دراسات استشراقية معاصرة للقرآن الكريم المدرستان الفرنسية والألمانية أنموذجا (تحليل ونقد)

دراسات استشراقية معاصرة للقرآن الكريم المدرستان الفرنسية والألمانية أنموذجا (تحليل ونقد)

تأليف :

الدكتور الأمير محفوظ أبو عيشة

مقدمة المركز

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعزّ المرسلين سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

من أجمع الأوصاف التي يذكرها القرآن لنفسه أنّه ذِكْر لله: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[1]؛ فهو يذكِّر به تعالى؛ بما أنّه آية دالّة عليه، مُوصِلَة إليه، حيّة، خالدة، محفوظة بحفظه -تعالى- عن كلّ زيادة ونقيصة وتغيير في اللفظ أو في الترتيب، وعن كلّ ما يزيله عن الذِكريّة ويُبطِل كونه ذكراً لله سبحانه، فمهما حاولت أيادي العبث والتحريف والتشويه أنْ تنال من مكانة القرآن الكريم وعظمته؛ فإنّها لن تفلح أبدًا.

وفي هذا السياق، لم تتوقّف الحركة الاستشراقيّة الغربيّة عن الاهتمام بالقرآن الكريم؛ ترجمةً ودراسةً، فظهرت مدارس وشخصيّات استشراقيّة متعدّدة، قدّمت ترجمات ودراسات كثيرة للقرآن الكريم بمختلف اللغات الأوروبيّة؛ كالإنكليزيّة، والألمانيّة، والفرنسيّة، وغيرها...

وقد بلغت جهودهم وأعمالهم البحثيّة مبلغ إصدار موسوعات وإقامة مشاريع بحثيّة مشتركة، وقعت في أخطاء فادحة ومغالطات خطيرة، لا تليق بالقرآن الكريم؛ وهو منزّه عنها؛ ما استدعى ردودًا من علماء الإسلام في العقود المنصرمة إلى واقعنا الواقع الراهن.

ومن المشاريع البحثيّة الحديثة المطروحة في الغرب: مشروع الموسوعة القرآنيَّة الألمانيَّة (Corpus Coranicum)، الذي بدأ تنفيذه عام 2007م، وتستمرُّ فعاليَّاته حتَّى العام 2025م، وترعاه أكاديميَّة برلين-براندنبورج للعلوم  (Berlin-Brandenburgische Akademie der Wissenschaften) ، وتُشرف عليه المستشرقة الألمانيَّة المعاصرة “أنجليكا نويفيرت”، ويتولّى إدارته تلميذها “مايكل ماركس”، ويتركَّز عمل الباحثين فيه على مجالات أربعة؛ هي: دراسة المخطوطات القرآنيَّة، والمقارنة بين قراءات القرآن، والتعرُّف إلى الظروف التاريخيَّة والدينيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة في عصر نزول القرآن، وكذلك الدراسة التاريخيَّة والأدبيَّة للنصّ القرآنيّ.

وثمَّة مشروع آخر باسم “Coranica” جاء دعمًا لمشروع “”Corpus Coranicum، وهو مشروع ألمانيّ-فرنسيّ يتألَّف من فريقين: فريق ألمانيّ بإشراف أنجليكا نويفيرت، وفريق فرنسيّ بإشراف فرانسوا ديروش. ويهدف هذا المشروع إلى المساهمة في تاريخ النصّ القرآنيّ من خلال عمليَّة جرد لأقدم المخطوطات القرآنيَّة القديمة وتقريرها ودراستها والاهتمام بتحديد تاريخها بدقَّة؛ عبر تقنيّة فحص الكربون المشعّ ((C14.

وكما نلاحظ، فإنّ الجهود العلميّة والبحثيّة الاستشراقيّة، ولا سيّما الألمانيّة والفرنسيّة كانت وما زالت نَشِطَة حاليًا؛ كما في العقود السابقة؛ ما يستدعي دراسة هذه الجهود وتقويمها ونقد ما ورد فيها من مغالطات وأخطاء مضمونيّة ومنهجيّة وفنّيّة. ومن هنا، يأتي هذا الكتاب ليسلّط الضوء على مدرستين من أبرز المدارس الاستشراقيّة المعاصرة النَشِطَة حاليًا في مجال الدراسات القرآنيّة؛ وهما: المدرستان الفرنسيّة والألمانيّة، مع التركيز على أعمال ومشاريع بحثيّة لأنموذجين بارزين معاصرين من هاتين المدرستين؛ وهما: المستشرق الفرنسيّ فرانسوا ديروش، والمستشرقة الألمانيّة أنجيليكا نويفيرت.

ونتوجّه بالشكر إلى الكاتب العزيز على ما قدّم من جهد بحثيّ في كتابه وإغنائه المكتبة العربيّة بدراسات نقديّة لآخر ما طرحه الغرب من مشاريع ودراسات عن القرآن الكريم.

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة

-----------------------------------

[1] سورة الحجر، الآية 9.

 

مقدمة المؤلف 

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسَلين سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا وبعد...

فإنّ من الضرورة قبل الخوض في غمار قضايا هذه الدراسة أنْ أضع بين يدي القارئ رؤيةً عامّةً عن الاستشراق ودراسات المستشرقين عن القرآن الكريم، واهتمامهم الزائد بهذا الكتاب الكريم الذي يمثّل آخرَ وحيٍ أوحَاهُ الله -تعالى- من كتبِه المُنزّلة إلى أهل الأرض.

وفي هذه المقدّمة بعض النّقاط أقدّمها تمهيدًا بين يديّ الدراسة، وهي التالية:

أوّلًا: دوافع هذه الدراسة

تعدّدت دوافع اختيار هذا الموضوع، ومن أهمّها ما يلي:

الدافع الأوّل:

إنّ للقرآن الكريم مَنزِلةً مقدّسةً لدى المسلمين في جميع أنحاء العالم الإسلاميّ، في شرق الأرض وغربها؛ فهو معجزة نبيّهم الخاتم العقليّة الّتي تحدّى بها البشريّة كلّها، وهو معجزة باقية شاهدة على صحّة دين الإسلام؛ وهذا من دواعي الاعتقاد الصحيح، مع اشتمال القرآن على ما يريده كلّ مسلم في حياته أو ما يعرف ضرورة عن آخرته. تلك المنزلة دعت إلى عقد هذه الدراسة، التي تمثّل بيانًا لمقولات كلّ دارس مُغرِض في غلوّ وشطَطٍ له أَرَبٌ مغرِب في القرآن، وعرضًا لرؤية إسلاميّة للقرآن، ويمكن تفصيل ما تحلّى به القرآن من صفات ملازمة له تتمثّل في أنّ:

ـ القرآن مصدر الإسلام الأوّل، فلولاه ما حُفظ للأمّة المسلمة عقيدتها، وشريعتها، ولغتها، وحضارتها، وهويّتها بين سائر الأمم. وإنّ إضعاف هذا المصدر هو إضعاف للأمّة ذاتها، وهذا غرض بعض المستشرقين.

