نقد الحضارة الغربية (تاريخ الإغريق قبل القرن التاسع ق.م)

نقد الحضارة الغربية (تاريخ الإغريق قبل القرن التاسع ق.م)

تأليف : 

مجموعة باحثين 

مقدمة المركز للجزء الأول 

كان علمُ التاريخ في السابق معنيًّا بتدوين الوقائع والحوادث البشريّة كما حصلت في وعاء الزمن الماضي، ثم تطوّر ليتكفّل ـ بالإضافة إلى وصف الأحداث وتدوينها ـ بتفسير الوقائع وتحليلها وتعليلها وكشف العلاقات والروابط بينها. وشهد في العصر الحديث تطوّرًا في مدلوله، فاتّسع ليشمل كلّ شيء في الطبيعة والحضارة؛ «الأرض، والمعادن، والنباتات، والحيوان، والأفكار، والعلوم...، إلى جانب الفعاليّات الإنسانية»[1]، فلم يعد علم التاريخ منحصرًا بدراسة الوقائع البشريّة التي حدثت في الزمن الماضي فقط، بل اتّسع ليشمل ميادين المعارف والعلوم، والأديان، والفلسفات البشريّة، وتاريخ الأرض وما يعيش عليها من مخلوقات وتحويه من كائنات وظواهر...، وبدأ العلماء يميّزون بين أنواع من التاريخ: كالتاريخ النقلي، والتاريخ العلمي، وفلسفة التاريخ[2]... وأصبح علم التاريخ متداخلاً مع العديد من العلوم، كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد وعلم النّفس...

 لذا، بات من الواجب على الباحث التاريخي أن يحيط بالظّواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والفنيّة والفلسفيّة...، التي تتّصل بالعصر الذي يريد دراسته، وأن يستند على منهجٍ بحثيٍّ ينسجم مع طبيعة العلم الذي يبحث فيه، وبالتحقيق والتحليل والمقارنة والنقد، يصل إلى نتائج علميّةٍ موضوعيّةٍ منسجمةٍ مع القواعد والضوابط المنهجيّة للبحث.

وبناءً عليه، إنّنا عندما نطلق مشروعًا علميًّا تحت مسمّى «نقد الحضارة الغربيّة» لا نقصد به إعادة كتابة تاريخ الغرب وتوصيفه مرّة أخرى، فقد تكفّل الغرب نفسه بذلك، وإنّما نقصد إعادة تظهير هذا التاريخ من خلال إجراء قراءةٍ تحليليّةٍ نقديّةٍ لتاريخ الغرب بجميع حقوله؛ المعرفيّة، الدينيّة، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية... وفي جميع أزمانه؛ الإغريق؛ القرون الوسطى، التنوير والحداثة، ما بعد الحداثة، وصولاً الى عصرنا الراهن، فنحن أمام تاريخ غربيّ يمتدُّ لحوالي أربعة آلاف سنة؛ مليءٍ بالخرافات والأساطير، وما لا يقبله منطق، ولا إنسان عاقل...

ولمّا كان الغرب الحديث يعتبر أنّ تاريخه، الفكري على الأقل، قد بدأ مع الإغريق، أو ما أُطلِق عليه هو نفسه بالمعجزة الإغريقيّة، فقد ارتأينا أن ينطلق مشروعنا النّقديّ من تلك الحقبة التأسيسيّة، وتحديدًا من ما قبل القرن التاسع قبل الميلاد؛ ذلك أنّ تلك الفترة تُعدّ اللّبنة الأساسيّة، والعماد الذي اعتمد عليه الغرب في تكوين نفسه، كما أنّ البحث عن جذور الغرب والحفر الأركيولوجي يوصلنا لا محالة إلى هذه الفترة الزّمنيّة. وهو ما يحتّم علينا، ولاعتبارات منهجيّة، أن نقسِّم العمل إلى مراحل، وقد ارتأينا أن تكون البداية من ما قبل القرن التاسع قبل الميلاد، وهي مرحلة تمتدّ إلى حوالي عام 1500 قبل الميلاد؛ حيث بالإمكان رصد معالم تلك المرحلة من نواحٍ عديدة، وحيث يمكن إيجاد بعض المصادر عنها، ومحاولة رسم معالمها وخصوصياتها.

ولهذا فقد أطلقنا على هذا الكتاب بجزئيه، اسم «تاريخ اليونان قبل القرن التاسع ق.م». وهو من ضمن سلسلة نقد الحضارة الغربيّة، والمشروع التأسيسي لعلم الاستغراب.

