فهرس المحتويات

 

 

الفهرس

مقدمة المركز5

مقدمة7

الفصل الأوّل:

الغرب في الحياة الإسلامية (التأثّر)17

الفصل الثاني:

الاتجاهات الإسلامية الباكرة نحو المشروع الغريبي83

الفصل الثالث:

تطوّر الاتجاهات الإسلاميّة نحو المشروع التغريبي123

خاتمة162

مراجع الدراسة164

 

(3)

مقدمة المركز

تهدف سلسلة «نحن والغرب» إلى إحياء وتفعيل الحركة المعرفية والنقدية حيال قيم الغرب في الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.

تقوم منهجية هذه السلسلة على تظهير أعمال مفكرين وعلماء من الذين أثروا الثقافة العربية والإسلامية بإسهامات نقدية وازنة في سياق المساجلات والمناظرات مع الأفكار والمفاهيم الغربية ولا سيما منها التي ظهرت بالتزامن مع تدفقات الحداثة وما رافقها من عمليات توسع استعماري إلى بقية العالم.

إن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية إذ يقدّم هذه السلسلة إلى القرّاء يحدوه الأمل بأن يُسهم هذا المسعى المعرفي في تنشيط فضاءات التفكير النقدي وتأسيس مناخات فكرية جادّة في العالمين العربي والإسلامي.

 * * *

يندرج هذا الكتاب ضمن سلسلة "نحن والغرب" ويتناول إشكاليات العلاقة بين التغريب ومقاومة التبعية للغرب.

يتركز عمل الباحث هنا حول جدلية التأثر والتحرّر التي حفلت بها حلقات السجال والنقاش في الفكر العربي الإسلامي الحديث. كما يتطرّق إلى موقف النخب الإسلامية من المشروع الثقافي الغربي، حيث تتعدد مواقفها، في حين يُشير إلى أن هذه المواقف جميعاً تقع بين نهجين متناقضين: نهج التأثر بالقيم الغربية وتمثّلها، ونهج مقاومة الفكر الكولونيالي الغربي، والدعوة إلى التحرر من هيمنته.

والله ولي التوفيق

المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية

(5)
(6)

مدخل

يكاد يتّفق أصحاب الاتجاه الإسلاميّ على أنّ ما تعرّض له العالم الإسلاميّ في القرنين الـ19و 20 من موجة احتلال عسكريّ واسعة وممتدّة لأكثر من قرن من الزمان لم يكن غزوًا عسكريّاً أو اقتصاديّاً فقط، ولم يكن ذا أهداف مادّيّة بالمعنى الحرفيّ، بل امتدّ هذا التأثير إلى الثقافة الإسلاميّة أيضًا، وما تشير إليه لفظة الثقافة من جوانب الحياة الاجتماعيّة والعلميّة والسياسيّة في وطنها الإسلاميّ وبيئتها الحضاريّة، وقد يقع الخلط هنا بين الغاية والوسيلة في الاستعمار؛ لأنّ خطط الاستعمار الكبرى في القرنين الماضيين كانت الأكثر حدّة وخطورة على الإنسانيّة خلال هذه الفترة، وقد اختلطت فيها غاية المستعمر ووسيلته، فما كان وسيلة المستعمر في وقت ما، أصبح غاية له في وقت آخر.

وخلصت المدرسة الإسلاميّة إلى تسمية المعركة التي قادها الاستعمار الغربيّ ـ آنذاك وما زالت مستمرّة بأشكال وصور متعدّدة أخرى ـ بالغزو الفكريّ أو الغزو الثقافيّ، وقد كان هدفها بالأساس هو تحقيق «الهيمنة» بصورة كاملة على البلدان المسلمة، وذلك من خلال تهيئة العقول المسلمة للأفكار الغربيّة، بل والادعاء بأنّ خلاص تلك البلدان لا يكون إلا باتباع تلك الأفكار المستوردة وما تحمله من قيم وتصوّرات ومفاهيم في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والثقافة، وكلّ ما من شأنه التمكين للمستعمر وتسهيل مهمّته الاستعماريّة العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

والهدف الثاني للغزو الفكريّ أو الثقافيّ هو تحقيق «التبعيّة» حال رحيل المستعمر وذهابه، حيث أيقن أنّه لا يمكن أن يستمرّ في احتلاله العسكريّ إلى ما لانهاية، وهذا ما أفرزته السنن الاجتماعيّة وحياة الشعوب. فكأن هذا النوع من الغزو يهدف إلى إبقاء هذه الدول المستعمرَة في حالة «تبعيّة» دائمة على المستوى السياسيّ

(7)

والاقتصاديّ، وقد نجحت هذه النظريّة وحقّق الاستعمار – إلى حد-ّ بعيد- هذا الهدف في عالمنا الإسلاميّ بعد مرور ما يقرب من قرن من اتفاقات الاستقلال(!!)، وقد ظنّت الشعوب بأنّها «اتفاقات» حقيقيّة وأنّه «استقلال حقيقيّ».

ومهما يكن من تباين المصطلحات التي استُخدمت لوصف تلك المعركة الفكريّة سواء أكانت «غزواً فكريّاً» أو «غزواً ثقافيّاً» أو «إحلالاً ثقافيّاً» أو «تغريباً»، وهذا الأخير هو الأكثر عموميّة وشموليّة، إلّا أنّ مضمون تلك المصطلحات الثقافيّ والفكريّ هو تعبير متشابه إلى حدّ التطابق لجوانب هذه المعركة الفكريّة ونتائجها على المشهد الفكريّ والثقافيّ والاجتماعيّ الإسلاميّ.

ومن الضروريّ أن نؤكّد على أنّه لا يمكن إغفال الإكراهات المعرفيّة والثقافيّة التي مارسها الاستعمار في تلك «المعركة الفكريّة» التي خاضها ضد الشعوب المُستعمَرة، واستخدم فيها كافّة الوسائل والطرق وأساليب الترغيب والترهيب، والقهر والإغراء من أجل إخضاع تلك الشعوب ثقافيّا وحضاريًا، والتلاعب بخصوصيّاتها الثقافيّة والطعن في مقوّماتها الحضاريّة والعبث بها، مستخدمًا أدواته المتقدّمة في هذا الغزو. وهذه الحالة أسماها هربرت تشيللر «الهيمنة الثقافيّة» والتي يصنّف فيها – بحسب النظام العالميّ – العالم إلى قسمين أو نقطتين: المركز وهو (الغرب)، والهامش وهم الباقون، وتعرّف «الهيمنة الثقافيّة» بأنّها «جماع العمليّات التي تستخدم لإدخال مجتمع ما إلى النظام العالميّ الحديث، وكيف تتمّ استمالة الطبقة المهيمنة والضغط عليها وإجبارها كي تشكّل المؤسّسات الاجتماعيّة في اتساق مع قيم المركز في النظام العالميّ أو الترويج لها»[1].

وكانت العولمة ـ والتي ظهرت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ـ امتدادًا لتلك المعركة الفكريّة التي رسمت خارطة لمشروع تغريبيّ تبلور في عمليّة الغزو الفكريّ لعالمنا الإسلاميّ، وكانت صوّرتها وتابعتها كثمرة لتلك العمليّات الباكرة في القرن الـ19، 20.

(8)

إنّ المشروع الفكريّ الاستعماريّ استهدف عدّة أبعاد أساسيّة في العالم الإسلاميّ هي:

 1. الأبعاد السياسيّة ومفادها: تغيير المفاهيم السياسيّة وفصل الدين عن السياسة في مرحلة ما، ثمّ فصل الدين عن شؤون العمران كلّها.

2. الأبعاد الاجتماعيّة ومفادها: تغيير القيم الأصيلة واستبدالها بالقيم الغربيّة الوافدة التي تنطلق من المفهوم المادّيّ للحياة وتغييب / استبعاد الجانب الغيبيّ تمامًا.

3. الأبعاد المعرفيّة والفكريّة ومفادها: تحوّل العقل المسلم في منهجيّة تفكيره من الانطلاق من نموذجه المعرفيّ التوحيديّ إلى الانطلاق من النموذج المعرفيّ المادّيّ ومفاهيمه وتصوّراته التي نبتت في بيئة مناقضة للبيئة الإسلاميّة من حيث المفاهيم والقيم والتصوّرات، ومن ثمّ نقل صراعات العقل الأوروبيّ إلى العقل المسلم وقضاياه وإشكالاته بما يصرف العقل المسلم عن قضاياه الحقيقيّة وإشكالات نهضته وواقعه.

إشكاليّة الدراسة

 لقد كان لحادث التقدّم الغربيّ بالإضافة إلى ما ركن إليه العقل المسلم من الجمود والتقليد دور أساسيّ في سؤال البحث عن التحرّر في الفكر الإسلاميّ الحديث والمعاصر، والذي حاول فيه المفكّرون البحث عن الإجابة عن  تساؤل «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟»، وذلك بعد الانبهار الكبير بالغرب ونهضته العلميّة والصناعيّة، وما ترتّب على ذلك الانبهار ـ عند البعض ـ بمحاولة إسقاط مقدّمات نهضة المجتمع الغربيّ بظروفه وبيئته وتاريخيّة حضارته على المجتمع الإسلاميّ، واستيراد أدواته الفكريّة والمعرفيّة دون النظر إلى البيئة الحضاريّة الإسلاميّة وبنيتها الثقافيّة والمجتمعيّة والعقديّة ورؤيتها التوحيديّة، بالإضافة إلى قناعة فريق من المسلمين بطريق الغرب ومبادئه مخلصًا لحالة التراجع الحضاريّ والجمود الفكريّ والتقليد السائد.

(9)

ومن ثمّ وقع المسلمون في مسارين مختلفين في اتجاه السير، اتجاه نحو «التأثّر» بالغرب ومشروعه الفكريّ، والذي رأى فيه المخلّص من الحالة الراهنة للعالم العربيّ والإسلاميّ، ومضمون هذا الاتجاه هو ضرورة التبنّي الكامل للنظام القيميّ والمعرفيّ والثقافيّ الغربيّ، والتحرّر من أسر التراث والمرجعيّات الفكريّة الذاتيّة، وضمّ هذا الاتجاه تيارات متعدّدة تتباين درجة قربها أو بعدها من هذا المقياس الذي حدّده الروّاد الأوائل لهذا الاتجاه في بداية الاحتكاك بالحضارة الغربيّة، وتحديدًا منذ الحملة الفرنسيّة ومشروع محمّد علي الصناعيّ.

الفرضيّة التي يقيم عليها هذا الفريق رؤيته في الانحياز إلى المشروع التغريبيّ هي «أنّ هناك تعارضًا بين تحقيق الهويّة وتحقيق الحضارة، وبين التراث العربيّ، وبين الحداثة الراهنة [بمعناها التبعيّ].. والإيمان بعالميّة الحضارة، وخطية التاريخ، وأنّ تأخّر العرب كامن في تمسّكهم بثقافتهم والقيم النابعة منها»[1].

والفريق الثاني في المسلمين هو الذي توجّه نحو قضيّة «التحرّر» من تبعات المشروع التغريبيّ الذي تحوّل مع الإكراهات الغربيّة من جانب، والاستبداد والتقليد والجمود في الداخل الإسلاميّ من جانب آخر إلى واقع مفروض في السياسة والتعليم والثقافة، ومضمون هذا الاتجاه يقوم على فرضيّة أنّ الإقلاع الحضاريّ للأمّة لا يمكنه أن يكون إلاّ من خلال مرجعيّتها الحضاريّة وبمنهجيّة نشاطها الحضاريّ الذي بدأته منذ أربعة عشر قرنًا، وفي جملة واحدة «إنّ نهضة مجتمع ما تتمّ في الظروف العامّة نفسها التي تمّ فيها ميلاده، كذلك يخضع بناؤه وإعادة هذا البناء للقانون نفسه»[2].

في ضوء ما تقدّم، فإنّ إشكاليّة هذه الدراسة تتمحور في البحث عن مساري (التأثّر والتحرّر) في الفكر الإسلاميّ الحديث وموقف المسلمين من المشروع التغريبيّ، وهو ليس طريقًا واحدًا كما ذكرنا؛ بل سبل شتى، تقع ما بين النهجين النقيضين: التأثّر

(10)

والتحرّر. ومن ثمّ فالدراسة التالية تبحث في تلك المواقف وبعض تفصيلاتها، وتطور المواقف الإسلاميّة عبر قرنين من الزمان، وذلك من خلال العناصر الآتية:

  - الوقوف على طبيعة المسار التغريبيّ ونشأته في الواقع الإسلاميّ.

  - التعرّف على الأدوات الخارجيّة والداخليّة للمشروع التغريبيّ في الواقع الإسلاميّ.

  - إدراك جوانب التأثّر في الواقع الإسلاميّ من المشروع التغريبيّ.

  - الوعي بما حقّقه المشروع التغريبيّ في الواقع الإسلاميّ ونقده.

  - الوقوف على طبيعة ونشأة المواقف الرافضة للمشروع التغريبيّ.

  - تحليل اتجاهات مسار «التحرّر» من المشروع التغريبيّ.

  - تحليل أفكار مواجهة المشروع التغريبيّ في الواقع الإسلاميّ.

  - بيان آليّات مسار «التحرّر» الفكريّ من التبعيّة التغريبيّة.

  - الوقوف على ما حققه مسار «التحرّر» في البناء الذاتيّ الحضاريّ للأمّة.

منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة في طريقة التناول والتحليل والنقد -لمساري التأثّر والتحرّر- على «نماذجيّة» العيّنات المختارة، حيث إنّه من الصعب حصر كافّة عناصر المجتمع الأصلي ومكوناته بهذين المسارين، نظرًا لتمدّده زمنيًّا وفكريّاً من ناحية، ولحجم الدراسة الحاليّة من ناحية أخرى، ولكن حاولت الدراسة رصد أهمّ العيّنات الممثلة للاتجاهات والرؤى المختلفة والمتعدّدة الواردة في مجتمعها الأصليّ.

(11)

مفاهيم الدراسة

من المفاهيم الواردة بشكل أساسيّ في الدراسة يمكن ذكر الآتي:

1. التغريب

 «التغريب» واحد من المفاهيم التي تعبّر عن تأثيرات الفكر الوافد في العصر الحديث مثل: الاستلاب، الغزو الثقافيّ، الهيمنة الثقافيّة. و«التغريب» في معجمنا اللغوي يشير إلى: حالة الغربة / الانفصال / الارتحال / النزوح/ الغياب / الاختفاء/ البعد...

ويبدو «التغريب» الأكثر فاعليّة في العوامل التي أثّرت في حركة العقل المسلم في القرنين الماضيين (19و20)، وذلك لما أنتجه مشروعه الفكريّ من تباينات حادّة في العقل المسلم وفي تصوّراته ومفاهيمه، والتي انعكست بدورها على منظومته الفكريّة وطريقة تصوّره للأحداث والوقائع وتفسيره لها، وهو ما يشير إليه طارق البشرى بقوله: «إنّ من أخطر وجوه الإفساد القيميّ في هذا الشأن، أن ما كان يعتبر عاملاً داخليًّا صار يعتبر عاملًا خارجيًّا في تقويم أحداث التاريخ نفسه، وانعكس الوضع، فصار ما هو عامل خارجيّ كالحملة الفرنسيّة على مصر، صار يعامل أحيانًا كما لو كان عاملًا داخليًّا، وذلك عندما ينظر إليه بعض الباحثين باعتباره عنصرًا مساهمًا وباعثًا للنهوض والتقدّم. وقد تمّ هذا التقويم تحت إملاء المفهوم السائد عن «وحدة العصر» بالمعنى الأمميّ والحضاريّ، وما ترتب على ذلك من اغتراب والتحاق برباط التبعيّة مع الغرب، والالتحاق المعنيِّ هنا ليس التحاقاً مادّيًّا ولا سياسيّاً ولا اقتصاديّاً، ولكنه التحاق يتعلّق بالوعي»[1]، ويضيف البشرى موضحًا اتصالَ واستمرارَ حركة التغريب وتغييب الوعي وتحقيق الانفصال عن الجذور والتاريخ والتشتت الحضاريّ بقوله: «وأحسب أنّ القيمة السائدة لدينا الآن عن «المعاصرة «أو «وحدة العصر الحديث» بمعناها الأمميّ والحضاريّ هي من أسّس ما يُروّج من قيم ومفاهيم

(12)

تنتج اختلاطَ الوعي بالذات. وهي من أسّس ما نعاني من اغتراب واستلاب حضاريّ. ولا يقتصر أثرها على إفساد نظرنا إلى واقعنا ووقائعنا من منظور خاصّ بنا ومتميّز، ويرعى صالحنا الحضاريّ والمادّيّ، ولكنّه يمتدّ إلى نظرنا إلى ماضينا، فيعيد تشكيله على غير ما قام في الواقع الماضي. كما أنّه يقيم التبعيّة والتجزّؤ، لا في الواقع وحده ولكنّه يقيمها في الوعي ذاته»[1].

كما سار المشروع التغريبيّ عبر نسق منهجيّ يهدف إلى استيعاب النخب العلميّة المنتمية إلى الثقافات الأخرى عبر عدّة آليّات هي: التثاقف (تحقيق رغبة رحيل المهاجر من ثقافته إلى قيم الغرب، ومن سلوكيّات ثقافته الأصليّة، إلى قيم الغرب وسلوكيّاته) والتدامج (التحوّل الفعليّ إلى ثقافة الغرب وسلوكيّاته) والتشتيت (الفقدان الكامل للهويّة الأصليّة). [2] وهو ما يتوافق مع وجهة النظر الغربيّة لمعنى التغريب والذي يعني «أنّه يجب على أيّ دولة تريد أن تصبح غنيّة وقويّة، أن تتعلّم كيف تعيش وتفكّر مثل الغرب»[3].

أما التغريب في نظر المفكّرين المسلمين فيهدف إلى «خلق عقليّة جديدة تعتمد على تصوّرات الفكر الغربيّ ومقاييسه، ثم تحاكم الفكر الإسلاميّ والمجتمع الإسلاميّ من خلالها بهدف سيادة الحضارة الغربيّة، وتسيّدها على حضارات الأمم، ولاسيما الحضارة الإسلاميّة»[4].

ويخلص فهمي جدعان إلى أنّ دعوة «التغريبيّين» تكمن في الخروج من الدائرة العربيّة والإسلاميّة خروجًا كاملًا أو شبه كامل، وهذا الخروج يتبلور بصفة خاصّة في التبنّي الكامل للقيم الأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة للمدنيّة الغربيّة وفي الدعوة

(13)

صراحة للارتباط بأوروبا والتبعيّة لها، [1] ويشير جلال آل أحمد إلى أن التغريب «مجموعة من الأعراض تطرأ على حياتنا في جوانبها الثقافيّة والحضاريّة والفكريّة من دون أن يكون لها أيّ جذور في التراث، أو أيّ عمق في التاريخ»[2].

والتغريب - وفق ما تقدّم - يمكن وصفه بأنّه تلك العمليّة التي تعرّض فيها العالم الإسلاميّ منذ القرن الثامن عشر ـ وما زال ـ إلى محاولة لفرض المشروع المعرفيّ الغربيّ القائم على تبنّي القيم المادّيّة، والنظرة المادّيّة للمعرفة والكون وتمثّلاتها في ميادين الفكر والعلوم الإنسانيّة والطبيعة والتصوّرات الأساسية حول الله والإنسان والكون، بل على العقل والوجدان المسلم بهدف استبدال النموذج المعرفيّ الغربيّ بالنموذج المعرفيّ التوحيديّ.

2. الاستلاب

الاستلاب أحد الآثار الفكريّة الناتجة عن الاستعمار الذي استطاع اختراق جدارنا المعرفيّ، وإرغامه على «أن يشتري (الأشياء) من الغرب وتبنّي مقاييسه، ومعاييره، وتمثّل أفكاره حَسَنها ورديئها والتي تهدّد شخصيّة العالم الإسلاميّ وبقاءه»[3]. والاستلاب يتمدّد في البنية المعرفيّة والثقافيّة حتى يحوّل معتنقيها إلى مسوخ ومتشبّهين لا أصل لهم ولا جذور كما يقول علي شريعتي «...إن أحد الوجوه المختلفة لهجوم ثقافة الغرب على ثقافتنا: مسخ وإزهاق روح الكثير من اصطلاحاتنا. حيث إنّ اصطلاحًا أو كلمة ما تتضمن طراز عقيدتنا وتنطوي على روح ورؤية ثقافتنا وقيمنا العقديّة والمعنويّة. ومن هنا إذا أمكن مسخ أيٍّ من هذه المصطلحات وتدميرها، فسوف يموت بشكل طبيعيّ ما تنطوي عليه هذه المصطلحات من فكر وروح، ويدفن محمول الكلمة المعنويّ»[4].

(14)

3. التجديد

التجديد فعل يسعى إلى استعادة الشيء كما كان على أصله، أو تجديده بعد البلاء، فالجِدَةُ مصدر الجديد، وتجدّد الشيء صار جديدًا، وأجَدَّهُ وجَدَّده واستَجَدَّه أي صَيَّرهُ جديدًا، والأجدَّانِ والجديدان هما: الليل والنهار؛ لأنّهما لا يبليان أبدًا. والجِدِّ إنّما هو الاجتهاد في العمل[1]. وجدّدت الثوب إذ قطعته على وجه الإصلاح. وفي القرآن {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق:15] إشارة إلى النشأة الثانية، وقوله تعالى على لسان منكري البعث (أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا) [الإسراء:98] أي الإحياء والبعث والإعادة على الهيئة الأولى.

 إن التجديد بهذه المعاني يكون على عدّة وجوه، أوّلها: أنّ هناك شيئًا موجودًا بالفعل يُطلب له التجديد، وأنّ التجديد إمّا أن يكون بغرض الإصلاح أو بغرض العودة إلى نشأة الشيء الأولى التي كان عليها والأقرب إلى الوجود الأوّل، والتجديد كذلك إنّما هو بعث وإحياء على الطريقة الأولى.

 إن البعث والتجديد من سنن الكون والخلق، فما من شيء يظلّ على حاله، فالكون في حالة تغير دائم، والتغير سنّة ماضية في النفس والمجتمع والتاريخ، والصعود والهبوط من السنن، والقيادة الحضاريّة والانزواء سنن كونيّة لا تحابي أحد، و«الوسطيّة» و«الشهود» سنن أيضًا لو التزمت بها الأمّة تحقّقت فيها، وإن غابت عنها لغابت هاتان الصفتان أيضًا.

إنّ فعل التجديد يرتبط بطبيعة الإسلام ذاته، فالإسلام كما يصفه إقبال «حركة ثقافيّة يرفض ما اصطلح عليه القدماء من اعتبار الكون مارًّا ثابتًا، فالكون متحرّك متغيّر»؛ ولهذا أقرّ الإسلام والنبوّةُ الهاديةُ منذ البدء فعل «الاجتهاد»، فهو الوجه الآخر للتجديد، وهو استمراريّة لوظيفة الاستخلاف وتأدية الأمانة.

(15)

ومن ناحية أخرى ارتبط مفهوم «التجديد» بالحالة الحضاريّة للأمّة في التحرّر من التبعيّة للغرب، ومحاولة بناء نهضة إسلاميّة معاصرة تنطلق من الذات ومرجعيّتها الأصيلة تعتمد على تجديد التعامل مع المصادر والأصول الإسلاميّة التي تمثّل أسس التحضر الإسلاميّ وعماده.

أقسام الدراسة

تنقسم الدراسة إلى ثلاثة فصول بالإضافة إلى المقدّمة المنهجيّة (منهجيّة الدراسة وإطار المعالجة)، الفصل الأول يناقش بدايات التغريب الأولى، وطبيعة التأثّر بالغرب وأدواته ووسائله، واختراقات التغريب لواقع المسلمين الفكريّ والثقافيّ والمتأثّرين بالتغريب وأنصاره في الواقع الإسلاميّ، والفصل الثاني: اتجاهات المسلمين الباكرة نحو المشروع التغريبيّ، أما الفصل الثالث فيتناول اتجاهات الوعي والبعث الإسلاميّ والدعوة إلى التجديد الحضاريّ باعتباره آليّة لمواجهة التغريب ومشروعه وبيان نقائصه وقصوره من ناحية، وبعث الداخل الإسلاميّ للوقوف على ذلك وتطوير الذات وأدواتها الحضاريّة کما يتناول اتجاه التحرّر الفكريّ والاستقلال الحضاريّ ومعالم هذا التحرّر وذلك الاستقلال وأدواتهما.

(16)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الغرب في الحياة الإسلاميّة (التأثّر)

(الأدوات ـ الوسائل ـ الاختراق)

(17)

 

تمهيد

 يتناول هذا الفصل مشهد التأسيس للمشروع التغريبيّ الذي صمّمه الغرب، وأعدّ خارطته الفكريّة والزمنيّة لتنفيذه في عالم المسلمين، وفي ضوء ذلك نحلّل أفكار الاستعمار الأولى في هذا المخطط، والأصول الفكريّة التي قام عليها هذا المشروع، ومقاصده وغاياته، وبعضاً من ملامح خطته النفسيّة للتعامل مع الشعوب المستعمَرة بما يسهّل تنفيذ خططه وتوجيهها بحسب المتغيّرات والظروف، بالإضافة إلى تناول أدوات هذا المشروع التغريبيّ وبيان مسارات عمله وحصاده في العالم الإسلاميّ. ينقسم هذا الفصل إلى أربعة محاور لتغطية هذه المضامين المعرفيّة: المحور الأول يتضمن: الاستعمار: الأصول الفكريّة والمقاصد، والمحور الثاني بعنوان: الأدوات الخارجية للاستعمار، والمحور الثالث: يشمل سُبل التغريب وأدواته الداخلية في العالم الإسلاميّ، أما المحور الرابع: فيتناول حصاد التغريب في الحياة الاجتماعيّة الإسلاميّة.

 

المحور الأول:

الاستعمار: الأصول الفكريّة، والمقاصد

نبحث في هذا المحور بدايات الاحتكاك الأوّل بين المسلمين والغرب في العصر الحديث، وشكل هذا الاحتكاك وطبيعته وتطوره إلى استعمار ورغبة في الغزو الحضاريّ، والتخطيط لهيمنة وسيطرة طويلة الأمد من الغرب على العالم الإسلاميّ، ونناقش في هذا المحور ثلاثة عناصر رئيسة هي: الأصول الفكريّة لحركة الاستعمار، ومقاصد الاستعمار، وسيكولوجيّة الاستعمار في التعامل مع الشعوب المستعمرة، وخطته النفسيّة لحركته الاستعماريّة ومشروعه التغريبيّ.

(18)

أولًا: الأصول الفكريّة

بدأ الاحتكاك بين المسلمين والغرب في العصر الحديث مع الحملة الفرنسيّة
(1798-1801)، وهو العصر الذي بدأ ببزوغ عصر النهضة الأوروبيّة والتخطيط الاستعماريّ الغربيّ للعالم الإسلاميّ، وهذا العصر يقابله عند المسلمين حصاد الجمود والتقليد والترف وغياب الاجتهاد وتوقّف التطوّر الذاتيّ، وضعف شبكة علاقاته الاجتماعيّة وتفسّخها في ظلال الضعف العامّ الذي لحق بدولة الخلافة العثمانيّة (1299-1924)، وضعف حركة الإصلاح الذاتيّ لمعالجة الآفات الموروثة.

وبينما كان هناك نظر إسلاميّ يترقّب تمهيدات النهضة الأوروبيّة في موقع الخلافة في تركيا، ويحاول الاقتراب أو بالأحرى استيراد جوانب من التطوّر الحادث، كان ردّ الفعل الغربيّ عنيفًا جدًا في أطراف الخلافة وقلبها، والتي بدأت في العالم العربيّ بمدافع نابليون على القاهرة، وخيوله في الأزهر الشريف، وصاحب هذه المدافع أقلام ومطابع الاحتلال وأفكاره، ففي حين كانت «الفكرة» تغيب في المجتمع الإسلاميّ وتتراجع مكانتها، جاءت «الفكرة الفرنسيّة» لتحلّ محلّ «الفكرة الإسلاميّة».

 لقد أصبحت الأفكار لا تتمتّع في المجتمع الإسلاميّ بقيمة ذاتيّة بحيث تجعلنا ننظر إليها بصفتها أسمى المقوّمات الاجتماعيّة، وقوّة أساسيّة تنظّم وتوجّه قوى التاريخ كلّها، وتعصمها بذلك من محاولات الإحباط مهما كان نوعها. وهذه الثغرة تعود في تكوينها إلى شيء من التخلّف في تطوّرنا الاجتماعيّ[1]

 بدأ الاحتكاك العنيف مع الحضارة الجديدة والضمير الإسلاميّ في أسوأ ظروفه، فأوروبا، رجّحت قيم الفعاليّة على قيم الأصالة في أسلوبها الاستعماريّ، ومنذ ذلك الحين أضحى لعالمها الثقافيّ وجهان: وجه يلتفت إلى ذاتها بأخلاقيّاته الخاصّة به، ووجه يتلفت نحو العالم، وهمّه الوحيد الفعاليّة. والنخبة المسلمة التي تكوّنت

(19)

عبر الجامعات الأوروبيّة لم تر غير وجهٍ واحد، أمّا وجهها الآخر، فقد حُجب عنها؛ كما يُحجب وجه القمر الآخر عن سكان الأرض. من هنا كان في تكوينها خلط يرثى له بين مظهرين متميّزين لفكرة واحدة: أصالتها، وفعاليّتها. وهذا الخلط في نفسيّة النخبة المسلمة الحاضرة: هو النواة التي تتجمع حولها سائر دسائس ومناورات الصراع الفكريّ[1].

لقد فطن الغرب من خلال قراءته للحضارة الإسلاميّة والتاريخ الإنسانيّ بدور الفكرة وأثرها العميق في التغيير؛  لذلك فإنّ رمزيّة (المطبعة، والأوراق، والعلماء) في حملة نابليون بونابرت (1769-1821) على مصر والشام لا تخلو من معنى عميق يستبطن في داخله ارتفاع قيمة الفكرة في المجتمع الأوروبيّ الاستعماريّ الجديد، في مقابل تراجع تلك القيمة في المجتمع الإسلاميّ الحضاريّ، وهو ما يعني أيضًا أنّ القادم ليس مجرّد مدافع وهيمنة عسكريّة وسياسيّة وتقسيم غنائم ونهب مواد خام، وفتح أسواق استهلاكيّة جديدة، وذلك ما تعلمه العربيّ في برنامجه التربويّ والتعليميّ، وهو حقّ ولكنّه ليس وحد، بل هناك أيضًا مستهدف، وهو عقل الإنسان ووجدانه أي»الإنسان المُستعمَر» الذي يخلف الاستعمار عند الرحيل.

إنّ النظر الأوليّ لبدايات الاتصال أو الغزو بمعناه الواقعيّ التاريخيّ، يظهر لنا عمق النظرة التي امتلكها العقل الاستعماريّ حيال الشرق والإسلام، ويظهر ذلك في أدواته التي استخدمها في هذا الغزو الحضاريّ والتبديل التاريخيّ لعلاقات الأمم والشعوب، كما يظهر أيضًا في استجابة الأدوات الداخليّة الذاتيّة لتلك الشعوب نحو أهداف الاستعمار الفكريّة والثقافيّة المرئيّة منها وغير المرئيّة.

كانت الحملة الفرنسيّة (1798-1801) أولى موجات الصدام بين الغرب والمسلمين، وهي أقدم موجات الاستعمار الأوروبيّ، كما أنّه كان أسوأه وأقساه بما مهّد به لاحتلال الشرق معرفيًّا وفكريّاً، كما ساهم في تفاقم إشكالاته الحضاريّة التي كان يعاني منها،

(20)

حيث أرسى أعمدة القطيعة التاريخيّة والحضاريّة بين المسلمين وبين تراثهم الفكريّ والعقديّ، وتغلغل في الحياة الاجتماعيّة بصورة مثّلت الريادة للاحتلال الأوروبيّ والهيمنة الثقافيّة وتأكيدَ مشروع التغريب الثقافيّ.

 إنّ بدايات التغريب الأولى في مصر والعالم الإسلاميّ بدأت بهذه الموجة الاستعماريّة ـ الحملة الفرنسيّة ـ وإذا كنّا نشكو من اختراق القانون الغربيّ لمناطق سيادة الشريعة الإسلاميّة منذ تسلّل هذا القانون ـ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ـ إلى «المحاكم القنصليّة» ثمّ إلى «المحاكم المختلطة»، ثم تمدّدت يده إلى القضاء الأهليّ على يد الاستعمار الانجليزيّ، وخاصّة اللورد كرومر (1841-1971) منذ (1883)..إنّ بواكير هذا الاختراق الذي داهم شريعتنا وفقهنا الوطنيّ، حتى أجلاها عن أغلب ميادين التشريع والقضاء في بلداننا الإسلاميّة.. إن بواكير هذا الاختراق قد كانت من آثار الحملة الفرنسيّة على مصر»[1]. لقد كان مخطط المشروع الفرنسيّ هو «تفتيت الأمّة، وعلمنة الإسلام، وفَرْنَسة اللغة، وإحلال القانون الفرنسيّ محلّ الشريعة الإسلاميّة وفقه معاملاتها، وبذلك تندمج العادات والأعراف الأصيلة في المجتمع الإسلاميّ بالقانون الفرنسيّ، وهو ما طبّقته سلطات الاستعمار الفرنسيّ بالمغرب العربيّ»[2].

إن المطبعة التي جاء بها الاستعمار الفرنسيّ ـ والتي روَّج لها التغريبيّون الأوائل ـ إنّما جاءت لإحكام السيطرة على المصريّين، وترسم نموذجًا مخططًا للهمينة على عقل الإنسان في العصر الحديث ووجدانه، استخدمت الحملة المطبعةَ في المنشورات التي توجّهها إلى المصريّين لتزييف غايات الاحتلال وتزيينه، وكانت أولى هذه المنشورات ما وجّهه نابليون إلى الشعب المصريّ مدّعيًا فيه أنّه جاء مخلّصًا لهم من الظلم، وحافظًا للملّة من الضياع، ومحدثًا دولتهم من التخلف، ويشير محمّد سيّد محمّد إلى أهمّ المضامين ـ التي لم يذكرها المنشور ـ على وجهها الحقيقيّ، وذلك من خلال تحليل

(21)

مضمون هذا المنشور وأهدافه برؤية إعلاميّة للمنشور بصفته إعلام المستعمِر لشعب مستعمَر، وجاءت نتائج هذا التحليل الكيفيّ كما يأتي[1]:

  1. اصطناع التناقض والخلاف بين المصرييّن والمماليك، والتنبيه المستمر إلى سلطة المماليك المستبدّة الظالمة، الطامعة الفاشلة التي يشكّل استمرارها مصدر خطر على مصالح المصرييّن.

  2. الترويج للحكم الفرنسيّ للبلاد، ودعوة الناس إلى قبوله باعتباره الأساس الذي يضمن معه إنهاء استبداد المماليك و«تخليص» البلاد من فسادهم، وفي المقابل يُظهر الفرنسيّين بأنّهم القوّة المخلّصة التي تحرّر البلاد.

  3. تعزيز موقفهم بالبحث عن السبيل الذي يكفل التنويم السيكولوجيّ للجماهير، بالاستناد إلى شرعيّة دينيّة تكفل هذا التعزيز، ومؤدّاها أنّهم قوّة مرسلة من الله بهدف إنقاذ البلاد وتخليصها من حكم المماليك.

  4. الحرص على قتل روح المقاومة في نفوس المصريّين من خلال الإيحاء بأنّ الحرب بينهم وبين المماليك، لا بينهم وبين المصريّين، ومن الواجب على المصريّين أن يبتعدوا عن هذه المواجهة، وفي هذا الابتعاد خير لهم ومصلحة وعلوٌّ في الرتب.

  5. التوجّه إلى القوى المؤثّرة في حركة المجتمع والتي يسهم بعضها في تشكيل الرأي العام، فمرّة يخاطب المشايخ والقضاة، وأخرى يخاطب الأئمة والعلماء، وذلك من أجل تقديم صورة إيجابيّة لهم عند الشعب.

كانت هذه خطة فكريّة عامّة حاول الاستعمار الفرنسيّ أن ينفّذها في مصر كما حاول في الجزائر، وكانت له نجاحات لا نستطيع إنكارها ولا يمكن تجاوزها ـ نتحدّث عنها لاحقًا في أحد محاور الدراسة ـ هكذا خطّ التغريب خطوطه الأولى: تزييف للحقيقة، بث للفرقة، عمل وسعي للهيمنة بالفكرة والمدفع، تجنيد خطوطِ دفاع عنه وهجوم من داخل الأوطان.

(22)

وكذلك سار الاحتلال في دول العالم الإسلاميّ، تحمي فكرته المدفع، ويحمي المدفع فكرته، فها هي روسيا (1917) تنادي المسلمين بالنداء نفسه: «يا مسلمو الشرق: يا إيرانيّون، يا أتراك، يا عرب، يا من مارس المغتصبون الاستعماريّون القادمون من أوروبا التجارة بأرواحكم، وأموالكم وحريتكم،.. إنّ الجمهوريّة الروسيّة وحكومتها ترفض الغزو المسلح لأراضي دولة أجنبيّة».. ثم تسير على الخطى نفسها وتمارس أبشع أنواع الاستبداد والاضطهاد على مئات الملايين من المسلمين في داخلها..هكذا استخدمت القوى العالميّة في النظام الجديد الفكرة التي تمكَّنت بها مع المدفع لتثبيت هيمنتها واستبدادها.

ثانيًا: مقاصد الاستعمار الفكريّة

تجاوزت خطط الاستعمار في رؤاها الذهنيّة ما يتعلّق بالاستعمار المادّيّ (الاقتصاديّ والسياسيّ)، وهو الوجه الظاهر للاستعمار. وقد تمثّلت أهدافه الكامنة في السيطرة على عالم الأفكار الإسلاميّ وموجّهاته الأساسيّة ومرجعيّاته العقديّة، إمّا بالإحلال الكامل لفلسفته ومرجعيّته، أو بالتشكيك في المرجعيّات الفكريّة الأصيلة لهذه الشعوب المستعمرة، أو التشويه المتعمّد للمفاهيم الثابتة والتصوّرات الراسخة في النموذج الحضاريّ لتلك الشعوب.

ـ كان الاستعمار حين اقتحم العالم الإسلاميّ في هذه المرحلة الجديدة قد أعدّ مخططه على النحو الذي يكفل له تغيير العقيدة والقضاء على مقوّماتها الأساسيّة عن طريق التعليم والثقافة، واعتبر هذه الحركة القائمة على الغزو الثقافيّ والتغريب الفكريّ هي كبرى معاركه وأعظم عوامل تثبيت قواعده، وذلك من خلال مقصدين أساسيين لعمله وهما: «إلغاء تطبيق الشريعة الإسلاميّة وإحلال القانون الوضعيّ، والسيطرة على التعليم وتحويله عن أهدافه الطبيعيّة في بقاء الإنسان المسلم، ونقض مفاهيم الإسلام وتشويهها وتحريفها، والطعن في الإسلام ومقوّماته وأركانه وثقافته، ومحاولة القضاء على اللغة العربيّة، والعمل على تغليب اللغات الأجنبيّة محلّ اللغة

(23)

العربيّة، والدعوة إلى إحلال الحروف اللاتينيّة بديلة للحروف العربيّة» [1].

- واستهدف الاستعمار -في مقاصده الفكريّة ـ وأدَ أيّ محاولة لقيام تقارب والتقاء بين البلاد المستعمرة، وذلك بإزاحة القيم الإسلاميّة الكبرى التي تحفظ للمسلمين قدرتهم على المقاومة والمواجهة والجهاد وحرب الغاصب، والاعتصام بالاستعداد والتهيّؤ الدائم لمواجهة الاعتداء»[2].

 كما هدف الاستعمار إلى القضاء على الطاقة الفكريّة والروحيّة في المجتمع المسلم، لاسيما عند تلك الفئة القادرة على مقاومته وكشفه ومواجهته والمرابطة في وجهه؛ ولذلك فإنّ مخطّطات الاستعمار في مجال الثقافة تقوم على محاولة إبطال مفعول الوجدان الروحيّ والدينيّ والنفسيّ والخلقيّ، وإعلاء شأن المفاهيم المادّيّة، وإطفاء مفاهيم الفكر والروح، والهجوم على مقوّمات الاعتقاد الإسلاميّ وأركانه ولغته وتاريخه وثقافته» [3]

 كما استهدف الاستعمار ـ أيضًا ـ إزالة الحواجز التي تقوم بينه وبين شعوب هذه البلدان من أجل السيطرة عليها بأقلّ قدر من خسائره، حيث «كانت هذه الحواجز الناشئة عن الاختلاف في الدين، وفي اللغة، وفي التقاليد، وفي العادات سببًا في إحساس الوطنيّين من أبناء هذه البلاد بالنفور من الأجنبيّ المحتل، وفي إحساس المستعمر بالغربة، بل الشعور بالخطر الذي يهدّد بقاءه ووجوده»[4]

 لذلك فإنّ الاستعمار يكثّف عمله في مجال القيم والأفكار؛ لأنّها الأكثر أثرًا وبقاءً وضمانًا للتبعيّة للمستعمر، حتى وإن رحل ظاهريًّا أو صوريًّا عن البلد المُستعمَر، ومما عمل له الاستعمار في مجال القيم أمران أساسيّان هما:

(24)

أ- إضعاف القيم الإسلاميّة: عن طريق شرح تعاليم الإسلام ومبادئه شرحًا يُضعف في المسلم تمسّكه بالإسلام، ويقوّي في نفسه الشك به كدين، أو على الأقلّ كمنهج سلوكيّ يتّفق وطبيعة الحياة القائمة[1].

ب- تمجيد القيم الغربيّة المسيحيّة في الفكر الإسلاميّ الحديث نتيجة صِلته بالاستعمار الغربيّ: فالسبيل إلى الوقوف عليه ما تراه من إبراز التفوّق الغربيّ في الصناعة وزيادة الدخل الخاصّ والعامّ الناشئ عن هذا التفوّق.. تلك الزيادة التي ترتّب عليها رفع مستوى المعيشة وتيسير أمر الحياة الإنسانيّة لدى الغربيّين. هذا التقدّم الصناعيّ هو المنقذ أو النقطة التي يبتدئ بها الغربيّون في التدليل على رجاحة التوجيه الغربيّ، وعلى سموّ مقاييس الحياة الغربيّة في السلوك الفرديّ والعادات الاجتماعيّة، وعلى أصالة القيم المسيحيّة والحضارة المادّيّة الصناعيّة التي تعدّ عنوان التقدّم، بحيث يكون تخلّف المسلمين في مجال هذه الحضارة دليلاً على تخلّف الإسلام في قيمه ومبادئه، وتقييده الإنسان في السير في هذه الحياة طبقًا لعقيدة الجبر فيه كما زعموا وأشاعوا [2].

 إنّ المعركة الفكريّة التي شنّها الاستعمار على العالم الإسلاميّ أراد بها أن يجعل من اتفاقيّات الاستقلال بعد ذلك اتفاقيّات صوريّة، حيث يسيطر على تلك الشعوب نفسيًّا ووجدانيًّا، بما يسهّل تبعيّتها  له بأقلّ مجهود مادّيّ؛  لذلك وعى الوطنيّيون تغلغل الاستعمار الفكريّ والثقافيّ في الأمّة، ورفضوا الاتفاقات والمعاهدات والخطابات التي لا تمنح الشعوب حرّيتها الحقيقيّة، وأكّدوا في ذلك أنّ الاستقلال الذي يتحقّق عن طريق الاتفاقات هو استقلال صوريّ لم يمنح الأمّة حقّها الحقيقيّ في الاستقلال الفكريّ، «فلا خير في استقلال سياسيّ صوريّ يحول بيننا وبين حقوقنا

(25)

الطبيعيّة؛ بل يقيّد استقلالنا الفكريّ والاجتماعيّ بأثقل القيود»[1].

وقد تنبّه مالك بن نبي(1905-1973م) إلى تلك العلاقة التي قصدها الاستعمار في الواقع الفكريّ والتربوي والاجتماعيّ في العالم الإسلاميّ، وطرح نظريّته في تلك العلاقة تحت عنوان (الصراع الفكريّ في البلاد المستعمرة)، وأشار في هذه النظريّة إلى أهمّ أهداف الاستعمار الفكريّة، ومبادئه، ووسائله ويذكر في هذا الصدد أنّه لا يجب أن يبقى عندنا شكّ في أنّ الخصوم الذين يتنافسون على العالم الإسلاميّ للاستيلاء على عناصر القوّة فيه سيلجأون إلى سلاح الأفكار، لأنّ قنابلهم الذرّيّة أصبحت عاجزة في المستقبل عن حلّ مشكلاتهم المعلّقة.

أما خارطة السلاح الفكريّ للاستعمار فتتضمن:

1. امتصاص القوى الحيّة: أي تلك القوى التي ينبغي عليها أن تضطلع بمهمّة مقاومته، حيث «عمل الاستعمار على امتصاص القوى الواعية في البلاد المستعمرة بكلّ الطرق الممكنة، حتى لا تتعلّق بفكرة مجرّدة، وسيحاول أوّلًا تعبئتها لحساب فكرة متجسّدة تجسّدًا تصبح معه أقرب إليه منالًا؛ لأنّه يمكنه مقاومتها إمّا بوسائل القوّة أو بوسائل الإغراء»[2].

