فهرس المحتويات

 

 

الفهرس

مقدمة المركز5

مدخل إلى عالم المسيري6

الفصل الأول: فقه التحيز19

الفصل الثاني: المسيري  والفلسفة47

الفصل الثالث: المسيري ونيتشه79

الفصل الرابع: المسيري وما بعد الحداثة97

الفصل الخامس: المسيري والعلمانية137

الفصل السادس: المسيري وليو شتراوس157

الفصل السابع: نقد الغرب181

(3)

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء وتفعيل الحركة المعرفية والنقدية حيال قيم الغرب في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

تقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسع استعماري إلى بقية العالم.

إن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

في هذا الكتاب من سلسلة «نحن والغرب» يدخل الباحث والأكاديمي الأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم عطيّة إلى عالم المفكر والمؤرخ المصري الراحل عبد الوهاب المسيري، حيث يعرض لنا كيف واجه المسيري أفكار الحداثة ومفاهيمها، ثم ليبين الخطوط الأساسية لمشروعه النقدي في حقول الفلسفة وعلم الاجتماع والفكر السياسي ومواجهة استراتيجيات الهيمنة الفكرية على مجتمعاتنا.

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

(5)

 

مدخل إلى عالم المسيري

[1]. أكدت كل الكتابات حول المسيري التي صدرت بعد وفاته على أنه مفكر عمل بمفرده، حتى لقد بدا كما لو أنه مؤسسة كبرى اختُزلت في رجل واحد. من هذه الكتابات التي قُدِمت كنموذج ما يُوضح صورة المسيري لدى معاصريه، فهو: «واحة اسمها عبد الوهاب المسيري» [هذا ما كتبته منار الشوربجي في المصري اليوم]، نراه «في كل لحظة وفي كل مكان» [كما تحدثت شريكة مشواره الفكري والنضالي هدى حجازي]، فهو «إذا غاب حضر» [فهمي هويدي]، حيث كُتب له الخلود، فهناك «الموتى الأحياء والأحياء الموتى» [فوزي منصور]، و»إن المسيري باقٍ وسيظل دومًا» [كما أكد عبد الجليل مصطفى]، لأنه «حتى في ساحة النضال كان معلمًا» [جورج إسحاق في الدستور]، وهو «العلامة المناضل» [نادر الفرجاني]، و»العالم المناضل» [أحمد بهاء الدين شعبان]، و»المثقف الاستثنائي» [كما كتب محسن بشور]، و»المثقف العضوي النموذجي» [كما وصفه محمود عبد الفضيل]، ليس فقط لأنه «أضاء حياتنا نور المعرفة» [بهاء طاهر]، بل لكونه «مثقفًا وضمير أمة» [إيمان يحيى]، «فهذا الرجل من هذه الأمة» [حمدين صباحي]، إنه «فقيد الأمة» [أبو العلا ماضي]، «المصري الكريم العنصرين» [كما كتب سليمان تقي الدين]، و»المفكر الحقيقي الذي يموت بين الناس وعلى أشواقهم» [عمار علي حسن]، وكتب بشير موسى أن المساحة التي احتلها المسيري في خارطة العرب الفكرية المعاصرة هي بالتأكيد أكبر بكثير مما يظنه محبوه أو منتقدوه، مثل هذا المفكر والعالم الجليل وسام على صدر كل مجتمع تشرف بانتماء المسيري إليه أو مؤسسة مجتمعية تشرفت بانتسابه إليها، وقد خدم مصر والعرب والإسلام بتفانٍ واقتدار طوال أكثر من نصف قرن بمختلف أشكال العمل التربوي والفكري والوطني.

(6)

[2]. ونحن هنا نحاول أن نعرض لهذه الكتابات، وهي جزء يسير للغاية مما كُتب عن المسيري. ونستطيع أن نعدد ليس مئات بل الآلاف من المقالات التي تناولت جهوده، إلا أن الكتيب الذي أصدرته «كفاية» له مذاق آخر مختلف، ليس لأنه عملٌ يضم كتابات كل القوى الفكرية والسياسية المتنوعة في مصر، ولا كل الأجيال المختلفة التي عرفت المسيري، بل لأنه كُتب ممن عاش معهم ولهم وبهم المسيري.

وقد هدفت أن أعرض لكتاباتهم في هذه المقدمة لبيان أن كل مقطوعاتهم الموسيقية تنويعات على لحن واحد حي، وهل تموت الألحان؟! إنها مثل ما قدمه المسيري، تمثل إيقاع حياتنا. ومن هنا، قصدت أن أقدمها بعد عشر سنوات من وفاته للقارئ؛ لتوضح هي بذاتها الوحدة في الاختلاف والاختلاف في الوحدة، فكلها وهي تتحدث عن المسيري تتحدث عن مصر، مصر التي في خواطرنا وفي دمائنا، يقول جورج إسحاق: «كان الدكتور المسيري نموذجًا فذًا للفلّاح المصري الفصيح، الذي استطاع بعبقرية أن يستفيد من العلوم الغربية الحديثة ويستوعبها دون أن يقع في أسرها، بل بذل جهدًا فكريًا أصيلًا في نقدها وتجاوزها وتطويرها بما مكنه من تكوين رؤية خلاقة وفعالة؛ لمجتمعه ومسار تطوره الفكري والثقافي» (ص 11). ويضيف: «لقد سعى الدكتور عبد الوهاب المسيري لأن يقدم درسًا آخر لتلاميذه، ليس فقط في تقنيات وأساليب البحث العلمي، ولكن أيضًا في أهمية توظيف هذه التقنيات للدفاع عن قضايا العدل والحرية ولمواجهة الفساد والاستبداد».

ولقد أدرك حمدين صباحي أن هذا الرجل من هذه الأمة، حيث يقول: «كان الدكتور عبد الوهاب المسيري ابنًا بارًا لأمته، وتلميذًا نجيبًا في مدرسة حضارتها وتاريخها وواقعها، ومعلمًا عظيمًا لأجيال جديدة، يليق بها أن تتعلم منه دروسًا ملهمةً، أهمها الارتباط العضوي بين الفكر والعمل، بين التنظير والتطبيق، بين

(7)

الكتاب والشارع.. وأن المثقف الحقيقي لا يدافع عن حقوق أمته بالكلمة وحدها، بل بالهتاف في المظاهرة أيضًا، ولا يواجه الوعي الزائف الذي تروّجه السلطة، بل يواجه أيضًا دروع وعصي الأمن المركزي، وأن النضال الثقافي لا يكتمل إلا بالنضال السياسي» (ص 44).

[3]. إن عبد الوهاب المسيري ـ الذي اخترق بإرادة معرفة جبارة شتى ميادين الفكر الإنساني ـ أدرك بعبقرية فذة ضرورة المنهج، وأكد عليها ومارسها؛ بحيث أضحت كتاباته المختلفة في مختلف الظواهر التي تناولها قريبة المنال لوعي المثقف المعاصر. وهذا ما لاحظه الكثير من الباحثين والكتاب..

يقول محمد السيد سعيد: «ما يلفت النظر في إنجازه الفكري هو اهتمامه الشديد بالمنهجية. والحقيقة أن مساهماته في فهم مشكلة المنهج والنماذج المعرفية هي التي ستعيش أطول من غيرها.. كما سيعيش طويلًا بالطبع نقده الحازم للصهيونية كنزعة عنصرية بدائية همجية من الناحيتين الأخلاقية والسياسية» (ص 44).

فهو مفكر موسوعي بحجم جمال حمدان صاحب موسوعة شخصية مصر، كما يقارنهما عبد الحليم قنديل، وربما كان المسيري في هذه المقارنة أقل من حمدان اهتمامًا بأناقة الحرف وجرس اللغة، لكن لغة المسيري بدت في خانة السهل الممتنع، وبدا التقارب مع جمال حمدان ظاهرًا في نحت المصطلحات، وربما أتيح للمسيري من السفر في الجغرافيا وثراء الثقافة وطلاقة الحركة أكثر مما كان لجمال حمدان، وبدا الأثر ظاهرًا في وعي المسيري العميق المتفرد ببنية الحضارة الغربية، وفي مقدرته الأسطورية على اكتشاف وتفكيك أساساتها، وفي بلورة وصياغة مناهج تركيبية للتفسير، وفي إعادة قراءة التاريخ الغربي باتجاهاته ومدارسه في ضوء جديد باهر، وقد تكون موسوعته عن الصهيونية هي الأشهر، لكن موسوعاته اللاحقة تنازعها في القيمة، وموسوعته عن العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ـ في جزأين

(8)

ـ عمل فكري ريادي ينافس في القيمة موسوعته الأشهر، فلم يكن المسيري مجرد متخصص في دراسات الصهيونية، بل كان فيلسوفًا شاملًا بحق (ص 16-17).

[4]. توقف الكثيرون أمام إنجاز المسيري الموسوعي، وكيف أعاد تصويب عيوننا نحو العدو الحقيقي، لنقرأ ما كتب محمد عبد القدوس في «الدستور»: «قبل الدكتور عبد الوهاب المسيري كانت مواجهة العدو الصهيوني تتم على طريقة «أمجاد يا عرب أمجاد»!! والمثال الشهير لها إذاعة صوت العرب، وجاء الدكتور المسيري ليواجه بني إسرائيل بأساليب علمية لأول مرة، وكرس حياته لدراستهم بطريقة مستفيضة لم يسبقه إليها أحد قط، فهو وحده يساوي أمةً أو جيشًا بأكمله» (ص 23).

وكتب أبو العلا ماضي يقول: «إن الفكرة العدوانية الإمبريالية الغربية الاستعمارية هي التي تحارب هذه المنطقة وتريدها تحت سيطرتها وتريدها حقيقةً مفككةً متخلفةً، وإن «إسرائيل» هي الأداة لتحقيق المخطط الاستعماري الغربي بأقل تكلفة، وكان يشبّه إسرائيل والجماعات اليهودية الصهيونية التي تعمل في الغرب بالموظف المنافق، الذي يعرف ماذا يريد رئيسه ويتوافق مع أهدافه ويحققها له، أي إن الغرب الاستعماري يستعمل «إسرائيل» كرأس حربة لتنفيذ مخططاته العدوانية الاستعمارية وليس العكس» (ص 38-39).

وليس ثمة شك في أن التطور البارز في رؤيته للإسلام خلال العقود الأخيرة من حياته كان نتاجًا لتطور رؤيته للمسار الراديكالي الذي أخذته الحداثة الغربية منذ نهاية القرن التاسع عشر. بمعنى أن المسيري وجد في النهاية أن مسلم القرن العشرين بإمكانه أن يعيش الحياة الحديثة بدون أن يتخلى عن إيمانه، وأن الحفاظ على منجزات الحداثة لا يتطلب الاستسلام لقوى التشييء الإنساني أو للتصور الحلولي المادي للعالم (بشير موسى نافع: صحيفة العرب قطر، ص67).

(9)

ويرى ياسر علوي أن المتأمل في أعمال المسيري يلاحظ أن الانتصار للتاريخ هو الهم الحاكم في جميع هذه الأعمال، فتحليله للظاهرة الصهيونية على سبيل المثال يقوم على نقد ـ ونقض ـ استثنائها لنفسها من التاريخ الإنساني، وإصرارها على أن الجماعات اليهودية تمثل شعبًا عضويًا يعيش خارج التاريخ.

ومن هنا فإن الخطوة الأولى لفهم وتحليل الظاهرة الصهيونية هي وضعها في سياقها التاريخي السليم، باعتبارها ظاهرةً استعماريةً غربيةً لا يمكن فهمها إلا في سياق تاريخ الاستعمار الاستيطاني منذ نهاية القرن التاسع عشر، وخلال القرن العشرين، وليس بالعودة إلى النصوص التوراتية والتلمود الذي لم يعد يقرأه حتى طلبة المعاهد الدينية في إسرائيل (ص 73-73).

وقد كتب سليمان تقي الدين في «السفير» اللبنانية: «لقد رأى المسيري أن الفكر الصهيوني ليس يهوديًا بل هو استعماري يستخدم الدين كأداة للتبرير تمامًا كما حدث في الحروب الصليبية. فالصهيونية هي أحد إفرازات الفكر الاستعماري الغربي، الذي قام على الفلسفات المادية التي كانت ذروتها «نظرية فوكوياما» عن نهاية التاريخ. لقد سبق للمسيري أن أصدر كتابًا عام 1972 اعتبر فيه أن نظرية نهاية التاريخ ليست إلا فكرةً فاشيةً. لكن أهم ما بلوره المفكر العربي أن هذه الفلسفة السياسية الراهنة لتاريخ المنطقة، من الاندفاعة الإمبريالية الأمريكية ليست معاديةً للعرب وحسب، بل هي معادية للإنسانية، لأنها بالفعل تدعو الإنسان لوقف مسيرة التجاوز نحو ما هو أفضل» (ص 100).

وهو ما أكده في نفس الصحيفة صقر أبو فخر: «لعل عبد الوهاب المسيري هو، بلا ريب، أحد أهم المفكرين العرب الذين كان لهم شأن كبير جدًا في تفكيك الركام المروع الذي أطبق على أدمغة الدارسين العرب حينما تتصل دراساتهم بفهم المسألة اليهودية والصهيونية. فهو، منذ بداياته التأليفية، لاحظ غياب نموذج تفسيري مركب

(10)

لفهم اليهود واليهودية، ولاحظ أيضًا أن الشائع هو الاختزال والعمومية في فهم أخطر ظاهرة واجهها العرب منذ حروب الفرنجة وسقوط بغداد. فانبرى بجهد ثاقب إلى إنشاء معمار نظري جديد يتيح دراسة هذه الظاهرة دراسةً علميةً نقديةً تتخطى ما درج الكتاب العرب عليه في النظر إلى المسألة اليهودية» (ص 102).

يكفي عبد الوهاب المسيري أنه قدم للعرب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية في ثمانية أجزاء، إنها إنجازه الأهم، مع أنني أعتقد أن كتابيه عن بروتوكولات حكماء صهيون وعن الجمعيات السرية في العالم لا يقلان أهميةً عن موسوعته، ففي هذين الكتابين أسّس منهجًا دقيقًا وصارمًا ونقديًا وعلميًا في آن.

ذلكم فارس التغيير، مفكر الأمة، المثقف العضوي، صاحب الموسوعة الصهيونية، وموسوعة العلمانية، وصاحبي وصاحبك وصاحب الجميع.. هو الذي عاش في عمله وخلُد في كتابات مثقفي مصر والعرب مفكرًا مناضلًا ضد الفساد والاستبداد.

[5]. الحديث عن جهود وأعمال عبد الوهاب المسيري نبع لا ينضب، من حيث الموضوعات والقضايا التي يتناولها، ويرجع ذلك إلى أسباب متعددة، منها: أن كتاباته ودراساته النظرية العميقة، سواء في اليهودية والصهيونية أو في العلمانية ونقد الحضارة الغربية أو في التحيز والخطاب الإسلامي الجديد، هي جهود لا تنقطع، رغم كل الظروف المحيطة به وبنا، والتي تحبط آمال أكثرنا تفاؤلًا. بالإضافة إلى وجود ما يمكن أن يسمى بجمعية أصدقاء عبد الوهاب المسيري التي تمتد باتساع الوطن العربي والعالم الإسلامي، وهي جمعية بالمعنى المجازي، وأنا هنا أتجنب استخدام جمع وجموع، ذلك أنها تضم أناسًا يجمع عقولهم الرغبة في المعرفة وأفئدتهم الأمل في الإصلاح والتغيير، ممن يمكن أن تلتقي بهم حولك هنا وهناك في مصر والأردن والمغرب وتونس والجزائر والمملكة العربية السعودية

(11)

وفلسطين وغيرها، الذين مهما كانت قناعاتهم الفكرية يقربهم المسيري، حيث يجدون فيه إرادةً جبارةً للمعرفة، وأملًا لا ضفاف له للإصلاح والحياة والنماء.

وأنا لدي ما أسر به للقارئ، وهو شعور دائمًا ما يملأ كل كياني، أنني مع كل دراسة أو بحث أتناول فيه أحد مجالات اهتمام المسيري أو أناقش إحدى القضايا التي كتب فيها، يراودني إلحاح ـ من موقع تخصصي فيه ـ أنني قد استوفيت القول فيما كتبه الرجل. حدث ذلك حين انتهيت من دراستي «المسيري والفلسفة» المنشورة ضمن كتاب «في عالم عبد الوهاب المسيري: حوار نقدي حضاري» 2004، لكنني وجدت لديه وأنا بصدد الانتهاء من كتابي «ما بعد الحداثة والتفكيك» موقفًا متميزًا واعيًا نقديًا مما بعد الحداثة، ليس هو موقف الانبهار والدعوة لهذه الفلسفة، بقدر ما هو موقف التفهم والتمثل والتحليل والنقد. وكان عليّ أن أتناول موقفه من هذه الفلسفة في دراستي «الأنت «والأنتي» مودرنزم: موقف المسيري من الحداثة وما بعد الحداثة» وجاءني نفس الشعور، ها أنا قد استوفيت كل ما يتعلق بما قدمه المسيري في الفلسفة، إلا أنني وفي سياق إعدادي لعدد «أوراق فلسفية» الذي سنصدره عن «ليوشتراوس»، الذي كتب عنه المسيري، بل تناول أيضًا كثيرًا من الموضوعات التي تناولها الفيلسوف اليهودي الأمريكي المعاصر، اكتشفت أننا في كل مرة نعود للمسيري ونداوم قراءة أعماله، فإننا سنجد في المرة الثانية تحليلات واستبصارات ورؤًى جديدةً تضاف للقراءة الأولى، وأيضًا في القراءة الثالثة سنجد ما يثري ويزيد القراءتين الأولى والثانية. وهذا ما اتضح لي وأنا أعيد قراءة ما كتبه عن: ابن ميمون واسبينوزا وهوبز وميكافيللي ونيتشه، الذين أثروا وشكلوا مصادر فكر ليوشتراوس؛ الباحث والمؤرخ في تاريخ الفكر السياسي، والذي جعل منه مريدوه فيلسوفًا للسياسة، استلهم القدماء، أفلاطون والفارابي، وميز بين القراءة الباطنية والقراءة الظاهرة للنصوص، وزعم أن للفلاسفة أسرارًا

(12)

تخفى عن العامة لا يعلمها إلا الخاصة، وهي إنكار الدين والألوهية ومع هذا توظيف الدين من أجل استقرار الدولة، هذا عن ليو شتراوس.

وحين نقارن بينهما نكتشف ما في عمل المسيري من مغايرة لهذه الرؤية، وما في قراءته من عمق ودقة ووضوح. ولما لا؟ فالفارق بين التأويل الباطني الاشتراوسي والقراءة المسيرية للنصوص هو الفارق بين التعاليم السرية التي يبثها الأول لتلاميذه في الظلام والدعوة الواضحة التي يتلقاها محبو المسيري والتي تتحدد في النقد والتجديد.

لذا فإن الكتابة عنه لن تنقطع، فالعمل الحالي يضم بعضًا من الدراسات التي قُدمت حول الرؤية والمنهج عند المسيري، أقول البعض، ولا تزال بقيتها تنتظر طريقها إلى القارئ.

[6]. هو عبد الوهاب محمد أحمد المسيري: ليسانس آداب (أدب إنجليزي)، جامعة الإسكندرية (1959م)؛ ماچستير في الأدب الإنجليزي والمقارن، جامعة كولومبيا Columbia University، الولايات المتحدة الأمريكية (1964)؛ دكتوراه في الأدب الإنجليزي والأمريكي والمقارن، جامعة رتجرز Rutgers University، الولايات المتحدة الأمريكية (1969).

رئيس وحدة الفكر الصهيوني وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1970 ـ 1975). المستشار الثقافي للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 ـ 1979). أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن في جامعة عين شمس (1979 ـ 1983)، وجامعة الملك سعود (1983 ـ 1988)، وجامعة الكويت (1988 ـ 1989). ويعمل أستاذًا غير متفرغ في جامعة عين شمس (1988 - حتى الآن). كما عمل أستاذًا زائرًا بجامعة ماليزيا الإسلامية في كوالالامبور وفي أكاديمية ناصر العسكرية. المستشار الأكاديمي

(13)

للمعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن (1992 ـ حتى وفاته). عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في ليسبرج في فيرچينيا في الولايات المتحدة الأمريكية (1993 - حتى الآن). مستشار تحرير عددٍ من الحَوْليات التي تصدر في مصر وماليزيا وإيران وأمريكا وإنجلترا وفرنسا.

[7]. 1- “نهاية التاريخ: مقدمة لدراسة بنية الفكر الصهيوني”، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (القاهرة 1972)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت 1979).

دراسة في فلسفة التاريخ الصهيوني، نذهب إلى أن الفلسفات الفاشية تحاول دائمًا أن تضع نهايةً للتاريخ (الزمان والمكان) وأن تبدأ من نقطة الصفر، وهذا ما يصنعه الصهاينة بالنسبة لكل من الفلسطينيين ويهود العالم، إذ تتحول فلسطين العربية إلى إرتس يسرائيل أو صهيون، أي “أرض بلا شعب”، أما يهود العالم فهم أشخاص مقتلعون لا وطن لهم فهم “شعب بلا أرض”، ويتوقف تاريخ فلسطين (التي تنتظر أصحابها الأصليين، أي اليهود)، كما يتوقف تاريخ يهود العالم (فهم يعيشون في “المنفى” ويتوقون للعودة إلى وطنهم القومي الأصلي!)، وحين يضع الصهاينة نهايةً للتاريخ فهم لا يختلفون كثيرًا في هذا عن النازيين الذين أوقفوا تاريخ كل العناصر التي قرروا أنها تعيق تطور الشعب العضوي (الفولك).

2- “موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية: رؤية نقدية”، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية (القاهرة 1975).

هذا العمل هو بداية الجهد الموسوعي للمؤلف، إذ اكتشف ما سماه “جيتوية المصطلح الصهيوني”، وهي أن كل المصطلحات بل المفردات التي ترد في الكتابات الصهيونية لها معنى محدود يختلف عن معناه في النصوص الأخرى.

(14)

وهذه الموسوعة هي محاولة أولية لحصر هذه المصطلحات والمفردات وتحديد معناها واسترجاع البُعد العربي/ النقدي لها.

3- “الفردوس الأرضي: دراسات وانطباعات عن الحضارة الأمريكية”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (بيروت 1979).

دراسة في الحضارة الأمريكية، هي في واقع الأمر دراسة في الحداثة الغربية ومفهوم التقدم واليوتوبيا التكنولوجية. ترى الدراسة أن الإنسان الأمريكي إنسان مادي بالمعنى الفلسفي، يحلم بأن يؤسس فردوسًا أرضيًا بحيث يتحكم في كل جوانب حياته الأرضية أو الزمنية، ولكن ينتهي به الأمر إلى أن يعيش في الجحيم، لأن من يحاول التحكم بكل جوانب الواقع هو إنسان إمبريالي يحاول أن يتأله، فمثل هذا الإنسان يحكم على نفسه بالتعاسة والبؤس الشديدين. ويضم الكتاب دراسةً في التشابة بين الوجدان الأمريكي والوجدان الصهيوني، كما يضم دراسات مطولة عن حركة تحرير المرأة التي تنبأ الكاتب آنذاك أنها ستكتسب مركزيةً متزايدةً في حياة الإنسان الغربي. ويرى الدكتور المسيري أن فكر التمركز حول الأنثى فكر حلولي يسعى إلى إلغاء الثنائيات والاختلافات بين الجنسين، ويهدف إلى تصعيد الصراع بينهما. وهو سيضم كل هذه الدراسات (إلى جانب دراساته عن الشاعر الأميركي وولت ويتمان ودراسات جديدة أخرى عن أدبيات الأزمة الأمريكية) في كتاب لاحق عن الحضارة الأمريكية، صدر عام 1999.

4- “إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد”، (القاهرة 1993، مجلدان؛ واشنطن 1996، مجلدان؛ القاهرة 1998، سبعة مجلدات)، نقابة المهندسين، القاهرة؛ المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن والقاهرة، تأليف وتحرير، سبعة مجلدات.

ليكتب كل دراسة في حقل تخصصه، عن التحيزات التي وجدها أثناء بحثه، وإمكانية تجاوز هذا التحيز. وكانت الثمرة مؤتمرًا عُقد في القاهرة عام 1992 في

(15)

نقابة المهندسين. يضم المجلد الأول “فقه التحيز” وهو المقدمة الطويلة التي كتبها الدكتور المسيري لهذا العمل وبيّن فيها أسباب التحيز وأشكاله وكيفية تجاوزه دون إلغائه، كما تضمنت بقية المجلدات فكر الدكتور المسيري والنموذج المعرفي الكامن في دراساته في مقالين: الأول للدكتور إبراهيم البيومي غانم بعنوان “إدراك التحيز في الفكر العربي الحديث”، أما الثاني فكتبه الأستاذ حسام الدين السيد بعنوان “التحيز والتفسيرات المادية”.

5- “موسوعة العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”: حين انتهى الدكتور المسيري من “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد” وجد أنه من المفيد أن يتأمل في إنجازه، وأن يحاول أن يعلق عليه، ويستخلص منه النتائج الفلسفية والمنهجية. انظر عرضنا وتحليلنا في فصل العلمانية.

6- “الحداثة وما بعد الحداثة”: من الموضوعات التي أصبحت مركزيةً في فكر الدكتور المسيري قضية ما بعد الحداثة، وقد كتب عنها دراسات كثيرةً سيضمها في كتاب واحد. وهو يرى أن ما بعد الحداثة لا تشكل انحرافًا عن الحضارة الغربية، وإنما هي كامنة في منظومة الحداثة نفسها وما يسميه “نزعتها التفكيكية”، لأنها جعلت من قوانين المادة الطبيعة معيارًا لكل شيء، بما في ذلك الظاهرة الإنسانية. ولكن القانون الطبيعي لا يعترف بأية مطلقات، إذ إنه يقوم بتفكيك كل شيء بما في ذلك الإنسان. ومع تفكيك كل شيء نصل إلى العدمية الكاملة أو إنكار المركز، إلهيًا كان أم إنسانيًا، وإنكار القيمة، بل الحقيقة، ومن ثم المقدرة على الحكم، أي إننا وصلنا إلى مرحلة ما بعد الحداثة واللاعقلانية المادية.

تتضمن هذه الدراسة مجموعةً من الفصول، فيضم الفصل الأول دراسةً مقارنةً بين التحديث والحداثة وما بعد الحداثة (في المجال الفلسفي والنفسي وفي موضوع المعنى والترشيد وفي الحقل الجمالي)، كما يضم دراسةً في الموقف

(16)

اللغوي بعد ظهور ما بعد الحداثة وعلاقة الدال بالمدلول (اللغة الواحدية واللغة المجازية) وبعض الدراسات الخاصة بأصول ما بعد الحداثة في التراث الغربي، ودراسةً عن الجسد والجنس كصور مجازية نهائية في الحضارة الغربية الحديثة. وقد أصدر حوارًا حولها في كتاب مشترك مع المفكر التونسي فتحي التريكي يحمل هذا العنوان.

7- “الحلولية الكمونية: الروحية والمادية”: هذه الدراسة ستتعرض للنموذج الكامن وراء دراسات الدكتور المسيري الذي ينطلق من التمييز بين الإنسان والطبيعة، وستتناول الدراسة ما يلي: السبئية ـ الفيضية ـ الإنسان الأكبر ـ اسبينوزا وهيجل وعلاقتهما بالحلولية الغربية ـ نيتشه ـ الحلولية والفلسفة الغربية ـ الغنوصية ـ القبالاه ـ الحلولية اليهودية ـ ابن رشد ـ ابن عربي ـ علاقة الحلولية بمفهوم الجماعة الوظيفية والعلمانية الشاملة ـ الحلولية ونهاية التاريخ ـ الحلولية وما بعد الحداثة. وستتناول الدراسة موضوعات أخرى على علاقة بالموضوع مثل النقد الأدبي والواحدية المادية وعلاقة الحلولية بالمادية.

8- “الجماعة الوظيفية: دراسة حالة”: يطرح الدكتور المسيري في هذه الدراسة مفهوم الجماعة الوظيفية، ويطبقه على تاريخ الجماعات اليهودية. كما تتضمن الدراسة رأي ماركس وإنجلز وفيبروسومبارت في أصول الرأسمالية. ويشير الكتاب إلى قضية الدولة الصهيونية باعتبارها دولةً وظيفيةً. ورغم أن الكتاب يتناول الجماعات الوظيفية اليهودية إلا أنه يقدم مفهوم “الجماعة الوظيفية” باعتباره أداةً تحليليةً أكثر تفسيريةً وتركيبيةً من مفهوم “الطبقة” التقليدي.

9- “سيرة غير ذاتية غير موضوعية”: وهي دراسة موسعة في مجلد ضخم يتناول فيها المسيري كل ما يتعلق بحياته في الجانب الذي يرى أنه يخص القارئ، مما يتعلق بحياته الفكرية وانتقاله من العلمانية الشاملة إلى العلمانية الجزئية، ومن

(17)

القرية إلى المدينة، ومن دراسة الشعر الرومانتيكي إلى دراسة الصهيونية وتاريخ الأفكار. فقد كتب سيرته الذاتية التي تحاول أن تؤرخ لتطوره الفكري، ولذا فقد أطلق عليها عبارة “سيرة غير ذاتية”، فهي سيرة لا تضم حياة فرد، بل هي سيرة مفكر عربي إسلامي، ولكنها في الوقت نفسه تتضمن الحقائق الخاصة بفرد معين له أبعاده الخاصة جدًا، ولذا فهي أيضًا “سيرة غير موضوعية”.

10- “معالم الخطاب الإسلامي الجديد: مشروع وحوار”: دراسة عن معالم الخطاب الإسلامي الجديد نُشرت بالعربية (المسلم المعاصر، العدد 86، ديسمبر 1997 ـ يناير 1998؛ وفي كتاب عزام التميمي “الشرعية السياسية في الإسلام” (لندن 1997))، كما نُشرت بالإنجليزية في مجلتي الأهرام ويكلي (1997).

(18)

 

 

 

 

 

الفصل الأول

فقه التحيُّز

(19)

 

إن إشكالية التحيز، أو ما يطلق عليه المسيري “فقه التحيز” هي كما يذكر “رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد” في “المنهج” وفي “المصطلح”. وهي قضية تواجه الباحث أينما كان في أرجاء العالم، خاصةً في العالم الثالث. فالباحث ينشأ في بيئة حضارية وثقافية لها نماذجها المعرفية، ويجد أمامه نماذجَ مختلفةً مهيمنةً، تفرض حضورها على مجتمعه وعلى وعيه، وهي نماذج ثبت نفعها في واقعها الذي صدرت عنه، وهو العالم الغربي، عبر التراكم المعرفي في المجالات المختلفة الاقتصادية والسياسية، وإن كان لها جوانبها السلبية في مجالات أخرى. وعلى هذا فهي ليست نافعةً في شعوب مجتمعات أخرى غير غربية. وبالتالي فإن هذه النماذج ليست قادرةً على التفاعل مع واقع هذه المجتمعات أو الإسهام في تفسيره وتغييره، وربما تؤدي إلى العكس، أي إلى مسخه وتشويهه وتخلفه وتبعيته وتدميره، ذلك أن الشعوب غير الأوروبية الخاضعة للتبعية تخلت عن تحيزاتها الخاصة، النابعة من واقعها التاريخي والإنساني والوجودي، وبدأت تتبنى تحيزات غيرها حتى وإن كانت ضدها، بل أكتر من ذلك بدأت تنظر إلى نفسها عبر النماذج التي فرضها الآخر.

نستنتج من هذا الفهم الذي يقدمه المسيري في مقدمة المجلد الذي أشرف عليه عن التحيز، أن قضية التحيز أو قضية المنهج قضية عامة لدى الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، الذين يستخدمون مفاهيم ومصطلحات ومناهج غربية، وهي متمثلة في نماذج حضارية أصبح لها السيادة والنفع العملي في البلدان الغربية في بعض المجالات، إلا أنها غريبة عن مجتمعات العالم الثالث التي تستخدم نفس المناهج دون أن تدرك تحيزاتها.

ومن هنا كانت دعوة المسيري وعدد من زملائه إلى ما أطلق عليه “فقه التحيز”. وهو يوضح لنا أن القيم المعرفية الغربية تتخذ شكل نماذج أو استعارات معرفية

(20)

كامنة، وأن تبني هذه الاستعارات لا يؤدي بالضرورة إلى تبني كل هذه الأفكار، وإنما يخلق ترابطًا اختياريًا elective affinity بين الباحث، وهذه الأفكار هي تربة خصبة يمكن لها أن تنمو فيها وتترعرع. لذا، يجد الباحث نفسه متحيزًا لبعض الظواهر والأفكار، ويهمل أو يستبعد تمامًا بعضها الآخر، مما يقع خارج نطاق الاستعارات والنماذج الكامنة. وكثير من هذه الاستعارات المعرفية الكامنة تأتي جاهزةً من الغرب، وهي بالطبع لا تتسم بالبراءة أو الحياد.

ومن هنا كانت الدعوة إلى تأسيس ما أطلق عليه “فقه التحيز”؛ وذلك من أجل التعريف بقضية التحيز أولًا، وتوضيح التحيز الكامن في المناهج العلمية ثانيًا، وبيان كيف تعمل آليات التحيز وكيف توجه الباحث نحو نتائج معينة، وتستبعد أخرى ثالثًا؟ ومن أجل هذا يرى أن على الباحثين غير الأوروبيين من وجهة نظره:

- البحث في الإنسان والنماذج المعرفية البديلة التي تتم صياغتها واستخدامها في مجتمعات غير غربية.

- الإسهامات الغربية في نقد النماذج السائدة.

- تأكيد زمنية ومحلية الأفكار الغربية.

يدعو المسيري ويلح، كما يظهر لنا على أهمية وضرورة البحث في نماذج حضارية عربية إسلامية مقابل النماذج السائدة والمهيمنة التي لا تعبر ولا تنبع من واقع الشعوب والمجتمعات العربية الإسلامية. وهو يدرك أن هذه النماذج قد تكون، أو من الممكن، بل من الحتمي، أن تعبر بدورها عن تحيزات، ومن هنا وبوعي الباحث الحضاري الإنساني العلمي الملتزم يبين:

- ضرورة أن يفصح كل باحث عن تحيزاته ويوضحها للقارئ؛ حتى يعيها ويتجاوزها بوعي.

(21)

- أن لا تكون هذه النماذج الجديدة بديلًا عن النماذج السائدة بل أقرب إلى المجتمعات التي نبعت فيها والتي تسعى لفهمها وتفسيرها.

- أن تقوم النماذج المقترحة بنقد النماذج القديمة والإضافة إليها وتوسيع حدودها إلى حضارات وشعوب غير أوروبية حتى تتحول إلى نماذج إنسانية.

وهو يضيف ويؤكد أن وجود صوت عربي إسلامي مستقل ونماذج معرفية قد تتفق مع وقد تختلف عن النماذج الغربية السائدة، لا يضمر أي إنكار لقيمة الحضارة الغربية. ويبين لنا، وتلك مسألة غاية في الأهمية، فيما يطرحه كيفية التحول والانتقال من النماذج الحضارية الغربية المتحيزة إلى نماذج عربية إسلامية حضارية بديلة؛ وذلك من خلال القيام بعمليتين بعد تقديم رؤية للتحيز في المجال العلمي وقبل تحديد النتائج العامة، وهاتان العمليتان هما:

1- استخدام النموذج المتحيز المرفوض؛ لبيان مدى قصوره في إعادة النظر في عناصره وإعادة بنائها من جديد.

2- تحديد النموذج المعرفي المقترح وبيان مبررات اختيار تطبيقه.

يقدم لنا المسيري مثالًا على ذلك بـ”التقدم”، وهو مفهوم محوري في الفكر الغربي (المادي) الذي ظهر انطلاقًا من النزعة الإنسانية والمنفعة واللذة. ويستخدم هذا المفهوم لتقييم ما حدث مثلًا في مدينة عربية ما، خلال العقدين الماضيين، يقول: إذا أردنا معرفة تقدمها هنا؛ تدور التساؤلات حول الإنجازات، وحول الاستهلاك في الطاقة أو الطرق الجديدة، وتغيب التساؤلات عن تماسك الأسرة وتآكل الأشكال الفنية الشعبية، تلك هي الرؤية الغربية. ويرى أن النموذج الجديد قد يحاول أن يوسع من مفهوم التقدم، بل ربما يجد أنه من الضروري التخلي عنه تمامًا، فمصطلح “التقدم” هو ترجمة لمفهوم غربي، أي نابع من تربة غربية ومرتبط

(22)

بمرحلة محددة في التاريخ الغربي، وليس له صلاحية وشرعية تتجاوز الزمان والمكان. وعن طريق النموذج الجديد والمفهوم الجديد سيتم رصد ما يحدث بطريقة أكثر تركيبًا، بل يمكن القول إن النموذج الجديد سيكون أكثر موضوعيةً، لأنه لا يحاكم الواقع (العربي) من منظور غريب (غربي)، وإنما يحاول رصده ووصفه بكل تركيبته.

إن هدف المسيري، كما يظهر لنا، هو اكتشاف بعض التحيزات الغربية الكامنة في مصطلحاتنا ومناهجنا وأدواتنا البحثية وقيمنا المعرفية، واقتراح مصطلحات ومناهج وأدوات وقيم معرفية بديلة تتسم بأكبر قسط من الاستقلال والحيادية. وإذا كان التقدم يعني “اللحاق بالغرب”، ويفترضه الغرب قيمةً مطلقةً وغايةً، فإن التقدم والتخلف يتم تحديدهما وفق هذا المنظور، فإذا اقتربنا من الغرب صرنا أكثر تقدمًا، وإذا ابتعدنا صرنا أكثر تخلفًا. ويقدم لنا مثلًا للاجتهاد في هذا المجال، بتقديم نموذج مختلف للتقدم، قدمه المفكر الاقتصادي عادل حسين الذي رفض النموذج الغربي للتقدم، وقدم تعريفًا جديدًا له باعتباره القدرة على تحديد نمط الاستهلاك الملائم بمعايير مستقلة، وبالتالي تحديد مضمون النمو الاقتصادي وابتكار التوليفات التكنولوجية اللازمة لإنتاج هذا المضمون.

يؤكد صاحب “فقه التحيز” ضرورة التركيز على التحيزات الغربية الكامنة في المناهج والأدوات التي يستخدمها الباحثون العرب، والتي يعتبرها أكثر التحيزات شيوعًا وخطورةً؛ لأنها تُقدَّم ليس باعتبارها نتاج المحلية الأوروبية، ولكن باعتبارها عالميةً كونيةً. إن المهم فيما يقدمه المفكر الإسلامي ليس هو التأكيد على الطبيعة الإبداعية لرفض التحيز فقط بل تعريف القارئ بالعملية التي يتم من خلالها التعرف على التحيز وتجاوزه، وهو ما لا يمكن إنجازه دون أن يتابع القارئ بنفسه عملية الانتقال من النموذج المرفوض (المتحيز) إلى النموذج الجديد (المستقل). يقول: “ومن هنا تنبع أهمية تناول النموذج المرفوض وعملية الانتقال، ومن خلال مشاهدة

(23)

العملية ذاتها، لا ثمرتها فحسب، فإننا يمكننا إثراء الفكر العربي الحديث، لا برؤية جديدة وحسب وإنما أيضًا بمنهج جديد؛ إذ إن القارئ سيمكنه أن يستخلص بعض القواعد التي يستطيع عن طريقها اكتشاف مواطن التحيز في مناهج وأدوات وقيم لم يتم تناولها في هذا الكتاب. وقد يكون من المفيد مقارنة النموذجين، المتحيز والمستقل، من منظور مقدرتهما التفسيرية التنبؤية”.

علينا أن نتوقف في التناول التحليلي عند تعريف التحيز، كما يفهمه المسيري، فهو يرى لكل شيء، ولكل واقعة وحركة، بعدًا ثقافيًا معبّرًا عن نموذج معرفي وعن رؤية معرفية. والنموذج: هو صورة عقلية مجردة ونمط تصوري وتمثيل رمزي للحقيقة، وهو نتيجة عملية تجريد (تفكيك وتركيب)، إذ يقوم العقل بجمع بعض السمات من الواقع فيستبعد بعضها ويبقي بعضها الآخر، ثم يقوم بترتيبها حسب أهميتها ويركبها، بل أحيانا يضخمها بطريقة تجعل العلاقات تشكل ما يتصوره العلاقات الجوهرية في الواقع، وتتفاوت درجات الاختزالية، ويمكن للنموذج أن يكون اقتصاديًا ماديًا، ومن ثم يستبعد من حساباته العناصر غير الاقتصادية المادية. ويمكن أن يكون نموذجًا حضاريًا، بمعنى أن النموذج يصل لمجموعة العلاقات التي تشكل حضارة ما، ويعكس صورةً ذهنيةً لمنتجاتها الحضارية.

ولكل نموذج بُعدُه المعرفي، أي إن خلف كل نموذج (وخلف عمليات الإبقاء والاستبعاد والتركيب والتضخيم) معاييره الداخلية التي تتكون من معتقدات وفروض ومسلمات وإجابات عن أسئلة كلية ونهائية، تشكل جذوره الكامنة وأساسه العميق، وتزوده ببعده الغائي، وهي جوهر النموذج والقيمة الحاكمة التي تحدد النموذج.

والتحيز ـ كما يؤكد لنا المسيري ـ فيما أسماه قواعد فقه التحيز الحتمي، ويحدد قواعده على النحو التالي:

القاعدة الأولى: 1- التحيز مرتبط ببنية عقل الإنسان ذاتها، الذي لا يسجل

(24)

تفاصيل الواقع كالآلة الصماء بأمانة بالغة ودون اختيار أو إبداع، فهو ليس سلبيًا وإنما فعال، ولذا فهو يدرك الواقع من خلال نموذج فيستبعد بعض التفاصيل، ويبقي بعضها الآخر، ويضخم بعض ما يتبقى ويمنحه مركزيةً ويهمش الباقي. والعملية الإدراكية هذه ليست عشوائيةً وإنما تتبع أنماطًا يمكن اكتشاف بعض جوانبها.

2- التحيز لصيق باللغة الإنسانية نفسها، فلا توجد لغة إنسانية واحدة تحتوي على كل المفردات الممكنة للتعبير عن الواقع بكل مكوناته؛ أي إنه لا بد من الاختيار. كما ثبت أن كل لغة مرتبطة إلى حد كبير ببيئتها الحضارية وأكثر كفاءةً في التعبير عنها.

3- كل هذا يعني، في واقع الأمر، أن التحيز من صميم المعطى الإنساني ومرتبط بإنسانية الإنسان، أي بوجوده، ككائن غير طبيعي لا يرد إلى قوانين الطبيعة ولا ينصاع لها.

والقاعدة الثانية هي أن التحيز قد يكون حتميًا، ولكنه ليس بنهائي. وهذه الحقيقة (حتمية التحيز وارتباطه بالإنساني والثقافي) لا تؤدي بالضرورة إلى الاكتئاب والحزن. فالتحيز ليس بعيب أو نقيصة، بل على العكس يمكن أن يجرد التحيز عن معانيه السلبية، ومن ثم توضع إشكالية التحيز على مستوى مختلف تمامًا. فبدلًا من أن أضع تحيزي في مقابل تحيزهم، يصبح التحيز هو حتمية الفرد والاختيار الإنساني، وهذه مفارقة، ولكن هكذا حياة الإنسان.

ويحدد لنا عدة أنواع للتحيز على النحو التالي:

1- هناك التحيز لما يراه الإنسان على أنه الحق، وهذا هو الالتزام. والإنسان المتحيز للحق والحقيقة يمكن أن يتحمس لهما وينفعل بهما.

2- وهناك التحيز للباطل، وهذا يأخذ أشكالًا مختلفةً، فهناك التحيز للذات،

(25)

حين يجعل الإنسان نفسه المرجعية الوحيدة المقبولة، فتسقط فكرة الحق المتجاوز، ولا يمكن محاكمة الإنسان من أي منظور. ويرتبط بهذا فكرة التحيز للقوة، فإن كان الإنسان منتصرًا فإنه يفرض إرادته، أما إذا انهزم فإنه يتحول إلى واقعي (برجماتي) يرضى بأحكام الآخر، ويخضع له دون إيمان بأن ما يقوله الآخر هو الحق، فالقوة هي المرجعية الوحيدة. ويرتبط بكل هذا التحيز للسلطان، فهو تحيز يعبّر عن التخلي الكامل عن ذاتية الإنسان وعن اختياراته الحرة، بحيث يصبح السلطان هو المرجعية.

3- وهناك تحيز واعٍ واضح، وآخر غير واعٍ “كامن”. أما التحيز الواعي، فهو تحيز من يختار عقيدةً بعينها (أيديولوجية) ثم ينظر للعالم من خلالها، ويقوم بعملية دعاية وتعبئة في إطارها. أما التحيز غير الواعي، فهو أن يستبطن الإنسان منظومةً معرفيةً بكل أولوياتها وأطروحاتها، وينظر للعالم من خلالها دون أن يكون واعيًا بذلك.

4- ويمكن تصنيف التحيز من ناحية حدته، فيمكن أن يكون التحيز حادًا واضحًا، كما هو الحال في الأدب الواقعي الاشتراكي السوفياتي، حيث كانت الطبقة العاملة تحقق دائمًا الانتصار، وكانت البورجوازية دائمًا هابطةً منحلةً في طريقها إلى الاختفاء لتحل محلها القوى الصاعدة. لكن هناك دائمًا المثقف البورجوازي الواعي بقانون التاريخ الذي كان يدرك أن الطبقة العاملة هي الطبقة الصاعدة.

5- وهناك تحيز داخل التحيز، أي حين يتبنى الباحث رؤيةً معينةً محددةً من داخل نموذج معرفي متكامل تصبح تحيزاته أكثر اتساعًا. ويظهر التحيز داخل التحيز في عملية التركيز على أفكار بعينها دون غيرها داخل المنظومة موضع البحث.

6- وهناك العكس أيضًا، أي أن يتبنى الباحث لعدد من الأفكار التي تنتمي إلى أنساق معرفية مختلفة متناقضة، يتبناها كلها دون تمييز أو تفريق بسبب غياب الرؤية المعرفية العميقة.

(26)

7- هناك تحيز جزئي وآخر كلي. فالتحيز لعنصر واحد أو لشيء ما، كما يحدث حينما يعجب كاتب غربي بكاتب أو طراز شرقي، فلا يتبنى الرؤية الكلية لحضارة هذا الكاتب أو ذاك الطراز، وإنما يتبنى تلك العناصر التي تروق له والتي يمكنه استيعابها في رؤيته للكون، فهذا التحيز يعتبر تحيزًا جزئيًا. ويمكننا القول بأن النوع الجزئي من التحيز هو تحيز الشخص الواثق من نفسه ذي الهوية الواضحة، الذي يدور في إطار رؤيته ويقف على أرضيتها، وله تحيزاته المحددة، ثم ينظر إلى العالم ويأخذ منه ما يريد.

8- من أهم التحيزات الجديدة التي ليس لها نظير في الحضارات السابقة ما نسميه “تحيز واقعنا المادي ضدنا”، فالاستعمار الغربي قد دخل بلادنا وهدم منازلنا التي تعبر عن هويتنا، ثم هدم مدننا القديمة بتخطيطها الذي يعبر عن منظومتنا القيمية، ثم بنى مدنًا تعبر عن منظومته القيمية، مثل: السرعة والكفاءة والتنافس. فالشوارع واسعة حتى يمكن للسيارات الكثيرة أن تسير فيها بسرعة.

يعرض المسيري النموذج الحضاري العربي باعتباره من أهم أشكال التحيز وأكثرها شيوعًا في العالم، ويقدم لنا عددًا من الأمثلة، مثل: ارتداء رابطة العنق، غرفة الطعام والصالون المذهب، وكثرة الأثاث، بناء الجامعات من الحجر في وسط الصحاري ووضع التكييف فيها بعد أن كانوا قد بنوا بيوتهم على الطراز الفرنسي والإيطالي الحديث، شبه الفرنسي وشبه الإيطالي وشبه الحديث، ثم “ستروها” بأسوار عالية حتى يطبقوا الشريعة. وهكذا، كما تتصارع غرفة المائدة مع متطلبات الأسرة، يتصارع الطراز الحديث (المكشوف) مع طلب الستر من المستهلكين “الإسلاميين”، ولا يهم طبعًا الاغتراب الناجم عن أن تعيش في طراز معماري لا ينتمي إلى معجمك الحضاري، بل إن لافتات الشوارع الآن تكتب بالكمبيوتر، بينما كنا في السابق ندرس فن الخط العربي في المدارس، ولكنا أدركنا ما يسمى بالتقدم، فأُلغيت هذه الحصة، وأُلغي معها إدراك أن الخط فن، وظهرت أجيال لا

(27)

تدرك هذا أساسًا. بل هناك بعض فناني الخطوط يتحرجون من ذكر أنهم خطاطون، فالخطاط الآن هو من يكتب بخط الكوكاكولا والسافو. ويمكن أن نقول: إن هذا إهمال وعدم اكتراث بالتراث، وهو بالفعل كذلك. لكن تعمق قليلًا، وستجد أننا تبنينا رؤيةً للفن استوردناها من الغرب، ولأن فن الخط ليس ضمن الفنون الغربية الجميلة، فقد ضمر فن الخط هنا، وهو من أهم الفنون العربية، لا لسبب إلا لأنهم هناك لا يعترفون به فنًا.

إننا - عند المسيري - تركنا تراثنا، وتبنينا الآخر بكفاءة عالية، فلنا تراثنا ولهم تراثهم، ولنا حضارتنا ولهم حضارتهم. لقد تبنينا نموذجهم الحضاري والتهمنا منتجاتهم الحضارية، ووضعناها في بيئتنا التي نتصارع معها.

من الحقائق الأساسية التي تجابه الإنسان في القرن العشرين أن النموذج الحضاري الغربي أصبح يشغل مكانًا مركزيًا في وجدان معظم المفكرين والشعوب، وليس من المستغرب أن يحقق نموذج حضاري له مقدرات تعبوية وتنظيمية مرتفعة (بسبب بساطته وماديته) انتصارات باهرة، على المستويين المعنوي والمادي، في مراحله الأولى. وقد ترجمت انتصارات المشروع الحضاري الغربي نفسها إلى إحساس متزايد بالثقة بالنفس من جانب الإنسان الغربي، وإلى إيمانه بأن رؤيته للعالم هي أرقى ما وصل إليه الإنسان، وأن كل التاريخ البشري يصل إلى أعلى مراحله في التاريخ الغربي الحديث، وأن كل العلوم الغربية علوم عالمية، وأن النموذج الحضاري الغربي يصلح لكل زمان ومكان، أو على الأقل في العصر الحديث.

وينتقل بعد ذلك لبيان هيمنة النموذج الحضاري الغربي في مجتمعاتنا. فنتيجة بساطة النموذج المعرفي العقلاني الغربي، ونتيجةً لبساطة النموذج المعرفي العقلاني الغربي وجاذبيته، ونتيجةً لانتصاراته المعرفية والعسكرية، أصبحت محاولة اللحاق

(28)

بالغرب هي جوهر جميع المشروعات النهضوية في العالم الثالث، بما في ذلك العالم الإسلامي. ويتضح هذا أكثر ما يتضح في الفكر العلماني الليبرالي، فهو فكر قد حدد “النهضة” ابتداءً بأنها: نقل الفكر الغربي والنظريات الغربية بأمانة شديدة، وتَقَبُّل النموذج الحضاري الغربي بكل مزاياه وعيوبه.

والتيار الثاني: هو التيار الشيوعي والاشتراكي (اليساري) العربي. فعلى الرغم من أن موقف اليساريين العرب موقف نقدي من الرأسمالية والليبرالية السياسية والاقتصادية الغربية، إلا أنهم يصدرون تقبلًا مبدئيًا للنموذج المعرفي والحضاري الغربي الكامن وراء كل تجليات الفكر الغربي ومؤسسات الحضارة الغربية. ولذا، لا ينصرف النقد اليساري للحضارة الغربية إلا إلى جوانب التنظيم السياسي والاقتصادي، ولا يمتد أبدًا إلى النموذج الحضاري أو المعرفي ذاته.

وقد شهد النموذج الحضاري الغربي شكلًا من أشكال التراجع في العالم العربي من الأربعينيات. ويتمثل هذا في ظهور حركات إسلامية وجماعات اشتراكية قومية، وكل هذه الحركات ـ في جناحيها اليميني واليساري - تفترض بشكل أو بآخر قصور النموذج الحضاري الغربي، ومن هنا: الحديث عن الهوية العربية وتأكيد أهمية التراث (القومي والديني). لذا، نجد أن هذا التيار إن هو إلا محاولة أخرى لتبني النموذج الغربي الذي يأخذ هذه المرة شكل إعادة صياغة للهوية من الداخل على أسس غربية، مع الحفاظ على هيئتها الخارجية العربية. ويعاد اكتشاف التراث من منظور غربي، بل تعاد صياغته بأثر رجعي، فنكتشف أن المعتزلة عقلانيون، وأن الجرجاني أسلوبي، وأن الفن الإسلامي تجريدي، وأن الاغتراب موجود في تراثنا في شعر الخوارج والصعاليك، وأن أبا العلاء سبق ديكارت في الشك الفلسفي، وأن ابن خلدون اكتشف 80% من قوانين المادية الجدلية.

والمدهش: أن محاولة اللحاق بالغرب لها أصداؤها العميقة في ما يطلق عليه

(29)

المسيري بعض الاتجاهات الإسلامية السطحية. فبعض المفكرين الإسلاميين يتقبلون النموذج الحضاري الغربي (أو جوانب كثيرة منه) عن وعي وعن غير وعي، بل يحولون هذا النموذج إلى المثال الذي يحتذى والنقطة المرجعية الصامتة، بحيث يصبح المشروع النهضوي الإسلامي بالنسبة إليهم هو أيسر الطرق للحاق بالغرب. هذا يعني أن الإسلام يكتشف شرعيته بمقدار اقترابه من النموذج الحضاري الغربي. وبالتدريج، يتم تغريب النموذج الإسلامي، بحيث يتفق مع النموذج الحضاري الغربي.

والسمة الأساسية لكل المشروعات الحضارية السابقة - رغم تنوعها واختلافها وتصارعها ـ أنها جعلت الغرب نقطةً مرجعيةً ومطلقةً، أي إنها استنبطت رؤية الغرب لنفسه ولمشروعه الحضاري، وأصبح الغرب هو هذا التشكيل الحضاري الذي سبقنا والذي علينا اللحاق به. ومن ثم تحول الغرب من بقعة جغرافية وتشكيل حضاري له خصوصيته ومفاهيمه إلى البقعة التي يخرج منها الفكر العالمي والإنساني الحديث. وقد أضفى هذا شرعيةً هائلةً على عملية اللحاق بأوروبا، إذ أصبح العلم الغربي الذي يسعى المثقفون العرب والمسلمون إلى تحصيله علمًا عالميًا حديثًا، وأصبح الرضوخ للغرب والتبعية الفكرية له يسمى بـ”الانتماء للعصر الحديث” و”التقدمية الموضوعية”.

