بكون الإيديولوجيا لم تعد المرتكز الأساسي للنشاطات السياسية بناءً على تفسير نظرية نهاية عصر الإيديولوجيا وفق هذا المنظار، لا يمكن اعتباره تبريرًا صائبًا لهذه النظرية نظرًا لارتكاز النشاط السياسي على الأسس الإيديولوجية بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، ناهيك عن أنّ كلّ تضادٍّ سياسيٍّ عادةً ما يكون منبثقًا من دوافعَ إيديولوجية، لأنّ الفكر الإيديولوجي يُعتبر البنية الأساسية لكلّ سلوكٍ سياسيٍّ والمرجع المعتمد لحلحلة كلّ اختلافٍ يطرأ في هذا المضمار؛ لذا لا محيص منه مطلقًا.

أضف إلى ذلك، فهذا النمط الفكري يتمحور حول نطاقٍ إيديولوجيٍّ معيَّنٍ ويقوم على تعريفٍ خاصٍّ للفكر المؤدلج، وضمن هذا المضمار يمكن اعتبار مفهوم الإيديولوجيا قد بلغ نهاية عهده، لذا يمكن وصف التعريف الذي ذكره المنظّرون الذين يعتقدون بانتهاء عهد هذا المفهوم، بأنّه مجرّد تعريفٍ سياسيٍّ لا غير؛ إذ توصّلوا إلى نتيجةٍ فحواها أفول الفكر الماركسي الذي روّج تصوّرًا مثاليًّا وطوباويًّا لعالم السياسة وساق البشرية نحو المجهول،

(110)

وبالتالي يمكن القول أنّ هؤلاء قصدوا من نظرية نهاية عصر الإيديولوجيا زوال أحد أنواع الفلسفة السياسية، وهذا النوع في الحقيقة كان يصوّر المستقبل والمجتمع المثاليين في حياة البشرية؛ إلا أنّه لم يثبت نجاعته برأيهم.

إذًا، لا ينبغي لنا الانبهار بعنوان نهاية الإيديولوجيا الذي أثار صخبًا كبيرًا في الأوساط الفكرية، بل علينا التزام جانب الحذر ممّا يُطرح على أساسه كي لا نُخدع بمدلوله الظاهري والسطحي ولا نجعله معيارًا لنهجنا الفكري، حيث أكّد أحد المفكّرين على هذا الأمر قائلًا: «كلّ هذه الأمور عبارةٌ عن تحذيرٍ ممّا كان يعتقد به بيل، وهو انتهاء عصر مفهومٍ خاصٍّ من الإيديولوجيا، فهذا المفكّر كان يعتبر الإيديولوجيا مجرّد وسيلةٍ توصف على أساسها الأفكار، وأراد أن يخبرنا بأنّ مقصوده ممّا ذكر هو الإيديولوجيا بطابعها الماركسي التقليدي»[1].

الحقيقة أنّ نظرية نهاية الإيديولوجيا تستعرض بحدّ ذاتها نوعًا من الفكر السياسي الذي وصفه المفكّر روبرت هوبر بأنّه يحكي عن فكرٍ سياسيٍّ وإيديولوجيا إصلاحيَّيْن.

المسألة الأخرى الجديرة بالذكر بخصوص نقد نظرية نهاية الإيديولوجيا، هي توجيه الأنظار نحو نشأة هذا النمط الفكري والظروف السياسية والفكرية التي تبلور في رحابه، والواقع أنّ

(111)

الإيديولوجيا حينما فرضت نفسها على أرض الواقع بشكلٍ استبداديٍّ، أثارت حفيظة الطبقة المثقّفة والأوساط الفكرية اليمينية وحرّضتهم على الانتفاض بوجه أتباع الفكر المؤدلج، كما تعاضدت مع الاستبداد السلطوي لتتبلور في رحاب الأنظمة السياسية الشيوعية والفاشية والنازية، وفي نهاية المطاف لم يكن مصيرها سوى الانغماس في غياهب الغموض والضلال لتتسبّب بعد ذلك بظهور توجّهاتٍ سلبيةٍ إزاءها، الأمر الذي تمخّض عنه طرح نظرية نهاية الإيديولوجيا؛ وفي هذا السياق أكّد المفكّر ديفيد ماكليلاند على أنّ هذه النظرية قد طرحت تناغمًا مع الظروف الخاصّة التي عاصرها المنظّرون الذين تبنّوها، وبالتالي فالسعي إلى تهميشها بالكامل من المجتمعات الغربية يستبطن بذاته فرضياتٍ وتعليلاتٍ معيّنةً، حيث قال: «أبرز فرضيتَيْن في هذا المضمار عبارةٌ عمّا يلي: [إحداهما] الارتباط الذي كان موجودًا في تلك الآونة بين الإيديولوجيا والسلطة الاستبدادية برأي عددٍ من المنظّرين السياسيين البارزين الذين ذاع صيتهم بعد الحرب العالمية الثانية، والأخرى مساعي علماء الاجتماع ضمن مقارنتهم بين الإيديولوجيا والعلم».[1]

* الإيديولوجيا والكلّيانية

بالنسبة إلى العلاقة بين الإيديولوجيا والكلّيانية(totalitarianism) يعتقد المفكّر الغربي برنارد كريك أنّ الحكومات التي تسلك نهجًا كلّيانيًّا تُعتبر متضادّةً إلى أقصى حدٍّ مع الحكومات السياسية كما

(112)

أنّ إيديولوجياها تَعتبر تحدّيًا للفكر السياسي، ومن هذا المنطلق فالإيديولوجيا الكلّيانية تجسّد فكرًا متعارضًا مع الفكر السياسي، وهذا هو السبب في تفكيكه بينهما بشكلٍ صريحٍ وادّعاء أنّ الإيديولوجيا تعني الكلّيانية بحدّ ذاتها، حيث قال: «الحكومة الكلّيانية تحكي عن أشدّ تضادٍّ يمكن تصوّره مع الحكومة السياسية، والفكر الإيديولوجي أيضًا يعدّ تحدّيًا صريحًا ومباشرًا للفكر السياسي»[1].

هذا الكلام يشير إلى الموقف الليبرالي المعادي الذي ظهر في فترة الحرب الباردة، حيث ادّعى الليبراليون أنّهم غير إيديولوجيين وأنّهم مناهضون للإيديولوجيا من الأساس، وهو موقفٌ غير قائمٍ على أسسٍ علميةٍ ومنطقيةٍ لكونه منبثقًا من عنادٍ وضغينةٍ لدرجة أنّه يقطع الطريق على كلّ أفقٍ واضحٍ للاستنتاجات العلمية والمنطقية، حتّى إنّه يحول دون طرح تعريفٍ دالٍّ لها.

ليبراليُّو الحرب الباردة ادّعوْا أنّ مصطلح «إيديولوجيا» لا أهمّية له ولا اعتبار، حيث قال أحدهم: «هذا الاصطلاح لا يُذكر له تعريفٌ دقيقٌ ويستخدم بشكلٍ مقصودٍ لدرجة أنّ القارئ يصبح شريكًا للكاتب في رؤيته المعارضة».[2] الباحث أنطوني أربلاستر تحدّث عن العلاقة بين استخدام مصطلح إيديولوجيا مع الكلّيانية وبين الاعتقاد بانطباقهما

(113)

مع بعضهما قائلًا: «عبارة (الإيديولوجيا الكلّيانية) تُستخدم وكأنّها حشوٌ، (فهي تُعتبر كلّيانيةً بحدّ ذاتها)، واستخدامُها بهذا الشكل يخلق لنا صورةً واضحةً لفهم الليبراليين للإيديولوجيا ومعرفة السبب الذي دعاهم لأن يناهضوها بهذه الشدّة»[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ الاعتقاد بالانطباق الذاتي بين الإيديولوجيا والكلّيانية برؤية ليبراليِّـي الحرب الباردة ما زال قائمًا على حاله، وقد تفاقم هذا العداء الشديد وبلغ ذروته في الولايات المتحدة الأمريكية على ضوء الرؤية التي تبنّتها المنظّرة السياسية حنّة آرندت، التي أكّدت على أنّ جميع الإيديولوجيات تستبطن عناصرَ كلّيانيةً من الأساس، وفي هذا السياق ذكرت ثلاثة عناصرَ كلّيانيةٍ لا يخلو منها أيُّ فكرٍ إيديولوجيٍّ، وهي كما يلي:

1) الإيديولوجيات لها القابلية لبيان ما هو موجودٌ وما هو على وشك أن يظهر إلى حيّز الوجود، كذلك لها القدرة حتّى على ما حدث في الماضي.

2) الفكر الإيديولوجي، على ضوء اتّصافه بهذه القابلية، هو يحرّر نفسه من كلّ تجربةٍ ليؤكّد على واقع «أقرب إلى الحقيقة» كامن وراء كلّ ما يمكن إدراكه.

3) الإيديولوجيا من خلال اعتمادها على أسلوب البرهنة والاستدلال تحاول تحرير الفكر من قيود التجربة.

(114)

استنادًا إلى هذه العناصر أكّدت آرندت على أنّ الفكر الإيديولوجي ينظّم مختلف القضايا ضمن مسيرةٍ منطقيةٍ بالكامل بحيث يجعلها تنطلق من قضيةٍ بديهيةٍ لتصبح في ما بعد ركيزةً أساسيةً لقضايا أخرى؛[1] وبالتالي استنتجت أنّ العناصر المذكورة أسفرت عن تلازم الفكر الإيديولوجي مع الاستبداد بشكلٍ مطلقٍ، وعلى أساس هذه الفكرة وضّحت العلاقة الرابطة بينه وبين الكلّيانية قائلةً: «لا شكّ في أنّ الطبيعة الحقيقية للإيديولوجيا تتجلّى بوضوحٍ في رحاب ما يتمخّض عن الكلّيانية فقط، والعمل الوحيد الذي يجب وأن يؤدّيه الحاكم الكلّياني لتوجيه سلوكات أتباعه هو إعدادهم جميعًا للعب دور الجلاد أو الضحية؛ أي إنّ هذا الحاكم هو المكلّف بالتمهيد لهذا الدور المزدوج بحيث يصبح الجلاد الكلّياني بديلًا عن ذات العمل»[2].

إذًا، ثمرة هذه الظاهرة ذات الطابع السياسي والاجتماعي هي الاحتمال الإجمالي بصواب ادّعاء نهاية الإيديولوجيا في نطاقٍ خاصٍّ محدودٍ ضمن ذلك المضمار الذي ولدت فيه، بمعنى أنّ نظرية نهاية الإيديولوجيا تبلورت بهذا المفهوم في عهد السياسة والفكر الإيديولوجييْن الكلّيانيَيْن اللذَيْن شهدهما العالم في بعض الأنظمة المستبدّة مثل الماركسية؛[3] وكما قال الباحث ديفيد ماكليلاند فلا بدّ من اعتبار نظرية نهاية الإيديولوجيا بمعنى نهاية

(115)

الإيديولوجيا الماركسية بوصفها إيديولوجية عظمى،[1] لكنّ هذا لا يعني بالضرورة والملازمة المنطقية نهاية الفكر الإيديولوجي الذي ينطبق على الكلّيانية؛ وبالتالي لا يمكن إثبات عدم وجود فكرٍ إيديولوجي في موردٍ ما اعتمادًا على ادّعاءٍ بحتٍ.

الجدير بالذكر هنا أنّ الاعتراف بنهاية عهد الإيديولوجيا الماركسية لا يتعدّى كونه مجرّدَ زعمٍ طُرح لأهدافٍ ومصالحَ ليبراليةٍ غربيةٍ بشكلٍ عامٍّ وأمريكيةٍ على الأخصّ، حيث تمّ الترويج لهذه النظرية في رحاب سياسةٍ وتوجّهاتٍ تأريخيةٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى الأسس المنطقية التي تبنّاها ليبراليّو الحرب الباردة جرّاء مناهضتهم للإيديولوجيا المنافسة لهم، فقد اتّهموها بالتلازم مع الكلّيانية. وفي هذا السياق دوّن الباحث أنطوني أربلاستر تحليلًا سياسيًّا جاء فيه: «على كلّ حالٍ، العالم الغربي تقبّل فكرة تصوير المجتمعات الشيوعية بوصفها انعكاسًا حقيقيًّا للكلّيانية، وكذا هو الحال إلى يومنا هذا؛ لكن لا شكّ في أنّ هذا المفهوم قد فقد حاليًّا الجانب الأعظم من وجهته الأكاديمية التي كان يتّصف بها في فترةٍ من الزمن».[2]

* الإيديولوجيا ومتاهاتٌ نزعويةٌ في منظومة كارل بوبر الفكرية

في عام 1945م بعد أن هُزمت الفاشية التي كانت توصف

(116)

آنذاك بالتوليتارية - الكلّيانية المطلقة - اقتصر هذا الوصف على الإيديولوجيا الشيوعية والأفكار الماركسية على نحو الترادف الكامل بحيث شاعت فكرةٌ بوجود انطباقٍ كاملٍ بين الصفة والموصوف، والصواب في إطلاق الكلّيانية على الإيديولوجيا سببه تلازمها مع الفكر الطوباوي، لذلك فأحد الأسباب التي دعت ليبراليِّـي الحرب الباردة إلى الاعتقاد بكون الفكر الإيديولوجي قائمًا على رؤيةٍ استبداديةٍ، هو انغماس الإيديولوجيا الشيوعية اليسارية في متاهاتٍ نزعويةٍ وطوباويةٍ واضحةٍ؛ وقد أشار أنتوني أربلاستر إلى هذا الموضوع قائلًا: «المتاهات النزعوية اليسارية اعتُبرت أنّها المنشأ الفكري للتوليتارية الشيوعية»[1].

حينما تمّ التأكيد على نطاقٍ واسعٍ بأنّ الفكر الطوباوي أسفر عن الاعتقاد بحتمية وجود انطباقٍ تامٍّ بين الإيديولوجيا والتوليتارية، ثارت حفيظة الليبراليين المتشدّدين، مثل أشعيا برلين وكارل بوبر، فبادروا إلى إعلان نقدهم وعدائهم للإيديولوجيا في رحاب نقد المتاهات النزعوية والتوجّهات الكلّيانية، ومن ثمّ تواصل هذا النقد ولا يزال قائمًا حتّى اليوم. هذه المواقف تنمّ بوضوحٍ عن عدم انتهاء الحرب الباردة التي شنّها الليبراليون على الإيديولوجيا، كما تدلّ على بطلان نظرية نهاية الإيديولوجيا؛ ومن هذا المنطلق سوف نسلّط الضوء على وجهة نظر المفكّر الليبرالي المتشدّد كارل بوبر لبيان طبيعة نقده للإيديولوجيا حينما اعتبرها تمتاز بشكلٍ أساسيٍّ ومحوريٍّ بالطوباوية.

(117)

* الإيديولوجيا في بوتقة نقد بوبر

الباحث الغربي كارل بوبر، لكونه ليبراليًّا محافظًا، اعتبر الإيديولوجيا متاهةً نزعويةً، وفي هذا السياق أكّد على أنّ هذه المتاهة بجميع أنواعها عبارةٌ عن ظاهرةٍ استبداديةٍ منحرفةٍ، ومن ثمّ فالإيديولوجيا برأيه ليس من شأنها قطعًا أن تُتّخذ كمرتكزٍ في هندسة التنمية الاجتماعية أو كمنطلقٍ لتغيير واقع المجتمعات البشرية بشكلٍ عمليٍّ لكونها تعتمد على نهجٍ كلّيانيٍّ وتتبلور في متاهاتٍ نزعويةٍ، فالهندسة الكلّيانة أو المتاهات النزعوية لا تمتلك القابلية لأن تتبلور في رحاب مشاريعَ هادفةٍ بعيدةِ المنال ومستلهمةٍ من فكرٍ مثاليٍّ - طوباويٍّ - وطموحاتٍ وخططٍ مستقبليةٍ، لذا لا محيص من وقوع المجتمع في فخّ الظلم والاستبداد في ما لو أرسيت دعائمه على طموحاتٍ ورؤًى مثاليةٍ بعيدةِ المنال.

هذا المفكّر الغربي يعتقد بعدم انسجام التخطيط الهندسي المنبثق من متاهاتٍ نزعويةٍ مع مبدأ التجربة في الحياة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق أكّد على عدم إمكانية تحقّق هذا النهج على أرض الواقع بشكلٍ عمليٍّ، ما يعني استحالة تصوّر أنّه سيثمر نتائجَ مفيدةً؛ كذلك أكّد على أنّ التخطيط الهندسي الكلّياني قائمٌ على افتراض أنّنا قادرون على كسب معرفةٍ علميةٍ تتيح لنا تحقيق هذا الهدف المثالي الطوباوي، لكن واقع الحال على خلاف ذلك، إذ ليست لدينا أيّ معرفةٍ علميةٍ في هذا المضمار، أي إنّ الموضوع خاطئٌ من أساسه.

(118)

أصحاب التخطيط الهندسي المنبثق من متاهاتٍ نزعويةٍ يدّعون أنّهم يتبنّوْن نهجًا تخطيطيًّا عقلانيًّا يعمّ المجتمع بأسره، في حين أنّ المعرفة الواقعية الحقيقية اللازمة لتطبيق هذا الطموح البعيد على أرض الواقع ليست موجودةً لدينا مطلقًا.

استنادًا إلى ما ذُكر فالنتيجة الحتمية لما ذكره كارل بوبر حينما اعتبر الإيديولوجيا مشروعًا مثاليًّا وطوباويًّا، هي أنّ الهندسة الاجتماعية الكلّيانية والمتاهات النزعوية تُسفر في نهاية المطاف عن دكتاتوريةٍ،[1] لأنّ هذه المساعي التي لا وجهة لها تهدف إلى إنشاء حكومةٍ مثاليةٍ على ضوء تصوير المجتمع بكونه كيانًا موحَّدًا، وهو إجراءٌ يقتضي تمركز السلطة تحت إمرة فئةٍ اجتماعيةٍ معيَّنةٍ، لذا هناك احتمالٌ بأن ينتهي إلى الدكتاتورية.

هذا المفكّر الغربي اعتبر الموقف المتّخذ في رحاب المتاهات النزعوية والإيديولوجية متعارضًا بالكامل مع الموقف العقلاني (الليبرالي)، كذلك اعتبر العقلانية الكائنة في المتاهات النزعوية الإيديولوجية متزعزعةَ الأركان، لذا مهما ادّعت الإيديولوجيا أنّها تحمل أهدافًا ونوايا حسنةً فهي عاجزةٌ في الحقيقة عن ضمان السعادة والازدهار للمجتمع، بل الأمر على العكس من ذلك تمامًا لكونها تصبح سببًا في معانَيَات البشرية ومآسيها، فهذه هي الحصيلة النهائية والحتمية لكلّ سلطةٍ مستبدّةٍ ومتفرّدةٍ؛ وفي هذا المضمار اقترح نظامًا هندسيًّا اجتماعيًّا بديلًا يتّصف بكونه مجزّءًا

(119)

وعقلانيًّا بحيث يتمّ إقراره خطوةً خطوةً،[1] كي تتحقّق في رحابه الأهداف بعيدة الأمد والمشاريع صعبة التحقّق إلى جانب الأهداف والمتطلّبات السطحية والمؤقّتة، لذلك أكّد على ضرورة الحذر من التفكير بشكلٍ طوباويٍّ بغية تحقيق أهدافٍ بعيدةِ المنال، فلو اجتنبنا هذا التفكير سيتسنّى لنا وضع حلٍّ للمعضلات الاجتماعية واجتثاث الظلم والمعاناة والفقر وإنهاء الحروب وإقرار العدل في المجتمع. وهذا الأمر منوطٌ كما ذكرنا بالتخلّي عن الفكر الطوباوي والمشاريع المنبثقة من متاهاتٍ نزعويةٍ تهدف إلى إرساء دعائم حياةٍ جديدةٍ وخلق شخصية إنسانٍ جديدٍ؛ وقد وضّح مقصوده من الهندسة الاجتماعية المتدرّجة كما يلي: «الهندسة التدريجية أو المجزّأة تعتمد على منهجٍ معيَّنٍ للتحرّي عن أعظم المعضلات الاجتماعية وأكثرها أهميةً في الوقت الراهن ومن ثمّ استئصالها، ولا يقصد منها التحرّي عن أعظم خيرٍ لأجل النضال في سبيله؛ لذا فكلّ من يسلك هذا النهج التدريجي سيتمكّن من الدفاع عنه قائلًا: هناك احتمالٌ كبيرٌ يفوق سائر الاحتمالات بكون عددٍ كيبرٍ من الناس يؤيّدون الكفاح المنظّم ضدّ المعاناة والظلم والحروب، وبالتالي يدعمونه لأجل تحقيق هدفٍ معيَّنٍ»[2].

وأمّا الأسلوب الذي اقترحه هذا المفكّر الغربي لتطبيق الهندسة الاجتماعية على أرض الواقع بشكلٍ تدريجيٍّ، فهو أسلوبٌ تجريبيٌّ

(120)

علميٌّ بحيث يمكن أن يُجرّب بشكلٍ عمليٍّ، وممّا قاله في هذا الصدد: إذا أردنا وضع حلٍّ ناجعٍ للمعضلات العملية التي تعاني منها البشرية في العصر الراهن، فلا محيص لنا من اللجوء إلى الأساليب النظرية في نطاقٍ تجريبيٍّ؛ وعلى أساس هذا الرأي أكّد على أنّنا اليوم بحاجة إلى تكنولوجيا اجتماعيةٍ نقوم باختبارها أوّلًا وفق معيار الهندسة الاجتماعية المتدرّجة،[1] وقد وضّح ذلك كما يلي: المقصود من الأسلوب التجريبي هو ذلك الأسلوب الذي يجب الاعتماد عليه لإبداع فرضياتٍ قابلةٍ لأن تقيّم في بوتقة الاختبار والتجربة، وما يلزمنا هنا فرعٌ تكنولوجيٌّ اجتماعيٌّ تحلّل نتائجه في رحاب الهندسة الاجتماعية التدريجية أو المجزّأة.[2].

الهندسة المتدرّجة تهدف إلى جلب السعادة للمجتمعات البشرية في هذه الحياة، في حين أنّ الهندسة الكلّيانية لا يراودها هذا الهاجس، لذا فهي لا تحقّق هذا الغرض في رحاب مجتمع إيديولوجي مثالي؛ وهذه الوجهة الجديدة التي ابتدعها بوبر يتمّ السعي على ضوئها إلى تحقيق رفاهية المجتمع في أقصر فترةٍ زمنيةٍ ولا يسعى المعنيّون بها إلى إقرار الخير المطلق الذي تدعو الإيديولوجيا والفكر الطوباوي إلى تحقيقه على الأمد البعيد، ومع ذلك فقد ادّعى هذا المفكّر أنّ الرؤية المستقبلية في الأنظمة الإيديولوجية لا يمكن اعتبارها رؤيةً عقليةً مستقبليةً، كذلك ليس من الممكن عزْوُ السبب

(121)

في عدم تلبية المتطلّبات الفورية للمجتمع وإرساء دعائم مجتمعٍ مرفّهٍ أو إيجاد جنّةٍ أرضيةٍ في وقتٍ قصيرٍ للغاية ضمن الهندسة الاجتماعية المتدرّجة إلى انعدام الرؤية المستقلية فيها، لذا لا بدّ من إزالة الشبهات التي تطرأ على ذهن المخاطَب والتمييز بين الرؤية المستقبلية في المتاهات النزعوية والرؤية المستقبلية في الهندسة الاجتماعية المتقوّمة على الرفاهية، ومن هذا المنطلق قال بوبر: «لا ينبغي لنا الاستدلال بأنّ أحد الأجيال إذا عانى وعاش حياةً فقيرةً سيكون واقعه هذا وسيلةً لضمان سعادة الأجيال اللاحقة، بل لا شكّ في أنّ تكليفنا الحتمي والأساسي مرتبطٌ بهذا الجيل والجيل الذي سيأتي بعده؛ والخداع المستقبلي الذي يتمّ الترويج له على ضوء المتاهات النزعوية لا يرتبط بتاتًا مع الرؤية المستقبلية العقلية». وقد وصف المجتمعات التي تتبنّى نهجًا فكريًّا طوباويًّا وحياةً اجتماعيةً إيديولوجية بأنّها مجتمعاتٌ مغلقةٌ، بينما اعتبر أنّ المجتمعاتِ، التي يمكن في رحابها تطبيق مبادئ الهندسة الاجتماعية المتدرّجة، هي مجتمعاتٌ مفتوحةٌ. الجدير بالذكر هنا أنّ العقل الذي يمتلك رؤيةً مستقبليةً في رحاب مجتمعات بوبر المفتوحة والذي يمكن الاعتماد عليه لحلحلة المعضلات الاجتماعية، هو عبارةٌ عن عقلٍ متقوّم برؤيةٍ جزئيةٍ ومادّيةٍ، وجرّاء انقطاعه عن الوحي والدين بات أمرًا رتيبًا تكتنفه طموحات لإقرار السعادة في الحياة الدنيا، وهذا المجتمع بحسب ادّعائه لا بدّ من أن يكون في منأًى عن الفقر والمعاناة والمآسي، وضمن بيانه أوجه الاختلاف بينه وبين المجتمع المغلق، أكّد على أنّ كلّ واحدٍ منهما يعتمد على أسلوب خاصٍّ

(122)

ومنطقٍ معيَّنٍ لمعالجة المعضلات الاجتماعية والثقافية التي تطرأ عليه، وفي هذا السياق اعتبر النهج الذي يتّبعه بأنّه الأسلوب الأمثل والأكثر عقلانيةً لأنّه يسفر عن تحسين واقع حياة البشر، بينما النهج الآخر اعتبره سببًا لمعاناتهم ومآسيهم، أي أنّه يضطرّهم لأن يتحمّلوا أعباءه الثقيلة. كما أكّد على أنّ قابلية الجذب التي تتّصف بها الحكومات المؤدلجة والقائمة على متاهاتٍ نزعويةٍ، سببها إخفاقنا في تصوّر حقيقةٍ فحواها أنّنا عاجزين عن خلق جنّةٍ على الأرض.

وأمّا في مجال التخطيط الدقيق والتنظيم المعقول والمناسب، فهو يعتقد بضرورة اللجوء إلى أساليبَ ديمقراطيةٍ، لذا لا مجال في المجتمع المفتوح الذي دعا إليه ضمن نظرية الهندسة الاجتماعية لترويج مناهجَ إيديولوجية أو كلّيانيةٍ قائمة على متاهاتٍ نزعويةٍ، وذلك من منطلق رؤيته التي قوامها أنّ النتيجة الحتمية للنهج الإيديولوجي والمتاهات النزعوية في أحد المجتمعات المغلقة التي تطغى عليها رؤيةٌ فردانيةٌ واستبدادٌ في الرأي وتقوم على نظرياتٍ من نمطٍ واحدٍ، ليست سوى الاستبداد والعنف؛ بينما المجتمع المفتوح على خلاف ذلك نظرًا لتأكيده على التعدّدية وفسح المجال للإنسان كي يتّخذ قراره الشخصي بإرادةٍ حرّةٍ بحيث يشعر بالاقتدار على صعيد شؤونه ومصالحه الشخصية، فهو في رحاب هذا المجتمع المفتوح يفعل ما يتناسب مع شخصيته ويتّبع ما يضمن مصالحه لكون هذه الأمور تتحقّق ضمن أجواء انفتاحيةٍ وحرّةٍ بعيدًا عن عنف الحكّام واستبدادهم؛ لذا فالنهج الكلّياني ذو الطابع الفرداني في واقع الحال يتضادّ مع النهج التعدّدي،

(123)

وذلك لأنّ إصلاح الأمور في النهج الأوّل وإيجاد تحوّلٍ اجتماعيٍّ على ضوء فكرةِ مركزيةِ التأريخ، لا بدّ من أن يتحقّق في رحاب حركةٍ ثوريةٍ، في حين أنّ النهج التعدّدي الذي اعتبره بوبر نهجًا ديمقراطيًا، لا حاجة فيه إلى أيّ حركةٍ أو نظريةٍ ثوريةٍ لإصلاح الأمور وإيجاد تحوّلٍ اجتماعيٍّ، وذلك من منطلق اعتقاده بأنّه تمكّن من زعزعة أركان فكرة مركزية التأريخ، حيث ادّعى قائلًا: «لا يمكن لأحدٍ الدفاع عن نظرية الثورة بعد تفنيد مفهوم مركزية التأريخ، ومن هذا المنطلق تحتّم الضرورة علينا اللجوء في الحركة الإصلاحية إلى الهندسة الاجتماعية المتدرّجة والاعتماد بشكلٍ أساسيٍّ على  الإصلاحات المرحلية». تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الهندسة الاجتماعية التي اقترحها هذا المفكّر، تسفر من الناحية العملية عن هندسةٍ ليبراليةٍ محافظةٍ، لكنّه مع ذلك اعتبر  أنّ انتقال البشرية من عالم المجتمعات المغلقة إلى عالم المجتمعات المفتوحة من أعظم الثورات البشرية على مرّ التأريخ؛ وأمّا وجهة نظره بالنسبة إلى التحوّلات غير الثورية فهي تتناغم مع الرؤية الحاكمة على المجتمع الرأسمالي الغربي الذي لا يطيق أيّ إجراءٍ إصلاحيٍّ واقعيٍّ وثوريٍّ هادفٍ إلى إيجاد تحوّلٍ اجتماعيٍّ لكونه يذعن إلى التغييرات الجزئية والتدريجية ويؤكّد عليها، حيث يعتقد بضرورة أن تكون مسيرة التغيير الاجتماعي غيرَ ثوريةٍ[1].

(124)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

نقد رؤية بوبر

 

(125)

 

الفصل الخامس

* نقد رؤية بوبر

- تناقضٌ في نظرية المجتمع المفتوح

الهندسة المتدرّجة التي دعا كارل بوبر إلى تطبيقها في ما أطلق عليه «المجتمع المفتوح» بالاعتماد على أساليبَ ديمقراطيةٍ ومناهجَ عمليةٍ تجريبيةٍ لأجل إنشاء مجتمعٍ مرفّهٍ أو ما يصفه البعض بجنّة الأرض، هو في الواقع ليس كما يدّعي لكونه مجرّدَ مشروعٍ طوباويٍّ منبثقٍ من متاهاتٍ نزعويةٍ بحيث لا يمكن تحقيقه إلا في رحاب مجتمعٍ مؤدلجٍ، لأنّ الهندسة الاجتماعية التي اقترحها لا يمكن أن تطبّق على أرض الواقع إلا عبر اتّباع أساليبَ خاصّةٍ تعينها على إنشاء مجتمعٍ مرفّهٍ (هو الغاية والمقصود الأساسي لهذه الهندسة)، ما يعني أنّ المجتمع المثالي بإمكانه أن يرى النور في ما لو تلاحمت جميع مكوّناته وعناصره وتناسقت في أدائها، لذا يتسنّى للهندسة المتدرّجة تمهيد الأرضية المناسبة لولادة مجتمع مفتوح سعى بوبر إلى إرساء دعائمه، وفي غير هذه الحالة لا يتسنّى الأمر مطلقًا، وهو ما أراد بوبر نفيه وتفنيده من الأساس. بعبارةٍ أخرى، إن أردنا تشييد مجتمعٍ مفتوحٍ باعتباره مشروعًا طوباويًّا وإيديولوجيا، فلا بدّ لمكوّنات هذا المجتمع من أن تتحرّك مع بعضها وتتلاحم بشكلٍ منسجمٍ، وفي هذه الحالة يتسنّى للهندسة العقلية والمتدرّجة أن تحقّق أهدافًا شموليةً وكلّيانيةً ضمن مشروعٍ شاملٍ كلّيانيٍّ، ما يعني

(126)

أنّ الهندسة الكلّيانية والقائمة على متاهاتٍ نزعويةٍ في أحد الأنظمة الإيديولوجية لا تتعارض مع الهندسة الجزئية، بل إنّ الهندسة التدريجية والمرحلية هي التي تواكب الهندسة الكلّيانة، وعلى هذا الأساس يمكن الجمع بينهما.

استنادًا إلى ما ذُكر، فإنّ إنشاء مجتمعٍ مفتوحٍ يتّصف بكونه مثاليًّا وهدفًا لأصحاب الفكر الليبرالي من أمثال بوبر، منوطٌ بانسجام سائر الأجزاء والعناصر في الأهداف الأخرى المطموح تحقيقها والتي تشكّل برمّتها كيانًا كلّيًّا موحَّدًا وتسير نحو وجهةٍ معيَّنةٍ؛ وهذه الوجهة في الحقيقة عبارةٌ عن استراتيجيَاتٍ شموليةٍ تطغى على كيان المجتمعات الرأسمالية. هذا التناقض في وجهات نظر بوبر دعا أحد ناقديه إلى القول: «بوبر يدّعي معارضته للفكر الطوباوي ويعتقد بأنّ الكلّيانية الفلسفية تتمخّض عنها في نهاية المطاف طوباويةٌ لا غير، في حين أنّه يدعو إلى نمطٍ من الطوباوية! الفلسفة الغربية مغمورة من أساسها بسراب الفكر الطوباوي طوال عهدها»[1].

هذا المشروع المثالي لا يتيح المجال لإرساء دعائم أيّ مجتمعٍ قوامه الاعتقاد بالمقدّسات والشؤون الميتافيزيقية، لأنّ بوبر نسب هذه الأمور إلى المجتمعات المغلقة دون سواها، لذا فالمجتمع المفتوح في واقعه يعدّ أبرز صورةٍ نظريةٍ للإيديولوجيا الليبرالية المعاصرة التي لعب بوبر فيها دور النبي في رحاب شخصيةٍ مؤدلجةٍ هادفةٍ إلى الحفاظ على السلطة والنظام الذي تقوم عليه

(127)

الحضارة الغربية؛ ومراده من أطروحاته الفكرية ولا سيّما نظرية الهندسة الاجتماعية المتدرّجة، القيام بنوعٍ من إعادة هيكلة الواقع الاجتماعي ضمن الحفاظ على النظام الموجود في الحضارة الغربية والكلّيانية التي يتّسم بها النظام الديمقراطي.

هناك سؤالٌ يطرح نفسه في هذا المضمار، وهو: مع وجود كلّ تلك المنظومات العظيمة المعتمدة في إنتاج الثقافة والأخلاق والفكر والإيديولوجيا الجديدة التي هي بحكم منظومةٍ إيديولوجية تعمل على إشاعة نوعٍ من الفكر الليبرالي في شتّى أرجاء العالم، ألا يعتبر الحديث عن مبدأ الهندسة الاجتماعية التدريجية الذي هو عبارةٌ عن جبهةٍ مضادّةٍ للمتاهات النزعوية، بمثابة إنكارٍ للحقائق الموجودة على أرض الواقع في مجال السلطة العالمية الحالية التي أنشأها الفكر الليبرالي الغربي ضمن تخطيطٍ شاملٍ وفي رحاب سياسةٍ استراتيجيةٍ يراد منها تحقيق مصالحَ بعيدةِ الأمد؟!

لا يخفى على الباحث المحقّق أنّ الحضارة الغربية في العصر الراهن تسخّر شتّى وسائلها وإمكانياتها التكنولوجية المخرّبة لصياغة النمط الذي يناسبها على صعيد مشاعر عامّة الناس ورغباتهم وحتّى أذواقهم بهدف الحفاظ على مصالح النظام الرأسمالي، وهذا التسلّط الفكري يرتكز على أحدث النظريات السيكولوجية والسوسيولوجية ودائمًا يتمّ تشذيبه وتوجيهه على أساسها، ونستوحي من كلّ ذلك وجود فكرٍ طوباويٍّ راسخٍ ومتطرّفٍ بحيث لم يشهد التأريخ البشري مثيلًا له قبل ذلك نظرًا لدقّته وسعة نطاقه.