2. قتل الفكرة المجرّدة: حيث تنبّأ أنّ الاستعمار سوف يواصل حربه ضد الفكرة المجرّدة بوسائل ملائمة فيها مرونة أكثر، ويستعين من أجل ذلك بخريطة نفسيّة للعالم الإسلاميّ، وهي خريطة تُجرى عليها التعديلات الضروريّة في كلّ يوم، يقوم بها رجال متخصّصون مكلّفون برصد الأفكار؛ إنّه يرسم خططه الحربيّة ويعطي توجيهاته العلميّة على ضوء معرفة دقيقة لنفسيّة البلاد المستعمرة، معرفة تسوّغ له تحديد العمل المناسب لمواجهة الوعي في البلاد حسب مختلف مستوياته وطبقاته.[3] 

(26)

3. مبادئ الحرب الفكريّة: ويقول في ذلك أنّ خطّة الاستعمار في عالم الأفكار تقوم على مبدأين: مبدأ الغموض ومبدأ الفاعليّة، فالمبدأ الأول يقضي بألّا يكشف النقاب عن وجهه في المعركة، إلّا إذا لم تترك له الظروف حيلة، فهو دائمًا أو غالبًا يستخدم قناع القابليّة للاستعمار، والمبدأ الثاني: ناتج عن المبدأ الأوّل في حيّز التطبيق، إذ إنّ هدف الاستعمار لا يتعلّق في الأساس بذات شخص معيّن، ولكن بأفكار يريد تحطيمها أو كفّها، حتى لا تؤدّي مفعولها في توجيه الطاقات الاجتماعيّة في البلاد المستعمرة [1].

4. تغيير عقيدة المعركة لصالحه وتفتيت القوى المقاومة: حيث تسعى خطط الاستعمار في ميدان عالم أفكار القوّة الحيويّة المقاومة إلى تحقيق هدفين: أوّلًا الحطّ من المستوى الروحيّ أو الأيديولوجيّ الذي كانت تدور فيه المعركة ضدّه، ثانيًا: تشتيت القوّة الموجودة في المعركة، والمعركة إذا ما فقدت طابعها بوصفها وحدة شاملة، فإنّها تفقد بذلك من معنويّاتها وشيئًا من قداستها في نظر الجماهير.[2] وهكذا يستطيع الاستعمار بطرق مختلفة، تحويل المعركة المقدّسة التي تنشأ بينه وبين القوى التحرّرية إلى مجرّد معركة ذاتيّة، أو على الأقلّ إلى منافسة بين تلك القوى نفسها.

ثالثًا: سيكولوجيا الاستعمار

على الرغم من أن الاستعمار في ظاهره صراع مادّيّ /عسكريّ إلا أنّ حلقة هذا الصراع مصيرها الفشل لو لم يكن هناك مواجهة فكريّة مع البلد المستعمَر، يحاول فيها القضاء على الأفكار التي تخلق الوعي وتجدّده ضدّ آلة الاستعمار وخططه. وقد ابتكر الاستعمار أدوات للمواجهة الفكريّة والنفسيّة مع العالم الإسلاميّ، وصنع له خارطة نفسيّة وفكريّة تساعده في رسم خططه تجاهه، ومن أخطر مؤامرات الاستعمار هو مؤامرته على قيمة الفكرة المجرّدة المقاومة له، والتي يراها أخطر عليه

(27)

وعلى وجوده من أيّ مجسّدات أخرى، «... فالاستعمار لن يسلك هذا الطريق فقط؛ بل إنّه سوف يواصل في الوقت نفسه حربه ضدّ الفكرة المجرّدة بوسائل ملائمة أكثر مرونة، ويستعين من أجل ذلك بخريطة نفسيّة للعالم الإسلاميّ.. تقوم برصد الأفكار بهدف توفير معرفة دقيقة لنفسيّة البلاد المستعمرة، معرفة تسوّغ له تحديد العمل المناسب لمواجهة الوعي في تلك البلاد حسب مختلف مستوياته وطبقاته... مستوى الطبقة المثقّفة... والمتديّنة... وفي أدنى مستوى له نراه يستغلّ جهل الجماهير لينشئ حول الفكرة منطقة فراغ وصمت لعزلها عن المجتمع»[1].

والاستعمار في ذلك يعمل على عزل (المكافح الفكريّ) أو المفكّر المستنير أو المثقّف المسؤول عن حلبة الصراع الفكريّ، وذلك من جانبين: الأوّل: أن ينفّر الرأي العام في بلاده من أفكاره، بجميع الوسائل الصالحة لذلك. والثاني: أن ينفّره هو نفسه من القضية التي يكافح من أجلها، بحيث يُشعره هو بعبث كفاحه.

 

المحور الثاني:

الأدوات الخارجيّة للاستعمار ومشروعه التغريبيّ

 نقصد بالأدوات الخارجيّة للاستعمار التي استخدمها في تطويع العقل والوجدان العربيّ والمسلم من خلال عمليّة «التغريب»، تلك الأدوات الباكرة التي استخدمها في تلك العمليّة وهي: الاستشراق، والتبشير، والعلمانيّة وما تتطلّبه هذه الأدوات ذاتها من وسائل لازمة لتحقيقها مثل الترجمة، مراكز البحوث، التأليف، الموسوعات، وما إلى ذلك من أمور ووسائل خادمة لهذه الأدوات كي تحقّق أغراضها، ويمكن أن نطلق على هذا النوع من الأدوات، الأدوات الخارجيّة للتغريب، وسوف نتناول هنا الأدوات الثلاثة الكبرى: الاستشراق، والتبشير، والعلمانيّة بشيء من التفصيل.

(28)

أوّلًا: الاستشراق

ـ المفهوم: الاستشراق: هو تلك الحركة البحثيّة التي أطلقها الغرب، وجعل من الشرق وعقائده وعاداته وثقافته واجتماعه وأخلاقه موضوعًا لها، والناتج من هذه الحركة البحثيّة هو نتاج معرفيّ بالأساس ظهر في صورة دراسات وأبحاث ومؤتمرات وندوات ودوريّات كلّها تناولت موضوع «الشرق» - تحديدًا «الشرق الإسلاميّ» - بالدرس والبحث، وبأدوات بحثيّة غربيّة خالصة من ابتكار العقل الغربيّ وإيديولوجيّته وتحيّزاته الفكريّة. 

ـ والاستشراق في اللغة العربيّة هو ترجمة لكلمة Orcentalism في اللغة الإنجليزيّة. ويذهب معظمالباحثين المسلمين إلى تصنيف المستشرقين إلى نوعين رئيسين (من حيث الوجهة التحيّزيّة):

ـ النوع الأوّل: هم الفئة التي درست الإسلام دراسة هدفها النيل من المسلمين والحضارة الإسلاميّة، وكتاباتهم مملؤة بالحقد والتحامل على الإسلام والمسلمين. والنوع الثاني: من المستشرقين هم الفئة التي توصف بالاعتدال.

ـ بواعث المستشرقين وأهدافهم: يمكن تحديد أهمّ بواعث عمل المستشرقين وأهدافهم من خلال العوامل الآتية[1]:

1. العامل الدينيّ: السبب المباشر الذي دعا الأوروبيّين إلى الاستشراق هو سبب دينيّ في الدرجة الأولى، فقد تركت الحروب الصليبيّة في نفوس الأوروبيّين آثارًا عميقة. وجاءت حركة الإصلاح الدينيّ المسيحيّ فشعر المسيحيّون - بروتستانت وكاثوليك - بحاجات ضاغطة لإعادة النظر في شروح كتبهم الدينيّة، فاتجهوا إلى الدراسات العربيّة الإسلاميّة، وبمرور الزمن اتسع نطاق الدراسات الاستشراقيّة ليشمل أديان ولغات وثقافات غير الثقافات الإسلاميّة وغير العربيّة.

(29)

2. عامل التبشير: حيث التقت مصلحة المبشّرين مع الاستشراق، فأقبلوا على الاستشراق ليتسنّى لهم تجهيز الدعاة وإرسالهم إلى العالم الإسلاميّ.

3. إضعاف الإسلام: لا سيّما ما يتعلّق بعمل المستشرقين اليهود، فالظاهر أنّ هؤلاء أقبلوا على الدراسات الاستشراقيّة من أجل إضعاف الإسلام والتشكيك في قيمه بإثبات فضل اليهوديّة على الإسلام، بإدعاء أنّ اليهوديّة في نظرهم هي مصدر الإسلام الأوّل، وذلك لأسباب سياسيّة تتصل بخدمة اليهوديّة فكريّاً وسياسيّاً.

4. خلق التخاذل الروحيّ: يهدف الاستشراق ـ أيضًا ـ إلى خلق التخاذل الروحيّ، وزرع الشعور بالنقص في نفوس المسلمين والشرقيّين عامّة، وحملهم على الرضى والخضوع للتوجيهات الغربيّة.

 وفيما يتعلّق بتاريخ الاستشراق، يرى محمد البهيّ (1905-1982) أنّ تاريخ الاستشراق يرجع في بعض البلدان الأوروبيّة إلى القرن الثالث عشر الميلاديّ. وربّما كانت هناك محاولات فرديّة قبل ذلك، ويكاد يُجمع المؤرخون على أنّ الاستشراق انتشر في أوروبّا بصفة جدّيّة بعد فترة «عصر الإصلاح الدينيّ» كما في هولاندا والدانمارك وغيرهما[1]. أما إدوارد سعيد (1935-2003) فيؤرّخ لبدء وجود الاستشراق الرسميّ بصدور قرار من مجمع فيينا الكنسيّ عام 1312م بتأسيس عدد من كراسي الأستاذيّة في اللغات: العربيّة، واليونانيّة، والعبريّة، والسريانيّة في جامعات باريس وأكسفورد وبولونيا، وسلامنكا[2].

أمّا مصطفى السباعيّ (1915-1964) [3] فيقول إنّه لا يُعرف بالضبط من هو أوّل غربيّ عني بالدراسات الشرقيّة ولا في أيّ وقت كان ذلك، إلا أنّه يؤكّد أنّ بعض

(30)

الرهبان الغربيّين قصدوا الأندلس في إبان عظمتها ومجدها، وتثقّفوا في مدارسها، وترجموا القرآن والكتب العربيّة إلى لغاتهم، وتتلمذوا على علماء المسلمين في مختلف العلوم وخاصّة في الفلسفة والطبّ والرياضيّات... ومن أوائل هؤلاء الرهبان، الراهب الفرنسيّ «جربرت» Jerbert  الذي انتخب بابا لكنيسة روما عام 999م بعد تعلّمه في معاهد الأندلس وعودته إلى بلاده، «وبطرس المحترم» 1092 – 1156 Pierrele Aenere «وجيرار دي كريمون» 1114 – 1187 Gerard de Gremone.

ويرى أنّه كان لهؤلاء الرهبان الدور الطليعيّ في التأسيس للاستشراق وفكرة الدرس الغربيّ للعرب والمسلمين، فبعد أن عاد هؤلاء الرهبان إلى بلادهم نشروا ثقافة العرب ومؤلّفات أشهر علمائهم، ثم أسّست المعاهد للدراسات العربيّة أمثال مدرسة «بادوي» العربيّة، وأخذت الأديرة والمدارس العربيّة تدرس مؤلّفات العرب المترجمة إلى اللاتينيّة – وهي لغة العلم في جميع بلاد أوروبا يومئذ – واستمرّت الجامعات الغربيّة تعتمد على كتب العرب وتعتبرها المراجع الأصليّة للدراسات قرابة ستة قرون.

وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين أخذ الاستشراق منحى جديدًا، وهو المنحى المؤسّسيّ في حركته البحثيّة من خلال تأسيس الجمعيّات الاستشراقيّة، وإصدار الدوريّات، ونشر الكتب، وإقامة المؤتمرات. وكان لهذه المؤسّسيّة في حركة الاستشراق مظاهر مختلفة، منها[1]:  

1. في عام 1787 أنشأ الفرنسيّون جمعيّة للمستشرقين وألحقوا بها أخرى في عام 1820، وأصدروا «المجلّة الأسيويّة».

2. وفي لندن تألّفت جمعيّة لتشجيع الدراسات الشرقيّة في عام 1823م. وأصدرت «مجلّة الجمعيّة الأسيويّة الملكيّة».

3. وفي عام 1842 أنشأ الأمريكيّون جمعيّة ومجلّة باسم «الجمعيّة الشرقيّة الأمريكيّة»، وفي العام نفسه أصدر المستشرقون الألمان مجلّة خاصّة بهم،

(31)

وكذلك فعل المستشرقون في كلٍّ من النمسا وإيطاليا والنمسا وروسيا.

4. ومن المجلّات التي أصدرها المستشرقون الأمريكيّون في هذا القرن مجلّة «الدراسات الشرقيّة»، وكانت تصدر في ولاية أوهايو، ولها فروع في كلٍّ من لندن وباريس وليبزج.

5. ومن الدوريّات التي لها طابع استشراقيّ سياسيّ أصدر المستشرقون الأمريكيّون مجلّة «شؤون الشرق الأوسط» وكذلك مجلة «الشرق الأوسط».

6. ومن أخطر المجلات التي أصدرها المستشرقون الأمريكيّون مجلّة «العالم الإسلاميّ The Muslim World» أنشأها صموئيل زويمر في عام 1911 وتصدر من هارفورد بأمريكا.

7. وللمستشرقين الفرنسيّين مجلّة شبيهة بمجلّة العالم الإسلاميّ في اتجاهها العدائيّ التبشيريّ Le mon de Musulman.

8. أصدر ـ أيضًا ـ المستشرقون «دائرة المعارف الإسلاميّة» بعدّة لغات، كما أصدروا موجزاً لها بنفس اللغات الحيّة التي صدرت بها. وتحمل تشويهًا متعمّدًا لكثير من المناهج وأوجه التاريخ والعقيدة الإسلاميّة.

أما مجالات عمل الاستشراق في الدراسات الإسلاميّة فتتمثّل في أصول العقائد (القرآن والسنة) والتاريخ (السير والسيرة) والثقافة والقيم والتشريعات، واللغة العربيّة، والتراث الفكريّ، والنبوّة (الرسول والرسالة). كذلك عمل الاستشراق - أيضًا- على العبث بالمفاهيم الإسلاميّة وأركان الإسلام وأحكامه مثل الحجّ والزكاة وتعدّد الزوجات وما إلى ذلك، «فمن حملات الحركة الاستشراقيّة على القرآن الزعم بأنّه من خيال النبيّ محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأن لا علاقة له بالوحي، وأنّ السنة تتصادم مع العقل أو العلم والتشكيك في علومها ومصادرها، ومن الحملات على التاريخ الإسلاميّ: «تزييف الحقائق والأشخاص، ومن الحملات الاستشراقيّة – أيضًا – طعنهم باللغة العربيّة ووصفها بالعجز عن التعبير، وبالدعوة إلى إحلال

(32)

العامّيّة بدل الفصحى، ليقطعوا الأجيال مع الزمن عن التراث»[1].

كان للاستشراق مهمّتان: الأولى: خارجيّة تتمثّل في بثّ كلّ الشكوك حول حقائق الإسلام بين مثقّفي العالم الإسلاميّ، والثانية: داخليّة تتمثّل في تشويه حقائق الإسلام بين الشعوب المسيحيّة وشبابها[2].

ومن أبرز الأفكار التي حاول الاستعمار تشويهها داخل العقل المسلم:

1. فكرة إبعاد الإسلام عن مجال العلاقات الاجتماعيّة.

2. فكرة ربط الجهاد بعهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وعهد صحابته، ومن ثمّ إلغائه من بعدهم.

3. فكرة أنّ الإسلام نفسه يتجدّد ويخضع لعامل الزمن [وهذا غير فكرة التجديد التي لها أصالة شرعيّة في الإسلام] والمقصود بها هنا فهم الاسم حسب الأهواء التي تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان.

4. فكرة عدم التقيّد بتعاليم الماضي [إهمال التراث وتضعيفه وتشويهه].

5. فكرة أنّ الإسلام ليس واحدًا ـ كدين ـ ولكنّه يتعدّد بتعدّد شعوبه وأجناسه، وبتعدّد مذاهبه.

6. فكرة أنّ الإسلام دين فرديّ شخصيّ لا يصلح أن يتدخّل في علاقات الأفراد مع بعضهم.

منهجيّة الاستشراق في العالم الإسلاميّ:

-قام المستشرقون في دراستهم حول الإسلام باستخدام الأدوات والمناهج التي

(33)

طوّروها مع بداية عصر النهضة والثورة الصناعيّة، كما انطلقت ذهنيّاتهم البحثيّة من منطلقات «مادّيّة» هيمنت على الحضارة الغربيّة منذ ذلك التاريخ، وتعاملوا مع حقائق الإسلام وموضوعاته ووحيه من خلال تلك المقاييس المادّيّة التي طبقوها في العلوم الطبيعيّة وتوصّلوا بها إلى أعلى نتائج الموضوعيّة والعلميّة، وأرادوا خطأً أن يطبّقوا هذه المناهج وتلك الأدوات على رسالة الإسلام ووحيه وقرآنه ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله. ومن ثمّ درس المستشرقون الإسلام وموضوعاته وقضاياه وأركانه وهم معبأون بالمفاهيم الغربيّة وبالنموذج المعرفيّ الغربيّ المادّيّ وسياقاته الحضاريّة والفكريّة التي تتباين كلّيّة مع الحالة الإسلاميّة.

- فكرة الاستشراق بالأساس تخدم أفكار الهيمنة والإمبرياليّة والواحديّة الغربيّة، وهذا ما يحتويه خطابه المفعم بالانتقائيّة «إنّ الاستشراق خطاب قدّم الغريب والجنسيّ والغرائب كظاهرة قابلة للفهم والإدراك. ضمن شبكة من التصنيفات والجداول والمفاهيم، يتمّ عبرها وبشكل آنيّ تعريفه والسيطرة عليه. وإذا ما عرف أمكن جعله تابعًا؛ لذا كان الخطاب الاستشراقيّ رائعًا في التحليل، سواء أكان في علم اللاهوت أو الأدب أو الفلسفة أو علم الاجتماع، وهو خطاب لم يشكّل فقط علاقة إمبرياليّة، وإنّما شكّل ـ أيضًا  - حقلًا أو مجالًا للقوّة السياسيّة. فلقد أبدع الاستشراق تصنيفًا للخصائص تمّ تنظيمها حول المقابلة بين الغربيّ العقلانيّ النشط والشرقيّ الجامد الكسول. وكانت مهمة الاستشراق هي ردّ تعقيدات الشرق الواسع إلى مجموعة معرفة من الأنواع والخصائص والدساتير. لذا كانت المقاطع المختارة من نصوص شرقيّة، والتي تقدّم شرقًا غرائبيًّا في جدول منظّم من معلومات يمكن التوصّل إليها، هو نتاج ثقافيّ نموذجيّ لسيطرة الغربيّ.. تحليل علاقة المعرفة، السلطة أو القوّة...إنّ التقابل الذي يبدو كما لو كان محايدًا (غرب / شرق/ إنّما هو في الحقيقة تعبير عن علاقات قوّة»[1].

(34)

-هذا النص الغربيّ شاهد على جانب من تلك التحيّزات المنهجيّة في الدراسات الاستشراقيّة، والتي من مظاهرها قولبة شكل التحليل وعناصره بين: غربيّ نشط وعقلانيّ وشرقيّ جامد وكسول، كما يوضح هذا النص – أيضًا – زيف فكرة المحايدة والحياد في تلك المنهجيّة، ويرى أن الإمبرياليّة الفكريّة هي الحاكمة لعمل المستشرقين وطريقتهم العلميّة، كما أنّ علاقات القوّة السياسيّة هي الحاكمة في العلاقات بين الشرق والغرب.

ـ ويستشهد ـ أيضًا ـ هذا النص في موضع تالٍ بمقولة رينان حول الثقافة العلميّة في الإسلام، حيث ذكر رينان في تعليق ذي دلالة عن الإسلام والعلم أنّ «المسلم يمتلك احتقارًا عميقًا لتعلّم العلوم، ولكلّ مكوّنات الروح الأوروبيّة» تُظهر هذه المقولة مدى التزييف المنهجيّ الذي يبدو في أمرين أوّلهما: احتقار المسلم للعلم والعلوم، وهو ما يناقض الطبيعة النظريّة للوحي ومكوّناته ومضامينه حول العلم وأدواته والعلوم وطبيعتها، وهو ما يمكن أن نلاحظه مباشرة بالإطلاع المباشر على الرسالة ومبلّغها، ويناقض – أيضًا – السيرة التاريخيّة للرسالة والرسول والأمّة، والزيف المنهجيّ الثاني: هو هذا الربط والترادف بين العلم والعلوم والروح الأوروبيّة وكأنّه يستبطن؛ بل يعلن أنّ العلم وأوروبّا وجهان لعملة واحدة، وأنّ أوروبّا هي العلم، والعلم هو أوروبّا!!!.

-هذه النزعة الواحديّة في عمل الاستشراق تبيّن من هذا الموقف المبكر الذي يروّج للاستشراق الأوروبيّ الغربيّ مدى تمثّل النزعة الأوروبيّة المركزيّة، التي أصبحت هي المرجعيّة في مناهجها وفي نتائجها حتى للشرقيّين أنفسهم. وبهذا المفهوم تتكرّس الثنائيّة التي تقوم على الذات/ المركز الأوروبيّ المتفوّق بعلمه والآخر / الشرق المتخلّف الذي لا بدّ وأن يأخذ بما يقدّمه له الأوّل عن ذاته أيضًا[1].

-ويرى عبد الله النعيم في كتابه الاستشراق في السيرة النبويّة[2] والذي اعتمد فيه

(35)

على كتابَي «محمّد في مكة» و«محمّد في المدينة» للمستشرق «وات» البريطانيّ، وكذلك كتاب:» تاريخ الشعوب الإسلاميّة» لبروكلمان الألمانيّ، وأيضًا كتاب: «تاريخ الدولة العربيّة من ظهور الإسلام حتى نهاية الدولة الأمويّة «لفلهاوزن الألمانيّ ـ أيضًا ـ توصّل إلى عدّة نتائج منهجيّة أهمّها: أنّ حياديّة وات وبروكلمان ونزاهتهما تتّفق مع الرؤية الاستشراقيّة على أن الإسلام تركيب ملفّق من المسيحيّة واليهوديّة والمجوسيّة، فالتوصّل بالمنهج العلميّ لمعلومة صحيحة تعني أنّها مقتبسة من ديانة الآخر. أما ارتباط المستشرق بالمؤثرات الضاغطة على وعيه فتجعله سبَّابًا: إنّ نبيّ الإسلام ماكر، رئيس عصابة وهكذا... واللافت في الدراسة تحديد أو إبراز المعالم الأساسيّة لمنهج وات وبروكلمان وفلهاوزن» الخاضعة للأسس المادّيّة والعلمانيّة لمناهج الاستشراق، وقد اتبعوا في دراستهم لوقائع السيرة مناهج عديدة أهمّها:[1]

1. منهج الأثر والتأثير: هذا المنهج اتبعه غالبيّة المستشرقين، وبه تمّ إفراغ الإسلام من ذاتيّته الحضاريّة، فأحالوه لمصادر خارجيّة، النصرانيّة واليهوديّة والبابليّة والمجوسيّة وحتى الآراميّة والفارسيّة عند بروكلمان.

2. المنهج العلمانيّ: الذي يستبعد فيه ظواهر دينيّة لا تخضع لقوانين الأجسام المادّيّة المعروفة.

3. المنهج المعادي: والذي يجعل للعامل الاقتصاديّ أهمّيّة قصوى في تفسير الواقعة التاريخيّة.

4. المنهج الإسقاطيّ: وهو إسقاط الواقع المعاش على الوقائع التاريخيّة، فيفسّرونها في ضوء خبراتهم ومشاعرهم الخاصّة وما يعرفونه من واقع حياتهم ومجتمعهم.

5. منهج النفي والافتراض واعتماد الضعيف والشاذّ: ويتّبعون هذا المنهج لإثارة

(36)

الشكّ، حيث أخذوا بالخبر الضعيف أحيانًا وحكموا بموجبه، وقدّموه على المشهور، حتى ولو كان شاذًّا متأخّرًا ومستغربًا عند النقّاد.

6. منهج البناء والهدم، من حيث الإطراء والمديح ثم الطعن.

7. المنهج الفيلولوجيّ: وهو التركيز على الناحية اللغويّة في دراسة الوقائع التاريخيّة، وقد نشأ نتيجة لتخصّص بعض المستشرقين في العديد من اللغات القديمة، مثل بروكلمان. 

ومن القضايا التي رصدها الباحث في كتاب «الاستشراق في السيرة النبويّة» والتي ركّز المستشرقون على طرحها في كتاباتهم محلّ الدرس والبحث يمكن الإشارة إلى الآتي[1]:

1. التشكيك في مصداقيّة الوحدة الإسلاميّة أيّام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

2. المبالغة في وصف الطابع الإسلاميّ للمعارضة النفاقيّة.

3. حاولت دراسة «وات» التأكيد على مشاركة المنافقين في غزوات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى لو نفت المصادر الإسلاميّة هذه الوقائع.

4. توضح دراسة «وات» إخلاص الزعامة النفاقيّة للإسلام وسبقها إلى الدخول فيه.

5. عمل فلهاوزن على  إثبات الإرهاب داخل المدينة الذي بدأ بإثارة مشكلة المنافقين كما يرى.

6. أضاف «بروكلمان» و«وات» دعاوى مغرضة على حادثة الإفك.

الاستشراق الصهيونيّ – اليهوديّ:

ـ ثمّة نوع آخر من الاستشراق هو الاستشراق اليهوديّ الصهيونيّ، وهذا الاتجاه كان

(37)

يهدف إلى التمهيد لمطامع الصهيونيّة العالميّة، وأهمّها إقامة الحكومة الكونيّة، أو مملكة الكون التي يكون اليهود فيها هم السادة، وغيرهم العبيد[1].

-وقد عمد هذا الاتجاه إلى وضع مخطّط علميّ وثقافيّ وإعلاميّ من أجل إكساب «الصهيونيّة» وجودًا شرعيًّا في فلسطين، وحقًّا تاريخيًّا، وذلك من خلال التزوير في كتابات التاريخ ووضع الموسوعات والكتب باللغات المختلفة، والقصص المسرحيّة والسينمائيّة التي تحاول فرض نظريّات جديدة قوامها القول إنّ «اليهود» هم الشعب المختار الذي واجه الاضطهاد على مدى التاريخ، وأنّ عظماء الفكر في العالم وكبار المكتشفين والباحثين في مختلف العلوم كانوا من اليهود، وإعلاء شأن الجنس اليهوديّ، والدعوة إلى الساميّة، واعتبار كلّ من يقف في وجه حركتهم من أعداء الساميّة، وقد استطاعت الصهيونيّة بوسائلها المختلفة وأساليبها الممتدّة وسيطرتها على الأسواق الماليّة والتجاريّة في أنحاء العالم من ترديد هذه الدعاوى وفرضها على الفكر العالميّ[2].

-ويوضح إبراهيم عبد الكريم في دراسته «الاستشراق والمشروع الصهيونيّ»[3] أنّ الفائدة التي قدّمها الاستشراق ضمن النطاق الاستعماريّ الغربيّ المباشر، إنّما شملت نطاقًا فرعيًّا يخصّ التوجّهات اليهوديّة الصهيونيّة، فكانت المشاريع المتعلّقة بالبحث عن وطن لليهود، ومنها ما قدّمه «ديبرون» في بداية القرن التاسع عشر، إذ جهد لتثبيت فكرة «وجود شعب الله المختار» في فلسطين. وتتابعت الدراسات والأبحاث الاستشراقيّة لتصبّ في هذا الاتجاه. وتشكّلت الجمعيّات ومنها: «جمعيّة فلسطين» 1801، ثم «الجمعيّة الجغرافيّة الملكيّة» 1830، و«صندوق اكتشاف فلسطين» الذي لعب دورًا بارزًا في توجيه السياسات الاستعماريّة البريطانيّة إلى العمل على البدء بتحويل المشروع الصهيونيّ إلى واقع متحقّق[4].

(38)

-وهكذا كان للاستشراق دور في تغيير جغرافيا العالم الإسلاميّ، وتفتيت الوحدة الجغرافيّة والتاريخيّة بالتمهيد لدولة الكيان الصهيونيّ في قلب العالم العربيّ، وقلب الحضارة الإسلاميّة، وبناء تاريخ مزيّف من الوعي (عبر أدوات ظاهرها علميّ-موضوعيّ)، وتأسيس وعي دينيّ توراتيّ استطاعوا التلاعب به وفيه على مدار التاريخ، وعملوا على تكوين رأي عام عالميّ بهذا الإدعاء والزعم. ومن أشهر المستشرقين اليهود في القرن التاسع عشر والعشرين الذين كرّسوا حياتهم في خدمة المشروع الصهيونيّ: سولمون مونك (فرنسيّ)، أرمنيوس فامبري (هنغاريّ)، أجنتس جولدتسهير (مجريّ)، ريتشارد جوتهيل (إنجليزيّ)، جوزيف هوروفيتس ودافيدبانت (ألمانيّان).

وقد توصّلت إحدى الدراسات حول «آثار الفكر الاستشراقيّ – في المجتمعات الإسلاميّة «إلى النتائج الآتية [1]:

- ما يتعلّق بالآثار السلبيّة للفكر الاستشراقيّ في المجال الدينيّ:

  1. إثارة الشكوك في العقيدة.

  2. تشويه صورة الإسلام في الغرب.

  3. التعظيم من شأن الفرق الدينيّة.

  4. التركيز الاستشراقيّ على الطوائف والأقلّيّات في المجتمع الإسلاميّ.

  5. التمكين للصهيونيّة في العالم العربيّ.

  6. التمكين للتنصير في بلاد المسلمين.

فيما يتعلق بالآثار السياسيّة للاستشراق، حيث لعب الاستشراق دورًا رئيسًا في التمكين  للاستعمار في العالم الإسلاميّ عن طريق:

  1. بعث القوميّات في العالم الإسلاميّ.

(39)

2. العمل على إسقاط الخلافة الإسلاميّة.

3. نشر الأفكار التي تساعد على تجزئة الأمّة الإسلاميّة.

4. نشر مبادئ التغريب في النظم السياسيّة الغربيّة في المجتمعات الإسلاميّة.

أمّا فيما يتعلّق بالآثار الاجتماعيّة للفكر الاستشراقيّ في النظام الاجتماعيّ، فقد عمل الاستشراق على:

1. تغريب المجتمع المسلم من خلال التأثير على قيم الأسرة المسلمة.

2. الهجوم الاستشراقيّ على المرأة المسلمة.

3. المقابلة بين وضع المرأة المسلمة والمرأة الغربيّة.

4. إثارة الشبهات في مسألة تعدّد الزوجات.

أمّا فيما يتعلّق بالآثار السلبيّة للاستشراق في المجال الثقافيّ والفكريّ، فقد عمل الاستشراق على:

1. تشتيت الجهود الفكريّة والثقافيّة للمسلمين بإثارة القضايا الخلافيّة والنعرات القوميّة.

2. نشر القيم الغربيّة.

3. نشر الفكر غير العقليّ.

4. تشجيع الثقافات القوميّة.

أمّا الآثار السلبيّة للفكر الاستشراقيّ في المجال العلميّ، فيمكن تلخيصها في الآتي:

1. التشكيك في مصادر العلوم الإسلاميّة.

2. التشكيك في أصالة الفكر الإسلاميّ.

3. التشكيك في أصالة الشريعة والفقه.

(40)

4. التشكيك في أصالة النحو العربيّ.

5. التشكيك أصالة الأدب العربيّ.

6. التشكيك في قدرة اللغة العربيّة على التواصل مع مستجدّات العصر.

7. التشكيك في أصالة الحضارة الإسلاميّة.

ثانيًا: التبشير

- المفهوم: تعدّ حركة التبشير من أهمّ أدوات الاستعمار لتحقيق أهدافه الفكريّة والوجدانية، فهي القوة المتحركة في جيش الاستعمار؛ لغزو العقول والقلوب في مختلف الجبهات وإثارة الشبهات في مجال المدرسة والجامعة والصحافة والثقافة. كما كانت حركة الاستشراق – أيضًا – هي المصنع الذي يُعِدّ «أدوات العمل»: الشبهات والطعون والشكوك.

والتبشير في تعريفه الاصطلاحيّ: هو تلك الحركة التي تعمل على نشر الدين المسيحيّ وتعاليمه بهدف الاعتناق أو التعاطف بين المسلمين، أو بين من لا يمتلكون عقائد على الإطلاق، وهو في العالم الإسلاميّ أحد صور الغزو الفكريّ، وصاحبَ الحملات الاستعماريّة في العصر الحديث وتحالف معها، وكان أحد أدواته العاملة في مواقع الاستعمار.

 ولمشروع التبشير آثاره الخطيرة على ثقافة الأمّة ووحدتها من ناحية، بالإضافة إلى ارتباطه بمشروع الاستعمار المادّيّ – كما ذكرنا- من ناحية أخرى، حيث إنّه مثّل أحد الأدوات الفاعلة للاستعمار في العالم الإسلاميّ

- أهداف التبشير ووسائله: يرى فتحي يكن (1933-2009) أنّ التبشير يهدف إلى «فرض السيطرة على العالم الإسلاميّ عن طريق التغيير التعليميّ والإعلاميّ والاجتماعيّ»، أمّا وسائله فتتمثّل في السيطرة على المؤسسات وتقديم

(41)

الخدمات المختلفة تحت ستار (الصفة الإنسانيّة)، فضلًا عن طريق المشروعات الاقتصاديّة والعمرانيّة... حيث «اعتمد التبشير على إنشاء المستوصفات والمستشفيات وتقديم الخدمات الطبيّة، وإنشاء المدارس والمعاهد الفنّيّة والتقنيّة والجامعات وإصدار الكتب والنشرات... ومن الوسائل – أيضًا – إنشاء المشروعات التعاونيّة والاقتصاديّة والأندية الرياضيّة ومؤسّسات الرعاية الاجتماعيّة وما شابه ذلك»[1].

- ويحدد المطعني (1931-2008) غايات التبشير في هدفين كبيرين؛ الأوّل: هدميّ تدميريّ، ويراد منه إما القضاء على الإسلام كلّيّة ـ إذا أمكن وقوع هذا القضاء ـ أو تشويه حقائق الإسلام وإدخال الريب في نفوس المسلمين في كلّ ما يتصل بالإسلام...أمّا الهدف الثاني للتبشير، فهو هدف بنائيّ تشييديّ. والمقصود منه الترويج للعقيدة التي تبنّاها المبشّرون بين المسلمين ليرتدّوا عن إسلامهم ويعتنقوا العقيدة التي يروّج لها المبشّرون[2].

- إنّ التبشير وسيلة من وسائل الحرب الباردة ضدّ الإسلام والمسلمين بعد أن فشلت الحرب «الساخنة» في العصور الوسطى في النيل من الإسلام...وانعقد أوّل مؤتمر تبشيريّ في القاهرة 1906م بحضور ما يقرب من، 62 عضوًا من الإرساليّات التبشيريّة الأمريكيّة والإنجليزيّة والألمانيّة والسويديّة والاسكتلنديّة والهولنديّة[3].

-ومما ينبغي الوقوف عنده عدّة أمور ضروريّة هي:

  1. أنّ جهاز التبشير لم يكن جهازًا مستقلًّا، بل كان خادمًا للاستعمار ودوله المسيحيّة.

(42)

  2. أنّ المبشّرين لم يكونوا حملة رسالة شريفة، ولا دعاة حقّ وفضل، بل – كانوا ـ وما يزالون ـ جهاز تدمير للأمّة الإسلاميّة.

  3. أنّ التبشير نابع من الجمعيّات المسيحيّة بكلّ طبقاتها ومستوياتها، فهو ليس هدفًا لرجال الدين وحدهم، وليس هدفًا لحكومات الدول المسيحيّة ورجال الدين وحدهما، بل هو هدف لرجال الدين والحكومات المسيحيّة والشعوب المسيحيّة جميعًا.

- المؤتمر التبشيريّ لعام 1924م بمصر: دعت الضرورة أن تتّخذ جمعيّات التبشير شكلاً جديداً ملائماً للحالة الجديدة في الشرق الإسلاميّ، وأنّ الانقلابات الكبيرة السائرة سيراً حثيثاً كان من شأنها أن جعلت النظر في الحالة أمراً جوهريّاً، حضرت المؤتمر وفود بلاد العرب والعراق وإيران وتركيا والصين والهند البريطانيّة وجزائر الهند الشرقيّة الهولنديّة، و80 شخصاً من أعاظم رجال التبشير ومعلّميهم وأطبائهم والقائمين بالأعمال الاجتماعيّة والتبشيريّة وزعماء الكنائس المحلّيّة وجماعة من المسلمين المتنصّرين الكبار.

وقد عرضت مجلّة الفتح لجوانب المؤتمر التبشيريّ وخطّته التي تضمّنت الأفكار والأهداف الآتية[1]:  

  1. أنّ الروح القوميّة أصبحت تدحر روح الجامعة الإسلاميّة وتحلّ محلّها (تجربة تركيا)، فقد كان لإلغاء الخلافة أكبر الأثر ليس في تركيا، بل على العالم الإسلاميّ، فالظواهر كلّها تدلّ على انحلال الرابطة الاجتماعيّة في الإسلام.

  2. تكوين عقليّة جديدة من المسلمين «التغريبيّين» نتيجة الاحتكاك والاتصال

(43)

بالعلوم الغربيّة والحضارة الغربيّة خلال الحرب العامّة وظهور انحلال العروة الدينيّة في الإسلام والثورة ضدّ كلّ مأثور قديم.

- ثم أشار التقرير الذي نشرته الفتح نقلاً عن مجلّة الجامعة الإسلاميّة في القدس إلى التوجيهات للخطّة الآتية:

  1. يجب أن يكون العمل في كل حقل من الحقول موجّهًا نحو الناشئة من المسلمين، وأن يكون موزّعاً فيما بينهم ليحيط بهم، وليكونوا منه على صلة مباشرة، ويجب أن يقدّم هذا كلّه على كلّ عمل سواه في الأقطار الإسلاميّة، فإنّ تنوّر روح الإسلام في الناشئ الحديث تبدأ باكراً من عمره، فيجب
ـ والحالة هذه ـ أن يؤتى بالناشئة من المسلمين إلى المسيح قبل أن يتكامل نموّ عقليّتهم وأخلاقهم، حيث إنّه حينئذ يستعصي على العامل المبشر.

  2. كان التعليم التبشيريّ وسيلة لا مندوحة عنها لتنظيم قيادة القوّات المسيحيّة ورفعها إلى مستوى عالٍ من الكفاية، ولم يزل التعليم المسيحيّ هو أفضل وسيلة للوصول إلى المسلمين، وإنّ الحاجة إلى توسّع هذا التعليم وزيادة نشره تتزايد وتتعاظم من كلّ جهة، حتى أنّ الحاجة إلى اتخاذ مناهج التعليم المسيحيّ من حيث الأخلاق وبثّها لم تزل محسوبة من الحاجات الماسّة في البلدان التي تكامل نظام التعليم الحكوميّ فيها واستقر على شكل ثابت، فاختيار نوع الكتب والمطبوعات التى تنشر والأعمال الطبية التبشيريّة من أقوى الوسائل.

  3. الذين يتنصّرون من المسلمين يجب أن ينُقلوا إلى جهة أخرى اجتماعيّة متكاملة الأوضاع بالقياس إلى تلك التي خرجوا منها، حتى لا يشعروا بعد انتقالهم إلى الهيئة الجديدة بنقص أو ضرر.

  4. يرى المبشّرون أنّ الطريق في كثير من الأقطار الإسلاميّة غدت سهلة منفسحة

(44)

للتبشير وعلى نطاق واسع، فإنّ عقليّة المسلمين وصلت إلى حالة كبيرة من الطواعيّة واللين وتقبّل بسهولة الصورة التي تُعطى لها، فيجب أن تُمنح هذه العقليّة الجديدة كلمة المسيح لتنطبع فيها.

  5. حذّروا من كلّ نوع من أنواع الجدل السلبيّ العقيم، واعتمدوا على التبشير الإيجابيّ بكلمة المسيح المصلوب والمقتضيات التي يوجبها صلبه، واستعمال روح المحبّة من خلال الصلة التي تصله بدين المسلمين، وعلى المبشّر أن يقصد الطيع القلب من المسلمين حتى إذا أصبحت هذه الطبقة في قبضة أيديهم اتخذوها أساسًا ينبني عليه سائر بناء التبشير الذي يراد إقامته.

  6. القضية محصورة في مواجهة واحدة هي تعبئة صفوف جديدة من المبشّرين، وحسن التصرّف في توزيع القوى المجهّزة، وبذل الجهد في جعل العمل مدبّرًا تدبيرًا حسنًا، ولجعل القوى الروحانيّة في صفوف المبشّرين حيّة متكاملة في جميع الجهات.

  7. من مظاهر الانفتاح أنّ بعض الحكومات الاستعماريّة كانت فيما مضى معارضة للتبشير في الأقطار الإسلاميّة، وقد تغيّر حالها الآن، وباتت صديقة للتبشير وعضده القويّ، تمدّه بالمعونة اللازمة للقيام بالأعمال الطبيّة والاجتماعيّة التبشيريّة الخاصّة.

  8. الدستور الذي أنشئ في مصر قد اشتمل على نصوص قاطعة تكفل الحرّيّة الدينيّة وتصونها.

  9. خير الوسائل هي اقتباس الكتّاب العرب الدعاية المبثوثة في كتب المبشّرين ونشرها في كتاباتهم  ومحاضراتهم كالآراء التي كتبها جرجس سال ونقلها طه حسين في كتابة (الشعر الجاهليّ).

  10. الحرب الكبرى جعلت العديد من المسلمين على صلة مباشرة بالحضارة

(45)

الغربيّة، فانفتحت عيونهم على عالم جديد ما كانوا يعرفونه من قبل، وغدا أهل الغنى والمكانة يرِدُون الأقطار المسيحيّة زرافات، الألوف من الطلاب يهاجرون من آسيا وأفريقيا إلى أوروبا لطلب العلم وتحصيل المعارف.

وقد أشارت مجلّة «الفتح»[1] إلى مقال نشرته مجلّة «العالم الإسلاميّ» التي يصدرها القس زويمر (إبريل سنة 1930) تحت عنوان (المساحات التي لم تحتل بعد) أشار فيها إلى الأقاليم التي لم يزرها المبشّرون بعد ويجب أن تكون موضع اهتمام الكنيسة وميدان جهاده، حيث ورد في المجلّة أنّه: لا ينبغي أن يبقى في هذا القرن العشرين للتاريخ المسيحيّ مكان على وجه الأرض لا تطأه قدم المبشّر، وغالب البلاد التي لم يحتلّها المبشّرون إنّما تقع في دائرة العالم الإسلاميّ (شمال أفريقيا، وغرب آسيا، ولايتا قنصوه وسنكيانغ في الصين، الهند الصينية الفرنسيّة وسيام، حيث يوجد ما يقرب من مليون مسلم، الأفغان 8 ملايين، فارس، بلاد الأكراد...).

 كذلك أشارت المجلّة إلى حركة التبشير في السودان، فقالت: جاهر غورديون بضرورة تنصير السودان 1878 وبمجرد استرداد السودان 1899 نشطت حركات المبشّرين، وتعدها الإدارة الإنجليزيّة في مصر والسودان بالتشجيع المادّيّ والأدبيّ، وأرسلت الكنيسة الإنجليكانيّة 1899 البعثة التبشيريّة الكاثوليكيّة، حيث أنشأت مراكز تبشيريّة في الخرطوم وأم درمان وواد مدني وعطبرة. وفي عام 1905 دعا اللورد كرومر رجال الكنيسة الإنجليكانيّة لإنشاء مراكز للتبشير في مديريّات جنوب السودان وغيرها من الأماكن.

ثالثًا: العلمانية

المفهوم: يقوم جوهر مفهوم «العلمانيّة» على استبعاد / فصل / إقصاء الدين عن مجالات الحياة الإنسانيّة، سواء أكان من الناحية السياسيّة أو الاقتصاديّة أو الثقافيّة

(46)

أو الاجتماعيّة، واختزال الدين – على أفضل الأحوال – في العلاقة الروحيّة بين الإنسان وربّه، بحيث لا تنسحب هذه العلاقة على واقع الإنسان وحياته ونظمه وتشريعاته وثقافته وتعليمه.

أمّا من حيث المجال والدلالة الثقافيّة الشائعة للفظة العلمانيّة فهي عبارة عن: اتجاه فكريّ مرتكزه إبعاد الإسلام عن صيرورته وعن توجّه المعنيّين في إدارة المجتمع وصياغة نظم الحياة فيه..ويحاول هذا الاتجاه الفكريّ أيضًا بوسائل متعددة بناء الحياة والإنسان والنظم من خلال النتاج البشريّ دون الارتكاز إلى النص؛ القرآن والسنة[1].

 ويقسم المسيريّ ( 1938-2008) العلمانيّة إلى نوعين هما: العلمانيّة الجزئيّة والعلمانيّة الشاملة وأساس المقارنة بينهما ليس في الجذر التأسيسيّ ولا في جوهر المفهوم ولا في سياقات النشأة، وإنّما في مساحات التغطية التي يشملها المفهوم ويمتدّ إليها في الحياة الإنسانيّة؛ لذلك جاء تصنيف العلمانيّة عنده بين: الجزئي والشامل.

-ويرى أنّ العلمانيّة الجزئيّة هي رؤية جزئيّة للواقع تنطبق على عالم السياسة وربما على عالم الاقتصاد، وهو ما يعبر  عنه [في  التاريخ الأوروبيّ الحديث] بفصل الكنيسة عن الدولة والكنيسة هنا تعني «المؤسّسات الكهنوتيّة»، أمّا الدولة فهي تعني «مؤسّسات الدولة المختلفة». ويوسّع بعض الباحثين هذا التعريف ليعني فصل الدين (والدين وحده) عن الدولة بمعنى الحياة العامّة في بعض نواحيها. وتسمى هذه الصيغة «علمانيّة جزئيّة» لسببين، الأول: الدولة التي يشير إليها التعريف هي دولة القرن التاسع عشر التي لم تكن قد تغوّلت بعد، ولم تكن قد طوّرت مؤسّساتها التربويّة والأمنيّة المختلفة التي تمكّنها من محاصرة المواطن أينما كان، ولذا تركت له رقعة واسعة يتحرّك فيها ويديرها حسب منظومته القيميّة، والثاني: تَلزم العلمانيّة

(47)

الجزئيّة الصمت تمامًا  بشأن المرجعيّة الأخلاقيّة والأبعاد الكلّيّة والنهائيّة للمجتمع والسلوك الفرديّ[1].

