فهرس المحتويات

مقدمة المركز | 7

إهداء | 9

الفصل الأول: الخلفية التاريخية، ظروف النشأة وأقطاب الدائرة

1. ظهور دائرة فيينا | 18

3. بعض أقطاب دائرة فيينا | 23

4. فريدريك ألبرت موريتس شليك | 23

5. رودولف كارناب | 28

6. أوتو نويراث | 32

7. هانس رايخنباخ | 36

الفصل الثاني: الانتشار الجغرافي لدائرة فيينا وتأثيرها في ميادين أخرى

أ. الانتشار الجغرافي لدائرة فيينا | 40

ب. التأثير في السياسة | 44

ج. التأثير في القانون | 50

د. التأثير في الإقتصاد | 55

الفصل الثالث: الخلفية الأيديو - فكرية لدائرة فيينا

أ. دافيد هيوم | 62

ب. أوغست كونت | 65

ج. إيرنست ماخ | 68

د. فيتغنشتاين | 71

2. الخلفية الفكرية لدائرة فيينا | 74

الفصل الرابع: مرتكزات دائرة فيينا كنظرية معرفة​

1. أسس دائرة فيينا | 78

ب. اللغة | 81

ج. مبدأ التحقق | 83

3. انتقادات دائرة فيينا | 90

الفصل الخامس: كيف يجب فهم تأثير دائرة فيينا على الأمة العربية والإسلامية؟​

1. ملاحظات عامة فيما يخص دائرة فيينا والوضعية المنطقية | 102

2. النتائج البعيدة المدى للنزعة الوضعية والوضعية الجديدة | 109

3. نسبية المعرفة | 128

خاتمة | 152

بعض المراجع المعتمدة في هذه الدراسة | 160

العتبة العباسية المقدسة المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية سلسلة مصطلحات معاصرة 24 دائرة فيينا (الوضعية المنطقية) نشأتها وأسسها المعرفية التي قامت عليها د.حميد لشهب
هذه السلسلة تتغيا هذه السلسلة تحقيق الاهداف المعرفية التالية: أولا:الوعي بالمفاهيم واهميتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الانسانية وادراك مبانيها وغاياتها ، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الافكار ، والتعرف على النظريات والمناهج التي تتشكل منها الانظمة الفكرية المختلفة. ثانيا:إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها.لا سيما وان كثيرا من الاشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقة. ثالثا:بيان حقيقة ما يؤديه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب،وما يترتب على هذا التوظيف من آثار سلبية بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرض لها المجتمعات العربية والاسلامية وخصوصا في الحقبة المعاصرة. رابعا:رفد المعاهد الجامعية ومراكز الابحاث والمنتديات الفكرية بعمل موسوعي جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية ، ومجال استخداماته العلمية،فضلا عن صلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية

الفهرس

مقدمة المركز7

إهداء9

الفصل الأول: الخلفية التاريخية، ظروف النشأة وأقطاب الدائرة

1. ظهور دائرة فيينا18

3. بعض أقطاب دائرة فيينا23

4. فريدريك ألبرت موريتس شليك23

5. رودولف كارناب28

6. أوتو نويراث32

7. هانس رايخنباخ36

الفصل الثاني: الانتشار الجغرافي لدائرة فيينا وتأثيرها في ميادين أخرى

أ. الانتشار الجغرافي لدائرة فيينا40

ب. التأثير في السياسة44

ج. التأثير في القانون50

د. التأثير في الإقتصاد55

الفصل الثالث: الخلفية الأيديو - فكرية لدائرة فيينا

أ. دافيد هيوم62

(4)

الفهرس

ب. أوغست كونت65

ج. إيرنست ماخ68

د. فيتغنشتاين71

2. الخلفية الفكرية لدائرة فيينا74

الفصل الرابع: مرتكزات دائرة فيينا كنظرية معرفة

1. أسس دائرة فيينا78

ب. اللغة81

ج. مبدأ التحقق83

3. انتقادات دائرة فيينا90

الفصل الخامس: كيف يجب فهم تأثير دائرة فيينا على الأمة العربية والإسلامية؟

1. ملاحظات عامة فيما يخص دائرة فيينا والوضعية المنطقية102

2. النتائج البعيدة المدى للنزعة الوضعية والوضعية الجديدة109

3. نسبية المعرفة128

خاتمة152

بعض المراجع المعتمدة في هذه الدراسة160

(5)
(6)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة في سياق منظومة معرفيّة يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى درس مفاهيم شكلت ولما تزل تشكّل مرتكزات أساسيّة في فضاء التفكير المعاصر وتأصيلها ونقدها.

وسعياً إلى هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطة برامجيّة شاملة للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضوراً وتداولاً وتأثيراً في العلوم الإنسانيّة، ولا سيّما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسيّ، وفلسفة الدين والاقتصاد وتاريخ الحضارات.

أمّا الغاية من هذا المشروع المعرفيّ فيمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزيّة في تشكيل المعارف والعلوم الإنسانية وتنميتها وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورة للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرّف إلى النظريّات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكريّة المختلفة.

ثانياً: إزالة الغموض عن الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالباً ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيّما وأن كثيراً من الإشكاليات المعرفيّة ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقيّة.

ثالثاً: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام

(7)

الحضاريّ بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثار سلبيّة بفعل العولمة الثقافيّة والقيميّة التي تتعرّض لها المجتمعات العربيّة والإسلاميّة وخصوصاً في الحقبة المعاصرة.

رابعاً: رفد المعاهد الجامعيّة ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكريّة بعمل موسوعيّ جديد يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحيّة، ومجال استخداماته العلميّة، فضلاً عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى. وانطلاقاً من البعد العلميّ والمنهجيّ والتحكيميّ لهذا المشروع فقد حرص لامركز على أن يشارك في إنجازه نخبة من كبار الأكاديميّين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربيّ والإسلاميّ.

 *   *    *

تنظر هذه الدراسة ضمن سلسلة مصطلحات معاصرة في "دائرة فيينا" كتيار فلسفي ـ ايديولوجي شغل مساحة وازنة في فضاء الثقافة الغربية الحديثة.

يناقش الكتاب الظروف التاريخية والفكرة التي رافقت ولادة هذا التيار والأسس المعرفية التي قام عليها، والميادين العلمية والثقافية التي كان له عظيم الأثر على تحديد اتجاهاتها.

كما يتناول الباحث الانعكاسات الفكرية لهذا التيار على البيئات الثقافية والاكاديمية في العالمين العربي والإسلامي.

 

والله وليّ التوفيق

(8)

 

 

إهداء

 

إلى الروح الطاهرة

لوالدي بوشتي لشهب،الذي

علمني الأمانة في القول والعمل،والرأفة

بالضعيف من البشر والحيوان،والالتزام

بحق المظلوم من الأفراد والشعوب والزهد

في الحياة والاكتفاء بما أحتاجه

وعدم الإسراف في الرزق والقول.

(9)

مقدمة المؤلف

ظهرت «دائرة فيينا» بين الحربَين العالميتين في العاصمة النمساوية، التي عُرفت آنذاك كمنصة أنتجت واستقبلت وصدّرت الكثير من المعارف في مختلف الميادين. وعلى الرغم من عمرها القصير، فإن فلسفة دائرة فيينا انتشرت بوتيرةٍ سريعةٍ جدًا في القارة الأوروبية وأثناء الحرب العالمية الثانية في الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان كثيرة في العالم، بما في ذلك العالم العربي. وقد نعتبر هذه الدائرة استمرارًا لمحاولة النزعة العلمية فرضَ هيمنتها وفرض منطقٍ علميٍ محض، بأدواته ومناهجه وطرق تحليليه لبياناته وتأويلاته للمعطيات. وتميّزت هذه الهيمنة بإقصاء كل ما لا يدخل في العالم التجريبي المختبري والمنطق الرياضي من حضيرة العلم، بل فرضت على كل العلوم الأخرى، وبالخصوص العلم-إنسانية منها، «تأشيرة» دخول، بل ولربما رسوم دخول، متمثلةً بلبس معطف الرياضيات والمنطق. كما أنها عملت على إقصاء و«نفي» الميتافيزيقا جملةً وتفصيلًا واتهامها بعدم الجدوى وغياب المعنى فيها.

إضافةً إلى هذا، لم يحاول ناقلو الوضعية المنطقية إلى العالم العربي والمسلم تركيب مقولات هذا الاتجاه الفلسفي وفهم أسسه وأهدافه القصوى، بقدر ما اكتفوا بعرضه وتقديمه كمادةٍ خام، بل وفي كثير من الأحيان بطريقةٍ جِدِّ رديئة، إن على المستوى المعرفي أو اللغوي. ولعل محاولة «استيراد» فكر دائرة فيينا ونشره في ثقافتنا،

(10)

بالطريقة التي ذكرناها، هو أكبر خطر على هويتنا الثقافية والحضارية: «وتمت بالمقابل عملية اتصال بالآخر والاقتباس منه، لكن هذا الاقتباس لا يقف بين كلية النظرية، بل النظريات الجزئية منطلق من إمكانية استعارتها لأنها صلحت للغرب، وهذا محكوم بعلاقة القوة بين هذه الثقافات والثقافة الغربية، من دون وعي بخصوصيتها، وقوعًا تحت موقف ليبرالي مفرط، سيقود الثقافات اللاغربية إلى نتائج مضللة وخطيرة، ولا سيما إذا تعاملت مع نظريات الغرب عن تاريخه الخاص بوصفها نظريات يمكن أن تصلح لتاريخها أيضًا»[1].

من هنا، نعتبر دراستنا هذه تصحيحًا للمسار وفتحًا لخندق فهمٍ جديدٍ لكل التيارات الفلسفية الغربية، وبالخصوص المعاصرة منها. لا نرفض في دراستنا هذه الفكر التجريبي المنطقي لدائرة فيينا مبدئيًا، ولا نقبله عن اقتناع ودون مناقشة، بقدر ما نحاول فهم أسسه العامة ومدى تأثيره السلبي على العالم الفيزيقي والإنساني عامةً، وعلى حضارتنا الإسلامية بالخصوص؛ ليس من منطق دفاعٍ أعمى عن خصوصيتنا المسلمة بإيجابياتها وسلبياتها، بل بوضع الإصبع على نزعة الهيمنة التي تسبّبت فيها هذه الفلسفة في الميدان السياسي والاقتصادي والقانوني والأيديولوجي في مراكز القرار في الغرب، وتطبيق هذه النزعة في الميدان السياسي الفعلي على الشعوب المغلوبة على أمرها، ومنها الشعوب المسلمة: «من وجهة نظرٍ مناهضة للاستعمار، فالحداثة هي مشروعٌ تحضُّريٌ كان منذ نشأته

(11)

في القرن السادس عشر مشروعًا إباديًا واستعماريًا وأورومركزيًا ... إذا بدأنا من عام 1492 فلن نجد مهربًا لإخفاء الوجه الحالك لمسار الحداثة المرتبط بالتوازي مع الاستعمار، فكل ما يُدعى «مشروع الحداثة» بدأ مع ما سُمي باكتشاف العالم الجديد، وما خلّفه ذلك من ثراء وتراكم الرأسمال على الصعيد العالمي الذي بدأ مع إسبانيا ثم انتقل لاحقًا إلى باقي أوروبا»[1].

عكفنا في دراستنا هذه على تتبُّع تاريخ دائرة فيينا، وذكر أهم ممثليها، واستقراء خلفياتها الأيديو-فكرية وأسسها كنظرية للمعرفة، ورفضها للميتافيزيقا، والفضاءات الجغرافية لانتشارها، والميادين الفكرية التي أثّرت فيها. كما حاولنا عرض الانتقادات التي وُجّهت إليها، وتأمّلنا النتائج البعيدة المدى للنزعة الوضعية والوضعية المنطقية الجديدة في علاقتها بتراثنا العربي والمسلم. وبما أن الوضعية المنطقية الجديدة شبعت عرضًا وتقديمًا في العالم العربي المسلم، فإننا اكتفينا هنا بتقديمها بتركيز كبير، ولكل من يريد التعمق في معرفة أسسها وممثليها وغير ذلك الرجوع إلى مختلف المؤلفات التي تفضل بها باحثونا والترجمات المتعددة التي أثرى بها بعض مفكرينا معرفتنا لهذه الدائرة.

قد يتساءل سائلٌ: وما جدوى إضافة دراسة جديدة لدائرة فيينا، بما أن هناك ما يكفي في ساحتنا الثقافية العربية والإسلامية؟ والجواب بسيط للغاية، يتمثل في كوننا لم ننطلق من زاوية التمجيد

(12)

أو الدحض والرفض لهذه الدائرة ـ كما قلنا سابقًا ـ، بقدر ما توغّلنا فيها، معتبرين إياها موضوع دراسة وليس «مفتاحًا» سحريًا قد يساعدنا لسد ثغرة ما في «تأخُّرنا» أو توفير لبنةٍ من أجل بناء نهضةٍ عربيةٍ مسلمةٍ متعثرةٍ منذ قرون. إضافةً إلى هذا، وبحكم معرفتنا الكافية باللغة الألمانية ـ لغة دائرة فيينا الأصلية ـ، فقد فُتحت لنا إمكانية التعامل مع الدائرة مباشرة ودون وسيط لغوي آخر، سواء أكان إنجليزيًا أو فرنسيًا. وهذه الإمكانية مهمةٌ جدًّا، لم تتوفر في الغالبية العظمى ممن اهتموا وأنتجوا نصوصًا عن الدائرة في العالم العربي الإسلامي. أضف إلى ذلك أننا نُعايش ونُعاين عن كثب في ربع القرن الأخير صحوة دائرة فيينا، المتمثلة بدراساتٍ عديدةٍ عنها، سواء في العالم الجرماني أو العالم الغربي بصفة عامة. فقد تمكن المرء من نشر نصوصٍ لأقطاب هذه الدائرة لم تكن متوفرةً، أو إعادة نشر مؤلفات المشاهير منهم من جديد.

تتمثل «القيمة المضافة» التي أتى بها بحثنا هذا عن دائرة فيينا في كوننا ربطنا منطلقات هذه الدائرة بمختلف التأثيرات التي مارستها في ميادين مختلفة، وتأمّلنا نتائج هذا علينا كأمةٍ عربيةٍ ومسلمة، بل «نجحنا» في وضع الإصبع على بعض ميكانيزمات اشتغال هذه الدائرة في تبسيط وتسهيل هيمنة صاحب القرار في الغرب على شعبه وعلى الشعوب الأخرى. بمعنى أننا فهمنا بما فيه الكفاية لا تسخير الإتجاهات الفلسفية في الغرب لقضاء مآرب سياسيةٍ ذات نزعةٍ مهيمنةٍ فقط، بل عرينا على الارتماء «المجاني» لدائرة فيينا في أحضان صاحب القرار، وبالخصوص في تأثير الدائرة في ميدان

(13)

السياسة والاقتصاد والقانون. بمعنى أن الوضعية المنطقية، مُمثلةً بدائرة فيينا، قدّمت في تأثيرها البعيد المدى لرجل السياسة وصاحب القرار تبريراتٍ لممارساته الظالمة تجاه شعبه والشعوب الأخرى. ويتجلّى هذا بوضوح في التطورات الحالية لليبرالية[1] (البنت الشرعية للوضعية والوضعية المنطقية).

لا نزعم الكمال في دراستنا هذه، بل ننادي إلى ضرورة توسيع دراستنا لدائرة فيينا في الجامعات والمعاهد العربية والإسلامية لفهمٍ شاملٍ وصحيحٍ لمنطلقاتها ونتائجها وتقويم سبل التعامل مع الفكر الغربي في أوطاننا تقويمًا جديدًا، لأن الموضوعانية والموضوعية والحياد الذي يوهمنا المرء بأن هذه العلوم تتمتع بها، يُخفي في ثناياه أيديولوجياتٍ تكون نتائجها خطيرةً علينا وعلى مشاريعنا النهضوية.

كان مفعول الوضعية المنطقية الجديدة الذي مثّلته دائرة فيينا كبيرًا على الساحة الفكرية والثقافية العربية والإسلامية، ولم يكن اهتمام رجالات فكرنا بهذه الفلسفة بروحٍ من المسؤولية تجاه هويتنا الثقافية واستبيان ما قد يُضمره من مخاطر على ثقافتنا، بقدر ما كان يعبّر عن حماسٍ مغالى فيه للكثير من مفكرينا ومحاولة «غرس» شجرة دائرة فيينا، دون الانتباه إلى شروط هذا الغرس ومخاطره. فليس هناك فلسفة غربية لا تحمل في طياتها أيديولوجياتٍ معيّنة، بل تخدم أَجنْدَاتٍ كولونياليةٍ محددة، حتى وإن أعلنت رسميًا محايدتها ورغبتها في «الالتزام» بالموضوعية.

(14)

بهذا يريد الجابري أنه ممكن النظر إلى ثقافة الآخر الغربي من خلال أفق الهوية التي فيها قواعد للنظر إلى الآخر، ومن هنا يؤكد «أنه لا بد من الامتلاء بالثقافة العربية والتراث العربي الإسلامي عند الخوض في الحداثة الأوربية، فالامتلاء بالثقافة العربية الإسلامية هو امتلاء الهوية، وبدون هويةٍ ممتلئةٍ بمقوماتها يكون الانفتاح على الثقافات الأخرى، وخاصةً المهيمنة، مدعاةً للانزلاق نحو الوقوع فريسة الاستلاب والاختراق»[1].

نتمنى أن تفي هذه الدراسة المتواضعة بالغرض من تقديمها، والمتمثل بالنداء إلى التعامل مع الفكر الغربي في عالمنا العربي والمسلم كفكرٍ فقط، لا كـ«منقذٍ من الضلال والجهل والظلم والديكتاتوريات»، وبوعي كونه في الكثير من جوانبه سببًا في ضلالنا وجهلنا وديكتاتورياتنا. لا ننفي بأن هناك الكثير من المفكرين الغربيين من أصحاب النيات الحسنة، الذين انتبهوا إلى الممارسات الوحشية للغرب تجاه الشعوب الأخرى، وبالأخص الشعوب العربية والمسلمة، ويقفون ضدها. إنهم أشخاص يستحقون التنويه والشكر، لكن أصواتهم مكتومةٌ في أوطانهم الأصلية، بل يعاني الكثير منهم من التهميش والمراقبة المباشرة أو غير المباشرة.

والغرض من هذا القول هو التأكيد على أن مشروعنا النهضوي متوقفٌ إلى حدٍ كبير على وعي أبناء الأمة المسلمة قاطبةً بأن الغرب لن يقدم لنا أبدًا أدوات هذه النهضة، سواء أكانت فكريةً أو تقنية،

(15)

بقدر ما علينا ركوب المخاطر والتحلي بروح التحدي وبناء جسور بيننا، والانتباه إلى أن الأغلبية العظمى للسلطات القائمة في الدول العربية والمسلمة هي ذيول للاستعمار الغربي الجديد، بل أدواتٌ طيّعةٌ في يده «يحلبها» كما ومتى أراد.

ليس من الضروري اعتبار الفلسفات والفكر الغربيين نموذجًا لإقلاعنا الحضاري، بل لا بد أن نفهم بأنها إلى حد كبير تُفرمِل نهضتنا بكل الوسائل. ليس من الضروري كذاك أن نبقى مكتوفي الأيدي منبهرين بما حقّقه ويحقّقه الغرب من تقنياتٍ تساهم في استلابنا يوميًا، بقدر ما يجب أن نفهم بأن نهضتنا كامنةٌ في إعادة إشعال فتيلٍ لم ينطفئ بعد، فتيلٍ يأخذ بعين الاعتبار الجانب المادي والروحي للإنسان، ويركّز على مسؤوليته تجاه خالقه والبشر والحيوان والطبيعة. لا يمكن للحضارة التقنية الاستمرار في هذا الاتجاه وبنفس الوتيرة، فكل المؤشرات تشي بأنها آيلةٌ إلى الزوال، لأنها بكل بساطةٍ مؤسسةٌ على الظلم وعلى إحلال عبادة الآلة محل عبادة إله أوحد. من هنا، علينا أن نهيّئ المناخ لأبنائنا لكي يكونوا في الموعد مستقبلًا، لتحمُّل مسؤولياتهم تجاه خالقهم وشعوبهم.

 

والله المعين

(16)

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول

الخلفية التاريخية،

 ظروف النشأة وأقطاب الدائرة

 

(17)

1. ظهور دائرة فيينا

اعتادت مجموعة من علماء فيينا الالتقاء من 1907 إلى 1912 في مقهى عمومي[1] لمناقشة الإشكاليات الأساسية للرياضيات الحديثة والعلوم الطبيعية[2]. ويتعلق الأمر بكل من الفيزيائي فيليب فرانك Philipp Frank (1884-1966) وبعالم الاقتصاد أوتو نُويْرَاث Otto Neurath (1882-1945) وعالم التقنية المتخصص في الرياضيات التطبيقية ريخارد فون ميسس Richard von Mises (1883-1953). لكن النقاشات لم تقتصر فقط على مجالات تخصصهم، بل تعدتها، حيث نوقشت فلسفة طوماس الأكويني والإنجيل والتورات والتلمود اليهودي والقديس أغسطين وكذا الفلسفة المدرسية[3]. وقد اعتبر الكثيرون هؤلاء بمثابة «حلقة فيينا الأولى»، وهذا ما ذهب إليه رودولف هالر Rudolf Haller وستادلر Stadler وأوبل Uebel.

لعب هانس هان Hans Hahn (1879-1934) دورًا مهمًا في انتقال الفيزيائي والفيلسوف الألماني موريس شليك Moritz

(18)

Schlick (1882-1936) من مدينة كييل Kiel الألمانية للتدريس في فيينا عام 1922. دأب شليك على تنظيم دائرة نقاش من 1924 إلى 1929 كل يوم خميس في منزله في بداية الأمر، ثم في قاعة من قاعات معهد الفيزياء بجامعة فيينا. وبإيعازٍ من هان، عكفت الدائرة على دراسة كتاب الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein «رسالة منطقية فلسفية[1] Tractus logico-philosophicus» (1922): «في فيينا اكتشف شليك مؤلف فيتغنشتاين، وهو مؤلف فهم كارناب أهميته القصوى، كما فهم هان أهميته كذلك»[2].

عُرفت دائرة فيينا بأسماءٍ متعددةٍ كالتجريبية المنطقية والتجريبية العلمية وحركة وحدة العلم والتجريبية الحديثة والفلسفة التحليلية. ضمت هذه الدائرة مجموعةً من الباحثين والباحثات في الفلسفة والعلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والرياضيات والمنطق. عُرفت «دائرة فيينا» تحت هذا الإسم بصفةٍ رسميةٍ عام 1929، وكان أوتو نويراث هو الذي اختار الاسم.

بالرجوع إلى وثيقة برنامج 1929، نجد قسمين من المنخرطين

(19)

في دائرة فيينا: الأشخاص الذين كانوا يكوّنون نواة الدائرة وهم: غوستاف بيرغمان، رودولف كارناب، هربيرت فايغل، فيليب فرانك، كورت غودل، هانس هان، أوغا هان ـ نويراث، بيلا يوهوس، فيليكس كاوفمان، فيكتور كرافت، كارل منجر، ريخار فون ميزس، أوتو نويراث، روز راند، يوسف شختر، موريتس شليك، فريديريك فايسمان، إدغارد تيلسل[1].

وفي محيط هذه النواة نجد ألفريد جول أير، إيغون برونسفيك، كارل بولر، يوسف فرانك، إلزا فرينكل ـ برونسفيك، هاينريك كومبيرتس، كارل غوستاف همبل، أينو كايلا، هانس كلزن، شارل ف. موريس، أرنا نايس، كارل رايموند بوبر، فيلارد فان أورمان كوين، فرانك ب. رامزي، هانس رايخنباخ، كورت رايدامايستر، ألفريد كارسكي، أولغا كاوسكي-طود، أوسكار مورغنستيرن، لودفيغ فيتغنشتاين[2]، الذي لم يكن ينتمي للدائرة كما يزعم البعض، بل كانت تربطه علاقة صداقة بشيليك، رافقه فيتغنشتاين مرةً إلى اجتماع للدائرة، التي كانت تجتمع مرتين إلى ثلاثة مرات في الشهر.

(20)

تأسست جمعية إرنست ماخ Ernst Mach عام 1928 بمبادرة من العصبة النمساوية للمفكرين الأحرار ِsterreichische Freidenkerbund واختارت شليك رئيسًا لها، وكان نويراث وكارناب مقررَين لها. اختارت الجمعية اسم الفيزيائي وفيلسوف العلوم إرنست ماخ، الذي كان يعتبر نفسه من أتباع ثورة 1789 ونظيرتها عام 1848. كان ضد التقليد الديني والعنصرية والقومية الألمانية. ويوجد تمثال برونزي لماخ في حديقة بلدية فيينا، وهو التمثال الذي دُشن يوم 12 يونيو 1926، رفع عنه الستار كل من البيرت أينشتاين وفيليكس إيرينهافت وموريتس شليك وهانس تيرينغ. ومن الأهداف المعلنة لجمعية ماخ هذه كان تشجيع «الفهم العلمي للعالم wissenschaftliche Weltaufassung»، عن طريق المحاضرات والكتب، قصد إظهار أهمية البحث العلمي الدقيق للعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية[1]. وتؤكد دامس ماري ياهودا Dahms Marie Jahoda بأن سيغموند فرويد كان منخرطًا في هذه الجمعية.

(21)

وكما أكدت إيليزابيت نيمت[1] Elisabeth Nemeth، فإن السلطات النمساوية أنذاك فهمت بأن الجمعية، انطلاقًا من هدفها الأساسي المتمثل في «الفهم العلمي للعالم»، هي أداة سياسية: «من المفيد أن نعرف هنا بأن ما كان يميز دائرة فيينا، بجانب مستواها الأكاديمي العالي، هو التزامها السياسي تجاه الشعب، وهو التزام مارسه بالخصوص دون هوادةٍ الاقتصاديُ نويراث (1882-1945). وفي هذا الالتزام حُسم كذلك قدر الدائرة. وكما يُظهر هذا الكتاب فإن أعضاء الدائرة تعرضوا بطريقةٍ مستمرةٍ للضغط المعادي لليهود ولرجال الدين المحافظين والدوائر الشعوبية داخل وخارج الجامعة»[2]. ولهذا السبب تم حظر «عصبة المفكرين الأحرار» عام

(22)

1933، وتم منع جمعية إيرنست ماخ عام 1934، بتهمة معاداتها وخطرها على النظام القائم آنذاك. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أحد أسباب اغتيال شيلك كان هو اتهامه بأنه يفضّل اليهود على النمساويين، في زمان تصاعد فيه العداء لليهود في الدول الأوروبية عامة والجرمانية بالخصوص.

3. بعض أقطاب دائرة فيينا

كما سبقت الإشارة، كان لدائرة فيينا شكلٌ دائريٌ يسبح فيه الكثير من أقطابها والمدافعين عنها، لكن كانت لها «نواةٌ صلبةٌ» تُعتبر القلب النابض للدائرة. اخترنا عيّنةً من أقطاب الدائرة، لأن الحديث عن كل من كان ينتسب إليها من قريب أو بعيد جد طويل، لا يسمح به هذا البحث المركّز. إضافةً إلى هذا، فإن أفكار مفكري دائرة فيينا تتشابه إلى حد ما ـ كما سنرى ـ ونحاول هنا تجنُّب كل تكرارٍ غير ضروري. ننبّه في هذا المقام أيضًا على أننا لن نناقش مضامين هذه العيّنة، بقدر ما سنحاول عرضها بتركيزٍ شديد.

4. فريدريك ألبرت موريتس شليك

فريدريك ألبرت موريتس شليك Friedrich Albert Moritz Schlick (1882 - 1936)، فيزيائي وفيلسوف ألماني، كان متخصصًا في الفيزياء. درس شليك مشكلات علم البصريات النظرية، وكان واحدًا من أوائل مفسري نظرية النسبية. وأشهر مؤلفاته: «المكان والزمان في علم الطبيعة المعاصر»، و«مدخل إلى نظرية النسبية والجاذبية»، و«النظرية العامة

(23)

للمعرفة»، و«قضايا علم الأخلاق»، و«مستقبل الفلسفة»، و«الوضعية والمنطقية».

يطلق البعض على فلسفته قبل رحيله إلى فيينا اسم الواقعية النقدية، التي تصف الأشياء بنفس الطريقة التي تصفها بها العلوم الطبيعية، أي بمفردات زمكانية. وتُعتبر المعرفة فيها علمًا بالأشباه، ولا تكون هذه الأخيرة إلا من المعطيات الحسية المباشرة أو تمثّلاتٍ من الذاكرة أو أفكارٍ متخيّلةٍ أو تصوراتٍ رياضيةٍ عن الظواهر المجردة. ويتم التعبير عنها من خلال كلماتٍ ذات ترتيبٍ معيّنٍ وقواعد لغويةٍ ومنطقيةٍ مضبوطة. وهذا ما يميّز لغة العلم عمومًا وتفتقره العبارات الميتافيزيقية.

كانت لشليك علاقة صداقةٍ متينةٍ مع فيتغنشتاين بدأت عام 1924، وكان لتبادلهما الفكري تأثيرٌ على أعماله الفلسفية بعد 1922، بالإضافة إلى تأثير كارناب بطبيعة الحال. طوّر شليك بعض أفكار فيتغنشتاين في مؤلفه الشهير «الرسالة المنطقية الفلسفية»، واستعرض النظرية العامة للوضعية المنطقية في المعرفة، بانيًا إياها على أساس التمييز بين المنطوقات التجريبية (التركيبية القبلية) وبين قضايا العلم المنطقية (التحليلية)، ونبذ الإشكاليات الميتافيزيقية الخاطئة. وبالتالي دعا إلى ضرورة ابتعاد الفلسفة عن البحث في الإشكالات التقليدية للميتافيزيقا، لأنه كان يرى بأن مهمة الفلسفة هي التحقق من البناء المنطقي للمعرفة العلمية من خلال توضيح المصطلحات وشرح استعمالاتها المختلفة، اختلاف مضامين الاستعمال. وبهذا كان أحد روّاد المنهج التحليلي في الفلسفة، الذي قوامه التأكّد من

(24)

قواعد الاستعمال اللغوي للمصطلح المبحوث، ثم تبيان المعنى المقصود عن طريق دراسة العبارات التي يُستخدم فيها، ومن ثمَّ تأويل معنى المصطلح والتيقن من صدق التأويل بالرجوع إلى معيار التحقق الفيتغنشتايني. وبمقتضى هذا المعيار لا يكون التأويل صادقًا إلا إذا كان له صدى من الواقع، ولا يكون الشيء واقعًا إلا إذا كان بالإمكان اختباره وقياسه. ولهذا السبب يرى شليك بأن ضمان صحة العلم تأتي من التجربة وليس من مضمونها.

انتقد شليك كانط في أحد مؤلفاته الأولى: «المكان والزمان في الفيزياء الحديثة» (1917)، حيث عالج القضايا التركيبية القبلية حول الفضاء (المكان) والزمان كما هي محددة في التعالي الكانطي رافضًا إياها؛ تمامًا كما رفض التنظير الكانطي المتعلق بالمعارف التركيبية القبلية الحقيقية. وكانت النتيجة أنه رفض ادّعاء تشكيل الميتافيزيقا كعلم، وقد كان هذا هو الهدف الأسمى لكانط في بداية «نقد العقل الخالص». ولهذا السبب اقترح شليك نظرية معرفةٍ جديدةً تتأسّس على التمييز بين ما هو تجريبي (المعرفة التركيبية) وما هو تحليلي، يكون معيار صحتها محددًا عن طريق اختبار المقدمات التي تشكل العلم.

طبقًا لشيلك فإن الإبستيمولوجيا، عندما يتعلق الأمر فيها بالبحث عن معيار الواقعية، لا تكون لها معرفةٌ صحيحةٌ كاملةٌ عن الواقع بالدرجة الأولى؛ ولهذا السبب اقترح الرجوع إلى أنسقة المقدمات التي يحاول العلم من خلالها وصف الواقع. وبدراسةٍ نقديةٍ لهذه المقدمات يتوجب إبعاد كل أجهزة المقدمات التي يكون

(25)

من الممكن البرهنة على خطئها. وإذا بقي جهازٌ ما، فإنه هو الذي يصبغ الواقع كما هو، في مقابل الشيء في ذاته لكانط. ولا داعي للتنبيه هنا على أن شيلك حاول في نقده لكانط بناء واقعيةٍ نقدية تتموضع بين المثالية والواقعية.

قاد مشكل المعرفة ومعاييرها شيلك إلى طرح سؤالٍ جوهري: كيف يمكن تصوّر التعبير لغويًا عن المعارف؟ فالمعرفة العلمية، سواء أكانت منطقيةً-رياضيةً أو تجريبيةً، تتقدم في شكل مقولات لغةٍ ما. ويجب توفُّر شروطٍ لمعنى هذه التركيبات اللغوية لكي نتمكن من اعتبارها مقولاتٍ تحليليةً أو تجريبية. وتتلخص فكرة شيلك في هذا الإطار في قوله بأن اللغات المستعملة في العلوم تكون مبنيةً على أساس خُلُوِّها من أي خلط، بطريقة يمكن أن نقول عنها بأنها صحيحة أو خاطئة. ويفترض هذا إقامة قواعد يمكن من خلالها استعمال وتجميع الرموز اللغوية في تعابير ومقولات. فعندما نستعمل لغةً ما دون الانتباه إلى القواعد المنطقية واللغوية المخصصة لهذا الأمر، فإن تركيب الرموز الذي سينتج عن هذا قد يُعبر عن مقولات بطريقة زائفة، لكنها تخالف قواعد التركيب التي تتوقف عليها المقولات. والنتيجة هي أنها تكون دون معنى، ولا يمكن أن تكون لا صحيحةً ولا خاطئة.

وينطبق هذا على الميتافيزيقا في نظر شليك، وبالتالي لا يعتبر الميتافيزيقا هذه معرفةً علمية. ويكمن سبب هذا الأمر في نظره في كون الميتافيزيقا في بحثها عن معرفة الواقع لا تهتم باكتشاف علاقات خاصيات الأشياء، بل تكتفي فقط بمعرفة مضمون الظواهر.

(26)

وطبقًا لشيلك فإن العلاقات هي وحدها المعارف التي يمكنها إعادة إنتاج نظام الظواهر. والنتيجة هي تأكيده على أن مضمون الظواهر لا يمكن فهمه عن طريق العلاقات العادية التي تشكل كل ما يمكننا معرفته. وبالتالي فإنه يرى بأن الحدس والتجارب المرتبطة بمشاعرنا هي وحدها التي تسمح لنا بمعرفة المضمون الفعلي للواقع:

«إن هدف المعرفة هو توجيهنا بين الأشياء والتنبؤ بسلوكها [أي الأشياء]. ونصل إلى هذا باكتشاف نظامها وتحديد مكانٍ لكل منها في بنية العالم. فمحاكاة شيءٍ ما لا تساعدنا على العثور على نظامه. عندما أشاهد السماء الزرقاء وأضيع بالكامل في تأملها، دون التفكير في أي شيء، فإنني أشعر بالزرقة التي تملأ نفسي: يصبحان متحدان. كان التصور الميتافيزيقي للمعرفة على الدوام تصورًا صوفيًا، للتواصل المباشر والحميمي. لكن الإحساس هو عيش شيءٍ ما وليس معرفته. حاول كل الميتافيزيقيون أن يصفوا لنا مضمون العالم: حاولوا التعبير عما لا يمكن التعبير عنه. ولهذا السبب لم ينجحوا. أن أعرف يعني أن أستجلي [أستكشف]: يجب علي أن أستجلي [أعرف] هذا اللون كاللون الخاص الذي علموني تسميته «أزرقًا»، ويتضمّن هذا فعل مقارنةٍ وتجميع. فجملة «هذا الشيء أزرق» تعبّر عن معرفةٍ حقيقية. فالمعرفة هي التعبير. وليس هناك أية معرفةٍ لا يمكن التعبير عنها»[1].