ونتيجة لهذا الوضع: تحيز المثقفون العرب للتراث الغربي، وأهملوا تراثهم، بل أهملوا التراث العالمي ذاته. وأصبحت مهمة الباحث هي تلقي المعلومات التي يقال لها عالمية، والتي هي في واقع الأمر غربية، ثم إعادة إنتاجها على هيئة دراسات وكتب تظل حبيسة المفاهيم الغربية، وتساهم في تطوير المعارف والعلوم الغربية، وفي فصل الباحث عن مجتمعه وعن معجمه الحضاري والإسلامي والعربي. هذه الفئة من المتعلمين هي أخطر القطاعات الثقافية التي تقوم بعملية التغريب، وإعادة صياغة القيم وإشاعة النموذج الحضاري الغربي بكل تحيزاته.

(30)

فعصر النهضة في الغرب - كما تعلمون - في الكتب التي درسوها هو العصر الذي بعثت فيه الفنون والآداب ووضع الإنسان في مركز الكون. والثورة الفرنسية هي ثورة الحرية والإخاء والمساواة وإعلان حقوق الإنسان. والتقدم هو الحقيقة الأساسية في تاريخ البشر، وليس له أي ثمن فادح. ونيتشه هو فيلسوف الإنسان الأعظم (وليس فيلسوف اختفاء الإله والإنسان). والبنيوية والتفكيكية هي مدارس في التحليل الأدبي (وليست مناهج تضمر رؤيةً معاديةً للإنسان).

وبعد أن يقدم لنا عدة أمثلة للتحيز للنموذج المعرفي الغربي الحديث، والنموذج الحضاري عادةً ما يجسد نموذجًا معرفيًا متكاملًا يحتوي على منظومة قيمية، يتناول ثانيًا طبيعة النموذج المعرفي المادي.

والنموذج المعرفي الغربي الحديث (وهو نموذج عقلاني مادي) وهو أيضًا النموذج الكامن وراء معظم معارفنا وعلومنا وكثير من مواقفنا، هذا النموذج المعرفي هو أكثر النماذج المعرفية شيوعًا وسطوةً، لأن الاستعمار الغربي قام بهزيمة العالم واقتسامه، وبتدويل نموذجه الحضاري وفرضه على الكثير من المجتمعات، إما من خلال القمع أو الإغواء، أو حتى أحيانًا من خلال خاصية الانتشار، حتى أصبح الكثيرون يظنون أن هذا النموذج نموذج عالمي. ولذا فإن أكثر التحيزات شيوعًا في بلادنا، وفي أرجاء العالم هو التحيز لهذا النموذج المعرفي الغربي.

ويقدم لنا وصف هذا النموذج وما ينتج عنه من تحيزات:

(1) تبدأ المنظومة المعرفية الغربية (المادية الحديثة) بإعلان أن مركز الكون كامن فيه وليس متجاوزًا له، وهذا يعني أن الإله إما غير موجود أساسًا، أو أنه موجود ولا علاقة له بالمنظومة المعرفية والأخلاقية والدلالية والجمالية.

(2)  ظهرت، في البداية، الرؤية الإنسانية الهيومانية التي جعلت من الإنسان مركزًا

(31)

للكون، بل وألهته. ومنذ البداية كان هناك هدير الماديين؛ الذين يعرفون منطق الأشياء والقانون الطبيعي والبنية الواحدية للنماذج المعرفية المادية.

ونلاحظ هنا أن هذه المنظومة بدأت بسحب الأشياء (الطبيعية) من عالم الإنسان ووضعتها في عالم الأشياء الذي له قوانينه. ثم تم سحب الإنسان نفسه من عالم الإنسان، ووضعه في عالم الأشياء، حيث تم إخضاعه لقوانينها، أي القانون الطبيعي.

وانطلاقًا من كل هذا، تم طرح رؤية معرفية ورؤية أخلاقية، وتم تحديد الأولويات، ويلاحظ أن حركة البناء الفكري المادي تتجه دائمًا نحو تصفية الثنائيات التي نجمت عن الثنائية الدينية (الخالق/ المخلوق) وعن الثنائية الهيومانية (الإنسان/ الطبيعة).

وإذا انتقلنا من المنظومة المعرفية إلى المنظومة الأخلاقية، فإن العالم المادي لا يعرف المقدسات أو المطلقات أو الغائيات، وهدف الإنسان من الكون هو عملية التراكم والتحكم هذه، وهدف العالم السيطرة على الأرض وهزيمة الطبيعة وتسخير مواردها وتحقيق هيمنة الإنسان الكاملة عليها.

والقوانين الأخلاقية لا وجود لها إذ لا يوجد سوى المنفعة واللذة وتعظيم الإنتاج بهدف تعظيم الاستهلاك، وهذا في حركة دائرية تشبه العود الأبدي عند نيتشه أو مسرحية العبث أو الرؤية الوثنية للتاريخ كدوائر لا معنى لها.

ولا بد أن نضيف بعدًا أساسيًا لهذه المنظومة الفلسفية المادية كثيرًا ما تهمله الدراسات الغربية وغير الغربية، وهو أن هذه المنظومة على مستوى الممارسة التاريخية أخذت شكل الإمبريالية الغربية.

ويعرض بعد ذلك تحيزات النموذج المعرفي المادي على النحو التالي:

(1)  أهم التحيزات هو التحيز للطبيعي المادي على حساب الإنساني وغير المادي.

(32)

(2)  في هذا الإطار، ثمة تحيز للعام على حساب الخاص. والافتراض السائد أنه كلما تم تجريد الظواهر من خصوصياتها وارتفاع المستوى التعميمي ازددنا علميةً ودقةً.

(3) ثمة تحيز للمحسوس والمحدود وما يقاس والكمي على حساب غير المحسوس واللامحدود وما لا يقاس والكيفي.

(4) ثمة تحيز للبسيط والواحدي والمتجانس على حساب المركب والتعددي وغير المتجانس، فيتم التحيز للظواهر البسيطة والتفسيرات البسيطة التي ترد الظاهرة إلى مبدأ واحد أو متغير واحد أو متغيرين، ويتم تفسير السلوك الإنساني من خلال نماذج بسيطة.

(5) وهناك تحيز للموضوعي على حساب الذاتي، والالتزام بالموضوعية في هذا السياق يعني أن يتجرد الباحث من خصوصيته ومن التزامه الخلقي ومن عواطفه وحواسه وكليته الإنسانية، ويحول عقله إلى صفحة بيضاء وسطح شمعي يسجل الحقائق، ويرصد التفاصيل بحياد شديد وسلبية كاملة، بذلك تتحول الظاهرة موضع الدراسة إلى مجرد شيء.

(6) ويتبدى هذا التحيز المعادي للإنسان في هيكل المصطلحات، والمصطلح الأمثل هو المصطلح العام ـ الدقيق ـ الوصفي ـ الكمي الذي ينبذ المجاز.

(7) والتحيز للدقة البالغة (التي تصل إلى لغة الجبر والرياضة) هو تحيز للنموذج الطبيعي غير الإنساني ـ كما أسلفنا. ولكن هناك عنصر آخر ينبغي إدراجه إذ يجب أن ندرك أن التحيز، للدقة البالغة في التعريفات والمطالبة بأن تكون جامعةً مانعةً واضحةً، هو تحيز للمصطلحات الغربية.

(8) التحيز ضد الغائية والخصوصية المادية والانقطاع، والتحيز للاغائية

(33)

والعمومية والواحدية المادية والاستمرارية واللغة الرياضية، الهدف منه واضح: تيسير التحكم الإمبريالي في الواقع، فما يطبق عليه الواحدية المادية، أي ما يتم ترشيده، يمكن اختزاله وتبسيطه وتنميطه وإدخاله شبكة السببية البسيطة الصلبة، أما ما لا يمكن اختزاله أو تفسيره؛ فإنه يهمش ويوضع في خانات مختلفة مثل “غير طبيعي” و “غير مهم” و”فوضوي” و”لا يصلح موضوعًا للبحث”.

ويصل في الفقرة رابعًا إلى ما يسميه التحيز الأكبر أو “التقدم المادي”. فقد أصبح التقدم هو هدف كل الناس، التحديث يتم من أجل التقدم، والتنمية تتم من أجله، والهدف والبناء والمشاريع والخطط والانقلابات كلها تتم باسم هذا الشيء السحري.

وابتداءً، يجب أن ندرك أن التقدم هو الركيزة الأساسية للمنظومة المعرفية (المادية) الغربية الحديثة، وهو الإجابة التي تقدمها عن الأسئلة النهائية التي يواجهها الإنسان. وكما أسلفنا، التقدم هو الإجابة الغربية المادية عن السؤال الخاص بالهدف من وجود الإنسان في الكون، فهو قد وجد لإحراز التقدم. ولكننا لو دققنا النظر سنكتشف ما يلي:

أ‌. عملية التقدم (مثل الطبيعة/ المادة) ليس لها غائية إنسانية محددة أو مضمون أخلاقي محدد، فالتقدم (مثل الطبيعة/ المادة) مجرد حركة أو عملية.

ب‌. التقدم، بذلك، يصبح بلا مرجعية أو يصبح مرجعية ذاته، ومن ثم يصبح هو الوسيلة والغاية، فنحن نتقدم كي نحرز مزيدًا من التقدم (وهي عملية «لا نهائية»)، أي إن التقدم ليس حتميًا وحسب وإنما نهائي أيضًا.

ج‌. ولكن الحركة ليست محايدةً تمامًا ولا بريئةً تمامًا، فثمة تحيز كامل للرؤية كامن في مفهوم التقدم الغربي.

(34)

وفكرة التقدم باعتباره قانونًا عامًا طبيعيًا، والغرب باعتباره قمة التقدم، تؤدي إلى تقبل مسلّمة تفوُّق الغرب وعالميته وإطلاقه، ومسلّمة معيارية النموذج الحضاري والمعرفي الغربي، بحيث يصبح نموذجًا قياسيًا للبشرية جمعاء. كما ويرى أن علينا أن نلاحظ أن عائد التقدم محسوس ومباشر يمكن قياسه، أما ثمنه فهو غير محسوس وغير مباشر، ولا يمكن قياسه. كما يجب أن نلاحظ تداخل ثمرة التقدم مع ثمنه، تمامًا مثل تداخل التقاليد مع ثمرتها.

وينتقل المسيري نقلةً جديدةً في الفقرة خامسًا لطرح عدة تحيزات أخرى علينا، مثل:

1- النظرية الداروينية (والنيتشوية): يفصح التقدم عن وجهه المادي من خلال مجموعة من القيم الحاكمة الكبرى والنهائية لحياة الإنسان العلماني، مثل “الصراع من أجل البقاء” و”البقاء للأصلح والأقوى” و”الإنسان ذئب لأخيه الإنسان” و”الهجوم على أخلاق الضعفاء” و”تمجيد الإنسان الأقوى (السوبرمان)”، وهي قيم نابعة من الفلسفات المادية الغربية التي وصلت إلى قمتها في أعمال “داروين” و”نيتشه”.

2- تعبر نفس النظرة المادية (الداروينية النيتشوية) عن نفسها من خلال استعارة أساسية، مترادفة تمامًا مع مفهوم الطبيعة/ المادة، وهي رؤية العالم بأسره باعتباره سوقًا ومصنعًا.

3- الدولة المركزية: من التحيزات الكبرى النابعة من النموذج المعرفي الغربي التحيز لمفهوم الدولة القومية العلمانية المركزية.

4- حضارة استهلاكية عالمية: من أخطر إفرازات النموذج المعرفي (المادي)

(35)

  الغربي في المرحلة الأخيرة (مرحلة النظام العالمي والاستهلاكية العالمية) ما أسميه “الحضارة المادية العالمية الجديدة”. وهي حضارة قد تكون أصولها غربية (أو أمريكية) ولكن أشكالها “محايدة”، بمعنى أنها عديمة الانتماء واللون والطعم والرائحة، وتهدف إلى الإفصاح عن الإنسان الطبيعي (والطبيعة/ المادة).

وتعود خطورة هذه الحضارة إلى أنها تتوجه إلى شيء كامن في الإنسان، وهي رغبته الطفولية في فقدان الحدود والهوية والتحرك خارج جميع المنظومات إلا المنظومة الطبيعية المادية، بحيث يخضع الإنسان لقانون الجاذبية الأرضية (بالمعنى الحرفي والمجازي) وينسحب من عالم الجدل والتدافع والاختيارات الأخلاقية، فيأكل (الهامبورجر) ويلبس (التيشيرت).

ولا يكتفي المفكر الإسلامي بطرح النموذج الحضاري الغربي وبيان هيمنته؛ فيطرح علينا أمثلةً لذلك ويحلل طبيعة النموذج المعرفي المادي، ويعرض لنا صورًا وأشكالًا للتحيز، بل يعرض علينا آليات تجاوز التحيز ويحددها على النحو التالي:

أولا: إدراك حتمية التحيز وضرورة النقد الكلي.

(1)  بدأنا فقه التحيز بتأكيد القاعدة الأولى، وهي حتمية التحيز، ويمكن القول إن إدراك هذه الحقيقة هو ذاته أول خطوة لتجاوزه.

(2)  النقد الكلي: يجب ألا يقف جهدنا النظري لاكتشاف التحيز عند المستوى الجزئي أو التطبيقي، بل يجب أن ينصرف إلى مجمل البناء النظري الغربي.

ثانيًا: توضيح نقائص النموذج المعرفي الغربي:

لا يمكن أن نتحرر من قبضة النموذج المهيمن (النموذج الحضاري والمعرفي الغربي) إلا بعد توضيح نقاط ضعفه ومواطن قصوره:

(36)

(1)  نموذج معادٍ للإنسان: يجب أن ندرك أن المشروع المعرفي الغربي يضمر نزعات عدمية معاديةً للإنسان، فهو مشروع يصفي ظاهرة الإنسان كظاهرة متميزة في الكون (حتى تصفي كل الثنائيات) وهو ينكر على الإنسان أي خصوصية وينكر عقله مبدعًا وفعالًا، ومن ثم ينفي مركزيته في الكون (“استخلافه في الأرض” إن أردنا استخدام المصطلح الإسلامي).

(2)  استحالة المشروع المعرفي والحضاري الغربي: يجب أن نعرف أن المشروع الغربي لسد كل الثغرات وللتوصل إلى القانون العام مشروع مستحيل من الناحيتين المعرفية والعلمية.

(3)  دراسة أزمة الحضارة الغربية: لا بد من دراسة أزمة الحضارة الغربية في جميع أوجهها: فإذا كان الغرب قد حقق مطلقيته ومركزيته، من خلال الانتصارات المعرفية والمادية في المراحل الأولى من ظهور النموذج العقلاني والمادي، فقد حان الوقت لأن نعيد النظر في هذه الانتصارات والنجاحات، ونبين نقاط القصور التي ظهرت من خلال التطبيقات المختلفة لنموذجه المعرفي، خصوصًا ابتداءً من منتصف القرن التاسع عشر، وأن ندرس الأزمات الناجمة عن تبنيه وتطبيقه.

(4)  نماذجية الانحراف: بعد دراسة النموذج المعرفي الغربي وأزمته، لا بد وأن ندرس تجلياته المختلفة، وسنثير قضيةً مهمةً وهي ما يسمى “انحراف الحضارة الغربية” أو بعض الظواهر السلبية التي صاحبتها، والتي تصنف على أنها مجرد انحراف عن نموذج إنساني متقدم تقدمًا يعلي من شأن الإنسان. ومن هذه الظواهر التشكيل الإمبريالي الغربي والنازية والصهيونية. ولعل من أهم آليات تجاوز التحيز اكتشاف نماذجية هذه الظواهر، بمعنى أنها تعبر عن شيء أساسي في الحضارة الغربية (عن نموذجها الكامن) لا مجرد استثناء أو انحراف.

(37)

(5)  الفكر الغربي الاحتجاجي أو المضاد: كما أسلفنا دخلت الحضارة الغربية مرحلة الأزمة منذ منتصف القرن التاسع عشر، وفقدت كثيرًا من ثقتها بنفسها. وقد ظهرت أدبيات تعبر عن هذه الأزمة يمكن أن نسميها الفكر الاحتجاجي أو المضاد.

أ‌. الحداثة: ظهرت في الغرب دراسات كثيرة للغاية عن انتهاء الحداثة، وفشلها، وعدميتها ولا إنسانيتها وضرورة تجاوزها، وتوجد دوريات متخصصة في نقد الحداثة، كما توجد دوريات فلسفية وأدبية ذات توجه ديني مسيحي تنشر دراسات نقديةً متعمقةً في هذا الموضوع. ويوجد نقد للحداثة داخل الفكر الماركسي في غاية الأهمية (لوكاش ـ جراف ـ جيمسون ـ إيجلتون)، وفكر ما بعد الحداثة رغم عدميته يحوي نقدًا مهًما لكثير من جوانب المشروع التحديثي الاستناري الغربي.

ب‌. نظريات التنمية والتقدم: ظهرت دراسات عديدة عن مفهوم التنمية، كيف أنه مفهوم كمي لا يتعامل مع الكيف، ومادي لا يتعامل مع الإنسان، عام لا يتعامل مع الخاص والفردي ـ أي إنه قاصر عن الإحاطة بكثير من جوانب الظاهرة الإنسانية؟

ت‌. فكر أحزاب الخضر والمدافعين عن البيئة: وهو من أهم أنواع التفكير المضاد، فإذا كان الفكر الغربي المادي الحديث مبنيًا على لا-محدودية العقل ومقدرته على التحكم في الأرض وغزوها، فإن فكر المدافعين عن البيئة يصدر عن فكرة قصور العقل البشري، وعن فكرة التواؤم مع الكون، ومن ثم فإن منطلقاته تختلف تمامًا عن منطلقات العلم الغربي.

ث‌. المراجعات الجديدة للتاريخ الغربي: ظهرت دراسات تاريخية عديدة للتاريخ الغربي والفكر التاريخي الغربي تعيد النظر فيه وفي مسلماته. فأعيدت كتابة تاريخ الاستعمار من منظور الشعوب المقهورة، والتي أبيدت أو تلك التي فقدت

(38)

تراثها. ومن أهم الظواهر التي أعيد النظر فيها ظاهرة الثورة الفرنسية، فقد ظهرت عشرات الكتب الجديدة عن الثورة الفرنسية أساسًا باللغتين الإنكليزية والفرنسية.

ج‌. الأزمة المعرفية في العلوم الطبيعية: من أهم التخصصات التي عبر التفكير المضاد عن نفسه من خلالها الفكر الفلسفي في العلوم الطبيعية. فعلم القرن التاسع عشر كان منطلقًا من الإيمان بالسببية البسيطة وبإمكانية (التحكم الإمبريالي) الكامل بالواقع بأن رقعة المجهول تتناقص نتيجةً لتزايد رقعة المعلوم.

ثالثًا: نسبية الغرب: وعملية النقد ليست عمليةً سلبيةً، الهدف منها هو الفضح والتفكيك (فهذا أمر جدير بالعدميين من دعاة ما بعد الحداثة)، وإنما هي أساسًا عملية تهدف إلى الفهم المتعمق، الذي يجعل من الممكن فرز محتويات الترسانة المعرفية الغربية وعزل ما هو خاص (غربي) عما يصلح لأن يكون عامًا (عالميًا). فما هو عالمي يعبر عن إنسانية مشتركة، وبالتالي لن يكون من الصعب تبنيه وفق شروط نسقنا النظري المستقل النابع من أسئلة واقعنا وقضاياه.

1- إبراز خصوصية الحضارة الغربية: تدور كتابات ماكس فيبر على الاجتماع الألماني حول موضوع أساسي كامن، وهو خصوصية الحضارة الغربية. وهو يرى أن الخاصية الأساسية لهذه الحضارة هي اتجاهها نحو الترشيد، ومزيد من الترشيد إلى أن يتم ترشيد كل جوانب الحياة. مهما كان الأمر، فإن تركيز فيبر على خصوصية الحضارة الغربية (في مقابل تركيز ماركس أو دوركايم على فكرة القانون العام) أمر غاية في الأهمية ويخدم قضية المشروع المعرفي المستقل.

2- دراسة الظروف التاريخية والثقافية للظاهرة: حينما تواجهنا ظاهرة غريبة (أو أي ظاهرة) سنحاول معرفة ظروفها التاريخية والاجتماعية، فنحن نعرف أن أي ظاهرة (فكرية أو علمية) لا توجد فجأةً دون مقدمات، بل إن ثمة مركبات من الأسباب

(39)

أدت إليها، وهي جزء من نسيج مجتمعي حضاري ترك فيها تحيزاته وتوجهاته وآلامه وأحزانه ورؤاه وعنصريته. وهو يرى أن من شأن هذه الدراسة تقويم أسس المعرفة الغربية والتأكيد على خصوصيتها ومحدوديتها ونسبيتها.

3- ثم يعرض بعض المصادر اليهودية للفكر الغربي الحديث. نضرب هنا بعض الأمثلة عن الأبعاد الدينية لبعض الأفكار التي قد نظن لأول وهلة أنها بعيدة كل البعد عن أي منظومة دينية. سنكتفي بالإشارة إلى بعض المصادر اليهودية للفكر الحديث. ويطرح هذا الفكر نفسه على أنه فكر عالمي، أو على الأقل هكذا يروج له دعاة الحداثة.

ظل المكون اليهودي (القبالي) للفكر الغربي الحديث خفيًا ولم يتوفر أحد على دراسته بشكل منهجي مستفيض، وهذا ما قد يمكننا إنجازه أو على الأقل وضع الخطوط الأساسية لإنجازه حتى نتعرف على هذا التحيز العميق الكامن. ويمكن أن يتم هذا على عدة محاور:

1- باروخ اسبينوزا: الذي يعد فيلسوف العلمانية الأول، ويمكن رؤيته على أنه أول إنسان علماني.

2- سيجموند فرويد: لا يمكن فهم مدرسة التحليل النفسي برموزها الجنسية الكثيرة إلا بالعودة للقبالاه التي وصفت بأنها “جنست الإله وألهت الأنثى”، وهذا وصف لا بأس به لمنظومة فرويد التي حولت الجنس إلى المطلق العلماني الكامن.

3- فرانز كافكا: ويعد موقفه العبثي العدمي تعبيرًا عن “أزمة الإنسان في العصر الحديث” (أي أزمة الإنسان الغربي في العصر الحديث)، والمكون اليهودي القبالي في فن كافكا وفكره أمر واضح للغاية.

(40)

4- المدرسة التفكيكية: تعد المدرسة التفكيكية أهم المدارس الفكرية الغربية في الوقت الحاضر. وقد ارتبطت هذه المدرسة باسم جاك دريدا. وقد تلقى دريدا تعليمًا تلموديًا (والتعليم التلمودي في الوقت الحاضر ينحو منحًى قباليًا). ومن المضحك أن كل العرب الذين نقلوا الفكر التفكيكي أو ما بعد الحداثة بأمانة شديدة لم يتعرض أحد منهم لهذا الجانب، فعبارة “شهوة القراءة” و”لذة النص” عبارات منقولة من إحدى مدارس التفسير في العهد القديم، حيث يشبّه تفسير التوراة بمضاجعة الأنثى، ويشبّه لذة القراءة باللذة الجنسية.

رابعًا: الانفتاح على العالم:

ويرى المسيري أنه لا بد من الانفتاح على ثقافات العالم والاستفادة من التراث الحضاري والثقافي والفكري للحضارة العريقة المختلفة التي تملك زادًا معرفيًا غزيرًا في فهم الإنسان والمجتمع والطبيعة. فما حدث فيما يسمى “النهضة العربية” إن تم الانفتاح على الغرب وحسب، وبالذات على إنكلترا وفرنسا (ثم أمريكا) وأحيانًا على ألمانيا، مع جهل شبه عام بتاريخ شرق أوروبا. وقد صاحب هذا تجاهلًا كاملًا لما يسمى “الحضارات غير الغربية”.

والانفتاح على العالم سيؤدي إلى إصلاح التشوه المعرفي الذي لحق بنا بعد سنوات طويلة من الاستعمار الغربي؛ تم فيها ترسيخ فكرة مركزية الغرب. وحتى بعد رحيل القوات الأجنبية، ظهرت نخب ثقافية محلية تؤمن تمامًا بضرورة اللحاق بالغرب، واستمرت في ترسيخ القيم والمعارف الغربية وتهميش ما خلاف ذلك.

إن إدراكنا للتحيز سيجعلنا نأخذ حذرنا حينما تصلنا معارف من الغرب أو الشرق، فلا نستكين لها ولا نتلقاها بسلبية على أنها معرفة عالمية عامة، بديهية طبيعية مطلقة، تعبر عن القانون العام، فلا يمكن أن تقوم للعلم قائمة بدونها، وإنما

(41)

سنخضعها للتقييم النقدي، وسنُعمل فيها العقل لنكشف النماذج المعرفية والرؤى الفلسفية الكامنة فيها.

ولكن إدراكنا للتحيز لن يجعلنا نسقط في العدمية الفلسفية، ونعلن انتهاء العلم (والتاريخ)، إذ إننا نؤمن بأنه لا بد وأن يواكب كل آليات تجاوز التحيز صياغة نموذج معرفي بديل يستفيد من العلم الغربي، وكل العلوم والتجارب التاريخية، وينطلق من تراثنا حتى يمكن توليد معارف وعلوم جديدة، نحقق بها إمكانياتنا الإبداعية التي حبانا الله إياها، كرمنا بها كبشر.

النموذج البديل عند المسيري:

1- نابع من التراث: لا بد وأن يكون النموذج البديل نابعًا من تراثنا الذاتي. ويقصد بالتراث في هذا السياق، مجمل التاريخ الحضاري الذي يتسع للإنجازات المادية والمعنوية للإنسان في هذه المنطقة، ويشمل ما هو مكتوب وصريح وما هو شفوي وكامن. والنموذج الإسلامي نواته الأساسية هي النموذج المعرفي الإسلامي وأساسه هو القرآن والسنة اللذان يحويان القيم الإسلامية المطلقة، والإجابة الإسلامية عن الأسئلة النهائية.

2- محاولة الوصول إلى نظرية عامة: لا بد وأن نطمح للوصول إلى نظرية شاملة وكبرى. والنظرية الكبرى في السياق الغربي (وفي داخل الإطار المادي) هي نظرية تحاول الوصول إلى اليقين الكامل والتفسير النهائي والحلول الشاملة، وتهدف إلى تمكين الإنسان من التحكم الإمبريالي الكامل في الطبيعة، من خلال معرفة قوانينها. ولا يوجد أي سبب لأن نتأرجح بنفس الطريقة: بين النظرية والحلول النهائية من جهة والعبثية والعدمية الكاملة من جهة أخرى، وإنما سنحاول الوصول إلى نظرية شاملة كاملة، نعرف مسبقًا أنها لن تصل إلى التفسير النهائي ولا اليقين المطلق.

(42)

3- ملامح النموذج البديل:

(أ) الانطلاق من الإنسان: سنبدأ بالمقولة الإنسانية: إن الإنسان يقف في مركز الكون والطبيعة، كائنًا فريدًا ومركبًا، ومن أهم علامات تميزه وتفرده عقلُه الذي لا يسجل الطبيعة بشكل سلبي وإنما يعيها بشكل فعال، أي إن عملية الإدراك ليست عملية تسجيل بلهاء وإنما عملية اختيار.

والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يبحث عن الغرض من وجوده في الكون، وهو الكائن الذي لا يرضى بسطح الأشياء وإنما يطور المعاني الداخلية والرموز واللغة الحية، وهو ما تبرزه الأبحاث المختلفة في محور اللغة والمصطلح والأدب والنقد الذي يبدأ به هذا الكتاب.

(ب) مقولة غير مادية: والتفسير المادي للأمور يلجأ إلى سد الثغرة المعرفية في النظام الطبيعي وإلى تصفية ظاهرة الإنسان لأنه تفسير غير قادر على استيعاب أي ثنائية أو أي تركيب يتحدى النظام الواحدي المادي البسيط (فالتفسيرات المادية ثؤثر البساطة والواحدية على التركيب والتعددية). ولكن ليس هناك أي ضرورة لرفض مقولة الإنسان المركبة التي لا ترد إلى المادة، خصوصًا وأنها جزء من تجربتنا الوجودية وإدراكنا لذاتنا.

(ج) نموذج توليدي لا تراكمي: النموذج البديل توليدي، فنحن نؤمن (كما أسلفنا) لا بإنسانية واحدة يمكن رصدها، كما تُرصد الظواهر الأخرى، وإنما بإنسانية مشتركة تستند إلى طاقة إنسانية كامنة في كل البشر؛ تتولد منها أشكال حضارية متنوعة تفصل الإنسان عن الطبيعة وتميز أمةً عن أخرى وفردًا عن آخر.

ثانيًا: العلم البديل: يمكن أن نتصور علمًا يؤسس من خلال إطار مختلف سواء

(43)

منطلقاته وأهدافه، فكما أن جوهر العلم الغربي هو تصفية ثنائية الإنسان والطبيعة وفرض الواحدية المادية، فإن جوهر العلم المقترح هو استعادة هذه الثنائية باسترجاع الإنسان ككائن مركب، لا يمكن أن يرد إلى النظام:

1- يقين ليس بكامل واجتهاد مستمر: هذا العلم يتسم بأن نماذجه فضفاضة، وهو لا يطمح إلى أن يصل إلى قوانين صارمة ولا إجابات موضوعية نهائية وصيغ جبرية بسيطة، تفسر كل شيء (وتصل بالإنسان إلى نهاية التاريخ).

2- لا يوجد مجال للتحكم الكامل في الواقع: هدف هذا العلم ليس التحكم الكامل ولا تسخير كل الكائنات، فهو يعلم أن كل شيء في الكون من إنسان وحيوان وجماد قد ناله نصيب من التكريم، لأنها من خلق الإله ونفحة من روحه وصنعة من بديع صنعه. ولذا فجوهر هذا العلم أن أي شيء في الطبيعة له قيمة في حد ذاته، وأن العالم وكل ما فيه له غرض.

3- لا اختزال ولا تصفية للثنائيات: هذا العلم لن يختزل الواقع إلى عناصره الأولية المادية ولن يصفي الثنائيات الموجودة في الواقع، فهي صدى للثنائيات الكبرى (ثنائية الخالق والمخلوق وثنائية الإنسان والطبيعة). وهو لن يركز على الكلي دون الجزئي، أو على الجزئي دون الكلي، ولن يركز على الخاص دون العام أو على العام دون الخاص، ولا على الاستمرار دون الانقطاع أو الانقطاع دون الاستمرار، فالعالم ليس ذرات متناثرةً لا يربطها رابط، وهو ليس عضويًا مصمتًا، وإنما هو كل متماسك مكون من كليات متماسكة مكونة بدورها من أجزاء متماسكة لكل شخصيتها ولكنها لا تُفهم إلا بالعودة إلى الكليات.

4- لن يسقط هذا العلم في الواحدية المادية أو الواحدية السببية أو أي من الواحديات الحتمية:

(44)

(أ)- فوحدة العلم مستحيلة، إذ لا بد أن يوجد علم للظواهر الطبيعية، إلا أن الفصل المطلق بينها غير وارد، فالطب الاجتماعي وعمارة الفقراء وإحياء القدرة الذاتية للتنمية، كلها على أهمية ارتباط المعنوي بالمادي في صياغة الرؤية الحضارية.

(ب)- لا يمكن اختزال الواقع إلى عناصره الأولية المادية، فالواقع ـ كما أسلفنا ـ يحوي عناصر من اللامحدود والمحدود.

5- الهيكل المصطلحي: سينبع من كل هذا هيكل مصطلحي جديد، فثنائية الإنسان والطبيعة تعني ضرورة فصل مصطلحات العلوم الإنسانية عن الطبيعية، خصوصًا لاستعارات العضوية التي تفترض أن العالم كل عضوي متماسك، الجزء فيه يذوب في الكل والخاص في العام، ويفترض مركزية الطبيعة/ المادة.

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى دراسات الدكتور جلال أمين في الاقتصاد والسياسة، كما ويمكن أن أشير إلى “موسوعة اليهود والصهيونية: نموذج تفسيري وتصنيفي جديد”، وينبغي الإشارة إلى الإسهامات الإبداعية لرائد مثل المهندس حسن فتحي الذي رفض الرضوخ للطراز الدولي في المعمار، والدكتور أنور عبد الملك الذي حاول استرجاع البعد الحضاري في دراسته، والدكتور حامد ربيع الذي طور مفاهيم ومصطلحات في علم السياسة ساعدت العشرات من الباحثين على اكتشاف أنفسهم وحضارتهم، كما ينبغي الإشارة إلى إسهامات د. إسماعيل راجي الفاروقي، فكل هذه الجهود تشكيل لبدايات ألف بائية الإبداع.

وبعد الجهد التفكيكي النقدي والإبداعي، أي بعد اكتشاف النموذج المعرفي الغربي وتفكيكه واتضاح هويته، وبعد إعادة تركيبه، وبعد زيادة المقدرة التوليدية للنموذج المعرفي الإسلامي، وبعد تحول الغرب من مركز مطلق إلى مجرد تشكيل

(45)

حضاري ضمن تشكيلات أخرى كثيرة؛ سننظر إلى الغرب بدون قلق، وسيمكننا الانفتاح الحقيقي عليه بطريقة نقدية إبداعية، تمامًا مثل انفتاحنا على الحضارات الأخرى، نأخذ ثمرات العلم الإنساني، بما في ذلك العلم الغربي، فنفصل العنصر أو الآلية التي تم نقلها عن المنظومة التي تنتمي إليها ثم نستوعبها في منظومتنا بعد أن نكيفها مع قيمنا ورؤيتنا للكون.

(46)

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

المسيري والفلسفة

(47)

 

مقدمة

إذا أردنا الانتقال من منهج المسيري الذي أطلق عليه “فقه التحيز” إلى تناول الفلسفة ـ أو قل صورة الفلسفة ـ كما ظهرت في أعمال المفكر المصري عبد الوهاب المسيري (1938-2008)، فنحن نواجه صعوبةً كبرى، أو صعوبات متعددة. وليست هذه الصعوبات فقط من قبيل: وما شأن المسيري والفلسفة وهو أستاذ للنقد الأدبي وعلم الاجتماع المعرفي وخبير في الدراسات اليهودية والصهيونية؟ وهو سؤال يطرح بشدة من قبل المتخصصين في الفلسفة والمثقفين، هل المقصود من العنوان الفلسفة كما ظهرت في الموسوعة؟ أم في كتابات المسيري جميعًا، وكيف تم تناول قضاياها وأعلامها ومصطلحاتها، وكيفية توظيفه أو قراءته وتأويله لتاريخ الفلسفة والنظريات الفلسفية المختلفة التي حفلت بها الفلسفة المعاصرة في تياراتها المتعددة، خاصةً مدرسة فرانكفورت، والعلاقة بين هذه التيارات وبين اليهود واليهودية والصهيونية من جانب، وبين القضايا التي يثيرها المسيري وتشغله منذ بداياته الأكاديمية الأولى حول مفاهيم أساسية تقوم عليها الحضارة الغربية والتي سعى المسيري لتوضيحها وتحليلها ونقدها بداية منذ رسالته للدكتوراه بل أعماله جميعًا المبكرة حتى ظهور الموسوعة؟

من جانب آخر، تتمثل الصعوبة كما أتصور في الحضور الحي المباشر والدائم للفلسفة على امتداد صفحات الموسوعة، بل تأسيس الموسوعة كلها ـ كما يظهر من المجلد الأول ـ على رؤية فلسفية محددة يعلن عنها، وإعطائه المفاهيم والمصطلحات دلالات خاصة؛ باستخدامها في سياق مختلف عما هو متعارف عليه، مما يجعل الحديث عن الفلسفة عند المسيري يقتضي إعادة النظر ليس فقط في موضوعات الموسوعة، بل في معظم كتبه من جديد في إطار كتاباته السابقة،

(48)

وهو عمل يكاد يكون مستحيلًا، إضافةً إلى خطر التداخل وعدم التحديد بين رؤيتنا وقراءتنا لجهد المسيري وما قدمه المسيري من رؤية أو قراءة فلسفية للقضايا التي تناولها في موسوعته.

وفي حالة المغامرة، والكتابة عن المسيري والفلسفة مغامرةٌ على كل حال، فإن السؤال هو: كيف يمكن تناول الموضوع: المسيري والفلسفة، أو الفلسفة في كتابات المسيري؟ وعلى أي مستوى ستكون معالجتنا لهذا الموضوع/ القضية؟ أتكون على مستوى الإطار الفلسفي العام الذي ينطلق منه المسيري، أقصد المبادئ النظرية المنهجية التي يتخذ منها أسسًا وغايةً، وتمثل الرؤية العامة له، أم على مستوى المصادر والمكونات، التي تمثل الأداة المعرفية، وتوظيف المسيري لها من أجل بيان العلاقة بين تاريخ الفلسفة ومذاهب الفلاسفة من القضايا التي يتناولها (الجماعات اليهودية) وبين الحضارات التي عاش في كنفها هؤلاء الفلاسفة عامةً واليهود خاصةً منذ فيلون وصولًا إلى جاك دريدا؟ أي منذ الحلولية الكمونية الواحدية (والمصطلح للمسيري) وصولًا إلى الفلسفة المعاصرة وتيارات ما بعد الحداثة، التي تصادف أن معظم أصحابها من أعضاء الجماعات اليهودية، وما دلالة ذلك؟ أم أن المعالجة ستكون على مستوى بنية أعماله المختلفة وخاصةً الموسوعة، والوقوف أمام الفلاسفة والقضايا الفلسفية التي حفلت بها مجلداتها الثمانية، والعلاقة بين الأسس الفلسفية التي يقدمونها، والمعتقدات الدينية والصوفية الحلولية التي تقوم عليها اليهودية، والأسس العنصرية التي تتأسس عليها الصهيونية؟

لا شك في أن الصعوبات متعددة، والمغامرة قائمة، والطريق وعرة، وعلى ذلك، فإننا إذا أردنا أن نتناول في هذه الدراسة «المسيري والفلسفة» فيمكن التمهيد بالآتي:

إننا لا نستطيع تناول الفلسفة في أعمال المسيري دون الإشارة إلى قناعاته

(49)

الفلسفية: رؤيته في الأنطولوجيا، والأسس المعرفية التي ينطلق منها، والقيم التي يؤمن بها وينظّر لها. ويمكن تناول ذلك تحت عنوان «الرؤية الفلسفية» كما يحددها صاحبها تحت عنوان إشكاليات نظرية. وهي في الحقيقة تأكيد لمنطلقات المسيري الفكرية، والتي عبرت تحولات متعددة من تبني اليسار الجديد، إلى رفض مظاهر الحضارة الغربية ونقدها، إلى البحث عن أسس جديدة للمعرفة، وجدها في قناعات معرفية دينية توحيدية، والتي تظهر في عملين آخرين هما: فقه التحيز[1] والخطاب الإسلامي الجديد. ونحن يمكننا هنا إعادة بناء ما طرحه المسيري عن فكرة النماذج كأداة تحليلية على امتداد المجلد الأول من الموسوعة[2]، ونقصد نموذجي «الحلولية الكمونية الواحدية»[3] و«العلمانية الشاملة»[4]، كإطار نظري للتفسير بالإضافة إلى نموذج «الجماعات الوظيفية»[5].

(50)

ونتوقف بدايةً أمام المسألة الأساسية في نظرنا، وهي مكونات الرؤية الفلسفية للمسيري أو مصادره. وليس المقصود بالطبع المراجع التي اعتمد عليها، فتلك مسألة شكلية ـ رغم أهميتها ـ بل نقصد عناصر رؤيته، وهي عناصر شديدة التعقيد، حيث تتدفق الأفكار والمعلومات والتحليلات في الموسوعة، بطريقة لا تسمح لصاحبها بالتوقف لرد أسس رؤيته إلى مصادرها، وهو غير مطالب بهذا، فتلك وظيفة الناقد، فضلًا عن أن هذه العملية تخضع للتحليل الجزئي والتفكيك الذي يرد الإبداع دائمًا إلى مصادر غربية، وهو ضد توجهات المسيري نفسها، كما يقدمها في عمله حول التحيز التي تتبنى التحليل والتفكيك، وتتجاوزه إلى رؤية شمولية كلية تأسيسية.

ومع هذا، فإننا نرى أن تفاعل المسيري مع حقول معرفية متنوعة ـ كما يتضح من قائمة مؤلفاته مثل: الفلسفة، وعلم السياسة، والاجتماع، والنفس، والتاريخ، واللغة، والنقد الأدبي، وبأدوات ومناهج شديدة الخصوبة، مستمدةٍ من الثورة الإبستمولوجية في مجال الإنسانيات والروح النقدية لديه، منذ كتاباته الأولى[1] “الفردوس الأرضي” حتى أعماله الأخيرة ـ يدفعنا إلى تناول وبحث الأسس والمكونات التي تتأسس وفقًا لها رؤيته الفلسفية، وهي مبدئيًا: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت[2]، مع رؤية ميتافيزيقية واحدية أو توحيدية إسلامية. بالإضافة إلى توظيف سوسيولوجيا المعرفة في دراسة الفلاسفة من الجماعات اليهودية في إطار الحضارات التي ارتبطوا بها وعاشوا فيها وأنجزوا أعمالهم في ظلها، كما يظهر في تناوله لهم في المجلد الثالث من الموسوعة.

(51)

وترتبط البنية العامة للفلسفة في أعمال المسيري ارتباطًا وثيقًا بقناعاته الفكرية، وهي نتيجة منطقية لها في نفس الوقت. وتظهر هذه البنية أوضح ما تكون في الموسوعة ـ كما نتصور ـ وذلك في مستويات ثلاثة، وإن كان من الصعب الفصل بينها، وهي: المستوى التاريخي، والمستوى التحليلي، والمستوى النقدي. والمقصود بالمستوى الأول هو تناول المسيري المفكرين والفلاسفة وبعض علماء الاجتماع والنفس من أعضاء الجماعات اليهودية، موضحًا إسهاماتهم، وإلى أي مدى تظهر النزعة الحلولية الكمونية الواحدية في أعمالهم، وهم ينتمون في الغالب إلى العصور القديمة اليونانية والمسيحية والإسلامية وبدايات العصر الحديث حتى اسبينوزا، وربما القرن الثامن عشر. والمستوى الثاني التحليلي يظهر في تناول فلاسفة القرن التاسع عشر والقرن العشرين، والمذاهب الكبرى المؤثرة فيه، سواء أكانوا فلاسفةً من الجماعات اليهودية أم من غيرها ممن كان لهم تأثير كبير في هؤلاء، ونخص بالذكر من النوع الثاني كلًا من داروين وهوبز وفرويد ونيتشه[1]. والمستوى الثالث، والذي يكوّن في رأينا موضوعًا مهمًا، هو موقف المسيري من «ما بعد الحداثة» وهو موقف متميز عبر عنه بأشكال متعددة، وظهر في عدة أعمال منها كتابه المشترك مع المفكر التونسي فتحي التريكي[2]، وهنا نجدنا ننتقل من «الحلولية الكمونية الواحدية»، وهي أقرب إلى المقولات الفلسفية الدينية الصوفية، إلى «العلمانية الشاملة»، وهي أقرب إلى المقولات الفلسفية الاجتماعية السياسية،

(52)

إلى «ما بعد الحداثة»، التي يؤكد المسيري على العلاقة الوثيقة بينها وبين النازية والصهيونية، فيما يمثل إعادة نظرة شاملة للحضارة الغربية. ومهمتنا هي أن نتناول هذه المستويات الثلاثة على التوالي، بعد بيان الرؤية الفلسفية العامة لعمله.

نتناول في هذا الفصل موقف عبد الوهاب المسيري العام من الفلسفة باعتبار هذا الفصل يؤسس للعمل ككل، فهو الذي يحدد لنا رؤية المسيري تمهيدًا لبيان مواقفه المختلفة للفلاسفة الحداثيين والاتجاهات الفلسفية الحداثية وما بعد الحداثية. وينقسم هذا الفصل إلى قسمين أساسيين: الأول حول الرؤية الفلسفية العامة، والثاني حول تطبيق هذه الرؤية على الفلاسفة المحدثين.

أولًا: رؤية المسيري الفلسفية

يمكن، دونما الحاجة إلى تكرار المعلومات التي وردت في الموسوعة التي نعتمد عليها في بيان رؤية المسيري، وغيرها من أعمال المسيري، رغم صعوبة ذلك، تمييز العلاقة الوثيقة بين رؤية المسيري الفلسفية في الوجود والمعرفة والقيم وبين منهجه في البحث، وذلك من خلال نماذجه التفسيرية ومفرداته واصطلاحاته الفلسفية التي تنتمي إلى إنجازات الثورة المعرفية المعاصرة، خاصةً في لسانيات تشومسكي، وسيسولوجيا ماكس فيبر[1]، وتفكيكية جاك دريدا[2]، وحفريات ميشيل

(53)

فوكو، ونقدية مدرسة فرانكفورت، وفلسفة ما بعد الحداثة. فقد أتاحت له دراسته في الولايات المتحدة وانتماؤه إلى اليسار الجديد في الستينيات والسبعينيات التفتح على هذه التيارات، بالإضافة إلى تطوره اللاحق الذي أشرنا إليه سابقًا فيما قدمه تحت عنوان فقه التحيز؛ وهو الأساس الإبستمولوجي لما سيطلق عليه لاحقًا الخطاب الإسلامي الجديد، والذي لا ينفصل عما قدمه في الفقرات 2، 3، 4 من الجزء الأول: إشكاليات نظرية في المجلد الأول من الموسوعة، حين يتحدث عن المرجعية النهائية المتجاوزة والكامنة، المسافة والحدود والحيز الإنساني، التجاوز والتعالي مقابل الحلول والكمون، السببية الصلبة واللاسببية السائلة، الواحدية الكونية: المادية أو المثالية/ الروحانية، الثنائية الفضفاضة (التكاملية/ التفاعلية)، الثنائية الصلبة، الطبيعة البشرية[1]. وحين يتحدث تحديدًا عن أسباب فشل النموذج المادي في تفسير ظاهرة الإنسان[2]، حيث يميز بين النزعة الجنينية والإنسان الطبيعي/ المادي، والاقتصادي، والجنسي، بين السوبرمان والسبمان، والنزعة الربانية في الثنائية الفضفاضة، والإنسان الإنساني أو الإنسان الرباني، حتى يعالج إشكالية الإنساني والطبيعي، الذاتي والموضوعي، الجزئي والكلي. كل ذلك اعتمادًا على ديلتاي وإنجازات الهرمينوطيقا الغربية، مستخدمًا أمام كلمة شرح وتفسير لفظة (فرشتيهن)، وهكذا يفعل مع كثير من المصطلحات الغربية التي يستخدمها ويكتبها بحروف عربية، مما يعني أن الرؤية لدى المسيري ذات مكونين ثقافيين: غربي تغلب عليه الثقافات الأمريكية، وعربي إسلامي، مع ملاحظة غياب

(54)

المفاهيم الأساسية للأعمال العربية الكلاسيكية. ومن هنا تأتي ضرورة دراسة المصادر النظرية لرؤية المسيري الفلسفية، حتى يتسنى لنا تحليل هذه الرؤية في الوجود والمعرفة والقيم ومنهجه في التعامل مع الفلسفة وتاريخها ومشكلاتها.

تتكون الموسوعة ـ عمله الأساسي والتي نبدأ بها تحليلنا ـ من ثمانية مجلدات، الأخير منها خاص بالفهارس. يقدم المجلد الأول الإطار النظري في خمسة أجزاء، ويعد بمثابة المدخل المنهجي للموسوعة والأساس الذي بُنيت عليه المجلدات التالية. وقد بذل فيه المسيري جهدًا معرفيًا قد يفوق ما بذله في بقية المجلدات. يعرض في الجزء الأول منه «إشكاليات نظرية» في مقدمة تحدد عمله مقابل القصور في الخطاب التحليلي العربي[1]، وخصائص هذا العمل النقدي التفكيكي التأسيسي[2]، والنماذج الأساسية، وهيكل الموسوعة، والمصطلح، ويعرّف المفردات التي يستخدمها، ورؤيته في الإشكالية الأساسية. ويتناول الجزء الثاني النماذج كأداة تحليلية؛ مبينًا سمات النماذج وطريقة صياغتها وأنواعها. ويتناول هذه النماذج في الأجزاء التالية: نموذج الحلولية الكمونية الواحدية في الجزء الثالث، حيث يعرض في فقرتين للحلولية ووحدة الوجود والكمونية، ثم للحلولية الكمونية الواحدية والعلمانية الشاملة، التي يخصص لها الجزء الرابع ـ وهو ما يمثل قرب نصف المجلد الأول، حوالي مائة وخمسين صفحة (ص209 - 359) ـ ويتناول في فقرات تسع: إشكالية تعريف العلمانية، وهي المشكلة التي خصص لها عمله “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، واختلاط الحقل الدلالي للمصطلح، حتى ينتهي إلى العلمانية الشاملة، محاولًا تقديم تعريف لها. ويتناول في الجزء الخامس الجماعات الوظيفية في فقرتين، موضحًا سماتها الأساسية وعلاقتها بالحلولية والعلمانية الشاملة.

(55)

والسؤال الذي يُطرح على المسيري مبدئيًا حول الأسس المعرفية التي يقدمها، والتي تشبه كما يبدو للوهلة الأولى ما قدمه ابن خلدون في المقدمة من أسس للتاريخ، سؤالٌ عن العلاقة بين الإشكاليات النظرية والعمل في مجمله. فما قدمه في هذا المجلد يصلح لأن يكون عملًا مستقلًا نظريًا ومنهجيًا، فهو يقدم رؤيةً، بينما تمثل التطبيقات ـ أقصد بقية المجلدات، والتي بنيت على هذه الأسس ـ عملًا آخر. نعم، توجد علاقة بينهما، وإن كان أحدهما قد يستغرق القارئ دون الآخر، أو قد لا يجد الباحث المتخصص علاقةً بين أحدهما والآخر.

ويدور المجلد الثاني من عمله حول الجماعات اليهودية، ويضيف عنوانًا جانبيًا إشكاليًا. ويعرض في أجزاء أربعة لطبيعة اليهود في كل زمان ومكان، ويناقش في الجزئين، الثاني والثالث قضية «يهود، أم جماعات يهودية؟» وقضية «يهود، أم جماعات يهودية وظيفية؟»، موضحًا دور الجماعات الوظيفية اليهودية القتالية والاستيطانية والمالية، وهي تتأكد لنا وتتضح في الدور أو الأدوار التي تمارسها دولة الاستبطان والاحتلال إسرائيل، بالإضافة إلى بعض الوظائف الأخرى والتي مارستها على امتداد تاريخها، وفي كل المجتمعات والشعوب (البغاء ـ الطب  ـ الترجمة)، حتى يناقش مسألتي الحدودية والهامشية، تمهيدًا للجزء الرابع عن عداء الأغيار الأزلي لليهود واليهودية، حيث يناقش إشكالية معاداة اليهود، وبعض التجليات المتعينة لمعاداة اليهود، ومعاداة اليهود والتحيز لهم، والإبادة النازية والحضارة الغربية، وبعض إشكاليات الإبادة النازية ليهود أوروبا، ليناقش إشكالية التعاون بين أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين. وهنا يتناول بالنقاش مسألتين سنتوقف لاحقًا لتحليلهما هما: مارتن هايدجر والنازية (م2، ج4، ف4)، والنيتشوية والصهيونية (م2، ج4، ف6)، وهما موضوعان أثيران شغلا المسيري في تحليلاته الفلسفية. وكم كان من المفيد تناول موقف الهيجليين الشباب، خاصةً برونوباور وكارل ماركس من «المسألة اليهودية»، فقد شُغلا بها وكتبا عنها في إطار قضية «تحرر اليهود، أم تحرر الإنسان؟».

(56)

ويأتي المجلد الثالث عن «الجماعات اليهودية: التحديث والثقافة» في جزئين. الأول التحديث، والثاني الثقافة. يهمنا الجزء الثاني، الذي جاء في ست عشرة فقرة، تتناول كل ما يتعلق بالثقافة عند الجماعات اليهودية. تدور الفقرة الحادية عشرة عن المفكرين، والثانية عشرة عن الفلاسفة، والثالثة عشرة عن علماء الاجتماع، والرابعة عشرة عن علماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية، وإن كان من الصعب التمييز الدقيق بين “المفكر” و”الفيلسوف”، حيث يمكن تناول بعض من أدرجهم المسيري في تصنيفه كمفكرين ضمن الفلاسفة، مثل: ابن كمونة، فالتمييز بين المفكر والفيلسوف لم يكن واردًا في عصره، وكذلك أرنست بلوخ وولتر بنيامين وحنا أرنت وإيشيا برلين. وكذلك بعض علماء الاجتماع مثل: ماكس هوركهايمر وتيودور أدرنو من مؤسسي المدرسة النقدية، وهم وإن كانوا علماء اجتماع، مثل أعضاء المدرسة في بداية تأسيسها، إلا أنهم أسهموا بنظريات اجتماعية وجمالية تجعل منهم فلاسفةً، وما ينطبق عليهم ينطبق على إريك فروم[1]، وإلى حد ما على فرويد الذي يعامل من الاتجاهات التجريبية الإكلينيكية في علم النفس باعتباره يمثل مرحلةً سابقةً على الدراسة العلمية، أي باعتباره فيلسوفًا.

وما يقدمه المسيري في هذا المجلد من جهود المفكرين والفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع يمثل إنجازات أعضاء الجماعات اليهودية وموقفه منها، ويوضح فهمه للفلسفة، وقد صاغه في الإطار الذي يتفق وما طرحه في المجلد الأول كجهد للجماعات الوظيفية عبر الشعوب والحضارات التي عاشوا فيها، تجنبًا للحديث عن فلسفة يهودية وفلاسفة يهود. ونحن نتفق معه تمامًا في ذلك، لأننا لا نتصور جهودًا فعليةً لفيلون بعيدًا عن الفلسفة اليونانية، ولا موسى بن ميمون بعيدًا عن الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، وكذلك لا نفهم فلسفة اسبينوزا بمعزل عن إشكاليات الفلسفة الحديثة وديكارت، ولا هوسرل دون أزمة العلوم الأوروبية

(57)

والثنائية المعرفية بين الاتجاهات التجريبية، ولا جورج لوكاش أو هربرت ماركيوز بعيدًا عن الهيجلية والماركسية الجديدة، ولا كلود ليفي شتراوس بعيدًا عن دي سوسور والبنيوية. وهذا ما سنناقشه في فقرة لاحقة عن رؤية المسيري للفلسفة.

