مجلة الشيعة في الدراسات الغربية العدد 3

مجلة الشيعة في الدراسات الغربية العدد 3

مقدمة

ضرورة التحرير العلمي والعالمي لواقعة كربلاء

يصدر هذا العدد في أجواء أربعينيّة الإمام الحسين(عليه السلام)، هذه المناسبة التي لا تزال تشغل العالم، كأكبر تجمّعٍ روحيٍّ ودينيٍ في القرن الحالي. فيما لا تزال الأدبيات الصادرة عن الدوائر الغربيّة -التي تتناول واقعة الطفّ- ترى تلك النّهضة بعيونٍ متحيّرةٍ أو متسائلةٍ أو باردةٍ، وتكرّر الأخطاء نفسها بالنسبة لدوافعها وأحداثها ونتائجها. فرغم أنّها كانت قبل ظهور المذاهب بالمعنى الرّسمي، إلّا أنّ الدّراسات الحديثة لا تزال  تقحم الواقعة في معادلات الفتنة المعاصرة، وتقزّم أهداف الإمام الحسين(عليه السلام) من ثورته، من دون أي تمييز واضح بين مفهوم الإمامة ومفهوم الخلافة السياسيّة ...

تتكفّل الأربعينيّة في كلّ عام بلفت الأنظار إلى الشهادة التي تربّعت على عرش القلوب، فحرّكت ثورات واستنارت بها أفكار، كما يشير الحشد العالمي في ثرائه وتنوّعه إلى معنى أن تكون هناك ثورة عابرة للحدود القوميّة والمذهبيّة والطائفيّة. ولذلك تأتي المعالجات الغربيّة الضيّقة لواقعة كربلاء كمحاولةٍ للحدّ من هذا التمدّد الحسيني، الذي أصبح نهرًا دفاقًا بمعاني التحرّر الحقيقي للمسلمين والعالم.

ومن هنا، ورغم الجهود المشكورة التي أبرزتها الموسوعات الحسينيّة، فإنّنا بحاجة إلى المزيد من الأبحاث الأكاديميّة بكلّ اللغات الحيّة التي تحرّر النّهضة الحسينيّة من الأطر الضيّقة التي يحاول بعض الباحثين حبس أبعادها، وذلك بالتأكيد على ما يلي:   

التمييز الحاسم بين مفهوم الإمامة ومفهوم الخلافة السياسيّة، فمرتبة الإمامة بحسب النّص لا يتمّ نزعها «قام الإمام أم قعد»، وموقع الإمام المعصوم أعلى من أيّ منصبٍ سياسيٍّ، وبالتالي فإنّ دوافع ثورته تتعلّق بالدّفاع عن الإسلام في حقيقته وجوهره، وعن القيم الإنسانيّة التي تعرّضت للانتهاك على يد الطغاة والمنافقين.

كانت كربلاء قبل المذاهب وظهورها الرسمي، وبالتالي فإنّ مقاربتها كثورةٍ يجب أن تُبرز التنوّع الموجود في أنصار الإمام الحسين(عليه السلام)، وأنّ الجامع بينهم هو الاستقامة والثبات على خطّ الإسلام الأصيل، الذي تمثّله ولاية آل البيت(عليهم السلام).... 

فرادة التضحية الحسينيّة والتي لا مثيل لها في تاريخ الثوراة، جعلت من هذه الثورة وقودًا روحيًّا دائمًا للأجيال، ففيها الشيخ والكهل والشاب والولد والزوجة والأخت والأم والبنت، إنّها «مجتمع مصغر» يثور على حكمٍ منحرفٍ بقيادة إمام للجميع.

هذه مجرّد بداية لورشةٍ تقدّم الثّورة الحسينيّة بكلّ لغات العالم بما يليق بمقام شهادة الإمام.

في هذا العدد

1. تزداد المادة المتوفّرة عن التّشيّع والفرق المنسوبة إليه، والتي تحتاج إلى تنقية وردّ ونقدٍ على المواقع التي تدّعي التّخصّص، وتنشر ما يلائمها من صورٍ ومفاهيم بعيدةٍ كلّ البُعد عن الواقع. فهذا موقع imago Mundi  الذي يحمل شعار الرؤى الكونيّة (Cosmovisions)، ويترجم محتواه إلى ست لغات عالميّة حيّة، يتصدّى لتعريف الفرق الشيعيّة بأسلوبٍ مبتسرٍ تحت عنوان الإسلام الشيعي، ونلاحظ عليه اختصار تعريف الإماميّة واختزاله مع التّوسّع في تعريف الإسماعيليّة والحرص على ربطها بتجربة حسن الصباح والزندقة...أمّا في تعريف غلاة الشيعة فترد فرقٌ منقرضةٌ لا وجود لها في عصرنا الحاضر؛ بسبب اعتماد الكتّاب على كتب الملل والنحل القديمة، ومما يثير التعجّب نسبة إحدى الفرق، وهي الكمالية، إلى غلاة الشيعة وهي تكفّر الإمام علي عليه السلام بعد محنة الخوارج.

2. كتاب: الأقليات الشيعية في العالم المعاصر، الهجرة، والعبور بين القوميات والتعدّديّة. يتابع موجة الاهتمام بالعقيدة العابرة للحدود عند الشيعة وكيف تحافظ الأقليات الشيعيّة على عقيدتها ونمط حياتها في بيئات آسيوية وأميركية وأوروبية مختلفة.

