فهرس المحتويات

مقدمة المركز | 7

الفصل الأول: مفهوم التحليل | 20

تمهيد: التحليل لغةً واصطلاحًا: | 20

المبحث الأول: معاني التحليل في المعاجم والموسوعات الفلسفية: | 24

المبحث الثاني: الفلسفة التحليلية، خصائصها واتجاهاتها | 32

تمهيد | 32

خصائص الفلسفة التحليلية: | 36

تعقيب: | 42

الفصل الثاني: النشأة التاريخية والقضايا الإشكالية للتحليل | 46

تمهيد: | 46

أولًا: التحليل في الفلسفة القديمة: | 47

ثانيا: التحليل عند الفلاسفة المحدثين: | 51

ثالثًا: فريجة والتحليل: | 64

رابعًا: التحليل اللغوي والتحليل المنطقي | 68

الفصل الثالث: التحليل عند المعاصرين: مور، رسل، فتجنشتين | 72

تمهيد: | 72

المبحث الأول: التحليل عند جورج مور: | 72

أهداف التحليل عند مور: | 74

معايير التحليل عند جورج مور: | 75

المبحث الثاني: التحليل عند برتراند رسل | 80

تمهيد: | 80

أولًا: معنى التحليل عند رسل: | 82

ثانيًا: اختلاف التحليل الرسلي عن التحليل الموري: | 84

ثالثًا: سمات منهج التحليل عند رسل: | 87

رابعًا: أنواع التحليل عند رسل: | 89

المبحث الثالث: التحليل عند فتجنشتين | 92

تمهيد: | 92

أولا: التحليل في الرسالة المنطقية الفلسفية: | 93

ثانيًا: التحليل في أبحاثٍ فلسفية: | 97

الفصل الرابع: التحليل والوضعية المنطقية | 106

تمهيد: | 106

المبحث الأول: التحليل بعد فتجنشتين: | 108

التحليل العلاجي: | 111

التحليلية وصلتها بالوضعية المنطقية | 113

المبحث الثاني: التحليل عند كارناب | 115

المبحث الثالث: آير والتحليل: | 121

المبحث الرابع: نقد الوضعية المنطقية: | 126

الفصل الخامس: التحليلية في ميزان النقد | 134

مقدمة | 134

التحليلية وليدة الوضعية المنطقية | 136

ما بعد التحليلية | 142

رفض الميتافيزيقا | 154

المراجع | 158

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 27 الفلسفة التحليلية ماهيتها،مصادرها،ومفكروها أحمد عبد الحليم عطية
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدمة المركز7

الفصل الأول: مفهوم التحليل20

تمهيد: التحليل لغةً واصطلاحًا:20

المبحث الأول: معاني التحليل في المعاجم والموسوعات الفلسفية:24

المبحث الثاني: الفلسفة التحليلية، خصائصها واتجاهاتها32

تمهيد32

خصائص الفلسفة التحليلية:36

تعقيب:42

الفصل الثاني: النشأة التاريخية والقضايا الإشكالية للتحليل46

تمهيد:46

أولًا: التحليل في الفلسفة القديمة:47

ثانيا: التحليل عند الفلاسفة المحدثين:51

ثالثًا: فريجة والتحليل:64

رابعًا: التحليل اللغوي والتحليل المنطقي68

الفصل الثالث: التحليل عند المعاصرين: مور، رسل، فتجنشتين72

تمهيد:72

المبحث الأول: التحليل عند جورج مور:72

أهداف التحليل عند مور:74

معايير التحليل عند جورج مور:75

المبحث الثاني: التحليل عند برتراند رسل80

تمهيد:80

(4)

الفهرس

أولًا: معنى التحليل عند رسل:82

ثانيًا: اختلاف التحليل الرسلي عن التحليل الموري:84

ثالثًا: سمات منهج التحليل عند رسل:87

رابعًا: أنواع التحليل عند رسل:89

المبحث الثالث: التحليل عند فتجنشتين92

تمهيد:92

أولا: التحليل في الرسالة المنطقية الفلسفية:93

ثانيًا: التحليل في أبحاثٍ فلسفية:97

الفصل الرابع: التحليل والوضعية المنطقية106

تمهيد:106

المبحث الأول: التحليل بعد فتجنشتين:108

التحليل العلاجي:111

التحليلية وصلتها بالوضعية المنطقية113

المبحث الثاني: التحليل عند كارناب115

المبحث الثالث: آير والتحليل:121

المبحث الرابع: نقد الوضعية المنطقية:126

الفصل الخامس: التحليلية في ميزان النقد134

مقدمة134

التحليلية وليدة الوضعية المنطقية136

ما بعد التحليلية142

رفض الميتافيزيقا154

المراجع158

(5)
(6)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحوالتالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أويجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار

(7)

سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

 ***

يتناول هذا الكتاب من سلسلة مصطلحات معاصرة، واحدة من أبرز القضايا بما سمي بالفلسفة المضافة. عنينا بها الفلسفة التحليلية.

وقد تولى المؤلف في دراسته هذه تأصيل المصطلح والإضاءة على المدارس والتيارات والشخصيات التي اشتغلت على هذا المفهوم من نشأته في المرحلة المتأخرة من عصور الحداثة في الغرب.

والله ولي التوفيق

(8)

مدخل

لم يُكتب في العربية سوى كتابٌ واحدٌ أو دراسةٌ واحدةٌ حول التحليل والتحليلية ولم يترجم لها سوى عملٌ واحدٌ يحمل عنوان عصر التحليل[1]، رغم الاهتمام الكبير الذي أولاه الفلاسفة المعاصرون للتحليلية وكثرة المؤلفات الأوربية حولها[2]. ويعود هذا الاهتمام الكبير إلى سيادة العلم وظهور التيارات الفلسفية العلمية على اختلاف توجهاتها، والرغبة في تجاوز المشكلات الميتافيزيقية الغامضة والزائفة. هناك ثلاثيُ التحليل الكبار: مور G. E. Moore (1873-1958) ورسل Bertrand Russell ـ (1872-1970)  وفتجنشتين Ludwig Wittgenstein ـ (1889-1951) وغيرهم من الفلاسفة الوضعيين المناطقة مثل: كارناب Rudolf Carnap ـ (1891 - 1970)  وآير Alfred Ayer ـ (1910 - 1969). وهناك ما نتج

(9)

عنها من مدارس مختلفة في التحليل: مدرسة أوكسفورد، ومدرسة كمبريدج، وهما تيارا الوضعية المنطقية، وفلاسفة اللغة العادية.

وهناك من يعود بالتحليل إلى الفلسفة اليونانية ويجعل من مصادرها سقراط والسفسطائيين وأفلاطون وأرسطو. وهناك من يمتدّ بها لدى غيرهم من فلاسفة اليونان. ويندرج الفلاسفة المحدثون، لوك وباركلي وهيوم، في إطار التحليل. ويشار إلى كل من فرنسيس بيكون وديكارت باعتبارهما من جعل التحليل منهجًا. ويميل الوضعيون إلى إرجاع نشأة التحليل إلى كانط، وهو ما يمكن أن نجد مثالًا عليه في كتابات داعية الوضعية المنطقية في العالم العربي زكي نجيب محمود، كما يظهر في الفصل الثاني من كتابه موقفٌ من الميتافيزيقا، وهو ما يستدعي منا الإشارة ولو بإيجازٍ إلى ما قدمه العرب المعاصرون من إسهاماتٍ في التحليل[1].

ويظل زكي نجيب محمود ومدرسته تيارًا هامًا في فلسفة التحليل في الفكر العربي، رغم تعدد الكتابات حول التحليل في الوضعية المنطقية، وكثرة الكتابات أيضًا عن نقدها، التي تضم من تلاميذ زكي نجيب محمود كلًا من: محمود فهمي زيدان، وعزمي إسلام، ومحمد مهران رشوان، ومحمد محمد مدين، مثلما تضم عددًا من الأساتذة العرب في كل من لبنان مثل: عبد الرحمن مرحبا، وفي العراق مثل: ياسين خليل. وإذا أضفنا إلى هؤلاء نقّاد التحليل والوضعية المنطقية فإن القائمة ستزداد. ونجد كثيرًا من الباحثين من أعطوا مساحةً كبيرةً من الاهتمام لشرح وتحليل ونقد هذا التيار الوضعي المنطقي الذي كاد يحتكر صفة العلمية، خاصةً كلٌ من

(10)

أحمد ماضي وماهر عبد القادر وتوفيق الطويل وزكريا إبراهيم وعابد الجابري وغيرهم.

ويعود النقاش الحاد حول التحليل في الفكر الفلسفي المعاصر إلى ما فهم من ثورة الفلسفة الحديثة، تجريبيةً كانت أو وضعية، واقعيةً أو طبيعية، على الفلسفة المثالية. ومن هنا رفض هؤلاء لليمتافيزيقا، وهي العزيزة على قلوب الفلاسفة؛ حيث من خلالها يمكن الحديث عن الدين والأخلاق والقيم. رغم أنه لا تعارض البتة بين توجهك الفلسفي أيًا كان وتبنيك أو رفضك للميتافيزيقا. ويسعى البعض للتخفيف من غلواء فلاسفة الوضعية والتحليل بالتمييز بين نوعين من الميتافيزيقا لتجاوزها عالم الحس والتجربة، ميتافيزيقا تقليدية وميتافيزيقا نقدية.

ومن هنا كان حرصنا على هذا العمل، الذي يدور حول التحليل، رغم كل ما يمكن أن يصادفنا من صعابٍ في تناول التحليل، الذي يعد ـ خطأً ـ في نظر البعض، المسؤول عن رفض الميتافيزيقا، وبالتالي استبعاد الدين من دائرة الفلسفة، وهذا ما سيكون موضع نقاش في الفصل الأخير من هذا الكتاب، الذي يتكون من ستة فصول ومقدمة وخاتمة.

تعرض المقدمة للموضوع والغاية منه وتبويب وتقسيم فصوله. ونتوقف في الفصل الأول عند مفهوم التحليل لبيان مختلف أوجه البحث في المفهوم، والدراسات المختلفة التي قُدمت حول التحليل في المعاجم ودوائر المعارف المختلفة.

توقفنا في هذا الفصل عند المعنى اللغوي والفلسفي في

(11)

دوائر المعارف الغربية المتخصصة، مثل موسوعة أندريه لالاند، والموسوعة الفلسفية، وكذلك المعجم الفلسفي، الذي أصدره جميل صليبا، والمعجم الفلسفي الذي حرره الدكتور توفيق الطويل، وكذلك «مادة تحليل» التي كتبها موسى وهبة في الموسوعة الفلسفية العربية الصادرة في بيروت. إلا أن النقاش سوف يدور حول ما جاء في معجم لالاند التقني الفلسفي، الذي ترجم إلى العربية تحت عنوان موسوعة الفلسفة لأندريه لالاند؛ والموسوعة الفلسفية المختصرة التي أشرف عليها زكي نجيب محمود التي تُرجمت إلى العربية في الستينات. وقد حاولنا على امتداد هذا الفصل، بيان الأصل اللغوي الاشتقاقي والأصل الفلسفي الاصطلاحي، موضحين المعاني المتعددة لمصطلح التحليل، وفهم وتعامل صاحب كل عمل لأبعاد المصطلح.

وانتقلنا في المبحث الثاني من هذا الفصل إلى بيان خصائص واتجاهات الفلسفة التحليلية. وهذا المبحث هو الأساس الذي تتوالى عليه بقية فصول هذا الكتاب. حيث نهتم بمعنى التحليل ودلالته، وهل هناك فلسفةٌ تحليليةٌ أو مدرسةٌ فلسفيةٌ في التحليل، أم كما يطلق عليه البعض حركةً تحليليةً وكل ما لدينا هم فلاسفةٌ تحليليون، وبالتالي فلا جدوى ولا إمكانية من إيجاد تعريفٍ جامعٍ مانعٍ بلغة المناطقة للتحليل.

ثم اتجهنا صوب الحديث عن الخصائص والسمات المختلفة التي تميز التحليل عن غيره. فالمسألة غايةٌ في الصعوبة، ولم يحاول أحد من الفلاسفة ممن يُعرفون بفلاسفة التحليل أن يعرّف المقصود بالتحليل، الذي لم يسعفنا أحدهم ببيان المقصود منه، ولذا توقفنا

(12)

أمام السمات المختلفة للحركة التحليلية مثل: اعترافها بدور اللغة الفعال في الفلسفة، أو اتجاهها الشعوري المتزايد نحو اللغة، وإلى تفتيت المشكلات الفلسفية إلى أجزاءٍ صغيرةٍ لمعالجتها جزءًا جزءًا؛ وخاصيتها المعرفية؛ والمعالجة البين ذاتية Intersubjectivity لعملية التحليل. إن هذه الخصائص تكفي لتمييز هذه الفلسفة ولوصف أي فلسفة بأنها «تحليلية». 
ورغم أن الفلاسفة التحليليين متفقون على أهمية دراسة اللغة، فإنهم مختلفون في نوع اللغة التي ينبغي دراستها، وقد انقسموا في ذلك إلى فريقين: ذهب فريقٌ منهم إلى القول بأن التحليل الفلسفي يتوقف على تأليف لغةٍ اصطناعيةٍ جديدة. ورأى الفريق الآخر أن مثل هذه اللغات الاصطناعية لا تساعد كثيرًا على حل المشكلات الفلسفية، إذ إن هذه المشكلات يمكن معالجتها على أفضل وجهٍ بالتحليل الدقيق للغة الطبيعية الجارية التي نستخدمها في عملية التواصل مع الآخرين، ولهذا السبب يسمى هذا الفريق باسم «فلاسفة اللغة الجارية». 
وبعد هذا العرض التحليلي للسمات والخصائص التي تميز المقصود بالفلسفة التحليلية، نتوقف وقفةً تاريخيةً لبيان الجذور التاريخية وبدايات التحليل. وقد خصصنا الفصل الثاني للتحليل في الفلسفة القديمة، ذلك أن الفلسفة التحليلية ليست حديثةً وليدة اليوم، بل يمكن التماس أصولها مع البدايات الأولى للفلسفة، فقد انصرف مجهود سقراط الفلسفي إلى غايةٍ واحدةٍ هي تحليل بعض الألفاظ المتداولة وبخاصةٍ في مجال الأخلاق وتحديد معانيها التي أضاعها السوفسطائيون بعد سيطرة النزعة الشكية الهدامة. وكذلك 

(13)

كان أفلاطون فيلسوفًا تحليليًا في كثيرٍ مما تعرض له، ومحاورة بارمنيدس مثلٌ جيدٌ لطريقته في التحليل. ومن محاورات أفلاطون التي تقدم كل واحدةٍ منها تحليلًا لأحد المفاهيم والمصطلحات، ننتقل إلى التحليلات الثانية لأرسطو الذي قدم لنا فيها أصول التحليل.

ونخصص الفصل الثالث لبيان البدايات الحديثة وعوامل النشأة عند الفلاسفة التجريبيين من الإنجليز: «لوك» JohnLocke (1632 – 1704) و»باركلي» George Berkeley (1685 – 1753) و«هيوم» David Hume (1711 – 1776)  وأتباعهم، لأنهم من أولئك الذين نظروا إلى الفلسفة على أنها طريقة في التحليل. وبالطبع نتوقف عند كل من فرانسيس بيكون Bacon Francis  (1561 – 1626) وديكارت René Descartes (1596 – 1650)، حتى نصل إلى المثالية الألمانية، خاصةً عند كانط، الذي يُعد حلقةً أساسيةً هامةً اعتبرها فلاسفة التحليل بدايةً لهم. وكانت الحلقة الأخيرة التي مهدت للتحليل في الفكر الفلسفي المعاصر هي جهود وكتابات فريجه، الذي مهد لهذا المنهج.

ويعد هذا الفصل تمهيدًا ومدخلًا للفصول التالية التي تتناول التحليل لدى الفلاسفة المعاصرين الذين نعرض لهم في فصلين تاليين، أولها يضم كلًا من: جورج إدوارد مور، وبرتراند رسل، ولودفيج فتجنشتين، ويتناول ثانيهما فلاسفة الوضعية المنطقية واللغة العادية، أو ما بعد فتجنشتين.

ومن هنا خصصنا المبحث الأول في الفصل الثالث للتحليل

(14)

عند جورج مور. ومور هو رائد التحليل في الفلسفة المعاصرة، ربط التحليل الفلسفي بالإدراك العام أو الإدراك الفطري، واستخدم اللغة العادية إذ رأى أن قضايا الإدراك العام صادقةٌ دائمًا، وحكم بالكذب على قضايا فلسفية تعارضها. وترجع بداية التحليل إلى ظهور دراسته دحض المثالية التي ثار فيها على الهيجيلية والمثالية الجديدة، وقد اهتم مور بتحليل ما يقوله الفلاسفة عن العالم، وعن معنى القضايا العلمية؛ ليكشف عن صحة أو بطلان هذه الأقوال.

وقد طبّق مور فلسفته التحليلية في مجال الأخلاق من أجل توضيح الأفكار الفلسفية التي تدور في هذا المجال، فجاءت بمثابة تطبيقٍ عمليٍ للمنهج التحليلي على مشكلات الأخلاق في الفلسفة المعاصرة. وقد تناولنا في الفصل أنواع التحليل عند مور أو خطواته، والتي نستخلص منها أن التحليل عنده هو الانتباه لمعنى التصور، وأن التحليل تقسيمٌ والتحليل تمييز.

وتناولنا في المبحث الثاني من هذا الفصل التحليل عند برتراند رسل، الذي يُعد الرائد الثاني للفكر الفلسفي التحليلي، والذي يمثّل مدرسةً متميزةً عن مدرسة جورج مور؛ فهما يتفقان في كونهما يريان أن التحليل منهجٌ وموضوع، وأن الميتافيزيقا مبحثٌ أساسي، وإن كان رسل قد حدد لنفسه منهجًا فلسفيًا مرتبطًا بالرياضيات كان يسميه «التحليل المنطقي، أو التحليل الفلسفي»؛ حيث اعتبر المنطق هو صميم ماهية الفلسفة. وقد توقفنا هنا عند خصائص التحليل عنده، وهي التحليل باعتباره تعريفًا، التحليل باعتباره تبريرًا، التحليل باعتباره اختزالًا أو ردًا. وقد طبق رسل منهجه التحليلي على كثير من المشكلات الفلسفية، وكتب عن «تحليل المادة» و»تحليل

(15)

العقل». وقد خصصنا الفقرة الأخيرة من هذا الفصل لأنواع التحليل المختلفة عند رسل.

وقد خصصنا المبحث الثالث من هذا الفصل لتناول التحليل عند فتجنشتين، مدار الاهتمام الدائم في الفلسفة الراهنة، التي شُغلت بجوانب كثيرة من فلسفته، سواء في المعرفة أو المنهج أو التحليل، بل الأخلاق والفن والجمال؛ بحيث فاق الاهتمام به الاهتمام بأي فيلسوف ممن تناولناهم في هذه الدراسة. وما زالت الأبحاث حوله تزداد يومًا بعد يوم.

ليست الفلسفة عند فتجنشتين إقامةً للأنساق الميتافيزيقية، بقدر ما أضحت كلها تحليلًا ونقدًا للغة. ومن المعروف أن مفهوم الفلسفة عنده هو توضيحٌ للأفكار عن طريق تحليل العبارات التي تصاغ فيها هذه الأفكار، فهو يؤكد في الرسالة الفلسفية المنطقية: «إن موضوع الفلسفة هو التوضيح المنطقي للأفكار. فالفلسفة ليست نظريةً من النظريات، بل هي فاعلية. ولذا يتكون العمل الفلسفي أساسًا من توضيحات». معنى ذلك أن التحليل عنده لا يضيف إلى معرفتنا جديدًا، بل هو مجرد طريقةٍ توضح ما نقوله، لكي نتبين ما له معنى من كلامنا وما لا معنى له، وأن نتكلم بالتالي كلامًا له معنى. وعلى ذلك نبدأ من فتجنشتين الأول وتحليل العالم، حيث يجعل من تحليل العالم هدفًا لفلسفته كما يظهر في أهم أعماله في مرحلة الرسالة المنطقية الفلسفية، ومع أن الغرض الأساسي من التحليل عنده هو تحليل اللغة، وتوضيح كيف يكون سوء فهمنا لمنطقها هو السبب في ظهور كثيرٍ من مشكلات الفلسفة، فإن تحليل اللغة بالطريقة التي ذهب إليها في الرسالة يعتمد اعتمادًا أساسيًا على

(16)

تحليل العالم؛ فهو يحلل اللغة إلى مجموعةٍ من القضايا الأولية التي يتوقف صدقها أو كذبها على مدى مطابقتها للواقع الخارجي. وقد تناولنا بعد ذلك التحليل المنطقي عند فتجنشتين، الذي ينقسم إلى نوعين:

الأول: القضايا التحليلية وهي قضايا المنطق والرياضيات وهي تحصيل حاصلٍ، وصادقةٌ بالضرورة، وقضايا خاليةٌ من المعنى لكنها مع ذلك صادقةٌ لأنها عباراتٌ مفهومة ولكنها ليست صورًا للواقع، وهى تتعلق ببناء اللغة. الثاني: قضايا الميتافيزيقا، وهي تعبّر عن كياناتٍ غير واقعيةٍ وهي خاليةٌ من المضمون فارغةٌ من المعنى.

وتناولنا في الفصل الرابع التحليل عند الوضعيين المناطقة، وعند فلاسفة اللغة العادية، خاصةً في فلسفة كارناب، كما يظهر في كتاب البناء المنطقي للغة logical syntax of language في المبحث الأول. وخصصنا المبحث الثاني من هذا الفصل للحديث عن التحليل في فلسفة آير، خاصةً في القول بمبدأ التحقق. والمبحث الثالث تناولنا فيه التحليل عند جلبرت رايل Gilbert Ryle، الذي يظهر لديه هذا التأثير في دراسته التعبيرات المضللة، مع إشاراتٍ سريعةٍ إلى جهود كل من: جون ويزدم John Wisdom وفريدريك فايزمان Wiseman في التحليل، وكتاباتهم وتوجهاتهم التحليلية المختلفة.

ومن التحليل عند رواده في الفكر الغربي المعاصر نتحول في الفصل الخامس إلى التحليل في الفكر العربي عند من تبنوا المناهج العلمية والوضعية، من المناطقة وفلاسفة العلم في الفكر العربي

(17)

المعاصر، خاصةً زكي نجيب محمود، وامتداداته الفلسفية لدى تلاميذه: محمود زيدان وعزمي إسلام ومحمد مهران، وغيرهم، الذي يعترفون صراحةً بالأثر الكبير الذي مارسه الأستاذ على تفكيرهم، وإن كانت كتابات هؤلاء لا تساير الموقف التحليلي الوضعي المنطقي في كليته. وعلى هذا نجد أن الفلاسفة العرب من أنصار التحليل لا يسيرون حتى نهاية الشوط مع من يرفضون الميتافيزيقا باسم التحليل. وهذا هو موضوع الفصل السادس والأخير الذي يدور حول التحليل والميتافيزيقا.

(18)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

مفهوم التحليل

 

(19)

الفصل الأول: مفهوم التحليل

تمهيد: التحليل لغةً واصطلاحًا:

نسعى في هذا الفصل إلى التعرف على المعنى اللغوي والاصطلاحي للتحليل Analyse، Analysis، ثم نعرض في مبحثين متواليين للمعاني المتعددة للتحليل، كما وردت في بعض المعاجم ودوائر المعارف الفلسفية؛ لبيان التعريفات المختلفة للمصطلح. ونخصص المبحث الثاني لبيان الخصائص والسمات التي تحدد مفهوم التحليل. وتدل كلمة التحليل Analysis على معنى التقسيم والتفكيك، لكن يختلف معناها باختلاف الشيء الذي يفكَّك وباختلاف النتائج التي نتوصل إليها، فقد يكون التحليل واقعيًا إذا كان الشيء المحلل شيئًا واقعيًا مثل الكيمياء، وقد يكون عقليًا يقوم على استنباط قضية من أخرى مثل التحليل الرياضي[1]. والتحليل فى منحاه اللغوى مأخوذ من مادة «حلل» التى تفيد كلمة فك كل ما هو مركب إلى عناصره البسيطة.

في قاموس لسان العرب مادة «حلل» وفي قاموس مختار الصحاح باب «رد»، فهي تعني حل الشيء أو فك المركب إلى عناصره التى يتكون منها. فأن تحلِّل يعني أن «تفُكّ» من أجل أن تحصل على فهمٍ أفضل لما يتم تحليله، فالكيميائي يهتم بتحليل العناصر الطبيعية المركبة إلى أجزائها المكونة، وعالم النفس يحلل

(20)

الشعور الإنساني، والفيلسوف من جهةٍ أخرى ينبغي أن يكون موضوع اهتمامه هو تحليل الوحدات اللغوية أو التصورات. وهكذا نجد معاني كثيرةً للتحليل، الذي قد يكون عقليًا فيكون موضوعه فكرةً أو قضية، أو تحليلًا ماديًا فيكون موضوعه عنصرًا أو شيئًا من الأشياء، فالتحليل يتحدد، في النهاية، بموضوعه[1].

أما في ماهيته الاصطلاحية الفلسفية، فالمراد منه التوضيح عن طريق إبراز ما هو متضمنٌ من عناصر بسيطةٍ في الموضوع، والتي تكون غامضةً بسبب طريقة تركيبها، ومن حيث المنهج نلاحظ أن التحليل لا يستخدم من لغة الحياة اليومية إلا ما هو دقيقٌ منها، والدقة لا يمكن تحصيلها إلا باستخدام لغةٍ متخصصةٍ ولا بد من توافر شرطين فى التحليل. الأول: أن تكون العناصر التي ينتهي إليها التحليل مساويةً للعبارة المحللة. والشرط الثاني: أن تراعى البساطة والدقة في التحليل من حيث الضرورة التي تفرضها طبيعة الموضوع، والموضوع المزمع تحليله، ليس شرطًا أن يكون قضيةً منطقيةً أو رياضية، بل تتسع دائرته لتشمل كل مواضيع العلم والحياة السوسيولوجية والسيكولوجية، بغض النظر عن موضوع التحليل ومادته[2].

التحليل الفلسفي Philosophical analysis من Φιλοσοφική ανάλυση باليونانية، هو مصطلحٌ عامٌ يوصّف تقنيةً يستخدمها

(21)

الفلاسفة في التوجه التحليلي الذي يتضمن «تكسير» (مثل تحليل) المسائل الفلسفية. ويمكن الجدل أن أهم تلك التقنيات هو تحليل المفاهيم (المعروف باسم تحليل مفهومي).

يرتبط التحليل بالتركيب في عمليةٍ جدليةٍ واحدة، وهما لفظان أو مصطلحان فلسفيان يدلان على تقسيم الكل عمليًا أو ذهنيًا، ولا تختص الفلسفة وحدها بالتحليل والتركيب، وإنما العلم أيضًا مثل الكيمياء، والفيزياء، والهندسة. والتحليل منهجٌ ضروريٌ ومرحلةٌ من مراحل الخروج نحو معرفة الكل، والتحليل والتركيب عمليتان متكاملتان في سلم المعرفة. يختلف التحليل عن القسمة في أن التحليل يؤدي إلى اكتشاف العناصر والأصول ولهذا نصل من خلاله إلى العلة، أما القسمة فالأجزاء فيها مقدارٌ من التركيب يساوي مقدار الأصل المحلل، فالقسمة بذلك لا تفسر شيئًا. وهناك نوعان من التحليل هما: التحليل الفلسفي، والتحليل اللغوي[1]:

يقوم التحليل الفلسفي على معرفة النتائج المترتبة عن الفكرة عند تحليلها. ويربط فلاسفة هذا التحليل بين الفكرة ومعناها؛ بحيث يكون للفكرة معنًى عندما يكون لها نتيجة، ويربطون صدق الفكرة بما يترتب عليها من فعل. ويسعى هذا التحليل إلى التقليل من الألفاظ الاصطلاحية؛ لأن هذه الألفاظ الاصطلاحية كثيرًا ما تنحلّ إلى عباراتٍ طويلةٍ من الألفاظ الأخرى المألوفة في الحياة اليومية. ويقوم التحليل المنطقي على تأكيد الصلة بين الفلسفة والمنطق، ويؤكد في الغالب على استبعاد الميتافيزيقا خاصةً عند فلاسفة الوضعية المنطقية، الذين لم يعترفوا إلا بقضايا العلوم الطبيعية

(22)

وقضايا المنطق والرياضيات، وللتحليل المنطقي ثلاثة موضوعات هي: تحليل المفاهيم العلمية، تحليل القضايا والبديهيات والفروض أو المبادئ، تحليل الأنظمة العلمية أو النظريات[1].

مصطلح التحليل اللغوي يترادف ومصطلح الفلسفة اللغوية في الدلالة، فإذا استعمل أحدهما أو كلاهما فلا يعنى سوى «منهج» لحل مشكلاتٍ فلسفيةٍ عن طريق العناية بالاستعمال العادي لكلماتٍ معيّنةٍ ترتبط بالمشكلة المطروحة للبحث. ويقوم على شرح المفردات وتحديد معاني الألفاظ عن طريق اللغة ومعاجمها، أي تشريح الجسم اللفظي لبيان ما يمكن لهذه العبارات من معنى، والفيلسوف التحليلي لا يُعنى بالألفاظ ولا بمناقشة تصوراتنا والواقع نفسه. ولا يعني ذلك أن يكون التحليل هو مجرد مسائل النحو، إنه يناقش ذلك عن طريق فحص الصور اللغوية، الألفاظ بالنسبة للتحليليين ليست مجرد ألفاظ، بل هي أفضل طريقةٍ لمناقشة المسائل الفلسفية عن طريق ترجمة هذه المسائل إلى الصور اللغوية[2].

(23)

المبحث الأول: معاني التحليل في المعاجم والموسوعات الفلسفية:

وإذا ما انتقلنا إلى المعاجم الفلسفية المختلفة التي تناولت التحليل، نجد المصطلح كما ورد في اللغات المختلفة، فهو في الفرنسية Analyse وفي الإنكليزيةAnalysis، ويطلق عليه Analyticeفي اللاتينية وفي اليونانية Analusis، وهو التحليل عكس التركيب، ويعني إرجاع الكل إلى أجزائه. فإذا كان الشيء المحلل واقعيًا سُمّي التحليل حقيقيًا أو طبيعيًا، وإذا كان ذهنيًا سمي التحليل خياليًا.

وينقسم التحليل إلى تحليلٍ تجريبيٍ وتحليلٍ عقلي، فالتحليل التجريبي هو الذي يعوّل عليه في الطريقة التجريبية بمراحلها المختلفة من ملاحظةٍ وتجربةٍ واستقراء. أما التحليل العقلي أو الرياضي فهو أن تؤلف سلسلةً من القضايا أولها القضية المراد إثباتها، وآخرها القضية المعلومة، بحيث إذا ذهبت من الأولى المراد إثباتها إلى الأخيرة (أي المعلومة) كانت كل قضيةٍ نتيجةً ضروريةً للتي بعدها، وكانت القضية الأولى نتيجةً للقضية الأخيرة وصادقةً مثلها.

يحدد صليبا بعد ذلك التحليل المتعالي عند كانط، وهو علم الصور القبلية التي يتألف منها العقل، ويقوم على تحليل المعرفة للكشف عن المبادئ والمفاهيم القبلية التي تجعل المعرفة ممكنةً، وهو أحد قسمي المنطق المتعالي. ولفظ التحليلي Analytique، يعني نسبةً إلى التحليل، والحكم التحليلي عند كانط هو القضية الحملية، التي يكون فيها المحمول داخلًا في تضمُّن الموضوع،

(24)

خلافًا للحكم التركيبي الذي يكون فيه المحمول زائدًا على تضمُّن الموضوع.

ولا يختلف مصطلح «تحليل» كما ورد في المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، بإشراف الدكتور توفيق الطويل، عما جاء عند جميل صليبا، هو منهجٌ عامٌ يراد به تقسيم الكل إلى أجزائه وردّ الشيء إلى عناصره المكونة له. ومنه الرياضي، ومنه الطبيعي، ويستعمل أصلًا في الكيمياء. ومنه التحليل النفسي PsychoـAnalysis (فرويد)، والتحليل القصديAnalyse Intwntiinolle عند (هوسرل)، وتحليل الظواهر العقلية، والتحليل النحوي Analyse grammaticae، ومنه التحليل المنطقي Analyse Iogique، ويراد به تحليل الألفاظ لمعرفة معانيها بالدقة وإزالة ما فيها من لبس، والتحليل الترنسندالي الذي يريد به كانط دراسة الصور الأولية للإدراك الذهني، وتقوم على تحليل المعرفة للكشف عن المبادئ والمعاني الأولية التي تجعل المعرفة ممكنةً، وهو عنده أحد قسمي المنطق الترنسندالي[1].

هناك معانٍ كثيرةٌ متعددةٌ للتحليل، مما يؤدي، كما يرى موسى وهبة، إلى شيءٍ من التناقض والاضطراب، فهو مصطلح، شأنه شأن المصطلحات الأساسية في الفلسفة، يعاني من اضطرابٍ في الدلالة يجعله متضمنًا لمدلولات متضاربة، إن لم نقل متناقضة. هذا الحكم يرجع إلى أن معاجم الفلسفة المتداولة، تساهم في زيادة هذا الاضطراب، حيث تقتصر، في شرح المعاني المتخصصة، على الخلاصات دون الولوج إلى المقدمات المشتركة. ومن هنا ينشأ ما

(25)

لا يقل عن عشرة معانٍ للتحليل، أو عشرة استعمالاتٍ مختلفةٍ أو متباينةٍ على النحو التالي، فهو تارةً رد المركب إلى أجزائه أو عبارةٌ عن مجرد التقسيم، وهو طورًا نهجٌ دراسيٌ متفحصٌ ومستقصٍ يؤدي إلى التوليف أي إلى ضده، كما في تحليل النصوص. وهو غالبًا ما يبدأ بالمعروف المشاهد، أو أحيانًا ما ينتهي بالمعروف والمشاهد. وهو حينًا بمعناه الرياضي الجبري، وحينًا آخر بمعانيه النفسية، وحينًا ثالثًا بمعناه المنطقي. وهو أخيرًا شعارٌ سياسيٌ ـ نظري: التحليل الملموس للواقع الملموس[1].

  والمهم فيما كتب موسى وهبة، هو أن كتابات كبار الفلاسفة لا تخلو من مثل هذا الاضطراب، سواء أشارت إليه أم لم تشر. ويستشهد على ما يذهب إليه بنصين أحدهما للفارابي والآخر لكانط. يرى وهبة أن التحليل فيه ضربٌ من التعسف؛ لأنه إذا كان من المفهوم أن يقسم المركب إلى أجزائه فيكون التحليل تقسيمًا، فإنه من غير الواضح بذاته أن يكون اسم الشيء مركبًا من عناصر تعريفه أو حده. ما نزال بحاجة إلى نظريةٍ في التحليل تزيل هذا الإشكال المتوارث منذ تسمية كتاب أرسطو، والتحليلات الأولى والتحليلات الثانية، الأنالوطيقا[2].

  ويشير وهبة إلى أن كانط يستشعر هذا الغموض في استعمال لفظ «التحليل»، ويشير إليه في مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة، فهو يكتب في هامش الفقرة، إن المنهج التحليلي بوصفه مقابلًا

(26)

للمنهج التوليفي هو شيءٌ مختلفٌ تمامًا عن مجموعة من القضايا التحليلية، وتعريف التحليل أننا نبدأ من الشيء الذي نبحث عنه باعتبار أنه معطًى لنا، ثم ننتقل إلى الشروط وحدها التي تجعل هذا الشيء ممكنًا. وفي أغلب الأحيان نحن لا نستخدم في هذا المنهج التعليمي غير القضايا التوليفية. إن كلمة تحليلي تشير أيضًا إلى جزءٍ من الأجزاء الرئيسية في المنطق. وهذا الجزء يمثل عندئذِ منطق الحقيقة في مقابل الديالكتيك، دون النظر حقًا إلى المعارف التي تنتمي إليه هل هي تحليليةٌ أم توليفية؟

  ويرى وهبة أنه لا بد من منهجٍ يرد المعاني المتعددة والمتنوعة إلى وحدةٍ معقولة؛ لا بد من توليفٍ يستخرج من معاني التحليل المختلفة فكرة التحليل التي هي واحدةٌ في نصوص الفلسفة المعروفة. ويرى مع هيغل أن التحليل ينطلق من الملموس العيني، أو المعطى العقلي، إلى العناصر المكونة له، بينما يختلف الفلاسفة في تعيين ما هو الملموس وفي اسمه، وفي تعيين العناصر المكونة وتسميتها، ولكنهم لا يختلفون في المسار المسمى تحليلًا. فهو يتحدد عندهم سلبًا بأنه عكس التوليف، أي الانطلاق من العناصر إلى الكلي العام[1].