ويتناول في المجلد الرابع تواريخ الجماعات اليهودية في أجزاء ثلاثة: الأول في العالم القديم، والثاني في العالم الإسلامي، والثالث في بلدان العالم الغربي، خصوصًا في العصر الحديث. وكان من الممكن ـ انسجامًا مع رؤيته ـ تقديم المفكرين والفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع في إطار هذه التواريخ، باعتبار أن أعضاء الجماعات اليهودية تنتمي إلى البيئة والتاريخ الذي عاشوا في كنفه وقدموا إسهاماتهم في إطار مجتمعاته. أو على الأقل أن يجيء تحليله لإنجاز أعضاء الجماعات اليهودية بعد بيانه لتواريخهم، وهو ما فعله في المجلد الخامس: اليهودية: الواحدية الحلولية الكمونية والعلمانية الشاملة.

يعرض في الجزء الأول من هذا المجلد «اليهودية: بعض الإشكاليات»، مثل: التركيب الجيولوجي والتراكمي، والشريعة الشفهية، وإشكالية الحلولية اليهودية، علاقة اليهودية بالصهيونية، وذلك تأسيسًا للجزء الثاني «المفاهيم والعقائد الأساسية في اليهودية»، مثل: الإله، الشعب المختار، الأرض، الكتب المقدسة والدينية، الأنبياء والنبوة، اليهودية الحاخامية، الفقهاء، القبالاه، الزوهار، الصلوات والأدعية، الفكر الأخروي، الماشيح والمشيحانية، مما يتيح له أن يتناول في الجزء الثالث الفرق اليهودية في إحدى عشرة فقرة تدور حول: «الفرق الدينية اليهودية حتى القرن الأول الميلادي»، اليهودية والإسلام، اليهودية والمسيحية، الحسيدية، اليهودية الإصلاحية، اليهودية الأرثوذكسية، اليهودية المحافظة، تجديد اليهودية وعلمنتها، وفيها يتناول جهود عدد من الفلاسفة اليهود نخص منهم كلًا من مارتن بوبر[1] وإيمانويل لفيناس[2]، حيث تحتاج جهودهما وموقف المسيري منهما بيانًا

(58)

مفصلًا مع ما جاء في الفقرة التالية: «اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة»، والتي يتناول فيها بعض مصطلحات (وشخصيات) ما بعد الحداثة وعلاقتها باليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية، ويقدم فيها تحليلات مهمةً متفردةً، بعيدًا عن انبهار الكتاب العرب بما يطرح تحت عنوان ما بعد الحداثة، وهو نموذج لتناول جهود الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية مثل جاك دريدا في إطار التيارات والاتجاهات الفلسفية السائدة، والتي سنتوقف عندها كثيرًا على امتداد صفحات هذه الدراسة.

ويدور المجلد السادس بأجزائه الأربعة حول الصهيونية، يتناول في الجزء الأول إشكاليات وموضوعات أساسية تدور حول التعريف والتيارات، والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية، ثم الصهيونية والعلمانية الشاملة. ويدور الجزء الثاني حول تاريخ الصهيونية، ثم الحركة الصهيونية. ويتناول في الجزء الثالث الصهيونية والجماعات اليهودية. ويتحدث الجزء الرابع في أربع فقرات عن شخصيات ومنظمات يهودية معادية للصهيونية[1].

ويخصص المجلد السابع للحديث عن إسرائيل «المستوطن الصهيوني» في خمسة أجزاء: الأول: إشكالية التطبيع والدولة الوظيفية؛ والثاني: الدولة الاستيطانية الإحلالية؛ والثالث: العنصرية والإرهاب الصهيونيان؛ والرابع: النظام الاستيطاني الصهيوني؛ والخامس: أزمة الصهيونية والمسألة الإسرائيلية، في فقرات أربع تتوج بالمسألة الفلسطينية. كتبه المختلفة في هذا الموضوع.

أما المجلد الثامن والأخير، فهو عبارة عن ملاحق وفهارس، ويتناول: آليات الموسوعة، تعريف المفاهيم والمصطلحات الأساسية مرتبةً موضوعيًا، ثم يقدم ثبتًا تاريخيًا لأهم الأحداث في تاريخ البشرية عمومًا والتي تخص فلسطين والجماعات

(59)

اليهودية فيها وفي العالم، وفهرسًا موضوعيًا، وفهرسًا ألفبائيًا إنجليزيًا، وآخر عربيًا، ثم تعريفًا بمؤلف الموسوعة.

أي إننا نجد في الفقرة الرابعة من المجلد الثاني تحليلًا نقديًا لفلسفة كل من نيتشه والصهيونية وهايدجر والنازية[1]، وهذان الفيلسوفان أثارا وما زالا يثيران في العربية اهتمامًا وجدلًا، وموقفه منهما على الضد من موقف عبد الرحمن بدوي منهما، وأقرب إلى النقد الماركسي لهما، وهو ما يتفق مع توجهات المسيري الأولى نحو اليسار. وفي الفقرات من الحادية عشرة حتى الرابعة عشرة في الجزء الثاني من المجلد الثالث عرضًا تاريخيًا للفلاسفة والمفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، وهو ما فكر في التوسع فيه فيما بعد وإصداره في مجلد مستقل أتمه بالفعل وإن لم ينشره. يضاف إلى ذلك ما جاء في الفقرتين الثامنة والتاسعة في الجزء الثالث من المجلد الخامس عن ما بعد الحداثة والجماعات اليهودية.

هذه الفقرات التي تتناول بالعرض التاريخي والتحليل النقدي فلاسفةً من الجماعات اليهودية وقضايا وتيارات فلسفية، والتي تمثل ـ مع ما طرحه المسيري من نماذج تفسيرية في المجلد الأول، خاصةً الحلولية الكمونية الواحدية والعلمانية الشاملة ـ الإسهام الفلسفي للمسيري، وحضور الفلسفة وقضاياها وأعلامها في كتاباته، أقول: هذه الفقرات تطرح علينا العديد من الأسئلة التي تمثل موضوع الفصل الحالي.

أود في البداية تناول رؤية المسيري الفلسفية، كما ظهرت في تحليله لجهود الفلاسفة من الجماعات اليهودية، وبيان مصادره الفلسفية، وكيفية توظيفه لها، وموقفه من التيارات الفلسفية المعاصرة، خاصةً ما بعد الحداثة التي سيخصص

(60)

لها فصلًا مستقلًا. ويمكن تحقيق ذلك عن طريقين، الأول: وضع رؤية المسيري وموقفه في إطار تاريخ الفلسفة بإخضاعها للتحليل الفلسفي وفق رؤية الباحث؛ أو ـ وهذا هو الطريق الثاني ـ تقديم قراءة المسيري للفلسفة من خلال رؤيته وعرضه هو للفلاسفة وجهودهم وتطبيقه لمقولاته ونماذجه التفسيرية. وقد اخترنا الطريق الثاني، وذلك على الوجه التالي: قراءة تحليلة لجهود المفكرين والفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية في الحضارات اليونانية والإسلامية والأوروبية القديمة والحديثة حتى القرن الثامن عشر وفقًا للحلولية الكمونية الواحدية، وحتى النصف الأول من القرن العشرين وفقًا للعلمانية الشاملة، ثم بيان موقفه من التيارات الحالية ونقده لما بعد الحداثة. وذلك يعني أننا نقوم في وقت واحد بمهمة مزدوجة، هي تقديم رؤية المسيري الفلسفية، وقراءته لجهود فلاسفة الجماعات اليهودية على مستوى العرض التاريخي الفلسفي لجهودهم، وذلك بتطبيق نماذجه التفسيرية التي تمثل التحليل النقدي لهذه الجهود، لبيان كيفية توظيفه للاتجاهات الفلسفية في هذه القراءة.

ثانيًا: التناول التاريخي للفلاسفة أعضاء الجماعات اليهودية:

يطرح المسيري في تناوله المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية صعوبة الحديث عن هؤلاء باعتبارهم وحدةً متماسكةً ذات سمات وخصائص مشتركة، فالحديث عن مفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية يؤكد عدم التجانس والتنوع، ويوضح انتماءهم للتشكيل الحضاري الذي يحيون فيه[1]. ويلاحظ تزايد وجود

(61)

هؤلاء المفكرين في الحضارة الغربية مع تزايد حلوليتها وعدميتها في مرحلة الحلولية بدون إله. يقول: «حينما ظهر نيتشه، الذي أعلن موت الإله، تلبست النيتشوية المفكرين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر، إذ كانت الحلولية اليهودية قد توصلت إلى النيتشوية قبل نيتشه»[1]. إن غربة المثقف اليهودي في مجتمعه عمقت اغترابه وموقفه النقدي والعدمي. ومع هذا التأكيد على ارتباط هؤلاء بالحلولية؛ يشير إشارةً مهمةً إلى أن عددًا لا بأس به من هؤلاء يحاول الاحتفاظ بالوظيفة النقدية للعقل، بحيث لا يستوعب العقل في المادة، ويظل متجاوزًا بشكل دائم للأمر الواقع، أي إنهم يحاولون تخطي الحلولية الكامنة في الفكر العلماني المادي (ص 365).

إن المسيري في تناوله لجهود ابن كمونة (1215 - 1285)، وإرنست بلوخ (1885 - 1977)[2]، وليو ستراوس (1889 - 1973)[3]، وولتر بنجامين (1892 - 1940)، وإيشيابرلين (1909 - )، وسيمون فاي (1909 - 1943). الأول شارح «الإشارات والتنبيهات» لابن سينا و«التلويحات العرشية» للسهروردي، والثاني فيلسوف ألماني ماركسي يهودي، والثالث فيلسوف وعالم سياسي ألماني أمريكي يهودي، والرابع فيلسوف وناقد ألماني، والخامس فيلسوف بريطاني يهودي، والأخيرة فيلسوفة يهودية، وذلك وفق وصف المسيري لهم. لماذا إذن يدرج هؤلاء في نطاق المفكرين وليس الفلاسفة وهو يطلق عليهم اسم “فيلسوف”؟ وما أساس التفرقة بين الفكر والفلسفة وبين المفكر والفيلسوف؟ وهو «فصل متعسف بعض الشيء، وبخاصة في العصر الحديث، حيث نجد أن جزءًا كبيرًا من التفكير الفلسفي يتم من خلال دراسات اللغة (تشومسكي وفتجنشتين ودريدا)، والأنثروبولوجيا (كلود

(62)

ليفي شتراوس)، وعلم النفس (فرويد)، والاجتماع (أدورنو وهوركهايمر)»، كما يقول المسيري نفسه (م 3، ص 347). ومع هذا، فهو يؤكد أن هذا الفصل ذو فائدة تصنيفية، بل وله فائدة تفسيرية أيضًا! ونحن سنتعامل مع هؤلاء باعتبارهم فلاسفة، فالأول ـ ابن كمونة ـ ينتمي إلى الحضارة الإسلامية، حيث يشرح الفلاسفة المسلمين، وكتابه “الجديد في الحكمة” يحمل طابع الثقافة الإسلامية، مكتوب بلغة عربية فصيحة، ويعالج القضايا نفسها التي عالجها المسلمون آنذاك، مستخدمًا مصطلحاتهم وتقسيمهم للقضايا[1].

وينفي المسيري عن الثاني ـ إرنست بلوخ ـ إفراد دور خاص لليهودي، كما أنه لم يتناول الموضوع اليهودي بكثير من الإفاضة والتفصيل، ونستشعر تعاطفًا معه، خاصةً في عرضه أهم كتبه “مبدأ الأمل”، فهو «يحاول أن يولد ثنائيةً داخل النظام المعرفي المادي (تجاوز من خلال المادة) حتى يحتفظ بروح الثورة والأمل». إلا أنه يعود ويلاحظ أن بلوخ في كتابه “روح اليوتوبيا” يخصص فصلًا يسمى «رمز اليهود»، وهو من المقالات النادرة التي كتبها بلوخ عن اليهود. وتشير بعض فصول كتاب “مبدأ الأمل” إلى التراث الديني اليهودي باعتباره أحد المصادر الروحية للفكر الطوباوي. ورغم نقد بلوخ لصهيونية هرتزل؛ فإنه يقدم قراءةً شديدة التحيز لهذا المفكر الصهيوني، الذي يطالب بتأسيس دولة اشتراكية-يهودية تقوم بطرد الفلسطينيين وتحقق الأمن والعدالة لليهود. إن أحكام المسيري على بلوخ توضح تعاطفه مع مفكر يساري ماركسي من جهة، لكنه سرعان ما يدين تخليه عن تفكيره الإنساني بتحيزه لصالح اليهود.

ويؤكد تناول المسيري لجهود ولتر بنجامين وفكره ـ الذي يصفه بأنه ليس يهوديًا ـ على رؤيته الأساسية (رؤية المسيري) التي تقرأ هذه الجهود وفق نموذج

(63)

الحلولية. ففكر بنجامين «تعبير واضح عن استيلاء الفكر الحلولي على المجتمع الغربي» (م 3، ص 354).

يحرص المسيري في تناوله لهؤلاء المفكرين على بيان موقف كل منهم من اليهودية والصهيونية، وهو جانب لا يتوقف أمامه باحثو الفلسفة، الذين يكتفون بعرض النظريات الأنطولوجية والمعرفية لهؤلاء المفكرين، وإن كنا نستثني من هذا عبد الستار الراوي الفيلسوف العراقي. فإرنست بلوخ مفكر صهيوني (م 3، ص 352)، وفكر بنجامين ليس يهوديًا (م 3، ص 354) والمسألة ليست فقط مسألة فلاسفة يهود أم الفلاسفة أعضاء الجماعات اليهودية، ذلك أن كثيرًا من هؤلاء يرفض تمامًا أن تتصف فلسفته بكونها يهوديةً، أما نويل ليفيتاس مثلًا فرغم أن نصف أعماله حول التلمود إلا أنه يصر على كونه فيلسوفًا فينومينولوجيًا، وموقف حنا إرنت من الصهيونية قد تغير ابتداءً من الأربعينيات وأخذ شكلًا معاديًا للصهيونية (م 3، ص 355)، ورغم موقف إيشيابرلين التعددي فهو يؤيد الصهيونية كل التأييد (م 3، ص 357)، كما أنه يشير إلى قضية يهودية سيمون فاي، التي رفضت العقيدة اليهودية بعد مرورها بتجربة صوفية مسيحية وهاجمت اليهودية بشراسة ونسبت لها كل نقائص المسيحية (م 3، ص 358).

يؤكد المسيري في تناوله للفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية أن المقدرة التفسيرية والتصنيفية لمصطلح «فلسفة يهودية» أو حتى «فلاسفة يهود» ضعيفة إلى أقصى درجة، ولذا فإنه يفضل استخدام مصطلح «الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية» حتى يتم تفسير أنساقهم الفلسفية المختلفة بالعودة إلى التشكيلات الحضارية التي كانوا يعيشون في كنفها. وهو يقسم هؤلاء الفلاسفة من منظور موضوع فلسفاتهم، فهناك من يتعامل مع اليهودية وبعض المشكلات الفلسفية المرتبطة بها، وهناك من يتعامل مع القضايا الفلسفية العامة، وإن تعرض لقضايا يهودية بشكل عرضي. ويرى أن المفكر

(64)

من هؤلاء حين يحاول أن يتأمل عقيدته فإنه ـ شاء أم أبى ـ يطبق المقولات الفلسفية السائدة في عصره على اليهودية.

يتناول المسيري هؤلاء الفلاسفة، بدءًا من فيلون حتى تشومسكي، مرورًا بموسى بن ميمون واسبينوزا وبرجسون وهوسرل وشيستوف وكالن ولوكاش وليفي شتراوس وماركيوز. ويلاحظ أنه يوجد فلاسفة «يهود» كان اهتمامهم باليهودية ضعيفًا أو منعدمًا، أو كان تعبيرًا عن موقف فلسفي عام يتجاوز اليهودية في حد ذاتها. ولذا فإن إسهامهم الأساسي كان يصب في التيار العام للفلسفة الغربية. ويعدد هؤلاء، وهم كل الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية، الذين ازدهروا على مستوى الحضارة الغربية. «قد يكون لبعض هؤلاء بعض الملاحظات أو العبارات المؤيدة للصهيونية أو المعادية لها أو لليهودية، ولكنها تظل ملاحظات عرضية إلا في حالة كالن» (م 3، ص 364)[1]. لذا، فهو (أي المسيري) دائم الربط بين كل فيلسوف من هؤلاء والاتجاه الفلسفي الذي ينتمي إليه أو الوسط الحضاري الذي يحيا فيه؛ فهو يتحدث عن فيلون والأفلاطونية المحدثة، وموسى بن ميمون والفلسفة الإسلامية، واسبينوزا والعقلانية المادية، وبرجسون واللاعقلانية، وهوسرل والفينومينولوجيا، وشيستوف والفلسفة المسيحية، وكالن والبرجماتية، ولوكاش وماركيوز والماركسية الجديدة، وليفي شتراوس والبنيوية، وتشومسكي والثورة التوليدية.

ونستطيع أن نلاحظ بسهولة ليس فقط تعاطف المسيري مع فكر هؤلاء، وتقبله لإسهاماتهم، وإعلاءه من شأنها، كما في تأكيده على أنه «مع ظهور الرؤية العلمانية المادية للكون وترسخها، أصبح بإمكان أعضاء الجماعة الوظيفية أن يساهموا بدور أكثر فعاليةً ومباشرةً في عملية الإبداع الفلسفي»، بل وأكثر من هذا؛ فهم الذين صاغوا الثورة الإبستمولوجية المعاصرة في الدراسات الإنسانية. فهو يلاحظ تزايد اشتراك أعضاء الجماعات اليهودية في صياغة الفكر الفلسفي النقدي في

(65)

الغرب (ماركس وفرويد)، وخصوصًا في فلسفة اللغة، وهو تيار يصل إلى قمته في فكر تشومسكي (الثورة التوليدية) وفكر دريدا (الفلسفة التفكيكية). ونحن نلاحظ استفادته من هؤلاء في أعماله ـ كما يظهر في الجزء الثاني من المجلد الخامس ـ وذلك وفقًا لرؤيته في نقد الحضارة الغربية، سواء في مرحلة تبني اليسار الجديد، أو مرحلة تأسيس الخطاب الإسلامي الجديد، حيث تظهر بعض مقولات فلاسفة المدرسة النقدية، وبالتحديد ماركيوزا[1].

يبدأ المسيري التناول التاريخي للفلاسفة أعضاء الجماعات اليهودية من فيلون، الذي تلقى تعليمًا هيلينيًا كاملًا، والذي لا يذكر شيئًا عن تعليمه اليهودي، والإشارة الوحيدة للتعلم اليهودي في أعماله تبين مدى ضعف صلته به، والذي لا يمكن تصنيف فلسفته إلا على أنها فلسفة يونانية تنتمي أساسًا إلى التقاليد الأفلاطونية بعد اختلاطها بالعبادات السرية، وتعد كتاباته إسقاطًا لكثير من القيم الهيلينية على التراث الديني اليهودي وليست مزجًا بينهما. وهو لم يترك أثرًا واضحًا في التطور اللاحق للفكر الديني اليهودي، في حين استفاد منه الآباء المسيحيون استفادةً بالغةً، بحيث يمكن أن نقول إن فلسفة فيلون هي «مسيحية جنينية» (م 3، ص 366-367)[2]. ويقدم موسى بن ميمون القرطبي على أنه مفكر عربي إسلامي الحضارة والفكر، يؤمن باليهودية، عضو في الجماعة اليهودية في إسبانيا الإسلامية. ويفيض في عرض حياته وتحليل كتاباته، موضحًا أنها لم تترك أثرًا بين المثقفين المسلمين، وإن كانت قد بعثت عن طريق حركة التنوير اليهودية، بحيث تعد النقطة الأساسية التي اجتمع عليها دعاة التنوير، وأنها إطار مرجعي أساسي لليهودية الإصلاحية (م 3، ص 370).

ويعطي اسبينوزا مساحةً أوسع في فقرتين متتاليتين عن باروخ اسبينوزا والعقلانية المادية، واسبينوزا وعلاقة فلسفته بالعقيدة والجماعات اليهودية (في 14 صفحة).

(66)

يعرض في الأولى: رؤيته للإله والطبيعة، ورؤيته للإنسان، والرؤية المعرفية، والرؤية النفسية، والرؤية الأخلاقية، والنظرية السياسية، وموقفه من الدين، كما يقارن بينه وبين نيتشه وجاك دريدا؛ فهو «فيلسوف عقلاني مادي من أهم فلاسفة الحضارة الغربية الحديثة، بل هو في تصورنا (مع نيتشه، وبعده دريدا) فيلسوف العلمانية الأكبر»، بلغت عنده الواحدية والكمونية الفلسفية ذروتها، فقد ألغى كل الثنائيات التقليدية، وهو بهذا يعد المقابل لما يطرحه المسيري من ثنائية متجاوزة. وفلسفته نظام مادي خال من أية رواسب دينية سوى المصطلح (م 3، ص 372). ويتوقف عند العلاقة بين اسبينوزا ونيتشه[1]، الذي ذكر أنه يتعرف على نفسه في عدة نقاط في عقيدة اسبينوزا، ويبين نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما فيما يقرب من صفحة كاملة (عمودين) من صفحات الموسوعة (م 3، ص 379-380)، وهو ما يوضح اهتمام المسيري الكبير بفلسفة نيتشه، الذي يطلق عليه «فيلسوف العلمانية الأكبر» [2].

ويرى المسيري أن رؤية اسبينوزا الفلسفية حلولية متطرفة؛ تضرب بجذورها في القبالاه اللوريانية (م 3، ص 382)، فهو يقف على بداية سلم طويل من المثقفين الغربيين العلمانيين ذوي الجذور اليهودية، الذين يقفون على هامش الحضارة ولا يشعرون بأية قداسة نحو أي شيء. والمهم في تحليل المسيري لفلسفة اسبينوزا الذي كان ـ كما نعلم ـ ضد اليهود وهاجم اليهودية، مما أدى إلى أن يعتبره البعض ضد الصهيونية. ولكننا ـ كما يقول المسيري ـ بينّا أن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ هو أساس لكل من معاداة اليهود والصهيونية. وينتمي اسبينوزا إلى هذا النمط، فعداؤه الشديد لليهود أدى به إلى طرح اقتراح صهيوني.

يؤول المسيري أقوال اسبينوزا لتوضيح أن «المشروع الصهيوني تنفيذ حرفي

(67)

للمشروع الاسبينوزي. ذلك أن الصهيونية “علمنت” اليهودية و”طهرتها” من الغيبيات والثنائيات والغايات الأخلاقية، فوحدت بين الخالق والمخلوق والطبيعة، بحيث لا يمكن فصل بعض هذه الأشياء عن الآخر، تمامًا مثلما وحد اسبينوزا بين الإله والإنسان والطبيعة في إطار واحديته الكونية المادية. لذا، فقد أقيمت في إسرائيل مراسم عودة اسبينوزا إلى حظيرة الدين مرةً أخرى، ويحتفل بميلاده وذكرى نشر مؤلفاته، ويوجد معهد متخصص لدراسة كتبه [1].

إن وسيلة المسيري في فهم وتفسير فلسفة اسبينوزا ـ هذا الفهم والتفسير الذي لا نتفق فيه معه - هي ملء بعض الفراغات الموجودة بين السطور والكلمات وبين الدال والمدلول من خلال معرفتنا برؤية اسبينوزا؛ الذي طرح في تفسيره اقتراحًا صهيونيًا في قوله ـ الذي لم يحدد لنا المسيري مصدره، رغم أهمية ذلك الشديدة، والنص الذي يستشهد به هو ـ: «إنني لأذهب إلى حد الاعتقاد بأنه لو لم تكن مبادئ عقيدتهم [أي اليهود] قد أضعفت عقولهم، لو سنحت الفرصة وسط التغيرات التي تتعرض لها أحوال البشر بسهولة، فقد ينشئون مملكتهم من جديد، وقد يختارهم الإله مرةً ثانيةً» (المسيري، م 3، ص 384). ربما يفيد تحديد النص واللغة المترجم منها في معرفة السياق الذي علينا أن نقرأ فيه كلمات اسبينوزا. وبالتالي فإن هذا النص يمكن أن يقرأ قراءات متعددةً من الصعب أن تكون قراءة المسيري إحداها أو أقربها للفهم والتصديق.

وينطبق ذلك على تحليله لفلسفة برجسون، الذي يمكن توصيف عالمه ـ كما كتب المسيري ـ بأنه مثل معظم الأيديولوجيات العلمانية، يحاول أن يرد العالم بأسره إلى مبدأ واحد، وهو في حالته مبدأ التطور الدارويني. وشأنه شأن نيتشه ووليام جيمس؛ إذ يحاول أن يحيي هذا العالم الميت المغلق بأن يجعله كيانًا تطوريًا عضويًا مفعمًا بالحياة التي تنبعث من داخله وتحركه، وهي سبب نموه. ويتحدث

(68)

عن البعد اليهودي في فلسفة برجسون، الذي كان يذهب إلى أن اليهودية ديانة مغلقة من وحي مجتمع مغلق، وأنها دين ساكن استاتيكي جامد، أخلاقه مغلقة، تحمل الفرد على الإخلاص بشكل غريزي للجماعة، على عكس الكاثوليكية، فهي ديانة عالمية تتجاوز اليهودية. والمسيح في نظره أكبر شخصية صوفية عرفها التاريخ. وبرجسون عند المسيري أقرب إلى اسبينوزا منه إلى اليهودية الحاخامية، فكلاهما يهاجم جمود اليهودية لكنه يدور في إطار وحدة الوجود (الروحية والمادية). وفي هذا التوصيف كثير من التبسيط والعمومية التي تلغي الفروق بين مبدأ التطور الدارويني والتطور الخلاق عند برجسون، وبين من يهاجم المادية الآلية في عصره، وبين وحدة الوجود المادية. مما يسهل ربط فلسفة برجسون بما يقابلها مثل فلسفة نيتشه، فكلاهما فلسفة حياة، لكن الاختلاف بين حياة إرادة القوة النيتشوية والروح الخلاقة البرجسونية يجعلنا نميل إلى بيان التمايز بينهما مع ـ بل قبل ـ بيان الاتفاق أو التشابه المستحيل.

وبعد أن يتناول[1] المسيري إدموند هوسرل والفينومينولوجيا يتوجه إلى البعد اليهودي في فلسفته. هنا أيضًا يظهر أن البعد الذاتي هو أساس التفسير، فالمسيري يرى في فكر هوسرل نزعةً حلوليةً كمونيةً واحديةً (روحيةً ماديةً)، لكن مصادرها ليست بالضرورة ـ فيما يقول ـ يهوديةً، ففكره امتداد للتقاليد الحلولية الكمونية المادية الروحية في الغرب منذ عصر النهضة. ومع هذا فهو يضيف: «[ونحن نجد] أن ثمة تشابهًا بنيويًا عميقًا بين محاولة تأسيس الحقيقة على أساس تجاوز الذات الفردية والموضوع، وصولًا إلى نقطة الواقع باعتباره ظاهرةً خالصةً داخل الوعي الجمعي من جهة، ومفهوم الإله في أسفار موسى الخمسة». ومع هذا، يرى المسيري أن الحديث عن يهودية هوسرل حديث لا طائل من ورائه، فقد تنصّر في مطلع شبابه، فهو ليس يهوديًا حتى من الناحية الشكلية! ويضيف أن كل الدراسات

(69)

حول فلسفة هوسرل توضح أنها لم تستطع التخلص تمامًا من الثنائية التي حاولت تجاوزها [1].

ويتناول ليف شيستوف (1866- 1938) والفلسفة المسيحية، وهو فيلسوف ليس له حضور قوي في تاريخ الفلسفة، يذكر غالبًا في التأريخ للفلسفة الروسية، و”يُنظر إليه من منظور مسيحي أو وجودي يصعب تصنيفه باعتباره يهوديًا حاخاميًا” كما يقول المسيري. بل إن المفكرين اليهود الذين يشير إليهم في كتاباته مثل اسبينوزا لا يظهرون باعتبارهم يهودًا، وإنما باعتبارهم ممثلين لنزعة التأمل العقلي والنزعة العقلية الهيلينية في الحضارة الغربية. ومما له دلالته أن شيستوف، شأنه شأن بوبر، لم يؤثر البتة في الفكر الديني اليهودي، ولكنه ترك أثرًا في مفكرين مسيحيين ـ أو ذوي أصول مسيحية ـ مثل: ألبير كامي وبرديائيف.

ومقابل شيستوف الوجودي، فإن هوراس كالن (1882 - 1974) البرجماتي، الذي لا يتوقف أمامه الباحث في تاريخ الفلسفة، يذكر في الفلسفة الأمريكية، وهو مفكر تربوي وفيلسوف برجماتي أمريكي يهودي صهيوني، وأحد تلاميذ وليام جيمس. وهو يلاحظ في كتابه “المثاليون في مأزق” العلاقة الوجدانية الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، بل والتشابه البنيوي بينهما. فهو يؤكد في بداية كتابه «أن كلًا من إعلان استقلال إسرائيل وإعلان استقلال الولايات المتحدة يعبر عن مسيرة الإنسان نحو الحرية ونحو المزيد من التقدم». ويرى المسيري أنه محق تمامًا في رصده التشابه بين البرجماتية والصهيونية؛ فكلتاهما تصدر عن فكرة الطبيعة السائلة الكونية، وعن الإنسان الطبيعي الذي يصبح جزءًا مستقلًا يتوحد بهذه السيولة، فتسقط كل الحدود التاريخية والقيم المطلقة وأي شكل من أشكال التجاوز، ولا يبقى سوى البقاء كهدف نهائي، والقوة كآلية لتحقيق هذا البقاء» (م 3، ص 392). ويشير المسيري إلى تأكيد كالن أنه لا يوجد شعب عربي، وإنما

(70)

توجد شعوب متحدثة بالعربية، وأن ما يسمى بالعربية إن هو إلا رد فعل للنهضة الصهيونية!

ويؤسس كالن حق اليهود في فلسطين على أسس برجماتية راسخة، هي ذاتيتهم المطلقة؛ إذ يقول: «إن هذا الحق يستند إلى الشعور القوي الجارف لدى اليهود بمركزية إسرائيل في حياتهم، كما يستند إلى خوف اليهود الدائم من أن هتلر قد يجيئ في أي مكان، وبسبب هذه «الحالة الشعورية» تصبح فلسطين من حق اليهود وليس العرب». وهذه حالة شعورية ذات قيمة نقدية فورية!

ويصنف المسيري كالن باعتباره من صهاينة الدياسبورا التوطينيين، فهو يرى أن الصهيونية تنبع من الإيمان بالتعددية الحضارية، «فالحركة الصهيونية بمنزلة توكيد على ولاء اليهود الأمريكيين لحضارتهم الأمريكية، ولكنهم مع هذا جزء منه، ويقومون بتغذية هذا التيار بعناصر جديدة عليه» (الفردوس الأرضي، م 3، ص 395).

وفي تناول المسيري جورج لوكاش والماركسية الجديدة، بعد أن يعرض لحياته ومؤلفاته وفلسفته، يعرض لما وُجّه إليه من انتقادات؛ فهو يبشر برؤية غائية للتاريخ، ويحول ماركس إلى منهج، ومن ثم يضعه فوق النقد، كما أن رؤيته للمعرفة نخبوية. وقد زود عدمَ الاكتراث السياسي بأساس فلسفي، كما اتُهم بالغائية الكاملة، بل وبالمشيحانية، والخلاصة: أنه إذا كانت ثمة حلولية في فكر لوكاش، فهي حلولية كمونية علمانية مادية، لا تختلف كثيرًا عن أية منظومة فكرية هيجلية تحاول أن ترى تجليات العقل المطلق في التاريخ والمادة (م 3، ص 398) [1].

ويلفت المسيري الانتباه ـ في سياق بيان جهود كلود ليفي شتراوس ـ إلى أنه لفهم فكره وظهور ما بعد الحداثة لا بد من فهم الفكر البنيوي (في سياقه الغربي)

(71)

باعتباره تجليًا لإشكاليات العلمانية الشاملة، والتأرجح بين التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع، ويعرض اعتراضات دعاة الاتجاه الإنساني الهيوماني التاريخي على البنيوية، وتحفظات أنصار ما بعد الحداثة عليها وعلى مفهوم البنية. ويشير إلى ظاهرة ذات دلالة عميقة من وجهة نظره، وهي أنه بينما يتهم الوجوديون البنيوية بأنها معادية للإنسان، يتهمها أنصار ما بعد الحداثة بأنها مثل الوجودية متمركزة حول الإنسان. ويذهب المسيري إلى أن «هذا التناقض الظاهري يدل على تصاعد معدل العداء للإنسان والحلولية الكمونية في الفلسفة الغربية، فما كان معاديًا للإنسان، متطرفًا في عدائه في الخمسينيات والستينيات، أصبح هو ذاته متمركزًا حول الإنسان، متطرفًا في تمركزه في الثمانينيات!» (م 3، ص 403).

وبعد أن يوجز المسيري تحفظات أنصار ما بعد الحداثة، يتوجه إلى يهودية ليفي شتراوس. وقد رد شتراوس أصول فكره ومنهجه إلى ثلاثة مصادر، اليهودية ليست إحداها. وإن كان إدموند ليش ـ أحد تلاميذه ـ قد حاول تطبيق طريقته في التحليل الأسطوري على اليهودية، إلا أنه (أي شتراوس) أبدى عدم اهتمامه بالديانات ككل، إلا من حيث اعتبارها نصوصًا إثنولوجيةً. وهو يطرح مقابل الفكر الديني نسقه العقلاني المادي الصارم الخالص. ومع هذا، فالمسيري يعرض رأي البعض القائل بأن المقولات الدينية والإثنية اليهودية تركت أثرها الواضح في مقولات شتراوس التحليلية العلمية. فالبنية ليست شيئًا خارجيًا، وإنما هي مستقرة في الذات الجمعية، وهي لا تختلف كثيرًا عن تصور أسفار موسى الخمسة للإله، فهو إله متجاوز للواقع المادي وللأفراد، ولكنه حالٌّ في الشعب بأسره وفي العقل الجمعي الإسرائيلي، وهو الذي يوجهه ويوجه تاريخه، تمامًا كما تفعل البنية، فيما يقول المسيري، عند البنيويين والماديين الجدد، وإن مقولة الثنائيات المتعارضة تعود إلى التعارض الثنائي الذي يعيشه كل يهودي، أي ثنائية اليهود/ الأغيار. وإن الثنائية في حالة شتراوس كانت أكثر عمقًا. وإن اشتغاله بالأنثروبولوجيا هو في ذاته

(72)

تعبير عن يهوديته، فالأنثروبولوجي يشبه اليهودي التائه. وإن الأنثروبولوجي يعلن ولاءه للبدائي على حساب الحضاري، وللهامشي على حساب المركزي. هكذا يكتب المسيري، وإن كنا نتساءل هل يتحدث عن ولاء الأنثروبولوجي أم تخصصه. لذا، فهو عنصر من عناصر التفكيك والتقويض في العالم، وكما يواصل المسيري، فهو من دعاة الاستنارة المظلمة والهرمنيوطيقا المهرطقة، واليهودي لا يختلف عن ذلك كثيرًا. والحقيقة أن هذه الأوصاف الأخيرة خاصة بالمسيري، مما يشي بأنها آراء وانتقادات له. ومع هذا، فهي في واقع الأمر ليست مقصورةً على اليهودي. وهو يصف فلسفته والبنيوية ككل بأنها شكل من أشكال وحدة الوجود المادية، وأن هذه الحلولية الشاملة نزعة عامة في الحضارة الغربية الحديثة (م 3، ص 405). وإذا كانت البنيوية عند البعض ـ رغم صعوبة ذلك ـ منهجًا في المعرفة ودراسة الظواهر، فهل يمكن وصف المنهج بأنه شكل من أشكال وحدة الوجود المادية؟!

ويتخذ تناول المسيري لفلسفة هربرت ماركيوز خصوصيةً من وجهة نظرنا، فهو فيلسوف وسياسي ماركسي وعضو في مدرسة فرانكفورت، وأهم المفاهيم التي طورها فكرة الإنسان ذي البعد الواحد، وهو إنسان المجتمعات الحديثة الذي تم احتواؤه تمامًا، وتم تخليق رغباته وتطلعاته من قبل مؤسسات المجتمع، حتى استبطن قيمه كافةً، وأصبح يرى أن الهدف من الوجود تعظيم الاستهلاك والإنتاج والاختيار بين السلع المختلفة. ووصف ماركيوز للإنسان ذي البعد الواحد هو نسق واحدي مغلق، ولذا فإنه يحاول أن يفتح النسق. وواضحٌ التشابه بين طرح ماركيوز وطرح المسيري في هذه النقطة، لذا فهو لا يوجه إليه ملاحظات ـ مثلما يفعل مع غيره ـ، ويجد بعض المبررات لمواقفه، على العكس مما فعله محمود أمين العالم في كتابه “ماركيوز... أو فلسفة الطريق المسدود”، حيث ينتقده بشدة.

فماركيوز عند المسيري ليس له اهتمام خاص بالموضوع اليهودي، وإن كان أيد إسرائيل عام 1967 في هجومها على الدول العربية باعتبار أن ذلك دفاع عن النفس.

(73)

يرى المسيري أن من العسير أن نعثر على البعد اليهودي في فكره، فهو مفكر متأثر بالتقاليد الألمانية في الفلسفة، خاصةً هيجل وماركس، أما موقفه من إسرائيل فهو موقف سياسي ينم عن جهل شديد، وربما عن انتهازية شخصية لا علاقة لها بالبنية العميقة الكامنة لفكره الفلسفي[1].

والحقيقة أننا لا يمكننا الاكتفاء ببيان تناول المسيري لماركيوز والتعجب لماذا لم ينل منه مثل بقية الفلاسفة الذين عرض لهم، وما سبب ومبرر هذه الخصوصية في التعامل معه؟ تلك مسألة تحتاج إلى بعض التفسير، ربما انتماء ماركيوز إلى مدرسة فرانكفورت ذات التوجه الماركسي الذي كان ينتمي إليه المسيري يومًا ما، ربما لتحليله للتشيؤ والاغتراب والإنسان ذي البعد الواحد الذي يوظفه المسيري في كتاباته؛ المهم أن القارئ يستشعر أن هناك تقاربًا بينهما، هذا التقارب هو سبب عدم إصرار المسيري على نقده ووصفه بما وصف به زملاءه.

يعطي المسيري مساحةً واسعةً للحديث عن نعوم تشومسكي والثورة التوليدية (عشر صفحات)، ويتناول الأفكار المحورية في النسق الفكري لديه: مثل الحديث عن البنية السطحية والبنية العميقة، والنحو الكلي، موضحًا أن النظام المعرفي عند تشومسكي يستند إلى ثنائية الإنسان والطبيعة، وإلى الإيمان بأن البشر مختلفون عن كل من الحيوانات والآلات، وأن هذا الاختلاف هو أساس كرامة الإنسان وأخوة البشر. ويرى المسيري أن هذا الإيمان باستقلالية العقل عن البيئة المحيطة به وإبداعه هو أساس هجومه (نعوم تشومسكي) على الفلسفة الوضعية والتجريبية، فهي فلسفات لا تكترث بالبنى العميقة؛ وفي هذا الإطار يعارض تشومسكي الرؤية الهوبزية الداروينية النيتشوية ومنطق القوة الصماء، وبعد عرض المنظومات المختلفة (المعرفية واللغوية والأخلاقية والسياسية) عند تشومسكي، يتوقف عند

(74)

بعض التناقضات العميقة في فكره؛ فهو فوضوي ملتزم بالعلم والتكنولوجيا، وهو يؤمن بأن عقل الإنسان حر بسبب الأنساق الكامنة فيه، لكنه يعود ويرى أنها «برنامج» و«شفرة». وهو يقف بشدة ضد الرأسمالية والسوق الحرة باسم الدفاع عن الحرية، ويتعاطف مع التخطيط العقلاني الذي يعني ضرورة اكتشاف القواعد وتطبيقها، كما يعني المزيد من الترشيد! (م 3، ص 413). بالطبع إن من الصعب تناول جهود عالم لغة مثل تشومسكي وفي نفس الوقت مفكر وفيلسوف سياسي أيضًا جملةً واحدةً وإلا تداخلت هذه المجالات الثلاثة.

ويلاحظ فيما يتصل بالقضية الفلسطينية أن تشومسكي ليس لديه آراء معلنة في اليهودية واليهود، ولكن موقفه من الصهيونية يتسم بنوع من الازدواجية واللاتاريخية، وأن موقفه من إسرائيل يتسم بالرؤية النقدية الصارمة، فهو يقبل حق تقرير المصير للفلسطينيين في الضفة والقطاع، ويبذل جهدًا غير عادي في كشف السياسات العدوانية والتوسعية والعنصرية من جانب إسرائيل وعمالتها للولايات المتحدة، وقد وقف ضد اتفاق أوسلو. ويشير المسيري إلى أن تشومسكي رغم أصوله اليهودية الإثنية الواضحة، فإنه نادرًا ما يذكر في الموسوعات والمراجع الصهيونية باعتباره فيلسوفًا أو عالمًا لغويًا يهوديًا، ويتساءل بصدد ذلك: هل اتخاذ مفكر يهودي موقفًا معاديًا من الصهيونية أو من بعض جوانبها أو من إسرائيل يسقط يهوديته؟ يبدو لنا أن هذا السؤال إجابة؛ إجابة على الكتابات اليهودية، سواء في تناولها للفلاسفة اليهود أو في صمتها عن تناول أعمالهم.

(75)

تعقيب

ويهمنا قبل الانتهاء من هذا الفصل أن ندلي ببعض الملاحظات التي يمكن أن تضاف إلى ما أشرنا إليه في السياق:

أولها: أننا إزاء تناول تاريخي للفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية منذ فيلون حتى تشومسكي، كما يتضح من تناول المسيري في القسم الذي خصصه لهم، ومن الممكن أن يضاف إلى هؤلاء شخصيات أخرى تناولها المسيري في الموسوعة أيضًا ولكن في سياق آخر، مثل: مارتن بوبر وإيمانويل لفيناس وهرمان كوهين، وكذلك بعض من تناولهم تحت عنوان «مفكرون وعلماء نفس واجتماع من الجماعة اليهودية».

ثانيًا: أن تناول المسيري لهؤلاء الفلاسفة يأتي في سياق رؤيته للحلولية الكمونية الواحدية؛ فهم عادةً من حملة الرؤية الحلولية العلمانية (م 3، ص 365)، التي بلغت ذروتها عند اسبينوزا (م 3، ص 372)، فهي حلولية متطرفة (م 3، ص 382)، كما أن هناك نزعةً حلوليةً كمونيةً واحديةً في فكر هوسرل (م 3، ص 390)، وإن كانت ثمة حلولية في فكر لوكاش فهي حلولية كمونية علمانية مادية (م 3، ص 398)، ويمكن وصف فلسفة ليفي شتراوس بأنها شكل من أشكال وحدة الوجود المادية والحلولية الشاملة (م 3، ص 450).

ثالثًا: تأثر معظم هؤلاء الفلاسفة، مثل: فرويد وأينشتاين وبرجسون، باسبينوزا (م 3، ص 379)، وسرت إليهم الفلسفة النيتشوية حتى قبل ظهور نيتشه، وبرجسون شأنه شأن نيتشه (م 3، ص 375)، وحينما ظهر نيتشه ـ الذي أعلن موت الإله ـ تلبست النيتشوية المفكرين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر، إذ كانت الحلولية اليهودية قد توصلت إلى النيتشوية قبل نيتشه ـ على حد قول آحاد هعام ـ (م 3، ص

(76)

346).

رابعًا: يحرص المسيري في ختام تحليله لجهود هؤلاء الفلاسفة على بيان البعد اليهودي في فلسفاتهم، أو على الأقل الإشارة إليه، وفي حالات عديدة يحرص على نفيه بعد ذلك أو تأكيده، كما في موقفه من إرنست بلوخ الذي يذكر أنه لا يفرد دورًا خاصًا لليهودي، ثم يؤكد على صهيونيته (م 3، ص 352). ويرى أن فكر ولتر بنجامين ليس يهوديًا، وإنما هو تعبير واضح عن استيلاء الفكر الحلولي على المجتمع الغربي (م 3، ص 354). وموقف حنا إرنت من الصهيونية تغير من الأربعينيات وأخذ شكلًا معاديًا للصهيونية (م 3، ص 355). وإشيا برلين يؤيد الصهيونية كل التأييد. كما يخصص المسيري عدة صفحات لتناول اسبينوزا وعلاقة فلسفته بالعقيدة والجماعات اليهودية (م 3، ص 380-384). وبرجسون رغم إعجابه الشديد بالكاثوليكية، فإنه لم يتخذ الخطوات النهائية للانضمام للكنيسة وقبول التعميد، وهو أقرب إلى اسبينوزا منه إلى اليهودية الحاخامية (م 3، ص 388). وهناك علاقة واضحة بين فلسفة هوسرل في تأسيس الحقيقة على الذات وبين مفهوم الإله في أسفار موسى الخمسة، ومع هذا فقد تنصّر هوسرل في مطلع شبابه، فهو ليس يهوديًا حتى من الناحية الشكلية (م 3، ص 390). ويمكن تصنيف كالن باعتباره من صهاينة الدياسبورا التوطينيين (م 3، ص 395). وماركيوز ليس له اهتمام خاص بالموضوع اليهودي (م 3، ص 407).

خامسًا: يتضح مما سبق أن قراءة المسيري لهؤلاء الفلاسفة قراءة تاريخية، عارضة محللة، وفي نفس الوقت قراءة سجالية. فهو مع حرصه على الإشارة إلى البعد اليهودي في فلسفاتهم ثم تأكيده أو نفيه، يتوقف عند حضور هذا الفيلسوف أو ذاك في المصادر والكتابات اليهودية انطلاقًا من قبوله أو رفضه للعقيدة أو الهوية اليهودية، ويناقش موقف هذه المصادر من الفلاسفة الذي يعرض لهم، فهو يثير قضية يهودية سيمون فاي، فقد ورد اسمها في كل من الموسوعة اليهودية

(77)

ودليل بلاكويل للثقافات اليهودية باعتبارها كاتبةً يهوديةً، مع أنها رفضت اليهودية وهاجمتها (م 3، ص 358). وتقول الموسوعة اليهودية إن شيستوف كان يهوديًا ومسيحيًا في آن، وهو تصنيف أقل ما يوصف به أنه غريب للغاية! (م 3، ص 391). واسم هوسرل لم يرد في كثير من الموسوعات التي تحدثت عن الثقافة اليهودية، وإن كان قد ورد في بعض منها مثل “الموسوعة اليهودية” (م 3، ص 390). ومما يجدر ذكره أن تشومسكي، رغم أصوله اليهودية الإثنية الواضحة، إلا أنه نادرًا ما يُذكر في الموسوعات والمراجع اليهودية باعتباره فيلسوفًا أو عالمًا لغويًا يهوديًا (م 3، ص 471).

وهنا نتساءل: إذا كانت أعمال الفلاسفة لا تتناول موضوع اليهود واليهودية إلا عرضًا، وإذا كانت تصب في المجرى العام لتيار الفلسفة الغربية، فكيف يتم تعاملنا معهم من منطلق تضمُّن فلسفاتهم لأسس اليهودية ـ اقترابًا منها أو ابتعادًا عنها؟

ألا ينفي هذا مقولة المسيري الأساسية التي تنفي وجود فلسفة يهودية وتردّ إبداع الفلاسفة إلى المجتمعات التي عاشوا فيها والقضايا الوجودية والمعرفية والأخلاقية التي شغلتهم في هذه المجتمعات بتناولهم باعتبارهم فلاسفة يهود؟

(78)

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

المسيري ونيتشه

(79)

 

نيتشه فيلسوف العلمانية واليهودية والنازية

إذا انتقلنا من التناول التاريخي للفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية إلى الموقف النقدي للمسيري من الفلسفة، فإننا نجد أن أوضح ما يميز هذا الموقف هو تناوله لفلسفة نيتشه وبيان تأثيرها على فلاسفة الجماعات اليهودية وعلاقتها البنيوية بالنازية والصهيونية. وهو لا يكتفي بأن يخصص لفلسفة نيتشه والنيتشوية فقرات خاصة، بل يتكرر عرضه لآراء نيتشه ونقده لها على امتداد كتاباته، وعلى امتداد صفحات مجلدات الموسوعة.

وعلى الرغم من تمييزه فلسفة نيتشه عن “النيتشوية” [1]، إلا أن نيتشه يبدو وكأنه خصم المسيري الأساسي وعدوه الأول. فإذا كان نيتشه يعتبر نفسه عدو المسيح، فإنه يظهر كما نرى وكأنه عدو المسيري الأساسي، كما يظهر من كتاباته الأخيرة عنه، التي تبدو لنا وكأنها رمي الجمرات في رجم إبليس! ولم لا؟ أليس نيتشه هو فيلسوف المادية، اللاعقلانية، والسيولة الشاملة؟ أليس هو وفق تحليل المسيري وتعبيره فيلسوف العلمانية والعدمية الأكبر؟!

يحمّل المسيري نيتشه والنيتشوية كل خطايا الحضارة الغربية، وكل مآسي البشرية وشرورها ولا أخلاقياتها. فهو تعبير عن الحلولية والعلمانية، وتسري كتاباته وأفكاره وعباراته في الحياة اليهودية وكتابات أعضاء الجماعات اليهودية ـ أدبائها ومفكريها، وعلمائها، وفلاسفتها، وقادتها، وحركاتها الاجتماعية والدينية والسياسية ـ وفلسفته أساس النازية[2]، وترتبط بالصهيونية ارتباطًا وثيقًا إذ تمدها بالإطار المرجعي، وهي ماثلة في الفكر اليهودي حتى قبل أن يخط نيتشه حرفًا

(80)

واحدًا، وهناك الكثير من النيتشويين ممن لم يقرأوا صفحةً واحدةً من أعمال نيتشه، والخطاب الإمبريالي منذ لحظة ظهوره في القرن السابع عشر كان خطابًا نيتشويًا[1]!

لقد رحب نيتشه بالعدمية زائرًا دائمًا في وسطنا، في عصرنا الحديث المادي، وأعلن فلسفة القوة والشجاعة التي لا تعرف الضحك ولا البكاء ولا تكترث بالضعفاء، حيث لا ذات ولا موضوع، ولا حلال ولا حرام، إنما هناك فقط صراع بين قوى مظلمة ظالمة يُحسم بطريقة مادية طبيعية في إطار فلسفة القوة. لا توجد لغة تواصلية؛ إذ إن إرادة القوة هي التي تربط السبب بالنتيجة، وتصبح هي مبدأ التماسك أو السيولة في العالم ومصدر المعنى واللامعنى. وهذه هي فلسفة الواحدية المادية والعلمانية الشاملة كما يصفها المسيري. فإرادة القوة عند نيتشه تمثل المطلق العلماني (م 1، ص 272). وهو أيضًا فيلسوف عصر السيولة. وهو في واقع الأمر فيلسوف نهاية الحداثة، أي ما بعد الحداثة، فقد أدرك بثاقب نظره أن الحقيقة الكلية المادية ـ التي بشّر بها دعاة الاستنارة (المضيئة) والتحديث والعقلانية المادية ـ مرتبطة بالتجاوز والميتافيزيقا، وأنه لا يمكنها أن تنفصل عنهما...» (م 1، ص 290).

يتناول المسيري فلسفة نيتشه والنيتشوية في سياقات متعددة، ويستخدم فلسفته، وهذا هو المهم، ويربطها بالنماذج التفسيرية الثلاثة لعمله (الحلولية والعلمانية الشاملة والجماعة الوظيفية)، وكذلك في المفاهيم التي تحدد لنا رؤيته الفلسفية العامة ـ نقصد رؤية المسيري ـ كالنزعة الجنينية والواحدية المادية الكونية، وشحوب الإله والإنسان الطبيعي والسيولة الشاملة وغيرها. وهذا هو السياق الأول. فهو يقدم لنا قراءته الخاصة وتفسيره وتأويله لها.

كما حدد لنا تغلغلها في أعمال أعضاء الجماعات اليهودية، من أدباء ومفكرين

(81)

وفلاسفة ورجال أعمال وقادة، وكذلك في الحركات اليهودية المختلفة، السياسية والاجتماعية والدينية، وهنا نشير إلى كتاب إستيان أوديف “على درب زاردشت” الذي يفسر استمرار النتيشوية وتأثيرها على الفلاسفة التاليين عليه، وهو ما نجده في كتاب جورج لوكاش “تحطيم العقل”. ويمثل ذلك السياق الثاني الذي يظهر لنا توظيف المسيري للأفكار النيتشوية، ونقده لها في نفس الوقت، مما يجعله ـ وهذا هو السياق الثالث المهم للغاية والذي يميز قراءة المسيري ـ يبرز علاقات تشابه بنيوية بين النيتشوية من جانب والنازية والصهيونية وما بعد الحداثة ـ التي سنخصص لها ولموقف المسيري منها الفقرة التالية ـ من جانب آخر. أما الآن، فإن علينا أن نحلل السياقات الثلاثة لفلسفة نيتشه والنيتشوية في موسوعة المسيري.

أولًا: النيتشوية في نماذج المسيري التفسيرية ومفاهيمه الفلسفية:

لا شك في أن أعمدة النماذج التفسيرية التي يقدمها لنا المسيري في المجلد الأول لفهم تناوله لليهود واليهودية والصهيونية وأهمها تظهر في الحلولية ـ أو الرؤية الواحدية الكمونية ـ مقابل الرؤية الثنائية المتجاوزة والتي تحتاج منا إلى تحليل خاص، وكذلك في تفسيره للفرق والمفاهيم والفلسفات التي قدمها أعضاء الجماعات اليهودية؛ والعلمانية الشاملة التي ميزت الفكر الغربي ونمط الحضارة الغربية؛ داخلها النيتشوية كعنصر ومكون جوهري وأيضًا الجماعة الوظيفية.

1- النيشوية والحلولية:

أ) في حديثه عن السياق الحضاري الألماني للإبادة (في الجزء الرابع من المجلد الثاني)، يرى المسيري أن المثالية ربطت الفرد بالمطلق، وأن الحلولية الألمانية وصلت إلى قمتها في منظومة هيجل الشاملة التي تساوي بين المقدس والزمني، ثم يبلغ الحلول منتهاه في فلسفة نيتشه وفلسفات الحياة.