3. دراسة طالب دراسات عليا من جامعة هارفارد: «الإماميّة الظاهريّة في وقت هي باطنيّة منتشرة في التاريخ المقدّس لدى الشيعة». تذهب في إرساء طابعٍ باطنيٍّ للتشيّع لا يعرفه حتى الشيعة، ولكنّها من ناحية أخرى تُبرز تعلّق الشيعة بالأئمّة والعلاقة بين كربلاء الإمام الحسين عليه السلام والإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

4. دراسة مجلّة الواحة الفرنسيّة عن الحوزات الشيعيّة ترصد تطوّر المنهج في هذه الحوزات، كما تركّز على الطّابع الشّخصي في العلاقة بين الأستاذ والطالب والحرية التي يتمتّع بها هذا الأخير في اختيار أساتذته.

5. نتعرّف في هذا العدد على الدكتور محمد فيصل موسى، المفكّر الماليزي، من خلال نصٍّ يؤسّس للمصالحة السنيّة - الشيعيّة في ماليزيا، التي تأثّرت بالسّلطة الماليّة الوهابيّة في أواخر التسعينيات من القرن الماضي، وتمثّل هذا الأثر بنشر الفساد الحكومي والتعصّب المذهبي إلى أن تمّت الإطاحة بالحكومة الفاسدة، وعاد الصوت المعتدل للرئيس مهاتير محمد. كما يؤكّد الدكتور موسى هذه الحقائق في مقالة خاصّة عن ثقافة الملايو.

6. مقالة الباحث محمد كلنتاري في مجلّة العالم الإسلامي التي تصدر عن مؤسّسة هارتفورد، تحاول فهم سياسة الفقهاء الشيعة المتمحورة حول حفظ بيضة الإسلام، والذي يلاحظ أنّه مبدأ يحدّد مدى ثوريّة التّحرّك السياسي للفقيه أو يدفعه إلى المهادنة والهدوء بحسب رؤيته لمدى الخطر على قلعة الإسلام.

7. يعرّفنا محمد صاغا وهو باحث في جامعة شيكاغوا على الفرقة البيكتاشيّة، التي لها مقرّ في ميتشيغان، وما يميّزها عن الأغلبية الشيعيّة التي تعيش بالقرب منها في ديربورن. وكيف يختلف نظام الترتيب الصوفي عن نظام التقليد والمرجعية. ويؤدي في النهاية إلى انغلاق الفرقة على نفسها. وفي كلامه عن حال البيكتاشية في فترة الحكم العثماني بعض الأخطاء؛ لأنّنا نعرف من مصادر أخرى في التاريخ العثماني أنّ البيكتاشية كانت منتشرة في الجيش الإنكشاري أيام محمد الفاتح، وكان لها دور في التنظيم الديني للجيش العثماني وفي فتح القسطنطينية، ولكن السلطان سليم الأوّل اضطهدها فيما بعد، وحدّ من سلطتها ونفاها إلى الأرياف البعيدة لأسباب مذهبية.

8. أنكي باتيست من جامعة لوميير ليون 2 في فرنسا، نشر سلسلة من الأبحاث حول الطقوس العاشورائية في بعدها الأنثروبولوجي، ويلاحظ الاهتمام بأدقّ تفاصيل إحياء المناسبة بحثًا عمّا يسمّيه الكاتب «باراديغم» عاشوراء أو النموذج الإرشادي. 

9.  مجموعة مختارة من أبحاث المستشرق الصهيوني إتان كولبرغ (Etan Kohlberg)، وهي أبحاث تتمحور حول الإسلام الشيعي قام كولبرغ بتأليفها على مدى خمسين سنة، تمّ جمعها وتحريرها في كتاب صدر تحت عنوان: في مدح القليل. دراسات في الفكر الشيعي والتاريخ. ولكولبرغ مساهمات كبيرة في موسوعات تتعلّق بالشيعة، وهو من المستشرقين المتفرّغين للموضوع، ويستحقّ عمليّة متابعة ونقد وتفنيد من دوائر علميّة وأكاديميّة متخصّصة عندنا.

10. مقالة للكاتب الفرنسي بيير رويير (Pierre Royer)، والتي نُشرت في مجلّة (Conflits) بتاريخ 4 مارس 2020. نموذج لنص حديث لا يزال يكرّر رؤيةً تحتاج إلى التصويب فيما يتعلّق بواقعة كربلاء وما سبقها وما تلاها، لا نتوقّع من مستشرق فرنسيّ أن يرى الأمور كما نراها، ولكن بما كتبه يكشف لنا حجم الجهد المطلوب منا لفرض حضورٍ علميٍّ موثّقٍ للرؤية الشيعيّة في الفضاء الثقافي الغربي والعالمي.

11. لقاءات مع الإمام الغائب في الإسلام الشيعي الإثني عشري الأوّلي وما قبل الحديث، كتاب أوميد غاماغامي، أستاذ دراسات اللغة العربية والشرق الأوسط في جامعة ولاية نيويورك في بينغهامتون، الولايات المتحدة الأميركية. إضاءة جديدة على عقيدة المهدويّة اعتبرها بعض المعلقين من أفضل ما كتب في الموضوع.

هذا بالإضافة إلى تقديمٍ مختصرٍ لمحتوى العدد الرابع من مجلّة الدراسات الشيعيّة، وتعريف بكليّة اللّاهوت والدراسات الدينيّة في جامعة «لافال» سويسرا، وشخصيّة العدد وهي المستشرقة الفرنسيّة سبيدي باراساباجو.

 

28/9/2020

رئيس التحرير

جهاد سعد