  وينبهنا إلي أنه ليس من الدقة قبول: إن التحليل هو رد الكل إلى عناصر، لأن ذلك لا يصح إلا بفهمٍ معينٍ للكل، أي يُفهم باعتباره هو الملموس، إذ ليس من المناسب كما يؤكد تسمية الانتقال من العام إلى الخاص تحليلًا بل استدلالًا أو استقراءً كاملًا بالمعنى المعاصر. ونخلص من هذا إلى أن المنهج التحليلي ينحلّ من تلقاء

(27)

ذاته، فهو تحليلي لأنه ينطلق من المعطى إلى شروط إمكانه (بصرف النظر عن صيغة قضاياه).

  خلاصة القول عند موسى وهبة إن التحليل، كمصطلحٍ فلسفي، يُطلق على نهجٍ معرفيٍ أو عمليةٍ معرفيةٍ تبدأ من المعطى (العقلي أو الحسي) لتصل إلى أجزائه المكونة أو عناصره أو أسبابه وشروطه، حسب اختلاف الموضوع والمذهب الفلسفي. فما نصل إليه هو بالضرورة أعم لكونه يوجد كذلك في معطيات أخرى مشابهة وإلا انتفت الحاجة إلى التحليل[1].

ونتوقف في نهاية هذا المبحث لبيان معنى التحليل في معجم أندريه لالاند الفلسفي، الذي يقدم لنا عدة معانٍ للتحليل هي:

أولًا: معانٍ متعلقةٌ بفكرة التفكيك: (أ) تفكيك كلٍ إلى أجزائه، إما ماديًا: «التحليل الكيميائي»، وإما فكريًا: «التعريف هو تحليل مصطلح». (ب) هو كل طريقةٍ أو دراسةٍ تتضمن فحصًا إدراكيًا حتى ولو أدت بمجملها إلى توليف. (ج) «تحليل نص». وهذا المعنى الذي يشمل التفكيك وإعادة التركيب، هو الذي ذهب إليه كوندياك Condillac، الذي يرى أن التحليل أو المنهج التحليلي يقوم على «النظر في نظامٍ تعاقبيٍ إلى صفات شيءٍ، حتى تعطي في العقل النظام المماثل الذي توجد فيه». يرى تين أن «حلل يعني ترجم، يعني لاحظ استنادًا إلى دلالاتٍ متميزة.. فلكي تعرفوا الطبيعة، عليكم بحيوان، بنبتة، بمعدن، وقوموا بتسجيل خصائصه، وعندها سترون أن كلمة طبيعية تظهر في اللحظة التي تجمعون فيها جملة الحوادث المهمة والمتمايزة».

(28)

ثانيًا: معانٍ متعلقةٌ بفكرة الحل: (د) «يكمن التحليل في وضع سلسلة قضايا بدءًا من القضية التي يُراد البرهان عليها، وصولًا إلى قضيةٍ معلومة، وبما أننا ننطلق من الأولى، فإن كل واحدةٍ من القضايا تكون محصلةً ضروريةً لتلك التي تليها؛ فيترتب أن تكون الأولى محصلة الأخيرة، وتاليًا تكون صحيحةً مثلها».

«منهج تحليلي»، يستعمله هاملين للدلالة على مجمل الطرق المنطقية التي «تكون» أو يبدو أنها تكون، شبه متبعةٍ في التفكير العادي: حكم، استقراء، قياس. ويضعه مقابل «المنهج التوليفي» الذي يتقدم من خلال الأطروحة ونقيض الأطروحة والتوليف.

في الرياضيات: هناك الهندسة التحليلية، وهي الهندسة التي تترجم الأشكال والخصائص الهندسية بواسطة التحليل (و)، أي بواسطة الجبر، معبرةً عن كل نقطة شكلٍ بإحداثياتها. تقابل الهندسة «التركيبية»، «التوليفية»، التي تستند إلى الأشكال والصور ذاتها، مُستعينةً بالحدس.

اللغة التحليلية: هي التى تنزع إلى فصل الفكرة الرئيسة عن متعلقاتها، وذلك بالتعبير عن كلٍ منها بكلمة مميزة، والتي تميل إلى ترتيب الكلمات وفقًا لراتوبٍ منطقيٍ متعينٍ سابقًا. في المقابل، اللغة التوليفية هي التي تميل إلى جمع عدة أفكارٍ في حدٍ واحدٍ مركب، وإلى بناء الجملة بناءً يُشكل لوحةً معينة، لا يعقلها إلا فعل العقل الذي لا يقبل تجزئة.     

 يقدم لنا أندريه لالاند تعليقًا هامًا حول «تحليل Analyse»، يبدو لنا، لمزيد من الإيضاح، مفيدًا تناوله هنا فهو يقدم لنا مقطع

(29)

دوهاميل، يقول: «عندما يتعين علينا إيجاد البرهان على قضيةٍ معلنة، سنبحث أولًا عما إذا كان يمكن استنتاجها كمحصلةٍ ضروريةٍ لقضايا مسلمٍ بها، وعن الحالة التي سيتعين فيها التسليم بها، هي ذاتها، وتاليًا ستكون مبرهنة. وإذا لم نُدرك ما هي القضايا المعلومة التي يمكن استخلاصها منها، فسوف نبحث عن القضية غير المسلم بها، والتي يمكن استخلاصها منها، وعندها ستؤول المسألة إلى إثبات حقيقة هذه الأخيرة ـ لئن أمكن استخلاص هذه الأخيرة من قضايا مُسلمٍ بها، سيتم الاعتراف بصحتها، وتاليًا، بصحة القضية المقترحة، وإلا سنبحث عن القضية غير المسلم بها بعد، والتي يمكن استخلاصها منها»، وعندها ستؤول المسألة كما يرى إلى برهان حقيقة هذه الأخيرة. وهكذا، سنتابع حتى نتوصل إلى قضيةٍ معترفٍ بصحتها؛ وعندئذٍ سيجري البرهان على حقيقة القضية. «إن هذه الطريقة، التى تُسمى تحليلًا، تكمن في إقامة سلسلة قضايا، إلخ»[1].

وحول مختلف معاني كلمتَي تحليل وتوليف analyse et snthese لدى قدماء علماء الهندسة، راجِع بول تانري Paul Tannery، الملحق الثاني لـ «Notions da mathemtiques de Jules Tannery»، حيث يفرّق فيه بين: التحليل ـ الإجرائي (= تفكيك)، التحليل ـ المنهجي {البرهاني (الناقص) الريبي}. ويرجعنا إلى كتاب:

 (Pierre Boutroux، «L’ideal scientifique des mathematiciens» p. 123 et suiv)[2].

(30)

المقصود بالتحليل في الفلسفة عند مراد وهبة هو تحليل الوحدات اللغوية، وكيفية تناول اللغة، ومعاني الكلمات، وكيفية تطور اللغة. واللغة المطلوب تحليلها ليست هي اللغة العادية، وإنما اللغة الصناعية لأنها أكثر دقة. الفلاسفة التحليليون يؤثرون تأسيس تصوراتٍ كفيلة بحل المشكلات الفلسفية، بيد أن نفرًا من الفلاسفة التحليليين يرى أن اللغة المصطنعة ليست كفيلةً بحل المشكلات الفلسفية، وأن تناول هذه المشكلات ينبغي أن يتم استنادًا إلى اللغة الطبيعية.

إن الفلسفة التحليلية استغرقت من الزمان ثمانين عامًا، وهذه فترةٌ زمنيةٌ وجيزة، ومع ذلك فنتائجها الفلسفية خصبةٌ للغاية. فقد أحدثت ثورةً في الفلسفة، وهي ثورةٌ لمّا تنتهِ بعد. فليس في إمكان أي فيلسوفٍ تجاهل أهمية اللغة عند محاولة المسائل الفلسفية، ويبقى بعد ذلك تحديد مستقبل الفلسفة. هل هو محصورٌ في إزالة جميع الألغاز الفلسفية على نحو ما يرى فتجنشتين، أم هو محصور في تأسيس ميتافيزيقا تستند إلى التحليل اللغوي على نحو ما ذهب ستروسن؟[1]

(31)

المبحث الثاني: الفلسفة التحليلية، خصائصها واتجاهاتها

تمهيد

يتناول كولنجوود التحليل في كتابه مقالٌ في المنهج الفلسفي حين يميز بين نزعتين، الأولى النزعة النقدية، والثانية التحليلية، التي ترى أن الفلسفة لا تستطيع تأسيس مواقف إيجابية أو بنائية. وأنه لم يبقَ شيء للفلسفة إلا مهمة تحليل المعرفة التي لدينا بالفعل: فتتناول بالتحليل قضايا العلم، وقضايا الحس المشترك، كاشفةً عن بنيتها المنطقية. ويرى أن من الصعب الدفاع عن النظرة التحليلية أكثر من الدفاع عن النظرة التقليدية. وأنه لو طُلب من شخصٍ يعتنق النظرة التحليلية أن يعرض موقفه الفلسفي، فسوف يبدأ بتقديم مجموعةٍ من القضايا تنتمي لمجال الحس المشترك، ويظن خطأً أن بعض الفلاسفة يشككون فيها أو ينكرونها. إلا أن مهمة الفلسفة، بناءً على هذه النظرة، هي تحليل قضايا من هذا القبيل. إن النظرة التحليلية في الفلسفة تشتمل على فئة من القضايا: لا هي معطيات التحليل (قضايا الحس المشترك المطلوب تحليلها) ولا نتائجها (القضايا التي انحلت إليها هذه المعطيات)، وإنما المبادئ التي تسير وفقًا لها عملية التحليل، وبعض هذه المبادئ منطقي، مثل المبدأ الذي يقول إن القضية المركبة يمكن أن تنقسم إلى قضيتين بسيطتين أو أكثر، والبعض الآخر من المبادئ ميتافيزيقي[1].

ويرى أن فئة القضايا الوحيدة التي تجاوز أي شكٍ والتي ينبغي

(32)

أن تشملها عبارة الفيلسوف التحليلي هي تلك التي تشمل المبادئ التي تسير عليها عملية التحليل. وتؤلف هذه المبادئ نظريةً خاصةً بطبيعة الفلسفة ومنهجها، ومن ثم فأيًا ما كان على الفيلسوف التحليلي أن يخبرنا به عندما يُطلب منه عرضٌ لموقفه الفلسفي، فمن الواضح أن واجبه الأول هو شرح هذه الأمور. أي إن من يؤيد وجهة النظر التحليلية ينبغي عليه أن لا يهمل فحص أو عرض مبادئه الخاصة التي يسلّم بها. كما تقول سوزان ستبنج L. S. Stebbing في كتابها منهج التحليل في الميتافيزيقا“The Method of Analysis in Metaphysics”، حيث تذكّرنا بأن المنهج التحليلي قد استخدمه كثيرٌ من الفلاسفة المشهورين في إنجلترا لمدةٍ تزيد عن عشرين عامًا، لكن لم يعرف عن أي منهم «المقدرة على إثارة» تساؤلاتٍ عن ماهية الافتراضات المسبقة التي يرتكز عليها المنهج التحليلي، وعما إذا كان من الممكن تبريرها[1].

ويؤكد كولنجوود أن هاتين النظريتين (النقدية والتحليلية)، ينهاران عند فحصهما ولنفس السبب. فكلٌ منهما لا تزعم أنها تقدم منهجًا فحسب، بل منهجًا لعمل شيءٍ آخر، ففي جانبٍ منه يتجه نحو هدم الفلسفات الزائفة، وفي جانبٍ آخر يحدد ما الذي نعنيه، على وجه الدقة، عندما نصوغ عبارةً ما؟ وفشلت النظريتان في الاعتراف بأن هذه المناهج تتضمن مبادئ، ومناهج نسقية، وأن نزعتها الشكية المعلنة ما هي إلا غلالةٌ مستترةٌ فقط لإعفاء تلك المبادئ من النقد، أو حتى من العرض الصريح، في الوقت الذي تزعم فيه صحتها

(33)

وكفاءتها. لا يمكن أن يُسمح للفيلسوف النقدي أو التحليلي ـ مهما كان مدى تقديرنا له بوصفه شارحًا أو ناقدًا لفلسفة الآخرين ـ أن يبدأ حتى مهمة صياغة موقفٍ فلسفيٍ أو برنامجٍ خاصٍ به[1].

إن اهتمام الفيلسوف التحليلي ينصبّ على تحليل اللغة وليس الواقع. وبطبيعة الحال فإن صاحب الفلسفة العلمية يقرر أن الفيلسوف المعاصر ذا النزعة العلمية متواضعٌ، يترك الخبز للخباز يُنضجه على النحو الأكمل. إنه لا شأن له بـ»شيءٍ» من أشياء الوجود الواقع، بل يحصر نفسه في «الكلام»، كلام هؤلاء العلماء، ليحلل منه ما قد تركوه بغير تحليل، وبخاصة إذا كان في العبارة «لفظٌ» يثير المشكلات ويكون مدار الاختلاف. ينصب التحليل إذًا على الكلام والأقوال، ومن ثم هو تحليلٌ على المستوى اللغوي. والتحليل يقع على العبارات التي تثير المشكلات والاختلاف[2].

ويشير عبد القادر إلى خاصيةٍ تحليليةٍ أخرى تتحدث عنها الفلسفة العلمية، وهي التحليل المنطقي، الذي يختلف عن التحليل اللغوي؛ لأن التحليل المنطقي لعبارةٍ ما هو شيءٌ مستقلٌ عن مضمون العبارة وفحواها، إذ يتناول صورة التركيب وما فيها من علاقات، ويفرغ من العبارة فحواها. إن خاصية التحليل المنطقي هنا تنصب على الصورة فحسب، ولا علاقة لها بالمضمون المادي للقضية العلمية، إذ يتناول التحليل المنطقي حسب هذا الرأي العلاقات القائمة بين الحدود. فإذا كان التحليل يقوم على تناول

(34)

معادلةٍ علميةٍ، أو قانونٍ يتعلق بواقعةٍ محددة، لا يهم فيلسوف العلم في هذه الحالة الدلالة الواقعية المادية، بل كل ما يهمه الدلالة الصورية، أو المعنى الصوري فحسب. وهذا يشير إلى نزعةٍ صوريةٍ تتجه إلى ابتلاع المنطق المادي، الذي يجعل الظواهر والوقائع مدار حديثه، وتحويله إلى صورةٍ رمزيةٍ بحتة، لا علاقة لها بالواقع، فكأن الفيلسوف العلمي في هذه الحالة أفرغ العلم من محتواه ومضمونه، ويصبح العلم وفق ذلك مجرد معادلاتٍ صورية لا علاقة لها بالظواهر الخارجية[1]. وقد ترتب على هذه الخاصية ثلاثة نتائج:

الأولى: تتمثل في أن دعواه الأساسية هي أن الفلسفة ينبغي أن تكون تحليلًا صرفًا، تحليلًا لقضايا العلم بصفةٍ خاصة، لكي نضمن لها أن تساير العلم في قضاياه، وأن تفيد في توضيح غوامض تلك القضايا.

الثانية: أننا إذا وضعنا مهمة التحليل نصب أعيننا انتهى بنا الأمر إلى تحديدٍ لمهمة الفلسفة تحديدًا يجعل منها علمًا.

الثالثة: أن الفلسفة العلمية وثيقة الصلة بالعلم فحسب، ذلك لأن الفلسفة بالمعنى المحدد الذي نريده لها، لا تورط نفسها في مجالات العلوم الخاصة، بل تجعل مهمتها تحليلًا منطقيًا للمدركات العلمية والقضايا العلمية، وبهذا تصبح الفلسفة فلسفةً للعلم، أي تصبح منطقًا للعلم، أو تحليلًا له، وهدفها في التوضيح لا الإضافة الجديدة[2].

(35)

خصائص الفلسفة التحليلية[1]:

من الصعب تمامًا أن نقدم تعريفًا دقيقًا للتحليل، وأن نضع جميع الخصائص التي تميز الفلسفة التحليلية في عبارةٍ واحدة، كما يذكر ذلك معظم من سعى إلى تحديد تعريفٍ للتحليل؛ ذلك لأن الفلاسفة التحليليين لا يمثلون نمطًا واحدًا من الفلاسفة يتفقون على دوافع تفكيرهم وأهدافه، بل ليس هناك في الواقع اتفاقٌ عامٌ حتى على الاسم الذي يميز تلك الحركة الفلسفية[2].

إن لفظ «التحليل» لم يكن له معنًى واحدٌ بعينه عند الفلاسفة التحليليين، وإن من الصواب أن نقول: هناك «فلاسفةٌ تحليليون» لا «فلسفةٌ تحليلية». يرى أميرمان أن «من الخطأ التحدث عن «الفلسفة التحليلية» كما لو كانت من جنسٍ واحد، فليس هناك فلسفةٌ وحيدةٌ للتحليل، وليس هناك «خطٌ حزبيٌ» تحليلي. إن لفظ «التحليل» يُستخدم كطريقةٍ لتجميع عددٍ من الفلاسفة يتقاسمون اهتماماتٍ وإجراءاتٍ معينة». ولو شئنا أن نصف الفلسفة التحليلية بأنها «فلسفة التحليل» لما قدم لنا هذا الوصف الكثير عن طبيعة هذه الحركة الفلسفية؛ لأن لفظ «التحليل» يستخدم بكثرةٍ وبطرقٍ مختلفةٍ في مناسباتٍ كثيرةٍ للغاية، على وجهٍ يصبح فيه هذا اللفظ في الغالب بلا معنى. كذلك فإن البحث في طبيعة الفلسفة التحليلية

(36)

بهذه الطريقة لا بد أن يبدأ بتحليل مفهوم «التحليل»، ولو حدث ذلك لكان من الضروري تحديد نوع التحليل المطبق في تحليل مفهوم «التحليل»، وهكذا يظهر «التراجع إلى ما لا نهاية» بشكلٍ واضحٍ تمامًا إذا ما اتبعنا هذا الإجراء[1].

إن مصطلح «التحليل» مصطلحٌ مراوغ، ولم يوجد قط تعريفٌ «جامعٌ مانعٌ» له، كما لا يوجد، بين من تحيزوا له واستخدموه، إجماعٌ كافٍ على ما يعنيه، فلدينا، على سبيل المثال، كتاب جان ولنسكي Jan Wolenski: Handbook of Epistemology، الذي يقدم لنا فيه قائمةً تشتمل على 80 تفسيرًا وتعريفًا مقترحًا للتحليل والتحليلية. ولدينا أيضا كتاب هانز جوهان جلوك HansـJohan Glock الذي صدر في العام 2009 بعنوان «ما هي الفلسفة التحليلية؟»، «What is Analytic Philosophy?»، الذي عزف فيه عن تقديم تعريفٍ لما يعنيه «التحليل» في الفلسفة، ولكنه اعتمد على تقديم «مضمونٍ» مع عرضٍ للعوامل الكثيرة والمتعددة التي يُنظر إليها، وبصورةٍ عامة، على أنها تؤلف ما اصطلحنا على وصفه بالفلسفة التحليلية[2].

إن من الخطأ البين الحديث عن «فلسفةٍ تحليليةٍ» وكأنها فكرٌ متجانس. فليس هناك فلسفةٌ تحليليةٌ واحدة. فكلمة «تحليلية» إنما نستخدمها لنجمع بها عددًا من فلاسفةٍ مختلفين يشتركون في اهتماماتٍ ومناهج معينة، وهذا هو عنصر الاتفاق الذى ينبغي التركيز عليه، ولعل هذا ما جعل البعض يطلق تسمية «حركة

(37)

التحليل» movement على هؤلاء الفلاسفة، أفضل من اعتبارهم مدرسةً school، لأن في هذا تأكيدًا لحقيقة أن الفلسفة التحليلية على الرغم من سماتها المميزة الواضحة فإن منابعها وتياراتها متعددة. إن الحركة التحليلية في الفلسفة ظاهرةٌ معقدة، يصعب تقديم تعريفٍ دقيقٍ لها، ومن الأفضل أن نحدد ملامح رئيسيةً للاتجاهات التحليلية. وينقل مهران عن «سكوليموفسكي» ملامح «الفلسفة التحليلية»، التي تتميز بالخصائص التالية:

1. اعترافها بدور اللغة الفعال في الفلسفة، أو ما يمكن أن نسميه اتجاهها الشعوري المتزايد نحو اللغة.

2. اتجاهها إلى تفتيت المشكلات الفلسفية إلى أجزاءٍ صغيرةٍ لمعالجتها جزءًا جزءًا.

3. خاصيتها المعرفية.

4. المعالجة البين ذاتية Intersubjectivity لعملية التحليل.

إن هذه الخصائص تكفي لتمييز هذه الفلسفة ولوصف أي فلسفةٍ بأنها «تحليلية». وبالنسبة للخاصية الأولى، إن اللغة في الفلسفة التحليلية لا بد من فهمها لا بوصفها وسيلةً فحسب، بل بوصفها أيضًا هدفًا من أهداف البحث الفلسفي، وهذه النظرة إلى اللغة يمكن عدها عنصرًا جديدًا في الفلسفة التحليلية وخاصيةً من خصائصها الرئيسية. إن الاهتمام الكبير من جانب بعض الفلاسفة التحليليين باللغة، قد جعل بعض الباحثين يعرفون الفلسفة التحليلية بأنها مجرد دراسةٍ للغة[1]. والحقيقة أن الفلسفة التحليلية تعترف بالدور

(38)

الحيوي الذي تلعبه اللغة في الفلسفة، ولذلك تهتم بدراسة اللغة. يدرس الفيلسوف التحليلي اللغة لا من أجل صياغة فروضٍ علميةٍ عنها، بل بالأحرى لأنه يعتقد أن مثل هذه الدراسة أداةٌ ذات قيمةٍ كبرى في مساعدته على تحقيق هدفه الأولي في حسم المسائل الفلسفية.

إن الفلاسفة التحليليين مع كونهم متفقين على أهمية دراسة اللغة، فإنهم مختلفون في نوع اللغة التي ينبغي دراستها، وقد انقسموا في ذلك إلى فريقين: ذهب فريقٌ منهم إلى القول بأن التحليل الفلسفي يتوقف على تأليف لغةٍ اصطناعيةٍ جديدة، ورأى الفريق الآخر أن مثل هذه اللغات الاصطناعية لا تساعد كثيرًا على حل المشكلات الفلسفية، إذ إن هذه المشكلات يمكن معالجتها على أفضل وجه بالتحليل الدقيق للغة الطبيعية الجارية التي نستخدمها في عملية التواصل مع الآخرين، ولهذا السبب يسمى هذا الفريق باسم «فلاسفة اللغة الجارية». كان الفلاسفة التحليليون ـ فيما يقرر تشارلزوورث ـ يمارسون الفلسفة بطريقةٍ مختلفةٍ تمامًا عن الفلاسفة التقليديين، وأوضح ما في طريقتهم هو عادتهم في ترجمة المشكلات الفلسفية إلى حدودٍ لغويةٍ أو نحوية[1].

وينتقد محمد مهران هذا التركيز على اللغة، خاصةً عند مور وفتجنشتين (المتأخر) ومدرسة أكسفورد قد بولغ فيه مبالغةً كبيرةً حتى أصبح من عيوب حركة التحليل بوصفها حركةً «فلسفية».

والخاصية الثانية من خواص رجال التحليل هي طريقتهم في تفتيت المشكلات الفلسفية بغرض معالجتها، فهم يفضلون أن

(39)

يكونوا على معرفةٍ تامةٍ بالمسائل الصغيرة، تلك التي لا بد من أن تؤدي في نظرهم إلى الإتقان والدقة، وهذا الاتجاه ضد الاتجاه الشمولي الذي يهدف إلى بناء التأليفات الفلسفية الشامخة. فتكون الإجابة على المشكلات الكبيرة مشتقةً من التحليلات الدقيقة للمشكلات الفرعية الجزئية والتفصيلية. ومن هذه الناحية تكون الفلسفة التحليلية فلسفةً بدون افتراضات مسبقة.

والخاصية الثالثة للفلسفة التحليلية التي يحللها مهران هي ذلك النمط المعرفي Cognitive، الذي تركز عليه، أنها تتجه نحو الكشف عن العالم الخارجي، وذلك بفحصه من أجل اكتساب المعرفة، وليس من أجل أي سببٍ آخر. وفضلًا عن هذه الصفة المعرفية، تهدف الفلسفة التحليلية إلى أن تكون علميةً، إلا أن اسم «الفلسفة العلمية» لا يجب استخدامها كاسم آخر للفلسفة التحليلية. ويلزم عن هذه الخاصية للفلسفة التحليلية واقعيتها الإبستيمولوجية، اتجاهٌ معينٌ نحو التجريبية. لكن لا يجب أن نفهم من ذلك أن فلسفة التحليل تعد تطورًا للنزعة التجريبية الإنجليزية كما بدت عند «لوك» و«بيركلي» و«هيوم» إلخ[1].

الخاصية الرابعة للفلسفة التحليلية هي معالجتها البين ذاتية لعملية التحليل، فهي تستخدم نوعًا من التحليل له معناه المشترك بين الذوات بالنظر إلى اللغة التي يتحقق فيها، واستخدام هذا النمط من التحليل يميزها عن غيرها من الفلسفات الأخرى التي تقيم بحثها على تحليلاتٍ مختلفة، فالفلسفة الفينومينولوجية ـ مثلًا ـ تتصور التحليل على أنه «النفوذ إلى الماهية»، وتتصور الوجودية

(40)

التحليل على أنه كشف عن «البعد الوجودي». فالتحليل في هاتين الحالتين لا يقوم على اللغة ولا يرتبط بها بشكل موضوعي، بل بالأحرى يقوم على الخبرة الفردية والشخصية. ويظهر من ذلك أن اللغات ـ وهي وسائل التحليلات الذاتية ـ التي لا تتقرر فيها معاني الألفاظ إلا بالشخص الذي يستخدم هذه اللغات لا بد وأن تكون عديمة الجدوى بالنسبة لأي فلسفةٍ معرفيةٍ متسقة[1].

في كتاب زكي نجيب محمود داعية التجريبية العلمية والوضعية المنطقية الذي أعلن فيه ما يتبناه من فلسفة، تظهر حقيقتان هامتان هما: سيادة التحليل الفلسفي في الفكر المعاصر، وإعلان بداية حضوره في الفكر العربي. ذلك ما نجده في كتاب خرافة الميتافيزيقا، الذي تغير عنوانه بعد النقد والهجوم الحاد عليه والرفض له، وتحول العنوان إلى موقفٌ من الميتافيزيقا. وفي الحالتين والعنوانين رفضٌ للميتافيزيقا وبرنامجٌ للفلسفة التحليلية التي صار لها الرواج والهيمنة والسيادة في القارة الأوروبية، وأعلن عنها الفيلسوف العربي في كتابه وطرح برنامجها في الفصل الأول من كتابه تحت عنوان «الفلسفة تحليل»، وتأتي الفصول التالية تفصيلًا للمنهج وتطبيقًا له[2].

إن «المشكلات الفلسفية» المزعومة، في رأي التحليلي العربي، إنما نشأت من طريقة استعمال «الفلاسفة» للألفاظ والعبارات، إذ هم يستخدمون الألفاظ والعبارات على نحوٍ يختلف عن الطريقة التي اتفق الناس فيما بينهم على أن يستخدموا بها تلك الرموز اللغوية،

(41)

وبذلك تنشأ عباراتٌ ليست بذات معنى مفهوم؛ وقد لا يظهر فيها هذا الجانب إلا بعد التحليل، فتؤخذ عند فلاسفة الميتافيزيقا على أنها «مشكلات» تستدعي التفكير والتأمل، وتنتظر الحل والجواب؛ والحق أنها أخلاطٌ من رموزٍ لا تدل على شيءٍ البتة، فإذا استوجبت منا شيئًا فهو حذفها حذفًا من قائمة الكلام المقبول. ويضيف زكي نجيب لتأكيد ذلك أن كثيرًا جدًا ما نتوهم للوهلة الأولى أن عبارةً معينةً ذات معنى مفهوم، حتى إذا ما حللتها وأمعنت في تحليلها، وجدتها منطويةً على خلاء، بل على ما هو شر من الخلاء؛ لأنها تخدع خديعةً إيجابيةً حين توهمنا أنها ذات معنًى ودلالة، وقد يستتبع معناها الوهمي كثيرًا من أوجه النشاط والعمل، والأمر كله ضلالٌ في ضلال.

واجب الفلسفة الصحيح المفيد إذًا هو نقدٌ وتحليل، نقد وسائل التعبير وتحليل معاني الألفاظ التي يستخدمها الرياضيون والعلماء. إنما ينحصر عملها في تحليل ما تقوله شتى العلوم من قضايا «ليست الفلسفة، فيما يقول فتجنشتين، علمًا بين العلوم الطبيعية، بل موضوعها هو توضيح الأفكار [أي القضايا العلمية] توضيحًا منطقيًا؛ ليست هي بنظرية من النظريات، بل فاعلية»[1].

تعقيب:

تميزت الفلسفة التحليلية بأنها تركز على النمط المعرفي، لأنها تتجه نحو الكشف عن العالم الخارجي عن طريق فحصه ولأجل اكتساب المعرفة وليس لأي سببٍ أخر، وهذا ما يجعلها أقرب إلى الفلسفات العلمية منها إلى الفلسفات التقليدية.

والفلسفة العلمية بمعناها الدقيق هي جزءٌ من الفلسفة التحليلية

(42)

وليس مرادفةً لها في جملتها، وهذا الطابع المعرفي لهذه الفلسفة لزم عنه واقعيتها الإبستيمولوجية واتجاهها نحو التجريب، وهو ما أكده رسل في بحثه عن طبيعة الصدق وفي كتابه مشكلات الفلسفة عندما قال: «إن التحليلية ثورةٌ جاءت لتعيد الفكر الإنجليزي إلى مرآه الأصيل وهو الاتجاه التجريبي، ولا يعني ذلك أن التحليل هو مجرد صورةٍ من صور التجريبية إنما هي ثورةٌ لأنها وضعت الفلسفة ذاتها موضوع التساؤل، وهي بذلك بجانب كونها فلسفةً علميةً هي فلسفةٌ عن الفلسفة، والفيلسوف التحليلي هو فيلسوف الفلاسفة»[1].

ويستدل القائلون بأن التحليلية فلسفةٌ علميةٌ على وجود تقاربٍ بين الاتجاه العلمي والفلسفة التحليلية، وأن معظم الذين مارسوا هذا النوع من التفلسف العلمي بنجاح أمثال رسل، وكارناب، ورايشنباخ هم من الفلاسفة التحليليين.

(43)
(44)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

النشأة التاريخية

والقضايا الإشكالية للتحليل

 

(45)

الفصل الثاني:

 النشأة التاريخية والقضايا الإشكالية للتحليل

تمهيد:

يرتبط التحليل بالفلسفة ارتباطًا وثيقًا، فهو ليس نتاج الفلسفة الحديثة أو المعاصرة، بل هو وليد الفلسفة القديمة، لارتباطه الوثيق باللغة والتصورات التي يحددها الفيلسوف عن العلم، كذلك البحث في المشكلات والقضايا الفلسفية وتوضيحها والمصطلحات وتعريفها. وهناك العديد من الدراسات التي قدمها الباحثون عن التحليل في الفلسفة منذ اليونان وعلى امتداد تاريخ الفلسفة. يمكن إذًا التماس أصول التحليل مع البدايات الأولى للفلسفة، منذ سقراط الذي انصرف مجهوده الفلسفي إلى غايةٍ واحدةٍ هي تحليل بعض الألفاظ المتداولة وخاصةً في مجال الأخلاق وتحديد معانيها التي زعزعها السوفسطائيون بعد سيطرة النزعة الشكية والنسبية المعرفية، وإن كان السوفسطائيون بدورهم يزعمون أن هدفهم هو تحليل المعرفة والبحث في إمكانياتها بعد سيادة النزعة المطلقة في المعرفة والأخلاق.

ويهمنا في هذا الفصل الذي نخصصه لبيان الجذور التاريخية للتحليل بيان مواقف الفلاسفة القدامى والمحدثين من التحليل، حيث تُعد الفلسفة منذ سقراط والسفسطائيين، هي تحليلٌ في المقام الأول.

(46)

وعلى امتداد الأربع فقرات التي يتكوّن منها هذا الفصل نتناول على التوالي: التحليل في الفلسفة اليونانية، خاصة لدى سقراط وأفلاطون وأرسطو، ونخصص الفقرة الثانية للتحليل في الفلسفة الحديثة، مميزين بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية. بينما نخصص الفقرة الثالثة لمؤسس التحليل الفيلسوف الألماني جوتليب فريجه الذي مهّد الطريق للفلاسفة التالين عليه، خاصةً لدى رسل وكارناب. وتدور الفقرة الأخيرة على بيان التمييز بين التحليل اللغوي والتحليل المنطقي، تمهيدًا للفصول التالية.

أولًا: التحليل في الفلسفة القديمة[1]:

كان هدف السوفسطائيين كما نعرف هو تحليل المعرفة والبحث في إمكانياتها في وقتٍ كانت تسيطر فيه النزعة المطلقة في المعرفة والأخلاق، وقد ذكر أفلاطون أن السوفسطائي «بروديقوس» Prodicus كان مهتمًا بالتمييز بين المعاني المختلفة للكلمات، وقد أطلق ـ فيما بعد ـ على هذه الحاجة «مبدأ بروديقوس»، وترجع المكانة الكبرى التي يحتلها «سقراط» في تاريخ الفكر الإنساني إلى استخدامه منهج التحليل، خاصةً في تحليل التصورات الأخلاقية المختلفة مثل: التقوى والشجاعة والعدالة، أما أفلاطون فتكفي

(47)

نظرةٌ عابرةٌ إلى محاوراته الكثيرة لنتبين كيف كان يمارس التحليل بكفاءةٍ عالية، ففي «خارميدس» يحلل قيمتَي العفة والاعتدال، وفي «ليساس» يحلل قيمة الصداقة، أما في «لاخيس» فهو يتناول الشجاعة بالتحليل، وفي «مينون» يحلل الفضيلة، والتحليل يظهر بوضوح خاصة في «بارمنيدس» التي تتألف من أجزاءٍ في كلٍ منها يحلل فرضًا ميتافيزيقيًا مستهدفًا استخراج ما فيه من مضمونات. ومنطق أرسطو ما هو إلا محاولةٌ جبارةٌ أصيلة في التحليل.

انصرف سقراط بمجهوده الفلسفي كله إلى غايةٍ واحدة، هي تحليل بعض الألفاظ المتداولة ـ وبخاصة في مجال الأخلاق ـ وتحديد معانيها، فيحاول ـ مثلًا ـ أن يحدد معنى ألفاظ كالتقوى والشجاعة ونحو ذلك. حاول أولًا أن يتناول كلام الناس في هذا الميدان كما هو، فيأخذ منه عبارةً كما اتفق، فيتناولها بالتحليل وتحديد المعاني ليرى إن كان ما تعوّد الناس قوله في هذا المجال كلامًا متسقًا مفهومًا خاليًا من التناقض، فإن وجده كذلك صح أن يضاف إلى قائمة الحقائق التي تكون علم الأخلاق، وإلا فلا مندوحة عن مراجعته وتصحيحه وتقويمه[1].