(128)

لأجل توضيح معالم هذه الاستراتيجيَا والسياسة الليبرالية الشاملة، تمّ تأسيس مراكزَ ومؤسّساتٍ ماليةٍ مثل مركز روكفلر بهدف الدفاع عن الاستراتيجيَا الرأسمالية الليبرالية الشاملة؛ لذا لا بدّ من التعرّف على النهج الذي تتّبعه هذه المراكز والمؤسّسات المالية بهدف صياغة النظرية الرأسمالية الليبرالية والترويج لها في شتّى أرجاء العالم، فقد سخّرت كلّ قابلياتها وإمكانياتها بغية تحقيق أهدافٍ استعماريةٍ واستثماريةٍ رأسماليةٍ غربيةٍ؛ فهي على ضوء دعمها للنظام الرأسمالي وضمن مساعيها الرامية إلى الحفاظ عليه، تتبنّى نهجًا فكريًّا معيَّنًا قوامه الإيديولوجيا الليبرالية.

الباحث إدوارد بيرمان وصف دور المراكز والمؤسّسات المالية في مجال الترويج لنهجها الثقافي الخاصّ قائلًا: «الولايات المتحدة خلال تلك المرحلة التي بلغت فيها الذروة بتكديس الثروة، بادرت إلى تأسيس مؤسّساتٍ كبرى لأجل تحقيق أهدافٍ معيّنةٍ، وهذه الأهداف عبارةٌ عن ترسيخ دعائم الشركات النامية والحفاظ على نظمها وإضفاء مشروعيةٍ عليها بغية إقناع غالبية الشعب الأمريكي. كذلك يراد منها إضفاء صبغةٍ مؤسّساتيةٍ إلى إصلاحاتٍ معيّنةٍ للحيلولة دون مطالبة الشعب بإجراءٍ تغييراتٍ جذريةٍ في بنيته الاجتماعية، وأيضٍا تعني تأسيس شبكةٍ نخبويةٍ عالميةٍ اعتمادًا على المراكز التعليمية بحيث تصوغ هذه النخبة آراءها تجاه نمط الحكم والتغيير الاجتماعي بشكلٍ عمليٍّ وتخصّصٍ معتبرٍ وتدريجيٍّ دون أن تشكّل أيّ خطرٍ على المصالح الطبقية لبعض الشخصيات من أمثال كارنغي وفورد وروكفلر (الذين وضعوا حجر الأساس لتلك لمؤسّسات).

(129)

هذا الدعم المؤسّساتي تمحور في المرحلة اللاحقة حول البرامج التعليمية في داخل البلاد وخارجها، ولا يمكن اعتباره في معزلٍ عن تلك المساعي التي بذلت لصياغة سياسةٍ داخليةٍ ثابتةٍ والهادفة إلى الحفاظ على النظام العالمي الذي يلبّي مصالحها ويوطّد دعائم الحركة الرأسمالية العالمية»[1].

كما تطرّق هذا الباحث إلى بيان دور المراكز والمؤسّسات المذكورة على صعيد الترويج لبعض المبادئ والدعوة إلى تبنّي قراءةٍ محدّدةٍ بخصوص تلك المسائل التي تضمن سيادتها، وممّا قاله في هذا الصعيد: «المؤسّسات لعبت دورًا أساسيًّا في شرعنة بعض الظواهر الاجتماعية، وعلى هذا الأساس ساهمت في ضمان سيادةِ رؤيةٍ معيّنةٍ إزاء المسائل التي تضمن مصالحها؛ كما كان لها دورٌ مشهودٌ في وضع أسس سلطةٍ ثقافيةٍ وعقائديةٍ ساعدت على بقائها، وهذه السلطة كانت تحول دون طرح آراء أخرى إزاء الواقع الذي يعيشه الشعب»[2].

هذه المراكز والمؤسّسات ساهمت في توطيد سيادة النظام الرأسمالي، وذلك بهدف إيجاد واقعٍ يتناسب مع مشاربها الفكرية وطموحاتها، كما سخّرت شتّى الوسائل المتاحة وبما في ذلك وسائل الإعلام العامّة لأجل تغيير وجهة الرأي العامّ وتشذيبه بشكلٍ يخدم مصالحها، إذ على ضوء إقناع الشعب يتسنّى لها

(130)

تصوير الأمور بحسب ما يناسبها لا كما هي عليه في واقع الحال؛ لذا فالمراكز والمؤسّسات الكبرى لعبت دورًا مشهودًا في مجال صياغة رؤًى خاصّةٍ بالنسبة إلى الواقع، لذلك حظيت بقبول غالبية الشعب. فعلى سبيل المثال أقحمت نفسها في البرامج التعليمية التلفزيونية وقدّمت دعمًا ماليًّا لبعض المشاريع الأكاديمية في الجامعات من الطراز الأوّل بغية تحقيق أهدافها المنشودة؛ حيث أشار بيرمان إلى هذه الظاهرة قائلًا: «إذا امتلكت إحدى الطبقات الاجتماعية الوسائل التي تسهم في إقناع الشعب، فهي قد تتمكّن من تلقينه بصوابيّة إيديولوجياها حتّى وإن كانت متعارضةً مع واقع الحال، والمؤسّسات الكبرى تفعل ذلك عبر إشرافها على المجال الثقافي والترويج لنهجها الإيديولوجي، فهي بهذا الشكل تصوغ إيديولوجياها الخاصّة وترسّخها في المجتمع»[1].

الملفت للنظر أنّ المراكز والمؤسّسات المشار إليها بذلت كلّ جهودها لتوسيع نطاقها في العالم، وبالفعل فقد نجحت في ذلك وتمكّنت من التغلغل في بلدان العالم الثالث ومن ثمّ أصبحت مرتكزًا أساسيًّا يتمّ على أساسه تمهيد الأرضية الشمولية لتوسيع نطاق السلطة الرأسمالية الغربية القائمة على نهجٍ إيديولوجيٍّ ليبراليٍّ غربيٍّ، وهذه الظاهرة تنمّ عن وجود طوباويةٍ انطلقت لأوّل مرّةٍ في عام 1945م وما زالت قائمةً حتّى يومنا هذا؛ لذا فليس من المبالغة بمكانٍ وصف ادّعاء كارل بوبر بالساذج، فقد أكّد على أنّ الهندسة

(131)

الاجتماعية والمجتمع المفتوح منزّهان من تلك المتاهات النزعوية والإيديولوجية؛ وفي الحين ذاته تقصّد في نظريته هذه إلى مناهضة الإيديولوجيا دون أن يرتكز على أسسٍ علميةٍ أو تجريبيةٍ.

* النفق المظلم الذي دخله المجتمع المفتوح من الناحية العملية

إضافةً إلى النقد الذي ذكرناه بخصوص نظرية الهندسة الاجتماعية غير الإيديولوجية التي طرحها كارل بوبر، هناك مؤاخذةٌ أخرى تطرح عليها وهي كالتالي: بوبر اتّهم الرؤية الاجتماعية الإيديولوجية القائمة على هندسة متاهاتٍ نزعويةٍ ونهجٍ كلّيانيٍ بأنّها مثاليةٌ وطوباويةٌ لكونها تدعو إلى أهدافٍ مثاليةٍ بعيدةِ المنال، لكن هناك إشكالٌ يرد على مجتمعه المفتوح أيضًا، فهناك العديد من القرائن التي تدلّ على أنّه لم يتحقّق على أرض الواقع على الرغم من اعتماده على نهجٍ تدريجيٍّ، لذلك دخل في نفقٍ مظلمٍ؛ والواقع أنّ طوباوية المجتمع المفتوح بإيديولوجياه الليبرالية لا تسفر إلا عن تحقيق مصالح الطبقة الرأسمالية وتكديس الثروات الخاصّة، لذا نلاحظ وراء كواليس وفرة الثروة التي تبدو في ظاهرها عامّةٌ وشاملةٌ فقرًا مدقعًا يتّسع نطاقه يومًا بعد آخرَ، ولا نبالغ لو قلنا أنّه تنميةٌ لمأساةٍ عامّةٍ.

الباحث إدوارد بيرمان أعرب عن امتعاضه بالنسبة إلى الإصلاحات التدريجية (الهندسة التدريجية) التي لا تطيق الرؤى الثورية والتأريخية، حيث انتقدها بشدّةٍ قائلًا: «أصحاب نهج

(132)

الإصلاحات التدريجية والحفاظ على النظم المؤسّساتي الموجود، لا قدرة لهم على إدراك حقيقة أنّ عاقبة اتّباع نهجٍ تنمويٍّ كهذا أسوأَ بكثيرٍ ممّا ينتج عن التنمية الثورية أو المناهج الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، فلربّما يُسفر عن مآسٍ ومعانَيَاتٍ بشريةٍ أشدَّ وطئًا من سائر المناهج»[1].

رابعًا: نقدٌ شاملٌ على نقد الإيديولوجيا في جميع أشكاله

كارل بوبر انتقد الإيديولوجيا ضمن نقده للمتاهات النزعوية، ونقده هذا ينصبّ في المشروع الفكري الذي تبنّاه ليبراليو الحرب الباردة حينما رصّوا صفوفهم لمقارعة المدّ الشيوعي، وفي هذا السياق ادّعوْا أنّ الإيديولوجيا قد بلغت خطّ النهاية ولم يبقَ لها أثرٌ؛ وهذا النقد يتّسم بطابعٍ سياسيٍّ أكثر من كونه علميًّا وتحليليًّا، إذ أريد منه بشكلٍ عامٍّ زعزعة أركان الإيديولوجيا ومناهضتها بأيّ شكلٍ كان بغية تحقيق أهدافٍ توسّعيةٍ لصالح المجتمع الليبرالي الأمريكي؛ وممّا قاله الباحث بيرمان بهذا الخصوص: «الضرورة اقتضت تضعيف دور الإيديولوجيا لكونها تسفر في نهاية المطاف عن تحزّبٍ سياسيٍّ، وهذا التحزّب من الممكن أن يتسبّب باضطرابٍ اجتماعيٍ يهدّد النظم والثبات الاقتصادي والاجتماعي ويحول دون تنميته المتواصلة»[2].

عالم الاجتماع الأمريكي ألفين غولدز سلّط الضوء بالشرح

(133)

والتحليل على البنيوية الماركسية المطروحة في مباحث علم الاجتماع، وفي هذا المضمار تطرّق إلى تحليل الأسس الإيديولوجية لها ليستنتج أنّ الترحيب الشعبي المتواصل بالفكر الماركسي في الولايات المتحدة الأمريكية أدّى إلى ظهور مساعٍ حثيثةٍ لأجل الترويج لنظريةٍ بديلةٍ وترسيخها في المجتمع في مقابل هذا الفكر وذلك بهدف استئصاله بالكامل من النظريات الاجتماعية.[1] هذا الكلام واضحٌ في مناهضة الفكر الماركسي، وهو لا يقتصر على الإيديولوجيات المحدودة بعلم الاجتماع، بل ينمّ عن أنّ العداء للإيديولوجيا وللنزعة الطوباوية في المجتمعات المؤدلجة ناشئٌ من واقع الظروف الاجتماعية والسياسية التي كانت حاكمةً في تلك الفترة من الزمن، فهذه الظروف تسفر بطبيعتها عن ظهور عداءٍ كهذا.

الباحث أنتوني أربلاستر أكّد في هذا المضمار على أنّ هذا العهد يمكن اعتباره عهدًا إيديولوجيا مناهضًا لأحد التوجّهات السياسية، حيث قال: «الرقم القياسي العالمي في عقدَيِ السبعينيات والثمانينيات ]من القرن العشرين[ الحاكي عن عودة التضخّم والبطالة العامّة في المجتمعات الرأسمالية المتطوّرة وزوال الحكومات التي تجلب الرفاهية لشعوبها، يدلّ على أنّ عهد نهاية الإيديولوجيا لم يتمخّض إلا عن اتّضاح الواقع السياسي وثقافة الازدهار الرأسمالي بعد عام 1945م، فهذا الواقع قد بلغ خطّ النهاية في الوقت الحاضر؛

(134)

وعهدنا هو في الحقيقة مرحلةٌ إيديولوجية في التأريخ البشري».[1]

إضافةً إلى كلّ ذلك النقد الذي طُرح حتّى الآن على نظرية نهاية الإيديولوجيا، هناك نقدٌ كلّيٌّ آخرُ يطرح على الأسلوب الذي اتّبعه الليبراليون ضمن ادّعائهم نهاية عهد الإيديولوجيا في المجتمعات المؤدلجة، وهو كما يلي: الليبراليون يتّهمون هذه المجتمعات ولا سيّما المجتمعات الشيوعية بالعنف والكلّيانية، لكنّهم في الحقيقة يناقضون أنفسهم في هذا الرأي لكونهم يسلكون نهجًا بعيدًا كلّ البعد عن مسلكهم الليبرالي لدى مواجهتهم الإيديولوجيا المنافسة لهم؛ وهذا الموقف لا يمتّ بأدنى صلةٍ إلى الفكر الليبرالي الذي يدّعون أنّهم يطرحون نظرياتهم وآراءهم على أساسه.[2]

نستنتج ممّا ذُكر أنّ النهج الليبرالي قائمٌ على نفاقٍ فكريٍّ ضمن تعامله مع الإيديولوجيا، وفيه دلالةٌ صريحةٌ وواضحةٌ على عدم مصداقية من يدّعي السير على نهجه، لذا لا نبالغ لو قلنا أنّ أتباعه ليسوا ليبراليين من الأساس جرّاء ابتعادهم بالكامل عن جوهرة الفكر الليبرالي، بل نجدهم على العكس من ذلك تمامًا، حيث تسبّبوا في تلك الآونة بظهور أجواء هستيريةٍ وانعدام الأمن في شتّى أرجاء العالم، ومن جملة السلبيات التي ترتّبت على سلوكاتهم أنّ كلّ شخصٍ يعترض على نهجهم في تفتيش العقائد يُتّهم بأنّه

(135)

مصابٌ بلوثة الفكر الشيوعي؛ وقد وضّح أربلاستر هذه الحالة كما يلي: «الفكر الليبرالي ليس لطيفًا ومرنًا كما يروّج دعاته لإقناعنا به، فهو في المجالين النظري والعملي محفوفٌ بجوانبَ مظلمةٍ؛ ولو استقصينا تأريخه لما وجدنا عهدًا تبجّح فيه الليبراليون الخلّص وتنصّلوا عن أصولهم الفكرية بالكامل مثل ذلك العهد الذي شمّروا فيه عن سواعدهم لمناهضة الفكر الشيوعي، أي بين الأعوام 1945م إلى 1960م؛ ففي تلك الآونة بادرت مجموعةٌ منهم على أقلّ تقديرٍ إلى المطالبة بتفتيش العقائد ومطاردة المعارضين وكبح الحرّيات السياسية»[1].

خلاصة الكلام أنّ الموقف السلبي القائم على فكرة نهاية عهد الإيديولوجيا، على الرغم من كلّ المظاهر المشهودة فيه، فهو في الواقع موقفٌ مغرضٌ قائمٌ على قِصر نظرٍ لكن مع كلّ هذه السلبيات تبنّاه المفكّرون الغربيون، إذ لا يمكن الفرار من الإيديولوجيا مهما كان معناها والنظام التي تروّج فيه؛ إذ لا يمكن لأحدٍ التملّص منها وعدم اتّخاذ موقفٍ إزاءها بمجرد ادّعاء العداء لها والإعراب عن مناهضة الفكر الطوباوي وفق أسسٍ غيرِ عقليةٍ؛ وهو ما أكّد عليه أربلاستر حين قال: «بما أنّ نظرية نهاية الإيديولوجيا قد انتهت بعد مدّةٍ قصيرةٍ من إعلانها بواسطة بيل وشيلز وليبيت وريمون آرون وآخرين، فقد وقعت البشرية في وساوسَ فكريةٍ وحاولت الابتعاد عن

(136)

هذا العهد بأسره باعتباره فترةً من مراحل القصور الفكري الغربي».[1]

ونحن بدورنا نعتقد بأنّ العالم الغربي ما لم يقبل على نهجٍ إيديولوجي وفكرٍ دينيٍّ قوامه وحي السماء، سوف يبقى من الناحيتين الاجتماعية والسياسية مصدرًا لظهور إيديولوجياتٍ لا أساس لها، وهذا ما أكّد عليه الباحث ديفيد ماكليلاند حينما انتقد نظرية بيل، حيث أكّد قائلًا: «نحن نعيش في مجتمعٍ منحطٍّ، لذا ما لم نعالج هذا الانحطاط سنبقى ندور في فلك الإيديولوجيا. إذًا، نستنتج من هذا الواقع أنّ الإيديولوجيا من المحتمل أن تبلغ خطّ النهاية وتؤول إلى الأفول، لكن لا شكّ في عدم تحقّق هذا الأمر في أيّ مكانٍ، حتّى في الأفق!»[2].

على الرغم من أنّ النتيجة التي توصّل إليها ماكليلاند بالنسبة إلى نظرية نهاية الإيديولوجيا قد تكون صائبةً، لكن إذا أمعنّا النظر بالمسيرة التكاملية التي تطويها المجتمعات البشرية وتأمّلنا في مبدأ الحضارات البشرية وعواقبها (ضمن حركةٍ تأريخيةٍ تتراوح بين بلوغ الحضارات والمدارس الفكرية المادّية الذروة أو الأفول)، بإمكاننا تصوّر أفقٍ واضحٍ لانتهاء عمر الإيديولوجيا التي تتّسم ذاتيًّا بطابعٍ بشريٍّ؛ ونهايتها هنا تعني أفول الأنظمة الفكرية والعقائدية القائمة على العقل الذاتاني المنقطع عن أواصر وحي السماء، فنحن نعتقد

(137)

أنّ الهزائم المتوالية للإيديولوجيات الغربية وعدم قدرتها على تلبية حاجات البشرية الأساسية، قد أسفرت عن تأزيم أوضاع الإيديولوجيا الغربية وإيجاد تحدّياتٍ لها على صعيد مشروعيتها وهويتها، ومن ثمّ أسفرت عن التشكيك في مصداقيتها لدى الشعب، وهذه الأزمة في الحقيقة لا يمكن الخلاص منها بسهولةٍ.

مع أنّ الأنظمة الإيديولوجية الغربية حينما واجهت تحدّيًا جِدِّيًّا على صعيد استرجاع هويتها وإثبات مشروعيتها بعد زوالهما، لجأت إلى أحدث الإنجازات العلمية والتقنية واتّبعت سياسة الإغراء وخداع الرأي العام بهدف احتواء هذه التحدّيات أو السيطرة عليها؛ وعلى الرغم من أنّ الأنظمة الإيديولوجية لها القابلية على وضع حلولٍ للأزمات الاقتصادية والسياسية، لكنّها في الحقيقة عاجزةٌ عن التغلّب على الأزمات الروحية والأخلاقية التي اجتاحت العالم الغربي، لذا ظهرت توجّهاتٌ جديدةٌ نحو الحقائق الروحية والدينية في باطن العالم الغربي إلى جانب رواج اعتقاد بعقم هذه الأنظمة الإيديولوجية من قبل شريحةٍ كبيرةٍ في المجتمعات الغربية، وهذه الظاهرة من شأنها فتح آفاقٍ جديدةٍ لتقبّل فكرة زوال الإيديولوجيات البشرية والرؤى العقلية البحتة؛ ومن هذا المنطلق ستكون كلمة الفصل في مستقبل المجتمعات البشرية للنظام الإيديولوجي المنسجم القائم على مبادئَ دينيةٍ واقعيةٍ مستلهَمةٍ من وحي السماء.

(138)

 

 

 

 

 

 

الفصل السادس

وظائف الإيديولوجيا

 

(139)

الفصل السادس

وظائف الإيديولوجيا

هدفنا في هذا الفصل هو بيان وظائف الإيديولوجيا كي نتمكّن من بيان مدى ضرورتها، لذا سنسلّط الضوء على الموضوع من شتّى الجوانب الاجتماعية والفردية حيث نسوق التفاصيل في مضمار الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفردية أيضًا، إذ إنّ رؤيةَ كلّ إنسان ومجتمع للحكمة من وجود الإيديولوجيا ذاتُ أهميةٍ بالغةٍ من منطلق كونها نظامًا عقائديًّا وفكريًّا مرتبطًا بميدان العلم والتخطيط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ومرتبطًا أيضًا بالسلوكات الفردية[1].

* وظائف الإيديولوجيا من الناحيتين الدينية والمادّية

من منطلق الرؤية المعتمدة في هذا البحث، سوف نسلّط الضوء على وظائف الإيديولوجيا بغضّ النظر عن منشئها النظري، لأنّ كلّ نظريةٍ إيديولوجية إنّما تصاغ تناسبًا مع الخلفية الفكرية والتنظيرية الخاصّة بها، لذا إن قسّمنا الأطر الفكرية البشرية التي تصوغ رؤية الإنسان تجاه الكون والوجود والمجتمع والتي تحدّد طبيعة ارتباطها بهذه الأمور، إلى محورين أساسيين، أحدهما "مادّيٌّ" والآخر

(140)

"دينيٌّ"؛ بكلّ تأكيد سوف نلمس هذين المحورين في نطاق الحياة الفردية والاجتماعية.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الفكر المادّي القائم على نزعةٍ دنيويةٍ يعدّ مرتكزًا أساسيًّا في التخطيط لجميع شؤون الحياة لدى البعض، في حين أنّ آخرين يتّخذون العبودية لله تعالى منطلقًا للتخطيط في شتّى مجالات الحياة الاجتماعية؛ والشيخ الشهيد مرتضى المطهّري تطرّق في هذا المضمار إلى بيان أوجه الاختلاف بين الإيديولوجييْن الدينية والمادّية، وأشار إلى مكامن الاختلاف بين النظريات والإيديولوجيات المتبنّاة من قبل الطرفين، حيث قال: "المفكّر المادّي يعتبر الأنظمة والقوى الحاكمة على واقع الكون مادّيةً بشكلٍ حصريٍّ، في حين أنّ المفكّر المتديّن يعتقد بوجود قوًى غيرِ مادّية حاكمةٍ في واقع الكون إلى جانب هذه الأنظمة والقوى المادّية؛ وعلى هذا الأساس فالمدرسة المادّية تعدّ اقتصاريةً من حيث الواقع والنظام الحاكم عليها، إلا أنّ المدرسة الدينية ليست كذلك من الناحيتين المذكورتين"[1].

إذًا، المحوران المشار إليهما عبارةٌ عن مصدريْن مختلفيْن ومتعارضيْن لصياغة نظامَيْ حكمٍ إيديولوجيَّين متضادّين، أحدهما دينيٌّ والآخر مادّيٌّ، وهذا الاختلاف يسفر في نهاية المطاف عن تأسيس حكومتين مختلفتين من الناحية الماهوية توصف إحداهما بالدينية والأخرى باللادينية.

(141)

حين تأسيس الحكومة الإسلامية، سوف ينقسم العالم من الناحية الإيديولوجية - لا الجغرافية - إلى منطقتين كبيرتين، هما منطقة الدولة الإسلامية (دار الإسلام)، ومنطقة غير إسلامية (دار الكفر).

1) الإيديولوجيا المادّية والهندسة الاجتماعية 

بما أنّ الوجود والحياة وفق الرؤية المادّية قائمان على شأنٍ دنيويٍّ، فقد قطع المادّيون ارتباطهما بالعالم الآخر بالكامل، وعلى الرغم من ذلك نلاحظ أنّ البنية الهندسية للتنمية الحضارية المادّية التي تعدّ المرتكز الأساسي للتنظيم والتخطيط في جميع مجالات الحياة، تعتمد على إيديولوجيا دنيويةً قوامها الدين في الحقيقة؛ إلا أنّ العلاقة بين الحياتين الدنيوية والأخروية غيرُ موجودةٍ من الأساس في رحاب هذه الإيديولوجيا. 
المجتمعات الإيديولوجية الغربية شهدت ظهور الإيديولوجيات فيها على ضوء الإعراض عن الفكر الديني، حيث يعتقد مؤدلجوها أنّهم قادرون على حمل راية الاستقلال الذاتي البشري عن طريق إفراغ المجتمعات البشرية من الدين والعناصر الروحية وإزالة جميع المظاهر الدينية منها؛ وهذا يعني أنّ الإيديولوجيات في المجتمعات الغربية في بداية ظهورها كانت قائمةً على فكرة أنّ الإيديولوجيا لها القابلية لأن تفي بدورٍ دينيٍّ. 
الجدير بالذكر هنا أنّ الإيديولوجيات الغربية في بداية ظهورها تحمل الخصائص ذاتها التي تتّسم بها المجتمعات الحديثة، فالفكر 

(142)

الإيديولوجي وطِئ هذه المجتمعات حينما كانت في مرحلة التجدّد والحداثة بوصفه خلفيةً عقائديةً وفكريةً؛ لكن مع ذلك تمّ تهميشه من جانبه الماورائي.

المفكّر الغربي تومسون[1] نوّه في كلامٍ له على أنّ الإيديولوجيا تواكبت مع ظهور المجتمعات الحديثة، وعلى هذا الأساس وصف طبيعة أدائها في المجتمعات الغربية كما يلي: "مفهوم الإيديولوجيا عبارةٌ عن جزءٍ من شرحٍ أو روايةٍ نظريةٍ كبيرةٍ ذاتِ ارتباطٍ بتحوّلاتٍ ثقافيةٍ متواكبةٍ مع ظهور مجتمعاتٍ صناعيةٍ حديثةٍ. والتحوّلات الثقافية الحاصلة في المجتمعات الصناعية الحديثة حسب هذه الرواية العظمى، صحبتها مساعٍ متواصلةٌ كانت تهدف إلى تأطير المعتقدات والسلوكات العملية بإطارٍ عرفيٍّ أو دنيويٍّ إلى جانب تصوير الحياة الاجتماعية بطابعٍ عقلانيٍّ. كما أنّ الدين والشعوذة لم يبقَ لهما أيّ ذكرٍ بين تلك الشريحة الاجتماعية التي انصرفت بالكامل إلى نشاطاتٍ صناعيةٍ حثيثةٍ قائمةٍ على مبادئَ رأسماليةٍ، ومن ثمّ تهيّأت الأرضية المناسبة لظهور طرازٍ جديدٍ من الأنظمة العقائدية، وهذه الأنظمة كانت عرفيةً لها القابلية على استقطاب الناس نحوها دون الحاجة إلى التذكير بما هو موجودٌ من قيمٍ وكائناتٍ في العالم الآخر؛ كما جعلت بعض المنظّرين المعاصرين يصفون عصر ظهورها بأنّه عصر الإيديولوجيات".[2] وممّا قاله أيضًا:

(143)

"مفهوم الإيديولوجيا استُخدم لوصف الأنظمة العقائدية التي ملأت الفراغ الثقافي الذي شهدته المجتمعات بعد أفول الدين والشعوذة، حيث ضمن للناس أنماطًا جديدةً من الوعي ونطاقًا جديدًا من المعاني ضمن عالمٍ يواجه أشدّ أنواع التحوّلات الاجتماعية التي كانت متسارعةً ولا سابق لها"[1].

من المؤكّد أنّ استقصاء الخلفيات الدينية والسياسية والاجتماعية التي أسفرت عن ظهور الإيديولوجيا، يتطلّب بحثًا مسهبًا لا يسعنا المجال لطرحه هنا، وعلى أساس ما ذكره تومسون فإنّ الإيديولوجيا بوصفها نظامًا فكريًّا وعقائديًّا مرتبطًا بالحياة الدنيوية، من الطبيعي أن تكون لها القابلية لإزاحة كلّ عنصرٍ ماورائيٍّ أو مرتبطٍ بالخرافات والشعوذة عن طريقها؛ والإيديولوجيات من منطلق كونها "أديانًا دنيويةً"[2] فهي تفي بوظائفَ خاصّةٍ، وفي هذا السياق أكّد الباحث جون باشلار على أنّ الطابع الدنيوي هو الميزة الفارقة للإيديولوجيا، فهي بالدقّة تعني النزعة الدنيوية، لذا فالمفهوم الإيديولوجي الغربي امتزج بالكامل بالتوجّهات الدنيوية التي هي في الواقع ظاهرةٌ واسعةُ النطاق وفي غاية التعقيد، بحيث يمكن تسليط الضوء عليها من وجهات نظرٍ متنوّعةٍ، إلا أنّ أبرز ميزةٍ لها أنّها تهمّش الدين من نطاق الحياة البشرية.

وأمّا من الناحية السيكولوجية فالانقطاع التامّ إلى الدنيا يُعتبر

(144)

شكلًا من أشكال عودة العيوب إلى روح الإنسان، وبشكلٍ عامٍّ فهو على غرار النزول من السماء إلى الأرض؛ في حين أنّ الأساطير والأديان تؤكّد على أنّ العالمَيْن المادّي والماورائي تُشرف عليهما قوًى خفيةٌ، لذا فالنزعة الدنيوية يراد منها إزالة ماوراء الطبيعة من الأساس عبر إيكال كلّ شيءٍ إلى المادّة،[1] ومن هذا المنطلق وصف باشلار الإيديولوجيا بأنّها البنية التنظيمية للثقافة الدنيوية بحيث ترغم البشر على تلبية متطلّباتهم في نطاق هذه الحياة.

الباحث ريمون آرون بدوره اعتبر الإيديولوجيات البشريةَ أديانًا دنيويةً، وأمّا ويلسون فقد فكّك بين الدين والدنيا وعلى هذا الأساس تبنّى فكرة الفصل بين العلمانية (secularism) والعلمنة (secularization)، وأكّد في هذا الصدد على أنّ العلمانية التي هي نزعةٌ دنيويةٌ اجتاحت المجتمعات الغربية، يمكن وصفها بأنّها إيديولوجيا قائمٌة من أساسها على هذه الحياة، ومن هذا المنطلق فالإيديولوجيا في العالم الغربي تعدّ البنية الأساسية للتخطيط الاجتماعي الشامل المرتكز على النزعة الدنيوية. وأضاف قائلًا: «النزعة الدنيوية التي تعني الاعتقاد بأنّ الحياة الدنيا هي قوام كلّ شيءٍ، هي في الواقع إيديولوجيا؛ والمعتقدون بالفكر الإيديولوجي والدعاة له يعمدون إلى نبذ جميع أنماط الاعتقاد بالشؤون الماورائية والوسائط والوظائف المختصّة بها بداعي أنّها أمورٌ خاطئةٌ من الأساس، وبالتالي فهم يدعمون الأصول اللادينية والإلحادية باعتبار

(145)

أنّها الركيزة الأساسية للأخلاق الفردية والكيانات الاجتماعية»[1].

من الواضح أنّ هذه الوظائف تحظى بتأكيدنا نظرًا لوجود من ينكر الإيديولوجيا على ضوئها في الظروف الراهنة ويشكّك بمصداقيتها بادّعاء أنّها من خصائص المجتمعات المتخلّفة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ بعض الباحثين الغربيين يعتبرون الوظائف التي استعرضها الفكر الإيديولوجي الحديث في العالم الغربي متناسقةً من إحدى جهاتها مع الوظائف الدينية التي كانت متعارفةً سابقًا؛ ومن جملتهم باشلار الذي نوّه على هذا الأمر قائلًا: «الإيديولوجيا تفي الدور ذاته الذي لعبه كلّ واحدٍ من الأنظمة المستقلّة في العهود القديمة على حدةٍ، ومن هذه الناحية فهي ليست سياسةً فحسب، وإنّما يمكن وصفها بالأسطورة والدين والأعراف والتقاليد والأخلاق، وحتّى العلم».[2]

2) الإيديولوجيا الدينية والهندسة الاجتماعية

الإيديولوجيا الدينية يمكن اعتبارها الطرف المقابل للإيديولوجيا المادّية الدنيوية، إذْ يتلاحم فيها عالم الآخرة مع عالم الدنيا في رحاب الدين دون أن ينفكّا عن بعضهما. وعلى هذا الأساس فإنّ التخطيط الإدراي للمجتمع الإسلامي يرتكز على دعامة الإيديولوجيا الدينة ضمن البنية الهندسية للتنمية الحضارية الدينية، وهذا التخطيط

(146)

لا ينفكّ عن عالَمَيِ الدنيا والآخرة مطلقًا لأجل أن ينعم أعضاء المجتمع بأجواء دينيةٍ ضمن جميع شؤون حياتهم.

ماهية العالم استنادًا إلى الإيديولوجيا الدينية تنتسب إلى خالقه، بمعنى أنّ واقعه يعني وجود كلّ شيءٍ من جانب هذا الخالق؛ فهذا هو العالم برؤية الإنسان المتديّن. وإضافةً إلى نسبة العالم إلى خالقه، فهو أيضًا يسير نحوه. كما يعتقد الإنسان المتديّن فإنّ هذين الأمرين لا يمكن أن ينفكّا عن بعضهما مطلقًا، فالوجود الذي انطلق من نقطةٍ معيّنةٍ وسار نحو النزول، هو في الحقيقة بعد هذا النزول سوف يسير نحو الصعود والعودة مرّةً أخرى إلى هذه النقطة ذاتها.[1]

نستشفّ ممّا ذُكر أعلاه أنّ الإيديولوجيا الدينية تتمحور بشكلٍ أساسيٍّ حول الأنطولوجيا والواجبات والنواهي وتقوم على أسسٍ أكسيولوجيةٍ معيّنةٍ، وهذه الأمور تشمل جميع مجالات الحياة الاجتماعية؛ وفي هذا السياق تطرّق سيّد قطب إلى بيان معالم نمطها الإسلامي واصفًا إياه بالجامعية والشمولية، حيث أكّد على أنّها تضفي صبغةً دينيةً وإيديولوجية على جميع جوانب حياة الإنسان على المستويين الفردي والاجتماعي، وبالتالي فهي تعمّ كافّة شؤون حياته بشكلٍ لا يمكن معه التفكيك بينها وبين هذه الأمور؛ وقال موضّحًا: «الإسلام بميزاته المعهودة بات صالحًا لأن يصبح طريقًا جامعًا وكاملًا للحياة، فهو طريقٌ يشمل الاعتقاد في الضمير وفي منظومة الحياة الاجتماعية... وهذان الأمران ليسا فقط غير

(147)

متعارضين مع بعضهما، بل لا بدّ من أن يكونا ممتزجين ومتداخلين بحيث لا ينفكّان مع بعضهما، لأنّهما عبارةٌ عن حلقةٍ واحدةٍ ومن ثمّ يعدّ فصلهما تشتيتًا وإبادةً لهما»[1].