ولا بد من الإشارة إلى أنّ هذه المرحلة هي مرحلة أولى، وحيث إن طابعها العام يُركِّز على أنَّ المؤثرّات الشرقيّة كان لها الدور الهام في ولادة هذه الحضارة الغربية، وهذا بحد ذاته يمثّل نقداً، فلا غرابة أن نجد أنّ جزءاً من الأبحاث بمثابة الأبحاث التعريفية التي لا بد منها، وهي تسعى لإعطاء لمحة عامة عن هذه المرحلة التاريخية من تاريخ الإغريق، وسيلاحظ القارئ أنّ مستوى النقد سيتعمّق ويتوسّع بشكل ملحوظ في مراحل المشروع الأخرى.

ونظراً لكثرة الموضوعات والقضايا التي تحتاج إلى البحث والنقد في هذه المرحلة، نعني (المرحلة الأولى من نقد الحضارة الغربية)، فقد اقتصرنا ـ إضافة الى المقدّمة والمدخل العلمي ـ على أربعة وعشرين بحثاً جامعاً في موضوعه، مقسّمة إلى خمسة فصول، يُعالج كلّ فصلٍ موضوعاتٍ محدّدةً ومترابطة. 

وقد ارتأينا إصدارها في جزئين؛  حيث تضمّن الجزء الأوّل على مدخل علمي وفصلين، تضمّن الفصّل الأوّل بعض الأصول والمباحث العامّة المرتبطة بالحضارة الإغريقيّة بشكل عام، كالتعريف بملامحها العامّة، ومحاولة معرفة أصول الشّعب الإغريقي، وتاريخ التدوين عندهم، وتأثيرات الحضارة الشرقيّة عليهم، إضافة إلى التعريف بالحضارتين الموكينيّة والكريتيّة. فيما توزّعت مباحث الفصل الثاني على الدين والأسطورة.

أما الجزء الثاني، فقد احتوى على ثلاثة فصول تضمّنت (توالياً) مباحث تتعلّق ببعض المدن الرئيسة وشخصيّات المرحلة وحروبها،  والأوضاع الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، والاقتصادية. وبهذا تكون هذه المرحلة قد أظهرت أبرز معالم العالم الإغريقي قبل القرن التاسع قبل الميلاد.

ختاماً إنّ «المركز الإسلامي للدّراسات الاستراتيجيّة» إذ يضع هذا الجهد بين يدي الباحثين والمهتمّين، فإنّه يشكر كلّ من ساهم في إنجاز هذا العمل وإبصاره للنّور، ونخصّ بالذّكر الأساتذة الباحثين الذين تحمّلوا أعباء هذا الجهد في ظروف معقّدة وصعبة للغاية، كانت، وما زالت، تمرّ بها المنطقة، من جوائح طبيعيّة ليست بعيدة عن مساهمات البشر، وجوائح سياسيّة وأمنيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، صُنعت وارتُكِبت بيدٍ بشريّةٍ خالصةٍ.

كما ينبغي لنا أن نشكر كلّ طاقم العمل في المركز على جهودهم المباركة، والتي نأمل أن تكون في ميزان أعمالهم يوم القيامة. ونخصّ بالذكر منهم الدكتور محمد مرتضى، حيث تحمّل عناء إدارة وتحرير المشروع، والمتابعة مع الباحثين؛ وكذلك الشيخ حسين الجمري، حيث ساعدنا في بدايات انطلاق المشروع.

وأخيراً، لابد من ملاحظة فنّية وهي: إننا في الوقت الذي اعتمدنا فيه تسمية «الإغريق» في العناوين، تركنا الحرية داخل الأبحاث لاختيار الباحث نفسه.

 

والحمد لله أوّلاً وآخرًا

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

ذكرى المولد النبوي الشريف(صلى الله عليه وآله وسلم) عام 1442هـ

----------------------------

[1]-  محمد مهدي شمس الدين،التاريخ وحركة التقدّم البشري ونظرة الإسلام، ص 13.

[2]- انظر: كاظم ياسين، منهجيّة البحث في تاريخ الإسلام، ط1، بيروت، مركز المصطفى العالمي للدراسات والترجمة والنشر، 1434هـ-2013م، ص49.