أمّا العلمانيّة الشاملة، فهي رؤية شاملة للكون بكلّ مستوياته ومجالاته، ولا تفصل الدين عن الدولة وعن بعض جوانب الحياة العامّة وحسب، وإنّما تفصل كلّ القيم الدينيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة عن كل جوانب الحياة العامّة في بادئ الأمر، ثم عن كلّ جوانب الحياة الخاصّة في نهايته، إلى أن يتمّ نزع القداسة تمامًا عن العالم (الإنسان والطبيعة). وهي كذلك تشمل كلًّا من الحياة العامّة والخاصّة، والإجراءات والمرجعيّة[2]. وهذا المعنى الثاني الذي أراد الاستعمار من خلال مشروعه التغريبيّ إدخال العالم الإسلاميّ فيه.

انتقال العلمانيّة إلى العالم الإسلاميّ:

انتقلت «العلمانيّة» إلى العالم الإسلاميّ عبر المفكريّن المسيحيّين في بادئ الأمر، حيث تبنّوا الفكرة «العلمانيّة» وروافدها في الميادين المختلفة بديلًا عن الفكرة الإسلاميّة التي تصدّعت في الواقع الإسلاميّ إبان سقوط الخلافة، وكان قد سبقها حالة من الضعف الذاتيّ الإسلاميّ العام. ويفسر بعض الباحثين تبنّي «مسيحيّي الشام» الفكرة العلمانيّة – بالإضافة إلى السبب السابق – في أنّهم لا يمتلكون – بحسب عقيدتهم الدينيّة تشريعات أو نظم في السياسة والاقتصاد وغيرهما بديلًا للنظم الإسلاميّة التي تلاشت بسقوط الخلافة.

لذا فقد سعى – مسيحيّو الشام – إلى نقل الفكر العلمانيّ إلى العالم العربيّ والإسلاميّ – الذي يحقق لهم المكانة الاجتماعيّة، وذلك عن طريقة إقامة المجتمع على أسس غير دينيّة (وبالتحديد غير إسلاميّة)، وكان ذلك بمساعدة أوروبا ماليًّا بإعطائهم حق تسيير حركة تجارتهم، وامتيازيًّا من خلال مساعدة قناصل الدول الأجنبيّة لهم، وفكريّاً من

(48)

خلال إرسال بعثات التبشير للتعاون معهم. الأمر الذي يؤدّي إلى القول إنّ حركة الفكر المسيحيّ العربيّ حركة مخطّطة بين أوروبّا ومسيحيّ الشام، من أجل نقل العلمانيّة للشرق، وزعزعة الفكر والكيان الإسلاميّ به[1].

وقد أُسست في سوريا سنة (1842م) أوّل جمعيّة علمانيّة في البلاد العربيّة تحت اسم «الجمعيّة السوريّة لاكتساب العلوم والفنون» والتي قامت على يد بعض المفكّرين المسيحيّين مثل: «ناصيف اليازجي» و«بطرس البستاني «وبمساعدة مبشّرين أمريكيّين، وكان كلّ مراسلي الجمعيّة من العرب المسيحيّين، ولم يسمح بدخول المسلمين فيها إلّا في سنة 1852م، وكان يرأس الجمعيّة البعثة التبشيريّة البروتستانتيّة، وأوّل رئيس لها كان أمريكيًّا وكانت تقوم على أساس قوميّ، وليس على أساس دينيّ، وكانت تحت رعاية السفراء والقناصل الأجانب وكبار الموظفين الأتراك، وانتقلت العلمانيّة إلى ميادين القيم والتعليم والثقافة في العالم الإسلاميّ كمداخل أساسية للتيار العلمانيّ.

المحور الثالث:

الأدوات الداخلية نحو الغرب ومشروعه التغريبيّ (الاختراق)

 نتناول هنا الدور الداخليّ -في العالم الإسلاميّ- المساعد للتغريب والتمكين له من خلال النظم السياسيّة والفكريّة القائمة، وذلك من خلال الدول الكبرى الثلاث في العالم الإسلاميّ وهي: تركيا (دولة الخلافة)، ومصر (عاصمة الثقافة الإسلاميّة)، وإيران (أحد الروافد الثقافيّة الرئيسة في الشرق).

أولًا: تركيا

يبدأ المشهد الفكريّ من حالة الضعف الذاتيّ[2] الذي كانت تعاني منه الدولة

(49)

العثمانيّة في القرن الثامن عشر دون أن يكون هناك إدراك حقيقيّ من قِبَل السلطة الحاكمة لهذا الضعف، ويرجع ذلك لعاملين، الأول: أنّ التفوّق الأوروبيّ لم يكن بارزًا بالصورة التي تشكّل خطرًا واضحًا على الدولة العثمانيّة، حيث برز الخطر لاحقًا في القرن الـتاسع عشر، والثاني: يتمثّل في أنّ الدولة العثمانيّة كانت لا تزال في تصنيف الدول العظمى (أو الإمبراطوريّات الكبرى)، وكان هذا التصنيف قد بدأ في التراجع في التاريخ المذكور.

-غير أنّ عددًا من المؤرّخين المعاصرين الذين درسوا التاريخ العثمانيّ وجدوا بعضًا من الرسائل التي وُجّهت إلى السلاطين في فترة مبكرة -قبل «تفكيك الخلافة 1926م» - تنذر بالمخاطر الفكريّة والتراجع في العلوم والتقنيّة داخل دولة الخلافة، ومن الرسائل المهمّة في هذا الصدد رسالة «أصول الحِكَم في نظام العالم»[1]، وقد تضمّنت هذه الرسالة ثلاثة محاور  في إستراتيجيّة لقيام الحضارات وانهيارها، إحداها: مؤسسة السلطنة التي بدأت بالانكماش والانزواء عن الحياة السياسيّة، وثانيها: تعطيل الشورى والاستبداد بالرأي، وثالثها: هو الوضع المتراجع للمؤسسة العسكريّة العثمانيّة لا سيما في ما يتعلّق بجمود العقليّة العسكريّة وعدم قبولها للتحديث في مجال استخدام الأسلحة الحديثة واقتباس أساليب الحرب المتطوّرة.

مضافاً إلى ما قدّمه «قوجي بك» الذي شرح في رسالة مختصرة للسلطان مراد الرابع (1623 – 1640م) المجالات التي يظهر فيها الضعف وينتشر الفساد، كما

(50)

كتب – أيضًا، «حاجي خليفة» رسالة بعنوان «دستور العمل لإصلاح الخلل» ركّز فيها على الجوانب الاقتصاديّة والإداريّة التي يتبدّى فيها الخلل والفساد، وكتب «حسين هزار فن» كتابًا بعنوان «تلخيص البيان في قوانين آل عثمان» حمل فيه بقسوة على أولئك الذين يخرقون النظام ويفسدون، ولم ينج من نقده واتهامه أعلى رجال السلطة والإدارة»[1].

واستمرّت هذه الرسائل حتى عهد السلطان عبد الحميد الثاني الذي طلب من أحد العلماء وهو «أحمد جودت باشا» (1822 – 1895) أن يكتب له تقريرًا يوضح فيه أحوال الدولة العثمانيّة ومطالب الإصلاح فيها ومواطن الخلل، وأكّد جودت باشا في هذا التقرير على جوانب الضعف التي أصابت الدولة العثمانيّة عبر عصور مختلفة عاشها، ورأى حالة التغريب والتغرّب الذي بدأ يدبّ في أوصال دولة الخلافة وفي جوانبها الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة، وقد نبّه جودت باشا في هذا التقرير إلى «أنّ إصلاح الدولة العثمانيّة ينبغي أن يتمّ في إطار الشريعة والتكوين الإسلاميّ للدولة، مع الاستفادة من التقدّم العلميّ الذي حقّقته أوروبا، والاستفادة من منجزات الحضارة الأوروبيّة المادّيّة، دون قيمها وأسسها الفكريّة والثقافيّة. وأن تستفيد من النظم العسكريّة والإداريّة، لكن بما يناسب أصولها ولا يتعارض مع الشرع، وأنّه من الضروريّ، أن يتمسّك رجال الدولة بالمحافظة على العرف والتقاليد بوصفها ضوابط لا يمكن تجاهلها»[2].

 وهناك رسائل أخرى تثبت بما لا يدع مجالًا للريب أنّه كان هناك وعي ذاتيّ بمسألة الإصلاح لدى العلماء والمفكّرين الذين توجّهوا برسائلهم إلى أهل السلطان الذين لم يولُوا هذه الرسائل اهتماماتهم، ثمّ توجّه بعضهم إلى الإصلاح عبر الخارج الأوروبيّ ومن خلال «التغريب»، أحد مبتكرات التفوّق الأوروبيّ والتراجع العثمانيّ.

(51)

مع تنامي الضعف داخل الدولة العثمانيّة واستمرار التفوّق المادّيّ الأوروبيّ في الصعود، لم يجد السلاطين العثمانيّون إلا الخيار الأقرب والأسهل في تصوّرهم لمعالجة القصور والضعف من ناحية، واللحاق بالصعود الأوروبيّ أو تقليل الهوّة من ناحية أخرى، وكان هذا الخيار هو «النقل والاقتباس» أو استيراد أفكار النهضة والتقدّم بدلًا من معالجة المثالب والعيوب الذاتيّة، وقد بدأ استخدام هذا النهج فيما يتعلّق بالمجال العسكريّ والذي لاقت فيه الإمبراطوريّة هزائم متعدّدة من الداخل والخارج، وكانت هذه البداية في عهد السلطان مصطفى الثالث (1757 – 1773م)، حيث «تمّ استحضار النموذج الأوروبيّ الحديث، واستمر هذا الاهتمام بالمجال العسكريّ أساسًا لسلاطين الدولة العثمانيّة ـ لتستطيع الدفاع عن نفسها وسط إرهاصات التفوّق العسكريّ الأوروبيّ ـ وذلك حتى مجيء السلطان محمود الثاني، حيث شملت إصلاحاته جوانب إداريّة وتعليميّة أخرى على النظام الأوروبيّ» [1]

كما مسّ التغريب «مظاهر الحياة الاجتماعيّة في الدولة العثمانيّة، وتبدّلت العادات والمظاهر الاجتماعيّة لمسايرة الحياة الغربيّة والنمط الأوروبيّ، وتبنّت الارستقراطيّة العثمانيّة أسلوب الحياة الأوروبيّة، وبدأت الطبقة العليا من الأتراك في ارتداء الزيّ الأوروبيّ، واستقدام الموسيقى الأوروبيّة، وتأثيث البيوت على النسق الأوروبيّ»[2].

كما تغلغل «التغريب» داخل نظام القيم الذي لم يسلم منه، «حيث أُلزم الموظفون بارتداء الملابس الأوروبيّة مع لبس الطربوش، وفي القرن الـتاسع عشر دخلت الفنون الموسيقيّة، مع مجيء أوركسترات أوروبيّة، واستيراد الآلات الموسيقيّة، وانتشرت موضة البيانو بين سيّدات الطبقة الارستقراطيّة، بل إنّ الأمر وصل إلى حد تأثّر الموسيقى التقليديّة بالألحان الغربيّة... كما شهدت الزخرفة والعمارة الغربيّتان توسّعًا سريعًا...» [3].

(52)

وتمثّلت النقلة النوعيّة لحركة «التغريب» فيما عُرف في الدولة العثمانيّة بحركة «التنظيمات» أو «خطّ كلخانة»(1839)، حيث انتقلت مشروعات التغريب، إلى يد رجال الدولة من الإصلاحيّين المؤمنين بالغرب، وعلى الرغم من أنّ خطّ كلخانة يؤكّد على أنّ عدم الانقياد إلى الشرع الشريف كان السبب فيما أصاب الدولة خلال القرون الماضية من تدهور وضعف، وأنّ المقصود من هذا الخطّ هو إحياء الدين والدولة والملّة.  ومع ما يحتويه هذا المرسوم من مبادئ كان يجب على الدولة العثمانيّة الأخذ بها من أجل تدعيم البناء الداخليّ للدولة –وهو ما ظهر أيضًا في الخط الهمايونيّ(1856)، إلا أنّ هذه المراسيم كانت سبيلًا للاعتماد الكامل على القانون الأوروبيّ وفتح الباب لميدان استيراد الأفكار التي كان يختصّ بها النموذج المعرفيّ الإسلاميّ وتميّزه وتشكّل البناء العقليّ لأفراده.

ومن الانعكاسات الفكريّة المهمّة في ميدان الفكر الإسلاميّ آنذاك ظهور محاولات لتقنين الفقه الإسلاميّ ومحاولة طرحه في صورة تلائم الأوضاع والمتغيّرات الجديدة، لا سيما بعد قيام المحاكم النظاميّة في تركيا، فتشكّلت لجنة من بعض الفقهاء برئاسة وزير العدليّة لصياغة مجموعة من أحكام المسائل الشرعيّة على هيئة يسهل الرجوع إليها مثل القوانين، وأنتجت هذه اللجنة مجلّة «الأحكام العدليّة»، وقد صنّفت مجموعة من الأحكام مختارة من المذهب الحنفيّ، وقامت الإدارة العثمانيّة باعتمادها كأوّل قانون مدنيّ مستمدّ من الفقه الإسلاميّ.

وقد شكّلت «الأحكام العدليّة»، باعتبارها أوّل تقنين رسميّ للأحكام الشرعيّة اتجاهًا عامًّا لتقنين وتنظير الفقه الإسلاميّ لمواجهة الواقع المتغيّر من جهة، وكردّ فعل على حركة الجمود الفقهيّ من ناحية أخرى، والذي أتاح للقوانين الأوروبيّة العمل في المجتمع الإسلاميّ [1].

(53)

وفيما يتعلّق بنظام التعليم المسؤول عن التشكيل المعرفيّ للإنسان داخل المجتمع، وفي ضوء التغلغل الواضح لحركة التغريب نجد، كما يشير جوستين ماكارثي، أنّ التغيير (الناتج عن التغريب) الأكثر تأثيرًا نتج عن النظام التربويّ الأوروبيّ «فكتبُ الحساب والمثلّثات الضروريّة للهندسة العسكريّة والمدفعيّة كانت مكتوبة باللغات الأوروبيّة، وخاصّة الفرنسيّة، لغة القرن التاسع عشر في أوروبا، والتعليمات لتشغيل الآلات وكتيّبات التصليح كانت باللغات الأوروبيّة أيضًا «[1]، «كما بدّل السلطان محمود التوجّه الألسنيّ للحكومة. وأُعطيت مكاتب الحكومة تعليمات بفتح أكثر المدارس نجاحًا، ومنها مكتب الترجمة التابع لوزارة الخارجيّة الذى أسس عام 1833م. ولم يخرّج هذا المكتب مترجمين فحسب، وإنّما ساهم في تدريب الإداريّين الذين اكتسبوا توجّهات غربيّة. وفتحت اللغة أمام الإداريّين العثمانيّين وكبار الرسميّين باب الثقافة الأوروبيّة، وبسرعة أصبح خرّيجو مكتب الترجمة قادة السلطة التنفيذيّة في الدولة»[2].

ومن ناحية أخرى نلاحظ أنّه وفي ظلّ الاهتمام بالتعليم العسكريّ في بدء الاتصال بالغرب لم يتمّ الالتفات إلى التعليم الدينيّ، «فالنظام التعليميّ الحديث تمركز في مجالين، أحدهما عسكريّ والآخر مدنيّ هدفه مدّ الجيش والإدارة بالكوادر اللازمة لهما وفي حدود حاجة الدولة للعمالة في كلّ قطاع، وكان التعليم العسكريّ أيسر منالًا في ولايات العراق والشام من التعليم المدنيّ الذي كان القبول به يتطلّب فرزًا اجتماعيّاً دقيقًا جعله مقصوراً على أبناء الأعيان، بينما ظلّت المدارس الدينيّة الإسلاميّة تقدّم لطلابها الثقافة الدينيّة التقليديّة، اعتمادًا على ما كان لديها من أوقاف تُدرّ عليها من أبناء الطبقتين الفقيرة والوسطى، وظلّت تلك المدارس ـ في معظمها ـ تقدّم تعليمًا دينيّاً لم يتأثّر بالاتجاهات الإصلاحيّة الحديثة، وإلى جانب هذين النظامين قام نظام

(54)

تعليميّ ثالث، قدّمته مدارس الإرساليّات التبشيريّة على اختلاف مذاهبها[1].

كما انتشرت المدارس العلمانيّة التي تخرّج أصحاب المهن اللازمة لتلبية احتياجات الجيش الجديد الذي كوّنه باسم العساكر المحمديّة المنصورة، واحتياجات المجتمع، كما تأسّست المدارس الإعداديّة (الرشيدية) لتخريج معلمي المدارس الابتدائيّة، والمدارس الفنّيّة لتنشئة الموظّفين، ومدرسة الحربيّة لتنشئه الضباط، وأنشأت المؤسّسات التي تهتم بالشؤون الصحّيّة والطبّيّة في الدولة [2].

وأُدخلت اللغة الفرنسيّة إلى جانب اللغة التركيّة في المدارس التي يلتحق بها أفراد الأقليّات من غير المسلمين، والأتراكُ من أبناء الأسر الميسورة. وسرعان ما جرى التصريح بإنشاء مدارس وكلّيّات أجنبيّة فرنسيّة في غالبيّتها، وكانت تدار من جانب المبشّرين، وظهرت مؤسّسات علميّة على نسق أوروبيّ مثل «مجلس المعارف» الذي قام على غرار الأكاديميّات الفرنسيّة لإعداد الكتب التي ستدرس في الجامعة المزمع تأسيسها، والغرض الأصليّ منها، إيجاد شكل أكاديميّ يحقّق اتصالًا بالحياة الفكريّة والعلميّة الأوروبيّة. وافتتحت الجامعة وكانت تسمى دار الفنون 1286هـ/1869م وسار هذا جنبًا إلى جنب مع التعليم الدينيّ الموجود في المدارس والكتاتيب، وهو القاعدة بالنسبة للمناطق الريفيّة البعيدة عن تأثير المثقفين العثمانيّين آنذاك. ومن أهمّ التغيّرات التي أتت بها التنظيمات – أيضًا– استخدام الأقلّيّات في مجال التعليم، وهو يعدّ أمرًا جديدًا في تاريخ الدولة التركيّة [3].

 وفي ظل السلطان عبد العزيز (1861 – 1876م)  بدأ التعليم العامّ الواسع النطاق لتخريج موظّفين وشملت بنيته: تعليم أوّليّ، مخصص من حيث المبدأ للأطفال اعتبارًا من السادسة من العمر؛ مدارس أوّليّة عليا، كلّيّات. وقد أُنشأ الليسيه الأول

(55)

في جالاتا ـ سراي عام 1868م، وكان يتمّ تدريس الفرنسيّة فيه، وقد أصبح بؤرة لتفريغ مثقّفين وموظّفين وسرعان ما جرى التصريح بإنشاء مدارس وكلّيّات أجنبيّة (فرنسيّة في غالبيّتها، وتُدار من جانب رهبانيّات كاثوليكيّة)، وكان يتردّد عليها في آن واحد أفراد من الأقلّّات وأتراك من الأسر الميسورة الحال. وقد أتيح للبنات، لأول مرّة، الحصول على تعليم حديث على النمط الأوروبيّ[1].وكذلك أيضًا حدث في عهد  السلطان عبد المجيد (1839 – 1861م) والذي عُرف بتبنّيه الكامل لمشروع التغريب، حيث تحوّلت في عهده مؤسّسات الثقافة التركيّة إلى مؤسّسات تبشّر بالمشروع المعرفيّ الغربيّ، وتأسّست في عهده في إسطنبول أوّل جامعة حديثة، حيث يحذو تعليم العلوم حذوًا أوروبيًّا، كما أمر بإنشاء  أكاديميّة العلوم العثمانيّة (انجومين – أي دانيش) عام 1850م. ومن أبرز رموز التغريب ودعاته في تركيا رشيد باشا(1800-1858م)، إبراهيم شناسي (1826-1871م)، ضيا باشا (1825 -1880م)، نامق كمال (1840-1888م)، مدحت باشا (1822-1885م)، عبدالله جودت.

 ثم كان بعد ذلك الحدث الأكبر في تاريخ العالم الإسلاميّ منذ نشأة دولة المدينة (622م)، وهو إعلان تفكيك الخلافة العثمانيّة على يد كمال أتاتورك والتي في ضوئها انقسم العالم الإسلاميّ إلى قسمين أساسيّين تجاه مسألة الإصلاح، الأول اعتمد النمط الأوروبيّ عن طريق «النقل والاقتباس»، والثاني: اعتمد في توجّهاته الإصلاحيّة على أصالة المجتمع الإسلاميّ ونموذجه المعرفيّ المستمد من العقيدة؛ ومن هنا اكتمل شكل الازدواجيّة المعرفيّة واتخذت شكلًا إيديولوجيًّا شقّت من خلالها النسق المعرفيّ الإسلاميّ إلى نصفين، نصف تبنّى المشروع الغربيّ في مبانيه وأصوله وفروعه ونصف تبنّى مواجهته.

ثانياً: مصر

على الرغم من وجود حركة فتيّة في مصر أرادت أن تتخطّى التراجع والضعف

(56)

الكائن في دولة الخلافة؛ إلا أنّه لم يُكتب لها النجاح بسبب ما واجته هذه الحركة من عوائق، فقد تعرّض العقل المصريّ للتغريب مثل باقي دول العالم الإسلاميّ، فمنذ الحملة الفرنسيّة (1798م) تعرّضت مصر لموجة كبيرة من التغريب بدأت بعلماء ومفكّري الحملة الفرنسيّة الذين جاؤوا للتبشير بالفكر والثقافة والقيم الغربيّة[1]، ويشير فهمي جدعان إلى أنّ التغريب في مصر اتخذ عدة أشكال هي [2]

  1. التغريب بالمعنى الخاصّ الضيّق لهذه الكلمة، أي بمعنى نبذ الشرق والعرب والإسلام واللحاق مباشرة بالمدنيّة الغربيّة بكلّ حسناتها وسيّئاتها، وأبرز من مثّل هذا الاتجاه» أحمد لطفي السيّد وسلامة موسى وطه حسين ومحمود عزمي» الذين ارتبط التغريب عندهم مفهوم «القوميّة المصريّة» أو «الفرعونيّة «الضيّق المعادي صراحة لكلّ انتماء عربيّ وإسلاميّ وشرقيّ تاريخيّ أودينيّ أو أدبيّ. ولم يكن العداء للعربيّة (الفصحى) ومعركة «القديم والحديث» إلا وجهًا لظاهرة التغريب.

  2. الليبراليّة وهى الدعوة إلى تحرّر العقول من كلّ سلطة عقليّة سابقة، والنظر إلى موضوعات المعرفة والمجتمع والإنسان نظرة عقليّة متفرّدة مدعومة بالفكر الوضعيّ الخالص. وممن ارتبط اسمهم بهذه الأفكار «إسماعيل مظهر وطه حسين».

  3. العلمنة، وتبلورت في الدعوة الصريحة إلى تأسيس الدستور على «القانون الوضعيّ»، وتأسيس «الدولة على قواعد «عصريّة غربيّة «ليس للدين الإسلاميّ أيّ دور فيه أو بتعبير مشهور» فصل الدين عن الدولة»، وممن ارتبط اسمهم بهذه الاتجاه «علي عبد الرازق».

(57)

ونلاحظ أنّ الإشكاليّة المعرفيّة الكبرى التي واجهت العقل المصريّ، وكانت مصدرًا لمعاناته الفكريّة تكمن في تلك الازدواجيّة التي بدأت تتكوّن مع إيجاد نظامين للتعليم مسؤولَين عن تشكيل البنية المعرفيّة للعقل المصريّ؛ هما: التعليم المدنيّ -الذي بدأ مع تجربة محمد علي- والذي يقوم على اتباع النمط الغربيّ، والتعليم الدينيّ الذي أصبح بجموده وانسداد روافد الاجتهاد فيه وفشل محاولات إصلاحه بما جعله يشكّل عبئًا وليس حلًّا للواقع الراهن، وفي ضوء ذلك «بدأت مصر تعرف ذلك الازدواج الخطير بين نمطين من الثقافة: ثقافة دينيّة تقليديّة جامدة، وثقافة علميّة غربيّة متجدّدة، وكان لهذا أسوأ الآثار والشرور التي عانت منها مصر، فقد فتّتت وحدة الفكر بين أبناء المجتمع، وخلقت أخدودًا ثقافيّاً قلَّ من كانوا يستطيعون عبوره»[1].

ونتيجة لسياسة الابتعاث إلى أوروبا في ضوء غياب التحصين المعرفيّ من جهة، واستقدام الأوروبيّين لاستخدامهم في وضع البرامج الثقافيّة والتربويّة في مصر من جهة أخرى، تكوّنت في مصر بيئة خصبة للتغريب ظهرت فيها كافّة أفكار ودعوات المشروع المعرفيّ الغربيّ من الدعوة إلى العلمانيّة وفصل الدين عن الدولة، وتحرير المرأة والدعوة إلى السفور ومحاربة الحجاب، والتبشير بسيادة الفلسفة المادّيّة وتبنّي نظريّة دارون في النشوء والارتقاء(شبلي شميل1850م، وإسماعيل مظهر 1891م، وسلامة موسى1887م).

 كما ظهرت الدعوة إلى الانسلاخ عن قيم الأمّة وتراثها واللحاق بأوروبا والسير على خطاها، وأخذ كلّ ما فيها بحلوها ومرّها (طه حسين 1889م)، والدعوة إلى الحرّيّة والتحرّر من القيم الإسلاميّة، ونشر دعوات تمزيق وحدة الأمّة مثل الوطنيّة والقوميّة (أحمد لطفي السيّد 1872م)، كلّ ذلك شكّل بيئة لترسيخ أفكار التغريب وتوطين مفاهيمه، وكان لذلك تأثيره الواضح على النظام المعرفيّ والتربويّ في مصر، يشير علي

(58)

خليل مصطفى إلى أهمّ آثار حركة التغريب على الفكر التربويّ في مصر فيما يأتي[1]:

1. ازدواجيّة النظام التعليميّ بين تعليم دينيّ وتعليم مدنيّ، فأصبح يعاني من الفصام الاجتماعيّ والفصام الشخصيّ.

2. ترديد أفكار الغرب واعتماد الدراسات التربويّة على الفكر الغربيّ اعتمادًا كاملًا، مما كان له من أثر بالغ، فقد أقام التعليم المصريّ على أساس غربيّ، وعامل الشخصيّة المصريّة المسلمة على أنّها شخصيّة غربيّة تمامًا.

3. محاولة إقصاء اللغة العربيّة، سواء أكان ذلك عن طريق إحلال اللغة الإنجليزيّة مكانها كما حاول «دنلوب «، أم بإضعافها عن طريق الدعوة إلى استخدام اللغة العامّيّة، بما يفصل الإنسان المسلم عن عقيدته القرآنيّة وولائه للإسلام.

4. عزلة التربية والتعليم عن المجتمع وقضاياه ومشكلاته الحقيقيّة.

ثالثًا: إيران

كان للحرب الإيرانيّة الروسيّة وما تبعها من هزيمة للإيرانيّين  ومعاهدة  تركمان چاى (1828م) -التي سُنّت بموجبها امتيازات كثيرة للأجانب- دورًا كبيرًا في التوجه نحو النمط الغربيّ في وسائل الحرب وفنونها. ولم يعد لدى الإيرانيّين خيار سوى إعداد جيش على الطراز الحديث فأنشأوا مدرسة «دار الفنون» في منتصف القرن التاسع عشر (1851م – 1867 هـ.س) في عهد الدولة القاجاريّة، وتضمّنت في دورتها الأولى «سبعة أقسام» هي: الرياضة والهندسة، والطب والجراحة، والصيدلة، وعلوم المعارف، وثلاثة أقسام أخرى خاصّة بـ»العلوم العسكريّة»[2]

(59)

وعلى الرغم  من استقدام مدرّسين أجانب لهذه العلوم وانتقاء الطلاب من غير المدارس الدينيّة، وعلى الرغم من التحوّل الإداريّ والقانونيّ الذي شهدته مدرسة «دار الفنون»؛ إلا أنّه لم يعترض أحد من علماء الدين، وذلك لرغبتهم في إعداد جيش قويّ يتمّ به مواجهة الروس مرة أخرى، إلا أنّه لم يتمّ التعايش مع مدرسة « دار الفنون» من قبل رجال الدين إلا لفترة محدودة انتهت ببدء الدورة الثانية لهذه المدرسة (1859م) والتي تأسّست فيها مجموعة من الأقسام الدراسيّة الأخرى في هذه المدرسة تهتم بتشكيل القيم وتتدخّل في الثقافة والأخلاق، وهذه الأقسام هي «المسرح والتمثيل»، «النحت والتصوير»، «الموسيقى».[1] وفي هذه المرحلة بدأ الصراع بين رجال الدين كمدافعين عن التعليم التقليديّ (الدينيّ) وما يحمله من قيم وخصائص، وبين فئة «المتغرّبين» الذين درسوا في أوروبا هذه العلوم الجديدة وعادوا لتدريسها في مدرسة دار الفنون وما تبعها من مدارس أخرى على اتّبعت النمط الغربيّ. فبعد نصف قرن تمّ إنشاء عدد من المدارس المشابهة، فأنشأت مدرسة الحقوق والعلوم السياسيّة (1899م) ومدّة الدراسة فيها 4 سنوات وتنتمي إلى التعليم العالي، ثم أنشأت في عام (1908 م) مدرسة الطبّ ومدّة الدراسة فيها (5) سنوات، كما أنشأت المدرسة العالية للزراعة والحرف المهنيّة عام (1922م) ومدرسة المهندسين عام (1926 م) والمدرسة البيطريّة عام (1932م).

 ويعتبر الإيرانيّون أنّ افتتاح «دار الفنون» واستقدام معلّمين ومناهج ودراسات غربيّة كان من العوامل المؤثّرة والفعّالة في انتشار الفكر الغربيّ وترويجه في إيران، لا سيّما فيما يتصل بمنظومة القيم والثقافة. وقد وصل عدد الخرّيجين خلال أربع سنوات إلى 1100 طالبٍ، وكان أغلبهم من أُسَرٍ معروفة وذات نفوذ كبير وشغل أغلبهم مناصب عليا في الدولة، وكانوا يسعون لنشر الثقافة الغربيّة في الوقت نفسه[2].

 ومن النتائج المهمّة لإنشاء دار الفنون ما صاحبها من إنشاء دور للنشر والطباعة

(60)

وتأسيس الصحف، وهو يعدّ تطوّراً جديداً على الحياة الثقافيّة في إيران في ذلك الوقت، على الرغم من المحاولات السابقة لميرزا صالح الشيرازي في إنشاء الصحف، إلا أنّه مع نشأة دار الفنون تأسّست دور الطباعة والنشر بصورة أسرع، وقد صدرت في البداية ثلاث صحف: الصحيفة العلميّة، الصحيفة الرسميّة الحكوميّة، والصحيفة القوميّة، كما كان لاستقدام مدرّسين أجانب دوره في الاتجاه نحو الترجمة وتعلّم اللغة الفرنسيّة، وهي لغة التعليم الأولى في مدرسة دار الفنون ثم تبعتها اللغة الإيطاليّة والألمانيّة، كما أصبحت هذه اللغات تدخل ضمن المنهج والمقرّر الدراسيّ للمدرسة وما تبعها من مدارس أنشأت على النمط الغربيّ نفسه. هذا بالإضافة إلى دور هؤلاء المعلّمين في نشر القيم والثقافة الغربيّة داخل قاعات الدرس للطلاب الذين لم يتلقّوا أيّ نوع من التعليم الدينيّ، كما أنّ مدرسة دار الفنون في منهجها ومقرّراتها غاب فيها – أيضًا – الدرس الدينيّ.

وفي هذه الأثناء ظهر جيل جديد من المثقّفين الإيرانيّين الذين تبنّوا (الفكر الغربيّ)، وتمثّلوا أفكاره، لاسيما في ما يتعلّق بالنظرة إلى الدين ومهامه ووظائفه في حياة الإنسان، حتى وصل الأمر إلى درجة معاداة الدين باعتباره أساس التخلّف، كما فعل التنويريّون الغربيّون مع الدين المسيحيّ «فقد تأثّر الجيل الأوّل من تيار التنوير الإيرانيّ بروحيّة معاداة الدين والمؤسّسة الدينيّة التي كانت سائدة في أوروبا. ومن هنا اتخذ هؤلاء موقفًا معاديًا من الدين، وتوجّهوا نحو الأصول القوميّة، فقفزوا إلى الوراء ليتجاوزوا الإسلام بوصفه مرحلة تاريخيّة دخيلة من عمر إيران والإيرانيّين، ويعودوا إلى تاريخ الأجداد الساسانيّين»[1].

وقد ارتبطت المؤسّسات التعليميّة الحديثة ومصطلح المستنيرين بمن يروّجون للفكر الغربيّ وباستعداء الدين واستبعاده من حركة النهضة الإيرانيّة، ومن ذلك

(61)

ما كتبه جلال أحمد عن هذه الحالة فيما أسماه «درخمت وخيانة روشنفكران» (المستنيرون خدمة وخيانة) والمصطلح يشير بوضوح إلى هؤلاء الذين يميلون للغرب ويرجّحون أفكاره وينقلونها.

 وعلى الرغم من محاولات السلطة الحاكمة منذ إنشاء مدرسة «دار الفنون «إقصاء المعرفة الدينيّة أو تحويلها إلى معارف ضمن التعليم الحديث «إلا أنّه وحسب الإحصاء الرسميّ لعام 1966م، فقد بلغ تعداد رجال الدين العاملين في إيران أكثر من 12 ألف شخص، 174 منهم من العنصر النسائي، وبعد سبع سنوات ارتفع الرقم الأوّل إلى 15 ألف شخص، أمّا المدارس الدينيّة، فقد وصل تعدادها إلى 299مدرسة تضمّ حوالي 140 ألف طالب كان أكثر من 6 آلاف منهم في مدينة قم وحدها[1].

 وفي عهد الدولة البهلويّة (1924-1979م) دخل التعليم في إيران مرحلة جديدة، حيث بدأ عهد إنشاء الجامعات، فأنشأت جامعة طهران عام (1313 هـ.ش-1924م) والتي مثّلت نقطة تحوّل في تاريخ التعليم في إيران، وتمّ تأسيس (6) كلّيّات فيها هي: «كلّيّة علوم المعقول والمنقول»، «كلّيّة العلوم الطبيعيّة والرياضيّة» «كلّيّة الآداب والعلوم التربويّة» «كلّيّة الطب»، «كلّيّة الحقوق والعلوم السياسيّة»، «الكلّيّة الفنيّة والمهنيّة».

وبعد حوالي 30 عامًا من إنشاء جامعة طهران، تمّ تأسيس المجلس المركزيّ للجامعات في حوالي عام (1344هـش- 1965م)، وذلك بهدف دراسة وبحث أوضاع الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في إيران، ثم تمّ تأسيس وزارة العلوم والتعليم العالي عام (1346هـ.ش-1968م) بهدف تحديد وتنظيم أمور الجامعات ومؤسّسات البحث العلميّ، ثم إنشاء «المجلس المركزيّ للتعليم»، «مجلس النشر والطبع»، «مجلس التعليم الطبّيّ»، وكلّ هذه المجالس كانت تابعة لوزارة التعليم العالي. وعلى الرغم من أهمّيّة هذه المؤسّسات لحركة النهضة، إلا أنّ إقصاء الدين والمعارف الدينيّة منها

(62)

جعلها ترتبط في أذهان الإيرانيّين بعملية التغريب؛ فضلًا عن أنّ الذين يعملون في هذه المؤسّسات كان يغلب عليهم الطابع الثقافيّ والفكريّ الغربيّ واستبعاد الدين كما ذكرنا سابقًا.

 ولم تتوقّف محاولات السلطة في سبيل تحقيق هذا الإقصاء، حيث اتّخذ الشاه مجموعة من الإجراءات التي كان من شأنها تقليص المدارس الدينيّة حتى وصل عدد طلابها في أواخر عهده إلى 784 طالبًا. ويشير بعض الباحثين الإيرانيّين إلى أنّ الأهداف الحقيقيّة لإنشاء الجامعة الإيرانيّة تتحدّد في «توفير الكوادر الفنيّة والتخصّصيّة التي تسدّ احتياجات الجهاز الحكوميّ في الدولة، بالإضافة إلى النواحي العسكريّة والصناعيّة، وذلك من خلال تأسيس أقسام دراسيّة وتخصصيّة توفّر القوّة الإنسانيّة المدرّبة في هذه الميادين والتي لم تكن موجودة في الحوزة العلميّة أو في نسق التعلّم الدينيّ الحوزويّ»[1].

وتذكر مصادر موثوقة أنّ الهدف الأصليّ من تأسيس الجامعة هو «تخريج نخبة بيروقراطيّة حكوميّة لسدّ احتياجات الجهاز الإداريّ المستحدث من قبل رضا شاه بهلوي الذي نقله من أوروبا»[2]، أما سلطان نزداد فيرى أنّ جامعة طهران أنشأت بغرض الترويج للقيم والثقافة الغربيّة ولإقصاء كلّ ما هو مقدّس ودينيّ في المجتمع الإيرانيّ[3].

ويشير جلال آل أحمد في كتابه «نزعة التغريب» إلى دور الجامعة الإيرانيّة في الترويج للفكرة الغربيّة وخدمة مصالح الشاه، فيقول... أمّا الجامعة الوطنيّة، فهي حانوت المستنيرين المتغربيّن العائدين من الخارج.. وقد دعاهم لافتتاح هذا الحانوت

(63)

الخاص، كثرة ما شاهدوه وسمعوه من ترّهات التقاليد المتحجّرة في جامعة طهران. فلم يأنفوا من التوسّل بمسؤولين من هذا النوع لتأسيس هذه الجامعة... أمّا جامعة طهران والتي من المفروض أن تكون مركزًا ضخمًا للأبحاث العلميّة والدراسات المعمّقة، فنجد فيها الفروع الجامعيّة الخاصّة بالتقنيّة والصناعة والميكانيكا (كلّيّات العلوم الصناعيّة) لا تخرج في النهاية سوى حِرَفِيّين جيّدين للصناعات الغربيّة، ولا أثر فيها للبحوث العلميّة الحديثة، أو الاكتشافات والاختراعات، ولا حلول للمشكلات القائمة، ولا أيّ شيء آخر، فلا يوجد سوى مصلحو ومشغّلو المكائن والصناعات الغربيّة»[1].

 وقد حاول رضا خان(1878-1944م) إنشاء بديل في الجامعة الإيرانيّة للتعليم الدينيّ في الحوزة، فأسّس كلّيّة «المعقول والمنقول» بهدف تربية جيل جديد من رجال الدين على العلوم الحديثة، بما يمكّنه من مزاحمة رجال الدين في الحوزة.

 كان استبداد رضا خان واعتداده القوميّ إيذانًا بولادة جيل جديد من القوميّين الذين يعتقدون أنّ سرّ تقدّم الغرب يكمن في تطوّر مؤسّساته السياسيّة، وبالتالي يقتضي اللحاق به تأسيس دولة مركزيّة قويّة تقوم على أساس ثقافة سياسيّة جديدة مقتبسة من الغرب المتقدّم. ومن هنا استندت دعوة رضا خان على ركيزتين، هما: الحداثة، والقوميّة، وقد حظيت سياسة رضا خان في مواجهة علماء الحوزة ومحاربة التقاليد والقيم الإسلاميّة بتأييد كلّ من الاتحاد السوفيتيّ وبريطانيا، وقد كان مدافعًا صريحًا، بل ومؤيّدًا لكلّ من يهاجم الحوزة وعلماء الدين في منشوراته أو صحافته»[2]

 ولم يستطع رضا خان استبدال ثقافة المجتمع الإيرانيّ بثقافة جديدة بالكامل، ولكنّه على الرغم من ذلك استطاع إحداث «ازدواجيّة ثقافيّة»، أو على الأقلّ أوجد أرضيّتها المؤسّسة لها، وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات التي اعتمدها، ومنها «أمره بنزع حجاب النساء، اعتداؤه على الحوزة وعلماء الدين، إحياؤه لتاريخ إيران

(64)

ما قبل الإسلام، تأسيسه لنظام قضائيّ جديد مستقلّ عن المحاكم الشرعيّة التقليديّة، تأسيسه لنظام تعليميّ جديد، إقراره لقوانين جديدة، إقراره للمركزيّة السياسيّة، وغير ذلك من الإجراءات التي كانت تهدف في روحها إلى مواجهة الحوزة والمؤسّسة الدينيّة، ومن جهة مصدرها كانت مستوحاة من تجربة أتاتورك في تركيا»[1]

كما ظهرت النزعة التغريبيّة في التعليم في عهد الشاه رضا خان في البعثات التعليميّة التي كانت يرسلها الشاه إلى أوروبا، ثم توفير مناصب لهؤلاء الطلاب في المؤسّسة التعليميّة، كما حاول الشاه مجابهة النزعة الدينيّة في إيران والتي كانت تقودها مدارس الحوزة العلميّة، ففرض الملابس العصريّة على رجال الدين، لا سيّما القبعة البهلويّة، وحظر لباس رجال الدين، إلا بعد الحصول على إذن رسميّ بذلك، وألغى بعض المناسبات الدينيّة، وأصبح الذهاب إلى الحج لا يتمّ إلا بتصريح خاص، وقلّص عدد المدارس الدينيّة، واتهم رجال الدين بالتخلّف والخرافة[2]، ومن مظاهر التغريب ـ أيضًا ـ «صدور مرسوم ملكيّ في 7 يناير1935 بتحريم الحجاب على المرأة في إيران، وحظره على التلميذات والمعلّمات أثناء الدرس»[3].

 واتجه الشاه-أيضًا- إلى  تبنّي النزعة القوميّة في التعليم من خلال القيام بعمليّة  «تفريس التعليم»، وذلك عن طريق  «فرض اللغة الفارسيّة على جميع المدارس الموجودة في إيران، حتى تلك التي يقطنها العرب، كما أصبح لحزب النهضة القوميّ في إيران دور مهمّ في وضع المناهج والمقرّرات الدراسيّة، ونشر الأفكار القوميّة عند الناشئة في مراحل التعليم المختلفة»[4]، «وترجيح العنصريّة القوميّة على الديانة الإسلاميّة في تعريف الهويّة الوطنيّة الإيرانيّة في التاريخ ماضيًا وحاضرًا، وإعطاء

(65)

الأهمّيّة القصوى لإيران «القديمة» ومدح الأفكار والأهداف المسيطرة في تلك الفترة، دون ذكر السلبيّات والمفاسد السياسيّة والاجتماعيّة لها»[1].

  وفي عام 1976م تحدى الشاه رجال الدين، وقام بتغيير التقويم الإسلاميّ الرسميّ الذي كان يبدأ من هجرة النبي من مكة إلى المدينة إلى ولادة الإمبراطورية الأخمينيّة قبل ألفي وخمسمئة سنة كانت لدى الشاه رغبة في الرجوع إلى ما قبل الإسلام، وأراد أن يلتحق بنسب قورش، مؤسس هذه الإمبراطوريّة؛  لكي يخفف من الطابع الإسلاميّ للشعب الإيرانيّ[2]، وكان هدف الشاه من هذه السياسات «ربط إيران بالحضارة الغربيّة وبالنظام العلمانيّ الذي كان بالضرورة على حساب سلطة رجال الدين»[3]

نخلص من هذا المشهد إلى أنّ محاولات التغريب أرادت أن تنفذ إلى تصوّرات العقل المسلم ونظامه القيميّ، وأنّها حاولت اختراق بناء الثقافة الإسلاميّة وحصنها، وقد أحدث ذلك مجموعة من الخروقات في البناء المعرفيّ الإسلاميّ، كان أبرزها تلك الازدواجيّة المعرفيّة التي أحدثت انقسامًا في العقل المسلم لم يلتئم بعد، وشقّت نظامه المعرفيّ ونسقه الفكريّ إلى نصفين أحدهما دينيّ، والآخر دنيويّ، وابتدعت ـ محاولات تغريب ـ صراعًا لم يكن له وجود في الواقع الإسلاميّ وحضارته، صراع متوهَّم بين الدين والحياة، والدين والتقدّم، والدين والعلم.

المحور الرابع:

حصاد تغريب الحياة الاجتماعيّة (نموذجا: التعليم والقضاء)

 سنحلّل في هذا المحور ونناقش أهم جوانب حصاد التغريب في العالم الإسلاميّ، وسنذكر بعض النماذج لا على سبيل الحصر، وتحديدًا في مجالات: التعليم والقضاء.

(66)

أولًا: التعليم في العالم الإسلاميّ في ظلّ نفاذ المشروع التغريبيّ

يحلّل محمّد المبارك (1912 – 1982م) العناصر التي شكّلت الحالة الثقافيّة والتعليميّة في العالم الإسلاميّ إبان الاحتكاك بالغرب، ونفاذ المشروع العلمانيّ وتغلغله في عناصر التكوين التربويّ والثقافيّ في العالم الإسلاميّ من خلال النظام التعليميّ، ويؤكد على أن حال العالم الإسلاميّ اختلف بعد اتصاله بالحضارة الغربيّة ومحاولته تقليدها والاقتباس منها وقيامه بنهضة علميّة على غرارها، فكان للثقافة في البلاد الإسلاميّة مصدران ونوعان متباينان[1]:

  1. أحدهما المصدر القديم والثقافة الموروثة وتنتشر هذه الثقافة وتُدرّس علومها وكتبها في حلقات علميّة خاصّة وفي مدارس قديمة يقيم فيها العلماء وطلاب العلم وفي معاهد عالية مشهورة كالأزهر والزيتونة.