وفق هذه الرؤية بإمكاننا ضمان العبودية لله عزّ وجلّ في أعلى المستويات ومن ثمّ توسيع نطاقها إلى حدٍّ كبيرٍ، لذلك أكّد سيّد قطب قائلًا: «الإيديولوجيا الإسلامية ليس فيها أيّ نشاطٍ إنسانيٍّ لا ينطبق عليه معنى العبادة، كذلك ليس هناك نشاطٍ لم تُضفِ عليه الشريعة هذا المعنى؛ إذ هدفها منذ البداية وإلى النهاية هو تحقيق مفهوم العبادة فحسب، لذا فإنّ جميع القوانين المدوّنة والدساتير والقوانين المالية والجزائية والمدنية وقوانين الأسرة وسائر القوانين في الشريعة الإسلامية، لا هدف لها سوى تحقيق مفهوم العبادة في حياة البشر».[2]

ومن الواضح بمكانٍ أنّ تقييد الإيديولوجيا بنظامٍ فكريٍّ وعقائديٍّ دنيويٍّ والتنزّل بها إلى مستوى المنطق العملي للحياة الدنيوية، لا نتيجة له سوى التنزّل بالدين إلى أدنى مستوياته وتقييده بأطرٍ فرديةٍ؛ وفي هذا السياق تطرّق الأستاذ محمّد أسد (سيلفياس ليوبولد ويس) إلى بيان أوجه اختلاف الإيديولوجيا الإسلامية مع سائر الإيديولوجيات مؤكّدًا على اتّساع نطاق مفهوم العبادة ضمن جميع مجالات الحياة البشرية وعدم تفكيك التعاليم الإسلامية بين الأطر المادّية والروحية في الحياة، وممّا قاله: «لو أنّنا فصلنا بين

(148)

هذين المضمارين فمن الصعب عندئذٍ بلوغ الأهداف التي دعا إليها الإسلام، لذا بما أنّ الشريعة الإسلامية تستبطن في كيانها إيديولوجيا حاكمةً على واقع الحياة الدنيوية، فهي قادرةٌ على تحقيق أهدافها في هذا المجال... والمسؤولية الإسلامية لا تقتصر على نطاق الارتباط بين الخالق والمخلوق ضمن مبادئَ ماورائيةٍ، وإنّما الإسلام - على أقلّ تقديرٍ مع التأكيد على هذا المستوى - يحمل هدفًا رساليًّا على صعيد الارتباط بين الفرد والمجتمع وأقرّ منهجًا خاصًّا لهذا الأمر... والحياة الدنيوية برؤيةٍ إسلاميةٍ ليست قوقعةً فارغةً في باطنها وليست مجرّد رؤيا للحياة الآخرة... بل الإسلام يؤكّد بصريح العبارة على أنّ الإنسان في حياته الفردية الدنيوية له القابلية على بلوغ الكمال المنشود شريطة أن يستثمر جميع النِّعم الدنيوية بالتمام والكمال».[1]

الإيديولوجيا تتمخّض عنها نتائجُ ووظائفُ لا يمكن التغاضي عنها مطلقًا (كالوظائف العامّة والفردية)، لكنّ هذا لا يعني بالضرورة أنّ النجاح الإيديولوجي البشري التامّ لا يمكن أن يتحقّق على ضوء الدين، بل المراد هو الالتفات إلى ضرورة وجود إيديولوجيا بمحورية الوظائف الدينية، وهذه الضرورة تعدّ وازعًا للقول بعدم إمكانية حدوث أيّ سلوكٍ اجتماعيًّ دون وجود خلفيةٍ إيديولوجية؛ ومن هذه الناحية لا محيص من القول بأنّ إخفاق الإيديولوجيا الغربية ووصولها إلى طريقٍ مسدودٍ في شتّى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومن ثمّ طروء تغيّرات عليها بشكلٍ

(149)

متواصلٍ، مؤشّرٌ على عجز الإيديولوجيات الأحادية ذات الأطر المحدودة بجانبٍ واحدٍ وعجزها عن النهوض بدور الدين؛ وللباحث جون باشلار كلامٌ وجيه في هذا الصعيد، حيث نوّه على كون الإيديولوجيا الغربية جسّدت النظام الفكري والعقائدي المرتبط بإنسان عصر الحداثة من منطلق أنّها قائمةٌ على أسسٍ عقليةٍ وتكنولوجيةٍ، ومن ثمّ نقضها من أساسها وأكّد على أنّها أخفقت في تحقيق أهدافها التي طرحتها في رحاب عصر الحداثة، حيث قال: «لا شكّ في أنّ جميع الناس أدركوا اليوم خطأ الإيديولوجيا وعبثيتها، لكن في الأزمنة الماضية لم ينفكّ أصحاب الضمائر الحية لحظةً عن مقارعة هذا النمط الفكري. بعض الأسس البنيوية للعقلانية العلمية أسفرت عن عجز المبادئ العقلية وإخفاقها في أداء دورها بالكامل (والمتمثّل في وضع حلٍّ لجميع المسائل)»[1]. وفي هذا المضمار ذكر باشلار ثلاثة نواقصَ وعيوبٍ أساسيةٍ تكتنف إيديولوجيات عصر الحداثة ووضّحها كما يلي:

«الأوّل: عدم إمكانية صياغة حكمٍ أكسيولوجيٍّ على أساس العقل.

الثاني: القواعد العلمية محدودة ولا يمكنها مطلقًا أن تعمّ جميع المسائل البنيوية في حياة البشر.

الثالث: العلوم البشرية ليست سوى معارفَ جزئيةٍ ومؤقّتةٍ بحيث لا يمكنها ادّعاء كشف الحقائق المطلقة».[2]

(150)

الباحث أنتوني غيدنز ضمن تحليله موضوع المجتمع والهوية الشخصية في عصر الحداثة، اعتبر أنّ طرح بعض المواضيع على طاولة البحث مثل «سياسية الحياة» مرتبطٌ بسياسة اتّخاذ القرار في الحياة لأجل الخلاص من سلطة الأنظمة التدرّجية، وهذا الأمر برأيه قد نشأ إثر طرح إيديولوجيا خاصّةٍ للحياة المعاصرة، وهذه الإيديولوجيا وما شاكلها تثار عليها العديد من الأسئلة التي تطال الأنظمة الحديثة التي تصرّ على أنّها المرجع الذاتي لكلّ شيء في الحياة، حيث وضّح هذا الأمر كالتالي: «المسائل المرتبطة بنظام الحياة هي علاماتُ استفهامٍ محدّدةٌ في مقابل الأنظمة التي تعتبر نفسها مرجعًا ذاتيًّا.

المنهج المتّبع لتطبيق نظام الحياة والناشئ من الدعوات التحرّرية التي ترفعها المؤسّسات الحديثة، يعدّ أنموذجًا واضحًا يدلّ على محدودية اتّخاذ القرار وفق معاييرَ ذاتيةٍ، لأنّ الأسئلة الأخلاقية والوجودية ذاتها التي قمعت من قبل المؤسّسات التي حملت راية الحداثة، تساق من جديد في ميدان الفكر على ضوء نظام الحياة».[1]

الإنسان في رحاب الوظائف الإيديولوجية المشهودة في كلّ نظامٍ، يشعر بأنّ الأنظمة الفكرية والعقائدية قد ألقت بظلالها على حياة البشر إلى أقصى حدٍّ بحيث لا يمكنه تخليص نفسه منها.

نستنتج من جملة ما ذكر أنّ كلّ معرفةٍ بشريةٍ - وبما في ذلك المعرفة العلمية - لا بدّ من أن تتّسم بطابعٍ إيديولوجيٍّ، أو على أقلّ

(151)

تقدير فهي في نهاية المطاف ذاتُ خصائصَ إيديولوجية حينما ننظر إلى واقع الحياة من زاويةٍ عمليةٍ.[1]

الوظائف العامّة للإيديولوجيا في النظام الاجتماعي

الإيديولوجيا بطابعها العامّ تحظى بأهميةٍ بالغةٍ من حيث تأثيرها على الرأي العامّ وإيجاد دوافعَ عمليةٍ لدى الإنسان وتأسيس حركاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ، وهناك واقعٌ نلمسه جليًّا على مرّ العصور فحواه أنّ حدوث تحوّلاتٍ وتغيّراتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ يعدّ أمرًا مستحيلًا دون حدوث ثورةٍ إيديولوجية، فكلّ ثورةٍ بطبيعة الحال تتناسب مع الخلفية التي انطلقت وفق مبادئها، حيث تمتلك القابلية لتأجيج مختلف شرائح المجتمع من خلال تمسّكها بإحدى الإيديولوجيات، وبالتالي تحرّك الناس نحو إجراء تحوّلاتٍ في واقعهم.

حينما تمتلك الإيديولوجيا القدرة على الإقناع والتوجيه فهي تتكفّل بأداء وظائفها الإيديولوجية. والإيديولوجيات بهيئتها العامّة لها القابلية على تعبئة الجماهير وتأجيج ثوراتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ كما لها القدرة على إزالة أحد الأنظمة الحاكمة إذا ما لعبت دورًا توجيهيًّا وتحليليًّا بمستوًى عالٍ وفي ما لو تمكّنت من إقناع الشعب بأن يلتزم بأحد الأنظمة الفكرية والعقائدية.

كما أنّ الإيديولوجيات تعدّ مؤثّرةً في مجال الحفاظ على

(152)

الأوضاع الحاكمة في المجتمع وتحقيق انسجام في ما بينها، كذلك لها القابلية لتغيير هذه الأوضاع؛ وهذا ما أكّد عليه الباحث غي روشيه: «الإيديولوجيا ضمن مختلف أشكالها المؤثّرة لها القابلية لإيجاد جملةٍ من التأثيرات العامّة، ويمكن القول إنّها قادرة على إيجاد تحوّلٍ وفي الحين ذاته فهي قادرة على معارضته، أي أنّها تستطيع أن تخلق وحدةً وفي ذات الوقت يمكن أن تكون وازعًا للانشقاق والمعارضة؛ وهذه الميزة في الحقيقة مكنونةٌ في ذاتها التي تعتبر رابطًا وعازلًا في الحين ذاته»[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ الإيديولوجيا حتّى عندما تبسط نفوذها في المجتمع بشكلٍ عمليٍّ ضمن سياقٍ مخالفٍ لأوضاعه وتسفر عن حدوث طغيانٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ، فهي تمرّ أيضًا من بوّابة الوحدة والانسجام بين الشعب (واللذين تحقّقا بواسطة إيديولوجيا جديدةٍ)، ما يعني أنّ إيجاد تحوّلٍ في أحد المجتمعات لا يمكن أن يتحقّق إلا عن طريق أحد الأنظمة الفكرية والعقائدية المرتبطة بالتيار الداعي إلى التغيير.

الإيديولوجيا في هذه الأوضاع تعتبر من ناحيةٍ خارطةً توضيحيةً للسلوكات فتسوق مواقف أعضاء المجتمع وتكتّلاتهم وكذلك المجتمع بنفسه نحو وجهةً معيَّنةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى فهي تلقي بآثارها وتفرض وظائفها في النطاق العامّ للمسيرة التأريخية التي يطويها المجتمع وتفرض سيطرتها على حركته وتعيّن سرعة هذه

(153)

الحركة؛ لذا إن أصبحت آلةً بيد الحكّام، سوف تتحوّل كالقدرة والطاقة المتراكمة والمدّخرة في باطن الشرائح الاجتماعية، وبالتالي على ضوء تفعيل هذه الطاقة سيتسنّى لها إيجاد تحوّلاتٍ على نطاقٍ أوسعَ وبمعيارٍ تأريخيٍّ شاملٍ.

يمكن القول أنّ الإيديولوجيات الحاكمة هي التي تصاغ على أساسها مراحل تكامل التأريخ وفي رحابها يتبلور جوهر حركته ولا سيّما تلك الإيديولوجيات المفعمة ذاتيًّا بمبادئَ دينيةٍ، فهي من هذا المنطلق تخلق لدى الإنسان دوافعَ عمليةً ومن ثمّ تحدّد حركة التأريخ؛ لذا لا يمكن للمجتمعات اجتثاث القوى الاستعمارية الجاثمة على صدرها دون وجود إيديولوجيا تعتمد عليها كعاملٍ أساسيٍّ لإيجاد تحوّلٍ اجتماعيٍّ والسير في رحاب حركةٍ تأريخيةٍ (وهذا الأمر أطلق عليه الباحث ديفيد ماكليلاند عنوان «التغيير الإيديولوجي»، وأسماه الباحث شومبارت دي لوي «التصوير الدلالي»)؛ والحقيقة أنّ هذا التحوّل يعدّ من سنخ التغيّرات الثورية التي تسفر عن انهيار البنية الأساسية للنظام الاستعماري عبر تسخيرها الطاقات الفردية والجماعية إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ[1].

1) النزعة الوحدوية والانسجام

أحد أهمّ الجوانب العملية والميزات الفارقة للإيديولوجيا أنّها توجد انسجامًا وتلاحمًا في باطن الأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حيث تتلاحم السلوكات والنشاطات الاجتماعية

(154)

والفردية على ضوء سيادة نمطٍ إيديولوجيٍّ واحدٍ في جميع الأنظمة والحكومات، وعلى هذا الأساس تبادر جميع الأنظمة إلى صياغة نسيجها الداخلي وفق تلك الإيديولوجيا الشاملة التي تحكمها بحيث تصوغ جميع مبادئها العامّة استجابةً لما تمليه عليها هذه الإيديولوجيا؛ ومن ثمّ لـمّا يتمّ تطبيق هذا الأمر بشكلٍ عمليٍّ في شتّى المجالات، ينسّق أعضاء المجتمع سلوكاتهم ونشاطاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية طبقًا لمبادئ النظام الإيديولوجي العامّ.

حينما نسلّط الضوء على دور الإيديولوجيا ونتطرّق إلى بيان مدى تأثيرها على صعيد تحقيق الوحدة والانسجام، ففي الوهلة الأولى لا بدّ لنا من إلقاء نظرةٍ على طبيعة الأنظمة الاجتماعية التي ندرك من خلالها أنّ المجتمعات البشرية تستبطن في ذاتها تعدّديةً واختلافاتٍ كبيرةً؛ لذا فالإيديولوجيا تعدّ أفضل سبيلٍ يمكن للخبراء المختصّين في شتّى مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد أن يعتمدوا عليه لطرح حلولٍ تساهم في التقليص من حدّة الخلافات وتساعد على إيجاد وحدة وانسجام بين أعضاء المجتمع.

الشهيد مرتضى المطهّري ذكر تفاصيلَ دقيقةً وظريفةً في مجال حاجة المجتمعات البشرية إلى الفكر الإيديولوجي، فقد اعتبر هذا النمط الفكري مرتبطًا بنشاطاتٍ حياتيةٍ تتطلّب تدبيرًا وتخطيطًا وبرمجةً؛ وأكّد في هذا السياق على أنّ حاجة الإنسان إلى الإيديولوجيا تعني الحاجة إلى نظريةٍ كلّيةٍ وتخطيطٍ جامعٍ ومنسجمٍ تتمّ على أساسهما صياغة المعالم العامّة للمناهج والإلزامات والنواهي التي تلازم البشرية والمجتمعات منذ نشأتها وتواكبها طوال مسيرة حياتها.

(155)

لا شكّ في أنّ الحياة بمستوييها الفردي والاجتماعي متواكبةٌ على مرّ العصور مع أشكالٍ عديدةٍ من الاختلافات والصراعات، ومن هذا المنطلق فالخلافات والنزاعات المحلّية والقومية والإقليمية تعدّ البنية الأساسية والخطوة الأولى للتمسّك بالفكر الإيديولوجي، فالوظيفة الإيديولوجية الفريدة التي لا بديل لها مطلقًا في ظروف كهذه، تتمثّل في إيجاد وحدةٍ وتلاحمٍ بين شتّى الشرائح الاجتماعية، إذ تفي بدورٍ مشهودٍ في هذا المجال. وممّا قاله الشهيد المطهّري في هذا المجال: «البشرية منذ لحظة نشأتها الأولى وعلى أقلّ تقديرٍ منذ عهد ازدهار الحياة الاجتماعية وظهور سلسلةٍ من الاختلافات، كانت بحاجةٍ إلى الإيديولوجيا - أي القرآن والشريعة - وهذه الحاجة بدأت تتزايد بشكلٍ ملحوظٍ على مرّ العصور ومع رقيّ الإنسان وتكامله...

ما يعتبره الإنسان المعاصر - وبطريقٍ أولى إنسان الغد - مرتكزًا للوحدة والتوجيه الصحيح، هو ذلك الأمر الذي يرسم له هدفًا مشتركًا ويعتبر معيارًا للخير والشرّ والأمر والنهي، وهذا الأمر هو عبارةً عن فلسفةٍ [حكمةٍ] لحياةٍ هادفةٍ يختارها بوعيٍ وإدراكٍ وتجري وفق أصولٍ منطقيةٍ؛ أي إنّه عبارةٌ عن إيديولوجيا جامعةٍ وكاملةٍ، ومن المؤكّد أنّ الإنسان المعاصر أكثرُ حاجةً إلى هذا الأمر من أسلافه، فهو بحاجةٍ إلى فلسفة لها القابلية لخلق رغبةٍ لديه بالنزوع إلى الحقائق الماورائية والعمل على تحقيق مصالحه الفردية، ولم يبقَ شكٌّ اليوم بأنّ الإيديولوجيا باتت ضرورةً لا غنى عنها في الحياة الاجتماعية»[1].

(156)

بعد أن آل الدين إلى الأفول في الأنظمة الفكرية الغربية وخسر مكانته الرفيعة، باتت المؤسّسات الدينية عاجزةً عن إيجاد وحدةٍ وانسجامٍ بين أبناء المجتمع وفقدت مشروعيتها وأحيانا أصبح تأثيرها على الناس أشبه بالمستحيل، لذلك أُبدلت بنظرياتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ طرحت ضمن إيديولوجياتٍ شموليةٍ بحيث تمحورت المساعي الرامية إلى إيجاد وحدةٍ وانسجامٍ حول الإنجازات التي جاء بها الفكر الإيديولوجي.

الباحث ألفين غولدنر تحدّث عن هذا الموضوع مؤكّدًا على تهميش الدين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لدرجة أنّه أصبح كالتحفة القديمة المركونة في أحد أروقة المتاحف، وهذه الظاهرة أسفرت برأيه عن ظهور أزمةٍ عقائديةٍ لدى الشبّان الأوروبيين، لذلك شعر البعض بحاجةٍ ماسّةٍ إلى إقرار نظامٍ عقائديٍّ جديدٍ لهذا الجيل والأجيال اللاحقة جرّاء حدوث هذه الأزمة الجادّة؛ وضمن تأكيده على كون الإيديولوجيا تعني النظام العقائدي الخاصّ بالعصر الحديث، قال: «النتيجة التي تمخّضت عن تهميش الدين تجسّدت في ظهور أشدّ أزمةٍ عقائديةٍ بين الشباب، [واليوم] تقتضي الحاجة إيجاد معتقداتٍ جديدةٍ ذاتِ طابعٍ إيجابيٍّ... وفي الحين ذاته خضع هذا الجيل الجديد لمؤثّراتٍ ملحوظةٍ من جانب المؤسّسات التعليمية والتربوية التي تعير أهمية بالغة للتنمية العلمية... هؤلاء [الشباب] يبحثون في الواقع عن نظامٍ عقائديٍّ يضفي على العصر الحاضر حالةً مثيرةً وجذّابةً أكثرَ، ويؤصّله ضمن مفاهيمَ أكثرَ دقّةً وعمقًا مقارنةً مع الإثارة والانسجام المعهودين عنه في العصور

(157)

السالفة؛ وفي الحين ذاته لا يتمّ تصوير هذا العصر وكأنّه عديم الأهمية؛ كما يرغبون في أن يكون هذا النظام العقائدي مثيرًا بحدّ ذاته. خلاصة الكلام أنّ الضرورة تقتضي إيجاد نظامٍ إيديولوجيٍّ».[1]

وأمّا المجتمعات الدينية ولا سيّما الإسلامية، فهي على خلاف المجتمعات الغربية، إذ على الرغم من وجود إيديولوجيا شموليةٍ فقد اتّسمت جميع جوانب الحياة البشرية فيها بصبغةٍ دينيةٍ ونالت اعتبارها ومشروعيتها على ضوء انتسابها إلى الدين، ومن هذا المنطلق نلاحظ أنّ سلوكات أعضاء المجتمع الديني ونشاطاتهم الحثيثة في شتّى المجالات، عادةً ما تتّسم بطابعٍ دينيٍّ وتقوم على معاييرَ دينيةٍ يتمّ الترويج لها على هيئة إيديولوجيا تمثّل مرتكزًا فكريًّا لسلوك الإنسان المتديّن ونشاطاته.

بناءً على ما ذُكر، نسلّط الضوء في ما يلي على الدور العملي للإيديولوجيا في مجال تحقيق الوحدة بين أعضاء المجتمع ضمن شتّى المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية:

* الوحدة السياسية

المسؤولون في المجتمع ضمن مساعيهم الرامية إلى تحقيق أهدافهم الحكومية، لا بدّ لهم من إقناع الشعب بالسياسات التي ينتهجونها والقرارات التي يتّخذونها والأساليب المعتمدة لديهم في صناعة القرار، ومن الطبيعي أنّ رضا أبناء الشعب عن الحكّام

(158)

والزعماء السياسيين لا يتحقّق إلا على ضوء اتّخاذ قراراتٍ صائبةٍ تتناغم مع الإيديولوجيا الحاكمة في المجتمع؛ ومن هذا المنطلق نجد أنّ هؤلاء القادة يتمسّكون بهذه الإيديولوجيا ويجعلونها مرتكزًا لهم لأجل إضفاء مشروعيةٍ على أدائهم السياسي وتفعيل الإنجازات التي حقّقوها في هذا المضمار، كذلك بغية تبرير نقاط الضعف الموجودة في سلوكاتهم، ومن هذا المنطلق يضعون الأسس الارتكازية للمواقف الشعبية ويصوغون التوجّهات السياسية في المجتمع.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الانسجام الذي يتمّ توحيد الصفّ الشعبي في رحابه لا يعني أنّ كلّ ما يقوله الحكّام صائبٌ ولا غبار عليه، بل الحكّام وبالأخصّ في النظام الشيوعي السابق والنظام الرأسمالي الحالي، حاولوا إقناع الشعوب بالقهر والتبكيت عبر إضفاء وجهةٍ إيديولوجية إلى القرارات المتّخذة من قبلهم ومراكز اتّخاذ القرار المعتمدة لديهم.

الباحث الألماني فولفغانغ ليونارد[1] هو أحد أبرز الخبراء المختصّين بالفكر الشيوعي والأكثر تجربةً من غيره، حيث تولّى رئاسة أحد المعاهد المختصّة بالقضايا الشيوعية والاشتراكية في ألمانيا الفدرالية، لـمّا طُرح عليه سؤالٌ حول أهمية الإيديولوجيا بوصفها «نظريةً» حكوميةً استند إليها النظام الحاكم في الاتّحاد السوفييتي، أجاب قائلًا: «هناك ثلاثة أسبابٍ تثبت عدم عبثية الإيديولوجيا مطلقًاك

(159)

.) أوّلها: إغراق الناس بالفكر الإيديولوجي وفق توجّهات النظام الحاكم وقيادته، وهناك جوانبُ إيديولوجية ذاتُ تأثيرٍ كبيرٍ على الشعب أكثر من غيرها إثر ارتباطها بالأسس القومية.

..) وثانيها: أنّ الإيديولوجيا بوصفها مرتكزًا أساسيًّا للتوجّهات الفكرية لها تأثيرٌ على أعضاء الحزب ولا سيّما من حيث السلوك الوظائفي، فهؤلاء حينما يستمدّون توجّهاتهم الفكرية من المفاهيم الإلزامية المؤدلجة قد يشكّكون بها أحيانًا.

...) وثالثها: أنّ العناصر الإيديولوجية لها تأثيرٌ في تدوين سياسة الاتّحاد السوفييتي (السابق) وتحديد أطرها الخاصّة».[1]

الإيديولوجيات في الكثير من الأنظمة السياسية الغربية نشأت في رحاب التعدّديات والصراعات السياسية، لكن بعد ذلك أصبح لها فصل الخطاب في معالجة التعدّدية والصراع؛ والحقيقة أنّ إحدى أكثر الوظائف الإيديولوجية تأثيرًا في هذا المضمار تتمثّل في الوحدة والانسجام اللذين يتبلوران تحت مظلّة نظامٍ فكريٍّ مرتبطٍ بالأداء السياسي بحيث ينسّقان بين المواقف والسلوكات الحزبية والفردية.

الجدير بالذكر هنا أنّ بعض المنظّرين السياسيين الغربيين على ضوء اتّباعهم منهج التعدّدية السياسية كانوا يعتقدون بإمكانية تحقيق وحدةٍ ووفاقٍ سياسيٍّ بين مختلف الحركات والمكوّنات

(160)

في المجتمع، واعتبروا هذه الوحدة بأنّها المحور والبنية الأساسية للنظام الليبرالي الديمقراطي؛ وجرّاء هذه العقيدة عارض المدافعون عن التعدّدية السياسية فكرة تأصيل القواعد السلوكية والنشاطات السياسية المؤدلجة التي تعيّن الإطار الخاصّ للمبادئ والقيم العامّة في الحياة السياسية.

الوجهة العامّة في النظرية السياسية الراهنة تمحورت في القرنين الأخيرين حول نبذ الفلسفات والإيديولوجيات الأكثر إيجابيةً، ويمكن القول أنّ ثمرة جميع هذه الاستدلالات هي إزالة المناهج الإيديولوجية بغية إيجاد قواعدَ خاصّةٍ يتمّ على أساسها تحقيق الأهداف والنتائج السياسية المرجوّة[1].

على الرغم من مساعي المنظّرين السياسيين للنظام الليبرالي الرامية إلى تفنيد فاعلية السياسة الإيديولوجية والتأكيد على ضرورة إنشاء مجتمعاتٍ ليبراليةٍ تمتاز بالتعدّدية، لكن لا يستبعد أن يستند النظام الحاكم والوفاق السائد فيه إلى تلاحمٍ وانسجامٍ إيديولوجيين؛ وفي هذا السياق أكّد الباحث روبير دال في كتابه "تقديم إلى النظرية الديمقراطية" (A Preface to Democratic Theory)، على أنّ التنسيق بين الرغبات المتعارضة وتطبيقها على بعضها يقتضي أو يتضمّن وفاقًا عامًّا حول القيم والمبادئ التي تقيّد التعارض والتضارب على الصعيد السياسي بقيودٍ خاصّةٍ، كما تضيّق نطاق رغبات الأقلّية الاجتماعية، ومن الممكن في هذا

(161)

النطاق إيجاد حلولٍ مقبولةٍ لدى أعضاء المجتمع.[1]

إذًا، انعدام التضارب والمعارضة السياسية أو انحساره في أدنى مستوًى ضمن أحد الأنظمة التعدّدية، ينمّ عن وجود وفاقٍ إيديولوجيٍّ راسخٍ وواسعِ النطاق حتّى وإن صيغ هذا الوفاق على أساس مبادئَ وقيمٍ كلّيةٍ صريحةٍ وواضحةِ المعالم؛ لذلك تبنّى الباحث أنتوني أربلاستر فكرة أنّ الليبرالية بمثابة إيديولوجيا، حيث قال في هذا الصعيد: "على الرغم من النتائج التي توصّل إليها الليبراليون، لكن لا ضرورة لأن تطرح الإيديولوجيا بهذا المفهوم بوصفها عقيدةً سياسيةً صريحةً ومعلومةً أو باعبتارها منهجًا سياسيًّا شاملًا؛ وإحدى الخصائص العامّة للفرضيات الإيديولوجية في الحقيقة هي كونها توقيفيةً وخفيةً لدرجة أنّها أحيانًا لا تظهر بشكلٍ علنيٍّ إلا في رحاب البحوث والدراسات التأريخية".[2]

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ التعدّديات والصراعات السياسية حدثت بعد أفول السنن الدينية، لأنّ المبادئ الدينية كانت لها قابليةٌ كبيرةٌ على معالجة هذه الصراعات في الأنظمة التي سبقت العصر الحديث، فقد كانت تضع حدًّا لها ضمن نظامٍ إيديولوجيٍّ دينيٍّ بفضل قدرتها على إقناع الشعب وإرضائه بما تطرحه من حلول.

(162)

ابتداءً من القرن الثامن عشر وخلال الفترة اللاحقة له اجتاحت المجتمعاتِ الحديثةَ نزعةٌ إيديولوجية، وبتعبيرٍ أفضلَ "انفجارٌ إيديولوجيٌّ" واسعُ النطاق يمكن اعتباره معيارًا لتقييم مقدار العرض والطلب الإيديولوجيين فيها؛ كما يمكن اعتباره معيارًا للبتّ بمدى فاعلية الأداء الإيديولوجي في المضمار السياسي وبطبيعة العلاقة بين الإيديولوجيا والسياسة.

الباحث جون باشلار تطرّق إلى تحليل واقع الحاجة الإيديولوجية ومؤشّر الطلب عليها، وفي هذا السياق ذكر ثلاثة متغيّرات كلّيةٍ مؤثّرةٍ، حيث أكّد على أنّ الأنظمة التي تحظى بإجماعٍ ووفاقٍ عامٍّ لا موضوعية فيها للمبادئ الإيديولوجية، ومن ثمّ ليس من الضروري للإيديولوجيا أن تفي بأيّ دورٍ عمليٍّ في الأنظمة التقليدية والدينية؛ وفي مقابل ذلك كلّما تضاءلت الرؤى الاجتماعية الموحّدة فهي تتبلور على أرض الواقع وتطرح نفسها كمرتكزٍ لتحقيق الوحدة والانسجام في المجتمع، لذلك يتمّ تسخيرها لهذا الهدف.

وما أكّد عليه هذا الباحث الغربي وجود متغيّرين كلّيين في الطلب على الإيديولوجيا، أحدهما شدّة الصراعات السياسية والآخر سعة نطاقها، ففي هاتين الحالتين تتجلّى الحاجة لها كي تفي بوظائفَ معيّنةٍ؛ كما ذكر ثلاثة متغيّراتٍ كلّيةٍ، هي الرؤية الموحّدة وشدّة الصراعات وسعة نطاقها، تسهم في إيجاد تضارباتٍ ونزاعاتٍ سياسيةٍ لثلاثة أنماطٍ من الأنظمة السياسية المختلفة عن بعضها تتمثّل بما يلي:

(163)

- نظامٍ سياسيٍّ تقليديٍّ،

- أنظمةٍ تعدّديةٍ،

- نظامٍ سياسيٍّ كلّيانيٍّ.

ثمّ أكّد على أنّ الرؤية الموحّدة تتلاشى في النظام السياسي التعدّدي، ومن هذا المنطلق تتمهّد الأرضية المناسبة للإبداع والنشاطات العملية، لذلك صرّح قائلًا: "بناءً على ذلك فالميزة الفارقة للمجتمع الحديث (وهذا المصطلح على غرار النظام التعدّدي) هي تضاؤل مستوى وحدة وجهات النظر، حيث تبسط الخلافات نفوذها على نطاقٍ واسعٍ لكنّها ليست شديدةً إلى حدٍّ كبيرٍ، وهذه الظاهرة متغيّرةٌ من مجتمعٍ إلى آخرَ وتسفر عن تزايد حاجة المجتمع إلى الإيديولوجيا لدرجة أنّ هذه الحاجة تصبح ماسّةً أحيانًا.

كلّ أطروحةٍ فكريةٍ يراد لها أن تتبلور بهيئة أداءٍ سياسيٍّ، هي في الحقيقة بحاجة إلى الإيديولوجيا من جميع نواحيها... الإيديولوجيا تلعب دور الدليل في هذا المضمار، لذا فهي تتنامى في المجتمعات التعدّدية، وعلى هذا الأساس يجب وأن نصف عصرنا الراهن بأنّه عصرٌ مؤدلجٌ".[1]

باشلار أكّد بصريح العبارة على أنّ زوال الأنظمة التقليدية هو السبب الأساسي في حدوث خلافاتٍ وصراعاتٍ سياسيةٍ، فالمجتمعات التعدّدية تتنامى فيها هذه الظاهرة إلى حدٍّ كبيرٍ، الأمر

(164)

الذي يؤدّي إلى تزعزع أركان النظام الاجتماعي إثر تزعزع التقاليد والأعراف؛ وهنا يتبلور دور الإيديولوجيا في توحيد صفوف الشعب ولملمة شمل مختلف الشرائح الاجتماعية وبالتالي تتجلّى على الصعيد السياسي ضمن اتّحادٍ جماهيريٍّ منسجمٍ يفسح المجال للزعماء والحكّام السياسيين بأن يسخّروا التعبئة الجماهيرية لصالح توجّهاتهم الفكرية كي يتمكّنوا من أداء مهامّهم دون عوائقَ.

الجدير بالذكر هنا أنّ ما ذكره باشلار بخصوص منشأ الإيديولوجيا لا يعدّ كلامًا تامًّا، وذلك لأنّ الرؤية الموحّدة والوفاق الحاصل في الأنظمة التقليدية لا يحدثان عبثًا، فهذه الأنظمة ولا سيّما الأنظمة التقليدية المتّسقة والقائمة على أسسٍ دينيةٍ وتعاليمَ سماويةٍ، تبلغ فيها الصراعات السياسية أدنى مستوًى، والسبب في ذلك أنّها تخضع لمبادئَ إيديولوجية دينيةٍ؛ لذا إذا كانت التعدّدية والصراعات السياسية منشأً للإيديولوجيا البشرية في العالم الغربي، فالوحدة التي تحكم المجتمعات التقليدية قد تبلورت على أرض الواقع في ظلّ نظامٍ عقائديٍ (Idiocracy)، لأنّ الركيزة الأساسية للوحدة والوفاق في المجتمعات الدينية وبالأخصّ في المجتمع الإسلامي هي مبادئها الإيديولوجية التي لها دورٌ مؤثّرٌ على نطاقٍ واسعٍ.

الإيديولوجيا الإسلامية عبر تأكيدها على الوحدة والوفاق تحت لواء الأمّة الإسلامية، نهت أبناء المجتمع عن التشرذم والتفرقة، إذْ دعت التعاليم الإسلامية السمحة إلى توحيد الصفّ والانسجام بين جميع الطوائف والفرق لتنضوي تحت مظلّة فئةٍ واحدةٍ هي «حزب الله» ولتتمكّن من التلاحم في ما بينها والتعاضد بعضها مع بعضها؛

(165)

وقد وضّح سيّد قطب هذه الحقيقة قائلًا: «الإنسان الذي يؤمن بدينٍ مكلّفٌ بأداء وظائفه بعد أن يتلقّى إيديولوجيا صحيحةً وكاملةً تثمر في نهاية المطاف عن اختيار دين الله... أهمّ وظيفة يقوم بها في بادئ الأمر باعتبارها أكثر الوظائف ضرورةً وفوريةً، أنّه يبادر إلى الالتفاف حول جماعةٍ لتأسيس مجتمعٍ مثاليٍّ وحزبٍ في رحاب ما عبّر عنه القرآن الكريم بـ (الاعتصام) في قوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبلِ اللهِ جَميعَاً وَلا تَفَرَّقُوا)... إنّ كلّ إيديولوجيا فاعلةٍ وراسخةٍ هي في الواقع ليست سوى (حزبٍ)، لذا فإنّ ثمرة الإيديولوجيا الإسلامية تتجسّد في (حزب الله) الذي هو اسمٌ لفئةٍ يرتبط أفرادها في ظلّ الإيديولوجيا الإسلامية بعلاقاتٍ وطيدةٍ، وهم (المؤمنون) بالله ورسوله».[1]

تجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أنّ الإيديولوجيا لها دورٌ محوريٌّ ومؤثّرٌ على صعيد إيجاد تلاحمٍ بين جميع المكوّنات الاجتماعية وتوحيد صفّها، وهذا الدور تجسّد في العالم الإسلامي ضمن مفهوم «الإمامة»، حيث تفي الإيديولوجيا بدورٍ أساسيٍّ على صعيد تلاحم الشعب والحكومة بمحورية الإمام الذي هو في الواقع قطب لهذا التلاحم، كما أنّ اقتدار الحكومة سياسيًّا منوطٌ به، لذلك أكّدت التعاليم الإسلامية على وجود ارتباطٍ وثيق بينه وبين الأمّة؛ وهذا الأمر ثابتٌ ولا يمكن التشكيك به بتاتًا.

الإمامة كالنواة المركزية والدعامة الأساسية والبنية التنظيمية،

(166)

فهي التي تشرف على دوران عجلة الحياة الاجتماعية وتصون المجتمع من السير في طرقٍ ملتويةٍ ومنحرفةٍ، والإمام بدوره يعتبر النقطة المركزية للأمّة ومحورًا للقوى الرفيعة والقابليات التي تجعل حياة البشر مزدهرةً، وقيادته إنّما تقوم على فكرٍ ومبادئَ ثابتةٍ لا يمكن تجاوزها لكونها منطبقةً مع معايير التقوى والفضيلة والعلم والسلوكات المنطقية والإنسانية.

الإيديولوجيا الإسلامية تشرف على السلوكات الفردية والجماعية على ضوء طرحها نظامًا فكريًّا وعقائديًّا منسجمًا، لذا يمكن أن تتنوّع الآراء والأفكار في المجتمع الديني على أساس مبدأ الوحدة الدينية وباللجوء إلى الإيديولوجيا الدينية الحاكمة، كما يمكن وضع حلٍّ لهذا التنوّع في رحابها؛ وفي غير هذه الحالة تسفر كثرة وجهات النظر وتعدّدها عن حدوث فوضًى سياسيةٍ في المجتمع[1].