ـ القرآن معجزة عقليّة خالدة للإسلام، جعل الله له قوّة ذاتيّة هيّأت له السيطرة والهيمنة على عقول البشر وقلوبهم، فإنْ قورن بسائر الكتب السماويّة التي تعرّضت للتحريف تبدو الفروق الواسعة والبون الشاسع في المصداقيّة والتوثيق، وإنّ العاقبة له إنْ تحلّى دارسوه بموضوعيّة ونَصَفة وحياد، وهذا ما يخاف أغلب المستشرقين منه.

ـ القرآن آخر وحيٍ أوحَاهُ الله -تعالى- من كتبه المُنزلة إلى أهل الأرض، ويجب على هذه الأمّة الخاتمة السّعي في إبلاغه إلى العالمين، وهو وحي الرسالة الخاتمة، وعليه قوام حقائق العقيدة وكلّيّات الشريعة؛ ما يدعو الأمّة المسلمة بعلمائِها، ومفكّرِيها، ومثقّفيها إلى الاهتمام بصدّ أيّ عداوة تنبُع عن شغب وعدوان مهما كان، حتى وإنْ تلبّس بثوب زور من العلم، أو المنهجيّة العلميّة؛ دفاعًا عن القرآن ضدّ منتقديه.

وثمّة صفات أخرى ملازمة للقرآن تدلّ على عظيم منزلته، وجليل أثره في الأمّة. وتدعو هذه الصفات إلى مزيد من الاهتمام بدراسة كلّ ما يتعلّق بالقرآن من دراسات شرقيّة كانت أو غربيّة، بما يدعو إلى دراسة القضايا ذات الاختصاص بالقرآن الكريم، التي تتناول جانبًا من دراسات المستشرقين.

الدافع الثاني:

إن الظّهور الجليّ لآثار المدارس الاستشراقيّة، خاصّة الفرنسيّة والألمانيّة منها -ولكلّ منهما دراسات متعلّقة بالقرآن الكريم، بعضها دراسات حديثة ومعاصرة- هي في الواقع دافع للدّراسة، ومحطّ اعتناء فيها، وأرى من الضرورة أنْ تُخصّص بعض دراسات هذه المدرسة وتلك لدراسة مقولات كلّ منهما؛ بغية الإسهام في تحليل الافتراءات وتوجيهها بالرّد والنّقد المناسبين المترتّبين على غواشٍ فيها، وبيان تمويه الشبهات بدفعها، مع تقديم النّصح المطلوب.

الدافع الثالث:

ضرورة قيام مدارس إسلاميّة لمواجهة المدارس الاستشراقيّة، خاصّة وأنّ دول العالم الإسلامي تعجّ بكثير من المشكلات في وقتنا الراهن؛ ما شغلها -على المستويات كافّة؛ سواء المستوى الإسلاميّ العامّ أو على المستوى الخاصّ المتمثّل في أهل العلم بالقرآن- عن بذل الجهود البحثيّة للدّفاع عن القرآن، وحَالَ دون حُسن التخطيط والتنظيم للتعظيم من قُدرات كثير من هيئات الدعوة والفكر الإسلاميَّين ومؤسّساتهما؛ لذا دعت الضرورة إلى إنشاء المراكز البحثيّة التي تعتني بدراسة مقولات الدرس الاستشراقيّ للقرآن؛ مثل: (المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة)[1]، وعنه تصدر إصدارات؛ مثل: مجلّة (دراسات استشراقيّة)، وهي تُعنى بالاستراتيجيّة الدينيّة والمعرفيّة، ومجلّة نوعيّة هي: (القرآن والاستشراق المعاصر)[2] متخصّصة في مجال الدراسات الاستشراقيّة المعاصرة للقرآن الكريم.

فإنّ عمل المركز يقوم نيابة عن الأمّة بسدّ تلك الثّغرة لالتئام تلك الثلمة، فهذا مقام من فروض الكفاية، وهو منزل صعب، ومركَب وعِر، ومقام عسِر، وسبيل خطر يحتاج إلى تضافر كثير من الجهود، وبذل القدرات والأوقات؛ لضبط ثغرات الفكر الاستشراقيّ، والوقوف على جانب من دراسات المستشرقين المتعلّقة بالقرآن؛ لذا تحتّم القيام بالمشاركة بهذه الدراسة خدمةً للقرآن الكريم، ودفعًا لأوهام بعض المستشرقين.

تلك أسباب ودوافع كافية تدفع الباحثين إلى بذل الجهود في مواصلة دراستها، وبحثها ودفع الشُّبَه؛ لذا سأفرد هذا الموضوع بالدراسة، خاصّة.

ثانيًا: بين يدي الاستشراق

الاستشراق هو طلب دراسة الشّرق، وهو توجُّه غربيّ لدراسة علوم الشّرق، وهذا التوجّه ظلّ على مدى قرون مضت وإلى يومنا هذا، حيث ظهر في صورة مصنّفات أُلّفت حول الشرق، أو ترجمات لمصادره الأولى؛ بدءًا بالقرآن، وانتهاءً ببعض مصنّفات علماء مسلمين، أو في صورة دراسات حول تفسير القرآن، أو شرح لسيرة النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله)، وغير ذلك من الجهود الاستشراقيّة.