  2. والثاني المصدر الحديث ومصدره الثقافة الغربيّة في الجامعات الحديثة التي أصبح المتخرّجون منها يحتلّون مراكز العلم والتوجيه في الحياة العلميّة.

 وقد أصبح يسيطر نظام تفكير غير إسلاميّ في أسسه ومفاهيمه ـ لا سيّما عن طريق التعليم في المدارس ـ على النظام الثقافيّ في البلاد الإسلاميّة بوجه عامّ، ففي المواد الدراسيّة ولا سيّما التاريخ والاجتماع والتربية الوطنيّة والمعلومات المدنيّة، وفي المواد الفلسفيّة تتجلى اتجاهات فكريّة ومفاهيم مستقاة من عقائد مذاهب فكريّة مخالفة للإسلام... فالمواد الدراسيّة أخذت واستقيت من مصادر أجنبيّة عن طريق النقل والترجمة والاقتباس، وقد أُسّست على مفاهيم وأسس فكريّة معيّنة في الحضارة الغربيّة، فهي نتيجة التطوّر الفكريّ عند الغربيّين، وتتأثّر بظروفهم الخاصّة، منها الصراع بين العلم والدين أو بين الدين والعقل، ذلك الصراع الذي كان نتيجته تشوّه الدين [الكنسيّ] وانحرافه إلى وثنيّة جامدة وتقاليد عجيبة، ومناصرة رجاله [رجال الكنيسة] لأهل الظلم

(67)

والاستبداد قبل النهضة ومعاكسته للنظرة التي فطر الله الناس عليها [1].

إنّ صياغة العلوم المتعلّقة بالطبيعة ومفاهيم التاريخ والمجتمع ومقاييس الأخلاق قد استُمدّت كلّها من هذه الفلسفات المادّيّة أو المثاليّة المختلفة المعارضة لأسس الإسلام ومفاهيمه وعقائده. وعلى هذا الأساس وُضعت مناهج التدريس وأُلّفت الكتب في البلاد الإسلاميّة على اختلاف درجات التعليم [2].

أما تعليم «الدين» [بمفهومه الضيّق العباديّ أو الطقوسيّ] في المدارس العامّة الرسميّة أو الخاصّة التي تحتذيها في البلاد الإسلاميّة، فيشكّل رقعة صغيرة غير منسجمة في مجموع النظام التعليميّ الذي وصفناه. كما يحتلّ – الدين – من الوجهة الكمّيّة أوّلًا نصيبًا ضئيلًا بالنسبة إلى مواد الدراسة، يتراوح في المدارس الابتدائيّة ما بين 1/30 و 4/30 وفي المدارس الإعداديّة والثانويّة 1-4/30. وفي دور المعلمين في البلاد التي يدرّس فيها الدين  فهو بهذه النسبة أو أقلّ. أمّا في الكلّيّات الجامعيّة، فلا تدرس الثقافة الإسلاميّة مطلقًا إلا في قسم اللغة العربيّة في كلّيّات الآداب في بعض الجامعات، حيث يدرّس القرآن والحديث من الوجهة الأدبيّة فحسب.

أمّا من الوجهة الكيفيّة فالنقص أشدّ والحظر أقوى؛ وذلك أنّ طريقة تدريس الدين [على ضآلة الجانب الكمّيّ] ومناهجه وكتبه وأساليب كتابته وتعليمه كانت متأخرة جدًّا ولا تزال كذلك في كثير من البلدان الإسلاميّة بالنسبة إلى مواد الثقافة الأخرى، بعيدًا عن الأساليب الحديثة والمتطوّرة[3].

إنّ أخطر ما كان من اقتباس نظم التعليم الغربيّة التي تستند إلى التصوّر والنموذج المعرفيّ العلمانيّ هو إشكاليّة الازدواجيّة في التعليم في العالم الإسلاميّ والتي «أبعدت الدين عن الحياة، والحياة عن الدين، ولم تُغْنِ مطلقًا جميع محاولات الإصلاح التي

(68)

قام بها المصلحون للتعليم القائم في المدارس والمعاهد الدينيّة؛ لأنّها لم تحلّ أصل المشكلة، ولم تجتث أسباب الأزمة، فإصلاحات الأزهر منذ عهد محمّد عبده لم تكن إلّا لمحاولات لحاق الأزهر بركب الحضارة وتقريبًا له من المدارس الرسمية والجامعات التي بقيت هي الأسوة في الاقتداء، فكانت غاية كلّ مصلح أن تكون المعاهد الدينيّة في مستوى المعاهد والمدارس المدنيّة[1]. التي تستقي بدورها نموذجها وتصوّراتها المعرفيّة من الفكر العلمانيّ الغربيّ».

إنّ هذا الازدواج وُجد منذ أوائل القرن العشرين، وبقي حتى الآن، وتجلّى في مثل الأزهر، والجامعات في مصر، وفي الزيتونة، والمعاهد والجامعات في تونس، وفي القرويين، والمدارس والجامعات في المغرب، وفي الكلّيّات والمعاهد الدينيّة وما يماثلها في المملكة العربيّة السعوديّة إلى جانب المدارس الرسميّة وجامعة الرياض. إن هذا الازدواج هو مصدر البلاء والآفة الكبرى، ووهو السبب المباشر لإضعاف الدين والتقليل من شأنه وتشويه الصفة الأساسيّة التي تتصف بها الحضارة الإسلاميّة وهي صفة الوحدة والتوحيد ونفي الازدواج [2].

 ومن ناحية أخرى فإنّ نشأة الازدواجيّة في النظام التعليميّ، والانقسام الذي أوجدته حركة النقل والاقتباس من أوروبا ـ دون وعي حضاريّ ـ أدّت إلى انقسام الأمّة في أهمّ مظاهر وحدتها، وهي الثقافة والتفكير «.. فبعد أن أُنشأت المدارس المدنيّة إلى جوار الأزهر، وتعدّت على اختصاصاته واحدًا تلو الآخر، حتى حصرته في نطاق ضيّق هو نطاق الفكرة الروحيّة، وأخذت منه كلّ المظاهر العمليّة تقريبًا، وتعدّدت أنواع التعليم وتكاثرت وتكرّرت التجارب، فإذا بنا نرى سلسلتين من أنواع المدارس: فهناك الأزهر وأقسامه وفروعه من الابتدائيّ والثانويّ والكلّيّات، وأقسام التخصّص ويلحق به في مهمّته مدارس المعلّمين الأوّليّة والمدارس الأوّليّة. وهناك

(69)

كذلك المدارس المدنيّة من رياض الأطفال والابتدائيّ والثانويّ والجامعة، ويلحق بها المدارس الخصوصيّة والفنيّة...، ولكلٍّ من هاتين السلسلتين أثر بالغ في نفوس قسم من أقسام الأمّة، وكلّ نوع من هذه المدارس يهيمن على عقول وأفكار يوجهها كثيرًا ما يكون بعيدًا عن توجيه القسم الآخر، وفي ذلك ما فيه من الخطر على أمة ناهضة لا سناد لها إلا الوحدة»[1].

 إنّ عمليّة تغريب التعليم في العالم الإسلاميّ حاولت أن تقضي على التعليم الدينيّ وتكتم أنفاسه بسبيلين هما: التطويق من الخارج والتطوير من الداخل – أمّا بالنسبة إلى التطويق من الخارج: فلم تقتصر العمليّة فقط على الترحيب بالتعليم غير الدينيّ، بل اعتمدت على ازدراء التعليم الدينيّ، وازدراء معلّميه وطلابه في وسائل الإعلام والواقع الاجتماعيّ، ومن ناحية أخرى اعتمدوا على وسيلة عمليّة، وهي تقليص باب الوظائف اللامعة أمام خريج الجامعة أو الكلّيّة أو المعهد الدينيّ، وقصر وظائف الخرّيج فيها على: التدريس أو الوعظ أو غير ذلك من خفض رواتب تلك الوظائف[2].

ثانيًا: تغريب التشريع والقضاء

-استطاع المشروع العلمانيّ -عن طريق عمليّة «الإزاحة والإحلال»- أن ينفذ إلى ميدان التشريع والقضاء في العالم الإسلاميّ عن طريق إزاحة «الشريعة» الإسلاميّة وإحلال «القوانين الوضعيّة بدلًا منها، وتأسيس المحاكم «المدنيّة» التي تحكم بهذه القوانين الوضعيّة في الجوانب التجاريّة والمدنيّة والحياتيّة وغيرها، وحصر المحاكم الشرعيّة في جانب ضيّق من الحياة الإنسانيّة والعلاقات الاجتماعيّة وهو جانب «الأحوال الشخصيّة».

 حدث في مصر انقلاب تشريعيّ عقب بسط الفرنسيّين نفوذهم على الطبقة

(70)

الحاكمة آنذاك تمثّل هذا الانقلاب التشريعيّ في محاولات إزاحة الشريعة الإسلاميّة وإحلال القوانين الوضعيّة، وكان ذلك في عهد الخديويّ إسماعيل(1830-1895م)، وهو الذي سمح بإنشاء المحاكم التي تحكم بتلك القوانين، وكانت في البدء تزاول عملها جنبًا إلى جنب مع المحاكم الشرعيّة، كما أُنشأت في عهده أول مدرسة للحقوق على النمط الفرنسيّ، فكانت تدعيمًا عمليًّا للقوانين الوضعيّة، ومن أهمّ هذه المحاكم التي أنشأت وكانت بداية لهذا الانقلاب التشريعيّ[1]:

1. المحاكم القنصليّة: وقد نشأت هذه المحاكم إثر توسّع الامتيازات الأجنبيّة التي صحبت تدفّق الأجانب على مصر، وقد أصبح لهذه المحاكم «سلطة الحكم فيما يرتكب رعاياها من جرائم على المواطنين، وكذلك سلطة الفصل في القضايا التي يرفعها رعاياهم على الأهالي، بل وعلى الحكومة المصريّة نفسها، وكان يوجد في مصر (17) محكمة قنصلية تمثّل (17) دولة كانت تتمتع بالامتيازات الأجنبيّة في مصر.

2. المحاكم المختلطة (1875م): وقد نشأت في غمرة التدخّل الأجنبيّ وفوضى الامتيازات. وكانت نشأة هذه المحاكم واحدة من أبلغ الأدلّة على خطورة الغزو الفكريّ، حيث أراد إسماعيل أن يوحّد القضاء، فحوّل المحاكم «القنصليّة» إلى محاكم تابعة للدولة المصريّة ذاتها، وسُمّيت «بالمختلطة»، وكان أغلب قضاتها من الأجانب، وكانت تحكم بالشرائع والقوانين الفرنسيّة المحضة، التي حُرّرَت على عجل نقلًا عن القانون الفرنسيّ.

3. المحاكم الأهليّة: وهذه المحاكم هي النسخة العربيّة من المحاكم المختلطة، وهي لتحاكم أهل البلاد إليها، ولكن بالقوانين التي أخذت مباشرة من القوانين الفرنسيّة. 

وفي معاهدة إلغاء الامتيازات الأجنبيّة عام 1937م اشترط المؤتمرون أن تستمدّ

(71)

مصر تشريعها من التشريع الغربيّ (بعيدًا عن الشريعة الإسلاميّة)، ومع زوال المحاكم المختلطة صدر القانون المدنيّ عام 1948 ناصًّا في مادته الأولى على مصادر القانون، جاعلًا في مقدّمتها التشريع الوضعيّ.. ثم العرف الوضعيّ، ووضع في الدرجة الثالثة مبادئ الشريعة الإسلاميّة والقانون الطبيعيّ، فجعل (الشريعة) في الدرجة الثالثة، وجعل القانون الطبيعيّ مشاركًا لها. وتبعتها في ذلك أكثر الدول العربيّة بعد استقلالها، وصار القانون المدنيّ المصريّ أساسًا لكثير من القوانين في البلاد العربيّة[1].

ومن أهم الآثار التي ترتبت على دخول القوانين الوضعيّة إلى ساحة التشريع والقضاء في العالم الإسلاميّ[2]:

1. تعطيل الشريعة: تمّ إنشاء محاكم خاصّة في تلك البلاد – التي دخلتها القوانين الوضعيّة – لتطبيق هذه القوانين، وتمّ تعيين قضاة أوروبيّين وبعض القضاة الوطنيّين الذين درسوا تلك القوانين ولم يدرسوا الشريعة الإسلاميّة، وقد اعتبرت المحاكم الجديدة نفسها مختصّة بكلّ شيء تقريبًا، فترتب على ذلك تعطيل الشريعة تعطيلًا عمليًّا؛ لأنّ المحاكم الجديدة لا تطبّق إلا قوانينها.

2. المقاربات الخاطئة بين الشريعة والقانون الوضعيّ وغلبة القانون الوضعيّ: أدّى الجهل بالشريعة إلى تفسير النصوص القليلة المأخوذة عن الشريعة تفسيرًا يتّفق مع القوانين الوضعيّة ويختلف عن الشريعة في بعض الأحوال. من ذلك أنّ قانون العقوبات المصريّ ينصّ على أنّ أحكام قانون العقوبات لا تخلّ بأيّ حال من الأحوال بالحقوق المقرّرة لكلّ شخص في الشريعة الإسلاميّة، وبالرغم من قيام هذا النصّ الصريح، فإنّ الشرّاح المصريّين لم يدرسوا هذه الحقوق كما هي موجودة في الشريعة، واكتفوا بأن يدرسوا من الحقوق،

(72)

ما يقرّه القانون الفرنسيّ، وأن يدرسوه  على طريقة الشرّاح الفرنسيّين، وأن يعلّلوه بقواعد القانون، كما علّله الفرنسيّون، وقد اندفع الشرّاح المصريّون في هذا الطريق تحت تأثير عاملين؛ أولّهما أنّهم لا يدرسون الشريعة ولا يعرفون شيئًا من أحكامها واتجاهاتها. وثانيهما أنّهم يقيّدون أنفسهم بآراء واتجاهات الشرّاح الأوروبيّين عامّة والفرنسيّين خاصّة، فلا يحرّمون إلا ما حرّموا، والشرّاح الأوروبيّون لا يعرفون بطبيعة الحال شيئًا عن الشريعة الإسلاميّة.

3. تدريس القانون الوضعيّ وإهمال تدريس الشريعة: أنشأت السلطة القائمة على التعليم مدارس خاصّة لتدريس القوانين، وقد جرت هذه المدارس على الاهتمام بدراسة القوانين، وإهمال الشريعة إلاّ في مسائل قليلة كالوقف، فأدّى ذلك إلى نتيجة مخزية؛ إذ أصبح كلّ رجال القانون تقريبًا – وهم من صفوة المثقفين – يجهلون كلّ الجهل أحكام الشريعة الإسلاميّة واتجاهاتها العامّة. أي أنّهم يجهلون بكلّ أسف أحكام الإسلام، وهو الدين الذي تدين به الدول الإسلاميّة.

 يشير فتح الله سعيد[1] إلى مجموعة من الآثار الثقافيّة والاجتماعيّة التي لحقت بالمجتمع المسلم جرّاء علمنة القوانين وتغريبها واستبعاد الشريعة الإسلاميّة، ومنها:

1.  تغيير المجتمع تحت مظلّة القانون الوافد: ذلك لأنّه من المقرر أنّ القانون – من حيث هو – يستهدف أحد أمرين: إمّا المحافظة – بقوّة السلطة  - على وضع قائم يراد له البقاء والاستمرار؛ وإمّا العمل على تحقيق وضع غير موجود، يُراد له التمكّن والانتشار.

2. القانون الوضعيّ والانحلال الخلقيّ: الانقلاب الذي جاء به التشريع، فلم يكن مجرّد إحلال قانون محلّ قانون آخر، بل إنّه هزّ الأخلاق الإسلاميّة من أساسها، ويرجع هذا إلى أنّ مبادئ القانون الوضعيّ تختلف عن أسس الشريعة الإسلاميّة، اختلافاً

(73)

أساسيّاً، فالقانون الوضعيّ يرى أنّ مهمّته مقصورة على تنظيم الصلات الاجتماعيّة، أمّا بالنسبة إلى السلوك الفرديّ، فإنّه لا يتردّد في التصريح بأنّه يقع خارج نطاق سلطانه، وأنّه من أجل ذلك متروك لحرّيّة الفرد، ومن ثمّ فإنّه لا يعاقب على المنكرات والفواحش، أمّا الشريعة الإسلاميّة، فقد وُضعت على أساس مبدأ مختلف، فالسلوك الفرديّ، كالسلوك الجماعيّ يقع تحت مظلّة القانون الإسلاميّ، وعلى هذا الأساس يقوم تشريع الحدود، وضروب التعزيزات، في شرب الخمر والقمار، والزنا، ونحوه...

 وما كاد القانون الوضعيّ يحلّ في البلاد الإسلاميّة محلّ الشريعة، ويعطل الحدود والتعزيرات، حتى سنحت الفرصة لشذّاذ الآفاق وطلاب الربح الحرام من الغربيّين، فأقبلوا من كلّ صوب، وشرعوا ينشرون الحانات، ودور الفساد في جميع أرجاء البلاد الإسلاميّة، فكان هذا بداية انقلاب أخلاقيّ واسع المدى، يقوم على أساس التفلّت من قيود الأخلاق والدين... وكانت الخطّة العامّة التي رسمها الاستعمار لبلوغ مآربه هي الاستعانة بالقانون الوضعيّ على إطلاق سراح الشهوات، من قيود الشريعة.

3. دور القانون الوضعيّ في التخريب الاقتصاديّ: فمن المعلوم أنّ الشريعة الإسلاميّة تحرّم تحريماً قاطعاً جميع الفوائد الربويّة في سائر المعاملات كالرهون، والمضاربات (القرض)، والقروض بنوعيها: الإنتاجيّ، والاستهلاكيّ...إلخ. ولذلك نَجَت المجتمعات الإسلاميّة من لعنة الربا طوال تاريخها بسبب تعاليم هذه الشريعة الهادية، فلمّا خالفوا أمرها حقَّ فيهم نذير الله للمرابين: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: 279]، ومن ثم اجتاحتهم النكبات، وعضّتهم الأزمات، وأزالتهم الشياطين عن دينهم.!!

ـ فلما دخل الاحتلال كان أوّل ما استهدفه هو إسباغ ثوب «الشرعيّة القانونيّة» على هذا اللون من المعاملات المحرّمة شرعاً، والمستنكرة غاية الاستنكار عرفًا؛ ولذلك عمد المحتلّون إلى جميع ما حرّمته الشريعة من الأرباح والفوائد، فأباحوه عن طريق القانون الوضعيّ. وهذا ما دعا الإنجليز في كلّ مفاوضاتهم إلى التمسّك بمستشار

(74)

لوزارة العدل (الحقانيّة وقتئذ)، يسيطرون من خلاله على المجتمع المصريّ عن طريق التشريع، وبمستشار لوزارة الماليّة يسيطرون به على القوّة التي تجعل الكلام عملاً، وتحيل الأفكار إلى بناء مائل، وكانت حجّتهم التي يسترون بها أهدافهم الحقيقيّة في التمسّك بمستشاري العدل والماليّة، هي المحافظة على مصالح الأجانب.

4. مهاجمة الإسلام في جانبه القانونيّ العمليّ: وذلك عن طريق ربط مصالح الناس الحيويّة بقانون آخر يستقطب جهودهم ويصرفهم عمليًّا عن الاهتمام بأحكام الشريعة الإسلاميّة، فتموت هي الأخرى عمليًّا ولو بالتدريج، في حين تنتقل الحياة، والحركة، والنشاط إلى شرائع مخالفة، ويتركز الاهتمام حولها!!.

5. التعليم الحقوقيّ: يعد تأسيس التعليم الحقوقيّ الجديد، من أهمّ دعائم القانون الوافد، بمدارسه ومعاهده، وكذلك تأسيس كلّيّاته الجامعيّة التي انتهت إلى «التعريب» الكامل، في البلاد العربيّة، ناهيك عن غيرها من البلاد التي لا تتكلّم بلغة العرب، وقد أصبحت هذه الكلمات في جميع البلاد تبدو للناظر – بادي الرأي – جهدًا وطنيًّا، ذاتيًّا للغاية، كأنّه لا يستمدّ أصوله، ومقوّماته كلّها من وراء البحار ومن بنات أفكار الاحتلال ونظمه ومبادئه!!

ـ ومن أقدم المؤسسات الحقوقيّة في بلاد المسلمين مدرسة «الحقوق المصريّة» التي أسّسها إسماعيل في فترة حكمه لمصر (1863 – 1879) لدراسة القانون على نمطه الأوروبيّ، وكان المتفوّقون والقادرون من خرّيجيها يستلمون دراستهم القانونية في جامعات فرنسا ومعاهدها، ويتتلمذون على أعلام القانون والتشريع فيها!![1].  

ـ وكان إنشاء هذه المدرسة عملًا متسقًا تمامًا مع قيام «المحاكم المختلطة» في مصر (1875) بتشريعها الفرنسيّ، وكذلك كانت هذه المدرسة أكبر الوسائل الفكريّة والعمليّة، لتدعيم هذا القانون الوافد، الغريب على المسلمين، ومدّه بكلّ أسباب

(75)

البقاء، والنماء؛ لأنّها أدّت إلى قيام طبقة «قانونيّة» جديدة من المسلمين أنفسهم، لتحلّ محلّ الأجانب في دوائر القضاء والتشريع، حتى يصبح هذا الانقلاب الخطير ذا شكل وطنيٍّ في ظاهره، ويقوم على جهود ذاتيّة من داخل البلاد تكفل له الاستقرار والاستمرار حتى بعد رحيل الاستعمار.

-وقد تطوّرت هذه الدراسة وأمثالها في بلاد المسلمين، حتى أصبحت «كلّيّات» جامعيّة، توسّعوا في مناهجها، وترجموا لها أمّهات كتب القانون الأجنبيّة، ثمّ جاء الطور الأخير الخطير، وأصبح التعليم، والتدوين القانونيّ عربيًّا بحتاً أو باللغات الوطنيّة في كلّ إقليم، وكان هذا هو غاية التلبيس؛ لأنّه يستمد جذوره، وأصوله، وفلسفته، ونظريّاته، بل حتى سوابقه القضائيّة، وشروحه الفقهيّة، من القوانين والمصادر الأجنبيّة عامّة، والفرنسيّة منها بوجه خاصّ.

وفي ظلّ ذلك تشكّلت عقليّات الجيل القانونيّ الناشئ وقتها بقالب صلب من اعتناق الأصول التي قامت عليها القوانين التي سنّها الخديوي توفيق عام 1883، وهذه الآثار المتصلّبة مازالت مسيطرة على العقليّة القانونيّة حتى أنّ أكثريّة رجال القانون لا يقبلون إلا الأفكار التي بُنيت عليها أصول القانون المدنيّ والجنائيّ والمرافعات والإجراءات التي أخذت بها هذه القوانين الوضعيّة.

-وفي تتبع تاريخيّ لحركة علمنة القوانين في العالم الإسلاميّ خلال القرن العشرين وتغريبها، يلاحظ وجود ثلاثة حوادث أساسيّة، أدّت إلى تغريب شامل للقوانين المصريّة، وهي كالآتي[1]:

الحادث الأول: هو ما سُمّي وقتها بالإصلاح القضائيّ، وكان في عهد الخديوي توفيق عام 1882م، وفيه استبدل بالشريعة الإسلاميّة قوانين وضعيّة تحكم الأوضاع الكبرى، وهي القانون المدنيّ وقانون التجارة والقانون البحريّ، وقانون المرافعات المدنيّة

(76)

والتجاريّة، وقانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائيّة. وأنشأت تبعًا لذلك محاكم على النمط الأجنبيّ، ولم يبقَ للشريعة الإسلاميّة إلا دائرة ضيّقة مما سُمي باسم الأحوال الشخصيّة والوقف، تطبّقها المحاكم الشرعيّة بالنسبة للمسلمين والمجالس الملّة بالنسبة لغيرهم.

والحادث الثاني: قيام ثورة 1919 وصدور دستور 1923 بعدها. وقنّن دستور 1923 مبادئ تنصّ خلافًا لما يقرره الإسلام فيما يتعلّق بالحرّيّات المطلقة، وخاصّة حرّيّة العقيدة الدينيّة، فصارت الدعوة إلى التبشير مباحة ومُسخت الأصول الدستوريّة الإسلاميّة في الأذهان، فمن قائل إنّ الانتخاب العام هو البيعة الشرعيّة، ومن قائل إنّ قيام البرلمان بالتشريع هو من قبيل الشورى. ومن قائل إنّ الإسلام يرتكز على الأسس الديمقراطيّة، وبذلك ودّعت البلاد النظام الإسلاميّ الدستوريّ توديعًا نهائيًّا واختلط الحابل بالنابل في مجال الفكر الدستوريّ الإسلاميّ حتى صار الزيف مقبولًا والخداع ذائعًا.

والحادث الثالث: قيام ثورة 1952 في مصر، واتخاذ هذه الثورة المبدأ الاشتراكيّ (الذي أفضى بنا إلى الفشل في الداخل والخارج)، والذي يقوم على المبادئ الشيوعيّة في العقيدة والنظام الاجتماعيّ وتفسير التاريخ، وهو نظام دكتاتوريّ يتظاهر بالقيام بمصالح الشعب، بينما هو يذيقه ويلات الاضطهاد والقمع... وإلى جانب ذلك أظهرت أحداث فرعيّة للقضاء المبرم المكانة الضعيفة التي تركها النظام الوضعيّ الجديد للشريعة الإسلاميّة. وذلك كصدور قانون الأحوال الشخصيّة سنة 1925، وقانون الوصيّة، وغيرها مما يتضمّن مخالفات ظاهرة للشريعة الإسلاميّة، مضافاً إلى إلغاء المحاكم الشرعيّة، وتعديل نظام الأزهر الشريف.

ويرى كمال وصفي – أيضًا – أنّ القوانين الوضعيّة التي استندت على مبدأ العلمانيّة في إقصاء الدين عن المبادئ التشريعيّة والدستوريّة هدفت إلى انهيار القيم داخل المجتمع المصريّ المسلم بما شرعته من أصول ومبادئ.إنّ القوانين الوضعيّة تستجيب دائمًا للمتغيّرات الاجتماعيّة حتى ولو كانت أمراضًا وانحرافات أصابت المجتمع، وفي

(77)

هذا خطر كبير على المجتمع؛ إذ إنّه يحطّم أيّ سياج أو إطار من القيم والمعنويات التي تحفظ المجتمع من التدهور، وتعالج انحرافاته. وهو ما كان يفعله النظام الدينيّ الإسلاميّ لتكامله والذي يحيط المجتمع بسياج وإطار يمنع المجتمع من التدهور والانحراف ويحفظ قيمه ومبادئه[1].

خصائص مرحلة التأثّر:

تعدّ هذه المرحلة الفكريّة من أخطر المراحل التي شهدتها المجتمعات الإسلاميّة في العصر الحديث، حيث وقع الاحتكاك العنيف بين الحضارة الغربيّة الغالبة، وبين المجتمع الإسلاميّ المغلوب حضاريًّا وفكريًّا وعلميًّا وعسكريًّا، طرح الغالب نموذجه «للخلاص الحضاريّ» باعتباره النموذج الأوحد للتقدّم والنهضة، وتلقّفته فئة من أبناء المجتمع الإسلاميّ عن جهل تارّة بأبعاده الحضاريّة، وعن رغبة تارة أخرى في تحقيق النهضة لمجتمعها المتردّية أوضاعه، واستغل فريق ثالث هذه الحالة للتخلّص من التراث الحضاريّ للأمّة كلّها بمرجعيّاتها ومقدّساتها، واتهام التراث بأنّه سبب للتراجع الحضاريّ في المجتمعات المسلمة، وأطلق على هذه الفئة، فئة «التغريبيّون».

مثّلت فرنسا طليعة المشروع التغريبيّ في الشرق الإسلاميّ، وطرحت برنامجها من خلال المدفع والمطبعة والمنشورات، واستطاعت جذب عدد من أبناء المسلمين إلى هذا البرنامج التغريبيّ، تمثّل بعد ذلك في البعثات التعليميّة، واستقدام معلّمين، وتأسيس المدارس على الطراز الغربيّ.

بدأت الازدواجيّة الفكريّة (الإسلام والغرب) في الظهور مع عودة طلاب البعثات، ومع المشروعات الصناعيّة لتحديث الجيوش الإسلاميّة، وقد ظهر ذلك في مصر وإيران وتركيا.

كما بدأ تصدير إشكالات العقل الأوروبيّ في العصر الوسيط إلى العقل المسلم،

(78)

مثل تعارض الدين والعقل، والدين والعلم، والدين والمدنيّة، في محاولة لسحب مفهوم الدين بمعناه الكنسيّ على الإسلام، ومحاولة تفريغ الإسلام من معناه الحضاريّ ومضمونه الحياتيّ الدنيويّ، من أجل اختزاله في الجانب الطقوسيّ التعبديّ المسجديّ.

استخدم التغريب أدواته من الاستشراق والتبشير والعلمانيّة كأدوات صنعها، وبدأ تشغيلها في الواقع الإسلاميّ، من أجل مساعدته في نشر نموذجه وفلسفته بين المسلمين، وهو النموذج الذي يقوم في بنيته المعرفيّة على إقصاء الدين بصورة مطلقة من الحياة الإنسانيّة، واستبدال القوانين الإلهيّة بالقوانين الوضعيّة، والترويج للمادّيّة كأساس للحياة.

سعى المشروع التغريبيّ وأنصاره في الداخل إلى التأثير في نظام القيم أيضًا، فظهرت دعوات: فصل الدين عن الدولة، والدين عن القانون، والدين عن التعليم، والدين عن الأخلاق. وظهرت دعوات حرّيّة المرأة، وكان السفور عنوان تلك الحرّيّة، ودعوات تطوير اللغة العربيّة ودعم العامّيّة بديلًا عنها، ثم دعوات التطاول على التراث والهويّة الإسلاميّة واستبدالهما بهويّات إقليميّة وقوميّة قديمة خالية من الدين والوحي.

وهكذا مثّلت هذه المرحلة نقاطاً لتمركز المشروع التغريبيّ في التعليم، والقانون، والصحافة، وأصبحت هذه النقاط مراكز لتجمع أنصار المشروع التغريبيّ، فتقلّدوا المحاكم، ورئاسة الصحف التي أسسها الاحتلال، وكراسي الجامعات الحديثة. 

كان على المدرسة الإسلاميّة في الإصلاح والتجديد أن تؤسّس لموقفها بما يطرح في الواقع الإسلاميّ اتجاهًا مغايرًا أو موازيًا للاتجاه التغريبيّ، وهو ما سنتناوله في الفصل القادم.

(79)
(80)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الاتجاهات الإسلاميّة الباكرة نحو المشروع التغريبي

(الرفض والتعبئة ـ الردود ـ المقاربة المقارنة)

(81)

 

تمهيد

نتناول في هذا الفصل بالتحليل والاستقراء بدايات حركة مقاومة المشروع التغريبيّ، ونحاول رصد الاتجاهات الفكريّة وتصنيفها حسب مقدار الجهد المبذول في عمليّة المقاومة الفكريّة وطبيعة هذه المقاومة واتجاهها وموقعها في حركة الفكر الإسلاميّ الحديث والمعاصر. إنّ مجموعة هذه الاتجاهات التي صنّفناها هنا إلى اتجاه الرفض المطلق للمشروع التغريبيّ، واتجاه الردود على الاتهامات الموجّهة للإسلام، ثم اتجاه المقاربة والمقارنة، قد تم تصنيفها  حسب رؤية معرفيّة -وليس زمنيّة- رغم اعتباريّة عامل الزمن، لكنّه ـ أي الزمن ـ يبقى عاملاً ثانويًّا بعد العامل الفكريّ المتمثّل في الاستيعاب والإدراك الواعي وتطوير عطاء الذات المسلمة مقابل الموقف من المشروع التغريبيّ. وربّما في مرحلة زمنيّة واحدة أو قريبة منها، امتلك العقل أكثر من موقف للتعبير عن اتجاهه من المشروع التغريبيّ، فمحمّد عبده على سبيل المثال، طرح أكثر من موقف نحو المشروع التغريبيّ، تنوّعت بين الردود (الردّ على هانوتو)، والمقارنة، والمقاربة بين الإسلام وبين العلم والمدنيّة، ثم تحوّل محمّد عبده إلى مؤسّس لحركة الفعل الإسلاميّ نحو التحرّر في (رسالة التوحيد)..وهكذا. وينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة محاور رئيسة: المحور الأوّل: اتجاه الرفض والتعبئة، والمحور الثاني: اتجاه الردود والمقاربة والمحور الثالث: اتجاه المقارنة والترجيح.

المحور الأوّل:

اتجاه الرفض والتعبئة

 تقوم منهجيّة المضمون المعرفيّ لهذا المحور على تتبّع الآراء والأفكار الأولى التي رأت في العلاقة بالغرب ومشروعه التغريبيّ خطرًا داهمًا على الأمّة، وأنّ الحلّ الأمثل والوحيد هو رفض هذه العلاقة كلّيّة، ومواجهة هذا المشروع برمّته، ومن روّاد هذا

(82)

الاتجاه: جمال الدين الأفغاني (1838-1897)، ومصطفى صبري (1869-1954)، ومحب الدين الخطيب (1868-1969 )، وجلال آل أحمد ( 1923-1969).

أوّلًا: الغرب ليس مخلّصًا لأمّتنا من أزمتها الحضاريّة

 من التوجّهات الرئيسة في هذا المنحى للتعامل مع الغرب، وفي رؤية مشروعه التغريبيّ، الرفض الكامل لمقولة «الغرب المخلّص» للأمّة من أزمتها الحضاريّة، وأنّ الطريق إلى اعتناق أفكاره وتمثّل نموذجه الفكريّ هو السبيل للنهضة والتقدّم.

يبحث الأفغاني (1838-1897) في أسباب تراجع الأمّة ونهضتها وأحوالها الحاضرة والماضية في مقالته (ماضي الأمّة وحاضرها وعلاج عللها)[1]، والذي نُشر في العروة الوثقى ( 1885م)، وينتقد في هذا البحث الاتجاه الفكريّ الذي رأى في الغرب مخلّصًا للأمّة من عثرتها، وأنّه لا سبيل لذلك إلا بالنقل والاستيراد من الغرب.

 وينتقد كلّ محاولات نقل العلوم الغربيّة دون إدراك للسياق الحضاريّ والفكريّ لنشأة تلك العلوم ولمعانيها الفكريّة والثقافيّة التي نشأت في ظلالها وغاياتها ومقاصدها، فالعلوم توظّف بالأساس لخدمة بيئتها ووطنها الذي نشأت فيه. ويقول في ذلك «... ويظنّ قوم آخرون أنّ الأمّة لن يتمّ شفاؤها من الأمراض القاتلة إلا بإنشاء المدارس العموميّة دفعة واحدة في كلّ بقعة من بقاعها، وتكون على الطراز الجديد المعروف بأوروبا، «ثم يقول مستطردًا: «واعجبًا كيف يكون هذا وأنّ الأمّة في بُعد عن معرفة تلك العلوم الغربيّة عنها وكيف بذرت بذورها وكيف نبتت واستوت على سوقها وأينعت وأثمرت، وبأي ماء سقيت وبأيّ تربة تغذّت ولا وقوف لها على الغاية التي قصدت منها في مناشئها، ولا خبرة لها بما يترتب عليها من الثمرات، وإن وصل إليها طرق من ذلك فإنّما يكون ظاهرًا من القول لا إنباء عن الحقيقة، فهل مع هذا يصيب الظن بأنّ مفاجأة بعض الأفراد بها وسوقها إلى أذهانهم المشحونة

(83)

بغيرها يقوّم من أفكارهم ويعدّل من أخلاقهم ويهديهم طرق الرشاد؟!»[1].

-ويرى– أيضًا- أنّ الفئة التي أخذت على عاتقها نقل تلك الأفكار والمعارف الغربيّة لا يستطيعون إدراك ماهيّة تلك القيم والأفكار، فوقعوا في التقليد الذي لا يزيد الأمّة إلا فسادًا، «لعلّ الأقرب أنّ ناقلي تلك العلوم، وهم من أمّة هذا شأنها، مع ما ينعكس إليهم من الأوهام المألوفة فيها وما رسخ في نفوسهم وما يعظمونه من أمر هذه الأمّة التي تلقّوا عنها علومهم يكون بين أمّتهم كخلط غريب لا يزيد طبائعها إلا فسادًا»[2].

- لا يستطيع مشروع «التغريب» إنجاز حضارة، بل يزيد إنّه الأمّة انحطاطًا وتراجعًا «ماذا يكون من أولئك الناشئين في علوم لم تكن ينابيعها من صدورهم ولو صدقوا في خدمة أوطانهم يكون منهم ما تعطيه حالهم يؤدّون ما تعلّموه كما سمعوه، لا يراعون فيه النسبة بينه وبين مشارب الأمّة وطباعها وما مرنت عليه من عاداتها، فيستعملونه على غير وضعه، ولبعدهم عن أصله ولهوهم بحاضره عن ماضيه وغفلتهم عن آيته يظنونه على ما بلغهم هو الكمال لكلّ نفس، والحياة لكلّ روح، فيرومون من الصغير ما لا يرام إلا من الكبير وبالعكس غير ناظرين إلا إلى صور ما تعلموه ولا مفكريّن في استعداد من يعرض عليهم وهل يكون له من طباعهم مكان يصمد أو يزيدها على ما بها أضعافًا وما هذا إلا لكونهم ليسوا أربابها، وإنّما هم لها نقلة وحَمَلة»[3].

- إن تجربة الإصلاح على الطراز الغربيّ والتي حدثت في تركيا ومصر لم تثمر ما كان يرجو لها أصحابها من تحقيق نهضة أو تقدّم. يقول الأفغاني في هذا المجال: «لقد شيّد العثمانيّون والمصريّون عددًا من المدارس على النمط الجديد [الغربيّ]، وبعثوا بطوائف منهم إلى البلاد الغربيّة ليحملوا إليهم ما يحتاجون إليه من العلوم والمعارف والصنائع والآداب، وكلّ ما يسمّونه تمدّنًا وهو في الحقيقة تمدّن للبلاد التي

(84)

نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنسانيّ»، ويتساءل: «هل انتفع المصريّون والعثمانيّون بما قدّموا لأنفسهم من ذلك، وقد مضت عليهم أزمات غير قصيرة؟ هل صاروا أحسن حالًا مما كانوا عليه قبل التمسّك بهذا الجيل الجديد؟ هل استنفذوا أنفسهم من أنياب الفقر والفاقة؟ هل نجوا بها من ورطات ما يلجئهم إليه الأجانب بتصرفاتهم؟ هل أحكموا الحصون وسدّوا الثغور؟ هل نالوا بها من المتعة ما يرفع عنهم غارة الأعداء عليهم؟ هل بلغوا من البصر بالعواقب والتصرّف في الأفكار حدًّا يميل عزائم الطامعين عنهم؟»[1].

-ويضيف مبينًا حقيقة التقليد والمقلّدين، وأنّهم يُعدّون من مداخل اختراق الأمّة الحضاريّ والفكريّ، ولا يضيفون لحركتها الحضاريّة والفكريّة أيّ تطور أو نهضة «إنّ المقلّدين من كلّ أمّة المنتحلين أطوار غيرها يكونون فيها منافذ وكوى [خرق في الجدار] لتطرّق الأعداء إليها، وتكون مداركهم مهابط الوساوس ومخازن الدسائس، بل يكونون بما أُفعمت أفئدتهم من تعظيم الذين قلّدوهم واحتقار من لم يكن على مثالهم شؤمًا على أبناء أمّتهم، يذلّونهم ويحتقرون أمرهم، ويستهينون بجميع أعمالهم وإن جلّت،... إن نتيجة العلم عند هؤلاء ليست إلا توطيد المسالك والركون إلى قوّة مقلّديهم واستقبال مشارق فنونهم، فيبالغون في تطمين النفوس وتسكين القلوب، ولهذا لو طرق الأجانب أرضًا لأيّ أمّة ترى هؤلاء المتعلّمين فيها يقبلون عليهم ويعرّون أنفسهم لخدمتهم، ويكونون بطانة لهم، ومواضع لثقتهم، كأنّما هم منهم ويعدّون الغلبة الأجنبيّة في بلادهم مباركة عليهم وعلى أعقابهم»[2].

ثانيًا: خصائص الإنسان «المتغرّب»

من المفاهيم التي اهتم هذا الاتجاه بالبحث فيها وتقديمها إلى الأمّة للوقوف والوعي بحقيقة المشروع التغريبيّ، والذي كان يحمله مجموعة من أبناء الأمّة،

(85)

أطلقوا على أنفسهم «المستنيرون»، فأخذ هذا الاتجاه بالبحث في حقيقة الاستنارة، كما في المعاني التي تأمّلها جلال آل أحمد ( 1923-1969) في كتابه (المستنيرون خدمة وخيانة)، فشخصيّة المستنير التي جاءت إلى عالمنا العربيّ والإسلاميّ تبدو ملامحها وآثارها فيما يأتي[1]:

  1. الميل إلى التغرب: فالمستنير، هو الشخص الذي يرتدي ملابس وقبّعة وحذاء أوروبيًّا، ويشرب الخمر، ويجلس على الكرسي، ويحلق لحيته، ويربط رابط عنق، ويأكل بشوكة وسكّينة، ويستخدم مفردات أجنبيّة أو يكون قد ذهب إلى دولة أجنبيّة أو يريد الذهاب، وفي كلّ فرصة يذكر مثالًا أجنبيًّا أو أمريكيًّا «أي من التبعيّة السياسيّة»، أو يكون لديه علم بالميكروبات، ويرفض كلّ ما يتعلّق ببرودة وسخونة الأطعمة وغير ذلك مما يختصّ به الطبّ الهنديّ واليونانيّ القديم... ويتحدّث عن كلّ ما يتعلّق «بالفيتامينات» أو «السعرات الحراريّة»، ويذهب لدور السينما، ويذهب لصالات الرقص وما إلى ذلك.

  2. «عدم التدين» أو من يتظاهر به أو يتساهل في أمور الدين: أي الشخص الذي لا يعتبر أنّ الاعتقاد بأيّ دين أمرًا ضروريًّا، فلا يذهب إلى المسجد أو إلى أيّ مكان آخر للعبادة. وإذا خطر على باله يومًا الذهاب إلى دار العبادة، فإنّه يذهب إلى الكنيسة، ويفعل ذلك ليدخل (مقر الحكم) الذي بداخلها؛ لذا فهي أفضل من سائر دور العبادة، ويعتبر أنّ الصلاة لغوٌ إن لم تكن نوعًا من أنواع الرياضة الصباحيّة، كذلك أيضًا لو صام، فإنّ صيامه يكون من أجل الرجيم، أي أنّه إذا انتفى من قلبه الدين فإنّه يبدي اهتمامًا بالأمور الدينيّة تمشّيًا مع مقتضيات العصر والتقدّم العلميّ فقط.

  3. المهتم بالتعليم الأجنبيّ: وهذا في رأي العامّة آخر شروط التنوير وليس أوّلها،

(86)

فالمستنير إمّا أن يكون قد حصل على الدبلوم أو الليسانس، إمّا من هنا أو من بلاد أوروبا، ولو كان قد أتمّ تعليمه في دولة أجنبيّة أو في أمريكا يكون في رأي العامّة أكثر تنويرًا. أو إذا عرف من تلقاء نفسه كلّ ما يتعلّق ببيئته يعتبر أكثر تنويرًا. كما أنه إذا كان يعرف قدرًا يسيرًا من علم الفيزياء أو الكيمياء يكون متنوّراً أيضاً. ولا بدّ من أن يكون على دراية بعلم النفس و«فرويد» و«علم الاجتماع» و«التحليل النفسيّ». أي أنّه يصمد بشدّة حتى يتعلم العلوم الطويلة التي تحتاج إلى وقت طويل كي تصبح علومًا.

  4. الغربة عن البيئة المحلّيّة والتقليديّة بتاريخها ودينها ولغتها وثقافتها، وعدم الاكتراث بكلّ هذا، والاهتمام الدائم بعادات التبعيّة السياسيّة وتعلقه الدائم بالتبعيّة السياسيّة، ابتداءً من الآداب والعادات المعهودة، وانتهاءً بتاريخها وعاداتها ولغتها وثقافتها، أي العيش بصورة أجنبيّة أو أمريكيّة في إحدى البيئات المحلّيّة، أن يتمنّى من كلّ قلبه أن تصبح بيئته المحلّيّة والقوميّة على نسق هذه البيئات.

  5. المستنير هو ذلك الشخص الذي يحمل الرؤية (الاستعماريّة) التي يطرحها كرؤية «علميّة»، أي أنّه يتحدّث عن «العلم» و«والديمقراطيّة» و«التحرّر» الفكريّ» في بيئة لم يطأها العلم الحديث حتى الآن ـ وهو لا يعرف أبناء شعبة حتى يعتبرهم جديرين بالديمقراطيّة ـ . يستخدم حرّيّة الفكر لا للوقوف في وجه الحكومة، بل للوقوف في وجه الأسس التقليديّة من دين ولغة وتاريخ وأخلاق وآداب فقط.