خلاصة الكلام هي استحالة إقرار الوحدة والانسجام على الصعيد السياسي في أيّ مجتمعٍ كان دون الاعتماد على أحد الأنظمة الإيديولوجية، إلا أنّ الوحدة المنبثقة من الأنظمة الإيديولوجية الغربية ليست مستقرّةً وستزول على الأم البعيد، كذلك ستبقى النزاعات والتوجّهات العدائية على حالها دون توقّفٍ؛ وذلك لأنّ أسس الوحدة والانسجام في النظام الإيديولوجي الغربي قد تجسّدت في نطاق رؤًى موحّدةٍ طُرحت لأهدافٍ خاصّةٍ تضرب بجذورها في مبادئ الفكر الغربي.

(167)

* الوحدة الاجتماعية

الإيديولوجيات من الناحية الاجتماعية تعدّ وازعًا لاستحكام العلاقات الاجتماعية وانسجامها، لذا تقتضي الضرورة السير على نهجٍ إيديولوجيٍّ خاصٍّ باعتباره مرتكزًا سلوكيًّا للفرد والمجتمع لأجل أن يتمكّن الجميع من أداء وظائفهم وتكاليفهم وتحمّل مسؤولياتهم الاجتماعية وصيانة حقوق الآخرين، لذا يمكن اعتبار النظام الفكري والعقائدي الحاكم على السلوك بأنّه كملاط الإسمنت الذي له القابلية لإيجاد ارتباطٍ وثيقٍ بين مختلف شرائح الشعب، وفي هذا السياق أكّد الباحث ألتوسير على أنّ الإيديولوجيا تعدّ من الخصائص الثابتة لكلّ مجتمعٍ بشريًّ واعتبرها رابطًا اجتماعيًّا، وهي برأيه البنية الأساسية للسلوكات الجماعية والاجتماعية التي تضفي على العلاقات الاجتماعية طابعها الخاصّ بها؛ ومن هذا المنطلق فهي توجِد تلاحمًا بين مكوّنات المجتمع كافّةً، وبالتالي يمكن اعتبارها نطاقًا أساسيًّا لكلّ سلوكٍ يبدر من قبلنا كي نتمكّن من الانسجام مع سائر أعضاء المجتمع والعيش في رحاب حياةٍ اجتماعيةٍ.[1]

الفيلسوف أنطونيو غرامشي ضمن تفكيكه بين الإيديولوجيا المنتظمة والإيديولوجيات التي تتبلور على أرض الواقع عن طريق الصدفة دون أن تقوم على أسسٍ منتظمةٍ، أشار إلى خصائص النوع الأوّل كما يلي: «... إنّها تنظّم شؤون التجمّعات البشرية وتمهّد

(168)

الأرضية اللازمة لأمثل حياةٍ بشريةٍ كي يعرف الناس مكانتهم في هذه الحياة وألّا يتخاذلوا عن العمل، وما إلى ذلك من أمورٍ أخرى».[1]

من البديهي أنّ حاجة البشرية إلى الإيديولوجيا في مختلف نشاطاتهم الجماعية والاجتماعية، منبثقةٌ من ضرورةٍ فطريةٍ، لذا فهي لا تقتصر على مكانٍ أو زمانٍ بالتحديد ولا يمكن تقييدها ببيئةٍ اجتماعيةٍ خاصّةٍ لكونها تضرب بجذورها في فطرة الإنسان؛ وقد أكّد عليه الباحث المسلم سيّد قطب في هذا المضمار على أنّ الإنسان وفقًا لمقتضى فطرته مفتقرٌ في هذا الكون إلى نظامٍ فكريٍّ خاصٍّ يتمكّن على أساسه من معرفة مكانته وموقعه، ثمّ سلّط الضوء على طبيعة الارتباط بين الإيديولوجيا والنظام الاجتماعي ليستنتج أنّ دعائم النظام الاجتماعي تقوم على الفكر الإيديولوجي، حيث قال: «بطبيعة الحال هناك ارتباطٌ وطيدٌ وراسخٌ بين الإيديولوجيا والنظام الاجتماعي، وهذا الارتباط لا صلة له ببيئة الإنسان الاجتماعية وظروف حياته، بل هو نظامٌ اجتماعيٌّ وليدٌ للنهج الفكري المتّبع في المجتمع ومتفرّعٌ على إيديولوجياه.

كلّ نظامٍ لا ترسى دعائمه على أساسٍ إيديولوجيٍّ، هو في الواقع نظامٌ وضعيٌّ متزعزعُ الأركان، وحتّى لو بقي راسخاً لفترة من الزمن، فلا نتيجة له سوى أنّه يجرّ الويلات على البشر ومن ثمّ يحدث تضاربٌ بينه وبين الفكر القائم على مبادئَ إنسانيةٍ بكلّ تأكيدٍ.

إذً، كما أنّ البشر بحاجة إلى نظامٍ اجتماعيٍّ، في الحين ذاته هم

(169)

بأمسّ حاجةٍ إلى أفكار ومعتقدات وإيديولوجيا ثابتة».[1]

لأجل أن تفي الإيديولوجيات بدورها في توحيد كلمة أبناء أحد المجتمعات، فهي تسخّر المكوّنات والمؤسّسات الاجتماعية التي تعدّ مؤدلجةً من أساسها، وفي هذا السياق دوّن الباحث نورمان فاركلوف في كتابًا تحت عنوان (اللغة والإيديولوجيا) أكّد فيه على أنّ اللغة ممتزجةٌ بمبادئَ إيديولوجية، واعتبر الفكر الإيديولوجي مكنونٌ في بنية الخطابات اللغوية، وعلى هذا الأساس تبنّى فكرة أنّ الخطاب الإيديولوجي له القابلية لتغيير معادلة القوى الاجتماعية، لذلك وصف اللغة بأنّها بمثابة مؤسّسةٍ اجتماعيةٍ لها وظائفُ خاصّةٌ، حيث قال: «... لذا، فالإيديولوجيا مكنونةٌ في بنيةٍ نشأت إثر الأحداث التي شهدتها الحياة سابقًا وتابعة للظروف الكفيلة بالأحداث الراهنة، كما أنّها كامنةٌ في ذات الأحداث؛ لأنّ كلّ حدثٍ يسفر بطبيعة الحال عن إعادة صياغة البنى الأساسية وفقًا لما يتناسب مع واقعه ومن ثمّ يساهم في تغييرها...

ينبغي على الدراسات اللغوية والإيديولوجية أن تساهم في إحداث تغييراتٍ خطابيةٍ من حيث البنية والعمل، وهذا الأمر بحدّ ذاته يعتبر صورةً من التغيير في معادلة القوى الاجتماعية»[2] .

إذا أريد لأيّ نظامٍ أن يسهم في تيسير شؤون الحياة الاجتماعية

(170)

لأبناء الشعب فلا بدّ له من حقن الفكر الإيديولوجي في بنية المنظومة الاجتماعية وفي المكوّنات والمؤسّسات الاجتماعية كافّةً، وثمرة ذلك أنّ النشاطات الاجتماعية ستقوم على قوانينَ وضوابطَ إيديولوجية واضحةٍ؛ ومن هذا المنطلق فإنّ مواصلة ترسيخ المبادئ الاجتماعية في المجتمعات البشرية يقتضي اللجوء إلى آلياتٍ خاصّةٍ مثل الأنظمة التعليمية ووسائل الإعلام العامّة التي وصفها ألتوسير بكونها منظوماتٍ إيديولوجية، وإثر ذلك سوف يتغلغل الفكر الإيديولوجي في باطن الحياة الاجتماعية وبالتالي تتبلور على ضوئه مراحل بناء المجتمع في أطره العامّة.

وممّا قاله الباحث فولغايز: إنّ أحد الأنظمة الجديدة حينما يبلغ دكّة الحكم على ضوء قيمٍ إيديولوجية مختلفةٍ، فهو يسعى إلى تنشئة الجيل الجديد اجتماعيًّا، بل حتّى إنّه يعمل على إعادة التنشئة الاجتماعية للجيل القديم بحيث يغيّر طابع إيديولوجياه القديمة ويصوغها وفق معاييرَ إيديولوجية جديدةٍ، ناهيك عن أنّه يعمل على تثبيت دعائم إيديولوجياه على ضوء هذه التنشئة الاجتماعية ولا سيّما في رحاب مراكز العمل وضمن مختلف وسائل الإعلام، وفي ظروف كهذه تصبح جميع نشاطات الحياة الاجتماعية خاضعةً لأسسٍ إيديولوجية؛ لذا من المرتقب منها أن تتناغم مع السلوك الذي يحاكي المبادئ الإيديولوجية من حيث الواقع أو حتّى في ظاهر الحال[1].

(171)

ذكرنا آنفًا أنّ وسائل الإعلام العامّة بوصفها منظوماتٍ إيديولوجية فهي على غرار المراكز التي تنبثق منها الدعوات والقيم الإيديولوجية، إذ لها القابلية لإيجاد نظم في المجتمع والحفاظ على واقع النظام الموجود فيه أو تعكيره؛ وفي هذا المضمار تطرّق الباحث دنيس مكويل إلى بيان دور وسائل الإعلام العامّة في البلدان الغربية ومدى مساهمتها في الحفاظ على مصالح المجتمعات الرأسمالية، وممّا قاله على صعيد الدور الإيديولوجي لها: «وسائل الإعلام من منطلق مبادئها الإيديولوجية تحمل رسالةً لها القابلية لإيجاد نزعاتٍ لدى الناس بغية تغيير الواقع من بنيته الأساسية، كذلك قد تكون لها القابلية لتحريكهم للقيام بنشاطاتٍ متنوّعةٍ وإثارتهم وإيجاد هواجسَ خاصّةٍ لديهم ومن ثمّ تصبح سببًا في تشويش واقع النظم الموجود في نطاق الأنظمة التي لها القدرة على إيجاد تغييراتٍ بنحوٍ ما».[1]

الإيديولوجيات الاجتماعية توحّد صفوف جميع الفئات الاجتماعية حول محورٍ معيّنٍ ضمن نطاقٍ منسجمٍ، لذلك فهي في بعض المجتمعات عادةً ما تكون وازعًا لظهور توجّهاتٍ وطنيةٍ، فهذه التوجّهات في واقعها عبارةٌ عن إيديولوجيا تعكس وحدة صفوف الشعب تحت مظلّة الوطنية؛ وهذا ما أشار إليه الباحث جون باشلار قائلًا: «مفهوم وطنية السلطة له معنًى أكثرُ ظرافةً، فالسلطة في رحاب هذا المفهوم تضمن من جهةٍ وحدة المجتمع واقتداره داخليًّا، ومن جهةٍ أخرى تمنحه اقتدارًا خارجيًّا من الناحيتين الدفاعية والهجومية.

(172)

لا شكّ في أنّ الفكر الوطني عبارةٌ عن نمطٍ من الإيديولوجيا التي لها القدرة على هضم الأساطير في باطنها بسهولةٍ ومن ثمّ تصنع تأريخًا أسطوريًّا... الفكر الوطني له دورٌ في الترويج للأعراف والتقاليد الوطنية بأفضل شكلٍ وإضفاء طابعٍ مستساغٍ إليها؛ لأنّ وحدة المجتمع تقوم في الأساس على مدى اتّباع الشعب لهذه الأعراف والتقاليد الاجتماعية».[1] وقال في السياق ذاته: «الإيديولوجيا من شأنها ضمان مصالح مختلف الشرائح الاجتماعية وتحقيق أهدافها، أي إنّها بذات المستوى الذي يمكّنها من تلبية المصالح والأهداف الأكسيولوجية والدنيوية، لها القابلية على توحيد صفوف شتّى الطوائف والطبقات الاجتماعية؛ وهذه الطبقات والطوائف بدورها إنّما تنشأ على أساس مصالحَ ومعتقداتٍ إيديولوجية مشتركةٍ، لذا من الممكن لنا معرفة الهيكل التنظيمي والأسس السلوكية التي تتبنّاها في رحاب المصالح والمعتقدات المشار إليها.

المعتقدات الإيديولوجية لا تعمل فقط على صيانة العلاقات الاجتماعية، بل لها دورٌ في النهوض بواقع مصالح شتّى الطوائف والطبقات الاجتماعية...

المعتقدات الإيديولوجية في مجتمعاتٍ كهذه تساهم في الحفاظ على استقرار النظام الحاكم وقلّما تكون مخرّبةً أو سببًا في زعزعة الأوضاع». [2]

التأثير الإيديولوجي على الوحدة الاجتماعية ناشئٌ من تأكيدها

(173)

البالغ على على القيم والمبادئ الأكسيولوجية في مجتمعٍ أو حكومةٍ ما على الرغم من أنّ النظام الأكسيولوجي يختلف ويتنوّع باختلاف وتنوّع المجتمعات البشرية؛ لذا فإنّ القابلية على النزوع إلى تحقيق الانسجام منوطةٌ بمستوى القيم المقبولة اجتماعيًّا.

عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز عضو هيئة التدريس في جامعة هارفارد سلّط الضوء على المجتمع برؤيةٍ منهجيةٍ ولـخّص أسس التلاحم الفكري والتعاضد الشعبي ودوام النظام الاجتماعي ضمن أربعة عناصرَ أساسيةٍ، هي القيم والقوانين والمؤسّسات والمهامّ؛ وفي هذا السياق اعتبر القيم والقوانين عنصرين يسهمان في تحقيق التعاضد بين أبناء الشعب، لذا هما بحاجةٍ إلى وساطة الإيديولوجيا.

القيم هي التي تحدّد غايات الحياة وتسوق سلوكات الناس باتّجاهها، والجانب العملي الخاصّ للنظام الأكسيولوجي في كلّ مجتمعٍ يتمثّل في وضع البنية الأساسية للتكافل الاجتماعي، وهذا النظام يعتبر المنطلق الأساسي للأخلاق والثقافة في النسيج الاجتماعي ويمكن وصفه بأنّه الدعامة الارتكازية للمجتمع؛ والقوانين بدورها تنشأ ويتبلور أداؤها العملي تحت ظلّ القيم، وبالتالي فهي تصبح مستندًا لصياغة الأصول والمناهج العملية الاجتماعية... الوظيفة الخاصّة الملقاة على كاهل الإيديولوجيا والدستور هي الحفاظ على الانسجام الشعبي والتكافل الاجتماعي.[1]

(174)

عالم الاجتماع الفرنسي غي روشيه ضمن بيانه لخصائص الإيديولوجيا ومهامّها الخاصّة، أكّد على أنّ إحدى خصائصها ونتائجها العملية على الصعيد الاجتماعي هي إيجاد ظاهرةٍ جماعيةٍ بين أبناء الشعب تحت عنوان «نحن»، حيث قال: «... الإيديولوجيا بناءً على ما ذُكر تسهم في إيجاد ظاهرةٍ جماعيةٍ تحت عنوان (نحن)، فهي تدعو الناس إلى الالتفاف حول كيانٍ جماعيٍّ خاصٍّ... وهنا يمكن لـ (نحن) أن تحكي عن إحدى الطبقات الاجتماعية أو أحد الأحزاب السياسية أو الشعوب أو عن حركةٍ اجتماعيةٍ معيّنةٍ... ».[1]

إذًا، الإيديولوجيا من شأنها أن تكون عاملًا للتحوّل الاجتماعي وفي الحين ذاته عاملًا لاستقرار النظام الاجتماعي وصيانته، أي إنّها على ضوء دورها الفاعل في تحقيق الوحدة والانسجام من شأنها أن تصبح مرتكزًا لتحوّل أحد الأنظمة ومن ثمّ تسفر عن حفظ أواصر النظام واستقراره ووحدته؛ وهو ما أشار إليه غي روشيه قائلًا: «الإيديولوجيا تدعو الناس إلى الانضمام لظاهرة (نحن) وتحقيق المصالح العامّة، كما تقترح توحيد نمط السلوكات الاجتماعية... وعلى أيّ حالٍ سواءً أكانت متعلّقةً بفئاتٍ اجتماعيةٍ معيَّنةٍ أم بفئاتٍ عامّةٍ، إلا أنّ هدفها الدائم واحدٌ لا يتغيّر، ألا وهو اجتماع الناس تحت مظلّة نظامٍ منهجيٍّ من الأفكار المقترحة وتلاحمهم في رحابه وبالتالي توحيد وجهات نظر أولئك الذين لديهم مصالحُ وطباعٌ نفسيةٌ متكافئةٌ؛ وهي بهذا المفهوم تساهم بشكلٍ أساسيٍّ في صدور

(175)

ردود أفعالٍ وظهور نزعاتٍ ذاتِ طابعٍ جماعيٍّ أكثر من كونها ذاتَ طابعٍ مجتمعيٍّ»[1].

استنادًا إلى المهامّ التي تفي بها الإيديولوجيا على النطاق الاجتماعي، يمكن القول أنّ مفهومها يتّسم بطابعٍ اجتماعيٍّ أكثر من أيّ شيءٍ آخر على الرغم من أنّها من الناحية العملية مطروحةٌ في المضمار السياسي أكثر من طرحها في المضمار الاجتماعي؛ أي إنّه  بإمكاننا فهم حقيقتها من حيث المنشأ في ما لو تتبّعنا جذورها الأولى في النظريات والمدارس الفكرية الاجتماعية القائمة على آراء نخبة علماء الاجتماع، إذ يتجلّى أداؤها العملي في هذا المضمار بشكلٍ أفضلَ من أيّ مضمارٍ آخر، وهذا الأمر واضح إلى حدٍّ كبيرٍ في الأنظمة الإيديولوجية الغربية، وهذا هو السبب في الفراغ الحاصل جرّاء تهميش الدين والأنظمة التقليدية في هذه الأنظمة، لأنّ الفكر الاجتماعي المعتمد لبيان واقع الرؤى العامّة وتحليل التوجّهات النفسية لمختلف شرائح الشعب يتمّ تسخيره بغية إيجاد آليةٍ يمكن من خلالها الإشراف على التوجّهات الفكرية العامّة وهدايتها نحو وجهةٍ معيّنةٍ. أضف إلى ذلك فقد ظهرت مدارسُ فكريةٌ سوسيولوجيةٌ على هيئة إيديولوجياتٍ لها القابلية على تمهيد الأرضية المناسبة لهذه الأفكار العامّة كي تتناسق مع الظروف والأجواء المتحوّلة ولأجل أن تتناسق مع التنمية العلمية والتقنية الحديثة التي تدور عجلتها دون توقّفٍ، وهذه الإيديولوجيات تساهم، عبر دراسة وتحليل

(176)

الواقع الاجتماعي، في صياغة قوانينَ عامّةٍ ومبادئَ شاملةٍ تشرف على نشاطات المجتمع؛ كذلك من شأنها أن تُعتمد كمرتكزٍ أساسيٍّ لكبح الطغيان الذي قد يبدر من بعض الحركات الاجتماعية، ولها القابلية أيضًا في الحفاظ على سلطة النظام الحاكم وضمان دوامها.

استنادًا إلى ما ذُكر يمكن القول بضرسٍ قاطعٍ أنّ المدارس الفكرية الاجتماعية في العالم الغربي هي عبارةٌ عن إيديولوجياتٍ تعمل على صيانة وحدة مختلف فئات الشعب وانسجامها داخليًّا وخارجيًّا بهدف الحفاظ على النظامين الرأسمالي والاشتراكي وتوطيدهما. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الاعتماد على نظريات علم الاجتماع باعتبارها إيديولوجياتٍ اجتماعيةً بات أمرًا متعارفًا على نطاقٍ واسعٍ في المجتمع الغربي الرأسمالي أكثر من أيّ مجتمعٍ آخر لكونها ترسّخ دعائم هذا المجتمع وتحفظ مصالحه، لذا فالنقد الذي وجّهه بعض علماء الاجتماع إلى النظام السوسيولوجي التعدّدي الغربي يعدّ مقبولًا وفق ما ذُكر ويبقى ثابتًا بشكلٍ قطعيٍّ، ومن هذا المنطلق انتقد أحد علماء الاجتماع الغربيين هذه الظاهرة قائلًا: «الجدير بالذكر هنا أنّ الكثير من علماء الاجتماع الغربيين ومن جملتهم العلماء الأمريكان، ينزعون نحو السياسات التي تتّسم بطابعٍ أكثرَ ليبراليةً، ومنهم من يبذل كلّ ما بوسعه لإقرار نظامٍ عالميٍّ شاملٍ وتحسين ظروف حياة البشر والنهوض بواقع الحرف والمهن، لكن على الرغم من رغباتهم هذه قاموا بتدوين دراساتٍ وبحوثٍ انصبّت في نهاية المطاف لصالح الطبقة البرجوازية فحسب؛ لأنّ الهدف منها هو ترميم النظام الرأسمالي وتوطيده. غالبية علماء

(177)

الاجتماع الغربيين تصوّروا أنّهم علماء أكاديميون يسخّرون ما لديهم من وقتٍ وجهدٍ لتدوين دراساتٍ وبحوثٍ نظريةٍ وتجريبيةٍ تصبّ في لصالح العلوم بشكلٍ حصريٍّ ولا تربطها أدنى صلةٍ بالشؤون السياسية؛ إلا أنّ مدوّناتهم هذه سواءً أكانوا معتقدين بوجود ارتباطٍ بينها وبين عالم السياسية أم كانوا معتقدين بعدم وجود ارتباطٍ كهذا، فإنّ نتائجها تصبّ في نهاية المطاف في صالح الطبقة الحاكمة في المجتمعات الرأسمالية»[1].

الباحث ألفين غولدنر أكّد على أنّ علم الاجتماع والنظريات الاجتماعية عبارةٌ عن إيديولوجيا تتحقّق على إثرها مصالحُ، وقد شاعت على نطاقٍ واسعٍ في النظام الرأسمالي.[2] ويعتقد هذا الباحث الغربي أنّ علم الاجتماع بوصفه إيديولوجيا استند في مبادئه إلى الدين والحقائق الميتافيزيقية، وهناك مفكّرون من أمثال أوغست كونت اعتبروا علم الاجتماع الوضعي دينًا إنسانيّا، إذ على ضوء تهميش الأصول التقليدية تضاءل مستوى الأنظمة الاجتماعية والمبادئ الموروثة وتشوّهت هوية المجتمع، وبالتالي آلت هذه الأمور إلى الأفول؛ وفي خضمّ أوضاع كهذه ظهرت مساعٍ جادّةٌ وحثيثةٌ لإقرار منهجٍ جديدٍ يكون بديلًا عن النظام السابق، حيث طرحت في هذا السياق آراء متنوّعةٌ إلا أنّ أوغست كونت كان له حصّة الأسد هنا، حيث لعب دورًا بارزًا يفوق دور سائر الباحثين

(178)

والمفكّرين الغربيين، لأنّ مبادئه الفكرية السوسيولجية ارتكزت على نزعاتٍ وضعيةٍ بحتةٍ، لذلك ساهم في تأسيس دين الإنسانية على ضوء توجّهاته الفكرية الخاصّة والمفاهيم التي يتبنّاها؛ ومن جملة معتقداته أنّ إيديولوجيّـي هذا الدين هم العلماء والتقنيون وأرباب الصناعة الحديثة[1].

السوسيولوجيا الوضعية التي ظهرت في فرنسا أسفرت عن ظهور حالةٍ من النزعات الجماعية التي يدعو أصحابها إلى وضع برنامجٍ اجتماعيٍّ جديدٍ نظرًا لزوال الاعتقاد بالمبادئ الأخلاقية التقليدية وتنامي مقام العلم. وقد اعتُبر الفكر الوضعي كاستجابةٍ لانعدام الثقة بالمبادئ الأخلاقية واندراس القيم في عهد التجدّد، وكان الهدف منه التخلّص من تلك العقبات التي وضعها النبلاء والبرجوازيون.[2]

في مقابل التضارب الذي حدث بين التيارين اليمينيين، فالفكر الوضعي استند بشكلٍ أساسيٍّ إلى السلوكات غير الدينية ودعا مؤيّدوه إلى ترويجها عالميًّا، كما أكّدوا على ضرورة تحصيل العلم الاجتماعي، وفي الحين ذاته تبلورت لديهم رغبةٌ في تجاهل القيم الدينية والأخلاقية قدر المستطاع ونبذها من جميع المجتمعات البشرية في العالم عبر الاعتماد على النظريات الوضعية كأسسٍ وقوانينَ ثابتةٍ، وعلى ضوء هذا النهج اللاأخلاقي دعوا إلى إرساء دعائم عالمٍ جديدٍ ضمن منهجٍ غير مسبوقٍ ومن ثمّ اعتماد هذا

(179)

المنهج كقانونٍ أخلاقيٍّ عالميٍّ حديث الولادة. الوضعية من هذه الناحية تهدف إلى تحصيل علومٍ اجتماعيةٍ عمليةٍ ومفيدةٍ ذاتِ طابعٍ لاأخلاقيِّ، والهدف منها كما ذكرنا هو صياغة منهجٍ اجتماعيٍّ جديدٍ.

على ضوء نشأة توجّهاتٍ وضعيةٍ في مضمار علم الاجتماع تؤكّد بشكلٍ أساسيٍّ على دور العلوم الجديدة ومنزلتها الرفيعة، عرّف الباحث ألفين غولدنر الوظائف الملقاة على عاتق علم الاجتماع في العصر الحديث كما يلي: إيجاد نظم واتّساق في المجتمع لأجل النهوض بالواقع التنموي والصناعي وإنجاز مشروع الحداثة، ولأجل تنفيذ هذه المهمّة التأريخية، فالسوسيولوجيا بوصفها بديلًا انصرفت إلى تصميم أنموذجٍ سلوكيٍّ وصياغة أداءٍ اجتماعيٍّ وإقرار قوانينَ في هذا المضمار لأجل ألّا تتبلور فيها أيُّ حركاتٍ وإيديولوجياتٍ تحرّريةٍ، ولكي يتكامل في رحابه المشروع الإيديولوجي الذي لم يبلغ المستوى المطلوب حتّى الآن. وأضاف في هذا المضمار قائلًا: «وظيفة علم الاجتماع في العالم الحديث لا تقتصر على الدراسات والبحوث فحسب، بل هو يهدف إلى إيجاد نظمٍ واتّساقٍ في المجتمع وطرح صورةٍ خاصّةٍ له، أي صورةٍ لمفهومٍ معيَّنٍ يحكي عن ظواهرَ اجتماعيةٍ معيَّنةٍ يتمّ على أساسها تحديد معالم ذلك المنهج الذي تتبلور فيه العلاقات بين مختلف هذه الظواهر؛ وجلّ نشاطات علماء الاجتماع تتمحور حول صياغة معادلاتٍ وذكر استنتاجاتٍ وطرح بعض المفاهيم المتناسقة مع بعضها، وهي لا تشمل بالضرورة دراسة وتحليل القوانين أو القضايا التي يمكن إثباتها وفق أسسٍ

(180)

تجريبيةٍ لبيان طبيعة العلاقة بين الظواهر الاجتماعية.

خلاصة الكلام أنّ الكثير من الكتب المدوّنة في مجال علم الاجتماع ابتداءً من تلك الكتب الأولى التي يمكن اعتبارها أوّل خطوةٍ في هذا الصعيد وصولًا إلى آثار بارسونز، تتمحور مواضيعها بشكلٍ أساسيٍّ حول التخطيط للواقع الاجتماعي في هذا العالم بدل أن تنصرف إلى دراسة وتحليل واقع الحياة الاجتماعية»[1].

(181)
(182)

 

 

 

 

 

 

الفصل السابع

الإيديولوجيا في الاقتصاد

والسياسة والاجتماع

 

(183)

الفصل السابع

الإيديولوجيا في الاقتصاد والسياسة والاجتماع

* الوحدة الاقتصادية

إحدى الوظائف التي تفي بها الإيديولوجيا على الصعيد الاقتصادي تتمثّل في رسم هيكلٍ عامٍّ لنظامٍ اقتصاديٍّ متناسقٍ، فعلى ضوء سيادة نمطٍ فكريٍّ إيديولوجيٍّ معيَّن يتبلور النظام الاقتصادي للمجتمع في إطار وحدةٍ وانسجامٍ بين أجزائه الداخلية؛ وعلى هذا الأساس يتاح للمجتمع امتلاك الوسائل والمناهج المناسبة التي تعينه على هيكلة مراحل تنامي نظامه الاقتصادي حسب ترتيبٍ خاصٍّ، ومن ثمّ يتمكّن أعضاؤه من وضع الركائز الأساسية للاستراتيجيَات الاقتصادية الشاملة بهدف تلبية متطلّبات كافّة الشرائح الاجتماعية وتحقيق رغباتها.

الإيديولوجيا بناءً على ما ذكر لا تقتصر وظيفتها على توحيد المنظومة الاقتصادية داخليًّا وخارجيًّا، بل إضافةً إلى ذلك فهي عبارةٌ عن معيارٍ وقاعدةٍ لتقييم الأمور والحكم عليها في هذه المنظومة، كذلك من شأنها صياغة الهيكل العامّ لنمط الرغبات الاقتصادية لدى مختلف الشرائح الاجتماعية. النظام الرأسمالي على سبيل المثال تحكمه إيديولوجيا تقتضي حركة جميع المؤسّسات الاقتصادية بكافّة مكوّناتها وشتّى وظائفها، وفق أهدافٍ نفعيةٍ فردانيةٍ، فالنفعية وكذلك الفردانية هما اللذان يحدّدان معالم البنية الاقتصادية وتتمّ

(184)

على أساسهما هيكلة جميع المؤسّسات الناشطة في هذا المضمار تناسبًا معه أهدافهما، ومن هذا المنطلق تصبح النشاطات الاقتصادية بجميع صورها متناسقةً ومنتظمةً.

النفعية في الحقيقة تعدّ الركيزة الأساسية للنظام الاقتصادي، إذ تعمل على صياغة قواعدَ خاصّةٍ بها وفق نظمٍ معيَّنٍ، وبالتالي تنتظم النشاطات الاقتصادية وتتناسق مع بعضها في المجتمع على ضوء توجّهاتٍ تنصب في مصلحة النظام الحاكم.

هابرماس تطرّق إلى الحديث عن أزمة مشروعية الرأسمالية الحديثة مؤكّدًا في هذا السياق على أنّ الفكر النفعي حينما يمسي نظامًا أخلاقيًّا فهو يروّج لأصولٍ عامّةٍ تتسبّب في نهاية المطاف بتضييق أفق العمل وتقلّص من نطاقه؛ لكن على الرغم من ذلك لو أنّها تلاءمت مع الأصول العامّة الحاكمة في المجتمع، من شأنها تقنين المصالح الفردية والخاصّة وفق ضوابطَ خاصّةٍ؛ وممّا قاله في هذا الصعيد ما يلي: «الفكر النفعي الشامل يحكي عن نظامٍ أخلاقيٍّ يجعله متحرّكًا على أساس قواعدَ محدّدةٍ يتمّ وضعها وفقًا لمعايير الحقوق الطبيعية، وعلى أساس هذا الفكر يباح كلّ عملٍ استراتيجيٍّ يزيد من لذّة الإنسان أو نفعه لكن شريطة ألّا يتعارض هذا العمل مع خصّة الآخرين في زيادة أرباحهم أو ملذّاتهم».[1]

هذا المفكّر الغربي أقرّ بكون النظام الأخلاقي المعتمد في الإيديولوجيات البرجوازية له تأثيرٌ في طمأنة أتباعها بنجاعة نظامهم

(185)

السياسي والاقتصادي، وأكّد على أنّه أكثر تأثيرًا في الأوساط العلمية لكونه يوجد طمأنينةً لدى النخبة العلمية بما ستؤول إليه الأوضاع في ما لو تمّ العمل بمبادئه؛ كما دعا إلى ضرورة إبقاء هذا النظام الأخلاقي الذي يتّسم بطابعٍ حقوقيٍّ جزءًا من الأسس التفسيرية للإيديولوجيات. هذا الكلام ينمّ عن أنّ القوانين التي يقرّها النظام الأخلاقي البرجوازي لها سلطةٌ ملزمةٌ لتفعيل النشاطات الاقتصادية المقصودة، لذلك يمكن اعتبار الأخلاق النفعية بأنّها إيديولوجيا جزئيةٌ تتبلور في رحابها أعمالٌ خاصّةٌ. وعلى ضوء رأيه هذا بادر إلى شرح وتحليل المبادئ المؤسّساتية للأنظمة الاجتماعية، وضمن إشارته إلى مختلف الهيكليات الاجتماعية، قسّم المجتمعات البشرية إلى أربعة أنواعٍ يتّصف كلّ واحدٍ منها بميزاتٍ خاصّةٍ، وهي كالتالي:

1) مجتمعٌ بدائيٌّ،

2) مجتمعٌ تقليديٌّ

3) مجتمعٌّ رأسماليٌّ

4) مجتمعٌ ما بعد الرأسمالية[1]

كما يعتقد بأنّ المبدأ المؤسّساتي الحاكم على الهيكلية الاجتماعية للمجتمع الرأسمالي الليبرالي يتمثّل في الارتباط الكائن بين العمل بالأجرة والثروة، لأن المبدأ المؤسّساتي الحديث يفتح الباب على مصراعيه لتنمية المصادر الإنتاجية والنهوض بواقع

(186)

مراكز التقنين؛ وأمّا بالنسبة إلى دوره في عالم الاقتصاد فيمكن اعتباره إيديولوجيا حاكمةً عليه، كما له القابلية على إيجاد وحدةٍ اجتماعيةٍ في مجال النشاطات الاقتصادية.[1]

وممّا نوّه عليه أيضًا: من البديهي أنّ وحدة كهذه لا يمكن أن تتحقّق في مجال النشاطات الاقتصادية إلا بواسطة قدرةٍ آمرةٍ وملزمةٍ أساسها القوانين الأخلاقية والحقوقية، وهذه القدرة هي التي تصاغ في رحابها الأوامر والنواهي وتتبلور على أساسها مختلف النشاطات الخاصّة في الحياة الاقتصادية، حيث تبلورها تناغمًا مع إيديولوجياها الاقتصادية التي هي في الواقع بحكم القاعدة الباطنية للنظام الاقتصادي.

ويعتقد بأنّ القدرة الآمرة منحت لأوّل مرّةٍ للأنظمة الأكسيولوجية من قبل النظام الرأسمالي الليبرالي، حيث قال بهذا الخصوص: «الرأسمالية الليبرالية هي أوّل من منح الأنظمة الأكسيولوجية الشاملة قدرةً آمرةً وملزمةً، وذلك لأجل وضع نظامٍ كلّيٍّ للتداول الاقتصادي، ولكي يتسنّى لهذا التداول إيجاد إيديولوجيا بنيويةٍ ومؤثّرةٍ بهدف تحرير النظام الحاكم من الوضع التقليدي الشائع بخصوص الحقّ».[2]

هذه الرؤية قائمةٌ على الاعتقاد بانفكاك القوانين عن الواقع، لذا يبادر من يتبنّاها إلى فصل التوجّهات الشمولية وقوانينها عن

(187)

الإيديولوجيات المنبثقة منها، وعلى ضوء هذا الفصل يحدث خللٌ في كافّة نشاطات الإنسان وسلوكاته على مختلف المستويات وفي شتّى الصعد بحيث لا تبقى له هويةٌ تنتسب إلى أيّ مرجعٍ فكريٍّ أو نظريٍّ؛ وقد شكّك هابرماس بوجود تناسقٍ وارتباطٍ منطقيٍّ بين الأمرين وفي الحين ذاته اعتبر ارتباطهما على صعيد الإنتاج ملحوظًا في المجتمعات القديمة التي سبقت عصر الحداثة؛ لكن مع ذلك يبقى السؤال التالي مطروحًا في نظريته، وهو: هل إنّ نشأة الدوافع في المجتمعات المعقّدة ما زال مرتبطًا بقوانينَ تقتضي التصديق بها على الرغم من زوال ارتباط الأنظمة القانونية بالحقيقة أو أنّ هذا الارتباط غير موجودٍ؟[1].