والذي يستوقف النظر في هذا الصدد هو أنه لم يكن يعبأ بالوصول من تحليلاته إلى نتائج يقررها، ولم يكن يشعر بشيءٍ من خيبة الرجاء إذا ما وجد تحليله لم ينتهِ به إلى نتيجة؛ ذلك لأن غايته المقصودة باعتباره فيلسوفًا هي عملية التحليل في ذاتها، إذ الفلسفة فعل، هي فاعلية تحليلية وليست بتقريرٍ لنتائج معينةٍ وتوكيدٍ لأحكامٍ

(48)

بذاتها في هذا الموضوع أو ذلك. لم يكن سقراط فيلسوفًا إذا كانت مهمة الفيلسوف أن يقول ويقرر هذه الحقيقة أو تلك عن ظواهر العالم كائنةً ما كانت؛ لكنه كان نموذج الفلسفة الكامل، إذا حددنا معنى الفلسفة بأنها فاعلية التحليل المنطقي لما يقوله الناس في ميادين الفكر المختلفة[1].

يُطلق على منهج سقراط هذا في اكتشاف الماهيات الخلقية أنه تحليلٌ؛ لأنه ينطلق من تحليل السلوك العملي، وهو واقعةٌ ملموسة، بالرجوع منها إلى ما هو دفينٌ في داخلها من مبادئ ثابتة، أي بالرجوع من السلوك إلى مبرراته العقلية باعتبار أن ذلك نوعٌ من رد المركَّب إلى أجزائه، أو مبادئه التي تركب عنها؛ أي إلى ما هو عامٌ فيها[2].

وكذلك كان أفلاطون فيلسوفًا تحليليًا في كثيرٍ مما تعرّض له في كتاباته كما ذكرنا، ومحاورة بارمنيدس مثلٌ جيدٌ لطريقته في التحليل، وهذه المحاورة من أجزاء، كل جزءٍ منها يحلل فرضًا ميتافيزيقيًا ليستخرج منه مضمونه. كما كان أفلاطون تحليليًا خالصًا في غيرها من محاورات، خاصةً في محاورة بارمنيدس. وقد عمد أفلاطون إلى تحليل أقوال من سبقوه من الفلاسفة الطبيعيين الأوائل وكذلك إلى آراء السوفسطائيين ومحاولة بيان فساد آرائهم ومناقشة آراء أستاذه سقراط مناقشةً تحليلية، وهو ما يتضح في محاورته

(49)

الشهيرة الجمهورية، التي حلل فيها طبقات الدولة وشؤون الحكم والسياسة[1].

ويعد منطق أرسطو محاولةً جبارةً أصيلةً في التحليل. فقد جعل موضوعه تحليل هذه الأقوال التي يقولها الناس في شتى نواحي القول، ليعلم القوالب الصورية التي تنحصر فيها أقوال الناس على كثرتها وتنوع موضوعاتها؛ فإذا قال أرسطو: إن القضية تتألف من موضوع ومحمول، فهو إنما يحلل بذلك فكر الناس في عصره (وفي عصور طويلةٍ تلت) بأن الإنسان ليس في مستطاعه أن يتحدث إلا إذا تحدث عن «شيءٍ» ما، فيصفه بهذه الصفة أو تلك[2].

ويرجع الإشكال الذي توارثته الفلسفة إلى كتاب التحليلات لأرسطو، الذي يعرض فيه نظرية القياس والاستدلال ويحدد منهاجية العلم البرهاني. الإشكال وقع لكون الدارسين جمعوا بين الاسم والمهمة، فاعتبروا أن التحليل هو المنطق البرهاني. والواقع أن اسم الكتاب ينطبق على نهج أرسطو أكثر مما ينطبق على مضمون الكتاب. فأرسطو يبدأ المنطق بتعداد أجزاء القول، أي بتحليله ورد الواقعة الملموسة «القول» إلى عناصرها أو أجزائها. ويعرض في التحليلات تحليلًا معرفيًا للاستدلال؛ أي يحلل الاستدلال صعودًا إلى الأسباب والشروط، بل يكون

(50)

قد أحال كل حكمٍ (أو جملةٍ خبرية) إلى عنصرٍ فيها: الحامل والمحمول[1].

كما اتخذ الرواقيون من التحليل محورًا قامت عليه فلسفتهم، فقسموا الموجودات إلى جواهر وأعراض، واهتموا بصفةٍ خاصةٍ بالتحليل الفلسفي، كما اهتموا بالبحث في قضية أصل اللغة والمشكلات الفلسفية التي أثيرت حولها، كما تحدثوا عن مقولات الجنس والعدد والزمن وغير ذلك. ويقول عنهم لايونز: «إن الفلسفة الرواقية على الأخص هي التي قامت بالتحليل المنطقي للغة واستمرت نتائج هذا التحليل في تحديد المقولات النحوية»[2].

ثانيا: التحليل عند الفلاسفة المحدثين:

ويظهر التحليل بصورةٍ محددةٍ في كتابات الفلاسفة التجريبيين من الإنجليز: «لوك» John Locke [1632 – 1704] و«باركلي» Barclay [1649 – 1690] و«هيوم» David Hume [1711 – 1776] وأتباعهم، هم ـ على وجه الإجمال ـ من أولئك الذين نظروا إلى الفلسفة على أنها طريقةٌ في التحليل. إن معظم ما كتبه هؤلاء الفلاسفة يندرج تحت ما يسمى في فروع الفلسفة بنظرية المعرفة، والمفروض فيها أن تحلل ضروب الإدراك المختلفة، بما في ذلك الخيال والاعتقاد والتمييز بين ألوان القضايا المختلفة، وتحليل هذه القضايا وما يرد فيها من مدركات[3].

(51)

وفي الفلسفة الحديثة عمل فرنسيس بيكون F. Bacon [1561 – 1626] على تحليل أخطاء العقل الإنساني وحددها بالأوهام والأصنام. واقتصر باركلي تحليله على ما يقال فقط ورفض اعتبار الإحساسات التي تتلقاها حواسنا من شيءٍ ما مرتبطةً بعنصر، أي أن يكون للشيء الأفكار جوهرٌ مركزيٌ تلتف حوله صفاتٌ مثل قولنا عن القلم «أنه أزرق وصلب أو جوهر، إنما يرتبط بعضها ببعض فحسب بحيث لا يكون لشيء عنه إلا مجموعة إحساساتنا به، متصلًا بعضها ببعض على صورة ما». وكذلك باركلي لا يتعرض ـ في الأغلب ـ إلى إثبات شيءٍ أو إنكار شيء، بل يكاد هو أيضًا يقتصر على تحليل ما يقال، وليس صحيحًا ما هو شائع عنه من أنه أنكر وجود الأشياء المادية كالمقاعد والمناضد، فالذي ينكره هو التحليل الذي تقدم به «لوك» لأمثال هذه الأشياء، أعني أنه أبدل تحليلًا بتحليل. وقد انتقد جورج مور مفهوم التحليل عند باركلي لأنه يقتصر على التحليل اللفظي فقط، ولا يؤمن إلا بوجود الأفكار فقط، ويربط بين الواقع الفيزيقي والواقع الذهني، ويجعل الثاني سببًا للأول، يقول مور: «أنا أختلف مع باركلي الذي يقرر أن الرف وخزانة الكتب وجسدي تكون كلها إما أفكارًا أو تكون الأفكار، وأنه لا يمكن أن توجد أية فكرة دون أن تكون مدركةً»[1].

أما عن ديكارت رائد التحليل الرياضي والفلسفي، فبحث عن المبادئ الأولى للموجودات والمعرفة والوقائع الأولية للإدراك

(52)

المباشر، وكان التحليل عنده يعني الانتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن البسيط إلى المركب، وكان يعتبر التحليل أحد القواعد الأساسية في تطهير العقل البشري، وقاعدةً من قواعد التفكير العلمي والمنطقي، ولم يكن ديكارت يهدف من ورائه مجرد اكتشاف الأجزاء أو العناصر التي يتكون منها الكل فحسب، بل هو في نفس الوقت اكتشاف للعلاقات التي تربط بين هذه الأجزاء على نحوٍ ما، والتي تؤدي بعد ذلك إلى جمع هذه الأجزاء أو إضافة جزءٍ منها إلى الآخر، وهو ما عرف بقاعدة التركيب، فأصبح التحليل والتركيب عمليتين أساسيتين متكاملتين لا بد للعقل من القيام بهما إذا أراد الوصول إلى الحكم الصحيح على الأشياء[1]. وتحليل التصورات لم يكن في نظر ديكارت سوى تمهيد لبناء نسقٍ من المعرفة على أساس «الأفكار الواضحة المتميزة» التي نحصل عليها بالتحليل، وكان سبينوزا يسعى إلى بناء نظريةٍ في العالم مستنبطةً ـ وفقًا للطراز الهندسي ـ من عددٍ صغير من التعريفات والبديهيات.

وقد كان «لوك» فيلسوفًا تحليليًا؛ لأنه في الأعم الأغلب لا يثبت قضايا تجريبيةً بعينها أو ينفيها، بل تراه يتناول القضايا التي يقولها الناس كما هي ليحلل معانيها. وحاول جون لوك تحليل القضايا التي يقولها الناس مستهدفًا تحليل معانيها، ففي كتابه مقال في الفهم الإنساني يؤكد على أن عمل الفيلسوف هو إزالة ما يعيق المعرفة الإنسانية، ويتضح التحليل عنده في تحليله لفكرة القوة power وتمييزه بين الصفات الأولية والثانوية وطبيعة المعرفة اليقينية البرهانية.

(53)

لقد انشغل جون لوك بتحليل اللغة ليكشف عن دلالة الألفاظ على المعاني وتأثير اللغة في الفكر للوصول إلى طبيعة المعرفة اليقينية البرهانية، وأكد لوك على أن عمل الفيلسوف هو إزالة ما يعيق المعرفة الإنسانية، وهو ما ظهر بوضوح في تحليله لفكرة القوة وتمييزه بين الصفات الأولية والصفات الثانوية، وفي تحليله لطبيعة المعرفة اليقينية البرهانية، وقد كان لوك فيلسوفًا تحليليًا لأنه في الأعم الأغلب لا يثبت قضايا تجريبية بعينها ولا ينفيها، بل تراه يتناول القضايا التي يقولها الناس كما هي ثم يقوم بتحليل معانيها.

وكان باركلى يمارس التحليل عندما حاول نقد الأفكار المجردة والعنصر المادي. وقد قام ديفيد هيوم هو الآخر بتحليل مفهوم «السببية» Causality في حدود التصورات العرضية وتماثل الأحداث، ففلسفة هيوم، في حقيقتها، محاولةٌ لاكتشاف مدى وقوة الفهم الإنساني. وقد جعل ديكارت من التحليل أحد الخطوات الضرورية لتحقيق الوضوح وذلك حين أوصانا بتحليل المعضلات التي نبحثها ما استطعنا إلى القسمة سبيلًا، وذلك إذا أردنا الوصول إلى حل للمشكلة التى تواجهنا[1].

وهيوم، وصاحب العبارة المشهورة التي نصها هو ما يأتي: «إذا تناولت أيدينا كتابًا ـ كائنًا ما كان ـ في اللاهوت أو في الميتافيزيقا الإسكولائية مثلًا، فلنسأل: هل يحتوي على أي تدليلٍ تجريبيٍ يدور حول الحقائق الواقعة القائمة في الوجود؟ لا؛ إذًا فاقذف به في النار لأنه يستحيل أن يكون مشتملًا على شيءٍ غير سفسطة ووهم». وإذا

(54)

كان البعض يتساءل عن هذه العبارة نفسها التي قالها هيوم والتي لا هي تدليلٌ رياضيٌ يدور حول الكمية والعدد، ولا هي تدليلٌ تجريبيٌ يدور حول وقائع الوجود ـ فماذا هي إذًا؟ والجواب هو أنها منطق، أي تحليل، أي فلسفة بالمعنى الذي نريد أن نحدد الفلسفة به[1].

وقد استندت المثالية الألمانية إلى منهج التحليل لتعود إلى الميتافيزيقا، فقام كانط بتحليل القضايا العلمية، ونتج عنه التحليل المتعالي الذي عده علم الصور القبلية التي يتألف منه العقل، ويقوم على تحليل المعرفة للكشف عن المبادئ والمفهومات القبلية التي تجعل المعرفة ممكنةً، وتقول باستحالة الميتافيزيقا التي تستنبط من مبادئ أولى، ويرى زكي نجيب محمود معبرًا عن المكانة التي شغلها كانط في الفكر التحليلي: «هو بلا شكٍ أضخم رجال التحليل في تاريخ الفكر كله».

أما كانط فقد كانت فلسفته النقدية كلها «تحليليةً». فقد بلغ التحليل الفلسفي معه حدًا بعيدًا من الدقة والعمق، وكان كانط هو أول من استخدم لفظة «التحليل». وإليه يعود فضل التمييز بين «الحكم التحليلي» و«الحكم التأليفي» وهو التمييز الذي سوف يتأسس عليه ـ فيما بعد ـ «مبدأ التحقق» الذي اعتمدته الوضعية المنطقية معيارًا للفصل بين الحديث الذى له معنى والحديث المجرد من المعنى. ويعبر زكي نجيب محمود عن المكانة التى يشغلها كانط فى الفكر التحليلي بقوله: «فهو بلا شك أضخم رجال التحليل فى تاريخ الفكر كله»[2].

(55)

ثم أسس هيجل بعد ذلك الميتافيزيقا على منطقٍ جديدٍ هو المنطق الجدلي الذي يدور حول تحليل معنى الوجود بغية الوصول إلى الفكرة المركبة التي تتماهى فيها المتناقضات معلنةً عن الوجود الحقيقي الذي تظل أفكاره في اغترابٍ إلى أن تحط في صورةٍ جديدةٍ تمثل قلب الحقيقة الهيجيلية.

وفي إنجلترا تأثر برادلي بتحليل هيجل لمعنى الوجود، وأجمل رأيه في هذا المعنى في كتابه الأكبر الظاهر والحقيقة (1893). وانتهى من هذا التحليل إلى أن هذه المعاني لا مقابل لها في الخارج. ولكنها نافعةٌ في تعيين الظاهر والتعبير عما بينها من علاقات.

الفلسفة التحليلية موضعها أو محط تركيزها اللغة وتحليلاتها؛ سعيًا وراء استبعاد ما يشوب التعبيرات اللغوية من غموضٍ أو خلطٍ أو زيف. بذلك، هي المدرسة الفلسفية الأكثر حضورًا بين فلاسفة البلدان الناطقة بالإنجليزية. وهي تتميَّز عن الفلسفة القارية السائدة في غرب أوروبا لغير الناطقين بالإنجليزية، باستنادها على أفكار مؤسيسها: جورج إي. مور وبرتراند راسل. وتتضمن الفلسفة القارية مجموعةً من الآراء والتوجهات التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين في أوروبا القارية. من بين التوجهات والمدارس التي تتضمنها: المثالية الألمانية والظاهراتية والوجودية والتأويلية والبنيوية وما بعد البنيوية؛ علاوةً على آراء فرويد في التحليل النفسي، والنظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت والآراء المتعلقة بالماركسية الغربية.

وفي العصور الأخيرة مالت فلسفة القارة الأوروبية إلى أن تكون

(56)

تركيبيةً (كانت استثناء هام)، أما الفلسفة البريطانية فقد مالت إلى أن تكون تحليليةً، أما الفلاسفة البريطانيون فقد مالوا إلى التشكيك في الميتافيزيقا التركيبية وإلى أن يكونوا أكثر اهتمامًا بتحليل الفكر والخبرة إلى عناصرهما الأساسية.

ومنذ بداية القرن الحاضر أصبح ذلك الرأي مؤداه أن التحليل هو الفلسفة بأكملها، أو هو أهم جانبٍ منها، أو هو السمة المميزة لها، أقول أصبح ذلك الرأي مسلمًا به على نطاقٍ واسعٍ في البلدان الناطقة بالإنجليزية، والأغلب ألا يكون بين الفلاسفة الذين يتجهون هذا الاتجاه من شيءٍ مشتركٍ إلا القليل، اللهم إلا استعمالهم كلمة «تحليل» ليصفوا بها أوجه نشاطهم المتباينة. وكل ما يمكن قوله عن رأيهم في مهمة الفلسفة هو أنهم لا يعدونها تحصيل معرفةٍ جديدة، ولكنها توضيحٌ وتجليةٌ لما قد عرفناه بالفعل[1].

ويبين جاري جتنج( Gary Gutting 1942 ) ـ في مقاله «تجسير الفجوة بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القاريِّة» أن كثيرًا من الفلاسفة في الدوائر الأميركية هم من المتخصصين في الميتافيزيقا. منطلقًا من كتاب الوجود والزمان لمارتن هيدغر، الذي يعتبره عملًا هامًا لأحد كبار الفلاسفة في القرن العشرين، وهو يتضمن دراسةً عميقةً لهذين الموضوعين. واقفًا على المفارقة في شأن هذا الحضور والأهمية لهيدغر، والتي تتحدَّد في أن أيًا من أولئك الميتافيزيقيين الأميركيين لم يبْدِ اهتمامًا جديًا لكتاب هيدغر.

ويقدِّم جتنج تفسيرًا لتلك المفارقة أن الميتافيزيقيين فلاسفةٌ

(57)

تحليليون، في حين أن هيدغر فيلسوف قاريٌّ. مستشهدًا بالنقاش الشهير الذي دار بين جاك دريدا (القاري) وجون سيرل (التحليلي)؛ حيث انتهى مع سيرل مُنددًا بدريدا، ومتهمًا إياه بـ«الظلامية» وانتهى مع دريدا ساخرًا من سيرل واصفًا إياه بـ «بالسطحية».

يبدو في التمييز بين الفلاسفة التحليليين والفلاسفة القاريين شيءٌ من الغرابة، لأنه يتناقض مع التوصيف الجغرافي (الفلسفة التي تحققت في القارة الأوروبية، وخاصةً ألمانيا وفرنسا) مع المنهجية الواحدة (فلسفة أنجزت من خلال تحليل المفاهيم). يصبح الأمر أكثر غرابةً عندما ندرك أن بعضًا من مؤسسي الفلسفة التحليلية (مثل جوتلوب فريجة وكارناب) كانوا أوروبيين؛ حيث العديد من المراكز الرائدة في مجال الفلسفة «القارية» هي في الجامعات الأميركية، وأن العديد من الفلاسفة «التحليليين» لا اهتمام لديهم بتحليل المفاهيم.

يساعد بعض الانتباه إلى التاريخ على توليد شعورٍ بالأصالة. في مطلع القرن العشرين، طوَّر الفلاسفة في إنجلترا (راسل، مور، فتجنشتين) وفي ألمانيا والنمسا (كارناب، رايشنباخ، همبل كل منهم هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية) ما اعتبروه نهجًا جديدًا وجذريًا للفلسفة، استنادًا إلى تقنياتٍ جديدةٍ في المنطق الرمزي وضعها كل من فريجة وراسل[1].

يشير جتنج في مقاله إلى أن الفكرة الأساسية كانت تتحدّد في أن المشكلات الفلسفية يمكن حلها (أو تذويبها) عن طريق تحليلٍ منطقيٍ للمصطلحات الأساسية، المفاهيم أو الافتراضات.

(58)

على مرِّ السنوات، كانت هناك أشكالٌ مختلفةٌ من التحليل المنطقي واللغوي والمفاهيمي، وكلها مُوجّهةٌ نحو إزالة الالتباس والغموض والزيف في الفكر الفلسفي السابق وقُدمت كأمثلةٍ على الفلسفة التحليلية. في نهاية المطاف، شكّك بعض الفلاسفة، وخاصةً كواين، في فكرة «التحليل» كأسلوبٍ فلسفيٍ مميز. لكن أهداف الوضوح، والدقة، والصرامة المنطقية بقيت، واستمرّت في تحديد معايير لنوعٍ من الفلسفة أطلقت على نفسها التحليلية، هيمنت في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية. في الوقت نفسه تقريبًا الذي بدأت فيه الفلسفة التحليلية بالظهور، كان إدموند هوسرل يطوِّر نهجه «الظاهراتي» اقترابًا من الفلسفة. وكانت له صِلاتٌ مثمرةٌ مع عددٍ من الفلاسفة التحليليين مثل فريجة. ومع ذلك، سعت قضيتا الوضوح والدقة أكثر في وصف تجربتنا وخبراتنا الفورية (الظاهرة) مما كانت عليه في التحليل المنطقي للمفاهيم أو اللغة.

هوسرل رأى الظواهر بوصفها اشتغالًا على المستوى الأساسي للمعرفة والتي سيتم انطلاقًا منها تحديد أية حقائق ترتبط بالتحليل المفاهيمي أو اللغوي. في الوجود والزمان حوّل هايدجر الظواهر في اتجاه الأسئلة «الوجودية» المرتبطة بالحرية والألم والموت.

كان مصطلح «الفلسفة القارية»، كما أكد كلٌ من سيمون كريتشلي وسيمون غليندننغ، على درجةٍ مهمة، اختراع الفلاسفة التحليليين في منتصف القرن العشرين، والذين أرادوا أن يُميزوا أنفسهم عن ظاهراتيي ووجوديي قارة أوروبا. أخذ اولئك «التحليليون» في الاعتبار اجتذاب القارة للتجربة المباشرة كمصدرٍ للذاتية والغموض الذي كان يتعارض مع مُثُلهم العليا المتعلقة بالموضوعية المنطقية

(59)

والوضوح. تم إضفاء الطابع المؤسسي على تقسيم التحليلية القارية في العام 1962.

ويوضح جتنج أنه على مدى السنوات الخمسين الماضية، تم توسيع مصطلح «الفلسفة القارية» ليطال العديد من الفعاليات الحركية الأوروبية الأخرى، مثل المثالية الهيغلية، والماركسية، والتأويلية، وخاصةً البنيوية والتفكيكية. كل تلك الاتجاهات غالبًا ما تكون في حال من التضاد والمعارضة للظواهر والوجودية، ولكن الفلاسفة التحليليين لا يزالون يرون تلك الفعاليات عاجزةً وقاصرةً بمراحل عن الوفاء بالمعايير أو الوضوح والصرامة[1].

توسّع نطاق «الفلسفة التحليلية» على امتداد السنين في خمسينات القرن الماضي، وسمت تطابقًا إما في شكل الوضعية المنطقية أو فلسفة اللغة البسيطة، كل منها كان ينطوي على التزامٍ بوضعٍ معيّنٍ من التحليل، كما كان ينطوي على وجهات النظر الموضوعية الفلسفية. انطوت هذه الآراء على رفضٍ كبيرٍ للفلسفة التقليدية (وخاصةً الميتافيزيقا والأخلاق)، باعتبارها عقيمةً أساسًا.

يستخدم الفلاسفة التحليليون اليوم مجموعةً من الطرق أوسع بكثير. كما أن هناك حالاتٍ تحليلية تحققت لمجموعةٍ كاملةٍ من المواقف الفلسفية التقليدية، بما في ذلك وجود الله، ثنائية العقل والجسم، والمعايير الأخلاقية الهادفة. أشكالٌ مختلفةٌ من التجريبية والطبيعية لا تزال وجهات نظر غالبة، ولكن أي موقفٍ فلسفيٍ يمكن تطويره استفادةً من استخدام أدوات الفلسفة التحليلية. هناك

(60)

التوماويون، والهيغليون والذين هم فلاسفةٌ تحليليون، حتى أن هناك أدبًا كبيرًا مكرسًا لإبراز أطروحات الفلاسفة القاريين الكبار في الحقل التحليلي. الادّعاء بأن العمل بالأسلوب التحليلي يقيّد نطاق البحث الفلسفي لدينا لم يعد لديه أي أساس[1].

يدحض هذا التطوُّر الادِّعاء بأن الفلاسفة التحليليين ـ كما عبَّر عنه سانتياجو زابالا في الآونة الأخيرة ـ لا يناقشون «المسائل الأساسية التي أقلقت الفلاسفة لآلاف السنين» كان هذا صحيحًا في أيام «الوضعية»، ولكنه لم يتجاوز ذلك. ادِّعاء زابالا بأن الفلاسفة التحليليين لم ينتجوا «بحثًا تاريخيًا عميقًا» هو باطلٌ على نحوٍ مماثل. كان ذلك صحيحًا سابقًا عندما ذاع صيت كتاب راسل تاريخ الفلسفة الغربية، الذي أشار فيه إلى ازدراء المنهج «التحليلي» للتاريخ الحادّ والمعقَّد. الآن، وعلى رغم أن العديد من الفلاسفة التحليليين ما زال لديهم القليل من الاهتمام بالتاريخ، فإن العديد من أفضل المؤرّخين الحاليين للفلسفة يوظّفون الأساليب النظرية وجدلية الفلسفة التحليلية في الحقل الذي يشتغلون عليه.

فقد جادل الفيلسوف الأميركي براين ليتر بأنه لم تعد هناك اختلافاتٌ فلسفيةٌ جوهريةٌ بين الفلسفة التحليلية والقارية، وإن كانت هناك اختلافاتٌ مهمةٌ في بعض الأحيان فهي ترتبط بـ «النمط». إن الفجوة الوحيدة من حيث المبدأ بين الاتجاهين تتحدد في جانبٍ سوسيولوجي، ذلك أن فلاسفةً في معسكرٍ يجتزئون عمل الذين في الاتجاه الآخر، والسبب ببساطةٍ هو نفورهم الشخصي من المنطق الرمزي، أو لإجراء مناقشاتٍ أدبيةٍ وتاريخيةٍ معقّدة.

(61)

يتفق جتنج مع الكثير مما يقوله ليتر، لكنه يستدرك مُعتقِدًا بأن هناك اختلافاتٍ فلسفيةً عامةً لا تزال مهمّةً بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارية، في جميع الأصناف الحالية. هذه الاختلافات تتعلَّق بتصوراتهم عن التجربة والباعث، ومعايير التقييم. يُفهم لجوء الفلسفة التحليلية إلى التجربة ـ عادةً ـ على أنه بديهيات الفطرة السليمة (فضلًا عن التطوّرات والتحوّلات الناتجة عن العلوم)، وبسبب تفهّم يتحدد في أنها قواعد قياسية للاستدلال المنطقي. الفلسفات القارية للتجربة تحاول سبْر ما وراء مفاهيم التجربة اليومية لاكتشاف المعاني التي تكمن وراءها، للتفكير في ظروف إمكانات مفاهيمنا. على النقيض من ذلك، تحاول الفلسفات القارية للتصور التفكير في ما وراء تلك المفاهيم، بمعنى ما، التفكير في ما هو مستحيل.

في ضوء الاختلافات الفلسفية الموضوعية، من الواضح أن الفلاسفة التحليليين والقاريين سيستفيدون بقدرٍ أعظم بتآلفهم مع الأعمال الأخرى، والمناقشات التي تذهب باتجاه الوقوف على الفجوة، كل ذلك سيسهم في عالمٍ فلسفيٍ أفضل. ومع ذلك، هنالك نقصٌ فادحٌ في التماثل بين الفكر التحليلي والقاري، ويرجع ذلك إلى وضوحٍ نسبيٍ في معظم الكتابة التحليلية، على النقيض من الغموض الذي يكتنف الكثير من أعمال الفلاسفة القاريين[1].

يلفت جمال أردلان الانتباه إلى بعض الأحكام المسبقة حول الفلسفة التحليلية، منها التوحيد بين التحليلية والوضعية، وهو رأي يحتوي قدرًا كبيرًا من التبسيط لا يفسر لنا إقبال بعض فلاسفة التحليلية ـ لا سيما الأمريكيين ـ على أسماءٍ فرنسية مثل فوكو ودريدا

(62)

ومساهمتهم في ربط قضايا الفلسفة التحليلية بالإشكاليات الرئيسية التي بلورتها الفلسفة الألمانية. كذلك إغفال حقيقة أن المحاور الكبرى التي دارت حولها نقاشات الفلاسفة التحليليين تعود في أصولها إلى الفكر الألماني.

إن الانغلاق على الفكر الفلسفي الفرنسي ساهم كثيرًا في تكوين صورٍ خاطئةٍ لا عن الفلسفة التحليلية فقط بل أيضًا عن الفلسفات الأنجلوساكسونية. أما الأمر الذي يتم غالبًا إغفاله، فهو أن المحاور الكبرى التي دارت حولها نقاشات الفلاسفة التحليليين تعود في أصولها إلى الفكر الجرماني.

إن «النفور» الذي يستشعره القارئ للفكر الفرنسي، إزاء نصوص الفلاسفة التحليليين، يعود في مجمله إلى إحساسه «ببساطتها» وعدم ملامستها «لعمق» القضايا والأسس، إنه يأخذ عليها انصرافها عن إثارة «القضايا الفلسفية الكبرى»، وتوقفها في المقابل وراء مسائل «جزئية». إننا أمام أسلوبين فلسفيين مختلفين، إذا كانت الفلسفة الفرنسية تجنح نحو معالجة قضايا فلسفيةٍ تركيبية، فإن الفلسفة التحليلية تميل أكثر إلى تجزيء موضوعاتها؛ فهي تتولى تحليل المشاكل اللغوية مدفوعةً بهاجس التوضيح ورفع مظاهر الغموض التي تكتنف معظم القضايا الفلسفية.

إن هذا الأسلوب الذي تختص به الفلسفة التحليلية، لا يلغي مشاركة هذه الأخيرة في بلورة إشكالياتٍ فلسفيةٍ لا تقل «عمقًا» عن مثيلاتها في الفلسفة الفرنسية. ويكفي ذكر أسماء نيلسون جودمان وهيلاري بوتنام وريتشارد رورتي لكي نتبين مساهمة الفلسفة

(63)

التحليلية في صنع بعض المحاور الرئيسية التي يدور حولها الفكر الفلسفي المعاصر[1].

ثالثًا: فريجة والتحليل:

ويمكن القول إن البداية الحقيقية للتحليلية المعاصرة أو المنهج التحليلي جاءت على يد فريجة، وذلك في كتابه أسس الحساب (1884) الذي مهد فيه لهذا المنهج من خلال مبادئه الثلاثة التي جاءت في مقدمة هذا الكتاب، والتي على أساسها قام المنطق الفلسفي. ويبدو أثر فريجة واضحًا على رواد التحليلية المعاصرين، مور، ورسل، وفتجنشتين، وكارناب، فيقول رسل في الـبرنسيبيا ماثيماتيكا: «نحن ندين بالفضل في كل مسائل التحليل المنطقي لفريجة»[2].

معنى هذا أن ادعاء بعض المؤرخين أن المنهج التحليلي في العصر الحديث ظهر مع كتابات جورج إدوارد مور وبرتراند رسل يعد إنكارًا لحقيقةٍ بيّنة الوضوح، وهي أن المنهج التحليلي استُخدم بصورته الكاملة في كتابات الفيلسوف الألماني الشهير فريجة وبخاصةٍ في فلسفته الرياضية، فهو على حد رأي رسل الرائد الأول للمنهج

(64)

التحليلي. لقد استخدم فريجة المنهج التحليلي بمعانيه المتعددة: 1ـ التحليل باعتباره تعريفًا، 2ـ التحليل باعتباره تبريرًا، 3ـ التحليل باعتباره نوعًا من «الاختزال» أو «الرد». هذا النوع الأخير ظهر في محاولة فريجة «رد» الرياضيات إلى المنطق في العديد من مؤلفاته، منها: التصورات وأسس علم الحساب والقوانين الأساسية لعلم الحساب[1].

وبالرغم من أن كتابات فريجة قد نالت التقدير لتقديمها معالجةً وافيةً وعلى أوسع نطاقٍ للمنطق وفلسفة اللغة وإثارتها لمشكلاتٍ كثيرةٍ لمن جاء بعده، إلا أن الجزء الأعظم من كتاباته كان تأسيس المنهج التحليلي. فقد حاول إظهار أن الرياضيات ومصطلحاتها يمكن أن يتم تحليلها باستخدام مصطلحاتٍ تعود إلى المنطق، وأن حقائق الرياضيات ما هي إلا اختصاراتٌ تعريفيةٌ لحقائق المنطق، وأن كل حقائق المنطق يمكن أن تشتق من عدة قوانين مبنية بوضوح بواسطة قوانين الاستدلال المصاغة بشكلٍ دقيق. وتمدنا كتابات فريجة بتقارير واضحةٍ عن دوافعه من وراء المنهج التحليلي في الرياضيات فهو يقول: «إن إدراكنا للبنية الكاملة للرياضيات ناقص». ويؤكد أن دقة معظم البراهين الرياضية لمعاصريه والسابقين عليه هي دقةٌ وهمية، وأن الرياضيين لم يحققوا أكثر من مجرد التأكيد التجريبي لأسس الرياضيات، «بل إن الرياضيات تحتوي على

(65)

تناقضاتٍ لم يتم الإفصاح عنها». ويستشهد في كتابيه الأسس والقوانين بالعديد من الفلاسفة والرياضيين موجهًا لومه لهم بسبب تجاهلهم لعدم حساسيتهم تجاه قضايا الإبستمولوجيا الرياضية.

ولعل فريجة يريد أن يؤكد هنا أن هناك مزايا للمعرفة الرياضية، وهي الوضوح والبداهة والتي عجزت وجهات نظر معاصريه (من الرياضيين والفلاسفة) عن امتلاكها، بل إن فريجة يصف هذا العجز بأنه أمرٌ فاضحٌ scandal ويكشف عن جهلٍ فلسفيٍ. وينشأ هذا الجهل الفلسفي من وجهة نظره نتيجةً للافتقار إلى تحليلٍ مناسبٍ للتصورات الرياضية مما ينتج عنه عجزٌ في تقديم براهين تتضح فيها المزايا السابقة، لذلك فإن المنهج التحليلي سيعمل على تخطي نقائص وعيوب المعرفة الرياضية من خلال عرض المسلك المعرفي الصحيح لها، ونعني بالطبع الأساس المنطقي للرياضيات، فمن خلال هذا الأساس «فإن الرياضيات ستكون قادرةً على دعم مفاهيمها من خلال سلسلةٍ من الاستدلالات كلٌ منها بسيطٌ منطقيًا وقاطعٌ تمامًا».

إن فريجة قد نجح في مشروعه وهو أن يبين كيف يمكن رد علم الحساب إلى المنطق من خلال منهج التحليل. كما نجح فريجة في أن يبين أن القضايا الحسابية تحليلية، فيذهب هامبيل إلى أن تعريفات (فريجة ـ رسل) للأعداد مثل الصفر والتالي Successive، وغيرها من المفاهيم ذات الصلة، قد بينت أن القضايا الحسابية تحليليةٌ لأنها تنبع من تعريفات اشتراطية Definitions Stipulative من المبادئ المنطقية. وما يقصده هامبيل أن في النسق الصوري للمنطق يمكن لنا عن طريق التعريف الاشتراطي أن نقدم التعبيرات: «عدد»، «صفر»، «تالي»، بأسلوبٍ يمكّن جملًا من هذا النسق أن تستخدم تلك

(66)

الاختصارات المطابقة لجملٍ حسابيةٍ معينةٍ مثل: «الصفر عدد» وأن تبدو كنظرياتٍ في النسق. وهو يستنتج من هذه الحقيقة غير القابلة للإنكار أن تلك التعريفات تبين أن نظريات علم الحساب عبارةٌ عن ماـصدقات ترميزية لنظريات المنطق، وبالتالي فهي تحليلية.

يُعتبر فريجة إذًا حلقةً هامةً من حلقات التطور في تاريخ المنطق والرياضيات، رغم أن الباحثين من المناطقة والرياضيين لم ينتبهوا إلى عبقريته وأصالته إلا بعد أن كشف رسل النقاب عن جوانب فكره في الملحق الخاص الذي ذيل به كتابه أصول الرياضيات (1903)، حيث تناول فكر فريجة من حيث المنهج والموضوع ونقاط الأصالة والنسق الاستنباطي، وتصحيحه لبعض المواضع في المنطق الصوري الأرسطي.

حمل فريجة الدعوة إلى الاتجاه اللوجستيقي بكل وضوح في كتاب التصورات (1879)، حيث تمكّن من خلال اتجاهه الجديد في المنطق والرياضيات معًا، من أن يزود أجيال المناطقة والرياضيين بأربعة تصورات أساسية:

1. تصوره لإطار نظرية حساب القضايا.