  6. أداة استعماريّة: علاوة على هذا يكون المستنير أيضًا أداة استعماريّة، ولهذا السبب فهو ينفصل عن محيطه القوميّ ولا يهتمّ بالقضايا القوميّة والعقائديّة، وقد يكون له اهتمام، ولكن ليس بقصد حلّ المشكلات القوميّة، وإنّما يكتب بقصد نفيها واستنكارها، ولكن من الناحية الأخرى عندما تقوم كلّ العوامل

(87)

الإنسانيّة البيئيّة والثقافيّة والإقليميّة والعقائديّة التي تصنع الحضارة القوميّة وتبذل أقصى  طاقاتها في مقابل مجتمع المستنيرين المتأوربين ـ أي تقاومه ـ، عندها يُنبذ المستنير المتأورب يوماً بعد يوم، ويبقى وحيدًا ومغلوبًا؛ ولهذا السبب فهو يعتمد في أغلب الأوقات على المساعدات الغربيّة (الاستعمار) من أجل كسر عوامل المقاومة المحلّّيّة حتى إنّه يمهّد سُبل حياته عن طريقها.

ثالثًا: التغريب «مرض» الحياة الاجتماعيّة

 ينظر هذا الاتجاه إلى «التغريب» على أنّه وباء يؤدّي انتشاره إلى موت الأمّة، ومن ثم فالعلاج هو مواجهته واستئصاله حتى نحافظ على حياة الأمّة، فالتغريب هو «مجموعة الأعراض التي تطرأ على حياتنا في جوانبها الثقافيّة والحضاريّة والفكريّة، دون أن يكون لها أيّ جذور في التراث، أو أيّ عمق في التاريخ، ودون أن يكون دخولها تدريجيًا يسمح بالاستعداد لها.. وإنّما تداهمنا دفعة واحدة لتقول لنا: أنا هديّة الآلة إليكم، فالتغريب مؤشّر حقبة من تاريخنا، لم نضع فيها اليد على الآلة، ولم تكن لنا معرفة بنظامها وبنائها، ولم نتوفر خلالها على مقدمات الآلة، أي العلوم الحديثة والتكنولوجيا، والتغريب بعد ذلك، خصوصيّة فترة من تاريخنا، اضطررنا فيها، تحت وطأة جبر السوق والاقتصاد، وتداول النفط، إلى استيراد واستهلاك الآلة»[1].

وفيما يتعلق بالآثار الاجتماعيّة للتغريب التي يراها هذا الاتجاه، فيمكن الإشارة إلى  طغيان نزعة الاستهلاك على حياة الإنسان، حيث كانت أحد آثار التغريب التي انتقلت إلينا عبر تقليد الممارسات الاجتماعيّة الغربيّة، بل أصبح الاستهلاك وإبداع الحاجات الاستهلاكية غرضًا في ذاتها. «إنّ أولى الاهتمامات التي تشغل الإنسان في المدن هي البحث عما يلبّي حاجة المعدة، ثم ما تحت المعدة، ولأجل تحقيق الثانية لا بدّ من الاهتمام بالهندام والمظاهر، ففي القرية لم يكن بإمكاننا الحصول على كلّ هذا، وهكذا فإنّ المصادر الرئيسة للبرجوازيّة الجديدة تتمثّل في الصناعات الغذائيّة

(88)

(كالسكر، والبسكويت، والسمن النباتيّ، والمعلّبات، والحليب المعقّم)، والصناعات الإنشائيّة (كالاسمنت، والطابوق، والموزائيك و...إلخ). والملابس (كالنسيج، والتريكو، والموديلات الحديثة و...) وربما أمكن اعتبار كلّ هذه الصناعات، خطوات تقدّميّة بالنسبة لمنكوبين من أمثالنا من الذين عانوا القحط والفقر لعدّة قرون. فالمقحوط الذي أمضى عمره يأكل الخبر واللبن في الريف، عندما يتذوّق (الساندويتش) في المدينة، سيذهب بعدها إلى الحلّاق والخياط، ثمّ إلى صبّاغ الأحذية، أمّا الأحزاب والجمعيّات فممنوعة، وكذلك النوادي وما شاكلها من مراكز الاجتماع، أمّا المساجد فهي مما طواه النسيان ولم يعد لها ذكر، وإذا لم تكن كذلك، فيكفيها محرّم ورمضان، وعوضًا عن كلّ هذا هناك دور السينما، والتليفزيون، والصحف، التي تحشو كلّ يوم أذهان الآلاف من المواطنين الشرفاء بحركات هذا النجم السينمائيّ أو ذاك!»[1].

كذلك أيضًا تظهر آثار التغريب في المجال الاجتماعيّ فيما تعرّضت له المرأة المسلمة من اختراقات قيميّة وأخلاقيّة أفقدتها الوعي بحقيقة دورها ومكانتها في بناء المجتمع، وأضفت المظاهر التغريبيّة على حياتها الاجتماعيّة، «فمن مستلزمات التغريب وحتميّاته منح الحرّيّة للمرأة، فأُمرنا برفع الحواجز، وكنس الطرقات وفرشها، لتمرّ قافلة المرأة المعاصرة، وسط الضجيج والهتافات الصاخبة...بإجبارهنّ بالقوة على خلع الحجاب، وبفتح أبواب بعض المدارس أمامهنّ؟!.. ثم ماذا؟! لا شيء. فهذا يكفيهنّ ويكفينا تمامًا.. وبذلك مازلنا في أعماقنا نعتقد أنّ المرأة لا تستطيع النهوض بأعباء القضاء، ولا يمكنها أن تدلي بشهادتها. أمّا التصويت والنيابة في المجلس، فقد افتضح أمرهما منذ زمن بعيد، ولا حقّ حتى للرجال فيهما. فماذا فعلنا إذن؟ لم نسمح للمرأة بغير التظاهر في المجتمع.. والتظاهر فقط.. أي الرياء. أي أنّنا سقنا المرأة من حصن التقاليد والعائلة والنسل والدم، إلى اللاأباليّة والتحلّل، سقناها إلى الشوارع، وأرغمناها على التهتّك وعرض نفسها... وعلى الاهتمام بظاهرها، والتسكّع

(89)

في الطرقات، والتقولب كلّ يوم بقالب الموضة الجديدة. فهلّا وفّرنا لها عملًا أو واجبًا أو مسؤوليّة في المجتمع، أو شخصيّة كريمة؟!»[1].

رابعًا: نقد أصول المشروع المعرفيّ الغربيّ

قدّم مصطفى صبري (1869-1954) نقدًا  لجانب من الأصول الفكريّة التي قامت عليها الفكرة الغربيّة الحديثة وحدّدها بأصلين اثنين يُعدّان من أسس المشروع الغربيّ، الأوّل: الاستناد إلى الدليل التجريبيّ وحده، وقد حدث ذلك في الغرب منذ عهد بيكون، حيث توجّهت عناية الغربيّين إلى الأدلّة التجريبيّة أكثر من عنايتهم بالأدلّة العقليّة، على الرغم من أنّ إثبات وجود الله لا يستند إلى الأدلّة التجريبيّة لكون الله متعاليًا عن متناول التجربة، وكان من أهم آثار ذلك هو «قصر التسمية بالعلم في عرف الغربيّين على العلوم المستندة إلى التجربة الحسّيّة، ونقل ذلك العرف بعينه إلينا (نحن المسلمين) من طرف هؤلاء الكتّاب (أي المتغربيّن) كأنّه عرف لنا أيضًا»[2]، حيث «تتّفق عقليّة  المثقّفين ثقافة عصريّة في موقف العقل والعلم مع عقليّة الغرب الدينيّة، لكون مكتسباتهم العلميّة كلّها مترجمة من تأليفات علمائه. فالدين منبوذ العقل عند ملاحدتهم، والعقل منبوذ الدين ومبغوضه عند متدينيّهم، في حين أنّ الدين والعقل متساندان في الإسلام، لكن جيل المتتلمذين على الغرب في غفلة من هذا.يستخرج ملاحدتهم من العقل عدوًّا للدين غير مغلوب، ويتأسّف المتمسّكون منهم بدينه لضعف العقل وعدم كفايته دليلًا يقوم عليه الدين. ومنشأ الغلط لكلٍّ من هذين الفريقين تقليد فريق من الغرب اللادينيّ أو الغرب المسيحيّ»[3]. ويطلق على ذلك الانتقال المفاهيميّ بأنّه «خطأ فاحش». وذلك بالنظر إلى مفهوم العلم في الفلسفة الإسلاميّة والذي يعنى صفة توجب تميزًا لا يحتمل النقيض وهو -أي هذا

(90)

النقيض- مرتبة من المعرفة لا تحصل إلا بالدليل العقليّ لا بالدليل التجريبيّ، وهذا هو سرّ كون إثبات وجود الله في الفلسفة الإسلاميّة يتطلّب دليلًا عقليًّا لا تجريبيّا.

الأساس الثاني: الصراع بين العقل والدين، يرسم الفكر الغربيّ شكل العلاقة بين العقل والدين في صورة صراع، حيث «يمضى تاريخ أفكارهم الفلسفيّة بين محاربة العقل للدين ومتابعة العقل رغبة في الحصول على اليقين، ولم يلحظ قرّاء الفلسفة الغربيّة هذه السجالات الحربيّة الصاعدة والنازلة بين العقل والدين من غير تنبيه من ناقليها من الغرب إلى الشرق، على اختصاص هذه الحالة بدين تلك البلاد الصادرة عنها هذه الأفكار الفلسفيّة المختلفة وهو المسيحيّة»[1]

ومن هنا رأى ضرورة البحث في السياقات المعرفيّة والاجتماعيّة لنشأة المفاهيم في الفكر الغربيّ قبل استيرادها ونقلها إلى العقل المسلم، وهو ما لم يحدث ما تسبب في وجود خلل معرفيٍّ وثقافيٍّ في التكوين الفكريّ للشخصيّة المسلمة وللمشهد الثقافيّ الإسلاميّ بصفة عامّة.

ثم انتقل بعد ذلك إلى مناقشة أطروحات تطبيقيّة توضح الآثار المعرفيّة للمشروع الغربيّ في بلدان العالم الإسلاميّ، وذلك فيما عُرف باتجاه «التفسير العلميّ للعقائد الإسلاميّة»، أي محاولة إخضاع العقائد الإسلاميّة للتفسير العلميّ التجريبيّ.

 كما واجه مصطفى صبري الإشكاليّة العلميّة والإيمان بالغيب بنقد الأسس التي قامت عليها من ناحية، وبإثبات مسألة الإيمان بالدليل العقليّ والاستدلال المنطقيّ من ناحية أخرى، وأفردَ لذلك الجزء الثاني من موسوعته «موقف العقل والعلم والعالم من رب العالميّن» والذي تناول فيه موقف العقل من الدين، وموقف العلم من الدين، وموقف التجربة من الدين. على أنّه لم يستبعد المنهج التجريبيّ بصورة مطلقة، حيث أشار إليه في دليل نظام العالم، وانتهى في علاجه لهذه الإشكاليّة بقوله: «إنّه يمكن

(91)

نزع اسم العلم عن معناه المحدَث الخاصّ بعلم الطبيعة؛ لعدم كون قوانينه قوانين ضروريّة... ولا يمكن نزع اسم العلم عن معناه الأصليّ الذي هو أقوى والذي ينطبق على العلم بوجود الله؛ لكونه معرفة مستندة إلى سببها المستلزم لمسبِّبه، وذلك أنّ أسباب المعرفة في العلم الطبيعيّ ليست أسبابًا عقليّة لا يمكن تخلّف مسبَّباتها عنها وإنّما هي أسباب مبنيّة على التجارب التي هي غير مضمونة النتائج ضمانًا أبديًّا. فإن لم يحدث شيء يغيّر ما ثبت بالعلم الطبيعيّ، فقد تأتي معجزة تغيّره وتنقضه، ولا تأتي معجزة تنقض قوانين العلوم العقليّة»[1].

ورفض ـ أيضًا ـ فكرة فصل الدين عن الدولة (العلمانيّة) وأكّد أنّها تنقص من الإسلام جزءًا من طبيعته الاجتماعيّة والسياسيّة، وهو ما يميّز الإسلام عن غيره من الأديان، «فإنّ فصل الدين عن الدولة أضرّ بالإسلام أكثر من غيره من الأديان؛ لكون الإسلام لا ينحصر في العبادات بل يعمّ نظره المعاملات والعقوبات وكلّ ما يدخل في اختصاص المحاكم والوزارات ومجالس النواب والشيوخ، فهو عبادة وشريعة وتنفيذ ودفاع...فالإسلام ينطوي على كلّ ما تحتاج إليه الدولة والأمّة من القوانين، فهو مستغن بنفسه عن غيره لا يدانيه في هذه الخصلة أيّ ملّة»[2].

المحور الثاني:

 اتجاه الردود والمقاربات

اتسم هذا الاتجاه بمناقشة الاتهامات التي وُجّهت للإسلام في بداية الاحتكاك الغربيّ، واستعمار دول العالم الإسلاميّ، ومحاولة التغريبيّين إلصاق تهم التخلّف والتراجع الحضاريّ بالإسلام، حيث زعموا أنّ تقليد الغرب في ترك «الدين» هو سبيل الخلاص من هذا التراجع، وهو سبيل الحصول على المدنيّة والتمدّن، ومن ثمّ تمحور

(92)

نشاط هذا الاتجاه في تفنيد هذه الآراء، كما في حالتي أرنست رينان(1832-1892)[1] و«جابرييل هانوتو (1853-1944)[2] وردّ عليهما محمد عبده (1849-1906)، وكذلك الأمر بالنسبة إلى اللورد كرومر(1841-1917)[3]، حيث ردّ عليه مصطفى الغلاييني (1886-1944).

 أمّا منحى المقاربات فقام على استبطان هذه الاتهامات وطرحها في صورة قضايا فكريّة نابعة من ذات الإسلام، توجّه إلى المسلمين وغيرهم بهدف التعرف على حقيقة الإسلام ومقاربة تلك الحقيقة بمبادئ المدنيّة والعلم وتقدير العقل.

ونتناول بالتحليل هنا أهم الآراء والأفكار لعدد من نماذج هذا الاتجاه وروّاده، وتحديدًا محمّد عبده (1849-1906) في كتابه (الإسلام بين العلم والمدنيّة)، ومحمد رشيد رضا (1865-1935) في كتابه: (الوحي المحمديّ)، ومحمد فريد وجدي ( 1878-1954 ) في كتابه: (السيرة المحمّديّة تحت ضوء العلم والفلسفة)، وكتاب: (من معالم الإسلام)، ومصطفى الغلايني (1886-1944 ) في (الإسلام روح العلم والمدنيّة)، وأحمد عزّت باشا ( 1864-1937) في(الدين والعلم).

أولًا: الإسلام والمدنيّة

- من القضايا التي أثيرت من الغربيّين والمتغربيّن قضيّة علاقة الإسلام بالمدنيّة، حيث اتّهموا الإسلام بأنّه نقيض للمدنيّة، وأنّه عائق في سبيل نهضة المسلمين وتمدّنهم، ومن الردود الباكرة في هذا الاتجاه ما قدّمه محمّد عبده في كتابه: (الإسلام بين العلم والمدنيّة)، وكان ردًّا مباشرًا على مقالات (مسيو هانوتو) ومزاعمه حول علاقة الإسلام بتخلّف المسلمين الراهن، حيث ادّعى أنّ الحلّ للمسلمين هو في انفصال طريق مدنيّتهم عن دينهم على غرار الغرب، بالإضافة إلى اعتراضه أو رفضه لمبدأين إيمانيّين

(93)

إسلاميّين هما: القَدَر والتوحيد، حيث ادعى أنّ وجدان المسلمين يستجيب للتخلّف الحضاريّ وفقًا لهذين المبدأين.

وكان ردّ محمّد عبده على اتهامات هانوتو ومزاعمه تتمثّل في عرض مبادئ الإسلام الأولى التي تخالف هذه الاتهامات الموجهة للإسلام وأصوله، ومن أهم المبادئ التي طرحها في هذا الردّ يمكن ذكر الآتي[1]

  1. وسطيّة الإسلام: حيث ظهر الإسلام بحيث لا يكون روحيًّا مجرّدًا، ولا جسديًّا جامدًا، بل إنسانيًّا وسطيًّا بين ذلك، فتوفّر له من ملاءمة الفطرة البشريّة ما لم يتوفّر لغيره؛ ولذلك سمّي «دين الفطرة»، وكان هو المدرسة الأولى التي ارتقى فيها البرابرة على سلم المدنيّة.

  2. العلم: إنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة. والقرآن يؤيّد هذا القول وعمل الأولين من المسلمين يحقق صحة ما حواه، فالرجل والمرأة سواء في الخطاب التكليفيّ، وكانا سواء في علم ما يجب عليهما من فرائض الإسلام، وخصال الإيمان، وفي طلب العلم ما يلزم لصلاح معادها ومعاشها.

  3. العمل: إنّ الإسلام ينفي عن أتباعه الكسل والتواكل، ويدعوهم إلى العمل – كما دعاهم إلى العلم – وما حال المسلمين الآن هو خطأ في الفهم لدينهم «أخطأ المسلم في فهم معنى التوكل والقدر، فمال إلى الكسل، وقعد عن العمل. ووكل الأمر إلى الحوادث تصرفه حيث تهب ريحها.. أخطأ المسلم في فهم ما ورد في دينه من أنّ المسلمين خير الأمم، وأنّ العزّة والقوّة مقرونتان بدينهم أبد الدهر، وأنّ الخير ملازم لعنوان المسلم، وأنّ رفعه الشأن تابعة للفظه، وإنّ لم يتحقّق شيء من معناه».

  4. الإسلام ليس كهنوتيّة أوروبا: لم يعرف المسلمون في عصر من العصور تلك

(94)

السلطة الدينيّة التي كانت للبابا على الأمم المسيحيّة، عندما كان يعزل الملوك، ويحرم الأمراء، ويقرّر الضرائب، ويصنع القوانين الإلهيّة. لقد قرّرت الشريعة الإسلاميّة – في ذلك – حقوقًا للحاكم الأعلى، وهو الخليفة أو السلطان، ليست للقاضي ـ صاحب السلطة الدينيّة ـ ، وإنّما السلطان مدير البلاد بالسياسة الداخليّة، والمدافع عنها بالحرب أو السياسة الخارجيّة، وأهل الدين قائمون بوظائفهم وليس له عليهم إلا التولية والعزل، ولا لهم عليه إلا تنفيذ الأحكام بعد الحكم، ورفع الظالم.

 ثم يفرد محمد عبه بابًا تحت عنوان «اشتغال المسلمين بالعلوم الأدبيّة والعقليّة» يوضح فيه ما يأتي:

   - اشتغال المسلمين بالعلوم الأدبيّة.

   - اشتغال المسلمين بالعلوم الكونيّة.

   - إنشاء دور الكتب والمكتبات العلميّة.

   - إنشاء المدارس لتعليم العلوم المختلفة.

   - دور العرب في تأسيس العلم الطبيعيّة والرياضيّة.

   - مكانة العلم والعلماء في الحضارة الإسلاميّة.

أما الردّ الثاني لمحمد عبده فكان على «رينان» الذي اتهم الإسلام والمسلمين بالجمود، واعتبر حال المسلمين شاهدًا على الإسلام وصحّة عليه. ويرى في هذا الردّ أنّه ليس من الإنصاف اعتبار حال المسلمين صحّة على الإسلام، فإنّ جمود المسلمين ارتبط بهم أنفسهم وبجمودهم في فهم الإسلام «واستمرار عمل العاملين في المحافظة على هذا الجمود، وولع شهواتهم به والدفاع عنه»[1].

(95)

يمكن إجمال  أهمّ أهداف محمّد عبده في هذه الردود في الآتي:

  1. كشف زيف مزاعم «هانوتو« و«رنيان» باعتبارهما ممثّليْن للفكر الغربيّ المعاصر، ويحاولان إسقاط رؤيتهما الخاصّة بتاريخ الغرب الحضاريّ، على الإسلام وتاريخه الحضاريّ، وهذا في القياس البشريّ والحضاريّ خطأ علميّ وتاريخيّ كبير.

  2. الفصل بين مبادئ الإسلام في نبعها الصافي الحيويّ، وبين جمود فهم المسلمين لهذه المبادئ، يترتب عليه نتيجة أخرى هي: عدم إمكان الاحتجاج بالمسلمين على الإسلام، بل إنّ الإسلام هو الميزان لحال المسلمين الذي يتباين مع غايات الإسلام ومقاصده.

  3. الإسلام ليس نقيضًا للمدنيّة، ولا يخالفها، بل هو من أقوى أنصارها، كما يتبيّن ذلك من مبادئه وهديه في القرآن والسنة وتاريخ المسلمين وحضارتهم.

  4. للإسلام ومدنيّته دور رئيس في نهضة أوروبا الحديثة والتي اقتبست كثيراً من مبادئها ونظمها العلميّة من تلك المدنيّة التي لم تفصل بين (الدين والعلم) أو (الدين والعقل)، كما تمثّل ذلك في الحركات التجديديّة في أوروبا التي تأثّرت بالإسلام من خلال مراكز إشعاعه في أوروبا.

  5. التواكل والكسل الحضاريّ ليس من مبادئ الإسلام، وإنّما هما آفتان لحقتا بالمسلمين، عن سوء فهم وتدبّر لهذه المبادئ. فالإسلام كما يدعو إلى العلم، فإنّه يقدّس العمل ويجعله قرينًا للإيمان وميزان رجاحته.

  6. مسؤوليّة المسلمين أمام الله والتاريخ عن تراجعهم الحضاريّ وانحطاطهم، وهم مكلفون بالخروج من هذه الحالة وبإزالة العلّة التي لحقت بهم وهي الجمود والتراجع الحضاريّ.

-ويأتي رد مصطفى الغلايينيّ (1886-1944 ) في ذات المنحى المعتمد في (الإسلام

(96)

والمدنيّة) على اللورد كرومر، المندوب السامي الإنجليزيّ في مصر (1882 – 1906)، وذلك في كتابه (الإسلام روح المدنيّة، 1908).

-تقوم منهجيّة الردّ هنا على تفكيك مقولة اللورد كرومر، ومفادها «أنّ الإسلام دين منافٍ للمدنيّة، ولم يكن صالحًا إلا للزمن والمحيط اللذين وُجدَ فيهما، وأنّ المسلمين لا يمكن أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدّن إلا بعد أن يتركوا دينهم وينبذوا القرآن وأوامره ظهريًّا، لأنّه يأمرهم بالخمول والتعصّب، وبعث فيهم روح البغض للأغيار والشقاق وحب الانتقام.. ولأنّه أتى بما يناقض مدنيّة هذا العصر من حيث المرأة والرقيق..» وهذه الفكرة هي خلاصة ما كتبه كرومر في كتابه (مصر الحديثة) والذي أراد به إثارة الشبهات حول الإسلام، وإشاعة عجزه عن اللحاق بالمدنيّة الغربيّة، ودعوته «التغريبيّين» أو الذين تعلّموا في الغرب أن يحذو حذوه في نقض الإسلام، وإثبات مبادئ الحضارة الغربيّة بدلًا منه. وقد نشر هذه الآراء قبل ضمّها في هذا الكتاب في جريدتي: المقتطف والجريدة.

-ونلخص محاور رد الغلايينيّ على هذه الشبهات في عدّة قضايا كما يأتي:

1. علاقة الإسلام بالعقل: وذكر فيه أنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي يرافق العقل جنبًا لجنب، ويتمشى مع المدنيّة في طريق واحدة،... وهو الذي خلّص الناس من عقيدة الشرك وتكثير الأرباب، وأزال عنهم برقع الخرافات المضلّلة، وكسر عن عقلهم قيود الأوهام... بما بثّه فيهم من الهداية والتعاليم القويمة – ولقد كان للإسلام دور كبير في مدنيّة أوروبا بما اكتسبته من تأليفات علماء المسلمين وفلاسفتهم الأولى[1].

2. وأكّد ـ أيضًا ـ على أنّ الإسلام يجمع بين الدنيا والآخرة، فهو (دين وشريعة معًا)، فالشريعة تأمر بعمران الكون وما فيه سعادة الحياة الأولى، «إلا أنّها تختلف

(97)

عن سعادة الغرب وعمران الحضارة الغربيّة الحديثة التي لا تمانع بل تحثّ على ارتكاب الفواحش، وما يضرّ مصالح العباد باسم الحرّيّة، فالإسلام دين أخرويّ مدنيّ، يوجب على المرء أن يأخذ نصيبه من تهذيب النفس والعقل والتحلّي بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، كما يوجب عليه أن يأخذ بأسباب دنياه التي ترفّه عيشه وتجعله من المتمدّنين»[1]

  3. أمّا فيما يتعلّق بشبهة «الجهاد» وأنّ الإسلام يدعو إلى الحرب، فقد أوضح أنّ «مدافعة الأعداء ومقاومتهم لإطفاء نار عدائهم وفتنتهم أمر مفروض عقلًا وشرعًا في القرآن، وكذلك في تعاليم السيد المسيح، وأنّ الجهاد لم يكن خاصًّا بالدين الإسلاميّ، بل هو موجود في سائر الشرائع السماويّة والوضعيّة»[2].

  4. وفيما يتعلّق بالقصاص، فقد أوضح أنّه ليس انتقامًا، وإنّما هو حفاظ على الأمن العام حتى يلزم كلّ إنسان حدّه فلا يتجاوزه؛ إذ من المعلوم أنّ الناس طبقات: فهم يتعاونون في الأخلاق والآداب والطباع، كما يتفاوتون في المراتب والمنازل والغنيّ والفقر والجهل والعلم... ولمّا كانت بعض النفوس تنزع إلى ما حرّمه عليها الشرع والعقل تبعًا لأهوائها، احتاجت إلى رادع يردعها عن ذلك الميل وتلك الجناية التي تضرّ بها وبمحيطها، ومن هنا شُرِّع القصاص[3].

  5. أمّا الرق، فإنّ الإسلام لم يؤسّس للرقّ، بل هي عادة قديمة، وجاء الإسلام وعمل لسدّ منافذها بما كان مألوفًا عند العرب، وبما سنَّه من القوانين والنظام في معاملة ما يبقى من باب الرقّ، وأعلن بأنّ الرق عادة من بقايا الهمجيّة، فلذا أمر بعتق الأرقاء وشدّد في هذا الأمر ورغَّبَ فيه ترغيبًا، حتى أنّ أكثر الصحابة أعتقوا من الأرقّاء ما لا يُحصى، وشرّع الإسلام أبوابًا عديدة لعتق الرقاب،

(98)

وجعلها من الكفارات لبعض المخالفات التي قد يرتكبها المكلّف[1].

وفيما يتعلّق بالمرأة، فإنّ الادعاء بأنّ الإسلام لم يمنحها مكانتها التي تستحقّها، فيقر الغلايينيّ بأن «مسألة المرأة مثّلت دورًا مهمًا من أدوار المباحث العصريّة... وهو أهمّ تلك المباحث وأجدرها بالاعتبار...لاسيما بعد ما كتبه قاسم أمين في كتابيه: المرأة الجديدة وتحرير المرأة».. ويوضح في ذلك:

    - أنّ الاختلاف في الطبيعة بين الرجل والمرأة أمر ضروريّ للحياة.

    - أنّ الإسلام أقرّ المساواة بين الرجل والمرأة في العمل والحساب والجزاء والثواب.

    - إن القول الشائع بتحرير المرأة ـ على ما هو عليه ـ نقض لأركان العائلة، وتهديد للمرأة بما يجلب عليها المتاعب من الأعمال التي ليس في قدرتها تحمّلها.

ثانيًا: الإسلام والعلم

- تعدّ هذه المسألة أحد مسارات حركة الفكر الإسلاميّ إبان النهضة الأوروبيّة، وفتحت الباب أمام الاحتكاك العنيف مع مشروعها السياسيّ والتغريبيّ على العالم – بصفة عامّة – والعالم الإسلاميّ بصفة خاصّة. واتخذ هذا المنحى – التوفيق بين الدين والعلم- عدّة وجوه منها: النزعة التأصيليّة لموقف القرآن / الإسلام من العلم ومظهره: البحث في آيات  العلم / والطبيعة وما يرتبط بهما وإبرازهما في الكتابات والنتاجات الفكريّة، وكذلك البحث في الأحاديث النبويّة التي ترتبط بهذا الموضوع. ويظهر هذا الاتجاه بدافع من رغبة العقل المسلم في بناء خطاب إسلاميّ يتوافق مع الحضارة الغربيّة، مستخدمًا أدواتها في التعريف بالإسلام، وكذلك بيان وجهة نظر الإسلام في بعض القضايا التي أثارها التغريبيّون.

ومن ذلك ما كتبه محمد فريد وجدي ( 1878-1954 ) تحت عنوان: «السيرة

(99)

المحمّديّة: تحت ضوء العلم والفلسفة» والذي استهل مدخله بمقدّمتين؛ لتحقيق منهجيّة تلك المقاربة؛ المقدّمة الأولى: الأدلّة العلميّة على إمكان الوحي، واعتمد في بناء هذه الأدلة على ثلاثة أسئلة حاول أن يجيب عنهم لتكوّن بعد ذلك  مدخلًا علميًّا لدراسته حول السيرة النبويّة.

- السؤال الأول:  هل في الوجود المحسوس ما يدلّ على حدوث معرفة لبعض الكائنات، نفثًا في الروع من غير طريق الحواس، ومستقلّة عن المحاولات العقليّة؟

والسؤال الثاني: هل توجد حوادث إنسانيّة يقرّها العلم نفسه تثبت وجود اتصال باطنيّ بين النفس وبين عالم أرقى منها؟

والسؤال الثالث: هل يمكن أن يعترف العلم بوجود عالم روحانيّ فوق عالم المادة، يسوّغ اعتبار النبوّة أو الوحي أمرًا ممكنًا؟ [1].

- وينتهي من خلال بحث نفسيّ فلسفيّ علميّ، مستشهدًا فيه بآراء فلاسفة وعلماء غربيّين في القضايا التي آثارها بتساؤلاته الثلاثة إلى نتيجتين يصفهما بأنّهما أمران عظيمان؛ أوّلهما: وجود الهداية والتعلّم بدون وساطة العقل العادي والحواس كما تدل عليه حياة الحيوان بجملتها وتفصيلها، والعبقريّة بما أتت الناس من الابتكارات التي لم يهد إليها عقل، ولم يختم حولها فكر، على حال خارقة للعادة، وثانيهما: وجود اتصالات روحانيّة باطنيّة تمدّ الإنسان بعلم، وتسعفه بهداية، من غير العقل العاديّ، ولا منافذ الحواس الخمس، تقريبًا للوحي من عقول الناس[2].

وبتلك المنهجيّة نفسها سار في عدّة مقالات أخرى كتبها بمجلّة الأزهر مثل: «اتفاق العلم والإسلام»، «المبرّرات العلميّة لتعدّد الزوجات»، «منطق الدين»، «الشبهات العلميّة على الأديان، «الدفاع عن الدين في هذا العصر»، «الإيمان بما فوق الطبيعة».

(100)

يمكن أن نلخّص اهتمامات فريد وجدي في قضيّة (الإسلام والعلم) في الجوانب الآتية[1]:

1. تناول الآراء العلميّة في المادة وصفاتها.

2. مذهب دارون وأصوله وما بُني عليه من الشُبه.

3. بحث مشكلة وجود الخالق.

4. البحث في مسألة وجود الروح ونفي الشُبَه التي يبيدها أصحاب الفلسفة المادّيّة.

5. مباحث ما وراء المادة، مما يثبت أنّ للإنسان روحًا خالدة.

6. إعادة بناء الأخلاق على الأصول الروحانيّة التي تحاول الفلسفة المادّيّة هدمها لإقامة أصولها على الجوانب المادّيّة المحضة.

7. تناول الحقائق الإسلاميّة وإظهار جلالها.

8. العلم عند المسلمين.

9. المخلص من فتنة المدنيّة المعاصرة.

ثالثًا: القرآن والعلم (ردود على المستشرقين)

من الردود المهمّة تلك التي قدّمت على مطاعن الاستشراق في القرآن الكريم، ومن روّاد هذه الاتجاه أيضًا أحمد عزّت باشا(1855-1924)  الذي كُتب تحت عنوان «الدين والعلم»[2]، تركّزت أفكاره حول تحقيق هدفين رئيسين هما: الأوّل، إثبات كون الدين لا ينافي العقل أو الحكمة، والعلم والمعرفة، والثاني: معرفة الله بمعرفة آثاره في الخليقة، وما تحتويه من عظمة غير محدّدة، أمّا القضايا الفكريّة التي أثارها فهي:

(101)

1. ربط المعقولات بالكونيّات في إثبات وجود الله ومعرفته.

2. الاستفادة من المكتشفات العلميّة في بيان إعجاز القرآن. (والحقائق العلميّة المقطوع بصحّتها).

3. بيان الحقيقة الاجتماعيّة للإسلام والقيمة الاجتماعيّة للقرآن والسنة النبويّة.

4. التعريف بالمذاهب: الفلسفيّة التي ينتمي إليها أصحاب المزاعم ومناقضتها للعقل والنقل في التصوّرات الفكريّة، بل ومخالفتها للحقائق العلميّة ذاتها.

5. بيان الأغاليط التي اعتمدتها المذاهب الفلسفيّة القديمة والمعاصرة وتفوّق الإسلام عليها.

6. المنهج المقارن بين الإسلام وغيره من الأديان في مناقشة بعض القضايا الكونيّة.

7. بيان أنّ الحقيقة الدينيّة غير مغايرة للعقل والحكمة، وأنّ بعض الاختلافات الدينيّة نجمت عن عدم إدراك العظمة الإلهيّة كما يليق بها.

ومن الموضوعات التي يمكن أن نشير إليها بالتفصيل هنا ثلاثة مسائل:

المسألة الأولى: مادّيّة الثواب الأُخرويّ: من الطعون الموجّهة للقرآن من قِبل المستشرقين تأكيد القرآن على الطبيعة المادّيّة للجزاء الأخرويّ، بل في صورة إشباع شهوات –أيضًا-، حيث أشار إلى الحور العين، والطعام والشراب، والأرائك المريحة...مما اعتبره الطاعنون نقصًا أو قصورًا فيه.

أمّا الردّ الذي جاء به هنا، فهو أنّ الجزاء والثواب يكون من طبيعة التضحية أو الاحتياج للإنسان الذي امتثل وصبر وجاهد في سبيل طاعة الله تعالى وقت نزول القرآن في متابعة الحوادث التي أحاطت بوقت النزول «إنّ القرآن يخاطب جمهور الناس، وليس طبقة أو نخبة من الناس بعينها، وكان السواد الأعظم من المخاطبين وقت نزوله يطلبون الماء من السراب، ويتحسّرون على الحضارة طول العمر، ويحاولون

(102)

وقاية أنفسهم من حرارة الشمس، وبرودة الليل، بالكهوف والأخبية، ويئدون بناتهم تقرّبًا إلى آلهتهم، زاعمين أنّهم يحبّون النساء. وجزاء الإنسان نيل مرامِهُ  ومآربه، فماذا يكون التعويض لمن منع عنه نعيم الدنيا، غير أنهار الجنّة وأشجارها الوارفة الظلّ، وشراب الكوثر، والقصور والحور والغلمان؟ فماذا يتصوّر سكان بريطانيا ويوميرانيا من قرى أوروبا المتمدنة في هذا العصر، لذّة ونعيمًا أكثر مما ذكر للبدو من الأعراب منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا؟! ثم إنّ اللطائف الأخرويّة التي يعسر على الناس فهمها بعقولهم الدنيويّة يفهمونها تشبيهًا».

-كما لم يقتصر القرآن على ذكر الثواب الأخرويّ في جانبه المادّيّ فقط، بل ذكر قسم آخر لا يقلّ عنه في التكرار والمساحة، وهو الجانب المعنويّ «فقد بشّر خواص الأمّة بأنّ رضوان الله فوق كلّ نعيم (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) [التوبة:72]، وأنّ النفس لا تدري ـ فوق ما تقدّم ـ ما أُخفي لها من نعيم وملاذّ خفيّة (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 17] فالآيات المبيّنة لثواب الآخرة تبشّر كلّ امرئ بنيل ما يراه غاية للسعادة. فخواص الأمّة يفهمون منها ما يتصوّرونه من نعيم علويّ في الآخرة. والأمنية الأخرويّة الأعلى عند المسلمين هي تجلّي نور جمال الله[1]. وهكذا يصنف مستويات تناول الثواب الأخرويّ في القرآن بما يتناسب مع الحاجة البشريّة المادّيّة والمعنويّة، وذلك بما يتلاءم في الوقت ذاته  مع الطبيعة البشريّة للإنسان التي تحمل في باطنها الجانبين معًا: الجسد (المادة) والروح (المعنويّات). 

المسألة الثانية: الإسلام والترقّي: من الطعون التي حاول «التغريب» و«المتغرّبون» ترديدها «هو أنّ الإسلام مانع للترقّي والتحضّر والحضارة»، ويصف الكاتب هذا الطعن بأنّه «جِدُ غريب، فالأوامر الإلهيّة والسنن النبويّة مرغّبة في السعي والجهاد، مانعة من العطل والكسالة، ومؤثرة للأغنياء الشاكرين على الفقراء الصابرين، كقوله

(103)

تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) [الأنفال/60] وقوله جلّ شأنه: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) [الزمر/9] وقوله (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [القصص/77]، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله «الحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحقّ الناس بها»[1] و«طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»[2].

-وينفي أن يكون حال المسلمين حاكمًا على الإسلام وعلى طبيعته المؤثّرة في الترقّي والمدنيّة، فحالة المسلمين «إنّما نشأت من طروء الفساد على نظمهم القديمة»[3].

-أي أنّ المسلمين لم يطوّروا أنفسهم ونظمهم واستكانوا للتقليد والجمود وتوقّف إبداعهم العقليّ عن تطوير أحوالهم ونظم معيشتهم؛ لهذا رضوا بالاستكانة والفقر الحضاريّ والمادّيّ، وهو ما يخالف طبيعة هذا الدين، الذي يحارب الفقر بكافّة أشكاله، يقول صلى‌الله‌عليه‌وآله : «كاد الفقر أن يكون كفرًا» وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله يستعيذ من الفقر والعيلة» إنّ غايات الدين هي أمن الناس وسعادتهم، وسطوة الأمّة وقوتها»[4] «خيركم من لم يترك أخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته، ولم يكن كلًّا على الناس».

المسألة الثالثة: القرآن والكشوف العلميّة: من المطاعن التي أشار إليها الكتاب – أيضًا – هو أنّ هناك عددًا من الآيات لم تُفهم وقت نزولها، ولم يتمكن أحد من تفسيرها، كقوله تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) [يس:38] و (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[الأنبياء:33].

- ويجيب بقوله: الحقيقة أنّ بعض مدلولات القرآن، لا تزال غير معلومة، وغير ثابتة ثبوتًا قاطعًا حتى اليوم، فعلى سبيل المثال مقدار زمن «يوم» الخلقة؟ لقد استعملت كلمة «يوم» مصطلحًا لعهد تاريخيّ، فتركيب أيام العرب يدور في الألسن على هذا

(104)

المعنى، فإذا تمّ تناوله من الناحية العلميّة، فمعنى اليوم دور بالقياس إلى الأرض». لقد ثبت اليوم بآلة التصوير خمسمئة مليون من الثوابت على صفحة السماء، ويقدّر عدد نجوم المجرّة بمليار وخمسمئة مليون من نجمٍ ومدادُ أدوارها وأيامها مختلفة، فليس ثمّة سبب لقياس مقدار ملك الخليقة بمقياس الأرض ومساحتها. فيوم الخلقة على هذا أهو دور من أدوار المجرّات التي تدور مليارات السنين؟ أم لحظة غير منقسمة لدورة  ذرّة من ذرات الإيدروجين الكهربيّة حول البروتون؟ ولا فرق بين هذين الزمنين بالنسبة إلى الأبديّة.

المحور الثالث:

اتجاه المقارنة والترجيح

 يقوم هذا المحور على فكرة مركزيّة، وهي أنّ الإسلام يمتلك من الإمكانات المعرفيّة ما يمكن به أن يشابه أفكار النهضة والتقدّم في الفكر الغربيّ، بل إنّ الإسلام سابق على الغرب في طرح هذه المبادئ التي تتعلّق بهذين الفعلين «النهضة» و«التقدّم». وقد انشغل هذا المحور بمنهجيّة المقارنة بين الرؤية الإسلاميّة ومبادئها وأطرها وبين الرؤية الغربيّة، والتزم هذا المنحى «العلميّة» في التناول بهدف إخراج معرفة إسلاميّة جديدة تفيد في بناء المنظور الحضاريّ الإسلاميّ كبديل للمنظور المادّيّ الغربيّ الذي لصق بالتعليم والسياسة والثقافة والقانون، وسوف نطرح هنا النموذجين من الإنتاج الفكريّ اللذين يمثّلان هذا المحور الأوّل: فلسفتنا لمحمد باقر الصدر (1935-1980)، والثاني: التشريع الجنائي الإسلاميّ مقارنًا بالقانون الوضعيّ لعبد القادر عودة(1906-1954).

أولًا: الرؤية الاجتماعيّة بين الإسلام والفكر التغريبيّ

-لكلّ أمّة منظورها الحضاريّ  الذي ترى به العالم، ويتشكّل به نظامها القيميّ، الذي يؤثر في حركة الإنسان فردًا وجماعة، وهذا المنظور أطلق عليه في الحضارة

(105)

المعاصرة: الفلسفة، وهو نفس العنوان الذي انطلقت منه رؤية محمد باقر الصدر في كتابه (فلسفتنا)، ويحدّد مضمون هذا المصلح بأنّه «مجموعة مفاهيمنا الأساسيّة عن العالم، وطريقة التفكير فيه»[1]، ويعتمد في طرح هذه الفلسفة المقارنة على مبدأين؛ أوّلهما: الاستدلال الذي يستند على المنطق العقليّ، القائل بصحّة الطريقة العقليّة في التفكير، وأنّ العقل بما يملك من معارف ضروريّة فوق التجربة، هو المقياس الأوّليّ في التفكير البشريّ، ولا يمكن أن توجد فكرة فلسفيّة أو علميّة دون إخضاعها لهذا المقياس العامّ، وحتى التجربة التي يزعم التجريبيّون أنّها المقياس الأوّل، ليست في الحقيقة إلا أداة لتطبيق المقياس العقليّ، ولا غنى للنظريّة التجريبيّة عن المنطق العقليّ. وثانيهما: درس قيمة المعرفة البشريّة بالتدليل على أنّ المعرفة، إنّما يمكن التسليم لها بقيمة على أساس المنطق العقليّ لا المنطق الديالكتيكيّ الذي يعجز عن إيجاد قيمة صحيحة للمعرفة.

وفي ضوء ذلك أخضع المذهب الرأسماليّ والاشتراكيّ للنقد من أجل الوقوف على حقيقة النزعة المادّيّة فيهما، والوقوف على حقيقة صلاحيّة كلٍّ منهما لتفسير الظاهرة الإنسانيّة.

1. نقد المذهب الرأسماليّ

 يؤكّد في بدايات مقدّماته النقديّة للنظام الرأسماليّ الذي نتج عن المنظور الغربيّ التغريبيّ، ومع بدايات الاستعمار العالميّ في العصر، أنّ المادّيّة تتغلغل في كيان هذا النظام، وفي ثناياه، وهو ما ينعكس على رؤيته للعالم والحياة والإنسان.

 النظام الاجتماعيّ الرأسماليّ نظام مادّيّ خالص، أخذ فيه الإنسان منفصلًا عن مبدئه وآخرته، محدودًا بالجانب النفعيّ من حياته المادّيّة، وافترض على هذا الشكل. ولكن في الوقت الذي كان هذا النظام مشبعًا بالروح المادّيّة الطاغية، إلا أنّه لم يبنَ

(106)

على فلسفة مادّيّة للحياة وعلى دراسة مفصّلة لها، فالحياة في الجو الاجتماعيّ لهذا النظام، فُصلت عن كلّ علاقة خارجة عن حدود المادّة والمنفعة، ولكن لم يُهيّأ لإقامة هذا النظام فهم فلسفيّ كامل لعمليّة الفصل هذه. ولا أعني بذلك أنّ العالم لم يكن فيه مدارس للفلسفة المادّيّة وأنصار لها، بل كان فيه إقبال على النزعة المادّيّة: تأثّراً بالعقليّة التجريبيّة التي شاعت منذ بداية الانقلاب الصناعيّ وبروح الشكّ والتبلبل الفكريّ الذي أحدثه انقلاب الرأي في طائفة من الأفكار التي كانت تعدّ من أوضح الحقائق وأكثرها صحّة، وبروح التمرّد والسخط على الدين المزعوم الذي كان يجمّد الأفكار والعقول، ويتملّق للظلم والجبروت، وينتصر للفساد الاجتماعيّ في كلّ معركة يخوضها مع الضعفاء والمضطهدين[1].

  إنّ تحالف المادّة والمنفعة واللذّة كمقوّمات أساسيّة فيما بعد الثورة الصناعيّة وبناء النهضة الأوروبيّة الحديثة، يؤدّي بدوره إلى اضطراب في الحياة الاجتماعيّة التي يعدّ هذا التحالف أحد جوانبها، وليس كلّ الجوانب، وهو ما ينعكس على الميزان الاجتماعيّ بصورة واضحة، الذي يصاب بخلل في الرؤية والبناء.

 إنّ المسألة الاجتماعيّة للحياة تتصل بواقع الحياة، ولا تتبلور في شكل صحيح إلّا إذا أُقيمت على قاعدة مركزيّة تشرح الحياة وواقعها وحدودها، والنظام الرأسماليّ يفقد هذه القاعدة، فهو ينطوي على خداع وتضليل أو على عجلة وقلّة أناة، حين تجمد المسألة الواقعيّة للحياة وتدرس المسألة الاجتماعيّة منفصلة عنها، مع أنّ قوام الميزان الفكريّ للنظام بتحديد نظرته منذ البداية إلى واقع الحياة، التي تموّن المجتمع بالمادّة الاجتماعيّة ـ وهي العلاقات المتبادلة بين الناس ـ وطريقة فهمه لها، واكتشاف أسرارها وقيمها. فالإنسان في هذا الكوكب إن كان من صنع قوّة مدبّرة مهيمنة، عالمة بأسراره وخفاياه، بظواهره ودقائقه، قائمة على تنظيمه وتوجيهه... فمن الطبيعي أن يخضع في توجيهه وتكييف حياته لتلك

(107)

القوّة الخالقة؛ لأنّها أبصر بأمره وأعلم بواقعه، وأنزه قصدًا وأشدّ اعتدالًا منه[1].