واهتم شليك أيضًا بمسائل علم الجمال وعلم الأخلاق، فطبّق

(27)

منهجه التحليلي على مسائل الأخلاق، وجعل القيم الأخلاقية نسبيةً، وقال بمبدإٍ جديدٍ ينادي بالسعادة غايةً للفعل.

5. رودولف كارناب

رودولف كارناب Rudolf Carnap (1891-1970)، فيلسوفٌ ومنطقيٌ ألماني، ولد في رونسدورف Ronsdorf بألمانيا، وتوفي في كاليفورنيا. درس في جامعتي فرايبورغ ويينا Jena، حيث تخصص في الفيزياء والرياضيات والفلسفة. تأثّر بأستاذه الرياضي المنطقي غوتلوب فريغهGottlob Frege . كان لراسلRussell  وفيتغنشتاينWittgenstein  أعظم الأثر في تكوينه. أصدر بالتعاون مع هانس رايخنباخReichenbach  مجلة «المعرفةErkenntnis ». اشتغل بجامعة فيينا وبجامعة براغ قبل هجرته إلى أمريكا جراء وصول النازيين للحكم في ألمانيا، حيث دَرَّسَ بجامعة شيغاغو، وهناك شارك أوتو نويراث Otto Neurath وشارلز موريس Charles Morris في إصدار «الموسوعة الدولية للعلم الموحد».

ألّف كارناب كتبًا عديدةً، منها على سبيل المثال لا الحصر: «البناء المنطقي للعالم»، «التركيب المنطقي للغة»، و«الفلسفة والتركيب المنطقي»، و«المعنى والضرورة»، و«الأسس المنطقية للاحتمال».

برع كارناب في تقديم منهجٍ صاغ نسقًا تقنيًا طبّقه على بعض القضايا الفلسفية بهدف حلها. حاول في مؤلفه المشهور «البناء المنطقي للعالم» تطبيق المنهج المنطقي، الذي طبقه راسل على

(28)

الموضوعات الرياضية، لـ «تنحية» الميتافيزيقا ونفي دور الفلسفة كعلم شامل: «بفضل تطور المنطق المعاصر فقد أصبح من الممكن تقديم أجوبةٍ جديدةٍ ودقيقةٍ على إشكالية صحة ومشروعية الميتافيزيقا ... فقد وصل المرء إلى تجاوزٍ أقصى للميتافيزيقا لم يعهده معارضو الميتافيزيقا السابقون» [1].

انطلاقًا من رفض كل عنصر تركيبي قبلي في المعرفة، واعتقادًا منه بأن القضايا العلمية تكون دائمًا بعديةً وتستمد معناها من النسق المنطقي الذي تندرج فيه، رَدَّ الفلسفة إلى تحليلٍ منطقيٍ للغة العلم يقوم على المنطق الرياضي، ويذهب إلى أن المعرفة النظرية التي يقوم عليها هذا التحليل تمثّل مزيجًا من التجريبية المثالية في تفسير المنطق والرياضيات، فالمفهوم الفلسفي للوضعية الجديدة في مذهبه متداخلٌ مع دراسات نظرية المنطق والتحليل القائم على المنطق ومنهج البحث العلمي.

يميز الباحثون مرحلتين رئيسيتين في تطور فكر كارناب فيما يخص طبيعة المنهج المنطقي. اهتم في المرحلة الأولى بالبناء اللفظي، يعني البناء اللفظي المنطقي للغة العلم. أما في المرحلة الثانية فقد اهتم بالمدلول اللفظي، يعني أنه اهتم في منطق لغة العلم بالمعنى والمدلول.

ارتكز منهجه في مرحلة البناء اللفظي على نظريته في البناء، مستعينًا بمناهج كل من إيرنست ماخ وراسل وفيتغنشتاين. وتتمحور

(29)

النظرية في مبدأ قابلية القضايا للتقليص reducibility، وتعريف الحدود التي يشمل بناءها أي تعريفها البنائي، وترتيب التعريفات في نسق بنائي.

بعد نشر كارل بوبر لنقده لمنهج دائرة فيينا، عمل كارناب على تصحيح فهم تركيب المعرفة التجريبية، بوضع تصوّرٍ جديدٍ لمعيار المعنى التجريبي وقواعد خاصة به. وتمكّن بهذا من التفريق بين القضايا التجريبية، التي يمكن التحقق من صدقها وتخضع لمبدأ التحقق، أي بالإمكان اختبارها أو التثبت منها، وهي قضايا علمية؛ وبين القضايا الميتافيزيقية، التي لا يمكن التحقق من معناها تجريبيًا ولا تقوم على معطياتٍ حسية، وكباقي المنطقيين الجدد، يعتبرها قضايا فارغة من المعنى أو أشباه قضايا. ويحصر لغة الواقع والعلم بالقضايا العلمية، ويسميها لغةً ظاهراتية، لأنها تقتصر على وصف الظواهر فقط. بل فضّل تسميتها بلغةٍ فيزيائيةٍ لتكون لغة العلوم كلها، لأنها في نظره وصفيةٌ كميةٌ وحسابية، وعباراتها تقريرية، أو لأنها لغةٌ محددةُ المعاني والعبارات، بها تصاغ الحقائق العلمية التجريبية عامة.

يفرق كارناب بين ما سماه لغة الموضوع، التي تعبر عن موضوعات العالم ووقائعه (مثال: إن الوردة حمراء)، وبين اللغة الشارحة أو الميتالغة، وهي صورية تعبر عن اللغة التي يُعَبَّرُ بها عن لغة الموضوع أو تشرح هذا الموضوع، كما في قولنا: تتكون عبارة «إن الوردة حمراء» من ثلاث كلمات، وهي عبارة موضوعية حقيقية. أما عبارة «إن الوردة شيء» فهي شبه موضوعية وغامضة

(30)

وتخلط بين العبارة المادية والعبارة الصورية. ويبين أن الخلافات في الفلسفة ترجع إلى سوء فهم أو سوء تحليل التصورات الفلسفية، ويسبب هذا في الخلط بين الأحكام المصوغة بلغة الموضوع والأحكام المصوغة بعبارات اللغة الشارحة أو الميتالغة، فيؤدي ذلك إلى خلافات بين الآراء أو المذاهب الفلسفية حول بعض المسائل. لذلك يقترح كارناب ترجمة وتأويل العبارات الفلسفية شبه الموضوعية من شكلها المادي إلى الشكل الصوري بإعادة صياغتها في عبارات تركيبية.

أما في المرحلة الثانية، بعد نشره لكتابيه «المدخل إلى السيمانطيقا» و«المدخل إلى المنطق الرمزي»، فقد حاول كارناب بناء نسقٍ واحدٍ من المنطق الشكلي، قدّم مبدأً أُطلق عليه مبدأ التسامح، يضمن به حرية التعبير. علاوةً على هذا أكد من خلال هذا المبدأ على أن عمل فلاسفة اللغة لا يكمن في وضع قيود على الاستعمالات اللغوية، بل الاهتمام بتحديد الشروط التي تضمن صدق العبارات منطقيًا وتتحدد بها معانيها. وبهذه الخطوة انتقل كارناب من التركيب المنطقي للعبارة إلى معناها وصحتها، وهذا ما ساعده على تحليل الدلالات ووضع نظرية في اللغة تربط الرموز بالموضوعات التي تدل عليها: تكون عبارةٌ ما صادقةً عندما يكون محمولها منسجمًا مع نسقها، ولا يقاس صدقها باعتباراتٍ عمليةٍ، وهو غير مرتبطٍ بأي معتقداتٍ قابلةٍ للتحقق ولا يبحث عن أسبابه خارج نسق العبارة نفسها، ويُعتبر النسق السيميائي تلك القواعد التي تتحدد بها شروط صدق العبارة. من هنا فإن مهمة الفلسفة هي

(31)

تحليل اللغة تحليلًا سيميائيًا، أي تحليلها من حيث كونها رموزًا لبناء اللغة المعرفية.

خلاصة القول فقد كان كارناب العضو الأكثر نفوذًا في دائرة فيينا، وكان تأثيره الفكري على التجريبية المنطقية يضاهي تأثير راسل وفيتغنشتاين.

6. أوتو نويراث

أوتو نويراث Otto Neurath (1882-1945) فيلسوفٌ وعالم اجتماعٍ واقتصادٍ نمساوي، ولد في فيينا، وماتَ في أكسفورد، حيث استقر بعد ضم النمسا إلى ألمانيا من طرف النازية.

كان نويراث يشغل منصب وزير التخطيط في الحكومة النمساوية أثناء الحرب العالمية الأولى. وبعد الحرب كان له تعاونٌ مع الحكومات الماركسية في منطقة بافاريا الألمانية في مشاريع اقتصاديةٍ تنموية. وعندما بدأت حملات اعتقال الماركسيين من طرف الحكومة الألمانية آنذاك، اعتُقل نويراث بتهمة الخيانة، قبل الإفراج عنه، لأنه لم يكن ناشطًا سياسيًا.

بدأ مشروعه الفكري بدراسة الوقائع الاقتصادية والاجتماعية. صمّم ما سماه «طريقةً رمزيةً» للترميز للمعلومات الكمّية عبر «أيقونات» محددة، يسهل تفسيرها. يعني أنه فكّر في نظامٍ بصريٍ لعَرْض المعلومات الكمّية وتمثيل البيانات المدروسة (الساكنة، الانتماء الاجتماعي، إلخ) في أقطارٍ مختلفةٍ لفهم عوامل التغير الاجتماعي: «لم تُعر حركتنا الاهتمام الكافي لأسس العلوم الاجتماعية، بل ارتبطت

(32)

أساسًا بأسس الفيزياء والرياضيات [...] ومنذ عصر دائرة فيينا، كنا متفقين بالإجماع، وبالخصوص من طرف نويراث، على الحاجة إلى تظهير وتوضيح مناهج العلوم الاجتماعية في نفس الروح التجريبية. وهناك الكثير من العمل لم يُنجز بعد في هذا الطريق»[1]. وقد أثّر عمله هذا في تقنيات رسم الخرائط وتصميم النقوش والتعليم البصري.

شارك رودولف كارناب وآخرين في وضع ميثاق دائرة فيينا العام، المعروف تحت اسم: «الفهم العلمي للعالم». وكان هذا الميثاق دعوةً صريحةً للتجريبية المنطقية. اهتم  نويراث بـ «مبدأ التحقّق» ورفض الميتافيزيقا معتبرًا إياها لغوًا، بما أن المرء لا يمكنه البرهنة على إشكالياتها أو التحقق منها تجريبيًا. كما أنه كان يعتبر الماركسية علمًا قائمًا بذاته، معتبرًا إياها أداةً لوصف التغيرات الاجتماعية.

كان نويراث من المدافعين الأشداء على وحدة العلم، بحيث أصدر في شيكاغو معية كارناب وتشارلز موريس مجلدين من «الموسوعة الدولية للعلم الموحد». من أهم مؤلفات في نويراث «قضايا البروتوكول»، «تطوير حلقة فيينا»، «علم الاجتماع التجريبي»، «الفيزيائية»، «مستقبل المادية المنطقية»، «وحدة العلوم»، «أسس العلوم الاجتماعية»، إضافةً إلى مؤلفاتٍ عديدةٍ له في الاقتصاد.

ما يميز نويراث عن باقي أعضاء دائرة فيينا هو منهجه، ذلك أنه رفض اهتمام الوضعيين الجدد للغة.

(33)

أسّس منهجه على فرضية قوامها كون «المماثلة الشكلية» بين اللغة والواقع تأملًا ميتافيزيقيًا عديم الجدوى، ينتج مشكلةً في تمثيل الكلمات والجمل أشياءَ العالم الخارجي. فالقضايا عنده تقارن بقضايا مثلها وليس بالخبرة أو الوقائع أو بأي شيء آخر. فالخبرة أو الواقع هي أمورٌ خاليةٌ من أي معنى، تنتمي إلى الميتافيزيقا، لا بد والحالة هذه من رفضها والبحث عن أصلٍ يخلو من كل ميتافيزيقا. والنتيجة هي أنه دعا إلى ضرورة صياغة القضايا بطريقة تكون متّفقةً مع القضايا التي أطلق عليها اسم «قضايا البروتوكول».

تتضمن قضية البروتوكول على «اسم علمٍ أو وصفٍ معيّنٍ لشخصٍ ما يلاحظ (أو يدرك) شيئًا محددًا (زمانيًا ومكانيًا)، أو تحتوي على كلماتٍ تشير إلى فعل الملاحظة». ولتجاوز كل الاعتبارات السيمائية، اقترح فكرة «تزامن اللغة والواقع». فالواقع يكمن في مجموع الجُمَل المحقَّقة سابقًا في اللغة، وتتحدد قيمة صدق أيّة جملةٍ حسب اتساقها مع هذا المجموع مِنْ الجُمَلِ المُحَقَّقة، وإلا فإنها ستكون كاذبةً أو خاطئة، تفرض تعديل مجموع القضايا التي تُكوِّن الكل. يتعلق صدق القضية أو صحتها بهذا المعنى باتساق التأكيدات اللغوية ولا علاقة له بتطابق الجُمَل مع الوقائع أو الموجودات الأخرى في العالم.

إضافةً إلى هذا يرى نويراث بأن الخبرات الحسية ذاتيةٌ محضة، وبهذا فإنها لا تصلح لتكون أساسًا صحيحًا لإعادة البناء الصوري للعلم. ولهذا السبب، وكمعظم الوضعيين الجدد، طالب بضرورة تعويض لغة الفيزياء الرياضية باللغة االفينومينولوجية، ما دامت لغةً وصفيةً كميّةً مكونةً من تتابعٍ منظّمٍ من الرموز أو الأصوات، وهي

(34)

وحدها في نظرهم القادرة على وصف بنيتها الخاصة دون تناقض. علاوةً على ذلك فإنها في عرفهم تسمح بالصياغات الموضوعية اللازمة لمواضيع دراستها، على اعتبار أنها تتأسس على تناسقٍ موضوعيٍ محدد. والهدف من كل هذه الترتيبات للغة ذات المنحنى الفيزيائي في اتجاه العلوم الطبيعية أو الاجتماعية يساهم في نظر الوضعيين الجدد في القضاء على كل بقايا الميتافيزيقا ويساعد على المرور إلى نظام التأكيدات الخاصة بالوقائع الفيزيائية.

كان نويراث عضوًا نشيطًا جدًا في دائرة فيينا، وكان يمثّل الجناح اليساري فيها، وكانت له مواقف ماركسيةٌ فيما يخص المسائل الاجتماعية. ويحكي كارناب بأن نويراث كان ينتقد الدائرة لعدم اهتمامها بالسياسة علانيةً، إيمانًا منه بأن هذا العزوف السياسي للدائرة يقضي على التأثير الذي يجب أن يُحدثه العلم في المجتمع. وكان توحيد العلم الهدف الأسمى لنويراث، لأنه كان يرى بأن التمييز بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية يُمثّل عائقًا في وجه هذه الأخيرة، لأنه يحرم العلوم الإنسانية من التحليل المنطقي لقضاياها؛ وهو التحليل الوحيد في نظره الذي يساعد على استخراج البعد الأيديولوجي لهذه القضايا الاجتماعية. لكن شليك لم يكن يتقاسم معه هذا الرأي، لأنه كان ينفي ـ كما رأينا ـ كل علاقةٍ بين العلم والتقدم المجتمعي: «لم يُخلق الأرستقراطي شيلك والاشتراكي نويراث لكي يتفاهما، لكن اختلافاتهم السياسية لم تكن أبدًا عائقًا أمام تعاونهم العلمي»[1].

(35)

7. هانس رايخنباخ

يُعتبر هانس رايخنباخ Hans Reichenbach (1891-1953) فيلسوفًا وفيزيائيًا ومنطقيًا ألمانيًا شهيرًا، درس الهندسة في مدينة شتوتغارت الألمانية واشتغل كأستاذ للرياضيات في برلين وغوتينغن وميونيخ، قبل أن يرحل إلى أمريكا قُبيل الحرب العالمية الثانية، حيث استقر ودرس في جامعة كاليفورنيا. كان كل من إيرنست كاسيرر وأرنولد سمرفلد وماكس بورن وديڤيد هيلبرتمن بين أساتذته، كما يُعتبر رائد الوضعية المنطقية في برلين، حتى وإن كان يعتبر نفسه منطقيًا تجريبيًا.

من بين أهم مؤلفات رايخنباخ هناك بالخصوص: «التجربة والتنبؤ»، «من كوبرنيك إلى أينشتاين»، «أهداف فلسفة الطبيعة الحالية واتجاهاتها»، «نسق البديهيات في النظرية النسبية في المكان-الزمان»، «الأسس الفلسفية لميكانيكا الكم»، «نشأة الفلسفة العلمية». وعلى الرغم من مساهمته في إصدار مجلة «العلم الموحد» بمشاركة كارناب، إلا أنه كان يختلف مع الوضعيين الجدد فيما يخص نظرية المعرفة.

حاول في اشتغاله على نظرية المعرفة الجمع بين التجريبية القائمة على مبدأ التحقق، وبين التحليل المنطقي للعلم ولغته، رافضًا الحقائق التركيبية القبلية؛ مدافعًا بذلك عن العلم، الذي كان يعتبره أفضل طريقةٍ للوصول إلى المعرفة. وككل المنطقيين التجريبيين، رفض الميتافيزيقا جملةً وتفصيلًا، وأناط بالفلسفة مهمة التحليل المنطقي لكل أنماط الفكر.

(36)

رفض رايخنباخ نظرية صدق المعنى أيضًا، ودعا إلى نظرية احتمالية المعنى. فالقضية في هذه الأخيرة قد تكون ذات معنى إذا تم التحقق منها بدرجة احتمالٍ معيّنة. ويكون لقضيتان نفس المعنى إذا كانت لهما نفس درجة احتمال التحقق. من هنا لا تتساوى العبارات العلمية عن العالم في المعنى بالعبارات الحسية التي تصفه، لكنها ترتبط بها برباطٍ احتمالي. وبمثل هذا القول يبني رايخنباخ إمكانية استنباط وجود حالاتٍ فيزيقيةٍ للعالم الخارجي، مستقلة بدرجة احتمالٍ معيّنة عن الانطباعات التي نملكها عن هذا العالم، حتى وإن كانت مسؤولةً عن هذه الانطباعات. وهذا ما أطلق عليه اسم نظرية الفهم الوظيفي للمعرفة، القائمة على أساس كون التأثر بأشياء العالم الخارجي عن طريق الحواس يُنتج ردود فعلٍ شتّى، ومنها رد الفعل اللغوي، المُكوَّن من نظامٍ من العلامات خاضعةٍ بدورها لنظامٍ من القواعد تُعبّر عن المضمون المعرفي للغة. فالعلامات (الرموز - الكلمات) تتجمع (أو تُجمَّع) لتُنتج عباراتٍ معيّنة. إذا كانت هذه العبارات تتطابق وحالاتٍ واقعيةً فعليةً يمكن مشاهدتها وملاحظتها، فإنها تكون عبارات صحيحة، يمكن التحقق من صحتها أو خطئها؛ وسميت بهذا عبارات ذات معنى. أما العبارات التي لا يمكن فصل القول في صحتها أو بطلانها، أي لا تكون قابلةً للتحقق بملاحظات ممكنة؛ فإنها عباراتٌ خاليةٌ من المعنى، بما أن مبدأ «قابلية التحقق» أساسي في نظرية المعنى هذه.

ميّز رايخنباخ في قضية «التحقق» بين «التحقق التقني» و«التحقق الفيزيائي»، لا يتعارضان مع قوانين الطبيعة، و«التحقق فوق

(37)

التجريبي» المُسمى بالتحقق المنطقي. وكانت نتيجة هذا التمييز هي رفضه لعبارات/ قضايا/ أطروحات الميتافيزيقا، باعتبارها غير قابلةٍ للتحقق بأي نوع من أنواع التحقق السالفة الذكر، وبهذا فإنها عبارات فارغة من المعنى ولا تدخل في نطاق المعرفة بصفةٍ عامة.

وحتى في العلم «الحق»، فإن معرفة العالم الفيزيائي الخارجي هي معرفةٌ احتماليةٌ وليست يقينية. من هنا، لا يمكن التعبير عن الحوادث الفردية ولا عن القوانين التي تحكمها بصورةٍ مطلقة، على اعتبار كون الحقائق العامة أو القوانين العلمية أمورًا احتماليةً لا يقينية، بل ما هي إلا فروضٌ تجريبيةٌ حول «وقائع» قابلةٍ للملاحظة. ولا يمكن الوصول إلى اليقين إلا في الرياضيات والمنطق فقط، على الرغم من أن المنطق يبحث في قوانين اللغة وأنماط الفكر فقط، ولا يعبّر عن خصائص العالم الفيزيائي القابل للتجربة.

(38)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الانتشار الجغرافي لدائرة فيينا

وتأثيرها في ميادين أخرى

 

(39)

أ. الانتشار الجغرافي لدائرة فيينا

كما يؤكد بعض الباحثين[1]، فإن تأثير دائرة فيينا في ميادين مختلفةٍ من العلوم الإنسانية[2]، وبالخصوص الفلسفة المعاصرة، لا يكمن في وظيفتها كَمِثالٍ إلا بصورةٍ ضئيلة، بقدر ما يكمن في المساهمات الأساسية لأعضائها بعد هجرتهم خارج النمسا وفي النقاشات المضامينية الحالية بعد إعادة اكتشاف هذه الدائرة في

(40)

أوروبا في السنين الأخيرة. ومنذ ظهورها مارست هذه الدائرة تأثيرًا واضحًا، بحيث تأسست عام 1929 في برلين مجموعةٌ مشابهةٌ لدائرة فيينا سُمّيت جمعية برلين للفلسفة التجريبية Berliner Gesellschaft für empirische Philosophie، وكان من بين أعضائها هانس رايخنباخ Hans Reichenbach. إضافةً إلى هذا، كان لدائرة فيينا تعاونٌ مع مجموعةٍ أخرى كان هاينريك شولتس Heinrich Scholz يديرها في مدينة مونستر Münster الألمانية. وخارج العالم الجرماني، نجد تأثير دائرة فيينا في بولونيا فيما سُمي آنذاك مدرسة ليمبيرغ فارسوفيا Lemberg-Warschau-Schule، وهي مجموعة كانت ضد الميتافيزيقا اللاعقلانية، وكان من أبرز ممثليها ألفريد تارسكي Alfred Tarski. نفس الشيء نجده في الدول الإسكندنافية، ذلك أن أكسيل هيغرستروم Axel Hنgerstrِm أسس عام 1910 مدرسة أوبسالا Uppsala Schule، لكنه لم يدخل في اتصالٍ مباشرٍ مع دائرة فيينا إلّا في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد كان تلميذ هيغرستروم كونراد مارك فوغاو Konrad Marc-Wogau وكانت المجلة الفلسفية «تيوريا Theoria» همزة وصلٍ مهمة مع دائرة فيينا.

كان هناك تبادلٌ حيويٌ للأفكار منذ عشرينيات القرن العشرين بين المنتمين إلى دائرة فيينا وفلاسفةٍ أمريكيين، وقد هاجر في ثلاثينيات ذلك القرن تقريبًا كل المنتمين إلى هذه الدائرة خارج ألمانيا، وبالخصوص إلى أمريكا: «كان عليهم التكيف في محيطٍ

(41)

جديد. وكان على الوضعيين الجدد وضع قناعاتهم الاشتراكية أو الماركسية بين قوسين. ربطوا علاقةً بالبراغماتية الأمريكية وأثروا بعمق في الفلسفة الأمريكية فيما يخص دخول الوضعية المنطقية إليها»[1]، لأسباب اقتصادية أو سياسية أو هما معًا.

وهذا ما يشرح أيضًا سيطرة التجريبية المنطقية لدائرة فيينا في كليات الفلسفة الأمريكية: «ازدهرت الوضعية المنطقية لدائرة فيينا في الولايات المتحدة وإنجلترا، ووجدت ما وراء البحار أرضًا خصبةً لها. فقد شكلت الأفكار التي نوقشت في فيينا بين 1920 و1930 أحد أهم منابع الفلسفة التحليلية. وإذا منح المرء لدائرة فيينا الأهمية التي تستحقها فبالإمكان إذًا فهم الحوافز التي تُنشّط الممارسة الأنجلو ـ ساكسونية للفلسفة. فدراسةٌ متأنيةٌ تُظهر لنا بأن المدافعين عن التجريبية المنطقية الصاعدة لم يتردّدوا في قراءة ونقد ومناقشة، دون أحكامٍ مسبقة، المؤلفات النابعة من تياراتٍ فلسفيةٍ متنوعة، بما في ذلك الكنطية المحدثة والفينومينولوجيا. وقد كان هذا الرجوع إلى الأصل مرحلةً مهمةً لربط حبل المناقشة بين الإرث التحليلي والأوروبي»[2]، حصل هناك بينها وبين البرغماتية الأمريكية

(42)

نوع من الارتباط. وقد أصبح هذا الارتباط أسهل عندما شارك بعض البرغماتيين الأمريكيين مثل شارل موريس Charles Morris وجون ديوي John Dewey مع رودولف كارناب Rudolf Carnap في تأليفٍ ونشرٍ مشترك لـ«الموسوعة العالمية للعلوم الموحدة International Encyclopedia of Unified Science». لكن لم يحدث أي انصهارٍ بين الاتجاهين، نظرًا لتصوراتهما المختلفة فيما يخص الموضوعية في العلوم.

يوجد في فيينا منذ سنة 1991 معهد دائرة فيينا Institut Wiener Kreis، الذي يعتني بتوثيق والبحث وتطوير فلسفة الدائرة. وأُلحق هذا المعهد عام 2011 بكلية الفلسفة وعلوم التربية بجامعة فيينا. ويمكن للمرء أن يقرأ تقديم المعهد لنفسه في صفحته الإلكترونية كما يلي: «يهتم معهد دائرة فيينا (تأسس عام 1991 كجمعيةٍ وأصبح منذ 1 ماي 2011 فرعًا للكلية) بتوثيق وإعادة بناءٍ نقدي وتطوير التجريبية المنطقية»[1]. ويترأس هذا المعهد فريدريك Friedrich Stadler أحد أهم الأساتذة الجامعيين في تخصُّص تاريخ العلوم وفلسفة العلوم ونظرية المعرفة بفيينا.

وخصصت جامعة فيينا عام 2015، بمناسبة مرور 650 سنة على تأسيسها، معرضًا علميًا مهمًا لدائرة فيينا، كان الأول من نوعه على الصعيد العالمي. خصصت الجامعة مثلًا قاعة كرة اليد في بنايتها لعرض صور أقطاب هذه الدائرة في أحجامٍ كبيرة، مرفوقة ببعض

(43)

أقوالهم. وخصّصت أكثر من 1000 مترٍ مربعٍ في قاعات الرياضة السابقة، في قلب الجامعة، لعرض تاريخ الدائرة. لم يتوانَ مديرا هذا المعرض الفريد من نوعه، عالم الرياضيات المشهور كارل سيغموند Karl Sigmund وفريدريك ستادلر Friedrich Stadler مدير معهد دائرة فيينا، في جمع كل ما كان بالإمكان جمعه من الوثائق الأصلية. ومن بين هذه الوثائق كان هناك النص الأصلي لكتاب فيتغنشتاين «الرسالة المنطقية»، الذي كان محط اهتمام دائرة فيينا في بداياتها الأولى إلى جانب وثائق عديدة أخرى. واقترض المنضمّون التمثال البرونزي لإيرنست ماخ، الذي يوجد عادةً في حديقة بلدية مدينة فيينا، لعرضه في الجامعة بمناسبة هذا المعرض الكبير. وإذا استحضرنا ما قاله أحد فلاسفة دائرة فيينا فيكتور كرافت Victor Kraft عندما بدأ أعضاؤها يغادرون النمسا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية: «لم ينته عمل دائرة فيينا، بل قُطع»، نفهم الأهمية القصوى التي يعطيها النمساويون حاليًا لهذه الدائرة، على الرغم من أن كل المؤشرات كانت تدل بعد 1945 على أن المرء عمل كل ما في وسعه لكي لا ترجع الدائرة مرةً أخرى لفيينا ولا لأية مدينةٍ نمساويةٍ أخرى.

ب. التأثير في السياسة

لم يقتصر تأثير دائرة فيينا والوضعية المنطقية على الفلسفة ونظرية المعرفة بالذات، بل تعداه ليشمل ميادين علم ـ إنسانية أخرى. فعلى الرغم مثلًا من أنه لا أثر ظاهر في «بيان دائرة فيينا» لعام 1929 لأي اهتمامٍ صريحٍ بالسياسة، فإن المرء ابتداءً من تسعينيات القرن العشرين، أصبح يؤكد بأن السياسة كانت حاضرةً في هذه الدائرة بما يكفي للبرهنة على ذلك.

(44)

أكثر من هذا، اتهم المرء هذه الدائرة في بداياتها الأولى بنوع من «الامتثالية» للسياسة القائمة آنذاك، بل طاعتها. وهذا ما نلمسه مثلًا في النقد الذي وجّهه لها هوركهايمر[1] Horkheimer عام 1937. والواقع أن المتأمل الهادئ لنقد هوركهايمر هذا، لا يلمس هجومًا مباشرًا على الدائرة بسبب «تقصيرها» في الاهتمام بالسياسة، على الرغم من أن الحقبة التاريخية التي نحن بصدد الحديث عنها كانت غنيةً بالتيارات السياسية المتصارعة فيما بينها، بل انصبّ نقده أساسًا على ذاك النوع من الحياد الذي اعتقده فيما يخص موقف الدائرة من إشكالية القيم.

أكثر من هذا فقد خصص هوركهايمر نقدًا لاذعًا للسوسيولوجيا التجريبية لنويراث، ذلك أنه رأى فيها، كما رأى في السلوكية كذلك، بأنها تساهم في الظلم العام. يعني أن السوسيولوجيين التجريبيين الجدد في نظره يتميزون بسلبيتهم تجاه «الواقع كما هو»، وفي هذا إحياء لنقد هيجل لتجريبية شولتسا Schulze في عصره.

في العمق، كان الخلاف الحقيقي بين «المدرسة النقدية»، التي كان هوركهايمر ينتمي إليها، والوضعية التجريبية لدائرة فيينا يتمثّل في رفض الوضعية للدياليكتيك كمنهج كانت «مدرسة فرانكفورت» تستعمله لدراسة ظواهرها الاجتماعية. وبهذا اعتبر إبستملوجية دائرة فيينا سياسةً سلبية، أو بعبارة هيجل إنها نفي للسياسة. لم يصمد نقد هوركهايمر إلا لسنوات معدودة، ذلك أن البحث عن اهتمام دائرة فيينا بالسياسة نشط في تسعينيات القرن العشرين، بحيث ظهرت

(45)

دراساتٌ متعددةٌ اهتمت لهذا الموضوع، سواء من حيث الوقائع أو من حيث النظرية في حد ذاتها[1]. وتؤكد مثل هذه الدراسات على أن دائرة فيينا، حتى وإن كان لها «جناحٌ محافظ» أو غير مبالٍ بالسياسة كشليك ورايخنباخ، فإن الأعضاء المؤسسين لها الآخرين كانوا ينتمون إلى اشتراكية «فيينا الحمراء»، وكان لهم كلهم التزامٌ سياسي، سواء عندما كانوا شبابًا أو عندما تقدم بهم السن.

إضافةً إلى هذا، وإذا رجعنا إلى «بيان» الدائرة، فإننا نلمس بأنه يربط ظهور الوضعية المنطقية بظهور الليبرالية السياسية ونظيرتها الاشتراكية. والملاحظ أن المرء غالبًا ما يتغافل هذا الأمر في دراسته لدائرة فيينا. وكما أشرنا سابقًا في عجالة، فقد ظهرت الوضعية المنطقية في فيينا لأن هذه الأخيرة كانت «عاصمة الليبرالية». وأصبح هذا العش الليبرالي الوضعي مختبرًا للاشتراكية العلمية بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا السبب أصبح مصير دائرة فيينا مرتبطًا بالاهتمامات الاجتماعية لفيينا الحمراء (يعني الاشتراكية)، وهذا ما نلمسه في «بيان» الدائرة: «بتعاونها مع جمعية إيرنست ماخ، كانت دائرة فيينا مقتنعةً بأنها تستجيب لنداء الحاضر: إنتاج وسائل عمل فكرية للحياة اليومية، الحياة اليومية لرجالات العلم وكل من يساهم بطريقةٍ من الطرق لتنظيم نمط حياتنا بطريقةٍ واعية. إن الحياة المكثّفة التي تتمظهر في الجهود للتغيير العقلاني للنظام الاجتماعي والاقتصادي تسقي أيضًا حركة التنظير لتغيير العالم علميًا»[2].

(46)

يمكن استنتاج معادلةٍ طريفةٍ مُضمرةٍ في هذا النص. ذلك أن المرء يؤكد في العمق دون أن يذكر ذلك بأن دائرة فيينا تحقّق في الميدان العلمي ما تحققه الاشتراكية في الميدان السياسي، بل أكثر من هذا تؤكّد الدائرة على أنه من واجب التجريبية المنطقية رسم الطريق فيما يخص السياسة ذاتها.

يقرّبنا هذا النص أكثر من الفهم الصحيح لهجوم هوركهايمر على دائرة فيينا، عندما نفترض بأنه انتبه إلى أن التجريبية المنطقية قد تُعوض الاشتراكية المادية كنظرية لتحليل وتحرير الجماهير. فإذا تأملنا العمق البعيد لدائرة فيينا، فإننا نستنتج أن صراع الطبقات يأخذ شكل التقابل بين الميولات الميتافيزيقية والدينية التي كانت الأيديولوجيا القائمة تلبسها والخطاب ضد الميتافيزيقي والمحرر الذي كانت دائرة فيينا تقترحه: «إن الإتجاهات الميتافيزيقية والدينية التي تفرض نفسها الآن أكثر وأكثر في جمعيات وفرق، في الكتب والمجلات، في المحاضرات والدروس الجامعية، تتغذى من الصراعات الاجتماعية والاقتصادية القوية لليوم: فهناك مجموعة من المقاتلين المتشبثين بالماضي في الميدان الاجتماعي يزرعون اتجاهات ميتافيزيقيةً ودينيةً لا فائدة منها، مضمونها متجاوزٌ منذ مدة؛ بينما يقاوم الاتجاه الآخر، الذي يدير وجهه تجاه الوقت الحالي، وبالخصوص في أوروبا الوسطى، تلك الاتجاهات، ويبقى ملتصقًا بأرضية العلوم التجريبية. ويتزاوج هذا التقدم بصيرورات الإنتاج المعاصر، حيث يتقوّى التنظيم التقني بسبب الآلات ولا يترك إلا مكانًا صغيرًا للتمثلات الميتافيزيقية. كما أنه يتماشى مع القضاء

(47)

على وهم الجماهير العريضة تجاه أولئك الذين يبشّرون بمعتقدات ميتافيزيقية ودينية باطلة؛ إلى درجة أن الجماهير في الكثير من الدول الأوروبية حاليًا ترفض هذه المعتقدات بوعيٍ حادٍّ كبيرٍ بالمقارنة مع الماضي، ويخضعون في نفس الوقت ـ وهذا ما يتماشى مع التوجه الموالي للاشتراكية ـ إلى تصورٍ تجريبيٍ محض. كانت المادية فيما سبق تعبيرًا عن وجهة النظر هذه، لكن الآن تطورت التجريبية المعاصرة بتحررها من مخططاتها، وقد وجدت في التصور العلمي للعالم مكانه الحقيقي»[1].

يُغني هذا النص عن كل تعليل فيما يخص منافسة دائرة فيينا سياسيًا لمدرسة فرانكفورت. فقد كانت هذه المنافسة المحرك القوي الذي دفع بهوركهايمر إلى مهاجمة هذه الدائرة. من هنا يمكن التأكيد أن نقده لا يتأسس على بنياتٍ واقعية، بقدر ما يُسجّل في إطار مساجلاتٍ تنافسيةٍ لاتجاهين مختلفين من حيث المبدأ على الطريقة الناجعة لتغيير المجتمع.

بما أن نقد هوركهايمر كان موجهًا بالأساس إلى نويرت ومن خلاله إلى دائرة فيينا، فإن هذا الأخير لم يتأخر في الرد عليه، بتأكيده على أن المنهج الهيجيلي غير ناجعٍ لدراسة السياسة كما يتوهم أتباع مدرسة فراكفورت. وإذا دفعنا التحليل إلى أعمق من هذا، ودون إيقاظ الشعور بأننا ندافع عن نويرت واتجاهه ضد النظرية النقدية، فإننا نرى بأم أعيننا ما آلت إليه النظرية النقدية الفرانكفورتية مع هابرماس، الذي حولها إلى فلسفةٍ رسميةٍ لألمانيا الاتحادية. بل نتذكر في هذا المقام

(48)

كذلك نقد هابرماس للمنطقية الوضعية في ما يخص المعرفة العلمية، ودورها الأيديولوجي في إمكانية إضفاء الشرعية على أشكال الرقابة والقمع في المجتمع الصناعي برفع شعار حياد العلم والتقنية. كما انتقد مناداتها بضرورة توفّر مثل هذا الحياد في الدراسات الاجتماعية كذلك، كشرطٍ ضروريٍ للحاقها بركب العلوم الفيزيائية وتحقيق تقدّمٍ علميٍ في هذا الميدان. وهذا الشرط يتجاهل، في نظر هابرماس، خصوصية العلوم الإنسانية وطبيعة أساسها الإبستيمولوجي، كما يغافل محدودية المنهجية والإجرائية لكل علم.

يحتوي «بيان دائرة فيينا le manifeste du Cercle de Vienne» إذًا على مجموعةٍ من الخيوط التي تشي بأن هذه الدائرة لم تكن تهتم «بفلسفة العلوم» فقط وتحاول بناء نظرية معرفةٍ جديدة، بل كانت «مُسيسةً» بما فيها الكفاية، بل سابحةً في تصورٍ سياسيٍ بعينه، يجعل منها «حركةً سياسةً» أيضًا. وقد خفّ التوجه السياسي لدائرة فيينا بعد الحرب العالمية الثانية لأسباب كثيرة، ومنها بالخصوص فقدان أو غياب أو نهاية الخلفية الثقافية لها، التي كانت تمثلها «ثقافة إمبراطورية فايمار»؛ لكنه يرجع رويدًا رويدًا في وقتنا الحاضر: «لم تعد الليبرالية الجديدة والوضعية الجديدة مؤسساتيةً فقط، لكنهما أصبحتا أساسًا معلنًا عنه ومعترفًا به للنظام التشريعي العام [...] يتأسس الاقتصاد والسياسة العالميَّين بوضوح على أسسٍ ليبراليةٍ جديدةٍ ووضعيةٍ جديدة»[1].

(49)

ولا يجد الكاتب كمثالٍ على تأكيده هذا إلا الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الغربية، بما فيها حزب «العمال Labour»، التي طورت مفهوم «الطريق الثالث»، التي تسبح في نقاشات ليبراليةٍ ووضعيةٍ جديدة. ويضيف باسكال إينجل Pascal Engel  في هذا الإطار: «إن الذين يربطون نسقيًا الوضعية بالفكر الاقتصادي الليبرالي لا يُعتبرون مخطئين مطلقًا، ذلك أن جزءًا من علم الاقتصاد للقرن العشرين تأسس على تربة أطروحات كلٍ من فون ميزس Von Mises حايك Hayek وفريدمان Friedmann، وقد كان لهم كلهم في فترة من الفترات ارتباطٌ بالوضعية النمساوية. كما أنهم ينسون بأن الجزء المهم لوضعية فيينا وبرلين (وبالخصوص نويراث Neurath) كانوا متجدرين بقوةٍ في الاشتراكية [...] من المفروغ منه، بطبيعة الحال، كون الدفاع عن الفلسفة العلمية يقود إلى الرأسمالية»[1].

ج. التأثير في القانون

يؤكد الحقوقيون على أن بذور الوضعية في القانون توجد منذ بدايات الاتجاه الوضعي نفسه. فبوفندورف[2] Pufendort (1732) مثلًا كان يرى أنه بالإمكان إضفاء صفة العلم على القانون الطبيعي.

(50)

ويستشهد باربيراك Barbeyrac بأحد نصوص جون لوك، حيث يلمس المرء تأكيده على ما ذهب إليه بوفندور، أي إمكانية استنتاج: «قضايا واضحة بذاتها، والمقاييس الحقيقية للعدل والظلم، بنتائج ضرورية وغير قابلة للضحد كتلك التي نستعملها في الرياضيات»[1].

وتعززت الوضعية في القانون في القرن التاسع عشر، ويرى توليي Toullier: «نعني بالعلم تسلسل حقائق مؤسسةٍ على مبادئ واضحةٍ بذاتها أو ببراهين، مجموعة من الحقائق من نفس النوع، منظمة في نظام منهجي»[2]. وكان توليي هذا يعتبر القانون فنًا وليس علمًا، لأن موضوعه ليس تلقين حقائق، شأنه في ذلك شأن بلانيول Planiol الذي قال بأن: «القانون يتحرك كالحياة وكرأي الناس»[3]. كما شبه ألفريد جوردان القانون بالعلوم الطبيعية: «لا تشتغل العلوم الأخلاقية [...] بطريقةٍ مغايرةٍ للعلوم الطبيعية»[4].

ويمكن إضافة إرنيست روغان إلى لائحة القانونيين الوضعيين ممن «اعتنقوا» مبادئ الوضعية الجديدة. يقول: «ندرس القانون من وجهة نظرٍ تحليليةٍ وتركيبية، كما يدرس الكيميائي الأشياء ويصنفها [...] طبقًا لطبيعتها ذاتها، فإن استنتاجاتنا قوية، إلا إذا كان هناك خطأً، تمامًا كاستنتاجات الأجسام المادية». ويشرح بيكار في كتابه

(51)

«القانون الخالص» النزعة الوضعية التجريبية: «إن القانون هو علمٌ طبيعيٌ كعلم النبات أو علم الحيوان، علم وقائع قابلةٍ للملاحظة العلمية، وليس مجموعةً من المفاهيم الدماغية»[1].

إذا استحضرنا للأذهان التصنيف الذي أتلى به نوربيرتو بوبيو[2] Norberto Bobbio، الذي يفهم الوضعية كـ«طريقة لدراسة القانون» و«كنظرية للقانون» و«كأيديولوجية»، فإننا لا نتفاجأ بأن الوضعية كانت قد وطدت أقدامها في الدراسات القانونية. ولم يخرج أندري-جون أرنو[3] André-Jean Arnaud عن التحديد الذي قام به بوبيو لمصطلح «وضعية». بمعنى أن القانون طبقًا لبوبيو هو «واقعة» كبقية «الوقائع»، وتقتصر القوانين القانونية على التعبير عن «علاقاتٍ ضرورية» بين الناس، وهي علاقاتٌ تخضع كذلك إلى تغييراتٍ ضروريةٍ هي الأخرى. وبما أنه بالإمكان اختزال القانون في «واقعة»، وبما أن: «القوانين [...] تولد بطريقةٍ عفويةٍ من العلاقات الإنسانية»، طبقًا لضرورة بإمكاننا معرفتها، فليس هناك ما يُحرم على السوسيولوجيين اكتشاف: «القواعد التي يجب أن تهيمن على العلاقات وتُكَوِّن مضمون قانونٍ عقلانيٍ حقيقي»[4]، أفضل وأحسن من المشرعين الذين يُخضعون سَن القوانين إلى اعتباطية مخيلتهم.

(52)

ويذكّرنا هذا بمشروع مونتيسكيو Montesquieu في كتابه «روح القوانين» (1748). فقد دافع مونتيسكيو عن فكرة ضرورة موافقة القانون لجسم البلد الذي سُنَّ من أجله ولمناخه ولحجمه ولمختلف الفئات الاجتماعية والمهنية والدينية للناس الذين يعيشون فيه[1].

طبقًا لجول كولمان Jules Coleman وبريان لايتر[2] Brian Leiter، فإن الوضعية القانونية تتأسّس على فرضيتين اثنتين: من جهة يُعتبر القانون بناءً اجتماعيًا وليس معطًى طبيعيًا. ومن جهةٍ أخرى فإنه يختلف عن الأخلاق، وليس له بالضرورة أي ارتباط بها. ويمكن تعيين موضوعين للتحليل القانوني. من جهةٍ يُعتبر نسقًا من القواعد أو المعايير القانونية (ليست أخلاقيةً ولا إستطيقيةً، إلخ)، يتميز بإمكانية التغيُّر في الاستقرار، ومن جهةٍ أخرى هناك السبب الذي يحتم علينا الامتثال لهذه المعايير. للموضوع الأول إذًا علاقة بالمشروعية، أما الثاني فله علاقة بالمعايير أو بالسلطة. ونلاحظ هنا بما لا يدع مجالًا للشك آثار وضعية الجيل الأول القديم[3] والوضعية التجريبية.

هناك الكثير من الباحثين في القانون يؤكدون بأن الإنجليزي جون أوستين John Austin هو الذي فرض نفسه في القرن التاسع

(53)

عشر كأول منظّرٍ قانونيٍ وضعي[1]. فقد خوّل للحاكم سلطةً لا تعلو عليه على المحكُومين، تحمل في ثناياها نظام حكمٍ مطلق. قد تبدو أطروحات أوستين بعيدةً كل البعد عن الوضعية، لكنها في العمق تعبّر تعبيرًا وفيًا عن روح الوضعية عمومًا، التي لا تعترف بأية سلطةٍ أخرى من غير سلطة القوانين العلمية، التي يجب أن تخضع لها كل العلوم الأخرى.

تكفي هذه الأمثلة إذًا للتأكيد على أن نوعًا من الاختراق القوي والسريع للوضعية وقع في ميدان القانون، إلى درجة أن مناهج القانون التقليدي استُبدلت رويدًا رويدًا بمناهج وأدوات بحث العلوم التجريبية والرياضية والمنطقية. ونلمس تأثير الوضعية هذا في القانون إلى يومنا هذا.

لا داعي للتذكير بأن «يد» أوغوست كونت حاضرةٌ في هذا التأثير كذلك. وكما يقول شازال فإن: «الوضعية العلمية لأوغوست كونت ليست غريبةً»[2] في هذا الميدان. كانت الفلسفة تُعتبر روح القانون في القرن الثامن عشر، وما لبثت هذه الروح أن نُزعت، وتم تعويضها «بروح علمية»[3]. وقد كانت القطيعة الفعلية بين الفهم القديم للقانون

(54)

والفهم الوضعي الجديد مع النمساوي كيلسن Kelsen الذي عاصر «دائرة فيينا»، وبطبيعة الحال لم يستثنِ أي جهدٍ لإدخالها في ميدان القانون، تخصصه القار[1].

أسّس عام 1926 «المجلة العالمية للنظرية القانونية»، ومن الأهداف التي كان يتوخّاها من هذه المجلة معارضة فلسفة القانون. ويشرح في مقدمة كتابه «نظرية القانون الخالصة» الصادر عام 1934 ما يقصده بهذه النظرية بقوله: «إنها نظرية خالية من كل أيديولوجيا سياسية ومن كل عنصر من العلوم الطبيعية [...] هدفي هو رفع نظرية القانون [...] إلى مستوى علم حق»[2]. من هنا لم يعد القانون هو البحث عن «الحق» و«العدل»، بقدر ما أصبح إقامة مجموعة من القواعد الوضعية، وبالتالي تَحَوُلَهُ إلى عَرْضِي وصفي.

د. التأثير في الإقتصاد

أثّرت دائرة فيينا بشكلٍ لافتٍ للنظر في الاقتصاد عندما وصل ممثلوها الديار الأمريكية هاربين من النازية. ولعل أشهر أمريكي دافع عن الوضعية المنطقية الاقتصادية كان هو روتبارد Rothbard. أسس اهتمامه في هذا الميدان على الإرث الفكري الذي طوره كارل مينجر Carl Menger (1840-1921) في فيينا. واختار روتبارد

(55)

التطوير الخاص الذي قدمه لودفيغ فون مِيسِيس (1881-1973) لفكر مينجر، سواء عندما كان (أي فون مِيسِيس) في فيينا أو عندما استقر في الولايات المتحدة الأمريكية.

فقد رأى روتبارد في هذا التطوير العلم الخالص لليبرالية في إطار «قبلي» جذري، وهو الأساس الذي بنى عليه فون مِيسِيس ما يُسمى بـ «علم الفعل الإنساني» أو «التشكل الدلالي praxéologie»، وهو العلم الذي يجب أن يتشكل من خلاله كل علم الاقتصاد. بالإضافة إلى كون طريق روتبارد «نمساوي» و ليبيرالي إلى الحدود القصوى، فإن طريقه هذا «كُليّ».

كان على المدرسة النمساوية للاقتصاد السياسي الذي اشتغل عليه روتبارد وكان يعتبر نفسه سده المنيع الأساسي - في الشكل الذي طوره فون مِيسِيس بأمريكا ـ تقديم المتراس النهائي لليبيرالية الحقيقية، سواء على المستوى النظري أو المؤسساتي. والحقيقة أن النظرية الاقتصادية التي اشتغل عليها المفكرون النمساويون في المهجر الأمريكي قد بقيت لمدةٍ طويلةٍ في الظل ولم تُثر في بداياتها أي اهتمامٍ يُذكر.

ما كان طاغيًا في العلوم الاقتصادية في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية كانت هي الكينزية[1] keynésianisme، قبل سيطرة ما يسمى مدرسة شيغاغو[2] ابتداءً من خمسينيات القرن

(56)

العشرين. فقد كان ميسيس وحايك Friedrich Hayek وكارل مينجر (ابن مينجر) يمثّلون الجيل الثالث للمدرسة النمساوية في الاقتصاد، بعد مؤسسها مينجر وتلامذته المباشرين أوغين بوم ـ بافيرك Eugen Bِhm-Bawerk وفريديريك فيزر Friedrich Wieser. فقد كان إدماج المفاهيم النمساوية في الجامعات الأمريكية جد صعب، لكن أتت أجيال من الطلبة الأمريكيين مثل روتبارد وجدت فيها ضالتها وبديلًا عن الكينيزية: «وضع روتبارد إعادة صياغة الفكر الاقتصادي النمساوي في خدمة إعادة تأكيد البرنامج الليبرالي في الولايات المتحدة الأمريكية. نجح في تأسيس مؤسسات، كمعهد ميسيس، حيث دَرَّسَ حقيقته»[1].

عارض روتبارد بشدةٍ كل محاولات إدخال تغييرات على تعاليم ميسيس الاقتصادية، التي كان يريد لها أن تبقى «نقيةً». فعندما بدأ دون لافوا Don Lavoie برنامجه في جامعة جوج ماسون George Mason في فرجينيا، التي كانت إلى جانب جامعة نيويورك (حيث دَرَّسَ ميسيس) لعشرات السنوات، وأعطى الانطباع بأنه ينوي تطوير برنامجٍ نمساويٍ يتجاوز الحدود المحذورة للتقليد الميسياني (نسبة إلى ميسيس)، دق ناقوس الخطر عند روتبارد، وحاول في مقال له تحت عنوان: «الدفاع عن الماقبلي الأقصى»، نشرته المجلة الجنوبية للاقتصاد، رفع راية نظرية ميسيس. ما كان يهمه في المقام الأول هو

(57)

الوصول إلى الأصالة الخالصة للفكر النمساوي في الإرث الذي يبدأ مع مينجر وينتهي مع ميسيس. إلى جانب هذه الجبهة العلمية، فتح جبهةً سياسيةً تدافع عن «السوق» ضد كل المدارس الاقتصادية الأخرى في أمريكا. وقد تعززت مواقفه وأفكاره لصالح اقتصاد السوق، إلى أن «انتصر» في نهاية القرن العشرين بشكل مذهل، بل فُرض على المستوى العالمي، كالنموذج الذي يجب أن يُحتذى.

(58)

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

الخلفية الأيديو - فكرية

 لدائرة فيينا

 

(59)

1. جذور دائرة فيينا

لم تنبت دائرة فيينا في خلاء، بل في مدينة انتشرت فيها الليبرالية السياسية منذ منتصف القرن التاسع عشر: «نَبَعَ العالم الفكري لدائرة فيينا من الأنوار والتجريبية والمنفعية ومن حركة الاقتصاد الحر الإنجليزي. فقد كان علماء مشهورين عالميًا يوجدون في مقدمة الحركة الليبرالية لفيينا. اعتنى المرء بروح ضد الميتافيزيقا، ولنُذَكِّر بتيودور غومبيرتس Theodor Gomperz، الذي ترجم مؤلفات ميل Mill (1869 ـ 1980)، وسيوس Suess ويودل Jodel وآخرون»[1].

ويضيف أناستازيوس برينر في هذا الإطار: «كان كيلسن في مدينةٍ عالمية، كانت تحتل في ذلك العصر المركز الفكري في أوروبا. كان المرء يحاول تخفيف التأثير الألماني بالرجوع إلى الفكر الفرنسي والإنجليزي، وكان المرء يحاول أخذ الأفضل من كل الإرث الأوروبي، بهدف إقامة تصور علمي للعالم [...] فقد تنافست المذاهب المختلفة: الكانطية، الوضعية، التجريبية، الماركسية إلخ. وكلها كانت تأثيرات مُورست على جيل 1900. فالبلد الذي تأخر في التحديث على الرغم من مجهودات بولتزانو وبرينتانو وماخ ومصلحين آخرين، سيتغير في غضون سنواتٍ قليلة، ليُصبح مكان تشكيل الحداثة الأوروبية»[2].

(60)

وطبقًا لجون سيباستيك[1] فإنه على الرغم من أن أعضاء دائرة فيينا كانوا يؤكدون على القطيعة مع الفلسفات السابقة (باستثناء الاتجاهات التجريبية والوضعية)، فإن الدائرة ترمي بجذورها في الإرث الفلسفي النمساوي للقرن التاسع عشر. كانت هناك إذًا مجموعة من التأثيرات الأيديولوجية والفكرية[2]، غذّت تربة دائرة فيينا وسهرت على ترعرعها وتطورها: «عرفت بداية القرن العشرين تقدمًا مدهشًا في ميادين المنطق والرياضيات، وكانت الفيزياء القديمة تمر بأزمة، لأنها هُزمت من طرف نظرية النسبية وميلاد الميكانيكا الكوانطية [ميكانيكا الكم]. من جهة فلسفية تدفقت الاتجاهات اللاعقلية، التي قامت الدائرة ضدها. اتّضح أنه من الضروري تطوير مقاربةٍ فلسفيةٍ يكون بإمكانها فهم ودمج العلم. وبالنسبة لمؤسسي الدائرة، كان على الفلسفة أن تكون الحليف المميز للعلم، الذي يجب أن تكون قادرةً على وصف أساليبه»[3].

(61)

يُقال بأن بلومبرغBlumberg  وفايغل[1] Feigl هما اللذان أطلقا عام 1931 تسمية «الوضعية المنطقية» على كل الأفكار الفلسفية التي تميزت بها دائرة فيينا. وعلى الرغم من أن وضعية دائرة فيينا لا تدين بالكثير للوضعية الموروثة كما نظر لها ميل Mill وسبنسر وهيوم وأوغست كونت، بالقدر الذي تدين به للوضعية المحدثة التي وضعها إرنست ماخ وبوانكاري وأينشتاين وفريجي وراسل وفيتغنشتاين، فإننا نرى بأنه من الأهمية بمكان التعريج ولو في عجالة على وضعية هيوم وكونت، نظرًا للتأثير المباشر وغير المباشر على وضعية دائرة فيينا. ولا ننسى في هذا الإطار أبًا روحيًا آخرَ لدائرة فيينا، ويتعلق الأمر بإيرنست ماخ.

أ. دافيد هيوم

درس الفيلسوف الأسكتلندي دافيد هيوم David Hume (1711-1776) الفلسفة والاقتصاد والأدب والقانون. عاش بين 1734 و1737 في فرنسا، قبل الرجوع إلى إنجلترا، حيث نشر باكورة مؤلفاته «رسالة في الطبيعة البشرية» عام 1739 في ثلاثة أجزاء، لخصها فيما بعد في كتاب آخر عنونه بـ «بحث في الفهم الإنساني» سنة 1740. وإلى جانب تأليفه حول تاريخ إنجلترا، نشر هيوم من

(62)

بين ما نشره «مقالات أخلاقية وسياسية» عام 1741 و«بحث في مبادئ الأخلاق» و«التاريخ الطبيعي للديـن» عام 1757.

اعتبر هيوم كل معرفةٍ تهتم بالإنسان فلسفةً أخلاقية، بما في ذلك نظرية المعرفة والدين والسياسة والاقتصاد. كما أنه قسّم المعارف البشرية إلى فلسفة طبيعية، أي ما سُمي فيما بعد العلوم الحقة من كيمياء وفيزياء ورياضيات وعلوم أحياء إلخ، وفلسفة أخلاقية، أي ما سمي بعد ذلك العلوم الإنسانية، وبالخصوص الدين والاقتصاد والسياسة. وما كان هيوم يتوخاه هو «محاولة إدخال المنهج التجريبي في الموضوعات الأخلاقية»، والمقصود بهذه الأخيرة هو الفهم الإنساني والانفعالات والأخلاق.

في تطبيقه للمنهج التجريبي، حاول هيوم دراسة المعرفة انطلاقًا من الإدراك الحسي وانطباعات الحواس، ودرس الأخلاق انطلاقًا من الانفعالات. ولهذا السبب بالضبط يعتبره السيكولوجيون رائد السيكولوجية التجريبية في بداياتها الأولى، خاصةً إذا أضفنا إلى ذلك مصطلح «الطبيعة البشرية»، التي كان يقصد بها الطبيعة السيكولوجية للبشر.

كان «مثال» المنهج التجريبي عند هيوم هو ذاك الذي كان يُستعمل في الطب. وكان مبتغاه هو تشريح الطبيعة البشرية، كما يُشرّح الجسد، بهدف الوصول إلى الدقة العلمية في ميدان الموضوعات الأخلاقية، تمامًا كالعلوم الطبيعية؛ ومن ثم الوصول إلى قوانين عامة، على غرار ما قام به نيوتن في الفيزياء وعلوم الطبيعة. وبما أن هذه الأخيره عند نيوتن هي أساسًا علمٌ للحركة، فإن

(63)

هيوم اعتبر علم الطبيعة البشرية علمًا للحركة النفسية: الانفعالات والأحاسيس والمشاعر. وقد غيّر وجهة نظره هذه في غضون تطوير دراسته للطبيعة البشرية، معتبرًا العلم الذي كان بصدده علم وظائف النفس. وأفعال هذه الأخيرة في نظره تكون صادرةً عن ملكاتٍ معرفيةٍ (الإدراك، والحس، والمخيلة، والفهم) وأخلاقية.

في إطار تطبيقه للمنهج التجريبي، دعى هيوم إلى رفض كل التصورات القبلية المسبقة عن الطبيعة الإنسانية وترك البحث يأخذ مجراه العادي والاعتماد على ملاحظة السلوك الإنساني. كما أنه رفض التأمل الباطني الديكارتي، الذي ألحق الجسد بالعقل (أو الروح). وكنيوتن الذي اعتبر الطبيعة مكوَّنةً من ذرّاتٍ بسيطةٍ لا حصر لها خاضعةٍ لقانون الحركة والجاذبية، فإن هيوم حاول دراسة الطبيعة البشرية باعتبارها مكوَّنةً من إدراكاتٍ بسيطة، يشكّل الفهم منها إدراكاتٍ مركّبة، على أساس ترابطها في الذهن (نظرية ترابط الأفكار)، الذي يعتبره هيوم مشابهًا لتجاذب الذرات في فيزياء نيوتن. أكثر من هذا يستعمل هيوم مصطلح «الجاذبية» في وصفه لما يحدث للأفكار عندما تكون في المخيلة والذاكرة.

ما يحكم سلوك البشر في نظر هيوم ليس هو العقل الذي لا يعترف به إلا في ميدان العلوم الحقة، بل الأحاسيس؛ التي تتحكم حتى في العقل عنده[1]. وتفضيل شيءٍ على شيءٍ آخر كامنٌ في الطبيعة البشرية ذاتها، وغير خاضعٍ لأية إرادة، بل محكومٌ بنوعٍ من العادة والممارسة.

(64)

تجاوز استخدام هيوم للمنهج التجريبي استخدام لوك لنفس المنهج بكثير. فقد قاد الفلسفة التجريبية إلى حدودها القصوى، إلى أن انتهت معه إلى «شكٍ» و«نسبيةٍ» لا غبار عليهما. فقد أقر هيوم بأن كل المعارف الإنسانية نسبيةٌ ومؤسسةٌ على درجة احتمالٍ عاليةٍ جدًا، وبالتالي لا تساعدنا على المعرفة الصحيحة لمواضيع الميتافيزيقا من نفسٍ وحريةٍ وألوهيةٍ وغائيةٍ إلخ. والمعرفة اليقينية الوحيدة التي نمتلكها، بل أقصى ما يمكننا معرفته، هي معرفة أشياء العالم الحسي التجريبي الخاضع للإدراك الحسي والخبرة التجريبية.

ب. أوغست كونت

أوغست كونت August Conte (1798-1857)، فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي. من أهم مؤلفاته: «الفلسفة الوضعية»، الذي خصص له ستة أجزاء، نشرت بين 1830 و1842.

فكريًا، يعتبر الكثير من الباحثين دائرة فيينا استمرارًا للفلسفة الوضعية كما نظّر لها كونتConte . فقد ظهر هذا التيار في حقبةٍ تاريخيةٍ خاصةٍ في القرن التاسع عشر، في مناخ سادت فيه الاضطرابات المجتمعية والسياسية في أعقاب الثورة الفرنسية الكبرى. سياسيًا، كان الصراع في أوجّه بين القوى الاجتماعية التقليدية، المتمثلة بالنبلاء ورجال الدين والملك؛ وبين القوى الثورية الجديدة، المتمثلة بالطبقة البرجوازية والعمال. كانت القوى الأولى تسعى إلى الحفاظ على مكتسباتها وسلطتها، بينما كانت القوى الثانية تحاول إعادة بناء المجتمع سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا على أسسٍ جديدةٍ يكون لها فيه دور فعَّال.

(65)

كان لتطور علوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء دورٌ هامٌّ في دفع بعض المفكرين إلى التنظير لإعادة تفسير العلوم الاجتماعية، طبقًا لمناهج العلوم الحقة، بهدف إتمام العلوم المكونة للفلسفة الوضعية. وكان أوغست كونت أهم ممثلٍ لهذا الاتجاه، بل يُعتبر المؤسس الحقيقي للفلسفة الوضعية في القرن التاسع عشر.

قسّم كونت الفكر الإنساني تاريخيًا إلى ثلاثة مراحل عنونها، وأطلق عليها اسم «مسار الفلسفة الوضعية»:

- المرحلة اللاهوتية، يفسّر فيها الناس العالم والطبيعة طبقًا لتمثّلاتهم الدينية وتدخل الكائنات المقدسة، أو المقدس بصفةٍ عامة، في الطبيعة ومصير الإنسان.

- المرحلة الميتافيزيقية، يفسّر فيها الناس الوجود بناءً على معارف ثابتةٍ، متعاليةٍ، مطلقةٍ وتأملية، ليس لها أية صلة بالواقع الفعلي.

- المرحلة الوضعية، يستعمل الناس فيها المنهج الوضعي في تفسير الطبيعة، ويتأسّس هذا المنهج على الملاحظة والاستنتاج. ونادى كونت في هذا الإطار إلى دراسة الطبيعة البشرية اعتمادًا على علوم الإحياء والسوسيولوجيا. وكان هدف التقدم عنده يتمثّل في الوصول إلى السلطة السياسية والاجتماعية، بالاعتماد على العلم، الذي أصبح بطريقةٍ من الطرق دين البشرية الجديد. فقد كان الاعتقاد عامًا بين الوضعيين آنذاك في كون العلم قادرًا على تحقيق حياةٍ أفضل للإنسان من خلال تطوير الطب وعلومٍ أخرى.

(66)

للإشارة، لم يُقصِ كونت ـ كما فعل آخرون ـ اللهَ من فلسفته الوضعية، بل أكّد على أن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن الإيمان بالله، «الكائن الأعظم» عنده. أي إنه نبّه إلى عدم غرور الإنسان بنفسه بفضل التقدم العلمي والتكنولوجي، على الرغم من أنه حارب دين العصور الوسطى، الذي كان يقف ضد حرية الفكر وتطور العلوم، كما كان ضد الميتافيزيقا: «لا مكان في العلم للميتافيزيقا عند «أوغست كونت» Auguste Comte. فالعلم، عنده، يقتصر على وصف المظهر الخارجي للأشياء، فليس للظواهر جواهر، إنما لها مظاهر فحسب، يُمكِّنُنَا منها المنهج الوصفي، الذي هو منهجٌ قائمٌ على رفض الإطلاقية في المعرفة، تتعين المهمة الأساسية فيه للعقل في التنسيق بين الوقائع النسبية للمشاهدة. فالوضعية عند «أوغست كونت» Auguste Comte تتأسس إذًا على منهج الملاحظة والتجربة والمقارنة، كما ترتكز على المنهج التاريخي في الظواهر الاجتماعية، وهذا كله قصد إحداث التنبؤ من داخله»[1].

كما يعتبر فلسفة العلوم امتدادًا للاتجاه التجريبي أو الطبيعي عند الإنجليز، وبالخصوص عند نيوتن، يقول كونت: «هناك بدون شك تشابهٌ كبيرٌ بين فلسفتي الوضعية، وما يفهمه العلماء الإنجليز من ذلك، منذ نيوتن، على الخصوص، بالفلسفة الطبيعية. لكن لم يكن لي أن أختار هذه التسمية الأخيرة، ولا حتى فلسفة العلوم التي ستكون أكثر دقةً، لأن الواحدة أو الأخرى لا تفهم كذلك من كل النظم والظواهر. لكن الفلسفة الوضعية، التي أفهم منها دارسة

(67)

الظواهر الاجتماعية، وكذلك كل الظواهر الأخرى على طريقةٍ منسجمةٍ للتفكير، يمكن تطبيقها على كل المواضيع التي يتعامل معها الذهن الإنساني»[1].

يرجع الفضل إذًا لكونت في نقل المنهج التجريبي من ساحة العلوم الفيزيائية إلى ساحة العلوم الإنسانية بصفةٍ عامة، مؤسسًا بذلك لفلسفةٍ وضعية، تؤمن بالحساب والمعادلات الرياضية والقوانين الفيزيائية. وكان لها أيضًا دورٌ كبيرٌ في دراسة علم المنطق الشكلي الأرسطوطاليسي ودراسة اللغة ودورها في أداء المعنى في العلم، وبهذا أصبحت فلسفة تحليل اللغة منهجًا نقديًا قائمًا بذاته، وساهمت أيضًا في تأكيد الصلة بين النظرية والتطبيق، وفي تطوير تقنيةٍ منطقيةٍ لتوضيح الرأي، إذ ضمنت إمكان اختبار الأقوال عبر التجربة والتطبيق واستخدام التعريف والمصطلحات المستندة أيضًا على التجربة.

ج. إيرنست ماخ

الواقع أن الاسم الأول الذي اختاره رواد دائرة فيينا، أي «جمعية ماخ»، كان الغرض منه تسجيل معارضتهم للميتافيزيقا في حلتها الكلاسيكية. فقد كان ماخ نفسه رافضًا لها. لكن لا يجب أن يُفهم من هذا القول أن دائرة فيينا كانت متفقةً كليةً مع كل التعاليم «الماخية» (نسبةً لماخ) فيما يخص نظرية المعرفة. ولم تتخلَّ الدائرة عن التسمية الأولى لأي سببٍ آخر من غير إعطاء دائرتهم اسم مدينتهم:

(68)

«دائرة فيينا». وتعتبر هذه الأخيرة استمرارًا للتجريبية الكلاسيكية، لكنها نفضت الغبار عنها وأحيتها من جديد بطريقةٍ أصيلةٍ في إطار التحليل المنطقي للغة: «إن أجداد دائرة فيينا هم من جهة هيوم، ميل وماخ، ومن جهةٍ أخرى فريجي، راسل، وايتهيد وفيتغنشتاين»[1].

لم يكن من قبيل الصدفة تأسيس جمعية إيرنست ماخ Ernst Mach (1938 ـ 1916) كحاضنةٍ أولى للوضعية الجديدة في فيينا، لأن هذا الفيلسوف والفيزيائي النمساوي أثّر بما لا يدع مجالًا للشك في هذه الدائرة. فقد كان صاحب دراساتٍ مشهورة في ميدان الحركة فوق الصوتية وسمي «رقم ماخ» على اسمه وهو رقمٌ يستعمل لقياس السرعات فوق الصوتية. جمع ماخ بين عدة مجالاتٍ علميةٍ مثل الفيزياء والرياضيات وعلم النفس الوظيفي والفلسفة. ولد إرنست ماخ يوم 18 فبراير 1838 في تشيرليتز ـ توراس (بمدينة برنو بجمهورية التشيك حاليًا). رحلت عائلته إلى منزلٍ زراعيٍ بالقرب من مدينة فيينا وهو في عمر الثامنة تقريبًا. بدأ دراسته الجامعية عام 1855 في جامعة فيينا في قسم الفيزياء والفيزيولوجيا الطبية. وأنهى مشواره الدراسي بأطروحته في الفيزياء عن التحريض والشحن الكهربائي عام 1860. سنة بعدها كان مؤهلًا للتدريس والبحث الجامعيَين.

من بين أهم مساهماته العلمية الأخرى هناك نقده ورفضه لفكرة نيوتن المتعلقة بالزمان والمكان، وهي الفكرة التي ألهمت النظرية

(69)

النسبية لأينشتاين. وإلى جانب التأثير الكبير لفلسفته على دائرة فيينا، فإنه أثّر وألهم تياراتٍ فكريةً غربيةً أخرى كالبراغماتية الأمريكية. اهتم ماخ بتاريخ العلوم أيضًا وكان معروفًا برفضه المنهجي لآراء المحافظين سواء في الفيزياء أو الفلسفة. لا يخفي ماخ بأنه رجع إلى التعاليم الفلسفية لكل من كانط وبيركلي في عمله. بل اعترف في مرحلةٍ معينةٍ من تطور فكره بأن المثالية النقدية لكانط هي التي شكلت منطلق تفكيره النقدي برمّته، لأن كانط في نظره أتقن التمييز بين الظواهر والأشياء في ذاتها، أي بين ما يمكن للإنسان معرفته وما لا يمكن معرفته على الإطلاق.

انتقل عام 1864 إلى جامعة غراتس Graz النمساوية، تاركًا فيينا وراءه، لتدريس الفيزياء، وأضيفت له مادة الرياضيات فيما بعد. لكنه ترك غراتس أيضًا بعد ثلاثة سنوات (أي عام 1867) ملتحقًا بجامعة كارلس Karls بمدينة براغ (التشيكية حاليًا)، حيث درس الفيزياء التجريبية. وفي براغ بالذات، حيث عاش ثلاثة عقودٍ تقريبًا، أجرى بحوثًا حول محفزات الشبكية والإدراك السمعي وحركة الموجة، كما درس انتشار الموجات الصوتية باستخدام أجهزة التصوير الفوتوغرافي، التي كانت سببًا في إعطاء مصطلحَي «رقم ماخ» و«زاوية ماخ». أثبت ماخ تجريبيًا وجود موجات الصدم التي تظهر على شكلٍ مخروطٍ تكون القذيفة في قمّته، كما أفضى عمله على تأثير التوزع المكاني للضوء المنبه للشبكية إلى مجموعة من الاكتشافات التي سُميت فيما بعد بـ«حزمة ماخ».

رجع عام 1895 إلى فيينا حيث ترأّس القسم الذي أُسس حول

(70)

نظرية العلم الاستقرائي، وفي هذه الفترة (1896) نشر بحثه المشهور «مبادئ الترموديناميك».

توفي ماخ في 19 فبراير 1916، وأعلنت وزارة العلوم والأبحاث والاقتصاد بالنمسا «منحة إيرنست ماخ» لتشجيع الباحثين الأجانب على متابعة التعليم الأكاديمي في النمسا.

د. فيتغنشتاين

لودفيج فيتغنشتاين Ludwig Josef Johann Wittgenstein (1889 ـ 1951). نُشر لفيتغنشتاين وهو على قيد الحياة كتاب وحيد «رسالة منطقية فلسفية»، كان يبتغي منه حلّ كل المشكلات الفلسفية الأساسية التي كانت تشغل معاصريه ومن جاؤوا قبلهم. لاقى كتابه هذا ترحيبًا في إنجلترا، وكما سبقت الإشارة إلى ذلك كان محطّ دراسة «دائرة فيينا». وبقدر ما اهتمت هذه الدائرة بالباكورة الفكرية لفيتغنشتاين، بقدر ما كانت سببًا في إعادة نظره في مضمون الكتاب، لأنه وعى بأن «رسالته» لم تحلّ كل المشكلات الفلسفية الأساسية. وساعدته مراجعته لأفكاره هذه إلى الانفتاح على عالم أفكارٍ جديد، تعارضت في الكثير من المواقع مع الكثير من أفكار «الرسالة». بعد سنتين من وفاته (1953)، نُشر كتابه «بحوث فلسفية»، اعتبرته الساحة الفلسفية آنذاك بمثابة المؤلف الذي أثر في مجموع الفلسفة الغربية لما بعد الحرب الكونية الثانية.

حتى وإن كانت كل فلسفة فيتغنشتاين تدور حول اللغة، فإن المرء يلاحظ بأن هناك فرقًا كبيرًا بين كتابه الأول ونظيره الثاني. طغى

(71)

على مؤلفه الأول التجريد والضبط الدوغمائي، أما في الثاني فيشعر المرء وكأنه كان يشتغل في ورشات مختلفة، يصف فيها أكثر مما يركب ولا يلمس المرء الهدف الذي كان يتوخاه إلا بصعوبة.

ما يجمع الكتابين معا هو بحث فيتغنشتاين عن منطق اللغة وتأكيده على كون الإشكاليات الفلسفية هي إشكاليات مفاهيمية ومنطقية وليست تجريبية. كما أن فيتغنشتاين المتأخر كان يرى بأن مهمة الفلسفة لا تكمن في بناء النظريات، بل توضيح طبيعة تفكيرنا في هذه النظريات[1].

من بين الأهداف الرئيس لـ«الرسالة» هو بناء نظريةٍ تخص قدرة اللغة على رسم العالم، بالتأكيد على أن الجمل هي شكل من أشكال التصوير، عُرفت فيما بعد باسم «نظرية الصورة في المعنى».

سار فيتغنشتاين في بداية مشواره الفلسفي في خطين متوازيين، خصص للأول تحليل العالم وخصص للثاني تحليل اللغة. وفي سيره هذا أكد على أن للعالم بنيةً خاصةً به وللغة بنيتها كذلك. فإذا كان العالم يتكون من سلسلةٍ مترابطةٍ من الوقائع، وتتألف هذه الأخيرة من حالات الواقع، وتتألف هذه الأخيرة بدورها من أشياء إلخ؛ فإن اللغة هي مجموع القضايا، وتتألف هذه الأخيرة من قضايا أولية، وهذه الأخيرة من أسماء. فتحليلنا للعالم يفضي بنا إلى أشياء أما تحليل اللغة فإنه يفضي بنا إلى أسماء، والعلاقة بين التحليلين هو ما عبر عنه بكون «اللغة هي صورة للعالم». من هنا فإنه يرى أن الوظيفة الرئيسة للغة هي التصور الخارجي للعالم.

(72)

بما أن القضايا هي وصفٌ لواقعة من الوقائع، فإنها ـ طبقًا لفيتغنشتاين ـ إما صادقة وإما كاذبة. والمقصود من هذا عنده هو أن اللغة تنحل إلى قضايا، أما العالم فإنه ينحل إلى وقائع. فالقضايا تنحلّ إلى قضايا أولية والوقائع تنحل إلى وقائع ذرية، والقضايا الأولية مكوّنةٌ من أسماء بسيطة لا يمكن تعريفها بغيرها، ولكنها تشيرُ مباشرةً إلى أشياء، وكذلك الوقائع الذرية تتكون من أشياء بسيطة لا يمكن تحليلها بل يمكن تسميتها فقط. من هنا فإن اللغة عند فيتغنشتاين هي الفكر، ولا توجد حدود بين الاثنين، على اعتبار أنه كان يعتبر الفكر قضيةً ذات معنى.

بتعيينه لحدود اللغة، فإن فيتغنشتاين وضع حدًا بين المعنى واللامعنى، وبهذا أصبحت اللغة في قلب البحث الفلسفي المعاصر. إلا أن المتتبع لفكره في هذا الإطار يلاحظ بشفافيةٍ أن وظيفة اللغة في مقدمة «بحوث فلسفية» مغايرة لوظيفتها في «الرسالة». يؤكد في «الرسالة» بأن للّغة ماهيةً فريدةً قابلةً للاكتشاف، وتنبني على منطقٍ وحيدٍ يمكن تفسيره عن طريق تحليل بنية اللغة والعالم. أما في «بحوث فلسفية»، فنرى أنه يرفض أن يكون للغة منطقٌ وحيدٌ وماهيةٌ واحدة، بل يؤكد على أن هناك ممارسات لغويةً مختلفةً ولكل ممارسة منطقها الخاص.

كانت الفلسفة التحليلية عند فيتغنشتاين نقطة تحولٍ حاسمة في فلسفة القرن العشرين عمومًا. ولا يكمن هذا التحول الجديد في النتائج التي انتهى إليها هذا الفيلسوف، بل في المنهج الذي اتبعه في بحثه الفلسفي.

(73)

كان يرى، متفقًا في ذلك مع فلاسفة معاصرين له (مور وراسل بالخصوص)، أن السبيل لحل الكثير من الإشكالات الفلسفية التقليدية يكمن في تحليل العبارات اللغوية للفلاسفة تحليلاً دقيقًا. وكان النقص في هذا التحليل هو السبب في نظرهم في وجود مشاكل أمام الفلسفة. فالفلسفة في نظر أقطاب التحليل لم تعد تهتم باكتشاف المعارف والحقائق الجديدة، بل تحلل المعارف بهدف توضيحها وتشخيص الزائف من الصحيح فيها.

2. الخلفية الفكرية لدائرة فيينا

ظهرت هذه الدائرة في وقت اضطراباتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ وتحولاتٍ علميةٍ كبرى. كانت تعتبر نفسها حركةً ثورية، تحاول تجاوز الفلسفة التي سبقتها، تمامًا كما حدث في الفيزياء بعد اكتشاف النظرية النسبية وتجاوزها لكل المعارف الفيزيائية السابقة عليها. وعلى عكس الشائع، فإن الشحنة الثورية لهذه الدائرة لم تنحصر فقط في الميدان الفلسفي، بل تعدته للسياسية، بالنظر إلى أن المنتمين لها كانوا مسيسين جدًا وكانت لهم علاقات مع مجموعات نقديةٍ أخرى.

ويعتبر المؤرخ الأمريكي دون هووارد Don Howard وضعهم اليساري واليساري الليبرالي بوضع ممثلي مدرسة فرانكفورت أو سارتر Sartre. وخير مثال على هذا هو السوسيولوجي وعالم الاقتصاد النمساوي أوتو نويراث Otto Neurath، الذي كان يدافع

(74)

عن ماركسية غير دياليكتيكية، لكنه أصبح بعد الحرب العالمية الأولى من بين أكبر الممثلين للماركسية في النمسا. لم يكن نويراث ينظّر للتجريبية المنطقية كقضيةٍ علميةٍ محضة فقط، بل كان يعتبرها كجزءٍ من حركةٍ تقدميةٍ عامة.

وقد سبّب هذا التوجّه السياسي لدائرة فيينا مشاكل مع المحافظين والدوائر اليمينية، وهذا ما أدى إلى تحجيمها إلى أقصى حد في أوروبا[1]، بل وإلى هجرتها إلى العالم الأنجلوساكسوني (أمريكا وإنجلترا) قُبيل الحرب العالمية الثانية. ولم ينحصر الهجوم على الدائرة على الأجنحة اليمينية، بل نجد مثلًا أحد أقطاب الجناح اليساري ماكس هوركهايمر Max Horkheimer، أحد ممثلي مدرسة فرانكفورت، يهاجمها عام 1937 لأسبابٍ أيديولوجيةٍ محضة، تتمثل في تأكيده على أنها لن تؤمن أبدًا بالنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت التي كان يُعتبر أحد أقطابها.

كان أول هدف لدائرة فيينا هو تشجيع المنطق التجريبي أو المنطق الوضعي، وهذا ما يشي بأن لها على الأقل جذرين فلسفيَين: العقلانية والتجريبية. طورت الدائرة نقدًا جذريًا للميتافيزيقا الاحتمالية spekulativ، وانتمى إلى هذه الدائرة مجموعةٌ من

(75)

الفلاسفة المرموقين ومنهم بالخصوص غوتلوب فريجا Gottlob Frege، إرنست ماخ Ernst Mach، لودفيغ بولتسمان Ludwig Boltzmann، موريتس شليك Moritz Schlick، لودفيغ فيتغنشتاين Ludwig Wittgenstein، برتراند راسل Bertrand Russell، وغيرهم.

(76)

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

مرتكزات دائرة فيينا

كنظرية معرفة

 

(77)

1. أسس دائرة فيينا

كان إصدار دائرة فيينا لمجلة «المعرفة Erkenntnis» التي كانت تنطق بلسان حالها (عاشت تسعة سنوات)، مناسبةً لنشر نصوصٍ مختلفة لروادها الأوائل، بل وأيضًا «تصورها للعالم»، أي منهج وأطروحات الدائرة والإشكاليات التي كانت تناقشها. وحدد شيلك التوجه العام للدائرة في كتابه: «منعرج الفلسفة»، كما عززت دائرة فيينا وجودها بتنظيم مؤتمرات عدة[1].

للوضعية المنطقية المحدثة أساسان إذًا: ترتكز في آخر المطاف على الخبرة الحسية المباشرة، عندما يتعلق الأمر بظاهرةٍ من ظواهر العالم الخارجي، أي ما طوره دافيد هيوم في هذا الإطار،  كما أنها تركز على التمييز بين حقائق العقل وحقائق الواقع، أي على فلسفة ليبنيتز.

وإذا نقلنا هذا التمييز اللايبنيتزي إلى عالم القضايا الفلسفية، نجد بأن الأمر يتعلق في العمق بالقضايا التحليلية ونظيرتها التركيبية. الأولى منها يقينية، على اعتبار أن محمولها يكرر ما في موضوعها من عناصر؛ أما الثانية فإنها احتمالية، على اعتبار أن محمولها يضيف إلى موضوعها خبرًا جديدًا. وبهذا أمكن القول بأن ليبنيتز مهّد الطريق للوضعية المنطقية بجميع اتجاهاتها الفلسفية اللغوية.

ولا ننسى في هذا المقام التأثير الكانطي كذلك على هذا الاتجاه.

(78)

فقد استلهمت الوضعية المنطقية والوضعية المنطقية الجديدة بعض مرتكزاتها الفلسفية اللغوية من الفلسفة النقدية لكانط، التي تؤكد على أن التجربة هي المجال الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يستنتج منه أحكامه العلمية. أكثر من هذا ذهب في بنائه للميتافيزيقا إلى النداء بالرجوع إلى الرياضيات والفيزياء لبناء أحكامٍ صحيحة. ويكمن الاختلاف بين كانط والوضعيين المنطقيين في كون كانط كان يرى في «الشيء في ذاته» حقيقةً تتجاوز الإدراك الحسي للإنسان، على الرغم من أنه كان يُقر لها بوجودٍ واقعيٍ يلفت للتجربة. أما «الشيء في ذاته» عند الوضعيين المنطقيين فلا معنى له على الإطلاق.

وعلى الرغم من هذه الخلفية الفلسفية للوضعية المنطقية الأولى واللاحقة، فإن أهم رافدٍ لها يكمن دون منازع في التطورات الكبيرة التي تمت في مجال الرياضيات والفيزياء، وانسحاب مبدأ «الحتمية» في الفيزياء الحديثة وظهور «نظرية الاحتمال» التي قامت على أساس مبدأ الشك، الذي أسسه الفيزيائي هايزنبرج وشروندنجر وبول ديراك؛ وقادهم إلى إعادة صياغة الميكانيكا في نظرية جديدة تدعى «ميكانيكا الكم». وطبقًا لهذه الأخيرة: «فإن الجسيمات لم تعد تمتلك مواقع وسرعات محددة ومنفصلة عن بعضها البعض لا يمكن مشاهدتها، بل إنها تمتلك حالةً كميةً ناتجةً عن دمج الموقع مع السرعة»[1].

هناك عمومًا وباختصارٍ شديدٍ ثلاثة محطات تأثيرٍ ارتوت منها الوضعية المنطقية لدائرة فيينا وهي على التوالي:

(79)

- تأثير الفلسفة التجريبية ونظيرتها الوضعية السابقة عليها، وخاصةً عند هيوم وميل وماخ وأيضًا بوانكاري.

- تأثير المنهج التجريبي كما طوره العلماء منذ منتصف القرن التاسع عشر.

- تأثير المنطق الرمزي والتحليل المنطقي للغة، كما تطورت على وجه الخصوص عند كل من فريجه ووايتهيد وراسل وفيتغنشتاين.

ويسمح لنا هذا بالتسليم بإمكانية معالجة خصائص نظريةِ معرفةِ هذه الدائرة من جانبين متكاملين، بالنظر إلى الاختلافات الكثيرة بين روادها في أمور بعينها.

أ. اتخاذها لغةَ الحياة اليومية مادةً للبحث والتحليلَ اللغويَ منهج اشتغال.

ب. الاعتماد على التحليل المنطقي لمعالجة اللغة العلمية، على الرغم من أنها تحاول بناء لغةٍ اصطناعيةٍ تتوخى تعميمها وجعلها نموذجًا للغة العلم.

أ. معيار المعنى

كان رفض الميتافيزيقا من طرف هذه الدائرة مرتبطًا بما يسمى «معيار المعنى Sinnkriterium». فكل ما لا يمكن التحقق منه تجريبيًا لا يُعتبر ذا قيمةٍ وذا معنى ويجب إلحاقه بالميتافيزيقا. ومن الأمثلة على هذا الأطروحات المتعلقة بوجود الله، التي كانت هذه الدائرة تعتبرها فارغةً من أي معنى. ويُعتبر الملحد والمؤمن عندها سواسيةً، لأنهما يضعان فرضيات غير ذات معنى، وبالتالي فإنهما

(80)

ميتافيزيقيان وحسب. وكان كارناب Carnap يعتبر الميتافيزيقا مزيجًا غير واضحٍ بين العلم والفن والدين.

اتّضح فيما بعد أن «معيار المعنى» الصارم الأصلي لدائرة فيينا لم يكن قادرًا على مقاومة نقد كارل بوبر Karl Popper لمنهج التحقق من صحة أو عدم صحة أطروحةٍ ما، بإرجاعها إلى الطريقة العلمية المحضة (سنعود لاحقًا إلى نقد بوبر لدائرة فيينا). كما أن كارناب نفسه اكتشف في طريقة عمل هذه الدائرة ما سماه بإشكالية المصطلحات النظرية theoretischen Terme. وبعد اكتشافه هذا، حاول بناء معيار معنى أكثر ليونةً. وطبقا لستيغمولير Stegmüller، فإن معيار المعنى المُصَحَّح هذا هو معيارٌ معياريٌ وتابعٌ لمجموع أدوات التجريبية المنطقية لدائرة فيينا.

وبهذا أصبح من الممكن إما رفض هذا المعيار كليةً، أو فهمه كمعيار الحدود بين الميتافيزيقا والعلوم التجريبية، دون الإعلان بأن الميتافيزيقا لا معنى لها. وبهذا أصبح من الممكن أيضًا تطبيق طرق العمل التي طورتها التجريبية المنطقية من طرف التوجهات الفلسفية أكانت ميتافيزيقيةً أو عقلانية. والنتيجة هي أننا نجد اتجاهاتٍ في الفلسفة التحليلية التي تطورت من التجريبية المنطقية، دُرست فيها إشكالياتٌ ميتافيزيقيةٌ قديمةٌ بطريقةٍ جديدة.

ب. اللغة

تُعد اللغة محور البحث الفلسفي لدائرة فيينا في بعدَيها الدلالي والتركيبي. وكانت مهمتها الأولى في هذا الإطار هي توضيح الدلالة

(81)

اللغوية بإظهار جانبها «السيمي». وبناءً على تأكيدهم على ضمان المعنى من التجربة الحسية المرتبطة بالعالم الخارجي الوضعي الملموس، فإنهم قسّموا العبارات والجمل وكل ما يتمثل في الصور النحوية إلى ثلاثة أقسام:

- عبارات ذات معنى، العبارات التحليلية؛ أي قضايا العلوم الصورية: المنطق، الرياضيات إلخ، والقضايا التركيبية القائمة على التجربة، أي قضايا العلوم التجريبية.

- وعبارات خالية من المعنى، وهي العبارات الميتافزيقية.

- وعبارات زائفة، لا تنتمي لا إلى الأولى ولا الثانية، تظهر بطريقتين: دراسة المتكلم في عبارته كلمة بغير معنى، أي كلمة لا تشير إلى أي شيء من تجارب الإنسان الحسية ككلمة «جوهر«. أو استعمال ألفاظ كلها من ذوات المعنى الخبري المعتاد، لكن يصفها بطريقة لا تتطابق ومنطق اللغة في استعمالها العادي، كأن يقول المرء: «العقل عنصر».

يطابق الوضعيون الجدد إذن بين المعنى وبين العلم، فحيث لا يوجد علم لا يوجد معنى كذلك. ومن هنا تقسيمهم للقضايا أيضًا إلى قضايا تحليلية وأخرى تركيبية وثالثة زائفة. تخص القضايا التحليلية العلم، بينما تتعلق نظيرتها التركيبية بالمنطق، أما القضايا الزائفة فإنها تُدرج في ميدان الفلسفة.

والنتيجة هي أن للقضية إمكانيتين: إما ألا تعني شيئًا فيما يتعلق بالواقع الخبري، وإما أن تقوم بتحديد الشيء كما تدركه الحواس في هذا الواقع الخارجي. فإذا كانت القضية تعني شيئًا ما، فإن هذا

(82)

الشيء لا يعني غير الواقع، في حين تُعتبر كل قضيةٍ لا تتحدث عن الواقع قضيةً مجردةً وحسب.

ج. مبدأ التحقق

يقود كل هذا إلى الحديث عن «مبدأ التحقق» في فلسفة دائرة فيينا، بما أنه خاصية للمعنى، ويربطونه بمعنى «التطابق» أو «الاتفاق»، بشهادة ج. أ. آير، أحد أقطاب هذا الاتجاه: «إن أية عبارة لا تكون ذات دلالةٍ حقيقيةٍ بالنسبة إلى أي شخص، إلا إذا كان هذا الشخص يعرف كيف يتحقق من القضية التي توحي هذه العبارة بالتعبير عنها، أي إذا عرف ما هي الملاحظات التي تقوده في ظروفٍ معينةٍ إلى قبول القضية على أنها صادقةٌ أو رفضها على أنها كاذبة»[1]. كما أنه يؤكد في هذا السياق بأن «مبدأ التحقق» يعني تحديد صدق أو كذب القضية بمعرفة مدى اتفاقها أو اختلافها مع الواقع.

ما المقصود بكلمة «اتفاق» وكلمة «واقع» في الوضعية المنطقية الجديدة؟ يقدم المرء المثال التالي للإجابة على هذا السؤال: عندما نقول القلم الأحمر موجودٌ فوق الطاولة، فإننا نكون هنا قد حددنا وجود القلم فوق الطاولة وجودًا فعليًا، أي إننا أحدثنا تطابقًا بين وجود القلم الفعلي والعبارة الدالة على هذا الوجود. أي إن هذه القضية ليست سوى نتيجة للواقعة الخبرية المتطابقة مع العبارة الدالة عليها. من هنا يمكن للمرء التعبير عن التطابق بين القضية التي تقال وبين الواقع الخارجي كالتالي: إذا كانت القضية تصوّر

(83)

الحالة التي نجد عليها الواقع الخارجي تصويرًا دقيقًا وترسمه رسمًا واضحًا، كانت القضية مطابقةً للواقع؛ وهذا يعني أنها صادقة. وإذا كانت غير ذلك فهي خاطئة.

لكن هذه المطابقة بين القضية والواقع الخارجي لا تشمل الأشياء المنفردة، بل الأشياء كموضوعات في ترابطها مع بعضها البعض. وبما أن الوضعيين المنطقيين ينظرون إلى العالم من زاوية الوقائع، فإن هذا الأخير مكونٌ من الوقائع الذرية فقط. وهذا يعني أن إدراك العالم يتم بوصفه وجودًا فيزيائيًا، وبهذا يتم التطابق بين العلم والمعنى. وقد دافع على هذا التصور نُويْرَاث وكارناب، القائلَين بأن للعلم الموحد، أي الفيزياء عندهما، لغةً واحدة، خاصيتها أنها كونية، وبإمكان المرء التعبير عن طريقها عن كل شيءٍ له معنى. ويستشهد يمني طريف الخولي[1] بنص لكارناب في هذا الإطار: «إذا كنّا سنتخذ لغة الفيزياء كلغة للعلم بسبب خاصيتها كلغة كونية، فإن جميع العلوم ستتحول إلى الفيزياء وستُستبعد الميتافيزيقا باعتبارها لغوًا، وتصبح العلوم المختلفة أجزاءً من العلم الموحد».

في الجهة المقابلة، نجد الوضعي المنطقي فريديرك فيزمان يمثّل رأيًا مختلفًا، ونلمس هذا في نصه «مبدأ القابلية للتحقق»، عندما يؤكد بتلخيص بأن هناك بعض الناس يعتقدون أن هناك عالم وقائع وعالم لغة، في حين أنه لا فصل بين العالمين. فباستعمالنا للغة، نحدد جزءًا من العالم. وبهذا نلمس إذًا اختلافاتٍ كثيرةً في الوضعية

(84)

الجديدة فيما يخص إشكالية الواقع واللغة، حتى وإن كانت تلتقي في إطار التحديد العلمي للغة.

قامت اعتراضات شتى ضد مبادئ «التحقق» و«القابلية للتأكيد» و«التجريب»، وبالخصوص فيما يتعلق بتمييز هذه المبادئ بين القضايا الدالة على المعنى والقضايا الفارغة من المعنى، كالميتافيزيقا مثلًا. وتحت ضغط تأثير نقد كارل بوبر لدائرة فيينا في هذا الإطار، حاولت الدائرة ـ كما أكد على ذلك أحد أعضائها البارزين فيكتور كرافت Viktor Kraft- تعديل بعض آرائها وعلى رأسها «مبدأ التحقق»، الذي استعيض عنه بمبدأ «القابلية للتعويض»، المرتبط بمبدأ «القابلية للتجربة». بمعنى أن الجملة عندهم لا بد أن تكون قابلةً للتجربة، أي وضعها تحت مجهر التجريب. وعملية التجريب هذه هي المعيار الوحيد لتأييد أو نفي جملةٍ ما.

وفي العمق، فإن مبدأ «القابلية للتجريب» هو صورةٌ مطابقةٌ للأصل لمبدأ «قابلية التأكيد»، الذي هاجمه المرء. ويكمن الفرق بينهما في التحقق من معنى قوي (القابل للتجربة) ومعنى ضعيف (القابلية للتأكيد). وحتى نقد بوبر لـ«مبدأ التحقق» لا يدخل لا في إطار القضايا التحليلية ولا في إطار نظيرتها التركيبية. وقد قبله الوضعيون على أساس تجريبي، وميز آير، أحد أتباع الدائرة بين «التحقق بالمعنى القوي» و«التحقق بالمعنى الضعيف». فالتحقق من قضية ما بـ «المعنى القوي« يتم في نظره إذا كانت هذه القضية مؤسسةً على الخبرة بطريقةٍ قاطعة. أما إذا ساعدت التجربة على جعلها ممكنةً فإنها تكون قابلةً للتحقق بـ «معنى ضعيف».

(85)

لم يعد «مبدأ التحقق« يشكّل المعيار الوحيد للحكم على صدق الإشكاليات أو خطئها، وقد وسّع هذا الأمر مجال فلسفة لغة العلم وفتح لها باب ميدان «الاحتمال». واشتغل كارناب على فكرة «التأكيد» و«الاحتمال»، بعد نقد بوبر. وذهب كارل هيمبل إلى أكثر من هذا برفضه «للتحقق» نظرًا لرفضه للاستقراء. وكان يرى أن النظرية لا يمكن أن تكون علميةً إلا إذا كانت قابلةً للتجريب والبرهنة ببيانات تجريبية. وقد رجع همبل إلى «قانون الريبة» الذي قدمه هايزنبرغ، والمتمثل بتلخيصٍ شديدٍ في صعوبة تحديد الجسم (على المستوى الميكروفيزيائي) فضائيًا (موقعًا) وتحديد سرعته في الآن نفسه. ذلك أن الجسم الفيزيقي أصبح يشكل مادةً وحركةً معًا، وكان هذا هو سبب إسقاط مبدأ الحتمية والقول بالاحتمال.

لم تقد كل التعديلات التي قامت بها دائرة فيينا على «مبدأ التحقق« كمعيارٍ للصحة، والاعتماد على مفهوم «الاحتمال» كمبدإٍ لتعديل ومراجعة مبدئهم الرئيس القائم على التمييز بين «لغة العلم» و«لغة اللاعلم»، حتى وإن كانت هناك اختلافاتٌ طفيفةٌ بين المنضوين في الدائرة حول هذا الأمر.

لم يكن لدائرة فيينا أية نظريةٍ مشتركةٍ إذًا، بقدر ما كانت تجتمع حول برنامج عملٍ مشترك. طورت هذه الدائرة ما أسمته «تصورًا علميًا للعالم« على مبادئ أساسية ثلاثة:

1. على العلوم أن تتحد في لغة الفيزياء (اختزال العلوم التجريبية) أو في لغة المنطق (المنطقانية logicisme)، لأن المرء كان يعتقد بأن كل معرفة، إما أنها تكون تجريبية أو شكلية.

(86)

2. كانت الدائرة تعتبر الفلسفة كتوضيح للمقترحات العلمية والأخلاقية والإستيتيقية عن طريق التحليل المنطقي. ولا يعني هذا بأن الفلسفة تُختزل في نظريةِ معرفةٍ ما، على الرغم من أن هذه الأخيرة تشكل نقطة انطلاقها.

3. يؤكد هذا التصور بأن المقدمات الميتافيزيقية لا تتوفر على أي معنى (Unsinnig)، بل أكثر من هذا، وضعت الإشكاليات الفلسفية القديمة بطريقة خاطئة وعُبر عن نتائجها بطريقة غير لائقة. وهذه الأطروحة بالضبط هي التي نجدها في كتاب فيتغنشتاين «رسالة منطقية فلسفية»، الذي يرى بأن سبب غياب المعنى في المقدمات الميتافيزيقية هو أن هذه الأخيرة لا يمكن البرهنة عليها عن طريق التجربة، يعني أنها لا تُحيل على العالم، بل تُخبرنا بالطريقة التي تشتغل بها اللغة.

2. رفض الميتافيزيقا

لا يستقيم أي فهم لدائرة فيينا دون الرجوع إلى فهم رفضها للميتافيزيقا. كان تخليص العلوم والفلسفة من قبضة الميتافيزيقا من بين أهم الأهداف التي قامت من أجلها هذه الدائرة. ففي حُمَّى البحث عن وحدة العلوم، باستعمال منهج التحليل المنطقي للغة، لم تكتفِ برفض الميتافيزيقا وحسب، بل حاولت البرهنة على أن قضاياها لا معنى لها. وأكدت على أن الطريقة العلمية المعروفة والمتعارف عليها هي الطريقة التجريبية ونظيرتها الرياضية، رافضةً الطريقة التأملية والصوفية.

في مقابل رفض الميتافيزيقا، حاولت دائرة فيينا بناء فلسفةٍ علمية، لا يحق لها تكوين قضايا تجريبية، وبهذا تحولت إلى مجرد طريقةٍ منطقيةٍ تحليلية، وبناء قاعدة علمية عامة للعلوم.

(87)

كانت هناك الكثير من المذاهب الفلسفية التجريبية والمادية عُرفت بمعاداتها للميتافيزيقا قبل التجريبية المنطقية، إلا أن ما يميز هذه الأخيرة هو اعتمادها على التحليل المنطقي للقضايا في جانبها التركيبي والدلالي، مستعينةً في ذلك بالمنطق الجديد. ويتركز نقد دائرة فيينا للميتافيزيقا على خطوتين أساسيتين:

- التأكيد على أنه بالإمكان رد كل القضايا إلى قضايا أولية، أي ما نبرهن عليه بالخبرة الحسية مباشرةً.

- التأكيد على أن الميتافيزيقا ما هي إلا نتيجة أخطاءٍ في منطق التركيب اللغوي لعباراتها تطبيقًا لمبدأ تحقيق المعاني. ومن هنا رفضهم للميتافيزيقا التقليدية، باعتبار قضايها خاليةً من المعنى، نظرًا لغياب طريقة التحقق منها بواسطة التجربة. ويذكرنا رفض دائرة فيينا للميتافيزيقا التقليدية بمواقف دافيد هيوم، الذي اعتبر الميتافيزيقا سـفسطةً ووهمًا. كما أن أغوست كونت كان يعتبر التفكير الميتافيزيقي مرحلةً من مراحل الفكر، عليه تجاوزها إلى المرحلة الوضعية. ومن المعروف أن كانط رفض اعتبار الميتافيزيقا صورةً من صور المعرفة النظرية، وحاول تعويضها بميتافيزيقا شبيهه بالعلم.

في رفضهم للميتافيزيقا، ينبه أتباع دائرة فيينا على أنه من الضروري القيام بتمييز واضح بينها وبين الفلسفة. إنهم ليسوا ضد الفلسفة، بل يحاولون ـ في مقابل هدم الميتافيزيقا التقليدية - بناء فلسفةٍ للعلوم. فالخلط بين الميتافيزيقا والفلسفة منذ أرسطو هو ما تحاول دائرة فيينا التصدي له بكل حزم، بل تصحيح المسار. كان لعبارة «ميتافيزيقا» معانٍ كثيرة واستعملت مناهج مختلفةٍ لدراسة

(88)

قضاياها، بل اعتبرها الكثيرون بحثًا في العلل الأولى واعتقدوا بأنها تمتلك مفاتيح معرفة الحقيقة الكلية في شموليتها ودون تجزيء، لأن هذا الأخير يُفسد الحقيقة.

بطبيعة الحال هناك مغالاةٌ في نقد الميتافيزيقا من طرف الوضعية التجريبية، لأن هناك دراسات ميتافيزيقية لا تركز على قضايا الميتافيزيقا التقليدية ولا على مناهجها. لا تبحث في الوجود وصفاته ولا في الحقيقة الكلية ولا في العلل الأولى، بل نجد في الفلسفة الحديثة والمعاصرة أمثلةً على أنواعٍ أخرى من الميتافيزيقا مارسها مفكرون معروفون بمعارضتهم للميتافيزيقا التقليدية.

فعبارة «ميتافيزيقا» غامضة، لأنها استُعملت بمعانٍ كثيرة، وأنظمةٍ مختلفة، ولهذا السبب كان من اللازم التمييز بين أنواع الميتافيزيقا، طبقًا لمادة البحث التي انبثقت عنها: الميتافيزيقا البحتة، الميتافيزيقا الكونية (تعتمد على ما يقدمه العلم من حقائق تجريبية وتحاول ربطها ببعضها البعض في حقيقة كلية يستنتجها الفيلسوف بعد تحليل لأبعادها الفلسفية) أو الاستقرائية، الميتافيزيقا الرياضية (نوع من الفلسفة أساسه النظرية الرياضية وهدفه تفسير العالم على ضوء المعرفة الرياضية)، الميتافيزيقا اللغوية (ليس لها علاقة بالوجود والمطلق وغيره، بل إنها نتيجة لتطبيق التحليل المنطقي للغة)، الميتافيزيقا الديالكتيكية (تتخذ منطقاً لتفسير الحركة والصيرورة في الوجود كله. وهي في استعمالها للمنطق تقصد الحركة الفعلية للوجود ومبادئ هذه الحركة)، الميتافيزيقا المتعالية (مقولات يُعتقد بأنها ضرورية للمعرفة، وأنها صور عقلية بحتة لا علاقة لها بعالم

(89)

الحس والتجربة. فأفكارنا حول الجوهر والقوة والفعل والحقيقة وغيرها ليست مستقلةً عن الخبرة فحسب، بل إنها كذلك لا تحتوي على أي معنى تجريبي، كما نجد في الكانطية)، الميتافيزيقا النقدية (التي أسسها كانط ومارسها أتباعه من بعده)، الميتافيزيقا الوجودية (مورست في غلاف أدبي له صلة بالوجود الإنساني). كما أن كتابات هيدجر «الكينونة والزمن» وسارتر «الوجود والعدم» تحتوي عل قضايا ميتافيزيقية كثيرة.

3. انتقادات دائرة فيينا

ككل الاتجاهات والنظريات الفكرية والفلسفية الكبيرة، تعرضت دائرة فيينا ومعها كل الوضعية التجريبية لانتقادات شتى، سواء في بداياتها الأولى، وبالأخص انتقاد كارل بوبر ـ الذي يعد من صحح منهج الدائرة ـ أو في اليوم الذي نعيشه، نظرا لانتعاش الاهتمام بدائرة فيينا على الصعيد العالمي، وبالخصوص في أمريكا وأوروبا. وبما أن هذه الإنتقادات مختلفة المشارب والأمصار، فقد لخصناها في التالي:

أ. نقد كارل بوبر

يعتبر كارل بوبر من بين أهم فلاسفة العلم الذين أنتجهم القرن العشرين، وأكثرهم تأثيرًا في مسيرة فلسفة العلم الحديثة. وكان نقده لدائرة فيينا من بين الأسباب الرئيسية في شهرته هذه، بل لربما كانت هذه الدائرة ملهمته في بناء تصورٍ خاصٍ به في نظرية المعرفة. وسنتعرض لأهم مواقفه الفكرية في هذا الإطار ولو بإيجاز، لأنه من

(90)

بين المفكرين الغربيين الذين نال اهتمام دارسين عرب كُثر، سواء بترجمة كتبه أو دراسة بحوثه.

ينقسم الاستدلال العقلي إلى قسمين رئيسيين: الاستقراء والاستنباط. يقيمان الحجج العقلية ويوصلان إلى استنتاجات، لكن طريقة عملهما تختلف. فالطريقة الاستنباطية تمر من العام إلى الخاص، في حين يمر الاستقراء من الجزئي إلى العام. ومن نافل القول التذكير بأن الوضعية الجديدة لدائرة فيينا، وككل نظريات فلسفة العلوم، كانت تستعمل الاستقراء للوصول إلى نتائجها وتعميمها كقوانين. والتقليل من أهمية الاستنباط، أو إهماله الكلي، من طرف دائرة فيينا، كان سببا كافيا ليجد بوبر الثغرة التي كان يبحثها لنقد هذا الاتجاه الجديد في نظرية المعرفة. يتعلق الأمر إذًا عنده بالتمييز بين المذهب التجريبي (حيث يعتمد الاستقراء كمنهج) والمذهب العقلي (الذي يستعمل الاستنباط في دراساته). وبهذا فإن مصادر العلم عنده هي عقلية وتجريبية في الآن نفسه.

كان بوبر يعتقد أن الاستنباط يضمن حدًا أعلى من الموضوعية مقارنةً بالاستقراء، وهو عنده المنهج المقبول الوحيد؛ بل هاجم الاستقراء والتجربة، التي يُتوهم بأنها تضمن صحة نتائجه وأحكامه، على اعتبار أن نتائجه تؤدي إلى حالةٍ قارةٍ لا تتغير، بل تتكرر فقط. وبطبيعة الحال، إن التركيز على الاستنباط ورفض الاستقراء جملةً وتفصيلًا من طرف بوبر أمر مغالى فيه جدًا، لأنه استعمل هو نفسه الاستقراء في البرهنة أكثر من مرة، حتى وإن لم يُقر بذلك، بل نفاه قطعيًا. فالاستقراء، الذي يكتفي بالتكرار ولا يقدم أية بدائل، يقود

(91)

إلى نظريةٍ واحدةٍ دون غيرها؛ بينما يقود الاستنباط إلى مجموعةٍ من البدائل تكون أمام الباحث، يختار منها ما يشاء، قيمتها متساويةٌ منذ البدء، وحتى عند اختيار بديل من هذه البدائل، فإن دراسته لا تصبو إلى تقديمه كالبديل الوحيد، بل كإمكانية من الإمكانيات المتاحة لاختيار صحة أفضل البدائل.

ولا يعني هذا الكلام، طبقًا لبوبر، الوصول إلى بديلٍ نهائي، بل قد يكون هذا الوصول منطلقًا جديدًا، قابلًا للفحص المعمّق، عن طريق طرح فرضياتٍ لإشكاليات البحث. وما يدافع بوبر عنه في هذا الإطار هو كون كل نتيجةٍ علميةٍ لا تكون قارةً للأبد، بل تكون مؤقتة، إلى حين البرهنة على نواقصها أو خطئها حتى، وينبه إلى أن تاريخ العلوم الحقة نفسها غنيٌ بالأمثلة على ذلك. ويُضمر موقف بوبر هذا جرعةً شكيةً لا غُبار عليها في تصوره لتطور العلم، بل يعتقد أن العلم لا يتطور وينمو إلا بهذه الطريقة. وعلى عكس الاستنباط الديكارتي، فإن فرضيات بوبر تنطلق من مقدمات غير مؤكدة، لأن تأكيدها يتم بعد الاشتغال عليها كفرضياتٍ حدسيةٍ قابلةٍ للرفض والتغيير والضحد أو التأكيد.

وإذا تذكرنا ما قلناه بإيجاز عن هيوم، يتضح بأن بوبر، في نقده لدائرة فيينا، إنما يذهب إلى الجذور المؤسسة لها، ونعني بذلك محاولة تخلُّصه من بقايا تأثير هيوم على فلسفة العلوم عامةً، وبالخصوص فيما يتعلق بالارتداد اللانهائي، الذي تتطلّبه العملية الاستقرائية باعتبارها عادةً نفسيةً تتأسس على التشابه، المؤسَّس بدوره على الاستقراء كذلك. فاعتبار الوضعية الجديدة الارتباطَ بين

(92)

الاستقراء والاحتمال قائمًا لا يغيّر في نظر بوبر النتيجة، لأنها تسقط بهذا في ارتداد لا نهائي.

لربما نلخّص شعار بوبر في نقده لدائرة فيينا في كونه أقرّ بأنه لا وجود للحقيقة في أي علم كان، أكان تجريبيًا أو نظريًا، لأن كل معارف الإنسان تقبل الدحض في نظره، ولا تقبل البرهان. كما أن تطور العلم لا يتم عن طريق تراكم المعارف، بل تصحيحه الدائم من الأخطاء. بمعنى أن بوبر يضرب في العمق فكرة الصحة المطلقة للعلم وللمعرفة الناتجة عنه، مؤكدًا على أن كل معرفةٍ قابلةٌ للتصحيح والتغيير والإضافة والحذف. ولا يعني هذا بحال من الأحوال أنه كان يدعو إلى المعرفة بالمحاولة والخطأ، بل كان يؤكد على أن نمو المعرفة مفتوحٌ دائمًا على المستقبل.

ركّز بوبر على معيار القابلية للتكذيب، أي ما سماه «معيار الاختبار». من هذا المنطلق، تكون الميزة الأساسية للمنهج التجريبي هو طريقته في تعريضه للتكذيب كيفما كان تصورنا للنسق الذي يخضع للاختبار. وطبقًا لبوبر فليس هناك تناظرٌ يُذكر بين قابلية التحقق وقابلية التكذيب، التي تنتج عن الصورة المنطقية للمقولات العامة. ومعنى هذا بلغة بوبر نفسه أن النظريات العلمية لا تكون قابلةً للتبرير أو التحقق، حتى وإن كانت قابلةً للاختبار، بل يجب اختبارها. كما أن درجة الاحتمال فيها ضئيلةٌ جدًا، بل لا يؤمن، كما أكد على ذلك بعض أقطاب دائرة فيينا، بالاحتمال في تحصيل المعرفة. أي إن الحكم الاحتمالي يُطبّق في نظره على حوادث في الواقع ليست لنا أية خبرةٍ مسبقةٍ عنها، وهذا منطقٌ استقرائيٌ خالص.

(93)

بمعنى أنه يرى نزعةً وتأويلًا ذاتيَين في نظرية الاحتمال، لا تتناسب والموضوعية الواجب توفرها في المعرفة، بل إن الاحتمال مرتبطٌ عنده بمبدأ العشوائية. إنها عنده استعداداتٌ موضوعيةٌ وليست أمورًا تُفسَر حسابيًا ورياضيًا. وتختلف هذه الاستعدادات عن مبدأ تكرار الحدوث أو التردد، لأنها في نظره حُدُوسٌ عن بنية العالم، تحاول التفسير والتنبؤ ولكنها قابلةٌ للتعديل أيضًا.

عمومًا، وكيفما حكمنا على نقد بوبر لدائرة فيينا، فإن هذه الأخيرة استفادت من نقده هذا، وعمل الكثير من أقطابها على أخذها على محمل الجد في إعادة النظر في بعض قضاياهم المعرفية، وبالخصوص عند بعض أعضاء نواة دائرة فيينا.

ب. نقد ويلارد فان أورمن كواين

من أعمق الانتقادات للوضعية المنطقية بعد بوبر، هناك انتقاد الأمريكي ويلارد فان أورمن كواين[1]، حيث قام بهدم قاعدةٍ من أهم قواعد وضعية دائرة فيينا، ويتعلق الأمر بالفصل بين القضايا التحليلية ونظيرتها التركيبية، مؤكّدًا أنه بالإمكان عرض القضايا التحليلية نفسها للفحص، فالكلمات والمصطلحات قد لا تعني نفس الشيء من علمٍ لعلمٍ آخر ومن دائرةٍ لغويةٍ وثقافيةٍ إلى دائرة أخرى. ونفس الشيء ينطبق، في نظره، على القضايا التركيبية أيضًا. إضافةً إلى هذا فإنه يعتقد بأن كل قضيةٍ من هاتين القضيتين يمكن اختزالها للقضية الأخرى، بطريقة لا علاقة لها بالمعنى ودرجة فهمنا للمصطلحات والكلمات.

(94)

أما فيما يخص مبدأ التحقق، فإن كواين يفترض شبكةً من الفرضيات المترابطة فيما بينها، لا يمكن اختبارها بمعزلٍ عن بعضها البعض؛ وعندما يتم هذا الاختبار أو خلاله نضيف إليها مباشرةً تصوراتنا ومعارفنا عن الأشياء. من هذا المنطلق، فإن وحدة الدلالة التجريبية بالنسبة له تتمثل في كل العلم، على اعتبار أن هذا الأخير شبكةٌ مترابطةٌ من الفرضيات والقضايا والمعاني المؤسسة له. إذا حدث وتأكد كذب أحدها، يكون من الصعب تشخيص مكمن الخطأ. بمعنى أنه يؤكد على أننا عندما نحاول اختبار فرضيةٍ منعزلة، فإننا في الواقع نختبر العلم كله، وبذلك يصل إلى مبدأ الكلية.

تؤكد فلسفة العلم عند كواين على ضرورة عدم الفصل بين العلم والفلسفة. وبهذا يخالف جذريًا الوضعية المنطقية، التي حاولت استخدام الفلسفة لتنقية العلم من «شائبة» الميتافيزيقا وتحديد لغته تحديدًا دقيقًا، أو كما قال كارناب: «ينبغي أن نستعيض عن الفلسفة بمنطق العلم؛ أي أن نستعيض عنها بالتحليل المنطقي لمفاهيم وتصورات العلوم، وذلك لأن منطق العلم ليس شيئًا آخر سوى التركيب المنطقي للغة العلم...؛ ومن هذا المنظور، فإن القضايا الميتافيزيقية عبارةٌ عن أشباه قضايا يثبت التحليل المنطقي أنها إما عباراتٌ فارغةٌ من المعنى، وإما عباراتٌ تخرق قواعد النحو. وحدها قضايا منطق العلم تحظى، من بين كلِّ ما يُعبر عنه بالمشكلات الفلسفية، بكونها ذات معنى».

ج. نقد لاري لاودن

أما الفيلسوف الأمريكي لاري لاودن فإنه يرى بأن سقوط

(95)

الوضعية المنطقية راجع أيضًا إلى رفضها لكل شيء: «إن جزءًا كبيرًا من أسباب سقوط الوضعية المنطقية لم يكن فقط بسبب التناقضات المنطقية التي واجهتها؛ بل في تعارضها مع مذاهب فلسفية ودينية واجتماعية، تلك المجموعة من الاعتقادات المقبولة على نطاقٍ ثقافيٍ واسع، لقد رفضت الوضعية المنطقية كل شيءٍ تقريبًا، الدين، التاريخ، الفن، الأدب.. إلخ» [1].

من بين أهم الانتقادات المعاصرة لدائرة فيينا، وبالخصوص فيما يتعلق برفضها للميتافيزيقا، هناك موقف الفيلسوف الأمريكي بيتر انواجن. يقول من بين ما يقوله: «طِبقًا للوضعيين المناطقة، كل العبارات والأسئلة الميتافيزيقية لا معنى لها. وطالما أن لكل العبارات والأسئلة الفلسفية التراثية تقريبًا (كما أشرنا أعلاه) عنصرًا ميتافيزيقيًا جوهريًا ومهمًا، فإن كل الأسئلة والعبارات الفلسفية التراثية تقريبًا لا معنى لها»[2].

ودون قول ذلك صراحة، فإن إنواجن يرى في ذلك غلوًا يشرحه بقول: «لو كانت الأسئلة الميتافيزيقية ـ وبشكل أعمّ، الأسئلة الفلسفية ـ لا معنى لها بهذا المعنى؛ فلا عجب أن الفلاسفة لم يكن في إمكانهم الاتفاق على كيفية «الإجابة» عليها. إذا حدّق الشخص

(96)

في النار لفترةٍ طويلة، سيرى هذا الشخص صورًا هناك، وبما أن الصور التي تُرى في النار هي محض انعكاساتٍ نفسيّةٍ للرائي، يُتوقع أن يرى أشخاصٌ مختلفون صورًا مختلفة».

«يتهم» أنواجن بطريقةٍ ذكيةٍ الوضعية المنطقية باعتقادها في الخيال، ما دامت لم تخرج عن الفضاء الضيق الذي سجنت نفسها فيه. ولم يكن مآلها يغاير في شيءٍ مآل باقي الاتجاهات الفلسفية، كما يؤكد على ذلك انواجن: «مثل الأنظمة الميتافيزيقية لديكارت ولايبنتز، تنتمي الوضعية المنطقية بالكامل الآن إلى تاريخ الفلسفة. وكتلك الأنظمة لم يكن في مقدورها تقديم أساسٍ لأي شكل من أشكال الإجماع الفلسفي». ويضيف: «مصير الوضعية المنطقية هو مصير كلّ محاولات تشخيص فشل الفلسفة في إنتاج بنيةٍ من الحقائق المؤسسة، أو حتى بنية نظريات مقبولة مؤقتًا. مثل هذه التشخيصات هي دائمًا «مجرد فلسفة أخرى»، تعاني من نفس الأعراض التي يفترض أنها تفسرها: تُقدّم [هذه الأطروحات الفلسفية]، يتجادل الناس حولها، البعض يقبلها، البعض فقط، وفي النهاية، تنزوي لتحتلّ مكانًا في تاريخ الفلسفة»[1].

د. نقد يوسف سايفرت

خصص الفيلسوف النمساوي يوسف سايفرت في حد أهم كتبه: «البرهان الفينومينولوجي الواقعي على وجود الله»[2] الباب

(97)

السادس: «المنطق والميتافيزيقا في البرهان الأنطولوجي» لنقد المنطق الوضعي، ومن خلاله - دون ذكر ذلك مباشرةً - دائرة فيينا. ونورد تلخيصًا مكثفًا لهذا النقد، نظرًا للأهمية التي يكتسبها فيما يخص الموضوع الذي نحن بصدد دراستة: «دائرة فيينا والوضعية المنطقية التجريبية».

يذكر سايفرت أن المنطق الدقيق لأرسطو، معتبرًا أسس المنطق الحديث غير مقنعة، بل يلمس المرء في بعض الأحيان أن المبادئ الواضحة تترك المكان للبديهيات غير الواضحة. كما يُسجل مغادرةَ المنطق الرمزي الفلسفةَ ليستقر في العلوم الشكلية الشبيهة بالرياضيات. كما ينبه إلى أن استعمال المنطق الرمزي والرياضي قد يكون مهمًا في الأماكن التي تكون فيه سلاسل طويلة وغير ذات نهاية من خطوات التفكير المنطقي الشكلي قد تطورت، كما هو الشأن في الرياضيات. ويكون من الصعب تقديم هذه الأسس دون تقليص وتشكيل المنطق الرمزي الحديث.

لا يجادل سايفرت في التطور الكبير للمنطق كعلم شكلي محض، والذي له علاقة قرابة بالرياضيات، منذ بولا Boole، راسل، وايتهيد، وفريجي. لكنه يرى بأن هذا المنطق الجديد الرمزي أو الرياضي خالٍ من أي موقفٍ فلسفي، لأنه لا يمكن التمييز فيه ما إذا كانت القوانين المنطقية قواعد نفسية أو اتفاقية للعب بالرموز، ولا يمكن للمرء أن ينتظر منه أي شرحٍ ولو طفيفٍ للإشكاليات الفلسفية الرئيسية للمنطق، كإشكالية جوهر الحقيقة والحكم وإشكالية الشكل الصحيح للبراهين الاستنتاجية وجوهر الصلاحية: «لا يمكن

(98)

للمنطق بطبيعة الحال أن يجيب عن السؤال الأساسي والبسيط في نفس الوقت، المتعلق بمعنى الحقيقة في المنطق، يعني حقيقة الحكم وما يؤسسه»[1].

والنتيجة في نظر سايفرت هي أن المنطق الرياضي لم يعد فلسفةً، بل أصبح علمًا مخالفًا لهذه الأخيرة ومخالفًا للرياضيات نفسها؛ لأن فلسفة الرياضيات تتساءل مثلًا عن ماهية الرقم في الواقع وماهية أي قانون هندسي إلخ، وبالتالي فإنها تبحث عن جوابٍ لجوهر هذه الظواهر المغاير لما يبحث عنه الرياضي، حتى وإن انطلق من نفس الأسئلة. وفي هجومٍ صريحٍ على المنطق الرياضي، يقول سايفرت: «عندما يعتقد المرء بأن المنطق الذي يستعمل الرياضيات قد يعوض المنطق الفلسفي، أو بأنه قد عوضه منذ مدةٍ طويلة؛ فإنه إما أنه يعني بفلسفة المنطق ميتا-تفكير حول واجبات المنطق وطرقه المعرفية، وحول موضعها بالمقارنة مع علومٍ أخرى إلخ، وبهذا يكون من الممكن تمييز هذا النوع من فلسفة المنطق عن المنطق الفلسفي الكلاسيكي؛ وإما أن المرء يعني ذلك الجزء من التفكير الفلسفي حول المنطق، الذي لا يتخذ المنطق الفلسفي كموضوع، لكن المنطق الذي يستعمل الرياضيات، والذي يبحث عن معنى وصلاحية وقوانين الرموز المستعملة فيه»[2].

كما ينفي سايفرت نفيًا قاطعًا الادعاء الذي يؤكد أن تطور المنطق الحديث ساهم في تطور المنطق الفلسفي، بل يرى العكس. عندما

(99)

يعتبر المرء الأنسقة المنطقية الشكلية والرمزية كموضوعٍ خالصٍ للفرضيات وللخيالات الرياضية، فإن خطر الوصول إلى قوانين خاطئةٍ يكون واردًا: «إن الأمر يتعلق إذًا إلى حد ما «بمنطق أصبح متوحشًا»، يهتم أكثر بلعبٍ دقيقٍ أكثر من اهتمامه بالمعرفة العلمية للوقائع المنطقية، ذلك أنه يبتعد بهذا عن أسسه الفلسفية، تمامًا كما ابتعدت الرياضيات عن أسسها الواضحة في تنظيراتها وممارساتها الشكلية أو الاصطلاحية ... أعتبر كذلك نظرية الأصناف لراسل Russel وكل أنواع تحديد قواعد اللغة والمتعالية Metasprache لحل التناقضات المنطقية من بين النظريات الخاطئة والمتناقضة في بعض جوانبها»[1].

لعل الأهمية الخاصة لنقد سايفرت للمنطق الوضعي هي من جهة أنه ينتقده بحكم درايته الواسعة بعلم المنطق عمومًا، ومن جهةٍ أخرى لكونه من الفلاسفة الغربيين المعاصرين، ممن يُمثل الفلسفة الكلاسيكية، المتأثرة إلى حد كبير بالإرث المسيحي الوسطوي.

(100)

 

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

كيف يجب فهم تأثير

دائرة فيينا على الأمة العربية

والإسلامية؟

 

(101)

1. ملاحظات عامة فيما يخص دائرة فيينا والوضعية المنطقية

على الرغم من تبنّي فلسفة دائرة فيينا للعلم واعتباره المنطلق الأساس ـ وربما الوحيد عند بعض مفكري هذا التيار ـ في تفسير حركة الواقع بشقيه الطبيعي والاجتماعي، فإنها ظلّت تدور في فلك الفلسفات التجريبية المثالية لعلم الاجتماع البورجوازي. فدراسة الكثير من الوقائع المحدودة زَمَكَانِيا لم تضع في حسبانها استنتاجاتٍ عامةً تتعلق بالنواحي الرئيسية لقوانين حياة المجتمع، وبالخصوص قوانين الصراع الطبقي والتناقضات الاجتماعية الرئيسة، بل ظلت تدور في نطاق إجراءاتٍ خاصةٍ وتقنيات البحث التجريبي الذي يشمل الملاحظة، المعالجة الإحصائية للبيانات المجمعة، ووضع السلالم والخطوط البيانية إلخ. ويرى الوضعيون أن المفاهيم العامة مثل: قانون التطور الاجتماعي، الطبقة، الأمة، الرأسمالية، الاشتراكية، الفاشية، الديمقراطية، وغيرها كثير، هي من المفاهيم التي لا تخضع للاختبار التجريبي ولا تشعر بها الذات بشكلٍ مباشر، لذا لا يمكن إثبات صحتها أو بطلانها، من هنا لا بد من اعتبارها في نظرهم غير ذات معنى.

إن فلاسفة دائرة فيينا لا يدرسون الوقائع في صلاتها العامة ولا يعملون على إبراز طبيعة حياة المجتمع وسير عملياته العميقة، بل يعتبرون الحياة المجتمعية مجموعاتٍ منظمة بشكل آلي، أو مجموعةً من الأوضاع المنظِمة للمادة المدروسة. من هنا لا تقدم

(102)

الطريقة الوضعية والوضعية الجديدة أكثر من وصف أو تقرير مبسّط عن الوقائع والحوادث المنفصلة والمدروسة بالملاحظة المباشرة.

على الرغم من أن دائرة فيينا لم تُقحم نفسها لا في المادية ولا في المثالية، بل كانت تقدم نفسها كاتجاه ثالث، إلا أنها في أسسها معاديةٌ للفلسفة المادية التي تقر بالوجود الموضوعي للعالم المادي وانعكاسه في وعي الإنسان. فالوجود الموضوعي ما هو عندهم إلا إحساسات، ومن ثم فإن عملية التحقق لا يمكن أن توجد خارج تجربة الذات، ويقود هذا بالضرورة إلى الذاتية المحضة، التي تلغي الكثير من القضايا المنطقية القائمة على الملاحظة.

بما أن فلسفة دائرة فيينا تتأسّس على جذور الفلسفة الوضعية كما نظّر لها الفيلسوف الفرنسي كونت، هناك الكثير من الملاحظات النقدية يمكن إجمالها في التالي:

أ. الغلو في الذاتية: قد يبدو هذا النقد غريبًا بعض الشيء، ذلك أن دائرة فيينا كانت تحاول بالضبط الابتعاد عن الذاتية وتأسيس فلسفة علمية. والواقع أن بذرة الذاتية هذه موضوعة في الوضعية التجريبية منذ كونت فيما سماه «قانون الحالات الثلاث». فقد بنى نظريته على أساس «ميتافيزيقي» في معنى دائرة فيينا، أي خالٍ من أي معنى. فلم يقدم أية دراسةٍ علميةٍ للمجتمعات الإنسانية في جغرافياتها المختلفة. كما أنه لم يدرس بما فيه الكفاية الديانات، وبالخصوص الموحى بها، بل استنتج دون مقدماتٍ منطقيةٍ ولا تجارب ميدانيةٍ أن «المرحلة اللاهوتية» هي أول مراحل التفكير البشري.

ب.«هوس» الوحدة: أهم شيءٍ كانت دائرة فيينا تبحث عنه هي

(103)

وحدة العلوم. ولا تُعتبر هذه الوحدة «مستحيلةً» فقط، بل تضمر في ثناياها نزعة هيمنة العلوم المنطقية والرياضية على كل العلوم الأخرى، وبهذا حاولت تعويض هيمنة الفلسفة على كل العلوم. إن منطق الوصاية واضحٌ هنا، أي إن «العلوم الحقة» وصية على «العلوم الغير الحقة» ـ الإنسانية ـ، ولا يُعترف لهذه الأخيرة بأي شيء، إذا لم تستخدم التقنيات الرياضية ومنطق الحساب لجمع وتصنيف ووصف وتأويل دراساتها.

وبغض النظر عن كون الكثير من ميادين العلوم الإنسانية لا يمكن أن تخضع إلى هذا التصور الضيق للعلم، فإن محاولة إقحام تقنيات البحث العلمي الوضعي لدراسة الظواهر الإنسانية لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج علمية، بقدر ما يساهم في الكثير من الأحيان في حرمان بعض العلوم من حقها في التطور الداخلي والتعاون المتناسق بين تخصصات مختلفة. ففرض نماذج جاهزةٍ في الطب النفسي مثلًا لتشخيص حالاتٍ مرضيةٍ بعيدٌ كل البعد عن حقيقة النفس الإنسانية المتعددة والمتشابكة والمعقدة بطبيعتها. لا يمكن مثلًا تشخيص مرضٍ نفسيٍ ما عن طريق مقابلاتٍ واستماراتٍ محددةٍ مسبقًا، ولا يمكن تعميم هذه الاستمارات عالميًا وإيهام الناس بأنها صالحةٌ لكل زمانٍ ومكان. فالتطورات الهائلة في علوم الأعصاب والمخ والغدد، حتى وإن كانت تساعد كثيرًا في تشخيص حالاتٍ مرضيةٍ معينة؛ فإنها مع ذلك لا تكون كافيةً لتشخيصٍ دقيقٍ لحالةٍ إكلينيكيةٍ ما.

بوعي أو دون وعي، ترك كونت من جديد بصماته في تفكير دائرة فيينا في هذا الإطار. فتصوُّره للمجتمعات الإنسانية على

(104)

أنها بناءٌ من لبناتٍ متماثلة، وخضوع تطورها لقانونٍ واحدٍ (وحدة العلوم وتطورها عند دائرة فيينا) هو اختزالٌ واضحٌ لتعددية البشرية، ومحاولة فرض نمطِ حياةٍ وحيد. ونلاحظ في زماننا الحاضر نتائج مثل هذا التصور، في حضن مجتمعاتٍ غربيةٍ تدّعي التعددية. فسواءٌ تعلّق الأمر بآخر تطورات الليبرالية الاقتصادية (العولمة، اقتصاد السوق إلخ)، أو بمحاولات فرض نموذجٍ ثقافيٍ واحد، فإن الوضعية بصفةٍ عامةٍ تنفي الاختلاف الثقافي والحياتي والحضاري، بل تتميز بفتح المجال على مصراعيه لسلطة القوي، المتمثل حاليًا بالغرب، وبالخصوص جناحه الأمريكي. فهوس الوحدة هنا، ما هو في العمق إلا هوسٌ لبسط النفوذ والسيطرة.

وتمثّل المراحل الثلاثة التي حددها كونت لتطور البشرية شاهد إثباتٍ على «هوس الوحدة» هذا. فحتى لو وافقنا افتراضًا على تقسيمه هذا، فلا يمكن تطبيقه على كل مجتمعات المعمورة، بل هناك اختلافاتٌ كثيرةٌ بين المجتمعات من حيث مرورها من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ولربما من حيث ترتيبها حتى. فهناك مجتمعاتٌ يمشي فيها تطور العلم يدًا بيدٍ مع الدين، بغض النظر عن طبيعة هذا الأخير ومصدره، وخير مثالٍ على ذلك حاليًا هو القطر الإيراني. وهناك مجتمعات كان تطور العلم فيها بعيدًا عن الدين، كحالة الدول الشيوعية للأمس. وهناك مجتمعات لم تعرف أي تطور للعلم فيها، على الرغم من وجودها في عالمٍ متقدمٍ علميًا، بل احتفظت بشبه مرحلةٍ لاهوتيةٍ ضيّقة، كما هو الحال في السعودية حاليًا وبعض دول الخليج العربي.

(105)

إضافةً إلى هذا، نتفق مع جل الباحثين الذين أكدوا على النزعة العلمية scientisme لدائرة فيينا: «يمكن اعتبار الموقف الذي يَكْمُنُ في التفضيل الخاص للخطوة العلمية، إلى درجة اعتبار الفلسفة جزءًا من العلم الموحد ـ أو بالأصح المبدأ الموحد الداخلي (نَحْوَ) اللغة العلمية ـ، نزعةً علمية»[1].

ويتأسس نظام هذه النزعة على مجموعة من الأضداد، قُبلت دون تفكير كافٍ فيها. فهناك من جهةٍ التضاد بين الذات والموضوع، وهو تضادٌ حاولت الدائرة تجاوزه دون نجاح برجوعها إلى البيذاتية (تفاعل الذوات) l´intersubjectivité. وهناك التعارض بين المصالح العلمية ونظيرتها السياسية، وهو تعارض حاولت دائرة فيينا إخفاءه، باهتمامها بقطبٍ واحد منهما (العلم). وهناك التعارض بين الطبيعة والثقافة، وهو تعارضٌ حاولت تجاوزه بإلحاق العلوم الإنسانية للعلوم الطبيعية. وبما أن نسق دائرة فيينا مؤسسٌ على مثل هذه التعارضات، فمن الممكن اعتباره أيديولوجيا إذًا. ولم يكن، طبقًا لما درسناه هنا، أي عضوٍ من أعضاء الدائرة واعيًا بالعلاقات الضيقة والعميقة التي كانت تجمع المعارف العلمية والحياة الاجتماعية مثل نويراث؛ وعلى الرغم من ذلك فإنه كان يرى خلاص المجتمع في العلوم الموحدة المتخلصة بالتحليل المنطقي من كل ميتافيزيقا ... ونعارض اليوم أيديولوجيات الموضوعية العلمية. ذلك أنها غير قادرة على الأخذ في الحسبان بطريقة نقدية البعد السوسيو-سياسي

(106)

لكل خطوةٍ علمية»[1]. وينطبق هذا النقد على نويراث، الذي حاول تقديم موضوعية المنهج العلمي كنقيض الأيديولوجيات السياسية لعصره.

إذا سلمنا بكل هذا، يمكن أن نستنتج أن دائرة فيينا كانت تُأثِّثُ مشروعًا أيديو-ميتافيزيقا خلف الواجهة العلمية التي كانت تدافع عنها. لا يهم إن كان هذا التأثيث عن وعيٍ ومفكَّرٍ فيه، بقدر ما يهمنا أنه كان موجودًا: «نوقشت أوتوبيا علمٍ مستقلٍ، نقيٍ، شفافٍ ومُوَحَّدٍ كمشروعٍ أيديولوجي وميتافيزيقي»[2].

وإذا استحضرنا للذهن من جديد التعريف الذي يعطيه بوبيو Bobbio (أحد الوضعيين القانونيين المشهورين) لـ «أيديولوجيا»، فإننا لن نندهش إذا تأكدنا أن الوضعية الجديدة هي كذلك أيديولوجيا في عمقها، بكل الخصوصيات التي نعرفها عن الأيديولوجيا[3]. يقول: «أعني بـ «الأيديولوجيا» نوعًا من اتخاذ موقفٍ تجاه واقعٍ مُعطى: ويتأسّس هذا الموقف على نسقٍ واعٍ إلى درجةٍ ما من القيم، ويعبّر عن نفسه عن طريق أحكام قيمة، تحاول التأثير قليلًا على الواقع ذاته، تحتفظ به كما هو إذا كان التقويم إيجابيًا، وتعدله إذا كان التقويم سلبيًا»[4].

(107)

وللتذكير بما سبق قوله، فإن الوضعية القانونية تتأسّس على افتراضين: الأول يتمثل في اعتبار القانون بناءً اجتماعيًا قابلًا للتحليل كما هو، والثاني يتمثّل في اعتبار القانون مغايرًا للأخلاق. وهنا بالضبط يُهاجم المرء الوضعية بصفةٍ عامةٍ والوضعية المنطقية بالخصوص باعتبارها أيديولوجية، يجب مقاومتها أيديولوجيًا أيضًا. فالفرضية الأولى تُرجع إلى العصر الذي كان المرء يضع أهميةً قصوى لقانون الدولة. وبما أن الوضعية القانونية في فرضيتها الثانية تميز بين القانون والأخلاق، فإن المرء يهاجمها باعتبارها تمديدًا للدولة، بنشر الاعتقاد بأن كل قوانين هذه الأخيرة هي قوانينُ جيدةٌ بالضرورة، لأنها بسببٍ بسيطٍ صادرةٌ عنها (الدولة)، أو إذا كانت هناك لا أخلاق، فإن ذلك يساهم في الحفاظ على النظام القائم.

ومن هنا، ليس هناك مفرٌ من اعتبار الوضعية بصفةٍ عامةٍ، في جانبها الأيديولوجي القانوني، نواة الديكتاتورية والكُلّيّانية (الحكم الشمولي). ومن خلال قيم المساواة وصلاحية النظام والأمن، فإننا نجد الوضعية المنطقية تتجول يدًا بيدٍ مع الليبرالية، التي تعتبر في حلتها المعاصرة قيمة قِيَمِها دهس العالم بأكمله من أجل مصالحها. يعني أن الأيديولوجية الحقيقية للوضعية في القانون هي تقديس القانون[1]، وبما أنها ليست هي التي تضع القانون، فهذا يعني تقديسها لواضع القانون وتبرير سلوكه، سواء أكان عادلًا أو ظالمًا، تمامًا كما رأينا مع أوستين Austin. وكما يقول بيرتران دو جوفينيل

(108)

Bertrand de JOUVENEL: «لن تنقصنا اليوم ولا في المستقبل أبدًا أيديولوجياتٌ سياسية. لا بد منها، لأننا مطالبون بالبت في مشاكل ليس لنا الوقت لدراستها. والوسيلة الوحيدة التي تمكّننا من البت في هذه الحالة هي الأحكام المسبقة. هناك بعض الأفكار العامة تسمح لي بالحكم على كل شيء، بإدخال الوضع الذي لا يمكنني أو لا أريد أخذ معرفةٍ مضبوطةٍ عنه، في فئةٍ من الأوضاع التي أخذت فيها موقفي بصورةٍ نهائية. ويعتبر هذا اقتصادًا كبيرًا للجهد الفكري»[1].

2. النتائج البعيدة المدى للنزعة الوضعية والوضعية الجديدة

عندما نتأمّل العالم المعاصر ومختلف التطورات العلمية التي شهدها، وبالخصوص تلك المتعلقة «بالثورة الصناعية الثالثة»، المتمثلة في غزو التقنية للحياة وبسط نفوذها على مختلف مجالات الأنشطة الإنسانية، فلا مفر من اعتبار هذا التطور كان من أهداف دائرة فيينا، التي كانت تعتقد بأن التطور العلمي سيساهم بالتأكيد في رفاهية الإنسانية.

لا جدال في كون المرحلة العلمية الراهنة للإنسانية مرحلةً فريدة، لم يسبق لها مثال في تاريخ البشرية على الإطلاق. ولا جدال كذلك في كون هذه المرحلة من المراحل التي نلمس فيها «الوجه الخشن» للعلم. فالرغبة في «علمنة» الكون وإخضاعه لنظامٍ علميٍ

(109)

وحيد، أنتجت تفاوتاتٍ لا حصر لها في الحصول على هذا العلم، بل أقامت الدول المصنِّعة حصونًا عاليةً حول هذه العلوم، مُمركزةً إياها في يد حفنةٍ صغيرة من الدول.

أكثر من هذا، لم تخرج المركزية الغربية عن دائرتها الضيقة التي رسمتها إبان الثورة الصناعية في القرون التي خلت، ولم تكفّ عن منطق هيمنتها الاستعمارية منذ «الاكتشافات الجغرافية الكبرى»، بل ضاعفتها، وتفنّنت فيها، بُغية ضمان المواد الخام لصناعتها: «لقد سرقوا المعارف والعلوم من باقي الشعوب ثم أعادوا تدويرها ونسبوها لأنفسهم، على أساس أن العلم كان شيئًا خاصًا بهم وبطبيعتهم كأوربيين، مع أن أوروبا وحتى القرن الخامس عشر كانت قريةً مظلمةً مهمّشةً من قبل باقي العالم، فعلمُ وتطوّرُ القارة جاء بفضل حضاراتٍ أخرى، جاء من حضارة الهنود في أمريكا ومن الحضارة الصينية والإسلامية والهندية والأفريقية [...] ففي الوقت الذي كانت محاكم التفتيش تحارب العلم هناك، كان العالم الإسلامي يبرع في علم الفلك والبيولوجيا والفلسفة، ولكن تم حجب كل هذا لصالح تجميل الحداثة الأورو ـ مركزية»[1]. وكل ما تتشدق به من «حقوق إنسانٍ» و«ديمقراطيةٍ» و»حرياتٍ شخصيةٍ» لا يعدو أن يكون رمادًا تذره في عيون شعوبها أولًا والشعوب الأخرى ثانيًا.

إن الإمبريالية الغربية التي بدأت في العمق بمجرد إجلاء المسلمين عن الأندلس وبداية الحروب الصليبية، وتعززت

(110)

بالاكتشافات الجغرافية، كانت تستعمل الدين في بسط نفوذها على الشعوب الأخرى. ومثل هذا الاستغلال للدين لا يفاجئ، إذا استحضرنا إلى الذهن أن كل الأنظمة الملكية الغربية كانت تحكم باسم الدين وبمساعدة رجال الكنيسة، وبهذا كان الدين المسيحي الغربي يساعد مباشرةً في إحكام قبضة الغرب على الشعوب الأخرى. ومن بين المفكرين الغربيين الذين انتبهوا إلى فظاعة هذا الاستغلال كان هناك مونتين[1] ومونتسكيو[2]، كل بطريقته: «بالنسبة لمونتين، ولمونتسكيو من بعده، فإن فشل المسيحية أخلاقيًا واضحٌ تمامًا من خلال سلوك الإسبان في «العالم الجديد»، اعتبرهم مونتين المثال الأعلى لفشل المسيحية [...] المحمديون (المسلمون) والوثنيون قبلهم تصرفوا بشكل أفضل [...] كان هناك ذبحٌ لا مثيل له من أجل الذهب، مع حديثٍ زائفٍ عن الاهتداء للمسيحية. النفاق والوحشية كانا ولا زالا متسقين يوحدهما التعصب. التعصب أخذ مكان كلٍ من الدين والفلسفة، ويفعل الأعاجيب عندما يؤيد نزوعنا الطبيعي إلى الكراهية، والوحشية، والطموح، والطمع، والانتقاص، والتمرد»[3].

وحسب مونتسكيو، فإن ما ارتكبه الإسبان أثناء الاكتشافات

(111)

الجغرافية، كما تحكي شكلر، يوحي بأنهم تخلّوا عن كل المشاعر الإنسانية في تعاملهم مع من كانوا يعتبرونهم «وحوشًا»، بل سلبوا عنهم حتى صفة كونهم بشرًا وامتلاكهم لروح: «وبمجرد بدء الإسبان بممارسة وحشيتهم؛ بات مهمًا على نحوٍ استثنائيٍ القول بأنه من المستحيل افتراض أن هذه المخلوقات بشر، لأن السماح لهم بأن يكونوا بشرًا سيثير الشك في كوننا مسيحيين»[1].

وقد نبه رامون غروسفوغل في زماننا هذا إلى نفس الشيء: «حصل جدلٌ كبيرٌ حول المواضيع التي عرفتها أوروبا لاحقًا، وأقصد مناظرة بلد الوليد حول إن كان للسكان الأصليين روحًا أم لا، وهو حوار عنصري، وموقف سيبولفيدا sepulveda يندرج في نطاق العنصرية البيولوجية، والذي يرى أن السكان الأصليين لا روح لهم، ومن ثم، وحسب منطق الرب، فلا ضير من استعبادهم و اقتراف كل الجرائم بحقهم، ويجب اعتبارهم و كأنهم بقرًا، حميرًا، أو جيادًا، لا يدخلون دائرة العمل إلا بالقوة.

على الطرف الآخر من المناظرة نجد لاس كاساس las casas، الذي يقول بأن السكان الأصليين هم برابرة يجب تنصيرهم. ومن ثمّ فنحن هنا أمام خطابين كلاهما عنصري، الأول ذو غلاف بيولوجي والثاني ثقافي، وهما من سيحددان طبيعة العنصرية وتمظهراتها لاحقًا. لكن إبان القرن التاسع عشر ومع علمنة السلطة والمعرفة في اتجاه تزييفي، انتقل النقاش من الحديث عن «شعوبٍ دون روح» إلى «شعوبٍ بدون حِمضٍ نووي DNA إنساني»، بمعنى أنها

(112)

شعوبٌ لا تتوفر على جيناتٍ إنسانيةٍ خاصةٍ تؤهلها للخوض في العلوم البيولوجية والطبيعية، وهكذا ومع تطور العلوم الاجتماعية والأنثروبولوجية تم الانتقال من خطاب «لاس كاساس» عن الشعوب البربرية الواجب تنصيرها، إلى خطاب الشعوب البدائية الواجب تمدينها، وبالنظر للخطابين في مناظرة بلد الوليد نفهم العنصرية المعاصرة، وكيف تأسست الحداثة بعلاقةٍ مع احتقارٍ عنصري لباقي الشعوب».

يتضح من كل هذا تأسيس الأنظمة الغربية منذ بدايات النهضة الأوروبية - التي يجب اعتبارها نكسةً بالنسبة للشعوب المقهورة - على تصور ميكيافيلي للحكم، أي مزج الوحشية والبطش والاستكبار بالتظاهر بالتدين. لا داعي للتذكير بأن الغطرسة الغربية الحالية تمد جذورها في إرثها الفكري الميكيافيلي. فالسلام عنده يقوم على الحرب، وفكرة المساواة بين الدول تتأسس على مساواتهم في القوة العسكرية. لقوة البقاء لأية دولة غربية علاقةٌ بقوة جيشها وبطشه. وهذا هو السبب وراء ضرورة الاحتفاظ على احتكار سلطة العنف، تحت ذريعة ضمان الأمن الداخلي والتصدي لأي اعتداءٍ خارجي.

بصريح العبارة، إن الأنظمة السياسية الغربية الحالية، هي البنت الشرعية للوضعية بصفةٍ عامة: «تعود البدايات ﺍﻷﻭﻟﻰ للوضعية ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺎﺕ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺩﺭﺴﺔ السلوكية ﺍﻟﺘﻲ سيطرت ﻋﻠﻰ ﺩﺭﺍسة ﺍﻟﻌﻠﻭﻡ ﺍﻟﺴﻴﺎﺴﻴﺔ منذ العقد الخامس من ﺍﻟﻘﺭﻥ العشرين. ﺇﺫ ﺍﻨﺘﺸﺭﺕ ﺍﻟﻤﻘﺎﻻﺕ والدراسات والكتب ﺍﻟﺘﻲ تطبّق ﺍﻟﻤﻨﻬﺠﻴﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻟﻠﻔﻠﺴﻔﺔ الوضعية، ﻭﺍﺯﺩﻫﺭﺕ ﺍﻟﺩﺭﺍﺴﺎﺕ الامنية ﺍﻟﺘﻲ ﻋﻜﺴﺕ ﻁﺒﻴﻌﺔ مرحلة

(113)

ﺍﻟﺤﺭﺏ ﺍﻟﺒﺎﺭﺩﺓ ﺍﻟﺘﻲ سيطر ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ بالأمن وسبل ﺍﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ البقاء للمعسكرين والانتصار ﻋﻠﻰ الآخر»[1]، هي أنظمة أقل ما يمكن قوله عنها هو أنها أنظمة إمبريالية، غير عادلة، تستغل نتائج العلوم في بسط هيمنتها داخل أوطانها وخارجها. تدك الكرامة الإنسانية باسم الدفاع عن هذه الكرامة في بقاعٍ كثيرةٍ من المعمورة، بل توظّف تفوقها العسكري، الناتج عن تطور التكنولوجيا، لتركيع الشعوب واستعبادها باستكبارٍ وبطشٍ لم تعرفه البشرية من قبل.

وقد انتبه الكثير من الباحثين الغربيين أنفسهم إلى الاستغلال الأيديولوجي للديمقراطية، تارةً بتقديسها «كإلهةٍ» وتارةً بسلب الشعوب إرادتها بمساعدتها: «لم تنتخب الشعوب حكامها كي «تعرضها» إلى السوق، بل السوق هي من يُشكّل الحكومات كي «تعرض» له شعوبها. في زماننا، وهو زمان العولمة الليبرالية، تمثّل السوق وسيلةً للسلطة الوحيدة بامتياز، الجديرة بهذا الاسم: السلطة الاقتصادية والمالية. وهذه الأخيرة ليست ديمقراطيةً، لأنها غير منتخبةٍ من طرف الشعب، ولم يشرف عليها الشعب، وخاصةً لا تستهدف سعادة الشعب»[2].

وهنا يمكن الحديث فعلًا على ديكتاتورية الديمقراطية، وتبنيها لحكم قلةٍ قليلةٍ للعالم، من الأثرياء، عندما أصبحت الديمقراطية، ذاك «الثور الذهبي» المقدس، لا تطيق لا النقد ولا التطوير، بقدر

(114)

ما تفرض الإيمان بها فقط: «لنتوقف عن اعتبار الديمقراطية قيمةً مكتسبة، تحدَّدت مرةً إلى الأبد وغير قابلةٍ للمراجعة، وسط عالمٍ اعتدنا فيه على مناقشة كل شيء، فقط محظور واحد يصمد: الديمقراطية ... الديكتاتور أنطونيو سالازار (1889-1970)، الذي حكم البرتغال أكثر من أربعين سنة، أعلن ما يلي: «لا نضع الله موضع تساؤلٍ ولا الوطن ولا العائلة». حاليًا نسائل الله من جديد، والوطن، وإذا لم نصنع ذات الأمر مع الأسرة، فلأنها تتحمل بنفسها مسؤولية ذلك. لكننا لا نجادل الديمقراطية»[1].

هناك إذًا هذا البعد للديمقراطية، لا تنتبه له الشعوب المغلوب على أمرها وهي تجتهد في «استيراد الديمقراطية» تحت الضغط: «الفاشية الليبرالية تختلف عن شالليبرالية التقليدية من نواحٍ عدة، أنا لا أنكر هذا. الفاشيون يختلفون عن بعضهم البعض لأنهم نبتوا من تربات مختلفة.. التقدمية الأمريكية، التي تحدرت منها الليبرالية الحالية، كانت نوعًا من الفاشية المسيحية (العديد أطلقوا عليها الاشتراكية المسيحية)»[2].

إن التمركز على الذات من طرف الغرب، وهو تمركزٌ ساهمت فيه الوضعية بالتأكيد، وبفعل التقدم العلمي، ساهم إلى حدٍ كبيرٍ في نوعٍ من العجرفة الثقافية والسياسية تجاه الشعوب الأخرى، بل نتج عنه تحقير كل ما ليس غربيًا في كل المجالات وعلى كل الأصعدة.

(115)

والنتيجة هي ظهور حركاتٍ عنصريةٍ وعرقيةٍ وجدت مداها الكبير في الأنظمة الفاشية، التي نشطت أثناء الحرب العالمية الثانية وتشجيع نزعاتٍ أبارتهايدية في الدول الإفريقية، وبشهادة الكثير من الباحثين والمحللين تعتبر الحركة الصهوينية نوعا من الأبارتهايد، بل قد يكون أخطر نوعٍ له. بعبارةٍ أخرى، أدى تطور العلوم بالطريقة التي كانت الوضعية عامةً ودائرة فيينا بالخصوص تطمح إليها إلى إحداث نوعٍ من نزعة الهدم، يمارسها الغرب تجاه كل ما يقف في طريقه أو يُخيّل إليه أنه يعترض سبيله.

تتجلى النتائج السلبية للطريقة التي شجعت بها وضعية دائرة فيينا العلوم، وكان تشجيعًا غير مشروط، في التطورات الحالية للكثير من العلوم، التي لم تعد ترتكز على قاعدةٍ أخلاقيةٍ في بحوثها، بقدر ما تؤكد أن كل ما هو ممكنٌ تحقيقه علميًا مُتاح، على اعتبار أن مهمة العالم الوضعي الحقيقية ليست هي مراعات بعض الخطوط الحمراء في البحث، وبالخصوص عندما يتعلق الأمر بالكرامة الإنسانية، بقدر ما يفهم مهمته كدفعٍ للبحث في ميدانه العلمي إلى مداه الأقصى.

فلم تعد التجارب المخبرية في الاستنساخ مثلًا تقرف الباحث في البيولوجيا، على الرغم من أنها لا تبتعد كثيرًا عن الأيديولوجية النازية المتمثلة في انتقاء، ليس فقط العرق الآري، بل الأقوى في هذا العرق. وصل العلم الوضعي إلى مرحلةٍ أصبح الإنسان والطبيعة موضوع بحث فقط. ويتجلى هذا بوضوحٍ في الكثير من العلوم الوضعية، إلى درجة أن الطبيعة مثلًا، بكل ما توفره من موارد

(116)

للبحث العلمي، لا تتجاوز أهميتها عند العالم حدود براغماتيةٍ محددة. ويلاحظ المرء يوميًا نتائج هذا التقدم العلمي المزعوم، إن كان ممكنًا أن نسميه تقدمًا حتى، في الكارثة البيئية التي وصلت إليها البشرية باسم التقدم العلمي والطامة الكبرى التي تنتظرها نظرًا للتطور المهول فيما يُسمى «العلوم الحربية» التي تُغذي الصناعة الحربية وتشغّل محركاتها لإنتاج الرعب في العالم.

ساهمت الأيديولوجية الوضعية المضمرة في فلسفة دائرة فيينا بكل تأكيدٍ في الكارثة البيئية الحالية، على الرغم من تنبيه الكثير من المفكرين الغربيين أنفسهم إلى هذه الكارثة قبل عقود خلت. قدم إيريك فروم[1] (1900-1980) مثلًا مساهماتٍ مهمةً جدًا في هذا الإطار، ويجد المتتبّع لفكره الكثير من المداخل والمسارب يمكنها قيادته إلى مواطن اهتمامه بموضوع البيئة في ميدان عمله السيكو-سوسيولوجي.

هناك خيطٌ ناظمٌ في فكر فروم في موضوع البيئة[2]، قد نلخصها كالتالي: بما أن الإنسان يهاب نفسه (يخاف من نفسه) ولم ينجح بعد في الوصول إلى حريةٍ نقديةٍ عاقلةٍ بذاته وبالمحيط الذي يعيش فيه، بما في ذلك محيطه البيئي، وبما أن التكنولوجيا هي نتاج عقلانيةٍ أداتيةٍ رياضيةٍ وبراغماتية، فإن عقلية التدمير هي التي تطغى عمومًا على الأفراد وعلى الجماعات الإنسانية في العالم المصنّع،

(117)

نظرًا لطغيان مبدأ «الامتلاك» على مبدأ «الوجود»، وبالتالي التفعيل المركّز للنزعة التدميرية على حساب المبادئ الأخلاقية الإنسانية، وبالخصوص فيما يخص الطريقة «الهمجية» «المتوحشة» التي ينهب بها التصنيع البيئة، مستغلًا ذلك في «تبليد» الإنسان بحشره في منطق استهلاك أعمى، يحجب عليه وعي الواقع ومشاكله والعمل ضد كل ما يمسّ كرامة الإنسان ومحيطه البيئي. بمعنى أن إهمال التفكير في موضوع البيئة، وأخذ قرارات حاسمة، ليس فقط قصد ضمان استمرار حياة الأجيال القادمة، بل لضمان عيش الإنسان في ظروفٍ بيئيةٍ صحية، كشرط مبدئي ليصبح إنسانًا مسؤولًا تجاه نفسه أولًا وتجاه مجتمعه، يؤدي إلى حلقةٍ مغلقةٍ خطيرةٍ في الوجود الإنساني: الخوف، البرغماتية، الاستهلاك، التدمير. ومهمة المفكر هي بالضبط إحداث ثقبٍ في هذه الدائرة، أو كسرها بتقديم بدائل معقولة، لا تقوم أساسًا على مبدأ «تخويف» و«تهويل» الإنسان من احتمال حدوث «كارثةٍ بيئية»، بل بإثارة الانتباه بأن هذه الكارثة قد حدثت بالفعل، والمهمة المنوطة بالتفكير الإنساني هي محاولة الحد من قوة هذه الكارثة بهدف إيقافها كمرحلة أولى ولربما تصحيحها كهدف أسمى.

كان المثال الذي كان العلم الوضعي الغربي يصبو إليه منذ عصر النهضة هو تطويع الطبيعة لخدمة الإنسان أو لتصبح خادمةً للإنسان. لكن ما حصل بعد الوضعية الجديدة هو أن التقدم العلمي اختزل في التطور التكنولوجي الرقمي المحض. فلم يعد الهدف هو إخضاع الطبيعة، بعد إذلالها من طرف العلم، بل خلق تكنولوجيا

(118)

تُعوّض الإنسان، أي فتح الباب على مصراعيه ليُصبح الإنسان والطبيعة عبدان للتكنولوجيا. والمطلوب هو إرجاع التكنولوجيا إلى حدودها الطبيعية كخادمة للإنسان وليس العكس، ووعي الكارثة البيئية التي اتضحت ملامحها وبدأت في هدم الطبيعة على كل المستويات بسرعة قل نظيرها.

إن الرفاهية التي يتصور الإنسان أن التكنولوجيا ستحققها له هي، طبقًا لفروم، أكبر خطرٍ عليه، لأن تمثلها كأداةٍ لتحقيق كل رغباته دون عناء، تقوده إلى وضع خمولٍ وتجعل منه رضيعًا يكون ثدي الأم هو شغله الشاغل. وهذا ضد الطبيعة الإنسانية، التي لا تحقق ذاتها إلا بالنشاط والحيوية والتي لا تُختزل الرفاهية عندها في أشياء مادية، بل تكون مصحوبةً برفاهية الفكر والأحاسيس والانعتاق من كل التبعيات للأشخاص والمؤسسات والأشياء.

إذًا، تكمن رفاهية الإنسان أولًا وقبل كل شيء في الإبقاء على نار الثورة مشتعلةً في حياته واستعداده للبعث في كل لحظة. ومصطلح الثورة المستعمل هنا، يُحيل أولًا وقبل كل شيءٍ إلى إحداث ذاك التغيير المنشود في عقلية وسلوك البشر، ليعوا جملةً من الأشياء في حياتهم، ومنها مشكلهم البيئي، وليتحول هذا الوعي من مجرد استنتاجٍ منطقيٍ إلى سلوكٍ عقلانيٍ يتجاوز فيه الإنسان الجانب الحيواني الشهواني فيه، ليصبح إنسانًا عاقلًا حقًا.

تتجلى النزعة التدميرية الهدامة بوضوح أكثر في الصناعة الحربية والشركات العالمية الكبرى، التي لا تكتفي بإنتاج وسائل الدمار بكل أنواعها؛ بل تبسط نفوذها على القرارات السياسة في الدول

(119)

المصنّعة وتخلق لوبيات مختلفة، تكون «هوايتها» المفضلة هي إشعال فتيل الحرب في ربوع المعمورة قصد ترويج السلع الحربية، بل وأيضًا تجريب مفعولها في أقطار مختلفة من العالم، باستثناء الأقطار الغربية ذاتها. فُتحت ذريعة تشكيل أي بلدٍ ولو صغيرٍ خطرًا على الدول الصناعية، تُعلن الحروب وتُدمر الشعوب أرضًا وبشرًا. وتحت ذريعة «تصدير الديمقراطية» توقد الدول العظمى «مجامير الحرب» في مناطق مختلفة، وبالخصوص في الشرق الأوسط. وبإيهام البلداء من الحكام العرب بأن سلطتهم رهينةٌ باقتناء أحدث المعدات الحربية، تندلع الحروب ويُقضى على البيئة بطريقةٍ مهولة. فالتكنولوجيا الحربية، في أحدث صيحاتها: «الأسلحة الذرية والكيماوية»، كافيةٌ لوحدها للقضاء على الكون برمته، إذا لم يرجع الإنسان إلى صوابه.

لا داعي للتذكير أيضا بأن عالم الاقتصاد المعاصر كان من بين العوالم التي نلمس فيها تأثير الوضعية الجديدة بطريقةٍ مباشرةٍ وغير مباشرة. فقد كانت فيينا من المدن الأوروبية الأولى التي فتحت ذراعيها لليبرالية. ومنذ ذلك الوقت وهذه الأخيرة تتطور إلى أن أصبحت ما هي عليه الآن «توربو ليبرالية Turboliberalismus»، أي عولمة اقتصادية متوحشة، اكتست في الكثير من جوانبها صبغةً دينيةً محضة: «لبريطانيا كنيسةٌ راسخةٌ، لكنَّ القليل من البريطانيين اليوم يولونها اهتمامًا. إنَّهم يتبعون دينًا أقوى من الكنيسة، دينًا طوَّع حياتنا لتتوافق معه: الاقتصاد [...] يُقدِّم الاقتصاد عقيدةً شاملةً لها قانونٌ أخلاقيٌ يعِدُ أتباعه الخلاص في هذه الدنيا؛ فالاقتصاد

(120)

أيديولوجيةٌ بلغت من الفتنةِ مبلغًا يحمل المؤمنين بها على إعادة تشكيل مجتمعاتٍ كاملةٍ لتتوافق مع مطالبها. للاقتصاد غنوصيِّيه، ومتصوِّفته، وسحرته الذين يجلبون المال بتلويحةٍ بعُصيِّهم، مستخدمين تعويذات مثل «مشتقات» أو«وسيلة استثمار مُركَّبة». ومثل الديانات القديمة التي أزاحها الاقتصاد، فإنَّ له أنبياءه وإصلاحييه وأخلاقييه، وقبل كل شيء كهنته العليين، الذين يحفظون قواعده وسُنَّته في مواجهة البِدع»[1].

وباسم العولمة الاقتصادية يُحكم الغرب قبضته على العالم برمته، وكالصناعة الحربية، لا يهمه في نشر «عقيدة العولمة الاقتصادية» إلا المحافظة على مصالحه. ويرى حسن حنفي في هذا الإطار بأن العولمة: «في مظهرها الأساسي تكتُّلٌ اقتصاديٌ للقوى العظمى للاستئثار بثروات العالم، مواده الأولية، أسواق، على حساب الشعوب الفقيرة، واحتواء المركز للأطراف التي حاولت الفكاك منه في الخمسينات والستينات إبان حركة الوطنية»[2].

للتذكير، فإن مصطلح «نيوليبرالية» لم يكن غريبًا على دائرة فيينا منذ ظهوره: «استُعمل لفظ النيوليبرالية لأول مرةٍ في اجتماعٍ في باريس سنة 1938، ومن ضمن وفود الاجتماع حضر شخصان بغرض تحديد معالم الإيديولوجيا، وهما لوفيغ فو ميسيس وفريدريك هايك، وكانا مَنْفيَيْن نمساويين. لقد كان فون ميسيس

(121)

وهايك شاهدان على الديمقراطية الاجتماعية كما مثلتها الصفقة الجديدة التي كان بطلها فرانكلين روزفلت، وشهدا أيضًا التطور المتدرج لتشكُّل دولة الرفاه في بريطانيا كتمظهرات لحراكٍ جماعيٍ لا يختلف في شيءٍ عن النازية والشيوعية»[1].

ليس هناك أمةٌ على وجه الأرض معرّضةٌ لمخاطر «العالم الافتراضي» الحالي[2] ـ الإبن الشرعي لللبيرالية الجديدة ـ، مثل الأمة المسلمة عمومًا والعربية بالخصوص. ككل المنتوجات التكنولوجية، يُعد المسلمون مستهلكين فقط للعالم الافتراضي، بل إن تقنيات هذا العالم أصبحت تتحكم ليس في حريتهم الجسدية وحسب، بل في عالمهم الفكري والنفسي، وتسوق عندنا تمثلاتٍ عن العالم وعن الوجود ليست تمثلاتنا، أي إن عامل الاستيلاب وصل حدوده القصوى. فالحرب الحقيقية للغرب علينا هي حربٌ ناعمةٌ، يسلبنا كل مقومات حريتنا ويوهمنا بأنه يوفر لنا بمعداته الافتراضية سُبل الرفاهية على كل المستويات.

وككل الأمراض التي تعرّضنا لها على يد الغرب الإمبريالي بمسمياتٍ مختلفةٍ وتحت أغطيةٍ فكريةٍ وفلسفيةٍ وأيديولوجيةٍ مختلفة ـ منها ما هو نتاج الوضعية المنطقية مباشرة ـ فإننا لم نطور أي مناعةٍ ضد أخطر فيروس يشيعه في مجتمعاتنا: «يبدو أن مصير الشعوب بات مرتبطًا بمدى مناعتها تجاه وباء الشبكة العنكبوتية،

(122)

وقدرتها على كيفية التعايش مع أنظمة العوالم الافتراضية وقراصنتها وشبكاتها الإجرامية. وأن الحروب الحقيقية التي تهدد أمنها واستقرارها ووجودها، لن تستعمل فيها الأسلحة النارية والنووية والجرثومية وغيرها من مدمرات الحياة والجماد، بل هي تلك التي تدار داخل تلك العوالم، والجارية حاليًا بواسطة الحواسيب والهواتف داخل المقاهي والمنازل وحتى غرف النوم»[1].

يعيد التاريخ الكولونيالي الغربي نفسه مع العرب والمسلمين منذ قرون، دون أن يعي العربي والمسلم بأن الهم الرئيس لورثة الوضعية التجريبية هو بالفعل إقامة كل التجارب الممكنة علينا لتدمير قيمنا المجتمعية والأخلاقية والعقائدية وتفكيك الروابط التضامنية في الأسرة والمجتمع. بل لا ينتبه أولياء الأمر إلى أن الآلة التي يضعونها طواعيةً في يد فلذات أكبادهم قصد التسلية أو تنصلًا من مسؤولية تربيتهم والسهر على نموهم وتطورهم الجسدي والعقلي السليم، سواء أتعلّق الأمر بهاتفٍ نقالٍ أو لعبةٍ إلكترونيةٍ أو آلة البحث عن البرامج في التلفزة أو حاسوب، هي في العمق قنابل الدمار الشامل، تزعزع ثقة الأطفال واليافعين بأنفسهم. فغالبية أطفالنا وشبابنا غير مؤهلين فكريًا لمقاومة هذا المد الاستعماري الجامح المبثوث في وسائل التواصل بمختلف أشكالها وأنواعها[2].

ليست هناك أية مرافقةٍ تربويةٍ للأبناء في استعمالهم للتكنولوجيا

(123)

التقنية، لأن الآباء أنفسهم إما «منبهورون» بإنجازاتها أو «أميون» في علومها: «إنهم يلهثون من أجل التخطيط لعملية اغتصابٍ جماعيةٍ لهوية وثقافة الشعب المغربي [...] مهمتها محاولة تجييش شعوب مواقع التواصل الاجتماعية، حيث الأطفال واليافعون أكثر ولوجًا وتجاوبًا. إن وراء كل هذا الغزو الإعلامي واللهط الأجنبي مهندسين وخبراء في علوم الفتن والهدم والخراب، يسعون وراء تفكيك الشعوب والترامي على ثرواتها، بتحريف أهدافها وفرض ولائها لهم. لا يترددون في ضرب أي جهةٍ لا تواكب مصالحهم وأهدافهم [...] لم نعد ندرك ما نريده من المدارس والمساجد والسجون والمرافق الرياضية والثقافية والفنية والجمعوية، ولا من الدكاكين السياسية والنقابية والحقوقية. فبإدراكنا للأهداف الحقيقية لتلك المرافق العمومية والتنظيمات والتشكيلات المجتمعية، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو ترسيخ هوية وثقافة المغاربة الأحرار، ونكون قد رسمنا سبل التخلص من المجرمين والخونة والأشرار، وحماية العقل المغربي من الانحراف والضياع»[1].

وهذا السبب كافٍ لوحده للتفكير الجدي في كيفية استفادة الطفل العربي والمسلم من هذه التقنيات، دون السقوط في أيديولوجية الاستيلاب التي يود المستعمر الغربي تحقيقها مع الجيل العربي المسلم الحالي والقادم. ولعل الباحث إدريس هاني، يشخّص بما فيه الكفاية من وضوح الوضع عندما يقول: «التحول في

(124)

زمن المعلومة وتقنية الصورة والخداع والقدرة على تركيب الصور والتصرف فيها وتعزيز وضعية الدماغ المغالط حيث تساعد هذه الوضعية على تقبّل كل أشكال احتواء الوعي من دون مقاومة»[1].

وكل هذا باسم «الحرية»، وما أدراك ما معنى مصطلح «الحرية» في النيوليبرالية الحالية، الملفوفة بالوضعية المنطقية لدائرة فيينا: «ومن ضمن مُخرجات هذا الوضع كما يُعدّدها بُول فيرهايغ في كتابه «ماذا عني؟»[2] تنتشر أوبئة أذية الذات كاضطرابات الأكل والكآبة والتوحد وقلق الأداء في العمل وفي البيت والرهاب الاجتماعي بأنواعه. ولعله من غير المفاجئ أن بريطانيا، والتي شهدت التطبيق الأشد وقعًا للفلسفة النيوليبرالية تُعتبر عاصمة التوحد الأوروبية، فكلنا اليوم نيوليبراليين»[3].

وهذا يعني بمفرداتنا أن الليبرالية أدت إلى نوعٍ جديدٍ من العبودية، لا تقتصر على الشعوب الغربية، بل تتعداها إلى الشعوب الأخرى. ففيما يخص الأولى يقول جورج مونبيو: «لعل التأثير

(125)

الأخطر للنيوليبرالية ليس الأزمة المالية التي خلقتها، بل الأزمة السياسية التي أنتجتها سياساتها. فبينما تتراجع سيطرة الدولة على الخدمات العمومية، تتراجع قدرة الشعوب على التأثير في مسار الأمور عبر صناديق الاقتراع. وتعوّضنا النيوليبرالية عن هذا النقص بالقول بأن المواطن يمارس حقه في الاختيار عبر الإنفاق. لكن البعض لديه ما يُنفق أكثر من غيره. ففي ديمقراطية المستهلك أو المالك للأسهم العظمى لا يوجد توزيعٌ عادلٌ للصوت في صناديق الاقتراع. والنتيجة هي إضعاف صوت الفقراء والطبقة المتوسطة. وبينما تتبنى أحزاب اليمين واليسار سابقًا السياسات النيوليبرالية، يُصبح إضعاف الصوت حرمانًا من المشاركة الديمقراطية. فقد أصبحت السياسة حكرًا على القليلين»[1].

أما فيما يخص ديكتاتورية الليبرالية الجديدة، وبالخصوص الأمريكية، تجاه الشعوب الأوروبية نفسها وكل شعوب المعمورة، فإنها واضحةٌ بما فيه الكفاية، لا تتطلب أي برهنةٍ ولا أي دليل: «وفقًا لما ذكره الخبير الديمقراطي لاري دايمند، فإنه بين عامي (2000م ـ 2015م) انهارت الديمقراطية في سبع وعشرين دولة، وإن «كثيرًا من الأنظمة الاستبدادية القائمة باتت أقل انفتاحًا وشفافيةً وتجاوبًا مع مواطنيها»، لقد قامت بريطانيا هذه الأيام بتصويتٍ للخروج من الاتحاد الأوروبي؛ وذهب كلٌ من بولندا وهنغاريا وإسرائيل مذاهبَ متعصبة».

«لقد نسي الليبراليون كذلك أن المجتمعاتِ الليبراليةَ الناجحةَ

(126)

لا تكتفي بمؤسسات ديمقراطية صُورية؛ بل تقوم على التزامٍ واسعٍ ومخلصٍ للقيم الأساسية في المجتمع الليبرالي، وعلى رأسها التسامح. وكما تَبيّن من أحداث العراق وأفعانستان وأماكن أُخر، فإن وضعَ دستورٍ، وتشكيلَ أحزابٍ سياسية، وإجراءَ انتخابات «حرة وعادلة» لن تُولد نظامًا ليبراليًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إلا أن يتبنى الأفرادُ والجماعاتُ في المجتمع المعاييرَ الليبرالية الأساسية. ولا يمكن تطوير هذا الضرب من الالتزام الثقافي والمعياري بين عشيةٍ وضحاها أو فرضها من الخارج، بل ولا سبيل إلى ذلك لا بطائرات تجسسٍ ولا قواتٍ خاصةٍ ولا غيرها من أدوات العنف»[1].

والمشكل الأساسي الذي نسجّله في هذا الإطار هو كون الشعوب العربية والإسلامية لم تُلقّح بما فيه الكفاية من طرف مفكريها وأصحاب القرار فيها ضد «فيروس» هذه الليبرالية المزيّفة، بقدر ما نلاحظ سباحةً جماعيةً لشعوبنا في هذه البركة القذرة، مسلوبي الإرادة، متوهمين بأنهم أحرارٌ وصنّاع قراراتهم، في الوقت الذي يُملي فيه عدد لا يُحصى من المؤسسات العالمية (البنك الدولي، الأمم «المتحدة»، إلخ) قراراته على الشعوب: «وكما تَبيّن من أحداث العراق وأفعانستان وأماكن أُخرى، فإن وضعَ دستورٍ، وتشكيلَ أحزابٍ سياسية، وإجراءَ انتخاباتٍ «حرة وعادلة» لن تُولّد نظامًا ليبراليًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، إلا أن يتبنى الأفرادُ والجماعاتُ في المجتمع المعاييرَ الليبرالية الأساسية. ولا يمكن

(127)

تطوير هذا الضرب من الالتزام الثقافي والمعياري بين عشيةٍ وضحاها أو فرضها من الخارج، بل ولا سبيل إلى ذلك لا بطائرات تجسس ولا قواتٍ خاصةٍ ولا غيرها من أدوات العنف»[1].

3. نسبية المعرفة

يختلف معنى مصطلح النسبية باختلاف المعنى المراد منه والمضمون أو الميدان المستعمل فيه. ويحصي الباحثون ما يناهز عشرين تعريفًا لهذا المصطلح. ونورد هنا التعريف الآتي الذي سيكون أساس اشتغالنا على هذا المفهوم في هذه النقطة: «تُطلق «النسبية» في العربية المعاصرة، على نوعين مختلفين من النظريات، يطلق على إحداهما في اللغة الإنجليزية relativity، «بصيغة الحال adverb»، ليكون معناها الحرفي، «بالنسبية، أو بالطريقة النسبية»، ويقصد بها النظرية النسبية في الفيزياء والطبيعة، للعالم الفيزيائي «ألبرت آينشتاين»، والتي اشتملت على النظرية النسبية الخاصة، والنظرية النسبية العامة، وهي متأتيةٌ من مبدأ النسبية Relativity principle.

كما وتُطلق «النسبية» أيضًا على نظرياتٍ في الفلسفة والعلوم الاجتماعية، تسمى في الإنجليزية relativism، «وهي بصيغة الاسم noun»، لتكون بمعنى النسبية نفسها، وهي التي تدعى غالبًا بالفلسفة النسبية، وهي قائمة بدورها على مجموعة من النظريات النسبية، المرتبطة بأسماء فلاسفتها ومفكريها، وحقولها التكوينية»[2].