2. تصوره لفكرة دالة القضية.

3. تصوره لفكرة السور Quantifier واستخدامها حديثًا بحيث أصبحت بالإضافة إلى فكرة دالة القضية تكوّن التصور الأساسي لنظرية حساب المحمول.

4. التحليل المنطقي لبرهانٍ عن طريق الاستقراء الرياضي باستخدام فكرة الفصل[1] Class.

(67)

ويقول كارناب: «لما قرأت كتب فريجة ورسل بتركيز: تيقنت من قيمة أعمال فريجة ليس فقط بالنسبة إلى أسس علم الرياضيات ولكن بالنسبة إلى الفلسفة على وجه العموم»[1]. وكذلك نجد تأثير فكر فريجة واضحًا في أعمال الفلاسفة التحليليين الآخرين أمثال استراوسون، وكواين، وجيتش، وكريبكة، ودميت. ويمكن القول إن منهج التحليل لم يكن جديدًا عند الفلاسفة الإنجليز المعاصرين كما يردد البعض، إنما هو تطويرٌ لمنهجٍ طويلٍ ممتدٍ عبر التاريخ.

رابعًا: التحليل اللغوي والتحليل المنطقي

إن الفلسفة التحليلية حولت اللغة إلى أن تكون موضوعًا من موضوعات الفلسفة. لقد صاحب الفلسفة التحليلية التحول المنهجي. ومن خلال ذلك اتجهت نحو التحليل (اللغوي).

إن التحول نحو الذرية المنطقية ومن ثم صعود نجم فتجنشتين، وتحليل اللغة المثالية كان هو الوصف الحقيقي لهذا الوجه في تاريخ الفلسفة التحليلية، والذي امتد من سنة 1910 وحتى سنة 1931. إضافةً إلى ذلك، فإن هذا التوجه تميز بعمل برتراند رسل وفتجنشتين المشترك والساعي إلى تطوير نظامٍ ميتافيزيقي. كما شهدت هذه الفترة عمل رسل في المنطق الرمزي ومع تباشير التوجه الثاني من تاريخ الفلسفة التحليلية. وهي الفترة التي شهدت إكمال ومن ثم نشر عمل رسل وألفريد نورث وايتهيد برنسبيا ماثماتكيا، وبالطبع بعدها جاءت الفترة التي بدأ فيها رسل يعمل بقرب فتجنشتين.

ولعل أهمية رسل في هذه التحولات الكبيرة التي شهدها تاريخ

(68)

المنطق والرياضات والفلسفة هو أنه خط مسارًا جديدًا في التحليل، فبدلًا من التحليل اللغوي، ركز على التحليل المنطقي، وبالرغم من أنه بدأ مع مور إلا أن هذا التحول نحو التحليل المنطقي وتخليه عن التحليل اللغوي (وبالطبع منه التحليلي النحوي) وهي العتبة التي انكفأ عندها جورج مور وكانت في الوقت ذاته جسرًا تمكّن خلالها برتراند رسل من معانقة مضمار التحليل المنطقي. وهذا هو الفارق ومضمار الاختلاف بين تحليل جورج مور والتحليل المنطقي لبرتراند رسل والذي كشف عن الاختلاف بين فلسفتين: فلسفة اللغة المثالية برتراند رسل، وفلسفة اللغة العادية جورج مور. ويبدو أن ما ساعد رسل على إنجاز خطوة الانتقال نحو فضاءات المنطق هو أنه جاء حاملًا معه تراثًا غنيًا في التحليل المنطقي والرياضي، وخصوصًا بعد أن أكمل الـبرنسبيا ماثماتكيا. ظهرت تحليلات رسل المنطقية وكأنها أنماطٌ من التحليلات الجديدة التي بدأها جورج مور. ولاحظ الكثير من المهتمين بالتحليل المنطقي تفوق هذه التحليلات على تحليلات جورج مور للغة العادية إضافةً إلى أنها خاليةٌ من الإرباك والتشويش ولا تُسبب سوء فهم. وكان هذا هو الأساس وقاعدة التمييز بين فلسفة اللغة العادية وفلسفة اللغة المثالية. كما وكان الحاصل منها تقسيمًا جديدًا للحركة التحليلية، وبالتحديد خلال الفترة المبكرة من ستينات القرن العشرين. ومن ثم التحول من التحليل اللغوي واعتناق التحليل المنطقي، الذي قاده رسل (مع وايتهيد)، كان هو جوهر المشروع الذي كونه رسل وبالاعتماد على قراءةٍ غير اعتياديةٍ لأعمال عالم المنطق الرياضي والفيلسوف الألماني جوتلوب فريجة[1].

(69)

هذا الاهتمام بفلسفة اللغة العادية يصعد إلى الفيلسوف البريطاني التحليلي جورج مور والذي نجح في وضع الاهتمام بتحليل اللغة العادية في قلب حركة التحليل ومنذ البداية، وإدراكه إلى علو برج تحليل اللغة المثالية من أرض الواقع، ولهذا السبب انسحبت وغابت تمامًا من دائرة الاهتمام لعقودٍ عديدة.

وينبه محمد جلوب فرحان إلى أن فتجنشتين حافظ في مرحلة تفكيره المتأخرة على وجهة النظر التي تذهب إلى أن المشكلات الفلسفية تنشأ من خطأ «لغوي». وأن الفلسفة الحقيقية هي التي تتطلع إلى تحليل اللغة وإدراك حدود المعنى ومعرفة الخطأ ومن ثم الوقوف على حالات الارتباك والتشويش وحتى على حالات اللامعنى. وعلى أية حال فإن هذا الفهم الجديد للغة يتطلب فهمًا جديدًا للتحليل.

ومن الملاحظ أنه خلال الستينات ظهرت مثابراتٌ نقدية من داخل وخارج حركة التحليل (الفلسفة التحليلية)، وكان حاصلها أن تخلت حركة التحليل عن شكلها اللغوي وكان البديل الحاضر يترقب، وكان هذا البديل هو مضمار فلسفة اللغة (وبالطبع فلاسفة اللغة)، إلا أن فلسفة اللغة أفرغت الطريق وشغلته بدلًا منها الميتافيزيقا. ومن ثم تخلت الأخيرة عن الطريق وحلت محلها مجموعةٌ من المجالات الفلسفية الفرعية. والحقيقة أن هذه الفترة ترسم ما يمكن أن نطلق عليها معالم ما بعد الفلسفة التحليلية اللغوية[1].

(70)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

التحليل عند المعاصرين:

مور، رسل، فتجنشتين

 

(71)

الفصل الثالث

التحليل عند المعاصرين: مور، رسل، فتجنشتين

تمهيد:

نتناول في هذا الفصل، الذي يمثل صلب الدراسة ثلاثي التحليل جورج إدوارد مور G. E. Moore (1873 – 1958) وبرتراند رسل B. Russell (1872 – 1970) ولودفيج فتجنشتين Wittgenstein (1889 – 1951)، الذين مثلوا البداية الحقيقية، وأسسوا التحليل المعاصر باتجاهاته المتنوعة، وسوف نخصص مبحثًا مستقلًا لكلٍ منهم، نوضح فيه معنى وغاية التحليل في السياق العام لفلسفته ومدى اختلاف منهج كل منهم عن الآخر، ونبدأ على التوالي ببيان طبيعة التحليل ومجاله عند مور أولًا، ثم رسل، وأخيرًا تطور معناه عند فتجنشتين وتأثيره الكبير على الاتجاهات التحليلية بعده.

المبحث الأول: التحليل عند جورج مور:

يُعد جورج مور رائد التحليل في الفلسفة المعاصرة، ربط التحليل الفلسفي بالإدراك العام أو الإدراك الفطري، إذ رأى أن قضايا الإدراك العام صادقة دائمًا، وحكم بالكذب على القضايا الفلسفية التي تعارضها. وترجع بداية التحليل إلى ظهور دراسته دحض المثالية، التي ثار فيها على الهيجيلية والمثالية الجديدة. اهتم مور بتحليل ما يقوله الفلاسفة عن العالم، وعن معنى القضايا العلمية؛ ليكشف عن

(72)

صحة أو بطلان هذه الأقوال. وكان على اقتناعٍ كاملٍ بأن مشكلات الفلسفة لا سبيل إلى حلها بالمعالجات المنطقية، ولا بمجرد ازدياد المعرفة العلمية، وأن مفتاح حلها هو توجيه عنايةٍ مركزةٍ للحس المشترك واللغة العادية، يمدنا الحس المشترك عنده بهيكل الحقائق الموثوق بها، والتحليل الذي يقصده مور ليس هو تحليل الجمل، لأن تحليل الجمل يتطلب منا الاهتمام بالنحو، وتحليل الأفكار أو الاعتقادات يحتاج إلى علم النفس، أما تحليل التقريرات أو الأحكام فيحتاج إلى المشرع أو المحامي[1].

إن التحليل الذي ينادي به مور يدور حول ألفاظ اللغة وعباراتها، ويتخذ موضوعه من العبارات الوصفية التي تصف العالم الخارجي الواقعي، وهو كما سيظهر لنا يختلف مع رسل الذي كان التحليل عنده يعتمد على العبارات الوصفية، التي تشير إلى المدركات العقلية، دون الإشارة إلى الأفراد الحقيقيين، كما لا يقوم التحليل على مطابقة الدال والمدلول أو المحلل والمحلل، وإلا كان مجرد تحصيل حاصل، وإنما تقوم العلاقة بينهما عند مور على التكافؤ، فلا بد أن يكون لهما نفس شروط الصدق وأن تكون عبارات المحلل بها توضيحٌ أكثر وإضافاتٌ لا تتوافر في المحلل، وبذلك يكون التحليل انتقالًا من فكرةٍ معقدةٍ إلى أخرى أبسط وأوضح منها وليس مجرد ترجمة تعبيرٍ لغويٍ معين بتعبيرٍ لغويٍ آخر[2].

(73)

أهداف التحليل عند مور:

وقد كان لمور ثلاثة أهدافٍ من التحليل: أولها: أن يؤدي إلى إبراز التناقضات الكامنة في النظريات الفلسفية. وثانيها: أن يؤدي إلى ما يسمى بالترجمة. وثالثها: أن يقدم إضافةً جديدةً لمعرفتنا بالعالم والأشياء. وهو يقصد بالترجمة ترجمةً إلى المعنى[1]. ويهدف من دفاعه عن الحس المشترك تحقيق أمرين:

أولهما: التأكيد على أن هناك عددًا من القضايا التي غالبًا ما نؤكدها ونعتقد أنها تكون صادقةً وأن الفلاسفة الذين استهدفوا إنكارها لم يقدموا أسبابًا وجيهةً لدحضها.

ثانيهما: التأكيد على أهمية التمييز بين صدق القضية وتحليلها، فإذا جاز الشك في تحليل القضية فلا يجوز الشك في صدقها، لهذا يهاجم الفلاسفة الذين يضمنون مذاهبهم قضايا تتعارض مع الحس المشترك، مثل زعم باركلي أن الموضوعات الفيزيقية توجد فقط عندما يتم إدراكها. ويؤكد مور على أن القضايا التي أنكرها المذهب المثالي صادقةٌ باعترافنا جميعًا؛ لأننا عرفناها بالحس المشترك، وهي معرفةٌ لا يجوز أن تكون موضع تساؤل[2].

المهم هو الدفاع عن صدق قضايا الحس المشترك مع صعوبة تحليلها، ومن هذا المنطلق رفض مور نظرية هيوم التي تقرر أنه لا يمكن لأحد أن يعرف وجود أي موضوع ويقول: «إن على هيوم أن يمسك بيده قلمًا «ويقول» أعرف أن هذا قلم موجود». إن مور

(74)

يعتمد على هذا الموضوع المادي الجزئي ليثبت قدرتنا على معرفة الموضوعات المادية، ولهذا يرفض القضية القائلة «لا توجد أشياء مادية» فيقول: «من المؤكد أن هذا خطأ، لأن هنا يدًا وهناك يدًا، وعلى ذلك يوجد شيئان ماديان على الأقل»[1].

إن الوسيلة الأولى والبسيطة للمعرفة عند مور هي الإدراك الحسي المباشر للمعطيات الحسية، ولهذا فهو يحرص على أن ندرك القضية بنفس المعنى في عدة حالاتٍ مختلفة، عندما نسمع كلماتٍ معينة ونفهم معناها، فإننا إما أن نعتقد بالقضية التي تعبر عن هذه الكلمات أو لا نعتقد بها، أو نفهم فقط ما تعنيه الكلمات دون أن نعتقد أو لا نعتقد.

والفارق الرئيس بين هذه الاحتمالات الثلاثة يرجع إلى إدراك القضية بفعلٍ آخر من أفعال الوعي هو الاعتقاد أو عدم الاعتقاد، إننا ندرك القضايا بمجرد أن نسمعها ونفهمها فحسب، أو عندما نفهمها ونعتقد بها أو لا نعتقد.

معايير التحليل عند جورج مور:

وضع مور ثلاثة معايير لتمييز التحليل الصحيح من التحليل الخاطئ، وهي الترجمة والتكافؤ المنطقي والترادف. وقد ارتبطت جميعًا في ذهن مور، وكأنها معيارٌ واحدٌ، يجب أن يكون التحليل ترجمةً للتصور أو القضية موضوع التحليل لا ترجمةً إلى لغةٍ أجنبيةٍ أو إلى نفس اللغة بأسلوبٍ مختلف، وإنما استخدام قاعدة التقسيم، والإتيان بتصورات أو قضايا مختلفة عن التصور أو القضية الأصلية

(75)

على نحوٍ يكون بين التحليل وموضوع التحليل تكافؤٌ منطقي، والمقصود بالتكافؤ هنا هوية المعنى، أي أن نحلل التصور بتصوراتٍ أخرى مختلفة لكن المعنى واحد[1].

ويفرق مور بين موضوع التحليل وعبارة التحليل، ويرى أن العلاقة بينهما ليست علاقة هويةٍ تنتهي بتحصيل حاصل، لكنها علاقة تكافؤٍ منطقي، وهي علاقةٌ تستلزم أنه عندما تكون قضيةٌ ما صادقةً فإن الأخرى تكون بالمثل صادقة، ويرى مور أن العلاقة بين موضوع التحليل والتحليل هي قبليةٌ تأليفية[2].

طبق مور فلسفته التحليلية في مجال الأخلاق من أجل توضيح الأفكار الفلسفية التي تدور في هذا المجال فجاءت بمثابة تطبيقٍ عمليٍ للمنهج التحليلي على مشكلات الأخلاق في الفلسفة المعاصرة. وقد جعل مور المهمة الأولى لعلم الأخلاق هي البحث في ماـصدقات الخاصيتين الرئيسيتين للأخلاق «الخير» و»الشر»؛ حيث الخير خاصيةٌ بسيطة، وليست طبيعية، وغير قابلةٍ للتحليل، ولهذا نراه يعيب على الفلاسفة الذين وحدوا بين الخير والسعادة أو بينه وبين التقدم أو التطور أو بينه وبين أي خاصيةٍ أخرى. ويرى أنهم قد ارتكبوا ما يسميه «المغالطة الطبيعية» ونفس المغالطة ارتكبها أيضًا الفلاسفة الذين وحدوا بين الخير وبين كيان ميتافيزيقي، أو الذين حاولوا اشتقاق الأخلاق من الميتافيزيقا، ويرى مور أن المرء لا يجب أن يبدد جهوده في محاولة الإجابة عن مسألةٍ أخلاقية، إنما ينبغي عليه أن يوضح بدقةٍ السؤال الذي يسأله، فإذا ما وضع سؤالًا

(76)

دون أن يتحقق من أنه سؤالٌ مركبٌ فلن يصل إلى إجابةٍ محددة، مثل سؤال الفلاسفة ما الخير؟[1] وهو سؤالٌ بحث الفلاسفة عن إجابةٍ له دون أن يكون واضحًا بالنسبة لهم ما يسألون عنه. قد يظن البعض أن مور قد وقف موقفًا معارضًا للميتافيزيقا، وهذا ليس بصحيحٍ على الإطلاق؛ لأن مور إنما رفض نمطًا معينًا من الميتافيزيقا، ورأى أننا عندما نستخدم التحليل في مجال الأخلاق فإننا نكون في الميتا ـ أخلاق.

 وحلل مور مصطلح الأخلاق ومصطلح الميتاـأخلاق وفرّق بين التعبيرات اللفظية والعبارات أو القضايا، فالعبارات أو القضايا يصعب وصفها بالغامض، كما ميز مور بين المعاني المختلفة للحدود والعبارات الغامضة[2].

ونحن إذا نظرنا إلى صميم الجهد الفلسفي الذي بذله مور، فسنجد أن من بعض أفضال مور على التفكير الفلسفي المعاصر أنه قد حاول أن يجنبه أسباب اللبس والغموض، ليخلص بذلك العقل البشري من «أشباه المشاكل». وليس من شكٍ في أن مور لم يرد من وراء «منهجه التحليلي» سوى دعوة الفلاسفة إلى تحديد ألفاظهم، وتحليل عباراتهم، من أجل الوصول إلى المزيد من «الوضوح» حول الكثير من قضايا الفكر والعالم ـ ولكن مور قد افترق عن كلٍ من هيوم والوضعيين المناطقة حين نسب إلى الفلسفة دورًا بنائيًا إيجابيًا، فيما وراء عملية الشرح اللغوي أو التحليل المنطقي

(77)

الصرف. وليس أدل على ذلك من أن مور لم يقل يومًا بأن كل الحقائق العامة اللاتحليلية هي أمورٌ غير يقينية[1].

لقد كان مور أول داعيةٍ من دعاة «التحليل» في مطلع القرن العشرين، حتى لقد اعتبره الكثيرون «فيلسوف الفلاسفة» لأنه لم يوجه كل اهتمامه نحو وقائع العالم وقضايا العلماء، بل هو قد وجه الجانب الأكبر من عنايته نحو أقوال الفلاسفة وعباراتهم. سيظل الإنجاز الذي حققه هو أنه دفع بالكثير من فلاسفة العالم الأنجلوساكسوني إلى انتهاج طريقٍ جديدٍ في مضمار التفكير الفلسفي.

كان مور أكثر ممارسةً للمنهج من الكتابة في قواعده وأسسه وخطواته، ومن هنا يحدد محمود زيدان ثلاثة أنواع من التحليل (أو خطوات) في كتابات مور، لكل منها مشكلةٌ تناسبه، وإن كانت هذه الأنواع لا تلقي ضوءًا على قيمة المنهج مثلما ترى مور يمارس التحليل ممارسةً فعلية؛ أنواع التحليل هي: الانتباه إلى معنى التصور، تقسيم التصور إلى أجزائه، التمييز بين التصورات[2].

(أ): التحليل هو انتباه إلى معنى التصور Inspetion. فإذا أردتُ تحليل تصورٍ ما، فإني أفكر فيه وأحاول فهم معناه وأن أضعه أمام عيني عقلي حتى أراه.

(ب): التحليل تقسيم Division. يمكنني تحليل تصورٍ ما بقسمته إلى تصوراتٍ أخرى تؤلفه، ويفترض هذا النوع من التحليل

(78)

أن يكون التصور مركبًا وليس بسيطًا. ومن الأمثلة التي يضربها مور تصور الإحساس: إذ ينحل الإحساس إلى موضوعه، والوعي به، وعلاقة معينة بينهما. ينحل تصور «أخ» إلى تصوري ذكرًا، ومن ينحدر من أصل مشترك Male sibling؛ لكن مور لاحظ أن هنالك تصوراتٍ مركبةً بها أكثر من مجرد أجزائها، مثل تصور «الكل العضوي».

(ج): التحليل تمييز Distinction. يستلزم تحليل معنى تصورٍ ما، إحصاء لكل المعاني التي يدل عليها اللفظ، أو إحصاء لكل الاستخدامات الممكنة لذلك اللفظ، ومحاولة التقاط الخاصة المشتركة فيها جميعا، فإذا استبعدنا كل التصورات التي تبعد في معناها عن تصورنا قيد البحث فقد ميزناه عما عداه[1].

(79)

المبحث الثاني: التحليل عند برتراند رسل

تمهيد:

تحول رسل من المثالية إلى الذرية المنطقية إلى التحليلية إلى الواقعية الجديدة، باعتباره من أهم رواد الحركة التحليلية المعاصرة مع مور، وثالثهم فتجنشتين. وقد تابع مور زميلُه رسل في ثورته على الفلسفة المثالية مستخدمًا المنهج التحليلي، وإن كان من نقطة انطلاق تختلف عن مور، كان اهتمام الأول ينصب على القول باستقلال الواقع عن المعرفة ورفض القول بالحدوس والمقولات الكانطية الأولية، وكذلك اختلاف التعارض بين نظرة الحس المشترك للعالم والنظرة المثالية لها. وقد أكد رسل مراتٍ عديدةً على انتمائه إلى التحليلية، والتحليل عنده هو التحليل المنطقي، والنتائج التي يتوصل إليها بواسطة التحليل نتائج منطقية (ذرات منطقية) وليست فيزيائية، إلا أن رسل لم يضبط مفهوم التحليل الذي أقام عليه كل فكره، ولم يحدد وسائله، إلا ما يمكن للباحثين استخلاصه من تحليلاته ومن فلسفته[1].

وبالرغم من أن مور ورسل يؤلفان الصف الأول من رواد الفلسفة التحليلية المعاصرة، فإنهما يعبران عن وجهين مختلفين

(80)

لهذه الفلسفة، بحيث إن الحديث عن مور لا يكفي لمعرفة مواقف رسل الفلسفية. فهما يتفقان في أن التحليل منهجٌ وموضوع، وأن الميتافيزيقا مبحثٌ فلسفيٌ أصيل. كما أن كلًا منهما تأثر بمواقف الآخر في بدء حياته الفكرية[1]. وقد حدد رسل لنفسه منهجًا فلسفيًا، كان يسميه بأسماء عدة: التحليل، التحليل المنطقي، التحليل الفلسفي، المنهج العلمي في الفلسفة. وكان يعتقد في الأطوار الأولى من فلسفته أن هذا المنهج موضوعي محايد «يقوم على مبادئ يجب أن يقبلها كل دارسٍ مخلصٍ بغض النظر عن مزاجه»، يذكرها لنا محمود زيدان على النحو التالي:

وهو يقابل بين التحليل analysis والتركيب synthesis، وترتبط مقابلته بينهما بثورته على المذاهب المثالية، إذ يرى أن منهج التحليل منهجٌ يناسب الفلسفات التجريبية، وأن التركيب ملائمٌ للمثالية، ولقد فهم من التركيب أنه البدء بفكرةٍ معينةٍ أو مبدإٍ معينٍ واتخاذه أساسًا نفسر في ضوئه كل الموجودات وكل المشكلات: فقد كانت فكرة العنصر القبلي في خبرتنا بالعالم المحسوس مثلًا فكرةً مركزيةً في فلسفة كانط، وفكرة التطور الجدلي متغلغلة في كل مذهب هيجل وهكذا. لاحظ رسل أن الفلسفات المثالية لم تحرز تقدمًا كبيرًا؛ لأن الفيلسوف المثالي كان يتناول المشكلات جميعًا وكأنها مشكلةٌ واحدة، فإذا جاء فيلسوفٌ مثاليٌ آخر بمبدإٍ مختلفٍ بدأ من جديد، ولم يبدأ حيث انتهى سلفه. وهنا يأتي فضل التحليل، وهو تقسيم المشكلة الفلسفية التقليدية إلى عددٍ كبيرٍ من المشكلات الجزئية المتميز بعضها عن بعض، وصياغة كل منها على نحوٍ أقل صعوبةً

(81)

وحيرة. فالتحليل يعني أولًا تمييز المشكلات، وتقسيم كلٍ منها إلى عددٍ من المشكلات الجزئية حتى يسهل تناولها واحدةً بعد الأخرى. أراد رسل بالتحليل أن يجعل الفلسفة بحثًا نظريًا خالصًا في الأشياء والعالم دون أن تشبع فينا ميلًا خاصًا أو ترضي فينا انفعالًا معينًا. ثالث خصائص المنهج التحليلي عند رسل ألا تتجاهل الفلسفة معطيات العلم ونتائجه. رابع خصائص المنهج التحليلي عند رسل وجوب اتخاذ مبادئ المنطق ونظرياته أساسًا للبحث الفلسفي، بقدر ما تسمح به طبيعة الأشياء.

أولًا: معنى التحليل عند رسل:

إذا كان رسل قد اعتبر المنطق صميم «ماهية الفلسفة»، فذلك لأنه قد فطن إلى أن التحليل هو الكفيل بإظهار أنه إما أن تكون المشكلة «منطقية»، وإما ألا تكون مشكلةً «فلسفيةً» على الإطلاق. والتحليل المنطقي عند رسل هو عمليةٌ ذهنيةٌ نضطلع بها حين نحاول توضيح التصورات والعبارات، سواء في مضمار الفلسفة أم في مضمار الحس المشترك، من أجل العمل على إزالة ما فيها من مظاهر الغموض والالتباس. وربما كان في الإمكان الوصول إلى مثل هذه النتيجة عن طريق ترجمة التصورات والعبارات إلى «لغةٍ مثاليةٍ» تكفل لنا الغاية المنشودة من وراء التحليل، والخطوة الأولى في سبيل العمل على تحقيق هذا البرنامج على الوجه الأكمل، إنما تكون أولًا بالعمل على تلافي أوجه النقص في لغتنا المنطقية، ومحاولة الوصول بها إلى درجةٍ أعلى من الكمال. وقد لاحظ رسل أن هناك مصاعب تكتيكيةً كبرى تعترض سبيلنا في هذا المضمار،

(82)

مما عاق المناطقة عن الوصول إلى «اللغة المثالية» المنشودة. وقد كان من بين هذه الصعوبات التي التقى بها رسل في دراسته لأسس الرياضيات، صعوبةٌ قادته بطريقةٍ غير مباشرةٍ إلى إدخال تعديلاتٍ هامةٍ على نظريته في اللغة. وآية ذلك أن رسل قد فطن إلى أنه لا بد من التمييز بين قضيةٍ تشير إلى مجموعة قضايا، وقضيةٍ أخرى تشير إلى واقعةٍ معينة، فإن هذا التمييز هو الكفيل وحده بتجنيب الفكر خطر الوقوع في العديد من المتناقضات التي لا سبيل إلى الخروج منها[1].

وهناك ثلاثة أنواعٍ للتحليل عند رسل نذكرها على النحو التالي:

التحليل باعتباره تعريفًا: وهو تصور موريس ويتز Morris Weitz لمنهج التحليل عند رسل. وبالرغم من أن رسل خلافًا لمور وغيره من التحليليين لم يحدد ما كان يعنيه بالتحليل، فإن ويتز يؤكد على أن رسل يتصور التحليل، وذلك من خلال استخداماته له على أنه صورةٌ من صور التعريف، سواء كان هذا التعريف تعريفًا شيئيًا أو تعريفًا سياقيًا، أعني أن التحليل إما أن يكون تعريفًا غير لغويٍ أو تعريفًا لغويًا. إن التحليل عند رسل يعني التعريف. وإن هذا التعريف إما أن يكون شيئيًا يستهدف القيام بعملية إحصاءٍ لخواص مركبٍ من المركبات، أو سياقيًا نقوم فيه بعملية استبدال رمزٍ برمزٍ غيره أو برموزٍ أخرى، فهو تعريفٌ يتعلق بمركباتٍ لغوية[2].

التحليل باعتباره تبريرًا: وهو تفسير آير للتحليل عند رسل. والمقصود هنا تبرير ما نأخذ به من معتقدات. ولكن لا ينبغي أن

(83)

نفهم من هذا التبرير أن رسل يستهدف بالضرورة إثبات صحة هذه المعتقدات ويقينها، فهو يستهدف فقط تحديد الأسباب التي أدت إلى الأخذ أو التسليم بها. فالاعتقاد الذي نخفق في إيجاد أسبابه هو اعتقادٌ يجب التخلي عنه.

أما التفسير الثالث لمنهج التحليل عند رسل فهو باعتباره نوعًا من الاختزال أو الرد سواء كان هذا الرد ردًا فيزيائيًا أو لغويًا أو رياضيًا. ويستهدف هذا الرد تطهير الفلسفة من الكيانات الوهمية التي درج الفلاسفة على إشاعتها وبثها في الكون. وقد كان هذا التحليل الردي نتيجةً منطقيةً لنصل أوكام الذي شغف به رسل وهو ما نعبر عنه بمبدأ الاقتصاد في الفكر. ويظهر التحليل الردي بوضوح في محاولة رد رسل الرياضيات إلى المنطق. وهو ما ظهر في كتاب أصول الرياضيات.

لقد اعتقد رسل أن التحليل منهجٌ لحل بعض المشكلات الفلسفية، لكنه كان مدركًا لحدود هذا المنهج الذي يعجز عن حل كثيرٍ من المشكلات الفلسفية التقليدية، خاصةً فيما يتعلق بمصير الإنسان وسعادته وأخلاقياته والحياة الآخرة ووجود الله وأصل الكون... إلخ[1].

ثانيًا: اختلاف التحليل الرسلي عن التحليل الموري:

ويتوقف كثيرٌ من الباحثين عند اختلاف التحليل عند مور عنه عند رسل، على النحو التالي: اختلف رسل مع مور في أنه قد اهتم

(84)

أكثر ببعض الأمور المنطقية وخاصةً نظرية العلاقات الخارجية، وكان رسل في ذلك متأثرًا بالتعارض الذي رآه قائمًا بين العلم المعاصر والميتافيزيقا المثالية، وإذا كان مور يعتبر الحس المشترك نوعًا من المطلق الإبستيمولوجي، فإن رسل ذهب إلى عكس ذلك، فرأى أن الحس المشترك ليس إلا صورةً فجةً غير منقحةٍ للمعرفة العلمية، فلم يلتزم رسل بالحس المشترك، فالعلم في اعتقاده يذهب إلى أبعد مما يذهب إليه الحس المشترك[1].

كان رسل يحاول في فلسفته الوصول إلى الدقة واليقين العلميين، وكان يرى أن للغة تأثيرًا على الحس المشترك بالرغم من أن هذا الحس المشترك هو الذي يوحد هذه المفردات اللغوية، فاللفظ يطبق أولًا على الأشياء المتشابهة تقريًبا دون أي بحث فيما إذا كان لهذه الأشياء أي موضع من مواضع الهوية، ولكن حينما يتوطد هذا الاستخدام للموضوعات التي يكون اللفظ مطبقًا عليها، يصبح الحس المشترك متأثرًا بوجود اللفظ، ويميل إلى افتراض وجوب أن يقوم لفظٌ واحدٌ لموضوعٍ واحد، ومن هنا جاء اهتمام رسل بالتمييز بين الصورة المنطقية الحقيقية للعبارة والصورة النحوية أو الظاهرية للعبارة، وترتب على رفض رسل للغة الحس المشترك العادية رفضه للقول بصدق اعتقادات الحس المشترك، فاللغة العادية من وجهة نظره عاجزةٌ عن التعبير بدقةٍ عن المفاهيم العلمية، كما أنها كثيرًا ما تضللنا بنظمها السيئة وبألفاظها الملتبسة[2].

(85)

طبق رسل منهجه التحليلي المنطقي على كثيرٍ من المشكلات الفلسفية، فاستخدمه في تحليل الموضوعات المادية إلى المعطيات الحسية أو الأحداث حيث كان يهدف رد الموضوعات المستدل عليها وعناصرها البسيطة التي نكون على ثقةٍ منها بحيث نستغني عن افتراض تلك الكائنات، ونكتفي بتقرير هذه العناصر ما دامت تحقق جميع الأغراض، كما طبق منهجه على كثير من المجالات الرياضية والمنطقية واللغوية وجاءت نظريته للأوصاف لتحليل القضايا أو العبارات التي ترد فيها جملٌ وصفية، وتهدف هذه النظرية إلى استبعاد مثل هذه الجمل التي ليست بأسماء حقيقية وبالتالي استبعاد الكائنات غير الواقعية.

التحليل عند رسل منهجٌ منطقيٌ عام، يهدف إلى إقامة صرح الفلسفة العلمية التي بشر بها، فهو يرى أن كل مشكلةٍ فلسفيةٍ حين تخضع للتحليل والفحص الضروريين تظهر إما على أنها ليست مشكلةً فلسفيةً حقيقيةً على الإطلاق، وإما أن تكون مشكلةً منطقيةً بالمعنى الذي نستخدم فيه هذا اللفظ.

والتحليل عند رسل يعني التعريف، والتعريف إما أن يكون «شيئيًا»، يستهدف القيام بعملية إحصاءٍ لخواص مركبٍ من المركبات، أو «سياقيًا» نقوم فيه بعملية استبدال رمزٍ برمز أو برموزٍ أخرى، فهو تعريف يتعلق بمركباتٍ لغوية[1]. وأدوات التحليل عند رسل هي المبادئ أو القواعد، مثل «نصل أوكام». كما جعل رسل

(86)

للمنطق دورًا رئيسيًا في هذا المنهج وفي فلسفته بشكلٍ عام، فالمنطق عنده جوهر الفلسفة، ويقصد هنا المنطق الرياضي، فاللغة المنطقية هي اللغة المتكاملة وهى اللغة المثالية، وهنا يسير رسل عكس مور الذي كان يرى أن اللغة هي اللغة العادية أو الجارية، وقد رفض رسل هذه اللغة العادية؛ لأنه «لا ينبغي في محاولتنا التفكير الجاد أن نقنع باللغة الجارية، وإنني ما زلت على اقتناعٍ بأن التشبث العنيد بهذه اللغة في أفكارنا الخاصة يشكل أحد المصاعب الأساسية في سبيل إحراز تقدمٍ في الفلسفة»[1]. إن كثيرًا من النظريات الحالية لا يمكن ترجمتها إلى أي «لغة دقيقة».

ثالثًا: سمات منهج التحليل عند رسل:

يتسم المنهج التحليلي المنطقي عند رسل بعدة سماتٍ أهمها:

أولًا: الموقف الشكي؛ لا بد أن نقف موقفًا شكيًا إزاء ما نسلم به، «فالشك المنهجي يشكل عمودًا رئيسيًا من أعمدة صرح الفلسفة لأنه يحررنا من العادات الذهنية التي لا تتلاءم والموقف الفلسفي الصحيح».

ثانيًا: طبيعة النتائج؛ نتائج استخدام منهج التحليل في الفلسفة هي نتائج جزئيةٌ ومحتملةٌ وليست كليةً ومطلقةً. «إن النتائج التي تنتهي إليها الفلسفة لا تختلف اختلافًا جوهريًا عن النتائج التي يصل إليها العلم، وكل ما يميز الفلسفة عن العلم هو أنها أكثر نقدًا وتعميمًا».

(87)

ثالثًا: الابتعاد عن الأنساق في الفلسفة هو ملمح من الملامح العلمية لمنهج رسل[1].

ومن أهداف التحليل ازدياد المعرفة، فالتحليل يمدنا بمعرفةٍ جديدة، ولا تقتصر مهمته على مجرد التوضيح، سواء كان توضيح الوقائع التي نعرفها بالفعل أو توضيح الألفاظ كما يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، فالهدف الأساسي من التحليل عند رسل هو توضيح وتحديد المفاهيم، وكشف الجوانب البنائية في القضايا والبديهيات وغيرها، وما يترتب على علاقات الرموز والمفاهيم بعضها ببعض وارتباط هذه العناصر والقضايا والبديهيات والمبادئ والفروض في النظام العلمي أو النظرية[2].

ويرى رسل أن أفضل طريقةٍ لفهم دور التحليل المنطقي كمنهج، هو أن ننظر إلى النظرية أو النظام العلمي على أساس أنه يمثل لغةً، فنتحدث عن اللغة الرياضية لنظرية الإعداد الطبيعية واللغة الفيزيائية للميكانيكا واللغة الفيزيائية لنظرية الكم أو النظرية النسبية[3].