وكان من جرّاء هذه المادّة التي زخر النظام بروحها أن أُقصيت الأخلاق من الحساب، ولم يلحظ لها وجود في ذلك النظام، أو بالأحرى تبدّلت مفاهيمها ومقاييسها، وأعلنت المصلحة الشخصيّة كهدف أعلى، والحرّيّات جميعًا كوسيلة لتحقيق تلك المصلحة. فنشأ عن ذلك أكثر ما ضجّ به العالم الحديث من محن وكوارث، ومآسٍ ومصائب.

2. نقد المذهب الاشتراكيّ

 يقوم المذهب الاشتراكيّ على مبدأين رئيسين أحدهما: تفسير التاريخ تفسيرًا مادّيًا خالصًا بطريقة ديالكتيكيّة. والآخر: اكتشاف تناقضات رأس المال والقيمة الفائضة، التي يسرقها صاحب المال في عقيدته من العامل.

 إنّ فكرة «الصراع» هي الفكرة المهيمنة على التفسير الاجتماعيّ، الصراع بين الطبقات، الصراع بين العمّال وصاحب العمل، صراع المال مع بعضه البعض في سبيل أن ينتج من هذا الصراع مجتمع جديد يعيش حالة من المساواة المطلقة !! «فالميدان الاجتماعيّ في هذه الفلسفة ميدان صراع بين المتناقضات، وكلّ وضع اجتماعيّ يسود ذلك الميدان فهو ظاهرة مادّيّة خالصة، منسجمة مع سائر الظواهر والأحوال المادّيّة ومتأثّرة بها، غير أنّه يحمل نقيضه في صميمه في الوقت نفسه، وينشب حينئذ الصراع بين النقائض في محتواه، حتى تتجمّع المتناقضات وتحدث تبدّلًا في ذلك الوضع وإنشاءً لوضع جديد...وهكذا يبقى العراك قائمًا حتى تكون الإنسانيّة كلّها طبقة واحدة، وتتمثّل مصالح كلّ فرد في مصالح تلك الطبقة الموحّدة»[2].

ويحلّل الصدر هذه الفكرة الاشتراكيّة - التي كانت حتى عام 1989 الجناح الثاني للفكرة الغربيّة- بقوله: «نعم، لو أخذ الإنسان المادّيّ يفكّر تفكيرًا اجتماعيّاً، ويعقل

(108)

مصالحه بعقليّة جماعيّة، وذابت من نفسه جميع العواطف الخاصّة والأهواء الذاتيّة والانبعاثات النفسيّة، لأمكن أن يقوم نظام يذوب فيه الأفراد، ولا يبقى في الميدان إلا العملاق الاجتماعيّ الكبير، ولكن تحقيق ذلك في الإنسان المادّيّ، الذي لا يؤمن إلّا بحياة محدودة، ولا يعرف معنى لها إلا اللذّة المادّيّة يحتاج إلى معجزة تخلق الجنّة في الدنيا، وتنزل بها من السماء إلى الأرض. والشيوعيّون يعدوننا بهذه الجنة، وينتظرون ذلك اليوم الذي يقضي فيه المعمل على طبيعة الإنسان، ويخلقه من جديد إنسانًا مثاليًّا في أفكاره وأعماله، وإن لم يكن يؤمن بذرّة من القيم المثاليّة والأخلاقيّة[1].

إنّ الاشتراكيّة في ضوء هذا المعنى الأخلاقي السلبيّ تعمل على مقايضة التأمين المعيشيّ بالحرّيّة من ناحية، وبالانغماس في المادّيّة فكرًا واعتقادًا واعتناقًا من ناحية أخرى.

 إنّ وضع التصميم الاجتماعيّ الذي يرومونه، يستدعي حبس الأفراد في حدود فكرة هذا التصميم، وتأمين تنفيذه بقيام الفئة المؤمنة به على حمايته، والاحتياط له بكبت الطبيعة الإنسانيّة والعواطف النفسيّة. ومنعها من الانطلاق بكلّ أسلوب من الأساليب. والفرد في ظلّ هذا النظام وإن كسب تأمينًا كاملًا وضمانًا اجتماعيّاً لحياته وحاجاته، إلا أنّ الثروة الجماعيّة تمدّه بكلّ ذلك في وقت الحاجة...ولكن أليس من الأحسن بحال هذا الفرد أن يظفر بهذا التأمين دون أن يخسر استنشاق نسيم الحرّيّة المهذّبة، ويضطر إلى إذابة شخصه في النار، وإغراق نفسه في البحر الاجتماعيّ المتلاطم؟!

3. النظرة التوليدية الإسلاميّة

في ضوء النقد السابق للمذهبين الغربيّين (الرأسماليّة والاشتراكيّة) في تفسير الظاهرة الاجتماعيّة، فإنّه لم يبق إلا السبيل الثالث، وهو الفكرة الإسلاميّة، والتي

(109)

يقدّمها باعتبارها الحلّ الأمثل والأكثر واقعيّة لمعالجة الظاهرة الاجتماعيّة، معالجة تتلاءم مع الفطرة من ناحية ومع الواقع من ناحية أخرى.

-إن السبيل الناجع هو الذي سلكه الإسلام، إيمانًا منه بأنّ الحلّ الوحيد للمشكلة هو في تطوير المفهوم المادّيّ للإنسان عن الحياة. فلم يبتدر إلى مبدأ الملكيّة الخاصّة ليبطله، وإنّما غزا المفهوم المادّيّ عن الحياة ووضع للحياة مفهومًا جديدًا، وأقام على أساس ذلك المفهوم نظامًا لم يجعل فيه الفرد آلة ميكانيكيّة في الجهاز الاجتماعيّ، ولا المجتمع هيئة قائمة لحساب الفرد، بل وضع لكلٍّ منهما حقوقه، وكفل للفرد كرامته المعنويّة والمادّيّة معًا. فالإسلام وضع يده على نقطة الداء الحقيقيّة في النظام الاجتماعيّ للديمقراطيّة، وما إليه من أنظمة...فمحاها محوًا ينسجم مع الطبيعة الإنسانيّة. فإنّ نقطة الارتكاز الأساسيّة لما ضجّت به الحياة البشريّة من أنواع الشقاء وألوان المآسي، هي النظرة المادّيّة إلى الحياة التي نختصرها بعبارة مقتضبة في افتراض حياة الإنسان في الدنيا هي كلّ ما يهمّ، وتحقيق المصلحة الشخصيّة مقياسًا لكلّ فعاليّة ونشاط[1].

-إنّ الميزة المطلقة بين الإسلام والمذاهب الوضعيّة الغربيّة هي ميزة «الغيب» أو«الله» الذي يغيّر من نشاط الإنسان العمرانيّ ومن اتجاهه، ومن طموح الإنسان وأشواقه من الضيق إلى الرحابة والاتساع «...وقد أوجد الإسلام بتلك القاعدة الفكريّة النظرة الصحيحة للإنسان إلى حياته، فجعله يؤمن بأنّ حياته منبثقة عن مبدأ مطلق الكمال، وأنّها إعداد للإنسان إلى عالم لا عناء فيه ولا شقاء، ونصب له مقياسًا خلقيًّا جديدًا في كلّ خطواته وأدواره، وهو: رضى الله تعالى. فليس كلّ ما تفرضه المصلحة الشخصيّة فهو جائز، وليس كلّ ما يؤدّي إلى خسارة شخصيّة فهو محرم وغير مستساغ...بل الهدف الذي رسمه الإسلام للإنسان في حياته هو الرضى الإلهيّ، والمقياس الخلقيّ الذي توزن به جميع الأعمال إنّما هو مقدار ما يحصل بها في هذا

(110)

الهدف المقدس، والإنسان المستقيم هو الإنسان الذي يحقّق هذا الهدف، والشخصيّة الإسلاميّة الكاملة هي الشخصيّة التي سارت في شتّى أشواطها على هدى هذا الهدف، وعلى ضوء هذا المقياس، وضمن إطاره العامّ[1].

-إنّ الإسلام يضع معيار الحياة للإنسان طرفاها؛ الفطرة والواقع، على سياج من ميزان متفرّد يتّسم بالتوازن، فالفلسفة الإسلاميّة فقط هي من تقوم على التوازن في نظرتها الاجتماعيّة للفرد والجماعة، بما يوفّر ميزاناً عادلاً للعمل في الحياة «إنّ الدين يوحّد بين المقياس الفطريّ للعمل والحياة، وهو حبّ الذات، والمقياس الذي ينبغي أن يقام للعمل والحياة، ليضمن السعادة والرفاه والعدالة...إنّ المقياس الفطريّ يتطلّب من الإنسان أن يقدّم مصالحه الذاتيّة على مصالح المجتمع ومقوّمات التماسك فيه، والمقياس الذي ينبغي أن يحكم ويسود هو المقياس الذي تتعادل في حسابه المصالح كلّها، وتتوازن في مفاهيمه القيم الفرديّة والاجتماعيّة»[2].

-فالميزة الأساسية للنظام الإسلاميّ تتمثّل فيما يرتكز عليه من فهم معنويّ للحياة وإحساس خلقيّ بها، والخطّ العريض في هذا النظام هو: اعتبار الفرد والمجتمع معًا، وتأمين الحياة الفرديّة والاجتماعيّة بشكل موازن. فليس الفرد هو القاعدة المركزيّة في التشريع والحكم، وليس الكائن الاجتماعيّ الكبير هو الشيء الوحيد الذي تنظر إليه الدولة وتشرّع لحسابه.

ثانيًا: نظريّة المعرفة بين الرؤية الإسلاميّة والمذهبيّة الغربيّة

تقع المذهبيّة الغربيّة في المعرفة بين نقيضين معرفيّين؛ الأوّل: المذهب العقليّ الذي يقوم على التصوّرات الأوّليّة القبليّة والفروض والقضايا النظريّة، أمّا المذهب الحسّيّ فيقوم على التجربة، أي الحكم البعديّ، وتنازع نظريّة المعرفة في الغرب بين هذين المذهبين، واهتمّ باقر الصدر بنقد الأحاديّة المعرفيّة التي تقوم عليها هذه النظريّة،

(111)

والتي تقسم موضوعات العلم إمّا إلى موضوعات عقلية تصوّرية، أو مادّيّة حسّيّة، وقد أثبت في ضوء نقده لاسيّما في كتابه «الأسس المنطقيّة للاستقراء» ما يلي[1]:

  أ. إن المعرفة البشريّة تبدأ من معارف قبليّة، تسبق التجربة والاستقراء، ويعتمدها الاستقراء، وهي عبارة عن بديهيّات حساب الاحتمال، ومبدأ استحالة التناقض، ومن دون الانطلاق من هذه البديهيّات تفقد التجربة والاستقراء مسوّغها على أرض المعرفة.

  ب. إن المعرفة البشريّة في سيرها التكامليّ، لا تتوقّف على غير المصادرتين السابقتين- بديهيّات الاحتمال، مبدأ استحالة الجمع بين النقيضين- من مبادئ قبليّة.

  ج. إن جملة من القضايا التي عدَّها الاتجاه العقليّ مبادئ عقليّة قبليّة، هي في واقعها مبادئ وقواعد مستدلّة في ضوء الدليل الاستقرائيّ.

  د. إن جميع المبادئ التي عدَّها الاتجاه العقليّ في المعرفة مبادئ أوّليّة قبليّة، يمكن إثباتها بالدليل الاستقرائيّ.

  هـ. إن المعرفة البشريّة لا يتحتّم أن تسير من الكلّ إلى الجزء، بل يعتمد نموّ المعرفة – في الأعمّ الأغلب- السير من الجزء إلى الكلّ، وتكتسب اليقين على أساس بلوغها أعلى درجات التصديق الاحتماليّة، وفي ضوء تركيب طبيعة الذهن البشريّ.

إن نظريّة المعرفة الإسلاميّة التي تولّدت عن هذه الرؤية النقديّة تجمع بين المذهبين الفكريّين المتعارضين طوال التاريخ، وهما المذهب التجريبيّ الذي يؤمن بالمعرفة البعديّة، والمذهب العقليّ الذي يؤمن بالمعرفة القبليّة، وحاولت هذه

(112)

النظريّة وضعهما فى عمليّة معرفيّة واحدة تفسر بها المعرفة الإنسانيّة من خلال إعطاء صبغة وظيفيّة لوسائل المعرفة المعروفة «الحس»، و«العقل»، وكذلك صبغة تكامليّة معرفيّة، بالإضافة –أيضًا- إلى دور الوحي الذي أكّدت عليه «... فلكي تتحقّق هذه الأهداف كان لزامًا إبداع نظريّة معرفيّة توفّر العناصر الثلاثة فى بنية مصادرها، ثم تقوم بعد ذلك بعمليّة التركيب للخروج فى النهاية بالمنتوج المعرفيّ مجرّدًا عن كلّ عنصر من عناصر النسق، فلا هو إلهيّ محض ولا عقليّ محض ولا تجريبيّ محض، وإنّما خلاصة الجميع، وهذا الذي يجعل المعرفة متكاملة وعلى درجة كبيرة من اليقين من جهة، ويجعل كلّ عنصر من مصادر المعرفة حاضرًا فى جميع مجالات الفعل الإنسانيّ، مما يجعله متحرّرًا من جميع التناقضات المختلفة فى حياته العمليّة من جهة ثانية»[1].

 وقد طرح باقر الصدر نظريّة التفسير السببيّ لحركة الكون والتاريخ أو ما يسمّى بمبدأ العلّيّة الذي يقوم على اعتبار أنّ لكلّ حادثة سببًا، وأنّ كلّ سبب يؤدّي إلى نتيجة بصورة ضروريّة، وأنّ النتائج لا يمكن أن تنفصل عن أسبابها، وتبدو القيمة التربويّة لهذا المبدأ فى أنّه يمثّل «الركيزة التي تتوقّف عليها جميع محاولات الاستدلال، في كلّ مجالات التفكير الإنسانيّ؛ لأنّ الاستدلال بدليل على شيء من الأشياء يعني أنّ الدليل إذا كان صحيحًا، فهو سبب للعلم بالشيء المستدلّ عليه» [2].

كذلك فإنّ مبدأ العلّيّة يجعل «الوجود الذهنيذ يجسّد من ناحية جانبًا فكريّاً، وهو الجانب الفكريّ الذي يضمّ تصوّرات الهدف، وأيضًا يمثّل من جانب آخر الطاقة والإرادة التي تحفّز الإنسان نحو هذا الهدف وتنشّطه للتحرك نحوه»[3].

إنّ هذا الطرح السببيّ لحركة التاريخ إنّما هو من صميم القرآن (أَفَلَمْ يَسِيرُوا

(113)

فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا[محمد:10] وغيرها من الآيات التي تؤكّد هذا الطرح، ويعلّق قائلًا: «من مجموع هذه الآيات الكريمة يتبلور المفهوم القرآنيّ الذي يؤكّد على أنّ الساحة التاريخيّة لها سنن ولها ضوابط، كما يكون هناك سنن وضوابط لكلّ الساحات الكونيّة الأخرى» [1].

وتختلف النظرة لمبدأ العلّيّة هنا عن نظرة الفلسفات الغربيّة التي ترى أنّ التاريخ يتحرّك بعوامله الذاتيّة فقط، في أنّها –أي نظريّة المعرفة الإسلاميّة - ترى أنّ التاريخ «لا يتحرّك بعوامله الذاتيّة فحسب، بل لا بدّ له من عامل خارجيّ متعالٍ عليه...هذا العامل هو المثل الأعلى (الله) الذي تتجلى نحوه حركة التاريخ»[2].

ثالثًا: القانون الغربيّ والتشريع الإسلاميّ

-من المقارنات العلميّة التوليديّة ـ أيضًا ـ ما طرحه عبد القادر عودة (1906-1954) في دراسته النقديّة المقارنة «التشريع الجنائيّ الإسلاميّ مقارنًا بالقانون الوضعيّ»، وهي محاولة رائدة نحو تقنين التشريع الإسلاميّ في ضوء المستجدّات والمتغيّرات التي أحاطت بالأمّة والمجتمع الإسلاميّ، «وهو الكتاب الأول في التاريخ الفقهيّ الإسلاميّ الذي يتناول أحكام الفقه الجنائيّ الإسلاميّ، بترتيبها الذي تعرفه كتب القانون الحديثة، مقارنة بنظائرها في القوانين العصريّة، مع معالجة الفقه الإسلاميّ في مذاهبه الأربعة، أحيانًا يصنف إليها رأي الإمام ابن حزم الظاهريّ[3].

وفيما يتعلّق بمنهجيّة المقارنة التي اتُّبعت في هذا التناول، فإنّ الملاحظ فيها الشموليّة والتفصيل لأحكام الشريعة الإسلاميّة وبيان مدى اتفاقها أو اختلافها مع أحكام القوانين الوضعيّة.

(114)

ويؤكّد في البدء أنّ القائلين بأنّ الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر لا يبنون رأيهم على دراسة علميّة أو حجج منطقيّة؛ لأنّ الدراسة العلميّة والمنطق يقتضيان القول بتفوّق الشريعة الإسلاميّة على القوانين الوضعيّة، وبصلاحيّة الشريعة لهذا العصر ولما سيتلوه من عصور[1].

 وينتقد أولئك القائلين بعدم صلاحيّة الشريعة للعصر الحاضر، ويصفهم بأنّهم فريقان؛ «فريق لم يدرس الشريعة ولا القانون، وفريق درس القانون دون الشريعة. وكلا الفريقين ليس أهلاً للحكم على الشريعة؛ لأنّه يجهل أحكامها جهلا مطبقًا، ومن جهل شيئًا لا يصلح للحكم عليه»[2].

منطلقات أساسيّة:

- وعلى الرغم من هذا الاندفاع نحو إجراء المقارنة التوليديّة، إلّا أنّه لا يقرّ القياس بين الشريعة والقانون مبدئيًا؛ لأنّه لا قياس بين مختلفين (في المنشأ / والمصدر والغاية) وإن تشابهت الموضوعات التي يتناولانها، ولكنّه يؤكد أنّه لا مماثلة بين الشريعة والقانون. وفي ذلك أورد مجموعة التباينات بين الشريعة والقانون، أهمّها[3]:

الوجه الأول: أنّ القانون من صنع البشر، أمّا الشريعة فمن عند الله.

الوجه الثاني: أنّ القانون عبارة عن قواعد مؤقّتة تضعها الجماعة لتنظيم شؤونها وسدّ حاجاتها، فهي قواعد متأخرة عن الجماعة، أو هي في مستوى الجماعة اليوم، ومتخلّفة عن الجماعة غدًا؛ لأنّ القوانين لا تتغيّر بسرعة تطوّر الجماعة، وهي قواعد مؤقّتة تتفق مع حال الجماعة المؤقتة، وتستوجب التغيّر كلّما تغيّرت حال الجماعة.

أمّا الشريعة فقواعد وضعها الله تعالى على سبيل الدوام لتنظيم شؤون الجماعة،

(115)

فالشريعة تتفق مع القانون في أنّ كليهما وُضع لتنظيم الجماعة. ولكن الشريعة تختلف عن القانون في أنّ قواعدها دائمة ولا تقبل التغيير والتبديل.

الوجه الثالث: أنّ الجماعة هي التي تصنع القانون وتلوّنه بعاداتها وتقاليدها وتاريخها – والأصل في القانون أنّه يوضع لتنظيم شؤون الجماعة، ولا يوضع لتوجيه الجماعة، ومن ثمّ كان القانون متأخّرًا عن الجماعة وتابعًا لتطوّرها، وكان القانون من صنع الجماعة، ولم تكن الجماعة من صنع القانون.

أمّا الشريعة الإسلاميّة، فقد علمنا أنّها ليست من صنع الجماعة، وأنّها لم تكن نتيجة لتطوّر الجماعة وتفاعلها كما هو الحال في القانون الوضعيّ، وإنّما هي من صنع الله الذي أتقن كلّ شيء خلقه.

تعدّ هذه المحاولة من أهم المحاولات التي شيّدت منظومة فقهيّة تقوم على الأصالة من جهة، وعلى المعاصرة من جهة أخرى، وهي محاولة لبيان السموّ والكمال الذي تتّسم به الشريعة الإسلاميّة في مقابلة القوانين الوضعيّة التي سادت القضاء العربيّ والمسلم، وفي ضوء ذلك طرحت هذه المحاولة مجموعة من المبادئ المؤسّسة أطلقت عليها نظريات، يقوم عليها بناء هذه المنظومة الفقهيّة الجديد، وهذه النظريّات هي:

   - نظريّة مساواة المرأة بالرجل.

   - نظريّة الحرّيّة (حرّيّة الفكر – حرّيّة الاعتقاد – حرّيّة القول).

   - نظريّة الشورى.

   - نظريّة تقييد سلطة الحاكم.-

   - نظريّة الطلاق.

   - نظريّة تحريم الخمر.

   - نظريّة تعدّد الزوجات.

(116)

   - نظريّات في الإثبات والتعاقد.

   - نظريّة تحريم الامتناع عن تحمّل الشهادات.

أمّا أبواب الأحكام التي تناولتها فكانت كالآتي:

   - معنى الجناية وأقسامها.

   - القتل والقصاص.

   - العقوبات البديلة.

   - الزنا.

   - القذف.

   - الشرب.

   - السرقة.

   - الحرابة.

   - البغي.

   - الرِدّة.

وقد التزمت هذه الموسوعة العلميّة الفقهيّة في كلّ تلك النظريّات والأحكام -في ذات الموضوعات- بالنظريّة الغربيّة (النظريّة الفرنسيّة- النظريّة الإنجليزيّة- النظريّة الألمانيّة)، وتتضمّن المقارنة النقد الموضوعيّ لهذه النظريّات فيما يتعلّق بمبدأ الصلاحيّة الفرديّة والاجتماعيّة، مع التأصيل والتجديد الفقهيّ في التناول والتبويب واعتباريّة تعدّد الآراء والأفكار داخل حلقة الاجتهاد الإسلاميّ.

  • خصائص الاتجاهات الإسلاميّة الباكرة من المشروع التغريبيّ
(117)

أهم ما يميز هذه المرحلة/ الاتجاهات الفكريّة الباكرة لمواجهة المشروع التغريبيّ ما يلي:

  1. تعدّ هذه المرحلة مرحلة تأسيسيّة لمقاومة التغريب وأنصاره في الواقع الإسلاميّ، بحيث شكلتا النواة الأولى لتكوين مدرسة حضاريّة إسلاميّة تسعى ليس للتخلّص من الاستعمار الفكريّ وحسب، وإنّما للتفكير في بناء نهضة ذاتيّة مقابلة للنهضة الأوروبيّة، وكأنّ التغريب كان دافعًا أو مظهرًا لسؤال الإصلاح والتجديد في الأمّة.

  2. تعدّ هذه المرحلة أيضًا - وما صاحبها من أفكار تفاعلت على ساحة المشهد الفكريّ الإسلاميّ - كاشفة لحقيقة جوانب متعدّدة من التغريب، وكاشفة لحقيقة مزاعم «التنويريّين» الذي حملوا كلّ نفايات الغرب إلى العالم الإسلاميّ، وزعموا صحّتها وسلامتها للحياة الإسلاميّة، فتأسّس في تلك المرحلة اتجاهات نقد الفكر الغربيّ، بالبحث في أصوله وسياقات نشأته، وكانت سمة مميزة من نقل المدرسة الإسلاميّة من الرفض المطلق للغرب القائم على أساس عاطفيّ وشحن وجدانيّ (اتجاه الرفض والتعبئة) إلى جانب علميّ تأسيسيّ يعي غايات الغرب ويعي تناقضاته (اتجاه الوعي).

  3. كشفت هذه المرحلة أيضًا دعاوى التغريب باعتباره المخلّص من أزمتنا الحضاريّة، واتضح أنّه أضاف أزمة جديدة بوجوده غير الشرعيّ في البيئة الإسلاميّة، وبمناهضته للأصول والمرجعيّات الإسلاميّة، كما أوضح مفكّرو هذه المرحلة أنّ النموذج الغربيّ لا يصلح إلا لبيئته فقط، ولا يمكن استنساخه في أماكن أخرى.

  4. بيَّن مفكرو هذه المرحلة الفرق بين الإسلام وبين الكهنوتيّة الأوروبيّة، فالإسلام ليس هو دين أوروبا الكهنوتيّ، فالإسلام دفع الإنسان إلى العلم وبناء

(118)

حضارة قائمة على أساس العقل، وقد أسّس المسلمون في ظلّ الإسلام المدارس والجامعات واشتغلوا بكافة أنواع العلوم، وتركوا تراثًا بشريًّا كبيرًا قوامه المبادئ الإسلاميّة والنشاط العقليّ للمسلمين.

  5. اتسمت هذه المرحلة ـ أيضًا ـ بعقد المقارنات العلميّة والموضوعيّة بين إسهامات ورؤى الإسلام في مجالات الحياة الإنسانيّة، وإبراز تفوّق الإسلام فيها كما في القانون، ونظريّة المعرفة، والنظريّة الاجتماعيّة، وطرح رؤى معرفيّة توليديّة من منظور الإسلام في مقابلة الرؤى الغربيّة وتجلّياتها لا سيّما في مجال الإنسان والمجتمع والمعرفة.

  6. طرح أسس نقديّة للنموذج المعرفيّ الغربيّ وتجلّياته، وبيان خصوصيّة هذه الأصول وارتباطها بمكان نشأتها، والتشكيك في عموميّتها وصلاحيّتها الكونيّة، وشكّل هذا الطرح أسسًا مهمّة لتطوّر الموقف الإسلاميّ من المشروع الغربيّ كما سنوضح في الفصل التالي.

(119)
(120)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

تطوّر الاتجاهات الإسلاميّة نحو المشروع التغريبي

(الوعي ـ التجديد والتحرّر)

(121)

 

تمهيد:

نصل في هذا الفصل إلى خطّ جديد ومنحى مختلف يتّسم بالتطوّر في تعامل المسلمين مع الغرب، والجدة والتطوّر اللذان نقصدهما هنا لا يرتبطان بالتطوّر الزمنيّ بقدر ما يرتبطان بنوعيّة الفكر الإسلاميّ ومنهجيّته، وتطوّر قراءة العقل المسلم للمشروع التغريبيّ من ناحية، وإشكالاته الداخليّة من جهة أخرى. ومن خصائص هذا المنحى-الذي نرسم له هنا- أنّ للعقل المسلم عينين: عين للخارج ناحية المشروع الغربيّ متأمّلة وفاحصة وناقدة، وعين للداخل الإسلاميّ -نحو التقليد والجمود- باعثة ودافعة للتجدّد الذاتيّ. وينقسم هذا الفصل إلى محورين رئيسين: المحور الأوّل هو مرحلة الوعي بالفکر الغربيّ، والمحور الثاني مرحلة التجديد والإحياء والتحرّر من النزعة التغريبيّة والهيمنة الغربيّة.

المحور الأوّل:

اتجاه الوعي بالمشروع الغربيّ

نناقش في هذا المحور تطوّر حالة العقل المسلم في التعامل مع الفكر الغربيّ بعيدًا عن الشحن العاطفيّ، والرفض القاطع والمبدئيّ، الذي لم يتح أيّ فرصة- إلا شذرًا- للتعرف على مكامن هذا المشروع وبواعثه وأركانه الأساسيّة بطريقة التأمّل والتفكير النقديّ والعلميّ، بما يجعل المسلم يقف مسؤولًا عن أحكامه فيما يتعلّق بالقبول أو الرفض أو التفاعل أو الانعزال، بمعنى أنّ العقل المسلم في هذا الاتجاه يبحث في الأصل لا الفرع، وعن حقيقة العرض الذي أصاب الأمّة جراء مرض التقليد وآفة التشبّه.

  من أهمّ روّاد هذا الاتجاه رفاعة الطهطاويّ (1801-1873) – سواء أكان على مستوى السبق الزمنيّ أم الفكريّ- حيث كان العين العربيّة الأولى التي نظرت إلى

(122)

تمدّن الغرب وحضارته في نموذج منه وهو فرنسا، وكان لما قدّمه تأثير كبير على هذا المنحى الفكريّ وتطوّره.

 في البداية يؤصّل الطهطاويّ لمتانة علاقة الإسلام بالتمدّن، بل إنّه يعتبر الإسلام أصل التمدّن الإنسانيّ كلّه، وهو بالطبع سابق على تمدّن أوروبا الحديث، التي استفادت من الموروثات العربيّة في بناء تمدّنها، وجعلته أساسًا لبناء نهضتها العلميّة، ويقول في ذلك «لا شكّ أنّ رسالة الرسل بالشرائع هي أصل التمدّن الحقيقيّ الذي يُعتد به ويلتفت إليه، وأنّ الذي جاء به الإسلام من الأصول والأحكام هو الذي مدّن بلاد الدنيا على الإطلاق، وانبعثت به أنوار الهدى في سائر الآفاق»[1].

 ويلقي الضوء تحديدًا على أحد العلوم الإسلاميّة ودورها في تمدّن الأمّة، وما استفادت منه أوروبا في تمدّنها الحديث، وتشابه القوانين التي أقرّتها مع ما سطّره هذا العلم من قواعد وأحكام، وهذا العلم هو علم أصول الفقه، فهذا العلم هو محور حركة التمدّن الإسلاميّ، بما أسّس له – أيضًا- من نظريّة الحق والواجب، ونظريّات أخرى ترسي أسس الاجتماع الإنسانيّ الراشد. ويقول في ذلك: «...ومن زوال علم أصول الفقه، وفقه ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد، جزمٌ بأنّ جميع الاستنباطات العقليّة التي وصلت إليها عقول أهالي باقي الأمم المتمدّنة، وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدّنهم وأحكامهم، قلّ أنّ تخرج عن تلك الأصول التي بنيت الفروع الفقهيّة التي عليها مدار المعاملات، فما يسمّى عندنا بعلم أصول الفقه يسمّى عندهم بالحقوق أو الأحكام المدنيّة، وما نسمّيه بالعدل والإحسان، يعبرون عنه بالحرّيّة والتسوية، وما يتمسّك به أهل الإسلام من محبّة الدين والتولّع بحمايته، مما يفضَّلون به عن سائر الأمم في القوّة والمنعة، يسمّونه محبّة الوطن، على أنّه نحن معشر المسلمين حبّ الوطن شعبة من شعب الإيمان، وحماية الدين مجمع أركانه»[2].

(123)

ويرى أنّ تمدّن المسلمين لا يكون إلا بالجمع بين اثنين: تعاليم الشرع، والعلوم الحديثة في البلاد المتطوّرة، «إنّ من أسباب التمدّن: التمسّك بالشرع، وممارسة العلوم والمعارف الحديثة، واستكشاف البلاد التي تعين على ذلك، واختراع الآلات والأدوات من كلّ ما يسهل أو يقرب الطرق التمدنيّة بإيجاد الوسائط والوسائل الملائمة لذلك»[1].

ومما ذكره في مظاهر التمدّن الحديث في أوروبا: حرّيّة الرأي والتعبير، والحرّيّة العموميّة والتسوية بين الناس، وقسم الحرّيّة في تلك المظاهر إلى خمسة أقسام هي «الحرّيّة الطبيعية، الحرّيّة السياسيّة، الحرّيّة الدينيّة، الحرّيّة السلوكيّة»[2].

وعن علاقة المسلمين بأوروبا وضرورة /مشروعيّة الأخذ عنهم بأسباب تمدّنهم، في ضوء مبدئيّة «الحكمة ضالّة المؤمن»، يقول:» إنّ مخالطة الأغراب لا سيما إذا كانوا من أولي الألباب تجلب للأوطان المنافع العموميّة...والبلاد الأفرنجيّة مشحونة بأنواع المعارف والآداب التي لا ينكر إنسان أنّها تجلب الأنس وتزين العمران..فهم يعرفون التوفير وتدبير المصارف، حتى أنّهم دوّنوه وجعلوه علمًا [يقصد به علم الاقتصاد]،..و«التياتر» عندهم كالمدرسة العامّة يتعلّم فيها العالم والجاهل..ويتعلّقون بالحرّيّة، حتى أنّهم لا تطول عندهم ولاية ملك جبار، ولا وزير اشتهر بينهم أنّه تعدى وجار»[3].

 لقد أدرك الطهطاويّ أن وراء احتكاك أوروبا بالشرق أهدافًا استعماريّة يبتغيها الأوروبيّون، فحذّر من ردّ الفعل الانعزاليّ لدى الشرقيّين إزاء هذه المطامع الاستعماريّة، نبّه إلى ضرورة الاستفادة حتى من المخالطة التي تحدث نتيجة للصراعات التي تقوم بين المسلمين وبين أعداء بلغوا درجة من الرقي في سلّم التطوّر العمرانيّ، واستنكر موقف الذين يرفضون ذلك أو يفزعون منه؛ إذ من الممكن بل من الضروريّ أن

(124)

يستفيدوا من هذا «الاحتكاك العنيف والساخن» الذي يصاحب هذا الصراع، ويذكر بعد حديثه «عن المنافع التي تجلبها مخالطة الأغراب من ذوي الألباب» أنّ هذه المنافع مؤكّدة، حتى «ولو كانت مترتبة على التغلّب والاغتصاب، فربّما صحّت الأجساد بالعلل»[1].

 كما دعا الأزهر إلى أن يطوّر مناهجه وبرامجه، ويفسح أروقته وحلقات درسه لتلك العلوم التي جعلت «بلاد الفرنجة» «أحكم الأمم» والتي حازت «أقصى مراتب البراعة في العلوم»..وقد دعا إلى ذلك عندما اصطدم بمن يزعمون أنّ هذه العلوم «أجنبيّة» و«مستوردة»، ونبّه إلى أنّ العلم والمعرفة لا وطن لهما ولا قوميّة تحبسهما، بل أوضح أنّ هذه العلوم والمعارف التي قام عليها عصر النهضة الأوروبيّة هي موروثات عربيّة طوّرتها أوروبا، ويجب أن نفتح لها الأبواب والنوافذ ونأخذ منها ونطوّرها نحن أيضًا[2].

ورغم الوعي الذي أظهره الطهطاويّ بالغرب، والذي كان باكرًا أو كما سمّي بالعين الأولى للعرب على الغرب، فإنّ بعض الباحثين يرى أنّ دعوته إلى الانفتاح على الغرب والأخذ منه – أي بتطوّراته- كان مدخلًا للتغريب أو على الأقلّ في جانب من تلك الدعوة التي تظهر حقيقة الاختلاف والتباين بين المجتمع الإسلاميّ والمجتمع الغربيّ.

كما يمكننا أن نرصد  بوادر الخطّ الفكريّ لهذا الاتجاه من مقالتين ظهرتا في النصف الأول من القرن العشرين؛ الأولى بعنوان «منافع الأوروبيّين ومضارّهم في الشرق». والثانية بعنوان «الأمّة العربيّة بين حضارتين».

-أمّا المقالة الأولى «منافع الأوروبيّين ومضارهم في الشرق» لمحمّد رشيد رضا (1865-1935)[3]، فتقوم على مركزيّة نظرة «النفع» و«المصلحة» ودفع الضرر و«المضارّ»، ويوضح هذين المفهومين بقوله إنّ مفهوم «النفع» المقصود به هو كلّ ما يزيل من

(125)

شقاء الأمّة أو يزيد في سعادتها من أمور المعاش، والاجتماع، والصحة والعلم، والإدارة، والسياسة، وأصول النظم وغير ذلك مما ينقل الأمّة من طور أدنى إلى طور أرقى. أمّا «المضار» فهو ما يقابل المنافع بكافّة وجوهها، وهو كلّ ما تصير به الأمّة إلى حال شرّ مما كانت عليه؛ لذلك رأى أنّ الاستبداد الذي تعيش فيه الأمّة هو الشرّ المستحكم في دينها ومعاشها.

-كما تحدّث رضا على فائدة «استقلال الفكر» والتي جاهدت أوروبا في الحصول عليها «حتى ظفرت بأعدائها من رجال الدين، والملوك المستبدّين، وجعلت كلمة الدليل هي العليا، وكلمة التقليد هي السفلى» – فالتقليد عنده رمز للاستبداد والدليل رمز لاستقلال الفكر. والإرادة والحضارة كمال بشريّ وآفته الاستبداد الذي يُمكِّن للتقليد لا الاستقلال.

-كذلك فإنّه يحدّد مقصوده من استخدام لفظة «الأوروبيّين» بأنّه لا يقصد بهم المستعمرين والاستعمار فقط، وإنّما حالة النهضة الأوروبيّة في العصر الحديث التي لا يستطيع أحد نكرانها.

ثم تناول جوانب الإصلاح الأخرى التي تنبّه إليها المسلمون بفضل الغرب لا سيّما ما يتعلّق بإصلاح نظام الحكم والمطالبة بالشورى والحرّيّة – اللذان هما من أصول الإسلام – إلا أنّ المسلمين لا يطبّقون منهما شيء، بينما نُظُم الحكم في أوروبا تطبّقهما والأصلح للمسلمين أن يأخذوا مبادئ هذا الإصلاح ويطبّقوه في بلادهم بديلًا عن الاستبداد الذي ذاقته بلدان العالم الإسلاميّ.

-يقول في ذلك «...فأعظم فائدة استفادها أهل الشرق من الأوروبيّين معرفة ما يجب أن تكون عليه الحكومة واصطباغ نفوسهم بها حتى اندفعوا إلى استبدال الحكم المقيّد بالشورى والشريعة بالحكم المطلق الموكول إلى إدارة الأفراد، فمنهم من نال أمله على وجه الكمال كاليابان، ومنهم من بدأ بذلك، ومنهم من يجاهد في سبيل

(126)

ذلك بالقلم واللسان كمصر وتركيا». وتشير المقالة إلى أنّ هذه أعظم فائدة، ولا تقارن بنظير، «بل إنّ هذه مرتبة البشريّة العليا، في هذه الحياة الدنيا» وينبّه المسلم إلى أنّ «الحرّيّة والعدالة والشورى» اللذين يملك مبادئهم في دينه هو أمر ثابت لا جدال فيه، إلّا أنّ الفضل في التنبيه لذلك والمطالبة به في العصر الحديث يعود لما قرأناه وشاهدناه من التطبيق في الغرب، «فإنّه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس، لما فكّرنا بأنّ هذا من الإسلام، ولكان أسبق الناس إلى الدعوة إلى إقامة هذا الركن علماء الدين في الأستانة وفي مصر ومراكش، وهم الذين لا يزال أكثرهم يؤيّد: حكومة الأفراد الاستبداديّة ويعدّ من أكثر أعوانها».

كما أعلنت مجلّة المنار موقفها من الحضارة الغربيّة من خلال مبدأين؛ الأول: أن تساير البلاد الإسلاميّة أوروبا فيما تفوّقت فيه في مجال العلوم الحديثة والصناعات والاختراعات، والثاني: إعلان حرب لا هوادة فيها على ما اقترن بدخول الأوروبيّين البلاد الإسلاميّة من الانحلال الخلقيّ والعادات الضارّة.

 وهذان المبدآن يوضحان أسس الوعي لدى الاتجاه الإسلاميّ الباكر في التعامل مع الغرب، وهو الفصل بين ما هو مادّيّ وعلميّ، وبين ما هو قيميّ، وأنّ ذلك كان ممكناً في هذا الزمن الأوّل للاتصال بالغرب، وكان فاتحة يمكن أن يُبنى عليها في منهجيّة التعامل مع الفكر الغربيّ بصفة رئيسة.

أما المقالة الثانية، فجاءت تحت عنوان «الأمّة العربيّة بين حضارتين» لحسن البّنا (1906-1949)، وفي ذات المنحى ترصد منافع الأوروبيّين ومضارّهم، من باب الإنصاف لهم والتحذير من مضارّهم، في محاولة لدفع العقل المسلم إلى التوازن النفسيّ والوجدانيّ والتعقّل في إصدار الأحكام: «...لقد وصلت الشعوب الغربيّة من حيث العلم والمعرفة واستخدام قوى الطبيعة والرقي بالعقل الإنسانيّ إلى درجة سامية عالية، يجب أن يُؤخذ عنها وأن يقتدى بها فيها، وهى إلى جانب ذلك قد عنيت بالتنظيم والترتيب وتنسيق شؤون الحياة العامّة تنسيقًا بديعًا يجب أن يؤخذ عنها

(127)

كذلك، وهذه الحقائق لا يكابر فيها إلا جاهل أو معاند، ولكن هذه الحياة الغربيّة والحضارة الغربيّة التي قامت على العلم والنظام فأوصلها إلى المصنع والآلة، وجبى إليها الأموال والثمرات، وملّكها نواصي الأمم الغافلة التي لم تأخذ في ذلك أخذها ولم تصنع صنيعها– هذه الحياة المادّيّة الميكانيكيّة البحتة مع ما صحبها من خصومة حادّة بين علماء الدنيا وحرّاس الدين»[1].

ثم يدعو إلى التبادل الحضاريّ بين المسلمين والغرب انطلاقًا من الذات الحضاريّة الإسلاميّة القادرة على الاستفادة بما ينفعها ودفع ما يضرّها «...إن من واجب الأمّة العربيّة أن تعمل على الاستمساك بقواعد حضارتها التي تقوم على ما ورثت من فضائل نفسيّة وأوضاع أدبيّة ودوافع روحيّة، على أن نقتبس من الحضارة الغربيّة كلّ ما هو نافع مفيد من العلوم والمعارف والصناعات والأساليب، وعلى أن ندعو أمم الغرب إلى الانتفاع بهذا الميراث الروحيّ الجليل، ونبصّرها بما فيه من خير، ونذكّرها بما تحتويه من نفع وضرّ، وبذلك تقوم الصلة بيننا وبينها على أساس من التعاون المشترك يتآزر فيه العقل والقلب على إنقاذ الإنسانيّة واستقرار الأمن والسلام»[2].

 ومن الروّاد الباكرين في هذا الاتجاه –أيضًا- خير الدين التونسيّ (1820-1890) الذي كتب «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» والذي رسم فيه خارطة للنظم السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة في الحضارة الأوروبيّة الحديثة، والذي اتصل بها مبكرًا، نظرًا لتقلّده مناصب سياسيّة في الدولة العثمانيّة، وقد كتب رسالته إلى علماء المسلمين في صدر هذا المؤلف، والسبب الذي من أجله كانت هذه الخارطة العالميّة، فيقول: «إنّ الباعث الأصليّ على ذلك أمران آيلان إلى مقصد واحد؛ أحدهما: إغراء ذوي الغيرة والحزم، من رجال السياسة والعلم بالتماس ما يمكنهم من الوسائل الموصلة إلى حسن مآل الأمّة الإسلاميّة، وتنمية أسباب تمدّنها بمثل توسيع دوائر

(128)

العلوم والعرفان، وتمهيد طرق الثروة من الزراعة والتجارة، وترويج سائر الصناعات، ونفي أسباب البطالة»[1].

 والباعث الثاني: «تحذير المسلمين من تماديهم في الإعراض عما يُحمد من سيرة الغير، الموافقة لشرعنا، فليس كل ما عليه المخالف لديننا يجب أن نهجره،.. فإنّ العبرة بالدليل إن كان صوابًا لا سيّما إذا كنّا عليه من قبل وفقدناه، بل الواجب علينا السعي لاستعادته..وشأن الناقد البصير تمييز الحق بمسبار النظر في الشيء المعروض عليه، قولًا أو فعلًا، فإن وجده صوابًا قبله واتبعه، سواء أكان صاحبه من أهل الحق أو من غيرهم»[2].

 إن فكرة التونسيّ في العلاقة مع الغرب تقوم على استدعاء عاطفيّ لحالة المسلمين الأولى التي كانت تماثل بل تتفوّق على عطاء الغرب وتقدّمه في الوقت الحاليّ، ولكن المسلمين ونظرًا لسنن الاجتماع في الصعود والهبوط وتخلّيهم عن أسباب القوّة فقدوا هذه المكانة، والمبدأ الثاني ـ في فكرته ـ هو النظر الشرعيّ في مآلات المفاسد والمضارّ في تلك العلاقة، والتي يميل فيها إلى اقتباس النظم والأدوات التي تحسّن العمران باعتباره فريضة إسلاميّة في الأساس، وأنّ التخلّي عن القيام بتلك الفريضة هو الذنب الأكبر الذي يحاسب عليه المسلمون، وأنّ قيمة الحقّ، قيمة مطلقة، وهي تماثل الحكمة ضالّة المسلم أنّى وجدها فهو أوْلى لناس بها.

 وقد تطوّر هذا المنحنى الفكريّ في النصف الثاني من القرن العشرين، كما ظهر عند علي شريعتي (1933-1977) في نظرته إلى الغرب والتحفيز على التفاعل معه، وما في ذلك من فائدة للمعرفة الحضاريّة الإسلاميّة.

 ينظر شريعتي للغرب ومنجزاته العلميّة باعتباره عاملًا مهمًّا في فهم ذاتنا، فالغرب

(129)

وإن كان مكرّسًا للاستعمار والهيمنة والتمييز الطبقيّ والتغرّب، إلّا أنّنا لا بدّ وأن نضع أنفسنا وذواتنا في مواجهته، وأن نكون مسلّحين بالقوّة والثراء في هذه المواجهة أمام غروره بأنّه فقط صاحب الثقافة والمدنيّة. ويحذّر أنَّ هذه المواجهة لا تعني الانزواء والعزلة أو الكراهيّة والتعصّب الأعمى ضد الغرب، بل العكس تمامًا، إنّه لا يستطيع الصمود إلا من يعرف الصمود، ولا يعرف الصمود إلا ذلك الذي يعرف قدرة من يواجهه جيّدًا... وبالمعرفة الصحيحة والعميقة للغرب نستطيع بوعي ومسؤوليّة أن نعود إلى أنفسنا، ونجدّد ميلادنا.