لكنْ من المُلاحَظ أنّ جهود أهل الإسلام لم تكنْ لتمثّل عُشْر هذا السّيل الجارف من الدراسات الاستشراقيّة، وقد يعود سببُ ذلك إلى تأسيس عشرات الجامعات والمعاهد العلميّة في الغرب تُعنى بدراسة الشرق؛ لغةً وبيئةً ودينًا؛ ما جعل الأمر خارج نطاق الحوار العلميّ المنهجيّ، خاصّة وأنّ الدّرس الاستشراقيّ يقوم باجترار واسترجاع عرض شبهات قديمة بصورةٍ محدثة، وبأسلوب عَرْضٍ وآليّة جديدين، فلو كان سَهْمًا واحدًا لاتّقيتُه، لكنّه سهمٌ وثانٍ وثالث، وقد يكون سببُ ذلك –أيضًا– الاهتمام المصطنع برجال الاستشراق من خلال استدعائهم إلى جامعات الشرق؛ ليحاضروا طلّاب العلم فيه، مع تمكينهم من عرض رؤاهم، فيعرضونها على العقول المسلمة، وهي رؤى –بلا أدنى شكّ– تحمل تصوّرات مجرّدة مغايرة للرؤية الموروثة للمسلم تجاه القرآن.

وإنّ دراسة الاستشراق لها أهمّيّة؛ حيث إنّها تدلّ على الموقف الغربيّ من الشّرق عامّة، ومن الإسلام خاصّة، وما له من دوافع عديدة. ويُلامس الدرس الاستشراقيّ موضوعاتٍ شتّى في الفكر الإسلاميّ تتّصل بهويّة المسلم أو بمسلّماته العقَديّة، وخاصّة حينما يطرق الدّرس الاستشراقيّ منطقةً تُلامس مسلَّماتٍ معلومةً ضرورة في دين الإسلام؛ ما يستوجب شدّة الاهتمام بهذا الدّرس، واستيعاب مقولاته، وفهم مقاصده.

قال المستشرق الألماني رودي بارت[3]: «وعلم الاستشراق كما هو بين أيدينا اليوم نتيجة نشاط أجيال عديدة من العلماء»[4]، وهذه مقولة إدوارد سعيد[5]، الذي بيّن بوضوح غزارة المنتج الاستشراقيّ، فقال: «تشير التقديرات إلى أنَّ عدد الكتب التي كتبت عن الشرق الأدنى كان يبلغ نحو (60 ألف) كتاب ما بين عامي (1800) و(1950م) بينما كان عدد الكتب التي كتبها الشرقيّون عن الغرب لا يقارن على الإطلاق بهذا الرّقم، ولا شكّ أنّ مثل هذا الخلَل في الميزان بين الشرق والغرب من دوَال التغيّر في الأنساق التاريخيّة؛ إذ كان الإسلام يُسيطر يومًا ما على الشرق والغرب جميعًا ثقافيًّا وعسكريًّا»[6]. إذًا، فإنّ رؤية الاستشراق جادّة لا تلعب، متتابعة لا تفتر، متّصلة الأجيال بلا كللٍ أو ملل.

ومع توصيف بارت للاستشراق على أنّه دالٌّ على (نشاط أجيال عديدة)، وتوصيف سعيد للاستشراق على أنّه دالٌّ على (التغيّر في الأنساق التاريخيّة)، قد يُفهم منهما نوعٌ من الاستعلاء المرتكز على النشاط المتّصل والجهود المبذولة، وتصور الوضع في الشرق بالتأزّم السوداوي أو المأساوي، أو حتى يَشتَمِل على نظرة تشاؤميّة ـ ولو من جانب بعيد وطرف خفي ـ والأمر واضح؛ لأنّ عبارتا «سعيد» و»بارت» كلتاهما بيان لواقع علاقة الاستشراق بالشّرق الإسلاميّ إلى حدٍّ كبير؛ لذا لا يهمّنا –في قليل أو كثير– أنْ نعرف إنْ كان أحدهما قال مقولته تلك شامتًا، أو معاتبًا، فالمحصّلة واحدة، ويكفي التعرّفُ على أنَّها حقيقة دالَّة على العلاقة بين الشرق والغرب؛ لأنّ أعمال المستشرقين ملء السّمع والبصر يومًا بعد يوم.

ومهما كان من ترسانة الدراسات الاستشراقية؛ فإنّها لا تضرّ الإسلام بكتابه المعجز، ونبيّه الكامل؛ لأنّ النقد لا يضرّ الحقائق؛ بقدر ما يدلّ على افتقاد المنتقد للمنهج العلميّ السليم، والحسّ المنصف، والبحث الموضوعيّ الجادّ، فكلُّ دراسةٍ منصفة جادة وموضوعيّة تصل إلى غايتها من الحقيقة إنْ سعت إليها، فتراها رأي العين للشمس في وَضَحِ النّهار.

وفي حديث النبي محمّد(صلى الله عليه وآله) حين قال: «يُوشِكُ الأُممُ أنْ تَداعَى عليكُم كمَا تَداعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها»، فقال قائل: ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: «بَلْ أَنتُم يَومَئذٍ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكم غُثاءٌ كغثَاءِ السَّيلِ، ولَينْزِعَنَّ اللهُ مِن صُدورِ عَدُوِّكم المَهَابةَ مِنكُم، وَلَيَقذِفنَّ اللهُ في قلُوبِكُم الوَهْنَ»، فقال قائلٌ: يا رسُولَ الله، وما الوَهْنُ؟ قال: «حبُّ الدُنيا وكراهيّةُ الموتِ»[7]، أقول: إنّ مفهوم (تَداعي الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها) الواردة في هذا الحديث النبويّ ربما يكون شرحًا واقعيًّا مسبقًا قبل مقولتي (بارت وسعيد) السالفتين؛ لأنّ مفهوم الاستشراق لديهما أقرب لتواصي الدّرس الاستشراقيّ المتواصل لأصول الإسلام ومصادره، ولأنّ مقولتيهما تؤكّدان على صدق النبي محمّد(صلى الله عليه وآله)، كما أنّهما يُعبّران بأسلوب بليغ عن واقعٍ أليمٍ سوداويّ يعيشه المسلمون.

كما أنّ كلّ من (بارت وسعيد)، في مقولتيهما؛ وإن وصَّفا الواقع، لكنّهما يُضعِفان من عزم المسلم، وقد يترتّب على كلّ منهما من الآثار السلبيّة الشيء الكثير على من تستميلهم الأقوال المرسلة والبرّاقة، فينقصها الإنصاف. بينما قول النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله) يُبيّن أنّ العلاج في (كراهيّة الدنيا وحبّ الموت)، والمُراد من ذلك وعي الواقع، ورقي الرؤية بإقبال على الآخرة، وابتغاء رضوان الله تعالى، مع الإخلاص في العمل، وإيمان موقن بأنّ النبيّ يُوحَى إليه، ويُعلَّم ما لم يكنْ يَعلَم أهلُ عصره، ويُخبَر ليُخبِر الناس بما سيكون؛ فيكون كما أخبر.

لقد أتى الدّرس الاستشراقيّ بدراساته وأبحاثه على مدى تاريخه بإنعاش ذاكرة المسلم لاجترار المقالة النبويّة الشريفة، ولا أحبّذ أنْ يظلّ الأمر مجرّد اجترار للمقولة النبويّة دون تقديم جهد واع منظّم، فلن تجدي الذاكرة شيئًا في تغيير الواقع؛ إلا بفعل ناجز نافع؛ لذا أرى ضرورة أن يبقى الأمل في جيلٍ مؤمن بقدراته، عارف لمهاراته، واع بوجوده، يتعرّف على رؤية الآخر؛ لتحفّزه على إثبات ذاته؛ خدمةً لدينه، ووطنه، وحضارته؛ إذ يعمل على تغيير الواقع بما توفّر لديه من وعي بصير مدرِك مع جهد إيجابيّ ناجزٍ.

ثالثًا: بين يدي الاستغراب

الاستغراب هو: نوع من العلم المهتمّ بدراسة الغرب من نواحي العقيدة، والتشريع، والتاريخ، والجغرافيا، والاقتصاد، والسياسة، والثقافة والفكر والأيديولوجيّات...؛ وهذا العلم يدلّ على التواصل العلميّ بين الشرق والغرب، وهو الوجه الثاني للاستشراق. وقد شهد بذلك المستشرق ستانوود كب فقال: «إنّ كلّ ما لدى العالم القديم الكلاسيكي من علم وتكنولوجيا قد انتقل قبل ذلك بوقت طويل إلى أوروبا عن طريق العرب»[8]، تلك شهادة من أهلها؛ لأنّ الغرب حينما بدأ نهضته العلميّة والثقافيّة والفكريّة توجَّه إلى دراسة العالم الإسلاميّ، وأفاد من معطيات حضارة الإسلام ومنجزات المسلمين؛ ابتداءً من التفكير العلميّ، والمنهج العلميّ. وتكفي نظريّات المسعودي (283 - 346هـ)، وأبو ريحان البيروني (362-440هـ)، وابن النفيس (607-687 هـ)، وابن خلدون (732-808هـ)، وغيرهم كثير من أعيان العلماء الذين أثَّروا في الحياة العلميّة في المجالات كافّة، فمنحوا البشريّة معانٍ جديدة، وأناروا مسيرتها العلميّة عبْر التاريخ. وفي ذلك كلّه دلالة على مدى تأثّر الغرب في درسه الشرق الإسلاميّ بمختلف معطيات الحضارة الإسلاميّة. لذا، فإنّ من الواجب على المسلمين أنْ ينطلقوا لدراسة الغرب من جميع جوانبه[9]، سواء أقرّ أهل الشرق أو الغرب بذلك أو أنكروا، فلن يغيّر ذلك في التاريخ الإنسانيّ شيئًا.

وجدير بالذكر إيراد بعض الملاحظات في هذا الصدد، وهي:

أولًا: لقد تطرّق بعض المفكّرين من علماء الإسلام من حواضر الإسلام إلى دراسة الغرب ومناهجه، ونجحوا -إلى حدٍّ ما- في فهم الحضارة الغربيّة، وهم يُعتبرون نواة صحيحة إيجابيّة لعلم الاستغراب، حيث علِموا مواطن القوّة والضعف، ووقفوا على نقاط البراعة والإبداع أو الفشل والاتّضاع، كما رصدوا مظاهر النّجاح والتفوّق أو الإخفاق والتمزّق، ولنضرب مثالًا لهؤلاء الإمام عبد الحليم محمود (1910-1978م) الذي درس في فرنسا، وكذلك الدكتور رشدي فكَّار (1928-2000م)[10]، فإنّ هؤلاء وغيرهم قد أجادوا فهم الواقع الغربيّ عبر التسلسل التاريخيّ والفكريّ والمنهجيّ حتّى أفادوا واستفادوا منه المفيد، وبيّنوا للناس رقيّ الرؤية الإسلاميّة للبشريّة.

ثانيًا: إنّ علم الاستغراب قد تطرّق إليه بعض العلماء المسلمين الّذين درسوا المناهج الغربيّة، فتأثّروا بها لدرجة أنّهم أرادوا دراسة علوم الإسلام بتلك المناهج الغربيّة، التي عجزت عن تقديم حلول للإشكاليّة الغربيّة؛ من حيث تقديم رؤية دينيّة صحيحة تجمع بين فرائض الدين ـ مطلق دين ـ وبين مطالب الدنيا، فإنّهم مسلمون بعقليّةٍ غربيّةٍ، أو غرب متأسلمون، فلا يمكن التفرقة بين هؤلاء وبين المستشرقين؛ فالعقليّة واحدة، وإن تعرَّبت أسماؤهم، وتشرَّقت منابتهم الأولى، لكنّ اتّجاهاتهم الفكريّة تغرّبت، وذهبت كلّ مذهب؛ انسلاخًا من هويّتهم الحضاريّة والدينيّة والعربيّة.

ثالثًا: إن ثمّة رؤية جادّة في علم الاستغراب تدعو إلى دراسة أهل الشرق لعلومَ الغرب بصورة إيجابيّة؛ بمعنى: بناء رؤية صحيحة عن الغرب بموضوعيّة وحياد دون تأثّر؛ حتى تفهم العقليّة الغربيّة وأصول مناهجها العلميّة. ومعلوم أنّ العقليّة الغربيّة ذات إصرار على التّصادم مع الإسلام –وهم معذورون–؛ لأنّ الإنسان ابن بيئته وتصوّرات مجتمعه، كما أنّهم لم يجدوا من يرفع عنهم الجهل بحقيقة الإسلام الحنيف، ثمّ تكون تلك الرؤية الجادة للاستغراب في مقابل الاستشراق، حيث يدرس أهل الغرب علوم الشرق ومصادر الإسلام، ومدى تقدّم المسلمين من خلال تصوّر خاصّ.

رابعًا: يعتبره البعض علم الاستغراب وليد عَقدٍ أو عقديْن سابقَيْن، لكنْ باتّساع الرؤية ندرك أنّ الواقع الإسلاميّ يقول: إنّه وُلِد منذ قرابة أكثر من مئتي سنة ماضية، حيث وقعت حملة الفرنسيس على الشّرق، وفيها ما فيها، ثمّ بدأ بعد ذلك إرسال بعثات علميّة من بلاد المسلمين إلى جامعات الحواضر الغربيّة، وبدأ دور رائد الاستغراب رفاعة الطهطاوي، ووحيد خان، ثمّ العديد ممّن جاء بعد ذلك من علماء وباحثين.

وكان من الباحثين من حافظ على هويّته الحضاريّة، ورؤيته للغرب؛ بوصفه رجلًا شرقيًّا يدرك أدوار الغرب الخفيّة والظاهرة، وكان منهم من تأثّر بالغرب، فاستغربت رؤيته مع الحفاظ على هويّته الحضاريّة، كما كان منهم من استغربت هويّته منسلخًا من حَوْلِه وطَوْله وقُوّته.

وإلى يومنا هذا ما زال هناك الكثير من العلماء والباحثين الدارسين بالمعاهد والأكاديميّات الغربيّة -وهو أمر غير مستنكر بصفة عامّة-، لكنّه توطئة وتمهيد لخلق رؤية استغرابيّة بصفة عامّة.

رابعًا: إشكاليّة الدراسة

الإشكاليّة الأولى: نحن حيال رؤى عدّة: الأولى: رؤية عامّة للاستشراق من خلال المدرسة الفرنسيّة والمدرسة الألمانيّة لدراسة القرآن بمنهجيّة محدثة تدّعي اتّخاذ منهجيّة تاريخيّة ونقديّة لدرس المخطوط القرآنيّ، حتّى تأتي بنتائج غريبة تدلّ على سوء المنهج والغرض من الدّرس الاستشراقيّ نفسه، وتُحاول نفي ثبوتيّة النّص القرآنيّ. الثانية: خاصّة في أنموذجين؛ الأوّل: من المدرسة الاستشراقيّة الفرنسيّة، وهو الدكتور (فرانسوا ديروش)، وأنموذج آخر من المدرسة الاستشراقية الألمانيّة، وهي الدكتورة (إنجليكا نويفرت).

فتأتي الدراسة لتعرض تلك الرّؤى، محاولة الرّد على دعاوى هذين الأنموذجين؛ لكونهما يُمثّلان هاتين المدرستين، ولترصد هاتين الرؤيتين الخاصّتين في ضوء رؤية إسلاميّة موضوعيّة؛ ممّا أجمع عليه علماء الإسلام، ونشأ عليها كلّ مسلم، والتي تعتبر عرفًا متعارفًا بمنهجيّة توثيق القرآن وحفظه وكتابته، وثبوت النّص القرآنيّ بالسّند المتّصل إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهذه رؤية أهل الإسلام المتوارثة.

وليس يصحّ في الأفهام شيء * * *  إذا احتاج النّهار إلى دليل[11].

الإشكاليّة الثانية: الوقوف على دراسات الاستشراق الخاصّة بالقرآن أمر يحتاج إلى شيء من التأنّي والدرس الدقيق؛ بغية ضبط الرؤية الاستشراقيّة؛ وهي –بلا أدنى شكّ– تنفي كثيرًا من الثوابت وتغاير الرؤية الإسلاميّة الموروثة بين المسلمين جيلًا بعد جيلٍ، خاصّة في مجال جمع نصّ القرآن وتدوينه وتوثيقه.

الإشكاليّة الثالثة: تختلف أغراض الاستشراق، وتتعدّد الأهواء غالبًا حينما تتعلّق مقولات الدّرس الاستشراقيّ بالإسلام ومصادره؛ لضرورة النّظر مع التمييز والفصل بين الدرس الاستشراقيّ العامّ وبين الدرس الاستشراقيّ الخاصّ بدراسة القرآن الكريم، لأهمّيّة الوقوف على تلك المقولات؛ للرّد عليها.

خامسًا: منهج المستشرقين في الميزان

إنّ الحياد العلميّ يقتضي القول: إنّ الاستشراق بات علمًا متعدّد الجوانب له صور مشرقة؛ منها: العلاقة البريئة العلميّة المنصفة، حتّى قيل: «لولا عناية المستعربين بإحياء آثارنا لما انتهت إلينا تلك الدرر الثمينة التي أخذناها من طبقات الصحابة وطبقات الحفّاظ، ومعجم ما استعجم، وفتوح البلدان، وفهرست ابن النديم، ومفاتيح العلوم، وطبقات الأطباء، وأخبار الحكماء، والمقدسي والإسطخري، وابن حوقل، وغيرها إلى عشرات من كتب الجغرافيا والرحلات التي فتحت أمامنا معرفة بلادنا في الماضي، وبها وقفنا على درجة حضارتنا، ولولا إحياؤهم تاريخ ابن جرير وابن الأثير وأبي الفداء واليعقوبي والدينوري، لجهلنا تاريخنا الصحيح وأصبحنا في عماية من أمرنا»[12]، وهذه صور مشرقة لا ينكرها إلا جاحد أو معاند، ومن دواعي الحياد بيان صور الاستشراق بجميع جوانبه، فبقدر موضوعيّة البعض هناك كذلك صور استشراقيّة متعصّبة فجَّة بدت في منهجيّة غير موضوعيّة متعالية، أو رؤية سوداويّة أفرزت علاقة سيّئة متوارثة.

وفي تلك الصورتين دلالة كبرى على تعدّد علائق الاستشراق بعلوم الشّرق، وعلى باكورة علاقة الاستشراق بالمخطوط العربي، حيث كان للترجمة والبحث العلمي أثرٌ في نشر المخطوط العربيّ والإسلاميّ على السواء.

إنّ المستشرقين «استمدّوا مقوّمات منهجهم في دراسة علوم الشّرق والكتاب والسّنّة من مناهج غربيّة مرتكزة على أسسٍ مغايرة لروح السيرة ووقائعها؛ لأنّ معالجة واقعة في السيرة تمتدّ إلى عالم الغيب، وترتبط أسبابها بالله تعالى، وبالاعتراف بالوحي، وهي في الحقيقة همزة الوصل المباشرة بين الله تعالى ورسوله الخاتم، فلا يمكن التعامل معه كما يُتعامل مع الجزئيّات، والذرّات والعناصر في مختبر التجارب الكيميائيّة؛ إذ إنّها تجربة من نوع خاصّ، بل شبكة من العوامل والمؤثّرات التي تنحدر عن مملكة محض العقل، وتستعصي على التحليل المنطقي الاعتيادي المألوف»[13]. وإن ثمّة خطورة تنعكس على الفكر الإنسانيّ من تناول الدرس الاستشراقيّ المتعلّق بالقرآن وعلومه وتفسيره، مع إساءة استخدام الاستشراق للمنهج العلميّ؛ لذلك لا يُمكن اعتبار بعض الأحداث مسألة تاريخيّة صرفة تخضع لأساليب النّقد والتحليل.

ولا يمكن تناول علوم الإسلام من منطلق مناهج لا تنسجم مع أصل الإسلام، فقد استخدم الدّرس الاستشراقيّ مناهج تُسيء للحقائق العلميّة قبل أن تسيء إلى الإسلام، ومنها منهج: (الأثر والتأثير، والمنهج العلماني، والمنهج المادي، والمنهج الإسقاطي، ومنهج النفي والاعتراض واعتماد الضعيف الشاذ، وتوهين القوي المتواتر)[14]؛ فضلًا عن منهج الشكّ والتشكيك، ومنهج التجريب.

إنّ المنهج الاستشراقيّ يهدم المعاني الكاملة، ويجزِّئها حتّى يُعِيد تركيبها مرّة أخرى على ما يهوى من آراء ورؤى. إنّه يبني أفكارًا متهافتةً متداعيةً متهاويةً على أفكارٍ كبيتِ العنكبوت، وهذا ما يريده درس الاستشراق الّذي يقصد إلى أن يكون قائمًا على رؤية ماديّة صرفة.

وجدير بالملاحظة أنّ خطورة الدرس الاستشراقي تظهر جليّةً حينما يتعلّق بذات القرآن الكريم في تكوينه وتدوينه، بل ويشتدّ خطرها أكثر عندما يتمّ ربط تاريخ تدوين القرآن بـ(المخطوط القرآني)، الذي أظهرت الدراسات الاستراقيّة المعاصرة ارتباطًا بينهما، فهذه الدراسات من أكثر دراسات الاستشراق خطورة على الإطلاق من وجهة نظري.

كما تدور رؤية الكتَّاب المستشرقين للقرآن بين أمرين: أوّلهما: أنّه كتاب غير مرتَّب يحتاج إلى ترتيب معقول يتماشى مع العقليّة الغربيّة. ثانيهما: اعتباره تلخيصًا لأفكار محمد[15]؛ إذ يزعم الدّرس الاستشراقي ـمن غير مواربةـ أنّ القرآن من تأليف النبي محمد، وتلك مسلَّمة الاستشراق أضحت مقدّمة لمقولات الاستشراق المدوّنة بكثرة كاثرة، أو بقلّة عاثرة في مصنّفاتهم، شاهدة على مجانبة المنهج العلمي[16]؛ لأنّ الفيصل بين الدراسات العلميّة هو في استخدام المنهج العلمي بمعياريّة صحيحة من تحليلٍ ونقدٍ، فما وافقه يُقبل، وما خالفه يُردّ على صاحبه.

كما لا تخفى علاقة الشرق بالغرب، أو علاقة الغرب بالشرق صارت تفرز عن آراءٍ شاذّةٍ تصدر من هنا أحيانًا، أو من هناك أحيانًا أخرى، تقول: إنّ الشّرقَ شرقٌ، وإنّ الغرب غربٌ، بل صدرت آراء من أرقى مراكز البحث تصف الإسلام – كتابًا ونبيًّا وحضارة – بأنّه (عدوّ أخضر) حتى انفرطت دعاوى حشدت لحالة من (الإسلاموفوبيا)[17]؛ كحال عامّ ساد الكثير من الغربيّين في العقود القليلة الماضية، وهو عرَضٌ صار مرضًا ليس عارضًا طارئًا، بل حال ملازم شاخص مؤثّر في العلاقة بين الشرق والغرب، لا شكّ أنّ ذلك أثَّر على أهل الدرس الاستشراقي، وأثّر في سلوكيات كثير من الناس، وأدّى إلى وقوع جرائم وأحداث نتيجة تلك الدعاوى، حتى صار أمر التّعادي رأي العين..

سادسًا: المنهج المعتمد فِي تحليل الدرس الاستشراقي ونقده

إنّه من منطلَقٍ يقينيٍّ وإيمانيٍّ برسالة النّبي محمد الخاتمة، ووحي الله تعالى له، نتحفَّظ على كثير من مقولات الدرس الاستشراقيّ وسوف نعمد في هذا الكتاب إلى تحليله ونقده وفق ما يلي:

إظهار التناقضات في مقالات المستشرقين، بين نفي الشيء، ثمّ إثباته ذاته.

بيان وجه انتقاء الدرس الاستشراقي للأدلّة التي تناسب الهوى والغرض، وترك ما سواها.

تعرية المستور من الدرس الاستشراقي؛ إذ يقوم بليِّ أعناق نصوص بلحن من القول؛ ليستشهد بها على فكرة حالمة، أو يقوم بـ(افتكاسة متعالمة).

بيان مصادمة مقالات المستشرقين مع الحقائق التاريخيّة، أو المبادئ العلميّة المعتبرة، أو مع نصوص قرآنيّة أغفل الدرس الاستشراقيّ إيرادها وذكرها إمّا لقصور في الدارس، أو إسراعه الخطى نحو فكرته الأساسيّة، أو لخطأ في الدّرس نفسه.

ذهول الدّرس الاستشراقيّ، وغفلته عن منهجيّة الإسلام العلميّة في جمع القرآن؛ سواء في (العهد النبوي)، أو في عهد الصحابة من بعده.

