مجلة الشيعة في الدراسات الغربية العدد 1

مجلة الشيعة في الدراسات الغربية العدد 1

المقدمة

الشيعة في الدراسات الغربيّة

تصاعد الاهتمام الغربيّ بالشيعة والتشيّع منذ النصف الثاني من القرن العشرين، سواء أكان هذا الاهتمام ناشئًا من كونه مذهبًا إسلاميًّا، أو باعتباره يمثّل أقلّيّات مضطهدة، أو من جهة دوره الفاعل على المستوى السياسيّ.

وغالباً ما نلاحظ أنّ الدوائر الغربيّة تطوّر أسلوب عملها، حتى أصبحت تعتمد في معرفة المذهب مؤخرًا على أشخاص شيعة درسوا في النجف، أو في قم، أو في لبنان، أو في باكستان، أو في الهند، وحيثما للطائفة تواجد ديمغرافيّ وعلميّ مؤثّر.

وعلى الرغم من أنّ الأهداف متعدّدة، ولكنّها وصلت إلى أن تهتم الجامعات ومراكز الدراسات بتكوين مناهج دراسيّة للجامعات وتوفير مادّة علميّة للباحثين في الإسلام والأديان عمومّا والتشيّع خصوصًا ... فإذا لاحظنا المدرسة التطبيقيّة للدراسات العليا باريس-فرنسا، وندوتها في «اليوم الدراسيّ الخامس عشر هنري كوربان»: الجهاد الروحانيّ والجهاد الدنيويّ» ، وما احتوته من تعمّق في فلسفة الجهاد من منظور شيعيّ، أو محاولات المركز الوطنيّ للبحث العلميّ (CNRS) في فرنسا في المؤتمر الثالث لدراسات الشرق الأوسط والعالم الإسلاميّ لإحياء عقائد باطنيّة سائدة عند بعض الفرق الشيعيّة... فسنصل إلى نتيجة مفادها أنّ انشغالات الغرب تتجه إلى التعمّق في دراستنا حتى أصبحت جزءًا من إعداد الكوادر الجامعيّة والبحثيّة المرشحّة للمشاركة المستقبليّة في تكوين صورة الشيعة عند الأجيال المقبلة.

من جانب آخر يأتي استكشاف التمدّد الشيعيّ في أفريقيا في برامج دراسيّة أخرى...وما خصّصته مؤسسة كارنيغي من مبالغ - (500) ألف دولار أميركيّ منذ سنة 2016 - لمشاريع دامت لغاية سنة 2019 ، ليجعل من  سنة 2016 تاريخًا مفصليًّا في حجم المشاريع البحثيّة الرامية إلى مقاربة التشيّع من جميع الزوايا التي تميّزه عن بقيّة المذاهب الإسلاميّة الأخرى...

كلّ هذه الجهود جديرة بالرصد والتوثيق، باعتبارها مفاتيح بحث في الحوار الشيعيّ الغربيّ، ودليل عمل لمن يهتمّ بمكانة الشيعة في العالم والتي ستحدّدها في المستقبل قدرتهم على نشر صورتهم الحقيقيّة المتلائمة مع مدرسة آل البيت عليهم السلام في إطار معرفيّ حضاريّ.

وترجمة وجودهم في إطار التأثير الإيجابيّ في محيطهم العربيّ والإسلاميّ، وردم الهوّة المعرفيّة التي تحدثها أحيانًا مشاريع ملتزمة بأجندات محدّدة يهمّها إبقاء العالم الإسلاميّ مشتعلًا بالأزمات.

إنّ إنتاج مادّة أصيلة عن الشيعة والتشيّع بلغات أجنبيّة حيّة أصبح ضرورة لا بدّ منها، ويمكن الاستناد على هذا الرصد في البداية للإجابة عن التساؤلات وحلّ المشكلات التي تطرحها الدراسات الغربيّة مع مراعاة خصوصيّة كلّ بلد من حيث ناحية الاهتمام التي يركّز عليها.

فالدول ذات التاريخ الاستعماريّ تحرص غالبًا على إبقاء القضايا الخلافيّة بين المذاهب الإسلاميّة نافذة شبه ثابتة لدراسة الإسلام، أمّا غيرها فقد يحرص على علمنة الإسلام، داخلًا إلى جوهر العقيدة؛ بغية إحداث تحوّل جوهريّ في أصل الإيمان والالتزام، وهنا تبرز محاولات عميقة ومتخصّصة تستحقّ منا الاهتمام والتجهّز العلميّ للإجابة على هذه التحدّيات بلغتها، ولتفنيد الشبهات من منطلق الاعتزاز بمرجعيّة الإسلام.

إنّ طموح هذه النشرة هو أن تكون بداية عتاد في هذه المواجهة التي لا نتسلّح بها إلّا بالعلم والإخلاص في خدمة الدين من جهة، مع الشفافيّة في نقل الواقع كما هو من جهة أخرى.

 

وبالله التوفيق

28/2/2020

 رئيس التحرير

جهاد سعد