رؤية هابرماس هذه ترد عليها مؤاخذاتٌ جادّةٌ، فعلى سبيل المثال بإمكاننا الاعتراض عليها وفقًا لما تبنّاه توماس سبريغنز[2] الذي أكّد على ضرورة بيان: «الفاصلة بين ما هو موجودٌ وما يجب أن يوجد»، حيث اعتبرها مدعاةً للانحراف عن الواقع لكونها تنكر إحدى أكثر الحقائق المتعارفة والبديهية في الحياة، فهو يعتبر السلوك الإنساني قائمًا على رؤيةٍ قوامها الواقع، لذا لا معنى ولا عقلانية لأيّ سلوكٍ يبدر منه ما لم تقم أصوله على أمورٍ واقعيةٍ، لذلك قال: «حتّى أبسط العبارات بخصوص القضايا الواقعية تستبطن جذورًا من التجويز».[3]

(188)

وفي موضعٍ آخرَ استند إلى ما ذكره ثيودور روزاك ليستنتج ما يلي: «السلوكات في حقيقتها انعكاسٌ للرؤية العامّة تجاه الحياة، أي إنّها انعكاسٌ لشخصياتنا وموقعنا في عالم الخارج، وهذه الإيديولوجيا لا وجود لها في كلام غالبيتنا، ولربّما لا نلتفت إليها مطلقًا؛ فهي إيديولوجيا لا تنفكّ عن تشذيب وجهات نظرنا وظروفنا ودوافعنا، ومن المحتمل أنّها كامنةٌ دائمًا في الجانب اللاشعوري فينا.

قبل أن ترشدنا هذه الإيديولوجيا إلى كيفية تمييز الحسن عن القبح، فهي تضطرّنا أوّلًا لأن نميّز الحقيقة عن الباطل، والصواب عن الخطأ، وذي المعنى عن غيره؛ لذا لا بدّ من أن تكون لدينا رؤيةٌ حول العالم قبل أن نقوم بأيّ عملٍ لكي ينطبق سلوكنا مع هذا الأنموذج الدالّ».[1]

فضلًا عمّا ذكرنا بخصوص الإيديولوجيا النفعية، فهي تجعل الأهداف الاقتصادية لمختلف الشرائح الاجتماعية تنتظم حول محورٍ معيَّنٍ، ومن هذا المنطلق نجد أنّ النشاطات الاقتصادية التي يزاولها الناس قائمةٌ على مرتكزاتٍ أساسيةٍ تتمثّل في الإبقاء على مصدر النفع والربح الشخصي حيويًّا، وباعتبار أنّ هذا المصدر من الطباع والأخلاق المتعارفة فهي تروّجه في المجتمع على هيئة سلوكٍ اقتصاديٍّ شموليٍّ، وفي غير هذه الحالة فهي تبقى غيرَ عقلانيةٍ ومتعارضةً مع القوانين الحاكمة في الحياة.

الباحث هانت ضمن تحليله واقع الإيديولوجيات الاقتصادية

(189)

في العالم الغربي، عزا تناميَ النظام الرأسمالي إلى وجود إيديولوجيا معتمدةٍ في التنمية الاقتصادية التي تشهدها المجتمعات الغربية، ومن هذا المنطلق اعتبر أنّ النزعة الفردانية الهادفة إلى النفعية في النظام الاقتصادي الرأسمالي هي المبدأُ الإيديولوجي لليبرالية التقليدية.

بما أنّ النزعة القائمة على الفردانية والنفعية تتعارض مع النظام الأبوي المسيحي، فقد نشأ المذهب البروتستانتي إبّان الفترة التي ظهرت فيها فلسفةٌ فردانيةٌ قوامها تأويلاتٌ ذوقيةٌ للنصوص المسيحية؛ وفي هذا السياق أكّد المفكّر ماكس فيبر (Max WEBER) على أنّ هذه النهضة تعتبر إحدى الخلفيات التي كانت سببًا في نشأة النزعة الرأسمالية الحديثة، حيث أرسيت دعائمها تزامنًا مع ظهور فلسفةٍ فردانيةٍ وإيديولوجيا اقتصاديةٍ رأسماليةٍ، وممّا قاله بهذا الخصوص: «الفلسفة الفردانية التي تعدّ البنية الأساسية للفكر الليبرالي التقليدي تضرب بجذورها في النظريات الرأسمالية المطروحة حول طبيعة الإنسان وحاجته إلى التحرّر من المحدوديات الاقتصادية الشديدة التي يعاني منها لكونها تحول دون نشاطه المهني الرتيب... والمبادئ الدينية البروتستانتية التي انبثقت من نهضة الإصلاح الديني تعدّ أحد أهمّ نماذج هذه الفلسفة الفردانية.

الطبقة الرأسمالية المتوسّطة الجديدة لا تدعو فقط إلى التحرّر من قيود المحدوديات الاقتصادية التي عقّدت من التجارة والإنتاج، بل تدعو أيضًا إلى التحرّر من المبادئ الأخلاقية غير المتعارفة والمفروضة من قبل الكنيسة الكاثوليكية، فهذه المبادئ ترد عليها

(190)

مؤاخذاتٌ من حيث دوافعها ونشاطاتها؛ والمذهب البروتستانتي الذي تبنّاه الرأسماليون من المجتمع لم يخلّصهم من المؤاخذات الدينية فحسب، وإنّما ساعد في عدم نبذ كافّة دوافع الغرور والأنانية وتكديس الثروات، تلك الدوافع التي رفضتها كنيسة القرون الوسطى رفضًا قاطعًا، ومن ثمّ حوّل مبادئه تدريجيًّا إلى فضائل أخلاقية».[1]

وفي مقابل ذلك فالإيديولوجيا الدينية التي يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام إضافةً إلى تنظيمها كافّة السلوكات والنشاطات الاقتصادية، وتنسيقها بين جميع المكوّنات الناشطة اقتصاديًّا، فهي توحّد أركان النظام الداخلي للمنظومة الاقتصادية وفي الحين ذاته تصوغ الهيكل العامّ لنظامه الخارجي، لذا يصوغ المتديّنون سلوكاتهم الاقتصادية الخاصّة بعيدًا عن النزعة النفعية البحتة على ضوء التوجّهات المتعالية والأهداف السامية والمثُل الأصيلة للمجتمع المتديّن بغية بناء أفضل شخصيةٍ إنسانيةٍ. مؤشّر النمو والتكامل في هذا النظام لا يقوم من أساسه على النزعة النفعية الفردية، بل ينقض مشروعية كلّ ربحٍ وكسبٍ اقتصاديٍّ لا يتناسب مع المعايير الإيديولوجية الحاكمة في المجتمع الديني، حيث يعتبر هذه النشاطات خارجة عن أطر القانون الاقتصادي.

النزعة النفعية البحتة من وجهة نظرٍ إسلاميةٍ تعتبر عاملًا مخرّبًا في ما لو خرجت عن نطاق المعايير الدينية لكونها تحول دون رقي

(191)

الإنسان والمجتمع روحيًّا، فالنظام الاقتصادي النفعي البحت وفق التعاليم الإسلامية يعدّ عقبةً أمام إقرار نظامٍ عادلٍ على صعيد إنتاج الثروات الاقتصادية وتوزيعها في رحاب المجتمع المتديّن.

«القضايا المادّية في النظام الاقتصادي الإسلامي متداخلةٌ مع القيم الروحية والأخلاقية إلى أقصى درجةٍ، فهما على غرار الخيوط التي تنسج منها قطعة القماش والتي تتشابك مع بعضها بانتظامٍ وتناسقٍ، وذلك لأنّهما متعاضدان في ما بينهما...

الاقتصاد هو من شؤون حياة البشر وكافّة جوانبه على غرار الجوانب الوجودية للإنسان، لذا كيف يمكننا تقييد هذا الوجود المركّب من جانبين مادّيٍّ وروحيٍّ ضمن مدرسةٍ اقتصاديةٍ تتمحور فقط حول مبادئَ مادّيةٍ؟!

من المستحيل بمكانٍ وضع حلولٍ للمشاكل الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع اعتمادًا على فكرٍ اقتصاديٍّ مادّيٍّ بالكامل، لذا لا محيص من اللجوء إلى القيم الروحية وطلب العون منها»[1].

الإيديولوجيا في النظام الاقتصادي الإسلامي بوصفها منظومةً فكريةً وعقائديةً حاكمةً على السلوك البشري في النشاطات الاقتصادية، لا تنظر إلى السلوكات والنشاطات الاقتصادية من منظارٍ دنيويٍّ بحتٍ، بل تسلّط الضوء عليه في رحاب العلاقة الرابطة بين هذا العالم وعالم الآخرة، لذلك فالوحدة والانسجام

(192)

الناشئان من الفكر الإيديولوجي يجريان وفق قاعدةٍ أساسها أنّ التخطيط لتنظيم الشؤون المعيشية والاقتصادية الإسلامية قائمٌ على مسألة الارتباط بين عالَمَيِ الوجود (الدنيا والآخرة) في كافّة الجوانب البنيوية والمؤسّساتية والتنظيمية الاقتصادية، كذلك له ارتباطٌ بالنشاطات التي يزاولها المعنيون بالشأن الاقتصادي؛ إذ لا يمكن تقييم السلوكات وردود الأفعال الاقتصادية لدى البشر من حيث كونها قانونيةً أو غيرَ قانونيةٍ إلا عبر التنسيق بين الدنيا والآخرة والربط في ما بينهما.

الشهيد الصدر ضمن بحثٍ له على صعيد الاقتصاد الإسلامي، ضمن تأكيده على ضرورة العمل بشكلٍ متواصلٍ على التنسيق بين النظام ومبادئه، استنتج وجود ارتباطٍ منتظمٍ دائمٍ ومؤثّرٍ في هذا الصعيد، ثمّ توصّل إلى نتيجةٍ فحواها أنّنا غير قادرين على دراسة الاقتصاد الإسلامي في منأًى عن الاعتقاد بوجود ارتباطٍ وتناسبٍ بين مختلف مكوّناته، ومن هذا المنطلق لا بد من اتّساق المنظومة الاقتصادية الإسلامية بالكامل مع كافّة جوانب النظام الديني وسيرها جنبًا إلى جنبٍ معه لكي يتسنّى لها تنظيم مختلف جوانب الحياة الاجتماعية التي يرتضيها الله عزّ وجل.

ولدى بيانه طبيعة الارتباط والتلاحم بين مختلف أجزاء النظام الاقتصادي الإسلامي، ذكر أمثلةً على ذلك قائلًا: «... الاقتصاد الإسلامي مرتبطٌ بالعقيدة لأنّ النظام هو مصدر التغذية الروحية، فالعقيدة تحفّز المسلمين على أن يصوغوا كيانهم تناسقًا مع رغبات هذا النظام المنبثق منها؛ وبغضّ النظر عن النتائج التي تتحقّق على

(193)

أرض الواقع، فالنظام الاقتصادي الإسلامي يوجد نشاطًا عمليًّا من الناحية التطبيقية، ويعزّز من الشعور بالأمن والطمأنينة لديهم. الارتباط بين العقيدة والنظام الاقتصادي الإسلامي يجعل هذا النظام متّصفًا بطابعٍ عقائديٍّ ويمنحه قيمةً ذاتيةً».[1]

تجدر الإشارة هنا إلى إمكانية استنتاج وظائفَ أخرى على ضوء هذا الأداء الإيديولوجي في المجال الاقتصادي، فهذا الأداء له القابلية على إيجاد انسجامٍ بين السلوكات الاقتصادية وصياغتها بطابعٍ موحَّدٍ، كما له القابلية على التنسيق بين القضايا الداخلية والخارجية في الحياة الاقتصادية.

2) تعيين الوجهة الفكرية والاختيار

* البعد السياسي

الإيديولوجيا على الصعيد السياسي إلى جانب إيجادها انسجامًا وتلاحمًا في المجتمع، تساهم أيضًا في تعيين الوجهة العامّة سياسيًّا، أي إنّها توجّه المواقف السياسية التي يتّخذها القادة والحكّام وكافّة المكوّنات السياسية، ناهيك عن أنّها تحدّد مسار مختلف الشرائح الاجتماعية في هذا المجال؛ وممّا قاله الباحث توماس سبريغنز بهذا الخصوص: النظريات السياسية عبارةٌ عن فلسفاتٍ عمليةٍ تجعل بين يدي الإنسان حلولًا ومعاييرَ على ضوء ما تسوّغه للمجتمع والنصائح التي تسديها لأعضائه بهدف أن تكون واجباتهم وتكاليفهم هادفةً.

(194)

المجتمع السياسي باعتقاد هذا المفكّر الغربي عبارةٌ عن مضمارٍ تتبلور فيه علاقاتٌ منتظمةٌ، حيث يمضي أعضاؤه حياتهم في رحابه بشكلٍ جماعيٍّ ليحقّقوا رغباتهم ويوفّروا متطلّباتهم الاجتماعية؛ وخلاصة الكلام أنّ هذا المجتمع يجسّد نشاطًا إنسانيًّا هادفًا، لذا لا ينبغي اعتباره مجرّد ظاهرةٍ، فهو ناشئٌ من إدراكٍ بشريًّ يراد منه تحقيق أهدافٍ هامّةٍ وتدبير شؤون المجتمع.

كما يعتقد بأنّ الهدف الكامن وراء طرح نظرياتٍ سياسيةٍ يتمثّل في استعراض رؤيةٍ شموليةٍ بالنسبة إزاء المجتمع السياسي تمكّن المعنيين من تحقيق أهدافهم باعتبارهم يمثّلون مجتمعًا صيغت في رحابه توجّهاتٍ معيَّنةٍ؛ فهذا الأمر لا يتسنّى إلا من خلال وضع برامجَ واسعةِ النطاق من قبل هذه النظريات نفسها التي تتمّ صياغتها بصفتها إيديولوجيا سياسيةً، وعلى هذا الأساس لا بدّ لهذه البرامج من أن تكون واسعةَ النطاق وتحليليةً وقائمةً على قواعدَ خاصّةٍ.

وممّا قاله في هذا المضمار: «قلنا أنّ الهدف من النظريات السياسية هو طرح رؤيةٍ شاملةٍ حول المجتمع السياسي، فالمنظّر السياسي يسعى إلى استعراض السياسية ضمن رؤيةٍ واسعةِ النطاق ويصوّرها بشكلٍ شموليٍّ لمخاطَبيه... هذه الرؤية الشاملة تحليليةٌ وذاتُ قواعدَ خاصّةٍ، فالنظريات السياسية من الناحية التحليلية تسعى إلى استكشاف أهمّ الشخصيات المؤثّرة في الحياة السياسية وتشخيص أهمّ العناصر والأطر البنّاءة في هذا الصعيد... بطبيعة الحال كلّ تحليلٍ شاملٍ لهذا النوع من النشاطات البشرية يستبطن

(195)

جانبًا قانونيًا في غاية الأهمية نظرًا لاتّساع نطاق وجهات النظر»[1].

ثمّ أضاف: «إذًا، الهدف من النظريات السياسية هو تمكيننا من فهم عالم السياسة لأجل أن نسير في الاتّجاه الصحيح على ضوئه، حيث ترسم لنا خارطةً جغرافيةً سياسيةً، والغاية من هذه الخارطة هي تمكيننا من معرفة مكاننا فيها والطريق الذي يجب أن نسلكه كي نحقّق المقصود».[2] التوجيه المشار إليه هنا يسفر بطبيعة الحال عن إيجاد تراصفٍ سياسيٍّ وتشكيلٍ منظّمٍ لكافّة هذه المواقف والنشاطات السياسية، وعلى هذا الأساس يمكننا استنتاج أنّ هذا التراصفَ، الخاصّ القائم على نشاطاتٍ سياسيةٍ معيّنةٍ، ناشئٌ من طبيعة السياسة التي تقوم على وجهةٍ معيّنةٍ منبثقةٍ من إيديولوجيا سياسيةٍ ونظامٍ فكريٍّ وعقائديٍّ مرتبطٍ بالشؤون السياسية.

الوظيفة العملية المتمثّلة في توحيد صفوف المجتمع والتنسيق بين كافّة مكوّناته، لا يمكن أن تتحقّق على أرض الواقع دون تحديد الأطر العامّة للمواقف السياسية قاطبةً وتعيين الوجهة التي يجب اتّباعها من قبل التكتّلات السياسية في شتّى المستويات، لذا فالإيديولوجيا الهادفة إلى تحديد هذه الوجهة تجعل النظام مقيَّدًا بقيودٍ وعناوينَ خاصّةٍ في ما لو أريد منه تحقيق وحدةٍ وانسجامٍ بين شتّى المكوّنات الاجتماعية؛ وهذه القيود والعناوين في الإيديولوجيا الدينية على سبيل المثال تتجسّد في اتّصاف الوحدة السياسية

(196)

للمجتمع بطابعٍ دينيٍّ. ومن ناحية أخرى فالإيديولوجيا لأجل تحديد وجهة المواقف والتكتّلات السياسية، لا بد من أن تتضمّن في كيانها نزعاتٍ وخياراتٍ سياسيةً متناسبةً، وعلى هذا الأساس تضفي طابعًا خاصًّا إلى مختلف النزعات والرغبات؛ وعلى ضوء توجيه هذه النزعات والرغبات، فهي تيسّر تعدّد الخيارات السياسية وتجعل تحقّقها ممكنًا.

الجدير بالذكر هنا أنّ هذا الطابع الذي تمتاز به الإيديولوجيا على الصعيد العملي، يفوق نطاق السياسة ويتعدّاه إلى جوانبَ أخرى لدرجة أنّه قادرٌ على تحديد وجهةٍ معيَّنةٍ لأحد التيارات التأريخية، وفي هذا المضمار قال الباحث غي روشيه: «تسعى الإيديولوجيا بكلّ وضوحٍ وشفّافيةٍ إلى تحديد وجهةٍ خاصّةٍ لحركة التأريخ، ومن هذا المنطلق سواءً أتجسّدت هذه النزعة في إطارٍ جبريٍّ (حتميٍّ) أم في إطارٍ حرٍّ غيرِ جبريٍّ، فهي بالنتيجة تعمل على تفعيل حركة التأريخ والمجتمع»[1].

إذًا، الإيديولوجيا على ضوء صياغتها نمطًا محدَّدًا من النزعات والرغبات السياسية، لا بدّ من أن تتمخّض عنها خياراتٍ سياسيةٍ تتناسب مع المنظومة الفكرية التي تدور في فلكها، وهذه الخيارات بدورها تسفر عن اتّخاذ مواقفَ خاصّةٍ وتأسيس مكوّناتٍ سياسيةٍ متعدّدةٍ.

الإيديولوجيا السياسية وفق أهدافها المحدّدة لها القابلية لتسيير

(197)

السياسة نحو وجهةٍ معيَّنةٍ، وبما أنّ الفكر الهادف لا يتحقّق إلا في رحاب توجّهاتٍ فكريةٍ معيَّنةٍ، يمكننا القول أنّ كلّ نظامٍ سياسيٍّ له وجهةٌ خاصّةٌ بحسب الأهداف التي يتمحور حولها؛ ومن هذا المنطلق تصنّف توجّهات المفكّرين السياسيين على ضوء اختلاف الأنظمة السياسية التي يعتقدون بها، إلى ثلاثة أصنافٍ هي كالتالي: «وظائفيةٌ اختياريةٌ، وظائفيةٌ تجريبيةٌ، تحليليةٌ بنيويةٌ - وظيفيةٌ».[1]

«الوظائفية التجريبية» من وجهة نظر الباحث روبرت كي ميرتون ذاتُ ارتباطٍ بوظائف المكوّنات السياسية التي تتكفّل بمسؤولية صياغة السياسة والحفاظ عليها والإشراف عليها، وهي تعدّ أمرًا ضروريًّا لاستدامة بقاء البنية الاجتماعية؛ وعلى الرغم من تعدّد وجهات النظر إزاء وظائف الأنظمة السياسية إلا أنّها بشكلٍ عامٍّ تندرج ضمن مجموعةٍ من الكيانات الأساسية الشائعة في المجتمع.

الجدير بالذكر هنا أنّ تالكوت بارسونز هو أحد أبرز المفكّرين الذين يتبنّوْن فكرة الوظائفية في العلوم السياسية، وفي هذا المضمار أشار إلى وجود أربع وظائفَ لكلّ نظامٍ سياسيٍّ كما يلي: «الحفاظ على الأسوة، تجسيدها عمليًّا مع البيئة الاجتماعية، تحقيق أهدافٍ خاصّةٍ، توحيد الصفّ». الوظيفتان الثالثة والرابعة لهما ارتباطٌ ببحثنا هذا، لأنّ كلّ منظومةٍ سياسيةٍ ما لم يكن لديها هدفٌ معيَّنٌ ووجهةٌ خاصّةٌ فهي لا تعدّ مرتكزًا للحفاظ على كيان المجتمع، بل

(198)

حتّى إنّه لا يمكنها الحفاظ على كيانها واستدامة بقائها.

الجماعات البشرية تنشئ مجتمعاتٍ تعيش في رحابها بغية تحقيق أهدافٍ معيَّنةٍ ولو من الناحية النظرية على أقلّ تقديرٍ، لذا ما لم يتمّ تحقيق أهدافٍ دفاعيةٍ وتوفير الغذاء والبيئة المعيشية المناسبة للإبداع، سوف يعجز أعضاء المجتمع عن الحفاظ على كيانهم الاجتماعي ويخفقون في استدامة حياتهم الجماعية؛ ومن الواضح بمكانٍ أنّ تحقيق هدفٍ كهذا مرهونٌ بوحدة الصفّ (وهذه الوحدة لا تتحقّق إلا في رحاب حصول تناسقٍ بين كافّة الوظائف). على سبيل المثال، المجتمع الذي يكون التنسيق فيه بين مختلف الأدوار - المهامّ - هشًّا ومتزعزعًا عادةً ما يواجه مشاكلَ ومعضلاتٍ على صعيد تحقيق الأهداف وتطبيق الوظائف العملية على أرض الواقع، خلافًا للمجتمع الذي تتبلور فيه جميع الأدوار ضمن منظومةٍ متناسقةٍ ومتداخلة فيما بينها؛ إذ لا يمكن تطبيق سائر الوظائف بشكلٍ عمليٍّ بتاتاً إذا لم تتمّ صياغة مستوًى واحدٍ يتلاحم فيه النسيج الاجتماعي ضمن إطارٍ موحَّدٍ.[1] هذا الكلام يدلّ على الأهمية البالغة لتأطير الخيارات السياسية في نطاق توجّهاتٍ وأهدافٍ معيَّنةٍ.

الباحث في العلوم السياسية ألموند تبنّى الوظيفة الثالثة على صعيد وظائف الأنظمة السياسية (تحليلية بنيوية - وظيفية)، وممّا أكّد عليه في هذا المضمار ما يلي: إذا أريد لأيّ نظامٍ سياسيٍّ أن

(199)

يستديم بقاؤه، فلا بدّ له من أداء سبع وظائف على أقلّ تقديرٍ، إحداها الإذعان للتنشئة الاجتماعية السياسية أو ما يسمّى الاندماج الاجتماعي السياسي، وتقبّل الخيار السياسي، أي أنْ يعمل، على ضوء بنيته الفكرية السياسية الذاتية، على تيسير تحقّق الخيارات السياسية والتنشئة الاجتماعية السياسية؛ ولأجل أن يتمّ الإشراف على شؤون أحد الأنظمة السياسية بشكلٍ فاعلٍ، ينبغي على أعضاء المجتمع أن يخضعوا لما يتمخّض عن النزعات والقيم التي تساند هذا النظام.

على الرغم من كون «الاختيار» يبدو وكأنّه وظيفةٌ مستقلّةٌ، إلا أنّ هذا المفكّر الغربي اعتبره مدعاةً لديمومة التنشئة الاجتماعية،[1] وفي هذا السياق أشار أيضًا إلى المواقف والتوجّهات السياسية ذات الطابع الخاصّ والتي تتأثّر بالإيديولوجيا ضمن أحد الأنظمة السياسية، معتبرًا إيّاها «ثقافةً سياسيةً»، حيث قال: «مصطلح (ثقافة) يقصد منه موقفٌ سياسيٌ معيَّنٌ، وهذا الموقف يشمل التوجّهات السياسية مع مختلف جزئياتها والتوجّهات الخاصّة بدور أصحابها في داخل النظام السياسي الذي ينضوون تحت مظلّته. المقصود من الثقافة السياسية مجموعةٌ من المواقف إزاء أهدافٍ معيّنةٍ وتياراتٍ اجتماعيةٍ محدّدةٍ...»[2].

(200)

الجدير بالذكر هنا أنّ مصطلح (الثقافة) استُخدم هنا في أحد موارد استعماله المتعدّدة، والمراد منه «المواقف النفسية إزاء الأهداف الاجتماعية»، لذا حينما نتحدّث عن الثقافة السياسية لأحد المجتمعات، فنحن نشير في الحقيقة إلى نظامه السياسي المتأصّل في معارف أصحابه وانفعالاتهم وتقييمهم للأمور[1].

يجب التنويه هنا على أنّ المواقف والتوجّهات السياسية التي تتمحور حول هدفٍ معيّنٍ ولها وجهةٌ خاصّةٌ، لا يمكن أن تتحقّق على أرض الواقع إلا إذا تسنّى للنظام السياسي الإيديولوجي بيان المعالم العامّة للوضع الراهن والظروف المثالية للفرد والمجتمع والعالم، وفي الحين ذاته ترويج قوانينَ وتبريراتٍ خاصّةٍ وفق طبيعة وجهته وهدفه.

الباحث غي روشيه تطرّق إلى بيان مدى تأثير الإيديولوجيا على الخيارات والرغبات، حيث قال في هذا الصعيد: «الإيديولوجيا تحكي عن قضايا بارزةٍ ومشتركةٍ، مثل الشؤون الثقافية والوطنية والتوجّهات الفكرية والرغبات الطبقية، كما تحدّد الظروف الإقليمية لأحد المجتمعات ضمن مواجهته سائر المجتمعات؛ وعلى هذا الأساس يمكن اعتبارها ذاتَ طابعٍ اختياريٍّ بالكامل ولا سيّما في مجال فهم الحقيقة».[2]

(201)

نستشفّ من جملة ما ذكر بشكلٍ عامٍّ أنّ التوجّهات والمواقف التي تتّخذ على هذا الصعيد، هي التي تسوق المرتكزات البنيوية والعلاقات والسلوكات السياسية نحو وجهةٍ معيَّنةٍ، لذا حينما يتحقّق الدين على أرض الواقع، سوف يتبلور بوجهةٍ معيَّنةٍ على ضوء وحدةٍ وانسجامٍ ملحوظيْن في مختلف الجوانب والأركان السياسية للمجتمع؛ وممّا قاله الباحث جون باشلار في هذا السياق: «الإيديولوجيا تتواكب مع تعارضٍ وجدلٍ سياسيَّيْن، وهذا التعارض يطرأ عندما يشيع حقّ الاختيار في المجتمع، والموقف الذي يتّخذ هنا يعني اختياره من بين خياراتٍ عديدةٍ؛ لذا إن لم تسنح الفرصة لحرّية الاختيار من قبل الأفراد والجماعات والمجتمعات بشكلٍ عامٍّ، ففي هذه الحالة لا يمكن اتّخاذ موقفٍ، ومن ثمّ يبقى الناس حائرين لا يعرفون مسؤولياتهم.

إذًا، الإيديولوجيا هي المضمار الوحيد الذي يشجّع الإنسان على الاختيار»[1].

وضمن تسليطه الضوء على وظائف الإيديولوجيا أشار إلى مسألة التكتّل والتحزّب، ثمّ ذكر رأيه القائل بأنّ أوّل وظيفةٍ للإيديولوجيا هي تعريف الأصدقاء بعضهم ببعضٍ وإعلامهم بمن هو عدوٌّ لهم، لأنّ السياسة على ضوء طبيعتها المتعارضة تهضم في باطنها طرفَيْ النزاع على أقلّ تقديرٍ وإثر ذلك تكون الوظيفة الأولى لها هي تعريف الأصدقاء في ما بينهم - أي كلّ من يتراصف في جبهةٍ واحدةٍ - ومن

(202)

ثمّ تعريفهم بعدوّهم،[1] وقال في هذا الصدد: «الإيديولوجيا هي التي توحّد القوى الصديقة تحت رايةٍ واحدةٍ عند تأجّج جدلٍ سياسيٍّ مخطَّطٍ له، ومن هذا المنطلق هناك حاجةٌ ماسّةٌ لها في خضمّ الجدل السياسي السلمي والمخطّط له لأجل أن يجتمع الأصدقاء مع بعضهم وينفصلوا عن عدوّهم ومن ثمّ طرده من مجموعتهم».[2]

* البعد الاجتماعي

قدرة الإيديولوجيا على المستوى الاجتماعي في تحقيق الوحدة والانسجام تتبلور في رحاب تحديد مسار الرأي العام والسيكولوجيا الاجتماعية نحو وجهةٍ معيَّنةٍ، أي إنّها إن أرادت تحقيق ما ذكر في المجتمع فلا بدّ لها من العمل على توجيه مختلف أعضاء المجتمع والمؤسّسات والكيانات الاجتماعية وشتّى القضايا والسلوكات ذات الطابع الاجتماعي نحو هدفٍ موحَّدٍ وجهةٍ محدّدةٍ لتيسير عملية التغيير والتكامل الاجتماعي؛ ومن هذا المنطلق فتلك القواعد والمقرّرات الخاصّة بالمجتمع والتي تطرح في إطار إيديولوجيا اجتماعيةٍ، تتّسم بما يلي:

1) تتجلّى في الشعور الاجتماعي العامّ.

2) تسفر عن تحقّق وحدةٍ إيديولوجية وسياسيةٍ.

وإثر ذلك من شأنها أن تتحوّل إلى كيانٍ مقتدرٍ يمكن الاعتماد عليه لإجراء تغييراتٍ اجتماعيةٍ.

(203)

إذا أردنا التعرّف على طبيعة الأداء العملي للقوانين الملموسة على أرض الواقع في المجتمع فلا بدّ لنا أوّلًا من معرفة كيفية انعكاس هذه القوانين في الشعور الاجتماعي، ومثال ذلك ما يلي: مجتمع ما بعد الرأسمالية الذي تنطبق فيه مصالح أغلبية الشعب مع شتّى مراحل النشاط الاجتماعي، يكون الشعور الاجتماعي فيه والمتمثّل بالوحدة الإيديولوجية والسياسية، كيانًا مقتدرًا يمكن الاعتماد عليه لإجراء تغييراتٍ في المجتمع؛[1] لذا على ضوء تجلّي الإيديولوجيا الاجتماعية في الشعور الاجتماعي، تتّضح الوجهة التي تسوق المجتمع نحو الرقي والتطوّر.

معرفة القوانين العامّة والخاصّة الحاكمة على الوظائف العملية والتكاملية للمجتمع وعلى شتّى مظاهره، تتيح لنا معرفة الوجهة الأساسية التي تضمن رقيّه وازدهاره، وعلى هذا الأساس فالمرتكز العملي لتكامل أحد المجتمعات يتمثّل في العلم بكيفية أداء تلك المجموعة من القوانين الاجتماعية التي تتجلّى في العلاقات المادّية والروحية بين الناس، وهذا الموضوع الأساسي يعدّ عنصرًا مصيريًّا على صعيد السلوك الاجتماعي.

الرؤية التي يتبنّاها علماء السوسيولوجيا فحواها أنّ التوجّهات الإيديولوجية التي تقوم عليها النشاطات الاجتماعية لمختلف الناس، هي عبارةٌ عن انعكاسٍ للقضايا الضرورية المرتبطة بالقوانين العملية الحاكمة على تكامل نظام العلاقات الاجتماعية.[2] وأتباع

(204)

نظرية السوسيولوجيا العلمية يعتقدون بوجوب اتّصاف المجتمع بطابعٍ إنسانيٍّ، ويؤكّدون على أنّ التغيّر الاجتماعي يعدّ شرطًا لازمًا لتغيّر الإنسان، كذلك لا تتسنّى معرفة طبيعة التغيير الاجتماعي ووجهته إلا على أساس نظرياتٍ سوسيولوجيةٍ علميةٍ.[1]

لا شكّ في أنّ النظريات السوسيولوجية تتطّرق ضمن تحليلاتها النظرية إلى بيان القواعد الحاكمة على الأنظمة الاجتماعية وتقيّم مستوى أدائها، وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى أنّ المنظومة الأكسيولوجية والقوانين هي المتغيّر الأساسي في مجال التكامل المرجوّ للمجتمع أكثر من أيّ شيءٍ آخرَ، ولا نبالغ في الحقيقة لو وصفناها بكونها محورًا حقيقيًّا وارتكازيًّا للثقافة الشمولية الحاكمة على المجتمع؛ وهذه المنظومة الأكسيولوجية يمكن تسميتها «إيديولوجيا»، لأنّ القيم في واقعها عبارةٌ عن مجموعةٍ من المعتقدات التي تندرج ضمن ثلاثة مستوياتٍ برأي الدكتور عبد اللطيف محمّد خليفة، حيث قال: «تنقسم المعتقدات إلى ثلاثة أنواعٍ: وصفيةٍ (descriptive)  وهي التي توصف بالصحّة أو الزيف، وتقييميةٍ (evaluative) أي التي يوصف على أساسها موضوع الاعتقاد بالحسن أو القبح، وآمرةٍ أو ناهيةٍ (prescriptive proscriptive حيث يحكم الفرد بمقتضاها على بعض الوسائل أو الغايات بجدارة الرغبة أو عدم الجدارة.

(205)

ويرى روكيش[1] أنّ القيمة معتقدٌ من النوع الثالث (الآمر أو الناهي) ويعرّفها بأنّها معتقد ثابت نسبياً ويحمل في فحواه تفضيلًا شخصيًّا أو اجتماعيًّا لغايةٍ من غايات الوجود أو لشكلٍ من أشكال السلوك الموصلة إلى هذه الغاية».[2]

بما أنّ القيم تدرج ضمن المعتقدات التي محورها نظامٌ خاصٌّ من الأوامر والنواهي، لذا من شأنها أن تلعب دورًا عمليًّا على صعيد توجيه السلوكات وصياغة القوانين الاجتماعية، وفي هذا السياق أضاف الدكتور عبد اللطيف قائلًا: «... كما يمكن من خلال دراسة القيم في مجتمعٍ من المجتمعات، تحديد الإيديولوجيا أو الفلسفة العامّة لهذا المجتمع، فالقيم ما هي إلا انعكاسٌ للأسلوب الذي يفكّر الأشخاص به في ثقافةٍ معيَّنةٍ وفي فترةٍ زمنيةٍ معيَّنةٍ، كما أنّها هي التي توجّه سلوك الأفراد وأحكامهم واتّجاهاتهم في ما يتّصل بما هو مرغوبٌ فيه أو مرغوبٌ عنه من أشكال السلوك في ضوء ما يضعه المجتمع من قواعدَ ومعاييرَ، وقد تتجاوز الأهداف المباشرة للسلوك إلى تحديد الغايات المثلى في الحياة، فهي على حدّ تعبير (روكيش) إحدى المؤشّرات النوعية الهامّة لنوعية الحياة ومستوى الرقي أو التحضّر في أي مجتمعٍ من المجتمعات»[3].

(206)

الدكتور حميد حميد ضمن أحد تحليلاته السوسيولوجية تطرّق إلى تحليل دور الشعور الاجتماعي في مجال واقع الحركة والتوجّه العامّ للمجتمع والتأريخ، وفي هذا السياق أكّد على كون الشعور الاجتماعي يجسّد جانبٍا واسعًا من الحياة الروحية للمجتمع، كما تبنّى فكرة إمكانية تفكيكه ضمن مضمارين مختلفين مراتبطين بعضهما بالآخر، أحدهما «علم النفس الاجتماعي» والآخر «الإيديولوجيا».

ومن جملة الآراء التي طرحها أنّ الإيديولوجيا عبارةٌ عن مرحلةٍ عليا من الشعور الاجتماعي بحيث تعمّ الفرضيات والرؤى الشمولية والأنظمة الفكرية في كلّ مجتمعٍ، وعلى ضوء فكرة أنّ هذا الشعور له القابلية على إضفاء هويةٍ خاصّة إلى حركة المجتمع وتكامله، استنتج أنّ الإيديولوجيا تبعًا لذلك من شأنها أن تفي بدورٍ فاعلٍ على صعيد تعيين جهة أحد المجتمعات، حيث قال: «الشعور الاجتماعي من حيث الدور الذي يلعبه في مجال تحديد وجهة المسيرة التأريخية لأحد الشعوب، له قدرةٌ وأهميةٌ من الدرجة الأولى، ولا شكّ في أنّ كلّ عالم سوسيولوجيا لأجل أن يتمكّن من امتلاك تصوّرٍ كاملٍ لبنية أحد المجتمعات فهو مكلّفٌ قبل كلّ شيء بأن يمتلك تصوّرًا واضحًا وصريحًا للشعور الاجتماعي الشائع بين أبناء أحد المجتمعات، وعلى هذا الأساس يتسنّى له طرح توضيحٍ صريحٍ لدوره في المجتمع»[1].

على الرغم من أنّ الشعور الاجتماعي أو الإيديولوجي برؤية

(207)

الدكتور حميد حميد، الذي يتبنّى فكرًا ماركسيًّا، عبارةٌ عن انعكاسٍ لواقع المجتمع ومرآةٍ لشتّى العلاقات الاقتصادية الاجتماعية، لكنّه اعتبره سببًاً في التخلّف عن مسيرة التكامل الاجتماعي وعاملًا في تسريع هذه الحركة التكاملية، حيث قال: «الشعور الاجتماعي (الإيديولوجيا السيكولوجية الاجتماعية) ليس فقط سببًا في التخلّف، بل يعتبر من ناحيةٍ طاقةً محرّكةً لتسريع حركة المجتمع وازدهاره».[1]

الإيديولوجيا استنادًا إلى ما ذُكر تساهم في تنظيم شؤون كافّة المكوّنات الاجتماعية عن طريق تحديد مقصد الرغبات والتوجّهات والخيارات بحيث تسوقها نحو وجهةٍ معيَّنةٍ، لذا فهي تشرف اجتماعيًّا على الرأي العام والتوجّهات العامّة للشعب والخيارات التي تتبنّاها مختلف الطبقات الاجتماعية على ضوء النظريات الاجتماعية التي تطرح في رحابها؛ ناهيك عن أنّها تيسّر عملية الاختيار الاجتماعي، ومن الطبيعي أنّ المواقف والتحزّبات الاجتماعية وكذلك الطبقية الاجتماعية تتبلور بشكلها المعهود وفقًا للتوجّهات الإيديولوجية.

الباحث جون باشلار ضمن تسليطه الضوء على دور الإيديولوجيا في بلورة نمط الاختيار، ذكر إحدى وظائفها العملية، وقال في هذا السياق: «حينما يواجه المجتمع أو الجماعة أو الفرد أحد الخيارات، فهو طبعًا يكون بحاجةٍ إلى الإيديولوجيا، إذ لا يمكن اختيار أحد القيم من بين مختلف القيم إلا إذا تمّ تعيينه من قبل النظام الفكري والعقائدي»[2].

(208)

الإيديولوجيا برأي الباحث بلاميناتز إضافةً إلى مساهمتها في تحقيق انسجامٍ اجتماعيٍّ، فهي تيسّر عملية الاختيار، ناهيك عن أنّها تعتبر مرتكزًا أساسيًّا لمعرفة أرجحية بعض أجزاء الهدف على غيرها، ولا شكّ في أنّ غالبية الناس حينما يطرح عليهم سؤال حول ما إن كانوا يعرفون المقصود الحقيقي من العدل الاجتماعي، تكون إجابتهم غامضةً؛[1] بينما الإيديولوجيا من شأنها إزالة الغموض عن المقصود وتجعل عملية الاختيار ممكنةً.

من المؤكّد أنّ الإنسان لا يمكنه التخلّي عن معتقداته والنظريات الارتكازية التي يقوم عليها فكره حينما يتحرّك نحو وجهةٍ معيَّنةٍ ويسعى إلى تحقيق هدفٍ خاصٍّ، فالنظريات الارتكازية هي التي تحدّد الوجهة الخاصّة لآرائه ووجهات نظره ضمن نشاطاته العملية التي تتبلور بوضوحٍ في إطار الإيديولوجيا التي يؤمن بها.

الباحث غوستاف لو بون[2] ضمن كتابه الشهير «سيكولوجيا الجماهير» سعى إلى استكشاف وبيان الخلفيات الخفية للشؤون النفسية والقوانين العامّة الخاصّة بالجوانب الروحية والأخلاقية والاجتماعية لدى البشر، وهدفه في واقع الحال هو معرفة الأسس القانونية الحاكمة على الحياة المشتركة في المجتمعات الإنسانية؛ وممّا أكّد عليه في هذا الكتاب الذي يوصف اليوم أيضًا بعنوان «السيكولوجيا الاجتماعية»، هو في الحقيقة الهدف ذاته الذي دعا إليه الكونت دو تراسي حينما أرسى دعائم الإيديولوجيا، وفي هذا

(209)

المضمار اعتبر النظريات والمعتقدات الأساسية في الحياة قضايا لا مفرّ منها مطلقًا لكونها هي التي تحدّد الوجهة الخاصّة لآراء الإنسان وتوجّهاته الفكرية وتعيّن مسار الحياة الجماعية وتجعلها هادفةً؛ وعلى ضوء تفكيكه بين النظريات والمعتقدات «المتغيرّة» و «البنيوية»، أكّد على أنّ فقدان النظريات البنيوية يعدّ مؤشّرًا على حلول موعد انهيار المجتمع ونشأة كيانٍ اجتماعيٍّ فوضويٍّ كبديلٍ عنه، لذلك قال: «لحدّ الآن لم يغيّر أيّ شعبٍ نظرياته البنيوية إلا وتغيّرت مع ذلك جميع تفاصيل ثقافته وأركانها الأساسية، فحينما يبادر إلى تغييرها يبلغ درجةً تجعله مضطرًّا لطرح نظرياتٍ بنيويةٍ كلّيةٍ جديدةٍ، ولبلوغ هذه المرحلة لا محيص له من المرور بمرحلةٍ فوضويةٍ»[1].

ويعتقد هذا المفكّر الفرنسي أنّ إحدى وظائف النظريات البنيوية تتمثّل في تعيين وجهة الآراء والسلوكات والنشاطات الاجتماعية، حيث قال بهذا الخصوص: «النظريات البنيوية تعدّ أركانًا أساسيةً على الصعيد الثقافي، فهي تصوغ الوجهة التي تصاغ في رحابها آراء الإنسان، كما أنّها تحيي ضميره وتغرس في نفسه الشعور بالمسؤولية»[2].

من الواضح أنّ هذه المعتقدات والنظريات البنيوية لا يمكنها أن ترتبط بالنظام الإيديولوجي وفلسفته العملية إلا إذا تسنّى لها تحفيز

(210)

الناس على أداء وظائفهم وتطبيق القوانين بشكلٍ عمليٍّ، وفي هذا السياق أكّد الباحث أنتوني غيدنز ضمن تسليطه الضوء على التجدّد والتعيّن، على أنّ الأساليب والمناهج الحياتية في الأنظمة الاجتماعية التقليدية تختلف عن الأنظمة الحديثة، وإلى جانب ذلك تطرّق إلى الحديث عن موضوع الاختيار والتوجّه الحاكم على هذا النظام بشكلٍ دقيقٍ ومفصّلٍ؛ كما أشار إلى أنّ أحد العوامل الأساسية للنشاطات الدائمة للإنسان يتمثّل في الاختيار، وفي هذا السياق اعتبر الأنظمة التقليدية مكوّناتٍ إيديولوجيةً سابقةً للحداثة وترتكز بشكلٍ أساسيٍّ على معاييرَ وتوجّهاتٍ محوريةٍ خارجيةٍ - أي الوحي -، واختيار الإنسان في رحابها يتمّ ببساطةٍ على أساس أنموذجٍ معيَّنٍ منبثقٍ من ذلك النظام، لأنّ أنماط الحياة في تلك الآونة لم تكن معقّدةً بحيث لم تشهد المجتمعات ظروفًا متنوّعةً وكثيرةً كما هي عليه الحال في العصر الحديث الذي تواجه فيه النشاطات الاجتماعية مشاكلَ جمّةً نظرًا لطبيعتها المتغيّرة التي لا تتوقّف عن الحركة والتحوّل. ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار اختيار الإنسان في نظام التجدّد والحداثة بأنّه على غرار اختيار أحد العوالم الممكنة؛[1] والنتيجة الحتمية لهذه الظاهرة هي صعوبة تحقّق الاختيار. وقال موضّحًا: «ليست هناك أيُّ ثقافةٍ تنبذ الاختيار بالكامل من واقع الحياة اليومية، والحقيقة أنّ جميع الأعراف التقليدية عبارةٌ عن اختياراتٍ كامنةٍ بين ركامٍ من المثُـل السلوكية المتاحة للبشرية؛ ومن هذا المنطلق فالتقاليد والأعراف والطباع المتعارفة هي التي توجّه الحياة في نطاق مساراتٍ تمّ تعيينها مسبقًا بنحوٍ ما، وأمّا التجدّد فهو يجعل الإنسان في مواجهة تنوّعٍ

(211)

غامضٍ من الاختيارات المتاحة له، ونظرًا لطبيعته غير البنيوية، لذا لا يعينه كما ينبغي في تحديد خياراته التي يجب أن يتبنّاها».[1]

نمط الحياة (life style) اعتبره هذا المفكّر الغربي مصطلحًا جديدًا يمكن إطلاقه على مجموعةٍ شاملةٍ نوعًا ما لسلوكاتٍ عمليةٍ تعين الإنسان على توفير متطلّباته المعيشية وتعدّ مشروعًا شموليًّا يتمكّن في رحابه من معرفة واقع هويته الشخصية.

نمط الحياة في عصر التجدّد بوصفه استراتيجيةً قائمةً على سلوكاتٍ وعاداتٍ وتوجّهاتٍ معيّنةٍ، ساهم بشكلٍ فاعلٍ في صياغة وظيفةٍ إيديولوجيةٍ، وقد وضّح غيدنز هذا الدور الغربي بأنّه مصطلحٌ جديدٌ، كما يلي: «تعدّد المثُـل الكلّية لنمط الحياة أقلّ بكثيرٍ طبعًا من تعدّد الخيارات الموجودة في باطن القرار الاستراتيجي الذي يتّم اتّخاذه من قبل الإنسان ضمن برنامجه اليومي والمستقبلي أيضًا.

كلّ نمطٍ للحياة يقتضي وجود مجموعةٍ من الأعراف والتوجّهات الفكرية، لذا فالوحدة إضافةً إلى أهميتها الخاصّة على صعيد توفير الأمن في حياة البشر، لها القابلية أيضًا لإيجاد ارتباطٍ بين الخيارات الفرعية الموجودة في أحد المثُـل التي تتّصف بالانتظام بنحوٍ ما.

الإنسان الذي يعتبر نفسه ملتزمًا بنمطٍ معيَّنٍ في حياته، يعتقد بأنّ الخيار الآخر الخارج عن نطاق هذا النمط خارجًا بالضرورة عن المعايير التي يعتمد عليها في حياته، كما أنّ سائر أقرانه البشر الذين يبتنّوْن نمطًا آخرَ يختلف عمّا يتبنّاه، لديهم الاعتقاد ذاته؛ فضلًا عن ذلك فالخيار على ضوء تحقّق أنماطٍ خاصّةٍ للحياة يخضع لتأثير

(212)

ضغوط مختلف المكوّنات الاجتماعية والمثُـل السلوكية التي تؤمن بها، كما يتأثّر إلى حدٍّ كبيرٍ بمختلف الأوضاع والظروف الاجتماعية والاقتصادية».[1]

وخلال بيانه السبب في تعدّد الخيارات وكثرتها، ذكر لها عددًا من الأوصاف، أحدها أنّ إنسان عصر الحداثة لا يمتلك الآليات والمثُـل التوجيهية التي ترتكز عليها الأنظمة التقليدية والتي كانت منطلقًا لتحديد مسار أداء المجتمع ونمطه في الحياة؛ ويعتقد بأنّ عصر التجدّد لم يجعل للإنسان علاماتٍ دالّةً أو مقرّراتٍ عمليةً ثابتةً تيسّر له عملية الاختيار، حيث قال: «الأسسُ البنيوية واللوحات الإرشادية التي تعيّن نوعية الوظائف والتوجّهات الفكرية لدى الإنسان في رحاب المجتمعات التقليدية، غيرُ موجودةٍ في عصرنا الحاضر، أو ربّما بقيت بيضاء لم تنتقش فيها أيُّ علامةٍ ولم يُدوَّن فيها أيُّ قرارٍ حتّى الآن».[2]

من الواضح بمكانٍ أنّ رؤيةً كهذه تجاه المجتمعات الحديثة لا تعدّ مقنعةً تقريبًا نظرًا لرواج وسائل الإعلام العامّة التي تروّج لدعاياتٍ مخادعةٍ وكأنّها مراكزُ إيديولوجيةٌ تعيّن وجهة الخيارات التي يجب أن تتبنّاها مختلف الشرائح الاجتماعية.

على الرغم من أنّ وسائل الإعلام العامّة تعمل على إشاعة التعدّدية وتشجّع الناس على طلب التنوّع، لكنّها في واقع الحال

(213)

تجعل عمليتَيِ الاختيار والتوجيه الفكري في غاية الصعوبة، وهذه الوسائلُ ذاتُها التي هي دعائيةٌ في حقيقتها، حينما تزاول نشاطاتها في رحاب نظامٍ إيديولوجيٍّ معيَّنٍ فهي دائمًا ما تطرح أنموذجًا مناسبًا للخيارات بين مختلف الشرائح الاجتماعية. الجدير بالذكر هنا أنّ الناس ضمن مجتمعٍ كهذا لا تُتاح لهم فرصة تعدّد الخيارات بنحوٍ ما، بل يتمّ تسييرهم نحو وجهةٍ معيّنةٍ.[1]

* البعد الاقتصادي

الوظيفة العملية للإيديولوجيا على الصعيد الاقتصادي تتمثّل في تحديد الوجهة العامّة للنظام الاقتصادي الحاكم على كافّة النشاطات الاقتصادية، لذا فهي تميّزه عن سائر الأنظمة الاقتصادية، وعلى ضوء هذا التوجيه تجعله مقيَّدًا بقواعدَ معيّنةٍ ومتّصفًا بميزاتٍ خاصّةٍ، وعلى هذا الأساس يصبح منطلقًا لاتّخاذ مواقفَ اقتصاديةٍ محدّدةٍ في نطاق القواعد التي يرتكز عليها، كما تسفر عن صياغة سلوكاتٍ اقتصاديةٍ معيَّنةٍ من قبل مختلف شرائح المجتمع.

القرار أو الاختيار هو البنية الأساسية المعتمدة في تحليل المسائل الاقتصادية، إذ يتوجّب على المستهلكين والمنتجين والتجّار أنْ يختاروا توجّهاتٍ محدّدةً إزاء مختلف الفعاليات الاقتصادية والبضائع الاقتصادية وسائر النشاطات المرتبطة بالشؤون السياسية، وفي هذا السياق يتّخذون قراراتٍ معيَّنةً بالنسبة إلى الإجراءات التي يقومون بها؛ ولو كان القرار المتّخذ من بين خياراتٍ عديدةٍ غيرَ مرتكزٍ على دافعٍ اقتصاديٍّ بحتٍ، بل مرتكزًا على أساس القيم التي

(214)

يؤمن بها صاحب القرار أو على أساس مسألة النفع الحاصل من هذا القرار، فهذا الموقف يسفر عن تغيير مسار النشاط الاقتصادي.[1] النظام الاقتصادي الرأسمالي على سبيل المثال يقوم على ثلاثة أركانٍ أساسيةٍ للتداول الاقتصادي، وهي عبارةٌ عن «الإنتاج والتوزيع والاستهلاك»، وكلّ واحدٍ منها يقتضي سلوكًا يتناسب مع نطاقه الخاصّ. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الإنتاج في النظام الرأسمالي الغربي لا يقتصر على تلبية الحاجة المادّية فحسب، بل له ارتباطٌ بالوجهة المقصودة منه - الهدف الذي يتمحور النشاط الاقتصادي حوله - والمرتكز هنا النزعة الاستهلاكية المبالغ فيها؛ والإيديولوجيا الاقتصادية من أساسها تدور في فلك التنمية الرفاهية والنزعة النفعية، لذا تمسي المادّة بنيةً أساسيةً لسعادة الإنسان على الرغم من أنّ الجانب المادّي ضيّق النطاق، ومن هذا المنطلق يقوم النظام الاقتصادي على فكرة أنّ السعادة الحقيقية تعني تحقيق أكبر مقدارٍ من اللذّة الحسّية واستهلاك أكبر كمٍّ من المنتجات والخدمات الرفاهية، وهذا المبدأ الغائي هو الفلسفة العملية لكافّة السلوكات في المجتمع الرأسمالي.

النظام الاقتصادي هو رأس الهرم في شتّى جوانب الحياة الاجتماعية حسب مبادئ الفكر الليبرالي الرأسمالي الحاكم في العالم الغربي، أي إنّ الأولوية له قبل كلّ شيءٍ، ومن هذا المنطلق تفسّر السعادة الاجتماعية بكونها «رضا غالبية الناس وتحقيق ملذّاتٍ مادّيةٍ»، وهذه الوجهة هي المرتكز الأساسي لاستهلاك المنتجات

(215)

والخدمات الرفاهية؛ والنظام الاقتصادي وفق هذه الرؤية يشرف على عملية إنتاج السلع وتوزيعها واستهلاكها كما يعتبر المرتكز الأساسي للخدمات الرفاهية.[1]

إذًا، الإيديولوجيا الاقتصادية وفق ما ذُكر هي المرتكز الأساسي الذي يتمّ على ضوئه تحديد التوجّهات والأهداف الخاصّة بكافّة شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية، وهذا التوجيه إنّما ينصبّ في مقاصدَ اقتصاديةٍ رأسماليةٍ؛ لذا تتكفّل المؤسّسات الإعلامية بتعيين مقدار استهلاك أعضاء المجتمع الرأسمالي، وهذا الاختلاف السلوكي ينمّ عن وجود فرضياتٍ إيديولوجيةٍ في النظام الاقتصادي.

الحصيلة النهائية لجملة ما ذُكر أنّ الأسس العملية الإيديولوجية تقوم على نزعاتٍ واختياراتٍ محدَّدةٍ على الصعيد الاقتصادي بغية تعيين وجهة الكيانات الاقتصادية ومختلف المؤسّسات المرتبطة بها وتأطير النشاطات الاقتصادية بما يتناسب مع الهدف المنشود، وحينما تكون عصا السبق لسيادة إحدى الإيديولوجيَات في شتّى أروقة النظام الاقتصادي، سوف يشهد المجتمع نزعاتٍ واختياراتٍ وسلوكاتٍ اقتصاديةٍ متباينةٍ، لذا تعمل الإيديولوجيا على توجيه الحياة الاقتصادية بكلّ تفاصيلها نحو هدفٍ معيّنٍ، ناهيك عن أنّها تيسّر من مسألة الاختيار.

(216)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثامن

الإيديولوجيا وصياغة الهوية

 

(217)

الفصل الثامن

الإيديولوجيا وصياغة الهوية

 

1 - الهوية السياسية

إحدى الوظائف الهامّة التي تفي بها الإيديولوجيا تتمثّل في صياغة الهوية لمختلف المؤسّسات والكيانات السياسية، والمقصود من هذا المفهوم هو أنّ الإيديولوجيا تخلق شخصيةً - هويةً - مستقلّةً تختلف عن سائر الأنظمة والشخصيات السياسية على ضوء منح السيادة لنظامٍ عقائديٍّ يتبلور في رحابه السلوك السياسي ضمن مختلف المستويات.

سيادة الإيديولوجيا في أحد المجتمعات يؤدّي إلى إزالة التناقض والتشتّت على الصعيدين الداخلي والخارجي للفرد والمجتمع في شتّى المجالات، ومن خلال تأصيلها لدى الفرد والمجتمع شعورًا بهويةٍ معيَّنةٍ فهي تضفي إلى السلوكات والعلاقات السياسية والمؤسّسات المرتبطة بعالم السياسة مفهومًا محدّدًا وتجعلها ذاتَ شخصيةٍ لها معالمها الخاصّة؛ ومن هذا المنطلق تتناسق كافّة الأفعال وردود الأفعال السياسية على المستويين الجزئي والكلّي في ما بينها، وبطبيعة الحال لـمّا تزول هذه الهوية سوف ينشأ لدى الفرد والمجتمع شعورٌ بضياع الهوية وتطفو إلى السطح أزمةٌ داخليةٌ

(218)

وخارجيةٌ على صعيد الهوية السياسية في شتّى الشؤون السياسية.

استنادًا إلى ما ذُكر بإمكان المجتمعات البشرية انتشال نفسها من الأزمات السياسية الناجمة عن زوال الهوية السياسية للفرد والمجتمع على حدٍّ سواءٍ عبر تبنّيها هويةً سياسيةً ذاتَ معالمَ معيَّنةٍ، وهذه الهوية تجعل نشاطات مختلف الشرائح الاجتماعية والمكوّنات السياسية وحتّى القوانين والسلوكات السياسية الخاصّة بهذا المجتمع تثمر نتائجَ إيجابيةً؛ ومثال ذلك أنّ النزعة القومية بوصفها إيديولوجيا إقليميةً، تُعدّ مرتكزًا أساسيًّا لتحريك النزعة الوطنية، وعلى هذا الأساس تتيح لأتباع أحد الأنظمة السياسية تقييم واقع هويتهم السياسية وفق معايير حبّ الوطن، وهذا الشعور بالهوية يتجاوز نطاق المثـُل السياسية الأخرى، لذا إن كان السلوك الفردي متعارضًا مع الوجهة العامّة لهذه النزعة، فهذا الشخص في الواقع عديمُ الهوية وموالٍ لكيانٍ آخرَ غيرِ وطنه؛ كما لا يمكن في رحاب هذه الهوية مزاولة نشاطاتٍ تتّصف بالازدواجية على صعيد الولاء للوطن من قبل أعضاء المجتمع وقادته ونخبته السياسية.

الباحث غي روشيه أكّد في دراساته على أنّ المجتمع القومي أو الوطني بحاجةٍ إلى إيديولوجيَاتٍ لها القابلية على بلورة هويته الخاصّة، وهذا يعني أنّ إيديولوجيا كلّ شعبٍ تابعةٌ له، فهي الحدّ الفاصل لكلّ طائفةٍ وقومٍ بحيث تعيّن نطاق التوجّهات الفكرية ويتّضح على ضوئها من كان «منّا» ومن هو «ليس منّا»، ناهيك عن أنّها تساهم في تعيين معالم الحقوق والرغبات والمستقبل سواءً في الزمان الماضي أو الحاضر؛ لذا تعتبر «القومية» ضربًا من الإيديولوجيا التي تسفر عن

(219)

نشأة «هويةٍ وطنيةٍ»؛[1] وهذا الاصطلاح من الناحية السوسيولوجية يوحي إلى الذهن واقع الهوية الاجتماعية، ومن الناحية السيكولوجية يستبطن دعوةً لأبناء المجتمع بأن يوحّدوا صفوفهم ويتفاعلوا مع مفهوم «منّا»، فالفرد في هذا المضمار يدرك جانبًا من هويته الفردية.[2]

وفي هذا المضمار أكّد الباحث توماس سبريغنز ضمن دراسةٍ له على أنّ النظريات السياسية عبارةٌ عن فلسفاتٍ عمليةٍ في النطاق السياسي، وسلّط الضوء على الأهداف والوظائف العملية للمجتمع السياسي باعتبارها منبثقةً من إيديولوجيا سياسيةٍ؛ حيث اعتبر الإيديولوجيا السياسية مرتكزًا لصياغة الهوية وإضفاء معنى إلى الحياة، فقال: «المجتمع السياسي على مستوًى أعلى وأكثر تعقيدًا يجسّد نطاقًا يتمّ فيه إضفاء معنًى معتبرٍ لحياة الفرد، حيث يقرّ نوعًا من النظم الإنساني ويجعله بديلًا عن النظام الفوضوي، وهو على غرار معرضٍ يحدّد للمواطنين أدوارهم في الحياة بحيث يتمكّنون تحت ظلّه من إضفاء معنًى معتبرٍ لحياتهم؛ وبتعبير أحد المنظّرين السياسيين المعاصرين، فهو عبارةٌ عن عالمٍ صغيرٍ أو منظومةٍ تتّضح معالمهما وتتّسم بمعنًى محدَّدٍ على الصعيد الداخلي بواسطة أشخاصٍ مبدعين يجعلونه وسيلةً لتحقيق أهدافهم»[3].

من المؤكّد أنّ كلّ مجتمعٍ سياسيٍّ لا يمكنه امتلاك مبادئَ

(220)

واضحةٍ المعالم تضفي معنًى معتبرًا وهويةً محدّدةً لأعضائه ما لم يعتمد على إيديولوجيا خاصّةٍ به.

2 - الهوية الاجتماعية

الإيديولوجيا في المجال الاجتماعي تصوغ نوعًا خاصًّا من الهوية الاجتماعية، إذ على ضوء سيادتها في أحد المجتمعات تسفر عن تحديد المعالم العامّة لهوية مختلف المكوّنات الاجتماعية بحيث تجعلها تتبلور في رحاب شخصيةٍ معيّنةٍ؛ وعلى ضوء هذه الهوية الاجتماعية تتسنّى لنا معرفة أوجه اختلاف الطبقات الاجتماعية المنضوية تحت مظلّة أحد المجتمعات مع الطبقات المنضوية تحت مظلّة مجتمعٍ آخرَ، فالإيديولوجيا من خلال إضفائها هويةٍ إلى القوانين الاجتماعية تعمل على إقرار قيمٍ اجتماعيةٍ خاصّةٍ، لذا حينما نشاهد سلسلة القضايا الاجتماعية والنظام الخاصّ القائمة عليه، سوف نتعرّف على العناصر الحقيقية لهوية هذا المجتمع.

وفي السياق ذاته ذكر الباحث أريكسون[1] تعريفًا للإيديولوجيا أكّد فيه على أنّها نزعةٌ لاشعوريةٌ تضرب بجذورها في الفكر الديني أو العملي أو السياسي، ومن خلال استعراضها صورةً مقنعةً لعالم الوجود فهي تعمل على إيجاد شعورٍ بالهويتين الفردية والجماعية؛ وهي (من حيث الهدف الذي تطمح إلى تحقيقه) عبارةٌ عن نزعةٍ لاشعوريةٍ كامنةٍ في باطن الفكر الديني أو العملي أو السياسي في حقبةٍ من الزمن، وذلك لأجل أن تصبح الحقائق تابعة للتصوّرات،

(221)

ولأجل أن تتقبّل التصورّات هذه الحقائق، والهدف من وراء ذلك هو صياغة صورةٍ مقنعةٍ لها القابلية على مؤازرة الشعور بالهويتين الفردية والجماعية[1].

غي روشيه ضمن تسليطه الضوء على المبادئ الثلاثة التي تتقوّم عليها الحركات الاجتماعية - وفق آراء آلان تورين[2] - اعتبر مبدأ "الهوية للحركة الاجتماعية" واحدًا من المبادئ الأساسية لهذه الحركات لكونه السبب في وجود كلّ كيانٍ اجتماعيٍّ، وعلى هذا الأساس يمكن لكلّ ردّة فعلٍ أن تعيّن الوجهة المحدّدة لكلّ سلوكٍ اجتماعيٍّ، ومن ثمّ فكلّ حركةٍ اجتماعيةٍ يجب أن تتّسم بهويةٍ اجتماعيةٍ منذ بادئ الأمر، أي لا بدّ لها من أن تعكس المعالم الأساسية لشخصية كلّ فردٍ في المجتمع وللجماعة التي ينطق على لسانها وللمصالح التي يدافع عنها ويسعى إلى الحفاظ عليها.[3]

هذا الكلام يدلّ على أنّ هوية إحدى الحركات لها القابلية لبلوغ أهدافها المرجوّة عبر تعيين هذه الأهداف وتحديد معالم توجّهاتها العامّة على أساس مبادئَ ومناهجَ وآلياتٍ تعينها على ذلك، وبالتالي يتسنّى لنا الحكم على القيم الاجتماعية والمثـُل السلوكية في المجتمع من حيث الصحّة والسقم على ضوء ملاحظة التطابق الكائن بين "القوانين والنشاطات والقيم الاجتماعية" وبين

(222)

"الهوية الاجتماعية"، وهذا الأمر يتاح لنا عند وجود إيديولوجيا؛ فكلّ مجتمعٍ بطبيعة الحال له ثقافته الخاصّة به، وهذه الثقافة هي التي تتكفّل بتحديد أطر النظام الأكسيولوجي والقانوني الذي ينضوي تحتّ مظلّتها، وبالتالي تنشأ في رحابها الهوية الاجتماعية والجماعية لكلّ فردٍ في المجتمع.

إذًا، الهويةُ الاجتماعية لفردٍ خاضعٍ لنظامٍ اجتماعيٍّ معيّنٍ، مدينةٌ للثقافة الروحية المنبثقة من منظومة الأوامر والنواهي والمقرّرات الحاكمة على المجتمع الذي يعيش في كنفه؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الثقافة في أحد تصنيفاتها تنقسم إلى "مادّيةٍ" و "روحيةٍ"، والأخيرة تشمل المضمار الثقافي الخاصّ بالقيم والتوجّهات الفكرية ومنظومة الأوامر والنواهي، وتنضوي تحت عنوانٍ شاملٍ هو "إيديولوجيا".

عادةً ما يتمّ التأكيد في تعريف الإيديولوجيا على شمولها لكافّة المنظومات المادّية والروحية في الحياة الاجتماعية التي يولد الإنسان ويترعرع في رحابها لتتلبور إثر ذلك ما يطلق عليه في علم النفس «شخصية»، كما ينال من الثقافة ما يطلق عليه «هوية ثقافية» تمنحه نزعاته السلوكية كافّةً؛[1] وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ الثقافة بشكلٍ عامٍّ تعني كلَّ مجتمعٍ بشريٍّ يمتلك هويةً خاصّةً تعتبر بمثابة حاضنةٍ لجميع الأعراف والتقاليد والفنون والأخلاق والعلوم والأديان، وهذه الأمور لها جوهرٌ بنيويٌّ أيضًا، وبالتالي فالثقافة

(223)

ليست مجموعةً التقاطيةً غيرَ متناسقةِ الأجزاء، بل هي عبارةٌ عن كيانٍ موحَّدٍ ومتآلفٍ تتناسب جميع أجزائه مع بعضها، لذا عندما تزول «الوحدة الثقافية» سوف لا تبقى لدينا ثقافةٌ.

إذًا، الثقافة تقوم على ركنين أساسيين، أحدهما إيديولوجيَاها والآخر وجهتها الفكرية العامّة[1].

غي روشيه بدوره اعتبر الإيديولوجيا كامنةً في باطن الثقافة، فهما تشكّلان مجموعةً مترابطةً مع بعضها بالكامل ملؤها الاتّساق والتنظيم،[2] وحتّى إن لم تتمكّن من شمول الثقافة بالكامل، فهي مع ذلك تبقى عنصرًا محوريًّا فيها، وحسب تعبير دومون يمكن اعتبارها المرتكز الحقيقي لها[3].

نستشفّ من جملة ما ذكر حتّى الآن أنّ الوجهة الفكرية العامّة والإيديولوجيا يعتبران محورين أساسيين للإيديولوجيا الحاكمة في المجتمع، إلا أنّ الإيديولوجيا على ضوء أدائها السياسي الذي تؤدّيه في المجتمع، تعدّ مرتكزًا أساسيًّا للتغييرات الاجتماعية، ونتيجة ذلك أنّ كلّ تحوّلٍ اجتماعي لا بدّ من أن يجري في مسار التحوّلات والثورات الإيديولوجية والثقافية، وكلّ ثورةٍ إيديولوجيةٍ لا يمكنها فعل أيِّ شيءٍ ما لم تساهم في تغيير الهوية الاجتماعية والثقافية التي

(224)

هي في الواقع تراثٍ جماعيٍّ مشتركٍ موروثٍ من الأسلاف.

الهوية الاجتماعية التي تنشأ في رحاب نظامٍ عقائديٍّ وفكريٍّ لها تأثيرٌ ملحوظٌ عليه، وهذا التأثير لا يتبلور بشكلٍ عمليٍّ على أرض الواقع إلا عند حدوث مواجهةٍ ثقافيةٍ وإيديولوجيةٍ تسفر عن تزعزع الهويتين الثقافية والاجتماعية وتخرجهما عن النظام الحاكم عليهما تحت ظلّ ما يصطلح عليه «أزمة الهوية».

كلّ إنسانٍ ينشأ لديه نظامٌ سلوكيٌّ معيَّنٌ بتأثيرٍ من النظام الثقافي السائد في مجتمعه على ضوء تلاحمٍ خاصٍّ يحدث بين النظامين الأكسيولوجي والسيمنطيقي وبين بنيته البدنية وقابلياته الحياتية، ومن هذا المنطلق يتبلور السلوك الجماعي في باطن أحد المجتمعات إثر السلوكات الفردية التي تحدث في داخل المؤسّسات والمكوّنات الاجتماعية، وهذه الصورة للسلوك الجماعي هي التي تميّز كلّ مجتمعٍ عن غيره بحيث تجعله واضح المعالم في كلّ حقبةٍ زمنيةٍ.

الثقافة تلهم الإنسان النظام العاطفي (أي النظام الأكسيولوجي والمفهومي اللاشعوري)، كما تلهمه النظام الأكسيولوجي والمفهومي الذي يعيه ذاتيًّا؛ وهذا النظام يعكس الرؤية الفكرية العامّة على الصعيدين الفردي والجماعي في رحاب أسسٍ أخلاقيةٍ ونظريةٍ، وعلى هذا الأساس لا يصبح الإنسان إنسانًا بمعنى الكلمة ولا يكتسب هويةً اجتماعيةً وإنسانيةً خاصّةً به إلا بعد أن يهضم هذا النظام الموجود مسبقًا ويتّحد معه ليصبحا كيانًا واحدًا، وإثر ذلك لو حاول الخروج عن نطاق نظامه الأكسيولوجي والقوانين

(225)

والمقرّرات المتّفق عليها، سوف يواجه عقوباتٍ تفرض عليه من جانب القوانين الجزائية المتّفق عليها في هذا النظام؛[1] وفي هذا السياق قال الباحث مونتي بالمر: «الثقافة تجعلنا نميّز بين مفهومَيْ (نحن) و (هم)، كما تعيّن العقوبات للذين ينقضون القوانين، وتمنح الإنسان الشعور بامتلاك هويةٍ وتبعيةٍ لكيانٍ معيَّنٍ.