والغاية من التحليل عند رسل تأسيس أنساقٍ لغويةٍ جديدةٍ اصطناعية Artificial، أي نصل من خلاله إلى لغةٍ مثاليةٍ أو لغةٍ كاملةٍ منطقيًا وتسمى أحيانًا «بالحساب» لصلتها بالأنساق الرياضية، ويشترط رسل في هذه اللغة أن تكون قواعدها أكثر وضوحًا واكتمالًا وتحديدًا من القواعد التي تستخدم في اللغة العادية، وللمنهج التحليلي عند رسل وجهين، الأول: فلسفي، والثاني: رياضي.

(88)

ونصل إلى الأول بتحليل التجربة أو الخبرة أو بتحليل اللغة، فيما نصل إلى الثاني بتحليل المفاهيم والتصورات الرياضية وردها إلى مفاهيم منطقية. والنظريات التي توصل إليها في المنطق والفلسفة حصل عليها بتحليله لعناصر الخبرة والتجربة ومن تحليله للغة[1].

ويصف رسل منهجه التحليلي بأنه منهجٌ محددٌ تمامًا وقابلٌ للتجسيد في قواعد وهذا المنهج أشبه بعملية رؤيتنا لشيءٍ بالعين المجردة أولًا ثم فحصه بعد ذلك من خلال مجهر، فعند تركيز الانتباه تظهر تقسيماتٌ وتميزاتٌ لم يكن أيٌ منها ظاهرًا من قبل[2]. إن هذا المنهج هو أداةٌ توضح لنا ما هو غامضٌ وتفك المركبات إلى أجزائها، وهو صورةٌ من صور التعريف الواقعي.

رابعًا: أنواع التحليل عند رسل:

قسّم رسل التحليل ثلاثة أنواع هي:

التحليل التوضيحي أو التفسيري: وهو في حقيقته تقريرٌ عن استخدام الحد، ومن ثم فهو ليس مثيرًا للخلاف، وهذا التحليل لا يعطينا بحالٍ نظريةً عن العالم، أي أنه لا يمكن أن نتوصل إلى حقائق تتعلق بالعالم الواقعي بمنهجٍ غير تجريبي وهو منهج تحليل التصورات.

التحليل الفلسفي: وهو يتجاوز نطاق الحدود، فهو تحويليٌ أو تحريفيٌ لأنه ينتهي بنا إلى التحليل اللغوي المسؤول عن الوهم

(89)

السيانطيقي ـ والوهم هنا هو أن نتوهم أن القضايا لها قيمةٌ إشاريةٌ بينما ليست لها في الحقيقة هذه القيمة. إن التحليل الفلسفي عكس التحليل التوضيحي فهو ينتهي إلى نظرياتٍ مختلفةٍ فيما بينها إلى حد التناقض، وقد فسر «آير» التحليل عند رسل بأنه تبرير، أي تبرير ما نأخذ به من معتقدات، ولا يستهدف رسل من هذا التبرير إثبات صحة المعتقدات ويقينها لأن رسل يرى أن الجانب الأكبر من اعتقاداتنا قد وصلنا إليها بالاستدلال[1].

والتحليل إما أن يكون تحليلًا لغويًا أو يكون تحليلًا سياقيًا، وهو نوع من الاختزال أو الرد Reduction سواء كان ردًا فيزيائيًا أو لغويًا أو رياضيًا. ومن أهداف منهج التحليل الوصول إلى ما تقع تحت الملاحظات الحسية من كائناتٍ لسهولة فهمها وبساطتها والاستغناء عن الكائنات المجردة لصعوبة فهمها وتعقيدها[2]. وهذا النوع الردي هو نتيجةٌ منطقيةٌ لنصل أوكام الذي يقضى بألا نزيد من الكائنات بدون ضرورةٍ تستلزم ذلك.

واستخدم رسل التحليل الردي في تحليل الرياضة وردها إلى المنطق، وكذلك في تحليل العالم المادي، وانتهى إلى «أن المادة عند تحليلها ترتد إلى ذراتٍ صغيرةٍ ليست بسيطةً لأنها مركبةٌ من علاقاتٍ وأحداثٍ متفاعلةٍ بين (الكتروناتٍ) تتحرك داخل الذرة»[3]. كما استخدمه في تحليل الفكر والعقل، فالشعور ليس شيئًا ماديًا مستقلًا بذاته، إنما هو مجموعةٌ من الأحداث تلتقي فيها الحواس بالمعطيات الخارجية بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ لتصبح بعد ذلك

(90)

معرفةً. أما العقل فقد رده رسل بالتحليل إلى مجموعةٍ من أحداثٍ متغيرةٍ وتتعدد عند علاقتها ببعض.

واستخدمه في تحليل اللغة والكلام، طالما أن حقائق الرياضيات والمادة والفكر ترتد بالتحليل إلى وقائع جزئية وطالما أن أحداث العقل وعلاقاته الجزئية تنصب على حقائق خارجية جزئية، فلا بد من أن تكون اللغة التي تعبر عن الإدراك أيضًا جزئيةً ومباشرة.

لقد أراد رسل لفلسفته أن تكون «ذريةَ الجوهرِ» تحليليةَ الطابع، خاصةً وأن الصفة التحليلية في العلوم الفيزيائية ارتبطت بالصفة الذرية، كما أن فكرة الذرية المنطقية في بدايتها ارتبطت بالرياضيات عند رسل فاهتمام رسل بالرياضيات سابقٌ على اهتمامه بالفلسفة.

أهمية نظرية الأوصاف: إن نظرية الأوصاف عند رسل هي ببساطةٍ طريقةٌ لتحليل القضايا والعبارات التي يرد فيها عباراتٌ وصفية، وتهدف هذه النظرية إلى استبعاد مثل هذه العبارات التي ليست بأسماء حقيقية، وبالتالي استبعاد الكائنات غير الواقعية.

تعرضت هذه النظرية لعدة انتقادات كان أهمها: أن النقطة الرئيسة في هذه النظرية هي أن الجملة قد تسهم في معنى العبارة دون أن يكون لها أي معنى بمفردها على الإطلاق، ويرى وايتهد أن من أخطاء رسل في هذه النظرية أنه استخدم لفظ «يعني» بمعنى «يشير إلى» refered to، ولكن هذا النقد يفقد قيمته مع آير الذي رأى أن نظرية الأوصاف لم تكن تهدف إلى تقديم ترجماتٍ للعبارات التي تعالجها، بل بالأحرى إلى شرحها أو تفسيرها، ومن شأن هذا الشرح أن يحمل معلوماتٍ جديدةً لم تكن متضمنةً في العبارات الأصلية.

(91)

المبحث الثالث: التحليل عند فتجنشتين

تمهيد:

التحليل عند فتجنشتين، ثالث التحليليين، هو السمة البارزة في فلسفته، يستخدمه منهجًا في الفلسفة، وهو لا يستهدف التحليل لمجرد تقسيم العالم إلى مجموعةٍ من الوقائع، أو رد اللغة إلى عدة قضايا، أو رد المعنى إلى طريقة استخدامنا للألفاظ. إنما يستخدم التحليل لكي يوصله إلى غايةٍ أبعد من ذلك، وهي توضيح المشكلات الفلسفية، التي إذا ما وضع معظمها تحت مجهر التحليل، زال عنها كل غموض، واتضح أنها إما مشكلاتٌ زائفة أو أنها ليست بمشكلاتٍ أصلًا. فيما يوضح عزمي إسلام الذي قدم دراساتٍ متعددةً حول الفيلسوف، ونعتمد عليه في هذا القسم بصفةٍ أساسية[1]، يقول فتجنشتين في هذا الصدد: «إن معظم القضايا والأسئلة التي كتبت عن أمورٍ فلسفيةٍ ليست كاذبةً، بل هي خاليةٌ من المعنى. فمعظم الأسئلة والقضايا التي يقولها الفلاسفة إنما تنشأ عن حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا. وإذن فلا عجب إذا عرفنا أن أعمق المشكلات ليست في حقيقتها مشكلاتٍ على الإطلاق»[2].

(92)

ليست الفلسفة عند فتجنشتين إقامة الأنساق الميتافيزيقية، بقدر ما أضحت كلها تحليلًا ونقدًا للغة. ومن المعروف أن مفهوم الفلسفة عنده هو توضيحٌ للأفكار عن طريق تحليل العبارات التي تصاغ فيها هذه الأفكار، فهو يؤكد في الرسالة الفلسفية المنطقية: «إن موضوع الفلسفة هو التوضيح المنطقي للأفكار. فالفلسفة ليست نظريةً من النظريات، بل هي فاعلية. ولذا يتكون العمل الفلسفي أساسًا من توضيحات»[1]. معنى ذلك أن التحليل عنده لا يضيف إلى معرفتنا جديدًا. بل هو مجرد طريقةٍ توضح ما نقوله، لكي نتبين ما له معنى من كلامنا وما لا معنى له، وأن نتكلم بالتالي كلامًا له معنى.

والهدف من التحليل عنده، سواء في فلسفته الأولى كما في الرسالة المنطقية الفلسفية، أو في فلسفته المتأخرة كما في كتاب الأبحاث الفلسفية، الذي يرى أن المشكلات يتم حلها لا بإعطائها تفسيرًا جديدًا بل بواسطة ترتيب وتنظيم ما نعرفه بالفعل من قبل هو التوضيح. فالفلسفة معركةٌ ضد البلبلة التي تحدث في عقولنا لاستخدام اللغة. وهو بهذا يعتبر أن مهمة الفلسفة مهمةٌ علاجيةٌ تهدف إلى علاج المشكلات الفلسفية التي تنشأ عن الخلط والبلبلة في أذهاننا الناتجة عن سوء استخدام اللغة.

أولا: التحليل في الرسالة المنطقية الفلسفية:

يميز الباحثون بين مرحلتين في تفلسف فتجنشتين، تظهر الأولى في الرسالة المنطقية الفلسفية، والثانية في أبحاث فلسفية. ويميزون بين طريقته في التحليل في فلسفته الأولى وفلسفته المتأخرة.

(93)

فالتحليل في فلسفته الأولى يعتمد على رد ما هو مركبٌ إلى عناصره الأولى أو إلى وحداته البسيطة التي لا تنحل إلى ما هو أبسط. وهو ما نجده في الرسالة المنطقية الفلسفية، التي يرى فيها أن العالم ينحل إلى وقائع، تنحل بدورها إلى بسائط أو أشياء. واللغة تنحل إلى مجموعة من القضايا الأولية أو الذرية، والقضية الأولية تنحل إلى أسماء، وهكذا. بينما يسلك التحليل في فلسفته المتأخرة اتجاهًا آخر، فهو ينصب على اللغة لمعرفة الطريقة التي تستخدم بها الألفاظ بالفعل، أي على ما يطلق عليه ألعاب اللغة. وقد عبر فتجنشتين عن معنى التحليل بقوله: «ويزول ذلك اللبس وسوء الفهم المتعلق باستخدام الألفاظ إذا ما استبدلنا صورة تعبيرٍ بصورة تعبيرٍ أخرى، ونستطيع أن نسمي ذلك بتحليل صورة التعبير»[1]. وتحليل اللغة مرتبطٌ بتحليل العالم طالما أن القضية الأولية ـ الوحدة الأخيرة التي تنحل إليها اللغة ـ تكون رسمًا للواقعة الذرية وهي الوحدة الأولية التي ينحل إليها العالم. كما أن تحليل الفكر مرتبطٌ عنده بتحليل اللغة، طالما أن اللغة هي الصياغة اللفظية أو الجهاز الرمزي الذي نعبر به عن الأفكار والمعاني المختلفة.

نبدأ من فتجنشتين الأول وتحليل العالم، حيث يجعل من تحليل العالم هدفًا لفلسفته كما يظهر في أهم أعماله في المرحلة الرسالة المنطقية الفلسفية، ومع أن الغرض الأساسي من التحليل عنده هو تحليل اللغة، وتوضيح كيف يكون سوء فهمنا لمنطقها هو السبب في ظهور كثيرٍ من مشكلات الفلسفة؛ فإن تحليل اللغة بالطريقة التي ذهب إليها في الرسالة يعتمد اعتمادًا أساسيًا على تحليل العالم؛ فهو

(94)

يحلل اللغة إلى مجموعةٍ من القضايا الأولية التي يتوقف صدقها أو كذبها على مدى مطابقتها للواقع الخارجي.

ولما كان العالم فيما يرى هو مجموع الوقائع الذرية الموجودة، كان من الضروري أن يصبح حديث فتجنشتين عن تحليل العالم سابقًا لحديثه عن تحليل اللغة. ويشير عزمي إسلام إلى أن معنى العالم عند فتجنشتين يحتاج إلى نوعٍ من التحديد، ويناقش المقصود بالعالم من أجل تحديده، فهو أحيانًا يدل على العالم الموجود الفعلي، كما أنه قد يدل أحيانًا أخرى على العالم الممكن لا الفعلي. وهناك بعض عباراتٍ أخرى من رسالته لا توحي بالاقتصار على أحد المعنيين السابقين، بل إن فتجنشتين يجمع بينهما معًا، في مثل قوله: «إن جملة الوجود الخارجي هو العالم»، وقوله: «إن الوجود الخارجي هو وجود وعدم وجود الوقائع الذرية».

يبدأ فتجنشتين تحليله للعالم في الرسالة بتعريفه: «إن العالم هو جميع ما هنالك»، بمعنى أن كل ما هو موجود يدخل في تكوينه. وعلى ذلك فالعالم مركبٌ وليس بسيطًا. ويسمي تلك الأجزاء التي يتكون منها العالم الوقائع Facts، «فالعالم هو مجموع الوقائع لا الأشياء»[1]. فالواقعة هي الوحدة الأولى التي ينتهي إليها تحليل العالم عنده.

ويلاحظ أن فتجنشتين لا يضع تعريفًا محددًا لمعنى الواقعة، بل إنها عنده مما (لا يمكن تعريفها على وجه الدقة ولكن يمكن شرح ما نعنيه بقولنا إن الوقائع هي ما تجعل القضايا صادقةً أو كاذبة).

(95)

وهو يتناول الوقائع من زاويتين: الأولى من حيث البساطة والتركيب، والثانية من حيث الإيجاب والسلب. فمن حيث البساطة والتركيب: الواقعة عند فتجنشتين: إما مركبةٌ تتكون هي نفسها من وقائع أخرى أبسط منها، أي تحتوي على أجزاء هي نفسها وقائع. ومن حيث السلب والإيجاب: إن الواقعة الذرية عند فتجنشتين، إما أن تكون موجبةً فتمثل ترابط الأشياء على نحوٍ معينٍ في الواقع الخارجي أو سالبةً لا تمثل النحو الذي توجد عليه الأشياء في الواقع. والأشياء عند فتجنشتين هي أقصى ما تصل إليه عملية التحليل، وإن لم تكن هي عنده المكونات المباشرة التي يتكون منها العالم، بل هي المكونات التي تتكون منها الواقعة، والوقائع هي التي يتكون منها العالم.

وسنعرض على التوالي، تحليل اللغة، تحليل القضايا، تحليل الألفاظ. لقد كان تحليل اللغة هو الهدف الأساسي من فلسفة فتجنشتين كما يظهر في مقدمة الرسالة المنطقية الفلسفية وهي «كتاب يعالج مشكلات الفلسفة»، والذي دعا إلى إثارة هذه المشكلات هو «أن منطق لغتنا يساء فهمه»[1]. ومن الواضح أن فتجنشتين يهدف من وراء تحليل اللغة إلى معرفة الحدود التي يجب أن تستخدم فيها بطريقةٍ ذات معنى، وإلا كانت لغتنا مجرد لغوٍ لا معنى له. وقد حاول أن يطبق ذلك بالنسبة لعبارات اللغة التي تصاغ فيها المشكلات الفلسفية بعامةٍ والميتافيزيقا بخاصة، وانتهى إلى أن معظم القضايا والأسئلة التي كتبت عن أمورٍ فلسفيةٍ ليست كاذبة، بل هي خالية من المعنى.

(96)

ويرى فتجنشتين أننا نعبّر عن أنفسنا بواسطة القضايا، ولذا فاللغة «هي مجموع القضايا». والقضية هي المعنى الذي يفهم من العبارة أو الجملة اللغوية، التي يمكن الحكم عليها بالصدق أو الكذب. ولقد تناول القضايا في رسالته بالتحليل من أكثر من زاوية، لكنه لم يعرض لمثل ذلك في فلسفته المتأخرة لأن تناوله إياها كان مختلفًا.

تحليل الألفاظ يشكل مبحثًا رئيسيًا وهامًا في فلسفة فتجنشتين، وإن كانت طريقة تحليله لها مختلفةً في فلسفته الأولى عنها في فلسفته المتأخرة. كما أن طريقة تناول فتجنشتين للرياضيات في فلسفته المتأخرة، تلقي كثيرًا من الضوء على فكرته عن استخدام اللغة. فكما أن معنى اللفظ يتوقف بناءً على لعبة اللغة التي نستخدمها، وكما أن ألعاب اللغة تتحدد وفقًا لقواعد معينةٍ فكذلك الرياضيات. لم تقتصر تحليلات فتجنشتين على مفاهيم الرياضيات والمنطق والفلسفة، إنما تعدت ذلك إلى تناول الكثير من تصورات العلم الفيزيائي بالنقد والتحليل.

ثانيًا: التحليل في أبحاثٍ فلسفية:

وإذا كان فتجنشتين قد نبه فى رسالته إلى ضرورة وجود لغةٍ كاملةٍ منطقيًا واعتقد الوضعيون المناطقة ـ من جانبهم ـ أنه يشير بهذا إلى الحساب الرمزي الذي كانوا يستهدفون تحقيقه من أجل تحليل اللغة العلمية، فإن فتجنشتين فى مرحلته المتأخرة قد رفض مثل هذا الحساب ولم يعترف بأهميته فى حسم مشاكل الفلسفة، فقد ركز ـ بتأثير جورج مور ـ على تحليل اللغة الجارية.

وقد ترتب على إدراك فتجنشتين للوظائف المتعددة للغة تغييرٌ في

(97)

الدور الذي تقوم به الفلسفة. وأهم ملامح هذا التغيير أن فتجنشتين أصبح قادرًا ـ خلافًا للوضعيين المناطقة ـ على قبول بعض العبارات الميتافيزيقية. فقد تغيرت النظرة إلى الفيلسوف الميتافيزيقي ولم يعد خارجًا وإنما أصبح جانحًا، وتصبح المهمة الجديدة التي يمكن للفلسفة أن تنهض بها مهمةً علاجيةً Thereutic.

ونشير هنا إلى أن الوضعية المنطقية حرصت على بلوغ نفس الهدف عندما ربطت اللغة بالتجربة ربطًا علميًا، وصياغة الواقع الخارجي صياغةً منطقية، ورأت أنه لا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية إلا عن طريق التسلح بأسلحة التحليل المنطقي من أجل صياغة التفكير الفلسفي بخصائص المعرفة العلمية ألا وهي «الوضوح ـ الاتساق الباطني ـ القابلية للفحص ـ التكافؤ ـ الدقة والموضوعية».

ولعل هذا ينتهي بنا إلى ما يرمي إليه ويضعه فتجنشتين نصب عينيه في الفلسفة. إنما الهدف عنده هو تحليل مشكلات الفلسفة، وذلك لتوضيحها وبيان ما هو حقيقيٌ منها وما هو زائف، عن طريق تحليل عبارات اللغة التي تساق فيها هذه المشكلات. إن الفلسفة عنده فاعليةٌ ونشاط، هي عنده حركة الفكر ودأبه في تعقبه لعبارات الفلسفة والعلم من أجل تحليلها، لتوضيحها وإلقاء الضوء على معناها[1].

على الرغم مما وجه من نقدٍ إلى فلسفة فتجنشتين بصفةٍ عامة، إلا أن ذلك النقد لم يكن، فيما يقرر عزمي إسلام، ليقلل من تأثيره

(98)

الكبير في الفكر المعاصر. فقد كان لأغلب الأفكار التي ذهب إليها ـ سواء في فلسفته الأولى أو المتأخرة مثل: فكرته عن الذرية المنطقية وعن النظرية التصويرية للغة، وعن تحقيق القضايا وعن الخلو من المعنى والميتافيزيقا، وعن نظرية الاستخدام الفعلي للغة، وتصوره الجديد لوظيفة الفلسفة ولمهمة الفيلسوف، وللمنهج الذي ينبغي اصطناعه في التفلسف وهو المنهج التحليلي ـ كان له أبلغ الأثر في كثير ممن عاصره أو جاء بعده من الفلاسفة، ويمكن تحديد هذا التأثير في برتراند رسل، وفلاسفة الوضعية المنطقية، وفلاسفة اللغة المعاصرين[1].

1ـ يمكن القول، كما هو معروف، إنه على الرغم من أن رسل كان أستاذ فتجنشتين في جامعة كيمبردج، إلا أن التأثير كان متبادلًا بينهما، فكما أثر رسل في فتجنشتين وخاصًة في بداية تفكيره، وفي نظريته الذرية بصفةٍ عامة، فهو أيضًا قد تأثر ببعض أفكار فتجنشتين. ويعترف رسل بذلك الأثر. ومما هو جدير بالذكر أن هذا التأثير كان مؤقتًا، إذ عاد رسل فغير من وجهة نظره الفلسفية بعد ذلك في هذا الصدد.

يتضح مما سبق أن فتجنشتين عرض فلسفته التحليلية على مرحلتين: الأولى «فتجنشتين المبكر» في كتابه رسالة منطقية فلسفية ـ والثانية «فتجنشتين المتأخر» في كتابيه الأزرق والبني وكتابه بحوث فلسفية.

وقد بدأ فتجنشتين رَسِليًا (مؤيدًا لتحليل رسل) يميل إلى تحليل

(99)

اللغة الاصطناعية «العلمية» وانتهى مورِيًا يميل إلى تحليل اللغة العادية، وأهم أهداف التحليل عنده هو تعيين حدود اللغة أي حصر القضايا الواقعية التي تستوعب قضايا العلم وقضايا الحياة اليومية، والفلسفة عنده ليست علمًا من العلوم الطبيعية، وإنما هي شيءٌ إما أن يكون أعلى أو أدنى من العلوم الطبيعية.

نظر فتجنشتين إلى المنطق باعتباره إطارًا لكل اللغة الواقعية، ومن يبحث عن المنطق إنما يبحث أيضًا في الطبيعة الجوهرية للغة، والمنطق عبارةٌ عن خريطةٍ لكل الإمكانيات أي لكل ما يمكن تصوره والتفكير فيه، ولهذا يصرح في رسالته «حدود اللغة» و»حدود كل العوالم الممكنة، كما يقول إن الكشف عن بناء أو تركيب اللغة هو الذي يكشف لنا عن بناء أو تركيب العالم» «إن حدود لغتي هي حدود عالمي». واللغة تصور الوقائع أي لا بد أن تكون اللغة شبيهةً من حيث البنية بما تصوره.

صنف فتجنشتين القضايا المنطقية إلى نوعين: الأول: القضايا التحليلية وهى قضايا المنطق والرياضيات وهي تحصيل حاصل، وصادقة بالضرورة، وقضايا خالية من المعنى لكنها مع ذلك صادقةٌ لأنها عباراتٌ مفهومةٌ ولكنها ليست صورًا للواقع، وهي تتعلق ببناء اللغة. الثاني: قضايا الميتافيزيقا: وهي تعبر عن كياناتٍ غير واقعية، وهي خاليةٌ من المضمون فارغةٌ من المعنى.

التحليل إذًا هو السمة البارزة للفلسفة عند فتجنشتين، وعندما تستخدم الفلسفة التحليل تستخدمه كمنهجٍ لا كغاية، فهو لا يهدف من التحليل مجرد تقسيم العالم إلى وقائع أو رد اللغة إلى

(100)

عدة قضايا، إنما يستخدم التحليل كمنهجٍ فلسفيٍ من اجل توضيح المشكلات الفلسفية التي إذا ما وُضع معظمها تحت مجهر التحليل زال عنها كل غموضٍ واتضح أنها مشكلاتٌ زائفةٌ أو أنها ليست بمشكلاتٍ أصلًا، إن الهدف من التحليل هو توضيح ما نعرفه من قبل وليس إضافة.

إن الفلسفة عبارةٌ عن معركةٍ ضد البلبلة التي تحدث في عقولنا نتيجةً لاستخدام اللغة، فالتحليل الفلسفي إذًا أسلوبٌ فنيٌ أو تكنيك Technique لعلاج المشكلات الفلسفية، ويحدد فتجنشتين القضايا الذرية بأنها أبسط أنواع القضايا، وهي بحالات الأشياء الوقائع الذرية التي تتكون منها القضايا، ويؤكد فتجنشتين على أن العلاقة بين اللغة والعالم الخارجي ليست علاقة تلازمٍ ضروري، وهو ما يعني أنه ليس من الضروري عند استعمال اللغة في عملية التفاهم وتبادل الأفكار حضور الأشياء التي نتحدث عنها، لأن الفكرة هنا تقوم مقام الأشياء وتتجاوزها في معظم الحالات.

اعتبر فتجنشتين «المتأخر» اللغة العادية جزءًا من التاريخ الطبيعي للإنسان «فاللغة الجارية هي جزءٌ من الكيان العضوي الإنساني»، ويقول في كتابه بحوث فلسفية: «إن الصور الأولية مثل إصدار الأوامر وطرح الأسئلة وسرد الأحداث والثرثرة هي جزٌء من تاريخنا الطبيعي «سيرة حياتنا» كالمشي والأكل والشرب واللعب»، وذهب إلى أبعد من ذلك فقال: «إن اللغة العادية صحيحةٌ تمامًا ولا يحق للفلسفة أن تتدخل في الاستعمال العادي للغة، وكل ما يمكن فعله هو أن تصف هذا الاستعمال فحسب ولا يجوز أن تتدخل الفلسفة مطلقًا في الاستعمال الفعلي للغة ويمكن في النهاية أن

(101)

تصفه فحسب لأنها لا يمكن أن تعطيه أي أساس، ومهمة الفيلسوف هي إعادة الكلمات من استعمالها الميتافيزيقي إلى استعمالها العادي في الحياة اليومية».

يطرح مدين الكثير من التأويلات لفكر فتجنشتين التي تتجاوز التناول التحليلي بالمعنى الاصطلاحي ومنها على سبيل المثال: هل كان فتجنشتين فيلسوفًا تحليليًا؟ قد يصاب القارئ بالدهشة عندما يقرأ هذا السؤال، ولكنه سؤال يُطرح الآن، أعني هل من الصواب أن ننظر إلى فتجنشتين على أنه فيلسوفٌ تحليليٌ فحسب، وبنفس المعنى الذي نتناول به فلاسفة مثل جورج مور ودونالد ديفيدسون، على سبيل المثال؟

التفسيرات الوجودية Existential Interpretations: وهي تفسيراتٌ تعتمد على خطابات وتقارير أصددقاء فتجنشتين مثل Drury، Engelmann، فقد تم استخلاص المظاهر الصوفية والأخلاقية والدينية في تفكيره، وتم التركيز على هذه المظاهر وربطها بالمفكرين الوجوديين مثل كيركيجارد، تولستوي، ونيتشه.

التفسيرات العلاجية Therapeutic Interpretation: وذلك اعتمادًا على المقاربات الشهيرة مع «التحليل السيكولوجي»، وهي تفسيرات تقوم على أن هدف الملاحظات التي قدمها فتجنشتين في أعماله الأخيرة ليست «توضيحات تصورية»، وإنما هي فقط «محاولاتٌ علاجية» لجعلنا نستبعد المشكلات الفلسفية لتحقيق «الهدوء والسكينة الذهنية». وبعبارة أخرى: «إن هذه الملاحظات اللغوية ليست جزءًا من حججٍ فلسفيةٍ تلجأ إلى العقل إنما صُممت

(102)

Designed بهدف إيجاد صورة من صور «التحول» Conversion في نظرتنا، وتعبر عن منظورنا».

التفسيرات ما بعد الحداثية: وهي التفسيرات التي دشنها ريتشارد رورتي والتي وفقًا لها يكون فتجنشتين مع هيدجر والبرجماتية قد مهدوا السبيل لما يمكن أن نطلق عليه «الفلسفة التنويرية»، وهي فلسفة تلاشى فيها الاهتمام بالصدق والموضوعية لصالح «التأويل»، مستهدفةً الإبقاء على الحوار واستمراره. فإن رورتي يرى أن فتجنشتين يدعم هجوم كلٍ من جون ديوي وويلارد فان أورمان كواين على فكرة أن الفلسفة «كيانٌ أو موضوعٌ متميزٌ عن العلوم التجريبية»، وبالمثل يستحضر فرانسوا لليوتار فتجنشتين في هجومه على «ما بعد السرديات»، أو السرديات الكبرى والضخمة[1].

يؤكد جادامر أن هناك بين فتجنشتين المتأخر، وبالمثل «أوستن»، وفلاسفة اللغة الآخرين، مواطن اتفاقٍ كبيرةً مع المفكرين أصحاب الاتجاهات «الفينومينولوجية والاتجاهات التأويلية» ومن بينهم هيدجر نفسه. فهناك توجهٌ عامٌ نحو اللغة باعتبارها «اهتمامًا فلسفيًا»، بل إن عمل فتجنشتين يعبر وبوضوحٍ عن مقاربةٍ «كليةٍ» Holistic نحو الفهم الإنساني، بالإضافة إلى أن تصوره للمنهج الفلسفي يماثل ما نجده، بالفعل، في عمل هيدجر، «فإن فلسفة فتجنشتين تُعد مثل فلسفة هيدجر، فهي فلسفةٌ في صميمها تأويلية Hermeneutical».

وقد وجد بوفريس ضالته في فلسفة فتجنشتين. ولكن بوفريس

(103)

لم يكن من طراز الفيلسوف التحليلي الذي يتصف بالاهتمام الضيق والمحدود، على نحو ما نجده في أعمال الفلاسفة التحليليين في البلاد الأخرى. ويظهر هذا بوضوح في اهتمامه الواسع ومثابرته على ربط فكر فتجنشتين بفكر سيجموند فرويد، أو فريرز، أو اهتمامه بالروائي روبرت موزيل، وهو الاهتمام الذي عبر عنه في كتابه الإنسان المحتمل، روبرت موزيل، المصادفة، والمتوسط، وسلحفاة التاريخ (1983)، فقد كان له تأثيرٌ عظيمٌ في خلق الاهتمام بالفلسفة التحليلية في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، ويتضح هذا في اختياره لأول كرسي في الكوليج دو فرانس[1].

(104)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

التحليل والوضعية المنطقية

 

(105)

الفصل الرابع: التحليل والوضعية المنطقية

تمهيد:

بدأ الجيل الأول من الوضعيين أعضاء جماعة فيينا عملهم تحت تأثير إرنست ماخ Mach E. (1838 – 1918)، وقد كان من بينهم كل من: فيليب فرانك Frank Philip وهانزمان Hansmann، وريتشارد فون ميزس Mises von Richard، وأوتو نيوراث Neurath Otto. وقد نشطت هذه الجماعة الصغيرة خلال العشرينيات من القرن العشرين، فقد كانت تعقد المناقشات بين مجموعةٍ من العلماء والفلاسفة الذين كانوا يلتقون بانتظام في دائرة فيينا وحلقة برلين للفلسفة التجريبية.

وقد أدى اجتماع هؤلاء إلى ظهور النظرة الوضعية المنطقية، تلك التسمية التي ظهرت في 1931 على يد بلومبرج، وهربرت فايجل. وكان مورتس شليك Schlick Moritz (1882 – 1936) رئيسًا لدائرة فيينا فيما بين 1924 و1936، وكان من أبرز المساهمين في هذه الجماعة فيكتور كرافت وكورت ريدميستر وفليكس كوفمان. وكان أهم من انضم إلى هذه الجماعة هو رودلف كارناب[1] R. Carnap

(106)

1926، وكان من الأعمال التي انشغلت بها دائرة فيينا فى بداية تكوينها مناقشة ونقد رسالة فتجنشتين.

وقم تم في نهاية العشرينات تحديد وتعميق هذه النظرة الفلسفية، وذلك عندما نشر فلاسفة فيينا الوضعيون برنامجهم «التصور العلمي للعالم: دائرة فيينا»، والذي اعتُبر بمثابة وثيقة استقلالهم عن الفلسفة التقليدية[1]. ونستطيع أن نتبين وجود ثلاثة روافد أثّرت في نشأة هذه الحركة:

أنها تأثّرت بالفلسفتين التجريبية والوضعية وخاصةً عند هيوم وجون ستيورات مل وإرنست ماخ وبوانكاريه. وقد عبر هانز مان عن هذا بقوله إننا نعرف أنفسنا على أننا استمرارٌ للحركة التجريبية في الفلسفة. كما تأثّرت بالمنطق الرمزي والتحليل المنطقي للغة، كما تطورا عند كلٍ من جوتلب فريجة ورسل وفتجنشتين.

ونستطيع أن نلخّص السمات الفكرية العامة التي تجمع بين الوضعيين المناطقة في النقاط التالية:

التأكيد على الاتجاه العلمي، وعلى وحدة العلم، التأكيد على الاتجاه التجريبي الوضعي، وعلى التحليل المنطقي للغة، التأكيد على أن وظيفة الفلسفة هي تحليل المعرفة وخاصةً المتعلقة بالعلم، وعلى أن المنهج المتبع فى هذا الصدد، هو تحليل لغة العلم.

وعلى امتداد ثلاثة مباحث نتناول في هذا الفصل التحليل في الوضعية المنطقية. نخصص المبحث الأول لبيان توجهات الفلاسفة

(107)

الوضعيين المناطقة العامة وإسهاماتهم المتعددة في التحليل. ونخصص المبحثين التاليين لكل من كارنابR. Carnap  (1891 – 1970) وآير على التوالي، موضحين مفهوم التحليل عند كلٍ منهما.

المبحث الأول: التحليل بعد فتجنشتين:

أخذ التحليل بعد فتجنشتين صورتين مرتبطتين: الأولى مدرسة كيمبردج: وأشهر أعلامها جون وزدم، وقد تبنت هذه المدرسة أفكار فتجنشتين. والثانية: وعرفت بمدرسة أكسفورد في تحليل اللغة العادية ومن أعلامها جيلبرت رايل وجون أوستن وبيتر استراوسون.

واتفقت المدرستين حول تصور طبيعة الفلسفة والاهتمام بالمشكلات الخاصة بالمعنى وطبيعة الذهن، كما اتفقتا على أن ما يميز الفلسفة التقليدية الميتافيزيقية هو تعارضها مع معتقدات الحس المشترك، واتفقتا كذلك في تفسيرهما للتناقضات الفلسفية، وهذا التفسير يربطها بفلسفة جورج مور، لكن اختلفت المدرستين في أن هدف الأولى (مدرسة كيمبردج) الأساسي هو اتباع فلسفة فتجنشتين، وهو فض أو حل التناقضات الفلسفية بأية وسيلةٍ ممكنةٍ ومتاحة، وقاوموا كل رغبةٍ تستهدف مواقف فلسفية متعارضة، أما دراسة أكسفورد «اللغة الجارية» فإن التناقض الميتافيزيقي ليس مجرد تعبيرٍ عن اضطرابٍ تصوريٍ يستلزم العلاج، إنما هو بالأحرى نقطة بدءٍ مناسبةٌ وصالحةٌ للنهوض بمهمة رسم أو تخطيط منطق الحدود الفلسفية التي تخص اللغة الجارية[1].

(108)

وتحصر الوضعية وظيفة الفلسفة في تحليل معاني التصورات والأحكام وخاصةً العلمية منها، فليس عليها أن تحاول الإجابة على تساؤلاتٍ غير قابلةٍ للحل. فقد وافقت الوضعية المنطقية على منطق ومناهج البحث الخاصة بالطرق الصحيحة فى المعرفة والتقييم.

كان لفتجنشتين تأثيرٌ كبيرٌ في جماعة فيينا Circle Vienna وهي الأصل الذي نشأت عنه الحركة الفلسفية المعاصرة الوضعية المنطقية، وبالتالي كان له أثر كبير في فلاسفة الوضعية المنطقية. ويتبدى ذلك الأثر في فلسفة كلٍ من رودلف كارناب، وفريدريك فايزمان، وألفرد جولس آير من المعاصرين.