(128)

قد لا نجد نصًا أهم من الذي استشهدنا به هنا لتحديد مصطلح النسبية الذي نستعمله هنا. ومن ثم، فإن ما يهمنا منه هو استعماله في الفلسفة والعلوم الإنسانية بصفةٍ عامة، على الرغم من أننا لن نقدم عرضًا مفصلًا للاتجاه الفلسفي النسبي، بقدر ما نركّز بتلخيصٍ على تطبيقه في البحث الذي يهمنا هنا.

تُقابِل النسبية الإطلاق والأزلية، وبهذا تكون هي ذاتها غير دائمةٍ وغير كلّيةٍ وغير كاملةٍ، لا من حيث مفاهيمها ولا معرفتها ولا حقيقتها. وبما أنها تؤكد على دراسة القضايا الجزئية، فإنها تنقض نفسها بنفسها. وبهذا لا يمكن اعتبارها مقياسًا معياريًا موضوعيًا للحكم والاحتكام، طبقًا لبعض مذاهبها ذاتها. ولا تُعتبر النسبية صائبةً بالضرورة، لأنها خاضعةٌ لعوامل الزمن والظرف المكاني والمجتمع، إلخ. وبما أن المذهب النسبي يحث على اعتبار المعارف المتناقضة والمتعاكسة صائبة، فإنها طبقًا لهذا المذهب أيضًا خاطئةٌ تمامًا. ولا يهم إن كانت الحقيقية في النسبية مكتسبةً عن طريق التجربة أم لا، فإنها ليست حقيقةً، لأن العقل هو الذي «صنعها». بل قد يكون العقل هو خالق النسبية أيضًا، ومن هنا تدخل النسبية عالم الأحلام والأوهام. وقد يكون مثل هذا الاستنتاج هو الذي دفع بالوضعية المنطقية رفض الميتافيزيقا، لأنها لم تكن تعتبر معارفها علميةً وصحيحة، بقدر ما كانت تعتبرها أوهامًا.

إنّ فكرة النسبية تعني إدخال كل المعارف الإنسانية، سواء أكانت علومًا تجريبيةً أو رياضيةً أو فيزيائيةً أو غير ذلك، أو علومًا إنسانيةً ـ بما فيها الدين ـ، حيّز النسبية واعتبارها متساويةً في هذا الإطار

(129)

من حيث «نسبة» النسبية فيها، فليس هناك حقيقةٌ أكثر مصداقيةً أو صحةً من الأخرى. وكما أشرنا، تكون النتيجة غياب أي مقياسٍ موضوعيٍ للحقيقة، أكثر من هذا، لا تقر النسبية بأية حقيقةٍ مطلقة. وفي نكران هذه الأخيرة تُقر بوجود حقائق مختلفة، نسبيةٍ بدورها كذلك، ومرتبطةٍ بعوامل شتى أنتجتها.

هناك أنواعٌ كثيرةٌ من النسبية في العلوم الإنسانية، منها ما يخص رفض المعرفة الإبستيمولوجية، الذي يؤدّي إلى نسبية أي نظريةٍ كانت وبالخصوص النظريات الأخلاقية؛ والنسبية الوضعية، بما تتضمنه من نسبيةٍ أخلاقيةٍ أيضًا ورفضٍ للمطلق عمومًا. هدفنا هنا ليس هو استعراض كل نظريات النسبية في العلوم الإنسانية، لأن ذلك يتطلب مؤلفًا قائمًا بذاته[1]، بل التركيز على بعض مبادئ النسبية التي تهمنا في دراستنا هذه، وبالخصوص مبدأ «الحقيقة» ومبدأ «المطلق» في المعرفة، لأهميتهما البالغة في إثبات قصور المذاهب ذات النزعة العلمية، واختزالها للواقع الإنساني إلى جانب من جوانبه فقط، ألا وهو الجانب الذي يمكن قياسه تجريبيًا، وبالتالي التحكُّم فيه وتوجيهه كما يريد المرء، طبقًا للأهداف التي يتوخاها.

نسبية المعرفة التي ننتقد هي تلك التي تقود إلى الفكر الهدّام والنقد اللاعقلي، الذي يمتطي على مفهوم العقل المختزل، ويهاجم الناس في ثقافاتهم ومعتقداتهم الروحية وأنظمتهم الاجتماعية، لا

(130)

لشيءٍ إلا لكونها مغايرةً. والعقل المستعمل في النسبية التي نرفض: «ليس جوهرًا ثابتًا، فهو ليس جهازًا محايدًا وظيفته التفكير، وهو ليس نقيًا وبريئًا ولا ثابتًا يستقبل المعلومات كالكومبيوتر، وإنما هو نشاطٌ فكريٌ تُشكّله نُظُم المعرفة وممارستها في الواقع.

والعقل نسبيٌ في المكان والزمان ويكتسب خصوصيته بالضرورة بقدر ما ينتج من معرفةٍ عن العالم وبقدر ما يسهم في صنع المعرفة. ومن هنا قامت العقلانية على الاقتناع  بمحدودية العقل البشري واتهامه بالقصور وتلبُّسه بالأوهام وانسيابه مع الأهواء»[1].

أ. مبدأ الحقيقة أو الصحة في المعرفة

في عجالةٍ مختصرة، تكون المعرفة بديهيًا إما صحيحةً أو غير صحيحةٍ. لا يمكن للعقل تقبُّل حلٍ وسطٍ في هذا الإطار، كما لا يمكنه تصور أن تنقلب الواحدة منهما إلى الأخرى، أي إنه لا وجود لأي علاقةٍ متبادلةٍ في تغيير المكان بينهما. ومعيار الصحة هو المطابقة للواقع، والعكس صحيح. هناك حقائق متغيرةٌ وأخرى ثابتة، ومن الأمثلة على الأولى متغيرات الزمان واللغة إلخ، ومن الأمثلة على الثانية إقلاع طائرةٍ من تلقاء نفسها دون سبب واضحٍ ومؤكّد، وإلا فسندخل عالم الخيال البحت.

والحال أن اعتبار كل المعارف متغيرةً، أي نسبيةً وغير قارّةٍ، هو نفي طبيعة الإنسان كإنسان، أنطولوجيًا، وعقليًا، وجسديًا. منطقيًا، لا يمكن تأكيد أطروحة تغيُّر الحقائق باستمرار وعدم وجود أي

(131)

حقيقةٍ قارة، إلا بتقديم قاعدةٍ عامةٍ على ذلك وتعميمها. وهذا غير وارد، أو على الأقل لم يحدث إلى حد الساعة، وفي ظننا لن يحدث أبدًا، لأنه سيقود إلى بطلان أطروحة المنطلق.

ب. مبدأ المطلق

لا نناقش هنا مبدأ المطلق كمفهومٍ فلسفيٍ، والذي يعني ما يوجد بذاته دون تبعيةٍ لأي وجود أو موجود آخر. فلا يحتاج المطلق بهذا المعنى لأي شرطٍ ولأي علاقةٍ لكي يوجد. بمعنى أنه غير مشروطٍ وغير محددٍ، فهو الكامل والجامع. أي مفهوم المطلق الذي اشتغلت عليه كل المثالية الألمانية، وهو مطلقٌ نتج عن نوع من «الحدس الفكري» للفلاسفة المثاليين الألمان بالخصوص.

ما نقصده بالمطلق هنا هو مشروعية البحث في المواضيع الميتافيزيقية المختلفة، كالمطلقات الأنطولوجية (الله، المادة، النسق، الواحد، إلخ)، والمطلقات الأخلاقية (الخير المطلق أو الشر المطلق)، والمطلقات السياسية (الحكم المطلق، الليبرالية المطلقة، الملكية المطلقة، إلخ)، والمطلقات الإستيطيقية (الجمال المطلق)، والمطلق الإبستيمي (الحقيقة المطلقة أو الخطأ المطلق).

إذا استحضرنا إلى الذهن الصراع بين الوضعية والدين، وتذكّرنا بأن المشكل الحقيقي للفكر الغربي في عهد النهضة الغربية كان الصراع بين الكنيسة والعلم، فقد نفهم بصورةٍ أفضل رفض مبدأ المطلق الذي يؤسس أي تفكيرٍ ثيولوجي، ليس فقط فيما يخص الأنطولوجيا، بل وأيضًا ميادين ميتافيزيقيةٍ أخرى، كثنائية الجسد والروح، وفكرة العدل والحرية، إلخ.

(132)

وبما أن الظرف التاريخي حيث ترعرعت الفلسفات الغربية الحديثة والمعاصرة ليس هو ظرفنا، فإن الهجوم على مبدأ المطلق لا يمكن فهمه إلا كهجومٍ على المسيحية من طرف علماء الغرب، وتعميم هذا الهجوم على كل الديانات الأخرى تقريبًا. وكما حدث مع الميتافيزيقا، بل وعلى اعتبار مبدأ المطلق ينتمي إلى الميتافيزيقا، فإن هذا الأخير لم «يمت» تحت ضربات الوضعية الجديدة والعقلانية والبنيوية والفينومينولوجيا، إلخ، بقدر ما نجده في مختلف جوانب الحياة العامة في الغرب، على اعتبار أن الدين المسيحي الذي كان المرء يريد له الفناء ما زال هو الآخر حيًا ويمارس من طرف ملايين البشر في الغرب وغيره.

لا يهمنا هنا مبدأ المطلق إلا في حدود أهميته، ولربما ضرورته للإنسان كإنسان، يعني بمعزل عن انتمائه بصفةٍ عامة. فطبيعة الإنسان الداخلية، تدفعه إلى بناء مطلقاتٍ متعددة، متمثلةٍ في حقائق مشتركةٍ يؤمن بها المنتمون لجماعةٍ بشريةٍ ما. وما يهم ليس هو صحة أو خطأ تلك الحقائق المطلقة، بل الاعتراف بها كضرورةٍ مُلحّةٍ للعنصر البشري أينما كان، إذا آمنا بأن مبدأ المطلق هو بمثابة العمود الفقري لحياة المجموعات البشرية وأفرادها. فحتى عندما تصرّح الوضعية المنطقية مثلًا بأن ما تعترف به من العلوم هي فقط العلوم التجريبية والرياضية إلخ، والعلوم التي تستخدم أدواتها، فإنها تعبّر عن مبدإٍ مطلق، تؤمن به مجموعةٌ بشريةٌ معينة.

وكما رأينا في دائرة فيينا نفسها، فطبيعي أن يكون هناك اختلافٌ في الأفكار، وطرق «توحيد العلم»، إلخ، لكن ظلّت مظلّةٌ عامةٌ تجمع من كان يؤمن بمبدئهم المطلق. وقس على هذا فيما يخص

(133)

جميع التخصصات الإنسانية الأخرى، وبالأخص مبدأ المطلق الميتافيزيقي، وعلى وجه الخصوص المرتبط بدينٍ أو معتقدٍ معيّن.

لا يؤثّر الاختلاف في سُبل الوصول إلى مبدأ المطلق في قضيةٍ ميتافيزيقيةٍ ما، بقدر ما يكون إغناءً حقيقيًا للبحث. فإذا كان الاختلاف تهديدًا للحقائق العلمية ذاتها، بل يمكنه القضاء عليها، كأن لا يتفق العلماء مثلًا على أن «5 + 5 = 10»، فإنه عامل إغناءٍ في الميتافيزيقا والعلوم الإنسانية بصفةٍ عامة. وغنى مبدأ المطلق مهمٌ لفتح باب النقاش في كل المواضيع الميتافيزيقية، ودونه يصل المرء إلى حتميةٍ حقيقية، لا تتوافق والطبيعة الإنسانية في جانبها الباطني، لأنها طبيعةٌ ديناميةٌ وغير قارةٍ.

لا نحاول تعطيل العقل عندما نؤكد في بحثنا هذا أن مبدأ المطلق الذي نطلب الاهتمام به يعني كمال موروثنا الثقافي والروحي، بل ننادي إلى ضرورة الاعتراف بالحق في الاستمرار في البحث عن المطلق، لأنه أساس هويتنا العربية الإسلامية، وعن طريق هذا البحث نقترب أكثر من الكمال كمطلبٍ أخلاقيٍ وعقائدي. ولا نصل إلى هذا إلا بالمراجعة المستمرة ليس فقط لموروثنا الثقافي، بل وأيضًا لما يصلنا من الثقافات الأخرى، وبالأخص «الغازية» والمستعمرة منها. فعندما نعترف بمحدودية عقلنا، فإننا نعي أيضًا إمكانية القيام بنقدٍ ذاتيٍ ضروريٍ ومطلوب، ذلك أن قوة العقل تكمن في استعماله وتمرينه على رفع التحديات الفكرية والاجتماعية والتنظيمية، إلخ. ولا يعني هذا بتاتًا أيضًا أننا نغفل حقيقة العقل البشري أو نُحمّله أكثر مما يطيق فيما يخص بحثه عن المطلق، بل نؤكد على أن التمرين

(134)

وحده هو الذي يساعد على الاقتراب من المطلق والكمال، فقد أكدت الدراسات العلمية بأن الإنسان لا يتعدى في المتوسط 6 % من قدرات عقله. ويبرهن هذا على الكنز العظيم الذي يُمثّله عقلنا.

ج. النسبي كعنصرٍ في المطلق: محاولة تأسيسٍ رياضية

إذا رجعنا إلى العلوم التجريبية عامةً والرياضية على وجه الخصوص، فإننا نجدها مؤثّثةً بما فيه الكفاية بمصطلحي «المطلق» و«النسبي» اللذان قدمنا بتركيز هنا. فالمفهوم الرياضي «مجموعةٌ رياضية l´ensemble» لا يعدو أن يكون مقابلًا لمفهوم المطلق الميتافيزيقي، ويتكون «المجموع» الرياضي من عناصر élément. ويُكوّن المجموع «الكل tout». ويُعتبر المجموع في الرياضيات «شاملًا l´univers»، يعني شاملًا لكل عناصره. من هنا، وبالمعنى الشامل للكلمة فإن «المطلق l´absolu» ما هو في العمق ـ بل وبكل بساطة ـ إلا «المجموع»، و«النسبي» هو «العنصر».

تمتلك عناصر مجموعةٍ رياضيةٍ «أ» خاصياتٍ معينةً مشتركةً، تجمعها وتجعل منها هذه المجموعة، هذا الكل وهذا الشامل أو هذا الشمول وهذا المطلق. وتعتبر هذه الخاصية مطلقةً في «أ»، لأنها عامةٌ فيها ولأنها شاملة. لكن في مجموعة «ب» تكون أكبر من مجموعة «أ»، في مطلق آخر، فإن هذا المطلق يصبح خاصيةً تعمل على نسبية «أ»، في الوقت الذي يصبح فيه مطلقٌ آخر القاعدة في هذا الشامل الجديد، وهو شمولٌ تقتسمه عناصر «أ» كذلك، لأن هذه الأخيرة هي جزءٌ من «ب». وتصبح حالاتٌ خاصةٌ في هذه المجموعة الواسعة التي تجمعهما.

(135)

مثلًا في «مجموعة البشر»، أن يكون المرء إنسانًا هو التعميم، أي القاعدة المطلقة. ولهذا فإن «عالَم البشر» مطلقٌ. لكن عندما نتحدث عن «الكائنات الحية»، يعني المجموع الذي يضم «البشر»، فإن معيار «المطلق» هو «الكائن الحي»، والذي لا يعتبر خاصيةً «للبشر» فقط، ذلك أن «البشر» يصبحون حالاتٍ خاصةً في «عالم الكائنات الحية». وهناك «مطلقٌ» أكبر يجعل منهم كلهم نسبيون، ويُحولهم إلى حالةٍ خاصةٍ لشيءٍ ما، معيار أكثر إطلاقًا.

قد يساعدنا هذا التمرين على فهمٍ دقيقٍ لـ«النسبية الشكية». ذلك أن مصطلح «المطلق» يُستعمل باستمرارٍ من طرف العلماء والفلاسفة والمفكرين، وحتى في لغتنا اليومية العادية. في مقابل «المطلق» هناك «النسبي». كيف يمكن الحديث عن فكرة «المجموع» (فكرة المطلق) دون الحديث عن فكرة «العنصر» (فكرة النسبي المقابلة له)، والعكس بالعكس، والعكس صحيح؟ ليس للحديث عن كلمة «إيجابي» أي معنى إلا إذا تحدّثنا أيضًا عن كلمة «سلبي»، حيثما كان «السلبي» واقعًا أيضًا. نفس الشيء يمكن قوله عن الصحيح والخطأ، وحيث لا يوجد الشر، لن يوجد الخير أيضًا. فليس لزوجٍ من هذين الزوجين معنى إلا بوجود الآخر، أي وُجُودَان متساويان في نسبيتهما تجاه الآخر. وعندما قال أوغوست كونت مقولته الشهيرة: «ليس هناك إلا حكمةٌ مطلقة، وهي أنه لا وجود للمطلق»[1]، فإنه سقط في عين التناقض، لأنه كان يفكر بالمنطق السلبي القديم، ولم يسمح له عصره اكتشاف «المنطق البديل Logi

(136)

que alternative» الذي جاء متأخرًا، والقائل: «الكل مطلقٌ والكل نسبي، الكل كبيرٌ والكل صغير، الكل مجموعٌ والكل عنصر، إلخ»، يعني التأكيد على الشيء ونقيضه في نفس الوقت. من هنا يمكن إعادة صياغة «الحكمة» السابقة لكونت كالتالي: «توجد هناك أشياءٌ لا توجد»، يتعلق الأمر بتناقضٍ وجوديٍ إذًا، وهو تناقضٌ يوضح أن ضده هو «كل شيءٍ يوجد»، ويتعلق الأمر بنظرية الوجود.

ما نعنيه الآن بـ «المطلق» هو «الكون كله»، مجموع كل الأشياء، بكلمةٍ مختصرةٍ «الكل». فكل حاجةٍ توجد في مجموع كل الأشياء. كل شيءٍ يوجد في «الكون كله». إذًا فكل شيءٍ يوجد في المطلق. ما لا يوجد هنا والآن يوجد بطريقةٍ مطلقةٍ بالتأكيد في مكانٍ آخر وفي زمانٍ آخر، مضى، أو حاضرٍ أو آتٍ. ما لا يوجد في عالمٍ ما يوجد بالضرورة في عالمٍ آخر، وما هو خيالٌ وليس واقعًا في عالمٍ ما هو بالضرورة واقعٌ في عالم آخر.

دون هذا لا يمكن الحديث عن «الكون الكلي»، مجموع كل الأشياء، يعني «الكل». وإذا نفينا وجود هذا الأخير، فإننا ننفي بذلك أكبر واقعٍ موجودٍ بالفعل، أي «الحقيقة العليا»، «المطلق»، وهلمّ من تسمياتٍ اختارتها الميتافيزيقا لهذا المطلق. فالترابط بين «النسبي» و«المطلق« لا يُعد ترابطًا عُضويًا، بل يمكن اعتبار النسبي «عنصرًا» ظاهريًا من «المجموع = المطلق»، لا يؤثّر على المجموع، بقدر ما يساعد على فهمه. وقد نكون بهذا قد تصدّينا للنسبية التقليدية، التي يستعملها البعض في دراسة تراثنا، بُغية تجويفه والإساءة إليه بسببٍ ودون سبب. ومهمة المفكر العربي الملتزم، ليست هي

(137)

محاولة هدم تراثنا وواقعنا الحالي بتطبيق فكرٍ دخيلٍ واعتبار هذا تجديدًا، بل الاطلاع على هذا الفكر قصد الاطلاع، والغطس في ثقافتنا وهويتنا لتحريرها من القيود التي يظهر لنا أنها سجينةٌ لها، دون المس بالهوية الإسلامية الشاملة: «النسـبية ـ بالوصف المتقدم ـ سـلاحٌ انشـطاريٌ فتّاكٌ يسـتهدف فيما يسـتهدف سلب الأمة إرادتها، رسالتها، هويّتها، سيادتها، حرّيّتها، تعدّديّتها، حقوقها، تعايشها، تعاونها، وحدة نسيجها الاجتماعي، شوريّتها، رغيفها، ماءها، كرامتها، تمهيدًا للدول المجهرية بتقسـيم المقسـم [...] نعم إنها كالفلسفة التفكيكية، والتأويلات الانطباعية الشخصية الهرمنيوطيقية، والغموض البناء، والفوضى الخلّاقة، وسياسات الخطوة خطوةً للتذويب»[1]. ولعل هذا النص غني بالمعاني لمن اعتبر، وأراد اختيار الخندق النضالي لمقاومة كل أسباب تعثُّرنا، ومنها بالخصوص انسياب نظرياتٍ غربيةٍ، كالوضعية الجديدة والنسبية والمادية وما إلى ذلك من مسميات، في جسمنا الثقافي وهدمه من الداخل، دفاعًا ودعمًا لفكرٍ غربيٍ مؤسسٍ على الهيمنة.

4. تقويض الادعاء الوضعي المنطقي القائل بعدم الحاجة إلى الميتافيزيقا

من المشروع، بعد كل الهجمات التي تعرّضت لها الميتافيزيقا من طرف الوضعية التجريبية، إعادة النطر في التعريف القديم للميتافيزيقا كـ «علم ما وراء الطبيعة» و«المغامرة» بتسميتها «علم ما

(138)

قبل الطبيعة». والمقصود هنا «قبل العلوم التجريبية»، ليس فقط في الخط الكرونولوجي التاريخي المتعارف عليه، بل وقبل كل شيءٍ فيما يخص سبق الميتافيزيقا في دراسة المواضيع التي تعتبر حاليًا تخصصاتٍ علميةً.

إذا تحدثنا بمنطقٍ أخلاقي، نلمس عقوق العلم ونكرانه للمعروف، بل إذا تحدثنا من وجهة نظر تحليلٍ نفسية، وسلّمنا بنظرية عقدة أوديب، فقد نقول بأن العلم الحديث والمعاصر عانى من هذه العقدة تجاه الميتافيزيقا وحاول جعل حد لسلطة الميتافيزيقا، بمحاولة قتلها ودفنها في سلة مهملات تاريخ الفكر البشري.

أكثر من هذا، وكما يؤكّد حاليًا الكثير من المختصين، فإن لكل نظريةٍ علميةٍ منطلقًا ميتافيزيقيًا: «يمكن أن نقبل كليًا بأن الجوانب العلمية أو التجريبية للنظريات تكون مطابقةً لأطروحاتٍ ميتافيزيقيةٍ مختلفة، دون الإشارة إلى هذه الأطروحة أكثر من الأخرى. وسيكون من السذاجة كما يُقال افتراض كون العلماء يقومون بأبحاثهم عن العالم دون أحكامهم الميتافيزيقية المسبقة»[1].

قبل حوالي ألفي عام كان المنهج الاستقرائي والميتافيزيقا دعامتين رئيسيتين للعلماء والفلاسفة على حدٍ سواء لتقديم تفسيراتٍ أو تصوراتٍ للعالم الواقعي. وحتى وإن كانت الميتافيزيقا ليست علمًا بالمعنى الدقيق الذي نعرفه الآن، فإنها كانت تقدم في عهد اليونان مثلًا تصوراتٍ بعينها عن الذرات والفلك، إلخ، كانت

(139)

مُتضمنةً في الحكايات والأساطير والملحمات والأشعار. واستمر الأمر هكذا في العصور التي كانت للكنيسة المسيحية كلمة الفصل في أمور الدين والدنيا، إلى حين بدايات اندثارها إبان الحركات التنويرية الأوروبية. ومن المعلوم أن المنهج التجريبي كان أحد أسباب إدخال الشك في العقيدة المسيحية وبداية نفور الناس منها، بل والثورة ضدها.

لعل السر وراء مظاهر القوة للمنهج التجريبي وانبهار العلماء به تكمن في قوته الاستنتاجية، وبذلك دُشن مع الوضعية عمومًا والوضعية المنطقية بالخصوص عهدٌ جديد، ظهر فيه وكأنه على المنهج التجريبي تعويض كل المناهج التي سبقته أو الاستعانة بها إذا اقتضى الحال ذلك، كما هو الشأن بالنسبة للمنهج الاستنباطي. والواقع هو أن هذه الثقة المبالغ فيها للعماء بالمنهج العلمي لا يجب أن تحجب عنا أن الميتافيزيقا لم «تمت» تحت ضربات الوضعيين، كما كانوا يتمنون، بل لربما حدث العكس في الفكر الأوروبي، يعني تكثّفت الدراسات الميتافيزيقية، إما نقدًا للميتافيزيقا الموروثة، أو تطويرًا لاتجاهاتٍ ميتافيزيقيةٍ جديدة. بل تم التأكيد في شرق العالم وغربه، على الضرورة الملِحّة للميتافيزيقا لأسبابٍ لا حصر لها.

أكثر من هذا، لم يكن بإمكان الوضعية الجديدة التطور لو لم تنطلق في عملها العلمي من منطلقاتٍ ميتافيزيقيةٍ محضة: «باقتراح نظرياتهم وتجربتها، فإن العلماء كلهم يقومون بافتراضاتٍ ميتافيزيقيةٍ تذهب إلى أبعد ما يسمح به العلم. وكالآخرين فإنهم غير معفيين من هذه الخطوة النقدية والعلاجية، والتي تشكّل المرحلة الأولى لعملٍ

(140)

ميتافيزيقيٍ يستحق هذا الاسم»[1]. وإذا رجعنا إلى بوبر، نستنتج بالملموس أنه أكد على أهمية الميتافيزيقا: «من الحقائق المسلّم بها أن الأفكار الميتافيزيقية والأفكار الفلسفية ذات أهميةٍ قصوى للكوسمولوجيا، من طاليس إلى أينشتاين، ومن الذرية القديمة إلى تأملات ديكارت عن المادة، ومن تأملات جلبرت ونيوتن وليبنتز وبسكوفيك عن القوى إلى تأملات فارادي وأينشتاين عن مجالات القوى، أضاءت الأفكار الميتافيزيقية معالم الطريق».

ملاحظةٌ لا بد منها قبل إتمام الحديث عن ضرورة التفكير الميتافيزيقي، وبالخصوص في العصر الحديث. هناك علاقةٌ متبادلةٌ صريحةٌ أو ضمنيةٌ بين المفكر (الفيلسوف) وبين العالم. بل إلى عهدٍ غير بعيد، كان الفيلسوف والعالم مشخصَين في نفس الشخص. وحتى عند ظهور الاتجاه الوضعي المحدث، كان الأمر هكذا. وإذا أردنا التعبير عن هذا بلغةٍ رياضيةٍ، يمكن القول بأنهما «وظائف رياضية fonctions mathématiques» في مجموعةٍ رياضيةٍ واسعة، تتمثل في التطور الكامل لوعي الإنسان بالعالم.

ليس هناك أي شعورٍ جميلٍ دون فكرةٍ جميلة، وليس هناك فكرةٌ جميلةٌ دون فعلٍ جميل، وبهذا فحياة العالم تساوي حياة الميتافيزيقي. وإذا حق لنا تصور الإنسان الكامل لا نتردد في القول أنه يجب عليه أن يكون في الآن نفسه شاعرًا وأديبًا وفيلسوفًا وعالمًا ورجلًا فاضلًا. وهذا التصور عن الإنسان موحى من الطبيعة الإنسانية ذاتها؛ ويعرف الإنسان جيدًا ـ كما قال رينان Renan ـ أن طبيعته هي في نفس الوقت طبيعةٌ عالمةٌ ومحبةٌ

(141)

للفضول (المعرفة)، شاعرةٌ وشغوفةٌ في غالب الأحيان بما تقوم به، إذا كان ذلك نابعًا من حب القيام بهذا الشيء.

أ. أهمية الميتافيزيقا

من الصعب بمكان إقناع الأشخاص والدوائر الفكرية بأهمية الميتافيزيقا، بل بضرورتها[1]، في وقتنا الحاضر، بعدما أعلن قبل قرون خلت «فطاحلة» العلم بأنها ماتت تحت معاول نقدهم، ودُفنت تحت ذرات التراب الذي أصبح من الممكن تحليله وإلحاقه بفئة التربة التي ينتمي إليها دون غيرها.

هل بإمكاننا، بل هل يحق لنا، السباحة ضد التيار، بعزمنا هنا على تقديم بعض البراهين على ضرورة الميتافيزيقا؟ أسيأخذ المفكر العربي والمسلم، المتأثر بما فيه الكفاية بالمذاهب الفكرية الغربية، والراضع من ثديها وعيناه مغمضتان، خطوتنا محل الجد؟ ألا نُشعل بأيدينا نار نقد مثل هؤلاء المثقفين لنا، لأننا نهلنا ـ لربما أكثر منهم ـ من الفكر الغربي؟

إن الأمر بالفعل هكذا، لكننا عندما كنا ندرس الفكر الغربي، كانت عينانا مفتوحتين، لنرى ما كنا نشربه. ومن ضمن ما انتبهنا إليه كان عدم الانجرار المجاني في مياه وديانهم الفكرية المختلفة والمتنافسة والمتعاونة والمتصارعة والبنّاءة والهدّامة، إلخ. ومن ضمن ما انتبهنا إليه كانت النكسة المحققة لمحاولة «اغتيال» الميتافيزيقا من طرف الاتجاه الوضعي والوضعي الجديد. ولا نركز على هذه النكسة من منطق انتمائنا لحضارةٍ وثقافةٍ تعطي أهميةً قصوى للميتافيزيقا، بل

(142)

إن هذه الأخيرة معششةٌ في كل ثنايا ثقافتنا العربية المسلمة[1]، بل سنبرهن على أن محاولة «الاغتيال» للميتافيزيقا لم تفلح، بالرجوع بتركيز شديد إلى الفكر الغربي المعاصر نفسه.

«دون ميتافيزيقا معافاةٍ يمكن لكل فلسفة الانحراف والسقوط في عددٍ من الأخطاء. إن الميتافيزيقا هي أعلى العلوم الفلسفية، وتبقى رئيسيةً لمعالجة الثيولوجيا. وفي حقبة التخلّي عن الميتافيزيقا مطلقًا، نجد من الضروري إعادة العثور عليها وإعادة اكتشافها. لا يمكن للإنسان الاستغناء عن الميتافيزيقا [...] إذا لم تكن للمرء ميتافيزيقا قوية، فإنه سيتشبث بأنسقةٍ فلسفيةٍ مشكوكٍ فيها، تُسقط في الخطأ كل تصوره عن الواقع. ويكمن الرهان في توجّه الفلاسفة ورجال الدين إلى المثالية والذاتية في غياب الفلسفة»[2].

وتضيف كلودين تيرسيلين Claudine Tiercelin : «على عكس الحكم المسبق المنتشر، فإن الميتافيزيقا والثيولوجيا كانتا جزءًا مهمًا في الإرث التحليلي، ويكفي الاهتمام بالتحاليل التي تولّد عنها مفهوم «التحليل» لفهم المواقف المتباينة تجاه الميتافيزيقا، والتي لا يمكن اختزالها في العمل البسيط لتقويض هذه الأخيرة»[3].

(143)

تلعب الميتافيزيقا وظيفةً معياريةً مهمة، لأنها تنظم وتنسق كل معارفنا. ذلك أن المهمة الأساس للعقل الإنساني هي بالضبط قيادة كل العلوم التي يمارسها الإنسان إلى الوحدة، عن طريق تعميماتٍ شاملة. وإذا لم تكن الوحدة ممكنةً، فإن استخراج بعض الأفكار العامة يسمح لنا بتصنيفها في مجموعات وربطها ببعضها البعض: «على الميتافيزيقا إذًا تحديد الأفكار المشتركة التي تحكم كل ميدان المعرفة، وربط كل أنسقة المعرفة. احذفوا الميتافيزيقا وستزيحون الإسمنت الذي يربط الحجارة بالعمارة»[1].

باكتشافها لسبب وجود الأشياء، فإن الميتافيزيقا إذًا تتويجٌ كبيرٌ لهذه العمارة، بمعنى أنها شارحةٌ للعلوم، بل أكثر من هذا إنها مفتاح العلم. وكيفما كانت معارضة العلم لطريقة عمل الميتافيزيقا، فإن ميزة طريقتها هذه هي أنها لا تكفّ عن البحث عن أجوبةٍ للمشاكل التي يطرحها عقلنا تجاه معطيات الطبيعة، لا يهم ما إذا كانت هذه الأجوبة صحيحةً أم خاطئة، يقينيةً أم فقط محتملة، المهم هو الوعي الميتافيزيقي بأن هذه المعطيات تتطلب، بل تطالب عقلنا بتقديم أجوبة.

من هنا فإن طبيعة العقل الإنساني تكمن في كونه متعطشًا للشرح، شرح ما يكتشفه أو يُقدم له. ويعتبر هذا الشرح طبيعيًا ومشروعًا وممكنًا. وهنا بالضبط تكمن أصالة الميتافيزيقا بالمقارنة مع العلم، فالعلم في مجمل شروحه، حتى وإن كان ينطلق من الواقع الطبيعي المُعاين والملموس، فإنه يبتر ويحذف ويشوه ويختزل،

(144)

لكيلا يذهب لمعانقة الميتافيزيقا، على الرغم من أنها تساعده إلى حدٍ كبيرٍ في الكثير من أموره. أما الميتافيزيقا فإن أسلوبها في العمل مخالفٌ تمامًا. فحتى عندما يُحاول المرء سجنها في حدودٍ ضيقةٍ للغاية، فإنها تكسر القيود وتطفح وتتجاوز، وبطريقة اشتغالها هذه تلمح وراء حدود التجربة مناطق معرفيةً شاسعةً لا يمكن للعلم، أو لم يتمكن بعد، من الوصول إليها.

وعندما يعترف العلم بأنه لم يكتشف بعد كل شيءٍ، وبأن ما اكتشفه لا يعدو أن يكون إلا جزءًا ضئيلًا من الواقع، وحتى ما تم اكتشافه لا يمكن تطبيق التجربة عليه كله لأسبابٍ عديدة، فإنه يعترف بطريقةٍ غير مباشرةٍ بالميتافيزيقا، التي لا تتوقف عن الدفع بالعقل الإنساني إلى البحث «ما وراء الطبيعة»، ذلك أن التأمل المباشر للطبيعة، التي تتقدم في كل تجلياتها ومكنوناتها لحواسنا، يفرض على عقلنا ويطالبه، بل يثيره ويستفزه ويحرّضه ويهيجه ويغريه، للبحث عن أجوبة، وبهذا يُقاد حتميًا تقريبًا إلى ما وراء المعطيات العلمية.

قد لا يكون ضروريًا التذكير بما قُدم للعلم من مواضيع من عالم الميتافيزيقا، أصبحت فيما بعد مواضيعه الخاصة. ليس من الضروري كذلك التذكير بأن الخاصية الأساس للواقع الطبيعي هو أنه لا يكتفي بذاته، بل يقدّم قصورًا ظاهرًا، وهذه الخاصية بالذات هي التي تفرض على المرء أن يبحث له عن سببٍ لوجوده، أي شيءٍ يجعل منه واضحًا. وهنا بالضبط تكون الميتافيزيقا «ناجعةً». بهذا المعنى فإن الشرح الميتافيزيقي يبحث في اللامرئي سبب

(145)

وجود المرئي، وفي غير المحسوس سبب وجود المحسوس، وفي الروحي سبب وجود المادي، وفي المتعالي سبب وجود التجريبي.

ب. الجانب الميتافيزيقي في اتجاهاتٍ فلسفيةٍ رافضةٍ للميتافيزيقا

إذا رجعنا إلى الوضعية عامةً، والوضعية المنطقية بالخصوص، التي تُعتبر بحق العدو اللدود للميتافيزيقا، فإننا نلاحظ، كما لاحظ ذلك الكثير من الباحثين، أن هذه الوضعية تسجن الميتافيزيقا في المبدأ الذي يُعتبر أساسًا لها (نعني هنا الوضعية). فالوضعية تقول مثلًا بأن المعرفة الإنسانية تقتصر على الوقائع التي يمكن التحقق منها عن طريق التجربة. وهذا التحديد بالضبط هو ميتافيزيقا واضحة. فبإقامة نظرية معرفةٍ عامةٍ بهذه الطريقة، نخرج من ميدان الوقائع للدخول في ميدان المبادئ والأفكار. يعني نخرج من الوضعية للدخول إلى العقلانية، التي تُعتبر عن جدارةٍ ميدانًا للميتافيزيقا.