كذلك تعيّن الحقوق والالتزامات لكلّ فردٍ في المجتمع وتشخصّ الصديق من العدوّ، كما تحدّد السبُل الكفيلة بتقليص الاضطرابات الشخصية عن طريق بيانها أوصاف الذين لهم القدرة على إزالة القلق الكامن في نفس الإنسان؛ ومن هذا المنطلق تسفر عن التقليص من مستوى الضغوط والكبت النفسي في المجتمع، ناهيك عن أنّها تساهم في إيجاد شعورٍ بالأمن لدى الإنسان وتوطّد من أسس التلاحم الاجتماعي على ضوء تسليح أعضاء المجتمع بمبادئها أو إشعارهم بشأنهم المرموق في مجتمعهم، وتعدّ مرتكزًا لارتباطهم بعالم ماوراء الطبيعة وتلبّي حاجتهم الفكرية لما يترقّبونه من نعيمٍ في العالم الآخر».[2] نستشفّ من هذا الكلام أنّ الوظيفة الأساسية للثقافة ذاتَ ارتباطٍ بالجانب الفكري العامّ لإحدى الثقافات وبمبادئها الإيديولوجية، لذا يجب القول أنّها تندرج ضمن الوظائف القانونية الإيديولوجية، كما نلمس منه أنّ كلّ إنسانٍ لا يمكنه استعادة هويته الثقافية والاجتماعية إلا إذا اتّبع القوانين

(226)

وتمسّك بالقيم الاجتماعية الحاكمة في مجتمعه والتي تدعو إليها إيديولوجيَاه الاجتماعية؛ وحينما تتناغم السلوكات الاجتماعية مع النظامين الأكسيولوجي والقانوني، سوف تتبلور لدى الإنسان هويةٌ سليمةٌ ومتناسقةٌ مع المقرّرات المتّفق عليها، وثمرة ذلك يمكن تلخيصها بما يلي: التناسق الداخلي والتقبّل الذاتي للقيم المستوحاة من أحد الأنظمة في مختلف المستويات الاجتماعية سببان لنظم شؤون أحد المجتمعات قانونيًّا وتفعيل أدائه العملي وتوجيهه نحو أهدافه المقصودة؛[1] وبهذا الوصف يمسي انعدام الثقافة أمرًا رجعيًّا يجعل المجتمع قابعًا في مراحلَ سابقةٍ للعهد الإنساني، لذا لا محيص للإنسان من تعيين مسيرة حياته اتّساقًا مع المبادئ الثقافية تحت ظلّ نشاطاتٍ يقوم بها على الصعيدين الاجتماعي والثقافي كي يتمكّن من صياغة هويته الإنسانية بوجهتيها العامّة والخاصّة؛ وهذا يعني أنّه تابعٌ لثقافةٍ معيَّنةٍ[2].

أزمة الهوية الاجتماعية في أحد الأنظمة الاجتماعية تتبلور على أرض الواقع عند حدوث فراغٍ أو أزمةٍ إيديولوجيةٍ، لذا يمكن الذهاب إلى أبعدَ من ذلك فنقول: «أزمة الهوية» التي تتبلور جرّاء حدوث شكٍّ وتردّد في المنظومة العقائدية الموروثة من السلف، من شأنها أن تنجم عن حدوث أزمةٍ تأريخيةٍ؛ لأنّ تزعزع أركان الهويتين الاجتماعية والثقافية في المجتمع يعني تخلّي مختلف الطبقات الاجتماعية عن مبادئها العقائدية التي تعتبر سدًّا منيعًا من الناحيتين النفسية والأمنية

(227)

للفرد والمجتمع على ضوء بيانها واقع المفاهيم العامّة.

الفيلسوف الأسباني خوسيه اورتيجا أي غاسيت الذي يتبنّى نزعةً إنسانيةً ضمن تأكيده على أنّ الإنسان حينما يسعى إلى مواصلة حياته ينبغي له تبنّي فكرٍ عقائديٍّ وإيديولوجيٍّ محدَّدٍ، وممّا قاله في هذا السياق: «لأجل أن يواصل الإنسان مسيرة حياته في بيئته الاجتماعية لا بدّ له من السعي لأن يحافظ على وجوده فيها... فهو في جميع الأحوال مضطرٌّ لأن يعمل، وأوّل عملٍ له يتمثّل في اتّخاذ قرارٍ بخصوص ما يجب عليه فعله، ولأجل أن يتّخذ قرارًا كهذا يجب عليه أوّلًا بيان النهج التفسيري العامّ الذي يتبنّاه إزاء بيئته الاجتماعية عبر تدوين منظومته العقائدية الخاصّة وفق هذه البيئة ومن ثمّ يجعلها خارطةَ طريقٍ لمسيرة حياته كي يتمكّن من الحركة في عمق كيانها بشكلٍ يجعله مؤثّرًا فيها».[1] ومن منطلق اعتقاده بأنّ ظاهرة الحداثة جسّدت أزمةً تأريخيةً عظيمةً استبطنت في ذاتها أزمةً على صعيد الهوية، تطرّق إلى بيان خصائص الأزمة التأريخية وأوجه اختلافها مع التحوّلات الطبيعية التي تحدث في الحياة، حيث قال: «الأزمة التأريخية تحدث عندما يكون التحوّل العالمي بهذا الشكل: تمهيد الأرضية المناسبة للمنظومة العقائدية هو مسؤولية الجيل السابق بحيث يتبلور في رحاب ظروفٍ معيشيةٍ خاصّةٍ، فالإنسان إذا تجرّد عن هذه المعتقدات سوف يعيش دون عالمٍ لكونه يواجه أوضاعًا لا يعرف معها ماذا يفعل ولا يدري بأيّ شيءٍ يفكّر إزاء العالم الذي

(228)

يعيش في كنفه؛ وعلى هذا الأساس فالتحوّل الذي طرأ يتبلور في رحاب أزمة تجرّ الويلات على البشرية...

ذلك النظام العقائدي على غرار خارطة تمنح الإنسان شعورًا بالأمن وتجعله يتحرّك في النطاق الاجتماعي المحيط به، لكنّه حاليًّا لا يمتلك هذه الخارطة، لذا يشعر بأنّه متوقّفٌ في طريقٍ مقطوعٍ وكأنّه تائهٌ لا يعرف إلى أين يتّجه بحيث يذهب يمينًا وشمالًا دون تعيينٍ»[1].

الجدير بالذكر هنا أنّ الأزمة الإيديولوجية وأزمة الهوية في العصر الراهن متواكبتان مع ظاهرة التجدّد - الحداثة - بحيث يمكن القول أنّ هذه الظاهرة هي المنشأ الأساسي لأزمة الهوية التي تعاني منها البشرية حاليًّا والتي تتّسم بطابعٍ معقّدٍ للغاية، فقد أسفرت عن ظهور تحدّياتٍ لجميع المنظومات العقائدية الموروثة من الأسلاف، وهذه التحدّيات الجادّة بين الأنظمة التقليدية والحديثة نجم عنها ظهور هوّةٍ سحيقةٍ ومن ثمّ تسبّبت بزوال الأسس التي تصون كيان الأنظمة التقليدية وتحول دون تزعزع أمنها وضعف هويتها؛ وفي هذا المضمار قال الباحث أنتوني غيدنز: «يمكن القول أنّ التجدّد حطّم الجدار الذي يصون كيان المجتمعات التقليدية الصغيرة ليُبدلها بمؤسّساتٍ كبيرةٍ غيرِ شخصيةٍ. والعالم الذي يفتقد الناس فيه الأمن النفسي ولا يشعر فيه ابن المجتمع التقليدي الصغير بالطمأنينة، يشعر الإنسان الذي يعيش فيه بأنّه وحيدٌ ومحرومٌ؛ والعلاج الجديد المقترح يمكن اعتباره

(229)

بنحوٍ ما أنّه يحكي عن إقرار الشعوب التقليدية المعروفة بالطاعة»[1].

الباحث هابرماس هو الآخر تطرّق إلى الحديث عن الدور الذي تلعبه الهوية الاجتماعية على الصعيد العملي في رحاب الأنظمة الاجتماعية، وفي هذا السياق قام بتحليل الأزمات التي تُعتبر انعكاسًا للنظام الرأسمالي الحديث، حيث سلّط الضوء أوّلًا على الأزمات من زاويةٍ اجتماعيةٍ وعلميةٍ ليستنتج أنّ الأزمة تحدث حينما يطرأ خلل في التيارات الفكرية التي توجد الوحدة بين أعضاء المجتمع وتنسّق شؤونهم، ومعنى ذلك أنّ تزعزع أركان الهوية الاجتماعية بوصفها عاملًا وحْدَوِيًّا اجتماعيًّا، يسفر عن طروء أزمةٍ في النظام الموجود.

ويعتقد هذا الباحث الغربي بأنّ الأزمات تطرح نفسها بشكلٍ عمليٍّ حينما يواجه أعضاء المجتمع تغيّرات على صعيد البنية الاجتماعية التي لها دورٌ حيويٌّ في بقاء كيانهم كمجموعةٍ بشريةٍ، حيث تمنحهم شعورًا بتعرّض هويتهم الاجتماعية لمخاطر تهدّد كيانها، فالخلل عادةً ما يطال مكوّنات النظام الاجتماعي عندما يكون المجتمع عرضةً للتهديد، وهذا الأمر يتجلّى على أرض الواقع لـمّا تصبح مبادئه ومرتكزاته القانونية في حالة شذوذٍ قانونيٍّ (anomic). وخلال الظروف المتأزّمة عادةً ما تتلاشى الكيانات الاجتماعية، لأنّ كلّ واحدٍ من الأنظمة الاجتماعية له هويته الخاصّة التي لا يستبعد أن يفتقدها جرّاء ظروفٍ معيّنةٍ[2].

(230)

لا شكّ في عدم إمكانية صياغة هويةٍ أو امتلاكها دون الرجوع إلى مصدرٍ مقنعٍ، ومن هذا المنطلق فالنظام التقليدي باعتباره مصدرًا لصياغة الهوية من شأنه ضمان استدامة الهوية وعدم زوالها بفضل قابليته لوضع أسس نظامٍ تفسيريٍّ محدَّدٍ، وهذه المسألة تعدّ أهمّ مؤشّرٍ ندرك من خلاله احتمال انهيار أحد الأنظمة الاجتماعية.

نستنتج من جملة ما ذكر أنّنا لو ألقينا نظرةً تأريخيةً على الأنظمة التقليدية التي واجهت التجدّد والحداثة، نلاحظ أنّها عانت في هذا المضمار من تفسّخٍ اجتماعيٍّ وأزمةٍ على صعيد الهوية، لذلك قال هابرماس: «التفسّخ الذي یحدث في التراث من زاويةٍ تأريخيةٍ والذي يسفر عن زوال الأسس التي توحّد صفوف المجتمع، ويؤدّي إلى اضمحلال الأنظمة التفسيرية - التي تفسّر جميع الأمور في رحابها - والتي تضمن الحفاظ على الهوية، يعتبر مؤشّرًا دالًّا على انهيار الأنظمة الاجتماعية؛ وهوية النظام الاجتماعي حسب هذه الرؤية تزول حينما لا يجد الجيل اللاحق حيّزًا له في التقاليد التي كانت سابقًا ذاتَ جوانبَ بنّاءةٍ».[1] وفي هذا السياق أكّد على أنّ المبادئ البنيوية المؤسّساتية بمثابة قواعدَ انتزاعيةٍ تصون الهوية الاجتماعية لكلّ مجتمعٍ، حيث تساهم في صياغة الأطر العامّة للمجتمع وتتجلّى على أرض الواقع في رحاب مسيرة التحوّلات الاجتماعية وكأنّها «خارطةُ طريقٍ» بحيث تعيّن مختلف جوانب التنمية الاجتماعية في جميع المراحل لدرجة أنّها تصون هوية المجتمع وتعيّن وجهته التي

(231)

يجب أن يسلكها؛ فهذه المبادئ برأيه أصبحت بديلةً لذلك «النظام التفسيري» الذي يستوحى في معظم الأحيان من الأنظمة التقليدية، لذلك بإمكانها الإشراف على الوظائف الاجتماعية بشتّى أشكالها.

هذه المبادئ المؤسّساتية تحدّد نطاق التغيّرات التي قد تطرأ على الأنظمة التفسيرية دون أن تمسّ بهويتها، وبالتالي فهي تساعد على استقرار الأصول المؤسّساتية التي لها القابلية على التوجيه والإرشاد.[1] .

خلاصة الكلام أنّ هابرماس على الرغم من رفضه رأي من اعتبر الأنظمة الاجتماعية قائمةً على مفاهيمَ دينيةٍ وميتافيزيقيةٍ، ومع تأكيده على مرجعية منظومة المفاهيم العلمية التي تقوم عليها حتمية الحركة الدنيوية؛ لكنّه استند إلى قواعدَ اجتماعيةٍ مرتكزةٍ على العقل البشري المتفسّخ بوصفها إيديولوجيا اجتماعيةً في عصر الحداثة المتأزّم، حيث استلهم منها مبادئَ تضمن دوام الحياة الاجتماعية وتساعد على إزالة الأزمات؛ وهدفه من وراء ذلك هو تجاوز أبرز عنصرٍ متأزّمٍ، وهو الهوية الاجتماعية.

3 - التبرير القانوني (المشروعية) 

إحدى الوظائف الأخرى العامّة والشاملة للإيديولوجيا هي إيجاد تبريرٍ قانونيٍّ في مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي تتبلور بشكلٍ عمليٍّ في هذه المجالات التي تعدّ مؤشّراتٍ عامّةً عليها.

(232)

حينما تكون السيادة للإيديولوجيا في عالم السياسة، فالمؤسّسات السياسية وتعاملها مع بعضها وحتّى الروابط والنشاطات السياسية سوف تُبرَّر وتُوضَّح وفق أسسٍ منطقيةٍ، وكما قال باشلار فالتبرير القانوني الذي يتمّ إقراره بواسطة الإيديولوجيا يراد منه البرهنة على السلوكات والنشاطات العملية التي تتبلور في هذا المضمار ووضع قواعد لها، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار أنّ النظريات السياسية التي تصاغ في رحاب إيديولوجيا سياسيةٍ هي فرضياتٌ وأسسٌ مقبولةٌ تندرج تحت مسمّى الإيديولوجيا، حيث يتمّ على ضوئها تبرير كافّة النشاطات والسلوكات المؤسّساتية للحكومة في المجال السياسي والبرهنة عليها، فالإيديولوجيا تضفي إليها مشروعيةً قانونيةً واعتبارًا عامًّا لأجل أن تحظى بقبولٍ عامٍّ وكي يتسنّى إيجاد قناعةٍ لدى المجتمع بمبادئها.

الرأي العامّ والتوجّهات الفكرية لعامّة الناس دائمًا ما تكون حسّاسةً وفي غاية الدقّة تجاه المبادئ والإيديولوجيا الحاكمة في المجتمع والتي يتمّ تطبيقها من قبل الحكّام والزعماء السياسيين، لذا إن تجاوز هؤلاء القواعد الإيديولوجية المتّفق عليها سيواجه النظام السياسي الحاكم خللًا يسفر عن تزعزعه وضعفه قانونيًّا وشعبيًّا، وذات الخلل يطرأ أيضًا على أداء الحكّام؛ ومن هذا المنطلق فإنّ حياة الأنظمة الإيديولوجية ومستوى الإقبال العامّ عليها منوطان بمدى أدائها القانوني ومستوى تبريرها قانونيًّا، ومصير النظام الإيديولوجي الحاكم على المجتمع يتعيّن وفقًا لأدائه العملي التشريعي، وبالتالي لا يمكن تفعيل سائر الوظائف العملية للإيديولوجيا إلا على أساس

(233)

هذه الشرعنة، لذلك فالسلوكات المقبولة من الناحيتين العقلية والسياسية هي التي تصون مشروعية الأنظمة الإيديولوجية، وهذه المشروعية عادةً ما تستتبع إقبالًا عامًّا من قبل مختلف الشرائح؛ وأمّا المرتكز المحوري للتأثير الإيديولوجي في رحاب هذه الوظيفة فهو يتمثّل في إيجاد حركاتٍ سياسيةٍ والحفاظ على كيان الأنظمة السياسية الموجودة، والأداء العملي للتبرير القانوني يتّسم بميزاتٍ تجعله منطلقًا للنشاطات العملية المرتبطة بالهوية ووازعًا للنزعة الوحدوية ومرتكزًا لتحديد الوجهة العامّة.

الباحث جون بلاميناتز اعتبر التبرير والتحليل من جملة الوظائف العملية للإيديولوجيا،[1] وجون باشلار ضمن تفكيكه بين التبرير والتقنين باعتبارهما أمريْن مختلفيْن عن بعضهما أكّد على ضعف وظيفتهما العملية، لأنّ المراد منهما طرح توجيهٍ منطقيٍّ للأعمال السياسية ومختلف المؤسّسات والكيانات في عالم السياسة، ومن ثمّ استنتج أنّهما يندرجان ضمن الوظائف العملية الأساسية والمستقلّة للإيديولوجيا.

هذه الوظيفة تتبلور عمليًّا على نطاقٍ واسعٍ في رحاب الإيديولوجيَات الاستبدادية الكلّيانية - التوتاليتارية - الحاكمة على الأنظمة الفاشية والنازية وحتّى الشيوعية السابقة، إذ الهدف منها هو الحفاظ على كيان النظام الحاكم وضمان استقراره، حيث يعتمد عليها إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ؛ وفي هذا السياق تبنّت الباحثة

(234)

حنّة آرندت[1] فكرة أنّ الأنظمة الاستبدادية تستثمر الإيديولوجيَات بوصفها قوًى منطقيةً ملزمةً تحفظ تلاحم مختلف الشرائح الاجتماعية وكأنّها أذرعٌ حديديةٌ مترابطةٌ مع بعضها. على الرغم من أنّ الرؤيةَ السلبيةَ، التي تبنّتها هذه الباحثة تجاه الإيديولوجيا ضمن تعريفها التحليلي لها، منبثقةٌ في الحقيقة من تحليلها لواقع الأسلوب الحكومي للكلّيانية التي كانت سائدةً في عصرها، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ رؤيتها السلبية تحكي عن قصدها في تعميم مبادئ الحكومة الإيديولوجية التي تتّصف بطابعٍ كلّيانيٍ على الحكومات الإيديولوجية كافّةً؛ وضمن ذات الموضوع تطرّق الباحث ستيورات هيوز[2] ضمن بيانه المعالم العامّة لمسيرة الفكر الاجتماعي والتيار التنويري الذي اجتاح أوروبا، سلّط الضوء على كتاب حنّة آرندت «أسس التوتاليتارية» واعتبره من الناحية العاطفية أكثر الكتب المثيرة للجدل وأكّد على أنّه ذو أسلوبٍ جديدٍ من نوعه، فقد تمّ تدوينه - برأيه - بشكلٍ انفعاليٍّ الأمر الذي جعله زاخرًا بالأحكام المسبقة على القضايا المطروحة فيه، كما وصف مؤلّفته بعدم التخصّص وعدم المهنية في مجال التأريخ وادّعى أنّ هدفها من تدوينه هو توجيه ضربةٍ لذهن المخاطَب، لذا يمكن تشبيهه بكتاب «جالوت» الذي دوّنه الباحث «خوسيه أنتونيو بورخيس»؛ لذا ضمن نقده لهذا الكتاب أكّد على عدم دقّة مؤلّفته في تدوين محتواه لكونها لم تميّز بين الحكومتين النازية والشيوعية، حيث قال: «... الأسوأ من

(235)

كلّ ذلك أنّها تطرّقت إلى تحليل الاختلافات الظاهرية بين النازية والشيوعية صمن ظاهرة الكلّيانية (التوليتارية) بشكلٍ عشوائيٍّ، أو على أقلّ تقديرٍ اعتبرتهما شيئًا واحدًا من الناحية الذاتية؛ والتوضيح الذي ذكرته لم يشر إلى أيّ اختلافٍ بين هذين النظامين، فقد غفلت عن أنّ الاختلافات التي أشارت إليها منحت الشيوعيين الروس مرونةً أكثر وساعدتهم على إدامة وجودهم»[1].

حنّة آرندت ضمن بيانها خصائص الفكر الإيديولوجي ذكرت براهينَ منطقيةً لأثبات مشروعية النظام السياسي الحاكم واعتبرته من عناصر الفكر الكلّياني، كما اعتبرت الإلزام المنطقي في هذا النمط الفكري عنصرًا يستوجب مشروعية النظام وتبعًا لذلك مقبوليته لدى عامّة الشعب؛ وممّا ذكرته في كتابها المذكور: «الفكر الإيديولوجي ينسّق الحقائق ضمن سياقٍ منطقيٍّ بكلّ ما للكلمة من معنًى، وهذا السياق يبتدئ من قضيةٍ أساسيةٍ وبديهيةٍ، وبذلك يتمّ استنتاج سائر القضايا من هذه القضية البديهية»[2].

كما نوّهت على أنّ الحكومات ضمن مساعيها الرامية إلى تأسيس حركاتٍ شعبيةٍ لا تجد نفسها مضطرّةً لأن تلجأ إلى القهر والإرعاب، بل تبادر إلى إيجاد تبريراتٍ وسنّ قوانينَ كي يؤيّد الشعبُ هذه الحركات ويذعن لما تفرضه عليه، حيث قالت: «لأجل

(236)

أن تزاول الحركة القائمة على الإرعاب نشاطها وتواصله دون توقّفٍ، فهي بحاجةٍ إلى قوّةٍ ملزمةٍ تقوم على أسس القياس المنطقي كي تتمكّن أوّلًا من تجميع شتات المنعزلين من أبناء الشعب اعتمادًا على أذرعٍ حديديةٍ وضمّهم إلى بعضهم... بحيث تدعمهم في عالمٍ بات بالنسبة إليهم شبيهًا بالغابة، وثانيًا لكي لا يبقى المواطن منزويًا ومناهضًا لأبناء جلدته»،[1] وأضافت في السياق ذاته: «مهما يكن، فالإيديولوجيات والنزعات الخاصّة من شأنها تبرير كلّ شيءٍ وكلّ فعلٍ على ضوء استنتاجٍ منطقيٍّ منبثقٍ من مبدأٍ أساسيٍّ بغية كسب رضا أتباعها»[2].

الجدير بالذكر هنا أنّ الحكومات المستبدّة عادةً ما تسوق أدلّةً وبراهينَ إيديولوجيةً لكافّة أفعالها وردود أفعالها السياسية بغية تحقيق أهدافها غير الإنسانية، لكنّ هذا لا يعني بالضرورة صوابيّة الإلزامات المنطقية المنبثقة من الإيديولوجيا التي تتبنّاها؛ كما لا يمكن اعتبارها مؤشّرًا دالًّا على بطلان مجمل هذه الإلزامات والبراهين أو كونها استبداديةً وغيرَ إنسانيةٍ إن وجدت في سائر الأنظمة الإيديولوجية.

الباحث فولفغانغ ليونارد قال موضّحًا الأداء الوظيفي للتقنين الإيديولوجي: «الإيديولوجيا تتّخذ إجراءاتٍ قائمةً في معظم الأحيان على ضروراتٍ عمليةٍ بغية طرح تبريراتٍ وذكر براهينَ لتسويغ

(237)

القرارات والإجراءات السابقة التي تمّ العمل بها في ما مضى، إلا أنّ تأثيرها على صعيد تبرير ما ذكر يتمثّل في تأكيدها على كون السياسة تعدّ ضربًا من العلوم».[1]

* البعد الاجتماعي

استنادًا إلى ما ذكرنا بخصوص دور الإيديولوجيا في شرعنة القضايا السياسية، نستنتج عدم إمكانية التقنين وتبرير السلوكات والعلاقات، كذلك عدم إمكانية تأسيس كياناتٍ اجتماعيةٍ ما لم يوجد فكرٌ إيديولوجيٌّ؛ فالإيديولوجيا على غرار القانون والمنطق العملي للسلوكات الاجتماعية الخاصّة بمختلف أعضاء المجتمع، ومثل القانون العملي الذي تقوم عليه المؤسّسات والمكوّنات الاجتماعية المعتمدة في حمل الرسالة الاجتماعية وإيفاء دورٍ اجتماعيٍّ، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار القوانين الاجتماعية التي هي على هذا النسق وسيلةً لإضفاء صبغةٍ منطقيةٍ مبرهنةٍ لكافّة السلوكات والأفعال وردود الأفعال الاجتماعية التي تبدر من الفرد والمجتمع على حدٍّ سواءٍ.

نظرًا لكون الإيديولوجيا على غرار الملاط والإسمنت الخفي الذي يوطّد العلاقات الاجتماعية ويعيّن هوية الكيانات الاجتماعية، فالإيديولوجيا في هذا المضمار تعدّ عنصرًا محوريًّا في التقنين.

الباحث ليو شتراوس[2] بوصفه منظّرًا فلسفيًّا ومفكّرًا سياسيًّا،

(238)

ضمن مباحثه التي دوّنها على صعيد الحقوق الطبيعية والتأريخية والتي سلّط الضوء فيها على المؤسّسات السياسية وروح الحداثة، اعتبر الإنسان كائنًا اجتماعيًّا بطبعه وأكّد على أنّ بنيته الوجودية صيغت بشكلٍ تجعله عاجزًا عن مواصلة حياته في منأًى عن المجتمع؛ حيث قال: بما أنّ الناس لديهم علاقاتٌ اجتماعيةٌ خاصّة، فهم بكلّ تأكيدٍ لديهم سلوكاتٌ ومواقفُ اجتماعيةٌ أيضًا، وهي في الحقيقة بحاجةٍ إلى آليةٍ تبريريةٍ منطقيةٍ وبرهانيةٍ لمعرفة ما إن كانت منطقيةً أو لا، أي معرفة صوابيّتها من خطئها، والحقوق الطبيعية في خضمّ هذا الوضع تصبح موضوعيةً، لأنّ الإنسان اجتماعيٌّ بطبعه ويسعى إلى نيل أسمى الفضائل الاجتماعية وبلورتها بشكلٍ عمليٍّ على ضوء إقرار العدل.

إذًا، الحقوق والعدل الاجتماعي وفقًا لهذه الرؤية لا تستوجب التوضيح على أساس توجّهاتٍ ومفاهيمَ ميتافيزيقيةٍ، وإنّما ينبغي بيان واقعها في رحاب الحقوق الطبيعية القائمة على المعايير العقلية الخاصّة بالنزعة النفعية، وبالتالي فإنّ تحقّق فضيلةٍ اجتماعيةٍ كهذه، على أساس مبادئ الحقوق الطبيعية الكامنة في رحاب مجتمعٍ مدنيٍّ، مرهونٌ بوجود إيديولوجيا يمكن على أساسها تبرير السلوكات والنشاطات الاجتماعية وذكر براهينَ تثبت صوابيّتها.

ويرى هذا الباحث الغربي أنّ كلّ إيديولوجيا تعتبر بطبيعتها جهدًا يراد منه تبرير سلوكاتٍ خاصّةٍ مفتقرةٍ إلى توجيهٍ، أي أنّها سلوكاتٌ غامضةٌ لدى البعض بحيث لا يعرفون ما إن كانت تتّسم بالعدل

(239)

أو لا (إزاء ذات الإنسان أو إزاء غيره).[1] بناءً على هذا الكلام، فالإيديولوجيا الحاكمة في المجتمع المدني القائم على مبدأ «الحقوق الطبيعية» تتكفّل بشرعنة وتبرير تلك السلوكات التي تتبلور في رحاب هذا المجتمع لكونها هي التي تحدّد النمط السلوكي وإطاره الخاصّ لكلّ فردٍ في المجتمع، كما يتمّ على أساسها وضع أسسٍ مؤدلجةٍ بهدف عدم تخطّي حدود الحقوق الاجتماعية؛ وقد وصف شتراوس هذه الحالة بأنّها «وعيٌ إنسانيٌّ طبيعيٌّ».

الباحث هابرماس في المباحث الختامية من كتابه أزمة الرأسمالية الحديثة تطرّق إلى بيان مبادئ التقنين والأسس المنطقية التي تقوم عليها في النظام الذي يعتقد به، والموضوع الذي سلّط عليه الضوء في هذا القسم من الكتاب يتمحور حول دور العناصر الموجبة للتقنين وتلك العناصر التي يتمّ على أساسها تبرير طبيعة النظام الاجتماعي عند حلول تطوّراتٍ جديدةٍ أو ظهورِ أزماتٍ، واستنادًا إليها يتمّ طرح براهينَ إيديولوجيةٍ؛ ومن هذا المنطلق أشار إلى رؤية ماكس فيبر بخصوص المشروعية، فهذا المفكّر يعتقد أنّ جميع الأنظمة بحاجةٍ إلى أسسٍ قانونيةٍ وآلياتٍ خاصّةٍ لأجل إدامة بقائها، لذا فهي تتولّى مسألتَيِ التبرير والتشريع؛ وهابرماس بدوره اعتبر هذا الرأي دالًّا على وجود ارتباطٍ ذاتيٍّ بين النظام والحقيقة، لكنّه مع ذلك شكّك بمصداقية هذا الارتباط، وتشكيكه بطبيعة الحال لا يتناسب مع ما ذكره، إذ في ما لو أنكر الارتباط سوف يبقى مجرّد

(240)

مسألةٍ سيكولوجيةٍ تحليليةٍ لا فائدة منها على الصعيد العملي، وممّا قاله في هذا الصعيد: «... حتّى إنّ فيبر يذعن بأنّ كلَّ قدرةٍ وحتّى كلّ ميزةٍ مشهودةٍ بشكلٍ واضحٍ في الحياة مفتقرةٌ إلى تبرير وجودها، وإذا تصوّرنا أنّ الاعتقاد بالمشروعية عبارةٌ عن ظاهرةٍ تجريبيةٍ لا ترتبط ذاتيًّا بالحقيقة ففي هذه الحالة تقتصر أهمية أركانها التي تقوم عليها على أسسٍ تحليليةٍ سيكولوجيةٍ؛ لذا تبقى مسألة مدى قدرة هذه الأركان على ترسيخ قضيةٍ كما ينبغي بالنسبة إلى الاعتقاد بالمشروعية منوطةً بالمعتقدات المتبنّاة فكريًّا والخلفيات السلوكية بين أعضاء المجتمع»[1].

لا يمكن اتّخاذ أيّ قرارٍ في المجتمع من قبل الحكّام كما لا يمكن الاطمئنان لتطبيقه على أرض الواقع دون وجود خلفيةٍ إيديولوجيةٍ تتكفّل بمسؤولية التقنين والتبرير، وفي هذا السياق اعتبر القواعد الصورية كمنطلقٍ أساسيٍّ لشرعنة القرارات لكونها تقلّص من مستوى التشكيك في مجال تطبيقها، ومن البديهي أنّها بمثابة إيديولوجيا لذا فهي تحكي عن جانبها العملي[2].

التبرير والتوضيح المنطقي المطروح على صعيد نشأة السلوكات والأفعال تطرّق إليه أيضًا علماء النفس لكونهم أكّدوا عليه ضمن مباحثهم السيكولوجية، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ أهمّ عنصرٍ تتبلور على ضوئه الطاعة الاختيارية بتلك الصورة التي تطرّقنا إليها

(241)

في مواضيع بحثنا، يتمثّل في الإيديولوجيا النافذة المنبثقة من فكر شخصٍ ما، فهذه الإيديولوجيا تضفي صبغةً رسميةً على سلطة هذا الشخص وتبرّر ضرورة اتّباع أوامره، لأنّ ما كان نافذًا منها يجبر الإنسان على غضّ النظر عن مسألة استقلاله فكريًّا بحيث يجعلها تنصبّ في خدمة أهداف المكوّنات الاجتماعية الأكبر من سواها.[1]

التبرير وإضفاء المشروعية عبارةٌ عن وسائلَ عمليةٍ ضروريةٍ في الأنظمة الحديثة القائمة من أساسها على تفسيرٍ وإيديولوجيا قوامها مصدرٌ علميٌّ، وهي في مجال الأنظمة التفسيرية الدينية تقوم بطبيعة الحال على مبادئَ دينيةٍ، ومن هذا المنطلق نلاحظ أنّ هابرماس أكّد بصريح العبارة على أنّ المشروعية تعدّ من الوظائف العملية الأساسية التي لا محيص عنها، حيث قال: «إحدى الوظائف العملية الأساسية للأنظمة التفسيرية التي تعتبر البنية الارتكازية لديمومة الحياة، هي مساهمتها في عدم حدوث فوضًى، أي إنّها وازعٌ للتغلّب على كلّ ما هو طارئٌ؛ وشرعنة أروقة السلطة والقوانين الأساسية يمكن اعتبارها تبلورًا خاصًّا لمسألة (إضفاء المعنى)»[2].

* البعد الاقتصادي

الإيديولوجيا على الصعيد الاقتصادي من خلال إيجادها تبريراتٍ منطقيةً لمختلف مكوّنات النظام الاقتصادي التابع لها، تساهم في تحقيق مبادئه على أرض الواقع، وعلى هذا الأساس فهي

(242)

المنطلق الأساسي لبيان طابع السلوكات والعلاقات الاقتصادية في هذا النظام وعلى أساسها يتمّ إقرار تبريراتٍ لما يجري في رحابه؛ أي إنّها على ضوء تسويغها وبرهنتها كافّةَ النشاطات العملية في مختلف المستويات وعبر إيجادها ارتباطًا بين هذه النشاطات وبين أحد الأنظمة الفكرية والعقائدية المتبنّاة من قبل كافّة شرائح الشعب، توجد قناعةً ورضًا بحيث تغطّي على الضعف والأداء الخاطئ للمعنيين بالشأن الاقتصادي وكذلك لمختلف المؤسّسات والمكوّنات الاقتصادية.

بما أنّ الإيديولوجيا لها القابلية للتفسير والتبرير في جميع المجالات وكافّة المستويات، يمكن الاعتماد عليها لنيل تأييدٍ عامٍّ، لذا فهي بواسطة تصوير أنّ مضامينَها مقبولةٌ ومشروعةٌ، من شأنها أن تصبح منطلقًا للحفاظ على الأوضاع الاقتصادية السائدة في المجتمع واعتبارها مرتكزًا أساسيًّا للحفاظ على المصالح الوطنية والمنافع العامّة.

تجدر الإشارة هنا إلى وجود اختلافٍ ظريفٍ بين "التبرير والمشروعية" و "التكتّم"، وقد تطرّق الباحث باشلار إلى هذا الأمر قائلًا: "أثناء التكتّم يسعى الإنسان إلى إخفاء أمرٍ عن الآخرين، لكن حين التبرير يسعى الساسة إلى ذكر أدلّةٍ منطقيةٍ تثبت صوابيّة أفعالهم"[1].

ينبغي الالتفات هنا إلى أنّ الشرعنة الإيديولوجية لا تعني بالضرورة التكتّم على الإخفاق العملي والتغطية على نقاط الضعف

(243)

في كافّة الصعد، بل إنّ المشروعية والتبرير وذكر أدلّةٍ منطقيةٍ وبراهينَ معتبرةٍ إيديولوجيةٍ لهما القدرة على إقناع الرأي العام وتلبية الطموحات الذاتية لمختلف الشرائح الشعبية إزاء الأداء الضعيف للحكّام والزعماء، كما تقلّلان من مستوى القلق الحاصل؛ لذا يمكن القول أنّ المشروعية الإيديولوجية تحمل معها إقناعًا فكريًّا، وفي الحين ذاته لها أثرٌ سيكولوجيٌّ وعقائديٌّ، ناهيك عن كونها عاملًا مساعدًا في مجال التعبئة الشعبية وتوحيد صفوف مختلف شرائح المجتمع؛ وممّا ذكره الباحث فولفغانغ ليونارد في هذا المجال ما يلي: "الإيديولوجيا تنصبّ في خدمة شرعنة النظام الحاكم وفي الحين ذاته تعمل على وضع تبريراتٍ للظروف الاقتصادية القاسية، لذا يقال أنّ النشاطات العملية تنصبّ في خدمتها وتقوم عليها".[1]

الباحث جون كينيث "كين" غالبرايث[2] يرى أنّ كلّ نظامٍ اقتصاديٍّ مفتقرٌ بطبيعته إلى مشروعيةٍ وتبريرٍ عقلانيٍّ كي يتمكّن من مواصلة نشاطاته الاقتصادية ولأجل أن يتمكّن من إيجاد اعتمادٍ لدى الشعب إزاءه، لأنّ شرعنته وتبريره يُعتبران من الأركان الأساسية للنظام الفكري والعقائدي السائد في المنظومة الاقتصادية؛ وفي هذا السياق ضمن بيانه المعالم الأساسية الداعية إلى حدوث تصوّراتٍ خاطئةٍ وانعدامٍ للأمن الاقتصادي وفقدانٍ للثقة بالنظام الاقتصادي الرأسمالي، أشار إلى وجود آلياتٍ خاصّةٍ يمكن الاعتماد عليها في هذا النظام باعتبار أنّها تمتلك القابلية على اجتثاث القلق

(244)

والاضطراب الداخلي؛ لذلك قال: "وجودٌ أحد الأنظمة، أو بعبارةٍ أدقَّ وجود اقتصادٍ قائمٍ على أساسها، بحيث تراعى في رحابه القواعد السلوكية إلى أقصى حدٍّ ممكنٍ، ثمرتُه زوال جميع أشكال القلق والاضطراب.

