فهرس المحتويات

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 25 الأنطولوجيا في المصطلح والمفهوم والاستعمال الفلسفي ياسين حسين علوان الويسي
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
(4)

الفهرس

مقدمة المركز7

المبحث الأول: المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي

لكلمة  الأنطولوجيا10

المعنى الاصطلاحي لكلمة أنطولوجيا12

المبحث الثاني:المبحث التاريخي للمصطلح ومتابعة الجذور23

الأنطولوجيا ـ تقابل الوجود والأيس32

المبحث الثالث: المؤسّس للمصطلح وأهم المنظرين له41

المبحث الرابع: الأسباب والمناخ الذي أدى إلى ظهور المصطلح55

المبحث الخامس: امتداد المصطلح وتجلياته عبر التاريخ65

 الفلسفة الحديثة77

المبحث السادس: النقد والتحليل للمصطلح بالاعتماد على

التراث الإنساني الإسلامي وغير الإسلامي79

(5)
(6)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس وتأصيل ونقد مفاهيم شكلت ولما تزل مرتكزات أساسية في فضاء التفكير المعاصر.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجية شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الإجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها على النحوالتالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أويجري تفسيرها على خلاف المراد

(7)

منها. لا سيما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والإسلامية وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الإصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكرين من العالمين العربي والإسلامي.

 ***

تبحث هذه الدراسة في مصطلح الانطولوجيا كأحد أهم المفاتيح المعرفية التي أخذت هذا المصطلح المحوري مساحة واسعة في عالم الفلسفة قديمًا وحديثًا. ولقد سعى الباحث إلى مقاربة من وجه كونه مفهومًا مؤسسًا لعلم الوجود، فضلًا عن حضوره البيّن في مجمل فروع الفلسفة الحديثة.

والله ولي التوفيق

(8)

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول:

المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي

لكلمة الأنطولوجيا ( Ontology)

(9)

المبحث الأول: المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لكلمة  الأنطولوجيا Ontology

الأنطولوجيا من حيث معناها اللغوي هي كلمة ذات جذر لاتيني حديث مكونة من مقطعين، باتحادهما يكون معناها: علم الوجود.

فأما المقطع الأول فهو Onto ويعني: «أ» وجود، «ب» كائن حي[1].

وأما المقطع الثاني فهو Logy ويعني: تعبير شفاهي أو كتابي.. مذهب، نظرية، علم[2].

أما في الفرنسية إذا جاء الفعل Ontal فيعني: كينوني ـ ما يتعلق بجوهر الوجود نفسه بمقابل الظواهري أي ما يتعلق بالظواهر دون الجواهر[3].

أما Ontique فتعني: كينوني، وهو تعبير خاص بـ (هايدغر) ويعني به ما هو موجود بصرف النظر عن معرفة الإنسان به...

وأنطولوجيا Ontologie: هي في الأصل، الفلسفة الأولى عند أرسطو وهي العلم بالوجود من حيث هو وجود، وهي بمعنى قريب من الأول، علم الجوهر في فلسفة «ديكارت» وفي فلسفة «ليبنيتز»[4].

(10)

ومن هذه التفصيلات حول الأصل اللغوي للكلمة بالعودة إلى جذرها ننتقل إلى المعجم العربي حيث نجد أن الوجود كلمة مشتقة من الفعل وجد يجد وجوداً، بمعنى ظهر للعيان، أي أن هناك مقولة ظواهرية[1] وعليه يبدو أن الوجود يرتبط بحسب دلالته اللغوية بما بدا في الخارج للعيان... وأن الوجود مقابل للعدم، وهو بديهي فلا حاجة لتعريفه بما هو مدلول للفظ دون آخر، وعلى ذلك يعرف تعريفاً لفظياً مفيد فهمه من ذلك اللفظ، لا تصوره في نفسه، كأن تعرف الوجود بالكون أو الثبوت، أو التحقق، أو الحصول، أو الشيئية[2]. ويلزم من ذلك أن الوجود: يفيد ثبوت العين أو ما به ينقسم الشيء إلى فاعل ومنفعل، وإلى حادث وقديم، أو ما به يصح أن يُعلم ويُخبر عنه، والعدم ما لا يكون كذلك»[3]. إذن فالوجود لا يمكن تعريفه تعريفاً حقيقياً لأن لفظ الوجود يطلق بالاشتراك على معانٍ: منها ذات الشيء وحقيقته، وهو الذي يطرد العدم أو ينافيه، والوجود بهذا المعنى يُطلق عند الحكماء على الواجب -تعالى-[4] ومع ذلك فإننا نجد أن «مفهوم الوجود نفس التحقق والصيرورة في الاعيان أو في الاذهان... وهذا المفهوم العام البديهي التصور عنوان لحقيقة بسيطة نورية. وهو أبسط من كل متصور، وأول كل تصور،

(11)

وهو متصور بذاته، فلا يمكن تعريفه بما هو أجلى منه لفرط ظهوره وبساطته[1]».

فالوجود في اللغة هو ضد العدم وهو ذهني وخارجي[2]. وهذه اللفظة مألوفة في جميع اللغات وتعبر عن مصدر الفعل «وجد» بمعنى أن يكون له مكان وكينونة، ولكن... غالباً ما تترافق كلمة وجود أو فعل وجد مع أشياء حقيقية أي لها كينونة بمعنى أنها ليست خيالية أو افتراضية[3].

المعنى الاصطلاحي لكلمة أنطولوجيا:

من خلال استعراضنا السابق لجذر الكلمة وما يعنيه الفعل Onto والذي ظهر له عدة معانٍ، نشير إلى أنّ الذي يعنينا منها هو الوجود والكينونة، وبعد اتحاده بكلمة Logy يصبح علم الوجود أو علم الكينونة. وسوف نعرض لبعض تعريفات هذا المصطلح Ontology الذي يعني أولاً علم الوجود.

Ontology ـ الانطولوجيا: العلم الذي يكون موضوعه الوجود المحض، أو الموجود المشخص وماهيته، أو الموجود من حيث هو موجود أو الموجود في ذاته مستقلاً عن أحواله وظواهره[4].

(12)

والأنطولوجيا: تعني علم الوجود وهو قسم من أقسام الفلسفة يبحث في الوجود باطلاق مجرداً عن كل تعيين أو تحديد[1].

وهو عند أرسطو: البحث عن الوجود بما هو وجود[2]. ويسمى بمبحث الميتافيزيقا العام، ويترك البحث في الوجود من نواحيه المختلفة للعلوم الطبيعية والرياضية والانسانية[3]. وهنا يجدر الإشارة إلى أن الأنطولوجيا كمصطلح هو أعم من مفهوم المتافيزيقا عند أرسطو. وحتى نزيل اللبس الحاصل حول قرب المفاهيم فإن الأنطولوجيا أعم من الميتافيزيفا، لذلك أطلق أرسطو لفظة الميتافيزيقا العامة ليؤكد دخول مفاهيم عديدة تحت هذا المصطلح والذي ظهر أخيرا بمصطلح الميتافيزيقا.

والأنطولوجية Ontologisme: هي: ميل الفكر إلى الأنطولوجيا من حيث إنها تبحث عن صفات الموجود في ذاته. وهي أيضاً: مذهب من يرى أن الموجود المطلق هو المعيار الذي يستند إليه العقل في الحكم على الوجود، والعدم، وهذا الموجود المطلق هو الله، ومعرفتنا به معرفة حدسية مباشرة لأن المعرفة الاستدلالية انتقالية[4]. أما في الفلسفة فإن هذا الموجود هو: الثابت في الذهن وفي الخارج[5].

(13)

وإذا كانت الأنطولوجيا تعني الوجود، فإن الوجود هو «فعل الظهور، وخروج الذات إلى العالم[1]».

والأنطولوجيا: عند أرسطو الفلسفة الأولى... وعلم الجوهر في فلسفة ديكارت... وليبيتز[2]. وعند هيجل «وعي الحياة»[3].

والأنطولوجي Ontologique: هو المنسوب إلى الأنطولوجيا وهو المتعلق بحقيقة الوجود، لا بظواهر الوجود[4].

وهو أيضاً «ما يتعلق بالأنطولوجيا كجزء من الفلسفة أو ما يخص جوهر الكائن بوجه عام»[5].

والمذهب الأنطولوجي: Ontoligisme: هو «مذهب من يرى أن الفكر تابع للوجود[6].

وهو«النزعة إلى علم الأنطولوجيا واعتباره أساساً لسائر العلوم وتتويجاً لها» [7].

وذهب لالاند في موسوعته إلى أن Ontologie بهذه الصيغة تعني «ايسية «علم الأيس esse الكون ككون» D. Ontologie, E, Ontology, I: Ontologia.

(14)

أ- باب من أبواب الفلسفة، ينظر عقلاً في الكون من حيث هو كون بحسب تعبير أرسطو... كما أنه يقول بالمعنى عينه Ontosophia «تمهيد وعنوان فرعي للكتاب عينه»: حكمة كونية أيسية[1]». ويرى لالاند أيضاً أن هذا المصطلح قديم يعني Ontology «والاسم هو وحده الجديد، أما العلم بعينه فقد كان موجوداً لدى المدرسيين مع التعريف ذاته: فكان يطلق اسم «Transcendentia» على تلك التعيينات أو التحديدات المشتركة بين الكائنات كافة... بما أن للكائنات الروحية والمادية بعض الخواص العامة مثل الوجود، الإمكان، الديمومة، فإنَّ فحص هذه الخواص يشكل أولاً هذا الفرع الفلسفي الذي تستعير منه الفروع الأخرى كلها بعضاً من مبادئها، إنها تسمى الأيسية، أو علم الكون الكائن أو الميتافيزيقا عامة[2]. ولكي لا تتداخل مع الميتافيزيقا سميت بالميتافيزيقا العامة.

ثم يضيف لالاند معنى أخر لهذا المصطلح: ... (دراسة أو معرفة ما عليه الأشياء بذاتها من حيث هي جواهر فريدة، بالمعنى الديكارتي والليبنتزي لهذه الكلمة، مقابل درس مظاهرها أو محمولاتها، «إن هذه الفكرة المجردة والعامة فكرة الجوهر الفرد أو الفريد»... حجر الزاوية لعدد من المنظومات، أساس لكل ما يسمى أيسية، لا امتياز له مهما قيل فيه وعنه، يعفيه من فحص ناقد)[3].

ويؤيد الحفني ما ذهب إليه لالاند، حيث يرى أن الوجود كلمة مشتقة من وجد يجد وجوداً، بمعنى ظهر للعيان، أي أن هنا مقولة

(15)

ظواهرية، وعليه فان الوجود يرتبط بحسب دلالته اللغوية بما بدا في الخارج للعيان[1]. وبحسب التعريف الإيتمولوجي[2]. فالوجود مشتق من اللفظة اللاتينية: «Esse» بمعنى «Etye» وضدها العدم أو اللاوجود، ولهذا اتفق فلاسفة الغرب على أن «Existence, Etre» معناه الوجود الموظف[3].

ومع كل هذا التأصيل يبقى هذا المصطلح وتعريفه من أشد المصطلحات عصياناً على التحديد والتعريف إذ هو يقع في قلب أي فلسفة وبالتالي يختلف تعريفه بحسب الرؤية الكونية أو المدرسة الفلسفية[4]. أما من الناحية الاصطلاحية. فيمكن توضيح معنى الوجود من خلال تميزه عن غيره بما يلي:

أولاً: الوجود هو كون الشيء حاصلاً في نفسه مع أنه لا يكون معلوماً لأحد، فوجوده إذًا بذاته مستقل عن كونه معلوماً.

ثانياً: إن الوجود هو كون الشيء حاصلاً في التجربة، إما حصولاً فعلياً فيكون موضوع ادراك حسي او وجداني، وإما حصولاً تصورياً فيكون موضوع استدلال عقلي.

ثالثاً: إن الوجود هو الحقيقة الواقعية الدائمة أو الحقيقة التي نعيش فيها، وهذا المعنى مقابل للحقيقة المجردة والحقيقة النظرية[5].

(16)

رابعاً: قد يراد بالوجود مصدر «وجد» أو «كان «Etre» فيكون معناه الوجود الحقيقي أو الواقعي، وقد يراد به معنى أعم من ذلك فيطلق على وجود الشيء في ذاته أو على وجود الشيء بالشيء أو للشيء. هذا ووجود الشيء للشيء يكون على معنيين: الأول: وجود الشيء لغيره بأن يكون محمولاً عليه ومستقلاً بالمفهومية عنه، كوجود الأعراض، أما الثاني: فوجوده لغيره بأن يكون رابطاً بين الموضوع والمحمول، وغير مستقل بالمفهومية عنه، ويسمى وجوداً رابطاً.

خامساً: الوجود ينقسم إلى وجود خارجي، ووجود ذهني. فالوجود الخارجي عبارة عن كون الشيء في الأعيان، وهو الوجود المادي، أما الوجود الذهني فهو عبارة عن كون الشيء في الأذهان وهو الوجود العقلي أو المنطقي.[1] وإذا تحدد الوجود بكونه استمرار الكون في الأعيان وهو يقابل الماهية التي هي كونٌ في الأذهان، كما يقال العدم الذي هو الانتفاء، ووجود الانسان في الخارج وهو عين كونه حيواناً ناطقاً، وليس معنى ذلك أن الوجود عرض يحل بماهيته، فالماهية يمكن تصورها مع الذهول عن الوجود، لكن لا يمكن تصور الوجود مع الذهول عن الماهية[2].

وهكذا تحدد معنى الوجود كفعل فما هو مدلول مصطلح الوجود كاسم؟ يتحدد معنى الوجود كاسم: ETRE, Subst بعدة معانٍ:

1- معنى مجرد: عملية الكون، الوجود Extistence «ثمة جسم

(17)

ما في العالم أو بعض العقول... فإن وجودها يفترض به أن يتعلق بقوتها بحيث إنها لن تستطيع البقاء من دونه لحظة واحدة»..

2- معنى ملموس: ما هو كائن حقاً Ens reale (في واحد من المعاني لكلمة كون و وجود) «وهو كل ما يكون واقعياً وحقيقياً فينا، إنما يصدر عن وجود تام، كائن كامل، لامتناه»... شيء موجود في الفكر، لكن دون وجودٍ فعليّ خارجه. بهذا المعنى، يقال أيضاً: «وجود فكري» وجود وهمي[1].