 

 

مقدمة المركز للجزء الثاني 

كان علم التاريخ في السابق معنيًّا بتدوين الوقائع والحوادث البشريّة كما حصلت في وعاء الزمن الماضي، ثم تطوّر ليصبح هو المتكفّل ـ بالإضافة إلى وصف الأحداث وتدوينها ـ بتفسير الوقائع وتحليلها وتعليلها وكشف العلاقات والروابط بينها. وشهد المصطلح في العصر الحديث تطوّرًا في مدلوله، فاتّسع ليشمل كلّ شيء في الطبيعة والحضارة: «الأرض، والمعادن، والنباتات، والحيوان، والأفكار، والعلوم... وغير ذلك إلى جانب الفعاليّات الإنسانية»[1]، فلم يعد علم التاريخ منحصرًا بدراسة الوقائع البشريّة التي حدثت في الزمن الماضي فقط، بل اتّسع ليشمل ميادين المعارف والعلوم والأديان والفلسفات البشريّة، وتاريخ الأرض وما يعيش عليها من مخلوقات وتحويه من كائنات وظواهر...، وبدأ العلماء يميّزون بين أنواع من التاريخ: كالتاريخ النقلي، والتاريخ العلمي، وفلسفة التاريخ[2]... وأصبح علم التاريخ متداخلاً مع العديد من العلوم، كالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والنّفس...

 لذا، أصبح من الواجب على الباحث التاريخي أن يحيط بالظّواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والفنيّة والفلسفيّة...، التي تتّصل بالعصر الذي يريد دراسته، وأن يستند على منهجٍ بحثيٍّ ينسجم مع طبيعة العلم الذي يبحث فيه. وبالتحقيق والتحليل والمقارنة والنقد، يصل إلى نتائج علميّةٍ موضوعيّةٍ منسجمةٍ مع القواعد والضوابط المنهجيّة للبحث.

وبناءً عليه، إنّنا عندما نطلق مشروعًا علميًّا تحت مسمّى «نقد الحضارة الغربيّة»، لا نقصد به إعادة كتابة تاريخ الغرب مرّة أخرى، فقد تكفّل الغرب نفسه بذلك، وإنّما نقصد إعادة تظهير هذا التاريخ من خلال إجراء قراءةٍ تحليليّةٍ نقديّةٍ لتاريخ الغرب بجميع حقوله؛ المعرفيّة، الثقافية، الاجتماعية، السياسية، والاقتصادية، وفي جميع أزمانه؛ الإغريق، القرون الوسطى، التنوير والحداثة، ما بعد الحداثة، وصولاً الى عصرنا الراهن. ما حتَّم علينا، ولاعتبارات منهجيّة، تقسيم العمل في هذا المشروع وفق مقتضيات التحقيب الزّمانيّ والجغرافيا المعرفيّة والثقافيّة التي شهدت على وقائعه وأحداثه.

ولمّا كان الغرب الحديث يعتبر أنّ تاريخه، الفكري على الأقل، قد بدأ مع الإغريق، أو ما أطلق عليه هو نفسه بالمعجزة الإغريقيّة، فقد ارتأينا أن ينطلق مشروعنا النّقديّ من تلك الحقبة التأسيسيّة، وتحديدًا من ما قبل القرن التاسع قبل الميلاد؛ ذلك أنّ تلك الفترة تُعدّ اللّبنة الأساسية، والعماد الذي اعتمد عليه الغرب في تكوين نفسه، كما أنّ البحث عن جذور الغرب والحفر الأركيولوجي يوصلنا لا محالة إلى هذه الفترة الزّمنيّة.

  إذًا، نحن في هذا المشروع أمام تاريخ غربيّ يمتدّ لحوالي أربعة ألاف سنة، أي إلى حوالي عام ألفين قبل الميلاد. بهذا، كان لا بدّ من تقسيم العمل إلى مراحل. وقد ارتأينا أن تكون البداية من ما قبل القرن التاسع قبل الميلاد، وهي مرحلة تمتدّ إلى حوالي عام 1500 قبل الميلاد؛ حيث بالإمكان رصد معالم تلك المرحلة من نواحٍ عديدة، وحيث يمكن إيجاد بعض المصادر عنها، ومحاولة رسم معالمها وخصوصياتها.

علمًا بأنّنا ننطلق في تحليل الغرب ونقده من منطلقٍ دينيٍّ أوّلاً، وعقلانيّ معرفيّ ثانيًا، وإنسانيّ فطريّ ثالثًا.

هذا الكتاب (الجزء الثاني) هو استكمال لبحوث الجزء الأول من هذه السلسلة، ويتضمّن البحوث المتعلّقة بالمدن، والشخصيات، والحروب، والأخلاق، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد.