فهرس المحتويات

الفهرس

 

مقدّمة المركز5

تمهيد حول مفهوم المفهوم7

الفصل الأول

معنى المفهوم ودلالته10

الفصل الثاني

الذهن.. نقد العلم القبلي والعلم الحضوري28

الفصل الثالث

المعقولات الثانية الفلسفية .. تاريخها الموجز وملاكها52

الفصل الرابع

 مفهوم الوجود78

الفصل الخامس

الاشتراك المعنوي في مفهوم الوجود90

(4)

مقدمة المركز

تدخل هذه السلسلة التي يصدرها المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية في سياق منظومة معرفية يعكف المركز على تظهيرها، وتهدف إلى بحث  وتأصيل ونقد مفاهيم شكَّلت ولمّا تزل مرتكزاتٍ أساسيةً في فضاء التفكير المعاصر.

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف وضعت الهيئة المشرفة خارطةً شاملةً للعناية بالمصطلحات والمفاهيم الأكثر حضورًا وتداولًا وتأثيرًا في العلوم الإنسانية؛ ولا سيما في حقول الفلسفة، وعلم الاجتماع، والفكر السياسي، وفلسفة الدين، والاقتصاد، وتاريخ الحضارات.

أما الغاية من هذا المشروع المعرفي فيمكن إجمالها بالآتي:

أولًا: الوعي بالمفاهيم وأهميّتها المركزية في تشكيل وتنمية المعارف والعلوم الإنسانية وإدراك مبانيها وغاياتها، وبالتالي التعامل معها كضرورةٍ للتواصل مع عالم الأفكار، والتعرُّف على النظريات والمناهج التي تتشكّل منها الأنظمة الفكرية المختلفة.

ثانيًا: إزالة الغموض حول الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي غالبًا ما تستعمل في غير موضعها أو يجري تفسيرها على خلاف المراد منها. لا سيما وأنّ كثيرًا من الإشكاليات المعرفية ناتجة من اضطراب الفهم في تحديد المفاهيم والوقوف على مقاصدها الحقيقية.

(5)

ثالثًا: بيان حقيقة ما يؤدّيه توظيف المفاهيم في ميادين الاحتدام الحضاري بين الشرق والغرب، وما يترتّب على هذا التوظيف من آثارٍ سلبيةٍ بفعل العولمة الثقافية والقيمية التي تتعرَّض لها المجتمعات العربية والإسلامية، وخصوصًا في الحقبة المعاصرة.

رابعًا: رفد المعاهد الجامعية ومراكز الأبحاث والمنتديات الفكرية بعملٍ موسوعيٍ جديدٍ يحيط بنشأة المفهوم ومعناه ودلالاته الاصطلاحية، ومجال استخداماته العلمية، فضلًا عن صِلاته وارتباطه بالعلوم والمعارف الأخرى.

وانطلاقًا من البعد العلمي والمنهجي والتحكيمي لهذا المشروع، فقد حرص المركز على أن يشارك في إنجازه نخبةٌ من كبار الأكاديميين والباحثين والمفكّرين من العالمين العربي والإسلامي.

 

(6)

المدخل

تمهيد حول مفهوم "المفهوم"

تتاخم هذه الدراسة قضية معرفيّة تأسيسيّة في عالم الفلسفة، نعني بها ما نذرت الفلسفة نفسها لإنجازه منذ إرهاصاتها الأولى، وهي إنتاج المفهوم والعناية به. فلقد انبرت الفلسفة الأولى بجناحيها اليوناني والإسلامي، وكذلك الفلسفة المعاصرة على تعيين غايتها بإبداع وإنتاج المفاهيم كشرط ضروري لفهم مشكلات الوجود وتعقيداته المعرفية.

سوف نقرأ في هذا الكتاب، تحليلاً علميّاً لمنشأ المفهوم. ولو شئنا الدقة لقلنا إن هذه الدراسة تسرد حكاية "مفهوم المفهوم" ودوره كعامل اهتداء معرفيّ لفهم الكون وعالم الإنسان.

عندما قررت الفلسفة الحديثة تعريف مهمتها الأساسية بأنّها "إبداع المفاهيم"، لم تعد غايتها فقط منحصرة بمعرفة المبادئ الأولى التي قرّرها الإغريق ابتداءً من أرسطو على وجه الخصوص. ثم تطوّرت المفاهيم على نحو لم تعد فيه مجرد مقولات ذهنية ساكنة في العالم المجرَّد للعقل، وإنّما دخلت إلى المجال الحيوي للنشاط الإنساني برمته. كان الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز من الذين أعطوا للمفهوم منزلة خاصة في اشتغالات الفكر الفلسفي وسائر العلوم الإنسانية. فقد رأى أن لا وجود لمفهوم بسيط.. وأن كل مفهوم يملك مكوِّنات ويكون محدَّداً بها. ويضيف حتى الكليات المزعومة

(7)

كمفاهيم قصوى وَجَبَ عليها الخروج من السديم من أجل أن ترسم عالماً يشرحها عبر التأمّل والتفكّر والتواصل. لهذا نجد، بدءاً من أفلاطون وصولاً إلى برغسون، فكرة أنّ المفهوم يرتبط بالتمفصل والتقطيع والتقاطع، أي أنه يتسلّل في كل حدث، ويتاخم كل فكرة، ووفق هذه الخصائص أمكن له أن يغادر كهف الذهن ثم ليسري في أنحاء العالم ويفهم كل شيء فيه، ثم لا يتوقف عن التربّص به والالتصاق به من أجل استيعابه وإعادة تشكيله من جديد..

هذا الكتاب الذي نضعه بين يدي القارئ يطرق باب المفهوم ليعرّف ماهيته ووظيفته ودوره في عالم المعرفة. ذلك بأنّ القضية الأساسية في علم المعرفة هي قضية مصدر المفاهيم وأصولها والدور الذي تقوم به في بناء ورسم الهندسة المعرفيّة للظواهر والأحداث الإنسانية. في كتاب ينتمي إلى علم المعرفة لا يستطيع الكاتب مثلاً ومن دون إيضاح كيفية ظهور مبدأ عدم التناقض، أن يكتفي بالتوكّؤ عليه والاستشهاد به ـ حتى لو اعتبره بدهيّاً ـ واتخذه  وسيلةً يستعين بها في تحليلاته الفلسفية، إنما ينبغي عليه في البداية أن يقول من أين جاء هذا المبدأ.

وهذا ما يؤكِّد عليه الكاتب وهو يمضي إلى متاخمة مفهوم المفهوم واستقراء أحواله في الفلسفة الإسلامية كما في فلسفة الغرب.

الهيئة العلميّة

(8)

 

 

 

 

 

الفصل الأول

معنى المفهوم ودلالته

(9)

 

معنى المفهوم ودلالته

المفهوم اسم للوجود الذهني، بمعنى أننا لو أخذنا الوجود الذهني مع شأنه الالتفاتي والحكائي لكان مفهوماً. إذن، المفهوم أمر معرفي صرف. كما أن إفراغ الوجود الذهني من شأنه الالتفاتي يزيل كونه مفهوماً بشكل جذري. وفي هذه الحالة سيعود الوجود الذهني مجرد أمر نفساني لا شأن له سوى الشأن الأنطولوجي. إذن، المفهوم من حيث هو مفهوم ليس له أي شأن سوى الحكاية، وعليه لا يمكن التوقف عند المفهوم ذاته، ودراسته بالحفاظ على حيثيته المفهومية، ولكن بصرف النظر عمّا يحكي عنه، فهذا بحد ذاته يعني سبق المحكيّ عنه على الحاكي. بمعنى: ما لم تواجه القوة الإدراكية لدى الإنسان واقعاً فمن المستحيل أن تصل إلى مفهوم. ومن هنا يمكن الاستنتاج بسهولة أن الكلام عن مفهوم مجرد محض (pure) كلام متناقض وباطل. كما توجد هاهنا نتيجة أخرى تقول إن المفهوم مهما كان حكمه فهو حصيلة أسلوب تحصيله من قبل القوة الإدراكية من الواقع. إذا وجدنا مفهوماً لا يحكي عن الواقع العيني أو عن أوصاف الواقع العيني، إذن يتحتم أن يكون محكيّه واقعاً نفسياً، ولكن حيث أن صناعة أي واقع نفسي، كما قلنا، مسبوقة على كلّ حال بارتباط القوة الإدراكية بالواقع الخارجي، إذن لا يوجد واقع نفساني محض ليست له أية صلة بالواقع الخارجي. وإذا كان نشاط القوة الإدراكية للإنسان الصانع للواقع النفساني لا يتحقق ولا يكون إلّا عن طريق الاتصال بالواقع الخارجي، إذن فكل

(10)

مفهوم يحكي إما عن الواقع الخارجي أو عن الأوصاف والعلاقات بين الواقعيات الخارجية، أو عن شأن الواقعيات النفسانية نفسها، أو عن التركيب الاختياري بينها.

كل الأشكال الأربعة للحكاية تابعة لضرورة الواقع، وليس من الممكن للقوة الإدراكية أن تصل إلى مفهوم يظهر وينبثق بمعزل عن هذه الضرورة. إذن، التركيب الاختياري للواقعيات النفسانية هو فقط بمعنى تركيبها بصرف النظر عن شأنها الحكائي. على سبيل المثال، التركيب بين الحصان والطائر والذي يحكي عن وجوده في الواقع النفساني لا يعني سوى معنى من عندي فحواه أن القوة الإدراكية تركِّب بين الحصان والطائر بعد أن تصرف النظر عن شأنهما الالتفاتي، وتصل إلى واقع نفساني واحد لا يحكي عن واقع خارجي واحد. هذا التركيب اختياريٌّ فقط في إطار الواقعيات النفسانية الموجودة، وإلّا لا يوجد فيه أيّ أمر كامل جديد. إذا كانت صناعة الواقع هذه قائمة على أساس علم مفصّل حول الواقع الخارجي، فقد تنتهي إلى خلق واقع نفساني له القابلية على الظهور في الخارج (الصناعة). إذن، الظهورات والانبثاقات النفسانية حصيلة تركيبات اختيارية للواقعيات النفسانية والتي تنتجها القوة الإدراكية للإنسان، وإذا كانت مبتنية على معلومات جزئية حول الواقع الخارجي يمكن أن تفضي إلى ظهور خارجي لأشياء لها آثار وخواص جديدة. والمقصود من الآثار الجديدة آثار يفتقر لها المحكي عنه لكل واحد من أجزاء التركيب بمفرده. وهكذا، فالصناعة بمعناها الاصطلاحي مع أنها ليست جديدة تماماً ولكن

(11)

يمكن أن يكون لها آثار وخواص جديدة. إذن، الصناعة معناها خلق أثر جديد خارج الذهن. وهذه الخلاقية طبعاً غير متاحة من دون التوفر على مفاهيم تحكي عن الواقع. تدلّ الصناعة على أنه بالرغم من أن ظهور بعض المفاهيم مسبوق يقيناً بالواقع الذي تحكي عنه، بيد أنه لا يمكن الاستنتاج أنه لا يمكن إذن لأيّ محكي عنه منفرد أن يكون مسبوقاً بمفهومه المناظر له. تصدق هذه الفكرة على المفاهيم التي تحكي عن الواقعيات الخارجية وتصدق أيضاً على المفاهيم التي تخبر عن العلاقات والنسب بين الواقعيات الخارجية وعن صفاتها وخصائصها.

نفس هذه القابلية التي تتمتع بها القوة الإداركية للإنسان موجودة وفاعلة أيضاً في حيز الواقعيات النفسانية، أي تستطيع عن طريق التركيب بينها وعن طريق العلاقات الموجودة فيما بينها، أو بمعزل عن هذه العلاقات وبنظرة استقلالية لها، أن تصل إلى واقعيات لا توجد إلّا في النفس، وأن تصل عن هذا الطريق إلى مفاهيم محكيُّها نفسانيٌّ فقط. ومع ذلك، حتى هنا لا تستطيع القوة الإدراكية صناعة شيء جديد تماماً، ومع أن ما تصنعه في هذا المضمار لا يمكنه التحقق في الخارج فإن عملية الصناعة ليست من عندية بأيّ حال من الأحوال، بل تابعة للضرورات النابعة من الواقعيات النفسانية، وهي عن هذا الطريق تابعة للضرورات النابعة من الواقعيات الخارجية. نفس الإنسان لا تبدع أبداً، وإذا كانت تفتقد لقوة الإدراك لكانت مفتقرة تمام الافتقار لقوة الصناعة. كل صناعة نفسانية وخارجية مسبوقة بتلق واستلام خارجي، وعليه فأية ضرورة تلوح

(12)

في الصناعات النفسية والخارجية، تنبع في الحقيقة من التلقي الخارجي.

يعلم القارئ طبعاً أنَّ هذا الكلام يتعلَّق فقط بحيّز المفاهيم ومحكيّاتها (المحكي عنه) أي مصاديقها، وإذا كنا نتحدث عن واقع نفساني فالكلام هنا عن قطع العلاقة الحكائية ليس إلّا. أما الواقعيات النفسانية التي ليس لها شأن التفاتي، مثل واقعيات الغمّ والحزن والبهجة والحب، فهي برمّتها خارج نطاق هذا البحث والكلام، وكونها واقعاً نفسانياً لا يعني أن لها وجوداً ذهنياً ولا يعني بالتالي أن لها شأناً معرفياً، والكلام عنها كلام أنطولوجي صرف. ومع ذلك، بالرغم من أن تلك الواقعيات نفسها والاطلاع عليها والوعي بها خارج تماماً عن نطاق هذا البحث المعرفي، فإن تصورنا لها له شأن الوجود الذهني أي شأن الحكاية والالتفات، ومن هذه الزاوية يمكن التحدث عنها في علم المعرفة. في هذه الحالة، حكم هذه التصورات أو الواقعيات النفسية نفس حكم الواقعيات النفسانية الالتفاتية، ومحكياتها واقعيات نفسانية غير التفاتية. أي إن المفاهيم المتعلقة بها أيضاً، وهي حصيلة صناعة القوة الإدراكية البشرية للواقعيات النفسانية، مسبوقة في الحقيقة بوجود المحكي عنه وارتباط القوة الإدراكية بها. النقطة المهمة هنا والتي ينبغي التفطن لها بالتأكيد هي أن مصاديق مثل هذه المفاهيم، أي الواقعيات النفسانية مثل الغمّ والحزن والحب والفرح وما إلى ذلك، هي أيضاً حصيلة الاتصال بالواقعيات الخارجية، ولا يمكن تصور انبثاق مثل هذه العواطف والانفعالات النفسية في النفس من دون الاتصال المعرفي بالمحيط

(13)

الخارجي. إذن مع أن أصل حقيقة وجود الفرح ـ على سبيل المثال ـ إنما هو في النفس، فإن هذه الحقيقة لا تنبثق من نفسٍ غير ذات صلة بالواقع الخارجي، وما لم تواجه النفس وضعاً خارجياً فلن يكون لها مثل هذه الانفعالات والعواطف.

إذن، مع أن الإدراكات والعواطف والانفعالات الإنسانية لها ـ بمعنى من المعاني ـ جذورها في النفس من حيث اكتساب الواقع المحكي عنه للمفاهيم، فإنه من الصحيح أيضاً أن جميعها ـ بمعنى آخر ـ لا تظهر في النفس إلّا وفقط إلّا عندما ترتبط النفس من خلال قوّتها الإدراكية بالواقع عن طريق الأعضاء الحسية. وهكذا نستطيع أن نستنتج مرة أخرى أن كل حقيقة الذهن إنما هي الحكاية.

تنوّع المفاهيم

المفاهيم التي تتكوّن وتظهر من حيث الإدراك عن طريق مواجهة الواقع متنوعة كما مرّ بنا في الفصل الماضي. ولهذا التنوع في أساسه مصدران: 1 ـ التنوع باعتبار محكياتها (الأشياء التي تحكي عنها المفاهيم). 2 ـ التنوع باعتبار أن لها واقعاً نفسانياً. عندما تتصل قوة الإدراك بالواقع الخارجي عن طريق عملية الحس والإحساس، فإنها تستمد من كل إدراك واحد يتعلق بأمر واحد ما لا يقل عن ثلاثة أنواع من المفاهيم: الأول المفهوم الذي يحكي عن كيفٍ محسوسٍ مؤثر في عضو حسي. والثاني مفهوم الوجود. والثالث مفهوم الشيء ذي الكيف المحسوس. على سبيل المثال الشجرة الخارجية عندما تُدرَك تتفرع منها ثلاثة مفاهيم هي الوجود، والخُضرة، والشجرة. ولكن

(14)

حيث إن العالم الخارجي عالم يُدرَك فيه في وقت واحد أكثرُ من شيء واحد، لذلك تظهر إلى جانب المفاهيم المذكورة مفاهيم أخرى هي حصيلة مقارنة الأشياء بعضها ببعض. من باب المثال مفاهيم الغيرية (الآخرية) والكثرة والوحدة والتأثير والتأثر وغير ذلك تحصل كلها عند مواجهة العالم الخارجي. إذن، كثرة المفاهيم بالاعتبار الأول حصيلة كثرة الواقعيات الخارجية ونشاط القوة الإدراكية للإنسان في مواجهتها. وبالتالي فتنوع المفاهيم باعتبار محكيّاتها تنوعٌ عددي وتنوع نوعيٌّ في الوقت ذاته. على سبيل المثال، المفهوم الذي نحمله عن الشجرة غير المفهوم الذي يتكوّن عندنا للماء. هذان المفهومان يقفان على عرض بعضهما، ويحكي كل واحد منهما عن محكيّه الخاص ويصدق على واقع محكيّه في الخارج، وتنوّع هذه المفاهيم تنوّع عددي. ولذلك لا يمكن وضع مفاهيم مثل الوحدة والكثرة إلى جوارها وبجانبها، لأنها لا تحكي عن واقع خارجي مثل الشجرة والماء له واقعه المستقل، بل تحكي عن أمر يمكن تسميته وصفاً للشيء الخارجي. إن صفات الأشياء هذه ليست حصيلة كون الواقع الخارجي شجرةً أو إنساناً، بل هي صفات تعرض على تلك الواقعيات لمجرد وجودها، ويمكن لملكة (قوة) الإنسان الإدراكية أن تتنبّه لها وتنظر لها بمعزل عن الموضوع الذي تعرِض عليه (معروضها). وانطلاقاً من هذه القدرة والملكة يتكوّن وينبثق في النفس واقعٌ يحكي المفهومُ المعني عنه. ثمة فارق نوعي بين مثل هذه المفاهيم ومفاهيم مثل الشجرة والخضرة، أي لا يمكن جمعها كلها تحت عنوان واحد يكون أخص من عنوان المفهوم.

(15)

وهكذا، إذا أخذنا بنظر الاعتبار مفهوم الوجود والخضرة والشجرة والوحدة، سنجد أن كل واحد من هذه المفاهيم هو في الحقيقة نوع خاص من المفاهيم، ويختلف عن المفاهيم الأخرى. مهما كان هذا الفرق والتفاوت فهو حصيلة تفاوت واقعياتها المحكية (المحكي عنها) بعضها مع بعض، وبالتالي فهو حصيلة طريقة اكتسابها من تلك الواقعيات بواسطة ملكة الإدراك، وانفعال هذه من تلك هو الطريق الوحيد لإمكان بدء ظهور الواقعيات المتعلقة بالمفاهيم الأخرى لملكة الإدراك عند الإنسان. وبالطبع فإن هذا لا يعني أن كل الواقعيات الخارجية قادرة على إيجاد عملية الإحساس (الحس). إذا أخذنا بنظر الاعتبار وحدة ملكة الإدراك عند الإنسان، والتي شددنا عليها في السابق مراراً، فلن يكون من الصعب الاقتناع بأن ملكة الإدراك تُدرِك فقط الكيفَ المحسوسَ على أساس عملية الحس، أما باقي المفاهيم فهي إما حصيلة التنبه المباشر لملكة الإدراك عبر نافذة الكيف المحسوس للواقع الخارجي أو حصيلة نشاط ملكة الإدراك وصناعتها للمفاهيم على أساس الواقع الخارجي. على سبيل المثال عندما ننظر إلى داخل بستان ونشاهد إنساناً يرتدي ثياباً بيضاء يقف إلى جانب شجرة، فإن ملكة الإدراك لن تستطيع فقط عبر هذه النافذة (الحس) أن تصنع لنفسها ومن دون واسطة (بشكل مباشر) واقعاً عن الخضرة والبياض، بل ستستطيع أيضاً أن تدرك أن الشجرة أطول من الإنسان، وأن تصنع لنفسها واقعاً متناسباً مع هذا المعنى. كما أنها تستطيع إدراك الغيرية والثنائية بين الشجرة والإنسان، وتكوين مفاهيم عنهما انطلاقاً من هذا الإدراك، مع

(16)

فارق أنه في الحالتين الأوليين تعد صناعة النفس للواقع النفساني ذات معنى انفعالي، بينما في الحالتين الأخريين يترافق هذا العمل الانفعالي مع فعل آخر من قبل النفس، حيث تلاحظ ما هو قائم في الخارج على وجود هذين الشيئين، تلاحظه بشكل مستقل، وتكتسب مفهوماً لهذا الواقع النفساني المستقل لا يصدق على أيّ واقع عيني مستقل، بل يحكي فقط عن علاقة بين شيئين.

إذا سمّينا اللون محسوساً بالذات وسمّينا الشيء الملوّن محسوساً بالعرض، يمكننا في مقابل ذلك تسمية مفاهيم من قبيل الوجود والوحدة والغيرية (الآخرية) والكثرة والأطول والأقصر، بأنها معقولات، لنؤشر بذلك على أن ما بإزائها ليس محسوساً بالذات ولا محسوساً بالعرض. ولكن إذا أخذنا الملكة الإدراكية للإنسان بنظر الاعتبار، وقررنا كل هذه المفاهيم لتلك الملكة من حيث كونها معلومة بالذات، ففي هذه الحالة لن يكون من الجائز تقسيمها إلى محسوس ومعقول، لأن ما سيكون معلوماً لدى الإنسان من هذه الزاوية وفي سياق الإدراك المبتني على الحس، لن يكون محسوساً بالذات ولا محسوساً بالعرض، بل سيكون واقعاً نفسانياً معقولاً يتكوّن كباقي الواقعيات النفسانية المعقولة الأخرى، نتيجة إنشاء نفس الإنسان إثر اتصالها بالعالم الخارجي عن طريق الأعضاء الحسية، وهي بالتالي معقولة. أي إن وجودها ينتمي لعالم الإنسان العقلاني، بل هو عين عالم الإنسان العقلاني. القصد هو أن واقع كل معلوم بالذات، بالمعنى الفني للكلمة، واقع نفساني، ولا يوجد خارجَ نفس فاعل العلم (العالِم).

(17)

من بين محكيات هذه المعقولات، والتي تسمّى مفهوماً من زاوية حيثيتها الالتفاتية، لبعضها واقع مستقل في الخارج، ولبعضها الآخر واقع تابع غير مستقل، وبعضها الآخر صفات لواقعيات مستقلة وعلاقات وجودية بينها. على سبيل المثال الشجرة والإنسان على الترتيب محكيات الواقع النفساني (المفهوم) للشجرة والإنسان، ولكل منهما وجوده المستقل، بمعنى أن كلاهما «في شيء» و«يقالان على شيء (يُحْمَلان عليه)»، أي يُنسبان له. بينما الشجرة والإنسان «ليسا في شيء ولا يطلقان على شيء»[1]. أما محكيات مفاهيم من قبيل الوحدة والغيرية وكون الشيء أطول فليس لها واقع عيني مستقل ولا واقع عيني  تابع، ومع ذلك فهي صفات لواقعيات عينية خارجية، ويمكن لملكة الإدراك عند الإنسان أن تنتزعها من الواقع الخارجي بنوع خاص من النشاط يسمّى اصطلاحاً الانتزاع، وتتوصل إثر النظرة الاستقلالية لها إلى وجودها الذهني ومفاهيمها. إذن، إلى هنا يمكن تقسيم المفاهيم والمعقولات حسب طريقة التحقق العيني لمحكياتها، إلى ثلاث فئات متمايزة:

    1- مفاهيم لمصاديقها واقع عيني مستقل كمفهوم الشجرة ومفهوم الإنسان. وليست هذه المفاهيم في الواقع سوى الماهيات نفسها.

    2- مفاهيم لمصاديقها واقع عيني تابع، ونعتقد أنه لا يندرج ضمن هذه الفئة سوى المحسوسات بالذات لكلّ حس مثل اللون

(18)

والرائحة والصوت والصلادة والحرارة وغير ذلك. وهذه المفاهيم أيضاً ليست في الحقيقة سوى الماهيات مع فارق أنها لا تمتلك وجوداً مستقلاً، بل وجودها تابع.

    3- مفاهيم ليس لها مصاديق عينية مستقلة أو تابعة، بل واقع مصاديقها هو نفسه واقع مصاديق المفاهيم الماهوية، أي إن مصاديقها توجد بوجود مصاديق المفاهيم الماهوية، وتنعدم بانعدامها. تسمى هذه المفاهيم مفاهيم انتزاعية ـ وهي تسمية صائبة ـ لأن ملكة الإدراك عند الإنسان تكتسبها عن طريق نظرة استقلالية لصفات الأشياء والعلاقات الموجودة بين الأشياء. ولكن ينبغي عدم الظن بأن انتزاعها بمعنى أنها غير عينية أو أنها ذهنية محضة، هذا مع أن مفردة الانتزاعي في استخداماتها غير الفنية قد توحي بهذا المعنى.

سوف نناقش طريقة تكوّن هذه المفاهيم وانبثاقها في البحوث القادمة بمزيد من التفصيل، لكننا حالياً سنخوض في قضية أنهم أطلقوا على النوعين الأول والثاني من بين هذه الأنواع الثلاثة من المفاهيم اسم المعقولات الأولى، وأطلقوا على النوع الثالث اسم المعقولات الثانية الفلسفية. وقد أضيف قيد الفلسفي للتأشير على عينية هذه الصفات، ليجري التشديد على خصوصية أن وجود هذه الصفات للأشياء غير منوط بإدراك المُدرِك، فالواقعيات العينية، أي مصاديق المعقولات الأولى، تتصف بهذه الصفات بقطع النظر عن إدراك المُدرِك.

(19)

قبل الاستمرار في النقاش حول هذه المعقولات الثانية من الأفضل أن نعود إلى الوراء قليلاً لنسلط الأضواء على تنوع المفاهيم من زاوية واقعيتها النفسانية أي من حيث كونها ذات واقع نفساني. كما أن مصاديق المعقولات الأولى تتصف في الخارج بصفات ما، فقد يتصف الوجود الذهني لتلك المصاديق، أي المعقولات الفلسفية الأولى والثانية نفسها بصفات ما في وعاء الذهن، وستكون هذه الصفات ذهنيةً بالطبع. وحين نقول إنها صفات ذهنية لا نقصد أن انبثاقها في الذهن ليست له أية علاقة بالعالم الخارجي، فبحسب هوية الذهن ليس مثل هذا الشيء ممكن أساساً بل هو ممتنع. وعليه فالمقصود أن الصفات الذهنية حصيلة فحص المفاهيم الماهوية ومقارنتها بعضها إلى البعض الآخر في الذهن، وهذه المفاهيم المستمدة من الواقعيات العينية، تتصف في الذهن بهذه الصفات. وعلى ذلك فهذه الصفات نفسها واقعيات نفسانية تعد حالات لواقعيات نفسانية أخرى في الذهن، ولكن المعرفة الحاصلة من مثل هذه الصفات الذهنية للمعقولات الأولى، تعتبر في الوقت ذاته معرفةً لواقع خارجي. من باب المثال، تعتبر الموضوعية (كون الشيء موضوعاً) والمحمولية (كون الشيء محمولاً) كلتاهما من هذا القبيل من الصفات الذهنية وليستا بشيء خارج الموضوع أو المحمول. عندما نقول الإنسان أبيض فإن هذه القضية بنفسها أمر يتحقق في الذهن ولا وجود له خارج القضية، ولكن حيث أن مفهوم البياض ومفهوم الإنسان كلاهما من المعقولات الأولى ـ كما تسمى ـ ويحكيان عن واقعيات عينية، لذا لا يمكن أن يتصفا

(20)

في الذهن بصفات ليست لها أية صلة بالواقع وبطريقة وجودها في الخارج. في المثال أعلاه، لا وجود مستقلاً للبياض في الخارج بل هو في الإنسان، والإنسان في الخارج واقع مستقل وليس في شيء. والآن، كيف يمكن أن تتشكل في الذهن قضية يكون فيها البياض موضوعاً والإنسان محمولاً؟ الوصف «الحمل على شيء» الذي سبق أن عبّرنا عنه حسب استخدامات أرسطو بأنه «ما يقال عن»، هو الوصف الذهني لطريقة الوجود العيني للبياض، ولا يمكن للبياض من هذه الناحية أن يأخذ في الذهن الوصف (الصفة) المقابل. ليس باستطاعة الذهن صناعة مفهوم من عند نفسه، وبهذا فهو غير قادر إطلاقاً على أن يكون مبدعاً للمفاهيم بالمعنى الحقيقي للكلمة، وليس هذا وحسب بل إنه غير قادر كذلك على تغيير الصفات التي ينبغي للمفاهيم الأولى أن تتصف بها بالذات في الذهن، وأن يسبغ عليها صفات بخلاف ما يقتضيه وجودها.

ولإيضاح الفكرة أكثر من الأفضل أن نأخذ بنظر الاعتبار مفهومي الجنس والنوع اللذين يعدان من الصفات الذهنية للمفاهيم الأولى، لنرى عن أي شيء تحكي هذه الصفات في الواقع. نقول إن الحيوان هو جنس الإنسان، ونقول إن الإنسان هو نوع الحيوان. إذا لم يكن هناك أي حيوان في عالم الواقع، وكانت الطفرة من النبات إلى الإنسان أمراً واقعاً، فماذا كنا سنقول عن الإنسان؟ في هذه الحالة أيضاً كان مفهوم الإنسان سيتبادر إلى الأذهان ويعد معقولاً أولاً، ولكن هل كان هذا المفهوم سيتصف في الذهن بالنوعية أم لا؟ يدل هذا السؤال خير دلالة على أن

(21)

الصفات الذهنية للمفاهيم الأولى لا تعني أنها تخبر حصرياً عن وضع الأمر الذهني وليس لها أية صلة بالخارج. وعليه ففي ضوء الواقع فقط يتصف مفهوم الإنسان في الذهن بالنوعية، وليس الأمر بحيث أن مفهوم الإنسان يتصف في الذهن بصفة النوعية مهما كان وضع عالم الواقع. وسبق أن قلنا في مضمار آخر إنه لا يمكن لأحد في معرفة الإنسان الصادقة بعالم الواقع أن يجد عنصراً يكون صادقاً بشكله الحالي في أي عالمٍ ممكن، إلّا إذا كان لذلك العالم الممكن وضعٌ واحد مع عالمنا الواقعي، على الأقل في الجزء المتعلق بهذه المعرفة. إذن، صحيح أن هذه الصفات تصدق في الذهن فقط، ولهذا السبب تحديداً تسمى معقولاً ثانياً منطقياً لتمييزها عن المعقولات الثانية الفلسفية، لكن صدقها على المعقولات الأولى ليس اعتباطياً ومن دون سبب، بل هو قائم على أساس فهم الإنسان وإدراكه للواقع. وهذا هو مصير باقي المعقولات المنطقية الثانية، وليس أيّ منها ذهنياً محضاً حتى لا يكون لها أية علاقة بالواقع الخارجي.

يقول ابن سينا في النمط الرابع من الإشارات ولأجل إيضاح فكرة أن الموجود ليس بمحسوس دائماً: إنّه يمكن بسهولة عن طريق التأمّل في الأمر المحسوس نفسه إظهار بطلان كلام الذين يتصوّرون أن «الموجود هو نفسه المحسوس، وكل ما لا يصل الحسُّ إلى جوهره من المستحيل افتراض وجوده». ثم يوضح حصيلة التأمل في المحسوس نفسه بأن الجميع يعلمون أنه:

تعلمان أن هذه المحسوسات، قد يقع عليها اسم واحد، لا على

(22)

سبيل الاشتراک الصرف، بل بحسب معنى واحد، مثل اسم الإنسان: فإنکما لا تشکان في أن وقوعه على زيد وعمرو، بمعنى واحد، موجود، فذلک المعنى الموجود، لا يخلو: إما أن يکون بحيث يناله الحس، أو لا يکون. فإن کان بعيداً من أن يناله الحس، فقد أخرج التفتيشُ من المحسوسات، ما ليس بمحسوس، وهذا أعجب[1].

هذا يعني أنّ الصورة العلمية للإنسان وهي أمر معقول وتتصف في الذهن بصفة الكلية، هي واقع له حضوره في الخارج في أي من أفراد الإنسان، ولهذا السبب يصدق اسم الإنسان بمعنى واحد على فرد من أفراد الإنسان، أي إن المفهوم الكلي للإنسان، والذي له واقعه النفساني في الذهن، يصدق على كل فرد من أفراد الإنسان. ليست الكلية شيئاً تضيفه ملكة إدراك النفس من عندها على الإنسان، بل هي صفة تدل على صدق موصوفها على كل أفراده الخارجيين. وعليه فمع أنها حالة وصفة ذهنية معقولة أولية للإنسان إلّا أنها تعبِّر عن صدقها على أفراد كثيرين في الخارج. هذه الصلة بالواقع الخارجي تصدق على كل مفهوم أولي، وحيثما لا يكون لمثل هذا المفهوم مصداق واحد، فيجب أن يكون هناك برهان يتناسب مع ذلك المفهوم يثبت امتناع صدقه الواقعي على كثيرين.

وفي خصوص المعقولات المنطقية الثانية أيضاً ينبغي بالتأكيد التفطن إلى أنها ليست على الإطلاق معقولات على عرض المعقولات الأولى، كما أن مصاديق المعقولات الفلسفية الثانية ليست واقعيات

(23)

على عرض واقعيات مصاديق المعقولات الأولى، وليس لها وجود منفصل عن وجودها. إذن، من بين نوعين من المعقولات الثانية، الفلسفي هو شأن ووصف مصاديق المعقولات الأولى، والمنطقي هو شأن ووصف المعقولات الأولى نفسها. وعلى هذا الأساس، كما أن المعقولات الثانية الفلسفية هي انتزاعات أذهاننا من مصاديق المعقولات الأولى، يتسنى القول إن المعقولات الثانية المنطقية أيضاً انتزاعيات ينتزعها الذهن من المعقولات الأولى نفسها. أي إن الوصف الذهني يفصل هذه عن تلك، ويصل بالنظرة الاستقلالية فيها إلى مفهوم ومعقول هو المعقول الثاني المنطقي.

إذن، تقوم ملكة إدراك الإنسان بعملها في باب صناعة الواقع النفساني عن ثلاثة طرق أصلية. عن طريق إدراك المحسوس بالذات وبالعرض، وعن هذا الطريق تصل إلى المعقولات الأولى. والطريق الثاني هو انتزاع صفات الموجودات الخارجية وتصل عن هذا الطريق إلى المعقولات الثانية الفلسفية بشكل كلّي. والطريق الثالث هو انتزاع صفات المعقولات الأولى، وتصل عن هذا الطريق إلى المعقولات الثانية المنطقية. وأي طريق آخر يمكن تصور وجوده يبتني في أصله على هذه الطرق الثلاثة، ذلك أن تركيب المفاهيم ـ على سبيل المثال ـ والحصول على مفهوم جديد، أو تحليل المفهوم ونيل مفاهيم جديدة، وما إلى ذلك، كلها فروع لانبثاق المفاهيم الثلاثة عن الطرق الثلاثة. إن ملكة الإدراك لا تضع أقدامها اعتباطاً في أيّ طريق من هذه الطرق، بل إنها لا تستطيع أساساً القيام بذلك. وحتى الموهومات التي تصنعها هذه الملكة، مع أنها ليست ثمرة

(24)

أي من هذه الطرق الثلاثة بشكل مباشر، ولكن لا يتسنى القول إنها من إبداع ملكة الإدراك بشكل كامل لتكون بالتالي اعتباطية ومن دون أي ملاك أو معيار. إن الشيء الاعتباطي الجزافي يكون عندما يكون لأمرٍ غير معروف اسمه الفاهمة مفاهيم محضة من عند نفسها وبصرف النظر عن أي إدراك للواقع، وتريد من خلالها وبواسطتها إضفاء وحدات متنوعة على الكثرات المعطاة في الشهود الحسي. عندما يروم الشهيد مطهري بيان دور المعقولات الثانية المنطقية في حصول المعرفة بالعالم الخارجي وفي فتح الطريق المسدود الذي وضعه هيوم أمام كانط عن طريق وصم صناعات الذهن بأنها اعتباطية جزافية، وتقييد سبيل الارتباط بالواقع بقيد الحس، يقول:

لم يستطع أمثال كانط... أن يفتحوه [أي أن يفتحوا ذلك الطريق المسدود] ويحلوا مشكلة المعرفة[1].

لماذا؟ يجيب المرحوم مطهري بما يلي:

السبب الأساسي هو أنه لو كانت هذه المعاني، أي المعقولات الثانية [المنطقية] عناصر مستقلة، وما كان لها أية صلة بالمعقولات الأولى، وكان هناك انفصال تام بينها وبين المعقولات الأولى ـ على النحو الذي افترضه كانط بين أموره القبلية[2] والأمور الذهنية ـ لما استطعنا اكتشاف العالم الخارجي بمساعدة هذه المعاني. لو كانت هذه[3] سلسلة من صناعات الذهن المصنوعة مسبقاً، وكنا نعتقد أن

(25)

مقداراً من الأشياء يأتي من الخارج، وهناك مقدار يمتلكه الذهن من نفسه كرصيد مسبق، وهذان الرصيدان المنفصلان المنتميان لعالمين مختلفين يختلطان أحدهما مع الآخر، ومن هنا تنبثق المعرفة، لكنا قد وقعنا في نفس الطريق المسدود الذي وقع فيه السيد كانط، أي لما كان ثمة معنى لأن نكتشف العالم الخارجي برصيد وَفَدَ نصفه من الخارج وجاء الآخر من عالم آخر، عالمٍ لا صلة له إطلاقاً بالخارج[1].

وهكذا، فكلّ ما هو في الذهن لا بد أن تكون له بالتأكيد وشائجه بالواقع الخارجي، وأن يكون قد انبثق وتكوّن من خلال الارتباط بالواقع على نحو من الأنحاء. لو لم تكن المعقولات الأولى لما كانت المعقولات الثانية بالتأكيد. وإذا لم تكن عملية الحس لما كان في الذهن كلا النوعين من المعقولات الأولى، أي المفاهيم المتعلقة بالمحسوسات بالذات والمفاهيم المتعلقة بالمحسوسات بالعرض، وكذلك المعقولات الثانية الفلسفية التي هي ثمرة تأمل ملكة الإدراك في الواقع الخارجي. وإذا لم تكن هذه لما كان الذهن بنفسه بكل تأكيد.

لأن عالم الذهن ليس سوى عالم صور الأشياء عند النفس، ولأنه لا يمتلك ابتداءً أية صورة لأيّ شيء من عند نفسه، إذن لا ذهن له، وبهذا سيكون الإنسان في بدايته فاقداً للذهن[2].

(26)

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الذهن.. نقد العلم القبلي والعلم الحضوري

(27)

 

الذهن.. نقد العلم القبلي والعلم الحضوري

في نهاية البند السابق نقلنا عن الشهيد مرتضى مطهري أن «الإنسان في بدايته يفتقر للذهن»، لأنّه «في بدايته لم يكن لديه صورة لأي شيء من عند نفسه، وإذن فلا ذهن له». معنى هذا الكلام بكل وضوح هو أن الذهن عالم الصور العلمية للأشياء والعلاقات والنسب اللازمة لمثل هذا العالم. ولكن لا ينتج عن هذا أن نفس الإنسان تظهر وتتكون عندما يتكوّن لدى الإنسان علمٌ (حتى لو اعتبرنا هذا العلم علم النفس بذاتها). الذي لا يعتبر الذهن شيئاً «سوى عالم صور الأشياء عند النفس»[1] لا يمكنه أن يساوي النفس بصور الأشياء، ويقول:

"إن النفس أساساً صُنعت بهذا العلم والإدراك. منذ البداية، أيُّ علمٍ يظهر ـ وهو علم النفس بذاتها ـ تظهر به النفسُ إلى الوجود[2]".

هذا القول الأخير ـ وكما حصل بالفعل ـ يمكن أن يوهم بفكرة سطحية فحواها أنه إذن «شبيه برأي هيوم الذي يقول إن النفس عبارة عن مجموعة التصوّرات هذه»[3]. ولأجل تبديد وهم الشبه هذا يأتي المرحوم مطهري هذه المرة برأي وقول صائب لكنه لا ينسجم مع قوله الأخير:

(28)

تلك المجموعة من التصوّرات التي يتحدّث عنها هيوم تختلف أيضاً عن الفكرة هنا. تلك المجموعة من التصورات التي يتحدث عنها هيوم تعني مجموعة التصورات المشتتة التي لا توجد بينها أية وحدة. لكن الحكماء المسلمين يقولون: لا، منذ البداية يوجد جوهر (جوهر واع لذاته) يكون فيه العلم والعالِم والمعلوم واحداً، وكلما وُجِد علمٌ يتسع ذلك الجوهر وينمو[1].

إذا كان هناك «جوهر واع لذاته يوجد منذ البداية» إذن فهذا الجوهر الواعي لنفسه، أي النفس، غير الذهن أي غير «عالم صور الأشياء عند النفس».

بالإضافة إلى ذلك، نعلم أن تصور النفس ـ والمرحوم مطهري نفسه يعتقد بهذا طبعاً ويصرح به ـ[2] غير علم النفس بذاتها. تصور الإنسان عن نفسه ينتمي إلى عالم الذهن، بينما علم الإنسان بنفسه، وهو وعيه الذاتي الحضوري، لا علاقة له بعالم الذهن. بل وما يلوح من القول الذي رويناه عنه أعلاه كنموذج، يرى مرتضى مطهري أن علم النفس الحضوري بذاتها هذا يتقدم زمنياً على انبثاق أي تصور (صورة علمية) في النفس. ومع أن التقدم الزمني لعلم النفس الحضوري بذاتها على ظهور التصورات مما لا يمكن قبوله كما سبق أن أشرنا، فإن مغايرته للذهن قائمة على حالها. إذن، ليست النفس في بداية تكوّنها مرتهنة للصور العلمية، وإنما بعد تكوّنها تتحد مع الصور العلمية التي هي مقولاتها، وهذا

(29)

الاتحاد اتحاد أنطولوجي وبمعنى اتساع النفس وتمدّدها وجودياً.

وعلى هذا الأساس، لا يتاح اعتبار كلام الحاج الملا هادي السبزواري ـ وهو كلام صحيح ـ حول العلاقة بين الذهن والوجود الذهني، كلاماً حول العلاقة بين النفس والوجود الذهني. إنه يطرح كلامه هذا في كتاب «شرح غُرر الفرائد» كتعضيد يؤيد اتحاد العاقل والمعقول:

فكما أن معنى الموجود في العَيْن ليس أن العين شيءٌ وزيد الموجود فيه شيء آخر، كالظرف والمظروف، بل معناه أن وجوده نفسُ العينية، وأنه مرتبةٌ من مراتب العين، فكذلك ليس معنى الموجود في الذهن أن الذهنَ أيْ النفس الناطقة، شيءٌ، وذلك الموجود فيها شيءٌ آخر، بل المراد أنه مرتبةٌ من مراتب النفس[1].

هذا القول، أي إن الذهن والذهني عين أحدهما الآخر ولا توجد بينهما مغايرة، وظهور أحدهما (الذهني) هو في الحقيقة ظهور الآخر (الذهن)، قول مقبول ورائع، وحتى مقارنة العلاقة بينهما بالعلاقة بين الخارج والخارجي هي الأخرى صحيحة ومقبولة، وتعني في الحقيقة ظهور الذهن لاحقاً، غير أن المساواة والتوحيد بين الذهن والنفس الناطقة، والذي يبدو أن قلم الحاج الملا هادي السبزواري قد جرى به، ليس بصحيح كما لاحظنا. الذهن محصلة العلم والصور العلمية والمعقولات، أما النفس فلا، إنما هي واقع مستقل عن حصول الصور، وتكتسب تمدداً وسعةً وجودية نتيجة حصول

(30)

الصور العلمية، أي نتيجة حصول الذهن. لا يمكن المساواة بين الذهن والنفس إلّا في مرحلتها الثانية هذه، لا في كل وجود النفس منذ البداية. بعبارة أخرى، الذهن حصيلة عمل القوى الإدراكية للنفس والتي تتأتى عن طريق عمل البدن والأعضاء الحسية والقوى العقلية، وطبعاً فإن ثمرات هذا العمل والإنتاج يؤدي من الناحية الأنطولوجية ومن حيث الاتحاد بالنفس الناطقة إلى اتساع وجود النفس. وعلى هذا، لو افترضنا أن كل الوجودات الذهنية قد زالت فسيزول الذهن، لكن النفس ستبقى.

بقاء النفس حسب الافتراض الأخير يدل على أنه من دون عمل القوى الإدراكية، ستفتقد النفس للذهن، أي ستفتقد للمعقولات أو المفاهيم، حتى لو كان لها في هذه المرحلة علمها بذاتها[1] كما يستشف من كلمات البعض، فهذا العلم كما نعلم ولأنه علم حضوري يقع خارج حيّز المفاهيم والتصورات والمعقولات والتصديقات، لأن مقسم هذه هو العلم الحصولي. وعلى هذا، فدراسة النفس في هذه المرحلة، أي مرحلة ما قبل حصول الذهن، ليست دراسة معرفية إبيستيمولوجية، بل هي دراسة أنطولوجية محضة، إلّا إذا اعتبرت مقدمةً وتمهيداً لعلم المعرفة. وهذه المقدمة ضرورية، إذ لا يمكن التوفر على معرفة تامة بدون دراسة وذكر العامل الذي ينبثق الذهن والمعرفة بسبب النشاط الخاص لقواه. لهذا السبب نعتقد أن علم المعرفة إذا أريد له أن يكون مجموعة مكتفية بذاتها فهي

(31)

ليست في غنى عن علم الوجود (الأنطولوجيا)، بيد أن هذا لا يعني أن بالمستطاع إيضاح هوية المفاهيم الحصولية وهي موضوع علم المعرفة بمجرد إرجاعها إلى علم النفس الحضوري بذاتها.

للعلم الحضوري هنا مصداقان:

1- علم النفس الحضوري بذاتها قبل حصول الذهن، بالمعنى الذي ناقشناه الآن. ومع أننا لا نوافق هذا النوع أو القسم من العلم الحضوري، ولكن حتى لو وافقه أحدٌ فليس لوجوده صلة بالمفاهيم الحصولية المتعلقة بالعالم الخارجي.

2- علم النفس الحضوري بذاتها بعد حصول الذهن، أي بعد بدء عمل كل الملكة الإدراكية وحصول المفاهيم المتنوعة. في هذا القسم أو النوع مع أن المدرَك بالذات في النفس ومتحدٌ معها والنفس مطلعةٌ عليه واعيةٌ به من دون وسائط، غير أن هذا الوعي المباشر من دون وسائط لن يكون موضوعاً لعلم المعرفة ما لم يتخذ لنفسه شكل الصور العلمية (الذهنية).

أضف إلى ذلك أن الإبداع الكامل غير متاح للنفس كما أسلفنا، وإبداع الواقعيات النفسية وإنشاؤها غير ممكن من دون الاستمداد من الخارج. على هذا الأساس وأيضاً على أساس ما ذكرناه في البند الأول، في أي بيان يراد له إيضاح هوية المعرفة من حيث هي معرفة ولها صلتها بالواقع، لن يكون للاستعانة بالعلم الحضوري أي دور في تسهيل هذا الإيضاح وإجلاء النقاط الغامضة. وبعبارة مختصرة، الإرجاع إلى العلم الحضوري في علم المعرفة إرجاع إلى الأخفى.

(32)

ولهذا الإرجاع مشكلات أخرى سوف نشير إلى بعضها لاحقاً إن شاء الله عند مناقشة مفهوم الوجود.

ينبغي التنبه إلى أن الذهن مدين بواقعيته لحصول الإدراكات التي يعدُّ الإحساس (الحس) مصدرها، لذلك فهو بكل محتواه واقعٌ بَعدي، وما من محتوى من محتوياته، سواء كان تصوراً أو تصديقاً، يمكن أن يعتبر قبلياً قياساً إلى كل التجارب الإنسانية المألوفة. مهما كان المعنى الذي يتصوره أي إنسان للقبلي، أو بعبارة أفضل للقبلي مطلقاً، يجب أن يكون ذلك المعنى في إطار الحدود والقيود التي نعنيها الآن. وحتى ما يسمونه الصدق المنطقي، لأنه مستمد من الواقع كحقيقة ذهنية تحكي عن ذلك الواقع، لذا فهي ليست بحال من الأحوال «قبلية بالمطلق». بعبارة أخرى، الإدراك المباشر (من دون واسطة) لصدق قضيةٍ ما والاعتقاد بها، إذا كان القصد منه الاعتقاد بقضية لا تبتني أبداً على الإدراك الحسي، فهذا شيء غير ممكن. أي ـ خلافاً لتصور بعض علماء المعرفة الجدد ـ لا يمكن لي «وأنا في مقام الكائن العاقل» ولمجرد أنني عاقل أن أطلع على حقيقة وأعتقد بها من دون أي إدراك حسي[1]. كل ما أعلمه وأعتقد به يجب أن يكون للإدراك الحسي دوره في تكوينه بالنهاية. ومن الواضح أنه في غير هذه الحالة يجب أن نعلم الكثير من المعارف البشرية بنحو قبلي، وأن ننسبها إلى العقل صرفاً باعتباره مصدراً للمعرفة مستقلاً عن الحس. هذا شيء سيطلّ علينا ثانيةً في أي استنتاج معرفي خاطئ. من باب المثال لنستعرض نموذجاً من البحوث الجديدة.

(33)

يرى روبرت آيودي أن أول علامة على قبلية المعتقد هي «إمكانية معرفته عن طريق استخدام العقل»[1]. ويسوق مثالاً على هذه المعتقدات فيقول إننا عندما ننظر إلى مزرعة خضراء ونشاهد فيها شجرة صنوبر وشجرة إسفندان، ونرى وندرك أن شجرة الصنوبر أطول من شجرة الإسفندان، نستطيع من دون وساطة الإدراك الحسي أن نعتقد بهذه الحقيقة:

إذا كانت شجرة الصنوبر التي على يساري أطول من شجرة الإسفندان التي على يميني، ففي هذه الحالة ستكون شجرة الإسفندان أقصر من شجرة الصنوبر[2].

يقول آيودي: إنّ اعتقادي بهذه الحقيقة لا يقوم على أساس الإدراك الحسي، إنما أصل إلى هذه الحقيقة واقبض عليها في مقام الكائن العاقل، وبهذا أعتقد بها. مع أن هذه الحقيقة صادقة من حيث صورتها المنطقية، ولكن ما من صورة منطقة تعد صورة خالصة، ولا مفرّ من حكايتها عن علاقات بين أشياء واقعية أو على الأقل من توفرها على حكمٍ بشأن الواقع. العلاقة المنطقية الخالصة، بمعنى عدم وجود أية صلة معرفية مع الواقع، ليس لها معنى محصل. في القضية موضوع البحث والتي يعتبرها آيودي حقيقة بديهية (self-evident) ويعتقد أن ملاك بداهتها هو أننا عندما ننظر لها في نفسها ستبدو لنا صادقة بكل وضوح ومن دون تعضيد أي دليل أو وثيقة[3]،

(34)

حتى لو استخدمنا الرموز بدل مفاهيم شجرة الصنوبر وشجرة الإسفندان، فسنبقى لأجل فهم معنى الأطول والأقصر بحاجة إلى الإدراك الحسي دون أدنى شك، وهذا مؤشر على تبعية كل معرفتنا للإدراك الحسي. واضح أنه من دون أي إدراك حسي لن تتكون تلك الحقيقة المنطقية للإنسان. من ناحية ثانية وكما اتضح لنا، إذا كان إعمال القدرة العقلية على ما نراه ملاكاً للقبلية ـ وهذا هو تصور آيودي ـ فيجب في هذه الحالة أن نعتبر أصل وأساس مشاهدة شجرة الصنوبر على أنها أطول من شجرة الإسفندان ـ ولأنّ هذه المشاهدة لا يمكن أن تتحقق على أساس الإدراك الحسي، أي الإدراك الحسي الخالص من دون تعضيد المشاهدة العقلية ـ يجب أن نعتبر ظهور هذا المفهوم أيضاً ظهوراً قبلياً وفقاً لاستدلال آيودي نفسه. ولكن إذا كان الأمر كذلك فمن الواضح أن عدد التصورات والتصديقات القبلية ـ وخلافاً لآراء أمثال كانط المبسطة ـ لن يقف عند أيّ حد، وستكون أمامنا تصورات وتصديقات قبلية لا نهاية لها. وقد توصل جري فودور في كتابه «لغة الفكر» (1975 م) إلى مثل هذه النتيجة:

إنْ لم نقل إن كل مفاهيمنا فطرية، فلا أقل من أن أكثرها فطرية[1].

لم يكن بوسع ديكارت ولا كانط عندما قالا بوجود الفطريات أن يتصورا أن تبعات هذا الأساس الأعوج ستظهر في زمن ما في كل مكان من صرح المعرفة الإنسانية. لم يكن يعلم كانط أن آفة النزعة

(35)

الفطرية ستطال في زمن ما تعاليم علماء اللغة الجدد المتأثرين بنعوم چومسكي، وأن علماء معرفة مثل موزر سيعتبرون تلك التعاليم برهاناً لصالح القول بوجود معرفة قبلية ولصالح النزعة العقلية. لم يكن كانط يعلم أن الجميع سيعلمون بعد مدة قصيرة أن الروح المختبئة في المفهوم الذي قال به، أي مفهوم «القبلي مطلقاً» هي نفسها روح النزعة الفطرية. وعليه فهو لم يكن يعلم أن الاستعانة بالأمر القبلي (الفطري) في مضمار المفاهيم أو القضايا لا تساعد أبداً على تبيينٍ طبيعي للقضايا المعرفية.

وكما لاحظنا فإن هذه الاستعانة التي في غير محلها ناجمة عن الاعتقاد باستقلال العقل والحس أحدهما عن الآخرين كمصدرين أصليين للمعرفة. لقد أدت هذه العملية إلى بعثرة وخلبطة الهوية الحقيقية للذهن عند علماء المعرفة الغربيين. عندما يكون التصور أن المعرفة الإنسانية تنشأ من ينبوعي التجربة الحسية والعقل، أو من ينبوع واحد مركب من هذين، أو عندما يكون التصور أن للعقل الإنساني استعمالين اثنين أحدهما استعمال معطوف على التجربة واستعمال غير معطوف على التجربة، سيمكن الاستنتاج بسهولة أن الوظيفة الخاصة للعقل المتوحّد أي العقل غير المعطوف على التجربة هي «الاطلاع على العلاقة بين بعض التصورات الفطرية»[1].

(36)

وهذا سيعني وجود الذهن وجوداً قبلياً، لأن ما أنكره التجربيون الكلاسيكيون على وجه الخصوص هو المعرفة القبلية (الفطرية)، والواقع أن المعرفة القبلية (الفطرية) حصيلة الفعل الخاص للعقل بوصفه ينبوعاً مستقلاً للمعرفة. إذن، استقلال العقل في علم المعرفة الغربي وفي مقام الملكة المستقلة القادرة على المعرفة، يؤدي مباشرة إلى القول بالمعلومات القبلية (الفطرية)، وهذا يعني وجود الذهن وجوداً قبلياً بالمعنى الذي يميزه عن العقل بمعنى ملكةٍ للإدراك.

القول بالوجود القبلي للذهن هو النتيجة النهائية لعلم المعرفة الغربي بشأن ثنائية مصادر المعرفة، وطالما لم ينبذ هذا اللون من علم المعرفة فلن يكون ثمة مناص من ظهور مثل هذه النتائج المعرفية غير المجدية والمن عندية. ينبغي إلى الأبد نبذ هذه الثنائية بوصفها قبلية (مقدمة) خاطئة لعلم المعرفة، واستبدالها بالرؤية المطروحة في الفصول السابقة من هذا الكتاب، أي نظرية وحدة ينبوع المعرفة، والتي هي ثمرة نظرة الفلاسفة المسلمين للقضية الأصلية في المعرفة، ومضمونها الرئيس هو أنْ لا وجود للحس من دون العقل[1]. ولا ريب في أن هذه النظرية تنفي وجود التصورات أو التصديقات الفطرية (القبلية) وبالتالي فهي تنفي الوجود القبلي للذهن. أضف إلى ذلك أنها تستطيع أن توضح على نحو مقبول

(37)

كيف يتكوّن الذهن بشكل طبيعي وأنه واقع بعدي تماماً، وأن العقل مجرد قوة وملكة شأنه شأن الحس، ملكة تعمل بمعية الحس، وعليه فالإدراك كله يعود إلى نفس الإنسان، وما نسميه الذهن هو ثمرة عمل هذه القوى والملكات المتشابكة. وهكذا فنفس الإنسان هي التي تخلق الذهن، وهذه القدرة على الخلاقية لا تتفعل ما لم يعمل كلٌّ من الحس والعقل مع بعضهما سويةً. على هذا لا يمكن لأحد أن يأخذ الوجود القبلي للعقل بمعنى وجود بعض المعارف أو بعض ما يصنع المعرفة، أو يقول إنه لا يوجد في العقل منذ البداية شيء سوى العقل نفسه، ففي هذه الحالة لن يتفعل أي شيء مما نسميه المعرفة، لأن العقل نفسه مثل ملكة البصر لن ترى شيئاً ما لم يكن هناك شيء تراه.

بإزاء القول بوجود الذهن قبلياً في آثار بعض علماء المعرفة الغربيين، قد يقال إن هناك عقيدة في مجال الإدراك وكيفية حصول المعرفة، من لوازمها إنكار الوجود البعدي للذهن. في الفصل الأول من المرحلة الحادية عشرة من كتاب «نهاية الحكمة» نجد العلامة محمد حسين الطباطبائي يتأثر بنظرية المثل الإفلاطونية ـ على الرغم من نقد أدلة القائلين بها في الفصل العشرين من المرحلة الثانية عشرة من الكتاب نفسه ـ[1] ويضع عالمين مجردين عن المادة لكن لهما آثار المادة، وهما عالم المثال الأعظم وعالم البرزخ، ويضع كذلك عالماً مجرداً عن المادة وعن آثار المادة هو عالم العقل[2]،

(38)

وبوضعه هذه العوالم يعتبر معلوماتِ الإنسان الحقيقة عند إدراك الأمور المادية أثناء ما يسمى بالإدراك الحسي والخيالي، يعتبرها موجوداتٍ مجردةً مثاليةً في عالمي البرزخ والخيال الأعظم، ويعتبر المعلومات الحقيقية للإنسان عند إدراكه العقلي (كما يسمى) موجوداتٍ مجردةً عقليةً في عالم العقل. وهو يرى أن ذلك المعلوم الحقيقي هو المبدأ الفاعلي للمُدرَك بالعرض عند الإنسان، ويوضح أن هذا المعلوم  الحضوري مجردٌ مثالي أو عقليٌّ حاضرٌ بوجوده الخارجي للمدرِك، حتى لو كان يُدرَك عن بُعد[1]. مهما كانت الأمور التي نتجاوزها هنا فلا يمكن تجاوز أن هذا الإدراك عن بُعد مهما كان معناه لا ينسجم بوضوح مع رؤيته القائلة إن حصيلة عمل الأعضاء الحسية والأعصاب هي حصول الاستعداد عند النفس كي تُحضِر الصورةَ العلمية عندها وتُظهرها في عالمها: «فارتباط الصورة العلمية بالجزء العصبي، وما يعمله من عمل عند الإدراک ارتباط إعدادي بمعنى أن ما يأتيه الجزء العصبي من عمل تستعد به النفسُ لأن يحضر عندها ويظهر في عالمها»[2]، كما أنه لا يتلائم مع رأيه في خصوص اتحاد العاقل والمعقول[3]، ذلك أن الكلام عن الصورة العلمية كلامٌ عن الوجود الذهني، وهذا بدوره كلام عن ظهور الذهن وتكوّنه، بينما ذلك الإدراك عن بُعد نوع من المشاهدة أو بتعبير أفضل شهود خارج دائرة العلوم الرسمية كما يصطلح عليها. وهذا الخروج

(39)

يشمل دائرة العلم الحصولي ودائرة العلم الحضوري أيضاً، بمعنى أن مشاهدة الذوات المجردة «عن بُعد» ليست بالعلم الحصولي ولا هي بالعلم الحضوري المصطلح. المقصود من العلم الحضوري المصطلح وعينا المباشر دون واسطة للصورة العلمية أو المعلوم بالذات، وكذلك وعينا لأنفسنا. مشاهدة الذوات المجردة عن بُعد لا يمكن أن تعتبر علماً حضورياً بأيّ واحد من هذين المعنيين. ومن جهة أخرى، من البديهي أنه لا يمكن اعتبارها علماً حصولياً. إذن يبقى أننا إذا اعتبرناها أساساً علماً حضورياً فيجب أن نعتبرها علماً يقف تماماً مقابل العلوم الرسمية، ولهذا السبب من الأفضل أن نسمّيها أساساً بالشهود، ليتجلى حتى من تسميتها اختلافها الماهوي عن نوعي العلم الحضوري وعن العلم الحصولي. ولأنه لا يمكن في حيّز المعرفة البشرية تصور ما عدا ذلكم النوعين من العلم الحضوري، لذلك لا يتاح اعتبار الإدراك «عن بُعد» علماً حضورياً، ومن المفترض أن يكون هذا علماً آخر من نوع آخر، علماً لا يندرج في نطاق العلوم الحضورية أو العلم الحصولي للإنسان.

عدم الاتساق هذا في آراء العلامة الطباطبائي هو حصيلة الانتقال من الصورة العلمية، بمعنى الوجود الذهني، إلى الأمور المجردة غير النفسانية. وما يوجب هذا الخلط هو في الواقع هذا الاعتقاد:

الصورة العلمية کيفما کانت مجردة من المادة خالية من القوة. وإذا کانت کذلک فهي أقوى وجوداً من المعلوم المادي

(40)

الذي يقع عليه الحس وينتهي إليه التخيل والتعقل [1].

حسب رأيه، لأن الصورة العلمية مجردة عن المادة فهي بالضرورة أقوى من أمر مادي متناظر معها. ولأنها أقوى فوجودها في مرتبة أعلى من مرتبة الماديات، وأعلى خصوصاً من المعلوم المادي المناظر لها، «والتشکيک في مراتب الوجود يقتضي کون العالي علّةً للسافل وکون المجرد علّةً للمادي»[2]. هنا يحصل الخلط بين البحث المعرفي والبحث الأنطولوجي، ونخلص من تجرد الصورة العلمية ومن تفوّقها الوجودي على الأمر المادي المناظر لها، إلى الانتقال نحو الأمر المجرد الذي يخال العلامة الطباطبائي أنه موجود خارج النفس. وهو يستنتج طبقاً لقاعدة «العالي علة للسافل» أن المعلوم، عند العلم الحصولي بأمرٍ متعلق بالمادة، عبارة عن موجود مجرد هو المبدأ الفاعلي لهذا الأمر المادي، مبدأ له كمالات ذاك الأمر المادي، ويحضر بوجوده الخارجي عند المدرِك، وهذا الأمر هو العلم الحضوري.

واضح أن هذا الانتقال ممتنع، لأن الصورة العلمية أمر نفساني وشأنه من حيث كونه صورةً علمية هو فقط الحكاية عن الأمر المادي الموجود خارج النفس، بينما ليس ذلك الأمر المجرد الذي يعتبره العلامة الطباطبائي مبدأً فاعلياً للأمر المادي، ليس حاضراً في أنفسنا، ولا يتكوّن في أنفسنا على أساس الإدراك الحسي. وجود مثل هذا الانتقال والخلط في «نهاية الحكمة» عجيب جداً بالنسبة

(41)

لي، ومع ذلك لا أعلم لحد الآن بوجود من أشار إليه من مفسري هذا الكتاب أو مدرّسيه. لقد أدى هذا الانتقال الممتنع إلى تضبيب وتعمية بيان العلامة الطباطبائي في خصوص إرجاع العلم الحصولي إلى العلم الحضوري. يقول لنا هذا البيان:

1- الذي يهدي إليه النظرُ العميقُ أن [العلم] الحصولي منه أيضاً ينتهي إلى [العلم] حضوري (م ن، ص 237).

2- الصورة العلمية کيفما کانت مجردة من المادة خالية من القوة (ص 237 و239).

3- الصورة العلمية سواء کانت حسية أو خيالية أو غيرهما لا تأبى إلى نفسها أن تصدق على کثيرين (ص 243).

4- الصورة المحسوسة بالذات صورة مجردة علمية (ص 244).

5- اتصال أدوات الحس بالمادة الخارجية وما في ذلک من الفعل والانفعال الماديين [شرط] لحصول الاستعداد للنفس لإدراک صورة المعلوم جزئية أو کلية (ص 243 ـ 244).

6- إن أخذ المفهوم وانتزاعه من مصداقه يتوقف على نوع من الاتصال بالمصداق والارتباط بالخارج، سواء کان بلا واسطة کاتصال أدوات الحس في العلم الحسي بالخارج، أو مع الواسطة کاتصال الخيال في العلم الخيالي بواسطة الحس بالخارج، وکاتصال العقل في العلم العقلي من طريق إدراک الجزئيات بالحس والخيال بالخارج (ص 244).

(42)

7- [في ضوء المقدمات السابقة لا تستطيع النفس أبداً أن تنشئ من عندها صورة من الصور العلمية أو مفهوماً من المفاهيم من دون الاستمداد من الخارج] فلو لم تستمد القوة المُدرِکة في إدراک مفهوم من المفاهيم من الخارج وکان الإدراک بإنشاء منها من غير ارتباط بالخارج استوت نسبة الصورة المُدرَکة إلى مصداقها وغيره، فکان من الواجب أن تصدق على کل شيء أو لا تصدق على شيء أصلاً، والحال أنها تصدق على مصداقها دون غيره (ص 244).

والآن، لو كان العلامة الطباطبائي في ضوء هذه النقاط السبع قد قال إن للنفس علمها الحضوري بالصورة العلمية التي هي مُدرَك بالذات، لما أدى ذلك إلى خلاف في تفسير انتهاء العلم الحصولي إلى العلم الحضوري (إرجاع العلم الحصولي إلى العلم الحضوري)، لكنه يقول بدل ذلك:

8- ما يُعلَم عند العلم الحصولي بأمرٍ مادي عبارة عن أمر مجرد هو المبدأ الفاعلي لذلك الأمر المادي. وعلى حدّ تعبير العلامة الطباطبائي: >فالمعلوم عند العلم الحصولي بأمرٍ له نوع تعلق بالمادة هو موجود مجرد هو مبدأ فاعلي لذلک الأمر [المادي]  (ص 239).

هذا الكلام هو موضع الانتقال والخلط، لأن ذلك الأمر المجرد ليس صورة علمية ولا أمراً مادياً خارجياً، لذلك يمكن السؤال: إنكم من أجل إثبات انتهاء العلم الحصولي إلى العلم الحضوري حاولتم في الصفحتين 237 ـ 238 من «نهاية الحكمة» إثبات

(43)

تجرد الصورة العلمية الموجودة في النفس، وحاولتم عبر عدة أدلة إثبات أن الصورة العلمية الموجودة في نفس الإنسان ليست بالأمر المادي، بل هي أمر مجرد؛ هذه الصورة العلمية التي هي طبقاً للنقطة رقم (4) معلوم بالذات، لا تتكون طبقاً للنقطة رقم (5) من دون صلة بين الأداة الحسية والأمر المادي الخارجي. عندما أثبتم هذا، وفي حال كون استدلالاتكم تامّة، فلماذا تقولون في النقطة (8) إن معلومنا الحقيقي أي المعلوم بالذات أمر مجرد وهو المبدأ الفاعلي للأمر المادي الخارجي، أي العلة الإلهية الإيجابية للأمر المادي الخارجي؟ كيف تنتقلون من الصورة العلمية إلى ذلك الأمر المجرد ولماذا؟ بأيّ هذين لدينا علمنا الحضوري، بالصورة العلمية أم بالأمر المجرد الذي هو العلة الفاعلية للأمر المادي؟ يتجلى من إيضاحكم وبيانكم حول ظهور مفهوم الجوهر ومفهوم العرض على سبيل المثال (ص 245) أن هذين المفهومين يتكوّنان من علم النفس الحضوري بذاتها وبحالاتها وصفاتها. لكنكم عند إعادة العلم الحصولي إلى العلم الحضوري تتحدثون عن علم حضوري بأمرٍ مجرد ليس في نفسنا بل ندركه عن بُعد، فكيف ينسجم الإدراك عن بُعد مع معنى العلم الحضوري أي مع «حصول الأمر المجرد عن المادة للأمر المجرد» أو باختصار مع «حضور شيء لشيء» (ص 240)؟ علم النفس بذاتها ليس أبداً بمعنى العلم الحضوري الذي يسمى فيه «الإدراك عن بعد» في خصوص الأمر المجرد الذي هو علة فاعلية للأمر المادي، علماً حضورياً. هذان شيئان مختلفان ولا يمكن أن يكونا مشتركين إلّا بالتسمية، ولذلك ينبغي أن نسمّي

(44)

الثاني شهوداً وليس علماً حضورياً، من أجل تمييزه عن الأول. الثاني ليس علماً حضورياً مصطلحاً رسمياً بل هو شهود. والآن، يتخذ سؤالنا شكلاً أبسط: لماذا وكيف تنتقلون من علم النفس الحضوري بالصورة العلمية إلى شهود الأمر المجرد الافتراضي المناظر لأمرٍ مادي خارجي، والذي تتصورون أنه العلة الفاعلية الإيجادية لهذا الأمر المادي الخارجي؟

من ناحية ثانية لا ينسجم بيان هذه المسألة في «نهاية الحكمة» مع بيانها في المقالة الخامسة من كتاب «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي». ففي حين يتحدث البيان الأول كما لاحظنا عن علم حضوري بأمر مجرد هو علة فاعلية للأمر المادي ويدرَك عن بُعد، يقول البيان الثاني في «أصول الفلسفة...»:

إذا أردنا اكتشاف كيفية تكثر العلوم والإدراكات وتنوعها فيجب أن نعرّج على الأصل وندرس الإدراكات والعلوم الحضورية، لأن كل الفروع تعود بالتالي إلى ذلك الجذر وتستمد منه أرصدة وجودها. العلم الحضوري هو الذي يتحول إلى علم حصولي عن طريق سلب منشئية الآثار.

ولأننا نتعامل في هذه الملاحقة النظرية مع علم حضوري، أي العلم الذي يحضر معلومُهُ بواقعيته الخارجية ـ لا بصورته ـ عند العالِم، أي إن العالِم يكتشف بواقعيته واقعية المعلوم، ومن البديهي للشيء والذي هو غيرنا وفي خارجنا أن لا يكون عيننا وداخل واقعنا. وعندما نصل إلى واقع أي شيء فهو إما عين وجودنا أو من المراتب

(45)

الملحقة بوجودنا، وإذن يجب علينا شئناً أم أبينا أن ندرس أنفسنا أي أن ندرس علمنا بأنفسنا[1].

نهاية هذه الفقرة المنقولة أعلاه لا تنسجم مع الفكرة الواردة في «نهاية الحكمة». ملاكُ العلم الحضوري في هذه الفقرة وبخلاف تلك الفكرة، هو كما يقول المرحوم الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري في شرحه[2]:

[ملاك العلم الحضوري] الحضور الواقعي لشيء عند شيء، وهذا الحضور الواقعي يتحقق عندما يتعلق الأمر بالوجود الجمعي، ولا تكون هناك أبعاد وفواصل مكانية وزمانية هي من خصوصيات المادة....بعبارة أخرى ملاك العلم الحضوري أن لا يكون واقع المعلوم خافياً محتجباً عن واقع العالِم... سواء كان واقع العالِم والمعلوم ذا وحدة حقيقية مثل علم النفس الحضوري بذاتها، أو أن يكون المعلوم فرعاً وتابعاً وجودياً للعالِـم، نظير علم النفس الحضوري بآثارها وحالاتها.

لا ينسجم هذا الملاك مع «الإدراك عن بُعد» الوارد في «نهاية الحكمة». فالأمر المجرد الذي هو علة فاعلية للأمر المادي ليس في أنفسنا حسب ما رود في «نهاية الحكمة»، فهو ليس أنفسنا ذاتها ولا هو من آثار أنفسنا وحالاتها. وعليه لا يمكنه أن يكون معلوماً لدينا بالعلم الحضوري لأنّ «الشيء الذي هو غيرنا وفي خارجنا لن يكون

(46)

عيننا وداخل واقعنا، ونحن مضطرون عندما ندرك واقع أي شيء أن نقول إنه إمّا عين وجودنا أو من المراتب الملحقة بوجودنا».

يتحدّث المرحوم العلامة الطباطبائي في «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي» عن العلم الحضوري كعلم في أنفسنا، ويعود إليه علمنا الحصولي بالأمور الخارجية. لكنه في «نهاية الحكمة» عند تبيينه لكيفية عودة العلم الحصولي إلى العلم الحضوري ينقلب انقلاباً مفاجئاً فيتحدث ـ دون بيانٍ وإيضاح ـ عن علمٍ حضوري بالأمر المجرد هو معلومنا الحقيقي عند علمنا الحصولي بالأمر المادي، وهذا الأمر المجرد هو في الوقت نفسه العلة الفاعلية والإيجابية لذلك الأمر المادي. لا يتسق العلم الحضوري «عن بُعد» مع فكرة العلامة الطباطبائي نفسه في «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي»، ولهذا السبب قلنا إن من الأفضل أن نسمّي مثل هذا الإدراك ـ إذا كان له واقعه أساساً ـ بالشهود وليس بالعلم الحضوري.

القول بهذا «الإدراك عن بُعد» جاء بتأثير من نظرية المثل الإفلاطونية، وهو قول يتمادى على أساس «انتهاء كل إدراك حصولي إلى إدراك من هذه الإدراكات عن بُعد» إلى ما هو أبعد بكثير من تعاليم إفلاطون حول وجود المُثُل. ونعلم أن هذا المافوق المنهج هو حصيلة القول بقاعدة «إمكان الأشرف» غير المُبيَّنة. هذا مع أنه في الفصل العشرين من المرحلة الثانية عشرة من «نهاية الحكمة» يخالف رواية الفلسفة الإسلامية للمثل الإفلاطونية، وينقد أدلة صدر المتألهين الثلاثة في إثبات هذه المثل (في صفحات 317 ـ 319).

(47)

وعلى هذا النحو، فالعلم الحصولي في بيان العلامة الطباطبائي يعود في الواقع إلى شهود أمور مجردة لها وجودها المجرد لا في أنفسنا بل في خارج أنفسنا. هذا في حين أن إثبات هذا الأمر قام فقط على أساس تجرد الصورة العلمية المناظرة للأمر المادي. والآن، إذا تجاوزنا هذا الادعاء بسبب عدم تسويغه ولاعقلانيته، فسيكون الوجه الوحيد المتبقي لإرجاع العلم الحصولي إلى العلم الحضوري أن نقول إن المقصود من تلك النظرية هو أنه عند الإدراك الحسي أو الخيالي أو حتى العقلاني، يحضر المعلومُ بالذات بكل واقعيته عند الإنسان، أي إن هذا المعلوم بالذات، وهو الصورة العلمية، حاضرٌ عند نفس الإنسان مباشرةً ومن دون واسطةِ أيةٍ صورة أخرى. إذا كان هذا فهو أمر عادي، فمن الواضح أن الصور العلمية معلومة عند نفس الإنسان من دون واسطة، وهي في الوقت ذاته واسطة العلم بالمُدرَكات بالعرض. بيد أن هذه ليست بالفكرة التي تعالج مشكلةً من مشكلات المعرفة، والتعبير عنها بإرجاع العلم الحصولي إلى العلم الحضوري يوهم بوهمٍ غير صائب هو انبثاق العلم الحصولي من العلم الحضوري.

يوافق صدر المتألهين وجود «عالم مقداري غير مادي» هو عالم المثال الأعظم أو البرزخ أو الخيال المنفصل، والذي يعتقد أن أساطين الحكمة يوافقون وجوده أيضاً، وقد حرّر وقرّر شيخ الإشراق يحيى السهروردي بيانه على أتمّ وجه، لكنه يخالف السهروردي في مسألتين. أولاً يعتقد ـ خلافاً لعقيدة السهروردي ـ أن الصور الخيالية موجودة في نفس الإنسان ذاتها وليس في عالم خارج نفس

(48)

الإنسان، لأن من بين هذه الصور الخيالية هناك صور وأشكال قبيحة هي حصيلة شيطنة ملكة الخيال. وثانياً الصور المرآتية (الحسية) بدورها وخلافاً لرأي السهروردي ليست في عالم المثال، بل تتكون هي أيضاً في النفس ذاتها[1].

يقول الأستاذ محمد تقي مصباح اليزدي ـ وهو على صواب ـ إن بالمستطاع إعمام هذا الإشكال على المفاهيم العقلية أيضاً، إذ توجد بين المفاهيم الكلية العقلية أيضاً مفاهيم عدمية واعتبارية ومفاهيم كلية مستمدة من الصور القبيحة، ولا يتسنى القول إن مصاديقها المجردة في العالم العقلي، بل يمكن الاستنتاج بأن الإدراكات العقلية أيضاً كالإدراكات الحسية والخيالية تحصل في النفس لا في عالم عقلي مستقل. وإذن، المفاهيم العقلية أيضاً مفاهيم قائمة بالنفس[2].

لكن العلامة الطباطبائي نفسه يكتب في حاشيته على هذه الفقرة من «الأسفار» متبعاً المرحوم الحاج الملا هادي السبزواري في حاشيته على نفس الموضع من «الأسفار»[3]، يكتب أنه لا شك في أن النفس لا تكتسب معلوماً من معلوماتها إلّا بعد تحقق وجود ذلك المعلوم في النفس، ولازمة هذا الارتباط والآصرة هي أن وجود المعلوم سواء كان جزئياً أو كلياً، قائم بنفس الإنسان وهو من مراتب وجود نفس الإنسان. إذن، لا تكتسب النفس شيئاً سوى

(49)

داخل ذاتها وفي دائرة وجودها. وإذن يلزم أن يكون للنفس أيضاً عالمُ مثالٍ خاص بها ينطبق على عالم المثال الأعظم. ثم يؤيد كلام الملا صدرا (صدر المتألهين) بأن عالم الخيال والحس في النفس ذاتها، ويضيف أنه يجب تسرية هذا الكلام على العقل أيضاً، لأن كل ما تدركه النفس من صور عقلية لا يمكن أن يكون خارج عالم النفس ومديات ذاتها[1]. وهكذا، فمن وجهة نظر الطباطبائي تتحقق كل مدركات الإنسان في نفسه، والعوالم النفسانية في الوقت ذاته متطابقة مع عوالمها المناظرة العلوية المستقلة. وإذن، فرغم أنه يبين العلم الحصولي بالشهود عن بُعد، إلّا أنه لا ينبذ الوجود البعدي للذهن، والقول بوجود معلومات حقيقية في عوالم المثال الأعظم والعقل لا علاقة له بإنكار الوجود البعدي للذهن. والواقع أنه ينبغي نسبة العلم الحضوري إلى هذه العوالم المثالية والعقلية النفسانية، لأنها في النفس لا في عوالم خارج النفس. ولكن إذا وافقنا اقتصار العلم الحضوري على هذه العوالم النفسانية سيتضح أن وجود مثل هذا العلم مسبوق بتحقق مواجهة العالم الخارجي والمادي أي تحقق العلم الحصولي، ومسار الأمر بعكس الاتجاه الذي يرسمه. على كل حال، حتى لو وافق المرء مساره فلن يغنيه ذلك عن وجود الذهن بانبثاقه البعدي.

 

(50)

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

المعقولات الثانية الفلسفية..
تاريخها الموجز وملاكها

(51)

 

المعقولات الثانية الفلسفية.. تاريخها الموجز وملاكها

لقد قسّمنا في هذا الفصل المفاهيم إلى ثلاث فئات هي: المعقولات الأولى والمعقولات الثانية الفلسفية والمعقولات الثانية المنطقية. وهو تقسيم وتسميات شائعة في الفلسفة الإسلامية المعاصرة. وينبغي أن لا ينصرف الذهن إلى أن هذا الفرز المحدد بل حتى هذه التسميات ـ التي اكتسبت وضوحاً أكبر في الحقبة الحديثة من الفلسفة الإسلامية ـ كانت تتمتع بوضوح نسبي منذ بدايات تاريخ الفلسفة الإسلامية. لا، ليس الأمر كذلك.

في الآثار المتبقية لنا عن الكندي الذي اشتهر بأنه أول الفلاسفة المسلمين، لا يمكن أن نصادف مثل هذه المفردات. إنما في آثار الفارابي نلاحظ لأول مرة مفردات مشابهة في المضمار الذي نناقشه أو في مجالات أخرى. يقول الفارابي في مناقشته للعقل الفعّال كما يصطلح عليه ـ والذي قال الفارابي بوجوده خارج الإنسان متأثراً بتفسير الإسكندر الإفروديسي والإفلاطونيين الجدد للعقل الصانع أو الخلاق (نوس پويتيكوس، ποιητικοs νουs) عند أرسطو[1] ـ إن علاقة هذا العقل بنفس الإنسان كعلاقة النور بالقوة الباصرة[2]، بمعنى أنه متى ما أفاض العقل الفعال على القوة الناطقة لنفس

(52)

الإنسان، حصلت من الصور المحسوسة المحفوظة في ملكة خيال الإنسان معقولاتٌ. وهذه المعقولات هي المعقولات الأولى التي يشترك فيها كل الناس، من قبيل أن الكل أكبر من الجزء، أو المقادير المساوية لشيء واحد متساوية فيما بينها. يطرح الفارابي ثلاثة أقسام من هذه المعقولات الأولى هي: المعقولات الأولى المتعلقة بالهندسة العلمية، والمعقولات الأولى المتعلقة بإدراك قبح وحسن سلوك الإنسان وأعماله، والمعقولات الأولى اللازمة لاكتساب العلم بأحوال الموجودات ومبادئها ومراتبها[1]. حصولُ كل الأقسام الثلاثة من المعقولات الأولى يستتبعُ التأمل والرؤية والذكر والتشوق للاستنباط[2] : القسم الأول ركيزة للمدرَكات الرياضية، والقسم الثاني ركيزة للمُدرَكات الأخلاقية، والقسم الثالث ركيزة للمُدرَكات النظرية. وهكذا، يستخدم الفارابي مصطلح المعقولات الأولى بمعنى البديهيات والأوليات بالمصطلح الفني للكلمة، وهذا المعنى بعيد جداً عن المعنى الاصطلاحي للمعقولات الأولى والمعقولات الثانية في مجال بحثنا: يمكن للمعقولات الأولى بمصطلح الفارابي أن تشمل كل الأنواع الثلاثة من المعقولات بمصطلح بحثنا[3].

لكن الفارابي يقول في المسألة العاشرة من رسالته المسماة «جوابات لمسائل سُئِلَ عنها» جواباً عن سؤال حول كيفية وجود «الأشياء العاميّة»:

(53)

سئل عن الأشياء العاميّة کيف يکون وجودها وعلى أية جهة؟ فقال: ما کان وجوده بالفعل بوجود شيء آخر؛ فوجوده على القصد الثاني، فوجوده بالعرض. ووجود الأشياء العامية، أي الکليات، إنما يکون بوجود الأشخاص؛ فوجودها إذن بالعرض. ولستُ أعني بقولي هذا أن الکليات هي أعراض، فيلزم أن تکون کليات الجواهر أعراضاً؛ لکني أقول: إن وجودها بالفعل على الإطلاق إنما هو بالعرض[1].

بيان الفارابي هذا قد يوهم، بشكل من الأشكال، بأنه يتحدث عن المعقولات الثانية، لأنه يعتبر وجود الأشياء العامية (العامة) على سبيل القصد الثاني. بيد أن الحقيقة هي أن كلام الفارابي هذا يدلّ على أنه لم يكن واعياً لفرز المعقولات بعضها عن بعض لأنه في الواقع يستخدم الأشياء العامة بمعنى الكليات ويحاول إيضاح كيفية وجودها، وقضيته هنا قضية وجود الكليات. إنه يريد أن يقول إن الكليات من قبيل مفهوم الإنسان والشجرة ليس لها وجود بالفعل مستقل في الخارج، إنما وجودها بالعرض مطلقاً، بمعنى إنها توجد بواسطة وجود شيء آخر من قبيل وجود زيد أو وجود شجرة الإسفندان في باحة كلية الآداب بجامعة طهران. إن نقاشه خارج تماماً عن نطاق النقاش المعرفي، وإنما يتعلق بعلم وجود الكليات. إنه يريد أن يقول تبعاً لأرسطو (مثلاً في: ما بعد الطبيعة، 7، 16، 1040 ب 27 ـ 28): من الواضح أنه لا يوجد أيُّ كليّ بمعزل عن الأفراد».

(54)

ويستخدم ابن سينا هو الآخر اصطلاح المعقولات الأولى للفارابي بنفس المعنى مع فارق أنه يضيف مصطلح المعقولات الثانية المناظرة لهذه المعقولات الأولى. إنه يحذو حذو الفارابي فيسمّي الأوليات معقولاتٍ أولى، وفي المقابل يسمّي النظريات معقولات ثانية. وهو يعتقد أن حصول المعقولات الأولى يوفر لنفس الإنسان الاستعداد لاكتساب المعقولات الثانية ـ وهي نفسها النظريات ـ بواسطة المعقولات الأولى وعن طريق التفكير (الفكر في الاصطلاح الفني). المعقولات الأولى في هذا المعنى هي البديهيات والأوليات، والمعقولات الثانية هي النظريات والعلوم الاكتسابية. ترتبط مصطلحات المعقول الأول والمعقول الثاني هذه بموضوع مراتب العقل عند الإنسان، أي مسيرة عقل الإنسان من العقل الهيولاني إلى العقل بالملكة والعقل بالفعل أو العقل المستفاد كما يصطلح عليه. العقل بالملكة مرتبة من العقل يعتقد ابن سينا وأتباعه أنه لا تحصل فيها سوى المعقولات الأولى أي البديهيات والأوليات، وهي تختلف بهذه الدرجة من الفعلية عن العقل الهيولاني. والعقل بالفعل مرتبة تحصل فيها المعقولات النظرية الأخرى أي المعقولات الثانية، وهي ليست بديهية وأولية بل نظرية واكتسابية. في مرتبة العقل بالملكة تتكون للعقل القدرة والملكة والسلطة على السير بواسطة المعقولات الأولى نحو اكتساب المعقولات الثانية[1]. ولقد شرح المحقق الطوسي في

(55)

«شرح الإشارات» هذين المصطلحين بهذا المعنى شرحاً وافياً جلياً. فبعد تبيينه لمراتب العقل الثلاث عند الإنسان، يذهب في شرح القوة المناسبة للمرتبة الثانية أو الوسطى، وهي العقل بالملكة، إلى أن القوة المناسبة للمرتبة الوسطى هي العقل بالملكة، وهي عبارة عن قوّة تتكون عند حصول المعقولات الأولى وهي علوم الأوليات لأجل تحصيل المعقولات الثانية وهي العلوم الاكتسابية[1].

لا صلة للمعقولات الأولى والمعقولات الثانية في هذا التعريف بمبحث أنواع المفاهيم، ومصاديقها الأصلية هي في الحقيقة التصديقات والمعارف العباراتية (القضيية). والحال أن بحثنا الرئيس حول تقسيم المعقولات يرتبط بالمعرفة غير العباراتية أي بالتصورات. وعليه يبدو للوهلة الأولى أن لا علاقة أبداً بين المصطلحين الذين استخدمهما الفارابي وابن سينا وغيرهما بذلك المعنى وبين المصطلحين الذين نقصدهما نحن. بيد أن هذا الاستنتاج ليس كاملاً لأن ابن سينا يقول حول المنطق إن موضوعه هو المعقولات الثانية[2]، وواضح أن هذا الاصطلاح ليس بمعنى المعقولات الثانية بالمصطلح الأول. إذن بأيّ معنى هو؟ يجب أن نرى.

يكتب في إلهيات "الشفاء" (ص 10):

والعلم المنطقي، كما علمتَ[3]، فقد كان موضوعه المعاني

(56)

المعقولة الثانية التي تستند إلى المعاني المعقولة الأولى من جهة كيفية ما يُتَوصَّل بها من معلوم إلى مجهول[1].

وتتكرر هذه الفكرة في «التعليقات» (ص 167) بقليل من التغيير في ظاهر العبارة:

موضوع المنطق هو المعقولات الثانية المستندة إلى المعقولات الأولى، من حيث يُتَوصَّل بها من معلوم إلى مجهول[2].

ينبغي أولاً إجلاء مرجع كلام الشيخ الرئيس هذا في «إلهيات الشفاء» حيث يقول: «كما علمت...». يحيل هذا التعبير القارئ إلى مدخل «منطق الشفاء» (الهامش رقم 42 من هذا الفصل). إنه يتحدث في الفصل الرابع من المقالة الأولى من مدخل منطق الشفاء عن موضوع المنطق، ويقول فيما يقول إن البعض يعتقدون أن موضوع المنطق البحث والنظر حول الألفاظ، والحال أن مبحث الألفاظ ناجم صرفاً عن ضرورة التخاطب والمحاورة، وإلّا فالمنطقي (عالم المنطق) من حيث هو منطقي لا شأن له بالألفاظ، وإذا كان تعليم المنطق ممكناً عبر الاستعانة بالفكر البسيط فقط، وإذا كان بوسع المنطقي أن يأخذ المعاني فقط بنظر الاعتبار، لكفى ذلك. وإذا كان بمقدور الناطق الإفصاح عن نيته ونقلها عن طريق آخر غير الكلام لأغناه ذاك عن الكلمات والألفاظ. إذن:

(57)

لا خير في قول من يقول إن المنطق موضوعه النظر في الألفاظ من حيث تدل على المعاني [1].

يعتقد الشيخ الرئيس أن سبب تشويش هؤلاء في خصوص موضوع المنطق هو أنهم لم يعرفوا ذاك الصنف من الموجودات التي يبحث فيها المنطق. إنهم لاحظوا أن الوجود على صنفين: خارجي وذهني، ثم اعتبروا العلوم المختلفة خاصة بالوجود الخارجي، واعتبروا علماً واحداً أو جزءاً من علم مختصاً بالوجود الذهني. وقد غفلوا في هذا المضمار عن هذه النقطة:

...الأمور التي في الذهن إمّا أمور تُصُوِّرت في الذهن مستفادة من الخارج، وإما أمورٌ تَعرِضُ لها، من حيث هي في الذهن لا يُحاذى بها أمر من الخارج....ثم يصير أحد هذين الأمرين موضوعاً لصناعة المنطق من جهة عَرَض يعرض له. وأما أيّ هذين الأمرين ذلک؟ فهو القسم الثاني؛ وأما أيّ عارض يعرض؟ فهو أنه يصير موصِلاً إلى أن تحصل في النفس صورةٌ أخرى عقلية لم تکن، أو نافعاً في ذلک الوصول[2].

يتبين من كلام الشيخ الرئيس هذا أن موضوع المنطق معقولات أولاً ليس لها ما بإزاء خارجي، وثانياً تستطيع هذه المعقولات إيصالنا إلى صور عقلانية أخرى لم تكن في النفس من قبل، بمعنى أن تكون واسطة في اكتسابها. وهذا الشرط الأخير دليل على الجهة

(58)

التي يستطيع بها المعقولُ الذهنيُّ الذي ليس له ما بإزاء خارجي أن يكون موضوعاً للمنطق، وبصرف النظر عن هذه الجهة لن يعود ذلك المعقول الذهني موضوعاً للمنطق. على أن هذه المعاني التي يقصدها الشيخ الرئيس غامضة، وليس من البيّن تحديداً أية أمور يمكن أن تمثل مصاديق هذه المعاني. وإذن، ينبغي أن نفتش عن تلك المصاديق وأن نجد ـ في الواقع ـ ضابطة تجعل معاني المعقولات الذهنية التي ليس لها مصاديق خارجية موضوعاً للمنطق. وبالطبع يمكن تحرّي هذه الضابطة على نحوها الكلي في الفقرة المنقولة أعلاه من «إلهيات الشفاء» كما لاحظنا، بيد أن شرحها الأشد لا يتبدى إلّا في «التعليقات» وفي فقرة طويلة ومنقطة النظير (ص 167 ـ 168). وترد الخلاصة الفارسية لهذه الفقرة في ترجمة «التحصيل» لبهمنيار إلى الفارسية تحت عنوان «جام جهان نماي» (الكأس الكاشف عن الكون) (ص 6) من دون أن يأتي شيء بإزائها في النص العربي للتحصيل![1] يفرّق الشيخ الرئيس في «التعليقات» بكل وضوح بين المعقول الأول والمعقول الثاني: المعقولات الأولى هي كالجسم والحيوان وتستند عليها المعقولات الثانية، بمعنى أن نقول مثلاً إن الحيوان كلي أو ذاتي. وإذن فالكلية والجزئية والشخصية من المعقولات الثانية. وإثبات وجود مثل هذه المعقولات من واجب ما بعد الطبيعة، لكن موضوعيتها للمنطق تأتي من جهة أنها بالنحو الذي يمكن بواسطتها السير من المعلوم

(59)

إلى المجهول. بعبارة أخرى، تدل ما بعد الطبيعة على وجود الكلي الجنسي، والكلي النوعي، والكلي الفصلي، والكلي العرضي والكلي الخاصّي، ثم تكون هذه الكليات من حيث قدرتها على الإرشاد إلى المجهول موضوعاً للمنطق. وتصحّ هذه الفكرة أيضاً على الجهات الثلاث: ما بعد الطبيعة هي التي تثبت أن الكلي يكون تارةً واجباً وتارة مطلقاً وتارةً ممكناً. والمنطق هو الذي يستخدم هذه المعقولات الثلاثة للوصول إلى المجهول. وإذا سلب هذا الشرط من هذه المعقولات فلن تعود موضوعاً للمنطق. كما أن مطلق الصوت على سبيل المثال ليس موضوعاً للموسيقى إنما الصوت من حيث كونه يقبل التأليف يعتبر موضوعاً للموسيقى. إذن «فالمعقولات الثانية على نوعين: مطلقة، ومشروط فيها بشرط ما، وتصير بذلک الشرط موضوعاً لعلم المنطق»[1]. وهكذا فإن علاقة المعقولات الثانية بالمنطق كعلاقة الجسم بعلم الطبيعة، وكما أن إثبات وجود الجسم يقع على عاتق ما بعد الطبيعة وإثبات خواصه يقع على عاتق علم الطبيعة، كذلك إثبات وجود المعقولات الثانية يقع على عاتق ما بعد الطبيعة ويقع إثبات خواصها على عاتق علم المنطق.

الفائدة الكبيرة الأولى من بيان الشيخ الرئيس هي أن مصطلحي المعقولات الأولى والمعقولات الثانية أطلقا لأول مرة في التراث الفلسفي الإسلامي على التصورات. والفائدة الثانية هي أن الشيخ الرئيس اعتبر المعقولات الثانية معقولات ليس لها ما بإزاء خارجي. ويمكن لهذا أن يكون ملاكاً جيداً لتعيين حدود إطلاق المعقولات

(60)

الثانية بشكل عام. الفائدة الثالثة التي تستفاد من بيان الشيخ الرئيس هي أنه يعتبر دراسة أصل وجود المعقولات من واجب ما بعد الطبيعة، وبذلك فهو ينوّه ضمنياً بإطلاق مديات ما بعد الطبيعة على كل أنواع الموجودات. وهذا بحد ذاته يدل على نمط نظرته لما بعد الطبيعة.

ومن بعد الشيخ الرئيس، عمّم تلميذه بهمنيار في «التحصيل» دائرة إطلاق مصطلح المعقول الثاني لأول مرة. في الفصل الثاني من المقالة الأولى من ما بعد الطبيعة في «التحصيل»، يعتبر بهمنيار مفاهيم «الشيء» و«الذات» وفوق كل ذلك «الوجود» من المعقولات الثانية. وقد كتب هذا الفصل في الواقع بإزاء الفصل الخامس من المقالة الأولى من «إلهيات الشفاء»، لكن الشيء والذات والوجود لم تسمَّ في «إلهيات الشفاء» بالمعقولات الثانية. ومع ذلك فإن عين عبارات بهمنيار تقريباً تكرّرت في قسم الإلهيات، الفصل الخامس من الجزء الأول من كتاب تلميذه أبي العباس الفضل بن محمد اللوكري، المسمى «بيان الحق بضمان الصدق»[1]. يكتب بهمنيار (م ن، 286):

والشيء من "المعقولات الثانية" المستندة إلى «المعقولات الأولى»، وحكمُهُ حكمُ الكليّ والجزئي والجنس والنوع، فليس في الموجودات موجودٌ هو شيء، بل الوجود إمّا إنسانٌ وإمّا مكان، ثم يلزم معقولية ذلك أن يكون شيئاً، وكذلك الذات [وكذلك الوجود بالنسبة لأقسامه].

(61)

تعميم دائرة إطلاق مصطلح المعقول الثاني والذي يلاحظ في كلمات بهمنيار هذه، وتبعاً له في كلمات تلميذه اللوكري، هو في الحقيقة من باب ذكر مصاديق أكثر وليس التوسع في معنى المعقول الثاني، ذلك أن الشيخ الرئيس نفسه اعتبر حتى الوجوب والإمكان، كما رأينا، من المعقولات الثانية، وعليه إذا كانت الإشارة إلى مصاديق من قبيل الوجود والشيء والذات توسعاً في معنى المعقول الثاني فإن هذا التوسع قد قام به الشيخ الرئيس نفسه. وعلى ذلك لا يمكن لأحد القول «إن المقصود بإشارة الشيخ الرئيس للمعقولات الثانية في موضع أو موضعين أو ثلاثة  من كلماته هو المعقولات الثانية المنطقية»[1] أو أن يقول:

مصطلح المعقول الثاني للإشارة إلى المعقولات الثانية المنطقية كان بالتأكيد في زمن الشيخ الرئيس، ولم يطلقه الشيخ إلّا على تلك المفاهيم والمعاني المنطقية. وبعد ذلك أيضاً كما يتجلى من الأقوال وحتى زمن الخواجة إذا كان يقال المعقولات الثانية فالمراد بها المعقولات الثانية المنطقية[2].

لم يترك الشيخ الرئيس وتلميذه بهمنيار للآتين من بعدهما سوى الفرز بين المعقولات الثانية المنطقية والمعقولات الثانية الفلسفية، وإلّا فقد تحدث كلاهما بكل تأكيد عن كلا النوعين من المعقولات. ما من أحد بوسعه تصور أن الشيخ الرئيس كان يعتبر

(62)

الوجوب والإمكان من المعقولات الثانية المنطقية، وأن بهمنيار كان يعدّ الشيء والوجود من المعقولات الثانية المنطقية. على كل حال حصل الفرز وإطلاق مصطلحي المنطقية والفلسفية في مراحل قادمة، وميّز الفلاسفة اللاحقون بينهما.

وبالرغم من كل ذلك فإن ملاك التمييز ليس واضحاً تماماً. يعتبر المرحوم مرتضى مطهري المعقولات الأولى كليات هي «الصورة المباشرة للأشياء في الذهن»[1]. ولا مراء في أن هذا الملاك يحدد المعقولات الأولى بالموجودات المحسوسة، ولا يمكن السؤال منه: أي نوع من المفاهيم هي مثلاً مفهومُ الله والملائكة والعقل (من الناحية الوجودية لا من الناحية المعرفية)؟ فهي ليست معقولاً أولاً لأنها ليست الصورة المباشرة للأشياء والواقعيات الخارجية. فما هي إذن؟ هل هي معقولات ثانية منطقية؟ لا. فهل هي معقولات ثانية فلسفية؟ لا، يقول الأستاذ مصباح اليزدي مثلاً في كتابه «تعليم الفلسفة» حول خصوصيات المعقولات الأولى:

مجموعة مفاهيم ينتزعها الذهن تلقائياً من حالات خاصة. أي بمجرد أن يحصل إدراك شخصي أو عدة إدراكات شخصية بواسطة الحواس الظاهرية أو الشهود الباطني، سوف يكتسب العقل على الفور مفهومها الكلي، مثل مفهوم «البياض» الكلي الذي ينتزع بعد مشاهدة شيء أبيض أو عدة أشياء بيضاء[2].