 ويقف من الغرب موقف «الناقد البصير»، فلم يستسلم للغرب كما استسلم «أشباه المثقّفين» و«المتفرنجين»، ولم ينعزل كما انعزل أهل الجمود والتقليد، ومنهجه في ذلك هو منهج «الحكمة» أو «ضالّة المؤمن»، فرأى أنّ التقدّم العلميّ في الغرب وتطوّر أدوات البحث ومناهجه من أهم العوامل التي تساعد على فهم الإسلام وحضارته وثقافته، وأنّ الباحث المسلم عليه أن يمتلك معرفتين أساسيّتين: الأولى: معرفة الذات الإسلاميّة (عقيدتها، حضارتها، ثقافتها) حقّ المعرفة من خلال العلم والدراسة بهذه الذات. الثانية: إدراك الثقافة العلميّة المعاصرة وروح العلم الحديث، والاستفادة من كافّة منجزات الحضارة الغربيّة المعاصرة، والاستعانة بكلّ الإمكانيّات والإنجازات التي حصلت عليها العلوم الإنسانيّة والعلوم الاجتماعيّة، وما توصّلت إليه المجامع العلميّة في عالم اليوم.

-ويرى أيضًا أنّ الفجوة الحادثة بين معرفة الذات الإسلاميّة ومعرفة الثقافة العلميّة المعاصرة ليست في صالح الإسلام؛ بل هي ضدّه إذ إنّ الإسلام يتمدّد في ظلّ العلم والانفتاح والتطوّر العقليّ، ومن ثمّ فإنّ الازدواجيّة الحادثة فى العقل المسلم بين (أصالته) و(المعاصرة) هي ازدواجيّة مزيّفة لا تخدم فكرته الإسلاميّة ولا عقيدته ولا معطياتها فى الكون والمجتمع «إنّ السبب الرئيسيّ وراء النقص العلميّ و تدهور معرفتنا بالإسلام هو أنّ من يمتلكون الثقافة الإسلاميّة لم يكونوا على علم بالنظرة

(130)

العلميّة المعاصرة والعلوم وأساليب البحث الجديدة، وأنّ من يملكون الثقافة المعاصرة ويعرفون المناهج العلميّة الجديدة للبحث العلميّ كانوا غرباء عن الإسلام»[1].

-دعوة شريعتي هي إدماج الإسلام في العصر ومواجهة محاولات عزله أو استسلامه، فالإسلام يحتاج منّا إلى إعادة اكتشاف بمناهج جديدة توصّل إليها العقل الإنسانيّ، الذي يقف منه في ضوء منهج «كلٌّ يُؤخذ من كلامه ويُترك» و«الحكمة ضالّة المؤمن»، ولقد ظهر هذا عنده في عروجه المفاهيميّ لفلاسفة النهضة الأوروبيّة، مثل «كانت» و«ديكارت»، وتأليفه لأفكارهما في ضوء منظومته المفاهيميّة المؤسِّسة لهذا النهج الانفتاحيّ والتواؤميّ الجديد بين «العقل الإسلاميّ والعصر» أو بين «الإسلام والعصر».

-ويحذّر في الوقت نفسه من أولئك المتلاعبين بالمفاهيم، والمزيّفين لها من المستشرقين الذي عبثوا بمفاهيم الرسالة، والرسول، وذكرها صراحة بأنّه «لا يمكن الاعتماد على الأعمال التي قام بها المستشرقون من الشرق والغرب خلال القرنين الأخيرين»؛ وذلك لأنّ منهجهم غير علميّ وتحكم فيه «الهوى» و«الظن» و«المصلحة»، وتحديدًا فإنّ منهج الاستشراق خضع لتأثير العوامل الآتية[2]:

  1. الأغراض السياسيّة والمصالح الاستعماريّة.

  2. التعصّب الدينيّ.

  3. الأحقاد القوميّة والعرقيّة والتاريخيّة.

أما إسماعيل الفاروقي (1921 – 1986)، فقد مثّل ريادة مهمّة في الوعي بالغرب ومعرفته، حيث مثّلت قراءته نموذجًا لاستعادة القوة الحضاريّة الإسلاميّة في مواجهة الهيمنة الفكريّة للغرب وأنصاره في الداخل الإسلاميّ، وتتمثّل أهمّ إسهاماته الفكريّة في هذا المنحى في الأفكار والآراء الآتية:

(131)

  1. إقرار التثاقف الفكريّ مع الحضارات القائمة بصفة عامّة، والغرب بصفة خاصّة، نظرًا لمركزيّته الفكريّة في المشهد الحضاريّ المعاصر، وهذا الموقف المبدئيّ ينطلق من أصالة الحضارة الإسلاميّة التي تقوم على الانفتاح لا الانغلاق «...إنّ حضارتنا الإسلاميّة منفتحة غير منغلقة، وإنّنا مكلّفون بتحصيل العلم أنّى وجد، والاستفادة منه في تعزيز الأمّة وتنمية مواردها وازدهارها»[1]

  2. إلّا أنّ التثاقف يتطلّب عدّة شروط حتى لا نقع في التغريب الذي وقعت فيه البعثات التعليميّة الأولى، أو من أجل أن يحقّق هذا الاتصال نفعًا للمسلمين كما حدث في اليابان، وهذه الشروط هي: التمكّن من العلم الغربيّ وإتقانه والهيمنة عليه، أي الإلمام التامّ به، والتفهّم الكامل، لكلّ ناحية من نواحيه، فالتعرّف السطحيّ بالعلم الغربيّ لا يكفي، ولا يغني، والاكتفاء به جرم، «وعلى المسلم الذي يطلب العلم عند الغرب أن ينفذ من كافة الحقول والمكامن، ويحيط بتاريخ العلم ومنجزاته، ويدرك مناهجه النظريّة ومسالكه العمليّة، ويعرف مشاكله وآماله حتى نقف على نشأته وحاجاته وإمكانيّاته»[2].

  3. واهتم أيضًا بالبحث في السياقات المعرفيّة والاجتماعيّة لنشأة النموذج المعرفيّ الغربيّ، وتداعياته وإشكآليّاته الداخلية، ومذاهبه المتعددة، وبذور التناقض الذاتي الكامنة في نشأته الأولى والحديثة. ومن ناحية أخرى انتقد العلوم الاجتماعيّة الغربيّة، وكشف عن جوانب التحيّز فيها، وأوضح ادعاءاتها الخاصّة بعالميّة المناهج المستخدمة وأحاديّتها، ومزاعم هذا النموذج المعرفيّ الغربيّ في «العالميّة» و«الإطلاقيّة» و«الواحديّة» العلميّة التي أعلن عنها في صدر القرن العشرين، قرن الاستعمار الغربيّ والمشروع التغريبيّ.

  4. كما انتقد بشدّة دعاوى تطبيق المنهج التجريبيّ على الظاهرة الإنسانيّة،

(132)

وزعم أنّ ما يمكن تطبيقه على الطبيعة، يفترض إمكانيّة تطبيقه بالنسبة للظاهرة الإنسانيّة والاجتماعيّة المتفرّدة، وقد ترتّب على هذه الدعاوى خطأ في التعريف بطبيعة حقائق العلوم الاجتماعيّة وطبيعة التعرّف عليها.

  5. كما كشف ـ أيضًا ـ خطأ مبدأ «التعميم» في المنهج العلميّ المعاصر – الذي ابتدعه الغرب في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة – وإهمال / إغفال الخصوصيّات الثقافيّة والدينيّة، والبعد الدينيّ والأخلاقيّ على وجه الخصوص -وهي العناصر الأساسيّة المكوِّنة للظاهرة الإنسانيّة في كلّ المجتمعات حتى في أقلّها تحضّرًا- والذي بناء عليه «تمّ استبعاد جميع التقويمات في العلوّ الاجتماعيّة من ناحية، وهيمنة التأمّل الذاتيّ على العلوم الإنسانيّة من ناحية أخرى؛ وذلك لأنّ الموضوعيّة (العلميّة) لم تستطع إجازة تلك التقويمات، ومن ثم صدفتها إلى العلوم الإنسانيّة التي أصبح اهتمامها وتطبيقها يتّسم بالصفة الشخصيّة والفرديّة التامّة»[1].

إنّ أهمّ ما قدّمه الفاروقيّ في هذا المنحى ـ الوعي بالغرب ـ هو بناء خارطة علميّة للتعامل معه، وكشف زيف المقولات الغربيّة التي تحوّلت إلى بديهيات واستقرّت في أذهان بعض من وقعوا في أسر الوافد من أبناء الأمّة، وأهم هذه المقولات: «عالميّة» الغرب و«مركزيّته الكونيّة» و«حياديّة علومه» و«موضوعيّتها»، و«مطلقيّة» و«أحاديّة» الطريق – المنهج الغربيّ لنهضة الأمم والشعوب.

 وخطّ عبد الوهاب المسيريّ (1938–2008) – أيضًا – في هذا المنحى من خلال ما طرحه تحت عنوان «الفكر الغربيّ: مشروع رؤية نقديّة»، هذا المقترح الذي انتقل به لاحقًا من دعوة للأمّة إلى واقع تنفيذ قام عليه، يذكر أنّ دافعه الرئيس فيه هو «حالة

(133)

العقل العربيّ والمسلم في العصر الحديث والذي دخل – نتيجة لظروف عديدة – حلقة مفرغة زادت من تفكّكه وتآكله وتقويض ثقته بنفسه وضمور إبداعه. فالنهضة أصبحت تعني للكثيرين هي اللحاق بالآخر (الغرب) وتجاهل الذات، بل (إعادة صياغتها بما يتّفق مع المقاييس الغربيّة»[1].

إنّ مواجهة تبديد العقل المسلم وتآكله لا يكون إلا بإبداع مشروع حضاريّ إسلاميّ، وهذا المشروع نقطة البدء فيه هو تقديم «نقد للمشروع الغربيّ القائم، نظرًا لذيوعه وهيمنته».  أمّا خطوط هذا المشروع النقديّ، فهي كما يوضحها ويطرح كلّيّاتها الفكريّة كالآتي[2]:

  1. تأكيد نسبيّة الغرب.

  2. تراجع المركزيّة الغربيّة.

  3. أزمة الغرب الداخليّة.

  4. الفكر الغربيّ الاحتجاجيّ أو المضاد (الداخليّ).

  5. انتهاء الحداثة.

  6. نقد مفهوم التنمية الغربيّ وبيان قصوره.

  7. المراجعات الجديدة للتاريخ الغربيّ.

  8. المراجعات الجديدة في علم النفس وعلم اللغة.

  9. تأسيس «علم الأزمة» (أزمة الحضارة الغربيّة). 

  10. دراسات نقديّة في خصوصيّة الحضارة الغربيّة (نظريّة ماكس فيبر في عمليّة الترشيد بوصفها سمة أساسيّة للحضارة الغربيّة)، (خصوصيّة تطوّر التكنولوجيا الغربيّة الحديثة)، (الأزمة المعرفيّة في العلوم الطبيعيّة).

(134)

  11. التوجّه نحو تجارب حضاريّة غير غربيّة (كاليابان).

  12. دراسة الأسس الدينيّة والثقافيّة للعلم الغربيّ وللمفاهيم الغربيّة. 

إنّ ما قدّمه المسيريّ ـ فيما يتعلق بدراسة الفكر الغربيّ والوعي به ـ يمكن أن نطلق عليه (ثورة معرفيّة) فأصبح «الغرب» موضوعًا للدراسة والنقد والتفكيك، بعد أنّ كان «الشرق» أو بصفة خاصّة «العالم الإسلاميّ» هو هذا الموضوع، وفي ضوء ذلك قدّم: «فقه التحيّز: رؤية معرفيّة ودعوة لاكتشاف التحيّزات للنموذج الحضاريّ الغربيّ» و «العالم من منظور غربيّ» و«الحداثة وما بعد الحداثة» و«العلمانية والحداثة والعولمة». كما قدم ـ أيضًا ـ موسوعته الشهيرة «اليهود واليهوديّة والصهيونيّة» كأحد منابع الفكر الغربيّ الحديث، و«دفاع عن الإنسان... دراسات نظريّة وتطبيقيّة في النماذج المركبة» وغيرها من النتجات الفكريّة في الرافد الفكريّ والمنهجيهّ نفسه.

ومن روّاد هذا الاتجاه –أيضًا- منى أبو الفضل (1945-2008) والتي قامت بتحليل أبرز معالم النسق المعرفيّ الغربيّ- في ضوء ما اهتمّت به في نظريّة الأنساق المتقابلة- وكيفيّة تكوينه وأهمّ مفاهيمه، من خلال الوعي بمراحل تكوّنه وصياغته النهائيّة في العصر الحديث، كما تُحلل سياقات النشأة المعرفيّة والاجتماعيّة والعلميّة للحضارة الغربيّة وأيديولوجيّتها الحاكمة، والتي بدأت بالتخلّص من النفوذ الكنسيّ ثمّ إلى التخلّص من الآخر كلّه والانتفاع به إلى أقصى ما يمكن استغلاله، ثمّ تبلور أهمّ المفاهيم التي تأسّست في هذا السياق الحضاريّ والأيديولوجيّ، وأهمّ الأدوات والوسائل المستخدمة لتحقيق هيمنة وإكراهات الأيدلوجيّة الغربيّة، ومما قدّمته في هذا المنحى «النظريّة الاجتماعيّة المعاصرة: نحو طرح توحيديّ في أصول التنظير ودواعي البديل»، و«جامع الشرق والغرب».

(135)

المحور الثاني:

اتجاه التجديد والتحرّر

يقوم هذا المحور على محوريّة فكرة «التجديد» و«التحرّر»، وهذه الأفكار هي المقابلة لفكرة «التنوير» التي حملها المشروع التغريبيّ إلى الحالة الإسلاميّة في القرن العشرين وما قبله، ويبدو هذا التمحور حول هذه الأفكار باعتبارها أقرب إلى العقل الإسلاميّ وقبوله الدينيّ لها.

أمّا التجديد فقد سار في طريقين؛  الأوّل: تمثّل في دعوة البعث والإحياء والعودة إلى منابع الإسلام الأولى، فهي الطريق الرئيس والمنهج الحكيم لمواجهة مشروع التغريب؛ والثاني: اهتم بإدراك العوامل والمتغيّرات الحضاريّة وعلاقة ذلك بنظرتنا للإسلام الذي يجب أن يتمّ تشغيله لملاءمة تلك المتغيّرات، بما يمتلك –الإسلام- من قدرة داخليّة على ذلك، وكما تشير طبيعة رسالته، أي تجديد الإسلام لمواءمة الحركة الإنسانيّة.

ويمثّل أبو الأعلى المودوديّ ( 1903-1979) طليعة الطريق الأوّل لفكرة التجديد التي تعني بمعنى البعث والإحياء، ويرى أنّ التجديد هو الاجتهاد في الدين، والمراد به «أن يفهم المجدّد كلّيّات الدين، ويتبيّن اتجاه أوضاع المدنيّة والرقيّ العمرانيّ في عصره، ويرسم طريقًا لإدخال التغيير والتعديل على صورة التمدّن القديمة المتوارثة، يضمن للشريعة سلامة روحها وتحقيق مقاصدها، ويمكّن الإسلام من الإمامة العالميّة في رقيّ المدنيّة الصحيح»[1]. فالتجديد في حقيقته هو تنقية الإسلام من كلّ جزء من أجزاء الجاهليّة، ثم العمل على إحيائه خالصًا محضًا»[2]

(136)

ويحدد ـ أيضًا ـ عمل التجديد/المجدّد في نقد الغرب وعلومه وفنونه ونظامه للثقافة والمدنيّة، وبيان للناس ما فيه من الفساد الذي يجب تركه، والصحيح الذي يليق أخذه، وأن يوضح للناس كيف تطبّق مبادئ الإسلام على المسائل والشؤون الحاضرة، حتى يقوم في الأرض نظام صالح للمدنيّة والاجتماع وعلى أيّ صورة تكون في هذا النظام.

فوظيفة التجديد إذن تغيير أفكار الناس وطبعها بطابع الإسلام، بعد تخليتها مما علق بها من أفكار التغريب التي أزاحت تعاليم الإسلام وحلّ محلّها نظام التعاليم الغربيّة، وهذا العمل يكون عن طريق «إصلاح نظام التعليم والتربية، وإحياء العلوم والفنون الإسلاميّة، وبالجملة بعث العقليّة الإسلاميّة الخالصة من جديد»[1].

-أمّا وحيد الدين خان (ولد1925)، فينفي أن يكون التجديد إضافة في الدين ما ليس فيه؛ بل هو تنقية مما علق به من شوائب، فالتجديد بمثابة المصفاة، إنّ عمليّة التجديد «لا تعني اختراعاً في دين الله، وإنّما تعني تطهير الدين الإلهيّ من «الغبار» الذي يتراكم عليه، وتقديمه، في صورته الأصليّة النقيّة الناصعة»[2]. فالتجديد هنا يعني تجاوز «تراكمات» التراث والجمود بأشكاله المختلفة التي علقت بمصادر الإسلام ومنابعه الصافية، ويعني ـ أيضًا ـ أنّه عودة إلى الأصول الإسلاميّة الأولى (القرآن والسنة) دون أيّ صوارف جاءت عليها لا سيّما القرون الأخيرة التي اختلط فيها المقدّس بالبشريّ.

-إنّ الغبار الذي يتراكم على الدين الإلهيّ ظلّ من نوع واحد على مرّ العصور، وهو الإضافة البشريّة وتأتي هذه الإضافة في بداية الأمر بسبب عوامل وقتيّة، ولكنّها بمضي

(137)

الزمن تصبح شيئًا مقدّسًا حتى تعتبر جزءًا من الدين الإلهيّ، وقد يؤمن بها الناس كإيمانهم بالوحي السماويّ، ويصل بهم الأمر إلى اتخاذ أخبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله حسب التعبير القرآنيّ[1].

-والحاجة إلى التجديد واقعة في عالم المسلمين اليوم؛ «لأنّ الإسلام يعاني من سائر أنواع «الغبار» الذي تراكم على أديان الأمم السابقة، مع فارق جوهريّ وهو أنّ أصول الإسلام محفوظة من للتحريف البشريّ دون سائر الديانات السماوية الأخرى ولن ينجح الجهد الرامي إلى إحياء الدين الإلهيّ، ما لم يطهّر من الغبار البشريّ»[2].

-وليس هناك من سبيل لإصلاح هذا الوضع سوى جعل القرآن والسنة من جديد مصدرًا حقيقيّاً يتلقّى منه الناس دينهم. وعلى سبيل المثال، فإنّ القرآن يحتوي على أسس الصلاة، والمسائل الأخرى الضروريّة موجودة في السنة وأثار الصحابة الكرام؛ ولذلك يجب ألا يحوي كتاب عن الصلاة إلّا ما ورد في هذه المصادر الثلاثة، ولا يعتبر أيّ شيء آخر مسألة من مسائل الصلاة، ولو من جانب الترجيح والتفضيل؛ لأن اختلاف الصحابة حول أمر ما يعني مرونة الدين. ولا يصحّ أن يقال عن موقف أحدهم إنّه صحيح وموقف الآخر خطأ أو أن أحدهم أفضل من الآخر[3].

-ويقترح خان في سبيل هذا التجديد إعادة تدوين العلوم الإسلاميّة القائمة بإزالة ما علق بها من «غبار»، وهذه المهمّة هي مهمّة «الأمّة» التي يجب أن تهيئ مؤسّساتها العلميّة وكوادرها المؤهّلة التي ينبغي أن تكون مستوعبة لعلوم القرآن والسنة، ويحدّد متطلّبات إنجاز التدوين للعلوم الإسلاميّة في الآتي[4]:

(138)

1. فيما يتعلّق بالقرآن الكريم

-أ- ترجمة معاني القرآن بمختلف اللغات للذين لا يعرفون اللغة العربيّة.

-ب- تدوين أحوال الشعوب والأنبياء المذكورين في القرآن بالأسلوب التاريخيّ الحديث.

-ج- شرح الإشارات القرآنيّة حول آيات الكون، باستخدام تفاصيل العلوم الحديثة.

-د- تدوين تعاليم القرآن وتبويبها حسب الموضوعات.

2. فيما يتعلّق بالأحاديث

جمع الأحاديث القويّة الإسناد بعد استبعاد الروايات الضعيفة والموضوعة، في مجموعات مختلفة مثل:

أ- الروايات التفسيريّة.

ب- الروايات التاريخيّة.

ج- روايات الأحكام.

د- الروايات التذكريّة.

3. فيما يتعلّق بالسيرة

أ- تاريخ بُنَى الإسلام الشامل بأسلوب تاريخيّ بسيط.

ب- تاريخ الصحابة شاملًا.

ج- تاريخ الإسلام الكامل وليس الفتوحات فقط. -

أما علال الفاسيّ (1910-1974)، فيذكر أنّ مهمّة التجديد في الدين هي مهمّة

(139)

واجبة على العلماء الذين يجب أن يرتقوا برسالتهم نحو الأمّة ونحو الإسلام، ويؤكّد على مركزيّة مهمّة العلماء وأنّها امتداد للنبوّة في الوظيفة لا الوحي بالطبع، الوظيفة في حمل الرسالة الحقّة وإبلاغها إلى الناس، بل النضال في سبيل ذلك التبليغ: «إذا كان الأنبياء قد بلّغوا الدين وحملوا الرسالة، فمهمّة العلماء هي حفظ ذلك الميراث وتبليغه بكلّ أمانة. والنضال في سبيله بمختلف الوسائل، وابتكار  هذه الوسائل نفسها، وذلك ما يقول فيه الرسول: يحمل هذا الدين من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال البطالين وتأويل الجاهلين»[1]

 ينطلق الفاسيّ[2] من هذا الحديث الشريف ليكيّف الإطار الشرعيّ والفكريّ لمهمّة العلماء في عمليّة التجديد للأمّة ويستنبطها في ثلاثة دوائر كبرى، الدائرة الأولى: هي دائرة التخلية، وهي «إزالة كلّ انحراف عن الدين مصدره الغلو في العقيدة أو المشادّة في الدين»، وهذه الدائرة ترتبط بحالة التراجع التي قد تشدّها الأمّة وفقًا لمسار السنن الكونيّة في الصعود والهبوط الحضاريّ، هذه السنن التي لا تحابي أحدًا (كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [ الإسراء:21]، (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الأنفال: 53] وهذا يعني أنّ الواجب الحضاريّ على العلماء أن يبحثوا عن هذه الإصابات، ويشخّصوا تلك الأمراض التي تصيب الفكرة الدينيّة في نفوس حامليها، والبحث من ناحية عن حقائق الإسلام، واكتشافها من جديد من أجل تقديمها كعناصر حيّة لبعث الأمّة حين التراجع أو الانحطاط أو التكاسل الحضاريّ. وهذا يتطلّب أن يكون العلماء على مستوى العصر

(140)

ومسؤوليّاته العلميّة ومناهج البحوث والدراسات الواقعيّة، وأن ينقّحوا الأدوات والمناهج المستخدمة من أجل الوصول إلى حقيقة الإشكالات والإصابات والآفات التي تعاني منها الأمّة.

 أمّا الدائرة الثانية لمهمّة العلماء فهي «دفع انتحالات المبطلين الذين يدخلون في الدين ما ليس منه، وتتسرّب إلى أفكارهم، من حيث لا يشعرون، مبادئ باطلة لا تتفق وطبيعة التوحيد». وهذه المهمّة عظيمة الأثر والفعالية؛ إذ ليست عوامل الهبوط الحضاريّ وحدها هي السبب في تشويه الرؤية الكلّيّة لدى المسلمين، أو إصابات الفكرة الدينيّة، وإنّما هناك عوامل مقصودة دخيلة وخارجيّة أيضًا، ولعل ما مُني به العالم الإسلاميّ في عصر الاستعمار من روافد غزو ثقافيّ وفكريّ، لا سيّما ما اتصل برافد الاستشراق الذي استهدف الفكرة الدينيّة وانشغل بالعبث في مصادرها، كانت أحد المسارات أيضًا لانتحالات المبطلين المشار إليها في هذه الدائرة. 

أمّا الدائرة الثالثة، فهي «تقويم تأويلات الجاهلين بالدين الذين لا يبالون بالانحلال الذي يصيب عقائدهم متى تذرّعوا بما يرضي غرائزهم»، وهذه الدائرة تنظر إلى الداخل وتتأمّل فيه حينما يُدخل أهل الإسلام ما ليس في الإسلام أو ينقصون منه ما فيه، ولكماله وتمامه، وهذا الأمر يتطلّب فعلين للعلماء؛ الأوّل: هو اكتشاف التغيّرات التي تطرأ على الأفكار في المجتمع وتأثيرها على الإسلام وفيه أو قياسها به قربًا أو ابتعادًا، تجديدًا أو تقليدًا، اجتهادًا أو ابتداعًا، وهذا المقياس. والفعل الثاني هو فعل التقويم والإرشاد والتوجيه للإعوجاج الذي قد يوجد  في مسارات حركة الأمّة والمجتمع نتيجة المتغيّرات وعوامل الضعف التي تصيب الأمّة.

 ويضيف أيضًا أنّه من المهام الأصيلة للعلماء في الأمّة هو القيام بالمسؤوليّة الحضاريّة حين تأخذ السنن الأمّة إلى مراحل متراجعة على سلّم الحضارة، وتتمثّل

(141)

هذه المهمّة في تهيئة الأمّة وجدانيًّا وعقليًّا وتربويًّا لها، والبحث عن الفكرة المركزيّة التي ينطلق منها هذا البعث، وهنا يشير إلى مركزيّة فكرة «الدين» في تحقيق التألّق الحضاريّ والانبعاث من جديد، وهذا يتطلّب «معرفة الدين نفسه ومركزه من الديانات الأخرى ومن النظريّات والأفكار الإنسانيّة على اختلاف العصور، وهذا ما يستوجب المعرفة بالبشر وباللغات والتطوّرات التاريخيّة والعلميّة، وكلّ مقوّمات الحضارات الإنسانيّة ووسائلها الثقافيّة، لتكوين الخُلق الإنسانيّ في كلّ البيئات والعصور، وهكذا تصبح الدعوة الدينيّة نفسها محوراً أساسًا تحيط به كلّ المعرفة الإنسانيّة وتنجذب إليه كلّ الابتكارات والمناهج البنّاءة، فتصبح هي والثقافة متحدتي المعنى، مشتركتي المدلول»[1].

إنّ مهمّة «التجديد» هي الحفاظ على حياة الإسلام والمسلمين من الاندثار، أو تعطيل إبلاغ الرسالة، «فإذا كان الوعد النبويّ يضمن قيام جماعة من أهل العلم الذين يجدّدون لهذه الأمّة أمر دينها ويصلحون ما أفسده الناس من سنّة نبيّها، فإنّ ذلك لا يعني عدم وقوع تضعضع في الوسط الإسلاميّ، وإنّما ذلك يضمن دوام الإسلام وعقيدته محفوظة بحفظ القرآن، أمّا المسلمون فيحتاجون إلى المجهود المتواصل إذا أرادوا البقاء دائماً في المستوى الرفيع الذي أراده لهم الإسلام.»[2].

 وهكذا نلاحظ أنّ التجديد في هذا المسار هو عين فكرة البعث والإحياء لمبادئ الإسلام وتعاليمه في صورتها النقيّة الأولى، ومن منبعها الصافي الأوّل (القرآن والسنة)، ودعوة إلى تنقية هذا المنبع مما علق به من شوائب الإضافات البشريّة المخالفة لمقاصده، أو المضيّعة لمبادئه.

(142)

أما الطريق فيقوم على فكرة أكثر تطوّرًا وتقدّماً من فكرة «البعث والإحياء» لمبادئ الإسلام الأولى، حيث يقوم على توظيف هذه المبادئ في نقل المسلمين إلى حالة من التحضّر، تقابل التحضّر الغربيّ القائم بالفعل، ونقض حالة الجمود والتقليد التي كانت السبب في تمكّن المشروع التغريبيّ من العقل والوجدان المسلم.

ومن روّاد هذا الاتجاه  أمين الخولي»(1895-1966م) الذي كتب أوّل مقالة بعنوان «التجديد في الدين عام 1933، ثم طوّرها في كتابه «المجدّدون في الإسلام»، وتقوم مقصديّة «التجديد» عنده على: حماية المجتمع والحياة من الانحراف، والانتباه إلى العوامل السيّئة المفسدة لأمرهما، ويلحظ هذا في الإسلام من ارتباطه بأصل عامّ اجتماعيّ قوي هو: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو فعل دائم يقوم به الواعون الحارسون لكيان الجماعة، من أن تشيع فيها ضلالة مفسِدة، أو مهلِكة ضارّة..والتجديد في رؤوس القرون[كما جاء في الحديث النبوي] هو العمل الثوريّ الكبير الذي تحتاجه الأمّة إذا ما طال عليها العهد وقست القلوب. وفعل التجديد مرتبط أيضًا بكبريات الأحداث الضارّة التي يتعرض لها المجتمع بفعل آفات التطوّر الاجتماعيّ والتغيير الحيويّ[1].

ويرى -أيضًا- أنّ التجديد في الدين دعت إليه حاجة واضحة، فهو الذي يحقّق استمرار حيويّة الإسلام، وصلاحيّته لكلّ زمان ومكان، ومسايرته للتقدّم الإنسانيّ المتّصل[2]. ومما يوجب حركة التجديد ويساعد في تطوّرها «امتداد دعوة الإسلام وحياته، امتدادًا أفقيًّا وامتدادًا رأسيًّا معاً، فالامتداد الأفقيّ هو امتداد مكان هذه الدعوة وحياتها إلى العالمين؛ والامتداد الرأسيّ هو امتداد الزمان بدعوته وحياته قرنًا

(143)

بعد قرن، وأجيالًا بعد أجيال...وحيث تتسع حياة الإسلام ذلك الاتساع، الذي لا يحدّه زمان ولا مكان تكون مواجهته للتغيّرات التي لا مفر منها، بصورها غير المحدودة، فيكون تغيّر المناطق جوًا، وعمارة، وحضارة، مما يجعل لكلّ بيئة من هذه البيئات حاجاتها المختلفة، التي تطلب التدبير والتنسيق مع أصحاب الدعوة الإسلاميّة الأولى في الجزيرة العربيّة، بجويها الطبيعيّ والمعنويّ، وإنّه لمجال التطوّر والتطوير، يستحيل على ذي رشد أن ينكره أو يماري فيه»[1]

ومن الأسس التي تهيئ الإسلام للتطوّر المحتوم[2]

  1. اقتصاد دعوته في الغيبيّات، وإراحة العقل منها بتركه التفاصيل فيها، واكتفائه بالإجمال العامّ في الإيمان بها، مع النهي عن التفكير في دقائق ما يطلب الإيمان به. وبذلك تستطيع العقيدة الإسلاميّة أن تصرف نشاطها الذي وفّره عدم الاشتغال بالتفصيلات الغيبيّة، إلى الفهم الحرّ الملائم لكلّ جديد من خفايا الكون، تعرفه الحياة على مدى الأيام، دون أن تحتاج إلى تفاصيل أو بيانات جزئيّة، لم تعد الحياة نفسه تحتاج إليها، أو تطالب بها.

  2. وراحة الإسلام من هذا التورّط تدعه يترك للعلم طريقة، يخبّ فيه ويضع، معلناً له مقدّمًا أنّه مستعدّ لتقبّل كلّ ما يجيء به العلم من ذلك وتقريره، دون أن يحتاج – كما أشرت – إلى ما يثقله ظلمًا وعدواناً، من الإسرائيليّات التي أقحمت عليه، أو من التفسير المتثاقل، الذي جهر أصحاب الإسلام منذ أكثر من ألف عام، بأنّه لا أصل له.

  3. عناية الإسلام بالكلّيّات والقوانين وعدم تورّط الإسلام في شيء من تفاصيل

(144)

تاريخ الأمم والرسل، التي عرض لأحوالها جملة أو مع بعض التفصيل، بيانًا لسنن الاجتماع، في حياة الدعوات والرسالات، كيف تلقّاها الناس، وكيف قاوموها، وكيف تمّ انتصارها أخيرًا. 

4. اقتصاره في تنظيم الحياة العلمية بالعبادات وغيرها – بعد تيسير الحياة الاعتقاديّة – على الأمور الكلّيّة والأصول العامّة الشاملة، دون التفاصيل المفردة، والجزيئات الصغرى...ثم تُلتمس التفاصيل بعد ذلك، من مصادرها المختلفة مع كتاب الدعوة الأصليّ، فترى في هذا التفصيل والتماسه مجالاً تؤثّر فيه الحياة بتنوّعها وتغيّرها وباختلافها وتدرّجها، من كلّ ما تعمل فيه سنّة التطوّر عملها..

5. جعل الاجتهاد أساسًا للحياة الإسلاميّة.. وما الاجتهاد إلا الانطلاق مع الحياة وفاء بجديد حاجاتها. إنّ الحياة لا تخلو من مجتهد. وما طلبوه فيما سلف من أن يتوافر للناس في كلّ عصر من المجتهدين عدد التواتر.

 ومن الروّاد الأوائل لهذا الاتجاه ـ أيضًا ـ محمد إقبال (1877-1938) في كتابه الرائد «تجديد التفكير الدينيّ في الإسلام» والتجديد يعني عنده الحركة «فالإسلام بوظيفته حركة ثقافيّة»[1]. وأساس هذه الحركة أو المبدأ هو «الاجتهاد»[2]. والاجتهاد ضرورة إسلاميّة يقرّها القرآن، «فالقرآن يعتبر الكون متغيّرًا... يرفض ما اصطلح عليه القدماء من اعتبار الكون مارًّا ثابتًا، فالكون متحرّك متغيّر، وكتاب الإسلام المقدّس بما له من هذه النظرة، لا يمكن أن يكون خصمًا لفكرة التطوّر... وبهذه النظرة الجوهريّة في التعاليم الأساسيّة للقرآن ينبغي للمذهب العقليّ الحديث أن يتناول البحث في نظمنا

(145)

القائمة، فليس في استطاعة أمّة أن تتنكّر لماضيها تنكّرًا تامًّا؛ لأنّ الماضي هو الذي كيّف شخصيّتها الحاضرة. وفيما يتعلّق بالمجتمع الإسلاميّ، تصبح إعادة النظر في النظم القديمة أكثر دقة وحرّيّة، كما تصبح التبعات التي يضطلع بها المصلح موجبة عليه أن ينظر إلى الأمور نظرة جدّيّة»[1].

إنّ فكرة التجديد هنا تقوم على افتراضين رئيسين؛ الأوّل: أنّ الإسلام ليس دينًا محلّيًّا يرتبط بزمان ومكان وفئة محدّدة من الناس، بل هو دين تشغل فيه مبدئيّة «العالميّة» مكانة رئيسة منذ ختامه للشرائع والرسالات، والثاني: أنّ الإسلام يرى في الثبات والتوقّف أمراً يخالف الفطرة الإنسانيّة وسنن الكون التي تتغيّر وتتبدّل، فالكون والإنسان يعيشان في حالة من الصيرورة حتى نهاية الحياة على الأرض.

فالإسلام في طبيعته دين غير إقليميّ، وغايته أن يقيم مجتمعاً مثالًا للألفة والانسجام باجتذاب معتنقيه المنتسبين إلى أجناس متنافرة، ثم تحويل هذه المجموعة الذرّيّة إلى أمّكة لها شعور بذاتها وكيانها الخاصّ. ولم يكن تحقيق ذل عملًا سهلًا، ولكنّ الإسلام بما له من نُظُم رسمت على خير وجه وُفّق إلى حدّ كبير إلى خلق ما يشبه إرادة عامّة وضميرًا جماعيًّا في هذه الأوفاض من الأجناس[2].

ويرى إقبال أنّ نزوع العلماء إلى التقليد أمر غير مبرّر في ظلّ مبدأ التغيّر السننيّ الذي يشمل الكون بكلّ ما فيه، كما يؤيّده القرآن «...وبما أنّ الأحوال قد تغيّرت، والعالم الإسلاميّ يتأثّر اليوم بما يواجهه من قوى جديدة أطلقها من عقالها تطوّر الفكر الإنسانيّ تطوّرًا عظيمًا في جميع مناحيه، ومن ثمّ لا يوجد هناك ما يوجب التقليد... كما أنّ أصحاب مذاهبها الفقهيّة أنفسهم لم يدّعوا أن تفسيرهم للأمور

(146)

واستنباطهم للأحكام هو آخر كلمة تقال فيها... لذا فإنّ ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام من تفسير أصول المبادئ التشريعيّة تفسيرًا جديدًا على ضوء تجاربهم، وعلى هدى ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة، هو رأي له ما يسوّغه كلّ التسويغ[1].

كما أنّ حكم القرآن على الوجود بأنّه خلق يزداد ويترقّى بالتدريج يقتضي أن يكون لكلّ جيل الحقّ في أن يهتدي بما ورثه من آثار أسلافه، من غير أن يعوق ذلك التراث في تفكيره وحكمه وحلّ مشكلاته الخاصّة[2].

إنّ العالم الإسلاميّ وهو مزوّد بتفكير عميق نفّاذ وتجارب جديدة، ينبغي عليه أن يقدّم شجاعة على إتمام التجديد الذي ينتظره. على أنّ لهذا التجديد ناحية أعظم شأنًا من مجرد الملاءمة مع أوضاع الحياة العصريّة وأحوالها.... حيث يجب أن نفتح أعيننا على ما ينطوي عليه الإسلام من معنى وعلى مصيره. إنّ الإنسانيّة تحتاج اليوم إلى ثلاثة أمور هي[3]:

تأويل الكون تأويلًا روحيًّا.

تحرير روح الفرد.

وضع مبادئ أساسيّة ذات أهمّيّة عالميّة توجّه تطوّر المجتمع الإنسانيّ على أساس روحيّ.

  ويطالعنا مرتضى مطهري (1920-1980) بالالتزام بنهج أستاذة محمد حسين الطباطبائيّ([4]*) (1903-1982م) الذي واجه الفلسفة المادّيّة المطروحة من قِبَل

(147)

أصحاب النزعة التغريبيّة الذين تبنّوا هذه الفلسفات وراحوا يروّجون لها كما ظهر في كتابه «أصول الفلسفة والمذهب الواقعيّ» والذي تضمّن نقداً واضحاً لمرتكزات الفلسفة المادّيّة التي روّج لها دعاة الماركسيّة في الجامعة الإيرانيّة، كما أكّد على اعتباريّة «الوحي والعقل» كطريق لحفظ مقاصد الدين. وعملمطهري على تنقية التراث الفلسفيّ الإسلاميّ من كثير من الشبهات التي أحاطت به، بدعوى اقتباسه من الفكر اليونانيّ دون تمثّل أو إضافة أو إكمال، كما واجه مطهري التيارات المادّيّة الماركسيّة في فلسفتها الخاصّة بالوجود والإنسان والمجتمع، وقدّم رؤىً ومفاهيم قرآنيّة وإسلاميّة للردّ على هذه الدعاوى الوضعيّة.كما اهتم مطهري بإحياء عنصر العقل في الفكر الدينيّ، وربطه بالمحاور المعرفيّة المتعدّدة، وأكّد على «أنّ العلم مفتاح الدين، وأنّ آفاق المعارف الإسلاميّة وتعاليم الإسلام قد شملت شؤون الحياة الإنسانيّة كافّة. ولا شكّ في أنّنا إذا كنّا عارفين بالأصول العلميّة المرتبطة بأيّ قسم من الأقسام، لاستطعنا أن نحظى بفيض أكبر من الإلهامات الدينيّة الإلهيّة»[1]، وذكر أنّ في الإسلام تعاليم وقواعد ترتبط بالاقتصاد والاجتماع والحكم والسياسة. ولقد ظهر أنّها جميعاً تعاليم وقواعد قاطعة ومسلَّم بحقّانيّتها وصدقها، فكيف يمكن أن يدعي شخص بأنّه يستطيع، بغير أن يطلع جيّداً على هذه الأصول والقواعد، أن يدرك مقاصد الإسلام في هذه الأمور حقّ الإدراك، وأن يقدّمها للعالم على أنّها من أرفع التعاليم الاجتماعيّة؟ لو أنّ شخصًا أمّيًا لا علم له بالحكمة الإلهيّة استطاع أن يدرك معاني الآيات وأخبار التوحيد والمعارف الإلهيّة مثلما يدركها فيلسوف عارف بالأصول العقليّة وأسسها، فإنّ أمّيًّا آخر يكون قادرًا

(148)

على فهم وجهة نظر الإسلام في الأمور الاجتماعيّة مثلما يدركها العالم الاجتماعيّ».[1]

وإجمالاً يمكن تصنيف النشاطات الفكريّة لمطهري في المقولات الآتية «إزالة الخرافات عن الدين، رفع ودفع الشبهات، إحياء الروح العرفانيّة في الدين، البحث عن ردّ للأسئلة الجديدة من روح الدين والاستناد إلى جذوره وأسسه «.[2]

وفي مسألة تصنيف العلوم والمعرفة الإسلاميّة يطرح مقدّمة مهمّة في مؤلَّفه «المنطق والفلسفة العلوم الإسلاميّة»، ينفي فيها الاعتقاد بأن العلوم التي هي من باب «الفريضة» والتي يجب على المسلمين تحصيلها هي علوم الفقه أو التي تتعلّق بأصول الإسلام أو العلوم الممهِّدة لهما كاللغة والصرف والنحو وما شابه ذلك، ويؤكّد على مبدأ «أنّ الإسلام دين جامع وشامل، وأنّه لم يكتف بسلسلة من المواعظ الأخلاقيّة والفرديّة فقط، وأنّه دين يعمل على صيانة المجتمع»، [3] «فكلّ علم توقّفت تلبية الحاجات الضروريّة للمجتمع الإسلاميّ على معرفته والتخصّص والاجتهاد فيه وجب على المسلمين تحصيله».[4] وفي ميدان تحصيل العلوم الحديثة يؤكّد أنّه في الموارد التي يتوقّف فيها حفظ المجتمع الإسلاميّ وكيانه على تحصيل العلوم والصناعات بأرفع مستوى ممكن يجب تحصيل تلك العلوم بذلك المقدار، ومن هنا يعتبر الإسلام جميع العلوم الضروريّة للمجتمع الإسلاميّ فريضة، وعليه سوف تشتمل العلوم الإسلاميّة على الكثير من العلوم الطبيعيّة والرياضيّة في مقابل التصنيف المحدود لها في ظلّ إشكاليّة المعرفة.

(149)

كما طرح مطهري مفهوم «إحياء الفكر الدينيّ» وبيّن أنّ هناك فرقاً بين إحياء التفكير في الدين وإحياء الدين، فالدين لا يموت، «فإحياء الفكر الدينيّ، هو إحياء طراز تفكيرنا في الدين، فالدين حيٌّ أبدًا ولا يموت، فحقيقة الدين لا يعتورها الموت، وهو على خلاف الحقيقة الاجتماعيّة التي يمكن أن يعتورها الموت، ويأتي بأفضل منها...إن الحقائق الكلّيّة والأصول التي ذكرها القرآن لا يمكن أن تموت إطلاقًا. أمّا القول بموت القرآن والسنة الذي ورد في منطق الدين نفسه فالمقصود به موتهما بين الناس، بل موت أفكار الناس».[1]

 ويؤصل لمفهوم الإحياء من القرآن، فيذكر[2]  أنّ القرآن يمثّل للحركة على طريق الله، وللحركة على طريق غير الله، فيركّز على خصائص الحياة والنماء في الحركة الأولى [البقرة/264]، والجدب والموات والضلال في الحركة الثانية [البقرة/265]. والمقصود في هذا التأصيل أنّ الإسلام قائم على الوعي والحركة، وأنّ مضاد ذلك هو التحجّر والجمود، وهو ما لا يرضاه الإسلام.

 ويرى مطهري أنّ اتصال الإسلام بالعصر يتطلّب أمرين:[3] الأوّل: ضرورة المعرفة الصحيحة للإسلام كفلسفة اجتماعيّة وأيديولوجيّة إلهيّة، ونظام فكريّ واعتقاديّ بنّاء وشامل وباعث على السعادة؛ والثاني: ضرورة معرفة ظروف العصر ومتطلّباته، والتمييز بين ما هو ناشئ عن التطوّر العلميّ والصناعيّ، وبين ظواهر الانحراف وأسباب الفساد. ويرى أنّ الذين يدّعون جمود الإسلام وعدم قابليّته للتطوّر لم يتعرّفوا على حقائق الإسلام وقواعده وروح قوانينه، ونظامه التشريعيّ الخاصّ والفريد. ورأى أنّ الاتصال بين الإسلام والعصر تحقّق عبر التاريخ عن طريق الاجتهاد وتفعيله في

(150)

الحياة الاجتماعيّة الإسلاميّة، وهو ما جعله يرى أنّ الاجتهاد هو المفتاح الحقيقيّ لولوج المسلمين إلى العصر الذي يعيشون فيه.

أمّا اتجاه التحرّر ـ لم يختلف عن إتجاه التجديد کثيراً بل هو متداخل معه ـ ، فقد طرح ثلاثة تأسيسات معرفيّة بالغة الأهمّيّة لمواجهة هذين العاملين ـ الوضعيّة المنطقيّة والفلسفة المادّيّة ـ هذه التأسيسات هي: مبدأ التوحيد، والرؤية الكونيّة، والمنظور الحضاريّ.