سوف أقف بالقارئ الكريم على منزلة المخطوط القرآني اليوم، وما له من صلة سواء أكانت قويّة معتبرة أم ضعيفة ساقطة الاعتبار في توثيق النّص القرآني اليوم، وهو النّص المجموع بين اللوحين المُتّفق على نصّه لفظًا ومعنًى في شرق الأرض وغربها، والذي ظلّ قرابة خمسة عَشَر قرنًا من الزمان، مع أنّ المخطوطات القرآنيّة؛ بحسب تقدير الدكتور محمد مصطفى الأعظمي[18] بلغ تقديره من المخطوطات القرآنيّة عددًا كثيرًا[19]، لا يمكن القطع به؛ إلا بعد عمليّة مسح عامّ لكافّة المخطوطات القرآنيّة بالمكتبات التي احتوت عليها سواء بالشرق أو الغرب، كما لا نستطيع الجزم بوجود مصحف ما منها في مكتبة ما؛ لغياب تاريخ انتقال تلك المصاحف، مع أنّ بعض المعلومات المتفرّقة بخصوص ذلك موجودة، وإنّني أؤيد ذلك؛ لأنّه لا يمكن الجزم بأنّ أحد المصاحف المنسوبة إلى عثمان في تركيا، أو مصر، أو غيرهما، والجزم المؤكّد تاريخيًّا أنّ عثمان كتب المصحف الإمام، ثمّ أرسل نسخًا إلى الأمصار وانتسخت منه نسخًا أخرى على مدى العصور الإسلاميّة، وتوزّعت على حواضر العالم الإسلاميّ، فكانت ولاية الوالي المسلم تتمّ ببناء المسجد الجامع، وانتساخ المصحف الإمام؛ لذلك كثر عدد المخطوطات القرآنيّة.

من الضرورة عرض جانب من جهود علماء المسلمين في المتابعة الجادّة للدرس الاستشراقي حول (المخطوط القرآني) والرّد على شبهات المستشرقين، حيث تتابعت الدراسات العربية للرّد على درس الاستشراق في هذا الصدد وذاك، وأذكر هنا بعض محاولات الدرس الجاد، ومنها: جهود الدكتور حميد الله[20]، وكذلك جهود الدكتور الأعظمي[21] وأيضًا جهود الدكتور “طيار قولاج”[22] الذي أعدّ محاضرة؛ ليردّ بها على تساؤلات المستشرقين في برلين حول المصاحف المنسوبة إلى عثمان وعلي، وبيَّن أنّ أهمّ جزء في موضوع تاريخ المصاحف هو مسألة وصول القرآن إلينا، كما أنزل على النبي محمد أَمَحفوظ هو أم غير محفوظ؟ فمن المسلّم به من قِبَل علماء القرآن والمسلمين أنّه محفوظ، لكن بعض الباحثين من الشّرق والغرب من غير المسلمين يخالفون ذلك لتباين طرق بحثهم، وهم ينطلقون من مسألة أنّ المسلمين ينطلقون مسبقًا من كون القرآن بلغنا محفوظًا كما هو[23]، ومن الضرورة مواصلة دراسة ما افتتحه هؤلاء العُلماء حتّى نقيم الفرض؛ ولئلّا تضيع جهودهم سدًى، كما يواصل الباحثون من المستشرقين الدرس الاستشراقي بدراسات متّصلة ومتواصلة جيلًا بعد جيل.

هذه من الأدوار التي أحاول بذل جهدي للقيام بها في هذه الدراسة؛ لنستبين ونستكشف ونعقّب وننقد، وهي بعنوان: (دراسات استشراقيّة معاصرة للقرآن الكريم ـ نقد المدرستين الفرنسيّة والألمانيّةـ).

وبعد.. كانت تلك مقدِّمة ضروريّة؛ لنتعرّف من خلالها على الرؤى المختلفة للقرآن، سواء رؤية الاستشراق الغربي، أو رؤية المسلمين الممثّلة في علماء القرآن على مدار ألف عام، ولندرك مدى أهميّة القضيّة التي يثيرها الدّرس الاستشراقي وخطورتها من خلال دارسيه وباحثيه من مستشرقين ومستغربين على السّواء اليوم، فمن الصّعب أن يكون الباحث منصفًا موضوعيًّا، ومن السّهل الميسور اتّباع ما تشابه مع التواء الفكر، وهذا ديدن بعض الدارسين.

 

د. الأمير محفوظ محمد أبو عيشة

------------------------------------

[1] يعمل في مجال الاستراتيجية الدينيّة، ويهدف لوضع خطط وبرامج استراتيجيّة في المجال الدينيّ والثقافيّ بالاعتماد على الماضي ودراسة الحاضر والتطلّع نحو المستقبل؛ لتحسين الوضع الموجود ومعالجة المخاطر المحدقة. يراجع موقع المركز على شبكة المعلومات

(https://www.iicss.iq/?id=8).

[2] تصدر عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، بيروت لبنان، وهي مجلة متخصّصة تُعنى بالدراسات الاستشراقيّة المعاصرة للقرآن الكريم، صدر العدد الأوّل منها سنة 1440هـ في شتاء 2019م.

[3] رودي بارت: (1901-1983م) مستشرق ألماني ولد سنة (1901) بويتندروف جنوب ألمانيا من أسرة أكثرها قساوسة، دخل جامعة توبنجن تعلم على المستشرق «إنّو لتمن» فحصل على الدكتوراه الأولى سنة (1924) وحصل على دكتوراه التأهيل للتدريس بالجامعة سنة (1926)، وفي سنة (1941) حصل على كرسي علوم الإسلام بجامعة بون، وفي (1951) كان أستاذًا للإسلاميات بجامعة توبنجن، ترجم القرآن للألمانية تبعًا للترتيب العثماني المتبع لدى المسلمين مع شرح فلولجي. انظر: بدوي، عبد الرحمن: موسوعة المستشرقين، ط 3، بيروت، دار العلم للملايين، 1993، ص62-63.

[4] انظر: بارت، رودي: الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية- المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه، ترجمة: مصطفى ماهر، طبع المركز القومي للترجمة، العدد (1784) سنة (2011)، ص14.