وسوف نشير بإيجاز إلى بعض الفلاسفة المعاصرين ممن اتجهوا للتحليل اللغوي تحت تأثير فتجنشتين، خاصةً رايل وويزدم وفايزمان وغيرهم.

يبدو تأثير فتجنشتين في جلبرت رايل Ryle Gilbert (1900 - 1976) فيما ذهب إليه في مقال «التعبيرات المضللة» Misleading Expressions، حيث ينتهي رايل إلى نفس النتيجة التي انتهى إليها فتجنشتين عن وظيفة الفلسفة، على أساس أنها تحليل لعبارات اللغة، للبحث فيها عن أساس الخطأ الذي يؤدي إلى ظهور مشكلات الفلسفة. وبعبارةٍ أخرى، فقد أصبحت وظيفة الفلسفة عند رايل وظيفةً علاجية، وهي الوظيفة نفسها التي عبر عنها فتجنشتين في كتابه أبحاث فلسفية بقوله: «إن طريقة تناول الفيلسوف لمشكلةٍ ما، تشبه طريقة علاج مرض من الأمراض»[1].

(109)

وقد اقتفى جون ويزدم Wisdom John بدوره أثر فتجنشتين في بعض الأحيان، وهو يسير أحيانًا أخرى في الطريق نفسه أبعد مما فعل فتجنشتين ويواجه النتائج التي ترتبت على ذلك بصراحةٍ أكثر. إن ويزدم ـ مثل فتجنشتين ـ لم يكن يهتم بالنتائج الفلسفية التي يتوصل إليها بقدر ما كان مهتمًا بمنهج التحليل نفسه عن طريق التوقف عند الأسئلة التي تُطرح في الفلسفة واختبار معناها لمعرفة ما إذا كانت صحيحةً أو غير صحيحة، وبالتالي ما يترتب عليها من مشكلات. إنه مثل فتجنشتين في فلسفته المتأخرة، يذهب إلى أن السبب في وجود مشكلات الفلسفة إنما يعود إلى أن الفيلسوف حينما يستخدم اللغة، إنما يستخدمها على نحوٍ يختلف عن النحو الذي تستخدم به في الحياة اليومية[1].

ويبدو تأثير فتجنشتين أيضًا في فريدريك فايزمان في قوله بمبدأ تحقيق المعاني، وإن كان ما ذهب إليه فايزمان مختلفًا إلى حدٍ ما، فهو مثلًا ـ على الرغم من قوله بفكرة تحقيق القضية بمقارنتها بالواقع الخارجي ـ إلا أنه يذهب إلى أننا ننتهي دائمًا إلى الشعور بوجود نقصٍ في هذا المبدأ، إذ إنه لا وجود لتعريفٍ يعرف أي حدٍ تجريبي، ويكون تعريفًا جامعًا يحصر جميع الإمكانات (لأن كل وصفٍ تريبي يمتد دائمًا في أفقٍ مفتوحٍ مليءٍ بالإمكانات). كما يبدو تأثر فايزمان واضحًا بفكرة فتجنشتين في أن مشكلات الفلسفة إنما تنشأ عن سوء استخدام اللغة، لسوء فهم منطقها. ولذا ينتهي فايزمان إلى ضرورة توضيح أهمية أنواع الخلط الموجود في اللغة حتى لا نقع في الخطأ، ونثير بالتالي من المشكلات في الفلسفة ما نحن في

(110)

غنى عنه وما يظنه البعض مشكلاتٍ حقيقيةً، مع أنها ليست بطبيعتها كذلك[1].

يحدد لنا ريشنباخ Reichenbach Hans (1891–1953) وصفًا دقيقًا للوضعية المنطقية وتعريفًا لها وتحديدًا لغاياتها وبيانًا لأهدافها ومكانة التحليل فيها. يقول: «الفلسفة ليست شعرًا، وإنما هي إيضاحٌ للمعاني، عن طريق التحليل المنطقي، ولا مكان فيها للغة المجازية». ويؤكد في موضع أخر أن «الفلسفة هي التحليل المنطقي لجميع أشكال الفكر البشري». ويبرر ريشنباخ ظهور الوضعي المنطقي بأن توزيع العمل يستدعي أن يهتم الفيلسوف بالتحليل المنطقي لا أكثر؛ فالبحث العلمي «لا يترك للمرء وقتًا يكفيه للقيام بأعمال التحليل المنطقي، وإن التحليل المنطقي من ناحيته يقتضي تركيزًا لا يبقى معه وقتٌ للعمل العلمي، بل إنه تركيزٌ قد يعوق القدرة الإبداعية العلمية، لأنه يهدف إلى الإيضاح لا إلى الكشف»[2].

التحليل العلاجي:

ويرى جون وزدم، وهو من أنصار التحليل العلاجي، أن الشك في الأقوال الفلسفية هو أساس المشكلات ومصدرها، ومن هنا جاء اهتمام فلاسفة التحليل العلاجي بتوضيح مصادر الشك وطبيعته، فعندما نعالج القلق الفلسفي والشكوك الفلسفية عن طريق تحليلها ليس لننتهي إلى أنها غير موجودةٍ بل يكون علاجها بأن نقود المريض

(111)

إلى التعرف على أسباب المشكلة فيكون الخلاص بالتعرف عليها، فالمريض طبيبُ نفسه[1]. إن ويزدم هنا رفض المماثلة بين الفلسفة والتحليل النفسي ويميز بين الشكوك الفلسفية والشكوك العصابية فيقول: «هناك اختلافٌ كبيرٌ بين الفيلسوف وكل من الذهاني والعصابي الاستحواذي»، لهذا نراه يميز بين ثلاثة أنواع من التحليل هي: التحليل المادي ـ التحليل التصوري ـ التحليل الفلسفي.

إن فلاسفة التحليل العلاجي لا يرون في الفلسفة إلا مجرد وسيلةٍ للتوضيح أو أداةً فنيةً علاجية، ومعنى ذلك أنه ليس هناك موضوعٌ خاصٌ للفلسفة، إلا أن منهجها هو تحليلي وعلاجي في طابعه العام، وقد اختلف أنصار التحليل العلاجي عن فلاسفة أكسفورد أمثال رايل وأوستن واستراوسون الذين يرون أن الغموض الفلسفي ناشئٌ عن غموضٍ لغوي، وأن الفلسفة هي وسيلة توضيحٍ وتفسيرٍ عن طريق اللغة العادية، كما اختلف العلاجيون عن الوضعيين المنطقيين في موقفهم من الميتافيزيقا، فإذا كان الوضعيون يرفضون الميتافيزيقا رفضًا قاطعًا بوصفها لغوًا لا معنى له، يرى فلاسفة التحليل العلاجي أن للميتافيزيقا دورًا إيجابيًا تنويريًا.

إن العلاجيين يرفضون ما تزعمه الفلسفة من معرفتها للواقع، وينتقد شارلزوورث هذا الموقف فيقول: «إن أفكار التحليليين العلاجيين قاصرةٌ ومثيرةٌ لصعوباتٍ بالغةٍ»، ويتساءل هل منهج التحليل الذي يقترحونه لتبرير تصورهم للفلسفة هو وحده التحليل الصحيح؟ هل حقًا أنه يسمح لنا بحل الصعوبات الفلسفية دون أن يدخلنا في الإشكال الفلسفي نفسه؟

(112)

اهتم فلاسفة كيمبردج العلاجيون وعلى رأسهم جون ويزدم بمسألة المفارقات الميتافيزيقية لما لها من أهمية في البحث الفلسفي، فرفضوا أن تكون مهمة التحليل مجرد إزالة اللبس أو توضيح المعاني التي تحملها العبارات، لأن الالتباسات الفلسفية ليست مجرد التباساتٍ ناشئة عن غموضٍ لغوي حتى يمكن توضيحها، وذهب العلاجيون إلى تطوير فكرة فتجنشتين عن العلاج الفلسفي فقالوا إن فتجنشتين لم يدرك بصورةٍ كافيةٍ طبيعة الالتباسات اللغوية التي تكمن وراء المشكلات الفلسفية، إذ إننا لا يجب أن نقف عند إظهار هذه الالتباسات، بل لا بد من أن نبين ما يجعل اللبس ملبسًا بالفعل، وما الذي يجعله مقبولًا لدى الشخص الذي يقع تحت تأثيره، فلا ينبغي أن نقف عند حد القول بأن القضايا الميتافيزيقية مجرد لغو، بل لا بد أيضًا من توضيح ما يؤدي بالناس إلى أن يشغلوا أنفسهم باللغو، والدرجة التي يكون عليها هذا الانشغال، فالعبارات الميتافيزيقية لغو، إلا أنها تنطوي على مفارقةٍ تنويرية[1]، وينتهي فلاسفة التحليل العلاجي إلى القول بأن التحليل يقوم بتوضيح مصادر الشك وطبيعته، وهذا الشك قد ينشأ عن التعارض بين المعايير الخاصة بتقرير ق هي ك، وقد ينشأ من التردد في الانتقال من المعايير إلى أن ق هي ك.

التحليلية وصلتها بالوضعية المنطقية

إذا كانت الوضعية المنطقية مستوحاةً من الحجج التي طرحها فتجنشتين في كتابه رسالة منطقية فلسفية، فمن الممكن ربط تطور

(113)

الفلسفة التحليلية بالمراجعات والتطورات التي قدمها فتجنشتين على فلسفته الأولية من جهة وبالاقتراحات التي جمعها ومعالجتها في وقت لاحق من قبل المفكرين الآخرين من جهةٍ أخرى، ففلسفة فتجنشتين المتأخرة تتبنى نفس أدوات الوضعيين الجدد ـ التحليل المنطقي والمنهج العلمي، ولكنها ركزت بدلًا من ذلك على الأهداف والسياقات الحقيقية المختلفة من استخدام اللغة. تشترك الفلسفة التحليلية والفلسفة الوضعية المنطقية بشكلٍ عامٍ في محاولة استبعاد الميتافيزيقا، واعتمدت الوضعية بشكل خاص على مبدأ التحقق، ومع ذلك اعتبر جورج مور أن مبدأ التحقق الذي وضعه الوضعيون الجدد في حد ذاته نظريةً ميتافيزيقيةً أو افتراضًا تعرض لنفس الانتقادات التي وجهتها حلقة فيينا لكل الفلسفات الكلاسيكية[1].

وبالرغم من اتفاق التحليلية والوضعية المنطقية على معاداة المذاهب المثالية ورفضهما بناء الأنساق والصروح الميتافيزيقية الكبرى، إلا أن الفلسفة التحليلية تختلف عن الوضعية المنطقية في النظرة إلى القيم الأخلاقية والجمالية، فالوضعيون المنطقيون يقولون بنسبية وذاتية هذه القيم، أما رائد التحليلية جورج مور فيؤكد في كتابه أصول الأخلاق Principia Ethics موضوعية القيم ويميز بين ما يصفه بأنه قيمٌ أصيلة Values Intrinsic وما يصفه بأنه قيمٌ برانية Values Extrinsic، ويؤكد على أن الخيرية Goodness كيفية

(114)

بسيطة لا تقبل التعريف ولا تقبل التحليل ويتم إدراكها إدراكًا مباشرًا بالحدس Intuition، ويؤكد مور ورسل على إمكانية اكتشاف قضايا أخلاقية تتصف بأنها قضايا «أولانية تأليفية Synthetic priori A، بالمعنى الكانطي الذي يرفضه الوضعيون المنطقيون، وهي قضايا عامة تخص أنواع الأشياء الخيرة على الأصالة»، وينتهي الاثنان إلى أنه بالرغم من أن دراسة الأخلاق ينظر إليها على أنها وبوجه عام دراسةٌ «تتناول السلوك الإنساني الخيّر منه والسيّئ على السواء، فإنها دراسةٌ نظريةٌ أكثر من كونها دراسة عملية»[1].

المبحث الثاني: التحليل عند كارناب

يمثل كارناب R. Carnap (1891 – 1970) أبرز أعضاء جماعة فيينا المنطقية، وهي اتجاه غايته البناء المنطقي للمعرفة العلمية، بهدف تنظيم المعرفة داخل نسق «وحدة العلم»، فتوحيد العلوم المختلفة يشترط قيام فلسفةٍ علميةٍ لا يمكن تحقيقها إلا بواسطة التحليل المنطقي للعلم. ارتبطت فلسفته بالنقد الذي وجهته حلقة فيينا للفلسفة، وسعت إلى إيجاد حلول لتلك المعضلات التي تعلقت بمشكلات اللغة، وقضايا التحقق وأنواع القضايا مقابل رفض للميتافيزيقا. ذلك أن تحرير الفلسفة والعلوم من قضايا الميتافيزيقا أساسٌ لبناء قاعدةٍ علميةٍ لجميع أنماط المعرفة، وكانت هذه القضايا الرئيسة الحجر الأساس للبناء التركيبي المنطقي للغة

(115)

العلمية. ويمكن تحديد أهم المفاهيم المركزية التي شغلت بها فلسفة كارناب في: التحليل المنطقي، مبدأ قابلية التحقق، توحيد العلم، استبعاد الميتافيزيقا، السيمانطيقا أو علم المعاني[1].

ويتلخص تأثير فتجنشتين في فلسفة كارناب Carnap في اقتفاء كارناب أثر فتجنشتين في محاولة إيجاد توازٍ بين قواعد المنطق من ناحيةٍ وقواعد اللغة من ناحيةٍ أخرى، وذلك عن طريق تصوير كلٍ منهما في نسقٍ رمزيٍ صوريٍ قوامه رموزٌ خاليةٌ من مضمونات المعاني وذلك في كتابه البناء المنطقي للغة Language of Syntax Logical. لقد كان كارناب يذهب ـ مثل فتجنشتين ـ كما يشير عزمي إسلام إلى أن قضايا الميتافيزيقا التقليدية خاليةٌ من المعنى، بل هي زائدةٌ يمكن استبعادها. وكتب مقالًا خصصه لإظهار هذا المعنى بعنوان «استبعاد الميتافيزيقا باستخدام التحليل المنطقي للغة»، انتهى فيه إلى أن «التحليل المنطقي في الفلسفة المعاصرة، ينتهي بنا إلى أن جميع العبارات التي تتناول موضوعات تدخل في نطاق الميتافيزيقا، هي عباراتٌ خاليةٌ من المعنى»[2].

ويمكن القول إن مهمة الفلسفة عند كارناب لا تنحصر فقط في تحليل الأفكار وتوضيح المبادئ الخاصة بالعلوم، للفلسفة معنًى معرفي، وإن لم يكن لها معنًى تجريبي، ومن هنا فإن لها أن لا تتوقف على التوضيح والتحليل، وإنما أن تنتج معرفةً جديدةً لا تخرج عن لغة العلم. ورغم أن فتجنشتين أوضح أن مهمة الفلسفة هي توضيح الأفكار ومبادئ العلوم، دون بناء المبادئ العلمية، ومن

(116)

ثم فقد حصر مهمة الفلسفة في دائرةٍ ضيقةٍ جدًا، جعل التحليل المنطقي هو تحليل كل المعرفة دون الاهتمام بالبحث في ذاتها أو إعطاء اعتباراتٍ سيكولوجيةٍ لأصول أفكارنا وقوانين ترابطها. حاول في كتابه البناء المنطقي للعالم البرهنة على إمكان إعادة بناء مفاهيم حقول المعرفة المختلفة بناءً عقليًا على أساس إحالتها إلى المعطى المباشر. والمقصود بذلك البحث عن تعريفاتٍ جديدةٍ لمفاهيم قديمة، تفتقر إلى الوضوح والدقة، أما التعريفات الجديدة، فيجب أن تتمتع بهاتين الخاصيتين. فالعلم يجب أن يتحول إلى أنساقٍ منطقيةٍ سواء كانت معرفةً صوريةً أو علميةً تجريبية، ومن خلال هذه الأنساق يتم تحديد خواص ومقومات معارفنا، وأي معرفةٍ لا يمكن إقامة نسقٍ منطقيٍ لها، فهي معرفةٌ خاليةٌ من المعنى، ولا بد من استبعادها من دائرة العلم والفلسفة. تغيرت وظيفة الفلسفة من بناء الأنساق الميتافيزيقية والتأملية إلى بناء الأنساق المنطقية التي تعنى بتحليل قضايا العلم والفلسفة معًا، واستند كارناب في ذلك إلى المنطق الرمزي كأداةٍ مثاليةٍ للاستعمال في مجال الفلسفة. وكان هذا نتيجةً لتأثره بمحاضرات ودروس جوتلوب فريجة (1848 ـ 1925) في وضعه لنظامه المنطقي الرمزي في الرياضيات[1].

اتجه التحليل المنطقي للغة عند كارناب نحو تحقيق مشروع العلم الموحد، الذي كان يهدف إلى توحيد الألفاظ العلمية، فاستحداث لغةٍ علميةٍ أمرٌ ممكن، لذا فمن الممكن تحقيق وحدةٍ لكل العلوم، وهذا ما تحقق بالفعل في الرياضيات والعلم الطبيعي،

(117)

لقد اهتم كارناب بفكرة توحيد العلم حين شدد على التحليل المنطقي للغة منهج، يهدف من خلاله إلى إقامة نسقٍ واحدٍ لجميع الأفكار العلمية، فلا وجود لعلومٍ مختلفةٍ ذات مناهج متباينة، ولا وجود لمصادر مختلفةٍ للمعرفة، بل هناك علمٌ واحدٌ فقط، وما المظهر الخارجي للخلافات الأساسية بين العلوم إلا نتيجة مضللة لاستخدامنا للغاتٍ فرعيةٍ للتعبير عن هذه العلوم.

كان الهدف الرئيسي للميثاق العلمي لجماعة فيينا تخليص الفلسفة والعلوم من الميتافيزيقا، وتكوين قاعدةٍ علميةٍ لجميع العلوم تصلح لأن تكون أساسًا لوحدة العلم. ولتحقيق هذه الغاية لجأ كارناب إلى استخدام طريقة التحليل المنطقي للغة. ولم يكتفِ برفض الميتافيزيقا، بل عمد إلى البرهان على ذلك بوسائل منطقية وتجريبية.

«عملنا هو التحليل المنطقي لا الفلسفة»، والفلسفة التي يبرأ منها كرناب هي الميتافيزيقا، بالمعنى الذي يجعل الميتافيزيقا بحثًا في أشياء لا تقع في مجال الحس، مثل «الشيء في ذاته» و»المطلق» و»المثل الأفلاطونية» و»العلة الأولى للعالم» و»العدم» و»القيم الأخلاقية والجمالية»، وما إلى ذلك. غير أن كارناب لا ضير عنده من قبول كلمة «الفلسفة» على شريطة أن تفهم الكلمة بمعنى التحليلات المنطقية للعبارات اللغوية. «إن جميع المشكلات الفلسفية بمعناها الحقيقي إن هي إلا تحليلات لتركيباتٍ لغوية». ولما كانت التركيبات اللغوية التي تعنى الفلسفة بتحليلها هي في الأغلب ما تقوله العلوم المختلفة من قضايا، أمكن أن نقول عن الفلسفة إنها منطق

(118)

العلوم، أي تحليل القضايا العلمية تحليلًا يبرز طريقة تركيبها وصورة بنائها، ليتضح معناها[1].

وتشخيص كارناب أن المشكلة الفلسفية في حقيقتها تتعلق ببناء اللغة، أقنعته أبحاث ألفرد تارسكي في مجال السيمانطيقا أو علم المعاني بضرورة توسيع وجهة نظره، لذا كان من الضروري في التحليل المنطقي للغة تجاوز دراسة البناء، أي دراسة صور التعبيرات بغض النظر عن معناها، ليشمل دراسة المعاني، وهي نظرية المفاهيم أو التصورات الخاصة بالمعنى أو الصدق؛ ذلك الاهتمام الرئيسي لكارناب[2]. وهو يرى أن عمل الفلسفة هو التحليل المتعلق بالمعنى، أو ما اصطُلح عليه بالتحليل السيمانطيقي، وعلى غرار الطريقة التي أقامها في إقامة البناء المنطقي للغة كنظريةٍ تحليليةٍ لتراكيب العبارات اللغوية والتي كان يهدف من ورائها إلى بناء النظرية العامة للأشكال اللغوية، أخذ يقسم آلية علم المعاني بطريقةٍ مماثلة. وعلى هذا الأساس قدم تفسيراتٍ ناجحةً بواسطة التكافؤ المنطقي للتصورين القديمين الخاصين بالمفهوم والماصدق.

وإذا كانت مهمة التحليل المنطقي هي الوظيفة التي وُجدت لأجلها الفلسفة العلمية، التي من المفترض أن تكون بديلًا كافيًا لمشكلات الفلسفة الكلاسيكية وما تضمّنته من قضايا ميتافيزيقية فارغة من المعنى، فإن كارناب تجاوز المبدأ الذي حددته الوضعية المنطقية، حين حصرت مهمة الفلسفة في تحليل مفاهيم العلم

(119)

إلى توجيه العمل الفلسفي نحو بناء أنساقٍ منطقيةٍ تسمح باستبعاد الميتافيزيقا بالفعل من دائرة القول الفلسفي العلمي. وفي هذا الإطار، أسس كارناب لفكرة الفهم العلمي للعالم، وهي الرؤية التي لا تقتنع إلا بالقول العلمي. وهو ما تم اختزاله في منهج التحقق الوضعي المستند إلى منهج التحليل المنطقي، الذي يستثمر آليات المنطق الرمزي وفلسفة التحليل للوصول إلى الهدف الأكبر المتمثل في صنع فلسفةٍ علميةٍ خاليةٍ من الشوائب الميتافيزيقية، وهو الأفق الذي تطلع إليه رودولف كارناب من خلال التحليل المنطقي للغة[1].

ويؤكد كارناب أن المهمة المناسبة الوحيدة للفلسفة هي التحليل المنطقي. «تحليل كل المعارف، أقوال العلماء وأقوال الحياة اليومية، من أجل إيضاح معنى كل واحدةٍ من هذه الأقوال والعلاقات القائمة بينها»[2].

وهنا لا بد لنا من الإضافة بأن فايجل يشير إلى أن العلماء والمناطقة شعروا في الأحقاب الأخيرة القليلة بالحاجة الملحة إلى منطق اللغة أي التحليل المنطقي للغة، مؤكدًا أن «البحث المنهجي عن مشكلة المعنى عن طريق التحليل المنطقي للغة يميز التجريبية المنطقية». أي إن التحليل المنطقي للغة على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، وذلك لأن تحليل «الخطأ يبدأ بتحليل اللغة» كما يقول ريشنباخ. إن الوضعيين المناطقة يقصدون من وراء استخدام التحليل المنطقي التشبه بالعلماء. وذلك لأن التحليل المنطقي

(120)

يؤدي إلى «نتائج تبلغ من الدقة والإحكام والوثوق ما تبلغه نتائج العلم في عصرنا هذا»[1]. ويؤكد فايجل ذات الدور للتحليل المنطقي قائلًا: «إن مشاركة الفلسفة تتجه أساسًا إلى تقديم طرقٍ أفضل للتفكير بحيث يشتمل على الفضائل المميزة للعلم وهي الوضوح والاتساق». والوضعية المحدثة تفاخر بأن تحليلها المنطقي أدى خدمات جليلة، الأمر الذي لا ريب فيه. «أهم ما أتى به التجريبيون المنطقيون هو تحليلاتهم المنطقية والمنهجية للإجراءات العلمية والنظريات العلمية»[2]. معنى ذلك أن التحليل المنطقي هو لب الوضعية المحدثة. يقول هنترميد: «التحليل اللغوي والمنطقي يحتل مكانةً مركزيةً في التجريبية المنطقية».

المبحث الثالث: آير والتحليل:

تتضح لنا ملامح تجريبية آير المنطقية من خلال بيان مهمة الفلسفة وعمل الفيلسوف والتفلسف كنشاط تحليل، وتطبيق التحليل الفلسفي في دراسة قضايا المنطق والرياضيات، على النحو الذي يؤسس فلسفةً للمنطق والرياضيات وبما يوضح كيف تختلف تجريبيته المنطقية عن تجريبية السابقين عليه من الفلاسفة الإنجليز كهيوم، والمعاصرين له كمور، رسل، شليك، وغيرهم.

يؤكد آير على أن التفلسف نشاطٌ تحليليٌ أساسًا. ويؤكد على أن ممارسة التحليل الفلسفي لم تكن قاصرةً على أعضاء التجريبية الإنجليزية فحسب، بل إن تاريخ الفكر الفلسفي مليءٌ بالأمثلة

(121)

الدالة على ذلك. ويناقش آير الأخطاء الشائعة حول طبيعة التحليل الفلسفي، حيث يفترض البعض أن التحليل الفلسفي نشاط تفتيت، بمعنى أن ينحصر في تجزئة الموضوعات إلى أجزائها المؤلفة منها، إلى أن يظهر الكون أخيرًا بأكمله مجرد تجمعٍ من جزيئاتٍ تتوحّد بواسطة علاقاتٍ خارجية. وإذا افترض أن الأمر كذلك حقيقةً، فسوف تكون الطريقة الأكثر فاعليةً في الهجوم على هذا المنهج هي بيان أن فرضيته المسبقة الرئيسية عديمة المعنى. ذلك لأن القول بأن الكون تجمعٌ من جزيئاتٍ عاريةٍ سوف يكون لغوًا بالطريقة التي عليها القول بأن الكون كان نارًا أو ماءً أو خبرةً، وهذا الأمر مضللٌ[1].

إن الأشياء المركبة في العالم إذا وجد أي منها، فهي، ببساطة، حاصل جمع أجزائها وتكون ذات بنى، أو وحدات عضوية تتميز بها، من حيث هي كليات حقيقية تتألف من مجرد المجاميع. لكن البعض ممن يمارس التحليل قد يضطرون بسبب ميتافيزيقاهم الذرية إلى النظر إلى الموضوع المؤلف من الأجزاء أ، ب، ج، د، بتشكيلٍ مميزٍ على أنه ببساطةٍ حاصل جمع أ + ب + ج + د، وهو الأمر الذي يؤدي من منظور آير إلى الوصول إلى تفسيرٍ زائفٍ لطبيعة الموضوع الخاضع للتحليل[2].

ذلك لأن الفيلسوف كمحلل ليس معنيًا بصورةٍ مباشرةٍ بالحواصل الفيزيقية للأشياء، وإنما بالطريقة التي نتحدث بها عن الأشياء. أي إن قضايا الفلسفة ليست قضايا وقائعية بل لغوية، ويعني هذا أنها

(122)

لا تصف سلوك الأشياء الفيزيقية أو حتى الذهنية، بل هي تعبر عن التعريفات، أو النتائج الشكلية للتعريفات. وبناءً على ذلك، فإن الفلسفة ـ على حد قول آير ـ قسمٌ من أقسام المنطق، إذ إن العلاقة المميزة للبحث المنطقي على نحوٍ خالصٍ هي كونه معنيًا بالنتائج الشكلية لتعريفاتنا وليس متعلقًا بمسائل الواقع التجريبي[1].

يترتب على تصور آير القول بأن الفلسفة لا تنافس العلم وأن الاختلاف لا يمكن أن يناقض الواحد الآخر بصورةٍ يمكن فهمها. ويوضح هذا القول أن إمكان التحليل الفلسفي مستقلٌ عن أية فرضياتٍ تجريبية، أو بمعنى أوضح أنه مستقلٌ عن أية فرضياتٍ ميتافيزيقية.

وقد يكون السبب وراء سوء الفهم المتفشي عن طبيعة التحليل الفلسفي كما يرى آير القول بأنه غالبًا ما يعبر عن القضايا والمسائل التي هي في الحقيقة «لغوية» بطريقة تبدو معها «وقائعية».

إن وظيفة الفلسفة هي التحليل، والتحليل إنما يكون بتعريف الشيء المراد تحليله، فالسؤال: ما هي طبيعة الشيء المادي؟ يكون مرادفًا لطلب تعريف الشيء المادي، وهذا الأخير يكون أيضًا مساويًا للسؤال: كيف تترجم القضايا التي تدور حول الأشياء المادية إلى قضايا تدور حول المحتويات الحسية؟ وبالمثل حين يتساءل المرء ما هو العدد؟ فهو يتساءل عما إذا كان يمكن ترجمة قضايا تدور حول الأعداد الطبيعية إلى قضايا تدور حول الفئات.

إن المهمة الحقيقية للفلسفة ومن ثم للفيلسوف هي التحليل

(123)

والتوضيح. ولكن يجب التساؤل هنا عن طبيعة هذا التحليل، فإذا لم يكن نشاطَ تفتيتٍ أو حاصلَ جمع جزيئاتٍ على حد قول آير فماذا عسى أن يكون، وما هي الوظائف التي قوم بها هذا التحليل على النحو الذي يخدم في النهاية رسم ملامح منهج التحليل الفلسفي عند آير[1].

يظهر موقف ألفريد آير من الميتافيزيقا في كتابه اللغة والصدق والمنطق Language, Logic and Truth (1936)، وذلك في الفصلين الأول والسادس، فقد جعل عنوان الفصل الأول Metaphysics of Elimination بينما جعل عنوان الفصل السادس «نقد الأخلاق واللاهوت» Critique of Ethics and Theology. وهو موقف يعد نتيجةً منطقيةً تلزم عن «معيار التحقق». وهو يؤكد في هذا الكتاب على أن أحد الطرق التي يمكن بها مهاجمة الفيلسوف الميتافيزيقي الذي يزعم أن لديه معرفةٌ بواقعٍ يتجاوز العالم الظاهري هي أن نسأله عن تلك المقدمات التي استدل منها على قضاياه، فهل بدأ من شهادة الحواس؟ فما هي العملية الاستدلالية الصحيحة التي يمكن أن تؤدي به إلى تصور واقعٍ مفارقٍ ومتعال؟ ليس هناك شك في أنه من غير الممكن، فيما يقول آير، أن نستدل استدلالًا مشروعًا، من أية مقدمات تجريبية، أي شيءٍ يتجاوز ما هو تجريبي[2].

ويتلخص تأثير فتجنشتين في فلسفة آير في القول بمبدأ التحقق «أو تحقيق المعاني» Verification. ويلاحظ في هذا الصدد أن

(124)

القول بمبدأ التحقق ليس مقصورًا على فلسفة آير فقط، بل هو مبدأ مقبولٌ لدى فلاسفة الوضعية المنطقية في جملتهم، وقد استمدوه من قول شليك بأن معنى القضية هو طريقة تحقيقها. ويعتبر آير من أكثر الوضعيين دفاعًا عن مبدأ التحقق[1].

لعل ما طرأ على موقف آير من مبدأ التحقق يعد أفضل بدايةٍ نمهد بها لمناقشة هذا المبدأ. ذلك أن آير لم يعد تابعًا للوضعية المنطقية ولا منكرًا للميتافيزيقا، بل إن له نظرياتٍ ميتافيزيقة في وجود العالم الخارجي ومشكلة النفس الإنسانية ومشكلة الحرية ومشكلة المعرفة.

وقد لعب التحليل البنائي الدور الأساسي في هذا التحول الكبير الذي طرأ على فكر آير. فهو يصرّح فى كتابه الميتافيزيقا والحس المشترك بأنه من الممكن أن ننظر إلى بعض النظريات الميتافيزيقية على أنها تعبر عن عدم الرضا عن نظامنا التصورى العام والرغبة في وضع بديلٍ لهذا النظام، ويظهر هذا بوضوحٍ في أعمال الفلاسفة الذين قدموا لنا نظمًا ميتافيزيقية تستلهم مفهوماتٍ علميةً مثلما حدث مع ديكارت وسبينوزا وليبنتز[2].

(125)

المبحث الرابع: نقد الوضعية المنطقية:

قدم لنا هويدي الوضعية المنطقية في الميزان كتابًا في «فلسفة المنطق» يهتدي برسالة فتجنشتين «المنطقية الفلسفية» وهو كتابٌ في معظمه محاولةٌ لفهم ونقد محاولة فتجنشتين؛ يعترف هويدي أن كتابه «دراسة نقدية لكل من الفلسفة الذرية المنطقية والفلسفة الوضعية المنطقية ومحاولة فهم هاتين المدرستين للفلسفة والمنطق واللغة».

يأخذ هويدي بوجهة نظر الفيلسوف الإنجليزي «صمويل ألكسندر» صاحب المكان والزمان والألوهية الذي ينتمي إلى المذهب الواقعي الجديد New Realism، وهو المذهب الذي يؤكد على أن الإنسان في قضايا المنطق يختار علاقات أكدها الواقع، ولكنها تظهر فيما بعد على أنها مستقلة عن هذا الواقع؛ نظرًا لتماسكها، فالعلاقات المنطقية تعيش، فيما يري أصحاب الواقعية الجديدة، في عالمٍ ضمنيٍ شبيهٍ بعالم أفلاطون المثالي، عالم «الجواهر المعقولة». ويبرز هويدي الهدف من دراسته لهذه الفلسفات؛ فهو يؤكد على أن الفهم الصحيح للنظرية المنطقية يقتضي، في البداية، الفهم العميق للخلفية الفلسفية التي تتأسس عليها هذه النظرية. يستخدم هويدي ما لديه من أدواتٍ واقعية لنقد الفلسفتين «الذرية المنطقية» و«الوضعية المنطقية»، ويختار من بين كثيرٍ من الفلاسفة الذين ينتمون إلى هاتين المدرستين ثلاثة هم: براترند رسل الفيلسوف الإنجليزي، ولودفيج فتجنشتين الفيلسوف النمساوي، وأخيرًا رودلف كارناب الفيلسوف الألماني[1].

وبالرغم من أن «هويدي» يدين الوضعية لمهاجمتها الميتافيزيقا

(126)

إلا أنه يتنبأ أكتشاف ميتافيزيقا لدى الوضعيين المنطقيين، بل إنه يعترف بأنه اكتشف بنفسه جانبًا منها لدى فتجنشتين. وقد صدق «هويدي»، كما يؤكد محمد مدين، فإن «جورج بيتشر George Pitcher» يرى في كتابه عن فلسفة فتجنشتين (1964) أن موضوعات فتجنشتين موضوعات ميتافيزيقية. وأن ليونادر جودار يكتب في 1984 أي بعد كتاب هويدي بعشر سنوات عن ميتافيزيقا رسالة فتجنشتين وأن نبؤة هويدي قد تحققت على يد فنبرج weinberg الذي كتب مؤلفًا ضخمًا عنوانه ميتافزيقا الوضعية المنطقية، وهناك جوستاف برجمان الذي كتب مقالًا كبيرًا عن التصور الميتافيزيقي للوعي بالإضافة إلى محاولة يريثويت لتقديم وجهة نظر تجريبية لطبيعة الدين. والحقيقة، فيما يرى هويدي، أن رسل وفتجنشتين والوضعيين وكل المنتمين لهذه التيارات لا يستهدفون مجرد البرهنة على استقلال الحقيقة المنطقية عن الواقع بل البحث عن وجودٍ أسمى nominal يعارض الواقع ويقف منه موقف العداء[1].

وإذا كان الوضعيون والذريون مثل فتجنشتين ورسل يزعمون أن العالم مجموعةٌ من الوقائع لا مجموعة من الأشياء، فإن هويدي يحذرنا من أن نعتقد أن هذه الوقائع هي الوقائع النابضة بالحياة، فهم لا يصلون إلى هذه الوقائع عن طريق الواقع، إنما يصلون إليها عن طريق اللغة. فالواقعة هي الجملة التي بها (إمكانية) تسمح بتوليد واقعةٍ أبسط منها وذلك باستخدام التحليل المنطقي، فالوقائع عند الوضعيين والذريين لا تشير بحال إلى «مركب الأشياء» وهكذا ينتهي هؤلاء، فيما يرى، إلى «خلخلة العالم وتبخيره في هذه الصيغ

(127)

اللفظية». «فقد كان الهدف الأساسي لهذه النظرية إلغاء الوجود المادي للأشخاص». ويرى أن خطورة هذا التحليل تظهر، في مجال الميتافيزيقا والقيم، فما معنى عبارة «الله موجود»، إن حد «الله» هنا لا يشير إلى اسم بل إلى «وصف»، فالله، في هذا التحليل المنطقي، ليس هو واجب الوجود وإنما وصفٌ فحسب، فليس موجودًا وجودًا حقيقيًا، وإنما وجودًا منطقيًا فحسب شأنه شأن أسماء الأعلام. إن ما يريد هويدي التأكيد عليه، ويلح عليه دومًا، هو:

* الديالكتيك الدائم بين الوجود المنطقي والوجود الواقعي.