إن تأويل الأنطولوجيا لا يحمل دلالة نهائية احتمالية أو ملتبسة مؤجلة، أي منفلتة من الحصر والجاهزية، التأويل هنا ـ في تقديرنا ـ هو القراءة أو آلية لتلقي نظرة على المؤجل وفهم الملتبس وقبول المحتمل. وما ذلك التأجيل والالتباس والاحتمال إلا لأننا أمام فن يعبر بشكله عما لا يقال[2]، أو ينم عن غيره ما يقول وما يبطن أكثر مما يظهر[3]. فالدلالة فيه أو الحقيقة محددة بأنها ما لم يقل، أو ما قيل بشكل غامض ينبغي فهمه في ما وراء أو تحت سطح النص[4]. ولا شيء سوى التأويل في ما يبدو قادراً على اختراق كينونة الكائن واستخراج ما تحته من أوجه دلالية[5].

(18)

ولقد تنبه إلى ذلك فلاسفة الإسلام، فيرى الغزالي بأن: الوجود لا يدل فقط في ماهية الأشياء، بل هو مضاف إلى الماهية. ولقد تفطن فلاسفة الإسلام إلى ضبط مفهوم الوجود على أساس تفرقه إلى مفهومين قد نقلوهما وترجموهما عن اليونان، وهما معنيان يقتربان في الاصطلاح ويبتعدان في المعنى والمفهوم ألا وهما: مفهوم الأيس ومفهوم الكينونة[1].

وجملة القول في وجود الماهيات وجود ذهني ووجود ما له ماهية وذات خارج النفس وجود مادي، سواء تصورت تلك الذات أو لم تتصور، فالوجود الخارجي إذًا هو ما به تصبح الماهيات المعقولة حاصلة متحققة بالفعل، ونسبة هذا الوجود إلى الماهية كنسبة الفعل إلى القوة، والوجوب إلى الإمكان[2].

 وبناء على ذلك فـإن منظومة المفاهيم تشكل البنية الأساسية لكل فلسفة... إن المفهوم يمثل عصارة تفلسف وترتبط به مشكلات وتاريخ، وإن التحليل الدقيق لكل ما يرتبط بالمفهوم لغة ومشكلات واختلافات حول تحديده، كل ذلك يمثل نمو الفكر المنتج للمفاهيم[3]. أما المصطلح والذي هو: إخراج الشيء عن المعنى اللغوي إلى معنى آخر لبيان المراد. ويستعمل الاصطلاح غالباً في العلم الذي تحصل معلوماته بالنظر والاستدلال[4]. وإذا

(19)

كان التعريف اللغوي: هو تحديد المعنى المقصود من اللفظ أي: المراد منه في اللغة ويكون بمعنى تحديد معنى الكلمة في ما يسمى بعلم معاني المفردات، أحد أنواع علوم اللغة، ويكون بمعنى: تفسير المقصود من اللفظ، بصفة عامة، بخلاف المعنى الاصطلاحي فيكون المعنى فيه مخصوصاً. والاصطلاح: عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسمٍ ما ينقله عن موضعه الأول[1]، أو هو اللفظ أو الرمز اللغوي الذي يستخدم للدلالة على مفهوم علمي أو عملي، أو فني أو أي عمل ذي طبيعة خاصة[2].

وقد يكون المفهوم لفظة مفردة أو مركبة لكن ظهوره في فضاء الفكر يدل على «حدث» مستجد في ذلك الفكر، ويمثل قفزة نحو الوضوح ويشكل اتجاهاً في ذلك الفكر. كما أن كثيرًا من المشكلات تبقى مستمرة بسبب غموض المفاهيم مع احترام الجدل المقترن بها، في حين أن دراسة تاريخ هذه المفاهيم تساعد على إزالة الكثير من الغموض الذي يكتنفها[3]. وهذا هو الحال بالنسبة لمصطلح الأنطولوجيا الذي أخذ مع تطور المفهوم تعريفات أخرى خصوصاً عندما دخل في مجال المعلومات والحاسوب. فقد عرف مصطلح الأنطولوجيا بأنه مجموعة مفردات مجال معين وكذا العلاقات الدلالية التي تربط بين مختلف هذه المفردات ولعل أول وأشهر تعريف هو الذي تقدم به «غروبر Gruber «الأنطولوجيا

(20)

ما هي إلا تحديد ضمني للتصور المفاهيمي، أي إنها مواصفات لتصور مجموعة مفاهيم، وهذه المفاهيم هي مجموعة الوحدات أو المفردات التي تشكل ميدانًا معينًا وتستهل هذا التصور المفاهيمي بتحديد الكيانات المجردة أو المادية والعلاقات بينهما ويعتبر هذا التعريف هو الأساس الذي اعتمدت عليه معظم التعريفات في ما يتعلق بما تعرضه الأنطولوجيات[1].

 أما في مجال الحاسب فقد قدم الشامي في معجمه تعريفاً للأنطولوجيا مفاده دراسة المفاهيم وعلاقتها في نظام المعلومات، وهي في هذا المفهوم عبارة عن شجرة العائلة الخاصة بالتصنيفات. وفي علم المعلومات يمكن أن يسع مفهوم الأنطولوجيا لتعرف بأنها خطة أو نهج يمكن أن يتضمن استخدام الفئات الدلالية للمفاهيم الهامة في تخصص معين[2].

ثم أصبحت الأنطولوجيا في علم المكتبات دلالة على الكتل المعرفية التي هي مجموعة من مصادر المعلومات في مختلف التخصصات. قد تكون هذه الكتل مادية ملموسة ومحسوسة، وقد تكون افتراضية، تستخدم لمساعدة الحواسيب والبشر في تشارك المعرفة وفي مجالات الذكاء الصناعي والويب الدلالي وهندسة النظم وعلوم المكتبات وبناء المعلومات بوصف الأنطولوجيا شكلاً لتمثيل المعرفة عن العالم أو جزء منه[3].

(21)
(22)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني:

المبحث التاريخي للمصطلح

ومتابعة الجذور

 

(23)

المبحث الثاني:

 المبحث التاريخي للمصطلح ومتابعة الجذور

إنّ مصطلح الأنطولوجيا هو البحث في الوجود المطلق أي بمجموعة المفاهيم المندرجة تحت هذا اللفظ والتي أطلق عليها أرسطو اسم (الميتافيزيقا العامة). والوجود من المباحث المهمة في الدرس الفلسفي بل إنه يشكل المحور الأساسي العام المقرر من كل تحديد وتعيين[1] وهو النظر في طبيعة الوجود والبحث في الأسباب والعلل الأولى للوجود، وذلك بتناول الوجود المطلق المجرد. أي بالحقيقة بملامحها الأوسع والاعمق والأكثر أساسية بالشكل الذي يدركها العقل الإنساني[2].

وفلسفة الوجود تتعلق بطبيعة الواقع بشكل تجريدي حين تستخلص صورة اللامادي من أشكاله الملموسة المحددة[3]. وبالرغم من أن هناك من يرى أن الفلسفة موضوعها الأول هو الوجود وقد بدأ مع اليونان وبشيخهم طاليس (ت546 ق.م). وقد نسب هذا الرأي إلى أرسطو وقد تابعه على هذا الرأي الكثير من الباحثين الغربيين والعرب.

إلا أن هنالك رأيًا آخرَ يرى أن نشأة الفلسفة في الشرق القديم،

(24)

وقد ذهب إلى مثل هذا الرأي عدد من الباحثين، ساعدتهم المكتشفات الأثرية[1] في دعم رأيهم هذا. تلك الدراسات الأثرية التي أثبتت وجود علوم ومعارف وفلسفات قامت عليها الحضارات الشرقية القديمة كالبابلية والمصرية القديمة. ففي القرن العشرين بدأت محاولات لإرجاع الفكر اليوناني إلى التفكير الشرقي القديم. ويمثل هذا الرأي الأستاذ ري في كتابه: شباب العلم اليوناني، ولهم في هذا الرأي حجج تستند إلى الموضوعية والعلمية الدقيقة سوف نسوقها لإثبات أن هذا المصطلح بمفهومه[2] الوجود أو الخلق.

أولاً: كشفت بحوث المستشرقين عن وجود حضارة شرقية بابلية زاهرة، ونجد فيها مثلاً آراء عن خلق الكون من الماء تشبه في الظاهر كلام طاليس.

ثانياً: كشفت طلاسم أوراق البردي المسماة بأوراق «Rhind Ppyrus» في المتحف البريطاني عن معرفة المصريين للرياضيات.

ثالثاً: لقد ورد في كلام من سبق سقراط من الفلاسفة كلام تضمنته الأساطير الشرقية عن القدر والعدالة، إلخ... وهذه الأفكار تلعب دوراً خطيراً في الفكر الفلسفي والفكر الأسطوري معاً[3]. ولقد لقيت هذه المحاولة للربط بين الفكر الفلسفي والعقلية البدائية رواجاً عظيماً أول الأمر بفضل الاجتماعيين المحدثين وبخاصة الفرنسيين[4].

(25)

إذن فماهية الوجود موجودة في الحضارات الشرقية القديمة وكان يطلق على العلم الذي يختص بدراسة هذه القضايا بالحكمة.

وفلسفة الوجود في الفكر الإنساني لها بعد تاريخي ضارب في القدم، ولكنْ تشكل الفلسفة اليونانية قبل سقراط منعطفاً مهماً من منعطفات الفكر الإنساني حيث توضحت دهشة الإنسان أمام الوجود التي قامت عليها الفلسفة كما يقول أرسطو[1] الذي نقل لنا التساؤل حول أصل ومبدأ الوجود على لسان سابقيه مبتدئا بطاليس. ولكننا نجد اختلافاً بين الباحثين في تقبل هذا النقل فنرى شارنس Charness يؤكد «أن أرسطو قد شوه حقيقة البحث الفلسفي الأول حين وضع على لسان الفلاسفة الطبيعيين أسئلة لم تخطر على بالهم ولم يسألوها قط[2].

ويرى برنت Burnet «أن دعوى التساؤل عن المبدأ الأول أمر لم يكن التطور المعرفي قد بلغه آنذاك مما ينطوي على مفارقة تاريخية[3]». أما سقراط فقد وصفه أرسطو بأنه «أول من طلب الحد الكلي طلباً مطرداً، وتوسل إليه بالاستقراء، وإنما يقوم العلم على هاتين الدعامتين: يكتسب الحد بالاستقراء، ويركب القياس بالحد، فالفضل راجع إليه في هذين الأمرين. فهو إذًا رائد الحدود والماهيات حقاً، بل هو كما ينعته الكثيرون موجد فلسفة المعاني التي لعبت دورها الواسع في نظرية التعريف، منذ المرحلة اليونانية وحتى فكرنا المعاصر[4].

(26)

وقد نلمس أن اهتمام سقراط بالتعريفات الحقيقية هذه كان هدفه افتراض أنها تمثل دلالة كلية يتوصل إليها الفرد عن طريق الحد ذاته.. فإن هناك صفات ومتعينات عامة مشتركة في الأشياء التي يقصد تعريفها وتحديدها. فمثلاً، إنَّ وحدة الصورة مع تمثالها المصنوع من الحجر تدلان معاً على مفهوم عام لا يختص بهذه الصورة... إن سقراط لم يتعامل مع نظرية الحدود ـ بدلالتها اليونانية ـ كما تعامل معها الخلف من بعده، بل اكتفى بالسؤال عن ماهية الأشياء، وغاياتها... ما جعل الفيلسوف أكثر ميلاً الى البحث عن معاني الأشياء وحدودها[1].

والوجود كغيره من المفاهيم التي خضعت للنظرة السقراطية، التيتهدف الى التحليل الوصفي للأشياء وإن كانت أشمل وأدق معانيها تلك المعاني المرتبطة بمفاهيمها المطلقة، ثم انتقلت هذه الفكرة إلى تلميذه أفلاطون الذي ركز على بيان مفهوم الوجود من خلال تعريفه للفلسفة فيرى أنها «البحث عن حقائق الأشياء ونظامها الجميل لمعرفة المبدع الأول»[2]. وهي كما يقول الجابري عند أفلاطون اكتساب العلم، وموضوع العلم عنده لا يتطابق ومعنى العلم الحقيقي عند القدماء أو المعاصرين، لأن هذا الفيلسوف قصد به تناول «الوجود الحقيقي الثبت الضروري لإدراك عالم المثل فعادت الفلسفة ودخلت إلى دائرة الميتافيزيقا... - ثم جاء مَن بعده أرسطو ـ وحاول أن يصلح شأنها... فاحتوت لديه منهجية سقراط وفلسفته ودرس الوجود والعلل الأولى للأشياء، وبذلك

(27)

احتوت الفلسفة على يديه البحث العلمي (المعرفة العلمية) بمعناها العام والذي هو أصله وليد الدهشة والعجب... وعززها باستخدامه للمنطق.[1]وقد ميز أرسطو بين الوجود والماهية وخالف أفلاطون، فقد قال بأسبقية الوجود على الماهية. ومن هذه الآراء نستخلص اتجاهين، الأول يرى أن المفاهيم المجردة والكليات ليس لها وجود حقيقي وإنما هي مجرد أسماء، والثاني يرى أن المادة وجودٌ حقيقيٌّ مستقلٌّ عن إدراكنا العقلي لها... وقد مثل دانس سكوت Duns Scot الاتجاه الواقعي و روسيلينوRoscelino  و أبيلارد Abelard الاتجاه الأسمائي[2]. وخلاصة رأي المدرسة الواقعية التي يتزعمها أرسطو حول مفهوم الوجود كان ينصب في قالب واحد ألا وهو الجوهر La substance، أي إن الوجود هو ما هو الشيء، وهذا المفهوم لا يعبر عن شيء آخر سوى الجوهر. إذ يرى أن الوجود هو بما هو موجود، بمعنى آخر إن الوجود يشتق من الموجود وللوجود حالتان: وجود بالقوة ووجود بالفعل[3]. وإذا كانت هذه النظرية الشاملة والوجيزة لمفهوم الوجود عند فلاسفة اليونان ومن تابعهم في العصور الوسطى غير إننا نجد أن أوغسطين يرى أن مشكلة الوجود ترتبط كسائر المشكلات عنده بالله وتدور حول مشيئته في خلق هذا الوجود وكيفية العمل وصلته المستمرة به، وبالتالي لا وجود للوجود

(28)

دون الله... وبخلق الوجود والعالم خلق الزمان بفعل أزلي وبإرادة أزلية[1]. وعند توما الأكويني يرتبط الوجود بالذات، أي الوجود هو وجود الذات[2].

وأما عند الفلاسفة المسلمون فقد ظهر مفهوم آخر بالإضافة إلى مفهوم علم الوجود وهو مفهوم متداول خاصة بكثرة في الفلسفة العربية لا سيما عند كل من الكندي وابن سينا والغزالي وابن رشد، إنه مفهوم الأيس وهو لفظ عربي مهجور، حيث كان العرب الأوائل يقولون: «جيء به من أيس وليس» أي من حيث هو وليس هو، وقيل قديماً: «جيء به من أيس وليس» أي من حيث هو موجود وغير موجود ومعناها كمعنى حيث هو في حال الكينونة To be/ Etre . والأيس ضد ليس أو لا أيس، وبهذا يكون معنى لا أيس: لا وجود[3].