[5] إدوارد سعيد: (1935-2003م) هو: إدوارد وديع سعيد، ولد سنة (1935) بمدينة القدس لعائلة مسيحية منظر أدبي وأستاذ جامعيّ للأدب ــ   

ــ  المقارن في جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو شخصية مؤسّسة لدراسات ما بعد الكولونيالية، وكان يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وصفه روبرت فيسك بأنه: أكثر صوت فعّال في الدفاع عن القضية الفلسطينية، توفي سنة (2003).

[6] سعيد، إدوارد: الاستشراق المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة: محمد عناني، ط 1، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع، 2006، ص321-322.

[7] أخرجه الإمام أبو داود في (سننه)، كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على الإسلام، رقم: (4297)، واللفظ له، والإمام أحمد في (مسنده)، رقم: (22397)، والبيهقي في (دلائل النبوة)، (6/468)، رقم: (2960)، والحديث حسن صحيح، من حديث ثوبان رضي الله عنه، و(الأكَلَة) بفتحتين، كما ضبطت كذلك بالمد وكسر الكاف الآكلة بوزن فاعلة، وكلاهما جمع آكل.

[8]  كب، ستانوود: المسلمون في تأريخ الحضارة، ترجمة: محمد فتحي عثمان، ط 2، السعودية، الدار السعودية للنشر والتوزيع، 1985م، ص111.

[9] انظر: زناتي، أنور محمود: (مصطلح الاستغراب)، تاريخ الإضافة 2/12/2012، على موقع

(https://www.alukah.net/culture/0 /47271/).

[10] رشدي فكار: (1928-2000م)، مفكر إسلامي وعالم لغوي وشرعي، يمثل مدرسة فكرية إسلامية تحسن التعامل مع الغرب، ولد بقرية الكرنك بقنا من صعيد مصر، حفظ القرآن مبكرًا وبحكم تكوينه القروي نشأ على القيم والخلق الحميد وحب الخير للجار أيا كان معتقده وانتماؤه العرقى، حصل على دكتوراه في الفلسفة من باريس، وعمل أستاذًا زائرًا بجامعة محمد الخامس بالمغرب، أثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات عدة، مات سنة 2000 بالمغرب إثر أزمة قلبية مفاجئة. انظر: فكار، رشدي: نهاية عمالقة الغرب، ط 1، مصر، مكتبة وهبة، سنة 1989، ص141 - 145.

[11] البيت من شعر أبي الطيب المتنبي. انظر: بن عباد، الصاحب: الأمثال السائرة من شعر المتنبي، تحقيق: الشيخ محمد حسن، ط1، بغداد، مكتبة النهضة، 1965م، ص46.

[12] النملة، علي إبراهيم: إسهامات المستشرقين في نشر التراث العربي والإسلامي، ط1، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنيّة، سنة 1996، ص21-22.

[13] النعيم، عبد الله محمد الأمين: الاستشراق في السيرة النبوية، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سنة 1997، ص33.

[14] النعيم، الاستشراق في السيرة النبويّة، م. س، ص36.

[15] ستيفانيدز، إيمانويلا: القرآن خطيًّا دراسة في الترتيب الزمني لسور القرآن في كتاب تاريخ القرآن، تعريب: حسام صبري، نشر إلكترونيا على موقع (مركز تفسير للدراسات القرآنية)، المملكة العربية السعودية، ص4.

[16] لدرجة أنه لم يعتبر الدرسُ الاستشراقي القرآن وحي من الله كأحد الاحتمالات العقلية المحتملة.

[17] الإسلاموفوبيا: هو مصطلح محدث يفيد معنى الخوف من الإسلام، حيث باتت ظاهرة أوروبية وغربية عامة، وقد يتوصّف بها بعض الشرقيين لسبب من الأسباب، وسبب هذا المرض الأساسي: انعدام المعرفة بحقيقة الإسلام وشرائعه المختلفة، وغياب بعض مفاهيم الإسلام عن الثقافة العامة ولذلك أسباب عديدة لا يتسع المقام لذكرها. (الباحث).

[18] الأعظمي: (1932-2017) هو: محمد مصطفى الأعظمي عالم هندي له مؤلّفات تتعلّق بالقرآن منها: (تاريخ تدوين القرآن الكريم)، و(كُتّاب النبي)، و(النص القرآني الخالد: دراسة مقارنة لسورة الإسراء في (19) مصحفًا مخطوطًا عبر العصور)، وهو أهمّ خدماته المقدّمة، وهو دليل ماديّ على حفظ الله للقرآن، وقد أثبتت دراسته التطابق التام بين هذه المصاحف عبر العصور؛ ممّا يثبت باﻷدلّة الماديّة عدم تحريف القرآن، وهو دليل ينفع غير المسلمين، ويرد على المستشرقين شبهاتهم وأباطيلهم. 

[19] بحسب تقديرات الدكتور محمد مصطفى الأعظمي فإنّ هناك أكثر من (251 ألف) نسخة للقرآن بين مخطوطات كاملة أو جزئية بداية من القرن الأول الهجري فصاعدًا. انظر: قولاج، طيار آلتي: المصاحف المنسوبة إلى عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، ترجمة: الأستاذ معتز حسن، تعليق: أحمد وسام شاكر، إصدار أكتوبر (2014)، ص7؛ (M. M. al-Azami, The History of the Qur’anic Text, p.151)

[20] حميد الله: (1908-2002) هو: محمد حميد الله، عالم هندي قضى قرابة نصف عمره باحثا ومحققا بأوروبا ودول الشرق الإسلامي، متبحر في اللغة العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والأردية والتركية، وله مؤلفات قيمة بهذه اللغات يبلغ عددها 175 كتابًا، له مئات المقالات في القرآن والسيرة والفقه والتاريخ والمواثيق، توفي في الولايات المتحدة سنة (2002م).

[21] سبق التعريف به.

[22] طيار آلتي قولاج: (1938-....) باحث تركي محقّق في مجال الدراسات القرآنية، وسياسي وعضو بالبرلمان التركي، له كتاب (المصحف الشريف المنسوب إلى عثمان «نسخة طوبقابي سراي، ونسخة متحف الآثار التركية والإسلامية، ونسخة المشهد الحسيني) سنة (2007، و2009م)، و(المصحف الشريف المنسوب إلى علي بن أبي طالب- (نسخة صنعاء)، 2011م.

[23] قولاج، طيار آلتي، المصاحف المنسوبة إلى عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، م.س.