* وهذا يعني تأكيد استقلال الوجود المنطقي وقبول النتائج المنطقية أيًا كانت ما دامت متماسكةً ومتسقةً مع المقدمات.

إن محاولة هويدي نقد فتجنشتين والوضعية من منظور واقعي هي المحاولة الأولى الجادة والشاملة لنقد الفكر الوضعي والتحليلي بالعربية[1].

ينتقد صلاح قنصوة الوضعية المنطقية التي تقف عند أقدام العلم بنتائجه الراهنة لكي تتسقط قضاياه بالتحليل، بينما الفلسفة، كما يفهمها «تتجاوز تلك العلاقة القائمة على التبعية». إن قنصوة يؤكد أهمية أن تنطوي فلسفة العلم على التحليل المنطقي، وذلك لأنه «مجال أساسي وله أهميته البارزة في إيضاح مفهومات العلم وخطوات منهجه». إلا أنه يرفض أن تقتصر فلسفة العلم على التحليل المنطقي[2].

من أبرز الدراسات النقدية للوضعية المنطقية كتاب نقد العقل

(128)

الوضعي ـ دراسة في الأزمة المنهجية لفكر زكي نجيب محمود الذي ألفه عاطف أحمد وقدم له إبراهيم فتحي. ينتقد إبراهيم ما تذهب إليه الوضعية المنطقية من أن التحليل لا يؤدي إلا إلى تكرار الموضوع في المحمول والمبتدأ في الخبر، مؤكدًا أن للتحليل وظيفةً أكبر من ذلك، «فتحليل الموضوع إلى مكوناته يقدم لنا معرفةً ببنيته، ويفصل بين السمات الأساسية والسطحية، فهو عملية اكتشافٍ لا تحصيل حاصلٍ، يكشف عن الصلات بين الأجزاء داخل الكل، وعن التنوع في الوحدة». ينقد فتحي التحليل الوضعي لأنه صوري، وعليه يقدم لنا فهمًا آخر للتحليل يمكن أن نصفه بأنه مضموني. والواقع أن فتحي كما كتب أحمد ماضي لم يفصل الكلام على التحليل لنتبين ماهيته بوضوح وتفصيل أكثر مما سبق[1].

وعندما ننتقل إلى توفيق الطويل، نجد أنه يؤكد أن الوضعية المنطقية اتجاهٌ فلسفيٌ يهدف إلى هدم الفلسفة ويستبعد قضاياها من مجال البحث. ومرد هذا الفهم إلى أن الوضعية المنطقية تقصر مهمة الفلسفة على تحليل اللغة تحليلًا منطقيًا. يقول الطويل: «الفلسفة عند أتباع الوضعية المنطقية هي مجرد تحليلٍ منطقيٍ للألفاظ والعبارات لمعرفة مضمونها، وليس وراء هذا التحليل شيءٌ يمكن أن نسميه فلسفة، إذ إن الفلسفة التقليدية ـ الميتافيزيقية ـ قد استُبعدت من مجالات البحث»[2]. ولا بد من إضافة أن الوضعيين المناطقة بقصرهم مهمة الفلسفة على التحليل المنطقي «تجاهلوا الوظيفة الاجتماعية التي تقوم بها الفلسفة منذ أقدم العصور»[3].

(129)

فإذا أخذنا التحليل المنطقي، فيما يرى محمد عابد الجابري، كما يذكر لنا أحمد ماضي، فإننا نجد أنه «تحليلٌ صوريٌ بحت، يستهدف استخلاص الهيكل المنطقي للغة العلم». يضاف إلى ذلك أن الوضعية المنطقية إذ تقصر الفلسفة على تحليل لغة العلوم تحليلًا منطقيًا صارمًا «تنفي نفيًا قاطعًا إمكان قيام فلسفةٍ للعلوم» يكون هدفها تشييد نظرية، أو فلسفةٍ في الطبيعة والكون والإنسان، أو على الأقل تعتبر مثل هذه الطريقة جملة آراء وأفكار لا تصمد أمام معول «التحليل المنطقي الصارم».

يؤكد زكريا إبراهيم، بادئ ذي بدء، أن الحاجة أصبحت ماسةً إلى التشديد على أهمية «التفكير المنهجي» وتأكيد دور «التحليل المنطقي» في كل دراسةٍ علميةٍ جادة. إن تأكيده أهمية التحليل المنطقي سوغ له القول بأن «من محاسن هذه النظرة الجديدة للوضعية المنطقية إلى الفلسفة أنها تجنب التفكير الفلسفي أسباب الغموض، وتدعو الفلاسفة إلى تحديد ألفاظهم وتحليل عباراتهم، فضلًا عن أنها تحاول العقل من أشباه المشكلات»[1].

تظهر مساوئ الوضعية المنطقية بجلاء عندما تُحصر الفلسفة كلها في نطاق التحليل المنطقي؛ ذلك لأنها بهذا الفهم لمهمة الفلسفة «إنما تقضي على خصوبة الفكر البشري، وتنتهي في خاتمة المطاف إلى قتل الفلسفة نفسها». ويزيد زكريا إبراهيم في شدة النقد فيؤكد أنه مهما اعترفنا بأهمية التحليل، فإننا لا نستطيع أن نجبر الفكر البشري على الوقوف عند هذه التحديدات اللفظية والتحليلات المنطقية؛ ذلك لأن الفكر البشري في حاجةٍ إلى فهم العلاقة القائمة

(130)

بين نظام الأفكار وترابطها من جهة، ونظام الأشياء وترابطها من جهةٍ أخرى. فليس ثمة مسوغ لحرمان العقل الإنساني من التفكير في طبيعة العالم والدلالة الموضوعية للمعرفة البشرية، والصلة بين الفكر والواقع. إن التجربة البشرية، كما يرى زكريا إبراهيم، أوسع بكثير من أن تُحصر في نطاق التحليل المنطقي. زد على ذلك أن المعرفة البشرية لا يجوز أن تبقى في حدودٍ ضيّقة. ومن الأمور الجديرة بالملاحظة أن زكريا إبراهيم لا يكتفي بنقد تطبيق التحليل المنطقي على الظاهرة الجمالية، بل يوسع هذا النقد ليشمل تطبيقه على التعبيرات الدينية والأخلاقية والفنية أيضًا. ويعتمد في نقده على أن هذه التعبيرات «دلالات حية تنطوي على شحناتٍ وجدانيةٍ وحضاريةٍ تعدو شتى العلاقات المنطقية»[1].

ينقد محمد باقر الصدر المذهب التجريبي على وجه العموم والوضعية المنطقية على وجه الخصوص، من وجهة نظر مذهبه العقلي وفلسفته الإلهية. وهو استنادًا إلى مذهبه، يؤكد أن «المقياس الأول للتفكير البشري بصورةٍ عامةٍ هو المعارف العقلية الضرورية»[2]. ويترتب على ذلك ـ إذا أخذنا بمقياسه ـ أن يصبح ميدان المعرفة البشرية أوسع من حدود الحس والتجربة، لأنه يجهّز الفكر البشري بطاقاتٍ تتناول ما وراء المادة من حقائق وقضايا، ويحقق للميتافيزيقا والفلسفة العلمية إمكان المعرفة.

ومن الملاحظ أن المفكر الصدر يوافق الوضعية المنطقية على

(131)

فهمها لطبيعة الرياضيات، مع أنه لا يظهر موافقته بصورةٍ مباشرة. فالرياضيات تمتاز، من وجهة نظره، على قضايا العلم الطبيعي بصفة الضرورة واليقين المطلق. وهنا يبين أن الطابع العقلي الصارم هو «سر الضرورة واليقين المطلق في تلك الحقائق الرياضية»[1]. وأخيرًا، فإن المفكر الصدر يخلص إلى زبدة كلامه بالتأكيد أن «المذهب العقلي هو وحده المذهب الذي يستطيع أن يحل مشكلة تعليل المعرفة ويضع لها مقاييسها ومبادئها الأولية».

وينتهي أحمد ماضي إلى إن فهم الفلسفة كتحليلٍ منطقيٍ يؤدي إلى تشابك القضايا الفلسفية والمنطقية. على أن أهم ما يترتب على قصر الفلسفة على التحليل المنطقي هو أن السعي الوضعي إلى القضاء على الفلسفة كنظرةٍ شموليةٍ وكأداةٍ في تحويله، قد وصل إلى نهايته المنطقية. لقد تصور الوضعيون المناطقة أن التحليل المنطقي يستطيع اجتثاث الميتافيزيقا وتخليص الفلسفة من عدم الدقة. لا جدال في أنه حدثت في تاريخ الفلسفة مناقشاتٌ مردها إلى عدم دقة المفاهيم. غير أن ذلك لا يعني أن ضبط المصطلحات وتدقيق المفاهيم يحلان كافة المسائل الفلسفية أو يجعلانها غير ضرورية. فمن اللازم أن تحل المسائل الفلسفية، وذلك لا يتم بالهروب إلى مجاهل التدقيق المنطقي... إننا نصادف في الفلسفة قضايا ذات طابعٍ لغوي ـ منطقي ولا صلة لها بهذه المسألة الفلسفية أو تلك. غير أنه لخطأٌ كبيرٌ أن نحيل كافة المسائل الفلسفية إلى أنها ذات طابعٍ لغويٍ منطقيٍ خالص[2].

(132)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

التحليلية في ميزان النقد

 

(133)

الفصل الخامس: التحليلية في ميزان النقد

مقدمة

نتوقف في هذا الفصل الأخير للتعليق والتعقيب على التحليل الذي عرضنا له في الفصول السابقة، لتوضيح بعض ما يحتوي عليه من التباس وعدم وضوح.

تظهر التحليلية باعتبارها الفلسفة أو الاتجاه أو الحركة العلمية التي تتطابق مع العلم التجريبي وتتخذه مثالًا ونموذجًا، ومن هنا ترفض الميتافيزيقا وتقصي قضاياها باعتبارها فارغةً من المعنى ولا تلقي بالًا بتاريخ الفلسفة والقضايا الأخلاقية والمعيارية، والإغراق في هذه النزعة العلمية المنطقية قد يؤدي أو أدى بالفعل إلى شق الفلسفة إلى اتجاهين مختلفين متباعدين متضادين؛ التحليلية لدى الفلاسفة التجريبيين الإنجليز وتلاميذهم وامتدادها لدى الفلاسفة الأمريكيين من جهة، وبين الفلاسفة الألمان والفرنسيين باتجاهاتهم المختلفة؛ المثالية والفينومينولوجية والوجودية والاتجاهات البنيوية والتفكيكية والتأويلية من جهة أخرى. وهذا ما لاحظه وانتبه إليه وحاول تجاوزه العديد من الباحثين والفلاسفة في الشرق والغرب، نذكر منهم كلا من: بسكال إنجل Is there any such thing as postـanalytic philosophy?، وبيير واجنر (المنعطف اللغوي والمفاهيم الخاطئة الأخرى حول الفلسفة التحليلية)، وعبد المتين Contemporery Reaction to Analytic Philosophy: Some

(134)

Reflections، وجاري جتنج Gary Gutting (1942 - ...) في دراسته تجسير الفجوة بين الفلسفة التحليلية والفلسفة القارِيّة[1]، والفيلسوف الأمريكي المعاصر، صاحب البرجماتية الجديدة، ريتشارد رورتي Richard Rorty (1931-2007) في دراسته الفلسفة التحليلية والفلسفة التحويلية[2].

لم يكن التحليل غايةً في ذاته، ولا يمكن النظر إلى الفلسفة على أنها مجرد فاعليةٍ تحليليةٍ فقط، ذلك بأن التحليل ليس سوى منهج، وقد يكون المنهج الأكثر أهميةً في اكتساب المعرفة التي تنفرد بها الفلسفة، ومع هذا يظل الاهتمام الأساسي للفلسفة هو الوصول إلى حقائقَ صادقةٍ تتعلق بالعالم. فالفيلسوف يستهدف سواء بوعيٍ أو بدون وعيٍ الوصول إلى رؤيةٍ في طبيعة الظواهر المتنوعة.

يتفق المؤرخون على أن بداية الحركة التحليلية تعود إلى نقد مور ورسل للمثالية Idealism، اللذين يؤكدان أن معرفتنا الإدراكية

(135)

المباشرة بوجود «عالم مستقل عن الذهن» هي «حقيقةٌ واضحةٌ وضوحًا ذاتيًا»، وهي حقيقةٌ لا تحتاج سوى إلى جهدٍ محدودٍ للبرهنة عليها، أو قد لا تحتاج إلى أي جهدٍ قط. في المقابل نجد أن المثاليين يؤكدون حقيقة «عالمٍ معتمدٍ على الذهن». فرسل ومور يرفضان أن يكون للذهن دورٌ في عملية المعرفة، ويزعمان أن الاعتراف بأي دورٍ للذهن في عملية المعرفة يؤدي بالضرورة إلى المذهب المثالي. ويمكن القول إنه، ولمدة قرنٍ من الزمان، ومنذ ظهور مقالة إدوارد مور، أخطأت كل صور عروض المثالية بسبب افتئات الفلاسفة التحليليين، واتُهمت الفلسفة المثالية بالتنكر «للوجود الخارجي». ولكن «رفض مور» للمثالية وقصور فهمه لها قد نشأ عن ما يمكن أن نصفه بأنه فقرٌ في معرفة جورج مور بالمثالية؛ فهو لم ينتبه إلى تنوع صور المثالية، والصور المُحكمة والحصيفة التي تظهر فيها، بالإضافة إلى معناها الفضفاض، ومن ثم أخفق في تقديم نقدٍ موضوعيٍ للمثالية. وحقيقة الأمر أنه ليس لدينا مثالية، بل لدينا «صنوف من المثالية»[1].

التحليلية وليدة الوضعية المنطقية

يخصص رورتي دراسته الفلسفة التحليلية والفلسفة التحويلية لتاريخ وسوسيولوجيا الفلسفة التحليلية في الدراسات الأكاديمية الأميركية. وتحديدًا لبيان أن الفلاسفة التحليليين، الذين عملوا ما في وسعهم لتعويض الادعاءات العملية للحركة، قد أسهموا بشكلٍ دائمٍ وقيمٍ في الفلسفة. وفي سياق نقده العميق للتحليلية يكشف فشلها

(136)

لجهة جعل الفلسفة فرعًا من فروع العلم. ويعرّف الفلسفة التحليلية على أنها محاولةٌ لحصر الانتقال من البحث في التجربة إلى البحث في اللغة ـ وهو ما أسماه جوستاف برجمان Bergman «التحول اللغوي». كما يؤكد على أن ردة الفعل المناوئة للمذهب الوضعي المنطقي الذي طغى على الفلسفة التحليلية خلال الأربعين سنةً المنصرمة، يجب أن لا ينظر إليها كعاصفة في فنجان، بل كإسهامٍ جوهريٍ في عالم الفلسفة[1].

إلا أن غرض رورتي من هذا النقد سيظهر لنا بوضوح حين انقلب على التحليلية ليفتح الطريق أمام تحول الفلسفة القارية عبر البراجماتية. ويقوم تحوله عن مسار التحليلية على قراءةٍ نقديةٍ ووصفيةٍ لوضعها الفلسفي اليوم. حيث تقوم حُجَجه في هذا الإطار على النحو التالي:

تنتقل التحليلية من التأمل إلى العلم والتركيز على التحليل المنطقي للجمل والعبارات.

يرتد مفهوم التحليل المنطقي على ذاته، مما يؤدي إلى انهياره.

لم تستطع التحليلية الإفادة من الحفريات والجينالوجيا كما تم مع الفلسفات الفرنسية والألمانية، وذلك قاد رجالها إلى الانكفاء على قراءة النصوص.

إن مسار التحليلية دفعها باتجاه القطيعة مع الفلسفة الأوروبية ـ القارية، وذلك أدى إلى نفي وإقصاء تدريس هيجل ونيتشه وهيدجر.

(137)

وجدت الفلسفة نفسها من خلال بيئتها الأصلية في الإنسانيات وجدلية مشكلة اقتحامها للعلوم الطبيعية أو خرقها للعلوم الاجتماعية التي هي اليوم موضوعا لاختبارها[1].

لقد اعتقد رورتي بجرأته المعهودة التي لم تنجُ من اعتراض النقاد، أنه لا وجود اليوم لشيءٍ يمكن نعته بسمة الفلسفة التحليلية. في حين أن بعض الذين تفهَّموا مقاصده رأوا أن نقده الصريح للتحليلية لم يكن بقصد الحط من قيمتها بقدر ما تصورها مشروعًا قد توارى وخاب. فهي قد استنفدت فكرتها في جعل الفلسفة على طريق العلم السليم. لذا سعى إلى التوسع في فكرة الجمع بين المذهب الكلي البراغماتي، من خلال الهجوم على فكرة المعطى، وفكرة الضرورة، مما يقود نتيجة إلى تقويض أسس التحليلية ومركزيات مقولاتها، المجسدة كتجلٍّ متطرف لنظرية في المعرفة، وذلك يعود بنا إلى نتائج وصل لها جيمس في رأيه بأن الحقيقة هي أفضل ما نعتقد به من غيره، وليس تمثيل الواقع والتطابق معه[2].

على مقلبٍ آخر من النقد الموجه للفلسفة التحليلية سيذهب بيير واجنر Pierre Wagner في دراسته المنعطف اللغوي والمفاهيم الخاطئة الأخرى حول الفلسفة التحليلية[3] إلى أن الفلسفة التحليلية متقيِّدةٌ بموقفٍ عدائيٍ للميتافيزيقا بشكلٍ كامل. ومثل هذا الاعتقاد

(138)

قد يكون متجذرًا في بعض ما صرح به التجريبيون المنطقيون، سواء في المنهج الفلسفي الذي وضعه فتجنشتين في كتابه الرسالة المنطقية الفلسفية، أو في حقيقة أن بعض أعمال الفلسفة التحليلية المبكرة تدين بالفضل لرسل ومور واللذين يُعتبرا عادةً رد فعل على ميتافيزيقا برادلي والأشكال الأخرى من المثالية البريطانية في ذلك الوقت. مع ذلك، فإن هناك حقائق أخرى، تدعم وجهة نظرٍ مختلفة تمامًا، ولا ينبغي أن تغفل. مؤدى هذه الحقائق أن نظرية رسل في القضايا وذريته المنطقية، كما هي الحال مع فلسفته في المنطق، احتوت بشكل واضح على تضميناتٍ ميتافيزيقية. كذلك فإن هجوم التجريبيين المنطقيين على الميتافيزيقا، والتي نشطت في العشرينيات والثلاثينيات، بدأت في استنفاد نشاطها في الستينيات. حيث ظهرت أشكالٌ أخرى من الفلسفة التحليلية أقل ميلًا لرفض الميتافيزيقا، من حيث إنها غير واضحةٍ أساسًا أو غير علمية؛ حيث كان معيار كواين المشهور للالتزام الأنطولوجي قد تشكل بالفعل وظهر في مراجعة على الميتافيزيقا Review of Metaphysics[1]، وكان ستراوسون Strawson قد نشر كتابه الأفراد، مقالة في الميتافيزيقا الوصفية Individuals: An Essay in Descriptive Metaphysics، وتثير سيمانطيقا كرايب Kripke للمنطق الرمزي موجةً من التفكير الميتافيزيقي حول وجود العوالم الممكنة. وأما اليوم، فالميتافيزيقا راسخةٌ وهي جزءٌ مهمٌ ومحترمٌ من الفلسفة التحليلية[2].

(139)

مثالٌ آخر على سوء الفهم المتكرر، هو الاعتقاد الذي شاع بأن الفلاسفة التحليليين يتجاهلون بشكلٍ منهجيٍ الأسئلة المتعلقة بتاريخ الفلسفة؛ وذلك لأنهم يصرون على التمييز الحاد بين القضايا المفاهيمية للفلسفة نفسها وبين المشكلة التاريخية المتصلة بالإمساك بما كان قاله أو اعتقده فلاسفة الماضي على الحقيقة، في حين أن الفلاسفة ذوي الميل نحو التاريخ، على النقيض من ذلك، غالبًا ما يحتجون بأن دراسة تاريخ الفلسفة لا غنى عنها من أجل فهمٍ سليمٍ لأعمق المشكلات التي حاولوا التعامل معها[1].

ثمة هنا فكرةٌ أخرى خاطئة عن الفلسفة التحليلية ـ على الرغم من انتشارها واسع النطاق ـ وهي ولاؤها المزعوم للعلم وللمنهج العلمي، كفلسفة خادمة للعلم. حتى أنه يُعتقد أحيانًا أن المشروع العام للفلاسفة التحليليين هي رد المشكلات الفلسفية إما إلى مشكلاتٍ منطقية، أو مشكلاتٍ علمية، أو أن تتعامل معها بالطرق العلمية، ومن ثم رفض جميع الأسئلة الفلسفية الأصيلة[2].

إن الأحكام الثلاثة المسبقة التي ذكرتها عن الفلسفة التحليلية: رفضها للميتافيزيقا، ولا مبالاتها بالمشكلات التاريخية، وتبعيتها للعلم؛ ليست من الصعب أن تنحى جانبًا كفهمٍ خاطئٍ تمامًا[3].

يطرح بسكال إنجل سؤالًا يهمنا في هذا السياق هو التالي: هل يوجد ما يمكن أن يسمى بـ «الفلسفة ما بعد التحليلية»؟ يجيب: لا

(140)

يمكن لأحد أن ينكر اليوم أن تقليد الفلسفة التحليلية هو تقليدٌ رئيسيٌ في الفلسفة. وكونه «تقليدًا» يعني أن للفلسفة نصوصًا كلاسيكيةً وكتّابًا كلاسيكيين، وكذلك لها عادات أسلوبية، ومؤسسات كالمجلات وسلاسل الكتب والجمعيات، ومناهج دراسية، إلخ. ومع ذلك، فإن الوصول إلى المرحلة التي يلتقي فيها مجموعةٌ من الفلاسفة ليصبحوا مدرسةً، له ثمنه، مثل: أن افتراضاتها الرئيسية لا تعود تتعرض لمزيد من النقد، وأن تؤخذ العديد من الأشياء كمسلمات، والتغاضي عن السقطات، والحجاج بالسلطة. وبمعنًى ما، فإن هذا شيءٌ جيد، بما أنه يسمح للناس بالتقدم بدون أن يسألوا أنفسهم كثيرًا من أين جاؤوا، ويستطيعون ممارسة الانضباط تمامًا مثل العلماء الذين لا يشكون في إجراءاتهم وافتراضاتهم، على الأقل في ما يطلق كون (Kuhn) عليه «العلم العادي». ولكن من ناحيةٍ أخرى، فإنه شيءٌ سيّئ؛ بما أن من مهام الفلسفة أن تُسائل افتراضاتها الأساسية دائمًا[1].

الآن أصبحت الفلسفة تقليدًا ثابتًا جيدًا. ويرغب بعض ممارسيها أن يخطو خطوةً إلى الوراء، للنظر في أسسها التاريخية ومصادر ما أصبح يعتبر «عقائدها» الأساسية، مثل: التمييز بين الإشارة والمعنى، والتمييز بين التأليف والتحليل، ودور المنطق في البحث الفلسفي، والصور المحددة للاختزالية، وما إلى ذلك. وبصرف النظر عن كون «نظرياتهم» التي يعرضونها نظريات علميةً أم لا، فإنهم يعتبرون المهمة الأساسية للتحليل الفلسفي هي تقديم أطروحاتٍ مبررة بالحدس والشواهد (والتجارب الفكرية)، صامدة أمام الشواهد

(141)

المضادة للأطروحات المضادة، وتكون منقحةً بعد العديد من موجات النقد.

يرى هؤلاء أن الفلسفة التحليلية تمادت كثيرًا في قبولها للعقائد الجامدة، وتمادت أكثر في مهمة «البناء النظري». ولذلك فإنهم يشددون على أهمية المشروع النقدي، الذي ـ وفقًا لهم ـ ينبغي أن يؤثر في التقليد كله. ويوجد اليوم تيارٌ مضادٌ للدورة الطبيعية للفلسفة التحليلية، والذي يمكن أن نسميه «النقدية المفرطة/المتطرفة» hypercritical، وخطه الفكري راديكالي. وجهة النظر هذه تم عرضها بشكلٍ مميزٍ بطريقةٍ شبه تاريخية؛ إنها ترى أن الفلسفة التحليلية، من حيث هي تقليد فلسفي، أوشكت على نهايتها، وأنها بشكل ما «ميتة» في مذاهبها وممارساتها الرئيسية. مثل هذا النقد يتحدث عن الفلسفة «ما بعد التحليلية». ووفقًا لهؤلاء الذين نحتوا مصطلح «الفلسفة ما بعد التحليلية»، فإننا قد خرجنا الآن من مرحلة كانت فيها الفلسفة التحليلية مسيطرةً، حيث قد دخلنا عصرًا جديدًا. لقد ماتت الفلسفة التحليلية. وكل محاولة للدفاع عنها هي كمحاولة بعثها للحياة من الرماد[1].

ما بعد التحليلية

لقد نحت رورتي وقرناؤه مصطلح «الفلسفة ما بعد التحليلية» حديثًا. إنه مصطلحٌ بارعٌ بالتأكيد. وهنا مرةً أخرى، تلعب لفظة «ما بعد» دورًا ثنائيًا. فمن جهة، تبطل «ما بعد التحليلية» الفلسفةَ التحليلية، بل وتمضي أبعد من ذلك، وبهذا المعنى فهي ليست

(142)

علامةً على الفلسفة التحليلية. ولكن من جهة أخرى، فهي لا تزال فلسفةً تحليلية. وعلى الرغم من أن آخرين لحقوا بالركب، فإن رورتي يعتبر بحق الداعم الرئيسي لفلسفة ما بعد التحليلية. بل إنه أيضًا رائدٌ في فن ضمّ فلاسفة آخرين إلى داخل حلقته الخاصة[1].

وجد، خلال السنوات الأخيرة على وجه الخصوص، رد فعلٍ لما يُعرف عادةً بالفلسفة التحليلية؛ فقد كان هناك انسياقٌ قويٌ نحو التركيب، دون إنكار، بالطبع، لأهمية التحليل. وينبِّه عبد المتين Abdul Matin في دراسته رد فعل معاصر للفلسفة التحليلية: بعض التأملات إلى أن J. O. Urmson خلص في كتابه التحليل الفلسفي Philosophical Analysis إلى ما يسميه «قطيعةً حاسمةً» ـ وهو يقصد قطيعةً بين طريقة تحليل رسل والتطورات اللاحقة بعد نهاية عام 1930. فقد كانت الفلسفة التحليلية تهدف عند رسل إلى الحد من الحقائق المعقدة والأقل واقعية إلى حقائق بسيطة، وأكثر واقعية، مع اكتشاف البسائط النهائية المنطقية التي تشكل العالم الحقيقي. لكن أسلوبه في التحليل الاختزالي تعرض للانتقاد والتخلي عنه كما هو معروف من قبل أولئك الذين أصبحوا يدعون «فلاسفة اللغة العادية»، مثل رايل Ryle، وويزدم Wisdom، وفتجنشتين Wittgenstein، وج. ل. أوستن J. L. Austin. وهكذا فمع هؤلاء، وتاليًا مع أتباعهم الأحدث، أصبحت الفلسفة مسألة توضيحٍ أكثر من كونها تحليلًا. ومع هذا استمر تطبيق وصف «التحليل» بمعناه

(143)

القديم فقط، على هذه التطورات الأخيرة والحديثة نسبيًا، على الرغم من أن الإجراء التحليلي، كما كان متصورًا سابقًا، قد تحول تحولًا جوهريًا للغاية[1].

تعتبر دراسة البروفيسور ه. ه. برايس H. H. Price، الإيضاح ليس كافيًا Clarity is not Enough، التي نشرت في عام 1945، بدايةً لنقد التحليلية، حيث لم تكن الفلسفة التحليلية دون منافسين أكثر قوةً مثل ستيس Stace وبلانشارد Blanshard وإوينج Ewing. وقد كانت مقالة البروفيسور برايس هي الأكثر تعبيرًا عن هذا التحدي، وبالتالي، فإنه يبدو من المشروع أن نعاملها كأول إشارة واضحة للتيار المضاد.

ويرى البروفسور عبد المتين Abdul Matin أن هناك، بالتأكيد، معنًى أوسع نطاقًا يمكن أن يؤخذ به مصطلح «الفلسفة التحليلية». في هذا المعنى الأوسع، فإن هؤلاء المنافسين هم أيضًا فلاسفة تحليليون، بالمعنى الواسع المعتدل. وعليه فإن الفيلسوف التحليلي يؤمن بالأطروحات الأربع التالية:

(1) التحليل أو التوضيح هو نشاطٌ مفيدٌ وأساسيٌ نظريًا.

(2) التحليل أو التوضيح (سواء اللغوي أو غير اللغوي) هو الوظيفة الوحيدة للفلسفة.

(3) الميتافيزيقا (سواء المحايثة أو الترانسندنتالية) هو عقيم أو فارغ من المعنى ببساطة.

(144)

(4) لا تهتم الفلسفة بمشاكل الحياة المزعومة، ولا تهدف إلى صنع آراء معيارية (ليس من الضروري أن يكون الفيلسوف «رجلًا حكيمًا»)[1].

يقبل فيلسوفٌ مثل رسل، فيما يرى، أولى هذه الأطروحات، رافضًا البقية، سواء من حيث المبدأ أو من حيث الممارسة. وعلى ذلك فهو ليس فيلسوفًا تحليليًا بهذا المعنى الواسع المعتدل، ونفس الشيء ينطبق على برايس Price وبرود C. D. Broad وآخرون.

أعطى نقاد الفلسفة التحليلية في بعض الأحيان تعبيرًا صريحًا وواضحًا عن تقديرهم العميق لمزايا التحليل. وبرايس في دراسته، يطور دفاعًا أكثر تفصيلًا ضد ما يعتبره هجماتٍ غير متقنةٍ على الفلسفة التحليلية. فهو يعتبر التحليل جزءًا ضروريًا للغاية من عمل الفيلسوف، يشرّف تاريخه الطويل، ويجعل هذا التاريخ يستحق أن يدرس من أجل ذاته كأحد آثار العبقرية البشرية. ويلاحظ بلانشارد أيضًا أن الحركة التحليلية أدت إلى «مكاسب حقيقية»، على الرغم من نواقصها الخطيرة. لقد رفعت الفلسفة إلى مستوى غير متوقع من التمييز والوضوح والحذر والدقة؛ مما جعل الكتابة الفلسفية أكثر بساطةً وإيضاحًا، وجمعت الفلسفة والعلم معًا، لصالح الأولى. ويعلق قائلًا: لكن هل التحليل هو الوظيفة الوحيدة للفلسفة؟ إن البروفيسور برايس، الذي كان لديه الكثير للدفاع عن التحليل والتوضيح: «يعتقد أن التوضيح هو جزء من مهمة الفيلسوف؛ بل هو جزء لا غنى عنه، ويجب أن يسمح له أن يتم بأي طريقة. ويضيف:

(145)

ولكنني لا أعتقد أن هذه هي كل مهمته. وبالتأكيد فإن التوضيح ليس كل ما يطلبه منه جمهور المثقفين»[1].

ويعلق «برود»: «إنه لا يعتقد أن تحليل القضايا بأنواعها المختلفة الهامة، هو كل عمل الفلسفة». وبالإشارة إلى ما يُدعى النظرة العلاجية للفلسفة، فإنه يشير بوضوح: «ليس لي أن أحكم على ما إذا كان من الحكمة تمامًا أن يصرح الفلاسفة المحترفون علنًا أن عملهم هو تنظيف قذارات بعضهم البعض. ولن أتكهن إلى أي حدٍ سيستمر مجتمع فقير، مثل إنجلترا المعاصرة، في دفع رواتب أفرادٍ كلُ وظيفتهم هي علاج المرض الذي يصيبون به بعضهم البعض وينقلونه إلى تلاميذهم»[2].

يكفي أن نلاحظ هنا أنه من المستبعد، كموقفٍ عام بين الفلاسفة المعاصرين، أن يكون التحليل أو التوضيح هو الوظيفة الوحيدة للفلاسفة. وعلى طول مسيرة الفلسفة التحليلية، كان هناك دائمًا، على حد قول باسمور Passmore، «متمردون ميتافيزيقيون»، مثل ألفرد نورث وايتهيد Whitehead، كولنجوود Collingwood، إيوينج Ewing، كاسيرر Cassirer، وولبر مارشال أوربان W. M. Urban، وحتى رسل ومور. منذ فترة طويلة، ذكر مور في محاضراته في كلية مورلي خلال 1910 ـ 1911، أن أول مشكلةٍ في الفلسفة، كما تمارس بشكل عام، هي مشكلة إعطاء وصفٍ عامٍ للكون ككل؛ ويبدو أنه، على الرغم من عمله التحليلي المكثف، لم ينكر ذلك أبدًا كمهمةٍ للفيلسوف[3].

(146)

لكن رسل سوف يمضي أبعد من هذا في ذمِّ الفلسفة التحليلية. يقول في هذا الصدد: «لا أعتقد للحظةٍ واحدةٍ أن المذهب [أي مذهب فتجنشتين الخاص بوظيفة الفلسفة] الذي له هذه العواقب الكسولة هو الصحيح. لكنني أدرك، رغم ذلك، أن لدي تحيزًا قويًا ضده، لأنه إذا كان صحيحًا، فإن الفلسفة، في أفضل الأحوال، تكون مساعدةً بسيطةً للمعجميين، وفي أسوأ الأحوال، تسليةً تافهةً على طاولة شاي»[1]. وهو يلاحظ أن اعتراضه البالغ الجدية على الفلسفة الجديدة (أي التحليلية) هو أنها تخلت عن المهمة الجسيمة والهامة لفهم العالم. ثم يعلق: «لا أستطيع أن أشعر أن الفلسفة الجديدة تحمل هذا التقليد. يبدو أنها تعنى بنفسها، لا بالعالم وعلاقتنا به، ولكن فقط بالطرق المختلفة التي يمكن لأناس حمقى أن يقولوا بها أشياء سخيفة. إذا كان هذا هو كل ما تقدمه الفلسفة، فلا أستطيع أن أعتقد أنه موضوع يستحق التفكير فيه»[2].

وكعلامةٍ على عدم الرضا واسع النطاق، في الغرب، مع حصر التوضيح في مجال الفلسفة، فإنه يشير إلى أن نشر بعض الكتب الرئيسية أو سلسلة من الكتب حول الميتافيزيقا، وبشكل أعم (على حد قول إيوينج) حول «الفلسفة اللالغوية»، وسلسلة PrenticeـHall لا تقتصر على الفلسفة اللغوية، بل تتضمن مجلدًا بعنوان الميتافيزيقا، يؤكد مؤلفه أن المشاكل الميتافيزيقية أساسية، حتى أن الفروع الأخرى للفلسفة، بشكل مباشر أو غير مباشر، تبني عليها. يوحي ذلك، خلافًا لما هو مفترض، بأن الميتافيزيقا

(147)

هي أساس الفلسفة، فكتاب والش[1] W. H. Walsh، الذي يحمل نفس العنوان، يطرح دفاعًا أكثر تفصيلًا عن ما يسميه «الميتافيزيقا المحايثة»، رغم اعترافه بميزات التحليل الكبيرة[2].

ثمة مثال آخر مثير للاهتمام، فقد قصد البروفيسور سمارت J. J. C. Smart من جامعة أديلايد، أستراليا، من كتابه الفلسفة والواقعية العلمية، أن يقدم مقالًا في الفلسفة التركيبية. في مقابل ما يسميه «المفهوم السائد للفلسفة»، فإنه يعتقد أننا كفلاسفة، يمكننا ويجب علينا أن نفكر ليس فقط بوضوح ولكن أيضًا بشكل شامل، ويرى أن جزءًا من مهمة الفيلسوف هو أن يحاول الحصول على نظرةٍ شاملةٍ للعالم[3]. «مهمة هذه الفلسفة هي القضاء على الكلام الخالي من المعنى وتوضيح الفكر، وهو شيء ليس لدي أدنى شك فيه. ومع ذلك، أود أن أؤكد أن الفلسفة هي أكثر من ذلك، وأن من عمل الفيلسوف أن يختار من بين مختلف الفرضيات الشاملة على أساس المعقولية»[4].