وتقابل الأنطولوجيا في الالمانية كلمة «الدزاين: Dasein» ومعناها الوجود الحاضر أو الوجود المقابل للاوجود، وهي عند هايدغر تعني كينونة الموجود الإنساني أو كيفية وجوده، ولما كان العالم في تبدل مستمر كانت هذه الكينونة الإنسانية غير مستقرة على حال. فماهية الإنسان هي إذًا وجوده[4] الحقيقي... وتقابله ـ العدمية Nihilisme وهو مشتق من اللفظ اللاتيني Nihil ومعناه لا شيء. أي إنكار وجود كل شيء[5].

(29)

ومع هيغل غابت ثنائية الماهية والوجود لتحل محلها ثنائية الوجود والعدم بوصفها أطروحة ونقيضها فقد رأى هيغل أن الأنطولوجيا هي العلم الديالكتيكي حول الماهيات المجردة المحددة... وفي الفلسفة المعاصرة جرت محاولات لإقامة «علم وجود جديد» على أساس مثالي... بحيث يكون موضوع الأنطولوجيا الأشياء نفسها، كرد فعل إزاء انتشار التيارات المثالية الذاتية وبالمقابلة مع الميتافيزيقا النقدية التي فحواها أن الفكر حاصل بذاته[1]. وبمقابل هذا الفهم للوجود نجد المتصوفة وخاصة ابن عربي يرون أن للمخلوقات التي نطلق عليها اسم العلم الظاهر من حيث ثبوتها في العلم الالهي وجودًا سابقًا على وجودها المحسوس، وأنها من هذا الوجه صورٌ وأحوالٌ في الذات الإلهية، ولهذا يسميها ابن عربي أحياناً «ماهيات» وأحياناً أخرى «هويات»[2].

وفي تلك النظريات يعد علم الوجود نسقاً من المفهومات الكلية في الوجود متصورة بمساعدة حدس فوق الحواس وفوق العقل.

وقد تلقف فكرة «الأنطولوجيا الجديدة» عدد من الفلاسفة الكاثوليك الذين حاولوا تركيب علم الوجود التقليدي النابع من فلسفة أرسطو مع الفلسفة الكانطية المتعالية واستخراج علم وجود خاص بهم ضد الفلسفة المادية الجدلية، التي قلما تستخدم مصطلح الأنطولوجيا وإن استخدمته في ارتباط مع نظرية المعرفة.[3] وفرّق صدر الدين الشيرازي في القرن الحادي عشر للهجرة بين

(30)

الحصول العقلاني والحضور الصوفي متابعاً ابن عربي. وتحت تأثير ابن عربي خطا صدر الدين الشيرازي خطوة جريئة على صعيد الأنطولوجيا فقال بأصالة الوجود، أي أسبقية الوجود وتعاليه على الماهية فالاعتبار العقلي لمفهوم الوجود لا يمكن أن يكون مقوِّماً لمصاديقه في الخارج، ذلك لأن الوجود هو حقيقة عينية أدركناها أم لم ندركها وهذا المعنى أكد عليه الشيرازي بقوله أن الوجود العام البديهي اعتبار عقلي، غير مقوّم لأفراده... والوجود لما كانت حقيقته أنه في الأعيان، وكل ما كانت حقيقته إنه في الأعيان، فيمتنع أن يكون في الأذهان... فالوجود يمتنع أن تحصل حقيقته في ذهن من الأذهان. فكل ما يرتسم من الوجود في النفس، وتعرض له الكلية والعموم، فهو ليس حقيقة الوجود بل وجه من وجوهه، وحيثية من حيثياته، وعنوان من عناوينه، فليس عموم ما ارتسم من الوجود في النفس بالنسبة إلى الوجودات، عموم معنى الجنس، بل عموم أمر لازم اعتباري انتزاعي، كالشيئية للأشياء[1]. وقد بيّن حقيقة معنى الماهيات فقال «إن الماهيات من الأعراض الأولية الذاتية لحقيقة الوجود[2]، أما الوجود فهو حق الأشياء بالتحقق، لأن غيره به يكون متحققاً وكائناً في الأعيان وفي الأذهان فهو الذي به ينال كل ذي حق حقه، فكيف يكون أمراً اعتباريّاً»[3].

(31)

الأنطولوجيا ـ تقابل الوجود والأيس

ولما كانت الأنطولوجيا تقابل الوجود والأيس فسوف نقوم بعرض هذين المفهومين لمعرفة حقيقة الأنطولوجيا من حيث دلالتها عليهما ثم الانتقال إلى مفاهيم أخرى فهذين المفهومين يشكلان العمق التاريخي للدلالة على المصطلح.

أولاً: الوجود المجرد أو المطلق وهو الذي يقابل المصطلح - Ontology

وهو البحث في الوجود المطلق والذي يقابله العدم ويتوسطهما الوجود الممكن. «لما كان العدم ليس وجوداً فإننا سوف نعرض للوجود الواجب والوجود الممكن ان لكل واحد من الواجب الوجود والممكن الوجود، خواص. فنقول: ان الامور التي تدخل في الوجود يحتمل في العقل الانقسام إلى قسمين: فيكون منها ما إذا اعتبر بذاته لم يجب وجوده، وظاهر أنه لا يمتنع أيضاً وجوده، وإلا لم يدخل في الوجود. وهذا الشيء هو في حيز الإمكان، ويكون منها ما إذا اعتبر بذاته وجب وجوده. فنقول: أن الواجب الوجود بذاته لا علة له وأن الممكن الوجود بذاته له علة، وأن الواجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته، وأن الواجب الوجود لا يمكن أن يكون وجوده مكافئاً لوجود آخر... وأن الواجب الوجود لا يجوز أن يجتمع وجوده عن كثرة البتة. وأن الواجب الوجود لا يجوز أن تكون الحقيقة التي له مشتركاً فيها بوجه من الوجوه... وأن يكون الواجب الوجود غير مضاف ولا متغير ولا متكثر ولا مشارك في وجوده الذي يخصه[1].

(32)

وأما الممكن فهو ممكن في الوجود وممكن في العدم فكلاهما يحتاج إلى علة ترجح هذا على ذاك، فإن كل ما هو ممكن الوجود باعتبار ذاته، فوجوده وعدمه كلاهما بعلة، لأنه إذا وجد حصل له الوجود متميزاً من العدم، فإذا عدم حصل له العدم متميزاً من الوجود[1].

ونعود إلى الفروق التي وضعها ابن سينا لبيان خصائص الواجب والممكن حيث يقول: أمّا أنّ الواجب الوجود لا علة له، فظاهر لأنه إن كانت لواجب الوجود علة في وجوده، كان وجوده بها، وكل ما وجوده بشيء، فإذا اعتبر بذاته ففي ذاته علة لم يكن واجب الوجود بذاته. ثم يسوق مقدمات ليصل إلى نتائج مرضية فيقول: فقد ظهر أن الواجب الوجود لا علة له. وظهر من ذلك أنه لا يجوز أن يكون شيء واجب الوجود بذاته، وواجب الوجود بغيره، لأنه إن كان يجب وجوده بغيره، فلا يجوز أن يوجد دون غيره، وكلُّ ما لا يجوز أن يوجد دون غيره، فيستحيل وجوده واجباً بذاته ولو وجب بذاته، لحصل، ولا تأثير لإيجاب الغير في وجوده والذي يؤثر غيره في وجوده فلا يكون واجباً وجوده في ذاته[2].

ثم يعود إلى الممكن فيقول: وأيضاً إن كل ما هو ممكن الوجود باعتبار ذاته، فوجوده وعدمه كلاهما بعلة، لأنه إذا وجد فقد حصل له الوجود متميزا عن العدم، فإذا عدم حصل له العدم متميزا من الوجود، فلا يخلو إما أن يكون كل واحد من الأمرين يحصل له عن غيره أو لا، فإذا كان عن غيره فالغير هو العلة، وإن كان لا يحصل

(33)

عن غيره فهو إذن واجب الوجود، بيد أن كل ما لم يوجد ثم وجد فقد تخصص بأمر جائز غيره[1].

ثم ننتقل إلى الوجود مقابل الماهية.

وهو كما يصفه الملا صدرا بقوله: (مفهوم الوجود نفس التحقق والصيرورة في الأعيان أو الأذهان... وهذا المفهوم العام البديهي التصور عنوان لحقيقة بسيطة نورية. وهو أبسط من كل متصور، وأول كل تصور، وهو متصور بذاته، فلا يمكن تعريفه بما هو أجلى منه لفرط ظهوره وبساطته. فإذا أريد تصويره للغفلة عنهُ، فإنما يراد تصويره على سبيل التنبيه والإخطار بالبال. فلا بأس بإيراد اسماء مرادفة لاسمه في تعريفه، كالثابت و الحاصل وغير ذلك[2].

أما الممكن فيجب وجوده بحصول السبب المرجح، ويمتنع بعدمه. وما لم يجب وجوده لم يوجد. وما لم يمتنع لم يعدم. وفي حالتي وجوده وعدمه هو ممكن في نفسه. فلو أخرجه الوجود إلى الوجوب ـ كما ظن بعضهم ـ لأخرجه العدم إلى الامتناع، فلا ممكن أبداً. وإذا توقف وجود ممكن ما على عدة أمور، يكون كل واحد منها جزء السبب، والمجموع هو سبب تام ووجود الممكن يتعلق بوجوده، وعدمه بعدمه أو عدم جزء منه ولا يمكن وجود علل ومعلولات غير متناهية في زمان واحد. ولا يتصور أن يكون شيئان كل منهما سبب للآخر متقدم عليه[3].

(34)

ويرى الشيرازي أن الوجود إما أن يكون متعلقًا بذاته أو متعلقًا بغيره، فالأول هو مفهوم الواجب لذاته، ومفهوم الحق الأول المعبّر عنه بالوجود الحقيقي عند المشائيين، المحكي عنه بالنور الغني عند الرواقيين، وبمنشأ انتزاع الوجودية عند أهل الذوق من المتألهين، وبالوحدة الحقيقية عند الفيثاغوريين، وبالمرتبة الأحدية وغيب الغيوب عند الصوفية. والمقصود واحد والمذاهب إليه متشعبة[1].

وبعد بيانه للوجود المطلق يسوق أدلته لإثبات هذا الوجود مهما اختلفت المذاهب في مسمياته ومن هذه الأدلة التي سوف نكتفي بذكرها دون تفصيل.

تلازم المادة والصورة.

غائبة الحركات الفلكية.

الدقة في حركة النظام الكوني وديمومتها.

علة جود الجسم لا بد أن تكون غير جسمية.

العقل لا يوجد إلا بالحق المتعالي[2].

ويرى الشيرازي أيضاً أن إشكالية لفظ الوجود أنه مشترك يحمل على التشكيك لا على التواطؤ إذ لا تواطؤ في المعنى بين واجب الوجود وممكن الوجود وبعد بيان وجود واجب الوجود بالأدلة العقلية سعى الشيرازي لبيان الوجود الممكن الذي يتعلق به الوجود بمقابل الماهية فأفرد لذلك رسالة سماها (في اتصاف الماهية

(35)

بالوجود) يقرر فيها آراء المتقدمين والمتأخرين فيقول: اعلم هداك الله: أنه اضطربت الأهواء، واختلفت الآراء في اتصاف الماهية بالوجود وعروضه لها، بناءً على القاعدة المشهورة القائلة: إن ثبوت شيء لشيء واتصافه به أو عروضه له، متفرغ على وجود المثبت له والموصوف والمعروض. ليس للماهية قبل الوجود وجودٌ آخرُ، فمن قائل من ارتكب استثناء الوجود عن القاعدة المذكورة، وهو غير صحيح في العقليات، كما لا يخفى. ومن قائل: من زعم أن اتصاف الحاجة بالوجود الخارجي إنما هو في الذهن، إذ لا عروض للوجود لها في الخارج، فيكون «زيد موجودًا» مثلاً قضية ذهنية عنده، وكذا الاتصاف بكل وجود إنما يكون في ظرف آخر بزعمه[1].

ثم يذكر رده على هذه الأقوال فيقول: ويرد عليه أن معنى القضية الذهنية هو ما يكون لخصوص الوجود الذهني للموضوع مدخل في اتصاف ذات الموضوع بمبدأ المحمول، وصدق مفهومه عليه، كما في قولك الإنسان نوع والحيوان جنس، والظاهر أن حمل الوجود ليس من هذا القبيل، والظاهر أنَّ الحكم يكون زيدٌ موجود في الخارج لا بحسب حاله في الذهن، حكم خارجي ومطابقه ومصداقه ذات الموضوع بحسب حاله في الخارج، وأيضاً لا معنى لكون الشيء موجوداً في ظرف إلا الاتصاف به في ذلك الظرف، لا في ظرف آخر، كما لا معنى لكون زيداً أبيض في الخارج، إلا في ثبوت البياض له واتصافه به في الخارج، لا في ظرف آخر، وليس

(36)

ذلك إلا كما يقال أن معنى زيد أبيض في الخارج، أنه متصف بالبياض في العقل[1]، ثم قال: وحقيقة الوجود كما حققناه أمر زائد على الماهية[2].

أما حقيقة الوجود فعندما تطلق بالاشتراك اللفظي على عدة أمور وهي:

حقيقة الوجود في مقابل العدم فتمثل الواجب والممكن على حدٍ سواء.

حقيقة الوجود المساوقة لواجب الوجود في مقابل ممكن الوجود.

حقيقة الوجود بمعنى المصداق الذي ينطبق عليه مفهوم الوجود[3].

وهنا بيان مبسط لمذهب الوجودية الذي يرى: (أن ما يهم الإنسان أولا ليس فقه الوجود بمثابة معطى خاص، بل هو البحث عن معنى الوجود والكشف عن ميزات القيمة الفائقة المسماة وجودا.... إن الانسان يسعى إلى إعطاء معنى إجمالي للحياة يبررها بشكل خاص أمام الموت الذي لا يُقهر. وعلى هذا النحو، يكون المعنى هنا متعلقا بقيمة الوجود الإنساني وقيمة حياته التي يعيشها لا شيء آخر) .[4]

(37)

وقد ذكر وليم جيمس أنه (قامت محاولات أخرى لترويض هذه المسألة ـقديماً- فقد ذكر بارمنيدس وزينون أن العدم ليس موجوداً، وأن الوجود وحده هو الموجود. وعلى ذلك فما هو كائن فهو بالضرورة موجود، فالوجود باختصار، ضرورة. وآخرون اعتبروا فكرة عدم الكينونة Ronـenriry ليس فكرة حقيقية، وقالوا: إنه طالما أن الفكرة لا حقيقة لها فهي غائبة، ومن ثم فلا يمكن أن نصل إلى مشكلة أصلية بصددها، وأخطر من ذلك كله وأفظع أن الدهشة من الوجود اعتبرت مرضاً أو حالة من حالات البحث المرضي Grubelsucht، من قبيل ذلك التساؤل: «لِمَ كنت أنا نفسي أو لِمَ كان المثلثُ مثلثاً؟[1].

