مارتن هايدغر

مارتن هايدغر

تأليف

مجموعة باحثين


مقدمة المركز

الظاهرة الغربيَّة في عصرنا الراهن واسعة النطاق ومعقَّدةٌ غايةَ التعقيد لدرجة أنَّها بسطت نفوذها وتجاوزت تأريخ العالم الغربي وحدوده الجغرافيَّة لتُلقي بظلالها علىٰ جميع بقاع العالم وتسود في مختلف الأوساط الفكريَّة المعاصرة، ومن ثَمَّ قطعت الطريق علىٰ سائر الأنظمة المعرفيَّة لتقول كلمتها.

الفكر الغربي المعاصر رغم سطوته وسلطته الواسعة، إلَّا أنَّه متقوِّمٌ علىٰ عمالقة تأريخ الفكر البشري، وهو بكلِّ وجوده مدينٌ للمفكِّرين القدماء والمدارس الفكريَّة والفلسفيَّة التي تألَّقت في العهود السابقة؛ والجدير بالذكر هنا أنَّ تأثير علماء العصور الكلاسيكيَّة والحديثة علىٰ هذا الفكر شاملٌ وباقٍ.

بعد إخفاق العلماء الغربيِّين في صياغة الأُنموذج الأمثل الذي كانوا يطمحون لترويجه في الحياة الاجتماعيَّة للإنسان الحديث، وإثر عدم توقُّفهم عن الفضول المعرفي إزاء شتّىٰ الأوساط الفكريَّة في المجتمعات غير الغربيَّة؛ واجه المفكِّرون الشرقيُّون والغربيُّون المعاصرون سؤالاً مصيريًّا لا محيص منه حول الظاهرة الغربيَّة الواسعة والمعقَّدة؛ فهو سؤالٌ مشتركٌ، حيث يواجهه من يتصدَّىٰ لمواجهة المدِّ الفكري الغربي، وكذلك من يدعو إلىٰ الحوار والتبادل المعرفي.

هذه المواجهات الفكريَّة في عصرنا الحاضر محتدمةٌ في باطن العالم الغربي أيضاً علىٰ ضوء نقدٍ أثمر ظهورَ العديد من المصطلحات، مثل «مركزيَّة أُوروبا» و«العولمة» و«الأمركة»، وما شاكلها.

سلسلة «دراسات نقديَّة في أعلام الغرب»، ضمن هدفها الأساسي الذي يتمحور حول الدراسات النقديَّة للفكر الغربي في إطار بحوث تحليليَّة نقديَّة للمنظومات الفكريَّة لفطاحل الفكر الغربي وروُّاده الذين أنشؤوه بفضل جهودهم الفكريَّة، تتمحور مواضيعها حول بيان الهواجس والتساؤلات المطروحة بخصوص ما ذُكِرَ.

في هذا الجزء من السلسلة نتعرَّض للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وهو بلا شكٍّ واحد من أهمّ فلاسفة القرن العشرين؛ إذ حصل من خلال كتابه الكينونة والزمان علىٰ مكانة مرموقة وممتازة. إنَّ الجانب الأصلي المميِّز لتفكيره يكمن في اهتمامه بالأزمة، سواء أخذنا ذلك في حقل المعرفة والفلسفة أو في حقل التكنولوجيا وكينونة الإنسان المعاصر.

وبذلك يكون هايدغر ناقداً للناحية الميتافيزيقيَّة والفلسفيَّة للحضارة الغربيَّة حتَّىٰ عصره، حيث يعيدها إلىٰ الوراء في إطار «نسيان الوجود والتأمُّل في الموجد» وصولاً إلىٰ اليونان القديمة، كما هو ناقد للنزعة العملانيَّة والتكنولوجيَّة للحضارة الغربيَّة الحديثة، التي عملت - من خلال هيمنة النظرة الميكانيكيَّة والرياضيَّة إلىٰ العالم - علىٰ قطع الارتباط الجوهري بين الإنسان والعالم. وبذلك تمَّ التأسيس لسلسلة من الأزمات، ابتداءً من الأزمات البيئيَّة الناشئة من النظرة الآلية إلىٰ الإنسان، وصولاً إلىٰ الأزمات الأنطولوجيَّة للإنسان.

وقد تم تدوين بحوث هذا الكتاب في قسمين: القسم الأوَّل يتعلَّق بمقاربة أفكار هايدغر في المناخ الإسلامي والعربي، والقسم الثاني يتعلَّق برؤية الغرب إلىٰ هايدغر ورؤية هايدغر إلىٰ الغرب. وحاولنا أنْ نختار البحوث التي تمتاز بالنقد والتحليل.

ونحن إذ نُقدِّم هذه السلسلة إلىٰ قُرَّائنا الکرام، نأمل أنْ ينال رضاهم وأنْ يساهم في تنمية الوعي النقدي في ساحتنا الإسلاميَّة. ولا يفوتنا أنْ نشيد بجهود كلِّ من ساهم في إنجاز هذا العمل، وأخصُّ بالذكر منهم الدكتور أمير عبّاس صالحي، حيث قام بإعداد وتحرير هذه الموسوعة، وكذلك الدكتور السيِّد محسن الموسوي، والدکتور محمّد حسین الکیانی والسيِّد محمّد رضا الطباطبائي حيث قاموا بالإشراف والمتابعة، وكذلك جميع من ساهم في إنجاز هذا العمل.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام علىٰ رسوله الأمين وآله الميامين.

النجف الأشرف

رجب/ 1441هـ

المبعث النبوي الشريف