مما يظهر أنه كان هناك دائمًا معارضةٌ ما، ضد معارضة الفيلسوف التحليلي للميتافيزيقا. فقد قال فريدريك وايزمان Waismann، الذي كان في السابق عضوًا في دائرة فيينا، «إن القول بأن الميتافيزيقا كلامٌ فارغ، هو كلامٌ فارغ»[5].

(148)

ينتقل صاحب «رد الفعل المعاصر على الفلسفة التحليلية» إلى الأطروحة الأخيرة من أطروحات الفلاسفة التحليليين. منذ أن استبعد فتجنشتين الأخلاق في رسالة منطقية فلسفية، تراجعت الأخلاق المعيارية إلى حد كبير. لم يكن هذا الموقف دون معارضة، حتى في الأرض المصدّرة له. وهكذا، فإن برانت R. B. Brandt في مقدمة إلى القيمة والواجب يقسم المشكلات الأخلاقية إلى أخلاقٍ معيارية وما بعد الأخلاق، ويعلق بصراحة شديدة: «يجب أن تتضمن دراسة مشكلات النظرية الأخلاقية طبيعيًا مشكلات كل من نظرية الأخلاقية المعيارية وما بعد الأخلاق»[1].

وينتقل إلى بيان الموقف من التحليل في الشرق والتقليد الفلسفي في الشرق يتسم بشكل عام بالتأمل والروحانية التي تعنى بالخلاص. لا تزال الروابط الميتافيزيقية والعملية قويةً إلى حد كبير في الفلسفة الشرقية كما هي في الأزمنة السابقة. فالفلسفة الصينية قد انتهى بها الأمر إلى الماركسية. والفلسفة اليابانية، على الرغم من اتصالها المتأخر بالفكر الغربي، ظلت إلى حدٍ كبير كما كانت قبل عدة أجيال. وعلى الرغم من التأثير الأكبر للفكر الغربي، وخاصةً الفلسفة الماركسية والفلسفة التحليلية، على اليابان فإن الفكر الياباني لا يزال، من حيث الجوهر، صحيحًا. فبحكم مزاجها العام غير الفكري، فستظل طوكيو على ما يبدو مختلفةً عن فيينا. أما بالنسبة لشبه القارة الهندية الباكستانية البنجالية، فبإمكان المرء أن يفكر في الوضع على أنه التمثيل الأقوى والأكثر نموذجيةً للتراث الفلسفي العام في الشرق. وفيما يتعلق بالموقف المعرفي ومراعاة

(149)

التقاليد، فإنها تشبه أوروبا القارية أكثر بكثير من بريطانيا العظمى وأمريكا الشمالية[1].

منذ وقت طويل، أعرب راداكريشنان، الفيلسوف الهندي المعاصر، عن عدم رضاه عن ما وصفه بـ«السفسطة الصالحة» أو «تقديس الشعر المنفرق»[2] من قبل الفلاسفة المحترفين، وقد علق في أحد أعماله: «الفلسفة هي الفهم، التأمل، النظر، والفيلسوف لا يجد أي راحةٍ حتى يكتسب نظرةً أو رؤيةً لعالم الأشياء والأشخاص، مما سيمكنه من تفسير التجارب المتعددة على أنها معبرة، نوعًا ما، عن هدف»[3]. في أواخر عام 1957، علق أحد أكاديميي الفلسفة الهندية: «في الشرق، لا تأتي الحكمة الفلسفية باعتبارها معلومات عامة. إنها تعلّم متخصص موجه إلى تحقيق حالة أسمى من الوجود»[4].

عندما كانت الوضعية المنطقية تنتقد وتهاجم وتضرب الفلسفة التأملية التقليدية في أوروبا، ظهرت الفلسفة الهندية المعاصرة مع وجهات النظر الفلسفية لأربعةٍ وعشرين من كبار المفكرين في شبه القارة. هذه الآراء عن طبيعة وقيمة الفلسفة تشير بوضوح إلى اتجاهٍ مناهضٍ للتحليل. مع ذلك، كان التعبير الأكثر منهجيةً على حد قول دتا D. M. Datta الذي أشار إلى ما أسماه «ثلاثة اتجاهات غير مرغوبة» في الفلسفة الغربية الحديثة: اتجاهها المعادي للميتافيزيقا،

(150)

وتشكيكها في عقلانية النظرة الشمولية للكون ككل، وقطيعته مع الحياة العملية. لقد اعترف دتا بالفائدة الكبيرة للتحليل لأنه بدون تحليل الحقائق والأفكار وتحديد معاني الكلمات «لا يمكننا الوصول إلى أي استنتاجٍ دقيقٍ ومضبوط»، «ولكن من المبالغة أن نقترح أن التحليل هو العمل الوحيد أو الرئيسي للفلسفة»[1]. ويمكن ملاحظة أن هذا الموقف لا يزال نموذجًا للتيارات العامة في الفكر الهندي.

لكن هل يمكن أن نقول، متابعين ويزدم، أن الفلسفة هي دائمًا تحليل؟ إن الوضوح، في الواقع، هو ما تهدف إليه الفلسفة في المقام الأول؛ ولكن مثلما يطالب برايس، قد يكون الوضوح إما شموليًا أو تحليليًا، وقد يكون كلاهما ضروريًا لتحقيق رضا فكري كامل. سوف نطالب بالوضوح التحليلي في حالة المفاهيم الفردية أو التعبيرات الشفوية الفردية؛ ولكن يبدو من الصحيح أن أي مجالٍ من مجالات التجربة سيعاد تفسيره في نهاية المطاف ما لم يتم وضع الكل معًا ومحاولة رؤية الكل رؤيةً شمولية. ويبدو ذلك أكثر ﺣﻘﻴﻘﺔً ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ مجموع الخبرات. لا نريد فقط أن نحلل العالم بل أن نفهمه. لكن العلوم تقدم لنا صورًا جزئيةً فقط، ومن المعتاد أن يقوم الفلاسفة بتكوين رؤيةٍ متكاملةٍ وشاملةٍ من هذه الأسس. إذا كانت هذه ميتافيزيقا، فإن شيئًا من هذا النوع يبدو مطلبًا أساسيًا لإطارنا الفكري[2].

يميز برايس ضمنيًا بين نوعين من الميتافيزيقا التأملية: (أ) النوع

(151)

غير المرغوب فيه الذي يهدف إلى «التوصل إلى استنتاجات حول المسائل الواقعية عن طريق مقدماتٍ منطقيةٍ مسبقةٍ بحتة»[1]؛ (ب) النوع المرغوب الذي يريد «إنتاج مخططٍ مفاهيميٍ يمكن في إطاره ترتيب جميع الأنواع المعروفة من الحقائق التجريبية بشكلٍ منهجي».

ويمكن القول إنه مهما كانت ميتافيزيقا برايس غير المرغوب فيها، فإن الميتافيزيقا المرغوب فيها ليست فوق الشكوك. يلاحظ برايس أن هذه الميتافيزيقا الشبيهة بالخطاطة قد تفترض أكثر من شكلٍ واحد بشكلٍ مشروع، وهذه الأشكال المختلفة ليست صادقةً أو كاذبة، ولكنها إما جيدة أو سيئة، أو أقل جودةً أو أفضل. ولكن إذا كان يجب لقضايا الميتافيزيقا التأليفية أن تكون صادقةً أو كاذبة؛ وإذا لم تكن بحاجة إلى تعيين الحقائق، فهل سترضي بالفعل جمهور المثقفين؟ ألن تكون مثل هذه القضايا نوعًا من التعبيرات المعيارية؟ ولكن، إذا كان الأمر كذلك، فهل تكون الميتافيزيقا التأليفية غير قادرةٍ على قول أي شيءٍ عن العالم من حيث هو كذلك، وتواجه أيضًا خطر أن تصبح مسألة اختيارٍ فردي، مفاهيمي؟

ومن هنا ضرورة النظر فيما إذا كان المخطط المفاهيمي، الذي سيتم بموجبه ترتيب جميع الأنواع المعروفة من الحقائق التجريبية، سوف يكون بمثابة فرضيةٍ علميةٍ تجريبية. إذا كان الأمر كذلك، فإن هذه الميتافيزيقا ستكون شيئًا مثل العلوم السامية. إذا لم تكن، على العكس من ذلك، تشبه العلم، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن تنظيم الحقائق التجريبية داخلها[2].

(152)

وهو لا يؤكد أنه لا يمكن التغلب على هذه الصعوبات، ولكن الإصرار على أنه ما لم يتم التعامل مع هذه الصعوبات بشكل مناسب، فإن هذا المخطط من الميتافيزيقا التأليفية لن يحقق الكثير. يبدو أنه، مع الأخذ في الاعتبار تمييز الفلسفة عن العلم، فإن القضية الأكثر جوهريةً في كلٍ من الفلسفة التحليلية وغير التحليلية هي العلاقة بين الفلسفة والحقيقة.

إن هناك فيما يقول جبهة أخرى يتعين على الفلسفة غير التحليلية أن تحارب فيها بدورها. هذه الجبهة هي حقل الفلسفة المعيارية ـ الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. إذا كانت الفلسفة عليها أن تظل متميزةً ليس فقط عن العلم ولكن أيضًا عن مجرد الوعظ، يجب عليها أن توضح نوع المنطق الذي تطبقه، ونوع العلاقة التي تربطها بنظيرتها التحليلية والتأليفية. في المجال الأخلاقي، على سبيل المثال، ينبغي أن تدلنا الفلسفة المعيارية على أفضل طريقة للحياة. كيف، مرةً أخرى، تكون طريقة الحياة المثلى مرتبطةً بالخريطة المفاهيمية الميتافيزيقية؟ هل يجب أن تكون مرتبطةً بها على الإطلاق، في حال كان من المرجح أن تؤدي أي محاولةٍ في مثل هذا الارتباط إلى الحصول على الطريقة المثلى الآخذة في التيه في الصحراء المفاهيمية العميقة؟

إن هذه بعض المسائل الأساسية التي يجب النظر فيها، إذا كان رد الفعل المعاصر للفلسفة التحليلية هو في النهاية الحفاظ على الفلسفة وأن يكون موقفًا مثمرًا حقًا، كفلسفةٍ وليس زخرفةٍ أو مجرد عظة.

(153)

لنستمع إلى أحد التحليليين العرب الذي يؤكد أهمية التحليل ويبين قصوره، يقول: إني مؤمنٌ بالمنهج التحليلي والفلسفة التحليلية بوصفها مجالًا لتطبيق منهج التحليل، وأرى أن التحليل كمنهجٍ يبدأ بتحديد المشكلة المركبة وردها إلى مشكلات صغيرة، ومعالجة هذه المشكلات الصغيرة واحدةً بعد أخرى من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التحليل ومزيد من الفهم والوضوح، حتى تجد المشكلة حلًا يمكن الإفادة منه فى واقع الانسان، إما لتبرير معتقدٍ أو تفسيره أو تغييره[1].

رفض الميتافيزيقا

لقد بدا لي أنني عرفت سر رفض الوضعية المنطقية للميتافيزيقا، الذى أعتبره هروبًا من مواجهة المشكلات الميتافيزيقية، فليس العجز عن التفسير والتعبير عن شيءٍ ما مكافئًا لكونه لغوًا لا معنى له. لقد أرجعت رفض الوضعية المنطقية للميتافزيقا إلى تمسكهم الصارم باللغة المنطقية كما طورها المنطق الرياضي الحديث، ومن الصعب التعبير عن القضايا الميتافيزيقة بلغة المنطق الحديث. فاللغة المنطقية لا يمكنها أن تستوعب كل أساليب التعبير عن كل المشكلات والمسائل التى يثيرها العقل البشري، فلماذا نغلق الأبواب أمام العقل لنحبسه فى مكانٍ ضيقٍ لا يتسع لكل نشاطاته. لماذا لا نتركه ينطلق إلى المشكلات الميتافيزيقية التى تلح على العقول البشرية[2].

(154)

وهناك من يميز بين التحليل وموقف الوضعية المنطقية في رفض قضايا الميتافيزيقا. موضحًا أنه لا تعارض بين التحليلية والتسليم بمشروعية الميتافيزيقا، طالما كان من الواضح أمامنا التفرقة بين نوعين من الواقعية: الواقعية الموضوعية التي تقر بكل ما هو واقعي في العالم وتحترم الشعور بهذا الواقع. ووجود الموضوعات الشعورية، وهو ما يحدث أمام العقل من تصوراتٍ وقضايا نستشعرها وهي تلح على عقولنا للتعامل معها، وتعرض نفسها على عقولنا على صورة أسئلةٍ تحتاج إلى إجابات. هذا واقع ندركه بشكلٍ مباشر من خلال الاستبطان أو الملاحظة الذاتية، تمامًا كشعوري بالجوع أو الألم. ومن خلال هذا الواقع الشعوري تأخذ الميتافيزيقا مشروعيتها وضرورتها[1].

ويمكن أن نعطي مثالًا على ذلك بموقف بعض الفلاسفة من الميتافيزيقا، حيث إن الفكرة الشائعة عنهما أنهما قد شاركا الوضعيين المناطقة موقفهم المعادي والمضاد للميتافيزيقا ولكن هذا الرأي الشائع مضاد للحقيقة ومنافٍ لها؛ وهما رسل ومور اللذان كانا يعارضان نمطًا معينًا من الميتافيزيقا إلا أنهما لم يكونا ضد التفكير الميتافيزيقي عمومًا. فقد استمر الفيلسوفان على اعتقادهما في أن الحق الميتافيزيقي من نوعٍ ما ليس هو الأمر الممكن فحسب، بل اعتقد كلٌ منهما أنه قد توصل إلى بعض هذا الحق.

ونحن لو نظرنا في النصوص التي أوردها زكي نجيب محمود،

(155)

الذي عُرف بوضعيته المنطقية وعدائه للميتافيزيقا، وهذا بحاجة إلى تصحيح، نجد لديه وجهًا ميتافيزيقيًا في رسالته للدكتوراه حول الجبر الذي كتب مترجمها عن الميتافيزيقا عند زكي نجيب محمود، والذي أفسح مجالًا للأخلاق والقيم والدين في كتاباته كما أظهرنا ذلك في دراستنا حوله، وسوف يتبين لنا ذلك وبوضوح كيف أنه يتحدث في أعماله جميعها عن «الميتافيزيقا»، ولا يرد أي ذكر على الإطلاق، أو إشارة من قريب أو بعيد، لـ»اللاهوت» ويتضح ذلك عند الحديث عن المشكلة الدينية في خرافة الميتافيزيقا. فقد اتهم زكي نجيب أنه في خرافة الميتافيزيقا يقف موقفًا معاديًا للدين. يرفض محمد مدين هذا الرأي، ولنفي هذه التهمة يطرح سؤالين هما: هل وقف صاحب خرافة الميتافيزيقا بالفعل موقفًا مناهضًا للدين؟ إلى أي حد يتفق هذا الموقف مع موقف الوضعية المنطقية من الدين؟ هل كان زكي نجيب، في موقفه من قضايا الدين، متسقًا مع موقف الوضعية المنطقية، التي كان يروج لها، من هذه القضايا أم أنه وقف موقفًا مغايرًا لها؟

ويرى أن علينا أن نفهم كلام زكي نجيب عن «المطلق» وليس عن «الله»؛ إذ إن الموضوع الذي يناقشه كبار الفلاسفة حين يناقشون فكرة «الله» لا يمت إلا بصلة واهية ـ ذلك إن كانت هناك صلة على الإطلاق ـ بالله كما تفهمه الأديان، وإنما هو فكرة من تركيب العقل، ولذلك يحسن استخدام المصطلح الفلسفي، وهو كلمة «المطلق» بدل اللفظة الدينية «الله». ويزيد زكي نجيب موقفه وضوحًا فيدين في مقدمة الطبعة الجديدة للكتاب منتقديه «بأنهم خلطوا بين فلسفة ودين»[1].

(156)

أما العقيدة الدينية فأمرها مختلف كل الاختلاف؛ لأن صاحب الرسالة الدينية لا يقول للناس إنني أقدم لكم فكرةً رأيتها ببصيرتي، بل يقول لهم إنني أقدم رسالةً أوحى بها إليّ ربي لأبلغها؛ وها هنا لا يكون مدار التسليم بالرسالة برهانًا عقليًا على صدق الفكرة ونتائجها المستدلة منها، بل يكون مدار التسليم هو تصديق صاحب الرسالة فيما يروي أنه وحيٌ من ربه، أي أن مدار التسليم هو الإيمان[1]. والنتيجة البالغة الأهمية والتي تترتب على حديث زكي نجيب هنا هي تأكيده على أن «إله» الفلاسفة ليس هو الله الذي تتحدث عنه الأديان والذي يعرفه الناس ويؤمنون به. ويظهر من هذا التمييز الذي قدمه بين الميتافيزيقا والدين أنه يبرئ نفسه من الاتهام بأنه في رفضه للميتافيزيقا يرفض الدين أيضًا. أي إنه يريد أن يؤكد على أن رفضه للميتافيزيقا لا يمتد بحال إلى «الدين». وإذا كان الوضعيون المنطقيون يضعون الميتافيزيقا والدين في سلة واحدة ويحكمون على الاثنين بحكم واحد، فإن زكي نجيب يميز بين الاثنين ويؤكد على أن ما يصدق على الميتافيزيقا لا يصدق بحال على الدين.

(157)

المراجع

المراجع الأجنبية:

Robert R .Ammerman, Classics of Analytical Philosophy (ed Mc Grow Hill, Inc, 1965).

D. P. I. Pears, “logical Atomism, Russell and Wittgenstein”, The Revolution in philosophy, Edited by: A. J. Ayer, Macmillan & Co., 1957.

Analysis Of Platos Theory Of Knowledge Philosophy Essay, Uni Assignment Centre.

A. J. Ayer, Language, Truth and Logic (Dover, New York, 2nd, 1946).

A. J. Ayer, Language, Truth and Logic (the imp. Victor Gollancz, LTD. London, 1967).

Michael Beaney, “Analysis”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (link), 2003.

Bertrand Russell, The Analysis of Mind, Published October 17th 2005 by Dover Publications (first published 1921).

C. D. Broad, “Critical and Speculative Philosophy”, Contemporary British Philosophy, 1924- 1925, Vol I.

C. H. Langford & Paul Arthur Schilpp, The Notion of Analysis in Moore’s Philosophy, Journal of Symbolic Logic 8 (4), 149 - 151 (1943).

(158)

M. J. Charlesworth, Philosophy and Linguistic Analysis, Duquense studies, Philosophical Series 9, Duquense University, Pattsburg, 1959, pp. 3- 4.

Encyclopedia of Philosophy, Vol I.

Samuel Enoch, A history of philosophy Since Socrates to Sarter, Oxford, 1976.

Richard Foley, “Analysis”, Entry in The Cambridge Dictionary of Philosophy, second edition, New York, Cambridge University Press, 1999.

J. Galaugher, Russell’s Philosophy of Logical Analysis, 1897- 1905, palgrave macmillan.

 Georgios Anagnostopoulos and Fred D. Miller, Jr. (eds.), Reason and Analysis in Ancient Greek Philosophy: Essays in Honor of David Keyt, Springer, 2013.

Gilead BarـElli, Conceptual Analysis and Analytical Definitions in Frege, European Journal of Philosophy, pp. 963ـ984, John Wiley & Sons Ltd, 2017.

HansـJohann Glock and John Hyman, Wittgenstein and Analytic Philosophy, Oxford press, 2009.

HansـJohann Glock, Was Wittgenstein an Analytic Philosopher?, Metaphilosophy LLC and Blackwell Publishing Ltd., 2004, p. 419- 444.

Herbert G. Bohnert, “Carnap’s Theory of Definition and Analyticity”, in Library of Living Philosophers,

(159)

Vol. 11, Paul Arthur Schilpp (Editor), Tudor Publishing company, 1963, p. 407- 430.

David Hume, The National Characters of Nation, in Essays Moral, Political and Literary (London, 1875)

Frank Jackson, From Metaphysics to Ethics: A Defense of Conceptual Analysis, Oxford, Oxford University Press, 1998.

Kile Jones, “Analytic versus Continental Philosophy”, Philosophy Now, https://philosophynow.org/issues/74/Analytic_versus_Continental_Philosophy.

L. Bishwanath Sharma, Wittgenstein’s Method of Philosophical Analysis, CrossRoads, volume 11, issue 1, 2007, pp. 67- 73.

J. Loyns, Semantics, Vol 1, Macmillan Press, 1979.

 M. Macdonald (ed), Philosophy and Analysis, Oxford, 1954.

G. F. Macdonald, Perception and Identity (ed: The Macmillan press LTD, 1979).

B. Magee, Modern British philosophy.

 A. M. Mardiros, The Origin and Development of Contemporary Philosophical Analysis, Thought, W. J. Gage limited, Toronto, 1960.

Michael Beaney, Ancient Conceptions of Analysis, Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2014.

Michael Dummett, Frege and Other Philosophers, Published to Oxford Scholarship Online, November 2003.

(160)

G. A. MOOR, Defense of Conmen Sense, from Twentieth Century Philosophy, The Analytic Tradition, edited and With Introduction Morris Weitz, the Free Press, New York, Collier, Macmillan, Limited, London, 1968.

Morris Lazerowitz, Moore And Philosophical Analysis, Published online, 01 February 2009.

Morris weitz, Analysis and the unity of Russell’s philosophy, in The Philosophy of Bertrand Russell (Library of Living Philosophers, Vol. 5), Paul Arthur Schilpp (Editor), Tudor Publishing company, 1951.

Nijolė Aukڑtuolytė, Analysis of Logical Basis of Knowledge in Frege’s Philosophy, V U Faculty Of Philosophy Problemos, https://goo.gl/My8Yyt

P. F. Strawson: “Carnap’s Views on Constructed Systems versus Natural Languages in Analytic Philosophy”, in: Library of Living Philosophers, Vol. 11, Paul Arthur Schilpp (Editor), Tudor Publishing company, 1963, p. 503- 518.

Patrick H. Byrne, Analysis and Science in Aristotle, suny press, 1997.

Philosophical Investigations, translated by G. E. Anscombe, Edited by G. Anscombe, And R. Rhees, Oxford, Blackwell, 1953.

Pierre Wagner, “The analysis of philosophy in

(161)

Logical syntax: Carnap’s critique and his attempt at a reconstruction”, in: Carnap›s Logical Syntax of Language, PalgraveـMacmillan. pp. 184  - 202  (2009).

H. Prosch, The genesis of Twentieth Century Philosophy, George Allen & Unwin, London, 1966.

William Ramsey, “Prototypes and Conceptual Analysis”, In: M. DePaul & W. Ramsey (eds.), 1998, pp. 161- 177.

Richard Tieszen, Analytic And Continental Philosophy, Science And Global Philosophy, Comparative Philosophy, Volume 2, No. 2 (2011): 04ـ  22.

Roslyn Weiss, Socrates Dissatisfied: An Analysis of Plato’s Crito, oxford scholarship online, 1998.

Sam Hillier, Analyticity And Language Engineering In Carnap’s Logical Syntax, University of Alberta, EuJAP, Vol. 6, No. 2, 2010.

Socrates And Conceptual Analysis, On Philosophy, 2007, https://goo.gl/sXUQs7

L. S. Stebbing, Logical Positivism and Analysis (annual Philos. Lecture, British Academy, 1938).

S. Stebbing, “The Method of Analysis in Metaphysics”, The Proceeding of The Aristotelian Society, Vol. xxx, 111, 1932- 1933.

(162)

Stephen Stich, “Reflective Equilibrium, Analytic Epistemology, and the Problem of Cognitive Diversity”, In DePaul and Ramsey (eds.), 1998, pp. 95- 112.

The Encyclopedia of philosophy (ed by Paul Edwards, Macmillan publishing Co, The Free press 1967), Vol I Art, Analysis (philosophical).

Tractatus Logico ـ Philosophicus (a new translation by: Pears, D. F. and McHuinness, New York, The Humanituis Puss, 1961).

Tractatus Logico ـ Philosophicus (translated by: Ogden, C. K., London, Kegan Paul, 1922).

J. O. Urmson, Philosophical Analysis (Oxford, At The Clarendon Press 1956).

Morton White, The Age of Analysis (New York, 1965).

Morton White, Towards Renu ion in philosophy (New York, 1980).

William Blattner, Continental & Analytic Philosophy, https://goo.gl/9kfcWa

Ludwig Wittgenstein, Philosophical Investigations, 1953.

(163)

المراجع العربية

- أحمد ماضي (الدكتور): الوضعية المحدثة والتحليل المنطقي في الفكر العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول، بيروت، 1985.

- إنجي حمدي عبد الحافظ: منهج التحليل الفلسفي عند ألفريد آير، رسالة دكتوراه، مجلة القراءة والمعرفة، 2012.

- أندريه لالاند: موسوعة الفلسفة، دار عويدات، بيروت، لبنان.

- بهاء درويش (الدكتور): مفهوم التحليل عند جورج إدورد مور، بحث منشور في مجلة جامعة دمشق، المجلد 25، الأول + الثاني، 2009.

- بوزيان صليحة: التحليل المنطقي في فلسفة رودلف كارناب، مجلة آفاق فكرية، العدد 6، 2017.

- توفيق الطويل (الدكتور): أسس الفلسفة، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1958.

- توفيق الطويل [محرر]: المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، القاهرة، 1991.

- جمال أردلان: فتجنشتين ومسألة اللغة في أصول الفلسفة التحليلية، مجلة مدارات فلسفية، العدد 5، العام 2001، المغرب، ص 4 ـ 43.

- جميل صليبا (الدكتور): المعجم الفلسفي، جزءان، دار العلم للملايين، بيروت، 1986.

- داجوبرت رونز، محقق، فلسفة القرن العشرين، مجموعة مقالات في المذاهب الفلسفية المعاصرة، ترجمة عثمان نوية، مراجعة زكي نجيب محمود، القاهرة: مؤسسة سجل العرب، 1963.

- ريتشارد رورتي: الفلسفة التحليلية والفلسفة التحويلية، ترجمة

(164)

محمد عبد النبي، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد 25 ـ 26، العام 2009، ص 83 ـ 95.

- ريتشارد رورتي: نظرة براجماتية إلى الفلسفة التحليلية المعاصرة، العرب والفكر العالمي، العدد 23 ـ 24، العام 2008، ص 79 ـ 89.

- ريشنباخ: نشأة الفلسفة العلمية، ترجمة فؤاد زكريا.

- زكريا إبراهيم (الدكتور): دراسات في الفلسفة المعاصرة، نهضة مصر، الفجالة، القاهرة، 1966.

- زكريا إبراهيم (الدكتور): مشكلة الفلسفة، مشكلات فلسفية، 4، طبعة مزيدة ومنقحة، القاهرة: دار العلم، 1962.

- زكي نجيب محمود (الدكتور): في فلسفة النقد، مكتبة الشروق، 1983.

- زكي نجيب محمود (الدكتور): موقف من الميتافيزيقا، دار الشروق، القاهرة، (1953).

- زينب هاشم شيمان: الفلسفة التحليلية في القرن العشرين، البعد التاريخي، البعد المعرفي، البعد النقدي، رسالة دكتوراه، جامعة بغداد، 2005، إشراف علي حسين الجابري، 361 صفحة.

- السيد عبد الفتاح (الدكتور): المنهج التحليلي في دراسات مدين الأخلاقية، موسوعة الفلاسفة العرب، تحرير أحمد عبد الحليم عطية، القاهرة، 2016.

- صلاح قنصوة (الدكتور): فلسفة العلم، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، 1981.

- عامر عبد زيد الوائلي، اللغة الدينية من خلال الرؤية التحليلية عند فتجنشتين، مؤمنون بلا حدود، 2017.

- عزمي إسلام (الدكتور): اتجاهات في الفلسفة المعاصرة (وكالة المطبوعات، الكويت، 1980).

(165)

- عزمي إسلام (الدكتور): فتجنشتين، سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، مصر.

- عزمي إسلام (الدكتور): فلسفة التحليل عند فتجنشتين، عالم الفكر، المجلد الثالث، العدد الرابع.

- عزمي إسلام (الدكتور): التحليل في الفلسفة المعاصرة، مجلة الفكر المعاصر، العدد 28، عدد يونيو 1967، ص 36 ـ 41.

- عزمي إسلام (الدكتور): فلسفة التحليل عند فتجنشتين، عالم الفكر، الكويت.

- علي عبود المحمداوي: ريتشارد رورتي: نحو فلسفة بلا مرايا، المحور الأول، رورتي من الفلسفة التحليلية إلى نقدها.

- كارناب: الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة وتقديم وتعليق السيد نفادي، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، 1993.

- كمال طيرشي: قراءة في الفلسفة التحليلية المعاصرة، مجلة الحكمة، العدد 31، العام 2014.

- كولنجوود: مقال في المنهج الفلسفي، ترجمة د. فاطمة إسماعيل، المجلس القومي للترجمة.

- لودفيج فتجنشتين: رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي إسلام، دار المعارف، القاهرة، د. ت.

- لورنزو كونو ساربروكن: إرث فتجنشتين الراهن والفلسفة التحليلية، آمال سليمان، الفكر العربي المعاصر، العدد 58 ـ 59، ديسمبر 1988.

- ليدفيكو جيمونا: موقف من الوضعية المنطقية، ترجمة الزواوي بغورة، ضمن كتاب «فلسفة العلوم، دراسات ونصوص».

- ماهر عبد القادر (الدكتور): خرافة الوضعية المنطقية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1986.

- ماهر عبد القادر (الدكتور): فلسفة التحليل في الفكر المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت، 1983.

(166)

- محمد أحمد كريم: الفلسفة التحليلية المعاصرة: نظرة تفسيرية، التربية المعاصرة، مصر، السنة 7، العدد 13، أكتوبر 1989.

- محمد المحمدي سليمان (الدكتور): رؤية يحيى هويدي النقدية للفلسفة الوضعية المنطقية، أوراق فلسفية، العدد 4 ـ 5، القاهرة، 2001.

- محمد باقر الصدر، فلسفتنا: دراسة موضوعية في معترك الصراع الفكري القائم بين مختلف التيارات الفلسفية وخاصة الفلسفة الإسلامية والمادية الديالكتيكية (الماركسية)، طبعة مزيدة ومنقحة، بيروت، منشورات عويدات، 1962.

- محمد عابد الجابري (الدكتور): المنهاج التجريبي وتطور الفكر العلمي، دار الطليعة، بيروت، 1982.

- محمد عابد الجابري: تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت، 1981.

- محمد محمد مدين (الدكتور): الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر، «بحث في مشكلة المعنى»، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع.

- محمد محمد مدين (الدكتور): الوضعية المنطقية: رؤية واقعية، أوراق فلسفية، العدد 4 ـ 5، القاهرة، 2001.

- محمد محمد مدين (الدكتور): قراءة في فكر مهران التحليلي، أوراق فلسفية، العدد 10، القاهرة.

- محمد محمد مدين (الدكتور): نقد الخطاب الوضعي في خرافة الميتافيزيقا: التمييز بين الميتافيزيقا والدين، بحث منشور في مجلة كلية الآداب، جامعة القاهرة، المجلد 61، العدد 4، أكتوبر 2001.

- محمد محمد مدين (الدكتور): هوامش على الحركة التحليلية، أوراق فلسفية، العدد 60، القاهرة، 2018.

- محمد مهران (الدكتور): فلسفة برتراند رسل (دار المعارف، القاهرة، 1979).

(167)

- محمد مهران (الدكتور): لقطات من سيرة ذاتية/ علمية، مجلة أوراق فلسفية، العدد 10، القاهرة.

- محمود فهمي زيدان (الدكتور): في فلسفة اللغة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1991.

- محمود فهمي زيدان (الدكتور): مناهج البحث الفلسفي، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1991.

- مورتن وايت: عصر التحليل: فلاسفة القرن العشرين، ترجمة أديب يوسف، منشورات ووزارة الثقافة والإرشاد القومي، سوريا، 1975.

- موسى وهبة (الدكتور): مادة «تحليل»، الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الثاني، معهد الإنماء العربي، بيروت.

- رودلف ميتس: الفلسفة الإنجليزية في مائة عام، ترجمة دكتور فؤاد زكريا، مؤسسة سجل العرب، 1967، جزئين، الجزء الثاني.

- ناصر هاشم محمد (الدكتور): الفلسفة التحليلية في القرن العشرين، أوراق فلسفية، العدد 60، 2018.

- ناصيف نصار (الدكتور): طريق الاستقلال الفلسفي: سبيل الفكر العربي إلى الحرية والإبداع، بيروت، دار الطليعة، 1975.

- هنتر ميد، الفلسفة: أنواعها ومشكلاتها، ترجمة فؤاد زكريا، القاهرة، دار نهضة مصر، بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1969.

- وجدان كاظم عبد الحميد التميمي: فلسفة اللغة من وجهة نظر كارناب، جامعة القادسية، qu.edu.iq/repository/wpـcontent/uploads/2016/11/16ـ8.pdf

- ياسين خليل (الدكتور): مقدمة في الفلسفة المعاصرة: دراسة تحليلية للاتجاهات العلمية في فلسفة القرن العشرين، بيروت، مطبعة دار الكتب، 1970.

(168)
المؤلف في سطور أحمد عبد الحليم عطية مفكر وباحث من مصر ، أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة وعضو في عديد من الجمعيات الفلسفية العربية والدولية ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية . مؤلفات : -كتب في الكثير من مجالات الفلسفة قام بتدريس مادة علم الجمال في قسمي الفلسفة واللغة الإنجليزية وصدر عن هذه التجربة كتابه هذا بالإضافة إلى اهتمامه المكثف بالفكر العربي المعاصر ، فكتب عن الأخلاق وعلم الجمال في الفكر العربي وكتب عن د. عبد الرحمن بدوي ، وعن ابي ريدة ، وتوفيق الطويل وقدم دراسات مستفيضة عن هشام شرابي وعلي أومليل وناصيف نصار وغيرهم أما عن جهده في تخصصه الدقيق (الأخلاق والقيم والفلسفة المعاصرة) فقد كتب في الأخلاق الإسلامية واليونانية والحديثة والمعاصرة بالإضافة إلى الفكر العربي وما بعد الحداثة . من أعماله : 1- سارتر والفكر العربي المعاصر 2-الفكر السياسي والأخلاق عند العامري 3-فلسفة الجسد 4-نيتشة وجذور ما بعد الحداثة 5-الموسوعات الفلسفية المعاصرة في العربية 6-نقد المجتمع الأبوي : قراءة في أعمال هشام شرابي 7-الفكر السياسي والأخلاقي عند العامري 8-الأخلاق في الفكر العربي المعاصر 9-عبد الوهاب المسيري 10-الفلسفة التحليلية (هذا الكتاب )
هذا الكتاب الفلسفة التحليلية لم يكتب في العربية سوى كتاب واحد أو دراسة واحدة حول التحليل والتحليلية ولم يترجم لها سوى عمل واحد يحمل عنوان عصر التحليل ، رغم الاهتمام الكبير الذي أولاه الفلاسفة المعاصرون للتحليلية وكثرة المؤلفات الأوربية حولها ويعود هذا الاهتمام الكبير إلى سيادة العلم وظهور التيارات الفلسفية العلمية على اختلاف توجهاتها والرغبة في تجاوز المشكلات الميتافيزيقية الغامضة والزائفة . ومن هنا كان حرصنا على هذا العمل ، الذي يدور حول التحليل ، رغم كل ما يمكن أن يصادفنا من صعاب في تناول التحليل الذي يعد خطأ في نظر البعض ، المسؤول عن رفض الميتافيزيقا ، وبالتالي استبعاد الدين من دائرة الفلسفة . من المقدمة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]