ويرى أيضاً أن الغموض يكتنف المسألة فيقول: إن مسألة الوجود هي أكثر مسائل الفلسفة عتمة وأشدها حلكة. فنحن جميعاً في هذه المسألة نسأل ونستجدي. وليس ثمة مدرسة فلسفية تستطيع أن تتحدث بصددها مدرسة أُخرى بازدراء كما أنها لا تستطيع أن تفخر بالسبق أو التفوق في هذا المضمار. ذلك أننا جميعاً هنا سواء. فالواقع يشكل المعطى الحسي الذي لا نستطيع أن نتعمق تحته ونفسره أو نرى ما وراءه. فقد تشكل بذاته على نحو ما، ومهمتنا متصلة اتصالاً أوثق بالتساؤل عن طبيعة منها بالتساؤل: من أين أتى وكيف أتى؟[2].

وعودةً إلى ما قاله الشيرازي من أنه لا بأس بإيراد أسماء مرادفة

(38)

لاسمه أي الوجود: فإنه، بحسب التعريف الإيتمولوجي في المعجم الغربي، مشتق من الكلمة اللاتينية (Esse) بمعنى (Etre) وضدها العدم أو اللاوجود ولهذا اتفق فلاسفة الغرب على أن (Existence, Etre)، معناه الوجود الموظف[1]. ومع ذلك يبقى هذا المصطلح والتعريف من أشد المصطلحات عصياناً على التحديد والتعريف، إذ هو يقع في قلب أي فلسفة وبالتالي يختلف تعريفه بحسب الرؤية الكونية أو المدرسة الفلسفية[2]. وبالانتقال من المعنى اللغوي إلى المفهوم الاصطلاحي، نميزه من خلال الأمور التالية:

أولاً: الوجود هو كون الشيء حاصلاً في نفسه مع أنه لا يكون معلوماً لأحد فوجوده إذًا بذاته مستقلاً عن كونه معلوماً.

ثانياً: أن الوجود هو كون الشيء حاصلاً في التجربة إما حصولاً فعلياً فيكون موضوع إدراك حسي أو وجداني، وإما حصولاً تصوريًّا فيكون موضوع استدلال عقلي.

ثالثاً: أن الوجود هو الحقيقة الواقعية الدائمة أو الحقيقة التي نعيش فيها، وهو بهذا المعنى مقابل للحقيقة المجردة والحقيقة النظرية[3].

(39)
(40)

 

 

 

 

 

 

المبحث الثالث:

المؤسّس للمصطلح

وأهم المنظرين له

(41)

المبحث الثالث: المؤسس للمصطلح وأهم المنظرين له

 يسعى كل مفكر يحاول تأسيس رؤى جديدة إلى بيان الهفوات الفلسفية التي سبقته، لا سيما تلك التي تنتمي إلى مذهبه الفلسفي[1]. ويبدو أن هناك أزمة معنى «ولكن أي معنى هو؟ هل هو المعنى الموضوعي الذي يلازم كل ما يؤدي دور الإشارة، سواء كان حركة أم علامة أم كلمة لغة أم ظاهرة طبيعية؟ أي المعنى الذي يخضع في نموه بادئ الأمر للمعاني السائدة في المجتمع؟ نقول كلا. إن المعنى هنا لا ينحصر في نطاق لغوي أو موضوعي، وإنما في نطاق وجودي، إنه «المعنى الوجودي»[2].

إذن ونحن أمام أزمة معنى جاء مصطلح الأنطولوجيا الذي ورد أول مرة سنة 1613م، في القاموس الذي ألفه رودولف نمو سلينوس[3] «Rudolf Goclenius». وأول من استخدم هذا المصطلح عنواناً لكتاب هو كريستيان فون وولف (1679 ـ 1754م) «Christian Von Wolf» [4] في القرن الثامن عشر. ولا

(42)

تكمن صعوبة تحديد مجال الأنطولوجيا في حداثة المصطلح وحدها وإنما ترجع إلى الشكوك التي ترافق كلمة الوجود منذ أن استخدمها برمنيدس Parmenide... وإلى جانب الصعوبات اللغوية التي تثيرها كلمة الوجود في اللغة اليونانية وكذلك في اللغة اللاتينية واللغات الأوربية، فإن مفهوم الوجود ومعناه يشير إلى اشكالات جديدة مع تقدم العلم. ويذهب بول ريكور إلى عد السؤال المنصبّ على الوجود سؤالاً متجدداً، ينهل من معين لا ينضب، لأن السؤال يظل أبداً أكبر من كل.. الإجابات[1]. في حين يرى الدكتور عبد المنعم الحفني وهو يذكر الأنطولوجية «ontologism» -بأنهاـ مذهب للفيلسوف الإيطالي (جيوبرتي 1851م)[2]، وأن الأنطولوجيا الواقعية تعود إلى «نيقولا هارتمان، (1882 ـ 1950م)[3] ـ وكذلك فإن ـ «الأنطولوجيا» أي «الوجود» هو: الذي لا يحتاج إلى تعريف لأنه بديهي التصور، وما كان كذلك كيف جاز أن يكون موضوعاً «أنطولوجياً»، ونحن نعلم أن بنية المعرفة أساساً أقيمت على كشف

(43)

المجاهيل أو غير المعرفات، فما الحاجة في البحث عن ماهية الوجود، وهي لا تحتاج الى إثبات؟ وباتفاق عام عند الفلاسفة[1].

ويرى مطاع صفدي: إن هذه التصورات منوطة بالعقل فيقول: «إن العقل مع اشتغالاته قرر وجود عالم أسبق لهذا (البقاء: الحياة) وعالم لاحق (الفناء: الموت)، وذلك بطرائق استنباطية وإن تعددت إلى قياس أو استقراء أو تمثيل، وأن الذات دعت للوقوف على باب الكينونة وذلك لارتباطها بالسؤال المتفلسف ارتباطاً أعمق وأشمل وأعظم التحاماً بصميم الذات، ومن هنا «يكون انزياح السؤال أو منعه أو استبعاده قد يساوي منع الموجود عن تحقيق وجوده[2].

وبعد أن أشرنا إلى أول من استخدم هذا المصطلح وأول من جعله عنواناً لكتابه، وأول من كان هذا المصطلح يعتبر مذهبه الفلسفي، ننتقل إلى الفلاسفة المنظِّرين لهذا المصطلح ومجالات فلسفتهم.

بشكل عام يرى الفلاسفة الوجوديون أن ما يهم إلانسان أولاً ليس فقه الوجود بمثابة معطى خاص، بل هو البحث عن معنى الوجود والكشف عن ميزات القيمة الفائقة المسماة وجوداً. من هذا المنظار يستخدم فلاسفة الوجود، ومن دون تمييز لفظتي «معنى وقيمة»، ويتساءلون ما الذي يجعل الحياة قيّمة؟ بديهي أن السؤال المطروح يفترض تصوراً ضمنياً للحياة[3]. وقد يفطر على الوجود المحض كما في وجودية «هايدجر» ويتوسع حتى يشمل طبيعة

(44)

الكائن الواقعي، أو الموجود المشخص وماهيته، وأهم مسائل هذا العلم تحديد العلاقة بين الماهية والوجود[1].

قال (دالامير): إن للكائنات، روحانية كانت أو مادية، بعض الخصائص العامة، كالوجود، والإمكان، والديمومة، فاذا جعلت بحثك مقصوراً على هذه الخصائص ألفّت الأصل الفلسفي الذي يستمد منه جميع الفروع الفلسفية مبادئها، ويسمى هذا الأصل بالأنطولوجيا، أو علم الوجود[2]. وعلم الوجود أيضاً يبحث عن الأشياء في ذاتها من جهة ما هي جواهر بالمعنى الديكارتي، لا عن ظواهرها ومحمولاتها. وهو بهذا مقابل لعلم الظواهر (Phénoménologie)، وإن كان بوسع الفيلسوف أن يتكلم على «أنطولوجيا الظواهر» على النحو الذي فعله (سارتر) في كتابه (الوجود والعدم)[3] الذي سعى فيه إلى تجاوز فكرة الوجود والماهية وأيهما أسبق، إلى فكرة أن الوجود يقابله العدم. وبالرغم من المحاولات التي أعادت التنظير في هذا المصطلح، محاولات فلاسفة العصور الوسطى بدلالة تفريقهم بين الوجود والماهية وبأن هناك وشائج القربى بين المعاني التقليدية كما ذهب إلى ذلك «آيتين جلسون «E, Gilson» لإظهار أن التوماوية «Thomism» فلسفة القديس توما الأكويني كانت فلسفة وجودية تهتم بالوجود أكثر منها فلسفة ماهوية تهتم بالماهية، هذه الجهود تستخدم التصور التقليدي للوجود بدلاً من التصور المعاصر[4]». غير أن الفلسفة الحديثة قد

(45)

عبرت عن الأنطولوجيا من خلال منظريها الذين سوف نعرض بشكل موجز لآرائهم، فمن أهم المنظرين للأنطولوجيا في الفلسفة الحديثة:

الفيلسوف ديكارت (ت 1650م): يحدد هذا الفيلسوف موقفه الخاص من خلال مقولته ـ «أنا افكر، إذًا أنا موجود» ويسوق ديكارت في هذا الموضوع مثال الشمعة، ليوصلنا من خلاله في نهاية الأمر إلى فكرته الأساسية بصدد وجود العالم الخارجي، ألا وهي فكرة «الامتداد»... فإن كل ما له امتداد يقبل القسمة إلى ما لا نهاية وهو بهذا إنما يتبع المنهج الرياضي الهندسي، والذي من خلاله اكتشف ديكارت الصفة الأساسية لوجود العالم الخارجي وهي «الامتداد»[1]. ومع موقف ديكارت هناك موقف لفيلسوف آخر وهو مالبرانش (ت 1715هـ) الذي يناقش فكرة الامتداد فيتساءل عن معناها بقوله: إذا كان معنى الامتداد وهو الذي يشكل حقيقة موضوعات العالم الخارجي، فما مصدر هذا المعنى؟ بل هو مصدر المعاني جميعها على وجه العموم.؟ ويجيب بأقصى التسليم بأن هذه المعاني تصدر عن أشياء موجودة بذاتها في الخارج[2].

وفي ذات السياق، نجد الفيلسوف الألماني ليبنتز صاحب نظرية المونادات الروحية في الفلسفة، هو الآخر له رأي في مسألة وجود العالم الخارجي، إذ أن المادة عنده لا يمكن أن تسمى باسم الجوهر، بل هي مونادات صغيرة، وهذه المونادات مهما صغرت

(46)

في عالم من المخلوقات، والكائنات الحية[1]. وسعى فلاسفة التجربة جون لوك (ت 1704م) والفيلسوف ديفيد هيوم (ت 1776م) والفيلسوف جورج باركلي (ت 1753م) والفيلسوف توماس هوبز (1679م). لمخالفتهم في موقفهم لمن عاصرهم من الذين ذكرناهم فلم يرضوا بالنتائج السابقة.. إلا إذا كان بالإمكان برهنة الظواهر الفيزيائية رياضياً وبهذا نحصل على عالم فيزيائي موجود كوجود الله ووجود البشرية[2]. ورفض الفيلسوف كانط الفلسفة المثالية الذاتية لباركلي مثلما رفض المثالية العقلانية لديكارت، وسبب هذا الرفض عنده إنما يرجع إلى أن مثاليتهما تقرر إما أن يكون وجود الأشياء في المكان موضع شك ولا يقبل البرهان، أو أن يكون وجود هذه الأشياء خطأ وغير ممكن[3].

أما الفيلسوف الألماني فلهلم هيغل (ت 1831م) ـ فيرى... أن العالم الخارجي مستقل عن الذات... وشدد على موضوعية العالم واستقلاله عن الذات... فهذا التأكيد من جانب هيغل قائم على اعتبار موضوعات العالم الخارجي مستقلة عن الذات المدركة لها، وجدت هذه الذات في تلك اللحظة أم لا[4]. وخلاف هذا الموقف نجده عند الفيلسوف المعاصر له وهو الفيلسوف آرثر شوبنهاور (ت 1860م) إذ يرى أن العالم إنما هو امتثالي، وهذه المقولة يمكن أن

(47)

تفهم على أن الأصل في كل قول بالوجود هو الفكرة أو الشعور[1]... وأن كل وجود خارجي مرده في الواقع إلى الذات، ومن هنا كان مذهبه في المعرفة مذهب الذاتية... ـ ليوصلنا ـ إلى أن كل قوانين العالم هي من استنتاج الذات[2]. إن مقولة شوبنهاور العالم من «امتثالي»، إنما تقوم على الثنائية المؤقتة، التي لا تقوم إلا في الفكر فحسب عند التجريد[3]. وخلاصة نظرته للوجود تكمن في أن هنالك قطبيْن لمعرفة العالم الموضوعي وهما: الذات العارفة المجردة البسيطة، العارية عن كل صورة. ثم المادة الساذجة الخالية من الأشكال والكيفيات وكلتاهما غير قابلة إطلاقاً لأن تدرك. لكنهما معاً تنتسبان إلى الظاهرة، لا إلى الشيء في ذاته[4].

ثم يقدم الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (ت 1905م) رأيه في المشكلة ـ الذي هو عبارة عن إنكاره للمشكلة أصلاً ـ إذ أنكر نيتشه إنكاراً تاماً الانفصال بين الظاهرات والواقع... وأن الواقع موجود في الظاهرات، بل لعله قال أنه لا وجود لأي واقع، وأن ما هناك مجرد ظاهرات، وأن الناس قد أنشأوا اعتماداً على نوع من الانحراف الذهني هذا العالم المتخيل وراء العالم الحقيقي. فنحن نحيا في ظواهر، وليس هناك ما يبحث عنه أو يمكن العثور عليه وراءها، فعلينا أن نكتفي بالنظر إلى الظواهر على حالها[5]. وإلى

(48)

رواد ومنظرين عرفنا كلنا معهم للفلسفة المعاصرة وجهات نظر في رؤيتها للوجود تضمنتها الأنطولوجيا كمصطلح رغم اختلاف هذه الرؤى فالوجودية التي نحن بصددها تمثَل موقفها في أبرز روادها الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (1978م) الذي يعلن بصراحة أن كل المناقشات الفلسفية التي طالما دارت حول العالم الخارجي هي مجرد لغو فارغ، إذ لا يمكن أن يكون ثمة وجود بشري إلا إذا كانت الذات مرتبطة ارتباطاً أولياً جوهرياً بحقيقة خارجية هي العالم، وليس ثمة موضوع للقول بوجود أي ضرب من ضروب الانفصال بين الإنسان والكون، ما دامت الكينونة البشرية منفتحة منذ البدء على العالم[1].