(63)

هذا الكلام في الحقيقة بنفس قوّة كلام المرحوم مطهري، وترد عليه نفس المؤاخذة التي وردت على كلام مطهري.

ناقش المرحوم العلامة الطباطبائي في الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة من «نهاية الحكمة» أنواع المفاهيم (المعقولات) تحت عنوان تقسيم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري. وليس من المعلوم لماذا أصرّ العلامة الطباطبائي على مناقشة أنواع المفاهيم والمعقولات من دون ذكر مصطلحات المعقول الثاني أو المعقول الثاني المنطقي والمعقول الثاني الفلسفي. ومهما يكن من أمر فإن بحثه كبحوث الآخرين يقسِّم المفهوم أولاً إلى قسمين هما المفهوم الحقيقي والمفهوم الاعتباري، ثم يقسّم الاعتباري إلى قسمين ليصل إلى ثلاثة أقسام متعارفة طبعاً من دون ذكر أسمائها. وهكذا فالمفهوم الحقيقي حسب مصطلحاته يختص بالمعقولات الأولى والمفهوم الاعتباري يختص بالمعقولات الثانية سواء كانت فلسفية أو منطقية. إنه يعتقد أن المفهوم الحقيقي (المعقول الأول) هو الماهية التي تقال عن الشيء جواباً عن السؤال: ما هو هذا الشيء؟ خصوصية هذا النوع من المفاهيم هي أنها يمكن أن يكون لها وجودها الخارجي، وفي هذه الحالة ستترتب عليها آثارها الخارجية، ويمكن أن يكون لها وجودها الذهني، وفي هذه الحالة لن تترتب عليها آثارها الخارجية، ومثال ذلك مفهوم الإنسان.

والمفهوم الاعتباري (المعقول الثاني) بخلاف المفهوم الحقيقي، ولدينا ثلاثة أنواع من المفاهيم الاعتبارية:

(64)

1- المفهوم الاعتباري الذي تكون حيثية مصداقه حيثية كونه في الخارج وترتب الآثار الخارجية عليه، وفي هذه الحالة ومن حيث استحالة الانقلاب، لا يمكنه أبداً أن يكون له وجود ذهني، ومثال ذلك الوجود والصفات الحقيقية للوجود مثل الوحدة والوجوب وغير ذلك.

2- المفهوم الاعتباري الذي تكون حيثيته عدم الوجود في الخارج، ومثاله العدم الذي لا يخطر على الذهن إطلاقاً وليس له وجود ذهني، «فلا وجود ذهنياً لما لا وجود خارجياً له»[1].

3- المفهوم الاعتباري الذي تكون حيثية مصداقه حيثية الوجود في الذهن، ومثال ذلك مفاهيم الكلي والجنس والفصل، مما لا توجد لها مصاديق في الخارج.

البندان (1) و(2) في بيانه هذا معقولات ثانية فلسفية (اعتبارات فلسفية)، والبند (3) معقول ثاني منطقي. ومع أن هذا البيان يقدم ملاكاً واضحاً للتمييز بين المفاهيم الثلاثة، إلّا أنه لا يكفي، لأن حصر المعقولات الأولى في الماهيات تُسجَّل عليه مؤاخذتان أساسيتان:

1- مفهوم مثل مفهوم الله، والذي يُعتقد على خطى الفلاسفة المسلمين أنْ ليس له ماهية ولا يندرج ضمن المقولات، ليس من الواضح ضمن أيّ واحد من الأنواع الثلاثة من المفاهيم ينبغي أن يُدرج.

(65)

2- كما أنه (العلامة الطباطبائي) لا يوضّح ضمن أي الأنواع الثلاثة يصحّ إدراج الإضافات والنسب. إنه في نهاية الفصل نفسه (ص 258) يقدم قاعدتين لتمييز الاعتباري عن الحقيقي:

ألف ـ كل مفهوم يحمل على الواجب وعلى الممكن أيضاً، مثل العلم والحياة، هو مفهوم اعتباري، وإلّا اكتسب الواجب ماهيةً وهو أعلى من ذلك. هذه القاعدة بحد ذاتها تخرج مفهوم الله من حيّز المفاهيم الأولى، ولكن لا يوجد أي سبيل لإدراجه ضمن نوعي المفاهيم الاعتبارية. وهكذا فقاعدته الأولى تعضّد مؤاخذاتنا الأولى على رأيه.

ب- قاعدته الثانية هي أن ما يحمل على أكثر من مقولة واحدة، مثل الحركة، مفهوم اعتباري. طبقاً لهذه القاعدة فإن النسبة التي يقول المرحوم العلامة الطباطبائي إنها تطلق على سبع مقولات[1] لا يمكنها أن تكون مقولةً وبالتالي من ضمن المعقولات الأولى. هذا في حين أنه هو نفسه وجرياً على خطى صدر المتألهين يعتقد أن «الاتصاف نسبة بين شيئين متغائرين بحسب الوجود في ظرف الاتصاف»[2]، وهذا كلام لا يمكن الشك فيه[3]. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يجوز اعتبار النسبة مقولةً والحال أن هناك نسبة في الخارج وفي ظرف الطرفين، وكل ما يوجد في الخارج من الممكنات له ماهية ووجود، وهو بعبارة أخرى زوج تركيبي. ولكن

(66)

إذا أُشكِل بأنه يعتقد أن النسبة حتى عندما تتحقق في الخارج ليس لها وجودها المستقل وبالتالي ليس لها ماهيتها[1] فيمكن الرد على ذلك بأن «الإضافة» أيضاً ليس لها وجود خارجي مستقل ومع ذلك تعتبرونها مقولةً وتعتبرون مفهومها من المعقولات الأولى.

أنْ لا يكون للإضافة وجودها المستقل، فهذا أمر صرح به صدر المتألهين في مواطن عديدة. كنموذج لذلك يقول في المجلد الرابع من «الأسفار» (ص 200 ـ 201):

إن کثيراً من الأشياء ما هي موجودة لا بوجود مستقل کمفهوم العرض ومهية [ماهية] الجنس والفصل في البسيط، فإن أمثال هذه الأشياء لا يوجد بوجودات مستقلة، ومن هذا القبيل الإضافات والنسب، فإن وجود الإضافة ليس بخارج عن وجود الجوهر والکم والکيف وغيرها، بل وجودها وجود أحد هذه الأشياء بحيث يعقل منهما معنى غير مهياتها [ماهياتها] معقولاً ذلک المعنى بالقياس إلى غيره، فالسقف مثلاً له وجود وضعي إذا عُقِلَ عُقِلَ معه الإضافة إلى الحايط، وکذا السماء لها وجود واحد وضعي يعقل منه مهية السماء وهي جوهر، ويعقل معها معنى آخر خارج عن مهيتها وهو معنى الفوقية، ومعنى کون الشيء موجوداً أن حدّه ومعناه، يصدق على شيء موجود في الخارج صدقاً خارجياً کما هو في القضايا الخارجية، کقولنا الإنسان کاتب أو أبيض، فالمضاف بهذا المعنى موجود لصدق قولنا: السماء فوق الأرض وزيد أبٌ، وهذا بخلاف الأمور الذهنية،

(67)

کقولنا: الحيوان جنس والإنسان نوع، فإن الجنسية والنوعية وما أشبههما ليست من الأحوال الخارجية التي تثبت للأشياء في الأعيان، بل في الأذهان.

وعليه، ليس للإضافة وجود مستقل، ومع ذلك تعتبر ماهيةً.

بالإضافة إلى ذلك يقول صدر المتألهين في موضع آخر:

ليس للإضافة وجود متقرر کسائر الأعراض حتى يکون حدوثها لشيء وزوالها عنه يوجب انفعالاً وتغيّراً في ذات الموصوف بها أو في صفاته الحقيقية، فإن تجددها وزوالها قد يکون بسبب تجدد أحد الطرفين بخصوصه مع ثبات الطرف الآخر، فإن صيرورة أحد في المجلس ثاني الاثنين بعد ما لم يکن کذلک، وثالث الثلاثة، ورابع الأربعة، وهکذا، لا يوجب تغيراً في ذاته ولا في صفاته المتضررة! فکذلک تغير الإضافات لا يوجب في واجب الوجود تغيّراً لا في ذاته ولا في صفاته الکمالية[1].

بناءً على هذا المبنى نفسه يتاح القول إن الإضافة ليس لها ماهية ولا يمكن أن تعد مقولةً. بالإضافة إلى ذلك وكما أوضح الأستاذ مصباح اليزدي في تعليقته على «نهاية الحكمة»[2] فإن لحوق الإضافة بالواجب وبالمفارقات وبالاعتباريات وبالأمور الذهنية وبشكل عام بالواجب والممكن، وبالذهني والخارجي، وبالموجود والمعدوم، بل بمعدومين اثنين أيضاً، مؤشر على تعذر اعتبار الإضافة من

(68)

المقولات أي من الماهيّات؛ لأنّ القاعدة (1) للعلامة الطباطبائي على الأقل ترى أنها اعتبارية.

وهكذا يتضح أن الملاكات المعروضة لتمييز الأنواع الثلاثة من المعقولات بعضها عن بعض تترك على العموم بعض المسائل الجانبية لهذا التمييز من دون حل، ويجب أن نحاول الإتيان بملاك أوضح يستطيع معالجة أكبر عدد من المشكلات. ولأجل التوفر على مثل هذا الملاك يبدو أن أفضل الطرق هو أن نترك النقاش حول المقولة بمعنى الماهية، إذ يبدو أن مصدر الكثير من المشكلات الجانبية للبحث هو القول بالمقولات العشر باعتبارها ماهيات. كيف يمكن اعتبار الكينونة (الوجود) في الزمان، والكينونة (الوجود) في المكان، والتأثر، والتأثير، والتوفر على وضع خاص بالنسبة للأشياء الأخرى، وارتداء السترة، وامتلاك لون معين، وامتلاك حجم معين، كيف يمكن اعتبارها لوحدها ماهية من الماهيات؟

الماهية تخبر عن ما هو ذلك الشيء، وإذا سألنا عن شيء ما هو؟ لا يمكن لأحد أن يقول في الجواب عن هذا السؤال إنه أبيض أو صلد، أو إنه في المكان، أو إنه كائن في الزمان، أو إنه كبير أو طويل، لأن الكثير من الأشياء قد تتصف بهذه الصفات، وتكون مع ذلك مختلفة بعضها عن بعض نوعياً. والواقع أن هذه الإجابات لا تدل على ماهية الشيء. وبعبارة أخرى الأعراض أو تلك المقولات التسع المشهورة لا تخبر عن الهويات أبداً بل عن صفات الهويات. وبكلمة ثانية وكما فصّلنا في البند الأول من هذا الفصل فإن الأعراض لا تدل على واقع مستقل وعلى واقع تابع، باستثناء المحسوسات

(69)

بالذات لكل حس. إذن، من بين المقولات العشر، لا يمكن أن تكون مقولةً ـ بمعنى الماهية ـ إلّا تلك التي تدل على هذين النمطين من الواقع أي الواقع المستقل والواقع التابع، والباقي ينبغي اعتباره من المعقولات التي هي صفات للواقعيات الماهوية، لكنها هي نفسها تفتقر للماهية. القصد هو أنه ينبغي اعتبار ثمانية مقولات من بين المقولات التسع المشهورة للأعراض، أي مقولات الكم، والإضافة، والمكان، والزمان، وأن يفعل، وأن ينفعل، والوضع، والملك، ينبغي اعتبارها من المعقولات الثانية الفلسفية. وهكذا سيكون لنا مفهومان ماهويان اثنان فقط:

1- المفهوم الماهوي الدال على واقع مستقل.

2- المفهوم الماهوي الدال على واقع تابع.

ومن الجليّ هنا أن النوع الأول يشمل المفاهيم المتعلقة بالجواهر، ويشتمل النوع الثاني المفاهيم المتعلقة بالكيفيات المحسوسة بالذات، أي اللون والصوت والرائحة والطعم ومتعلقات اللامسة بالذات[1]. وهكذا تتكون القاعدة التي تقول: كل مفهوم

(70)

لا يحكي عن واقع مستقل ولا عن واقع تابع، أي كل مفهوم لا يحكي عن ماهية فهو ليس من طبقة المفاهيم الماهوية، لذلك يتعين تصنيفه ضمن المعقولات الثانوية.

والآن يتجلى بكل وضوح المعيار والملاك اللازم لتمييز أنواع المعقولات: كل مفهوم يدل على واقع سواء كان هذا الواقع مستقلاً أو تابعاً، هو معقول أولي، وإلّا فهو معقول ثانوي. وفي الحالة الثانية إذا كان يدل على صفات الواقعيات المستقلة والتابعة العينية فهو معقول ثانوي، وإلّا، أي إذا دلّ على صفات الواقعيات الذهنية فهو معقول ثانوي منطقي.

طبقاً لهذا الملاك ليس من الضروري مثلاً اعتبار مسبوقية المعقولات والمفاهيم بالإدراك الحسي شرطاً ضرورياً لتقدمها ثم نقول في مقام بيان الفرق بين المعقولات الأولى والمعقولات الثانية:

إن المعقولات الأولى مسبوقة بإحدى الحواس بينما لا تُسبَق المعقولات الثانية بالحواس. أي إنها لم تمر بهذه المراحل الثلاثة أو الأربع السابقة حتى يكون للأولى صورة حسية ثم صورة خيالية ثم

(71)

صورة عقلية، بل لا تفترض لها أصلاً صورة حسية وصورة خيالية[1].

لأنه إذا اعتبرها أحدٌ ملاكاً لتمييز المعقولات الأولى عن المعقولات الثانية، فيمكن أن يسأل في هذه الحالة: ضمن أية مجموعة ينبغي إدراج مفهوم «الله» مثلاً؟ وهو مضطر وفقاً للمعيار الذي تبنّاه أن يقول إن مفهوم «الله» من المعقولات الثانية، لأن هذا المفهوم غير مسبوق بصورة حسية! وإذا قال هذا فسيكون معنى ذلك أن مصداق هذا المفهوم ليس شيئاً عينياً له وجوده في الخارج، إذ طبقاً لعقيدته هو نفسه «لا تخرج الأشياء العينية التي لدينا في الخارج من دائرة هذه المعقولات الأولى» (م ن). ولكن طبقاً للمعيار الذي طرحناه، لأن مصداق مفهوم «الله» له عينيته وهو واقع مستقل، لذلك ينبغي اعتبار هذا المفهوم من المعقولات الأولى.

وطبقاً لهذا المعيار أيضاً ستكون جميع المفاهيم الرياضية وحتى مفهوم مبدأ الهوية ومفهوم مبدأ امتناع التناقض، ستكون في عداد المعقولات الثانية الفلسفية. كما يمكن لهذه النتيجة أن توفر تسويغاً معرفياً مناسباً للسؤال القائل: لماذا يمكن إطلاق الرياضيات على الواقع، ويمكنها في الوقت نفسه الكشف عن بطلان القول بأننا وصلنا في الرياضيات إلى اليقين ولكن كان الثمن نبذ الواقع. هذا القول الذي هو من النتائج الباطلة للتمييز غير الصحيح بين قوى الإنسان الإدراكية بعضها عن بعض يمكن استنتاجه أيضاً من الاعتراف بالتصورات أو التصديقات القبلية. وكما أوضحنا

(72)

باختصار في الهامش (19) من هذا الفصل، بعد تفكيك الأداءات الخاصة لقوى الإنسان الإدراكية بعضها عن بعض تفكيكاً كاملاً، فقد يصل أنصار أصالة كل واحدة من ملكتي الحس والعقل بنحو مذهل إلى نتيجة باطلة واحدة، وهذا حقاً من مكتسبات علم المعرفة الحديث عند الغربيين.

المعيار المذكور أعلاه يزيل الخلافات الموجودة حول المفاهيم الثانية الفلسفية وتعيين مصاديقها. على سبيل المثال سيتضح تماماً أن المفاهيم الدالة على موجودات افتراضية ـ خيالية كمفهوم العنقاء يجب تصنيفها على الفئة الأولى من المفاهيم. أو أن المرحوم صدر المتألهين مثلاً اعتبر المعاني الإضافية من قبيل الأبوّة والبنوّة من المعقولات الثانية الفلسفية[1]، بينما ينتقد المرحوم مطهري هذا الرأي ويقول:

... والحال أنه طبقاً للتعريف الذي قدّمناه للمعقولات الثانية الفلسفية، تُعدّ هذه المعاني من المعقولات الأولية... لأن كل واحد منها ماهيات مستقلة يمكن أن تكون موجودة أو معدومة، وكما نعلم فإن القوم اتفقوا على أن مقولة الإضافة إحدى المقولات التسع العرضية[2].

من المعلوم أن هذه المعاني طبقاً لمعيارها من المعقولات الثانية الفلسفية.

(73)

كما يمكن معالجة ورفع كثير من الخلافات حول «وجود العرض في العرض» بسهولة بواسطة هذا المعيار. يطرح الشيخ الرئيس في الفصل الأول من المقالة الثانية من «إلهيات الشفاء» السؤال التالي: هل يمكن وجود العرض في العرض؟ ويجيب: نعم هذا ممكن. ثم يسوق أمثلة على وجود العرض في العرض، ومنها وجود السرعة في الحركة، والاستقامة في الخط، والشكل المسطح في البسيط[1]، ووجود الأعراض في الوحدة والكثرة، ثم يقول:

وهذه، کما سنبين لک، کلها أعراض. والعرض وإن کان في عرض فهما جميعاً معاً في الموضوع، والموضوع بالحقيقة هو الذي يقيمها جميعاً، وهو قائم بنفسه[2].

يُشكِل المرحوم صدر المتألهين على هذه الأمثلة واحداً واحداً ويبدي استغرابه ـ وهو على صواب ـ مما ذهب إليه الشيخ الرئيس[3]. فيقول مثلاً إن العرض ليس صفة الموضوع فقط، والسبب هو أن الموصوف مستغن في قوامه عن الصفة باعتباره نوعاً. وإذن، لا تعتبر الفصول المنوعة أعراضاً لأجناسها. وعليه، ينبغي أن نعتبر السرعة والبطء بالنسبة للحركة فصولاً منوعة وليست أعراضاً. ويمكن أن نضيف إلى مؤاخذة صدر المتألهين أنه: هل يعتبر الشيخُ الرئيس الحركةَ مقولةً أساساً (كما هو الحال عند شيخ الإشراق) ليعتبرها عرضاً؟ بغض النظر عن سائر مؤاخذات صدر المتألهين التي يمكن

(74)

أن تكون واردة في محلها، يتسنى القول إن مثل هذه المعاني كلها متطابقة مع معيارنا للمقولات الثانية الفلسفية، ولا توجد مسألة اسمها «وجود العرض في العرض». طبقاً لما سبق أن قلناه، ما عدا الكيفيات المحسوسة بالذات، تعدّ باقي الأعراض من المعقولات الثانية الفلسفية، وحينما نقول إن الأعراض من العوارض التحليلية للجواهر، فهذا الكلام لا يصدق البتة على الكيفيات المحسوسة بالذات، وإذا صدق على أي عرض جعله بلا شك من فئة المعقولات الثانية الفلسفية. مثلاً الخط والسطح والشكل والعدد والوحدة والكثرة والحركة والسرعة، ستصبح كلها طبقاً لمعيارنا من المعقولات الثانية الفلسفية. وحتى مفهوم الهيولى مثلاً من ضمن هذه المعقولات لأننا نعتقد أنه لا يمتلك وجوداً مستقلاً جوهرياً أو عرضياً (بمعنى الكيف المحسوس بالذات).