(82)

يؤكد المسيري أن الإبادة وتفكيك الإنسان إمكانية كامنة في الحضارة الغربية الحديثة[1]. ويوضح ذلك على النحو التالي: أن النازية سبقت ظهور ما بعد الحداثة بعدة أجيال، إلا أن كثيرًا من العناصر التي أدت إلى ظهور ما بعد الحداثة كانت قد تشكلت وتبلورت، وكانت الفلسفة الغربية قد دخلت عصر السيولة، فليس من قبيل الصدفة ـ فيما يرى المسيري ـ أن هايدجر بنزعته النيتشوية، والذي خرجت ما بعد الحداثة من تحت عباءته، قد أيد النازية بلا تحفظ وكان النازيون يعتبرونه فيلسوفهم. بهذا المعنى يمكن القول: إن الحضارة الغربية الحديثة هي ـ عند المسيري ـ تعبير عن التراجع التدريجي والمستمر للفلسفة الإنسانية الهيومانية، والتصاعد المستمر والمطرد للحلولية الكمونية المادية، التي تهمش الإنسان ومنظوماته المعرفية والأخلاقية. وفي عرضه للقومية العضوية يرى أن الإطار الذي تدور في فلكه هو المرجعية المادية الكاملة والحلولية العضوية، فتصبح الأمة مرجع ذاتها، وتصبح هي ذاتها مصدر شرعيتها، وتصبح إرادتها مصدر وحدتها وتماسكها، تمامًا كما أن إرادة القوة في المنظومة النيتشوية هي مصدر تماسك الفرد ووحدته وهويته (م 2، ص 91).

وحين يكتب المسيري عن أثر الحسيدية بحلوليتها المتطرفة في الوجدان اليهودي المعاصر، يعرض سيادة النيتشوية. لقد كان فرويد مهتمًا بالحسيدية القبالية، ومن هنا كانت نظرياته في الجنس وفي علاقة الذات بالكون. وكان أدب كافكا أيضًا متأثرًا بالحسيدية. ويظهر تأثيرها واضحًا تمامًا في أعمال مارتن بوبر وفلسفته التي توصف بأنها «حسيدية جديدة»، لأن الإله ـ حسب هذه الفلسفة ـ لا يحل في مخلوقاته ويؤثر فيها وحسب، بل إن مخلوقاته تؤثر فيه بدورها، ولذا يكتسب كلُّ فعلٍ ـ مهما تدنى ـ دلالةً كونيةً. كل هذا يؤدّي إلى إمكانية الحديث عن جوٍّ نيتشويٍّ عامٍّ في أوروبا يتصاعد مع معدّلات العلمنة وتآكل المنظومات الدينية

(83)

المختلفة، الأمر الذي يؤدّي إلى تصاعد معدّلات الحلولية، إلى أن تصل إلى وحدة الوجود الروحية والمادية والواحدية الكونية (م 5، ص 368)[1].

لقد تزايد بروز المفكرين اليهود في الحضارة الغربية مع تزايد حلوليتها وعدميتها في مرحلة الحلولية بدون إله. وحينما ظهر نيتشه، الذي أعلن موت الإله، تلبست النيتشوية المفكرين اليهود في أواخر القرن التاسع عشر، إذ كانت الحلولية قد توصلت إلى النيتشوية قبل نيتشه (م 3، ص 346). ومما لا شك فيه أن غربة المثقف اليهودي في مجتمعه عمّقت اغترابه وموقفه النقدي والعدمي.

وحين يتحدث المسيري عن الحركة الفرانكية (نسبة إلى جيكوب فرانك) التي تعود إلى 1759، ومنظومتها الحلولية التي يصل فيها الحلول إلى منتهاه، إذ يحل الإله في المادة ويموت، وتصبح وحدة الوجود ماديةً كاملةً، المادة فيها مقدسة تمامًا، والإنسان فيها إله، ويتساوى فيها الخير والشر، والوجود والعدم، حين يتحدث عنها يوضح أنها أكثر حداثةً وجذريةً من منظومة نيتشه (م 5، ص 308).

2- النيتشوية والعلمانية:

ب) يوضح المسيري في مدخل «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية والجماعات اليهودية» أن للرؤية المعرفية الإمبريالية والتشكيل الاستعماري الغربي أثرًا واضحًا في أعضاء الجماعات اليهودية، ويتضح هذا في فكر نيتشه الذي اكتسح كثيرًا من المفكرين اليهود في القرن التاسع عشر (م 3، ص 40).

يربط المسيري بين العلمانية والنيتشوية، وعلينا هنا توضيح ذلك لأهميته في سياق تحليل المسيري لفلسفة نيتشه. المطلق العلماني عند فيلسوف إرادة القوة

(84)

يأخذ أشكالًا كثيرةً، ولكنه في التحليل النهائي هو الطبيعة، التي يشير إليها عادة بـ «الطبيعة/ المادة». وكما يذكر المسيري هو «اليد الخفية» عند آدم سميث، و«المنفعة» عند بنتام، و«وسائل الإنتاج» عند ماركس، و«الجنس» عند فرويد، و«إرادة القوة» عند نيتشه، و«قانون البقاء» عند داروين، و«الطفرة الحيوية» عند برجسون، و«الروح المطلق» عند هيجل (م 1، ص 272). وتنكر المنظومة العلمانية الإمبريالية الآخر، وهذا ما يتضح في النزعة النيتشوية القوية في الفكر الصهيوني.

يربط المسيري الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية بالصهيونية وبالنزعة النيتشوية (م 6، ص 66) وهو ما يحتاج إلى توضيح. فهي (أي النيتشوية) من المصادر العلمانية للفكر الصهيوني، حيث يتخذ اليهود كأمةٍ متفوقةٍ (سوبر أمة) ـ كما يطلق عليها المسيري ـ العنفَ آليةً حتميةً للبقاء، برفض أخلاق الضعفاء (الدينية)، واعتماد إرادة القوة باعتبارها المطلق الأخلاقي الوحيد. يميز المسيري في التصوف اليهودي بين تصوف توحيدي وآخر حلولي يصدر عن الإيمان بالواحدية الكونية، حيث يحل الإله في الطبيعة والإنسان والتاريخ ويتوحد معها، وهو في أشكاله المتطرفة شكل من أشكال العلمنة، وتلمح فيه ملامح سوبرمان نيتشه، الذي لا يؤمن إلا بإرادة القوة ويتجاوز أخلاق الضعفاء (م 4، ص 164).

إن نيتشه هو فيلسوف العلمانية الأكبر عند المسيري، كما يؤكد على ذلك دائمًا، فهو حين يتناول اسبينوزا والعقلانية المادية يؤكد أنه ـ مع نيتشه وبعده دريدا ـ فيلسوف العلمانية الأكبر (م 3، ص 370)، وهو يفيض في بيان العلاقة بينهما موضحًا أوجه الاتفاق والاختلاف.

وهو يأخذ على المفكرين العلمانيين العرب عدم ربطهم بين نيتشه والعلمانية: «لم يحاول أي من الدارسين أن يبين علاقة البنيوية وما بعد البنيوية بالعلمانية، والجميع يشير إلى كانط وربما هيجل، ولكن الجميع يبتعد عند نيتشه ودريدا. ومن

(85)

ثم، لم يتناول أيٌ منهم قضية العدمية والفوضوية» (م 1، ص 228). ويبين ـ رغم أن ذلك سنعرض له لاحقًا ـ أن الُكتّابَ من الجماعات اليهودية يُعبّرون عن الرؤية العلمانية المعرفية الإمبريالية عبر تأثُّرهم بنيتشه، مثل: ماكس نورد الذي كان متأثرًا بنيتشه في هذه الرؤية (م 6، ص 254)، كما يظهر إيمان أهارون جوردون بالواحدية المادية الكونية بتأثير نيتشه (م 6، ص 272).

ج) ويربط المسيري بين العلمانية الشاملة والجماعات الوظيفية، ويحدد التشابه بينهما مثل: التعاقد، العزلة والغربة والعجز، الانفصال عن الزمان والمكان، الإحساس بالهوية المقدسة (الوهمية)، ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية، الحركية، ويربط هذه الخصائص بالنيتشوية. يقول: «يصبح الإنسان بلا جذور ولا ارتباط، غير ملتزمٍ بأية منظوماتٍ قيميةٍ، فهو يُخضِع كل شيءٍ لإرادة القوة النيتشوية» (م 1، ص 386).

يبين المسيري أن ثمة علاقةً بين سمات الجماعة الوظيفية والرؤية المعرفية العلمانية، ويذهب إلى أن المجتمع العلماني الحديث يستند إلى فكرة القانون الطبيعي/ المادي والتعاقد ومبدأ المنفعة (اللذة). ويحدد لنا بعض آليات تحول الإنسان التراحمي إلى إنسان تعاقدي وظيفي علماني ذي بُعدٍ واحد، إنسانٍ متشيّئٍ يشبه عضو الجماعة الوظيفية (م 1، ص 387). ويرى أن تزايد معادلات النسبية المعرفية والأخلاقية من أهم آليات تحويل الإنسان الرباني إلى إنسان وظيفي تعاقدي. فمع اختفاء القيم الأخلاقية المتجاوزة لذات الإنسان يتمركز الإنسان حول ذاته، ويصبح هو المعيار الأوحد. وهو ما يؤدي إلى ظهور إرادة القوة، وإنسان نيتشه، والحرية الكاملة (م 1، ص 391).

د) تتأسس النماذج على النيتشوية، وكذلك المفاهيم التي يستخدمها المسيري في رؤيته الفلسفية العامة. فالنيتشوية تظهر في مصطلحات «القومية العضوية» (م

(86)

2، ص 91)، و«الشعب المختار» (م 5، ص 74)، و«لاهوت موت الإله»، وهي عبارة مأخوذة من فيلسوف العدمية والعلمانية الأكبر فريدريك نيتشه (م 5، ص 445)، وهي تعني أن القوة الخالقة للعالم المتجاوزة له قد اختفت وأن الإله فقد اسمه، وهي تعني عند نيتشه ـ صاحب العبارة ـ غيابَ فكرة الكل التي تشكل الأنطولوجيا الغربية، ويعبر عنها المسيري إسلاميًا بــ«نسيان الإله» (م 1، ص 205). وعبارة «ظلال الإله» أشار إليها نيتشه، وهي بعض الأفكار الكلية والمطلقة التي استمر وجودها حتى بعد ظهور الرؤية العلمية المادية وانتشارها (م 1، ص 204)، و«شحوب الإله» مصطلح قام المسيري بصياغته على غرار مصطلح نيتشه «موت الإله» ليصف إحدى مراحل الحلولية الكمونية ومستوًى من مستويات العلمنة، والانتقال من إحدى مراحل الحلولية إلى المرجعية الكامنة (الموضع السابق)، و«النزعة الجنينية»، التي تعبر عن نفسها من خلال نمط أساسي هو نمط التأرجح بين الواحدية الذاتية والموضوعية والثنائية الصلبة، وبين الصلابة والسيولة الشاملة، وإذا كانت الفلسفة الهيجلية بواحديتها وعضويتها تعبيرًا عن النزعة الجنينية في حالة الصلابة[1]، فإن فلسفة نيتشه هي تعبير عن حالة السيولة، وما بعد الحداثة هي حالة الجنينية الواحدية السائلة (م 1، ص 70).

ويظهر نيتشه أيضًا في بيان المسيري للإنسان الطبيعي. فإنسان نيتشه نتاج عملية التطور، وهو إنسانٌ كاملٌ اسمًا، فهو في جوهره حيوانٌ كاملٌ خاضعٌ تمامًا لقوانين التطور الطبيعية. هنا يدخل نيتشه كعنصر توضيحي لمفاهيم المسيري حتى يستطيع نقده. وهذا ما يتضح في بيانه إخفاقَ النموذجِ المادي في تفسير ظاهرة الإنسان: «الماديون في عصر ما بعد الحداثة ينكرون تماما فكرة الكل، ويعلن نيتشه موت الإله الذي يعني في الواقع نهاية الكل». ويشير إلى اللاسببية السائلة عند نيتشه في تناوله للسببية الصلبة واللاسببية السائلة.

(87)

وكذلك في النموذج الاختزالي؛ فهو يوضح الفكر المعادي للاستنارة، الذي يصل إلى قمته عند نيتشه (م 1، ص 148). وكذلك في مصطلح الداروينية الاجتماعية، التي هي تحقيق الكائناتِ البقاءَ من خلال القوة، وتأكيد الإرادة النيتشوية على الواقع، والبقاء من نصيب الأصلح القادر على التكيف الاجتماعي والأقوى القادر على فرض إرادته. كما تظهر النيتشوية أيضًا في الحديث عن اللاعقلانية المادية (م 1، ص 78).

ثانيًا: النيتشوية في الفرق وكتابات أعضاء الجماعات اليهودية:

يحرص المسيري على تلَمُّس آثار النيتشوية في أعمال الأدباء والمفكرين والفلاسفة والعلماء من أعضاء الجماعات اليهودية، وعلى القادة ورجال الأعمال، وفي الحركات والفرق اليهودية المختلفة.

أ) إذا توقفنا عند ما كتبه المسيري عن «الآداب المكتوبة بالعبرية منذ بداية العصر الحديث حتى عام 1960»، نجده يذكر أن أحد أشهر كُتّاب القصة والمقال في تلك الفترة هو ميخا جوزيف بيرديشفسكي، الذي حاول في قصصه العديدة ذات النزعة النيتشوية أن يجد حلًا لمشكلة الإنسان اليهودي في مواجهة المجتمع. وقد تأثر بأفكار شوبنهور وأفكار نيتشه بشأن السوبر مان ـ أو الفرد الممتاز المتميز ـ الذي يرتفع على الجماعة والتقاليد، كما أنه تبع نيتشه في إصراره على إعادة تقويم جميع القيم وإخضاعها للنقد الكامل. وإذا كان بيرديشفسكي قد هاجم جماعة أحباء صهيون وهرتزل وآحاد هعام ـ لأن الأخير أكد أهمية ما سماه «القيم الروحية» ـ فإن المسيري يرى أن بيرديشفسكي لو قرأ كتابات آحاد هعام بقليل من الإمعان لاكتشف فيها النزعة النيتشوية القومية، ولاكتشف أن مفهوم هعام بشأن «السوبر أمة» أو «الأمة الكاملة» لا يختلف كثيرًا عن مفهوم السوبرمان، ولاكتشف أن القومية العضوية مفهوم يجمع بينه وبين ونيتشه (م 3، ص 311).

(88)

إن الموضوع في كتابات إسحاق بابل (كاتب قصة قصيرة ومسرحي سوفييتي يهودي) يكتسب أبعادًا نيتشويةً واضحةً كما يرى المسيري. وهو في هذا لا يختلف كثيرًا عن كثير من الأدباء اليهود في عصره، الذين اكتسحتهم النيتشوية مثل آحاد هعام فيلسوف أوديسا وحاخامها اللاأدريّ (ص 287).

وقد ترجم ديفيد فريشمان (وهو أديب ولد في بولندا) بعض أعمال نيتشه (ص 310). وهاينريش هيني شاعر نيتشوي قبل ظهور نيتشه يحتفي بالحياة، حياة تحيي نفسها بنفسها (ص 277). ويذكر المسيري تأثُّرَ أوجست سترندنبرج أهم كتاب المسرح السويديين بأفكار نيتشه (م 2، ص 387).

ويؤكد المسيري على وجود عناصر من فكر نيتشه في نظرية أوتو فينجر، الفيلسوف وعالم النفس النمساوي، الذي يوضح كتابه الجنس والشخصية ـ عبر رؤيته المعادية للمرأة ولليهود ـ أن خلاص اليهودي لا يأتي إلا من تخلصه من يهوديته. ويذكر أن كتابه هذا طبع في ثلاثين طبعة وترجم إلى عدد من اللغات الأوروبية، وهو ما يبين مدى هيمنة الفكر النيتشوي والعرقي على الوجدان الغربي.

ويناقش أفكار تيودور لسنج (1872- 1933)، المفكر الألماني الذي قدم عدة دراسات عن تاريخ الأفكار، إحداها عن نيتشه، والذي يوضح أن مأساة اليهود تكمن في أنهم نُزِعوا من جذورهم، وانفصلوا عن غرائزهم الطبيعية المرتبطة بالأرض، بحيث تحولوا من كونهم شعبًا من الرعاة والفلاحين يعيشون في الطبيعة إلى شعب منحل يتسم بالرومانسية الزائدة، يؤمن بأخلاق الضعفاء بدلًا من أخلاق الأقوياء ـ على حد تعبير نيتشه ـ (ص 391).

ويوضح أن رجل الأعمال روبرت ماكسويل (1923- 1991) يعتبر عبقريًا حقيقيًا بالمعنى النيتشوي للكلمة، أي إنه عبقري لا يهتم كثيرًا بالمعايير الأخلاقية أو الإنسانية، فهو مثل (السوبرمان) يُسخِّر الآخرين لحسابه، ولذا كان عبقريًا في

(89)

عمليات التنظيم الإداري وتحقيق الأرباح وتعظيمها وعقد الصفقات الرابحة، ولكنه كان عبقريًا أيضًا في نهب الآخرين والتجسس واستخدام النفوذ (ص 65).

وتحدث عن دون بيير زعيم الحسيدية وخليفة بعل شيم طوف، الذي ذهب إلى أن القداسة من خلال الجسد والدنس أمر صعب على البشر العاديين، لذا فقد جعلها مقصورةً على الرجال المتميزين، واعتبر أن هؤلاء وحدهم هم الذين يمكنهم تجاوز مقولات الخير والشر كأبطال نيتشه (م 2، ص 360).

وحين يتناول مناحم بيجين في الجزء الرابع من المجلد السابع (عن النظام الاستيطاني الصهيوني)، يذكر أن من أبرز مؤلفاته التمرد (1951)، الذي تناول فيه قصة الأرجون، وصرَّح فيه بفلسفته الداروينية النيتشوية العلمانية الشاملة (م 7، ص 247).

ب) في حديث المسيري عن الصابرا؛ يذكر وصف آرثر كوستلر للنموذج الجديد باعتباره “طرزانًا” يهوديًا، أي إنسانًا طبيعيًا مجردًا من التاريخ والقيم، يعيش بين الغابة الغربية الداروينية، ولم يبق له من اليهودية سوى الشكل، أي إنه علمانيٌ تمامًا، ويشار إليه أحيانًا بوصفه سوبرمانًا يهوديًا، قياسًا على سوبرمان نيتشه الأرقى؛ الذي يمجّد الفكر النازي والصهيوني. وبالفعل نجد أن الصابرا ـ كما يقول المسيري ـ يجسِّدُ مجموعةً من القيم النيتشوية التي تُعلي من شأن القوة والفعل، مقابل الضعف والفكر (م 2، ص 130).

والعدمية الفرانكية تشبه في كثير من النواحي العدمية المتغلغلة في الفكر الغربي الحديث. وهو لا يستبعد أن يكون فرويد قد تأثَّر بنمط تفكير فرانك. ويرى أن النمط الفكريّ لجيكوب فرانك يشبه إلى حدٍّ ما الفلسفة الأوروبية السائدة الآن في الغرب باسم «التفكيكية»، التي ترمي إلى هدم فكرة المعنى أساسًا. ويشير إلى أن التقاليد السفاردية العدمية بدأت باسبينوزا وشِبتاي تسِفِي، ثم تبعهما في ذلك

(90)

الدونمه والحركة الشبتانية، ثم انتقلت هذه التقاليد إلى جيكوب فرانك السفاردي، وأخيرًا إلى كل من دريدا وإدموند جابيس[1] (م 5، ص 312). وفكر الحركة الكنعانية متأثِّرٌ ببيرديشفسكي وأفكار الكونية وبالنزعات النيتشوية الفلسفية (م 2، ص 133).

لقد لاقت فلسفة نيتشه صدًى لدى الشباب اليهودي في شرق أوروبا بين العديد من الصهاينة؛ لأنها فلسفة حدودية، تنصح الإنسان بأن يعيش في خطر دائم، وأن يبني بيته بجوار البركان. وقد وصل هذا التيار النيتشوي الصهيوني الحدودي إلى الذروة في عقيدة جوش أيمونيم الاستيطانية، حيث يذهب المستوطن الصهيوني إلى وسط المدينة العربية ويؤسِّس بيته (م 2، ص 315). تخبِّئ الرؤية العلمية النفعية المحايدة أخلاقيًا الرؤية الداروينية النيتشوية، بتأكيدها فكرة البقاء باعتبارها القيمة المطلقة، والصراعَ باعتباره الآلية الوحيدة للبقاء. وهي علمية مادية محضة (م 2، ص 412). وينقلنا ربط المسيري النيتشويةَ بأعضاء الجماعات اليهودية من جهة، والفرق اليهودية المتطرفة من جهة ثانية، إلى الحديث عن تناوله لكل من النيتشوية والصهيونية والنازية.

ثالثًا: النيتشوية والصهيونية والنازية:

يرى المسيري أن علينا أن نأخذ في الاعتبار، أثناء دراسةِ ظاهرةِ معاداة اليهود، الإطارَ العامَّ الذي يتمّ فيه هذا العداء، ومدى قربِ أو بعدِ أعضاء الجماعات اليهودية من النخبة، والعمليات الفكرية والذهنية التي يتعامل المعادون لليهود من خلالها مع الواقع الإنساني المركَّب. ويرى أن الفكر العنصري يعبّر عن نفسه من خلال أي نسقٍ فكريٍ متاحٍ في المجتمع. وهو يقدّم فلسفة نيتشه مثالًا لذلك، فمن الثابت، فيما يرى، أن فلسفة نيتشه زوَّدَت العنصريّين وأعداء اليهود بإطارٍ فكريٍ يتمتّع بالاحترام وبالمصداقية (م 2، ص 339). وإذا كانت النيتشوية تُعدّ سندًا

(91)

فلسفيًا للعنصرية؛ فإنّه يمكننا أن نتناول علاقتها بكل من الصهيونية والنازية، وذلك على الوجه التالي:

أ) يخصِّص المسيري أحد دراساته عن النيتشوية والصهيونية، وذلك في إطار تناوله إشكالية التعاون بين أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين. حيث يؤكِّد أنّ النازية تنبع من عدّة روافد في الفكر الغربي الحديث، لعل من أهمها على الإطلاق الفكر الفلسفي الرومانسي الألماني، وبخاصّةٍ الفكر النيتشوي، أو «النيتشوية». وهو حريصٌ على أن يشير منذ البداية إلى تمييزه بين «الفكر النيتشوي» و«فلسفة نيتشه». الأخيرة توجد في أعماله الفلسفية، أمّا الأولى فهي منظومةٌ شبه متكاملةٍ استنبطها الإنسان الغربي من أعمال نيتشه، وحققت من الذيوع والانتشار ما يفوق أعمال نيتشه الفلسفية ـ حسب قوله، الذي يمكن أن نناقشه فيه. ولذلك؛ فإن ما يهمُّه في دراسة تاريخ الأفكار هو الفكر النيتشوي وليس أعمال نيتشه الفلسفية. هل هذا ممكن؟ أليس من الضروريّ تحليل أعمال نيتشه ومناقشتها، بحيث يمكن أن يَحسِم هذا النقاش كثيرًا من القضايا التي لم تُحسم بعد، مثل موقف نيتشه من اليهود؟ فالمسيري يرى أن موقف نيتشه من اليهود يتَّسِم بالغموض، وهناك مقابل ذلك رأيٌ يذهب إلى أنّه على العكس من ذلك كان معاديًا لليهود، وهذا بالفعل ما نجده في أعمال نيتشه التي تُظهر موقفًا سلبيًّا من اليهود، باعتبار أن اليهودية هي الديانة التي تُمثّل أخلاق الضعفاء[1]. إلّا أن هناك جانبًا آخرَ يشير إليه المسيري، وهو رفض نيتشه معاداة اليهود، وكَيلُهُ المدحَ لليهود أكثر من الألمان(43). ولا يقف المسيري أمام كل ذلك، فما يعنيه هو الفكر النيتشوي وأثره في الفكر الديني اليهودي وفي الفكر الصهيوني.

(92)

ب) وهو يستعين بآراء المفكّر الصهيوني الروسي آحاد هعام ليؤسِّس عليها العلاقة بين النيتشوية واليهودية. حيث يرى آحاد هعام أن نيتشه لم يفهم اليهودية، وأنّه خلط بينها وبين المسيحية، وأنّه لا توجد حاجةٌ لاستحداث نيتشويةٍ يهودية، ذلك لأن الجزء العامّ من الفلسفة النيتشوية موجودٌ في اليهودية منذ قرونٍ عديدة. فالمقولةُ النيتشويةُ الأساسيةُ الخاصةُ بتفوُّق النموذج الإنساني الأعلى على بقية البشر هي نفسها مقولةٌ يهودية. ويُحِلّ آحاد هعام فكرةَ الأخلاق محلَّ القوة. فإذا كان الهدف من الحياة هو الإنسان الأعلى؛ فيجب أن نقبل ارتباط ظهوره بظهور الأمّة الممتازة أو الأمّة العليا. فاليهود (الشعب المختار) يُمثّلون الأمّة المختارة، التي يصِفُها بنفس وصف نيتشه للإنسان الأعلى. ويميِّزُ آحاد هعام بين وحش نيتشه الجميل الأشقر القويّ المدافع عن الجسد والعنف (الذي أصبح المثلَ الأعلى النازيَّ)، وبين الإنسان الأعلى اليهوديّ الذي يدافع عن القيم اليهودية الخلقية ويقف ضدّ العنف.

ويلاحظ المسيري أن المفكّر الصهيوني الروسي لا يعترض على بُنيَة النيتشوية التي تستند إلى التفاوت بين الناس، وإنّما على مضمونها وحسب، وأنّ حديثه عن الأخلاق اليهودية لا يُغيِّر من البنية شيئًا، فالنيتشوية اليهودية مبنيّةٌ على فكرة تَفَوُّق اليهود وتعاليهم على البشر. وكما يرى المسيري؛ لم يكن آحاد هعام فريدًا في دفاعه عن النيتشوية. فقد تأثّرَ كثيرٌ من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية (خصوصًا الصهاينة منهم) بالفكر النيتشوي. ومن بين هؤلاء مؤسِّسُوا الحركة الصهيونية: تيودور هرتزل وألفريد نوسيج وماكس نوردو، كما تأثَّرَ بها صهاينة آخرون (م 2، ص 461). ولا يمكن فهم كتابات أهم الفلاسفة الدينيين اليهود المُحدَثين (مارتن بوبر) إلّا من خلال نيتشه، وكذا كتابات ليو شستوف، ومفكِّري مدرسة لاهوت موت الإله. وأَثَرُ نيتشه على جاك دريدا وإدموند جابيس واضحٌ تمامًا[1]. كما أن

(93)

البُعد النيتشوي في الفكر الصهيوني بُعد أساسي، ذلك أن الجميع هم أبناء عصرهم العلماني الإمبريالي الأداتي الشامل. وبالتالي، فإنّ التشابه بين الصهيونية والبنيوية ـ كما يقول المسيري ـ مدهشٌ حقًّا.

ج) ويرصدُ المسيري التشابهَ بين النيتشوية والصهيونية في النقاط التالية:

- كلتاهما ديانةٌ مُلحدةٌ أو حلوليةٌ بدون إله، أو تنتهي إلى وحدة وجودٍ ماديةٍ؛ تَرُدُّ الكون بأسره إلى مبدإٍ زمنيٍ واحد، هو إرادة القوة والإنسان الأعلى عند نيتشه، وإرادة القوة اليهودية وبقاء الشعب اليهودي عند الصهاينة.

- وهما تعبيرٌ عن تَوَثُّن الذات، حينما يحلُّ المُطلق في الإنسان ويُصبِح كامنًا معه؛ فيعبدُ الإنسانُ ذاتَه أو يعبد أسلافَهُ ـ أي الذات القومية المقدّسة باعتبارها تجسيدًا لذاته.

- كلتاهما ديانةٌ داروينيةٌ، تُسبِغُ نوعًا من الروحية والقداسة على قانون التطوّر، وتجعل من القوّة الأساسَ الوحيدَ لأيِّ نسقٍ أخلاقي.

- الحياة بالنسبة للنيتشوية توسُّعٌ ونُموٌّ واستيلاءٌ على الآخر وتغلُّبٌ عليه، ومعاداةٌ للفكر واحتقارٌ له، وتمجيدٌ للفعل المباشر ولأخلاق السادة الأقوياء. الحياة هي الإرادة والإرادة هي الحياة، وهذا هو جوهر الصهيونية، التي لا يمكنها أن تعيش إلا على التوسع وعلى إلغاء الآخر.

- وإذا كان نيتشه قد دعا الإنسان إلى أن يعود إلى حالة الحيوية والطبيعة، ينبُذُ العقائدَ الدينيةَ وأخلاقَ الضعفاء (حيث يحيا في خطر، ويكون في حالة حربٍ دائمةٍ)، فقد طَرحَت الصهيونيةُ نفسَها باعتبارها الأيديولوجية التي ستحوِّل يهود المنفى المترهِّلين إلى وحوشٍ يؤمنون بأخلاق القوة ويفرضون رؤيتَهم، فالمستوطنون الصهاينة يعيشون ـ حرفيًا ـ بجوار البركان في حالة حربٍ دائمةٍ.

(94)

- كلتاهما ذات تفكيرٍ نُخبويٍّ. نيتشه يسعى إلى المرحلة الأرقى والتي تظهر في السوبرمان، وتفكير الصهيونية النخبويّ يُحوِّل جماهيرَ اليهود في أرجاء العالم خارج فلسطين إلى مجرَّد جسرٍ يؤدي إلى أن يكونوا ظهر الدولة الصهيونية.

- الفكر النيتشويّ يماثل الفكرَ الصهيونيَّ في كونه فكرًا تختفي فيه حدود الأشياء ومعالمها، وهو ينفي التاريخ وحدوده؛ فتظهر حالةٌ من السيولة والنسبية التي لا تحسمها سوى إرادة القوة. ومن هنا يجيء حديثُ بِن جوريون عن الجيش الإسرائيليّ باعتباره خيرَ مفسِّرٍ للتوارة، وهو موقفٌ لا يختلف كثيرًا عن موقف نيتشه من تفسير النصوص.

- نيتشه بتفكيره المجرَّد لا يتحدَّث عن السعادة؛ فهي من شيم الضعفاء والعبيد. أمّا الإنسان الأعلى، فإنّه يعلو على الخير والشر، ويتجاهل اللذة والألم. وتجاهُل السعادةِ كقيمةٍ إنسانيةٍ هو أيضًا أحد سِماتِ الفكر الصهيوني، فالصهاينة مشغولون بتصوراتهم المشيحانية عن الدولة اليهودية والشعب المختار.

د) ويتناول المسيري نيتشوية الصهيونية في مواضع أخرى. فهو حين يعرض للإرهاب الصهيوني الإسرائيلي حتى 1948 يتحدَّث عن العنف والرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ، ويرى أنّ العنفَ النظريَّ والإدراكيَّ سمةٌ عامّةٌ في الفكر العلماني الشامل الإمبريالي، وأن الصهيونية لا تُمثِّل استثناءً من القاعدة، فهي قد نشأت في تُربة أوروبا الإمبريالية، التي سادت فيها فلسفات النيتشويةِ والداروينيةِ والرؤيةِ المعرفيةِ الإمبرياليةِ التي تتخطّى الخير والشرّ (م 7، ص 127). ونَجِدُ نفس الموقف في حديثه عن العنف الصهيوني وتحديث الشخصية اليهودية، الذي يتمّ بعلمنة الشخصية اليهودية وجَعلِها قادرةً على تغيير قِيَمِها حسبما تقتضيه الظروف والملابسات، وتبني قِيَمًا نيتشويةً وداروينيةً لا علاقةَ لها بالمطلقات الإنسانية أو الأخلاقية أو الدينية. والصهيونية عنده ـ حين يكتب عن السيولة الشاملة في

(95)

القرن العشرين ـ عودةٌ إلى الثنائية الصلبة. فبعد موتِ الإلهِ يبقى الشعبُ المقدّسُ المتمركزُ في أرضه المقدّسة (المستوطنون الصهاينة في فلسطين)، حيث تنتظمهم الدولة الصهيونية صاحبة الإرادة النيتشوية التي تَصدر عن حقوقٍ مطلقةٍ، منحها اليهود أنفسهم ـ تساندهم القوة العسكرية (م 5، ص 35).

هـ) إذا كانت النيتشوية قد قدَّمَت للعنصريين الإطارَ المرجعيَّ ـ كما يُؤكّد المسيري ـ فإنّ معنى ذلك أننا نَجِدُ في النازية ما وجدناه لدى الصهيونية من تغلغلٍ للنيتشوية. ومن هنا، فهو يتحدَّث عن الأصول الفكرية المشتركة عندهما في سياق تناوُلِه إشكاليةِ التعاون بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية والنازيين، حيث يؤكِّدُ على علاقةٍ وطيدةٍ بين النازية والصهيونية، رغم الدعاية الصهيونية، وتأكيدِ احتكارِ اليهودِ لدور الضحية في عملية الإبادة التي قام بها النازيون. ويشير المسيري وهذا هو المهم إلى مجموعةٍ من الأفكار المشتركة بين الرؤيتين النازية والصهيونية، مثل: القوميةِ العضوية، والتأكيدِ على روابط الدم والتراب ممّا يُؤدّي إلى استبعاد الآخر، والنظرياتِ العِرقية، وتقديسِ الدولة، والنزعةِ الداروينية النيتشوية. حيث يستخدم النازيون والصهاينة على حدٍّ سواءٍ الخطابَ النيتشويَّ الداروينيَّ نفسَهُ، المبنيَّ على تمجيدِ القوّة وإسقاط القيمة الأخلاقية (م 2، ص 458).

إنَّ السِمَةَ الأساسيةَ للمنظومةِ النازيةِ عند المسيري هي علمانيَّتُها الشاملة ووحدانيَّتُها المادية الصارمة. لذا؛ فهو يذكر لنا من العبارات المتواترة في الخطاب العضويّ النازيّ عبارةَ «الدم والتربة»، وهي عبارةٌ نيتشويةٌ (م 2، ص 410). هكذا ينظر المسيري إلى النيتشوية، التي أظهَرَت ما في الفكرِ الغربيِّ من سلبيّاتٍ وما في الحضارة الغربية من سيّئات. فهو ضدّ كلِّ ما فيه أثرٌ للنيتشوية، ومع كلّ ما هو مضادٌّ لها، كما يظهر في حديثه عن نعوم تشومسكي، الذي يعارض الرؤية الهوبزية الداروينية النيتشوية: منطق القوّة الصَمَّاء؛ فالتضامنُ الإنسانيُ ـ خلافًا للصراعِ الماديِّ ـ هو آليةُ البقاءِ الجديرةُ بالاحترام (م 3، ص 411).

(96)

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

المسيري وما بعد الحداثة

(97)

 

تمهيد:

يأتي تناولُ ما بعدِ الحداثةِ في موسوعة المسيري مرتبطًا بالمفاهيم الأساسية والنماذج التفسيرية التي يؤسِّسُ عليها المسيري عملَه، خاصّةً الحلولية والعلمانية الشاملة، حيث يستفيد من حصيلته الغزيرة في النقد الأدبي والفلسفة ليفيض في عرض أصول ما بعد الحداثة، وأهم أعلامها، والمفاهيم الأساسية التي تقوم عليها... يعرض ويحلل، يوضح ويفّسر، يناقش وينقُد، يضعها في سياقها الفلسفي وإطارها الحضاري، وذلك في عددٍ من المداخل في موسوعته، مثل: التحديث والحداثة وما بعد الحداثة، والمنظومات الحلولية الكمونية الواحدية، العلمانية الشاملة، السيولة الشاملة (عصر ما بعد الحداثة)، النظام العالمي الجديد وما بعد الحداثة ونهاية التاريخ، اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة، الصهيونية وما بعد الحداثة، مصطلحات ما بعد الحداثة، وغيرها من مداخل تتناول أعلام ما بعد الحداثة والمفاهيم والتصورات ما بعد الحداثية.

وعلى هذا، فإنّ بيان موقف المسيري من «ما بعد الحداثة» يوضِح لنا أمورًا عديدةً تتعلَّق برؤيته وموقفه الفلسفي، ونظرتِه إلى الحضارة الغربية المعاصرة على مستوياتٍ عديدةٍ، بالإضافة إلى تنبُّهِهِ هنا إلى العلاقة ليس فقط بين أعلام ما بعد الحداثة واليهودية والصهيونية، بل بين ما تروِّجه من مفاهيمَ وتصوّراتٍ تقودنا من الاختلاف والأرجأ والأثر، إلى اللاأساس والسيولة الدائمة وإلغاء أيّ سياقٍ وانتهاكِ كل الحدود. ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند موقف المسيري النقدي من ما بعد الحداثة، الذي يختلف عن موقف معظم الأساتذة العرب المعاصرين منها من حيث مستوى التناول والتحليل. فالبعض منهم اكتفى بالعرض، والبعض تناول ما بعد الحداثة على مستوى الأدب والنقد الأدبي (التفكيكية والفكر العربي)،

(98)

بينما حاول المسيري مناقشة ما بعد الحداثة على مستوى الفلسفة وتاريخ الأفكار. وهذا يقتضي تناولَ موضوعِ اليهودية والعلمانية وما بعد الحداثة قبل أن نعرض على التوالي للأصول الفلسفية التي مهّدت لما بعد الحداثة عند نيتشه وهايدجر، ثم لأعلام تيّار ما بعد الحداثة من فلاسفة الجماعات اليهودية الذين تناولهم المسيري في موسوعته. وأخيرًا، علينا تناول تفسيره لبعض مصطلحات ما بعد الحداثة، مع تعقيبٍ على موقفه منها.

أولًا: اليهودية والعلمانية الشاملة وما بعد الحداثة:

يلاحِظ المسيري أن كثيرًا من دعاة ما بعد الحداثة إمّا يهودٌ أو من أصلٍ يهودي: جاك دريدا ـ إدموند جابيس ـ هارولد بلوم. لذا، فهو يعرض لجذور ما بعد الحداثة في العقيدة اليهودية، ووضع اليهود في الحضارة الغربية، وفكر دعاة ما بعد الحداثة من اليهود. ثمّ يخصِّص بعد ذلك فقرةً أخرى عن أثر ما بعد الحداثة في العقيدة اليهودية فيما كتبه عن لاهوت ما بعد الحداثة. ويهمّنا منذ البداية أن نتناول هذه الإشارات الأساسية التي لا يتوقّف أمامها مؤيّدو أو منتقدو هذا التيّار ما بعد الحداثي من العرب. فإبراز العلاقة بين ما بعد الحداثة واليهودية والصهيونية هو ما يميز موقف المسيري منها (م 3، ص 23 - 24).

مع نهاية القرن التاسع عشر وتزايد هيمنة الإمبريالية على العالم، تبدأ الصهيونية في إحكام قبضتها على الجماعات اليهودية في الغرب. ويصبح تاريخ الجماعات اليهودية، من الناحية السياسية، هو تاريخ «صهينة» هذه الجماعات أو رفضها الصهيونية ومحاولة التملُّص منها. ولكن من الناحية الحضارية والثقافية يدخل أعضاء الجماعات اليهودية عصر ما بعد الحداثة، فيزداد اندماجهم في مجتمعاتهم، ولا يبقى أيُّ تمييزٍ مهنيٍّ أو حرفيٍّ قسريٍّ، كما لا يبقى أيّ تمييز ضدهم. ويزداد تهميش اليهودية في حياة أعضاء الجماعات

(99)

اليهودية، فهم يصبحون إمّا يهودًا إثنِيِّين ملحدين أو يهودًا إصلاحِيِّين أو محافظين، وهي يهودية مختلفة تمامًا.

ينطلق المسيري من «العلمانية الشاملة»، التي تؤدّي إلى فصل كلّ مجالات النشاط الإنساني عن الإنسان، ليشير كلُّ مجالٍ إلى نفسِه، ويستمد معياريَّتَه من ذاته. وهذا ما يُطلق عليه «التحييد»، الذي يتصاعد إلى أن يصبح العالم بأسره عبارةً عن مجالات لا يربطها رابط؛ فتتفكك وتختفي أية معيارية، حتى ولو كانت مادّيةً، فيصير العالم متفككًا بلا مرجعية معيارية، وهو الانتقال من عصر التحديث والحداثة إلى عصر ما بعد الحداثة.

إن ما بعد الحداثة هي غايةٌ ونتاجٌ ما أطلق عليه المسيري «العلمانية الشاملة». لذا؛ فهو يختتم الجزء الرابع من المجلد الأول (الذي يُخصِّصه للعلمانية الشاملة) بتاريخ موجز وتعريف تحت عنوان «العلمانية الشاملة من التحديث والحداثة إلى ما بعد الحداثة» وهو تمهيد لعمله الموسَّع الذي سيظهر بعد ذلك في مجلدين تحت عنوان “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، حيث يوضح ـ باصطلاحاته ـ الانتقال من رؤى التحديث (البطولية) إلى واقع الحداثة (العبثيّ)، ثم الاستقرار عند عالم ما بعد الحداثة (البرجماتي). ورغم أن التدرُّج يتم عبر ثلاث حلقاتٍ، إلّا أنّه يتحدَّث في الواقع عن مرحلتين: التحديث (الحداثة)، في مقابل ما بعد الحداثة.

والفرق الأساسيّ بينهما هو أن المرحلة الأولى تتميَّز بوجود مركزٍ واحدٍ أو مركزين متصارعين، ولذا فهي صلبة. أمّا الثانية فتتميَّز بتعدُّدٍ مفرطٍ في المراكز، أو بعدم وجود مركز؛ فهي سائلة. يتحدث المسيري أولًا عن المجال الاقتصادي، ويلاحظ ظهور مراكز اقتصادية في اليابان وجنوب شرق آسيا، وبداية الخصخصة في العالم الثالث، وتساقط سياسات الاقتصاد الوطني، وتَفَشّي النزعة الاستهلاكية، ودخول الدولة الصهيونية المرحلة الفردوسية الاستهلاكية. وفي المجال السياسي

(100)

والاجتماعي: مع تصاعد معدّلات التدويل في عصر ما بعد الحداثة ضمرت الدولة القومية ومؤسّسساتها. وفي المجال الدولي: تبدأ بالاستعمار الاستيطاني والإمبريالية العالمية، وتشهد ما بعد الحداثة بداية ظهور النظام العالمي الجديد.

وفي المجال الفلسفي: شوهِدَت بدايات المشروع التحديثي العقلاني المادي، وفي المرحلة الثانية تكتسب الحركة المادية مركزيةً كاملةً وحركيةً ذاتيةً مستقلةً عن إرادة الإنسان، بحيث تتجاوز أية نماذج عقليةٍ أو أية محاولةٍ للتفسير والتنظير، فكل شيء يسقط في الصيرورة وتختفي المنظومات الكلية، ولذا لا يتساءل الإنسان عن أصل الأشياء ولا عن معناها، ويختفيس البحث عن الأصول والمعنى.

وفيما يتعلق بالمنظومة الأخلاقية وأسلوب الحياة: يتم في المرحلة الأولى توليد منظوماتٍ أخلاقيةٍ ماديةٍ (اشتراكيةٍ أو رأسماليةٍ) يؤمن بها الإنسان الرأسمالي أو الاشتراكي. ولكن مع التزايد التدريجي يصبح من المستحيل الإيمان بأية قيمة، مما يعني اختفاء النزعة النضالية البطولية، وتلاشي النزعة الطوباوية وكل الأحلام المثالية، ويرفض الإنسان إرجاء إشباع اللذة الفردية. وهو ما يطلق عليه ليوتار غياب الأيديولوجيات الكبرى.

والذي نريد أن نؤكّد عليه هو أن المسيري يربط ما بعد الحداثة بما يطلق عليه العلمانية الشاملة، ويخصِّصُ الفقرة الخامسة من الجزء الرابع (الخاص بالعلمانية الشاملة) لتناول مصطلحاتٍ تشير إلى تفكيك الإنسان وتقويضه. فيُعرَف التفكيك بأنه فصلُ العناصر الأساسية في بناءٍ ما بعضَها عن بعض، بهدف اكتشاف العلاقة بين هذه العناصر والثغرات الموجودة في البناء، واكتشاف نقاط الضعف والقوة. وقد يتم حل هذا داخل إطارٍ فلسفيٍ إنسانيّ؛ بهدف زيادة إدراكنا للواقع، وفي هذه الحالة، فإن التفكيك يكون أداةً تحليليةً لا تحمل أيّ مضمون أيديولوجي. ويمكن أن يتمَّ في إطار نموذج الطبيعة/

(101)

المادة والواحدية المادية، بحيث يُرَدُّ ُكل شيء إلى ما هو دونه حتى نصل إلى الأساس المادي.

ولكن عملية التفكيك يمكن أن تستمرّ، فيتّضح أن ما يُسمّى «الأساس المادي» ليس أساسًا على الإطلاق، فالمادة في حالة حركة وتغيُّر، ومن ثَمَّ لا يمكن أن تكون هناك حقيقة. فالفلسفة التفكيكية (ما بعد الحداثة) عنده فلسفة تهاجم فكرة الأساس نفسها، أي ترفض المرجعية. وليس التفكيك فيها مجرّدَ آليةٍ في التحليل أو منهجًا في الدراسة، وإنّما رؤيةٌ متكاملةٌ يؤدّي التحليل فيها إلى تقويض ظاهرة الإنسان وأيِّ أساسٍ للحقيقة.

ما بعد الحداثة إذًا هي حالة التعددية المُفرطة التي تؤدّي إلى اختفاء المركز، وتَسَاوي كل الأشياء، وسقوطها في قبضة الصيرورة، بحيث لا يبقى شيء متجاوزٌ لقانون الحركة؛ فتصبح كل الأمور نسبيةً، وتغيب المرجعية والمعيارية، بل ويختفي مفهوم الإنسانية المشتركة، فتَفسدُ اللغة كأداةٍ للتواصل بين البشر، وينفصل الدالُّ عن المدلول، وتطفو الدوالُّ وتتراقص، فيما يُطلق عليه «رقص الدوال» ـ دون منطقٍ واضح ـ ، وتختفي فكرة الكلّ تمامًا. ما بعد الحداثة ـ كما يؤكِّد المسيري ـ هي تعبير عن انتقال الفكر الغربيّ من مرحلة الثنائية الصلبة إلى مرحلة الحلولية الكمونية الكاملة والسيولة، حيث يختفي المركز تمامًا (ص 415).

ما بعد الحداثة إذًا من الموضوعات التي أصبحت مركزيةً في فكر المسيري. وهو يرى أنها لا تشكّل انحرافًا عن الحضارة الغربية، وإنّما هي كامنةٌ في منظومة الحداثة نفسها. ويرتبط بذلك ما يسميه «نزعتها التفكيكية»؛ التي جعلت من قوانين المادة الطبيعية معيارًا لكلّ شيء، بما في ذلك الظاهرة الإنسانية. لكنّ القانون الطبيعي لا يعترف بأيّة مطلقات؛ إذ إنّه يقوم بتفكيك كلّ شيءٍ بما في ذلك الإنسان. ومع تفكيك كل شيء نصل إلى العدمية الكاملة، أو إنكار المركز ـ إلهيًّا كان أم

(102)

إنسانيًّا ـ، وإنكار القيمة، بل وإنكار الحقيقة ذاتها، ومن ثَمَّ، إنكار المَقدِرة على الحكم. أي إنّنا نصل إلى مرحلة ما بعد الحداثة اللاعقلانية المادية.

وبهذا المعنى يرى المسيري أن الحضارة الغربية الحديثة (في جانب هامٍّ من جوانبها) هي تعبير عن التراجع التدريجي والمستمر للفلسفة الإنسانية. وهذا التراجع يقابله تصاعد مستمر مُطَّردٌ للحلولية الكمونية المادية، التي تهمِّش الإنسان ومنظوماته المعرفية والأخلاقية جميعًا، وتساويه بالظواهر الطبيعية، وترُدُّه إلى العناصر الأولية المادية، أي تقوم بتفكيكه وتذويبه تماما في الطبيعة/ المادة، فتلغيه وتبيده ككائن ذي قيمةٍ مطلقةٍ (ص 402).

وهكذا تبدأ عملية «العلمنة الشاملة» ـ بعد مرحلة الإنسانية الهيومانية الأولى ـ بإزاحة الإنسان عن المركز، ثم نزع الجوانب الشخصية عنه، بحيث يصبح «شيئًا» ليست له خصوصية أو تفرُّد. ثمّ يُحرّر العالم من سحره وجماله؛ فيصبح الإنسان والطبيعة مادةً محضة. ثم تُنزع كلّ قداسةٍ عنه، وتُهتك كل أسراره، ويُعرّى من أية مثاليّات، لنصل إلى نوع من الإباحية الأخلاقية المعرفية. والمحصِّلة النهائية لكلّ هذا هي نزع الصفة الإنسانية عن الإنسان، وتحويله إلى مادةٍ محضة. وهذه هي قِمّة العلمنة الشاملة والتفكيك الكامل (ص 403).

ويستخدم المسيري كلمة «تفكيك» بمعنَيَين: التفكيك باعتباره تقويضًا، وهو هنا ليس مجرد آليةٍ، وإنما هو رؤيةٌ للكون. وفي الاستخدام الثاني ـ وهو السائد في عمله ـ يذهب إلى أن عملية الانتقال من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة هي في جوهرها عملية تفكيكٍ للإنسان؛ إذ يُرَدّ الإنسان الذي يتحرّك داخل حيِّزِه الإنساني والحيّز الطبيعي إلى المادة وقوانينها، فيُلغى الحيّز الإنساني، ولا يبقى سوى الحيّز الطبيعي المادي.

وتهدف ما بعد الحداثة ـ من وجهة نظره ـ إلى: نزع القداسة عن العالم (الإنسان

(103)

والطبيعة)، نزع السر عن الظواهر، تحرير العالم من سحره وجلاله، تجريد الإنسان من خصائصه الإنسانية، إزاحة الإنسان عن المركز، إسقاط السمات الشخصية، الاغتراب، اللامعيارية (اللاعقلانية المادية)، العلمانية الشاملة. ويربط المسيري كما هو مُتَوَقَّعٌ ومُنتَظَرٌ بين العقيدة اليهودية وما بعد الحداثة، ويقدّم لنا بعض نقاط التشابه بينهما على النحو التالي:

- تضمّ العقيدة اليهودية عددًا من العقائد غير المتجانسة والمتناقضة بشكل عميق، وكأنَّ اليهودية تفتقر إلى معياريةٍ واحدةٍ محددة، لذا، فمن الممكن أن يشير الدالُّ الواحدُ إلى مدلولَين متناقضَين.

- وجود الشريعة المكتوبة والشفهية، والإعلاء من شأن الأخيرة يعني أن الثابتَ هو التغيُّرُ، وأن اللامعيارية هي المعيارية. كما تعني أن الدالَّ الإلهيَّ الواردَ في العهد القديم لا يتحدّدُ مدلوله إلّا من خلال تفسير الحاخامات، وهي تفسيراتٌ متغيِّرةٌ.

- ثمّةَ مفاهيمُ دينيةٌ يهوديةٌ في تراث القبالاه الصوفي الحلولي قريبةٌ في بنيتها من مفاهيم ما بعد الحداثة، مثل مفهوم شفيرات هكليم والتسيم تسوم والتيقون، وهي مفاهيم ترى أن الإله لم يكمِّل عملية الخلق بعد، بل إن الذات الإلهية نفسَها لم تُخلق بعد، وهذا يعني أن العالم في حالة صيرورةٍ دائمةٍ.

ثانيًا: ما بعد الحداثة: الأصول والأعلام

نتناول في هذا الفصل الأصول الفلسفية التي تتأسّس عليها ما بعد الحداثة، ونقصد بها الفلاسفة المُمَهِّدين لهذا التيّار، خاصّةً كلًّا من نيتشه وهايدجر، اللذان أَولاهُما المسيري اهتمامًا كبيرًا في كتاباته من التحليل والنقد، حيث ترجع أصول ما بعد الحداثة فيما يذكر إلى الفلسفات الحلولية الكمونية الواحدية، والتي عبَّرَت في الحضارة الغربية الحديثة عن نفسها فيما أطلق عليه المسيري «العلمانية الشاملة».

(104)

ومن يتابع تحديداته التاريخية يجد أنه يميّز بين مرحلة الثنائية الصلبة، وهي فترة الحداثة، ومرحلة السيولة الشاملة، وهي فترة ما بعد الحداثة.

كما نتناول، بالإضافة إلى الجذور الفلسفية لهذا التيّار، الأعلام الذين تناولهم المسيري في موسوعته، خاصّةً من أعضاء الجماعات اليهودية، مثل إيمانويل لفيناس وهارولد بلوم وجاك دريدا على وجه التحديد.

والملاحَظ أن المسيري يعرض لفلسفة الاختلاف أو التفكيكية باعتبارها فلسفة ما بعد الحداثة، وهو في الغالب لا يميّز بينهما، والحقيقة أنّه رغم وجود تداخلٍ بين فلسفة التفكيك والاختلاف وما بعد الحداثة، ورغم إمكانية إدراج دريدا في هذا التيار، إلّا أنّ ما بعد الحداثة تجد تعبيرها الفلسفي عند فلاسفة أمثال: جان فرانسوا ليوتار، الذي أبدع المصطلح، وجان يودريارد، ويمكن إضافة جيل دولوز وجياني فاتيمو، وكلٌ من ميشيل فوكو وجاك دريدا. بل إن البعض يُرجع ما بعد الحداثة إلى كتابات أرنولد توينبي في دراسة التاريخ. إلّا أن ليوتار هو العلم على هذا التيار ـ الذي يشترك في بعض أطروحاته ويختلف في أخرى عن التفكيكية. ويظل دريدا ـ الذي يفرد له المسيري من كتاباته مساحةً واسعةً خاصّةً في الفقرة التاسعة من الجزء الثالث في المجلد الخامس، عن اليهودية وأعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة ـ يظلّ أيضًا على نحوٍ ما أحد دعاة هذا التيّار. ومع هذا يظل الباحثون مختلفين، ولا يوجد اتفاقٌ على تعريفٍ واحدٍ واضحٍ لما بعد الحداثة، فهناك اختلافات بين الكُتّاب حول المفكّرين الذين ينتمون إلى تيار ما بعد الحداثة. ونبدأ بالمُمهِّدين لهذا التيار، من أفرد لهم المسيري اهتمامًا خاصًا، وهما نيتشه وهيدجر وذلك بإيجاز.

1- لسنا في حاجة إلى إعادة الحديث عن نيتشه والنيتشوية، والتأكيد على كونه الملهِم الأول لهذا التيار، وأن ما طرحه يُعدّ هو الأساس لكلّ ما عبر عنه مفكرو

(105)

ما بعد الحداثة. وقد أفاض المسيري في بيان النيتشوية، والتأكيد على أنها تعبيرٌ عن العلمانية الشاملة وفلسفة عصر السيولة. والحقيقة أنه لا خلاف على دور فلسفة نيتشه في التأسيس لمعظم التيارات ما بعد البنيوية لدى فوكو ودولوز وليوتار ودريدا وغيرهم. لكننا نلمح في تناول المسيري تماثُلًا بين النيتشوية وعلاقتها بكل من النازية والصهيونية، وما بعد الحداثة وعلاقتها بهما. وهذا يتّضح من سياق عرضه الفلاسفة المعبّرين عن توجُّهات الحضارة الغربية ـ في مرحلتها الحالية ـ والممهِّدين لها، خاصّةً مارتن هايدجر.

2- يتناول المسيري مارتن هايدجر والنازية في الجزء الرابع من المجلد الثاني، حيث يتابع ويصحِّح ما أورده جيفري هيرف في كتابه “الحداثة الرجعية: التكنولوجية والثقافة والسياسة في جمهورية فيمار والرايخ الثالث” عن الحداثة الرجعية الفاشية التي تنتصر فيها الإرادة على العقل، والتي من مصادرها: الرومانسية، والمصطلح الوجودي عن الذات، واحتفاء نيتشه بالجمال الذي يتجاوز الأخلاق. ويصوغ المسيري هذه العناصر وغيرها صياغةً تجعلها نمطًا عاًما في الحضارة الغربية بقوله: «تصاعد معدّلات الحلولية الكمونية، والانتقال من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية، والتأرجح بين الذات والموضوع، وهو نمط عام يصل إلى قِمّته في فلسفة ما بعد الحداثة. وفلسفة هايدجر (1889 - 1976) هي جزء من هذا النمط العام» (م 2، ص 422).

ورغم أن المسيري يضع هايدجر في هذا السياق، فإنه يكتفي بهذه الإشارة الموجزة، ليستنتج ـ بعد الإفاضة في عرض فلسفته ـ الصلة الوثيقة بينه وبين النازية. فهو يؤكّد علمانية هايدجر الشاملة، ومادّيّته الراديكالية النيتشوية الجديدة، التي تظهر في تحريضه الجامعة الألمانية على أن تخوض غمار حرب حاسمةٍ بروح الاشتراكية الديمقراطية (النازية). كما تظهر هذه العلمانية الشاملة في تَبَنِّيهِ الحلّ الصهيوني للمسألة اليهودية بتوطين اليهود في فلسطين أو أيّ مكانٍ آخر خارج

(106)

ألمانيا وأوروبا. وهو فيلسوف النازية، حيث انضم إلى الحزب عام 1933، وهو من أعزّ أصدقاء بيوجين فيشر. وكان يتجسّس على زملائه ويشي بهم لحساب السلطة النازية. وإن كان المسيري يستدرك على ذلك كلّه بأن هايدجر أدرك خطأه واستقال من رئاسة الجامعة عام 1934، إلّا أنّه استمرّ في دفع اشتراكات العضوية في الحزب النازي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وتأكيدًا لهذا الجانب يذكر لنا جهود فيكتور فارس الذي يوثِّق هذا الجانب من حياة هايدجر الفلسفية عام 1987، وجيدو شنيبرجر الذي نشر كتابًا يضمّ 217 نصًا نازيًا لهايدجر. وبناءً على هذا الفهم يرى المسيري أن رؤية هايدجر العلمانية الإمبريالية الشاملة لا تمثِّل انحرافًا عن مسار الحضارة الغربية الحديثة، وأن النازية ما هي إلا تجلٍّ متبلور لهذا الاتجاه (م 2، ص 426).

3- يعرض المسيري لإيمانويل لفيناس (1905- 1996)، وهو فيلسوفٌ يهوديٌّ فرنسيٌّ ولد في ليتوانيا، ودرس بها العبرية والروسية، وتعلّم في جامعة ستراسبورج، ودرس على كل من هوسرل ومارتن هايدجر، وهو ينتمي إلى جيل الفلاسفة الجدد، الذين يرفضون الميتافيزيقا الغربية ويثيرون أسئلةً جديدةً. وقد هاجم لفيناس الهيجلية والبنيوية ووصَفَها بأنّها انتصار العقل النظريّ. ويعرض المسيري لفلسفته انطلاقا من عرضه لمصطلحَي «أنطولوجيا» و«ميتافيزيقا». و«الأنطولوجيا» هي الوجود المجرّد المتجاوز للموجودات، ومقابلها «الميتافيزيقا»، وهي ما لا يمكن التفكير فيه من خلال الأنطولوجيا. والميتافيزيقي الحقيقي يتحقّق منه لا في الذات ولا في الموضوع، وهو في هذا مثل كلّ الفلسفات الغربية بعد نيتشه، وهي العالم المعيش والواقع الموضوعيّ كما خبرته الذات، وهو عادةً يشير إلى تلك النقطة التي تلتقي فيها الذات بالموضوع أو تذوب فيه، ومن ثَمَّ فلا يوجد فيها لا ذات ولا موضوع، فهي نقطة صيرورةٍ كمونيةٍ كاملة، نقلت من قبضة الكل الشامل ـ حسب تعبير المسيري(*).

(107)

ويشير صاحب الموسوعة إلى تعريف لفيناس مهمَّتَه الفلسفية، وهي تعريف العصر الحديث بالتلمود. ويقول المسيري: «وهذا أيضًا هو جوهر الصهيونية، الدولة التي تضطلع بهذه المهمة بشكل مُتعيِّن» (م 5، ص 414) تعارض ليفنياس وهيدجر.

4- جاك دريدا، وهو الفيلسوف الفرنسي المعاصر، الذي استضافته القاهرة عام 1999م في مظاهرةٍ ثقافيةٍ لا مثيل لها إلا استقبالها سارتر الذي أعلن في غزة ـ مباشرةً بعد سفره من القاهرة ـ تأييده للدولة الصهيونية! دريدا فيلسوف يهودي فرنسي، تُعدّ منظومته الفلسفية قِمّةَ (أو هوّةَ) السيولة الشاملة والمادية الجديدة واللاعقلانية المادية. وهو أهمّ فلاسفة التفكيكية وما بعد الحداثة كما كتب المسيري. خرج من تحت عباءة نيتشه، وتأثّر بوجودية سارتر وتفكيكية هايدجر، وبالمفكر الديني اليهودي إيمانويل لفيناس. تعرَّفَ على ألتوسير الذي كان له أكبرُ الأثر في تفكيره، وعلى ميشيل فوكو الذي يُعدّ أهم استمرار لفلسفة القوة النيتشوية وأحد كبار فلاسفة التفكيك وما بعد الحداثة.

ويعتبر بحثُه الذي ألقاه عام 1966 في جامعة جونز هوبكنز ميلادًا للتفكيكية وما بعد الحداثة، التي أصبحت منذ هذا التاريخ ـ فيما يرى المسيري ـ تيارًا عامًا في الحضارة الغربية. وهو ينطلق من القول بعدم وجود أصلٍ من أي نوع، مثل نيتشه الذي أعلن موت الإله. ومن ثَمَّ يسقط كلّ شيءٍ بشكلٍ كاملٍ في الصيرورة بحيث يتساوى كل شيء. إن مشروع دريدا الفلسفي هو محاولة هدم الأنطولوجيا الغربية اللاهوتية بأسرها، والوصول إلى عالم من الصيرورة الكاملة عديم الأساس، لا يوجد فيه لوجوس ولا مدلول متجاوز، أي ـ وكما يحلو للمسيري أن يصفه ـ عالمًا بلا أصلٍ ربّاني ـ بل: بلا أصلٍ على الإطلاق، لا توجد فيه ثنائيات من أيّ نوع ـ الدَوالُّ ملتحمةٌ فيه تمامًا بالمدلول، ولذا لا توجد فيه لغة، وإن وُجدت فهي لغة الجسد.

(108)

يرى المسيري أن هذه الرؤية العدمية الفلسفية هي التفكيكية حينما تصبح منهجًا لقراءة النصوص. ويفيض في عرض فلسفته التي يمكن أن نتابعها في حديثه عن مصطلحات ما بعد الحداثة (راجع: م 5). ويؤكد المسيري أن فلسفة دريدا لا تُفهم إلا في سياق تاريخ الفلسفة الغربية، ولا تشكّل يهوديته إلا عنصرًا مساعدًا في تصعيد تفكيكيته.

5- هارولد بلوم: الناقد الأدبي الأمريكي الذي استخدم مقولاتٍ تحليليةً مستقاةً من القبالاه وفلسفة مارتن بوبر الحلولية الحسيدية الجديدة. والذي علينا من أجل فهم أعماله أن نفهم منظومته الغنوصية الصراعية.

ثالثًا: الصهيونية وما بعد الحداثة:

يحاول المسيري بعد بيان الصلة بين اليهودية واليهود وما بعد الحداثة، بيانَ الصلة بين الصهيونية وما بعد الحداثة، باعتبار الأخيرة وريثة بعض جوانب التراث اليهودي الحاخامي. والصهيونية في جوهرها حركةٌ فكريةٌ وسياسيةٌ غربية، وهي على ذلك إفرازٌ من إفرازات النموذج الغربي العلماني الشامل. ومن هنا، فثمّة علاقةٌ بنيويةٌ وثيقةٌ بينها وبين ما بعد الحداثة. وهو يذهب إلى أن كثيرًا من مقولات ما بعد الحداثة كانت قد تبدّت في الفكر الصهيوني قبل ظهورها كحركة فلسفية.

-تقوم الصهيونية بتفكيك كل من اليهودي والعربي. فكلاهما لا يتمتع بأية مطلقية، وكلاهما ليست له قيمةٌ تُذكر في ذاته، فهو شخصٌ لا جذور له، ومن ثَمَّ يمكن نقلُه ببساطةٍ من مكان إلى آخر، ويمكن أن تُفرض عليه هويةٌ جديدة.

- الصهيونية، مثل ما بعد الحداثة، نسبيةٌ تمامًا، تؤمن بالصيرورة الكاملة، وانطلاقًا من هذه الصيرورة وإنكار الكليات والحق والحقيقة تستخدم العنف لتغيير الوضع القائم لصالح صاحب السلاح الأقوى.

(109)

- يتبدى هذا الإيمان بالصيرورة في برجماتيةِ كلٍّ من الصهيونية وما بعد الحداثة. فالصهيونية تملك مقدرةً هائلةً على التحرك دون مطلقات.

- انطلاقا من هذا الإيمان بالصيرورة لا توجد قصةٌ (نظريةٌ) كبرى تنبع من إنسانيَّتنا المشتركة، ولذا، لا تبقى سوى قصصٌ صغرى. والصهيونية هي أيديولوجيا القصص الصغرى. فالصهيوني يؤسّس نظريته في الحقوق اليهودية في فلسطين انطلاقًا من شعوره الأزلي بالنفي وحنينه إلى صهيون، أي إنه يدور في قصته الصغرى.

- كلتاهما تتّسِمُ بالثنائيات المتعارضة المتطرّفة التي تؤدي إلى العدمية. فما بعد الحداثة تطرح تصورًا للحقيقة باعتباره حضورًا كاملًا مطلقًا. وحيث إن مثل هذا الحضور مستحيلٌ، فهي تُعلن أنه لا توجد حقيقةٌ على الإطلاق. وهذا لا يختلف كثيرًا عن طرح الصهيونية لفكرة اليهودي الخالص كمعيارٍ وحيدٍ للهوية اليهودية. وحيث إن مثل هذا اليهودي غير موجود في عالم المنفى، فإن عالم المنفى والأغيار يُرفض بأسره، حتى يتم تأسيس الدولة اليهودية. ثم تزول الثنائية تمامًا حين نكتشف أن الدولة ستعيد صياغة اليهودي ليصبح مثل الأغيار وتسود الواحدية. أي إنه يتمّ الانتقال من التعارض الكامل إلى التماثل الكامل، ثمّ إلى الواحدية التي تمحو الثنائية.

خاتمة وتعقيب:

حاولنا على امتداد هذا الفصل تقديم قراءةٍ حواريةٍ لقراءة عبد الوهاب المسيري للفلسفة. والمسيري كما هو معروفٌ ليس أستاذًا محترفًا يتخذ من الفلسفة مهنةً، فهو لا يمتهنها، بل يهواها. لذا فإنه ينظر إليها من خلال مسافةٍ تتيح له أن يتعامل معها لا تَعامُلَ العالم الدقيق الصارم، بل تَعامُلَ الفنان الجمالي المثالي. أو بمعنى أدق هو قارئٌ للفلسفة، يُقدّم لها قراءةً مختلفةً، يمكن لنا أن نصفها وفق عنوان أحد كتبه؛ هي قراءة لا ذاتية ولا موضوعية، ووفق عنوان مشروعه الفكري؛ هي قراءة متحيِّزة.

(110)

هكذا يدفعني المسيري وفق رؤيته الثنائية في اتجاهه، لكنني أعود ثانيةً إلى اتجاهي الذي أريد التأكيد عليه، وهو أن عددًا من المفكرين العرب كانوا على وعيٍ بأن مهمة الفلسفة ليست التحليق في قضايا الميتافيزيقا وتاريخها، والاندفاع بناءً على ذلك في قضايا زائفةٍ شَغَلت الواقع العربي عن مشكلاته الحقيقية، رغم الاختلاف والتباين في منطلقاتهم وغاياتهم، ورغم ما بينهم من تباين وتعارض، ومن هؤلاء: ناصيف نصار، وعلي أومليل، وهشام شرابي، وأنور عبد الملك، وعبد الوهاب المسيري. إنها لِبناتٌ تتراكم في بناءٍ لم يكتمل بعد، لكنني أراه واضحًا، وأراه أكثر وضوحًا في الجيل التالي، الذي يحرص على أن تكون الفلسفة ـ بمناهجها وأدواتها ـ رؤيةً لفهم الواقع العربي داخل هذا العالم الكبير. فالفلسفة رؤيةٌ للإنسان المتعيّن في محيطه التاريخي الاجتماعي أكثرَ من كونها سعيًا لتشييد مشاريع وأنساق كبرى.

رابعًا: الموقف من الحداثة وما بعد الحداثة

تناولنا في الفصول السابقة المسيري والفلسفة، المسيري والحداثة وما بعد الحداثة والعلمانية، التي يوضح معناها ويحدد أبعادها وينتقدها. كما قدمنا عدة دراساتٍ حول موقفه منها ووجَّهنا عددًا من الشباب الباحثين إلى ذلك، وقد أوضحت تعدُّد المجالات التي في خريطته المعرفية وأظهرت حيرة الباحث الذي يسعى إلى قراءة المسيري، وتشتدّ الحيرة إذا غامرنا بالخوض في شواطئه الفكرية، أما إذا أردنا السباحة بين أمواج أطروحاته المتعدّدة المتعالية المتلاطمة، فالمسألة تحتاج إلى غاية الحذر للاحتفاظ بتوازننا، فالكتابة عن المسيري مثلها مثل مغامرةٍ كبرى تقتحم عالمًا من الأمواج العميقة العاتية.

والمسيري ترسانةٌ مفاهيميةٌ هائلةٌ متنوعةُ المصادر مُستمَدةٌ من تيارات ومذاهب اجتماعية فلسفية متعددة وقد تكون متعارضة، أعيدَ تشكليها لتتلائم والمتلَقّي الذي يتعامل معها. ومن هذه الترسانة الكبيرة يشيّد المسيري بناءً ضخمًا، ونحن مطالبون بجهد إبداعي حتى نجد طريقنا في هذا البناء الشامخ.

(111)

وصورة «ناطحة السحاب» ذات الأبواب المتعددة، وهي بحق صورة تتّفق ونزعة المسيري، الذي يظهر لنا فكره أقرب إلى «العقلانية الصلبة» التي تُميّز الحداثة عن «اللاعقلانية السائلة» لعصر ما بعد الحداثة، وهما من المفاهيم العديدة التي تفيض بها ترسانته المفاهيمية. فإن من يطالع أعمال المسيري وفي القلب منها موسوعته المتفردة «اليهود واليهودية والصهيونية»[1] وكتاباته النقدية حول الحضارة الغربية[2] يجده في تكوينه المعرفي وتوجُّهِهِ الفكري أقربَ إلى مواقف الحداثة؛ التي ما زالت وفق هابرماس مشروعًا لم يكتمل بعد[3]، حيث يوظّف مقولاتها النقدية في فهم وتفسير ما بعد الحداثة، التي تعني بالنسبة له نهاية المشروع الغربي وإفلاسه وانفصاله عن القيم والإنسان[4].

سيواجهنا منذ البداية الإطار النظري أو الأسس المعرفية التي ينطلق منها المسيري لبناء مشروعه الفكري. ويتكوّن هذا الأطار من أجزاءٍ خمسٍ هي الإشكاليات النظرية، وبها توضيح بعض مواطن القصور في الخطاب التحليلي العربي والتعريف بالموسوعة التي تتّسم عنده بكونها موسوعةً يهوديةً، تفكيكيةً، تأسيسيةً، يحيلك المصطلح «تفكيكية» إلى ما بعد الحداثة وتأسيسية للحداثة، وهي كما سيتّضح لقارئها ليست تراكمًا لمعلومات موضوعية، بل يمكن أن ينطبق عليها عنوان سيرة المسيري، ذاتية موضوعية. وهذا ما لا ينكره المسيري الداعي إلى تجاوز رؤية «العالم من منظور غربي» [5].

ويقدّم المسيري لنا ثلاثة نماذج أساسيةً بمثابة مفاتيح لعمله هي: الحلولية، العلمانية الشاملة، الجماعة الوظيفية. وإذا كان نموذج الجماعة الوظيفية نموذجًا

(112)

تفسيريًا مركبًا لفهم اليهود والجماعات اليهودية باعتبارها جماعات وظيفية تنتمي إلى الحضارات التي تحيا بينها هذه الجماعات[1]، فإن الحلولية الكمونية والعلمانية الشاملة هما الأسس الفلسفية التي تتقوَّم بهما الحضارة الغربية ويضاف إليهما ما بعد الحداثة[2]، فكأني بمنطق الموسوعة يصل بنا إلى أن الأسس الفلسفية التفسيرية الأولى لفكر المسيري، وهي الحلولية الكمونية التي تتجلى عبر مختلف صور العلمانية الشاملة، وهذه العلمانية الشاملة هي التي تصلنا إلى راهيتنا المعاشة إلى يوم الله هذا، أو ما نطلق عليها ما بعد الحداثة. وما تجلّيات العلمانية التي يعرضها لنا في «العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة» إلا تجلّياتُ ما بعد الحداثة، أو هي بلغة التكنولوجيا عصر العولمة وبلغة الاقتصاد السوق الواحدة أو بلغة المسيري الغابة الداروينية النيتشوية [3].

وهو يتحدث في مفاهيمه عن المرجعية النهائية المتجاوزة، والتي ألغت المسافة والحدود بين الطبيعي والإنساني والإلهي. وقدّمت الكمون والحلول مقابل التجاوز والتعالي، وتداخل فيها المطلق والنسبي، المجرد والعيني، وسيطرت النزعة الجنينية والإنسان الطبيعي والاقتصادي والجنسي، سواء السوبرمان أو السبمان، مما أدى إلى فشل النموذج المادي في تفسير ظاهرة الإنسان، وعلى هذا، فإننا نجد لديه ثنائيةً فضفاضةً، فالثنائية تفسح المجال للتجاوز، وتؤكّد الرباني مقابل الطبيعي، وتعيد توثيق الصلة بين التقدُّم التقني الذي يشمل حياتنا والقيم والأخلاق التي تلاشت، وهو في نظرته الثنائية هذه أقرب إلى الفلسفة والأخلاق الكانطية كما لدى العديد من الفلاسفة العرب المعاصرين[4]، وتتوالى المفاهيم التي يطلقها المسيري:

(113)

الثنائية الصلبة والسيوالة الشاملة، التحييد، الترشيد، التنميط، الحوسلة، التعاقدية والتراحمية، نزع القداسة عن العالم، نزع السر عن الظواهر، الإزاحة عن المركز، قبضة الصيرورة، الفردوس الأرضي، وغيرها.

وهي أدوات المسيري في فهم الحضارة الأوربية ونقدها وبيان تهافت بنيانها، وهي حالة مفصحة عن ميوله وقناعاته الفلسفية الأولى، مثل: نقد المجتمع الاستهلاكي، وتحديد ملامح الإنسان المعاصر ذو البعد الواحد الذي يقع في التشيُّؤ والتمييز بين العقل الأداتي والعقل النقدي، وهي تجعله قريبًا من الحداثة التي تقدمها مدرسة فرانكفورت؛ التي أفاض في الحديث عن أعلامها في سياق تناوله المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية، في الجزء الثاني من المجلد الثالث من الموسوعة «الجماعات اليهودية: التحديث والثقافة».

يكتب المسيري عن أعلام تيار الحداثة ويُخصّص مادّةً عن كل من: فالتر بنيامين (ص 353)، وهربرت ماركيوز (ص 405)، وماكس فيبر وهوركهايمر وتيودور أدرنو (ص 428 - 430)، وإريك فروم (ص 471). كما يشير في نفس الإطار إلى شخصيّاتٍ أساسيةٍ مثل: أرنست بلوخ وحنه أرنت وإيزيا برلين وليو ستراوس؛ الذي يُعدّ فيلسوف المحافظين الجدد، الذين يشكّلون سياسة الولايات المتحدة الأمريكية حاليًا. يوضح لنا كافين رايلي ارتباط المسيري باليسار الجديد ومدرسة فرانكفورت، خاصّةً ماركيوز وماكس هوركيمهر. وهو كما يتناول هؤلاء يتناول إدموند هوسرل فيلسوف الفينومينولوجيا التي شكّلت أهمّ التيّارات الفلسفية المعاصرة بفضل هيدجر الذي طوَّرَها، وإيمانويل ليفنياس الذي نقلها إلى فرنسا، وليوتار الذي طوَّرَها في ما بعد الحداثة، ودريدا حيث امتزجت وتفكيكِيَّتِهِ، فقد انطلق منها الأخيرين في كتاباتهما بفضل ليفيناس إلى تأسيس ما بعد الحداثة في الفكر المعاصر.

(114)

واهتمام المسيري بهؤلاء المفكرين والفلاسفة هو ما يجعلنا نسعى إلى تقديم قراءة خاصة لبيان موقفه من ما بعد الحداثة، انطلاقًا من أن نقد المسيري للغرب يجعله أقرب إلى ماركيوز وهابرماس؛ مقابل نيتشه وهيدجر وليفيناس ودريدا.

يُفرد المسيري مساحةً واسعةً من عمله لهولاء، وخاصّةً جاك دريدا، الذي تحمل فلسفته آثار فلسفات نيتشه وهوسرل وفرويد وليفيناس. المسيري في مواجهة دريدا، وتلك هي القضية التي تهمُّنا وتشغلنا هنا، فهل المسيري ضد دريدا كما يبدو للوهلة الأولى مثلما نيتشه ضد كانط؟ ذلك ما نريد أن نتوقّف عنده في الفقرة الحالية، نعرض أوّلًا ونحلّل كتابات المسيري عن رواد وفلاسفة ما بعد الحداثة، سواء الممهدين لها مثل هيدجر وليفيناس أو المعبّرين عنها مثل ليوتار ودريدا، حتّى يتسنّى لنا معرفة إلى أي مدًى يُعدّ المسيري الذي يصف موسوعته بأنها تفكيكيةٌ مع أو ضد ما بعد الحداثة.

نبدأ من هوسرل فيلسوف الفينومينولوجيا المؤسِّس، ثم بهيدجر في ألمانيا الذي جعل منها منهجًا لإعادة النظر في الميتافيزيقا الغربية والذي ما يزال إلى اليوم موضوع الاهتمام المتزايد، خاصّةً في العالم العربي الإسلامي، انتقالًا إلى إيمانويل ليفيناس الذي يمثّل الجسر الذي انتقلت عبره الفينومينولوجيا ليس فقط من ألمانيا إلى فرنسا ولكن من فلسفة الظاهريّات إلى ما بعد الحداثة، ومن هنا نصل إلى فرانسو ليوتار وجاك دريدا فيلسوفا ما بعد الحداثة التفكيكية، وإن كان المسيري قد شغل بالأخير أكثر من الأول الذي صك المصطلح بكتابه «الوضع ما بعد الحداثي».

1- المسيري وهوسرل

علينا أن نطرح السؤال: لماذا هوسرل ونحن نتحدث عن المسيري ودريدا؟ والإجابة لأن الإشكالية الفلسفية التي ينطلق منها دريدا تعود إلى فينومينولوجيا هوسرل؛ التي شغلته في دراساته الأولى، يقول: «لا شيء مما أفعله كان ممكنًا

(115)

بدون الاتجاه الفينومينولوجي وبدون ممارسة الرد reduction وبدون الاهتمام بمعنى الظاهرة... هوسرل بالنسبة لي هو من علّمني تكنيكًا ومنهجًا وانضباطًا... حتى في بعض اللحظات التي اعتقد فيها أنه يلزم مساءلة بعض افتراضات هوسرل، حاولت أن أقوم بذلك مع بقائي مخلصًا للمنهج الفينومينولوجي».

هذا ما استشهد به مترجم «في علم الكتابة» إلى العربية، الذي يلاحظ فيه استخدام دريدا لترسانة مفاهيم الفينومينولوجيا مثل: الظهور والرد والقصدية والأنا الخالص وغيرها. وهو [دريدا] يشدّد بوجهٍ خاصٍّ على أن الظهور، بوصفه موضوعًا للشعور، يتميّز من جانب عن واقع الشيء، ومن جانب آخر عن النسيج السيكولوجي للوعي؛ أي إنّ موضوع الوعي لا ينتمي إلى منطقة الشيء ولا إلى منطقة الوعي، وإن دريدا قد طوّر هذه المنطقة البَينِيّة، وبهذه الخلخلة للصيغة الفينومينولوجية في المعرفة، يفتح دريدا الباب أمام مفاهيمه الخاصّة مثل الاختلاف والإرجاء والأثر ويؤسِّس لها معرفيًا.

يتناول المسيري فينومينولوجيا هوسرل عبر تأويله لها في المادة التي كتبها عنه باعتبارها نزعةً أو تحتوي على نزعة حلولية كمونية واحدية (روحية مادية)، فهو فيلسوف ألماني من أصل يهودي تَنَصَّر على المذهب البروتستانتي مثل العديد من أقرانه اليهود، لذا فهو ليس يهوديًا من الناحية الشكلية وإن كان اسمه قد ورد في الجودايكا. وإشكالية هوسرل هي إشكالية معرفية. يتوقف المسيري عند سعي هوسرل إلى تأسيس أنطولوجيا جديدة، فإذا كانت الأنطولوجيا الغربية تستند إلى ثنائية الذات والموضوع، فإن فلسفته تفترض ارتباط الواحد بالآخر. ومع أن المنهج الفينومينولوجي يتوقّف عن الحكم ويمتنع عن إصدار أحكام عن العالم، فإن المسيري يوضح لنا أن عملية الرد والاستبعاد الفينومينولوجي هي عملية استبعاد صارمة لكل ما ليس كامنًا في الوعي.

(116)

تنطلق الفينومينولوجيا من الوعي، فالإدراك الإنساني ليس سلبيًا وإنما هو إعادة وعي بشيء. والشعور كما كتب المسيري شيءٌ مركّبٌ يضمّ عنصرَين، الشعور الإنساني والشيء ذاته، ليوجِّهَنا إلى أن هدف هوسرل أنطولوجيّ، مستبعدًا كون ثنائية الشعور بين فعل الشعور وموضوعه الذي يتّجه إليه، حيث يتجاوز هوسرل ديكارت القائل بالكوجيتو (أنا أفكِّر) ليضف هوسرل «أنا أفكِّر في شيءٍ مُفكَّرٍ فيه»، وهنا تُفهم الإشارة التوضيحية التي يضيفها المسيري: «لفهم الشيء في ذاته سنشير إلى أن الموضوع عند هوسرل ليس ما يقع خارج الوعي (حسب التعريف المادي) والظاهرة ليست شيئًا موضوعيًا ماديًا». ذلك هو التأويل المسيري. فنحن جميعًا وهوسرل أيضًا يعرف أن الموضوع يقع خارج الوعي وأن الظاهرة شيء موضوعي. فما يتحدّث عنه هوسرل هو الظاهِريّات (جمع ظاهريّة) وليس الظواهر، فالظواهر فيزيقية والظاهريّات هي الماهيات العقلية، أو تَحَوُّلُ الظواهر إلى «مُثُلٍ وصورٍ عقليةٍ»، وإلا لكان أطلق على مذهبه اسم مذهب الظواهر. وهو ما يدركه المسيري جيدًا كما يَظهر لنا من قوله: «وإنما هي ظاهرةٌ يقصد [ظاهرية] بمقدار ما تكشف عن الوجود لتجربةٍ حيّةٍ في الشعور، فتصبح مرادفة يقصد [ماهية] للشيء ذاته، وتكشف ما تنطوي عليه معطيات الشعور نفسها». يتّضح هدف هذا التأويل في بقية هذه الفقرة في قول المسيري: «في هذا الإطار تنحلُّ الذات وينحلُّ الموضوع، فالموضوع ليس شيئًا جامدًا بل مجموعة من العلاقات الحية، والذات أيضًا ليست شيئًا محددًا وإنما علاقة».

والحقيقة أن تأويل المسيري يستند إلى صورةٍ قدّمها لنا هوسرل هي صورة إيكاروس الذي ينهض من الرماد، وهي صورةٌ يصفها المسيري بأنها صورةٌ مجازيةٌ عضويةٌ حلوليةٌ كمونيةٌ وثنية. ورغم أن إيمان هوسرل كان عميقًا ـ ولا يدري القارئ أيُّ إيمانٍ بعد هذه الصورة الوثنية التي يؤكّد المسيري على وثنيتها ـ إلّا أنّه لم يكن هناك ما يسانده في الواقع. فالحضارة الغربية كانت تمارس أقسى أنواع العنف

(117)

في المستعمرات وتحرق الأخضر واليابس وتحوِّلُهما إلى رماد، وكان هتلر على الأبواب وكان ستالين متربّعًا على عرش القياصرة. وما ظهر بعد ذلك لم يكن العنقاء التي تُبعث من الرماد وإنّما ظهرت أفران الغاز ومعسكرات الجولاج التي أحرقت الجسد والروح، وبدلًا من العنقاء التي ترفرف بأجنحتها القوية تساقطَ مزيدٌ من الرماد على الإنسان والطبيعة.

 لا يُمثّل ما سبق في تحليل المسيري إشكالية الظاهريات ولا هدف مؤسِّسِها هوسرل، علينا العودة إلى نصوص هوسرل نفسِهِ وليس المختصرات التي كُتبت عنه، وما زالت أعماله تُنشر وتُترجم ويعاد طبعها مثل: فكرة الفينومينولوجيا، الفينومينولوجيا وأزمة العلوم الاوربية، ونعاود قراءتها حتى نستطيع أن نحدّد مقصد هوسرل. وعلى هذا أقول: نحن هنا لا نقرأ الواقع عبر هوسرل والفينومينولوجيا وإنّما نفسِّر الظاهريات بالظواهر التاريخية المصاحبة التي قد لا تكون لها علاقةٌ بها البتة. تلك في رأيي قراءةٌ مسيريةٌ وليست هوسرليةً للفينومينولوجيا.

ورغم أن المسيري يُرجع فكرة هوسرل إلى التقاليد الحلولية الكمونية المادية الروحية في الغرب منذ عصر نهضته، فإنه يجد تشابهًا بنيويًا بين محاولة تأسيس الحقيقة على أساس تجاوز الذات الفردية والموضوع وصولًا إلى نقطة الواقع باعتباره ظاهرةً خالصةً داخل الوعي، وبين مفهوم الإله في أسفار موسى الخمسة. وتلك قراءةٌ أخرى يدعم بها المسيري تأويله للفينومينولوجيا ويُشدّد على تأثير هوسرل في هيدجر بالذات، الذي دفع المنظومة الفينومينولوجية إلى نهايتها المنطقية وتبنّى الأيديولوجية النازية ودافع عن هتلر باعتباره النقطة التي تلتحم فيها الذات بالموضوع. وهو ما نجده بالتفصيل فيما كتبه المسيري عن هيدجر، والذي يحتاج إلى أن نعرض له بالتفصيل، خاصّةً أن فينومينولوجيا هيدجر سمحت برفع الأقواس وإصدار أحكامٍ عن العالم، مخالفةً في ذلك أولى خطوات المنهج الفينومينولوجي كما قدّمّه هوسرل، إن التباين بين هيدجر في مراحل تفلسُفِه الأخيرة

(118)

أو ما يُسمّى بعد المنعطف يجعله يبتعد عن هوسرل، والخصومة بينهما وصلت إلى اتهام هيدجر بالتنكُّر لأستاذه.

2 - هيدجر: العمل الفلسفي والالتزام السياسي

لا يتناول المسيري فلسفة هيدجر في ذاتها، بل يتناولها في (الفقرة الرابعة من المجلد الثاني في الموسوعة، عن الإبادة النازية والحضارة الغربية الحديثة) في سياق عداء الأغيار الأزليّ لليهود واليهودية، تحت عنوان «مارتن هيدجر والنازية». ففي مقابل ما كتبه جيفري هيرف عن الحداثة الرجعية الفاشية في كتابه «الحداثة الرجعية: التكنولوجيا والثقافة والسياسة في جمهورية فيمار والرايخ الثالث»، يرى المسيري أن هناك نمطًا عامًا في الحضارة الغربية: تصاعدُ معدّلاتِ الحلولية الكمونية والانتقال من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية والتأرجح بين الذات والموضوع، وهو نمط عام يصل إلى قِمَّته في فلسفة ما بعد الحداثة، وفلسفة مارتن هيدجر هي جزء من هذا النمط العام.

يرفض هيدجر العودة إلى الإله كما يرفض أن يعود إلى الذات المستقلة، وبدلًا من ذلك يطرح مشروعه الفلسفي، الذي يصفه كما كتب المسيري هو نفسه بأنه عملية هدمٍ للفلسفات السابقة، بل لكل الأنطولوجيا الغربية، أنطولوجيا الذات والموضوع. ويذهب المسيري إلى أن هذا الانقسام الحاد بين الذات والموضوع هو سمةٌ أساسيةٌ في كل الرؤى الحلولية الكمونية المادية، التي ترفض فكرة المركز المفارق للمادة المنزَّه عنها، وتحاول أن تعيِّن مركزًا كامنًا أو حالًا فيها نجده إما في الإنسان أو الطبيعة، الذات أو الموضوع! ونمط الثنائية الصلبة التي تؤدّي إلى واحديةٍ يظهر بوضوح في فلسفة هيدجر. يتّضح لنا ذلك من قول المسيري: «أن كلمة دازاين Dasien والتي تعني وجود الفرد بشكل متعيِّنٍ في الواقع، تصبح الوجود الفردي باعتباره شكلًا من أشكال الوجود الجماعي، والنازيةُ ما هي إلّا تَجَلٍّ متبلورٌ

(119)

للاتّجاه الحلولي حين أصبح الدازاين الألماني الجمعي هو الفولك الذي تجسّد في هتلر. إن الفوهرر نفسَه هو وحدة الحقيقة الألمانية في الحاضر والمستقبل وهو قانونها. إن قاعدة وجود الإنسان الألماني كما كتب هيدجر «يجب ألا تكون هي فرضيات أو نظريات، فالفوهرر هو وحده حقيقة الحاضر والمستقبل وقانونهما، فهو منقذ شعبنا.. هو المعلم ورائد الروح الجديدة، هو مركز الحلول، هو الإله المادي والوثن الأعظم. لكل هذا يتجلّى الدازاين تمامًا في الذات النيتشوية. إن الفلسفة تقف وراء هتلر، لأن هتلر يقف إلى جانب الوجود. ونلاحظ على هذا التناول الذي يقدمه المسيري أنه يعرض هيدجر عبر علاقته المؤقتة بالنازية وهو يختلف عن تناول بورديو الذي يشير إليه إبراهيم فتحي في مقدمة ترجمة كتاب «الأنطولوجيا السياسية عند هيدجر».

ويرى إبراهيم فتحي في تقديمه للترجمة العربية لكتاب بيير بورديو: «الأنطولوجيا السياسية عند هيدجر»، أنه في «الوجود والزمان» كانت الأصالة الفردية قابلةً للتحقق كعضويةٍ في شعبٍ أو جيلٍ يتسلّم تراثه، وقد حدثت النقلة من الفرد إلى الجماعة الوهمية منذ وقتٍ مُبكرٍ حينما كان يرى أنّ أوروبا تدهورت تحت سيادة الجماهيرية القطيعية التي خلقتها الرأسمالية، وهي في حاجةٍ إلى طاقاتٍ روحيةٍ تفتح تاريخيًا انطلاقًا من المركز الألماني وفي مركزه رجلٌ واحدٌ اختار أبطال الماضي ليباريهم، مرتديًا درعًا ينتمي إلى العصر الوسيط ولديه حسٌّ حقيقيٌ بقدَر أمّتِه التاريخي (مدخل إلى الميتافيزيقا).

يقوم المسيري بعملية مونتاجٍ مزدوجٍ بين فلسفة هيدجر وبين موقفه الأيديولوجي. ويظهر هذا في قوله: إن هيدجر يتأرجح فلسفيًا بين العقل الإمبريالي النيتشوي الدارويني والعقل الأداتي البراجماتي كما يتّضح في مفهومه للتاريخ الإنساني، فالتاريخ بالنسبة له ليس تاريخًا مُتعيِّنًا، وإنما هو زمانٌ وحسب، تجربةٌ ذاتيةُ وجودية، يصبح الوجود من خلالها حضورًا، أي تجربةٌ فريدةٌ معاشةٌ، مما

(120)

يعني اختفاء أيِّ مركزٍ مفارقٍ للإنسان ولا تبقى إلا الذات. ويواصل المسيري بيانه لنازية هيدجر بقوله إن علمانية هيدجر الشاملة، وماديته الراديكالية النيتشوية الجديدة، تظهر في تحريضه الجامعة الألمانية على أن تخوض غمار حربٍ حاسمةٍ بروح الاشتراكية الديمقراطية (النازية) التي لا يجب أن تخفيها أيّة نزعاتٍ إنسانية، تظهر هذه العلمانية المادية الشاملة في تَبَنِّيهِ للحل الصهيوني للمسألة اليهودية، إذ كان يرى ضرورةَ توطين اليهود في فلسطين أو أي مكانٍ آخر خارج ألمانيا وأوروبا. مؤكدًا أن النازيين يعتبرون هيدجر فيلسوفهم، وهو يرى أنهم كانوا على حق في تصوُّرهم هذا. وإنه دافع عن المشروع الصهيوني الذي يطالب بطرد اليهود من أوطانهم ليعاد توطينهم في فلسطين.

ورغم أن هيدجر استقال من رئاسة الجامعة عام 1934 وكما كتب المسيري أدرك خطأه، فإن المسيري يواصل تأكيده استمرار نازية هيدجر، مشيرًا إلى كتاب نشره جيدو شنيبرج Schneeberger Guido عام 1961 يضمّ 217 نصًا نازيًا لهيدجر، وإلى أنه استمرّ في دفع اشتراكات عضوية الحزب النازي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وأنّه عبَّرَ في حديث له مع كارل أوديث عام 1936 عن إيمانه الكامل بهتلر وأن الطريقة النازية هي الطريقة الأمثل لألمانيا. وإن كانت هذه التأكيدات لا زالت غير كافيةٍ لإقناعنا بدعوى المسيري في استمرار نازية هيدجر حتى بعد ابتعاده عنها، فهو يسارع إلى القول إنه بافتراض ابتعاد هيدجر عن النازية فإن نَسَقَهُ الفلسفي ظلّ كما هو يُشكّل تربةً خصبةً لظهور الأفكار النازية.

والحقيقة أن علينا أن نتوقف هنا لنشير إلى أننا نجد نفس هذا الفهم لدى كلٍّ من مراد وهبة ومحمود أمين العالم، حين عرض كلٌّ منهما لفلسفة عبد الرحمن وعدم اكتمالها، لارتباطها بفلسفة هيدجر التي ظلّت حبيسة النازية وانتهت بنهاية النازية، وهذا يؤكّد في تصوُّري افتراضي المشار إليه أن المسيري ينتقد موقف هيدجر انطلاقًا من قناعاته اليسارية الأولى.

(121)

لقد ظهرت مؤلفاتٌ عديدة عن هيدجر تدور حول إبراز مدى تأثير المواقف السياسية والأيديولوجية على خطاب الفيلسوف وعلى مساره الإبداعي كمفكّر. وقد انصَبَّ النقاش أساسًا على خطاب هيدجر أثناء تنصيبه رئيسًا لجامعة فريبورغ، وما تَضَمَّنَه من قضايا تهمّ دور الجامعة ومفهوم روح الشعب وإرادته، وتَضَمَّنَ النقاش نصّ هيدجر «مدخل إلى الميتافيزيقا»، وما أثارته بعض المقتطفات ضمن هذا النص من ردود أفعال. لقد تمحور النقاش حول ما أسماه هيدجر «ماهية الجامعة» الألمانية، وحول المهمّة الروحية للزعماء والمصير التاريخي للشعب. فالتأكيد الذاتي للجامعة كما يقول يقترن «بالحقيقة الداخلية وبعظمة الحركة الوطنية الاشتراكية». وقد شكّلت هذه العبارات محور كتابات هابرماس عن هيدجر وفي مقدمتها «مارتن هيدجر: العمل الفلسفي والالتزام السياسي» و«التفكير مع هيدجر ضد هيدجر»، وهي كتابات تشترك في كونها محاولةً لتقديم قراءةٍ غير متحيّزةٍ للجانب السياسي ضمن مواقف هيدجر الفلسفية. حيث يؤكد هابرماس ـ الذي يتشابه موقفه النقدي من هيدجر وموقف المسيري ـ على ضرورة التمييز بين الفيلسوف والمبدع الذي أغنى المكتبة الفلسفية بأعمالٍ خالدةٍ، وبين هيدجر الإنسان بسلبياته وإيجابياته، فمن اللازم علينا ألّا نقيم علاقةً مباشرةً بين العمل الفلسفي وشخص مبدعه.

ويتضمَّن ذلك عدم اختزال هيدجر في الإطار السياسي والأيديولوجي الضيق. وهو نفسه ما يدعونا إليه جان بوفريه J. Beaufret الذي يرى أن علاقة هيدجر بالنازية تقتصر على عشرة شهور، لكنّ علينا ألّا ننسىبأن هذه الشهور قد تلتها اثنتا عشرة سنةً من الانسحاب، حيث إن دروسه كأستاذ وَصَمْتَهُ ككاتبٍ جعلاه غير مُحتَمَلٍ بالنسبة للسلطة [النازية]، مما أدى إلى إبعاده عن الجامعة عام 1944، وهو الإبعاد الذي ستُزكّيه سلطات الاحتلال فيما بعد.

يؤكّد هابرماس على ضرورة ألّا يخفي الحكم الأخلاقي الصادر عن الأجيال

(122)

اللاحقة المضمونَ الموضوعي للعمل الفلسفي، يقول: «إذا ما كان الموقف السياسي لكاتبٍ ما يبدو ملتبسًا، فإن ذلك بإمكانه أن يؤثر على تلقّي عمله، لكنّ أعمال هيدجر وخصوصًا «الوجود والزمان» تحتلّ مكانةً بارزةً في الفكر الفلسفي لقرننا، بحيث سيكون من غير اللائق افتراض أن جوهر مثل هذا العمل سيكون عُرضةً للتحقير بسبب تقديراتٍ سياسيةٍ موجودةٍ لدينا بسبب الالتزام السياسي لمؤلفه».

يعرض هابرماس لـ: مكانة الفكر الهيدجري في الفلسفة المعاصرة، تأثير «الوجود والزمان» على مسار الفلسفة الألمانية، المنعطف الهيدجري والمصير الألماني، هيدجر بين الأنطولوجيا والأيديولوجيا، نهاية الحرب وبداية المحاسبة، مقاربةٌ نقديةٌ لأعمال هيدجر. حيث يقدّم أمثلةً على التأثير غير الأيديولوجي الذي مارسه النقد الهيدجري للعقل، مثل: فينومينولوجيا ميرلوبونتي في فترته الأخيرة، والتحليل الفوكووي لأشكال المعرفة بفرنسا، ونقد فكر التماثلات من طرف ريتشارد رورتي أو دراسة تجربة العالم المعيش لدى هربرت دريفوس. ويتحدث هوجو أوت H. Ott عن تبرئة ساحة هيدجر في فرنسا من تهمة النازية، بل والحديث عنه كبطلٍ للمقاومة.

ويتفق موقف بيير بورديو من هيدجر مع موقف هابرماس، عبر تحليلاتٍ مختلفة، حيث يخبرنا أن الهدف من كتابه «الأنطولوجيا السياسية عند مارتن هيدجر» ليس اتّهامًا أو استنكارًا، فالتحليل العلمي يتجنب منطق المحاكمة القضائية والاستجوابات التي يتطلبها (ص 27)، مؤكّدًا أن هناك عددًا قليلًا من الأنساق الفكرية التي تضرب بجذورها على نحوٍ أكثر عمقًا في زمنها ومؤرخةٌ به، منها الفلسفة الخالصة لهيدجر. إن تأثير هيدجر شديد الضخامة في العالم ولا يمكن اختزال كتاباته الفلسفية في «برشامة» لأنها حافلةٌ بالتناقضات، وجانبها النقدي للوضع الحداثي ومقدمات الميتافيزيقا الغربية حاملة بالاستبصارات الجزئية شديدة الثراء.

(123)

وقد لاحظ لوسيان جولدمان أن نقاط الانطلاق من الهيدجرية في نقد مأزق الإشكال المعرفي للفلسفة البورجوازية السائدة تتشابه مع نقاط الانطلاق من الماركسية في تفسير لوكاتش «التاريخ والوعي الطبقي»، الصادر في زمن قريب من كتاب هيدجر «الوجود والزمان»، كما تتشابه بعض المقولات مثل البراكسيس، والأساس الأنطولوجي لبعض جوانب نظرية المعرفة، على الرغم من الهوة الأيديولوجية بين المفكّرَين الكبيرَين. ومع هذا فإننا نرى أن المسيري يركّز على الهوة الأيديولوجية أكثر مما يناقش الأسس الفكرية.

والذي يهمّنا الإشارة إليه هو أثر هيدجر الكبير في دريدا، فالأخير حين يتحدّث عن نقد ميتافيزيقا الحضور، ونقد التمثيل والتراث الأونطوـثيولوجي، واختتام حقبة الميتافيزيقا، ينطلق دريدا من مصطلحات هيدجرية نابعةٍ من المشكلة الأنطولوجية التي آثارها هيدجر، وهدفها تجاوز الميتافيزيقا.. وحين تبنّى دريدا هذا المنظور الهيدجري، وإن كان لم يعبأ بمسألة الكشف عن حقيقة الوجود، أنتج مجموعةً من التوصيفات العامة التي ينتظم تحتها الفكر الغربي بمدارسه المتنوعة، مثل مركزية الصوت ومركزية اللوغوس والمركزية الأوربية.

3- ليفيناس من الفينومينولوجيا إلى ما بعد الحداثة:

يتناول المسيري الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفنياس في المجلد الخامس «اليهودية: المفاهيم والفرق» في الفقرة الثامنة من الجزء الثالث «تجديد اليهودية وعلمنتها»، وإن كان من الأولى به أن يدرجه في الفقرة التالية «أعضاء الجماعات اليهودية وما بعد الحداثة»، التي تدور معظمها حول دريدا ومصطلحات فلسفته، خاصّةً أن ليفيناس من المصادر الأساسية في فلسفة دريدا، فقد تابع أعمال هوسرل وكان من أوائل المفكّرين الذين عَرّفوا القُرّاءَ الفرنسيين على كل من هوسرل وهيدجر.

(124)

ويؤكد ليفيناس دائمًا على الأهمية الكبرى لهوسرل والفينومينولوجيا في أعماله، مثلما يخبرنا في مقدّمة دراسته «الوعي غير القصدي» عمّا يدين به لهوسرل، مؤكّدًا أنّه ممّا لا شك فيه أن هوسرل هو مصدر كتاباته، وأنه مدينٌ له بمفهوم القصدية الذي ينعش الوعي، وخصوصًا بمفهوم آفاق المعاني التي تحتجب عندما ينغمس الفكر في المُفكَّر فيه، الذي يحمل على الدوام دلالة الوجود، وأنه قبل كلّ شيءٍ مدينٌ لهوسرل وأيضًا لهيدجر بمبادئ هذه التحليلات وبالأمثلة والنماذج التي علّمتهُ كيف يجد هذه الآفاق وكيف يبحث عنها، وهو ما سبق أن أكّد عليه في حواره مع ريتشارد كيرني، حين أكّد أن الفينومينولوجيا كانت أهمّ أثرٍ فلسفيٍّ مورسَ عليه، فمن وجهة نظر المنهج والصرامة الفلسفية ما زال يعتبر نفسه فينومنيولوجيًّا.

ينتمي ليفيناس فيما يرى المسيري إلى من يُطلق عليهم «الفلاسفة غير الفلسفيين»، وهم من يرفضون الميتافيزيقا بمعناها التقليدي، ويثيرون الأسئلة التي يتصوّرون أن الفلسفة الغربية التقليدية استبعدتها. فهو ينتمي إلى الفلسفات ما بعد النيتشوية التي تسعى إلى تجاوز التوجّه إما إلى الذات أو الموضوع. وإن كانت محاولته الفلسفية تحتفظ بقدرٍ من التماسك والصلابة من خلال تأكيده على مفهوم الآخر. وهو فيلسوفٌ يهوديٌ بالمعنى الديني يصعب تفسيره إلّا داخل إطارٍ حلوليٍ كمونيّ. «فالميتافيزيقا عنده تنبع من تأمُّل وجهِ الآخر اللانهائي الذي يتحدّى الكلّ، أي إن البشريّ يقوم مقامَ الإلهيّ في هذه المنظومة». ورغم تأكيد ليفيناس في فلسفته على الآخر، إلّا أنّ الآخرَ عنده نوعان كما يذكر المسيري: آخرُ يقبل وآخرُ يرفض، فقد يعفوا اليهود عن بعض الألمان وهناك ألمان من الصعب العفو عنهم، مثل هيدجر بقبوله العمل رئيسًا للجامعة في عهد النازي مع عدم إقراره بذنبه.

وفي ردّ ليفنياس عمّا يَدين به لهيدجر يقول: لقد كانت فلسفة هيدجر صدمةً بالنسبة إليّ، كما كان الشأن بالنسبة لأغلب المعاصرين لي في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات، لأنها قَلَبَت بشكلٍ تامٍّ مجرى وخاصية الفلسفة الأوروبية. وأعتقد

(125)

أننا لا يمكننا اليوم ممارسة الفلسفة بجديةٍ بدون أن نتقاطع مع الطريق الهيدجري بشكل أو بآخر».

يؤكّد المسيري على يهودية ليفيناس الذي عرَّفَ مهمّته الفلسفية بأنّها تعريف العصر الحديث بالتلمود، وأنّ هذا أيضًا جوهر الصهيونية، فهي الدولة التي تضطلع بهذه المهمة بشكل متعيّنٍ. إن اليهودية أيديولوجيا تترداف مع الإنسانية، لا تعني إنسانيةً روحيةً عامةً وإنما هي إنسانيةٌ محددةٌ تأخذ شكل أمة. واليهودية ليست أيديولوجيا مثاليةً تعيش بدون خطرٍ وإنّما هي مثاليةٌ تأخذ شكل دولةٍ تجسّد القيم الأخلاقية للأنبياء، فهي قدرُ ومسؤوليةُ الشعب اليهودي المُختار الذي يتبدّى في الدولة الصهيونية؛ التي تستند إلى الرغبة في البقاء والبدء من جديد من بعد أن يسقط كل شيء.

إن ما كتبه المسيري عن هؤلاء يقدّم لهم صورةً تختلف كليةً عن تلك التي تقدَّم لهم في أية موسوعةٍ فلسفيةٍ، فهو بعد أن يعرض أمشاجًا من فلسفاتهم ومصادرها، يسعى إلى إرجاع أفكارهم إلى الحلولية الكمونية والعلمانية الشاملة، باعتبارها الإطار الوحيد لفهم هذه الفلسفات، ومع هذا نستطيع المقارنة بين ما كتبه المسيري عنهم وما كُتب حولهم في الموسوعات الفلسفية الأخرى.

خامسًا: التلاعب بالدلالات، دريدا والمسيري

ننتقل الآن إلى موقف المسيري الأكثر إثارةً وإرباكًا، وهو موقفه النقدي من جاك دريدا، الذي يعُدّ منظومته الفلسفية (إن صَحَّت تسميتُها كذلك) قِمّةَ أو «هُوّةَ» السيولة الشاملة والمادية الجديدة واللاعقلانية المادية. يشير المسيري إلى الأصول والمصادر التي نهل عنها دريدا، فقد خرج من تحت عباءة نيتشه (الذي مات بمرض سرّي)، وتأثّر بوجودية سارتر وهيدجر (وتفكيكيَّتِهِ)، وبالمفكّر الديني اليهودي إيمانويل ليفيناس، وتعرَّف إلى فوكو، أهمِّ استمرارٍ لفلسفة القوة النيتشوية وأحد

(126)

كبار فلاسفة التفكيك وما بعد الحداثة (وهو شاذّ جنسيًا، ساديّ مازوكيّ حاول الانتحارَ عدّةَ مراتٍ ومات بالإيدز عام 1984)، وألتوسير الذي كان له أكبر الأثر في دريدا (وقد قَتَلَ ألتوسير زوجته عام 1980 بأن خنقها ووُضع في مستشفًى للأمراض العقلية للمجانين الخطرين).

هكذا يبدأ المسيري في تناول دريدا؛ إنها الطريقة غير الذاتية غير الموضوعية، أو الطريقة المسيرية إن جاز التعبير، وهي فقط مجرّد بدايةٍ، وهي بدايةٌ غير فلسفيةٍ. وأنا لا يهمّني الطريقة التي يتناول بها المسيري خصومَه، إلّا أنّها في الحقيقة لا تقترب من الأفكار وتُركّز أكثر على الأشخاص، لأنّها قد تؤدّي إلى الارتياح أكثر مما تؤدّي إلى الفهم.

ينطلق دريدا من الإيمان بعدم وجود أصل من أيّ نوع، ومن ثَمّ يُسقط كل شيء بشكل كامل في هوة الصيرورة (أبوريا)، وتتمُّ التسوية بين كل الأشياء. وأسلوب دريدا أمرٌ جديدٌ كل الجدة في لحظات الخطاب الفلسفي الغربي، يتّسم بكونه ـ في رأي المسيري طبعًا ـ طنينًا وجعجعةً بلا طحنٍ، لا يخرج عن كونه تعبيرًا [طفوليًا] غير أنيقٍ عن العدمية. وهو يرى ثمة شيئًا طفوليًا سخيفًا في كتابات وفكر دريدا [لخَّصَهُ هو نفسه في واحدةٍ من أسخف عباراته وأكثرها طفوليةً بقوله: «ما ليس بالتفكيكية؟ كل شيء بطبيعة الحال. ما التفكيكية؟ لا شيء بطبيعة الحال... ومعنى هذه العبارات الفارغة هو أن التفكيكية أمر فارغ، لا شيء»]. ذلك ما كتبه المسيري في موسوعته 1999، وأعاد فقراتٍ منها في حواره مع التريكي في كتابهما المشترك عن «الحداثة وما بعد الحداثة» (2003)، بعد حذف بعض العبارات التي وضعناها بين قوسين.

وتختلف لغة المسيري عن التفكيكية في كتابه «الحداثة وما بعد الحداثة» إلى حدٍ كبيرٍ عن لغته عنها في الموسوعة، حيث تقِلُّ الجمل الانطباعية والآراء الذاتية

(127)

والإحالات إلى أشخاص الفلاسفة (قارن خاصّةً الصفحتين 81 و87، وإن كان يزيد من حدّة طريقته السابقة في صفحات 77، 91). تلك عبارات يفضّلُ حذفها، حتّى يتسنّى لنا مناقشة التفكيكية التي شاعت في فكرنا العربي المعاصر، وصار لها حضورٌ وأنصارٌ، والمسيري ليس بعيدًا عن التفكيك وإن كان لا يكتفي به.

مشروع دريدا الفلسفي هو عند المسيري محاولةُ هدم الأنطولوجيا الغربية اللاهوتية بأسرها والوصول إلى عالمٍ من صيرورةٍ كاملةٍ عديمة الأساس لا يوجد فيه لوجوس ولا مدلولٌ متجاوز، فهو عالمٌ بلا أصلٍ رباني (ص 436)، حيث يتحدّث عن عالمٍ بلا مركز، عالمٍ من الصيرورة وعدم التواصل، وهو ما نجده في عالم القبالاه اللوريانية وكثيرٍ من الحركات المشيحانية الشيوعية الحلولية، فهي الأخرى تدور جميعًا في إطار عالمٍ سائلٍ تمامًا لا مركز له.

يحلّل دريدا بعض النصوص الفلسفية المعاصرة ويقوم بتفكيكها، وهو بهذا العمل يحاول تفكيك الحضارة الغربية نفسها (ص 437). كان اهتمامه الأكبر هو نفي الميتافيزيقا باعتبارها شكلًا من أشكال الثبات، لأن مثل هذا الثبات (من ثَمّ) يشير إلى مفهوم الطبيعة البشرية، وهذا بدوره يشير إلى أصل الإنسان غير المادي (الإلهي)، الأمر الذي يؤدّي إلى التجاوز وظهور المعنى (تيلوس)، وأخيرًا المطلق (لوجوس). وكان دريدا يرى أنّ الحلّ الوحيد لهذا الوضع هو أن يسقط كلّ شيءٍ في قبضة الصيرورة، بحيث لا يبقى أيّ أثرٍ لأي ثباتٍ أو تجاوز، ويهتز كلّ شيءٍ، ومن ضمن ذلك الإحساس بالعدم نفسه (ص 435).

وبرغم نقد المسيري ولومِه لدريدا لاقتصار تفكيكيَّتِه على الإغراق في تحليل النص، وأن لا شيء خارج النص، فإنّ هذا الاحتفاء بالنص والاجتهاد في اكتشاف طريقةٍ مبتكرةٍ لقراءته على نحو ما يظهر في كتاب «علم الكتابة» هو في تقديري ـ كما يشير مترجم العمل للعربية ـ محاولةٌ للحفاظ على الفلسفة وإنعاشها بعد

(128)

ضرباتٍ قاسيةٍ وجّهَتها إليها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر نزعاتٌ ثلاث:

1 - النزعة الماركسية التي تنظر إليها بوصفها حجابًا تأمّليًا يفرض نفسه على الواقع العيني للبشر. ومن هنا فهي مظهرٌ من مظاهر الاغتراب الإنساني.

2 - النزعة الوضعية التي تجعل الفلسفة نمطًا من المعرفة ينتمي إلى مرحلةٍ عفا عليها الزمان، وتُبشّرُ بعصرٍ جديدٍ يتولّى العلم فيه حلَّ المشكلات التي طرحتها الفلسفة، إن لم يُطح بها كليةً بوصفِها مشكلاتٍ زائفةً.

3 - نزعة التحليل النفسي التي تجعل الوعي فارس الفلسفة العجوز، مجرّدَ حَكَمٍ متردّدٍ بين الضمير الجمعي واللاوعي الفردي، محدود التأثير في توجيه آراء البشر وسلوكهم.

ويأتي عمل دريدا في هذا الإطار موسومًا بمفارقة كبرى؛ إذ يمثِّل استمرارًا لهذا النقد من جهةٍ ودفاعًا عن الفلسفة من جهةٍ أخرى، برفض الهيمنة الهيجلية والبنيوية وبلورة النقد انطلاقًا من الميتافيزيقا وضدها في آن، باللجوء إلى مفهوم الاختلاف.

ويفيض المسيري في الكتابة حول تفكيكية دريدا، رابطًا إياها بفلسفة ما بعد الحداثة، كما يظهر في حواره مع التريكي؛ حيث يتناول تحت عنوان مصطلحات ما بعد الحداثة وثنائية الصلابة والسيولة مصطلحات دريدا، التي هي على قسمين: مصطلحات الثبات، ومصطلحات السيولة، الأولى مثل: الحضور، التمركز حول اللوجوس، التمركز حول المنطوق، والثانية مثل: الاختلاف المرجَأ.

تترادف التفكيكية وتتلازم مع ما بعد الحداثة عند المسيري؛ فالرؤية الفلسفية هي «ما بعد الحداثة» أما «التفكيكية» فهي منهج في قراءة النصوص وإظهار التناقض الأساسي الكامن فيها كما لاحظ أحد النقاد. يكاد مصطلح «ما بعد الحداثة» ـ فيما يقول المسيري ـ يترادف ومصطلح التفكيكية، وللتمييز بينهما يمكن القول

(129)

إن الأولى هي الرؤية الفلسفية العامة بينما الثانية هي، بالمعنى العام، أحد ملامح وأهداف هذه الفلسفة. وكلمة «تفكيك» هي في تصورنا مرادفة لمصطلح «ما بعد الحداثة»، أو على الأقل تنويع عليها على الرغم ـ هكذا يكتب المسيري ـ  من أن دريدا أنكر ذلك في حواره مع المثقفين في القاهرة ـ وقد حضرنا بعض جلساته في المجلس الأعلى للثقافة، دريدا يعرض فلسفته والمسيري يحاوره ـ، ويواصل المسيري أن دريدا يعطي لما بعد الحداثة نفس السمات التي أعطاها للتفكيكية، فهو فكر تقويضيٌ مُعادٌ للعقلانية والكليات سواء أكانت دينية أم مادية، فهو فكر يحاول أن يهرب تمامًا من الميتافيزيقا ومن الحقيقة ومن المركزية والثبات، ويحاول أن يظلّ غارقًا في الصيرورة، فهو تعبيرٌ متبلورٌ عن المادية الجديدة السائلة، شأنه في هذا شأن التفكيكية.

ألاحظ ويلاحظ القارئ معي تميُّز المسيري من بين أصحاب الخطاب الإسلامي الجديد، فهو ناقدٌ جيدٌ لما بعد الحداثة؛ على العكس من دعاة الخطاب الإسلامي التقليدي الذين انشغلوا طيلة عقودٍ طويلةٍ بنقد الفلسفة الماركسية، فالمسيري كما نلاحظ لا يوجّه نقدًا للماركسية التي تعرَّفَ على أفكارها وتبنّى توجّهات اليسار الجديد، ونحن نرى بعض التقدير لبعض اتجاهاتها الجديدة، في الوقت الذي يوظّف حصيلته الفكرية والنقدية في محاورة دريدا، وإن دقّقنا النظر سنجد أن هذا النقد للتفكيك يحتوي في داخله على قدرةٍ تفكيكيةٍ يمارس من خلالها المسيري تفكيكه للتفكييكية وما بعد الحداثة.

يربط المسيري بين ما بعد الحداثة والإمبريالية، وما يُطلِق عليه العلمانية الشاملة ليست مجرّد دعوةٍ فلسفيةٍ عدمية، وإنما هي رؤيةٌ متكاملةٌ للإنسان والكون تبنّتها حضارةٌ إمبرياليةٌ انتقلت من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، ومع هذا تحاول باستمرارٍ الهيمنة على العالم من خلال إغواء الآخر وتفكيكه. وهذا ما يفسِّر في نظري سبب تحامل المسيري الشديد عليها، يقول: أنا أذهب إلى أن التفكيكية وما

(130)

بعد الحداثة هما في واقع الأمر أيديولوجية النظام العالمي (الاستعماري) الجديد. وهو في هذا يعتمد على الناقد الأمريكي الماركسي فردريك جيمسون، الذي يرى أن روح ما بعد الحداثة تعبّر عن روح رأسمالية عصر الشركات متعدّدة القوميات، وهو يقبل تحليل جيمسون لكن بعد أن يستبدل مصطلح رأسمالية بمصطلح العلمانية الشاملة.

وبرغم أنه يرى أن دريدا يصنّف نفسه أحيانًا كيهودي، بل يُوَقِّعُ بعض مقالاته بكلمة «رِب ريدا» أي «الحاخام رضا»، أو «رب درسا» أي «الحاخام دريسا». ويرى أن وظيفته كيهودي في الحضارة الغربية المسيحية هي أن يفكّك الأنوطوثيولوجي. إلّا أنّه (المسيري) يستدرك على ذلك مضيفًا: وغنيٌّ عن القول أن دريدا لا يقدّم فلسفةً يهوديةً، ولا يمكن فهم فلسفته إلا في سياق تاريخ الفلسفة الغربية. ورغم عدم وجود أفكارٍ تفكيكيةٍ وما بعد حداثيةٍ في مدارس التفسير اليهودية (التي اطّلع عليها دريدا وتأثّر بها فهو تلميذ ليفيناس)، إلّا أنّه يظلّ مفكرًا غربيًا بالدرجة الأولى، ولا تُشكّل يهوديّتُه سوى عنصرٍ مساعدٍ في تصعيد تفكيكيته.

ثم يلاحظ المسيري أن ثمة مواطن كثيرة من التشابه بين بعض مفاهيم التفكيك والمفاهيم القبالية، مثل مفهوم الاختلاف المرجَأ، ومفهوم تناثر المعنى (التشتت)، ومفهوم التناقض التفكيكي، لها ما يشبهها في التراث الديني اليهودي، فالتفسيرات الحاخامية متضاربةٌ متشابكة، فكل تفسيرٍ يشير إلى التفسير الذي يسبقه والذي يليه إلى ما لا نهاية له.

هناك مجموعةٌ من السمات التي تظهر لنا في قراءة المسيري لدريدا، ليس فقط الكتابة الذاتية، بل محاولة «حَوْلَلَت» و»كَمْنَنَت» فلسفته ووضعها في قالب الحلولية الكمونية؛ ثم العودة بها إلى يهوديته، وإن كان ذلك على حذر، يقول: وليس ثمة شكٌ في وجود علاقة ما بين اليهودية في طرحها لجملةٍ من الأفكار

(131)

المتناقضة المتقابلة، مثل المطلق والنسبي، والثابت والمتغير، وبين فلسفة دريدا بصفةٍ عامةٍ وأطروحات التفكيك بصفةٍ خاصّة.

وإن كان هناك من يرون في المقابل أن أصول فلسفة دريدا نجدها لدى نيتشه، الذي مثّلت جنيالوجيته أساس كثيرٍ من الفلسفات المعاصرة. وأن التفكيك هو امتدادٌ للنقد النيتشوى. إن مفهوم التفكيك كما كتب فتحي التريكي قد نجد له ما يشبهه في أفكارٍ عديدةٍ وفي أديانٍ عديدةٍ لا في اليهودية فقط. إلّا أننا إذا أردنا أن نجد له جذرًا صلبًا فعلينا العودة إلى النقدية المطرقية النيتشوية، وإلى جينالوجيا الأعماق في فلسفة اللاوعي الفرويدية. يقول: فإن كانت يهودية دريدا قد أثّرت في فلسفته، فذلك بديهي، ومن حقّه الكامل الانتماء إلى حضارته والدفاع عنها، كما هو من حقي أنا أن أنتمي إلى حضارتي الإسلامية وأدافع عنها.

يتعاطف التريكي إذًا مع دريدا، ويضيف موضحًا لنا ناحيةً هامةً لدى دريدا تتعلق بموقفه من إسرائيل، حيث ينفي عنه أن يكون صهيونيًا، بل على العكس يعتبر أن قيام إسرائيل هو عنف في حد ذاته، لأن استيطانها في فلسطين قد أحدث عنفًا شديدًا في المنطقة، ويستشهد التريكي بقول دريدا في كتابه «كيف سيكون غدًا»: إنه بالرغم من هذا العنف الأصلي لتكوين دولة إسرائيل، لا بد من قيام دولة فلسطينية لها كل الحقوق بدون استثناء بالمعنى القوي لكلمة دولة، أو التعايش في دولة ذات سيادتين بدون تمييز، يكون فيها الشعب الفلسطيني حرًا من أي ضغط وعنصرية غير مقبولة.. لقد كنت دائمًا أحكم حكماَ شديدًا ضد الحكومات الإسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين.

ومقابل قول المسيري إن اتجاه دريدا للتفكيك لا يرجع إلى يهوديته وإنما بسبب هامشيته (التي لعبت يهوديته دورًا في تعميقها)، فهو شخص لا جذور له، فقد كان عضوًا في جماعةٍ وظيفيةٍ استيطانيةٍ هي جماعة المستوطنين الفرنسيين في الجزائر.

(132)

فإننا نجد أزواج عمر الباحث الجزائري يقدّم لنا مقاربةً أوليةً لمساهمةٍ في علاقات الاستعمار وما بعد الاستعمار في تشكيل فكر ما بعد الحداثة في فرنسا، ملخصها أن ما يدعى بفكر «ما بعد الحداثة» الفرنسي ليس نتاجًا للتحولات والمرجعيات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية الفرنسية ـ الغربية فقط، إنما هو أيضًا نتاج لعلاقات الصدام خلال فترة الاستعمار بين المستعمِر والمستعمَر، ولعلاقات الهيمنة والقوة المميِّزة لفترة ما بعد الاستعمار. يقول: «يكتشف الدراس عند تأمله وفحصه لمؤلفات مفكري ما بعد الحداثة في فرنسا أنهم لم يتأثروا فقط بمرجعياتهم الأوروبية ـ الفرنسية، وإنما تأثروا بالثقافات والمجتمعات غير الأوروبية، وساهمت هذه التجارب في إغناء فكرهم وفي تزويد الفكر الغربي ككل بمعالم وسماتٍ إضافيةٍ ذات أهمية».

يوضح لنا عمر أن مفهوم الاختلاف ومفهوم الغيرية عند دريدا ليس نتاجًا لتجربته المعرفية الأكاديمية، وإنما نتاجٌ أيضًا لسنوات التكوين الأولى في الجزائر، كما يتضح في دراسته «العنف والميتافيزيقا»، حيث يُظهر رفضه للاحتواء الثقافي متجذّرًا في تجربته الجزائرية إبان الاستعمار. إن جاك دريدا يتأمل فكريًا وعلى نحوٍ تاريخي، عاكسًا من خلال استدعاء الذاكرة الشخصية والتجربة الذاتية المتصلة بالزمان والمكان مآسٍ كبيرةً في التاريخ الكولونيالي. إن هذه الترجيدايا تعلن عن فشل الحداثة الغربية في إقامة علاقةٍ مثقّفةٍ وديمقراطيةٍ مع الآخر المستعمِر. إن علاقة فلاسفة ما بعد الحداثة الفرنسيين بالجزائر من موقع مناهضة الاستعمار زجّ بالفلسفة الفرنسية كلها في الأزمة، ودفع بها إلى إعادة النظر في إشكاليتها وفي مفاهيمها وتصوراتها.

معنى هذا أن دريدا ينقل تجربته الجزائرية إلى الفلسفة، ومفهومه في الاختلاف ينبع أساسًا من تجربته الإثنية في ظل المجتمع الجزائري المستعمَر، فلسفة دريدا في عمقها هي نقد لميتافيزيقا الغرب، ومما لا شك فيه أن هذه الميتافيزيقا أخذت

(133)

بُعدها الأقصى في اللحظة الاستعمارية، لأن الاستعمار ذاته هو نفيٌ للحوار، ونفي الحوار هو ميتافيزيقا بامتياز.

يقترب محمد البنكي إلى عمق أطروحات المسيري، التي تلتقي فيها لحظتان معًا: اللحظة الستينية المتميزة بالانبهار والافتتان الشديدين بالحضارة الغربية وقيمها الديمقراطية على المستوى الشخصي، وهي لحظةٌ تأسيسيةٌ بدرجةٍ ما، واللحظة الأخرى التي تمثلها تحولات الكاتب المتبنية لرؤيةٍ حضاريةٍ عربيةٍ إسلامية، وهي لحظةٌ ستتمدّد وتستطيل وتتعمّق حتى تستوعب اللحظة السابقة في طوياها، ولكن دون أن تستطيع استئصال شأفتها أو بتر جذورها تمامًا. إن الأطر الاجتماعية والحضارية للمعرفة التي ستتشكّل وفقها رؤية المسيري ستسمح له بالإبقاء على مزيجٍ متخالطٍ من اللحظتين طوال الوقت، وحتى في أشد اللحظات احتدامًا وهجائيةً تجاه الآخر الغربي. إن الإيمان بالغيب وتوقير الميتافيزيقا والدفاع عن إمكان المجاوزة الماورائية، هي من قبيل الثوابت المحسومة في فكر عبد الوهاب المسيري، غير أن تبنّي النزعة الإنسانية التي أفرزتها أفكار العقلانية والعلم والمظلة الليبرالية تُبقي لقيم التنوير والديمقراطية والعلمنة النسبية مواقعها الحيوية في منظومة أفكار الكاتب رغم كل شيء.

يمكننا أن نقول إن المسيري يتعامل مع نصوص دريدا بنفس الطريقة التي يصف بها تعامل دريدا مع النصوص التي يقوم بتفكيكها. هو لا ينكر أنه يقوم بالتفكيك، حيث يمارس مع النصوص الدريدية نفس المنهج الذي يمارسه دريدا، مع اختلاف بسيط، هو أن دريدا يدّعي عدم معرفته ما سيؤول إليه التفكيك والمسيري حريص على أن يؤكد غايته من التفكيك، أي إنه يدرك قبل ممارسته للتفكيك ما سيؤول إليه. المصطلح عند المسيري محدد الدلالة، وبينما يسعى دريدا لمعرفة الدلالات المتعددة التي تسكن كل مصطلح، ذلك أن دريدا متابعًا نيتشه يمارس عبر تفكيكه التحليلَ الجينالوجي النيتشوي الذي يرفضه المسيري، فهو من البداية يقدّم لنا

(134)

موقفًا من نيتشه وهيدجر ومصادر دريدا جميعًا عبر رؤيةٍ غير ذاتيةٍ، غير موضوعيةٍ، ترى في أفكار دريدا صدًى ليهوديته، وهو غارق في الصيرورة تحكمه الحلولية، سيولةٌ هادرةٌ تكتسح كل صلابةٍ، لذا يلوذ المسيري بالثبات والصلابة في مواجهته ويجد تلك الصلابة في الخطاب الإسلامي، الذي يتفق في توجهاته العامة مع نفس القيم الإنسانية للحداثة الأوروبية التي شغلت المسيري في بداياته وفي قناعاته الأولى، وهو يجد في الخطاب الإسلامي الجديد ما يمكّنه من تقديم خطابٍ مضاد لما بعد الحداثة.

(135)
(136)

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

المسيري والعلمانية: نقد العلمانيين

(137)

 

تمهيد:

خصّص المسيري عدة أقسامٍ في الجزء الأول من الموسوعة للحديث عن إشكالية تعريف العلمانية وهل هي علمانية جزئية أم علمانية شاملة؟ أي هل تُعرف باعتبارها فصل الدين عن الدولة أم باعتبارها مجموعة أفكارٍ وممارساتٍ ومخططاتٍ واضحةٍ محددة؟ ويرى أن هذه الأفكار والممارسات تساعد على تقبُّلِ الناسِ المُثُلَ العلمانية، خصوصًا إذا أشرف على عملية نقل الأفكار وفرض الممارسات مؤسسةٌ ضخمة مثل الدولة المركزية، ومع هذا يظل تصوُّر العلمانية تصورًا ساذجًا يشكّل اختزالًا وتبسيطًا لظاهرة العلمانية وتاريخها وللظواهر الاجتماعية على وجه العموم (ص 212) [1]. ويتناول إشكالية تصوُّر العلمانية باعتبارها فكرةً ثابتةً لا متتاليةٍ نماذجيةٍ آخذةٍ في التحقق.

يناقش المسيري إشكالية تعريف مصطلح ومفهوم “علمانية”. فهي ترجمةٌ لكلمة Secularism الإنجليزية، والمشتقة من اللاتينية saeculum، والتي تعني العصر أو الجيل أو القرن، بينما تعني في لاتينية العصور الوسطى ـ وهو ما يهمنا ـ العالم أو الدنيا في مقابل الكنيسة. ويُرجع المسيري استخدام المصطلح secular إلى أوّل مرة عند توقيع صلح فستفاليا وبداية ظهور الدولة القومية. وهو يوضح اتساع المجال الدلالي للكلمة على يد جون هوليوك، أول من حدد المصطلح بمعناه الحديث وحوّلهُ إلى أهم المصطلحات في الخطاب السياسي والاجتماعي والفلسفي الغربي الحديث [2].

(138)

ينطلق المسيري في تناوله للعلمانية من منظور فلسفي مفاده أن الواقع الإنساني يتشكّل من مستويَين أو بنيتَين؛ البنية الظاهرة والبنية الكامنة، وعادةً ما تكون البنية الظاهرة تجليًا للبنية الكامنة، ولذلك يفضِّل المسيري أن ينظر إليهما باعتبارهما دائرتين متداخلتين: الأولى صغيرةٌ وينعتها بالجزئية، والثانية كبيرةٌ ويشير إليها بالكلية أو الشاملة لأنها تحيط بالأولى وتشملها، فهي بمثابة الإطار الذي ينتظمها، فالدائرة الأولى وفقًا لهذا التصور لا تعدو أن تكون إلّا مجرّد إجراءاتٍ تمثّل تَبَدّيًا للدائرة الثانية، ولا يمكن فهمها حق الفهم إلا بالرجوع إلى الدائرة الأشمل التي تستوعبها، فهي بُنيَتُها الكامنة ومرجعيتُها النهائية، فما دامت تستوعبها بداخلها فهي تخضع تبعًا لذلك لمنطقها العام وبُنيَتها الحاكمة [1].

وتبقى أفضل طريقةٍ لتناول قضية العلمانية والعلمنة بالنسبة للمسيري “هي قضية المرجعية (كامنة أم متجاوزة)، فالعلمانية الشاملة قد لا تكون إلحاديةً أو معاديةً للإنسان على مستوى القول والنموذج المعلن (...) ولكنها على المستوى النموذجي الفعّال ومستوى المرجعية النهائية الإله، وأية مطلقات، من عملية الحصول على المعرفة، ومن عملية صياغة المنظومات الأخلاقية، كما تستبعد الإنسان من منة مركز الكون بشراسة وبحدة وتنكر عليه مركزيته وحريته” [2].

يشدّد المسيري على أن حركة العلمنة ليست فعلًا واعيًا أو تعبيرًا معلنًا وواضحًا بالضرورة، بقدر ما هي حركةٌ بنيويةٌ خفية، فهي لا تتخد بالضرورة شكل مخططٍ واضحٍ أو خطابٍ معلنٍ بقدر ما تُعلن عن نفسها من خلال العديد من التعبيرات الحضارية والاجتماعية اللاواعية، ذلك “أن العلمانية كامنةٌ في كل المجتمعات،

(139)

وليست مجرد مجموعةٍ من الأفكار المستوردة أو الممارسات الواضحة، وإنما هي عمليةٌ عميقةٌ رغم أنها قد تكون لاواعية” [1]

يتوقف صاحب “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة” عند تعريف وإشكاليات العلمانية في كتابه الذي صدر بهذا العنوان عام 2002، وقبل ذلك في “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، وان كان تناولُهُ بطبيعة الحال أكثر تفصيلًا وشمولًا في الكتاب عن الموسوعة. وهو يرى أن جهود المفكرين العرب منذ ما يسمى بـ”عصر النهضة” في تاريخ الفكر العربي تستند إلى تعريفات الغرب وتجاربه، ومع انتقال المصطلح يظلّ يحمل آثارًا قويةً من سياقه الحضاري السابق الذي يظل مرجعيةً صامتةً له. وقد اختُزلت مناقشة المصطلح إلى طريقة ترجَمَتِه، ولم تعد القضية هي وصف الظاهرة العلمانية وتحليلها وتسميتها كما نراها نحن، بل أيضًا الجهد الفكري والبحثي على مناقشة أحسن الترجمات لكلمة “علمانية” وأقربها إلى المعجم الغربي. وبعد تحليله لتعريف مفهوم “العلمانية” في العالم الغربي، يتوقف عند تعريف المفهوم عند بعض المفكرين العلمانيين في العالم العربي، وهو يكتفي أحيانًا بالعرض المحايد وأحيانًا بالعرض النقدي، متعاطفًا مع بعض هؤلاء المفكرين، ناقدًا محللًا مهاجمًا آخرين، مثلما يعطي البعض منهم مساحةً محدودةً من التحليل والبعض مساحةً أكثر اتساعًا.

اختلف موقف الخطاب العربي تجاه المفهوم العلماني، ومن يتابع تحليلات المسيري يجده قدّم تصنيفًا رباعيًا لفهم العلمانية عند المفكرين العرب، حيث يمكننا أن نعثر على أربع فئات تعاملت مع مفهوم العلمانية: أول تلك الفئات من تحدث عن العلمانية باعتبارها رؤيةً جزئيةً غير شاملةٍ، مثل وحيد عبد المجيد، وحسين أحمد أمين، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومن الملاحظ أن المسيري كان أكثر تركيزًا في تحليلاته على فؤاد زكريا كأحد العلمانيين الجزئيين [2].

(140)

أما ثاني تلك الفئات فيمثّلها من تأرجحوا بين الدائرتين الجزئية والشاملة، فتارةً نجدهم أدركوا العلمانية على أنها علمانيةٌ جزئيةٌ أو فصل السلطات الدينية عن السلطات السياسية، وتارةً العكس، ومنهم محمد رضا محرم، حسن حنفي، نصر حامد أبو زيد، عاطف العراقي، وأركون، وعبد السلام سيد أحمد، ويلاحَظ في هذه الفئة الثانية أن المسيري أفاض في حديثه عن محمد أركون، الذي حاول أن يعالج مفهوم العلمانية ويضع إشكالياتٍ لها تكون كامنةً فيها.

والفئة الثالثة من المفكرين، كما يذكر أحمد فؤاد محمد، أدركوا المفهوم العلماني على أنه تلك العلمانية الشاملة ومن هؤلاء: عادل ضاهر، وهاشم صالح، ومراد وهبة، وعزيز العظمة، وقد اختار المسيري الإفاضة في الحديث عن عزيز العظمة، حيث إن العلمانية عنده تعني الاستقلال النسبي للمجتمع المدني عن التحكم الرسمي به وبحياته العامة ومعاملاته ومبادلاته وفقًا لمبادئ دين الأكثرية وعقائده وشرائعه... إلخ، كما تعني المساوة بين المواطنين جميعًا أمام القانون، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو الطائفية أو الإثنية.

ينتهي المسيري بنا إلى الفئة الرابعة وإدراكهم لمفهوم العلمانية، في أن هناك من قام بمراجعة العلمانية، مثل جلال أحمد أمين، وفهمي هويدي، والجابري، وعادل حسين، وهؤلاء يمثلون الفئة الرابعة التي تناولها المسيري، الذي أفاض في الحديث عن كلٍّ من جلال أمين وفهمي هويدي، أن جلال أمين فيما يرى المسيري يؤمن بالمرجعية الميتافزيقية، والتي لا بد من البدء بها كموقف ميتافزيقي، والتي تفضي إلى نتائج ومقولات مختلفة تكون أيديولوجيةً لتوجيه السلوك الإنساني [1].

ونلاحظ مما سبق تركيز رؤية المسيري للعلمانية في أنها تأتي على الإنسان بتجاوز المطلقات وتغييب الإله فعلًا أو نظرًا، وتركز على المصلحة والمنفعة

(141)

واللذة، وتعتمد على المرجعية الذاتية الكامنة في العالم، معتمدًا في تفسيره للأشياء على العقل المادي والمعايير النسبية.

والملاحظة الأساسية أن من يعرض لهم في كتابه ذي المجلدين قد ناقش أعمالهم بشكل أكثر اتساعًا وتفصيلًا عمن تناولهم في الموسوعة. وهذا يعني أن هناك أسماءً مشتركةً في العملين، وهناك إفاضةٌ وإضافةٌ في الكتاب. الملاحظة الثانية هي تناوله الواسع الفضفاض لكل من تحدّث عن العلمانية، سواء أكان مؤمنًا بالعلمانية وكتب حولها كتاباتٍ عديدةٍ يُعتدّ بها، أو مجرد أن أشار إليها ممن لا يمكن اعتبارهم في عداد العلمانيين الداعين لها، أو من أصحاب الدراسات الرصينة فيها، أو من اتّخذ موقفًا محددًا منها عُرف عنه. لنعرض لبعض من تناولهم المسيري لبيان موقفه النقدي منهم.

الواقع أن نخبةً متميزةً من المفكرين العرب أمثال محمد عابد الجابري، وفهمي هويدي، وعبد الإله بلقزيز، وعبد الوهاب المسيري، يؤكدون أن إشكالية العلمانية إشكاليةٌ مغلوطةٌ أو مزيفةٌ لا تقبل الانطباق على حالة العلاقة بين الدين والدولة في العالم العربي المعاصر، وفي هذا المعنى يقول [ينقل من المجلة]:

يعقد برهان غليون مقارنةً بالغة الدلالة والعمق بقوله: “بقدر ما كانت العلمانية الغربية اكتشافًا إيجابيًا خطيرًا ومبدعًا بما أتاحته من فرص”، لا يكل غليون من التذكير بأكثر من صيغة بأن العلمانية تعد في الأصل “ نظريةً إجرائيةً سياسيةً” تقضي بأن تتقاسم سلطة الدولة وسلطة الكنيسة الحكم على الإنسان لصالح المجتمع (المسيحي) ولوقف النزاع الدائم داخله، حيث اعترفت الدولة هذه التسوية للكنيسة والدين بالسلطة على الروح، واعترفت الكنيسة مجبرةً للدولة بالسلطة على الجسد والعدل المادي [1].

(142)

إن العلمانية الحديثة هنا تنأى عن أيّ مضامين سلبيةٍ إلحاديةٍ أو إقصائيةٍ للدين، كما أن تطوُّر الموقف العلماني يساهم في “إعادة بناء وتجديد الضمير الديني”، أكثر من ذلك فإن الإسلام يُمسي، من وجهة نظر غليون، دينًا علمانيًا بالمعنى “العميق والحقيقي” للكلمة، وهو ما عبّر عنه الإسلام “بتمجيده لمواهب الإنسان المبدعة، واستخلافه له وحثِّهِ على المغامرة والنظر في كل شيء، ومراعاة حاجات الجسد والروح دون تمييز” [1].

أولًا: علمانية الجابري وزكريا ووهبة

يتوقّف عبد الوهاب المسيري بدايةً عند الجابري، الذي يعتبر مفهوم العلمانية غريبًا عن الإسلام، لأنه يرى أن الإسلام ليس كنيسةً كي نفصله عن الدولة، وعلى هذا فالعلمانية ليست قضية الفكر العربي عند الجابري، الذي أكّد ضرورة استبعاد مصطلح العلمانية من قاموس الفكر العربي، ويرى تعويضه بشعار الديمقراطية والعقلانية. ويثني المسيري على تناول وحيد عبد المجيد؛ الذي يذهب إلى أن العلمانية في الغرب ليست أيديولوجيا أو نظامًا فكريًا وإنّما مجرّد موقفٍ جزئيٍ يتعلّق بالمجالات غير المرتبطة بالشؤون الدينية [2].

يعرض المسيري للدكتور فؤاد زكريا، وهو عنده مفكّرٌ علمانيٌ بارزٌ يصف العلمانية بأنها الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة، وفي كتابه المهم “في النموذج الأمريكي” يصف هذا المجتمع الأمريكي بأنه مجتمعٌ ماديٌّ بل من أكثر المجتمعات ماديةً في عالمنا المعاصر. ولأن هذا الموقف قريبٌ من موقف المسيري في كتابه “الفردوس الأرضي”، نجده يتعاطف مع رؤية المفكر العلماني البارز، ذلك لأنه يرفض المادية العدمية التي تودي بالإنسان ويضع مقابلها “القيم

(143)

الإنسانية والمعنوية”، ويطرح زكريا رؤيةً للإنسان مختلفةً عن الرؤية المادية التي تهيمن على المجتمع الأمريكي، فما يحرِّك رؤيته ليست الماديات وحدها، لأن في الإنسان قوًى تعلو على السعي المباشر إلى الكسب والاقتناء [1].

ونفس موقف التعاطف يظهر في تناول المسيري للماركسي محمود أمين العالم؛ الذي يذهب إلى أن العلمانية ليست مجرد فصل الدين عن الدولة، إنما هي “رؤية وسلوك ومنهج”. وهذه الرؤية وفق ما كتب المسيري “تحمل الملامح الجوهرية لإنسانية الإنسان، وتعبِّر عن طموحه (الثنائي) الروحي المادي للسيطرة على جميع المعوقات التي تقف في طريق تَقَدُّمه وسعادته وازدهاره”. وهذا يعني عند المسيري أن علمانية محمود العالم لا تسقط في النسبية والعدمية ولا ترفض فكرة الكل والجوهر والروح المطلق. ويضيف المسيري في هذا الإطار أن الأستاذ العالم يرى أن العلمانية لا تعارض الدين؛ بل لعلها تكون منطقًا صالحًا للتجديد الديني نفسه بما يتلائم ومستجدات الحياة والواقع [2].

وهو يرى أن هذه التعريفات السابقة للعلمانية تسمح بقدر من الثنائية وباستقلال الظاهرة الإنسانية. وهي تقف على طرف النقيض من التعريفات التي يسميها المسيري “الماديةَ المصمتةَ الشاملةَ الواحدية”، ومن هنا تعاطُفُه معها وحديثُه الحيادي عنها وعرضُه الموضوعي لها، على العكس من موقفه من كل من مراد وهبه وعزيز العظمة وعادل ضاهر على سبيل المثال.

يعرض المسيري للدكتور مراد وهبه الذي يجعل من العلمانية ظاهرةً واحديةً نسبيةً، فهي “تحديدٌ” للوجود الإنساني بالزمان والتاريخ (أي النسبي دون مجاوزة لهذا العالم)، فالعلمانية وفقًا لوهبة هي التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق، وهذه نسبية مطلقة لأنها تُحدّد الوجود الإنساني والطبيعي، أي كل

(144)

شيء. وهذا يعني عند المسيري أن ثنائية الإنساني والطبيعي (المادي والمعنوي) قد تم محوها تمامًا، ويتحوّل الإنسان إلى كائنٍ طبيعي. وكل ما هو إنسانيٌ يردّ في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى أصولٍ ماديةٍ وتاريخيةٍ. ومن هنا يربط وهبة بين العلمانية والعولمة. ورغم صلابة الدكتور وهبة وواحديَّتِه، إلا أنه يتأرجح أحيانًا ويتحدّث عن الإنسان باعتباره مطلقًا، وعلى هذا يجد لديه المسيري رواسب ميتافيزيقيةٍ لم ينجح وهبة في التخلّص منها تأخذ شكل الإيمان بالطبيعة البشرية. يُعلّق المسيري بعد تحليله لعلمانية وهبة أن بعض التعريفات العربية لا تأخذ بالعلمانية الجزئية ولا العلمانية الشاملة بل تتأرجح بينهما.

ورغم وجود بعضٍ من التقارب بين تناول الجابري للعلمانية وتناول حسن حنفي لها، فهي تعني الفصل بين الكنيسة والدولة، وأن الحركات الإسلامية ترفض العلمانية عن حق، فإن حنفي يربطها بالتغريب بما يتضمّن ذلك من استعمارٍ وتبشير، مما أدى إلى تصوّرٍ خاطئٍ بأن ثمّة تعارضًا بين العلمانية والإسلام، ومن هنا يتحدّث حنفي عن علمانيةٍ إسلاميةٍ أو الجوهر العلماني للإسلام، إلا أن المسيري يرى أن العلمانية التي يتناولها حنفي ويعرض لها لا تختلف كثيرًا عن العلمانية الغربية إلا في كونها نابعةً من الداخل.

ثانيًا: علمانية حسن حنفي

ونحن نتوقّف بالتحليل عند علمانية حسن حنفي لأسباب عدّة [1]؛ أوّلُها حضور حنفي البارز في الأوساط الثقافية بما أثاره من إشكاليات سواء في منجهه التحليلي، ومنطلقاته، وأهدافه، وثانيها نقدُه للتراث وادعاؤه بأن التراث يصلح لأن يكون أيديولوجيا ثوريةً للمسلمين، وثالثها تناوُلُه الشامل لتراث الأنا وتراث الآخر في دراساتٍ شاملةٍ تحاول استيعاب تراث الأنا وتعمل على تفكيكه، ولتركيب مضامين

(145)

ومعاني وألفاظٍ جديدةٍ عصريةٍ لدفع النهضة خطواتٍ أخرى وإقالتها من عثرتها، واستبيان العيوب في تراث الآخر لإنهاء دورة تقدُّمِهِ التاريخية كما في دراسته علم الاستغراب، وأخيرًا شهادة حنفي على نفسه بأنه سليل الإصلاح الديني، إلا أنه إصلاحيٌ إسلاميٌ وعلمانيٌ وليبراليٌ وقوميٌ في آن واحد! ويرى حنفي أن الاسلام في جوهره علمانيٌ وأن العلمانية التي يدعو إليها علمانيةٌ عضويةٌ مشتقةٌ من التراث.

يدعي حنفي بأنّه داعيةُ علمانيةٍ عضويةٍ نابعةٍ من التراث، إلا أن مشروع حنفي بأكمله كما يؤكّد هو نفسه يهدف إلى تحقيق هذا التحوُّل من الله إلى الإنسان؛ ليعود الإنسان إلى ذاته بدلًا من اغترابه في الله، وهو بذلك يدعو إلى علمانيةٍ شاملةٍ لا محدودة، ويرى حنفي أنه إذا أمكن بيان واقعية الوحي وماديته، والانتقال من الله إلى الإنسان، أو من “الثيولوجي” إلى “الأنثربولوجي”، يمكن إثبات أن الإنسان استقلَّ عقلًا وإرادةً وتتحقق الأيديولوجيا الثورية للشعوب الإسلامية.

ويمكن بيان مسار العلمانية عند حنفي من خلال استبعاد ربانية الإنسان، وتأكيده على الإنساني المتجاوز لكل مرجعية في النقاط التالية:

‌أ.الوحي والواقع: حيث يرى حنفي أن الواقع هو الذي كتب الوحي، وبالأخص القرآن، فقد استمر نزول القرآن ثلاثةً وعشرين عامًا، ردًا على ظروفٍ وأحداثٍ وقضايا وأزماتٍ تحدث في حياة البشر متعلقةٍ بشعور الإنسان وآماله على الأخص، ويمكن تسمية هذا البُعد المادي بمصطلح «أنسنة الوحي».

نحن هنا بإزاء علمانيةٍ تتجاوز كلًّا من العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، التي تفصل الفكر والمعرفة عن المعنى والقيمة في كل أنشطة الحياة، إلى علمانيةٍ فضفاضةٍ لا محدودةٍ تتجلّى في كل كتابات حنفي توحي بتصوُّره الحلولي الكوني الرافض للتجاوز تمامًا، والإبقاء على كل شيء في غياهب الطبيعة والمادة. ويكرر

(146)

حنفي هذه الأفكار بصياغاتٍ مختلفة؛ حيث يتحدث من الانتقال من الثيولوجي إلى الأنثروبولوجي، ومن الله إلى الإنسان [1].

وكما أن منبع الوحي كان الواقع، فإن مَصَبَّهُ كذلك هو الواقع، يبدأ منه وينتهي إليه، يبدأ منه بأنسنته وينتهي بأدلَجَتِهِ (أي أدلجة الوحي). وهذا البُعد هو الأساس “السياسي ـ التاريخي” الذي تعتمد وترتكز عليه عملية التحويل السالف ذكرها. وبعد إبعاد الله تبقى الطبيعة، إلّا أن الإنسان يتجاوز الطبيعة أيضًا ويصبح مرجعيةً مطلقةً متجاوزةً للمادة، تلك هي العلمانية الشاملة عند حنفي ـ فيما يرى المسيري ـ متجاوزةٌ لعالم المادة.

ويلاحظ على علمانية حنفي الأتي:

   1- انتهى حنفي إلى العلمانية الشاملة التي تُنكر المطلقات، رغم اعتقاده بأنه احتفظ بالإنسان كمطلقٍ للوجود، وقد تحقّق هذا من خلال استبعاد الوحي كمركزٍ للثقافة الإسلامية، وإبعاد الله من أمام الإنسان كأساسٍ لروحه، وتحويل الوحي إلى أيديولوجيا إنسانيةٍ بعد تفريغه من مضامينه الدينية.

   2- إنسان حنفي وراء ردّ الفعل الحادّ الذي عابه على الجماعات الإسلامية وسلفيَّتِها المتشدّدة في مواجهة التغريب وحركات العلمنة.

   3- إن استئصال البُعد الربّاني من جوهر الإنسان لا يؤدّي بالإنسان إلى أن يكون مرجعيةً مطلقةً لذاته كما ظن حنفي.

ويُرجع المسيري موقف حنفي إلى المثالية الألمانية، التي تطابق بين ما هو كامن في الإنسان وما هو متجاوزٌ له، وحنفي كما نعلم هو مترجم اسبنيوزا والاسبينوزي

(147)

العربي عندنا. وهو عند المسيري يُذكِّر المرء بمحاولة الفلسفة المثالية الألمانية، بأن تحِلَّ كلّ مشاكلها بافتراض تماثلٍ بين قوانين العقل والتاريخ وقوانين الطب.

يتّضح في تحليل المسيري لموقف حنفي إدراكُه الكامل لرؤية حنفي الفلسفية، فهو يلاحظ الحلولَ والكمونَ الكاملَ في الإنسان الذي يغترب عن جوهره في الإله المتجاوز؛ مما يبيّن أن حنفي يقف ضد كل ما هو متجاوز، أي تأكيد المرجعية المطلقة المتجاوزة للمادية مثل فويرباخ، وحنفي من أوائل من قدّموا فويرباخ للعربية. وينتهي المسيري إلى أن العلمانية عند حنفي لم تعد مجرّدَ فصلِ الدينِ عن الدولة، وإنما أصبحت رؤيةً كاملةً للكون.

ثالثًا: علمانية العظمة

والمفكّر الذي يفيض المسيري في نقد توجّهاته العلمانية ويفسح مساحةً كبيرةً لتحليل موقفه هو عزيز العظمة؛ وهو كاتبٌ ومفكِّرٌ سوري، وُلد في دمشق عام 1947، حصل على الدكتوراه في العلوم الإسلامية من جامعة أكسفورد، ودرس في عددٍ من الجامعات العربية في بيروت والكويت، وكذلك في توبنجن في ألمانيا، صاحب كتاب “الإسلام والحداثة”، والعلمانية في الفكر العربي الحديث. تتبدّى في كتاباته كل أشكال العلمانية: الجزئية، الشاملة، المتأرجحة، فهو من أهم الدراسين العرب لظاهرة العلمانية، يصل بالخطاب العلماني العربي إلى أكثر نتائجه المنطقية؛ فرغم أن العظمة ينبّه إلى أن العلمانية ليست تصورًا ثابتًا أو معطًى جاهزًا، إلّا أن محاكمته الصارمة للعلاقة بين الدين والسياسة، تكشف عن تصوّرٍ عقائديٍ للعلمانية يرتقي بها إلى مستوى “الدين البديل.

يذكر لنا المسيري تحديد العظمة للأوجه المختلفة للعلمانية، وجهُ العلمانية السياسيّ الذي يعني عزل الدين عن السياسة، ووجهُها المؤسسي بأنه اعتبار المؤسسة الدينية مؤسّسةً خاصّة. وإن كان يرى أن تلخيص العظمة لرؤيته يتجاهل

(148)

كثيرًا من التضمينات الفلسفية لخطابه، ويتبنّى تعريفًا شاملًا يمثّل موقفَه الفلسفي، فيعرِّف “وجه العلمانية المعرفي” بأنّه نفي الأسباب الخارقة عن الظواهر الطبيعية والتاريخية، وهو ما يعني الاكتفاء بالأسباب المحسوسة المادية وقوانين الحركة. وبلغة المسيري، الإيمان “بدنيوية هذا الواقع وحركيته وتحولاته”، أي ماديته الكاملة [1]. ومقابل هذه الرؤية التي تبحث عن أرضيةٍ للتواصل والحوار لدى كلٍّ من غليون والمسيري والجابري وحسن حنفي ووجيه كوثراني وغيرهم، نصطدم برؤيةٍ سجاليةٍ إقصائيةٍ وتسفيهيةٍ مغلقةٍ لدى سمير أمين وعزيز العظمة؛ الذي يجزم في حتميةٍ ويقينٍ راسخ أن “مسيرة التاريخ الكوني آيلةٌ إلى العلمانية، وأن مسيرة التاريخ الاجتماعي والثقافي محكومةٌ بهذا المسار، على الرغم من الصراعات الطبيعية التي تستثمرها هذه المسيرة مع القوى المحافظة؛ الذي أضحى الدين علمًا عليها” [2].

إن العظمة يقترب من حالة السيولة حين يعرّف العلمانية بأنها “أولوية اللانهائية”، أي اعتبار حركة المجتمع حركةً مستمرةً لا نهايات ولا غائيات لها، أي إن العظمة لا يرفض الميتافيزيقا ولا الرؤية الماهوية، بل يقفز قفزةً واسعةً إلى عالم ما بعد الحداثة. وتظهر هذه المادية الحركية والسيولة حينما يتحدّث العظمة عما يسميه “وجه العلمانية الأخلاقي”، فجوهر المنظومة الأخلاقية العلمانية هو ربطها الأخلاق لا بالثوابت وإنما بالتاريخ والزمن.

وإذا ما انتقلنا من تحليل المسيري للعلمانية ونقد مواقف المفكرين العرب منها في الموسوعة إلى كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، نجد نفس العناوين، فهو يتناول في البداية (المجلد الأول) “العلمانية الشاملة: محاولةٌ للتعريف لإشكاليات العلمانية المختلفة”. ويتوقف في نهاية الفصل الثاني عند تعريف ومواقف المفكرين العرب لمفهوم العلمانية، وفيه يضيف مواقف أخرى لعدد ممن

(149)

يطلق عليهم العلمانيين العرب، وسنتوقف عند مواقفهم. ويقدم في الفصل الثالث مراجعةً لمفهوم العلمانية في ثلاث فقرات، يهمنا مناقشة الفقرتين الثانية والثالثة منها، حيث يناقش في الثانية موقف جلال أمين وفي الثالثة يقدم مراجعةً لمفهوم العلمانية من قبل التيارين القومي العلماني والإسلامي في العالم العربي ويعرض لموقف فهمي هويدي.

يضيف المسيري إلى قائمة من يتناولهم من العلمانيين العرب كل من: محمد أحمد خلف، حسين أحمد امين، أحمد عبد المعطى حجازي، محمد أركون، محمد رضا محرم، نصر حامد أبو زيد، عبد السلام سيد أحمد، عادل ضاهر، هاشم صالح. وهو يشير إلى بعضهم إشاراتٍ سريعة، كخلف الله، حسين أحمد أمين، أحمد عبد المعطي حجازي، ونصر حامد أبو زيد؛ ويفيض في تحليل آراء البعض، كجلال أمين ومحمد أركون، وبعض هؤلاء عُرف بعلمانيته الصريحة المباشرة، وبعضهم من جاءت كتاباتهم حول العلمانية في سياق عام. لذا لن نعرض لهؤلاء جميعًا، بل نتوقف عند من مثّلوا للمسيري محطاتٍ أساسيةً لنقد العلمانية.

يرى المسيري أن موقف خلف الله القائل بأن العلمانية هي حركة فصل السلطة السياسية والتنفيذية عن السلطة الدينية، وليس فصل الدين عن الدولة، مما لا يمنع من أن تعمل السلطتين جنبًا إلى جنب في الحياة، حيث إن الواحدة منهما لن تحلَّ محلَّ الأخرى أو تلغيها؛ يرى أن هذا الموقف هو أمر يصعب تصوُّره، يقول المسيري: على سبيل المثال في مجتمعٍ يؤمن أفراده بمجموعةٍ من القيم الأخلاقية والإيمانية هل يمكن أن نتخيّل أن تحكمهم نخبةٌ لا تشاركهم المرجعية نفسها (ص 68). وفي نفس الإطار يعرض لموقف حسين أحمد أمين، الذي يعرّف العلمانية بأنها محاولةٌ في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة وعن المسلمات الغيبية. ويرى المسيري أن هذه التعريفات للعلمانية لم تجعلها رؤيةً شاملةً للعالم، وبالطبع يضع فؤاد زكريا في هذا الإطار، وكذلك أحمد عبد

(150)

المعطي حجازي، الذي يُصنّف علمانيَّته بأنها ليست علمانيةً عدميةً وكذلك محمود أمين العالم.

رابعًا: العلمانية المتأرجحة عند أركون

يُدرج المسيري المواقف السابقة فيما يسمّى العلمانية الجزئية. وقبل أن يعرض لأصحاب العلمانية الشاملة يتوقّف عند من أسماهم أصحاب التعريفات التي تتأرجح بين الدائرتين الجزئية والشاملة. ويفيض في الحديث عن المفكّر الجزائري محمد أركون (ص 73 ـ 80)، الذي يتّسم موقفه من العلمانية بدرجةٍ عاليةٍ من التركيب، فقد وضع يده على كثير من الإشكاليات الكامنة في ظاهرة العلمانية ومحاولات تسميتها وتعريفها.

1- يرفض اركون الثنائية التقليدية بين العلماني مقابل الإيماني والديني، ساعيًا بجدية إلى تجاوزها من خلال نحت مصطلحاتٍ متعددةٍ للتعبير عن موقفة مثل: العلمانية، العلمانوية، العلمانية النضالية، العلمانية الوضعية، العلمانية الصراعية، العلمانية المنفتحة، الواقعية، الفعلية، العلمانية الجديدة، والعلمانية السطحية، والعلمانية المستنيرة العميقة.

والعلمانية السطحية أو الوضعية الصراعية هي ما يُطلق عليه أركون العلمانوية، وهي تتأسس على الموقف التجريبي الأداتي، الذي نتج عنه علمانيةٌ أحاديةُ الجانب. ويقدّم أركون مثلَين على هذه العلمانية، الأول هو الثورة الفرنسية والمثل الثاني هو ثورة أتاتورك؛ الذي استبدل النظام الديني الإسلامي بالحضارة الأوروبية [1].

وقبل أن يحلل تعريف أركون للعلمانية، يشير إلى موقفه من البعد الديني الذي أسقطته العلمانية الصراعية الأحادية. فهو يميّز في البداية بين السيادة العليا التي

(151)

تستند إلى البعد الديني والسلطة السياسية. في الديانات التوحيدية لا يوجد فصلٌ بين السيادة العليا والسلطة السياسة في الإسلام، شأنه شأن المسيحية واليهودية؛ ويرفض أركون المقولة العلمانية الشائعة في بلادنا “الدين لله والوطن للجميع”، والحديث عن موت الله فيما يقول أركون كلامٌ لا معنى له، هو عبثٌ وعدميةٌ جوفاء وليس العرب المسلمون بحاجة إليه [1].

والمسيري حريصٌ للغاية على شرح وتوضيح مدى تعقيد مفهوم العلمانية عند أركون، وهو يستشهد بقوله إن من الخطأ اختزال العلاقات بين الدين والعلمنة أو بين الروحي والزمني وتقليصها إلى مجرد مسألة فصلٍ قانونيٍ شكليٍ بينهما، أو إلى مجرد التمييز بين اللاهوت والفلسفة. وانطلاقًا من هذا يبشّر أركون بما يسميه العلمانية الجديدة. وهو يرى أن هناك تقاربًا بين الكنيسة والدولة للعثور على صيغةٍ جديدةٍ أو تعاقداتٍ جديدة من أجل علمنةٍ جديدةٍ، تتيح إمكانية وجود روحانيةٍ جديدةٍ. وهذا يعني بالنسبة للمسيري أن أركون يصدر عن ثنائيةٍ أساسيةٍ، ثنائية الديني والدنيوي. وانطلاقًا من هذا ينادي أركون بما يسميه “العلمانية المنفتحة”، وهي علمانيةٌ تولي أهميةً كبرى للبعدين الروحي والديني للإنسان [2].

ويأخذ المسيري على أركون عدم التوازن في علمانيته المنفتحة. فهو بعد أن يورد فهم أركون وبيانه “أنه لا يجوز منع الإنسان من دراسة الدين والتعمُّق فيه واعتبار الظاهرة الدينية مجالًا جادًا للمعرفة والفهم”، يشير إلى عدم التوازن في بيانه: “فحرّيّة التفكير العلمانية العقلية لا تقابلها حرّيّةُ الإيمان وإنما اعتبار الظاهرة الدينية مجالًا جادًا للمعرفة والفهم” (ص 77). وعدم الاتزان هذا ما يظهر في برنامج أركون الإصلاحي.

يقترح أركون في برنامجه الإصلاحي ضرورة القيام بدارسةٍ تحليليةٍ تذهب إلى جذور الأشياء وتأخذ مسألة الوحي بعين الاعتبار. إلّا أن أركون يتحدّث عن الوحي

(152)

بصفته مؤرِّخًا لا عقائديًا. يتوقف المسيري أمام هذا البرنامج، الذي يطالب إدخال العلمنة الصحيحة في المجتمعات العربية والإسلامية بإلغاء برامج التعليم السائدة وإلغاء الطريقة اللاتاريخية والعقائدية التبشيرية لتعليم الدين في المدارس العامة وإحلال تاريخ الأديان والأنثربولوجيا الدينية محله.

يعقّبُ المسيري بعد أن يعرض تصوُّر أركون لتأسيس معهد الثيولوجيا الإسلامية في فرنسا على غرار الجامعات، أن أركون قد نسي الهدف الأساسي من برنامجه الإصلاحي، وهو إتاحة إمكانية وجود روحانيةٍ جديدةٍ منطلقة من إدرك الرمز والمعنى، وبدلًا من ذلك يحدّد الهدف من برنامجه بأنه دراسة بنية العقل الديني وطريقة اشتغاله ووظائفه، لأنّهم مضامينُ العقائد والمذاهب بحدّ ذاتها، فهي قد تختلف، لكن الآليات واحدةً. فالبعد الديني يُنظر إليه باعتباره موضوعًا للدراسة وليس باعتباره فاعلًا في المجتمع (ص 79).

2- ومن القائلين بالعلمانية (المتأرحجة) وفق تعبير المسيري محمد رضا محرم، الذي يلخّص لنا صاحبُ العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة موقفَهُ على مستويين: المستوى العام الذي يظهر مباشرةً وهو من أكثر محاولات تعريف العلمانية صلابةً وشمولًا. يرى محرم أن الأساس وراء التحديث هو العلمانية، فالعلمانية في الغرب هي العلم المعاصر. والعلماني هو المشغول بأمور الدينا مقابل الكاهن المتقطع في المؤسسة الدينية. وهنا لا يظهر أي إشكال في تصوره، إن المشكلة تظهر حين يحاول محرم تطبيق هذه الرؤية على الواقع الإسلامي حيث لا وجود للكاهن، أي إن كل فردٍ مشغولٌ بأمور الدنيا، وهنا نصل إلى النتيجة المذهلة، فيما يرى المسيري، وهي أن كل المسلمين بالتالي علمانيون.

ولنواصل مع المسيري متابعة تحليله لموقف محرم الذي يرى أـن الانشغال بأمور الدنيا مسألةٌ إنسانيةٌ عامةٌ، وهذا يعني أن الناس علمانيون بالفطرة.

(153)

ورغم صلابة محمد رضا محرم وصرامته فإنه ـ وهذا هو المستوى الثاني الذي يلاحظه المسيري ـ يتأرجح أحيانًا ويضيف عبارةً إلى قوله “الانشغال بأمور الدنيا” وهي عبارة: “في إطار نسقٍ من القيم الإيجابية”، إلّا أن هذه الإضافة غير متسقةٍ وبقيةَ تعريفه. ويرى أن هذه العبارة تذكّرنا بعبارة هوليوك عن “إصلاح حال الإنسان بالطرق المادية دون التصدي لقضية الإيمان بالقبول أو الرفض”(ص 81). ويندرج في هذا الإطار موقف حنفي الذي عرضنا له من قبل؛ يتناوله المسيري ثانيةً في كتابه (ص 81 ـ 83)، ويضيف إليه موقف نصر حامد أبو زيد، فهو يتأرجح بين الدائرتين.

3- يُرجِع نصر العلمانية إلى العالم، والاهتمام بالعالم يناقض موقف الكنيسة الذي يجعل الآخرة هي الهدف والغاية. ونظرًا إلى أن الكنيسة كانت تخضع للإقطاع الغربي الذي وظّف الدين في دعوة المستغلّين للبحث عن الخلاص الأخروي والانصراف عن الدنيا؛ معنى هذا أن الكنيسة كانت تمارس أيديولوجيا القهر والاستغلال في صراع دنيوي لا علاقة له باللاهوت أو الدين، وعلى هذا يصنّف المسيري نظرته بأنها علمانيةٌ جزئيةٌ، ويواصل تحليله، إن نصر لا يقف عند هذه الحدود بل يخرج عن العلمانية الجزئية (الدائرة الضيقة) إلى العلمانية الشاملة (الدائرة الكبرى) (ص 84)، ويلاحظ نفس النمط من التأرجح لدى عاطف العراقي (ص 85)، الذي تناوله من قبل في الموسوعة. وعند الكاتب السوداني نجد انتقالًا من التصور الجزئي إلى التصور الشامل للعلمانية، حيث نجد لديه تدرجًا من علمنة السياسة (فصل الدين عن الدولة) إلى العلمنة الفكرية إلى العلمنة الاجتماعية (ص 86).

(154)

خامسًا: العلمانية الشاملة

يتوقف المسيري عند أهم دعاة العلمانية الشاملة بكل متضمناتها الفلسفية، عادل ضاهر صاحب “الأسس الفلسفية للعلمانية”، الذي يُعَدّ كتابه هذا أحد أهم أعماله، على اعتبار أنه يبيّن فيه ماهية العلمانية وعلاقتها بالمعرفة الدينية والعملية وبعض الأطروحات الإبستيمولوجية والمعارف سواء المعيارية أو العقلية أو التي تأتي عن طريق الوحي وأهمية العقل باعتباره العامل الأساسي في استقلالية الإنسان.

إن الغرض من هذا الكتاب كما يخبرنا “هو المساهمة في إزالة هذا النقص الفاضح في فكرنا العلماني؛ ولذلك فإنه يحاول أن يبيّن بصورةٍ منهجيةٍ ما هي الاعتبارات الفلسفية التي يقوم عليها أو ينبغي أن يقوم عليها الموقف العلماني، قدّم عادل ضاهر عمله في ظل حالة تراجع العلمانية في العالم العربي”، والقوى العلمانية كما يقول تتقلّص ويتهمّش دورها وتأثيرها الفاعل على الأحداث باطراد متزايد.

ويقدّم لنا ضاهر تمييزًا بين نوعين من العلمانية يطلق عليها: العلمانية الصلبة والعلمانية اللينة، والعلمانية الليّنة عنده هي التي تدعو إلى إقامة دولة لا دينية على أساس من اعتباراتٍ اجتماعيةٍ أو نفسيةٍ أو سياسيةٍ أو تاريخية، أو على أساس أنّه لا يمكن أن تكون ديموقراطيةً إذا كانت دينيةً. ويصنّف العلمانيين الذين يستندون إلى النصوص الدينية بإرجاعهم إلى هذه (الليونة). أما العلمانية الصلبة والأصلية فهي تلك التي تقيم تناقضًا عقليًا بين المفهومين، فتؤكد أن المعرفة الاجتماعية لا يمكن أن تجد أساسها الأخير في المعرفة الدينية. وأن المعرفة القيمية العلمية تسبق بطبيعة الحال المعرفة الدينية، ويعتبر هذه المسألة هي الأطروحة الأساسية التي يدافع عنها وهي العلمانية التي خصّها في كتاب “الأسس الفلسفية للعلمانية”، ومع هذا لا يرى ذلك منافيًا للإيمان بالله.

(155)

وبعد عرض الهدف من مشروعه نستطيع أن نوضح معنى وطبيعة العلمانية عنده، فهي موقفٌ شاملٌ ومتماسكٌ من طبيعة الدين وطبيعة العقل وطبيعة القيم وطبيعة السياسة، فقد حاول ضاهر أن يصيغ رؤيته للعلمانية عن طريق تناول طبيعة المعرفة الدينية باعتبارها الممثّل للسلطة الدينية والمرجعية الأخيرة للإنسان، وأيضًا طبيعة المعرفة العملية والأخلاقية وبيان استقلالية الإنسان.

وهو كما يؤكّد المسيري من أكثر المفكّرين العرب وضوحًا في محاولة تعريف العلمانية، وقد تبنّى الرؤية الشاملة بكلّ محتوياتها، وهو يفصل عملية التعريف عن الظروف التاريخية التي صاحبت ظهور المفهوم والمصطلح. وهو يحدّد التعريف على المستوى الفلسفي المعرفي ويفصله عن المناسبات التاريخية وعن مسار التاريخ الغربي والصراع مع الكنيسة ورفض سيطرتها.

القضية عند ضاهر، كما حددها المسيري، هي قضيةُ طبيعةِ المعرفة العملية المطلوبة لتنظيم شؤوننا الدنيوية، والموقف العلماني الخالص مؤدّاه أنّ هذا النوع من المعرفة لا يجد أساسه الأخير في الدين. وهذا الموقف يرتبط بنظرةٍ معيّنةٍ من القيم، وإذا كانت المعرفة العملية لا تجد أساسها الأخير في الدين، فإن مَرَدّ ذلك هو إلى أن المكونات الأساسية لها، ومن بينها القيم، مستقلّةٌ منطقيًا عن الدين. ويرى أن تعريفه للعلمانية هو تعريفٌ للعلمانية الشاملة التي لا تقبل إلا المعايير النسبية، وترفض المطلقات والماورائيات والماهيات والقَبْلِيّات كافّة، فهي علمانية لا تعرف الثنائيات أو الخصوصات.

(156)

 

 

 

 

 

الفصل السادس

عبد الوهاب المسيري وليو شتراوس

(157)

 

أولًا: ليو شتراوس، علاماتٌ أوّلية

رغم التشابه والتقارب الشديد في نفس موضوعات البحث بين كل من المفكّر الأمريكي اليهودي ليو شتراوس والمفكّر العربي المسلم عبد الوهاب المسيري، فإن التباين والاختلاف بينهما أكثر وضوحًا في الرؤية والمنهج والنتائج.

كتب كل منهما عن: ابن ميمون واسبينوزا وميكيافيللي وهوبز ونيتشه، كما كان لكل منهما موقفٌ من الحداثة وكذلك ما بعد الحداثة، وكتب المسيري عن ليو شتراوس نفسه ومنهجه، وعن العديد من المفكّرين والفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع من أعضاء الجماعة اليهودية من معاصري شتراوس ورفاقه، مما يجعل المقارنة بين ملهم «المحافظون الجدد» [1] وصاحب الخطاب الإسلامي الجديد [2] ممكنةً، على ألّا يُفهم من هذه العبارة الأخيرة أننا نتناول الفكر السياسي عند الأول [3]، أو الخطاب الديني عند الثاني، ذلك أن اهتمامنا الأساسي هنا يدور حول كتاباتهما الفلسفية، ومنهج كل منهما في تحليل الخطاب الفلسفي وتوظيفه، خاصّةً

(158)

لدى الفلاسفة اليهود، وإن كان تركيزنا سوف ينصبّ على المقارنة بين دراساتهما عن كل من: ابن ميمون في العصر الوسيط، واسبينوزا في العصر الحديث.

وهذا يتطلّب منّا في البداية الإشارة بإيجاز إلى التوجّهات الأساسية لفكر ليو شتراوس. حيث يمكننا أن نستخلص من دراسة ديفيد ماكبريد D. McBryde عن ليو شتراوس بعض المؤشرات الأولى التي تفيد في بيان سيرته، وتوضح تطور عمله والمؤثرات المختلفة التي شكّلت تفكيره [1]. فقد ولد في كرشهاين بولاية هيس بألمانيا في 20 سبتمبر 1899، والتحق بالجمانزيوم بمالبورج عام 1912، قرأ شوبنهور ونيتشه حين كان في السادسة عشرة؛ وهو يصرح: «يمكنني أن أقول إن نيتشه فقط سيطر عليَّ وتخلّلني، وأعتقد أنني فهمت منه كل شيء بين العشرين والثلاثين من عمري». بينما يعدّ صاحب إرادة القوة عند المسيري هو فيلسوف الظلامية الأكبر، يقول عنه: «فيلسوفٌ علمانيٌ عدميٌ ألماني، أول من عبّر بشكلٍ منهجي وصريح عن النزعة التفكيكية في المشروع التحديثي والاستناري الغربي، الذي يدور في إطار العقلانية المادية، ومن ثَم فهو فيلسوف الاستنارة المظلمة واللاعقلانية المادية بلا منازع» [2].

تحوّل شتراوس إلى الصهيونية في سن السابعة عشرة. واجتمع مع فلاديمير جابوتنسكي الصهيوني المتشدد. يقول: «أنا نفسي كنت صهيونيًا سياسيًا في شبابي مع عددٍ من أعضاء منظمة الطلاب الصهيونيين، وعندها قابلت جابوتنسكي وسألني لما تفعل ذلك؟ وأجبته: حسنًا نحن نقرأ الكتاب المقدس وندرس التاريخ اليهودي والنظرية الصهيونية ونعمل على تطويرها» [3].

(159)

تتسم كتاباته المبكرة بحماسةٍ قوميةٍ يهوديةٍ واهتمامٍ بالغٍ بوضع اليهود في ألمانيا أثناء جمهورية فيمار، وقد جُمعت هذه الدراسات في الجزء الثاني من أعماله الكاملة Leo Strauss, Gesammelte Schriften bd2, Stuttgart 1966.

بدأ تعليمه الجامعي عام 1917، حيث درس في فرانكفورت وبرلين، واختار ماربورج مركز الكانطية الجديدة، التى أسسها هرمان كوهين H. Cohen الممثّل الأعظم لليهود والناطق الألماني باسمهم، الذي انجذب إليه شتراوس بسبب اهتماماته اليهودية، وإن كان لم يقابله لموته في برلين عام 1918، ويرى البعض أن دراسة ليو شتراوس «نقد الدين عند اسبينوزا» هي ردٌ على ما جاء في دراسة هرمان كوهين «موقف اسبينوزا من الدولة والدين»، والتي انتقد فيها الفيلسوف الهولندي المنشق، متهمًا إياه بأن حقده الشخصي هو ما دفعه إلى نقد التوراة وما فيها من أفكار سياسية.

وحين بدأت الكانطية الجديدة تتوارى بسبب ظهور الفينومينولوجيا، ذهب شتراوس للاستماع إلى هوسرل عام 1922 [1]، التقى ليو شتراوس وتعرّف على جادامر في ماربورج، حيث توثّقت علاقته به ودعاه إلى ماربورج عام 1955[2] ليحاضر عن سقراط.

واظب على محاضرات جوليوس ابنجهوس Suluis Eblinghous وكانت المرة الأولى التي يسمع فيها عن هوبز بطريقة مختلفة. وكتب فيما بعد إلى ألكسندر

(160)

كوجيف في 9 مايو 1935 عن دراسته لهوبز بأنه المحاولة الأولى لتحريره من الإجحاف.

داوم على محاضرات هيدجر، الذي كان معجبًا جدًا بتقنيته في تفسير النصوص الفلسفية، وبشكل خاص تفسيره لميتافيزيقا أرسطو. وقد استمع إلى فرنر ييجر Werner Jaeger في برلين وترجمته نفس نصوص ميتافيزيقا أرسطو، وهو كما يقول شتراوس لا يمكن مقارنته بهيدجر، الذي هو أفضل بشكلٍ تام. وفي الوقت الذي كان أغلب معاصريه في ألمانيا معجبين بماكس فيبر، رأى أنه، فيما يتعلّق بالتقصّي والدقة لا يطاول هيدجر[1]. كتبت شاديا دروري «لا شيء يترك أثرًا في شتراوس أكبر من ذلك الذي يتركه أسلوب هيدجر في دراسة النص. فقد أُعجب كثيرًا به وبطريقته التي تكشف كل الخيوط الثقافية في النص. وهذا أمر يختلف عن كل ما رآه وسمعه» [2].

بينما يرى المسيري أن هيدجر جزء من نمطٍ عامٍ في الحضارة الغربية يتمثل في تصاعد معدلات الحلولية الكمونية والانتقال من العقلانية المادية إلى اللاعقلانية المادية، وهيدجر يرفض العودة إلى الإله كما يرفض أن يعود إلى الذات المستقلة. وكما كتب المسيري فهو يتأرجح فلسفيًا بين العقل الإمبريالي النيتشوي الدارويني والعقل الأداتي البراجماتي، ويصفه بالعلمانية التي تظهر في تبنّيه للحل الصهيوني للمسألة اليهودية، إذ كان يرى ضرورة توطين اليهود في فلسطين أو أي مكانٍ آخر خارج ألمانيا وأوروبا، دافع عن المشروع الصهيوني الذي طالب بطرد اليهود من أوطانهم ليعاد توطينهم في فلسطين (موسوعة، مجلد 2، ص 425).

ويوضح عماد شعيبي في دراسته «التمويه على الانتساب إلى ليو شتراوس»

(161)

العلاقة بينه وبين هيدجر ونيتشه، فهو يشبه أولئك الفلاسفة الذين تسيّست أفكارهم بعد وفاتهم نظرًا إلى بريقها الذي يمكن أن يمضي من جيل إلى جيل ومن حقل معرفي إلى آخر تطبيقي. فقد بدأت كتابات ليو شتراوس في العشرينيات من القرن الماضي تستلهم من أبي الوجودية مارتن هيدجر، الذي يعتبر تلميذ فيلسوف العدمية وموت الإنسان فريديك نيتشه. فمن نيتشه وحتى ليو شتراوس لم يتغيّر شيء سوى الأسماء، فما كان يسمّيه نيتشه «الرجل المتفوق» أو «الرجل التالي» يدعوه شتراوس «الفيلسوف». وهذا (الفيلسوف / الرجل المتفوق) هو ذلك الرجل الذي يندر وجود مثيله بين الرجال، ويستطيع أن يواجه الحقيقة، فالله عنده، وبالتالي عند أتباعه، غير موجود، والكون لا يهتمّ البتة بالإنسان أو بالجنس البشري، أو بأن تاريخ البشرية كله ليس أكثر من مجرّد نقطة تافهة في هذا الكون الواسع، والتي ما إن تبدأ في الظهور حتى تتلاشى أبدًا دون أن تترك أثرًا. وبالتالي فلا توجد أخلاق، لا يوجد خير وشر، وبالطبع لا يوجد شيء اسمه الحياة الآخرة، فهذه مجرد قصة من قصص العجائز.

تابع شتراوس حلقة جوليوس جوتمان Juluis Guttmann الدراسية حول كتاب موسى بن ميمون «دلالة الحائرين» (1924-1925)، وكُلِّفَ منه بالبحث في الفلسفة اليهودية وكتب عام 1930 كتابه «نقد الدين عند اسبينوزا». التقى وكارل شميدت Carl Schmitt الذي أوصت مؤسسة روكفلر الألمانية للعلوم الاجتماعية بمنحه منحةً لدراسة الفلسفة في العصور الوسطى اليهودية والإسلامية بباريس ولندن، مما يعني بالنسبة لنا ارتباط شتراوس بالصهيونية وارتباطه أيضًا بالنازية رغم التباعد بينهما، فمن المعروف أن شميدت مفكّرٌ قانونيٌ وقياديٌ بارز في الحزب النازي، وهو الذي صاغ الآراء القانونية المبررة لعمل هتلر بعد حريق الرايخستانج (مبنى البرلمان) في فبراير ـ مارس 1933.

التقى ألكسندر كوجيف في برلين أواخر عشرينيات القرن العشرين مع ليو

(162)

شتراوس [1] والتقى معه في باريس عام 1933 عن طريق جادامر، وقد أشاد به فالتر بنيامين ولويس ماسينيون وراسله من إنجلترا عام 1934.

سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1937 بناءً على توصياتٍ عديدة، حيث عُيِّنَ في قسم التاريخ بجامعة كولومبيا في نيويورك، ثم انتقل إلى المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي في نيويورك عام 1938 بتوصيةٍ من هارولد لاسكي، وصار محاضرًا في علم السياسة، ومنذ عام 1940 أصبح محاضرًا في عدة كليات.

ماتت أخته بالقاهرة عام 1942 زوجة كراوس Kraus، وكذلك كراوس الذي اعتُقد في البداية أنه انتحر ثم اكتُشف لاحقًا أنه من المحتمل أن يكون قد قُتل. وهو من الشخصيات التي أحاط بها الغموض طوال فترة وجودها في القاهرة وأثناء عمله بالجامعة المصرية، وذلك لارتباطه بالدوائر الصهيونية التي كانت وراء انتحاره أو قتله [2].

عرض عليه مارتن بوبر موقعه في جامعة القدس بعد تقاعده، إلّا أنّه رفض، لكنه عمل أستاذًا زائرًا للفلسفة والسياسة في الجامعة العبرية في القدس في إسرائيل منذ نهاية 1954-1955. مُنح عام 1966 دكتوراه فخريةً للمساهمة في الفكر اليهودي من كلية Cincinnati العبرية.

(163)

أصيب عام 1956 بنوبةٍ قلبيةٍ عنيفةٍ طبقًا لما يقوله جورج انستابلو Anstaplo وتقاعد عام 1964. توفي في 18 أكتوبر 1973 بذبحةٍ رئوية. وهو مدفون في مقبرة الكنس Kenssetls في أنابولس Anoplolez.

يتضح لنا مما سبق المؤثرات التي أخذ عنها ليو شتراوس، خاصةً هيدجر، والعلاقات الوطيدة بكثير من معاصريه، خاصةً ألكسندر كوجيف، الذين مثّل وإيّاه - ومعهما إيمانويل ليفيناس - مؤشرًا مهمًا في ثلاثينيات القرن العشرين تجاه ما بعد الحداثة، رافعين شعار أثينا ـ أورشليم من أجل زحزحة الفكر الإنساني بتعبير دريدا، الذي أخذ عن كوجيف وليفيناس أفكاره عن تعدد الدوالّ والاختلاف والأثر وميتافيزيقا الغياب.

ثانيًا: ليو شتراوس والفلسفة الإسلامية

ويبيّن لنا جورج تامر- الذي تنبّه إلى أهمية منزلة الفلسفة الإسلامية في أعمال ليو شتراوس - ثلاث اتجاهاتٍ أساسيةٍ توضح مظاهر فكره وتمثّل جوانب فلسفته، كما يظهر من كتاباته حول الفلسفة الإسلامية التي لم يولِها الباحثون الغربيون العناية المناسبة لأثرها ومكانتها في تفكيره. وهي كتابات تتضمن كما يخبرنا هنريش ماير Herinrich وصفًا ذاتيًا لشتراوس لا يوجد في كتاباته الأخرى. وسنعرض لهذه الاتجاهات بعد بيان دراساته عن الفلسفة الإسلامية، ويمكن تحديدها في خمسة أعمال أولها كتاب «الفلسفة والشريعة» Philoosphie und Gesetz 1935، وهو عمل يحتوي الخطوط الأساسية للبرنامج الفلسفي الذي التزم به شتراوس طوال حياته، يطرح إشكالية العلاقة بين الفلسفة والشريعة انطلاقًا من واقع اليهود في ألمانيا في عشرينيات القرن الماضي، حيث كانت الجماعة اليهودية تعاني صراعًا داخليًا بين دعاة المحافظة ودعاة الاندماج في المجتمع الألماني وثقافته، مما ولّد تحدّياتٍ فكريةً فرضت على المثقفين البحث عن حلول لها، وتدور هذه التحديات

(164)

بشكلٍ أساسي حول قيمة الدين وأهميته بالنسبة للفرد والمجتمع. ويتضمّن عمل شتراوس هذا مقدّمةً إضافيةً يهاجم فيها كلًّا من النزعة التقليدية المتحجّرة والنزعة العقلانية الحديثة الرافضة للدين، معلنًا أنّ العقلانية الغربية الحديثة أخفقت في القضاء على الاعتقاد الديني، لأنها لا تهتمّ بجذور ما تنتقده، بل تكتفي بالتعامل مع ظواهره فقط. وفي المقدمة يُعلن شتراوس إلحاده الذي يصفه بأنّه نابعٌ من نزاهةٍ عقليةٍ وأنه يقوم على قواعد الكتاب المقدس [1].

ويبين شتراوس في عمله الثاني «بعض الملاحظات حول العلم المدني لدى ابن ميمون والفارابي» (1936) أن ابن ميمون متأثّرٌ في فلسفته وتفسيره للتوراة بفلسفة الفارابي، الذي يعتبر دينَ الوحي تحقيقًا لبرنامج أفلاطون الذي هدف إلى تأسيس الدولة المثالية، وبناءً عليه فإن نقد الحداثة والتقليدية الدينية لا يجدي إلّا إذا تم بواسطة فهمٍ صحيحٍ للعقلانية الوسيطة، وإن هذا لا يتمّ إلّا بفهم فلسفة الفارابي السياسية الأفلاطونية.

ويتّضح في دراسته «كتاب مفقود للفارابي» (1936) رأي شتراوس القائل بأن الفارابي يعرض في كتابه فلسفةَ أفلاطون وأرسطو كفلسفةٍ واحدةٍ ذات طبقتين: باطنيةٍ أفلاطونية وظاهريةٍ أرسطية.

ويخبرنا في دراسته «أفلاطون الفارابي» (1943) أن ما اعتبره الفارابي غرض أفلاطون الصحيح هو غرض الفلاسفة جميعًا. وتظهر أفلاطونية الفارابي في ازدواجية تفسيره لآثار أفلاطون: إذ إن ظاهر النص يبدو مناسبًا لأكثرية القراء، فيما هو يخفي بين طيّات سطوره طبقةً تفسيريةً لا يبلغها إلّا الفلاسفة وحدهم. ويرى شتراوس أن عنصرًا آخر من أفلاطونية الفارابي يظهر في اختراعه لما لا تتضمنه النصوص التي لخّصها، فهو يختفي وراء عمل الشارح ناسبًا إلى أفلاطون أقوالًا

(165)

لم يقلها أو مهملًا لما قاله حقًا، ليشير بذلك إلى ما لا يستطيع التصريح به أو نفيه خوفًا من أن يُرمى بالكفر. ويرى جورج تامر «أن ما نسبه شتراوس إلى الفارابي في هذه الدراسة من صفات إنما هو وصفٌ ذاتيٌ لشتراوس نفسه» [1].

وتأتي دراسته «كيف قرأ الفارابي نواميس أفلاطون» وسط كتابه «ما هي الفلسفة السياسية؟» الذي يُعتبر تلخيصًا لفكره وبيانًا للمكانة المركزية التي يحتلها الفارابي فيه. وهو يشير إلى أن تلخيص الفارابي لا يتضمّن الكتاب العاشر من النواميس، وهو مقالة أفلاطون اللاهوتية، بما يعني أنه ينسب إلى أفلاطون علمَ كلامٍ لا مكان للاهوت فيه، وأن الفارابي يتستّر وراء التلخيص علمًا منه بالفرق بين شريعة الإسلام ونواميس أفلاطون، وأن الفارابي يخفي عن القارئ عدم إيمانه بالله. ومن الواضح أن شتراوس تعامل أحيانًا مع النص العربي بحريةٍ لا يسمح بها النص لينسِب إلى الفارابي قناعاتٍ لا تتضمّنها النصوص بحدّ ذاتها [2].

ثالثًا: صور ليو شتراوس

ويتّضح مما أوردناه اتجاهاتٌ ثلاثةٌ أساسيةٌ في فكر شتراوس، أوّلًا كونه فيلسوفًا يهوديًا، كما يظهر في اهتماماته بفلسفة ابن ميمون - وكتابه «دلالة الحائرين» - التي نبعت من رغبته في معالجة مشاكل فكريةٍ يهوديةٍ معاصرة، وأنّه اتبع نهج ابن ميمون في علاج مسألة العلاقة بين الدين والعقل، واهتدى بواسطته إلى الفكر السياسي الأفلاطوني الذي لعب دورًا أساسيًا في تكوين التفسير الفلسفي للوحي الإلهي. يقدم لنا رضوان السيد أسبابًا ثلاثةً لاهتمام شتراوس بالفلسفتين اليهودية والإسلامية، الأول أنه أراد اعتبار الفلسفة اليهودية الوسيطة ندًا للفلسفة الإسلامية، بمعنى المشاركة في وراثة التقليد الكلاسيكي، والشراكة في الإبداع، والانفراد بنقل

(166)

ذلك النتاج إلى اللاتينية الأوروبية الوسيطة، والثاني هو الإصرار على أن التقليد الفلسفي الإسلامي واليهودي الوسيط هو حلقة الوصل بين الإغريق والأوربيين، ليس فقط بالمعنى التاريخي، بل بالمعنى المعرفي أيضًا، حيث ينطلق من وجهة نظرٍ تنصر أفلاطون على أرسطو، ويذهب إلى أن الأمر كان على هذه الصورة لدى المسلمين والأوروبيين في العصور الوسطى، والأمر الثالث الذي من أجله اهتم شتراوس بالفلسفة الإسلامية، هو اهتمامه بالرشدية اللاتينية التي نقلت - من وجهة نظره - هذه الرؤية المعرفية المطلقة، ليظلّ ميراث الحكمة مؤثّرًا في الفلسفة كما في السياسة أو في السياسة من خلال الفلسفة [1].

وثانيًا، كونه فيلسوفًا أفلاطونيًا، ارتدى ثوب باحثٍ في تاريخ الأفكار الفلسفية، لينزع عن الأفكار الأصيلة ما اعتراها من شوائب عبر العصور، وأن اقتصاره على تفسير آثارٍ ماضية لم يكن إلّا سعيًا وراء تحقيق شرطٍ أساسي لفلسفة أصيلة حاضرة. حيث فهم أن المُثُل الأفلاطونية الثابتة متماهيةٌ وكذا المشاكل الأساسية التي تعتري الوجود الإنساني. ويظهر ذلك في عمل كينيث هارت جرين «العودة إلى ابن ميمون في فكر ليو شتراوس» [2].

وثالثًا، كونه فيلسوفًا باطنيًا، عرف كيف يخفي أفكارًا هدامة للمجتمع خلف مهارةٍ في تفسير نصوص اعتبرها باطنيةً. وهو يعزو لجوء الفلاسفة إلى الكتابة المبطّنة بشكل أساسي إلى خوفهم من الاضطهاد الديني والسياسي من ناحية، وحذرهم من نشر تعاليمَ تُهدّد سلام المجتمع بالخطر إذا وقعت بين أيدي الجهّال، الأمر الذي يؤدّي إلى البطش بالفلسفة والفلاسفة. وهو ينسب كما يرى نُقّاده اعتباطيًا هذا النوع من الكتابة إلى فلاسفةٍ لم يعرفوا أيّ أنواعٍ من الاضطهاد، ويصرف جهدًا كبيرًا على

(167)

تفاسيره التي تبقى مقتصرةً على الشكل واللغة من دون معالجة المضمون، ولهذا تبريره الذي يوضحه مايلز بيرنايت Myles Burnyeat، في كتابه «أبو الهول دون سر» Sphinx without a secret، بقوله: لقد سلك منهج سرية التعليم الشفوي فأسرّ إلى خاصّة تلاميذه بحقيقة آرائه، فلا تتسنى معرفتها. وتذهب شاديا دروري إلى أن تعاليمه ليست سوى الإلحاد، وإنكار القواعد الدينية الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع، ونفي إمكانية تنوير الجموع بسبب فجوةٍ مزعومةٍ بين الفلسفة والمجتمع، مما يجعل الحقيقة حكرًا على الفلاسفة يصعب الوصول إليها [1].

رابعًا: ابن ميمون بين المسيري وشتراوس

تناول شتراوس في كتابه «بعض الملاحظات حول العلم المدني لدى ابن ميمون والفارابي» (1936) الفيلسوفَ اليهودي الذي عاش في ظل الحضارة الإسلامية، موضحًا تأثُّره بأعلامها، خاصّةً الفارابي، يظهر هذا الأثر في تفسيره للتوراة. ويعد «دلالة الحائرين» أهم كتب ابن ميمون، وهو يسعى فيه إلى التوفيق بين الدين والعقل، ويتأوّل كثيرًا من الأفكار الدينية اليهودية تأويلًا يجعلها تتفق مع العقل[2].

ويؤكد المسيري أن فهم ابن ميمون للدين ينهض على أنه دين الكمال الإنساني، وهو دين الفلسفة وليس الوحي، دينٌ قوامه التأمُّل الفلسفي في الخالق. ويشير إلى الأصول الثلاثة عشرة «شلوشاه عشار عيقاريم» لتحديد عقائد الدين اليهودي التي وردت في كتاب ابن ميمون لكتاب السنهدرين في مقدمة كتاب السراج، وهي في جوهرها لا تختلف - فيما يرى المسيري - عن المعتقدات الإسلامية كثيرًا، فهي تنفي أية حلولية عن الإله. ويبين أن ثمة نوعان من الاختلاف بين هذه الأصول والعقائد الإسلامية، أولهما اختلاف سطحي ينصرف إلى الألفاظ حين يحلّ كلمة توراة

(168)

«محلّ» القرآن و»موسى» محل «محمد»، واختلافٌ أساسٌ بنيويٌ يتعلّق بالعقيدة الخاصّة بعودة الماشيح، هو ما يؤكّد عليه المسيري، الذي يرى أن العقيدة اليهودية وفكرة الخالق عند ابن ميمون لا يمكن فهمها إلا من خلال الفلسفة الأرسطية، وأن أي تفسيرات أخرى هي شكل من أشكال الوثنية.

ومن هنا يرى البعض أن الأرسطية الميمونية تشوّه معنى الكتاب المقدس، وأن ابن ميمون يُظهر احترامًا لأرسطو أكثر من احترامه لنصوص الكتاب المقدس أو التراث (المسيري، م 3، ص 369). وإن كنا نستطيع أن نشير إلى شيء آخر يتوقف عنده شتراوس، فهو أن أرسطية ابن ميمون أبعدته عن أفلاطون، الذي عاد إليه الفارابي، وعلى هذا يرجع شتراوس إلى الفارابي وليس إلى ابن ميمون. أفلاطون والفارابي ـ وليس أرسطو وابن ميمون ـ هما أصحاب الحضور القوي في الفلسفة الإسلامية الوسيطة، كما أن أعماله لم تكن لها أهميةٌ تذكر في العالم الإسلامي، وهذا يرجع إلى أن فكره لا يتّسم بالأصالة أو إلى أن الثقافة العربية اليهودية في الأندلس كانت تابعةً للحضارة الأم [اليونانية] إلى درجةٍ كبيرة.

ونحن نشير هنا إلى ما كتبه المسيري عنه [ابن ميمون]، لتفسير عدّة أمورٍ تتعلق باهتمام ليو شتراوس به، أولها كونه فيلسوفًا يهوديًا يسعى إلى التوفيق بين العقل والشريعة وإن كان أقرب إلى دين العقل، وأنه نشأ في الحضارة الإسلامية وإن لم يكن له حضورٌ مثل الفارابي وابن سينا، الذين انتقل ليو شتراوس إلى أعمالهما لأفلاطونيّتهما على العكس من أرسطية ابن ميمون، ولأنه، أي «ابن ميمون»، كان أحد مصادر حركة التنوير اليهودية التي اهتمّت بكتاباته لإدخال شيءٍ من العقلانية على الدين اليهودي، وخاصّةً لدى المتأثرين بفكره: اسبينوزا وموسى مندلسون وهرمان كوهن، بل إن كتاباته فيما يقول المسيري: تُعدّ النقطة الأساسية التي اجتمع عليها دُعاة التنوير، وهي إطارٌ مرجعيٌ أساسيٌ لليهودية الإصلاحية. وهذا ينقلنا إلى تناول اسبينوزا عند كلّ من المسيري وليو شتراوس.

(169)

خامسًا: اسبنيوزا، مفترق طرق

لا يؤمن شتراوس بقدرة السياسة على ضبط الناس، الذين كثيرًا ما تتغلّب عليهم أهواؤهم، فلا يخضعون لمستلزمات النظام الاجتماعي، بل يقومون بما يخدم مصالحهم الفردية، مهدّدين بذلك استقرار المجتمع. وهو بالمقابل يرى أنه يمكن السيطرة على الناس بواسطة الدين، إذ إنهم يتّبعون الوصايا الدينية خوفًا من العقاب ورغبةً في الثواب. وهكذا يصبح الدين وسيلةً ناجعةً يكبح بها الحُكّام جماح الشعوب. اسبينوزا ينوّه لهذه الوظيفة السياسية ـ الاجتماعية للدين ويدعو لذلك إلى الاحتفاظ به. ويميّز اسبينوزا بين الحكماء ـ وهم الخاصّة ـ وعامّة الشعب، التي تتألّف في رأيه من «الأتقياء» والمؤمنين بالخرافات. وهو بهذا التمييز يبغي تقريب الدين من الفلسفة، لينسب إليه دورًا فعالًا في السياسة، التي يضع الفلاسفة أُسسَها النظرية. يتوصّل شتراوس بواسطة تحليله نقد اسبينوزا للكتاب المقدس إلى أن هذا النقد مبني على فكرة أن الكتاب لا يحتوي أي تعليم حول النقاط التي يتناولها بأقوالٍ متضاربة، وأن كلّ ما لا يتناوله الكتاب بتعليمٍ مباحٌ للعقل التعليمُ فيه، والعقلُ في ذلك لا يخضع لاعتبارات أخرى، سوى الاعتبارات العقلية والمنطقية [1].

يحظى اسبينوزا لدى المسيري بلقب فيلسوف العلمانية الأكبر، وهو ما لم يحظَ به إلا اثنان؛ نيتشه ومن بعده دريدا، وهو عنده فيلسوفٌ عقلانيٌ ماديٌ من أهم فلاسفة الحضارة الغربية الحديثة. يتناول المسيري رؤية اسبينوزا للإله والطبيعة، لقد رد اسبينوزا العالم بأسره في ثباته وحركته، إلى مبدإٍ واحد، وهذا المبدأ هو القوة الدافعة للمادة والسارية في الأجسام، الكامنة فيها والتي تتخلل ثناياها وتضبط وجودها، قوّةٌ لا تتجزأ ولا يتجاوزها شيء ولا يعلو عليها أحد، وهي النظام الضروري والكلّي للأشياء (المسيري، ص 371).

(170)

وقد بلغت الواحدية والكمونية الفلسفية ذروتها عند اسبينوزا، الذي ألغى كل الثنائيات التقليدية، وفلسفته نظامٌ ماديٌ خالٍ من أية رواسب دينيةٍ سوى المصطلح، بل إنه - فيما يرى المسيري - من أكثر النُظُم المادية تبلورًا وأكثرها نقاءً وخلوًا من العناصر غير المادية. يقول: «وتبدو المنظومة الفلسفية عند اسبينوزا بصورةٍ متميزةٍ، جعلت منه رائدًا حقيقيًا للفكر الغربي الحديث وللمشروع التحديثي والتفكيكي الغربي والاستنارة المظلمة» (المسيري، 372). منظومةٌ لا توجد فيها أية فراغات بين الإله والطبيعة والإنسان، فهي مصمتةٌ تمامًا، شكلٌ من أشكال الحلولية الكمونية الواحدية المادية، وهي حلوليةٌ كمونيةٌ بمعنى أن كل الأسباب تحِل في المادة وقوانين الحركة كامنةٌ فيها. وهي ماديةٌ بمعنى أن الأسباب لا تتجاوز المادة وأن القوانين كامنةٌ في الأشياء لا تفارقها (المسيري، 373).

يعرض المسيري مجموعة العناصر الأساسية في فلسفة اسبينوزا، ليؤكد لنا علمانيته وماديته وحلوليته وكمونيته، وهذه العناصر هي: رؤية اسبينوزا للإله والطبيعة، رؤيته للإنسان، الرؤية المعرفية، الرؤية النفسية، الرؤية الأخلاقية، موقفه من القانون الطبيعي، موقفه من الدين. وقد أشرنا إلى بعض هذه العناصر ويهُمّنا منها ما يرتبط بالموضوعات التي شغلت ليو شتراوس؛ فكرة الحق الطبيعي والدين.

يتوقف المسيري عند فكرة الحق الطبيعي التي ترتبط بالقوة لدى اسبينوزا والتي يقصد بها قوانين الطبيعة نفسها، أو قواعدها التي يحدث كل شيء وفقًا لها، أي قوة الطبيعة ذاتها: «وعلى ذلك فكلّ ما يفعله الإنسان وفقًا لقوانين طبيعته يفعله بحقٍّ طبيعيٍ كاملٍ، ويكون له من الحق على الطبيعة بقدر ما له من القوة». ويضيف: «تخضع فكرة الحقّ الطبيعيّ لفكرة القوة، فحقّ كلّ فردٍ يمتدّ بقدر ما تمتدّ قوته، لقد قدّرت الطبيعة... أن تأكل الأسماكُ الكبيرة الأسماكَ الصغيرة، كحقٍّ طبيعيٍ لا نزاع فيه، ذلك لأن للطبيعة الحق المطلق في أن تفعل ما تستطيع ـ أي حقُّها بمقدار قدرتها».

(171)

لقد نجح اسبينوزا كما كتب المسيري في توليد المنظومة العلمانية المادية من داخل المنظومة الدينية وباستخدم مصطلحاتها الغيبية. أدرك اسبينوزا منذ البدايةِ القانونَ الداخليَ للنموذج العلمانيّ ودفعه إلى نتيجته المنطقية، ورأى في مخيلته كيف أن الواحدية الكمونية المادية لا بد أن تقضي على الإنسان، وتحوِّل العالم إلى آلةٍ هندسيةٍ دقيقةٍ، ولا يبقى بعد ذلك سوى الحركة الهندسية للذرات والتكرار الرتيب للأرقام، ورأى أن إدراك هذا وقبوله هو قمة المعرفة والحرية.

وانطلاقًا من واحديته المادية، يصنّف الرؤية الدينية باعتبارها ظاهرةً بشريةً ذات هدف عمليّ جزئي، تحاول تحقيق أماني معيّنةٍ للإنسان، وتجنّبه مخاوفَ خاصّةً، وهي تفعل هذا بهدف تنظيم أحوال البشر ومعاملاتهم. وهذا هو كما سنرى موقف ليو شتراوس من الدين، الذي لا يرى فيه سوى أداة قوّةٍ لإخضاع العامة وتنظيم المجتمع، وأداةٍ في يد الليبرالية لتسيير الدولة.

والمهم بالنسبة للسياق الحالي الذي نتناول فيه بالدراسة المقارنة كتابات المسيري وليو شتراوس أن نشير إلى أن تحليل المسيري لأفكار اسبينوزا، الذي يُعدّ من أهم مصادر ليو شتراوس، يتمثّل فيما قام به المفكر من بيان الأصول اليهودية لاسبينوزا، الذي راح الكثير من الباحثين يؤكّدون نقده لليهودية، وهم محقّون، ويأتي المسيري للحفر في الأصول العقيدية اليهودية عند ناقدها الأكبر.

ويهمّنا أن نقف عند تحليل المسيري للعلاقة المتشابكة والمركّبة والمتداخلة بين العقائد اليهودية وبين اسبينوزا أشدّ نُقّادها ضراوةً وأكثرهم معارضةً لها، بل للعقائد بشكلٍ عام، والذي احتفى به مفكرونا في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، أمثال: فؤاد زكريا [1] وحسن حنفي وغيرهما.

(172)

والحقيقة أن علاقة اسبينوزا باليهود واليهودية علاقةٌ بالغةُ العمق والتركيب، وثمة جوانب في فكره لا يمكن فهمها دون العودة إلى الكثير من العناصر في العقيدة اليهودية، وإلى أشكال تطوّر الجماعات اليهودية في أوروبا. ففكره - من هذا المنظور ـ تعبيرٌ عن جوانب كامنةٍ في النموذج الديني الذي يرفضه، كما أن ثمة تطوراتٍ لاحقة بين اليهود واليهودية كان اسبينوزا تعبيرًا عميقًا عنها، ونموذجًا لها.

كان اسبينوزا ـ كما كتب المسيري ـ من يهود المارانو الذين فقدوا هويتهم الدينية، فأصبحوا جماعةً هامشيةً بالنسبة لكل العقائد، ولم يكونوا مسيحيّين ولا يهود. في أمستردام وجدوا التربة المناسبة لهم، وبدأوا يقودون الفكر المعادي للدين، أيّ دين، وكانوا من حملة لواء الشك الفلسفي والديني. وقد خرج اسبينوزا من هذه التشكيلة الحضارية الدينية الفذة، فهو مفكّر مارانيٌ بالدرجة الأولى، يُظهر الإيمان الديني ويستخدم الخطاب الديني ولكنه يستبطن الإيمان الكامل بالمادة وقوانينها باعتبارها النقطة المرجعية النهائية، لا بالنسبة إلى العالم المادي وحسب (الطبيعة)، وإنما بالنسبة للإنسان أيضًا.

ويذهب المسيري إلى أن رؤية اسبينوزا الفلسفية حلوليةٌ متطرفةٌ تضرب بجذورها في القبالاه اللوريانية. وتوجد داخل اليهودية الحاخامية أفكارٌ تركت أعمق الأثر في اسبينوزا. فاليهودية، في إحدى صورها، تكاد تكون دينًا بدون إله وبدون ميتافيزيقا.

يتحدّث المسيري عن ما أسماه «الطبيعة الجيولوجية التراكمية لليهودية»، موضحًا أن هناك داخل اليهودية إيمانًا بإلهٍ مفارقٍ وإيمانًا بإلهٍ حالٍّ، وإيمانًا بالبعث واليوم الآخر وإنكارًا لهما أو عدم اكتراث بهما، وأن اسبينوزا نفسه قد أشار إلى أن فكرة الآخرة في العقيدة اليهودية كانت دائمًا فكرةً شاحبة، فالعهد القديم لا يتحدث عن خلود الروح، كما أن العهد القديم لا يوجد فيه أيّ شيءٍ عن وجودٍ غير ماديٍ

(173)

أو غير جسماني للإله. ولكل ما تقدّم، فإنّه يعرف اليهوديّ بأنّه من وُلد لأمٍّ يهوديةٍ حتى ولو لم يؤمن بالإله، فاليهودية خاصّيةٌ بيولوجيةٌ ماديةٌ وراثية.

ومهما يكن تأثير اليهودية الحاخامية، فإن القبالاه اللوريانية التي تَشبّع بها اسبينوزا تركت أثرًا حاسمًا فيه وشكّلت إطارًا لمعظم أفكاره. والقبالاه اللوريانية صياغةٌ غنوصيةٌ حلوليةٌ متطرفة، بل تُعدّ من أكثر الصياغات الحلولية تطرفًا (ص 382).

وعالم القبالاه اللوريانية لا عاطفة فيه ولا أخلاق، فالأمور كلها جزءٌ من نسقٍ هندسي، ومن هنا ظهرت الجماتريا، وهي محاولة تفسير العالم بالأرقام من أجل التحكم فيه، لا التوازن معه، وهذا يقابل تمامًا فكرة اسبينوزا عن إمكانية فهم العالم، بما في ذلك الإنسان، من خلال المنطق والخطاب الهندسي، وعن إمكانية التحكُّم في العالم وفي الذات، بأن ينظر الإنسان إلى الكون من منظور الإله.

ورغم اهتمام عددٍ من الباحثين بدارسة اسبنيوزا في العربية، حيث تناول صالح مصباح «اسبينوزا في الفكر العربي المعاصر» [1]، ورصد علي الشنوفي لنا بعض أشكال تعامل الفكر العربي مع فلسفة اسبينوزا في مصر وتونس [2]، حيث يستفيض في تحليل دراسة فؤاد زكريا عن اسبينوزا وترجمة حسن حنفي لرسالة «في اللاهوت والسياسة»؛ ورغم أن من أغراض من قدّموا هذه الدراسات بيان كيف نفهم الاهتمام المتزايد باسبينوزا؟ وكيف تعامل الفكر العربي مع فلسفته؟ وفيما حاول استثمارها وإلى أيّ مدًى وُفّق في ذلك؟؛ فلم يتوقّف الباحثون في هذه الدراسات ولا غيرها عند قراءة شتراوس لاسبينوزا، خاصّةً فيما قدمه زكريا وترجمه حنفي، اللذان نجد

(174)

لديهما أثرًا مباشرًا وغير مباشرٍ للقراءة الاشتراوسية لاسبينوزا. الأثر غير المباشر نجده لدى حنفي في مقدمة ترجمته التي كانت في الأصل عرضًا لمحتوى الرسالة، ويتّضح من أولى سطورها أن الترجمة تأليف غير مباشر[1]، أي إن المترجم يريد أن يخبرنا أنه يتخفّى وراء اسبينوزا ليقدّم لنا وجهة نظره، وهو نفس ما يفعله شتراوس مع من يُدرّسهم، وما سبق أن وُصف به تعامل الفارابي مع أفلاطون.

ويسعى زكريا لتقديم صورةٍ جديدةٍ لاسبينوزا، ويستعين في ذلك بتفسير وقراءة شتراوس لفلسفته في عدّة مواضع من كتابه، يهمّنا منها تأكيد زكريا أن حرص اسبينوزا على استخدام المنهج الهندسي هو أن يخفي آراءه عن تلك الفئة التي قد تكون خطرًا على فلسفته، فئة القرّاء غير المستنيرين المتمسكين بحرفية التقاليد الدينية. ويشير زكريا مع شتراوس إلى أن اسبينوزا تعمّد هذا الإخفاء في رسالته، وكانت وسيلته في ذلك اتّباع طريقة المعادلات التي يمكن بشيءٍ من التوسُّع فيها أن تُعدّ بدورها تعبيرًا عن المنهج الهندسي، خاصّةً إزاء الاضطهاد المزدوج في عصر اسبينوزا، سواء من الحكّام أو من السلطات الدينية الرسمية، وخطر الطائفة اليهودية التي طردته من بين صفوفها وحرّمت كتبه [2].

نحن إزاء تفسيرين لاستخدام اسبنيوزا للمنهج الهندسي؛ تفسير ليو شتراوس وفؤاد زكريا الذي يُرجع هذا الاستخدام إلى خشية اسبينوزا من التصريح بآرائه، وتفسير المسيري الذي يربط هذا الاستخدام بالأصول اليهودية للفيلسوف الهولندي يقول: جاء في القبالاه اللوريانية أن «إلوهيم هو ماطيفع» أي إن الإله هو الطبيعة (تمامًا كما يقول اسبينوزا)، وأكّد القباليون أن طيفع هي المعادل الرقمي لإلوهيم. إنجازه الفلسفي الأكبر هو اكتشافه هذا التقابل المدهش بين وحدة الوجود الروحية ووحدة الوجود المادية. ومن خلال اكتشافه هذا، جعل اسبينوزا الإنسانَ الغربيَ

(175)

قادرًا على أن يتبنّى الرؤية العلمانية الشاملة دون أن يدري ودون أيّ إحساسٍ بالحرج.

ويقسّم المسيري علاقة اسبينوزا باليهود واليهودية إلى قسمين: الأوّل علاقة التضاد على المستوى المباشر، والثاني علاقة التماثل على المستوى النماذجي:

1 ـ علاقة التضاد (على المستوى المباشر): كان لا بد أن يهاجم اسبينوزا العقيدة اليهودية انطلاقًا من واحديته المادية، وكان هجومه يتمّ على مستويين: اليهودية كدينٍ له شعائره الخاصة، واليهودية كمجموعةٍ من العقائد تستند إلى ما فوق الطبيعة والإيمان بالإله كقوّةٍ مفارقةٍ لها، أي اليهودية كنموذجٍ لكل الأديان. كما يتضح في «رسالة في اللاهوت والسياسة»، حيث انتقد اسبينوزا كثيرًا من مبادئ اليهودية ومبادئ أيّ دينٍ آخر.

2 ـ علاقة التماثل (على المستوى النماذجي): هاجم اسبينوزا اليهودية، إذًا، بشكلٍ واضح، والمسيحية بشكلٍ مستتر، بل هاجم اليهود وتاريخهم. ومن هنا إشارة المسيري إلى تأكيد اسبينوزا أن الكتب الدينية اليهودية موجهةٌ أساسًا إلى الجماهير اليهودية وحدها، وأن الشريعة اليهودية إن هي إلّا قوانين الدولة العبرانية القديمة، التي صدرت لضمان الاستقرار السياسي بين العبرانيين.

فالدين هو الأساس الذي ينظّم الدولة ويضمن استقرار الحكم. وعلى أساس هذا الفهم يأتي حُكم المسيري بأن اسبينوزا يقف على بداية سُلّمٍ طويلٍ من المثقفين الغربيين العلمانيين، ذوي الجذور اليهودية، الذين يقفون على هامش الحضارة ولا يشعرون بأية قداسةٍ نحو أيّ شيء. وهم سُلّمٌ طويلٌ بدءًا من اسبينوزا، يضم لاسال، وماركس (إلى حد ما)، وفرويد، وتروتسكي، وليو شتراوس؛ ومعظم هؤلاء المفكرين يرفضون الدين تمامًا ولكنّهم يقترحون بدلًا منه نموذجًا معرفيًا ماديًا متكاملًا شاملًا يحمل كثيرًا من سمات الدين (المسيري، ص 383).

(176)

ويرى اسبينوزا أن العقيدة يمكن الاستفادة منها وتوظيفها اجتماعيًا عن طريق التفسيرات العقلية للعهد القديم. إن الدين ليست له قيمةٌ من الناحية المعرفية، فهو مجرد وظيفةٍ ذات نفعٍ للإنسان. وهو ما يسمّيه المسيري «علمنة من الداخل»، إذ يصبح المعيار هنا مدى التأثير العملي للدين، ومدى تكيُّفه مع الواقع المادي حتى يحتفظ بفاعليته. أي إن الدين عنده يصبح تابعًا للنظام الكلي والضروري للأشياء أنطولوجيًا، وأداةً اجتماعيةً للحكم الأمثل سياسيًا (المسيري، ص 378).

يذهب المسيري إلى أن المنظومة العلمانية الشاملة اكتملت في كتابات اسبينوزا، وأن المتتالية التي أدت إلى تفكيك الإنسان في القرن العشرين بدأت مع واحديته المادية الصارمة، وأن هناك داخل منظومته (بشكل جنيني) معظم الفلسفات العلمانية الأساسية، الفلسفة النفعية المادية (بنتام)، والرؤية المادية الآلية التجريبية للعقل والنفس (لوك)، ونسبية الأخلاق وإعلاء القوة كمطلق (نيتشه)، والبرجماتية (وليام جيمس وجون ديوي).

وقد يكون من المفيد التوقف قليلًا عند علاقة اسبينوزا بنيتشه، الذي أثّر كثيرًا على تفكير ليو شتراوس كما مرّ بنا. قال نيتشه (في كارت بوستال أرسله إلى صديق له) إنّه يتعرّف على نفسه في عدة نقاط في عقيدة اسبينوزا: إنكار حرية الإرادة، إنكار الغائية، إنكار وجود نظام أخلاقي في العالم وإلغاء فكرة الخير والشر، رفض فكرة إيثار الغير والتأكيد على حب الذات والقوة كأساس للحياة وللأخلاق؛ وأكّد نيتشه أنّه هو واسبينوزا يجعلان المعرفة جزءًا لا يتجزّأ من الغريزة لا نشاطًا مستقّلًا عن رغبات الإنسان وغرائزه، أي إن نظامهما المعرفي يتّسم بالكمون الكامل (موت الإله المتجاوز)، وإن الحياة مكتفية بذاتها. ومع هذا، يمكن القول بأن ثمة نقاط اختلافٍ مهمّة بينهما تعود إلى أن اسبينوزا يقف عند بداية المتتالية العلمانية، بينما يقف نيتشه في مرحلتها النهائية، ذلك أن اسبينوزا (عند المسيري) أخذ أوّل خطوةٍ في عمليات العلمنة، حينما أمكن تهميش الإله أو القول بموته (باعتبار أن الإله

(177)

هو الطبيعة)، ولكنه لم يأخذ الخطوة الثانية الحاسمة، وهي تطهير العالم من ظلال الإله، أي من كل عناصر الثبات والمطلقية والتجاوز.

أما نيتشه، فتحرّر تمامًا من الإله وهرب من ظلاله، فتجربته الكمونية كاملةٌ، فهي لا تترك أي مجالٍ للنظام أو الثبات أو الاستمرارية أو العقلانية في الكون. والإنسان نفسه في حالة سيولةٍ وتغيُّر، فهو إرادة قوةٍ محضة، كما كتب المسيري، كل هذا يعني استحالة تفسير أي شيء أو تبرير أي شيء. ولذا، بدلًا من فكرة الحب العقلي للإله عند اسبينوزا، يظهر حب القدر والحتمية، موضع الحب عند اسبينوزا هو حتميةٌ كامنةٌ داخل نظام عقلاني متّسق، أما الحتمية في نظام نيتشه فهي قدرٌ غامضٌ غاشمٌ لا يمكن فهمه، دعا نيتشه إلى إعادة تقييم القيم حتى يمكن اتّخاذ الخطوة الحاسمة نحو تأسيس حضارةٍ نسبيةٍ كاملةٍ لا توجد فيها طبيعةٌ معقولةٌ ولا إنسانٌ عاقل، حضارةٌ تتجاوز ثنائية الذات والموضوع لتصل إلى السيولة الشاملة.

هاجم اسبينوزا اليهودية واليهود، وأشار البعض إلى أنه بسبب ذلك لا يمكن أن يكون صهيونيًا. إلّا أن المسيري قد أوضح أن مفهوم الشعب العضوي المنبوذ هو أساسٌ لكلٍّ من معاداة اليهود والصهيونية. وينتمي اسبينوزا إلى هذا النمط، فعداؤه الشديد لليهود أدى به إلى طرح اقتراحٍ صهيوني حين قال: «بل إنني لأذهب إلى حدّ الاعتقاد بأنه لو لم تكن مبادئ عقيدتهم [أي اليهود] قد أضعفت عقولهم، ولو سنحت الفرصة وسط التغيّرات التي تتعرّض لها أحوال البشر بسهولة، فقد ينشئون مملكتهم من جديد، وقد يختارهم الإله مرةً ثانية».

والمشروع الصهيوني تنفيذٌ حرفيٌ للمشروع الإسبينوزي، ذلك أن الصهيونية علمنت اليهودية وعملت على تصفيتها من الغيبيات والثنائيات والغايات الأخلاقية، فوحّدت بين الخالق والمخلوق والطبيعة (الإله والشعب اليهودي وإرتس أو أرض

(178)

إسرائيل)، بحيث لا يمكن فصل أيٍ من هذه الأشياء عن الآخر. تمامًا مثلما وحّد اسبينوزا بين الإله والإنسان والطبيعة في إطار واحديته الكونية المادية.

شتراوس في مرآة المسيري:

يبيّن شتراوس في كتابه «الاضطهاد وفن الكتابة» (1952)، من خلال دراسته لأعمال موسى بن ميمون ويهودا اللاوي واسبينوزا، ماهية «فن الكتابة بين السطور» عن طريق معرفة كيفية «القراءة بين السطور». ويتناول الموضوع نفسه في كتابه كيفية دراسة «دلالة الحائرين» لابن ميمون الذي يعطي الباحثين في هذا المجال أدوات اكتشاف ما هو كامن ومستتر في كتاب الدلالة. كما كانت دراسته «نقد اسبينوزا للدين» (1930) بدايةً في هذا الاتجاه [1].

ومعنى «الكتابة بين السطور»، أي العودة إلى النصوص الفلسفية التي سعى فيها أصحابها إلى التكتُّم وإخفاء حقيقة ما يؤمنون به، خوفًا وخشيةً من كشف العامة هذه الحقائق، ومن استفزاز ومطاردة السلطات لهم، فيما يرى ليو شتراوس، وهذا لا يظهر لدى ابن ميمون فقط بل لدى الفلاسفة القدماء الذي عاد إليهما ابن ميمون، أو بعبارة أدق أحالت إليهم كتاباته، خاصّةً ابن سينا والفارابي، الذي خصص لهما شتراوس عدة دراساتٍ، وهما بدورهما أعاداه إلى أفلاطون الذي أخذا أفكارهما عنه.

و»القراءة بين السطور» هو المنهج الذي أكّد أهمية تحليل الخطاب وفكّ شفرته للوصول إلى المعنى الحقيقي الكامن، وهو ما يقوم به شتراوس، مما جعله أحد المفكرين الغربيين ذوي الأصل اليهودي الذين انشغلوا بآليات تحليل الخطاب، محاولين الوصول إلى المعنى الكامن بين السطور، مثله مثل جاكوبسون ودريدا، ويرجّح المسيري أن ذلك يعود إلى تراث التفسير اليهودي والتفسير الماراني.

(179)

تلك هي المسألة الأساسية التي يتوقّف عندها المسيري فيما كتبه عن ليو شتراوس. وهناك مسألةٌ ثانيةٌ يؤكّدها حين يشير إلى أعمال الفيلسوف اليهودي الأمريكي ـ «ما الفلسفة السياسية؟» (1959)، «الحق الطبيعي والتاريخ» (1965)، «الليبرالية القديمة والحديثة» (1968) ـ هي [أي المسألة الثانية] انتماؤه إلى التيار المحافظ في الولايات المتّحدة. ويرى أن هذه الأعمال تتضمّن نقدًا لليبرالية الحديثة، التي يراها حافلةً بمشاكل جوهريةٍ لا سبيل إلى معالجتها، فالديمقراطية القائلة بالمساواة بين البشر وبنسبية القيم لا ينتج عنها سوى ثقافةٌ جماهيريةٌ منحلةٌ واتجاهٌ نحو التكيُّف والامتثال، ويفرز ذلك قياداتٍ مفلسفةً أخلاقيًا؛ ومن هنا يدعو شتراوس إلى نظامٍ نيابيٍ تقوده صفوةٌ متميزةٌ، ويستلزم ذلك وجود طبقةٍ ارستقراطيةٍ تمتلك الثقافة الرفيعة.

ويلاحظ المسيري أن شتراوس مفكّرٌ سياسيٌ محافظٌ، وهو أمرٌ نادرٌ بين المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، إذ إن معظم المفكّرين السياسيين ذوي الأصل اليهودي ينتمون إلى التقاليد الثورية أو الليبرالية(ص 353) [1].

(180)

 

 

 

 

 

الفصل السابع

نقد الغرب

(181)

 

تمهيد:

نتوقف في هذا الفصل عند أبرز سمات عبد الوهاب المسيري التي تسري في أعماله جميعًا، تلك التي تتّسم بالتحليل والتفكيك والتركيب والشمول والكشف والنقد. ويتّخذ النقد عنده صورًا وأشكالًا متعددة؛ من نقد المذاهب والنظريات، إلى نقد النماذج والمناهج، إلى نقد الحياة اليومية وردها إلى أسسها الدينية والأيديولوجية. يظهر ذلك منذ كتابات المسيري الأولى، وهي الكتابات التي تحمل بذور أفكاره الأساسية التي ستظهر واضحة المعالم فيما بعد في كتاباته التي عُرف بها حول فقه التحيز، والعلمانية وغيرها. ومن أول هذه الكتب التي حملت شحنةً عاليةً من النقد كتابه «الفردوس الأرضي»، وهو مجموعة دراساتٍ حول الحضارة الأمريكية، في أربعة أبواب، وكل باب من عدة أقسام، مع مقدمةٍ حول الفردوس والتاريخ. يدور الباب الأول حول البراجماتية الأمريكية والبراجماتية التلمودية، والثاني علم السلع الفردوسي، والثالث الأشياء والبراءة الأولى، ثم المرأة الأمريكية بين التاريخ والفردوس في الباب الرابع.

يؤكد المسيري في المقدّمة أنّ الإنسان رغم أنه جزءٌ من الطبيعة، شأنه في ذلك شأن الكائنات العضوية الأخرى، فهو يعيش في بناءٍ مستقلٍّ عن الطبيعة من وضع يديه وهو التاريخ، ومن هنا فهو لا يخضع لقوانين الطبيعة وحدها، وإنما لقوانين التاريخ أيضًا. وهذا هو مصدر جدلية الوجود الإنساني، فالإنسان قد ترك الطبيعة الدائرية وسقط في التاريخ وحدوده، ولا يمكنه إلّا تَقبُّل هذا الأمر. ولكنه مع هذا قلّما يقنع بما هو قائم، وإنما يثور ضدّه دائمًا، ويحلم بما هو أفضل حينما ينظر إلى ذاته، فيرى الإمكانات الهائلة داخله وداخل وجوده الإنساني. وحلم الإنسان هذا فيما يرى المسيري هو ما يدفعه إلى الثورة والتمرُّد. والفكر الثوري يصدر عن رغبةٍ أو حلمٍ في الحياة الأفضل، ولكن الرؤية الثورية الحق تعترف بأهمية التاريخ وحدوده

(182)

رغم محاولتها توسيع هذه الحدود. والرؤية الثورية الحق لا تريد «العودة» إلى البراءة الأولى وإلى التكامل المطلق، وإنما تحاول الوصول إليها جزئيًا وتدريجيًا من خلال حدود التاريخ، ودون أي محاولةٍ لتدميره.

ولكن في العصر الحديث في الغرب، ومع انتشار الفلسفات البورجوازية وتقديسها للأشياء، بدأ يظهر نوعٌ جديدٌ من الحساسية يسمّيه المسيري “الحساسية الفردوسية”، وهي نوعٌ من الغيبية العلمية لا تختلف عن الغيبية التقليدية في ادعائها الإطلاق لنفسها، وفي نفيها للجدل، وفي محاولتها تصفيته، وهي تستند إلى ميكانزمات الاقتصاد الصناعي الرأسمالي الذي يعتمد على فكرة التوازن الميكانيكي الدائم بين العرض والطلب. وهذا التصور الفردوسي للإنسان ليس حكرًا على فلاسفة الرأسمالية والتكنولوجية، وإنما هو جزءٌ من تصورات المواطنين في الحضارات الصناعية في الغرب. وقد عبّر هذا المفهوم عن نفسه في فكرة “التقدم” السريع والدائم نحو الفردوس العلمي الذي يعيش فيه الإنسان، وقد كان منطق التقدُّم الدائم وبأي ثمن هو المنطق السائد حتى عهد قريب في العالم الغربي، بل وفي العالم بأسره.

لاحظ المسيري أثناء إقامته في الولايات المتحدة أن التيار الفردوسيَّ المعادي للتاريخ والأيديولوجيا، الملتزم بفكرة التقدّم العلمي، هو البناء الكامن وراء كثيرٍ من أفكار اليمين أو اليسار، وقد لاحظ، حسب قوله، أن الإنسان في الولايات المتحدة يهرب من التاريخ ليعيش في الفردوس، ولكن، وكما يقول، من يهرب من التاريخ ليعيش في الفردوس، ينتهي به الأمر إلى الجحيم.

أوّلًا: الفردوسية الأمريكية

وقد كتب المسيري هذه الدراسات حتى ينقل تجربته إلى القارئ العربي، الذي سيلاحظ تركيزه على أوجه تشابه التجربة الأمريكية مع التجربة الإسرائيلية، كما تعرّض لتاريخ وجود الأقلّية اليهودية في الولايات المتحدة. وقد شرح في عدة

(183)

مواضع أسباب تركيزه على هذا الموضوع، موضحًا أن الديانة اليهودية ديانةٌ حلوليةٌ تخلط بين المطلق والنسبي، ولا تركّز على فكرة البعث في عالم آخر، وتزخر بأفكارٍ مثل عودة الماشيح آخر الأيام، وهي أفكارٌ تؤكّد فكرة الفردوس الأرضي.

وهو ينبّهنا دائمًا إلى عدم إنكاره القيمة الإنسانية والإيجابية للحضارة الغربية؛ وهو يعترف بفضل هذه الحضارة على العالم ككل، لكنّه اختار خاصيةً سلبيةً أساسيةً في الحضارة الأمريكية (والحضارة الاستهلاكية عامّةً)، وهي معاداتها للتاريخ.

قارن المسيري هذا العنصر في الحضارة الأمريكية بنقيضه في الحضارة العربية، لا ليفاضل بين الحضارتين، بل حتى تترسّخ في وجدانه نقاط الخلاف الرئيسية بين نمطنا الحضاري والنمط الحضاري السائد في الغرب. ويرى أن إحساسنا بالاختلاف الذي قد يُشعرنا بشيءٍ من التفوُّق الإنساني، لا بد وأن يُشعرنا أيضًا بكثيرٍ من النقص في حضارتنا، التى يغلُّها التاريخ وتُقيِّدها التقاليد، والتي هي أحوج ما تكون إلى الحلم بالفردوس وبالبراءة الأولى، حتى يشعر الإنسان بجسده بعض الشيء، ويشعر بنفسه ككيانٍ منفصل.

يعرض المسيري في هذا الإطار للبراجماتية الأمريكية، ويربط بينها وبين الصهيونية، ويحدّثنا عمّا أسماه صهيون الجديدة في الولايات المتحدة وإسرائيل. مؤكّدًا على التشابه الشديد للوجدان الأمريكي والصهيوني بل والتطابق بينهما، فكلاهما يرفض التاريخ بإصرار وعناد، أو على الأقل يحوّله إلى أسطورةٍ متناهيةٍ في البساطة. وعلى امتداد أربع فقرات يعرض تحليله للعقلية الأمريكية وعلاقتها بالصهيونية على النحو التالي.

صهيون الجديدة في الولايات المتحدة وإسرائيل: على الرغم من أن الحضارة الأمريكية لا يزيد عمرها عن بضعة قرون، بينما تتباهى الحضارة اليهودية الإسرائيلية بتاريخ قديم قِدمَ الإنسان؛ إلّا أن أهم أوجه التشابه بين الوجدانين أن كليهما يرفض التاريخ بعناد وإصرار، أو على الأقلّ يحوّله إلى أسطورةٍ متناهيةٍ في البساطة.

(184)

يمكننا القول إن الوجدان البيوريتاني يرفض التاريخ المسيحي كلّه، بل يرفض أية رؤيةٍ تاريخيةٍ على الإطلاق. ولا يزال أثر هذا التصور البيوريتاني واضحًا على الوجدان الأمريكي؛ فالرفض الكامل للتاريخ يظهر بصورةٍ متكررةٍ في الأعمال الأدبية والفنية الأمريكية، مثل قصائد إيملي ديكنسون، وأشعار والت ويتمان شاعر الديمقراطية الأمريكية. والرفض البيوريتاني الأمريكي للتاريخ الأوروبي - فيما يرى - يقابله الرفض الصهيوني الإسرائيلي للتاريخ اليهودي في الدياسبورا (الشتات)، فالصهاينة يرون أن الوجود اليهودي في أي حضارةٍ غير يهوديةٍ ظاهرةٌ شاذّةٌ وعلامةٌ على المرض الروحي، ولذلك فهم أيضًا يعودون إلى (البساطة الأولى)، أيام كان اليهود يعيشون ككيانٍ قوميٍ مستقلٍ فريدٍ لم تدخل عليه الشوائب (التاريخية) المختلفة، غير اليهودية.

ويمكننا أن نستنتج من تحليلات المسيري للعقلية العملية الأمريكية والصهيونية ومقارنته بينهما بعض الاستنتاجات على النحو التالي:

1- تسيطر عقلية الريادة على كل من الصهاينة والأمريكيين؛ فالبيوريتانيون (اكتشفوا) أمريكا ثم انتشروا فيها عن طريق إنشاء مستعمراتٍ ذات طابع زراعيٍ عسكري، والمستوطنون الصهاينة (اكتشفوا) فلسطين واحتلوها بنفس الطريقة. وعقلية الرائد عقليةٌ عمليةٌ تفضّل الفعل على الفكر، والنتائج العملية على الاعتبارات الخلقية، إنها عقلية الكاوبوي (وهو شخصيةٌ تعشقها الجماهير الإسرائيلية التي تدمن الأفلام السينمائية من جميع الأنواع).

2- ولعل وجه الشبه الرئيسي بين الوجدانين الأمريكي والصهيوني الإسرائيلي هو العنف العنصري؛ فرفض التاريخ نتج عنه تعامٍ عن الواقع وتجاهلٌ لكل تفاصليه.

3- وليس من قبيل المصادفة أن شعار “أرض بلا شعب، وشعب بلا أرض” قد تبنّاه كلٌّ من البيوريتانيين والصهاينة، وليس من قبيل المصادفة أيضًا أن المجتمعين

(185)

الإسرائيلي والأمريكي من أكثر المجتمعات عنصريةً، سواء من ناحية الواقع الاقتصادي أو البنية الحضارية.

وعلى هذا فإن من اليسير على الشعب الأمريكي فهمُ العقلية الإسرائيلية والتعاطف مع الشعب الإسرائيلي وقِيَمِه اللاأخلاقية من عنصريةٍ وعنف، نظرًا إلى التشابه بين وجدان الشعبين. إن الشعب الأمريكي وقادته الذين تسيطر عليهم عقلية الرائد والكاوبوي لا يفهمون سوى منطق القوة، ولا يعترفون إلّا بالنتائج العملية المباشرة، لذلك فالإعلام الذي تسانده قوّةٌ أو وضعٌ قائمٌ بالفعل ما هو إلا دعوةٌ للأخلاق الحميدة، لن ينصت لها إلّا ذوو النوايا الطيبة، وحتى هؤلاء سينسونها وينسوننا بعد دقائق.

فابريكة الإنسان الجديد: من أوجه التشابه الرئيسية بين المجتمعين الإسرائيلي والأمريكي أن كلًا منهما مجتمع استيطاني يتكوّن من المهاجرين الذين يتوجّب عليهم أن يطرحوا هويَّتهم القديمة ليكتسبوا هويةً جديدةً بمجرد وصولهم إلى نيويورك أو حيفا. واكتساب الهوية الجديدة هو مشكلة المشاكل بالنسبة للمجتمعات الاستيطانية الرافضة للتاريخ وللتراث، والتي تفبرك [تزيّف] “تراثًا جديدًا” يدور حول أسطورةٍ بسيطةٍ يؤمن بها الإنسان الجديد، فأمريكا استحدثت أسطورة “آدم الديموقراطي الجديد”. يخبرنا المسيري أنه حينما ذهب إلى نيويورك عام 1971م، قابل جماعاتٍ قوميةً متنافرةً أو مواطنين حُدِّدَت هويتهم بشكلٍ قوميٍ ضيّق، فهم سود أو يهود أو أيرلنديون.

وتتّسم كتابات المسيري بالمزج بين الأدب والنقد والفلسفة، والمسيري، مثلما يفعل الفيلسوف السلوفيني المعاصر سلافوي جيجك، يُضمِّن تحليلاته بيانَ وجهة نظره في الأفلام والمسرحيات التي تُعبّر عن العقلية الأمريكية. يقول: وقد شاهدت عددًا من الأفلام الأمريكية الجديدة التي تبدو فيها العنصرية واضحةً، وتؤكًد الانتماء القومي لشخصياتها. ومنها الأفلام التي تؤكّد تَفَرُّد اليهود، مثل فيلم “عازف

(186)

فوق السطوح”. ومن الأفلام العنصرية الأخرى التي شاهدتها فيلم “القط فريتز”، وهو فيلمٌ جميعُ شخصياته من الحيوانات، ومن بين القطط التي تلعب الأدوار الرئيسية يوجد قطٌ بروتستانتي وقطةٌ يهودية. وشاهدت أيضا فيلم “بتي سووب” الذي يروي قصة استيلاء الزنوج على شركة إعلاناتٍ أمريكيةٍ والمفارقات التي تنتج عن ذلك، وفيلم “مارجو” الذي يسخر من الكنائس البروتستانتية في جنوب الولايات المتحدة.

ويخلص مما تقدّم إلى أن الكلّ الأمريكي المتجانس لا وجود له، فالإنسان الجديد البريء من الشر والتاريخ والمعرفة لم يُقدَّر له أن يخرج من البوتقة مبتسمًا كأنه في إعلان تليفزيوني.

لغة التعامل مع الواقع: ولأن الوجدان الأمريكي يمرح في براءته الأولى غير مثقلٍ بالتاريخ؛ نجد أن الأمريكي لا يؤمن بأية مقدّسات أو حرمات أو طقوس، كما يبيّن المسيري، فكل شيء بالنسبة إليه خاضعٌ للبحث والتجزّؤ، كأن الكلّ الحي يعادل جماع أجزائه الميتة. إن الوجدان الأمريكي هو حقًا وجدان الرفض للتاريخ والتراث، بل وأي فكرٍ مسبقٍ عن الواقع؛ وجدانٌ تسيطر عليه الفلسفة البراجماتية أو الذرائعية سيطرةً كاملةً.

هذه السيولة التامة جعلت من المجتمع الأمريكي مجتمعًا علمانيًا بمعنى الكلمة، فلا تسيطر عليه أيّة تصوّراتٍ كليةٍ عن طبيعة الإنسان والكون. وعلمانية المجتمع الأمريكي الكاملة، وتحرُّره من الوعي الأخلاقي التاريخي، جعلت العقل الأمريكي ديناميًا ومتحررًا إلى أقصى الحدود، ومتطلعًا إلى معرفة كل شيء، بغضّ النظر عن الاعتبارات الخلقية أو الجمالية، أو حتى النتائج العملية أو الإنسانية لهذه المعرفة. إن المجتمع الأمريكي مجتمعٌ ذرائعيٌ لا يشغل نفسه بالحقيقة النسبية التاريخية، ولا يبحث إلّا عما يزيد من راحته وهنائه الماديين.

فالرؤية البراجماتية بجعلها “النجاح” المعيارَ الوحيدَ للحكم على أي شيءٍ،

(187)

وبإلغائها التاريخ والتراث، جعلت الحقيقة الوحيدة المقبولة هي الحقيقة السائدة، أو الحقيقة التي تسهّل علينا التعامل مع الواقع كما هو، وليس كما ينبغي أن يكون، وهي لهذا رؤيةٌ مغاليةٌ في المحافظة. والمنطق الثوري، كما يرى المسيري، يفترض دائمًا وجود تناقضٍ جدليٍ بين ما هو قائمٌ وما ينبغي أن يكون. هذا الجدل قد صفى تمامًا في الفكر البراجماتي، وحلّ محلّه جدلٌ دائريٌ زائفٌ تسيطر فيه الأشياء والماديات المصمتة على عقل الإنسان، فالمطلوب في الإطار البراجماتي الضيّق هو أن يتعامل المرء بنجاح مع الواقع. إنّ البراجماتية رؤيةٌ ماديةٌ لا روح فيها ولا حياة، فهي تفترض خضوع عقل الإنسان للأشياء وحدودها، ولا تسمح لهذا العقل بتخطّيها، وتفترض عدم وجود ذاتٍ إنسانيةٍ مركّبةٍ تحمل عبء وعيها التاريخي في مقابل موضوع يكتسب فحواه ودلالته من الإدراك الإنساني المركّب له، وإنما يوجد شيءٌ يخشع له الإنسان في صمتٍ كأنه أمام وثن. إن ما ينقض البراجماتية، لدى المسيري، هي الرؤية التاريخية الشاملة، وهي رؤيةٌ لا يمكن إلّا للعقل البشري الواعي الخلّاق الوصول إليها، فهو وحده القادر على إدراك الرؤى المركّبة والمختلفة كيفيًا عما هو كائن.

فلسفة الكاوبوي والعنف البرجماتي: ويخبرنا المسيري في نقطة البداية عن تفكيره حول الفلسفة الأمريكية والتي ترتبط في ذهنه بالعنف الذي لا عقل له. يقول: يبدأ كالن الفيلسوف بطرح التقاليد جانبًا، التقاليد الخاصّة بطرق التفكير وعادات الحياة، حتّى يؤكد استقلالية الفرد وحقّه في إحراز النجاح ودرجة التميُّز التي تقع داخل مجاله، حسب تصوره، وبجهوده الخاصة، وحسب درجة المخاطرة التي يخوضها أثناء صراعه الذي لا نهاية له في أن يعيش في عالم متغير لم يُخلق من أجله، العالم الذي لا ضمان فيه لأي شيء. لقد كان جيمس يؤكّد في مذكراته وأحاديثه أنّه سيقوم بأداء واجبه، مؤمّلًا أن الأشياء الخارجية هي الأخرى ستقوم بأداء واجبها حتى يعمّ التناسق، ولكن دون أي ضمان أنها ستفعل. وغياب الضمان، حسب تصوّره، هو جوهر التجربة الإنسانية الحقة، إذ لا بد وأن ينطوي موقف

(188)

الإنسان في الحياة على عنصر من التوتّر النشط، فنحن، حسب تصوُّر جيمس، لو آمنّا بفكرةٍ ما لأننا شئنا ذلك، فهذا ليس بالضرورة “خداعًا”، فالواقع هو رؤيتي وقناعتي، وما العالم سوى تيّار من التغيُّر الذي لا نهاية له. ونحن الذين نقرّر هذا أو ذاك. والمعرفة حسب تلك الفلسفة، نسبيةٌ وذاتيةٌ لا وجود لها خارج أذهاننا، والحقيقة ليست شيئًا موجودًا في الأفكار والرؤى ذاتها، وإنما هي شيء يحدث لها أثناء استخدامنا إياها في المواقف العملية المختلفة.

هذا العالَم البراجماتي الهادئ العملي، عند المسيري المفكّر العربي المسلم، إن هو إلّا عالَمٌ نيتشويٌ داروينيٌ يمور بالتغيُّر، الذي يجرف كل شيءٍ في طريقه إلّا العبقري، إنّه ولا شكّ عالَمٌ البقاءُ فيه للأكثر عبقريةً أو للأصلح. ونحن لا نبالغ إذا قلنا إن هذا هو جوهر رؤية جيمس للإنسان، فالإنسان حسب تصوّره هو الحيوان الوحيد الذي يفترس أبناء نوعه، فقد تكيّف إلى الأبد مع حالة الحرب، ولا يمكن لسنوات السلام، مهما طالت، أن تمحو من الوجدان الإنساني الرغبة في الحرب. “لقد ولدنا كلّنا لنحارب”، بل إن الحرب هي الطبيعة البشرية في ذروتها. وما سُمُوّ العقل بين سائر البشر إلّا نتيجة الرغبة في السيطرة، أن تذبح الآخرين أو تُذبح.

ينتمي جيمس إلى نمط من المفكرين الذي يضعون الإنسان أمام خلفيةٍ طبيعية، مسقطين الخلفية التاريخية، وإذا استعرضنا آراءه، لوجدنا أن الخط الرئيسي فيها هو نزع الإنسان من سياقه التاريخي. فهذا الإنسان الذي يعيش في خطر، في عالم دائم التغيُّر لا ضمان فيه، هذا الفرد الذي يفعل ما يشاء، ولا يعرف إلا ما يجرّب ولا يوجد داخل نسق متكامل من القيم والافتراضات، يتطوّر حسب قوانين تشبه قانون تطوُّر الطبيعة.

يظهر في كتابات جيمس الرائد الأمريكي أو الكاوبوي المؤمن بقدراته الخارقة للعادة على إخضاع أي شيء، وعلى غزو البرية العذراء. ويؤكد كالن، تلميذه الصهيوني، أن موقف أستاذه من الواقع، بل والوجود الأمريكي ككل، يشبه موقف الرائد الأمريكي من عدة وجوه؛ وعلى هذا يؤكّد المسيري أن الرجل الأبيض في

(189)

أمريكا هو الرجل البراجماتي بالدرجة الأولى، والسوبر مان الحق، والكاوبوي الذي لا يهاب شيئًا ويبني بيته بجوار البركان، كما يخاطر بكل شيءٍ فيفقد كل شيءٍ أو يربح كل شيء.

وقد نشأت البراجماتية في تربة الرأسمالية الناهضة الواثقة بنفسها، والمؤمنة بأخلاقياتها، أو لا أخلاقياتها؛ المبنية على التنافس والصراع والفردية. ويرى بعض دارسي البراجماتية أن إنكار الأمريكيين لقيمة التاريخ يرجع إلى أنهم نشأوا في العالم الجديد وليس في العالم القديم. هذه النزعة اللاتاريخية اللاأخلاقية المثالية/ العملية التي تُسمّى البراجماتية والصهيونية تظهر في صفحات كتاب البراجماتي الصهيوني كالن “المثاليون في مأزق”. إذ يلاحظ كالن العلاقة الوجدانية الوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، بل والتشابه البنيوي بينهما، فهو في بداية كتابه يؤكّد أن كلًّا من إعلان استقلال إسرائيل والولايات المتحدة، هما تعبير عن مسيرة الإنسان نحو الحرية، ونحو مزيد من التقدم. وعالم كالن مثاليٌ/ عمليٌ براجماتيٌ حتى النخاع، فحق اليهود في فلسطين أمرٌ منطقيٌ للغاية، بسبب شعورهم القوى والجارف بمركزية إسرائيل في حياتهم.

ولكن قبل أن يواصل المسيري رحلته مع كالن، يعرض للجانب الآخر للمطلق البراجماتي وهو المطلق الموضوعي؛ إذ يبدو أن طريقة الإدراك البراجماتي تؤدي إما إلى هذا أو إلى ذاك في ذات الوقت. فالبراجماتية، فلسفة الإرادة المطلقة، تدّعي أيضًا أنها تؤمن بالحقائق الموضوعية، والحقائق وحدها، التي لا تتقبل النقاش. وقد يبدو أن هناك تباينًا واضحًا بين المطلق البراجماتي المثالي والمطلق البراجماتي الموضوعي، وبقليل من التمحيص نكتشف أن المثالية هي الوجه الآخر للموضوعية الميكانيكية.

إن الرصد البراجماتي الموضوعي للواقع لا يختلف كثيرًا عن التحليق المثالي فوقه، فكلاهما الغرض منه تذويب الواقع حتّى يصبح لا اتّجاه له. والدارس

(190)

للدعاية الصهيونية يجد أنها تستند إلى تبريرين: أحدهما مغالٍ في المثالية (حق اليهود الأزلي في العودة ورغبتهم في ذلك)، والآخر عملي مغالٍ في العملية (سياسة الأمر الواقع)، وكلاهما يتجاهل الوجود التاريخي لفلسطين وشعبها. وطريقة الطرح الصهيونية ـ البراجماتية تفتح الباب على مصراعيه للعنف، فاسم إسرائيل كما يخبرنا البراجماتي المتصوِّف يعني المتصارع مع الرب، فهو شعبٌ يعيش في صراع دائم مع الطبيعة القاسية من رمال وتلال ومستنقعات يواجهونها بنفس الإيمان الذي يواجهون به الطبيعة البشرية المعادية لهم؛ طبيعة جيرانهم (من العرب) الذين يكنّون الكره لهم وينوون تحطيمهم.

والبراجماتي الصهيوني قادرٌ على الألاعيب الديالكتيكية إن كانت في مجال التبرير؛ فهو يقرّر أنّ جيش إسرائيل جيش دفاعٍ فحسب وخير دفاعٍ عن فردوس إسرائيل هو الهجوم على جميع الجبهات. ويلاحظ كالن، بقلبٍ براجماتيٍ مبتهجٍ مرّةً أخرى، أنه لم يقابل أيّ فتًى أو فتاة لا يتطلّعون إلى الخدمة العسكرية، كما أنه، وهو المرن العملي، يخبرنا أنّه يمكن تجنيد الاحتياط في ساعات قليلة.

الإسرائيليون إذًا مرنون استجابوا لنداء البراجماتية الحارّ للتغيّر. والعرب؟ يرى كالن أن الأمل الوحيد هو تغييرهم أيضًا. وكالن لم يفقد الأمل فينا بعد، فهو يرى أن العرب قد بدأوا بالفعل في التغيُّر بمساعدة الإسرائيليين. ويدلل على ذلك بأن الإسلام آخذ في الاختفاء أو في التحول الذي هو بمثابة الاختفاء.

يؤكد كالن أنّه لا يوجد شعبٌ عربيٌ وإنما شعوبٌ متحدثةٌ بالعربية، وما يسمى بالعروبة ليس إلّا ردة فعٍل للنهضة الصهيونية، ولم يخلق جامعة الدول العربية سوى الرشاوي البريطانية، ولا يوَحِّدُ البلاد العربية سوى كراهية إسرائيل. أما الفلسطيني فهو أيضًا لا وجود له، لأنه خليط لا نهاية له من كل الأجناس.

وبناءً على كلّ ما سبق، يستخلص المسيري أنّ كلّ صفحةٍ من صفحات كتاب كالن تنطق بالعنف البراجماتي، تمامًا مثل كتابات جيمس، فكلاهما ينظر إلى الإنسان

(191)

من منظورٍ دارويني، وكلاهما يرى الإنسان جزءًا من بيئةٍ طبيعيةٍ مما يسقط فالتاريخ والاتجاه. ولكن يظل هناك فارقٌ جوهريٌ بين براجماتية جيمس الأمريكية والبراجماتية الصهيونية، وهو فارقٌ لا يدركه سوى المسيري، فالبراجماتية الأمريكية غير مبرمجةٍ وغير مثقلةٍ بأية أساطير، ولذا فهي براجماتيةٌ متسقةٌ مع نفسها، تقف ضد التاريخ ولا تاريخ لها. أما البراجماتية الصهيونية فهي مبرمجةٌ مثقلةٌ بالأساطير والتواريخ المقدسة. ولذا تتحرّك الجيوش البراجماتية لكي تؤمّن الحدود الواقعية المثالية لآرتس إسرائيل، التي وردت لها خريطتان مختلفتان في التوراة! لكل هذا نجد أن حدود البراجماتية الأمريكية أكثر اتساعًا وتَحَدُّدا في ذات الوقت من حدود البراجماتية الصهيونية، فالأولى يحكمها قانونٌ واقعيٌ، هو قانونٌ ضيّق غبي، ولكنه مع ذلك قانون، أما البراجماتية الصهيونية فهي مزيجٌ فريدٌ شاذٌ بين العقليتين العملية والغيبية التلمودية.

يتناول المسيري في الباب الثاني من كتابه “عالم السلع الفردوسي”، ويعرض أوّلًا لما يطلق عليه الخلاص بالسلعة:

وقبل الحديث عن الحضارة الأمريكية، يذكر المسيري بعض الجوانب المميزة لنمط الحياة الأمريكية، التي تجعل الأمريكي فريسةً سهلةً لـ”الاستهلاكية الأمريكية”. لقد تنبّه اليسار الجديد ـ الذي يشيد به المسيري وينتقده ـ إلى خطورة الرأسمالية الأمريكية، وهو في نقده لها لا يركّز على استغلاليتها أو عدم كفاءتها الإنتاجية، لأنها ليست مستغلةً بالمعنى التقليدي كما أن كفاءتها مشهودٌ لها من الجميع، وإنما ينصبّ التركيز على استهلاكيتها العمياء التي تُغرق الذات، بل إن بعض الجماعات اليسارية لم تعد تستخدم اصطلاح “الرأسمالية”، وتستخدم بدلًا منه اصطلاح “الاستهلاكية”، باعتبار أن ما يهدّد العامل الأمريكي الآن ليس قلة السلع بل وفرتها، والوعي الزائف الذي تنتجه هذه الوفرة. واليسار الجديد لم يحِد أبدًا في رؤيته الجديدة عن الفلسفة الماركسية، فنقد ماركس للرأسمالية لم ينصبّ على استغلاليتها الاقتصادية بقدر تركيزه على سطحيتها المادية وحتميتها الاقتصادية، وتحويلها إلى شيء، والشيء إلى وثن. اليسار الجديد، فيما كتب المسيري، لم يحد

(192)

كثيرًا عن فكرة ماركس، وإن استفاد منه بطريقةٍ تنمّ عن أصالته. لكنه مع ذلك يسارٌ مُفَتَّتٌ ينقصه البرنامج السياسي والأيديولوجية المتكاملة. أي إن اليسار نفسه يتحرّك في ذات الفراغ الأيديولوجي الذي خلقته الرأسمالية والحضارة الأمريكية. فينتهي الأمر بمعظم هذه الحركات اليسارية إلى الإقلال من جرعة الراديكالية وزيادة جرعة الإصلاحية البراجماتي.

ثانيًا: الهيبي في الفردوس

ومقابل البراجماتي الذي يسعى إلى النجاح، يقدم المسيري النموذج المقابل وهو الهيبي المتمرّد. وثورة الهيبي ثورةٌ فرديةٌ محضة، إذ يرفض المتمرّد المجتمع وحدوده ومقدّساته، ويدير ظهره لفكرة النجاح على الطريقة البورجوازية، ويقرّر أن يفشل، ففي فشله ضربٌ من التحدّي لكل أهداف المجتمع الرأسمالي وآماله. إن الهيبي تجسيدٌ لأسطورة “الإنسان الفاشل” وهو الرفض المحسوس والشخصي لأسطورة “الإنسان العصامي”، ولكل ما ترمز إليه من تقديسٍ للملكية الفردية ونكرانٍ للسعادة الإنسانية. يرى المسيري أنه إذا كان التفوق عند الإنسان الناجح هو الاستهلاك الذي لا ضمير له ولا روح، فالهيبي يحيا حياةً بسيطةً تجعل من الاستهلاك وكل السلع الرأسمالية، بل وكل الإنجازات التكنولوجية، أمورًا غير ذات بال.

يقارن المسيري بين نموذجين: العصامي والمتمرد، وإذا كانت حياة الإنسان العصامي فرديةً خاليةً من الطقوس والمعنى، فحياة الهيبي جماعيةٌ يحكمها تفكيرٌ قَبَلي وآلاف الطقوس التي تضفي معنًى على حياتهم، طقوسٌ تذكرنا بالعبادات القديمة قبل ظهور التجارة. يستشهد المسيري بنماذج وأمثلةٍ متعددةٍ من الشعر والأدب والمسرح والسينما، ليؤكد نقده للحضارة الأمريكية، فهو يستشهد بفيلم “وود ستوك” الذي يقدم صورةً واضحةً لهذه القبلية.

ويرى المسيري أننا إذا تأمّلنا التراث الأدبي الأمريكي، فسنستكشف أن والت

(193)

ويتمان كان هيبيًا من الدرجة الأولى؛ فقصيدته الشهيرة “أغنية نفسي” تحتفي بذات الشاعر السلبية التي تحب الخير والشر، والتي تقبل كلّ شيءٍ دون تمييز، والتي تعشق الطفو مع الناس في المدينة. ويذكر أيضًا الهيبية البيوريتانية، الشاعرة إميلي ديكنسون، التي اعتزلت الناس وارتدت ثوبًا أبيض وسكنت في عالمٍ مأهولٍ بالمجردات الميتافيزيقية. وهنري ديفيد ثورو الذي رفض دفع الضرائب المقرّرة عليه احتجاجًا على محاولة القوات الأمريكية ضم تكساس (التي كانت لا تزال تابعةً للمكسيك).

وسيطرة حساسية الفردوس تظهر أيضا في التيار الأدبي الأمريكي، الذي ينادي بأنه لا جدوى من تقويم الفن أو حتى محاولة فهمه، لأن الهدف الأساسي من قراءة العمل الأدبي هو تجربته بشكلٍ مباشرٍ دون تدخُّل الوعي الإنساني. ويستشهد برأي سوزان سونتاج، إحدى الناقدات الأمريكيات المحدثات، التي ترى أن الفن ليس إلّا شكلًا من أشكال السحر، ووسيلةً لممارسة طقوسه. وفي مطلع كتابها “ضد التفسير” تتحدّث عن حالة البراءة الفردوسية الأولى، قبل ظهور التاريخ والوعي، وقبل أن يحتاج الفن إلى تفسيرٍ أو تبرير، فاستجابة المتلقي آنئذٍ كانت دائمًا استجابةً مباشرة غير واعية.

ثالثًا: أهل يسوع، أو مسيحيو الطرقات

يعرض المسيري لهذه الفئة، ويرى أن من أهمّ الحركات الفردوسية السائدة في [الستينيات] في الولايات المتحدة حركةٌ تعرف باسم “أهل يسوع” أو “مسيحيو الطرقات”. وهذه الحركة خليطٌ غريبٌ من المسيحية والهيبية، فأهل يسوع مثل الهيبي لا يضمهم تنظيمٌ واحد أو حتى عدة تنظيمات، وإنما يجتمعون في منازل وجماعات يطلق عليها اسم “البيوت المسيحية”. وحركات البعث الديني ليست غريبةً على الحضارة الأمريكية، فالولايات المتحدة بدأت ككومنولث ديني، وتخلل تاريخها مصلحون دينيون عديدون. لكن كل هذه الحركات، على عكس حركة

(194)

الإصلاح الديني في عصر النهضة، ليس لها طابعٌ طبقيٌ أو اجتماعيٌ واضح أو مستتر، وليس لها أية أبعادٍ راديكاليةٍ حتى بالمقاييس الأمريكية، فهي لا تطرح رؤيةً متكاملةً مختلفةً عن الرؤية الدينية السائدة كما فعل مارتن لوثر، الذي بشّر بطريقةٍ فرديةٍ للخلاص، تختلف في بُنيتها ومحتواها عن مفاهيم العصور الوسطى الكاثوليكية.

ويرى المسيري أنّ معظم حركات البعث الدينية الأمريكية الأخرى علاقتها بالواقع واهيةٌ أو منعدمة، وهي لا تقدّم رؤيةً متكاملةً، مكتفيةً بتقديم الحلول العاطفية مثل “الحب” و”التفاهم”، باعتبارها أدويةً شافيةً لأمراض البشرية، إلا أن “أهل يسوع” يبحثون عن أسطورةٍ جديدةٍ تحلّ محلّ أسطورة “الإنسان العصامي” الضيّقة، وأسطورة “الهيبي الفاشل” المخرّبة، لذلك فهم يعودون إلى فكرة الإنسان المسيحي في بساطته الأولى، ومن ثم يدخلون الحضارة الأمريكية الاستهلاكية من أوسع أبوابها، باب الرفض الشامل للتاريخ والواقع الاجتماعي.

ويرى المسيري - منتقدًا هذه الحركة - أن الطمأنينة الداخلية أو النشوة الدينية التي يحققها الإيمان الأعمى الحرفي هي ما ينشده “أهل يسوع”، ولذلك فتجربتهم الدينية الجديدة لا تنتج عنها أية استنارةٍ فكريةٍ، بل يظلّ المؤمن المنتشي يدور حول نفسه، دون أن يدخل في علاقةٍ حقيقيةٍ مع الواقع أو حتى مع نفسه.

ويتوقّف عند تيارٍ عمليٍ قويٍ يسري في الفكر الديني المسيحي في الولايات المتحدة، هو البيوريتانيون. فالبيوريتانيون، شأنهم شأن الطوائف البروتستانتية المتطرّفة، كانوا يتصوّرون أن رضا الله عن فردٍ يجعله يصيب من النجاح المادي والتجاري الشيء العظيم.

الإنسان بين الأشياء والبراءة الأولى

حينما تغمض عينيك فإنّك تبصر، لأن الإنسان له بصرٌ وبصيرة، عين حِسِيّة ترى الأشياء، وأخرى حَدسية تخترق السطح لتصل إلى البنية الكامنة وطبيعة الوجود.

(195)

ولأننا لا نقنع من الأشياء بسطحها ولا نرضى بالواقع كما هو، فإنّنا دائمًا نحلم، والحلم بالفردوس ذروة كلّ الأحلام، هو أيضًا لحظةُ الكشف الكامل، فالفردوس هو نقطة “النجاح” التي يتحقّق فيها كلّ شيء، وننجز فيها ذواتنا الحقيقية كما نتخيّلها، متحرّرةً من كلّ ضغوطٍ اجتماعيةٍ وقهرٍ تاريخي.

أ‌. العقد الاجتماعي الأمريكي/اليهودي

حينما تصل إلى نيويورك، لا يمكنك إلّا أن تلحظ الوجود اليهودي في كل مكان، فنيويورك تضم أكبر تجمّعٍ يهودي في العالم، وهذه حقيقةٌ تحزّ كثيرًا في نفوس الإسرائيليين والصهاينة، الذين يصدرون عن فكرة “وحدة الشعب اليهودي”، التي تفترض أن كل يهوديٍ لديه ما يدفعه نحو الفردوس اليهودي في أرض الميعاد. إن عدد اليهود (الشتات) يفوق عدد يهود إسرائيل بمراحل.

ويفسّر لنا المسيري ذلك بقوله: لقد استقرّ اليهود في الولايات المتّحدة وتقبّلوا وضعهم إلى حدٍّ كبير، وقبلوا أسطورة “أتون الصهر” إياها بدرجات متفاوتة. وقد ترجمت هذه الأسطورة إلى ما يسمى بالعقد الاجتماعي الأمريكي/اليهودي، الذي يتلخص في أن يهودية المواطن اليهودي هي أمرٌ خاصٌّ للغاية يمارسه في المنزل.

ب‌. تعليم اليهودي الأمريكي

ويعتقد نورمان بودورتز، رئيس تحرير مجلة كومنتاري، أنّه مرشّحٌ، أكثر من غيره، لمعالجة قصّة النجاح النموذجية، لأنّه وُلد في شرق أوروبا اليهودية من أبوَين يهوديَّين هاجرا من شرق أوروبا. والمهاجرون اليهود إلى أمريكا، كما يُخبرنا، تدفعهم رغبةٌ جامحةٌ وشهوةٌ شديدةٌ إلى النجاح، أي إنهم يبلورون هذا الجانب من الشخصية الأمريكية أكثر من أي فريقٍ آخر، فالنجاح بالنسبة إليهم هو كلّ شيء. فهو يعني الحصول على المال الوافر والمكانة الاجتماعية اللائقة. إن “يهودية” بودورتز هي التي ترشّحه لأن يلعب دور “الأمريكي”.

(196)

لكن ما هو التعليم اليهودي الذي “يصنع” اليهود، ويفسّر معجزة البقاء اليهودي؟ يخبرنا بودورتز أن الغرض منه هو تعميق الإحساس بالهوية اليهودية، بهدفٍ أساسي هو الإبقاء على الكيان اليهودي.

ثانيًا: الإسلام كحلم البراءة الأولى في حياة مالكوم

من الشيء إلى الشيء، هذه هي حركة بودورتز الأفقية. لكن مالكوم يتحرّك بطريقةٍ مغايرةٍ تمامًا.

ومالكوم زعيم أمريكي أسود كان اسمه الأصلي مالكوم لِتِل (أي مالكوم الصغير)، لكنّه غيّر اسمه إلى “مالكوم”، رافضًا اللقب الذي أعطاه إياه الرجل الأبيض، ثم غيّر اسمه بعد ذلك إلى “الحاج مالك” بعد حجّه إلى مكّة المكرمة، حيث خاض تجربةً روحيةً كان لها أكبر الأثر عليه. وسيرة حياته الذاتية تمدُّنا بكثيرٍ من تفاصيل حياته الثرية التي انتهت باغتياله عام 1965م. ويوضح المسيري أن الإسلام بالنسبة لمالكوم هو حلم البراءة هذا، فقد زوّدَه بإطارٍ مثاليّ حرّره من أخلاقيات وافتراضات مجتمعه العرقية، وهي افتراضات وأخلاقيات كان عليه تقبُّلها برغم أنّه فريستها وضحيتها.

ويجيب عن سؤال طرحه عن “ما هو سبب اختياره للفظ “حلم البراءة” لوصف العالم العربي الإسلامي الذي شاهده مالكوم، والإشارة للمعتقدات الإسلامية التي آمن بها في نهاية المطاف؟”: ذلك لأن مالكوم تعامل مع الوطن العربي من منظوره هو كأمريكي أسود يعاني ويلات التفرقة العنصرية، ومن هذا المنظور اكتشف أنه لا يقف في طريق نموّ الإمكانيات الإنسانية للإنسان الأسود، لذلك وجد مالكوم تحقيقًا جزئيًا لحلمه بالبراءة، وبعالمٍ خالٍ من التفرقة العنصرية. إن أمريكا البيضاء ـ كما أخبرنا هو ـ مجرّدةٌ من هذه الإمكانيات المثالية والإنسانية، فهي ذات نزعةٍ تدميريةٍ خالصة. يقول: “أي إن حلم البراءة الثوري لا يظلّ مجرّد صورةٍ ذهنيةٍ رائعة،

(197)

كما أنه ليس بواقعٍ فردوسيٍ قد يتحقّق الآن وهنا، وإنما هو رؤيةٌ للحياة الفاضلة، يتعامل الثوريّ من خلالها مع الواقع التاريخي، ويحاول تحقيقها داخل التاريخ ذاته. ولأنه يتحقّق داخل التاريخ، فهي لن تحتفظ بصفائها وبراءتها. والعالم العربي الإسلامي، بالرغم من كلّ توتّراته التاريخية، كان بالنسبة لمالكوم تحقيقًا جزئيًا لحلمه بالبراءة، وبعالم يسمو على أمريكا من الناحية الأخلاقية، على الأقلّ فيما يختصّ بالعلاقات الإنسانية والعنصرية.

ج- الإسلام

بدأت عملية الاهتداء إلى الإسلام بسلوكيّاتٍ بسيطةٍ، مثل رفضه تناول لحم الخنزير حينما كان في السجن، واعتياده التوضّؤ؛ لكنّها انتهت بتبنٍّ ثوريٍّ لنسقٍ جديدٍ من القيم.

تعرّف مالكوم، إبّان سجنه، على الإسلام كما فسّرته جماعة إليجا محمد (التي تُسمّى بـ”المسلمين السود”)، وآمن بذلك التفسير وشعر بتفوّقه الأخلاقي. لكنّه برغم ذلك انفصل عنهم فيما بعد وتخطّى افتراضاتهم الأخلاقية العنصرية، التي تُميّز بين السود والبيض لصالح السود هذه المرة؛ فقد كانت تؤمن بمقلوب العنصرية الأمريكية، وبالرغم من مساهمة عقيدة “المسلمين السود” في تحرير مالكوم وإنقاذه، فقد كانت مثل عناصر الخلاص الأخرى في حياته قبل إسلامه، عناصر قاصرةً أخلاقيًا ونفسيًا عن تحقيق الخلاص الكامل، لهذا السبب يناقش تحوّلَ مالكوم إلى الإسلام “الحقيقي”، موضحًا في سياق المناقشة كيف تخطّى معتقدات جماعة المسلمين السود. ويرى أن التفاعل الشخصي مع المسلمين قد مكّن مالكوم من إدراك الأبعاد الثورية للمفهوم الإسلامي لوحدانية الله. فالبيض الذين يقفون أمام الإله الواحد ليسوا أناسًا بيض البشرة، وإنّما كائناتٌ بشريةٌ كاملة. وقد وقف مالكوم أمام “خالق الجميع”، وشعر أنه كائنٌ بشريٌ كامل. لقد استطاع الشعور بهذا التكامل الإنساني لأن وحدانية الله تعني قبول وتساوي البشر كافّةً أمامه.

(198)

المرأة الأمريكية بين التاريخ والفردوس

كان المسيري يلاحظ نبرةً غريبةً في شكوى بعض السيدات الأمريكيات، حتى ظنّ أن تمرُّدهُنّ ليس موجّهًا ضد ظروفهنّ الاجتماعية أو أوضاعهنّ الإنتاجية، بل إلى وضعهنّ البيولوجي ذاته. فثورة تحرير المرأة ذات الجذور الاجتماعية، كما يقول، لفحتها لفحةٌ فردوسية؛ أتت عليها وحرمتها من بعدها التاريخي، وجعلت منها تمرُّدًا فاقدًا للاتجاه والمحتوى والدلالة، وبالتالي ليس له أية فاعليةٍ اجتماعية.

ويقوم بتحليل الجذور الاقتصادية لحركة تحرير المرأة، أوّلًا، ثمّ الحديث عن النزعة الفردوسية.

بهذا المعنى، تكون السيدات في أمريكا مضطهدةً مستَغَلّةً اقتصاديًّا، وهي مثل كل الأقلّيّات، تصل إلى وعيها بنفسها في لحظةٍ من اللحظات الزمنية، وتبدأ في التمرُّد والمطالبة بحقوقها، كما فعل الزنوج من قبل.

وقبل أن يسترسل في ذكر أسبابٍ أخرى ساهمت في ظهور حركة تحرير المرأة في الغرب، يذكر أن نظام الاقتصاد الرأسمالي ليس مجرّد عمليةٍ إنتاجيةٍ ميكانيكيةٍ تتمّ خارج الإنسان وبمعزل عنه؛ وإنما هو وضعٌ نفسيٌ وموقفٌ عاطفيٌ وتصوّرٌ محدّد للنفس البشرية، وبما أن الإنتاج مرتبطٌ بنموذجٍ إنسانيٍ محدّد، فإن نمط الإنتاج الرأسمالي مسؤولٌ عن كثيرٍ من السمات التي تسِم الإنسان الأمريكي.

ثانيًا: تحرير المرأة الأمريكية والفردوس

هذا جوهر الفارق بين نقد المسيري للحداثة الغربية ونقد فلاسفة الغرب، وعلى رأسهم مدرسة فرانكفورت؛ ففي حين سلك - رحمه الله - إشكالاتِ الحداثة باعتبارها تجلّياتٍ وتعبيراتٍ متنوعةٍ عن ظاهرةٍ واحدة، تعاملت مدرسة فرانكفورت ـ مثلًا ـ مع كلّ تعبيرٍ باعتباره ظاهرةً مستقلةً بذاتها. لذا، عبّر مشروع المسيري عن

(199)

رؤيةٍ واضحةٍ للإنسان، ونسقٍ أخلاقيٍ مُطّردٍ منسجم، بعكس اضطراب أصحاب الإضافات المتشظّية التي تدور في دائرةٍ عبثيةٍ لا مخرج منها.

مفكّرو حركة تحرير المرأة، شأنهم شأن المهيمنين على النظام الرأسمالي، يبتعدون عن أي مفهوم للطبيعة البشرية التاريخية، حتّى يمكنهم فرض أي تلفيقاتٍ فلسفيةٍ منطقية، ومن ثم القضاء على أي إمكانيةٍ للتسامي.

يخلص إلى أنّه ثمّة تيّارٌ بورجوازيٌ قويٌّ يسري في كتابات حركة تحرير المرأة، بل إن حجر الزاوية في معظم تلك الكتابات هو المفهوم البورجوازي للطبيعة البشرية، فالنظام الرأسماليّ قد حوّل الأشياء إلى سلعٍ، بما في ذلك الإنسان، فالإنسان هو الآخر سلعةٌ تُباعُ وتشترى في الأسواق حسب قوانين العرض والطلب المطلقة، ومن هنا ظهر مفهوم روسو عن “الإنسان الطبيعي” الذي يسير في الغابة، وهو يصفر بسعادةٍ شديدةٍ وواضحة، ثمّ يقرّر فجأةً أنه من المستحسن إبرام عقدٍ بينه وبين الآخرين لتكوين ما يُسمّى بالدولة.

والطريف أن حركة تحرير المرأة تنادي بشيءٍ ثم تنتهي بنقيضه (الرغبة في الفردوس الأرضي تؤدّي عادةً إلى الجحيم!)؛ فزعماء الحركة ينادون بإلغاء عقد الزواج التقليدي، لتحقيق أكبر قسطٍ من الحرية، وفي الوقت ذاته يدافعون عما يمكن تسميته بـ “عقد الزواج الشامل”. وهو عقد يشبه من بعض الوجوه عقد استئجار شقةٍ أو شراء أرضٍ.

(200)