إن هايدغر بقوله هذا إنما يضع الذات في مواجهة العالم، ولا وجود للذات من دون وجود العالم، ولا وجود للعالم من دون ذات مدركة، فالاتصال هنا هو لب رأي هايدغر في علاقة الذات بالموضوع، «والانفصال» لا وجود له[2].

ثم إلى منظر آخر للأنطولوجيا في الفلسفة المعاصرة في ذات السياق نجد الفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز يدلي برأيه في وجود العالم من خلال علاقة الذات بـالموضوع مبيناً الصلة غير المنفصلة بينهما، بل أن الصلة هنا هي الإقامة والاتصال وليس لأحدهما أن يستقل عن الآخر، قائلاً: ليس العالم موضوعاً، فنحن نقيم فيه دائماً، ولكن ليس بالمرة موضوعاً لنا[3]. وحقيقة هذا العالم

(49)

منفتحة غير منغلقة على نفسها، فهو عند ياسبرز ـ لا يفسر ذاته بذاته، ولكن الإنسان يفسر فيه شيئاً بآخر من دون تحديد، وهذا التفسير هو ما يأخذ به الإنسان موضوعاً للعلم. لذا فإن ياسبرز يجد أن الطابع الأساسي للعالم هو الظاهرة، وأن جميع الحلول العلمية والاكتشافات التي يقوم بها العلماء والتجارب حول هذا العالم تظل متذبذبة... وأن كوننا نعرف هو كوننا نفسر، وأن الوجود معطى لنا في انشقاق الذات عن الموضوع[1].

غير أن هايدجر أطال وقفة الذهول والدهشة أمام واقعة «الاختلاف الأنطولوجي» إلى حد أنها استمرت زهاء نصف قرن من الزمن مما كان عليه الإذعان والتزام الصمت حتى للانفطار حتى تتحقق المعجزة في الوجود[2]. فإن انحصار العصر داخل وضع أنطولوجي تسوده الظلمة والتيه مع نهاية الميتافيزيقا، هو ما يجعل مسألة علاقة اللغة بالوجود ضرورة من أجل استذكار المنحدر الأصلي للكينونة[3]. ونحن بالقدر الذي ندرك فيه الكائن في كينونته، أو بلغة معاصرة، تتمثل الموضوعات في موضوعيتها، نكون مزاولين للتفكير، بل إننا بهذه الكيفية، ما دمنا لا نعتني بهذا الذي تكمن كينونة الكائن فيه عندما تتجلى كحضور[4].

(50)

أما البرغماتية ولا سيما منهم الفيلسوف وليم جيمس (ت 1901م)... فهي ترى أن الأشياء الخارجية مستقلة عن العقل المدرك، وأن ثمة واقعاً تشيع فيه الكثرة والتعدد، وأن بين الأشياء من الاستقلال ما يجعل العلاقات خارجة عن الحدود[1]. والنتيجة الفلسفية عند الفيلسوف وليم جيمس هي الإقرار بوجود العالم الخارجي المستقل موضوعياً عن الذات المدركة[2].

وإلى مدرسة التحليل المنطقي أو الوضعية المنطقية التي يتزعمها فتجنشتاين (ت 1951م) والفيلسوف برتراند رسل (ت 1970م). يذهب فتجنشتاين إلى أن الوجود هو مجموعة الوقائع لا الأشياء، فهي تعني أحياناً العالم الموجود بالفعل وتارة تعني إشارة الى العالم الخارجي، ذلك أن هذا العالم عنده مكون من الوقائع الذرية الموجودة[3]. وموقفه هذا يتطابق مع موقف الفيلسوف برتراند رسل، الذي يصرح بأن العالم لا يتكون من مجموعة من الأشياء بقدر ما يتكون من مجموعة من الوقائع التي هي العالم الواقعي الحقيقي، - وهذا العالم الخارجي ـ الذي نرمي إلى معرفته، لا يمكن وصفه وصفاً كاملاً إلا بواسطة مجموعة من الأشياء المفردة... التي أسميها وقائع[4]. ويؤكد رسل أن العالم الخارجي الموضوعي المستقل عن ذاتنا قائلاً: إن هناك خلطاً نشأ من استعمال كلمة «فكرة» فنحن ندرك من الفكرة شيئاً موجوداً اساسياً في عقل إنسان ما، وعلى ذلك فمن الطبيعي أن نفترض عندما يقال لنا أن الشجرة

(51)

بكليتها كائنة في عقولنا، ولكن فكرة الوجود في العقل فكرة غامضة. غير أن العالم موجود وهو لا يعتمد اعتماداً كلياً في وجوده على استمرار إدراكنا له. وهذا اعتقاد غريزي موجود لدى كل إنسان[1].

وإذا عدنا إلى منظري مصطلح الأنطولوجيا في اتجاهات أخرى تضاف إلى المصطلح فإن أنطولوجيا الجسد تقدم لنا عند هوسرل في كتابه «المكرس» بشكل علني جداً من أجل تجديد المثالية الترانسندنتالية المتعالية، نجد المشرع العام الواعد لأنطولوجيا الجسد والذي يشير إلى إدخال الفينومينولوجيا التأويلية إلى سجل أنطولوجيا الغيرية «الآخرية»[2].

ويعد ريكور أيضاً من منظري الأنطولوجيا في كتابه «الذات عينها كآخر» حيث يشير إلى منظومة من المفهومات تضاف إلى مصطلح الأنطولوجيا برغم اختلافها[3]. ومع ذلك وعلى الرغم من إيجاد جهاز مفهومي ملائم من أجل إعداد أنطولوجيا للجسد ـ إذ إن ـ علينا أن نقر بأن هايدغر لم يعد مفهوم الجسد كوجداني مستقل[4]. وهناك ماري مارتل الذي كتب في أنطولوجيا اللغة الأدبية[5] المعاني المحددة للمصطلحات كما تنطبق في ذلك الميدان ويغطي هذا

(52)

النوع المعاجم الموضوعية. ومن بين أكثر المنظرين لهذا المصطلح الفلاسفة المعاصرون حيث جرت على أيديهم محاولات لإقامة علم وجود جديد على أساس مثالي موضوعي في القرن العشرين بحيث يكون موضوع الأنطولوجيا الأشياء نفسها، كرد فعل إزاء انتشار التيارات المثالية الذاتية وبالمقابلة مع الميتافيزيقا النقدية التي فحواها أن الفكر حاصل بذاته. وفي النظريات الجديدة في علم الوجود الأنطولوجيا المتعالية الظواهرية عند هوسرل والأنطولوجيا النقدية عند ن. هارتمان، والأنطولوجيا الأساسية عند هايدغر يعد علم الوجود نسقاً من المفهومات الكلية في الوجود متصورة بمساعدة حدس فوق الحواس وفوق العقل. وقد تلقف فكرة «أنطولوجيا جديدة» عدد من الفلاسفة الكاثوليك الذين يحاولون تركيب علم وجود... خاص بهم ضد الفلسفة المادية الجدلية، التي قلما تستخدم مصطلح الأنطولوجيا وإن استخدمته ففي ارتباط مع نظرية المعرفة[1].

وهناك كما أسلفنا أنطولوجيات متعددة نذكر منها على سبيل المثال الأنطولوجيا الزراعية وهي مبادرة مرجعية تقوم بصياغة وتوحيد المصطلحات الزراعية الواردة بلغات متعددة لاستخدامها في أي عدد من الأنظمة في مجال الزراعة وتوفير العديد من الخدمات. وتهدف خدمة الأنطولوجيا الزراعية إلى تحقيق مزيد من التوافق بين الأنظمة الزراعية. فتطبيق المعايير التي يروج لها عبر خدمة الأنطولوجيا الزراعية يساعد في فهرسة واسترداد والموارد الزراعية الببلوغرافية مساعدة شركاء المجتمع في بناء الأنطولوجيات[2].

(53)

أما الأنطولوجيا الحاسوبية ـ فهي ـ عبارة عن نظام يحتوي على مفاهيم وتعريفات لتلك المفاهيم وتحديد العلاقات بين تلك المفاهيم[1]. أما الأنطولوجيات الواردة من عالم المكتبات التقليدية، فيمكن تفسير أي قاموس على أنه شكل بسيط من أشكال الأنطولوجيا، أي أنه تسلسل مفاهيمي يتكون من المصطلحات التي ترتبط في ما بينها بالقليل من العلاقات العامة جداً. ويتعدى معنى الأنطولوجيا هذا الحد ليحدد ويتيح إمكانية إنشاء علاقات أكثر رسمية وأكثر تحديداً وأكثر قوة فضلاً عن القيود والقواعد. كما تعمل الأنطولوجيا على تجسيد وتنظيم المعرفة في مجال ما، وبذلك تجسد معنى المفاهيم التي تعتبر محددة في هذا المجال. وبعدها يكون هذا المعنى متوفراً للمستخدمين النهائيين من خلال استخدام أدوات «مثل تطبيقات الفهرسة أو البحث أو الاسترداد» التي تطبق الأنطولوجيات[2]. وهنا قائمة بأبرز الأنطولوجيين في مختلف العصور فهيرقليطس ثم بارمنيدس، وأفلاطون، وأرسطو، والغزالي، وصدر الدين الشيرازي، وتوما الأكويني، ثم ديكارت، وسبينوزا، ولايبنتز، وهيغل، ونيتشه، وإيمانوييل كانط، وجان بول سارتر، وفتجنشتاين، وهايدغر، وهوسرل، وبرتراند رسل، وساندرس بيرس، وجاك دريدا. وغيرهم[3].

(54)

 

 

 

 

 

 

المبحث الرابع:

الأسباب والمناخ الذي أدى

إلى ظهور المصطلح

 

(55)

المبحث الرابع: الأسباب والمناخ الذي أدى إلى ظهور المصطلح

إن مصطلح الأنطولوجيا له تاريخ طويل في مجال الفلسفة ويتضمن دراسة الموجودات أو ما نفترض أنه موجود منأاجل الوصول المقنع أو القاطع إلى الحقيقة، واذا كان مفهوم الوجود بيّن بذاته ولا يحتاج إلى تعريف فإنه من جهة أخرى على قدر كبير من الغموض والتعقيد... وأهم الصعوبات التي تعرضت لها الأنطولوجيا في الحقبة اليونانية تعود إلى الاستخدام غير الدقيق لفعل الكون Etre. فمنذ أن وضع أرسطو فعل الكون في كل مكان (بدلاً من أي فعل)، اضطر المناطقة الى التفرقة بين وظيفة فعل الكون بوصفه رابطة منطقية من جهة وبين المعاني اللغوية العادية من جهة أخرى[1]. ونظراً لطبيعة الوجود والرؤية الفلسفية لهذا الوجود أصبح هذا المفهوم ليس مصداقاً على ما في الخارج فأي وجود يقصد به الوجود المادي أم الوجود غير المادي؟ أم الوجود الذي يقابله العدم، أم الوجود الذي يقابل الماهية.؟ أم الوجود بالقوة الذي يقابله الوجود بالفعل. ووسط هذا كله من المفاهيم والتي تندرج كلها تحت لفظ الوجود صار لزاماً على أهل الاختصاص أن يبحثوا عن لفظ يجمع كل هذه المفاهيم، فاهتدوا إلى الأنطولوجيا لأنها تعبر عن مجموعة من المعلومات أو البيانات حول ذلك المفهوم فهذا الاصطلاح يمكن أن تندرج تحته كل هذه المفاهيم. بل إنه

(56)

تعداها ليدخل في علوم أخرى منها المكتبات والمعلومات وأيضاً الحواسيب وقبلها في اللغة والشعر والسياسة والأنثروبولوجيا. لقد طرح الفارابي المشكلات الأساسية للأنطولوجيا حين عالج في كتابه «الحروف» الكيفية التي يمكن بها تجاوز الصعوبات التي نشأت في الفلسفة اليونانية حول مشكلة الوجود[1].

وليس من الغريب أن يرتبط مصطلح Ontology ـ مع مفاهيم موضوعية متنوعة مثل أنطولوجيا اللغة والأدب والحب والمعرفة والوجود إلخ... إنها ببساطة تقدم فلسفة تصنيف منطقية يمكن استعارتها والإفادة منها في مجال تنظيم المعرفة. هذه الفلسفة قائمة على مبدأ إنشاء التكتلات العلائقية، والتي تحدد أو يتم اختيارها على أساس الخصائص المشتركة، والتي قد تكون صفة أو نشاط أو موضوع[2]. استخدم الفلاسفة الكاثوليك في أواخر العصور الوسطى الفكرة الأرسطية في الميتافيزيقا لبناء نظرية في الوجود تصلح برهاناً فلسفياً على حقائق الدين. وتطور هذا التيار في أتم صوره في مذهب «توما الأكويني» الفلسفي واللاهوتي، الذي اعترض على آراء ابن سينا في الوجود والماهية، ورفض أن يكون الوجود زائداً على الماهية أو أن يكون مضافاً إليها من الخارج. ومال الأكويني إلى رأي توفيقي يجعل العلاقة بين الوجود والماهية علاقة تركيبية، مع أن كل موجود يحتاج إلى علة خارجية كي يتحقق في الوجود، إلا الله فوجوده مستغنٍ عن الموجِد. وهكذا فالوجود ليس زائداً

(57)

على الماهية لديه، إنما يتأسس بحسب مبادئها[1]. وإذا كان مفهوم مصطلح الأنطولوجيا الذي يعني الوجود المستمد من الميتافيزيقا العامة قد أخذ في القرن السابع للهجرة على أيدي الصوفية فهماً جديداً مرتبطاً بفكرة الوجد الصوفي وثم عن ولادة أنطولوجيا جديدة قائمة على الجمع بين العقل الفلسفي والذوق والكشف الصوفي[2]. لذا فإن مفهوم الأنطولوجيا قد تعرض «لتغييرات جوهرية بسبب فلسفة «وولف» الذي اعتمد في فهمه لها على المنهج الاستدلالي مطبقاً في دراسته مبدأين أساسين هما:

مبدأ عدم التناقض.

مبدأ السبب الكافي.

بغية الوصول إلى حقائق ضرورية حول ماهيات الموجودات. بهذا ارتكز علم الوجود على التحليل الاستنباطي والنحوي المجرد لمفهومات مثل الوجود والامكان والواقع والكم والكيف، والجوهر والعرض، والعلة والمعلول وغيرها[3].

 لم يبق أمر الأنطولوجيا على هذا الحال حتى «ظهر اتجاه معارض لهذه النظريات المادية عند هوبز و سبينوزا و لوك وعند ماديي القرن الثامن عشر الفرنسيين، نتيجة للمضمون الوضعي لهذه النظريات، التي كانت تقوم على أساس العلوم التجريبية، وأدى ذلك إلى تدمير موضوعي لمفهوم علم الوجود بوصفه موضوعاً فلسفياً من أسمى 

(58)

المراتب، أي بوصفه فلسفة أولى فكان نقد المثاليين الكلاسيكيين الألمان كانط و هيغل وغيرهما لعلم الوجود نقداً ثنائياً[1]. وكأن المحفز لهذه القضية الكونية ليس الطرفين الذين ذكرتهما ـ وهما ـ الوجود والعدم، الحياة والموت، البقاء والفناء، الإثبات والنفي، أكون أو لا اكون، ـ فحسب وإنما ثمة تساؤل مجاور هو الذي يرسم خطاً موازياً في جسد القضية حتى يسبقها أحياناً ويتعداها أحياناً أخرى، وهو الذي يؤكد ارتباط السؤال ذاته ببنية الفلسفة، حتى قبل أن تكون هناك فلسفة، لذلك كان من حق كل عاقل أن يشرع في طرح أسئلته التي تقلقه وكأنما لم يجب عليها أحد من قبله[2]. فمع هيغل غابت ثنائية الماهية والوجود لتحل محلها ثنائية الوجود والعدم بوصفها أطروحة ونقيضها، ينجم عنهما تركيب جديد هو الصيرورة[3]. لينتهي المطاف بالجدل الهيغلي إلى التأكيد على أن الفكرة المطلقة هي وحدها الوجود الخالد لأنها تقي نفسها وتؤسس وجودها، وانتهى الربط المحكم بين الوجود والعقل: كل موجود معقول وكل معقول موجود[4].

وهكذا أظهرت الظروف الجدلية وما وصلت إليه في الفلسفة الحديثة لأن تجر الفلسفة المعاصرة إلى إجراء «محاولات لإقامة «علم وجود جديد» على أساس مثالي موضوعي في القرن العشرين بحيث يكون موضوع الأنطولوجيا الأشياء نفسها، كرد فعل إزاء

(59)

انتشار التيارات المثالية الذاتية وبالمقابلة مع الميتافيزيقا النقدية التي فحواها ان الفكر حاصل بذاته[1]. ومن هذه النظريات الجديدة في علم الوجود:

الأنطولوجيا المتعالية الظواهرية عند «هوسرل».

الأنطولوجيا النقدية عند «هارتمان».

الأنطولوجيا السياسية عند «هايدغر».

امتدت استخدامات المصطلح حتى بلغت استخداماته أوجها، فمنذ التسعينات أصبحت الأنطولوجيا من أهم مجالات البحث العلمي في ميدان الإعلامية، حيث أصبح لها مفهومٌ يمثل تحديداً تفصيلياً «ظاهرياً» لتصميم مجال معين. وهذا التفصيل يضع معنى لكل مفهوم ومصطلح ولفظ في المجال.. وتوضع المفاهيم في نموذج بياني من المصطلحات والعلاقات التركيبية والمعنية بين هذه المصطلحات[2] ثم ظل هذا المصطلح يتنقل بين العلوم. فلقد أصبحت للأنطولوجيا مع ظهور الانترنت والويب الدلالي أهمية كبرى في مجال الهندسة المعرفية حيث إنها تساعد مستعمليها على إثراء النظام بمعاني المفاهيم والمصطلحات.

ولقد أثبتت الأنطولوجيا ورودها في ميادين عدة مثل الذكاء الصناعي والطب وهندسة البرمجيات الخ. ولقد أصبح البحث مكثفًا في مجال الأنطولوجيات منذ التسعينات بمخابر البحوث في الإعلامية نظراً لأهميتها في مجال تصميم الأنظمة[3]. ولقد

(60)

طرحت العديد من الإشكاليات مثل منهجية تصميم الأنطولوجيات، صنع أتوماتيكي للأنطولوجيات، تمثيل الأنطولوجيات المحورية والمتسمة والسياقية وحسب وجهات النظر[1]. ولقد اتخذت الأنطولوجيا وفقاً لأقسامها عدة نظريات منها:

نظرية الموضوعاتية «Objectivisim».

نظرية الذاتية «Subjectivisim».

نظرية الواقعية «Pragmatism»... وفي العقد الأخير استخدمت في مجتمع علم المعلومات للدلالة على كتل البناء (building blocks) وهي عبارة عن كتل معرفية، وهي مجموعة من مصادر المعلومات في مختلف التخصصات قد تكون كتل مادية هي الملموسة والمحسوسة، وقد تكون افتراضية، والتي تستخدم لمساعدة الحاسبات والبشر في المشاركة في المعرفة[2]. إن المناخ الذي ظهر فيه المصطلح وتبدلات المفاهيم التي انطوى عليها هذا اللفظ جعله يحددُ أهدافاً لهذا المصطلح، فمن أهداف الأنطولوجيا:

تحديد طبيعة الواقع أو تعرّفها بتحديد المفاهيم والكيانات والمصطلحات والفئات في ميدان معين من أجل نمذجة العلاقات بينها أو صياغتها.

نشأت لجعل الغموض المفاهيمي والدلالي في حده الأدنى في بيئة معلوماتية وتكنولوجية[3].

(61)

مفيدة في تعزيز قابلية التشغيل التبادلي بين الأنظمة في الميادين المعرفية المختلفة، أو لإنشاء الوكلاء الأذكياء الذين يمكنهم إنجاز أعمال معينة، وكلاهما من أغراض الويب الدلالي.

إن الأنطولوجيا التي تعمل من أجل تنظيم الوثائق واسترجاعها ينبغي أن تصبغ واقع استخدام اللغة من أجل الاتصال أو تشكله[1].

وهذا ما يطلق عليه «أنطولوجيا اللغة» وفيها يمكن اعتبار النصوص وكل منظومة لغوية أو فكرية أو علمية إنما هي صيغ تأويل مظاهر وحالات عن علاقة الإنسان بالكينونة، وأعطى هذا الاعتبار إلى فلسفة المعرفة انعطافاً لم يكن غريباً عنها منذ القدم، إذ تصبح الحقيقة التي هي هدف كل فعالية تفكيرية هي مجرد تأويل أي تفسير على طريقة الحقيقة[2].

وفي نهاية الامر فإن ما يشهد له الإقرار هو عملية القلب الحاصلة بين التفكير والتحليل على الصعيد نفسه لحال الوجود[3].

أما في مجال بناء الأنطولوجيا فإنها تأخذ شكل الترتيبات التالية:

تقسيمات للمصطلحات في مجال موضوعي ضيق.

مواصفات لمجموعة الخواص المفاهيمية، على سبيل المثال ـ خرائط المفاهيم في مجال التحليل الوثائقي ـ وهي أنواع الصفات المميزة أو الخواص والقيم التي يمكن أن تكون تلك العناصر.

(62)

مصطلحات مضبوطة فئوياً، وهذه تشمل التحليل الدلالي لكلمات واضحة لها في فئات، مثل: الأسماء، والافعال، والظروف كما في «Network» وهذا عكس قوائم رؤوس الموضوعات والمكانز التي تميل إلى إعطاء صيغ الأسماء بالنسبة إلى المصطلحات المحتواة فيها[1].

وعلى ذلك يتم تقسيم الأنطولوجيا على أساس تطبيقاتها إلى قسمين أو نوعين:

النوع الأول: هو أنطولوجيا الميدان المحدد، وهو يمثل المعاني المحددة للمصطلحات، كما تطبق في ذلك الميدان.

أما النوع الثاني: فهو الأنطولوجيا العامة والتي تمثل المعرفة الممتدة عبر الميادين، وهي نموذج للأشياء العامة التي تنطبق عموماً عبر مدى عريض من أنطولوجيات الميادين[2].

وعليه تحولت الأنطولوجيا إلى أنطولوجيات، فقد تكون بسيطة مثل قائمة بتعريفات، أو قد تكون تقسيماً أو تصنيفاً هرمياً أكثر تعقيداً للمفاهيم والفئات، أو بوصفه شكلاً لتمثيل المعرفة عن العالم أو جزءًا منه ـ أو حلًّا تكنولوجيا للمشكلات القائمة على الدلالة للمشاركة في المعلومات[3]. وبذلك تحولت الأنطولوجيا أنطولوجيات، والأنطولوجيات مهمة إذا كان الوكلاء على الويب قادرين على البحث أو الدمج للمعلومات من تجمعات متنوعة،

(63)

وذلك لأن المصطلح نفسه قد يستخدم في سياقات مختلفة بمعانٍ مختلفة، وإن المعنى نفسه قد يمثل بمصطلحات مختلفة في سياقات مختلفة[1]. وفي نموذج خرائط المفاهيم فإنها تعني الأنطولوجيا بتحديد نطاقات المعارف وتعريف المفاهيم المرتبطة بهذه النطاقات وفق بنية هرمية تهتم بتصنيف «Taxonomy» وتحديد علاقات وارتباطات المفاهيم بعضها ببعض، وهذا الأمر تساعد في تحقيقه عملياً خرائط المفاهيم، فنحن تقريباً أمام وجهين لعملة واحدة[2].

(64)

 

 

 

 

 

 

المبحث الخامس

امتداد المصطلح وتجلياته

عبر التاريخ

 

(65)

المبحث الخامس: امتداد المصطلح وتجلياته عبر التاريخ 

قلنا في مبحث التعريف أن الأنطولوجيا (Ontology): هي العلم الذي يكون موضوعه الوجود المحض، أو الموجود المشخص وماهيته، أو الموجود من حيث هو موجود، أو الموجود في ذاته مستقلاً عن أحواله وظواهره. ولما كانت الميتافيزيقا تشكل دراسة أعم وأشمل عمقاً من أي علم خاص، لأنها تهدف إلى توضيح البنية الجوهرية العامة لكل تفكيرنا[1]. فكثيراً ما نحسب أو نعد التاريخ كواحد من العلوم التي ارتبط وجودها بوجود العقلانية، وكثيراً ما نحسب أن الأخيرة هي المحفز لظهور التاريخ وغيره من العلوم، غير أنها جاءت متأخرة في الظهور على مسرح الوجود، فقد ارتبطت مع الكتابة، تماماً كما ارتبط التاريخ بذلك، غير أن جلَّ ما يقدمه هو تقصي الحوادث عوْداً أو رجوعاً إلى بدايتها التي انطلقت منها، الأمر الذي يفسر ارتباطه بالماضي دائماً، ليفسر ارتباط الحوادث بعضها ببعض، وذلك من خلال تعليل تاريخي أو أساس منطقي يكشف فيه ما السبب وما علة ظهور الظاهرة[2]. ولما كانت الظاهرة المرتبطة بهذا المصطلح لها تاريخ يتأثر بالمظاهر العقلانية التي تميزه من جهة تكوّن وجهه الأنطولوجي، وسمته التي ارتكزت على ذاته في وجودها المحض

(66)

«لأن معرفة السبب الحقيقي في وجود ظاهرة ما معناه الوصول إلى تفسيرها على أكمل وجه يقبله العقل[1].

ولما كان ارتباط الأنطولوجيا بمفهوم الوجود والكينونة والميتافيزيقا بشكل عام فسوف نقوم بدراسة تاريخية لهذا المفهوم، حيث ظهر في تاريخ الفلسفة اليونانية ليحمل مفهوم الموجود الذي هو السبب وراء وجود سائر الموجودات، فقد بدأ التفكير في الوجود مع أوّل المدارس الفلسفية في اليونان أيْ المدرسة الأيونية وبأوّل الفلاسفة اليونانيين طاليس[2]، فهو يعد أول الفلاسفة حيث قال بحقائق ثلاث: فهو أولاً تحدث عن أصل الأشياء أو عن الأصل الذي تصدر عنه الأشياء. وثانياً: كان كلام طاليس عن هذا الأصل خالياً من الأساطير، وثالثاً... قال أن كل شيء واحد... وهذا الواحد الذي أرجع اليه طاليس كل الأشياء هو ـ الماء[3].

ثم ظهر أناكسيماندر[4] (610 ـ 545 ق. م) الذي رأى أن المبدأ الأول لا يمكن أن يكون معيناً ـ فدعا المادة الأولى باللامتناهي وأن اللامتناهي يكون من ناحيتين كيفًا وكمًّا، وأن الأحياء تولدت من

(67)

طين البحر وهو مزاج من التراب والماء والهواء ـ أي بامتزاج عناصر الطبيعة[1]. ثم جاء من بعده تلميذه انكسيمانس[2] (588 ـ 525ق.م) فرأى أن المادة الأولى شيء محسوس متجانس ولكن هذا الشيء هو الهواء وأنه لا متناه وأن الموجودات تحدث منه بالتكاثف[3]. ثم جاء هيرقليطس[4] (535 ـ 475 ق. م) الذي رأى أن النار هي المبدأ الأول الذي تصدر عنه الأشياء وترجع إليه، ولولا التغير لم يكن شيء فإن الاستقرار موت وعدم والتغير صراع بين الأضداد ليحل بعضها محل بعض، ويرى في النار حياة العالم وقانون اللوغوس[5]، وأن الطبيعة، على حد قوله، تعشق التحجب والخفاء[6]».

 المدرسة الايلية: مدرسة أصحاب الوحدة والثبات. تزعّم هذه المدرسة الفيلسوف بارمينيدس[7](540 ـ 480 ق. م). يرى بارمينيدس أن الوجود واحد وثابت وأزلي وأبدي وأنه قائم بذاته وأنه مادي وأن الموجودات المادية موجودة وأن الوجود يميزها عن

(68)

العدم[1]، وحيث كان له حد بعيد فهو كامل من كل الجهات مثل كتلة الكرة المستديرة متساوية الأبعاد من المركز، لأنها ليست أكبر أو أصغر في هذا الاتجاه أو ذاك، ولا يعوقها شيء عن بلوغ النقط المتساوية عن المركز وليس الوجود أكثر أو أقل وجوداً في مكان دون آخر بل هو كل لا انفصال فيه[2].

ثم جاء من بعده تلميذه زينون[3] الذي ساق حججاً لإبطال الحركة والكثرة مؤكداً فلسفة أستاذه في الوحدة والثبات ثم تابع هذه الآراء ميلسوس[4] الذي يعتبر آخر ممثلي المذهب الايلي في ايونية. ولكنه كان أقل حظاً في القدرة على الجدل إذا قورن بزميله زينون[5].

المدرسة الفيثاغورية: ويتزعمها الفيلسوف فيثاغورس[6]، ومن أهم آراء هذه المدرسة: قولهم أن وجود الموجودات محاكاة للأعداد

(69)

وفي نص آخر يذكر أرسطو أن الفيثاغوريين يذهبون إلى أن الأشياء أعداد[1] إذ تمخض من هذه النصوص رأيان: «الأول أن الأشياء مكونة من الأعداد. والثاني: أن الاشياء الموجودة مكونة على حذو الأعداد مشاركة لها في صفة العددية دون أن ينكر وجودها وصفاتها المادية والمتغيرة مقرين بأن لها هيولى مادية والعدد صورتها فقط[2].

المدرسة السفسطائية[3]:

ومن أهم إسهامات هذه المدرسة في مسألة الوجود ـ أنها شكلت نقطة تحول بين مرحلتين: أ- مرحلة التأمل الفلسفي الذي يجعل من الطبيعة موضوعاً للبحث دونما اعتبار لوسيلة المعرفة. ب- مرحلة التأكيد على العالم الإنساني منطلق بحث[4].

أما الحكيم سقراط[5]فقد أكد أن المعرفة الصحيحة تقوم على الماهيات ومن خلالها يتم البحث في الوجود، وبدوره يرتفع الإنسان من الوجود المحسوس إلى الوجود غير المحسوس، ومن التغير إلى الثبات[6].

(70)

أما أفلاطون[1]: فقد طبق ما طابق سقراط على كل شيء في الوجود، ومنه على «نظرية المثل» إذ افترض صورة للوجود وهي الماهيات الثابتة[2]. وتنطلق النظرية من وجود عالم مفارق وراء عالم المحسوسات، وهو عالم المثال (الذي يشكل موضوعاً مقدساً عند أفلاطون لا يمكن تجاوزه بحدود معينة لصعوبة تجاوزها بالعقل البشري)[3].

اما أرسطو[4]فيرى أن الميتافيزيقا ذات معنيين الاول: هو معنى خاص يقتصر على الجواهر المفارقة الذي يسمى بالإلهيات، والثاني: علم يبحث في خصائص الوجود بما هو موجود ويسمى بالوجود البحت Ontologie[5].

أفلوطين[6]: تبتدئ فكرة أفلوطين في الوجود في أنه يضع واسطة بين واجب الوجود وهو الله تعالى وبين الوجود الممكن وهو

(71)

العالم، وقد حل إشكالية صدور الكثرة عن الوحدة في نظرية الفيض التي تبدو بها صورة الله مجردة عن كل الموجودات الكونية حتى يصبح الله في نظره واحدًا لا يضبط حقيقته أي تعريف سواء أكان فكرياً أم لغوياً حتى لا يكون فريسة أي تعددية شيئية، وبهذا يصبح الله هو النواة الأولى المطلقة الواحدة[1].

لقد أخذ مفهوم الوجود منحى آخر في تدرجه التاريخي وسوف نلقي نظرة على هذا المصطلح عند فلاسفة العصور الوسطى، وفي الفلسفة المسيحية تحديداً، فنراه عند القديس أوغسطين[2]مخالفًا لما عند أرسطو، فهو يرى أن الوجود والماهية شيء واحد، فالوجود الإلهي هو بالضرورة وجود أزلي أبدي، وذلك لأن الوجود ماهية ذاته، فهو لا يمكن أن يتحرك بطريقة تقل عن تلك الضرورة فهو الوجود المطلق[3].

أما القديس أنسلم[4] فهو الذي وضع الدليل الأنطولوجي الذي اختلفت حياله مواقف الفلاسفة بين مؤيد يتبناه ويدعمه ويضمنهُ في مذهبه الخاص، وبين رافض وناقد له. ومفاد هذا الدليل أن «الكائن الضروري يتضمن ماهية وجود، وهو يكفيه أن يكون ممكناً لكي

(72)

يكون واقعياً، وهكذا يتفرد الله أو الكائن الضروري بهذه الميزة، ولما لم يكن هناك شيء يحول دون إمكان وجود ما لا يتضمن حدوداً ويحتوي تبعاً لذلك أي تناقض، فإن هذا وحده يكفي لمعرفة الله معرفة قلبية[1]. وقد ميز أنسلم بين الوجود والماهية في كل الأشياء إلا في حالة واحدة وهي حالة الله أو الكائن الذي لا يمكن أن يتصور أكبر منه[2]. وقد لاقى هذا الدليل نقداً من قبل الفيلسوف كانط الذي بذل جهداً لدحض البرهان الوجودي، أو كشف عن الخطأ في النظر الى الوجود على أنه صفة، في حين أنه شيء خاص جداً لا يمكن رده إلى التصور[3].

وقد تابعه القديس بونافنتورا[4] في الدليل الانطولوجي ويرى أيضاً أن ضرورة وجود الله في النفس الإنسانية ترجع إلى أنه هو نفسه العلة الكافية لوجودها فينا[5]. أما القديس (توما الأكويني[6] فيرى أن مبحث الوجود يظهر من خلال الإجابة عن الاسئلة التالية: هل

(73)

وجود الله بيِّن بنفسه؟ هل الله يمكن إثبات وجوده، برهانياً؟ وأخيراً هل الله موجود؟ في مجال السؤال الأول يعرض توما الأكويني لرأيين: الأول من يرى أن وجود الله بيّن بذاته ولا يحتاج إلى برهان. وهو لا يوافق هذا الرأي. والثاني: يرى أن وجود الله ليس بيناً بذاته ويحتاج إلى دليل لإثباته، ثم يجيب عن السؤال الثاني في عرضه للأدلة البرهانية على إثبات وجود الله وأنه موجود واجب الوجود[1].

هذه آراء بعض فلاسفة العصر الوسيط في الوجود وننتقل إلى الفلسفة الإسلامية ونبدأها بالكندي[2]. حدد الكندي معنى للميتافيزيقا «الفلسفة الأولى» فيؤكد أن الموجودات المحسوسة هي تنتمي إلى العلم الطبيعي، أما الموجودات المعقولة فهي من اختصاص الفلسفة الأولى، وبهذا فإنَّ المنهج الذي اتبعته الفلسفة الأولى هو المنهج البرهاني الدقيق، وإنّ موضوعها أشرف موضوع ألا وهو الله تعالى ذلك الوجود الأزلي[3]. وقد استعمل الكندي مصطلح الأيس للدلالة على الوجود ويقابله الليس وهو العدم، وهو (الأيس) وصف للأزلي الذي لا يفسر.[4]

(74)

الفارابي[1]: يرى الفارابي أن الوجود يبحث في ثلاثة أمور، أولها: الوجود المطلق والأشياء التي تعرض لها بما هي موجودات، والثاني يبحث عن مبادئ البراهين في العلوم النظرية الجزئية، وأما الثالث فبحث فيها عن الموجودات التي ليست بأجسام ولا في أجسام ويبحث عن وجودها والبرهنة عليها ويتفحص الكثرة والتناهي في تلك الموجودات ومعرفة مراتبها[2]. والموجود الأول هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها، وهو بريء من جميع أنحاء النقص، وكل ما سواه فليس يخلو من أن يكون فيه شيء من أنحاء النقص[3].

ابن سينا[4]: يرى ابن سينا أنَّ الوجود يتمثل في الموجود الأول وهو الله تعالى فيقول «الله الباري عز وجل لا حدّ له ولا رسم، لأنه لا جنس له ولا فصل له، ولا تركيب فيه ولا عوارض تلحقه... وهو الموجود الواجب الوجود الذي لا يمكن أن يكون وجوده من غيره، وأن لا يكون وجود لسواه إلاّ فائضاً عن وجوده[5].

(75)

ومن تجليات هذا المصطلح عبر التاريخ دلالته على مفهوم الأيس «وهو مصطلح مهجور في اللغة العربية. علم الأيس، Esse، الكون ككل، وهو يشير إلى باب من أبواب الفلسفة ينظر عقلاً في الكون من حيث هو كون، وبما أن للكليات الروحية والمادية بعض الخواص العامة مثل الوجود، الإمكان، الديمومة، فإن فحص هذه الخواص يشكل أولاً هذا الفرع الفلسفي الذي تستعير منه الفروع الأخرى كلها بعضًا من مبادئها، إنها تسمى الأيسية، أو علم الكون، أو الميتافيزيقا العامة[1]. وتستعمل كلمة «أيسية» للدلالة بلا التباس على الميتافيزيقا الجوهرانية، التي تتخذ موضوعاً لها، الإلمام من وراء المظاهر بالأشياء بذاتها، في مقابل الميتافيزيقا بالمعنى الانتقادي، أي مجمل المعارف التي يمكن وضعها مسبقاً في كل راتوب معارف[2].وقد أشرنا الى أن الكندي هو أول من استعمل هذا المصطلح الذي هو الأيس ويقابله الليس وتابعه على ذلك الفلاسفة اللاحقون[3].

الغزالي[4]: يرى الغزالي أن الوجود عقلٌ مجرد يصدر من الأول وليس له من الأول الفرد إلاّ الوجود الفرد الواجب به، فأما الإمكان فله من ذاته لا من الأول، بل يعرف ذاته ويعرف مبدئه وإن كان يعرف ذاته من مبدئه لأن وجوده منه ولكن يختلف حكمه بذلك

(76)

فيحصل منه باعتبار هذه الكثرة[1]. وأما وجهة تلك الكثرة فهو الأول الواحد الحق إذ وجوده وجودٌ محضٌ وإنيته عين ماهيته، وما عداه فهو ممكن، وكل ممكن فوجوده غير ماهيته[2].

ابن رشد[3]: الوجود عند ابن رشد يعني أن الوجود والماهية شيء واحد ولذلك فهو يخطِّئ ابن سينا والفارابي لأنهما يجعلان الوجود مضافاً إلى الماهية[4].

 الفلسفة الحديثة:

أما الفلسفة الحديثة فقد تعاملت مع الوجود (الأنطولوجيا) على أنها الميتافيزيقا الصرفة، فقد تزعم الاتجاه الأول في هذه الحقبة الفيلسوف بيكون وهو يمثل الاتجاه التجريبي البيكوني الذي نظر إلى الوجود من خلال منهجه التجريبي وأن الوجود مبحث ميتافيزيقي وأن الموجودات توجد من خلال مادتها الأدنى فتخضع للتركيب وتكوين موجودات أخرى، وقد تميز عن منطق أرسطو بكتابه المنطق الجديد[5].

(77)

أما الاتجاه الثاني والذي مثله الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت والذي نسب إليه أيضاً وسمي الاتجاه العقلي الديكارتي، ثم جاء الفيلسوف كانط ليتقدم بنقده للمثالية العقلانية لديكارت، وأثبت أن وجود العالم المادي الخارجي موجود، وأننا ندركه إدراكاً حسياً مباشراً، ومن ثم فإن معرفتنا له معرفة يقينية هذا أولاً، وثانياً البرهان على أنَّ شعوري بوجودي غير ممكن إلا بالقياس إلى وجود هذا العالم الخارجي وشعوري أنه متميز عني[1]. ولأجل أن يثبت الفيلسوف كانط وجود العالم الخارجي برهن على هذا الوجود ببرهان فلسفي... إذ يعتمد هذا البرهان على نظريتين أساسيتين هما نظريته في الجوهر وجانب من نظريته في المعرفة وهو ما يسميه «الحس الداخلي»[2].

أما الانطولوجيا التي نحن بصدد معرفة المفاهيم التي اندرجت تحتها لتأخذ هذا المصطلح فقد أخذت منحنى آخر مع أول من وضع هذا المصطلح والمنظرين له.

حيث ظهر هذا اللفظ الأنطولوجيا Ontology أول مرة عام 1613م في القاموس الذي وضعه رودولف غوكينيوس Rudolf Goclenius. وأول من استخدم هذا المصطلح عنواناً لكتاب هو كريستيان فون وولف (1679م ـ 1754) Christian von Wolf في القرن الثامن عشر[3].

(78)

 

 

 

 

 

 

المبحث السادس:

النقد والتحليل للمصطلح بالاعتماد على

التراث الإنساني الإسلامي وغير الإسلامي

 

(79)

المبحث السادس: النقد والتحليل للمصطلح بالاعتماد على التراث الإنساني الإسلامي وغير الإسلامي

لقد استخدم مصطلح (أنطولوجيا) ليدل على عدة مفاهيم أو مجموعة من المفاهيم في اختصاص معين فقد كان استعمال كلمة ميتافيزيقا عند كانط قد تطور ويتم استكماله بمعنى مثالي ونقدي، كأنه يرغب في إعطاء معنى جديدًا لكلمة «أيسية» «أنطولوجيا»: كان يحدد وظيفتها بتحديد منظومة كل مفاهيم الإدراك العقلي ومبادئه، التي هي في مذهبه، من ناحية أخرى معادلة للمتعاليات «transcendentia» المدرسية»[1].

إن هذا المفهوم للمصطلح يواجه إشكالية كبيرة بين الفلاسفة فكلٌّ يوظف هذا المصطلح بحسب رؤاه ومذهبه الفلسفي، فالنقد الموجه إلى المصطلح يأخذ اتجاهين: الأول: النقد الذاتي للمصطلح أو بعبارة أخرى نقد المصطلح ذاته.

والاتجاه الثاني: هو نقد المفاهيم التي تندرج تحت هذا المصطلح، أو نقد المذاهب الفلسفية التي وضعت هذا المصطلح في حقول فلسفتها.

وأبتدئ بالاتجاه الأول: والذي يقوم على نقد مصطلح (الأنطولوجيا) باعتباره ثوباً فضفاضاً تندرج تحته كل ألوان الوجود مثل الأيس أو الوجود الواجب الوجود وهو الله تعالى، والليس: وهو العدم الممكن أو اللاوجود أو الكون أو العالم.

(80)

واللوغوس: وهو الواسطة بين الخالق والمخلوق أو الواجب والممكن على حد ألفاظ الفلاسفة. وكذلك يمكن أن تندرج تحته كل هذه الالوان الوجودية وحتى عناصر الطبيعة التي تعبر عن الموجودات بكثرتها. بل وحتى الوحدة الوجودية التي قال بها كثير من الصوفية.

فلقد جرت محاولات لتركيب علم وجود جديد من خلال فكرة الأنطولوجيا الجديدة وليكون علم الوجود هذا معبراً عن نسق من المفهومات الكلية في الوجود متصورة بمساعدة حدس فوق الحواس وفوق العقل[1]. إن الإشكالية الحقيقية في هذا المصطلح تكمن في أنه تجاوز الأهداف التي سوف نقوم بمناقشتها.

أولاً: إن الهدف الرئيسي من وضع مصطلح الأنطولوجيا كما ذكرنا سابقاً هو تحديد طبيعة الواقع أو معرفتها من خلال تحديد المفاهيم والكيانات في ميدان معين والذي اشتمل على مفهوم الوجود الذي يقابله العدم والوجود الواجب الذي يقابله الوجود الممكن. والوجود الواقعي الذي تقابله الماهية والوجود بالقوة الذي يقابله الوجود بالفعل. كل هذه المفاهيم دخلت ضمن مصطلح الأنطولوجيا، ولكن سرعان ما أخذ المصطلح ينحو منحى آخر نحو مفاهيم أخرى لغوية وسياسية وأخيراً استخداماته في المعلومات والحواسيب والويب الدلالي وخرائط المفاهيم.

ثانياً: نشأ المصطلح ليحل مشكلة الغموض الدلالي والمفاهيمي ولكنه قد جرّنا إلى غموض أكبر حيث تنقل بين

(81)

علوم شتى فصار لا يطلق مجرداً وإنما يفهم تخصصه من خلال ملازمته لإضافة علم آخر مثل أنطولوجيا اللغة، والأنطولوجيا السياسية، وأنطولوجيا المعلومات والويب الدلالي وغير ذلك. في حين أنه قد وُضع أساسًا ليدل على المفاهيم المنطوية تحت علم الوجود حصراً.

ثالثاً: بعد أن كان مصطلح الأنطولوجيا قد وُضع ليشمل المفاهيم في مجال موضوعي ضيق وهو علم الوجود، صارت الأنطولوجيات تقدم معاني واضحة لتتمكن الآلات من أن تعالج المعلومات الموجودة على الويب وتجهزها أتوماتيكياً[1].

وهذا النقد موجه إلى المصطلح في ذاته. أما في ما يخص التطورات التي اندرجت تحت هذا المصطلح فقد تباينت، ونقد كل اتجاه رؤيا الاتجاه الآخر المخالف له. فقد نجت فلسفة أفلاطون من مشكلة التفريق بين الوجود والماهية Essence التي ابتكرها أرسطو لاحقاً... ولاحظ أن (الوجود يقال على أنحاء متفرقة)[2]، واضطر إلى التفريق بين الوجود والماهية للوصول إلى ما هو (جوهر) في الأشياء وما هو «عرض»، كذلك فرّق بين الوجود بالفعل وبين الوجود بالقوة، وتوصل إلى أن الفلسفة الأولى هي التي تتناول بالدراسة «الجواهر المفارقة» وأعلى أنواعها الجوهر الاول الله. وأهم الصعوبات التي تعرضت لها الأنطولوجيا في الحقبة اليونانية تعود الى الاستخدام غير الدقيق لفعل الكون «Etre»، فمنذ أن وضع أرسطو فعل الكون في كل مكان «بدلاً من أي فعل»، اضطر المناطقة إلى التفرقة بين

(82)

وظيفة فعل الكون بوصفه رابطة منطقية من جهة وبين المعاني اللغوية العادية من جهة أخرى[1].

ومن الواقعية الأرسطية إلى المادية والتي ابتدأت مع الفلاسفة الطبيعيين ثم امتدت عبر الأبيقورية وزعيمها أبيقور الذي «سلّم بأبدية المادة وبأنها تحتوي في جوفها على مصدر حركتها. وبدأ يحيي من جديد المذهب الذري عند لوقيبوس وديمقريطس، مضيفاً بعض التغييرات عليه والخاصة به[2].» أما في العصر الحديث، فنجد أن النظرة العلمية التي سادت هذا العصر أدت الى أن المادة في هذا العصر مختلفة عن العصر القديم... وأصبحت تدرك المادة على اساس التفسير الهندسي ولا تتحكم في حركتها إلا القوانين الميكانيكية الآلية، ومن هنا فقد سادت الفلسفة الحديثة النزعة الآلية[3].

أما ديكارت فقد عبر بوجه خاص عن ذلك حين فرق بين المادة من جهة والنفس من جهة أخرى وخص المادة بصفة الامتداد والحركة الآلية، وخص النفس بالحياة والفكر[4]. في حين يناقش مالبرانش الامتداد فيتساءل عن معناها -أي المادة-... رافضاً التسليم بأن هذه المعاني تصدر عن أشياء موجودة بذاتها في الخارج، وكذلك يستبعد القول بإحداث العقل الانساني لهذه المعاني أو بفطريتها، لأنها ذات طبيعة لا نهائية، فهي بذلك تفوق قدرة العقل[5]. إلا أنهما

(83)

يتفقان على أن الله هو الذي يصنع هذه الحقيقة ـ أي الامتداد للعالم الخارجي[1]، في حين نجد أن ليبنتز يرى في مسألة وجود العالم الخارجي، أن المادة لا يمكن أن تسمى باسم «الجوهر» بل هي «مونادات» صغيرة. وهذه المونادات مهما صغرت فهي عالم من المخلوقات، والكائنات الحية[2].

وبمقابل هذا الموقف الذي تبناه فلاسفة العقل أو الاتجاه العقلي نجد موقفًا آخرَ للفلاسفة التجريبيين: جون لوك (1704م) وأيضاً ديفيد هيوم (ت 1776م) وجورج باركلي (ت 1753م) وأيضاً توماس هوبز (ت 1679م) الذين يرون أن معرفتنا بالعالم المحيط بنا بدأت بالإدراك الحسي، أما معرفتنا بأنفسنا فإنها تتم عن طريق الاستبطان أو التفكير (Reflection)، والتجربة الحسية، Sense expenience، لأن الاحساس لا يمدنا بمعرفة مباشرة للعالم الخارجي كما هو في واقعه الخارجي بل هو يمد العقل بمادة عمله فحسب[3].

وينتقدون أصحابَ هذا الاتجاه المثالي فيرون أن جميع الأفكار المجردة (المثل بلغة أفلاطون)، ليست إلا مجرد الفاظ لا وجود لها في الواقع... إن كل الاشياء التي نسميها مادة هي موضوع لتجربتنا، وهي بهذا الوصف لا توجد في نظرنا إلا بوصفها «إدراكات»، فعندما نقول أن الشجرة موجودة فنحن نقول أن لدينا إدراكاً حسياً أو تجربة نطلق عليها اسم الشجرة[4].

(84)

ولم يكن هذا الرأي في الأنطولوجيا التي تعني الكون والعالم بحسب رؤية الفلاسفة التجريبيين بل كانت محل نقد من قبل الفلاسفة اللاحقين لا سيما رائد الوضعية المنطقية الفيلسوف برتراند رسل (ت 1970) الذي يرى أن دوافع ما ذهب إليه هؤلاء الفلاسفة، بالأخص باركلي، هو أن الرأي التجريبي الذي صرح به لوك وإن لم يكن قد طبقه دائماً بصورة مستقلة يجعل من فكرة الموضوع باطلة[1].

إن هذه الافكار قد تكون مثالية ذاتية على غرار المثالية الذهنية التي قال بها أفلاطون. وفي ضوء ذلك فإن الفيلسوف كانط قد أعلن رفضه لهاتين المثاليتين وكان هدفه من ذلك أولاً: البرهنة على أن وجود العالم المادي الخارجي موجود، وإننا ندركه إدراكاً حسياً مباشراً، من ثم فإن معرفتنا له معرفة يقينية. والثاني: البرهان على أن شعوري بوجودي غير ممكن إلا بالقياس إلى وجود العالم الخارجي وشعوري أنه متميز عني[2].

ولقد أتاح هذا النقد فرصة لقيام علم وجود جديد أكثر كمالاً «وهو الميتافيزيقا» أو الاستعاضة عنه بالفلسفة المتعالية عند كانط، أي بمنظومة المفهومات والمبادئ العقلية التي توجد ما قبل التجربة، أو بمذهب المثالية المتعالية عند «شيلنغ» أو بالمنطق الذي فهم به هيغل الأنطولوجيا على أنها العلم الديالكيتيكي حول الماهيات المجردة المحددة[3]. بمعنى أن الذات أو الأنا أو الكينونة

(85)

لم تجد لها طريقًا آخرَ سوى الفلسفة للإجابة على ما يحقق الوجود وما به يكون، وكأن ديكارت لم يأت بشيء جديد ـ في مقولته؟ (أنا افكر، إذًا أنا موجود)، وفي منطق الألفاظ وتبديلها يصح أن نقول «أنا اسأل، إذًا انا موجود»، على القدر الذي ارتبط فيه السؤال ببنية الفكر، إنها نوعاً من الجدل بين كليهما[1].

ونختم هذا النقد للمصطلح من خلال نقد الأفكار التي تنطوي تحته ومن أهمها النقد الذي وجهه السيد محمد باقر الصدر في كتابه (فلسفتنا) من خلال عرضه للنقد المتبادل بين هذه التيارات الفلسفية موضحاً أن للإسلام وفلاسفته رأياً في المسألة لا بد أن يوضع تحت مجهر المعرفة الإنسانية. ونأخذ باختصار نقده لنظرية الاستذكار الأفلاطونية «وهي النظرية القائلة بأن الإدراك عملية استذكار للمعلومات السابقة وقد ابتدع هذه النظرية أفلاطون وأحكامها على فلسفته الخاصة عن المثل، وقدم النفس الإنسانية... فالتصورات العامة سابقة على الإحساس، ولا يقوم الإحساس إلا بعملية استرجاع واستذكار لها، والإدراكات العقلية لا تتعلق بالأمور الجزئية التي تدخل في نطاق الحس، وإنما تتعلق بتلك الحقائق الكلية المجردة[2].

ثم يقدم نقده لهذا المفهوم للوجود فيقول: «وهذه النظرية ترتكز على قضيتين فلسفتين: إحداهما: أن النفس موجودة قبل وجود البدن في عالم أسمى من المادة، والاخرى: أن الادراك العقلي عبارة

(86)

عن إدراك الحقائق المجردة الثابتة في ذلك العالم الأسمى، والتي يصطلح عليها أفلاطون بكلمة «المثل»[1].

وكلتا القضيتين خاطئتان ]خاطئة[ كما أوضح ناقدو الفلسفة الأفلاطونية، فالنفس في مفهومها الفلسفي المعقول ليس شيئاً موجوداً بصورة مجردة قبل وجود البدن، بل هي نتاج حركة جوهرية في المادة... وأما المفهوم الأفلاطوني الذي يفترض للنفس وجوداً سابقاً على البدن فهو أعجز ما يكون عن تفسير هذه العلاقة، وتعليل الارتباط القائم بين البدن والنفس»[2].

ثم يقوم نقده لمفهوم الأنطولوجيا أو الوجود لدى العقليين فيقول: «والذي اضطر العقليين الى اتخاذ هذه النظرية في تحليل التصورات البشرية، هو أنهم لم يجدوا لطائفة من المعاني والتصورات مبرراً لانبثاقها عن الحس لأنها معانٍ غير محسوسة، فيجب أن تكون مستنبطة من النفس استنباطاً ذاتياً من صميمها، ويتضح من هذا أن الدافع الفلسفي إلى وضع النظرية العقلية يزول تماماً إذا استطعنا أن نفسر التصورات الذهنية تفسيراً متماسكاً من دون حاجة إلى افتراض أفكار فطرية، ولأجل ذلك يمكننا تفنيد النظرية العقلية عن طريقين:

أحدهما: تحليل الإدراك تحليلاً يُرجعه برمته إلى الحس وييسر فهم كيفية تولد التصورات كافة عنه. فإن مثل هذا التحليل يجعل نظرية الأفكار الفطرية بلا مبرر مطلقاً لأنها كانت ترتكز على فصل بعض المعاني عن مجال الحس نهائياً، فاذا أمكن تعميم الحس

(87)

لشتى ميادين التصور لم تبق ضرورة للتصورات الفطرية وهذا الطريق هو الذي اتخذه جون لوك للرد على ديكارت ونحوه من العقليين وسار عليه رجال المبدأ الحسي مثل باركلي و ديفيد هيوم. بعد ذلك يواصل نقده من خلال طريق آخر فيقول: والطريق الآخر هو الأسلوب الفلسفي للرد على التصورات الفطرية ويرتكز على قاعدة أن الآثار الكثيرة لا يمكن أن تصدر عن البسيط باعتباره بسيطاً، والنفس بسيطة فلا يمكن أن تكون سبباً بصورة فطرية لعدة من التصورات والأفكار، بل يجب أن يكون وجود هذا العدد الضخم من الإدراكات لدى النفس بسبب عوامل خارجية كثيرة، وهي آلات الحس وما يطرأ عليها من مختلف الأحاسيس[1].

ثم يقول: ونقد هذا البرهان بصورة كاملة يتطلب منا أن نشرح القاعدة التي قام على أساسها، ونعطي إيضاحاً عن حقيقة النفس وبساطتها، وهذا ما لا يتسع له مجالنا الآن ولكن يجب أن نشير ـ إلى خلاصة مفادها أن ـ النظرية العقلية على ضوء هذا التفسير لا يمكن أن ترد بالبرهان الفلسفي أو الدليل العلمي السابق ذكرهما[2].» ثم يقدم نقده للمنهج التجريبي وفلاسفته[3]. وهذا النقد والتحليل موجه لمصطلح الأنطولوجيا والمفهومات التي اندرجت تحته ورؤى أصحابها[4].

(88)
المؤلف في سطور ياسين حسين علوان الويسي أستاذ حاضر في جامعة بغداد - كلية العلوم الإسلامية العراق . - باحث في الفلسفة الإسلامية . مؤلفان منشورة : 1- السهروردي الإشراقي ونقده للفلسفة اليونانية . 2- الكلمة واللوغوس في الفكر الفلسفي والديني من تراث الإباضية العقائدي . 3- التصوف والعرفان - دراسة في المفاهيم والأصول والنظريات . 4- تحقيق كتاب النغمة المسكية في شرح الأسماء التدريسية . له أيضا العشرات من الأبحاث والدراسات في ميدان الفلسفة والتصوف المقارن .
هذا الكتاب الأنطولوجيا تبحث هذه الدراسة في مصطلح الانطولوجيا كأحد أهم المفاتيح المعرفية التي أخذت هذا المصطلح المحوري مساحة واسعة في عالم الفلسفة قديما وحديثا . ولقد سعى الباحث إلى مقاربة من وجه كونه مفهوما مؤسسا لعلم الوجود، فضلا عن حضوره البين في مجمل فروع الفلسفة الحديثة . من المقدمة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]