المرحلة السابقة (التوهّم غير الآمن) لهذا النظام تحكي عن نظامٍ اقتصاديٍّ ذي أداءٍ اجتماعيٍّ من الدرجة الأولى".[1] وضمن إشارته إلى أنّ الأنموذج التنافسي للاقتصاد التقليدي في المجتمع الرأسمالي دخل المضمار إبّان ظروفٍ لم يكن المجال فيها متاحًا للأنموذج المقابل أن يطرح مبادئه التفسيرية على صعيد الحياة الاقتصادية، أكّد على أنّ كلّ نظامٍ اقتصاديٍّ إن أريد له ديمومة بقائه فلا بد له من الارتكاز على خلفياتٍ عقائديةٍ وإيديولوجيةٍ تشرعنه وتبرّر مبادئه، وهي التي توصف بـ "اللاهوت الاقتصادي"؛ لأنّ الإنسان لا يتسنّى له البقاء ومواصلة حياته إذا عاش دون أسسٍ لاهوتيةٍ اقتصاديةٍ ودون تبريراتٍ عقلانيةٍ لتلك القضايا المجرّدة التي تبدو في ظاهر الحال ناقصةً والتي من شأنها تلبية متطلّبات معيشته. الجدير بالذكر هنا أنّ الأنموذج التنافسي أو التقليدي فيه نقاطٍ إيجابيةٍ عديدةٍ تتجلّى في هذا المضمار، فهو شاملٌ وإلى جانب ذلك تتّصف جميع مكوّناته الداخلية بالتناسق والانسجام، والإنسان الذي يتبنّى نهجًا تحفّظيًّا يمكنه ادّعاء أنّ الأنموذج التنافسي يحكي عن الواقع باعتباره مرتكزًا لتبرير مصداقية النظام الموجود، بينما الشخص الذي يتبنّى نهجًا إصلاحيًّا يمكنه أن يعتبره هدفًا أو مرشدًا يرشده إلى

(245)

السبيل الأمثل الذي يمكن الاعتماد عليه لإجراء تغييراتٍ.[1]

الإيديولوجيا بشكلٍ عامٍّ ضمنت وما زالت تضمن ديمومة جميع الأنظمة الحكومية السابقة والجديدة على ضوء تبريرها لمبادئها وشرعنتها، لذا نلاحظ في العصر الحاضر الذي هو في الواقع عصر الاتّصالات ورواج وسائل الإعلام العامّة والتقنيات المعقّدة، ظهور إمبرياليةٍ من نمطٍ جديدٍ تجاوزت الحدود الجغرافية وتمخّضت عن إيديولوجيا في ما وراء الحداثة وهدفها من وراء ذلك شرعنة نفسها وتبرير نهجها التفسيري، وقد تكفّلت هذه الإيديولوجيا بمسؤولية وضع تبريراتٍ منطقيةٍ للسلطة الإمبريالية التي انبثقت منها وتفسير مبادئها؛ وقد أطلق عليها الباحث جيسون عنوان «ماوراء الحداثة» لكونها ولدت لأجل تبرير الأوضاع الراهنة.

الإيديولوجيا من هذا المنطلق عبارةٌ عن مجموعةٍ من الأفكار التي تشرعن سلطة النهج التفسيري للعالم وتكسب تأييدًا له، ما يعني أنّ السلطة التفسيرية إن أريد لها البقاء والاستمرار فلا بدّ عندئذٍ من وجود سلطةٍ فكريةٍ تؤازرها، وهذه السلطة ليست سوى الإيديولوجيا.[2]

وظيفة الإيديولوجيا في النطاق الجزئي (النظام الفردي)

الإيديولوجيا ذاتُ أداءٍ عمليٍّ خاصٍّ على المستوى الفردي، لذا فتأثيرها في هذا المضمار يحكي عن مستواها الذي بلغته ونطاق

(246)

نفوذها، إذ إنّ تأثيرها العملي فرديًّا يناظر تأثيرها في النطاق العامّ لكونها تعدّ مرتكزًا لتوحيد الوجهة الفكرية للفرد والتنسيق بين الفكر والعمل لديه بحيث تساهم في إيجاد نظامٍ فكريٍّ متناغمٍ لهذا الفرد يتمكّن في رحابه من توحيد نمط سلوكاته وأفعاله وعلاقاته الفردية كافّةً؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الوحدة حينما تتكاتف مع الإيديولوجيا تعيّن طبيعة الأفعال وردود الأفعال الشخصية وتضفي عليها طابعًا خاصًّا.

الباحث المسلم سيّد قطب ضمن بيانه خصائصَ الإيديولوجيا الإسلامية، أكّد على أنّها ذاتُ تأثيرٍ عمليٍّ على صعيد وحدة الصفّ والانسجام النفسي والروحي لدى الإنسان، واعتبر الرؤية الإسلامية العامّة من حيث شموليتها وجامعيتها تعزو جميع الحركات والكائنات في عالم الوجود إلى إرادةٍ عليا تتّسم بالجامعية والشمولية، وعلى ضوء توجيه البشرية نحو مبدأٍ واحدٍ وإرادةٍ واحدةٍ فهي توجد اتّساقًا وانسجامًا بين الأفكار والقيم والمبادئ والشرائع والقوانين لتوحّدها مع بعضها؛ ومن البديهي أنّه على ضوء الوحدة والانسجام الروحيين يتسنّى للإنسان انتشال نفسه من الفراغ والعبثية في عالم الوجود. ومن جملة ما ذكره في هذا الصعيد «بما أنّ الإنسان إذا اجتمع مع أقرانه البشر بهذا الشكل من حيث إدراكه وسلوكاته وأفكاره ومتبنّياته العقائدية وعمله ونشاطه الاقتصادي، كذلك من حيث الحياة والموت والسعي والحركة والسلامة والرزق، وبالتالي في مجال دنياه وآخرته... سوف لا يشهد تشتّتًا في أوضاعه ولا يغيّر

(247)

وجهته بين الفينة والأخرى».[1] وقال أيضًا: «هذا التمركز النفسي والحركي (التجمّع)، هو الميزة العظيمة للإسلام والرؤية الإسلامية العامّة التي تفسّر جميع الحقائق في رحاب الروح الإنسانية وتبرّر جميع جوانب نشاطات الإنسان». [2] كذلك قال: «حينما يتمركز الإنسان بهذا الشكل سوف ينعم بأفضل أحواله، لأنّه سيعيش في حالة من الوحدة مع الجماعة تدلّ على الحقيقة والواقع في شتّى مراحل العالم والحياة»[3].

وضمن تأكيده على أنّ الإسلام عبارةٌ عن نظامٍ عمليٍّ يتولّى إدارة شؤون الحياة على الصعيدين المادّي والروحي والتنسيق فيما بينهما، نوّه على وحدة شخصية الإنسان والتي تتحصّل عن طريق هذا النظام العملي، حيث قال: «إذا لم تتحقّق لدينا وحدةُ برنامجٍ وعقيدةٍ، بمعنى ألّا يكون باطن الإنسان قائمًا على قانونٍ وحياةٍ، تصبح قابلياته الحياتية خاضعةً لقانونٍ آخرَ... وفي هذه الحالة يكون قد فقد وحدة شخصيته وابتُلي بشخصيةٍ (مزدوجةٍ)»[4].

إلى جانب هذه الوحدة والانسجام اللذين يتحصّلان لدى الإنسان، هناك بطبيعة الحال رغباتٌ وخياراتٌ ومواقفُ ذاتُ وجهةٍ معيَّنةٍ، وفي هذا السياق بإمكاننا بيان الأداء العملي الفردي للإيديولوجيا على ضوء الدور العملي التي تفي به القيم التي وصفها

(248)

المفكّر روكيش بكونها آمرةً ورادعةً؛ والحقيقة أنّ تأثير القيم هو ذات الأداء الإيديولوجي العملي على الصعيد الفردي.

الدكتور عبد اللطيف محمّد خليفة تطرّق بدوره إلى بيان طبيعة الأداء العملي للقيم، صنّفه إلى عدّة أقسامٍ عمليةٍ، هي تحفيزيةٌ وتوافقيةٌ ودفاعيةٌ عن النفس وتبلورًا للمعرفة أو تحقّقًا للأنا، ومن جملة ما ذكره بهذا الخصوص ما يلي: «من الوظائف المباشرة للقيم اتّساق توجيه الأفعال الإنسانية أو أفعال الأفراد في المواقف التي يتعرّضون لها في حياتهم، كما أنّ لها وظائف أخرى طويلة الأمد تتمثّل في التعبير عن حاجات الأفراد الأساسية؛ لأنّ القيم مكوّنٌ دافعيٌّ قويٌّ كما أنّ لها مكوّناتٍ معرفيةٍ ووجدانيةٍ وسلوكيةٍ، فالقيم الوسيلية مثلًا لها قوّة دفع لتحقيق أهدافٍ معيّنةٍ يتمّ تدعيمها من خلال تحقيق غاياتٍ أبعدَ.

وتقوم القيم بهذه الوظائف باعتبارها أدوات لاستمرار صورة الفرد عن ذاته وتحسينها، وهو ما أشار إليه (ماك دوجل) بعاطفة اعتبار الذات (Sentiment of self regard).

وقد تبيّن أنّه من الوظائف الأساسية للاتّجاهات: تحقيق التوافق والدفاع عن الأنا، والوظيفة المعرفية، كما تبيّن أنّ هذه الوظائف الثلاثة لا تمثّل أكثر من مجرّد تعبيراتٍ أو مظاهرَ للقيم المختلفة التي يمتلكها الأفراد بدرجاتٍ متفاوتةٍ، وبالتالي تساعد مجموعة أو جملة القيم التي يتبنّاها الفرد على التوافق مع المجتمع والدفاع عن

(249)

الأنا ضدّ التهديد واختبار الواقع»[1].

الباحث خوسيه اورتيجا أي غاسيت ضمن السياق ذاته أكّد على عدم وجود إنسانٍ فارغِ الذهن من العقيدة، وأشار إلى أهمية النظام العقائدي ووظيفته الأساسية في إيجاد شعورٍ لدى الإنسان بتعيّن الوجهة التي يجب أن يسلك طريقه نحوها والتي تحدّد مسار نشاطاته في الحياة؛ وممّا ذكره في هذا المضمار ما يلي: «العالم ومعتقداتنا إزاءه هما اللذان يغرسان لدينا الشعور بالوجهة التي يجب أن نتحرّك وفقها، ويحدّدان لنا مسلك هذه الوجهة؛ فهما كالبوصلة التي تعيّن اتّجاه حركتنا ونوعية قراراتنا. الإنسان المتأزّم هو في الواقع متروك دون عالَمٍ، حيث ولج في بيئةٍ اجتماعيةٍ زاخرةٍ بالاضطرابات والتشرذم وإثر ذلك ابتُلي بأوضاعٍ مؤسفةٍ لا تعيين لوجهتها... الإنسان الذي يشعر بالانفكاك عن المجتمع لا يستبعد أن تبدر منه ردود أفعال منبثقة من شعور بارد بالشكّ والترديد والاضطراب أو اليأس».[2] وأضاف في السياق نفسه: «لذا نلاحظ أنّ الإنسان لأجل أن يتخلّص من الفراغ والاضطراب اللذين ابتُلي بهما جرّاء أزمته الإيديولوجية وتخلّيه عن التوجّهات والمعتقدات القائمة على فكرٍ ميتافيزيقيٍّ، لا محيص له من تزويد نفسه بمخزونٍ كافٍ من الأوامر والنواهي كي يتسنّى له اتّخاذ قرارٍ تجاه نفسه، فهذا المخزون الفكري

(250)

يعدّ ضروريًّا بالنسبة إليه ولا بدّ له من الإقرار بما يمليه عليه»[1].

يمكن تلخيص هذا الكلام كما يلي: الإيديولوجيا هي التي تعيّن الهوية الفردية لكلّ إنسانٍ وفي الحين ذاته تخلّصه من التشرذم النفسي والباطني حينما يواجه تضاربًا وجدلًا ضمن مختلف النزعات والخيارات والمواقف؛ وعلى ضوء ذلك فهي تمنحه مدلولًا مفهوميًّا بالنسبة إلى الحياة والوجود وتؤصّل في ذاته معنًى من حيث رؤيته إزاء شخصيته وعالم الوجود بأسره ضمن سلوكه الشخصي ومختلف أفعاله الخاصّة بحيث تصوغ كلّ ذلك ضمن هويةٍ واضحةِ المعالم.

إذًا، الهوية الفردية التي يتمّ تحصيلها على ضوء الفكر الإيديولوجي، تفي بدورٍ من هذه الناحية في مجال إيجاد طمأنينةٍ نفسيةٍ وفكريةٍ لدى الإنسان بحيث تعدّ سدًّا منيعًا يصونه من الاضطراب والتشتّت.

الباحث غي روشيه ضمن بيانه خصائصَ الإيديولوجيا ووظيفتها الخاصّة، أكّد على أنّها مرتبطةٌ بالطباع النفسية الكامنة في ذات الإنسان، وفي السياق ذاته أشار إلى مدى تأثيرها على صعيد التقليل من مستوى الاضطراب الباطني الذي يوجد لدى الفرد شعورًا بعدم الطمأنينة من الناحية الروحية، حيث قال: «كما ذكرنا بالنسبة إلى الجوانب السيكولوجية الإيديولوجية، فهي تفي بدور على صعيد تقليص مستوى الحالات التي تثير الاضطراب لدى أعضاء المجتمع

(251)

والتي تجعلهم ينتهجون مسلكًا باطنيًّا ذا طابعٍ عدائيٍّ ومتطرّفٍ، كما تساهم في الترويج للشعور بمبدأ (نحن) عن طريق توحيدها صفوفَ الناس فرادى وجماعات أو توحيد كيان المجتمع الذي يتبلور مفهوم (نحن) في رحابه... امتزاج الخصائص الثنائية الاجتماعية والنفسية مع بعضها يضفي على الإيديولوجيا قابليةً استثنائيةً، وفي هذا المضمار تتلاحم الحاجات والرغبات الكامنة لدى البشر مع الاضطراب والركض وراء المناصب والطموحات، وجرّاء ذلك تؤثّر الحالات النفسية لأعضاء المجتمع ومواقفهم الجماعية على بعضها البعض وتتداخل فيما بينها».[1]

إذًا، الإيديولوجيا تبرّر وتشرعن كافّة السلوكات والأفعال الشخصية ضمن نطاقٍ فرديٍّ، ومن هذا المنطلق بإمكاننا تسليط الضوء على مختلف وظائفها العملية ضمن مراحلَ محدَّدةٍ بهدف بيان تلك الأهداف الخاصّة في شتّى المجالات، وهذه الوظائف لا تؤدّى كلّ واحدةٍ منها بشكلٍ مستقلٍّ عن بعضها، بل على ضوء تعاملها مع بعضها بحيث تكون مؤثّرةً في كلّ مجالٍ.

(252)

* المصادر والمراجع

1 ) أنتوني أربلاستر، ظهور وسقوط ليبراليسم غرب (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عباس مخبر، إيران، طهران، منشورات «مركز»، الطبعة الثالثة، 1998م.

2 ) حنّة آرنت (آرندت)، توتاليتاريسم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن ثلاثي، إيران، طهران، منشورات «جاويدان»، الطبعة الثانية، 1987م.

3 ) ريموند آرون، مراحل اساسي انديشه در جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية باقر برهام، إيران، طهران، منشورات «شركت سهامي»، الطبعة الثانية، 1993م.

4 ) داريوش آشوري، تعريف فرهنگ (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «آگاه"، 2001م.

5 ) داريوش آشوري، ما و مدرنيته (باللغة الفارسية).

6 ) بيير ألستون، دين و چشم انداز هاي نو (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية غلام حسين توكلي، إيران، قم، منشورات المكتب الإعلامي الإسلامي في الحوزة العلمية في مدينة قم، 1997م.

7 ) سيد مرتضى آويني، فردايي دیگر (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «برگ»، 1994م.

8 ) سيد مرتضى آويني، آغازي بر يك پايان (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «ساقي»، الطبعة الثانية، 2002م.

9 ) ريتا أتكينسون وآخرون، زمينه روانشناسي - الجزء الثاني (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية رضا زماني، إيران، طهران، منشورات «رشد»، 1991م.

(253)

10 ) توماس سبريغنز، فهم نظريه هاي سياسي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية فرهنك رجائي، إيران، طهران، منشورات «أگاه"، الطبعة الثانية، 1998م. 
11 ) أوسفالد أرنولد شبينغلر، فلسفه ي سياسيت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية هدايت الله فروهر، إيران، طهران، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1990م. 
12 ) ليو شتراوس، حقوق طبيعي و تاريخ (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية باقر برهام، إيران، طهران، منشورات «آگاه»، الطبعة الثانية، 1996م. 
13 ) ميرتشا إلياده، فرهنگ و دين (باللغة الفارسية)، ترجمته إلى الفارسية لجنة من المترجمين تحت إشراف بهاء الدين خرّمشاهي، إيران، طهران، منشورات «طرح نو»، 1995م. 
14 ) (بارنز) و (بيكر)، تاريخ انديشه اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية جواد يوسفيان وعلي أصغر مجيدي، إيران، طهران، منشورات «أمير كبير»، الطبعة الثالثة، 1996م. 
15 ) كولين براون، فلسفه و ايمان مسيحي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية طاووس ميكائيليان، إيران، طهران، منشورات العلم والثقافة، الطبعة الثالثة، 2005م. 
16 ) بيتر بيرجر، افول سكولاريزم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية أفشار أميري، إيران، طهران، منشورات «پگاه»، 2001م. 
17 ) إدوارد بيرمان، كنترل فرهنگ (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حميد إلياسي، إيران، طهران، منشورات «ني»، 1994م. 
18 ) مارشال بيرمان، تجربه ي مدرنيته (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «نو»، الطبعة الثالثة. 

(254)

19 ) جون باشلار، ايدئولوژي چیست؟ (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية علي أسدي، إيران، طهران، منشورات «شركت سهامي»، 1991م.

20 ) جمشيد بهنام، ايرانيان و انديشه ي تجدد (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «فروزان»، 1996م.

21 ) ريموند بودون، ايدئولوژي در منشأ معتقدات (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية إيرج علي آبادي، إيران، طهران، منشورات «شيرازه»، 1999م.

22 ) عبد الرسول بيات، فرهنگ واژه ها (باللغة الفارسية)، إيران، قم، منشورات مؤسّسة الفكر والثقافة الدينية، 2002م.

23 ) (مونتي بالمر)، (لاري ستيرن)، (تشارلز غايل)، نگرش جديد به علم سياسيت (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات وزارة الخارجية، الطبعة الرابعة، 1993م.

24 ) بايكين وآخرون، دين اينجا و اكنون (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مجيد مجيدي، إيران، طهران، منشورات «قطره»، 1998م.

25 ) نيل بوستمان، تكنوپولي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سيّد صادق طباطبائي، إيران، طهران، منشورات «اطلاعات»، 1994م.

26 ) نيل بوستمان، تكنوپولي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سيّد صادق طباطبائي، إيران، طهران، منشورات «اطلاعات»، الطبعة الثانية، 1996م.

27 ) جون بلاميناتز، ايدئولوژي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عزت الله فولاد وند، إيران، طهران، منشورات العلم والثقافة، 1994م. 

28 ) كارل بوبر، فقر تاريخي گري (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية أحمد آرام، إيران، طهران، منشورات «خوارزمي»، الطبعة الثانية، 1979م.

29 ) كارل بوبر، حدس ها و ابطال ها (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية أحمد

(255)

آرام، إيران، طهران، منشورات «شركت سهامي»، 1984م.

30 ) كارل بوبر، جامعه ي باز و دشمنانش - الجزء الرابع (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية أحمد آرام، إيران، طهران، منشورات «خوارزمي»، 1990م.

31 ) جورج بوليتزر، اصول مقدماتي فلسفه (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية جهانغير أفكاري، إيران، طهران، منشورات «أمير كبير»، 1979م.

32 ) محمّد رضا تاجيك، فرامدرنيسم و تحليل گفتمان (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات مكتب نشر الثقافة الإسلامية، 1999م.

33 ) ألفين توفلر، موج سوم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية شهين دوخت خوارزمي، إيران، طهران، منشورات «فاخته»، الطبعة الحادية عشرة، 1995م.

34 ) جون بي. تومسون، ايدئولوژي و فرهنگ مدرن (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مسعود أوحدي، إيران، طهران، منشورات «آينده پويان»، 1999م.

35 ) بول تيليش، الهيات فرهنگ (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مراد فرهاد بور وفضل الله باكزاد، إيران، طهران، منشورات «قيام»، 1997م.

36 ) جهان اسلام (باللغة الفارسية)، إصدار خاصّ.

37 ) السيّد منير الدين الحسيني الهاشمي، مدرنيته و اخلاق (باللغة الفارسية)، إيران، قم، منشورات مكتب الدار الثقافية للعلوم الإسلامية، 2000م.

38 ) السيّد منير الدين الحسيني الهاشمي، درباره مفهوم آزادي، إيران، قم، منشورات مكتب الدار الثقافية للعلوم الإسلامية.

39 ) حميد حميد، علم تحولات جامعه (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «سيمرغ»، الطبعة الثالثة، 1975م.

40 ) عبد اللطيف محمّد خليفة، بررسي روان شناختي تحول ارزش ها (باللغة

(256)

الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سيّد حسين سيّدي، إيران، مشهد، منشورات العتبة الرضوية المقدّسة، 1999م.

41 ) أندرو دوبسون، فلسفه و انديشه ي سبزها (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن ثلاثي، إيران، طهران، منشورات «آگاه»، 1998م.

42 ) رضا داوري أردكاني، انقلاب اسلامي و وضع كنوني عالم (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات مركز العلامة الطباطبائي الثقافي، 1982م.

43 ) رضا داوري أردكاني، شمه اي از تاريخ غرب زدگی ما (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات سروش، الطبعة الثالثة، 1984م.

44 ) رضا داوري أردكاني، درباره ي غرب (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «هومس»، 2000م.

45 ) رضا داوري أردكاني، اتوپی و عصر تجدد (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «ساقي»، 2000م (ب).

46 ) رضا داوري أردكاني، ما وراء دشوار تجدد (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «ساقي»، 2004م.

47 ) رضا داوري أردكاني، خرد - فرهنگ - آزادي، إيران، طهران، منشورات «ساقي»، الطبعة الثالثة، 2010م.

48 ) مايكل روش، جامعه و سياست (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية منوتشهر صبوري، إيران، طهران، منشورات «سمت»، 1998م.

49 ) علي رضائيان، تجزيه و تحليل و طراحي سيستم (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «سمت»، الطبعة الخامسة، 2001م.

50 ) غي روشيه، تغييرات اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية منصور

(257)

وثوقي، إيران، طهران، منشورات «ني»، الطبعة الثامنة، 1998م.

51 ) جورج رايتزر، نظريه ي جامعه شناسي در دوران معاصر (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن ثلاثي، إيران، طهران، منشورات «علمي»، 1995م.

52 ) شهريار زرشناس، جامعه ي باز - آخرين اتوپی تمدن غرب (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «حوزه هنري»، 1992م.

53 ) عبد الكريم سروش، تفرج صنع (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «صراط»، 1994م.

54 ) عبد الكريم سروش، مدارا و مديريت (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات مؤسّسة الصراط الثقافية، 1997م.

55 ) سيّد قطب، آينده در قلمرو اسلام (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية السيّد علي الخامنئي، إيران، طهران، منشورات مكتب نشر الثقافة الإسلامية، 1966م.

56 ) سيّد قطب، ویژگی هاي ايدئولوژي اسلامي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محمّد خامنئي، إيران، طهران، منشورات «كيهان»، 1980م.

57 ) آدم تشاف، جهان به كجا مي رود (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية فريدون نوائي، إيران، طهران، منشورات "أگاه»، 1990م.

58 ) علي رضا شجاعي زند، عرفي شدن در تجربه ي مسيحي و اسلامي (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «باز شناسي اسلام و ايران»، 2002م.

59 ) علي رضا شجاعي زند، دين - جامعه - عرفي شدن (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «مركز»، 2001م.

60 ) جي. أم. شافريتز و ستيفن جي. واط، نظريه كلاسيك سازمان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محمّد مهدي نادري قمي، إيران، قم، منشورات مؤسّسة

(258)

الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، 1998م. 

61 ) إرنست فردريك شوماخر، اقتصاد با ابعاد انساني (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية علي رامين، إيران، طهران، منشورات «سروش»، الطبعة الثالثة، 1993م.

62 ) السيّد محمّد باقر الصدر، اقتصادنا (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محمّد كاظم موسوي، إيران، طهران، 1969م.

63 ) السيّد محمّد باقر الصدر، سيستم هاي اقتصادي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية غلام رضا مصباحي، إيران، قم، منشورات «ناصر».

64 ) نورمان فاركلوف، تحليل انتقادي گفتمان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية شعبان علي بهرام بور وآخرون، إيران، طهران، منشورات مركز دراسات وبحوث وسائل الإعلام، 2000م.

65 ) إريك فروم، گريز آزادي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عزت الله فولاد وند، إيران، طهران، منشورات «مرواريد»، 1987م.

66 ) جوليان فروند، نظريه هاي علوم انساني (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية علي محمّد كاردان.

67 ) إرنست كاسيرر، فلسفه ي روشنگري (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية يد الله موقن، إيران، طهران، منشورات «نيلوفر»، 1991م.

68 ) إرنست كاسيرر، اسطوره دولت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية يد الله موقن، إيران، طهران، منشورات «هرمس»، 1998م.

69 ) مجيد كاشاني، غرب در جغرافياي انديشه (باللغة الفارسية).

70 ) كارل كايوتسكي، بنياد هاي مسيحيت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عباس ميلاني، إيران، طهران، منشورات «سهامي»، 1979م.

(259)

71 ) حسين كجوئيان، پايان ايدئولوژي (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «كيهان»، 1997م.

72 ) موريس كورنفورت، نظريه ي شناخت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية فرهاد نعماني ومنوتشهر سناجيان، إيران، طهران، منشورات «شركت سهامي»، الطبعة الثالثة، 1979م.

73 ) أنتوني كوينتين، فلسفه سياسي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية مرتضى أسعدي، إيران، طهران، منشورات «آور»، 1995م.

74 ) دان كيوبيت، درياي ايمان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسن كام شاد، إيران، طهران، منشورات «طرح نو»، 1997م.

75 ) خوسيه اورتيجا أي جاسيت، انسان و بحران (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية أحمد تديّن، إيران، طهران، منشورات العلم والثقافة، 1997م.

76 ) جون كينيث جالبرايت، سرمايه داري آمريكا (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية آرسن نظريان، إيران، طهران، منشورات «شركت سهامي»، 1974م.

77 ) مجموعةٌ من المؤلّفين، نقدي بر جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حشمت الله كامراني، إيران، طهران، منشورات «شبگیر»، 1974م.

78 ) جورج غورفيتش، مطالعاتي درباره طبقات اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية باقر برهام، إيران، طهران، منشورات «كتاب هاي جيبي»، الطبعة الثالثة، 1979م.

79 ) ألفين غولدنر، بحران جامعه شناسي غرب (باللغة الفارسية)، ترجمته إلى الفارسية فريدة ممتاز، إيران، طهران، منشورات «شركت سهامي»، الطبعة الثانية، 1994م.

80 ) أنتوني غيدنز، جامعه شناسي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية منوتشهر صبوري، إيران، طهران، منشورات «ني»، الطبعة الثالثة، 1997م.

(260)

81 ) أنتوني غيدنز، تجدد و تشخص (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية ناصر موفقيان، إيران، طهران، منشورات «ني»، 1999م.

82 ) نورمان إل. غيسلر، فلسفه ي دين - الجزء الأوّل (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية آية اللهي، إيران، طهران، منشورات «حكمت»، 1996م.

83 ) سيرج لاتوش، غربي سازي جهان (باللغة الفارسية)، غربي سازي جهان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية أمير رضائي، إيران، طهران، منشورات «قصيده»، 2000م.

84 ) جوزيف لاجوجي، سيستم هاي اقتصادي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية شجاع الدين ضيائيان، إيران، طهران، منشورات «انقلاب اسلامي»، 1989م.

85 ) جوستاف لوبون، روانشناسي توده ها (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية كيومرث خواجوي ها، إيران، طهران، منشورات «روشنگران»، 1990م.

86 ) هنر لوكاس، تاريخ تمدن - الجزء الثاني (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عبد الحسين آذرنك، إيران، طهران، منشورات «كيهان»، الطعبة الرابعة، 1997م.

87 ) برنارد لويس، زبان سياسي اسلام (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية غلام رضا بهروز لك، إيران، قم، منشورات الحوزة العلمية في قم، 1999م.

88 ) هربرت ماركوزيه وكارل بوبر، انقلاب و اصلاح (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية هوشنك وزيري، إيران، طهران، منشورات «خوارزمي»، الطبعة الثالثة، 1982م.

89 ) كارل مانهايم، ايدئولوژي و اتوپیا (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية فريبرز مجيدي، إيران، طهران، منشورات «سمت»، 2001م.

90 ) مقالة تحت عنوان «اسلام و مدرنيته»، نشرت في مجلة «پگاه»، العدد 4، أيلول- ستمبر / 2000م.

(261)

91 ) عبد اللطيف محمّد خليفة، بررسي روان شناختي تحول ارزش ها (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سيّد حسين سيّدي، إيران، مشهد، منشورات العتبة الرضوية المقدّسة، 1999م.

92 ) مجيد محمّدي، سر بر آستان قدسي - دل در گرو عرفي (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «قطره»، 1998م.

93 ) محمّد مدد بور، خود آگاهي تاريخي (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات مكتب الفنّ للدراسات الدينية، 1993م.

94 ) محمّد مدد بور، درآمدي به تكنولوژي اطلاعات (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «تربيت»، 1996م.

95 ) محمّد مدد بور، مباني انديشه اجتماعي غرب (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «تربيت»، الطبعة الثانية، 1996م.

96 ) سيّد جعفر مرعشي، توسعه اجتماعي (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات مؤسّسة الإدارة الصناعية، 1997م.

97 ) سيّد جعفر مرعشي، نظام فكري، إيران، طهران، منشورات مؤسّسة الإدارة الصناعية، 1998م.

98 ) ناصر مكارم الشيرازي، خطوط كلي اقتصاد اسلامي (باللغة الفارسية)، إيران، قم، منشورات «هدف»، 1996م.

99 ) دنيس مكويل، نظريه ارتباطات جمعي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية برويز إجلالي، إيران، طهران، منشورات مكتب الدراسات والتنمية الإعلامية، 2006م.

100 ) ديفيد سي. ماكليلاند، ايدئولوژي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محمّد رفيعي مهر آبادي، إيران، طهران، منشورات آشيان، 2001م.

(262)

101 ) يان ماكنزي وآخرون، مقدمه اي بر ايدئولوژي هاي سياسي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية م. قائد، إيران، طهران، منشورات «مركز»، 1996م.

102 ) حميد مولانا، ظهور و سقوط مدرن (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات «كتاب صبح»، 2001م.

103 ) لويس ميليان وهيلزي هول، تاريخ و فلسفه ي علم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عبد الحسين آذرنك، إيران، طهران، منشورات «سروش»، الطبعة الثانية، 1980م.

104 ) موسى نجفي، انديشه ي ديني و سكولاريزم در حوزه ي معرفت سياسي و غرب شناسي (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات مركز بحوث العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية، 1996م.

105 ) أحمد نراقي، رساله ي دين شناخت (باللغة الفارسية)، إيران، طهران، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - منشورات «طرح نور»، 1999م.

106 ) يورغن هابرماس، بحران مشروعيت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية جهانغير معيني، إيران، طهران، منشورات «گام نو»، 2001م.

107 ) يوغن هابرماس، چیستي سكولاريسم (باللغة الفارسية)، مجلة «بازتاب انديشه»، العدد 26.

108 ) أي. كي. هانت، تكامل نهادها و ايدئولوژي هاي اقتصادي - مالكيت و رسالت (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية سهراب بهداد، إيران، طهران، منشورات «شركت سهامي»، 1979م.

109 ) هيلزي هال ولويس وليام، تاريخ و فلسفه علم (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عبد الحسين آذرنك، إيران، طهران، منشورات «سروش»، الطبعة الثانية، 1990م.

(263)

110 ) مالكولم هاملتون، جامعه شناسي دين (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية محسن ثلاثي، إيران، طهران، منشورات مؤسّسة «تبيان»، 1998م.

111 ) وليام هوردن، راهنماي الهيات پروتستان (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية طاطروس ميكائيليان، إيران، طهران، منشورات العلم والثقافة، 1989م.

112 ) روبرت هولاب ويورغن هابرماس، نقد در حوزه عمومي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية حسين بشيريه، إيران، طهران، منشورات «ني»، 1996م.

113 ) ستيوارت هيوز، هجرت انديشه ي اجتماعي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عزت الله فولاد وند، إيران، طهران، منشورات «طرح نو»، 1997م.

114 ) وايتهيد، سرگذشت انديشه ها (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية برويز داريوش، إيران، طهران، منشورات «ابن سينا» / فرانكلين، 1960م.

115 ) ماكس فيبر، اخلاق پروتستان و سرمايه داري (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية عبد المعبود انصاري، إيران، طهران، منشورات «سمت»، الطبعة الثانية، 1995م.

116 ) فولفغانغ ليونارد، چرخش هاي يك ايدئولوژي (باللغة الفارسية)، ترجمه إلى الفارسية هوشنك وزيري، إيران، طهران، منشورات «نو»، الطبعة الثانية، 1984م.

117 ) إرنست يونغر، عبور از خط (باللغة الفارسية)، ترجمته إلى الفارسية ماريا ناصر، إيران، طهران، منشورات «ساقي»، 2007م.

(264)
المؤلف في سطور محمد رضا خاكي قراملكي درس في الحوزة العلمية بقم . نشر أول مقالة علمية له بعنوان ، [التحليل المفهومي للأيديولوجيا] في العام 1381 ش . منذ العام 1373 ش ، تركز اهتمامه بالدراسات الاجتماعية لا سيما في مجالات التراث والتجدد والاستغراب ، فقام بالعديد من الدراسات في هذه الحقول ونشر عددا من المقالات والكتب . في العام 1379 ش ، التحق بمرحلة الدكتوراه في مؤسسة الكلام التخصصية حتى العام 1381ش ، وأعد أطروحة بعنوان [تحليل هوية علم الدين والعلم الحديث]. يتعاون مع مكتب أكاديمية العلوم . مشغول حاليا بالبحث في مجالات الدراسات الدينية ، الاستغراب ، وقضايا العلم والدين والإيبستمولوجيا والفلسفة .
هذا الكتاب الإيديولوجيا قل أن دخلت كلمة حقول الجدل الفكري ككلمة الإيديولوجيا . الصورة التي ظهرت عليها في مقتبل حداثة الغرب جاءت مكتظة بأحمال شتى من التعاريف والتفسيرات وما ضاعف من اضطراب هيئتها أن كل تعريف وتفسير لماهيتها وهويتها والغاية منها جاء على شاكلة واضعة والنظام المعرفي الذي يعتقده ، وبهذه السمة تكتسب هذه الكلمة غموضا بينا أعربت عنه الشروحات الواسعة والمتباينة التي حفل بها القاموس الفلسفي والسوسيولوجي على امتداد أحقاب متعاقبة من عصور الحداثة . ومن مجمل تلك الشروح والتعريفات نذكر ثلاثة منظورات جرى عرضها لصورة الايديولوجيا : الأول : انها فكر قائم في ذاته ولذاته . الثاني : إنها طريقة للتفكير والتأويل والمقاربة . الثالث : إنها نمط سلوك ونظام رؤية للظواهر والأحداث . من المدخل المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]