(75)
(76)

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

مفهوم الوجود

(77)

 

مفهوم الوجود

يقول المرحوم صدر المتألهين في مقدمة «المشاعر»: إنّ مسألة الوجود أساس القواعد الحِكمية ومبنى المسائل الإلهية، لذلك كل من جهل الوجود سرى جهله على أمهات المسائل الحِكمية والإلهية[1]. ثم يؤكِّد أنّ كلامه يتعلّق بمحكيّ مفهوم الوجود (ما يحكي عنه مفهومُ الوجود) لا بمفهوم الوجود الذي هو معنى انتزاعي وذهني[2]. مَحكيّ مفهوم الوجود مهم في علم الوجود بنفس أهمية مفهوم الوجود في علم المعرفة. إذا كان الجهل بمحكي الوجود يسدّ طريق العلم بالقواعد الحكمية والمسائل الإلهية، فالجهل بمفهوم الوجود يحبس المعرفة البشرية في سور كاذب هو ثمرة هذا الجهل. تاريخ الفلسفة والفكر الفلسفي، وخصوصاً في الحقبة الحديثة في الغرب، خير شاهد على قيام هذا السور الكاذب والحبس المن عندي للمعرفة البشرية في داخله. إن مثل الشخص الذي لا يدرس معرفة الإنسان وإمكانها وحدودها عن طريق التحقيق في هوية مفهوم الوجود كمثل ذلك الحطاب الذي يجمع مقداراً من الحطب ثم يشدّه بالحبل، وحين يريد حمله يجده ثقيلاً فيضعه أرضاً ويفتحه ويعود ليجمع مقداراً آخر من الحطب يضيفه إلى الحطب الأول ويشدّه مرة ثانية، ولأنه لا يستطيع حمله يعيده إلى الأرض ويفتحه،

(78)

ويجمع مقداراً آخر من الحطب يضيفه إلى ما عنده، ويستمر على هذه العملية إلى الأبد. لا يستطيع هذا الحطاب المسكين أن يعالج مشكلته لأنه لم يطرح مسألته بشكل صحيح. الفلسفة التي لا تعالج علم المعرفة عن طريق ظهور مفهوم الوجود والتحقيق في هويته، ستُنتج كمّاً هائلاً من علوم المعرفة المتراكمة بعضها فوق بعض، ولن تصل إلى أية نتيجة. لقد كان قدر علم المعرفة الغربي الحديث خصوصاً في البحث حول إمكانية ما بعد الطبيعة، هو أنه ترك الطريق الطبيعي للمسألة وسار في طريق من عندي آخر لينتهي إلى مكان لا يعالج المسألة الأصلية، بل يضيف إليها مسائل كاذبة أخرى.

حول مفهوم الوجود من منظار علم المعرفة، يطرح أولاً سؤالان:

1- كيف يظهر مفهوم الوجود في ذهن الإنسان؟

2- في أي صنوف المفاهيم المذكورة ينبغي تصنيف هذا المفهوم؟ تناولنا السؤال الأول في الفصل السابق وبيّنا السبيل إلى ظهور مفهوم الوجود. والآن يجب أن نتطرق للسؤال الثاني. ومن الواضح أن هذا السؤال سيرتفع عندما يكون جواب السؤال الأول جاهزاً. وعليه إذا كان ذلك الجواب متيناً قوياً بالقدر الكافي فسينبثق من صميمه جواب السؤال الثاني.

هل مفهوم الوجود من المعقولات الثانية الفلسفية بالمعنى الذي نفهمه نحن منه؟ إن إدراجه إلى جانب المعقولات الثانية الفلسفية الأخرى، وهو ما تعارف عليه الفلاسفة المسلمون[1] فيه كلام ونظر.

(79)

عندما يتحدّث الفلاسفة المسلمون عن مفهوم الوجود ويشيرون إلى استغنائه عن الشرح والتعريف غالباً ما يضعونه في مجموعة واحدة مع مفاهيم من قبيل الوجوب والإمكان. على سبيل المثال، يقول المرحوم صدر المتألهين كما أن لدينا بين التصديقات تصديقات بديهية، لدينا بين التصورات أيضاً تصورات بديهية لا تحتاج إلى تعريف لأن ارتسامها في العقل ارتسام أولي، مثل مفهوم الوجوب والإمكان والوجود[1]. أو الشيخ الرئيس الذي يرى أنه في مستوى واحد مع مفهوم «الشيء الواحد»[2] وأمثاله من حيث إمكانية تصوره التلقائي. هذا في حين أن المرحوم صدر المتألهين نفسه يقول في «تعليقة على إلهيات الشفاء»[3] حول كلام الشيخ الرئيس هذا إنه من غير المناسب الاكتفاء بهذا المقدار من البيان «بل يجب على الحكيم تبيين ثلاثة أمور في هذا المقام: الأمر الأول هو أن الوجود أوّليّ التصور. والأمر الثاني هو أن تعريف الوجود ممتنع. والثالث هو أن مفهوم الوجود أول الأوائل بين التصورات». ثم يقول في معرض بيانه للأمر الثالث إن الوجود من حيث التصور هو أول الأوائل لأنه أعرف الأشياء وأوضحها، فمعرفتنا بأيّ شيء عبارة عن حصول ذلك الشيء لنا، وفي حصوله يوجد مطلقُ الحصول، وإذن فمطلق الحصول أقدم وأعرف من حصول هذا الشيء أو ذاك الشيء، والحصول مرادف للوجود.

(80)

أو ما أشار له الشيخ الرئيس نفسه في «إلهيات النجاة»[1] من أنه لا يمكن شرح الوجود عن طريق شرح الاسم[2]، لأن الوجود المبدأ الأول لكل شرح.

وقد أورد المرحوم مرتضى مطهري وجهين اثنين في تفسير فكرة ابن سينا[3] هذه. ولكن يبدو أن أبلغ تفسير لهذه الفكرة يمكن اقتباسه من ثنايا كلمات الشيخ الرئيس نفسه في رسالة الحدود. حيث يرى هناك[4] أنه من الضروري أن تدل الحدود الحقيقية ـ حسب ما تعلّمنا إيّاه صناعة المنطق ـ على ماهية الشيء التي هي عبارة عن كمال وجوده الذاتي، بحيث تدخل كل محمولاته الذاتية، سواء كانت بالفعل أو بالقوة، في داخل هذه الحدود... وليس قصد الحكماء من التحديد التمييز الذاتي، فقد يحصل التمييز الذاتي من الجنس العالي والفصل السافل... بل قصدهم من التحديد أن ترتسم في النفس صورةٌ معقولة تساوي الصورة الموجودة.

كلام ابن سينا الواضح هذا يوضّح قصده من كلامه الذي قاله في «إلهيات النجاة» حيث يرى أن الوجود هو المبدأ الأول لكل شرح، فمراده من ذلك أن شرح وتعريف أيّ شيء يستلزم التوفر على تصور لوجود ذلك الشيء.

(81)

مثل هذه البيانات والكلمات للحكماء المسلمين تدلّ على أن مفهوم الوجود يتمتع بامتياز خاص بين المفاهيم الثانوية، ولا ثاني له بين المفاهيم من حيث بعض خصائصه.

لقد اعتبروا مفهوم الوحدة من حيث شموله للأشياء والموجودات، أقرب المفاهيم إلى مفهوم الوجود. يكتب أرسطو حول هذين المفهومين:

الوجود والوحدة... أكثر الكليات كليةً[1].

ويقول ابن سينا:

إن الوحدة طبيعةٌ غير متعلقة في ذاتها بشيء من الأشياء، وذلک لأن الوحدة تکون في کل شيء،...أن الواحد شديد المناسبة للموجود،...وکل شيء فإنما يصير هو ما هو بأن يکون واحداً متعيناً [2].

ويكتب المرحوم صدر المتألهين أيضاً حول الوحدة والوجود:

إن الوحدة کالوجود في کل شيء لأنها من الأمور العامة[3].

بل إنه في بعض الحالات يرى حيثية الوجود عين حيثية الوحدة ويقول: في مثل هذه الحالات يعتبر الوجود من حيث كونه وجوداً، وحدةً ومن حيث كونه موجوداً، واحداً، ومن حيث كونه واحداً، موجوداً[4].

(82)

ورغم  كل هذا فمنزلة مفهوم الوجود من الناحية المعرفية أعلى من منزلة مفهوم الوحدة، لأن أولية ارتسام مفهوم الوجود تعني عدم الواسطة (المباشرة) وتعني أيضاً الأولية الفذة المنقطعة النظير، ولا يتمتع أي مفهوم آخر من المفاهيم بما في ذلك مفهوم الوحدة، بهذه المباشرة واللاواسطية والأولية. وفي مقام التمثيل يمكن القول لو انتزعنا في الذهن كل صفات شيء ما عنه ونبذناها جانباً فسيبقى عندنا تصور لوجوده في أذهاننا، ولكن بمجرد نبذه سيعود  الذهن خالياً منه. وبتعبير أعم: إذا نبذنا مفهوم الوجود، وهو أعم المفاهيم، فلن يبقى شيء في الذهن وسيختفي الفكر كله دفعةً واحدة بكل تصوراته وتصديقاته. وحتى مفهوم الشيء أيضاً ليس بمنزلة مفهوم الوجود. إذا اعتبرنا مفهوم الشيء مرادفاً لمفهوم الوجود كان في الواقع اسماً آخر للوجود وليس مثله، فمفهوم الوجود لا مثل له.

في ضوء هذه النقاط، لا يمكن التبسط والقول بأن مفهوم الوجود من المعقولات الثانية الفلسفية، فهذا المفهوم كما اتضح مرافق حتى لكل المفاهيم الثانوية. ليس الوجود صفة من صفات الأشياء وعلى عرضها، فلا يمكن القول إن «ألف» معلول، وحادث، وبالفعل، وواحد، وفي المكان، وفي الزمان، وله إضافة، وممكن، وبارد، وثقيل، وطويل، وأبيض، و...، وموجود، لأن الوجود مرافق لكل واحد من هذه الصفات، بينما لا ترافق أية صفة من تلك الصفات كل الصفات الأخرى.

يناقش الفارابي هذه الفكرة بطريقة لافتة فيقول في المسألة 16 من رسالته «جوابات لمسائل سئل عنها»: هل القضية التي نقول

(83)

فيها إن الإنسان موجودٌ، لها محمولٌ أم ليس له محمول؟ ويشير إلى أن القدماء والمتأخرين اختلفوا في هذه المسألة، فقال بعضهم لها محمول وقال بعضهم الآخر ليس لها محمول.

وعندي أن کلا القولين صحيحان بجهة وجهة؛ وذلک أن هذه القضية وأمثالها إذا نظر فيها الناظر الطبيعي الذي هو فطِنٌ في الأمور، فإنها غير ذات محمول، لأن وجود الشيء ليس هو غير الشيء، والمحمول ينبغي أن يکون معنى يحکم بوجوده أو نفيه عن الشيء؛ فمن هذه الجهة ليست هي قضية ذات محمول. وأما إذا نظر إليها الناظر المنطقي، فلأنها مرکّبة من کلمتين[1] هما أجزاؤها وأنها قابلة للصدق والکذب، فهي بهذه الجهة ذات محمول[2].

كلام الفارابي هذا في منتهى الوضوح. ليس مفهوم الوجود محمول حقيقي، لأنه لا يستطيع أداء وظيفة المحمول الحقيقي مقابل موضوعه. إنه لا يستطيع تثبيت صفة من الصفات أو كمال من الكمالات الوجودية لموضوعه، والحال أن وظيفة أي محمول في أية قضية موجبة تثبيت صفة إيجابية للموضوع. ينقل توشي هيكو إيزوتسو عن شخص اسمه إن. ريشر (N. Rescher) قوله:

إصرار الفارابي على أن إسناد الوجود إلى الشيء لا يضيف شيئاً إلى خصوصياته ولا يمنح أية معلومات جديدة عنه، متقدمٌ وسابق بنحو مؤثر على عقيدة كانط[3].

(84)

مفهوم الوجود من هذه الناحية يختلف عن كل المفاهيم الأخرى وكذلك عن كل المفاهيم الثانوية الأخرى بما في ذلك مفهوم الوحدة. مفهوم الوجود من هذه الحيثية أيضاً منقطع النظير بين المفاهيم، ولا ريب في أن القارئ يعلم بأن هذه الحيثية غير حيثية أولية الارتسام التي يُعدّ مفهوم الوجود من هذه الحيثية أيضاً منقطع النظير.

بالإضافة إلى ذلك، لمفهوم الوجود خصوصية أخرى تختص به دون سواه ولا يشاركه فيها أي مفهوم آخر. بل إن هذه الخصوصية الخاصة تنبع من خصوصيته التي أشرنا لها أعلاه. ولأجل اكتشاف هذه الخصوصية ينبغي التنبه للقضايا الثنائية نظير قضية «الإنسان موجودٌ». قلنا إن الحق مع الفارابي فالموجود ليس محمولاً حقيقياً. والآن يطرح السؤال: إذا لم يكن الوجود محمولاً حقيقياً، إذن أية قضايا هي القضايا الثنائية؟ والجواب هو أن في القضايا الثنائية ـ وخلافاً للتصور الشائع ـ موضوع وليس محمول، والمحمول الحقيقي لهذه القضايا هو في الواقع موضوعها. وذلك كما لو قلنا مثلاً «الجسم موجود» فالقضية الأصلية في الحقيقة هي: «الوجود جسمٌ». أو عندما نقول «الإنسان موجود» فالقضية الأصلية هنا هي: «الوجود إنسان». حكم هذه القضية ليس حكماً بالتضمّن ولا حكماً بالاندراج، لأننا عندما نقول: «الوجود إنسان» لا نقصد أن الإنسانية صفة للوجود، كما لا نقصد أن الوجود فردٌ من أفراد الإنسان، حتى

(85)

يكون حكمه حكماً بالاندراج. بل إن المراد في مثل هذه القضايا ليس أساساً ثبوت شيء لشيء، بل ثبوت الشيء فقط. إذن، توجد هذه الخصوصية في جميع القضايا الثنائية التي لا يكون الوجود فيها على الإطلاق صفةً من صفات موضوعاتها، وثبوت الوجود للموضوع وحمله على الموضوع هو في الحقيقة عبارة عن ثبوت ذلك الموضوع، وهنا لا يوجد اتصاف أساساً إلّا بحسب التحليل العقلي.

من هنا تنبثق للوجود خصوصية أخرى، وهي أن القضايا التي يجري فيها الإخبار عن موجودية شيء هي قضايا فريدة فذة (لا نظير لها) لا تتألف بأيّ مفهوم آخر. فأية قضية حملية نتصورها إما 1- هوهوية، أو 2- محمولها جزء من ذات الموضوع، أو 3- محمولها محمول بالضميمة، أو 4- محمولها انتزاعي أو كما يقال محمول خارجي. عندما نخبر عن موجودية شيء، فلأن الوجود كما قلنا هو موضوع هذا الإخبار وهذا الحكم، فمهما كان محمول هذا الموضوع، كانت القضية المؤلَّفة خارج قضايا هذه الصنوف الأربعة.

تدل هذه السمة الأخيرة على أن من المتعذر حتى أن نعتبر مفهوم الوجود من ضمن المفاهيم «الخارجية المحمول» (الانتزاعية حسب المصطلح الدارج)، وعليه لا يستطيع أحد اعتبار مفهوم الوجود من المفاهيم الثانوية الفلسفية بالمعنى الذي ذكرناه لهذا المصطلح في هذا الكتاب. مفهوم الوجود مفهوم فريد من هذا الحيث أيضاً، أي من حيث نوع مفهوميته. أي إنه ليس بالمعقول الأول، ولا بالمعقول

(86)

الثاني المنطقي، ولا بالمعقول الثاني الفلسفي، لذلك لا يمكن عداده إلى جانب مفاهيم مثل الإمكان والوجوب وغيرهما من المعقولات الثانية الفلسفية.

وستكون نتيجة البحث أن مفهوم الوجود لا يحصل عندنا بالطرق التي عددناها ونقدناها في الفصل السابق، وليس هذا وحسب بل ولا يكتسب حتى عن طريق الانتزاع أو التحليل العقلي مثلاً. الطريق إلى اكتساب مفهوم الوجود هو نفسه الذي سبق أن ذكرناه. وعليه، طالما كانت خصائص هذا المفهوم الفريدة الفذة، سواء من حيث الاكتساب أو من حيث أولية الارتسام، أو من حيث نوع المفهومية، قد تجلت وبانت الآن إلى حدّ ما، لذا سنسلط الضوء على شذرات من سماته وخصوصياته الأخرى التي ناقشها الحكماء المسلمون بإسهاب في نصوص الفلسفة الإسلامية، وذلك من زاوية تأثير هذه السمات على بحثنا الحالي الذي يهدف قبل كل شيء إلى إجلاء وإيضاح كيفية إمكان المعرفة الماورائية (الميتافيزيقية).

(87)
(88)

 

 

 

 

 

الفصل الخامس

الاشتراك المعنوي في مفهوم الوجود

(89)

 

الاشتراك المعنوي في مفهوم الوجود

قبل كل شيء نلفت انتباه القارئ الكريم إلى أنه قد اتضح أننا عندما نتحدث عن حمل مفهوم الوجود على شيء فيجب أن لا نأخذ مصطلحات الحمل والمحمول بمعانيها المألوفة الدارجة. والواقع أننا هنا نسير على نهج جمهور الفلاسفة المسلمين ونتحدث عن حمل مفهوم الوجود على الماهيات مثلاً، والحال أنه اتضح هنا أولاً أن مسار التأليف يجب أن يكون على نحو ردّ الفعل، وثانياً لا يتحقق هنا أساساً ثبوتُ شيء لشيء، بل ما يتحقق هو ثبوت الشيء.

المراد من الاشتراك المعنوي في مفهوم الوجود هو أن معنى لفظ الوجود معنى واسع رحيب يطلق على كل شيء، ويطلق بمعنى واحد لا بمعانٍ متعددة بتعدد الموضوعات. ذهب جميع الفلاسفة المسلمين إلى القول بالاشتراك المعنوي لمفهوم الوجود. وعلماء الكلام أيضاً كانت لغالبيتهم مثل هذه العقيدة، لكن علياً بن اسماعيل بن إسحاق من بين المتكلمين، والمعروف بكنيته ولقبه أبي الحسن الأشعري (توفي سنة 324 هـ ق في بغداد) وهو من ذرية أبي موسى الأشعري، وقد أسّس للمذهب الكلامي الأشعري، يعتقد حسب رواية القاضي عضد الدين عبد الرحمن الإيجي (توفي سنة 756 هـ

(90)

ق) في «شرح المواقف» (المجلد 2، ص 113)، ورواية مسعود بن عمر بن عبد الله (= سعد الدين التفتازاني، 712 ـ 793 هـ ق) في «شرح المقاصد» (المجلد 1، ص 307)، يعتقد حسب روايتيهما بأن مفهوم الوجود مشترك لفظي[1]. يقول القاضي عضد الدين الإيجي في كتابه المذكور أعلاه (ج 2، ص 127) إن هناك في هذا الخصوص مذهباً ثالثاً أيضاً. وينسب هذا المذهب أو الرأي الثالث لشخص اسمه الكشّي وأتباعه. مفهوم الوجود طبقاً لهذا الرأي مشترك لفظي عند إطلاقه على الواجب وعلى الممكن، ومشترك معنوي عند إطلاقاته على الممكنات. ثم يصف القاضي عضد الدين الإيجي هذا الرأي بأنه سخيف.

وقد قالوا إن سمة الاشتراك المعنوي لمفهوم الوجود سمة قريبة من البديهية[2]. ومع هذا قدم الحكماء أدلة وقرائن لإثبات صحة هذا الادعاء. ولكن، يلوح أن أفضل إيضاح لهذه الفكرة يتأتى أيضاً من صميم القضايا الثنائية. لأن مفاد مثل هذه القضايا

(91)

ثبوت الشيء لذا فإن مطلب هل البسيط يدل على وحدة معنى الوجود عند إطلاقه على الأشياء. وبعبارة ثانية لأن المفاهيم تثير الكثرة والمباينة، وعلى حد تعبير الشيخ الرئيس «الوجود الخاص للشيء»[1] مختص به ويختلف عن الوجود الخاص لأي شيء آخر، لذا فما يجده العقل من تناسب وتشابه بين الأشياء وما يطرحه في القضايا الثنائية أو مطلب هل البسيط، يجب أن يكون ناجماً فقط عن «الوجود الإثباتي» للأشياء. وعلى ذلك، لو اعتبر شخصٌ مفهوم الوجود مشتركاً لفظياً، وطرح مطلب هل البسيط حول الأشياء، أو ألّف حول الأشياء قضية ثنائية، يكون قد وافق عن غير علم وعن غير قصد أن الوجود مفهوم مشترك. إذ على افتراض صحة رأيه، فلن يبقى للأشياء من شيء سوى الوجود الخاص بكل واحد منها، وهو طبعاً لا يستطيع طرح مطلب هل البسيط في خصوص الوجود الخاص بكل شيء، لأن مطلب هل البسيط وجوابه سيهبط في هذه الحالة إلى مستوى الهوهوية. على سبيل المثال، عندما نسأل عن الوجود الخاص لكل شيء هو جوهر أو ممكن، هل هو موجود؟ فسيكون هذا السؤال بالنسبة للجوهر: هل الجوهر جوهر؟ إذ بناءً على الفرض  في خصوص الجوهر، ليس معنى الوجود سوى

(92)

الجوهر. أو في خصوص الإمكان، سيكون الوجود بمعنى الإمكان فقط ولا غير. وكذا الحال بالنسبة لأي شيء آخر. إذن، من يطرح هل البسيط حول شيء، يكون قد قال باشتراك مفهوم الوجود لا إرادياً ومن دون أن يدري.