وأهم سؤالٍ محرجٍ يمكن طرحه على أي وضعي هو: متى استنتجنا وضعيًا بأنه على معرفتنا أن تنحصر في الوقائع التجريبية؟ وإذا اعتبرنا الوضعية تغييرًا خفيفًا للنزعة الحسية (لوك وكوندياك مثلًا)، أو كونها نتيجتها الطبيعية، والتي تؤكد على أنه لا يمكننا تجاوز نطاق المحسوس، لأننا لا نملك إلا معرفةً حسية، ألا يقترح المرء هنا أيضًا نظريةً حول طبيعة المعرفة الإنسانية من طبيعة ميتافيزيقية؟ والحقيقة أن التجربة لم تبرهن في يوم من الأيام بأنه لا توجد معرفةٌ أخرى وراء الإدراكات الحسية. ويكفي التذكير أيضًا بأن تحديد حدود المعرفة واختزالها في المعرفة الحسية أو الوضعية

(146)

هو اعترافٌ صارخٌ بوجود نوعٍ آخر من المعرفة، تكون أحاسيسنا وتجاربنا عاجزةً عن معرفته والوصول إليه.

هناك زاويةٌ أخرى من الوضعية نلمس فيها حضور الميتافيزيقا بشكلٍ واضح. فالوضعية بصفةٍ عامةٍ مارست نوعًا من الحتمية العلمية، بل نتذكر «الحتمية الكونية الشاملة» التي نادى بها أوغوست كونت. ويتمظهر الجانب الميتافيزيقي في الحتمية الوضعية في كونه نسقًا قائمًا بذاته، لأنه يدافع عن فكرةٍ مؤداها أن كل الظواهر مرتبطةٌ بالضرورة ببعضها البعض، وتحدث بطريقةٍ حتمية، وبأن سبب وجود اللاحق هو ما سبقه. وهذا التسلسل هو الذي يكون الحتمية العلمية، وهنا يُطرح السؤال الحاسم أيضًا: متى اكتشف المرء هذا الارتباط تجريبيًا؟ لا يرتبط الأمر بارتباط الظواهر ببعضها البعض بوقائع ولا مواضيع ملموسة، وبهذا يمكن اعتبارها مستقلةً عن سلطة الوضعية العلمية. تتجلى الميتافيزيقا في الوضعية في حاجتها إلى شرح الانتظام والاتساق في الظواهر وما هو ثابت فيها. بمعنى استخراج الجانب الواضح من نظام الأشياء وتسلسلها، وهذا في العمق عملٌ ميتافيزيقيٌ بامتياز، لأنه لا يتأسس على أية ملاحظة ولا تجريب ولا تحقق ولا احتمالات.

يمكن اعتبار سبينسر Spencer من أهم الميتافيزيقيين المعاصرين، لا تقل ميتافيزيقاه أهميةً عن هيجل وروسميني Rosmini، على الرغم من أنه وضعيٌ «قح». فإذا كانت الميتافيزيقا تلتقي بروح التركيب، وإذا كانت الرياضيات مثلًا تجد ضالتها في الأنسقة الشاملة، في البناءات العلمية الشاسعة والمفهومة، فيمكننا التأكيد على أن سبينسر هذا كان

(147)

ميتافيزيقيًا، لأنه كان يهتم بجمع شتات العلم وتركيبه ليصبح وحدةً، وما فكرته عن التطور إلى دليلٌ على قولنا هذا.

عندما نتأمل تطور الوضعية المنطقية إلى نزعة لا-أدرية Agnosticisme في أمريكا، فإننا نجد الأمر نفسه، وبالخصوص في تأكيدها على عدم القدرة على معرفة المطلق. فـ«ملاحقة» المثالي هو اتباع السراب، وهنا نلمس النفحة الميتافيزيقة الواضحة للا-أدرية، بل اعترافٌ صريحٌ بعدم إمكانية معرفة المطلق واعترافٌ بأنه قد يمكن أن نعرفه. من هنا فإن اللا ـ أدرية هي ميتافيزيقا سلبية، بالمقارنة مع الميتافيزيقا الإيجابية.

قيل في أوساط الوضعية التجريبية بأن الميتافيزيقا تهتم بالإشكاليات الخالية من المعنى، التي لا توصل إلى أية نتيجة. وباعتبارها هكذا، أقحمها البعض في عالم الخيال والأسطورة وما شابهها. وبرهانهم في ذلك أنهما معا يتحدثان عن أشياء متعاليةٍ تخالف الواقع. وهذا هو الخطأ بعينه، لأن الأسطورة ليست بنيةً ميتافيزيقيةً، وليست لها أية علاقة بهذه الأخيرة. فالميتافيزيقا توجد في مفترق الطرق بين العالم الواقعي والعالم المُضمر. ووظيفتها هي محاولة الربط بين العالمين المحسوس وغير المحسوس. يعني الربط بين الإنسان وما هو غائب في لحظةٍ من اللحظات عن وجوده، لكنه يريد تحيينه وإحضاره في هذا الواقع، يعني البحث عن الحقيقية الغائبة القابعة في عالم ما وراء الظواهر الحسية. وهذا بعيدٌ

(148)

عن الخرافة والأسطورة اللتان تعبّران عن الخيال واللا-واقع. وبهذا الاعتبار، فالميتافيزيقا ليست تجاوزًا للواقع ولا ابتعادًا عنه ونفيًا له، بل على العكس من ذلك إنها تركّز أساسًا على التعمق في دراسة الواقع والكشف عما وراء ظواهره، بطريقةٍ عقليةٍ مجردةٍ خالصة، بغية الوصول إلى اليقين، وفي هذا تُشبه العلوم التي تهدف إلى نفس الشيء.

لم تذُب الميتافيزيقا وتغيب في عصر «الرقم والرقمنة» و«العوالم الافتراضية»، بقدر ما اتسع مجال وموضوع بحثها أكثر. فقد أضافت للأنطولوجيا التي انتُقدت بسببها وكانت موضوعها الرئيس سابقًا، الإبستيمولوجيا، التي أصبحت مبحثًا من مباحثها المهمة. فإشكاليات الإبستيمولوجيا التي تتساءل عن أسس العلم ذاته، وعالم الحواس بالخصوص، وما إذا كانت هناك حواس أخرى غير تلك التي يمتلكها الإنسان، هي نفسها إشكالياتٌ ميتافيزيقيةٌ محضة كذلك.

أكثر من هذا، كانت هناك محاولاتٌ جادةٌ لبناء الميتافيزيقا بناءً علميًا تجريبيًا، كما حدث مع الكانطية الجديدة[1]. ففيخنر Fichner حاول دراسة العلاقة بين الأشياء الفيزيائية والنفس الإنسانية، مانحًا النفس وجودًا فيزيائيًا فعليًا، بالإضافة إلى حقيقتها المجردة. وتكمن النتيجة التي توصّل إليها في هذا الإطار في تأكيده على أن الماورائيات هي تكملةٌ للعلوم المادية وللعلوم الأخرى عمومًا، هدفها

(149)

تقديم صورةٍ عامةٍ عن الواقع في حقيقته قدر الإمكان. من ثم فلا قطيعة في نظره ـ ولو جزئيةً ـ بين الميتافيزيقا والعلم.

خلاصة القول في هذه النقطة، حتى وإن كانت رغبة الوضعيين الجدد كبيرةً في «إقبار» الميتافيزيقا لأسبابٍ أيديولوجيةٍ بالخصوص، لأن المرء اختزلها عمومًا في الميتافيزيقا الأنطلوجية الكنسية في جانبها اللاهوتي، فإن الميتافيزيقا لم تنتهِ أو ينتهي أمرها، بقدر ما استمرت في أشكالٍ متعددةٍ وبمواضيع مختلفةٍ مع فلاسفةٍ غربيين وغير غربيين، مختلفين ومتعددين إلى يومنا هذا. وإن دل هذا على شيءٍ، فإنما يدل على أن الميتافيزيقا مرتبطةٌ ارتباطًا قويًا بحياة الإنسان، وهو ارتباطٌ قد يتجاوز نطاقه الإمبريقي، لأن الإنسان لا يكف عن طرح الأسئلة ويحاول الوصول إلى أجوبة، سواء أتعلق الأمر بعالمه الطبيعي أو عالمه الرمزي والميتافيزيقي.

ومن غير العلمي وغير المنطقي وغير التجريبي حتى حرمانُ الإنسان من جانب من جوانبه الأساس، على اعتبار أنه مادةٌ يمكن دراستها عمومًا علميًا وتشريحيًا، وروحًا يمكن فهمها بالتأمل الميتافيزيقي الجدي. ولعل أجمل ما يمكن الختم به هنا هو هذا النص العميق: «إن الميتافيزيقا اليوم تنمو بشكلٍ لم يكن في السابق أبدًا، وربما كان ذلك مؤشرًا على أن حاجتنا إلى الميتافيزيقا حاجةٌ أصيلةٌ بمقدار حاجتنا إلى الفلسفة [...] وهكذا يدل تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر على أن أية محاولة

(150)

لإقصاء علم الميتافيزيقا ونبذه هي في الواقع تجاهلٌ للأسئلة التي لا يستطيع العلم التجريبي الإجابة عنها وتركها من دون إجابات، وواضحٌ أنه لا يوجد أي فكرٍ فلسفيٍ حقيقيٍ بمستطاعه تجاهل تراكم مثل هذه الأسئلة المتعلقة عمومًا بالبنية الكلية والنهائية للواقع، والمرور عليها مرور الكرام»[1].

(151)

خاتمة

لم تنل دائرة فيينا حقها الوافي من الدراسة في العالم العربي والإسلامي[1]، على الرغم من انخراط بعض مفكري العرب والمسلمين في جانبٍ من جوانب هذه المدرسة، بل إن بعضهم أعلن انتماءه إليها، وتمثيلها في العالم العربي. ولعل زكي نجيب محمود[2] يبقى الوجه المعروف أكثر في هذا الإطار. فقد حمل على عاتقه لواء الفلسفة الوضعية المنطقية، وزعم أنه يقوم بتنقيح الفلسفة مما كان يراه عبئًا عليها، شانًا بذلك حربًا عليها[3].

وقد علّل اختياره للوضعية المنطقية بغياب ثقافةٍ عربيةٍ في زمانه

(152)

كان بإمكانها المساهمة في تطوير المجتمعات العربية بالرجوع إلى العلوم الحقة والتكنولوجيا، وهو تعليلٌ يغطّي في نظرنا عدم وعيه بأنه لم يكن إلا أداةً طيّعةً في يد أفكار هذا الاتجاه الفلسفي الغربي، بل يلمس المرء حتى نوعًا من السقوط في استيلابٍ سَلَبه ملكة ضبط ما «انخرط» فيه من أفكارٍ للتيار الوضعي المنطقي، بل أكثر من هذا ـ وهذا هو الأخطر في نظرنا ـ طالب الفكر العربي والإسلامي عمومًا بتقليد الغرب، كوسيلةٍ للخروج من تخلّفه الحضاري.

وحتى وإن كان تراجع جزئيًا في زمنٍ من الأزمان، بداية السبعينيات من القرن العشرين، عن هذا الموقف و«اقتنع»، بل اعترف، بأن تحديث الواقع العربي والإسلامي لا يمكن أن يُعوّل فيه على الفلسفة الوضعية المنطقية فقط، بل لا بد من الرجوع إلى التراث العربي الإسلامي، نقول حتى وإن كان هناك نوعٌ من الانعطاف عنده، إلا أنه بقي وفيًا لانتمائه للاتجاه الوضعي المنطقي: «إن تبنّي زكي نجيب محمود للوضعية المنطقية إنما يعكس موقفًا أيديولوجيًا ـ رغم أنه يدّعي عكس ذلك ـ يعبّر عن اللحظة التاريخية التي نشأ فيها، وهذا الموقف يُعدّ تعبيرًا عن منطقٍ انتقائي، ذلك المنطق الذي يعني التكسّب على فتات الحضارة الغربية، ويتجاهل الحاضر والماضي والمستقبل، إنه منطقٌ لا تاريخي، لا يتصالح مع التراث، بل همه أن يكون امتدادًا وتابعًا للنموذج الغربي»[1].

على غرار زكي نجيب محمود، الذي تعرّف على الوضعية

(153)

المنطقية في حلتها الإنجليزية وهو طالب في إنجلترا، فإن الفهم العميق لهذه الفلسفة لم يتمّ بدقةٍ في العالم العربي، بل لم يضبط المرء عندنا حتى من كان منضويًا تحت لوائها. فهناك من يؤكد بأن فيتغنشتاين مثلًا هو أحد روادها، وهذا لم يحدث في تاريخ الدائرة، وهناك من يجزم بأن بوبر كان أحد منظريها، إلخ. أكثر من هذا ركّز المرء عندنا على وصف وتقديم الدائرة دون عناءٍ تأمُّلٍ، ما قد يجعلها قوةً هدامةً لتراثنا ومقوّماتنا الحضارية والثقافية. ولا نعني هنا بالضرورة نزعتها المادية النافية لكل نسمة دين، بل لكل الروحانيات الإنسانية، بل للنتائج التي أصابت الأمة المسلمة بسبب التغلغل الممنهج لهذه الفلسفة في القرارات السياسية الغربية وفي عقول ثلةٍ من طلبة البعثات الدراسية العربية بعد الحرب العالمية الثانية.

عندما نتمعّن كيف تتسلل النظريات الغربية الإمبريالية إلى النسيج الفكري والثقافي والحضاري للأمم التي تستولي عليها، فلا يفوتنا - إضافةً إلى نموذج الكثير من العرب والمسلمين، سواء إبان «البعثات الطلابية» أو حاليًا ـ التذكير بالمكسيكي غابينو باريدا Gabino Barreda، الذي تتلمذ مباشرةً على يد أوغوست كونت. حاول بكل قواه في منتصف القرن التاسع عشر، بعد استقلال بلاده، إقحام الوضعية في النظام السياسي المكسيكي، تحت غطاء الليبرالية، وبكلمةٍ مختصرةٍ إدخال القانون الوضعي في الواقع الاجتماعي للمكسيك ببناء العلوم الوضعية: «وضع الوضعيون المكسيكيون أفكارهم في الدولة [...] طبقًا لغابينو باريدا، فإن الوضعية تقدّم إمكانية الوحدة والاندماج الوطني، جسديًا وأخلاقيًا

(154)

وثقافيًا، بالإضافة إلى خلق ودعم فريق في السلطة من أجل التنمية الشاملة للدولة الوطنية»[1].

ولا داعي للتذكير بأن محاولة الاستيراد هذه لم تغير أي شيءٍ في المكسيك، لأن الاستيراد يمكن أن يشمل بضائع استهلاكيةً، أما الفكر فلا يُستورد، بل يُنتج محليًا، بتفاعلاتٍ مختلفةٍ مع الذات ومع الغير.

نفس الشيء يُمكن قوله فيما يخص الأمة العربية والمسلمة، فحتى وإن لم ينجح أي مفكّرٍ في إدارة شؤون بلدٍ عربيٍ ما أو المشاركة في ذلك كما كان الشأن بالنسبة للمكسيكي غابينو باريدا، فإن فيالق عربية من «الجنود الأوفياء للغرب» اكتسحوا الساحة الثقافية العربية بعد الاستقلال السياسي للأوطان المسلمة، وتموضعوا في حصونهم، مدافعين ومجنّدين لهذا الاتجاه الفكري أو الآخر، مقدّمين إياه كالحل الوحيد لحل أزماتنا وبناء أسس إقلاعنا الحضاري والثقافي.

اجْتِيحَت ساحتنا الثقافية على أيدي الكثير من مفكرينا، الذين أداروا المعارك فيما بينهم للدفاع عن المذهب الفكري الغربي الذي اختاره واحدهم، ظنًا منه بأنه يملك المفتاح السحري لحل كل

(155)

مشاكلنا. هذا الوضع غير السوي هو الذي نحاول تجاوزه، بل نحن مُضطرون لتجاوزه إذا كنا نريد خيرًا لأمتنا وأبنائنا. ليس هناك أي عيبٍ في الانفتاح على مشارب فكريةٍ غريبة، لكن العيب كل العيب هو محاولة «استيرادها» وفرضها كالنموذج الذي يجب أن يُحتذى. لا نومن بـ «عالمية» فكر ما، إلا إذا كان هناك تفاعلٌ إيجابيٌ بين هذا الفكر وفكر بيئات مجتمعاتٍ أخرى. ولا نؤمن البتة بقدرة فكرٍ دخيلٍ على تغيير وضع مجتمعٍ آخر، لأن ظروف هذا الآخر مغايرةٌ تمامًا لظروف نشأة وتطوّر الفكر الدخيل. لذا، لا نكِلُّ عن معاودة النداء إلى ضرورة تصحيح المسار في العالم العربي والإسلامي فيما يخص «استقبالنا» ـ لربما كنت أود أن أقول تبعيتنا ـ للفكر الغربي منذ نهاية القرن الوسيط حسب التأريخ الغربي.

لا نزعم أننا أوفينا بالمراد في هذه الدراسة المتعلقة بدائرة فيينا، لأنها تبقى متواضعةً وتحتاج إلى توسيع أكبر وتأمّلٍ أعمق، بل ما نود التنبيه إليه عن طريق الاهتمام بها هو أننا بحاجةٍ في عالمنا العربي المسلم إلى مراجعة مواقفنا مما «ورثناه» عن الفكر الغربي، الذي فرّقنا شِيَعًا وفِرَقًا منذ احتكاكنا به منذ قرون خلت. فهناك من يُمجده ويعتبره طوق نجاةٍ لعتق الأمة العربية والإسلامية، وهناك من يرفضه جملةً وتفضيلًا لأنه دخيٌل علينا، وهناك من يحاول التوفيق بينه وبين فكرنا.

ما لم يحدث بعدُ هو تعاملنا مع الفكر الغربي عامةً كمادةٍ للدراسة: «استطاع الغرب أن يحقق أهدافه باستغلال نقاط الضعف في الأمة، عبر دراسة كل ما يتعلق بها بشكلٍ دقيق، منذ ظهور الحكم

(156)

الإسلامي وحتى الآن، وهذه المعرفة ساهمت في إدارة الغرب للصراع مع المسلمين بنجاح؛ لكونها بُنيت على علمٍ ودراية. في المقابل فإن المسلمين لم يقوموا بدراسة الغرب دراسةً حقيقيةً تساعد على وضع استراتيجياتٍ قائمة على أسسٍ واقعيةٍ وعلميةٍ وشرعيةٍ لتوجيه الأمة نحو تصورٍ شاملٍ لهذا الكيان»[1]، كموضوع بحث، نحاول فهمه دون ضرورة الانخراط فيه أو الوقوف ضده، بل بغربلته واستنطاق خلفياته الفكرية والأيديولوجية ومدى مساهمتها في الضغط علينا لنبقى عبيدًا للغرب على كل المستويات: «ومن أجل استمرار الهيمنة على المسلمين يوجد في الغرب وفي بلادنا آلاف المراكز والهيئات الحكومية وغير الحكومية لدراسة العالم الإسلامي، ولم تتوقف طوابير الباحثين والخبراء عن التدفّق إلى المدن والقرى لتشريحنا، ودراسة كل ما يتعلق بالإنسان المسلم والمجتمعات الإسلامية. إنهم يتعاملون معنا بناءً على خططٍ مرسومةٍ وموضوعةٍ سلفًا، قائمةٍ على قواعد بيانات تم جمعها عبر مئات السنين»[2].

بما أننا نعي هذا الأمر، بل نرى بأم أعيننا طوابير «باحثين» غربيين يجولون ويصولون في مدننا وقرانا، فقد أصبح من مسؤولياتنا الثقافية والدينية والحضارية التصدي لها، بالثورة ضد أصحاب القرار الذين ـ تحت ضغط الغرب وتهديده ومكافئاته - يفسحون المجال لكل من هب ودب من الغربيين لتطويعنا بدراستنا من كل النواحي. لا عجب إذا لاحظنا كذلك «مراكز بحث» (عربية) لا تُعدّ

(157)

ولا تُحصى في العالم العربي. بغض النظر عن التعتيم المقصود عن مصادر تمويلها ـ ونتحدث هنا عن ملايين الدولارات سنويًا ـ فإن الوضع خطيرٌ جدًا، لأن جل المراكز العاملة في كثير من الدول العربية تستهدف أساسًا البنية العقلية والعاطفية لشبابنا، يعني استعمارًا محققًا ومضمون النتائج. فقد عوضت هذه المراكز الدور الذي يجب على الجامعات العربية وأكاديميات أحزابها السياسية القيام به في تكوين أبنائها.

والغريب في الأمر أن الساهرين على هذه المراكز هم، نظريًا على الأقل، زبدة ما جادت به الساحة الثقافية العربية: أساتذةٌ جامعيون مرموقون، ليس من حقهم نظريًا تشجيع مثل هذه المراكز في سلب شبابنا عقولهم والزج بهم في فيافي الاستيلاب والتغريب. ولا يمكن تشبيه مديري المراكز الحالية ـ عندما ننتبه إلى التسميات نفهم كل شيء - بمفكرينا إلى حدود الثمانينيات من القرن الماضي، لأننا نفترض بأن دفاع الجيل المثقف لما بعد الاستقلال عن الاتجاهات الغربية كان دفاعًا لا ـ واعيًا في غالب الأحيان، فرضته المرحلة والاعتقاد الساذج في استقلال الفكر في الغرب عن القرار السياسي. فمديري المراكز الحالية يشتغلون بوعي، الكثير منهم يسترزق أيضًا، ويوهمون شبيبتنا من المحيط إلى الخليج بأن الغرب عادلٌ وديمقراطيٌ ويحترم حقوق الإنسان ويريد الخير لأوطاننا، وهلم جرًا من «الأساطير المؤسسة» للوهن العربي الإسلامي تجاه جبروت الغرب.

بما أن هذه المراكز مدعومةٌ سياسيًا من طرف أصحاب القرار في

(158)

الكثير من الدول العربية والإسلامية، وبما أن مرتزقة هذه المراكز كُثْر، فمن واجبنا تنبيه شبابنا المتعلم من خطر هذه المراكز، وتحفيزهم على رفضها وعدم الانضمام إليها، لأنها من الوسائل الفعالة ـ تمامًا كوسائل الإعلام وتقنيات التواصل الرقمية ـ لاستمرار الغرب في نخر هوية أمتنا من الداخل على المستوى الطويل.

نتمنى أن تكون دراستنا هذه لدائرة فيينا نموذجًا ـ ولو متواضعًا جدًا ـ لكيفية تعاملنا مع الفكر الغربي وفتح عيوننا على ما لا يكون في الحسبان، إذا استمر وضعنا كمستهلكين سلبيين للفكر الغربي وثقافته.

 

والله ولي التوفيق

(159)

بعض المراجع المعتمدة في هذه الدراسة

المراجع بالعربية

- إبراهيم مصطفى إبراهيم، الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم، «حول التجريبية الإنكليزية وسياقاتها اللاحقة»، دار الوفاء، الاسكندرية.

- خضر إبراهيم حيدر، الميديا: مفهومها المعاصر وعلاقتها بالإعلام الكلاسيكي، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، 2018م ـ 1439هـ.

- ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج 2، ط 1، مؤسسة نشر البلاغة، قم، 1955.

- علي أبو ملحم، الفلسفة العربية: مشكلات وحلول، مؤسسة عز الدين، بيروت، 1994.

- الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، الأسس المنطقية للاستقراء، العارف للمطبوعات.

- رشيد الحاج صالح، النظرية المنطقية عند كارناب، دار الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2008.

- السيد نفادي، السيميوطيقا وعلاقتها مع الفلسفة والعلم عند كارناب، الكويت، مجلة عالم الفكر، المجلس الأعلى للنشر، العدد 1، المجلد 31، 2002.

- هاشم الميلاني، الديمقراطية: من الإغريق إلى عالم ما بعد

(160)

الحداثة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، 2017م ـ 1439هـ.

- الكندي، الرسائل الفلسفية (الفلسفة الأولى)، طبعة عبد الهادي أبو ريدة، القاهرة، 1953.

- عبد الرحمن بدوي، مناهج البحث العلمي، وكالة المطبوعات، الطبعة الثالثة، الكويت، 1977.

- كارل بوبر، منطق الكشف العلمي، ترجمة وتحقيق ماهر عبد القادر محمد علي، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1997.

- كارل بوبر، منطق الكشف العلمي، ترجمة وتقديم محمد البغدادي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2006.

- كارل بوبر، أسطورة الإطار: في الدفاع عن العلم والعقلانية، ترجمة يمنى طريف الخولي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، شهر إبريل/مايو 2003.

- كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه، ج 2، ترجمة حسام نايل، التنوير، بيروت، ط 1، 2015.

- أ.م بوشنسكي، الفلسفة المعاصرة في أوروبا، ترجمة عزت قرني، الكويت، عالم المعرفة، العدد 102، 1992.

ـ علي جمول، نظرية المعرفة العلمية بين المنهج والتطبيق، بوبرـ كون ـ فيرابند، وزارة الثقافة السورية، دمشق، 2011.

- دونالد جيليز، فلسفة العلم في القرن العشرين، ترجمة ودراسة حسين علي، مراجعة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2009.

(161)

ـ وجدي خيري، نظرية الديمقراطية عند كارل بوبر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2016.

- دولت عبد الرحيم، أضواءٌ على فلسفة العلم، القاهرة، دار البيان، 2000.

- برتراند رسل، حكمة الغرب، ترجمة فؤاد زكريا، عالم المعرفة، الكويت، ج 2، العدد 72، 1983.

- يوسف سايفرت، البرهان الفينومينولوجي الواقعي على وجود الله، ترجمة حميد لشهب، جداول للطباعة والنشر والترجمة، بيروت، 2015.

- أرتور شوبنهاور، نقد الفلسفة الكانطية، ترجمة حميد لشهب، جداول للطباعة والنشر والترجمة، بيروت، 2015.

- شهريار زرشناس، الليبرالية، ترجمة: حسن الصراف، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، العتبة العباسية المقدسة، 2017م ـ 1439هـ.

- محمد عبد الرحمن مرحبا، تاريخ الفلسفة اليونانية، مؤسسة عز الدين، بيروت، 1993.

- برايان غرين، الكون الأنيق: الأوتار الفائقة والأبعاد الدفينة والبحث عن النظرية النهائية، ترجمة فتح الله الشيخ، مراجعة أحمد عبد الله السماحي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2005.

ـ باسل فرحان صالح، كارل بوبر والمنعطف الإبستمولوجي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2016.

(162)

ـ أحمد فاروق، فلسفة كارل بوبر السياسية: من الإبستمولوجيا إلى الأيديولوجيا، دار رؤية، 2014.

- راينر فونك، الأنا والنحن، التحليل النفسي لإنسان ما بعد الحداثة، ترجمة حميد لشهب، جداول للطباعة والنشر والترجمة، بيروت، 2016.

- إريك فروم، حب الحياة، نصوصٌ مختارة، ترجمة حميد لشهب، جداول للطباعة والنشر والترجمة، بيروت، 2016.

- رافد قاسم هاشم، «رودلف كارناب والوضعية المنطقية»، مجلة جامعة بابل، العلوم الإنسانية، المجلد 18، العدد 4، 2010.

ـ محمد هاني خليل، دراسة في مبدأ اللاحتمية عند كارل بوبر، أزمنة للنشر، عمان، ط 1، 2013.

- نعيمة ولد يوسف، مشكلة الاستقراء في إبستيمولوجيا كارل بوبر، ابن النديم للنشر والتوزيع، دار الروافد الثقافية - ناشرون، 2015.

- باتريك هيلي، صور المعرفة: مقدمةٌ لفلسفة العلم المعاصرة، ترجمة د. نور الدين شيخ عبيد، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008.

- كارل هيمبل، فلسفة العلوم الطبيعية، ترجمة سامر عبد الجبار، العراق، دار الشؤون الثقافية العامة، 1986.

(163)

المراجع بلغات أجنبية

- Cercle de Vienne, «La conception scientifique du monde», 1929, in Antonia Soulez (dir.), Manifeste du Cercle de Vienne et autres écrits, Paris, PUF, 1985.

- Auguste Comte, Discours sur l’esprit positif (1844), Paris, Vrin, 1995.

- Der Wiener Kreis, Christoph Limbeck-Lilienau, Friedrich Stadler, Verlag: LIT, Wien, 2015.

- Gustav Bergmann, «Erinnerungen an den Wiener Kreis. Brief an Otto Neurath (1936)», in: Michael Stِltzner, Thomas Uebel (Hg.), Wiener Kreis, Texte zur wissenschaftlichen Weltauffassung, Hamburg: Meiner, 2006.

- Rudolf Carnap, Logische Syntax der Sprache, Wien: Springer Verlag, 1968 [1934].

- Rudolf Carnap, Mein Weg in die Philosophie, Stuttgart: Reclam, 1993 [1963].

- Rudolf Carnap, Der logische Aufbau der Welt, Hamburg: Felix Meiner Verlag, 1998 [1928].

- Rudolf Carnap, Scheinprobleme in der Philosophie und andere metaphysikkritische Schriften, Hamburg: Felix Meiner Verlag, 2004.

- Manfred Geier, Der Wiener Kreis, Rowohlt, Reinbek, 1998.

(164)

- Rudolf Haller, Neopositivismus, Eine historische Einführung in die Philosophie des Wiener Kreises, Wissenschaftliche Buchgesellschaft, Darmstadt, 1993.

- Immanuel Kant, «Zum ewigen Frieden»; RUB 1501, Reclam Verlag, Stuttgart.

- Otto Neurath, Gesammelte philosophische und methodologische Schriften. (2 Bنnde), Wien: Verlag Hِlder-Pichler-Tempsky, 1981.

- Karl Popper, Logik der Forschung, Tübingen: Mohr Siebeck, 2005 [1935].

- Heinrich Rickert, Kant als Philosoph der modernen Kultur, Ein geschichtsphilosophischer Versuch, J.C.B. Mohr (Paul Siebeck), Tübingen, 1924.

- Heinrich Rickert, Grundprobleme der Philosophie, Methodologie, Ontologie, Anthropologie, J.C.B. Mohr (Paul Siebeck), Tübingen, 1934.

- Leena Ruuskanen, Der Heidelberger Bergfriedhof im Wandel der Zeit, Verlag Regionalkultur, Ubstadt-Weiher 2008.

- Moritz Schlick, Die Wiener Zeit, Aufsنtze, Beitrنge, Rezensionen, 1926-1936, (Moritz Schlick Gesamtausgabe, Abteilung I, Band 6), Wien: Springer Verlag, 2008.

(165)

- Moritz Schlick, Allgemeine Erkenntnislehre, (Moritz Schlick Gesamtausgabe, Abteilung I, Band 1), Wien: Springer Verlag, 2009 [1918/1925].

- Moritz Schlick, Lebensweisheit, Versuch einer Glückseligkeitslehre, Fragen der Ethik, (Moritz Schlick Gesamtausgabe, Abteilung I, Band 3), Wien: Springer Verlag, 2006 [1908, 1930].

- Friedrich Stadler, Studien zum Wiener Kreis, Ursprung, Entwicklung und Wirkung des logischen Empirismus im Kontext, Frankfurt/Main: Suhrkamp Verlag, 1997.

- Michael Stِltzner und Thomas Uebel (Hrsg.), Wiener Kreis, Texte zur wissenschaftlichen Weltauffassung von Rudolf Carnap, Otto Neurath, Moritz Schlick, Philipp Frank, Hans Hahn, Karl Menger, Edgar Zilsel und Gustav Bergmann, Hamburg: Meiner Verlag, 2006.

- Karl Sigmund, Sie nannten sich Der Wiener Kreis, Exaktes Denken am Rand des Untergangs, Springer Spektrum, 2015.

- Stِltzner, Michوl et Thomas Uebel, éd., Wiener Kreis, Hambourg: Felix Meiner, 2006 [collection de textes fondateurs; plusieurs sont traduits in Christian Bonnet et Pierre Wagner, dir. L’آge d’or de l’empirisme logique, Paris: Gallimard, 2006].

(166)

- Wilhelm Windelband, Geschichte der Philosophie, Freiburg: Breisgau, 1892.

- Viktor Kraft, Der Wiener Kreis, Der Ursprung des Neopositivismus, Wien: Springer Verlag, 1997 [1950].

- Ludwig Wittgenstein, Tractatus logico-philosophicus, Logisch-philosophische Abhandlung, Frankfurt/Main: Suhrkamp Verlag, 1963 [1921].

- Ludwig Wittgenstein und der Wiener Kreis, Gesprنche, aufgezeichnet von Friedrich Waismann Taschenbuch ـ 23, Oktober 1984.

- Wittgenstein und der Wiener Kreis, Suhrkamp, 1980.

(167)
المؤلف في سطور د.حميد لشهب باحث واكاديمي مغربي مقيم في النمسا منذ أكثر من 25سنة. حصل على درجة دكتوراه قسم الفلسفلة ،علوم اللغة والتواصل وعلوم التربية ، تخصص علوم التربية، جامعة ستراسبورغ الفرنسية ، سنة 1993. للمؤلف: 1- إبستمولوجية علوم التربية وعلوم التربية العربية الواقع والآفاق، منشورات اختلاف، 1996. 2- الطفل والله:الأسس النفسية لظهور وتطور فكرة الله عند الطفل البوكيلي للطباعة دسمبر1998. رحابة فكر،دار أبي رقراق للطباعة والنشر،الرباط،2010. 3- في رحاب الفكر،جاهز للطبع. 4- النخبة المغربية المهاجرة.الرأسمال البشري الضائع؟ في طريق الإعداد. 5- مشارف.حوارات في الفكر والحوار الثقافي والهجرة.جاهز للطبع. كتب بالألمانية: 1- لعب الظل،مع مجموعة من الأدباء النمساويين،1995 2- الكتابة،مع مجموعة من الأدباء النمساويين،1987. 3- أبي مغربي.دورنبيرن،النمسا،205 بالعربية: 4- ثمانية عشر سنة دراسية مهربة عن طريق البحر مطبعة فضالة،شتنبر1999 5- موسم العودة إلى الجنوب،الهلال العربية للنشر والتوزيع أكتوبر1998. 6- حفريات مهاجر.مطبعة فضالة،المحمدية،2003 7- ((غربة الحب-حب الغربة)) (في طريق الإنجاز). بالفرنسية: 8- sindibad le surfer imprimerie fedala mohamadia2003 وله عشرات الكتب والدراسات المترجمة من الألمانية إلى العربية.
هذا الكتاب دائرة فيينا تنظر هذه الدراسة ضمن سلسلة مصطلحات معاصرة في (دائرة فيينا) كتيار فلسفي – ايديولوجي شغل مساحة وازنة في فضاء الثقافة الغربية الحديثة. يناقش الكتاب الظروف التاريخية والفكرة التي رافقت ولادة هذا التيار والأسس المعرفية التي قام عليها والميادين العلمية والثقافية التي كان له عظيم الأثر على تحديد اتجاهاتها . كما يتناول الباحث الانعاسات الفكرية لهذا التيار على البيئات الثقافية والاكاديمية في العالمين العربي والإسلامي. المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية http://www.iicss.iq [email protected]