أولًا: مبدأ التوحيد

إنّ فكرة «التوحيد» التي انشغل بها هذا الاتجاه -وأسّس من خلالها للمنظور الثقافيّ والمعرفيّ للأمّة- ليست على طريقة علماء الكلام القدامى الذين انشغلوا بمسائل الصفات والأسماء والإثبات والنفي. أمّا انشغال هذا الاتجاه، فكانت عبر الإجابة على التساؤل حول وظيفة «التوحيد» كمبدأ رئيس في الحياة الإسلاميّة في الخروج من هذه الأزمة الفكريّة التي وقعت الأمّة فيها في العصر الحديث؟ أي البحث في وظيفيّة فكرة التوحيد مركزًا ومدارًا لبناء الأمّة الحضاريّ، واستعادة هويّتها وشخصيّتها الحضاريّة، ومن ثمّ قُدّم التوحيد باعتباره مركزًا استقطابيًّا لكلّ عوالم الإنسان: الغيب والشهود، الاقتصاد والاجتماع، الأخلاق والسياسة، الأفكار والمادة، الأشياء والأشخاص. إن «التوحيد» في هذا التناول الفريد يعيد تنظيم حياة المسلم فردًا وجماعة وأمّة من جديد، في مسار اجتهاديّ معرفيّ يرى العالم متعدّدًا في وحدة تحت راية التوحيد.

ومن أهم الكتابات التي قُدّمت في هذا المنحى «رسالة التوحيد» لمحمّد عبده (1849- 1905م)، فهي من أوّل ما كتب – في العصر الحديث -في تجديد فهم «التوحيد» والتأسيس لمواجهة التشوّهات الإسلاميّة الداخليّة لبناء عقل مسلم

(151)

قادر على مواجهة المشروعات الحضاريّة القائمة، والذي طرح فيها ذمّ الوحي للتقليد والجمود ودعوته إلى التجديد، «فالإنسان لم يخلق ليقادم بالزمان، ولكنّه فُطر على أن يهتدي بالعلم والأعلام، أعلام الكون، ودلائل الحوادث، وإنّما وصف المعلّمون منبّهون ومرشدون، وإلى طرق البحث هادون»[1]. كما أنّ التوحيد يناقض التقليد والتبعيّة؛ لأنّه يقوم على «استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر»[2].

ويؤكّد ـ أيضًا ـ على مبادئ «الحجّة» و«البرهان» التي انتهجها القرآن الكريم ليس مع المؤمنين به فقط ـ والذين هم أولى في الاعتبار بهذه العقلانيّة ـ بل مع المخالفين ـ أيضًا ـ حيث «جاء القرآن فانتهج بالدين منهجًا لم يقم عليه ما سبقه من الكتب المقدّسة... لم يطلب التسليم به لمجرّد أنّه جاء بحكايته، ادعى وبرهن وحكى مذاهب المخالفين، وكرّ عليها بالحجّة، وخاطب العقل، واستنهض الفكر، وعرض نظام الأكوان وما فيها من الإحكام والإتقان على أنظار العقول، وطالبها بالإمعان فيها، لتصل بذلك إلى اليقين بصحّة ما ادّعاه ودعا إليه، حتى أنّه في سياق قصص أحوال السابقين كان يقرّر أنّ للخليقة سنةّ لا تتغيّر وقاعدة لا تتبدّل[3] (سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا) [الفتح:23]. 

 أمّا الفاروقيّ فقد طرح فكرته حول «التوحيد» والتي تعدّ نقلة نوعيّة في بناء مفهوم التوحيد على أساس من النظر الحضاريّ، وتقوم هذه الفكرة على عدّة مقولات شارحة ومبيّنة أهمّها[4]: مقولة «أنّ التوحيد جوهر الخبرة الدينيّة»، وتشير هذه المقولة

(152)

إلى أنّ مفهوم الربّ هو نواة الخبرة الدينيّة. و(لا إله إلا الله) المركز الأوّل في الإسلام. ومركزيّة المسلم لفهم الله وبناء تصوّره المعرفيّ والعقديّ. ناقش الفاروقيّ رؤيتين في مفهوم «التوحيد»: رؤية الفلاسفة والرؤية المسيحيّة، وتحديدًا تصوّرهما للذّات الإلهيّة وعلاقتها بالكون. فرؤية الفلاسفة التي تشير إلى خلق الله للعالم وإيداعه أسباب حركته وفعله بداخله. والتي تعني تخلّي الله عن الكون بعد الخلق، أمّا في الرؤية التوحيديّة، فتؤكّد على (الإحداث) وارتباط الله بحركة الكون التي تنتهي إليه فيما يسمّى مبدأ (الغائيّة).

ومن خصائص الرؤية التوحيديّة ـ أيضًا ـ المعياريّة، وتتضمّن هذه الفكرة: المعياريّة في مفهوم الله (الإله) والتي تعني أنّه: المدبّر، صاحب الأمر والنهي والعناية لكلّ ما في الوجود. وهو مصدر الأمر التكوينيّ. أو موّلد الدافعيّة، أو المعياريّة. إنّ الجديد الذي أتى به التصوّر الإسلاميّ ليس وجود إله؛ بل توحيد الله ووحدانيّته وتفرّده؛ لذا عنى الإسلام بتطهير الوعي الدينيّ من الشرك، فاستخدم ألفاظ: أحد، صمد، فاطر.

إنّ مقولة التوحيد هنا تعبّر: عن جماع ثقافة كاملة وحضارة كاملة: فالتوحيد هو رؤية عامّة للحقيقة، وللواقع، وللعالم، وللمكان وللزمان، ولتاريخ الإنسانيّة ولمصيرها، وفي لبّه تكمن المبادئ الآتية:

أ) الثنائيّة: بين عالم الخلق (الله) والخلق.

ب) التصوّرية: وهي العلاقة بين نظامي الخالق والمخلوق، فهذه العلاقة تصوّرية في طبيعتها تعتمد في مرجعيّتها عند الإنسان على (العقل) أو الفهم الفطريّ، حيث إنّ كلّ البشر مؤهّلون لمعرفة المشيئة الإلهيّة بواحدة من طريقتين أو كلتاهما: الوحي، الاستنباط من الدلائل الكونيّة.

(153)

ج) الغائيّة:  وهي ضدّ عشوائيّة الكون أو صُدْفيّته أو لهو خلقه [حاشا لله]. فالكون له غاية خلقه خالقه من أجلها.

د) القدرة الإنسانيّة وقابليّة الطبيعة للتطويع، وهو الأمر الذي يقتضي تحقيق غاية الله في الزمان والمكان.

هـ) المسؤوليّة والمحاسبة.

أمّا المقولة الثانية، فتقوم على فكرة «أنّ التوحيد هو لباب الإسلام»، وتعتمد هذه المقولة على عدّة مقدّمات تتّسم بالبداهة في الإسلام وهي: أنّ الإسلام جوهر الحضارة الإسلاميّة، وأنّ التوحيد جوهر الإسلام، وأنّ التوحيد جوهر للحضارة الإسلاميّة، والحضارة الإسلاميّة تستمدّ هويّتها من التوحيد، وأنّه لا إسلام بلا توحيد.

لذلك فإنّ أيّ خلل في مفهوم التوحيد يؤدّي بالطبع إلى خلل وانهيار في مفهوم الدين ذاته بكامله، والتزام الإنسان بعبادة ربه، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه. حيث يترتّب على هذا الاضطراب انهيار مفاهيم الفرديّة والصمديّة التي يعطيها التوحيد لمفهوم «الله» أو «الإله».وهذا ما حكاه القرآن، فإنّ وجود إلهين أو أكثر يؤدّي إلى:  علوّ بعضهم على الآخر، وفساد السموات والأرض، وانهيار النظام السننيّ، وانهيار المؤسّسة النبويّة.

ومن ناحية أخرى يقدّم التوحيد هنا ثلاثة معان قيميّة هي:

أوّلها: أنّ الخليقة ليست هي «أفضل» العوالم الممكنة فحسب، بل إنّها (كاملة) ولا عيب فيها (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [السجدة: 7]، (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ  ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ) [الملك 3-4].

(154)

ثانيها: قدرة الإنسان على مواجهة المشكلات والمآزق بنفسه، حيث إنّه لا يحتاج إلى مخلّص، بل يحتاج إلى القيام بواجبه في أداء رسالته الكونيّة الإلهيّة. ومن ثم فطريق الإنسان هو «الفلاح» وليس «الخلاص».

 ثالثها: المساواة، حيث إنّه لا محلّ للتمييز بين الأماكن والبشر كموضوع للفعل الأخلاقيّ، بما أنّ الخير الواجب التحقيق هو الإرادة الإلهيّة، تلك الإرادة الإلهيّة واحدة لكلّ المخلوقات، لكونها متعلّقة بالخالق وحده. ويتعيّن عليهم الخضوع لها.

وتقوم المقولة الثالثة على فكرة: «أنّ التوحيد مبدأ للتاريخ»، ويُلزم التوحيد – وفقًا لهذه الفكرة- الإنسان بأخلاقيّة العمل، ويترتّب على ذلك أنّ الإسلام يتوقّع من المسلم أن يتدخّل في سير الزمان والمكان (التاريخ)، فهذا العالم الدنيويّ هو المملكة والفضاء المكانيّ والزمانيّ الوحيد الذي يمكن أن يحقّق فيه المسلم المشيئة أو الإرادة الإلهيّة، فالتاريخ حيويّ للمسلم درجة حيويّته بالنسبة للشيوعيّ، باستثناء أنّ المسلم يعلم أنّه هو المسؤول عن صناعة التاريخ، وأنّ القدر إنّما هو محصّلة عمله وسلوكه، سواء أكان ذلك على المستوى الفرديّ أم المجتمعيّ.

أمّا المقولة الرابعة، فتقوم على: «أن التوحيد مبدأ المعرفة في الإسلام»، والمعرفة في الإسلام تقوم على اليقين، واليقين هو بلوغ الحقيقة، وهو عكس ما يُفهم من «الإيمان» في المشهد الفكريّ الغربيّ الذي يعني الشكّ والتشكيك. فعلى العكس من الإيمان المسيحيّ نجد الإيمان الإسلاميّ حقيقةً يصل العقل إليها عن طريق اليقين.  إنّ الإيمان في الإسلام مقولة معرفيّة؛ لأنّه يرتبط بالمعرفة وبصحّة الأخبار التي يتأسّس عليها، لا سيّما مع مصاحبة القيمة الإيمانيّة: للعقل والتعقّل والعقلانيّة التي هي أدوات المعرفة، وهي في الوقت نفسه صادرة عن الاعتقاد والوحي.

(155)

والمقولة الأخيرة هنا هي: «أنّ التوحيد مبدأ النظام الاجتماعيّ»، ومضمونها يعني أنّ مقتضى الإقرار بأنّه لا إله إلا الله، هو الإيمان به سبحانه وتعالى خالقًا ومالكًا وحكمًا للوجود كله بلا شريك. ويترتّب على هذه الشهادة الإقرار بأنّ الإنسان خُلق لغاية، بما أنّ خلق الله تعالى منزّه عن العبث، وأنّ تلك الغاية هي تحقيق الإرادة الإلهيّة المتعلّقة بهذا العالم الذي تتّخذ منه الحياة البشريّة مسرحًا لفعلها الحرّ المسؤول.

 ويقتضي ذلك من المسلم النظر إلى الحياة بزمانها ومكانها بعين الجدّ، لارتباط فلاحه أو خسرانه بتمثّله للسنن الإلهيّة المتصلة بالزمان والمكان الذي يحيا فيه. وأمر الله تعالى أن يقوم بتلك المهمّة بالتعاون مع إخوانه من البشر. تحت رقابة توجيهيّة مستمرة في ظلّ التوحيد.

ثانيًا: الرؤية الكونيّة التوحيديّة

التأسيس الثاني الذي قدّمه اتجاه التحرّر والاستقلال الحضاريّ في مواجهة الوضعيّة المنطقيّة والفلسفة المادّيّة التي سكنت في النظام الثقافيّ والمعرفيّ الإنسانيّ والإسلاميّ، هو ما اصطلح على تسميته بالرؤية الكونيّة، أو رؤية العالم، فهي مسمّيات يجمعها مضمون متكامل وإن تعدّد في الصياغة.

إنّ مفهوم «الرؤية الكونيّة التوحيديّة» الذي يطرح هنا يمثّل الهويّة المفتقدة التي كانت مثار جدل دائر في مطلع العصر الحديث بين أصحاب التيارات الفكريّة المختلفة من إسلاميّة وعلمانيّة، ونواة هذا النموذج المعرفيّ  «التوحيد»- الذي تناولناه في التأسيس الأول- باعتباره المرتكز الأساس للحركة والفعل في المنهج الإسلاميّ، لأنّ العالم والوجود ليس بالعابث ولا الأعمى؛ بل يتّسم بالهدفيّة والوعي، وهو ما يخالف النظرة المادّيّة الغربيّة -وكلّ من يشابهها- التي ترى أنّ الكون لا نظام له ولا هدف،

(156)

والوحدة الكونيّة تنطلق من التوحيد-أيضًا- وحدة الإنسان، وحدة التاريخ، وحدة الإنسان مع الطبيعة، وحدة الإنسان مع الله، هذا التوحيد وهذه الوحدة لا ترى تعارضًا أو تناقضًا بين معطيات العقل والوحي والفطرة، فالأصل في هذه الرؤية تحقيق الانسجام بين مكوّنات الوجود لانطلاقها من وحدة الخالق والإله، وليس من الرؤية الشركيّة التعدّديّة للخالق، والتي يترتب عليها اعتبار الصراع هو الأصل، والتضادّات والتناقضات هما جوهر حركة الكون.

 وتعتبر النظرة الكونيّة أو النظرة إلى العالم البنية التحتيّة لأيّ مدرسة من المدارس الفكريّة، ومن خلال نظرة الإنسان إلى هذا الكون يَبني فلسفته الحياتيّة ووجوده الإنسانيّ، ويحدّد هدفه في الحياة، ويعرف مسؤوليّته ورسالته تجاه نفسه وتجاه المجتمع، ثم يدرك أنّ للعلم معنى، ومن ّ المدرسة العلميّة التي نظّم على ضوئها حياته الشخصيّة والاجتماعيّة ويعمل طبق مبادئها. وعلى أساس هذه النظريّة يمكن بناء ومعرفة عقيدة الإنسان وفلسفة وجوده وفلسفة التاريخ. وأمّا عقيدة الإنسان التي تبنى على أساس هذه النظرة هي عبارة عن الأخلاق وفلسفة الحياة، وهي أيضًا رسالة ومسؤوليّة فرديّة واجتماعيّة، إنّ هذه المجموعة من المفاهيم هي التي تشكّل لنا المدرسة العقائديّة[1].

 هناك إذًا رؤى مختلفة للكون، إحداها الرؤية المادّيّة للكون، الرؤية القائمة على أساس أصالة المادّة. أي أنّنا نعتقد بأنّ كلّ ما هو موجود عبارة عن: مجموعة من العناصر والصلات والأفعال والانفعالات التي تكون كلّها مادّيّة، والعالم له عنصر واحد وهو المادّة. والكون لا شعور له، والكون لا إرادة له، إذًا فالكون ليس له هدف خاصّ؛ لأنّ الكون – وفق المبنى المادّيّ – لم يكن مخلوق إرادة واعية ذات شعور، إذًا لم يكن

(157)

هناك غاية من خلق الكون. بناء على هذا، فالرؤية المادّيّة للكون، تنتهي إلى غربة الإنسان وبعده عن هذا الكون، تنتهي إلى تضاد الإنسان مع الكون، إنّ مثل هذه الصلة تُستنبط بصورة تلقائيّة في المنطق الآدمي عن الرؤية المادّيّة للكون[1].

 أما الرؤية الثانية للكون فهي الرؤية التوحيديّة هي الرؤية الكونيّة الوحيدة التي تقاوم الشرك وتدعو البشريّة إلى التوحيد الطبقيّ والإنسانيّ ومقاومة المادّيّة، لتنقذ الطبيعة من انحطاط المعنى الوجوديّ، ولتخبر الإنسانيّة بعظمة رسالتها الإلهيّة باعتبارها الموجود الوحيد في العالم الذي يمثّل الله في الطبع والخلق، ولتعطيه مكانته إلى جانب الله في مقابل جميع الكائنات في عالم ليس بالعابث ولا الأعمى ولا المتقاعس، ليتحمّل مسؤوليّته أمام الطبيعة، ومسؤوليّة تقرير مصيره ومصير بني نوعه.

وهكذا، تنفي الرؤية التوحيديّة للكون التضادّ (والصراع) في المجتمع والعنصر البشريّ، وما بين الطبيعة وما وراء الطبيعة والإنسان. وبما أنها تنفي آلهة دين الشرك، وتهب الطبيعة والإنسان معنى ووعيًا وهدفًا، فهي بذلك تنفي تفاهة العالم وعبثه، وخسة الإنسان ورِقيته العمياء للطبيعة، كذلك تنفي الإلحاد المادّيّ. وعلى هذا المنوال، وبلغة القرآن، فالتوحيد يهب للإنسان «الحكمة» و«الميزان»[2].

 ويستخدم عبد الحميد أبو سليمان (ولد 1936) مصطلح الرؤية الكلّيّة الإسلاميّة، ويُعرِّفها بأنّها «رؤية توحيديّة غائيّة أخلاقيّة إعماريّة خيريّة حضاريّة تعبّر عن الفطرة الإنسانيّة السويّة، وهي بذلك، وبالضرورة رؤية علميّة سُنَنية تسخيريّة تهدف إلى جعْل عناصر الفطرة الإنسانيّة السويّة في بؤرة الوعي الإنسانيّ؛ لتَهدي مسيرة الإنسانيّة وتُرشدها، كي يحقّق الإنسان ذاته السويّة في أبعادها الفرديّة والجماعيّة ويستجيب

(158)

في وسطيّة واعتدال لحاجاتها ومُتَعِها على مدى أُفق الوجود الإنسانيّ بكلّ أبعاده الروحيّة والإبداعيّة العمرانيّة»[1].

ويربط بين الرؤية الكلّيّة وبين منهجيّة التفكير، «فلكلّ منظومة حضاريّة رؤية كونيّة تخدمها وتفعّلها منهجيّة في التفكير، كما أنّ لكلّ منهجيّة مبادئ تهتدي إليها وتحدّد لها مخرجات هذا الفكر، وكلّما كانت المنهجيّة على شاكلة رؤيتها الحضاريّة واضحة إيجابيّة كونيّة منفتحة تعبّر عن جوهر هذه المنظومة الحضاريّة ورؤيتها الكونيّة، كانت هذه المنهجية فعالة منتجة»[2].  

ثالثًا: المنظور الحضاريّ

هذا المفهوم دشنته منى أبوالفضل (1945-2008) في إطار خبرتها البحثيّة والمعرفيّة في جامعات الغرب، وتطرح مفهوم «المنظور الحضاريّ» كمفهوم بديل للمنظور الغربيّ، وترى أنّ المنظور الحضاريّ هو الوحيد القادر على «إعادة الاعتبار للحضارة الإسلاميّة، باعتبارها حقيقة تاريخيّة وواقعًا، وباعتبارها قابلة للتجدّد، ولاستعادة الفاعليّة مع استمرار قابليّة الصياغة والتحقّق فيها»[3].

 إنّ هذا المنظور الحضاريّ هو الوحيد القادر على استيعاب المنجزات المعاصرة وتطويرها في إطار من نظام قيميّ إنسانيّ، يعلي القيم المعنويّة والأخلاقيّة، ومسؤوليّة الإنسان، «فالأمّة قد استوعبت -علميًّا وثقافيّاً عقيدة وفكرًا وروحًا- شعوبًا وقبائل شتّى لم تقتصر على جنس أو عنصر أو تاريخ أو لغة أو منطقة جغرافيّة فيه دون غيرها، وإن كان العرب قد شكّلوا قاعدة ونواة لهذه الخبرة المتنوّعة الجامعة، فإنّ

(159)

طبيعة وواقع دعوة الحق باعتبارها دعوة خاتمة للبشريّة كافّة حالت دون الاقتران المانع أو التقوقع الملازم للجماعة دون غيرها»[1].

فالمنظور التوحيديّ يقوم على مبدئيّة «الانفتاح» والتجاوز للثقافات والمنجزات الإنسانيّة المختلفة، ليقدّم مسارًا متجدّدًا للإنسانيّة، يخرجها من قصور الوضعيّة البشريّة الذي تدخل فيه كلّ فترة تاريخيّة بنسيان الإنسان رسالة الله، وتكاليف الوحي ومبادئه، ومن ثمّ فهذا المنظور يتّسم بالحيويّة والمرونة، فهو لا يتجمّد عند نقطة من الزمان والمكان ويقف عندهما، فهذا ليس من طبيعته، فطبيعته هي التمدّد والتفاعل وإصلاح الواقع وتطويره.

وتسهم نادية مصطفى (ولدت1951م) في تطوير مفهوم «المنظور الحضاريّ الإسلاميّ» في مجال العلوم السياسيّة والخبرات العلميّة والتدريسيّة التي قامت بها، حيث انشغلت في العِقدَين الأخيرَين بتطبيق هذا المفهوم في مجال العلاقات الدوليّة، من خلال جماعة علميّة وبحثيّة ساهمت في تحقيق خبرة علميّة من خلال مشروع علميّ يحمل عنوان «مشروع العلاقات الدوليّة في الإسلام» والذي نُشر في طبعته الأولى عام 1996م.

ـ و تُعرِّف المنظور الحضاريّ الإسلاميّ وظيفيًّا بأنّه: يبحث في اكتشاف جوهر الرؤية الإسلاميّة للعالم، وكيف أثّرت على تشكيل وصياغة منطق التعامل الدوليّ في التقاليد الإسلاميّة، في ظلّ ظروف تاريخيّة متطوّرة...وذلك انطلاقًا من قواعد ومبادئ الأصول الإسلاميّة، وعلى ضوء مدلولات التراث الإسلاميّ وخبرة التاريخ الإسلاميّ[2].

(160)

والمنظور الحضاريّ كما طرحته من خلال الخبرة البحثيّة والعلميّة يستند في بناء تصوّراته ومفاهيمه وأحكامه على ثلاثة أسس، الأساس الأوّل: الأصول و المبادئ الإسلاميّة المستمدّة من الوحي والسنة والسيرة النبويّة، والأساس الثاني: التراث والنتاجات الفكريّة والذهنيّة التي أنتجها العقل المسلم في ظلّ المبادئ والحركة الإسلاميّة التاريخيّة، والأساس الثالث: التاريخ الإسلاميّ نفسه، أي واقع التطبيق والتفعيل للمبادئ الإسلاميّة والاجتهادات الفكريّة.

(161)

 

خاتمة

 شكّل الغرب تحدّيًا كبيرًا للعالم الإسلاميّ، منذ بداية الاحتكاك العنيف للحضارة الغربيّة مع المسلمين منذ بوادر الحملة الفرنسيّة، وظهر هذا التحدّي الكبير في سؤال عن تقدّم «الغرب» وتخلّف «المسلمين»، وهو السؤال الذي طرحه شكيب أرسلان تحت عنوان «لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟» ومنذ هذه اللحظة الفاصلة، أصبح الغرب حاضرًا بكلّ قوته في المشهد الإسلاميّ، حضورًا كان أغلبه سلبيًّا، نظرًا لتداعياته على الحالة الفكريّة والثقافيّة الإسلاميّة، حيث انقسم المسلمون إلى فريقين كبيرين؛ فريق يدعو إلى سبل الغرب باعتبارها الطريق الممهد لهذا التقدّم، وفريق بدأ بالرفض وتجريم كلّ محاولات الاتصال، فضلًا عن الترويج للغرب في بلاد المسلمين.

 فطن الغرب إلى حالة التراجع الإسلاميّ، فعمل على الترويج لمشروعه الفكريّ ليحلّ محلّ الحضارة الإسلاميّة، في الثقافة والفكر والمعرفة، فطرح فكرته حول «أحاديّة النموذج الأوروبيّ» للتقدّم والنهضة في العصر الحديث، باعتباره نموذجًا عالميًّا وأمميًّا وصالحاً لكلّ مكان وزمان. كان من نتائج هذا الترويج انبهار فريق من المسلمين به، والتعاطي معه على أنّه سبيل الخلاص للأمّة وللأوطان، بينما رأى فريق آخر ضرورة الوقوف أمام هذه الدعوات وأنصارها في الشرق الإسلاميّ.

استخدم الغرب أدواته المعنويّة لتكريس مشروعه التغريبيّ، وأهمّها: الاستشراق، والتبشير، ونشر العلمانيّة، ثم استعان بالداخل الإسلاميّ «التغريبيّون» في تأسيس الصحف والمدارس والجامعات وغيرها مما يسهم في تشكيل العقل والوجدان، أو بالأحرى يبدّل العقل والوجدان ويعدّه لقبول المشروع الغربيّ.

(162)

حاولنا في هذه الدراسة تتبّع هذين الفريقين (المتغرّب والمقاوم) والبحث عن أهداف كِلا الفريقين وسائله وخططه وبرامجه، وقد رسمنا خارطة توضح مواقف المسلمين المختلفة، التي بدأت على طرفي النقيض (القبول المطلق  الرفض المطلق)، ثمّ تطوّرت هذه المواقف للبحث بصورة أكثر عقلانيّة، والبحث عن سبب انتشار أفكار التغريب بين المسلمين وتمكن هذا المشروع المختلف والمتباين مع القيم والمبادئ الإسلاميّة، وهنا ظهرت اتجاهات فكريّة متعدّدة نحو الغرب ومشروعه وعلومه ونموذجه الحضاريّ، وقد صنّفنا هذه الاتجاهات الفكريّة في موقفها من «التغريب» و«التغريبيّون» في الواقع الإسلاميّ إلى عدّة اتجاهات فكريّة، منها: اتجاه الرفض المطلق، وهو يواجه اتجاه القبول المطلق – كما ذكرنا-، ثم اتجاه الردود على الاتهامات التي وُجّهت للإسلام بأنّه نقيض للتمدّن، ثم اتجاه المقاربة والتوفيق بين الإسلام والمدنيّة، ثم اتجاه المقارنة والترجيح بين الإسلام والغرب حضارة ومبادئ وديناً، ثم يتطوّر الفكر الإسلاميّ والموقف الإسلاميّ بظهور اتجاه التجديد الذاتيّ والبعث لمقاومة التغريب بالبحث في مرجعيّتنا عن أسس التقدّم والتمدّن، ثم اتجاه الوعي بالمشروع الغربيّ وسياقاته وتجلّياته في محاولة لإرساء قواعد النظر الإسلاميّ لنقد الفكر الغربيّ، ثم نصل إلى أكثر الاتجاهات تطوّرًا، وهو الاتجاه الذي جعل موضوع انشغاله ونشاطه: التحرّر الفكريّ من التبعيّة للغرب، وتحقيق الاستقلال الحضاريّ، والبحث عن السبل والمناهج والطرق للوصول إلى تلك الغاية، وقدّمنا لكّل اتجاه من هذه الاتجاهات ـ التي تمثّل مواقف المسلمين نحو التغريب ـ نماذج من الروّاد والقضايا والكتابات والمؤسّسات التي تجسّده في واقع المسلمين.

(163)

 

 

مراجع الدراسة

1. أ.ل. شاتليه: الغارة على العالم الإسلاميّ، ترجمة: محبّ الدين الخطيب، مساعد اليافي، القاهرة، منشورات العصر الحديث، 1352ه.

2. إبراهيم الدسوقي شتا: الثورة الإيرانيّة الجذور..الأيديولوجيّة، القاهرة، الزهراء للإعلام العربيّ، ط2 1988.

3. إبراهيم عبد الكريم: الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل، عمان، دار الخليل للنشر، 1993.

4. أبو الأعلى المودوديّ: موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه، واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم، الجزائر، دار الشهاب 1963.

5. إحسان نراقي: من بلاط الشاه إلى سجون الثورة، بيروت، دار الساقي 1992.

6. أحمد عزت: الدين والعلم، ترجمة: حمزة طاهر، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1948.

7. أحمد معوض: إيران المعاصرة، القاهرة، الدار العربيّة لنشر الثقافة العالميّة، د.ت.

8. أحمد مهابة: إيران بين التاج والعمامة، القاهرة، كتاب الحرّيّة عدد 22، 1989.

(164)

9. إدوارد سعيد: الاستشراق: المعرفة، السلطة، الانتشار، ترجمة: كمال أبو ديب، بيروت، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، ط4، 1995.

10. إسماعيل أحمد ياغي: الدولة العثمانيّة في التاريخ الإسلاميّ الحديث، الرياض، مكتبة العبيكان، 1996.

11. إسماعيل الفاروقي، لوس لمياء الفاروقي: أطلس الحضارة الإسلاميّة، ترجمة عبدالواحد لؤلؤة، الرياض، مكتبة العبيكان، 1998.

12. إسماعيل الفاروقي: «التحرك الفلسفي الإسلاميّ الحديث»، مجلة المسلم المعاصر، عدد (39)، مايو 1984.

13. إسماعيل الفاروقي: «حساب مع الجامعيّين»، مجلّة المسلم المعاصر، عدد (31)، مايو 1982.

14. إسماعيل الفاروقي: أسلمة المعرفة، المبادئ العامّة وخطّة العمل، ترجمة: عبد الوارث سعيد، الكويت دار البحوث العلمية، 1984.

15. إسماعيل الفاروقي: التوحيد ومضامينه في الفكر والحياة، ترجمة: السيّد عمر، عمان، 2016.

16. آمال السبكي: تاريخ إيران السياسيّ بين ثورتين (1906 – 1979)، الكويت،عالم المعرفة، العدد (250)، أكتوبر 1999.

17. أمين الخولي: المجدّدون في الإسلام، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 2000.

18. أنور الجندي: الاستعمار والإسلام، القاهرة، دار الأنصار، د.ت. 

(165)

19. أنور الجندي: تاريخ الصحافة الإسلاميّة، القاهرة، دار الأنصار، د.ت.

20. أنور الجندي: شبهات التغريب في غزو الفكر الإسلاميّ، بيروت، المكتب الإسلاميّ 1978.

21. أنور الجندي: عالم الإسلام المعاصر، القاهرة، دار الأنصار، د.ت.

22. أنور الجندي: محمد فريد وجدي..رائد التوفيق بين العلم والمدنيّة، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1974.

23. براين تيرنر: «الاستشراق ومشكلة المجتمع المدنيّ في الإسلام»، ترجمة: أبو بكر قادر، مجلّة الاجتهاد، بيروت، العدد 47 – 48، 2000.

24. برهان غليون: اغتيال العقل..محنة الثقافة العربيّة بين السلفية والتبعيّة، القاهرة، مكتبة مدبولي، ط3، 1990.

25. جلال آل أحمد: نزعة التغريب، ترجمة: حيدر نجف، كتاب قضايا إسلاميّة معاصرة (21)، 2000م.

26. جلال آل أحمد: المستنيرون خدمة وخيانة، ترجمة: سلوى عباس أبو غزال، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2005.

27. جلال آل أحمد: نزعة التغريب، ترجمة: حيدر نجف، كتاب قضايا إسلاميّة معاصرة، (21)، 2000.

28. جمال الأفغاني «ماضي الأمّة وحاضرها وعلاج عللها»، جريدة العروة الوثقى، القاهرة، دار العرب، 1957.

(166)

29. جمال الدين أبو الفضل ابن منظور: لسان العرب، ج2، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ط2، 1997.

30. جوستين ماكارثي:»سياسات الإصلاح العثمانيّ «ترجمة: عبد اللطيف الحارث، مجلّة الاجتهاد، بيروت، العدد45-46، بيروت، 2000.

31. حسن كافي الأقحصارى: أصول الحكم في نظام العالم، تحقيق: نوفان رجا الحمود، عمان، الجامعة الأردنيّة، 1986.

32. خالد زيادة: تطوّر النظرة الإسلاميّة إلى أوروبا، بيروت، رياض الريّس للكتب والنشر، 2010.

33. خير الدين التونسيّ: أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك، تحقيق ودراسة: معن زيادة، بيروت، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط2، 1985.

34. رؤوف عبّاس: «الإصلاح العثمانيّ الدوافع والأبعاد»، بيروت، مجلّة حوار العرب، العدد الرابع، مارس2005.

35. روبير مانتران (إشراف): تاريخ الدولة العثمانيّة، جـ2، ترجمة: بشير السباعيّ، القاهرة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع 1993.

36. زاده بردر، ومحمد شرف. انقلاب فرهنگي در دانشگاهها إيران (الثورة الثقافيّة في الجامعة الإيرانيّة)، طهران، مركز الثورة الإسلاميّة، 2004م.

37. زكريا فايد: العلمانية النشأة والأثر في الشرق والغرب، القاهرة، الزهراء للإعلام العربيّ، 1988.

(167)

38. سعيد إسماعيل علي: تاريخ التربية والتعليم في مصر، القاهرة، عالم الكتب، 1985.

39. سعيد گلگار: «بررسى رابطة نظام بهلوي ودانشگاه در إيران» (بحث في علاقة النظام البلوى  بالجامعة الإيرانيّة)، مجلّة الجامعة الإسلاميّة، عدد (35)، صيف2007م.

40. سيد علي أشرف: آفاق جديدة في التعليم الإسلاميّ، ترجمة: أمين حسين الرباط، الرياض، عكاظ للنشر والتوزيع، 1984.

41. السيد عمار أبو رغيف: نظريّة المعرفة في ضوء الأسس المنطقيّة للاستقراء، مجلّة المنهاج، بيروت، العدد (17)، 2000.

42. السيد عمر: «مداخل الإصلاح في الأمّة:جدالات الدينيّ والسياسيّ»، حوليّة أمّتي في العالم، القاهرة، مركز الحضارة للدراسات السياسيّة، 2006.

43. السيّد كمال الحيدرى: المذهب الذاتيّ فى نظريّة المعرفة، بيروت، دار الهادي، 2004.

44. طارق البشري: «الإصلاح والتجدّد في أمّتي صناعة محلّّيّة وحضاريّة» في: الإصلاح في الأمّة بين الداخل والخارج، حوليّة أمّتي في العالم، القاهرة، مركز الحضارة للدراسات السياسيّة، 2006.

45. طه جابر العلواني: إصلاح الفكر الإسلاميّ.. مدخل إلى نظام الخطاب في الفكر الإسلاميّ المعاصر، بيروت، دار الهادي، 1998.

(168)

46. طه جابر العلواني: الأزمة الفكريّة المعاصرة: تشخيص ومقترحات علاج، المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ، فيرجينيا، 1989.

47. عبد الحميد أبو سليمان: أزمة العقل المسلم، فيرجينيا، المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ، 1991.

48. عبد الحميد أبو سليمان: الإصلاح الإسلاميّ المعاصر قراءات منهجية اجتماعيّة، القاهرة، دار السلام، ط3، 2011.

49. عبد الحميد أبو سليمان: الرؤية الكونيّة الحضاريّة القرآنية، القاهرة، دار السلام، 2009م.

50. عبد الرحمن أحمد عبد الهادي فراج: «مجلّة المسلم المعاصر واتجاهاتها نحو قضايا الفكر الإسلاميّ 1974 -1994»، مجلّة المسلم المعاصر، عدد (78)، يناير 1996.

51. عبد الستّار فتح الله سعيد: «الغزو الفكريّ والتيارات المعادية للإسلام»، ضمن بحوث مؤتمر: الغزو الفكريّ والتيّارات المعادية للإسلام، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة، 1981م.

52. عبد العظيم المطعني: أوروبا في مواجهة الإسلام، الوسائل.. والأهداف، القاهرة، مكتبة وهبة، 1993.

53. عبد القادر عودة: «الشريعة الإسلاميّة شريعة كاملة دائمة» في: الأعمال الكاملة، القاهرة، دار المختار الإسلاميّ.

54. عبد الله محمد الأمين النعيم: الاستشراق في السيرة النبويّة، فرجينيا، المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ، 1997.

(169)

55. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهوديّة والصهيونيّة.. نموذج تفسيريّ جديد، القاهرة، دار الشرق، 1999.

56. عبدالأمير زاهد: «الخطاب العلمانيّ العربيّ المعاصر-تاريخيّته وبنيته الموضوعيّة (1)»، مجلّة المنهاج، بيروت، عدد (27)، 2002.

57. عبدالعزيز سليمان نوار: الشرق الأوسط مشكلاته الحديثة والمعاصرة، القاهرة، د.ن، 1987.

58. عبدالقادر عودة: التشريع الجنائيّ الإسلاميّ مقارنًا بالقانون الوضعي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط13، 1994.

59. عبدالوهاب المسيري (محرّر): إشكاليّة التحيّز، جزآن، القاهرة، نقابة المهندسين، 1995.

60. عرفان عبد الحميد فتاح: «إسلاميّة المعرفة ومنهجية التثاقف الحضاريّ»، مجلّة إسلاميّة المعرفة، العدد الأوّل، يوليه 1996.

61. علال الفاسي: مهمّة علماء الإسلام، الرباط، المطبعة الأمنيّة، 1959.

62. علي خليل أبو العينين: أصول الفكر التربوي الحديث بين الاتجاه الإسلاميّ والاتجاه التغريبيّ، القاهرة، دار الفكر العربيّ، 1986.

63. علي شريعتي:  الإنسان والإسلام، ترجمة: عباس الترجمان، بيروت، دار الأمير ط2، 2007.

64. علي شريعتي: تاريخ الحضارة 1/2، ترجمة: حسين نصيريّ، بيروت، دار الأمير2006.

(170)

65. علي شريعتي: ماذا يجب عمله؟ ترجمة: اتحاد  الجمعيّات الطلابية الإسلاميّة  في أوروبا، مركز البحوث والمعلومات، 1984.

66. عمادة البحث العلميّ: «تقرير عن جهود الجامعة في مجال التأصيل الإسلاميّ للعلوم الاجتماعيّة»، مجلّة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة، عدد (8)، رجب 1413هـ.

67. غلام علي حداد عادل:» صورة العرب في الكتب المدرسية الإيرانيّة «في: العلاقات العربيّة-الإيرانيّة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1996.

68. فتحي يكن: العالم الإسلاميّ والمكائد الدوليّة خلال القرن الرابع عشر الهجري، بيروت، مؤسّسة الرسالة، طـ2، 1983.

69. فهمي جدعان: أسس التقدّم عند مفكريّ الإسلام في العالم العربيّ الحديث، بيروت المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 1979.

70. قطعنامه هشتمين كنفرانس ارز شيابى انقلاب آموزشى»(قرارات المؤتمر الثامن للثورة التعليميّة)، ماهنامه آموزش و پرورش (مجلّة التربية والتعليم)، طهران، عدد (174)، 1970م.

71. كمال البكاري (مراجعة): «الاستشراق والمشروع الصهيونيّ»، مجلة الاجتهاد، بيروت، العدد 50-51، 2001.

72. كمال مظهر أحمد: دراسات في تاريخ إيران الحديث والمعاصر، بغداد، الأمانة العامّة للشباب، 1989.

(171)

73. ليلى عنان: الحملة الفرنسيّة تنوير أم تزوير، القاهرة، كتاب الهلال، العدد567، مارس 1998.

74. ماجدة مخلوف: «الإصلاح والتجديد في تركيا في القرنين 13 – 14هـ / 19 – 20م»، في: مؤتمر اتجاهات التجديد والإصلاح في الفكر الإسلاميّ الحديث، الإسكندرية 19 – 21 يناير 2009.

75. ماجدة مخلوف: تحوّلات الفكر والسياسة في التاريخ العثمانيّ، رؤية أحمد جودت باشا في تقريره إلى السلطان عبد الحميد الثاني، القاهرة، دار الآفاق العربيّة، 2009.

76. مالك بن نبي: الصراع الفكريّ في البلاد المستعمرة، بيروت، دار الفكر، ط11، 2014.

77. مالك بن نبي: فكرة كمنويلث إسلاميّ، ترجمة: الطيب الشريف، دمشق، دار الفكر، ط10، 2012.

78. مالك بن نبي: مشكلة الأفكار، ترجمة: بسام بركة -أحمد شعبو، دمشق، دار القلم، ط11، 2014.

79. مالك بن نبي: ميلاد مجتمع، ترجمة: عبدالصبور شاهين، دمشق، دار الفكر، ط9، 2012.

80. مجموعة من الباحثين: بناء المفاهيم دراسة معرفيّة ونماذج تطبيقيّة، جزآن، القاهرة، دار السلام، 2008.

(172)

81. محمد إقبال: تجديد التفكير الدينيّ في الإسلام، ترجمة: عباس محمود، القاهرة، دار الهدية، ط3، 2006.

82. محمد البهي: الفكر الإسلاميّ الحديث وصلته بالاستعمار الغربيّ، القاهرة، مكتبة وهبة،1997.

83. محمد المبارك: الفكر الإسلاميّ الحديث في مواجهة الأفكار الغربيّة، دمشق، دار الفكر، 1986.

84. محمد النقيب العطاس (إعداد): التعليم الإسلاميّ أهدافه ومقاصده، ترجمة: عبد الحميد محمد الخريبي، الرياض، عكاظ للنشر والتوزيع، 1984.

85. محمد باقر الصدر: المدرسة القرآنيّة، بيروت، مؤسسة الهدى الدوليّة للنشر والتوزيع، 2000.

86. محمد باقر الصدر: فلسفتنا، بيروت، دار التعارف، ط2، 1998.

87. محمد حسن خليفة: آثار الفكر الاستشراقيّ – في المجتمعات الإسلاميّة، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، 1997.

88. محمد خير فرج: «قراءة كتاب الاستشراق في السيرة النبوية»، مجلّة الاجتهاد، بيروت، العدد (50 - 51 - 2001).

89. محمد رشيد رضا: «منافع الأوروبيّين ومضارّهم في الشرق1-3»، مجلة المنار، مج 10، 1315ه/1906.

90. محمد سليم العوا (تقديم): في: الموسوعة العصريّة في الفقه الجنائيّ الإسلاميّ..

(173)

شروح وتعليقات على كتاب التشريع الجنائيّ الإسلاميّ مقارنًا بالقانون الوضعيّ، القاهرة، دار الشروق.

91. محمد سيد محمد: الغزو الفكريّ والمجتمع العربيّ، القاهرة، دار الفكر العربيّ، 1994.

92. محمد شفيعي فر: الأسس الفكريّة للثورة الإسلاميّة، ترجمة: محمد حسن زراقط، بيروت، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، 2007.

93. محمد عبد اللاوى: «فلسفة التاريخ من خلال كتابات الصدر ونقد نهاية التاريخ»، فى: مجموعة باحثين: محمد باقر الصدر، دراسات فى حياته وفكره، ط إلكترونيّة، لندن، دار الإسلام، 1996.

94. محمد عبده: رسالة التوحيد، تحقيق: محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، 1994.

95. محمد عمارة (دراسة وتحقيق): الأعمال الكاملة لرفاعة رافع الطهطاويّ، ج2، القاهرة، الهيئة العامّة المصريّة للكتاب، 2001.

96. محمد عمارة: «الاحتفال بالاحتلال أم بالاستقلال»، مجلّة المسلم المعاصر، بيروت، عدد (91)، أبريل 1999.

97. محمد فريد وجدي: الإسلام في عصر العلم، بيروت، دار الكتاب العربيّ.

98. محمد فريد وجدي: السيرة المحمّديّة تحت ضوء العلم والفلسفة، القاهرة، الهيئة العامّة للكتاب، 1999.

(174)

99. محمد فريد وجدي: من معالم الإسلام، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 2000.

100. محمد م. الأرناؤوط: «المفهوم الآخر للاستشراق نموذج يوغسلافيا»، مجلّة الاجتهاد، بيروت، العدد( 50 -51(،2001.

101. محمد محمد حسين: الإسلام والحضارة الغربيّة، القاهرة، دار الفرقان، د.ت.

102. مصطفى السباعي: الاستشراق والمستشرقون..ما لهم وما عليهم، القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر 1998

103. مصطفى عبدالرازق: تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية. د.ت.

104. مصطفى كمال وصفي: «تغريب القوانين في القرن الماضي»، مجلّة الدعوة، القاهرة، العدد (55)، نوفمبر 1980.

105. المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ: إسلاميّة المعرفة، المبادئ العامّة، خطّة العمل، الانجازات، فرجينيا، 1986.

106. المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ: الوجيز في إسلاميّة المعرفة، فرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكية، 1987.

107. منصور سلطانزاد: خاطرات دوسفير: اسراري از سقوط شاه ونفش آمريكا وانگيس در انقلاب إيران (مذكرات أسرار سقوط الشاه ودور أمريكا والإنجليز)، طهران، 1993م.

(175)

108. منى أبو الفضل، طه العلواني: مفاهيم محوريّة في المنهج والمنهجيّة، القاهرة دار السلام، 2009.

109. منى أبو الفضل: نحو منهاجيّة للتعامل مع مصادر التنظير الإسلاميّ بين المقدّمات والمقوّمات، فيرجينيا، المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ، 1996.

110. مهدى إشراقي: دار الفنون گفتارى درهويت دار الفنون وجايگاه در تاريخ معاصر إيران(مكانة وتاريخ مدرسة دار الفنون في الهوية الإيرانيّة)، طهران، مركز التعليم والتربية 2004م.

111. نادية مصطفى( المشرف العام)، العلاقات الدوليّة في الإسلام..المقدّمة العامّة للمشروع، القاهرة، المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ، 1996.

112. هربرت تشيللر: الاتصال والهيمنة الثقافيّة، ترجمة: وجيه سمعان، القاهرة، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب،2007.

113. هيئة التحرير:»مذكّرة إلى رفعة رئيس الوزراء»، جريدة النذير، السنة الأولى، العدد (3)، 14 ربيع الثاني 1357هـ.

114. وحيد الدين خان: تجديد الدين، ترجمة ظفر الإسلام خان، د.ن، د.ت.

(176)