بالإضافة إلى هذا، يتسنى استنباط الاشتراك المعنوي لمفهوم الوجود من كونه أولي التصور. إذا كان مفهوم الوجود مشتركاً لفظياً، فسيكون وجود كل شيء واحداً مع وجوده الخاص أي مع حقيقته، وسيلزم طبقاً لكون مفهوم الوجود أولي التصور، أن يكون الوجود الخاص لكل شيء أولي التصور أيضاً، والحال أن بطلان هذه النتيجة واضح[1].

الاشتراك المعنوي لمفهوم الوجود، والذي يعني وحدة معنى مفهوم الوجود، يجمع داخل سور واحد كل ما يتصف بالموجودية. يمكن النظر للأشياء الموجودة داخل هذا السور الواحد، وهو سور الوجود، من زاويتين:

1- من زاوية وجوداتها الخاصة، وهي من هذه الزاوية أحدها حصان، والثاني حجر، والثالث إنسان، والرابع شجرة، وأحدها محسوس والآخر غير محسوس، وأحدها بسيط والآخر مركب، وإلى آخره.

(93)

2- من زاوية وجودها، أي فقط من حيث كونها موجودة. هذه الحيثية الثانية تفتح الطريق للبحث عن كل هذه الوجودات الخاصة من جهة واحدة، جهة لا تؤخذ فيها ماهيات الأشياء (وجوداتها الخاصة) بنظر الاعتبار، بل يؤخذ بنظر الاعتبار معنى واحد تشترك فيه كل هذه الأشياء على الرغم من وجوداتها الخاصة المتفاوتة. من باب المثال يمكن إدراج أشياء مختلفة من حيث اتصافها بالحركة داخل سور واحد والبحث حولها من هذه الزاوية فقط. بل إن هذا الشيء يحصل في جميع العلوم أساساً، فهناك علم يدرس الأشياء من حيث خواصها الفيزياوية، وهناك علم آخر يدرسها من حيث سماتها الكيمياوية. والاشتراك المعنوي لمفهوم الوجود يوفر محوراً واحداً للبحث حول الأشياء، محوراً لا يمكن أن يوفره سوى مفهوم عام مثل مفهوم الوجود. من دون هذا المحور، سوف لن يستطيع أي سور نبنيه حول أي مفهوم، أن يجمع سوى عدد محدود من أشياء العالم في داخله، ولا يمكنه على الإطلاع أن يجمع في داخله كل أشياء العالم. ومرة أخرى نكتشف أن مفهوم الوجود مفهوم فذ فريد من هذه الزاوية، وبوسعه إنتاج علمٍ واحد يتولى البحث في كل الوجود.

ومن هنا يتجلى أن الذين أفرغوا مفهوم الوجود من سمته الفذة هذه، وهم من قبيل علماء الكلام الذين قصدوا من فعلهم هذا تنزيه

(94)

الله وحراسة التعالي والتسامي الإلهيين، أو من قبيل كانط الذي تغيّا من ذلك حماية حدود الإيمان الخالي من الركائز العقلية، وكذلك الدفاع ـ حسب زعمه ـ عن الرفاه العام[1]، وبذلك قيّدوا إطلاقات مفهوم الوجود بالموجودات الممكنة أو حتى بالموجودات المحسوسة، ثم انطلقوا من مقدمتهم الفاسدة هذه نحو تعطيل العقل البشري وسلبه القدرة على المعرفة في خصوص بعض الموجودات، أقول إن هؤلاء عجزوا عن معرفة هذه السمة المهمة والمنقطعة النظير لمفهوم الوجود، مع أنهم ربما حظوا بإقبال «عام» وشهرة معينة لفترة مؤقتة من الزمن ولأسباب غير معرفية. والمحصلة الساخرة لهذه الغفلة تدل على أنه كيف يمكن الوصول إلى نتيجة واحدة عن طرق خاطئة متباينة بعضها عن بعض.

وهنا لا أستطيع حقاً أن أمرّ مرور الكرام على هذه النقطة المهمة. المسألة هي: لماذا فكّر بعض المفكرين في الشرق والغرب بطريقة أدت إلى تعطيل العقل؟ لقد كانت هناك ثلاثة أنواع من الأفكار تعدّ السبب الرئيس في صناعة هذه النتيجة المدهشة:

أولاً: الفكرة التي تكوّنت بين الإفلاطونيين المحدثين من قبيل سلسوس (Celsus، النصف الثاني من القرن الثاني للميلاد) وماكسيموس الصوري (Maximus of Trye، حوالي 180 ميلادية)،

(95)

وبين الفيثاغوريين الجدد مثل نومينوس من أهل آپاميا (Numenius of Ampamea، النصف الثاني من القرن الثاني للميلاد)[1] وآخرين غيرهم حول التعالي المطلق للإله الأول. وقد تبنّى إفلوطين آراءهم بعد ذلك وجعلها أساس نظرية الصدور الإفلاطونية المحدثة. ثانياً: المنحى الكلامي لأبي الحسن الأشعري مؤسس المذهب الكلامي الأشعري. وثالثاً: الآراء المعرفية الفطرية لدى كانط. ومن الجلي أن هذه الأنماط الفكرية الثلاثة وصلت إلى نتيجة واحدة عن ثلاثة طرق مختلفة وربما متعارضة أحياناً، والنتيجة التي وصلوا إليها هي تعطيل العقل من الناحية المعرفية في خصوص معرفة الله.

كل هذه الأنماط الفكرية الثلاثة تنتهي، بذرائع شتى، إلى استبعاد العقل وإقصائه. وفي كلّ هذا دلائل على عدم معرفة السمات الفريدة لمفهوم الوجود.

إطلاق مفهوم الوجود إطلاقاً تشكيكياً على الواقع

كما قلنا، بإزاء ظهور أي تصور كامل عن أي شيء، يتكون مفهوم الوجود في أذهاننا. ولا يمكن حمل مفهوم الوجود على الموجودات بنحو متواطئ، بل إن دلالته عليها دلالة تشكيكية بالضرورة. والمراد من التشكيك هو أن صدق مفهوم الوجود على الموجودات هو على

(96)

سبيل الأولية والتقدم والآخرية والتأخر. من بين مصاديق المفاهيم، لبعضها وجود مستقل ولبعضها الآخر وجود تابع، وبعضها الآخر صفات ونسب الوجودات المستقلة. يستدعي التصورُ الكامل لكل واحد من هذه، من حيث كونه تصوراً لأمر معين ومشخص، يستدعي مفهوم الوجود. وعليه يطلق الوجود في موطن ما على موجود مستقل، وفي موطن آخر على موجود تابع، وفي مواطن أخرى يطلق على أمور هي صفات الموجودات المستقلة أو النسب والعلاقات الناتجة عن وجود الموجودات المستقلة. على سبيل المثال، توجد في حديقة ما شجرة صنوبر وتوجد أيضاً المسافة التي تفصلها عن شجرة الإسفندان، ويوجد أيضاً شيء يمكن تسميته بالقوة. يطلق الوجود على كل هذه الموجودات التي لها كمالات متباينة تزيد أو تنقص، وهو في موضع ما بمعنى الوجود المستقل، وفي موضع آخر بمعنى الوجود التابع، وفي موضع آخر بمعنى الوجود الإضافي أو الوجود بالقوة أو بالفعل أو غير ذلك. وقد اختاروا لهذا النوع من الإطلاق المترافق مع تقدم المدلولات وتأخرها، وحاجتها واستغنائها، وقوتها وفعلها، ووجوبها وإمكانها، اختاروا له اسم الإطلاق التشكيكي. ذلك أن اختلاف المدلولات هنا قد يصل أحياناً إلى حد يوهم بأن دلالة اللفظ على كل هذه المدلولات المختلفة من نوع الاشتراك اللفظي. ومن جهة ثانية قد يوهم الوجه المشترك

 

(97)

لهذه المدلولات على أن هذه الدلالة من النوع المتواطئ. الدلالة التشكيكية اسم يطلق على دلالة توهم بكلا الأمرين لكنها ليست أيّاً منهما. أي إن مفهوم الوجود ليست دلالته على نحو الاشتراك اللفظي ولا على النحو المتواطئ. وقد ذهب الفلاسفة المسلمون حتى إلى القول بأن اختلاف الصدق التشكيكي يعود إلى الزيادة والنقصان والشدة والضعف، فتحدثوا مثلاً عن مراتب شدة الوجود وضعفه[1]. بيد أن الحقيقة هي أن الزيادة والنقصان صفات للكليات، والشدة والضعف صفات للكيفيات، ولا يمكن نسبة هذه الصفات لحقيقة الوجود إلّا من باب التسامح. لهذا يقول الشيخ الرئيس ابن سينا وهو على حق:

الوجود بما هو وجود لا يختلف في الشدة والضعف، ولا يقبل الأقل والأنقص، وإنما يختلف في عدة أحکام وهي: التقدّم والتأخر، والاستغناء والحاجة، والوجوب والإمکان[2].

وقد اعتبر البعض هذا القول بمعنى نفي التشكيك عن مفهوم الوجود، وذكر البعض الآخر مثل صدر المتألهين وجهاً له. يقول صدر المتألهين في شرحه لهذا المقطع من «إلهيات الشفاء» أولاً إن ظاهر كلام الشيخ الرئيس هذا يتناقض مع ما أسسنا له وأحكمنا

(98)

بيانه في مواضع مختلفة من كتبنا، ذلك أننا قلنا إن وجود الجوهر أقوى وأشد من وجود العرض، ووجود الجوهر المفارق أقوى من الجوهر المادي. ثم يحاول تبرير كلام الشيخ، ويروي فقرة من مقولات الشفاء حول عدم الاختلاف في طبيعة الكمّ من حيث الشدة والضعف والزيادة والنقصان، ويقول إن مراد الشيخ الرئيس هو أن مفهوم الوجود ـ من حيث كونه مفهوماً عاماً وبديهي التصور ـ لا يقبل الشدة والضعف، بالرغم من أن الوجودات ذاتها وفي نفسها تكون شديدة وضعيفة وكثيرة وقليلة بالمقارنة إلى بعضها[1].

لكن الحقيقة هي أن الشيخ الرئيس في تلك الفقرة من مقولات الشفاء ينفي بجدّ تشكيكية الكم، فهو يكتب:

فيجتمع من هذا کله أنْ لا تضاد في الکم. وکذلک ليس في طبيعته تضعّف واشتداد ولا تنقّص وازدياد. ولست أعني بهذا أن کميةً لا تکون أزيد وأنقص من کميةٍ، ولکن أعني أن کمية لا تکون أشد وأزيد في أنها کمية من أخرى مشارکةٍ لها، فلا ثلاثة أشد ثلاثيةً من ثلاثةٍ[2].

من الواضح أن الشيخ هنا يريد نفي التشكيك عن الكمّ، طبعاً لا عن المفهوم العام للكمّ بل عن مصاديقها. المثال الذي يسوقه

(99)

الشيخ في هذه الفقرة بليغ بما فيه الكفاية في هذا المضمار. إذن لا يمكن بشهادة هذه الفقرة ودلالتها تبرير كلام الشيخ الرئيس في الإلهيات. لكن الشيخ نفسه في موضع آخر من «إلهيات الشفاء»[1] يقول إن الوجود ليس جنساً ولا يحمل بالتساوي على ما يقع تحته، لأنه معنى واحد تشترك فيه المدلولات على نحو التقديم والتأخير: "إنه وإن لم يکن الموجود، کما علمت، جنساً، ولا مقولاً بالتساوي على ما تحته، [لا يحمل بالتساوي على ما تحته]، فإنه معنى متفق فيه على التقديم والتأخير". ويضيف إن الوجود يصدق أولاً على الجوهر ثم على غير الجوهر. وعليه فلا ضرورة لتبرير كلام الشيخ الرئيس حول التشكيك. لقد تحدث الشيخ يقيناً عن الصدق التشكيكي وساق مثالاً على ذلك من الجوهر وغير الجوهر. إذن، نفي الشدة والضعف والزيادة والنقصان في الوجود صحيح حسب المصطلح ولا يحتاج إلى تبرير. وقد استبعدوا هذا النفي بعد ذلك بقليل من التسامح وسمّي توفراً على كمالات أكثر، وشدةً، وفي مقابل الشدة ضعفاً. وعلى ذلك يتسنى حتى أن نقول إن دقة الشيخ الرئيس في نفي الشدة والضعف والزيادة والنقصان جديرة بالإعجاب لا بالتبرير.

مسألة تشكيكية صدق الوجود كانت معلومةً لدى أرسطو أيضاً

(100)

بطبيعة الحال. ويكفي لأجل معرفة ذلك مراجعة الفصل السابع من كتاب دلتا من «ما بعد الطبيعة»  على سبيل المثال. وبالتالي فهي ليست مسألة ظهرت في الفلسفة الإسلامية. وعليه، يتبين كم هي بعيدة عن الواقع نسبة نظرية تباين الموجودات للمشائيين، والتي نسبها لهم على سبيل المثال الحاج الملا هادي السبزواري (المنظومة، ص 5 و55)، والمرحوم العلامة الطباطبائي (نهاية الحكمة، ص 18).

التفطن إلى صدق مفهوم الوجود على الواقعيات صدقاً تشكيكياً يفتح هو الآخر ـ كما هو الحال بالنسبة للاشتراك المعنوي ـ طريقاً واسعاً نحو واقعيات عالم الوجود، ويجعلها ـ أينما كانت ومهما كانت هويتها ـ من حيث هي موجودة معروضةً لصفات تختص بحيثيتها هذه. الغفلة عن هذه الخصوصية من خصوصيات الوجود يمكنها أن تفضي إلى نتائج بعيدة عن الواقع كل البعد. يدلل كانط وأتباعه بإنكارهم لإمكانية علم واحد اسمه الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) على أنهم لم يكونوا يعلمون شيئاً عن خصوصية الوجود هذه. فمن يكن على اطلاع على خصوصية الوجود هذه لن يحتاج أبداً إلى ترخيص عبور من المحسوس إلى اللامحسوس من أجل مناقشة موجودية الله أو فعليته أو عليته. أينما كان هناك موجود، واستطاع العقل قبول وجوده، كان بالإمكان بكل سهولة البحث حول صفاته من حيث

(101)

كونه موجوداً ومعروضاً لصفات خاصة. فإذا أخذنا صفة الوحدة مثلاً: الوحدة ليست موجوداً مستقلاً، وإذا نسبت إلى شيء لم تدخل في ماهية ذلك الشيء، وعلى حدّ تعبير الشيخ الرئيس «الوحدة في الماء غير الماء، وفي الناس غير الناس،...وکل شيء فإنما يصير هو ما هو بأن لا يکون واحداً متعيناً»[1]، وإذن فهي من صفات الوجود الخاصة. والحال لنفترض أن شخصاً استطاع إدراك وجود الله، مثل هذا الشخص سيستطيع بكل سهولة التحدث عن وحدة الله، وأن ينسب له الوحدة، والترخيص الوحيد الذي يحتاجه البحث هنا هو خصوصيتا التشكيك والاشتراك المعنوي للوجود.

عندما صنّف كانط مفهوم الوجود ضمن المفاهيم الفطرية والمحضة للفاهمة، فقد كشف لا فقط عن أنه لا يعرف مصدر نشوئه، بل وغفل أيضاً عن تفاوت هذا المفهوم عن سائر المفاهيم. وتسري هذه الغفلة والجهل فوراً إلى كل نظرته لعالم الوجود، ويحددان عالمه النظري داخل سور ضيّق هو سور المحسوسات، وبذلك سينخرط لا إرادياً وبنحو هزلي في عداد الذين يرومون على حدّ ظنه القضاء على الرفاه العام عن طريق حصر اليقين بالمجال العملي. لقد عمل كانط محقاً بتوصيته حيال هؤلاء وقد استعان بأدلة مغالطية[2].

(102)

طريق ظهور مفهوم الوجود الذي تحدثنا عنه بالتفصيل، إلى جانب تشكيكية صدقه ومعنوية اشتراكه، يفتح الطريق لعلم ما بعد الطبيعة، ويوضح لنا بكل جلاء كيفية إمكانه، بحيث أينما صدق مفهوم الوجود صدقت صفاته الخاصة به، وهذا ما يجعل العلم بما بعد الطبيعة ممكناً. للشيخ الرئيس ابن سينا فقرة جد ممتازة في هذا الخصوص. يقول هذا الفيلسوف الجليل في «إلهيات الشفاء» حول مفهوم الوجود تتمةً للفقرة التي نقلنا صدرها أعلاه ضمن النص المرتبط بالهامش رقم 95 من هذا الفصل:

هو [الموجود] معنى واحد على النحو الذي أومأنا إليه فتلحقه عوارض تخصّه، کما قد بيّنا قبل، فلذلک يکون له علم واحد يتکفل به. کما أن لجميع ما هو صحّيّ علماً واحداً [1].

(103)

فهرس المصادر والمراجع

1. ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، مع شرح المحقق الطوسي، طهران، دفتر نشر کتاب، 1403 هـ ق.

2. ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، تصحيح محمود شهابي، طهران، انتشارات جامعة طهران، 1339 هـ ش.

3. مطهری، مرتضی: مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، طهران، انتشارات صدرا، 1376 هـ ش.

4. السبزواري، الحاج الملا هادي: شرح غرر الفرائد أو شرح منظومه حکمت، إشراف مهدی محقق وتوشیهيکو ايزوتسو، طهران، انتشارات جامعة طهران، 1360 هـ ش.

5. صدر المتألهين، محمد بن إبراهيم قوامي شيرازي: الحکمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، تصحيح محمد رضا مظفر، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1982م.

6. الطباطبائي، السيد محمد حسين: نهاية الحکمة، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1362 هـ ش.

7. مصباح اليزدي، محمد تقي: تعليقة علی نهاية الحکمة، قم، مؤسسة در راه حق، 1405 هـ ق.

8. فارابي، أبو نصر محمد: انديشه ­های اهل مدينه فاضله (آراء أهل المدينة الفاضلة)، ترجمة سيد جعفر سجادي، طهران، کتابخانه طهوری، 1361 هـ ش.

9. الفارابي، أبو نصر محمد: جواباتٌ لمسائل سُئِل عنها، تحقيق جعفر آل ياسين، في: رسالتان فلسفيتان، بيروت، دار المناهل، 1987 م.

10. ابن سينا: رساله نفس، تصحيح موسی عميد، طهران، سلسلة انتشارات انجمن آثار ملّی، 1331 هـ ش. 

11. ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، مع شرح المحقق الطوسي، طهران، دفتر نشر کتاب، 1403 هـ ق.

12. ابن سينا: الشفاء، الإلهيات، تحقيق: الأب قنواتي وسعيد زايد، قم، منشورات مکتبة آية الله العظمی المرعشي النجفي، 1404 هـ ق.ابن سينا، التعليقات.

13. اللوکري، أبو العباس فضل بن محمد: بيان الحق بضمان الصدق، تحقيق إبراهيم ديباجي، طهران، ايستاک، 1373 هـ ش.

14. ابن سينا: كتاب الحدود، في: رسائل الشيخ الرئيس أبي علي الحسين بن عبد الله بن سينا، قم، انتشارات بيدار، 1400 هـ ق.

15. الفخر الرازي: المباحث المشرقية، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، بيروت، دار الکتاب العربي، 1990 م.

16. Aristotle: The Complete Works of Aristotle: The Revised Oxford Translation, Tow Vols. Edited by Jonathan Barnes, Princeton University Press, Princeton, New Jersey, 1984

(104)