أدوار علم الكلام عند الامامية (1)

أدوار علم الكلام عند الامامية (1)

تأليف

السيد هاشم الميلاني

مقدمة

(1) لم ينفكّ الإنسان منذ نشأته على هذه المعمورة من آراء ومبانٍ فكريّةٍ يعتقدها ويتمسّك بها، وهذه الرؤى والأفكار هي التي تُكوّن منظومة الإنسان المعرفيّة، وهي بمثابة المحرك الوحيد لجميع فعاليات الإنسان وأنشطته الماديّة والمعنويّة، فتراه ينافح ويدافع عمّا التزم به واعتقده صحيحًا، أكانت أعمالًا وصناعاتٍ أو رؤًى ومعتقداتٍ.

(2) تعدُّ المعارف الدينيّة الخاصّة بالمبدأ والمعاد من أهمّ معتقدات الإنسان؛ إذ بها النجاة والخلاص من الهلاك، وهذه المعارف في عملية صيرورتها وتكوّنها واجهت من جهةٍ خصومًا أشدّاء، ومن جهةٍ أخرى سوءَ فهمٍ أو التباساً من قِبل الصفّ الداخلي، ممّا كان سببًا لقيام أرباب الدين بعملية الدفاع ورفع الستار بموازاة عملية التأصيل والتبيين والدعوة.

هذه العمليّة تسمّى في العالم الإسلامي بعلم الكلام المتكفّل بتبيين المعارف الدينيّة العقديّة والدفاع عنها، وهو وإن تأخّر في الظهور كمصطلحٍ لكنّه مورس منذ بزوغ الدعوة الإسلامية على نطاقٍ واسعٍ.

(3) إنّ المصدر الأوّل لعلم الكلام الإسلامي هو القرآن الكريم، إذ تكفّل برسم المعالم العامّة للعقيدة الصحيحة التي يجب الالتزام بها لكل مسلمٍ.

المصدر الثاني هو الرسول الأمين حيث تعتبر سيرته القولية والفعلية العقدية شرحًا وتوضيحًا وبسطًا للمصدر الأول.

المصدر الثالث هو العترة الطاهرة ابتداءً من سيّدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الذي انتهل من ذلك المنهل العذب، وارتوى منه إثر التزامه الدائم به منذ نعومة أظفاره وإلى وقت انتقال الرسول

الأعظم (ص) إلى الملأ الأعلى.

كان (ع) يقول: (وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقربة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليدٌ يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويُمسّني جسدَه، ويُشمّني عرفَه، وكان يمضغ الشيء ثم يُلقمنيه، وما وجد لي كذبةً في قولٍ ولا خطلةً في فعلٍ)...

ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه، يرفع لي في كل يومٍ عَلَماً من أخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنةٍ بحراءَ فأراه، ولا يراه غيري، ولم يجمع بيتٌ واحدٌ يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (ص)، فقلت: (يا رسول الله، ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان، قد أيس من عبادته، إنك تسمع ما أسمع، وترى ما أرى، إلا أنّك لست بنبيٍّ، ولكنك وزيرٌ، وإنّك لَعَلى خيرٍ) [1].

وممّا يؤيد مصدرية العترة الطاهرة للعقائد الإسلاميّة وعلم الكلام، حديث الثقلين المتواتر الدال بألفاظه المختلفة والمتقاربة على أنّ رسول الله (ص) قد خلّف في الأمة كتاب الله والعترة، وأنَّهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وأنّ المتمسك بهما لن يضلّ أبدًا [2].

المصدر الرابع هو العقل القويم حيث إنّه حجة الله الباطنة، وكما أن الحجج الأولى الظاهرة يمكن أن تُغيَّب وتُقهر من قِبل المناوئين  - كما يشهد بذلك التاريخ - فهذه الحجة الباطنة يمكن لها أن تُقهر وتُغيَّب أيضًا من قبل الأهواء والآمال فتتصدأ مرآتها ويخبو نورها، وهنا يأتي دور الحجة الظاهرة لترفع الستار وتنير المصباح.

وقد أشار أمير المؤمنين (ع) إلى هذه الحالة فقال: (..فبعث فيهم رُسُلَه، وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكِّروهم مَنْسِيَّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول) [3].

فالعقل عندما يستضيء بنور الإيمان، ويصدّق حجج الرحمن، يكشف الطريق الصحيح والسبيل القويم، إذ العقل ى - سواء النظري أو العملي  - آلةٌ يعمل بحسب نوعية الوقود الذي يتقد به، فالوقود النوراني ينتج استدلالًا عقليّاً صحيحًا، والوقود الظلماني لا ينتج إلّا المكر والشيطنة كما وصف أمير المؤمنين (ع) معاوية بذلك.

ويؤيد ذلك أيضًا ما ورد عنه (ع) حيث قال: (واعلم أنّ لكل عملٍ نباتًا، وكلُّ نباتٍ لا غنى به عن الماء، والمياه مختلفةٌ، فما طاب سقيه طاب غرسه وحلت ثمرته، وما خبث سقيه خبث غرسه وأمرّت ثمرته) [4].

فالعقول التي تستقي من مياه العترة الطاهرة تجتني ثماراً عطرةً، والتي تستقي من مياهٍ آسنةٍ لا تنتج سوى الشبهات [5].

هذا في ما يخصّ النظريات، أمّا البديهيات العقلية فالكلّ يشترك فيها, وهي التي تدرك في البداية لزوم الخلق والنبي كي لا يلزم الدور.

(4) نعتقد وبالاعتماد على ما مرّ أنّ علم الكلام الصحيح هو الذي يعتمد على هذه المصادر، وبما أنّ الشيعة الإمامية هي الفرقة الوحيدة التي تمسّكت بالقرآن والعترة الطاهرة (الأئمة الاثني عشر)، نريد أن نستقرئ تاريخ علم الكلام الإسلامي طبقًا لرؤيتها في رحلةٍ بحثيةٍ طويلةٍ.

علمًا بأنّ هذه الرحلة البحثية لا يمكن إنجازها كجزيرةٍ مستقلّةٍ بمعزلٍ عن سائر المدارس والتيارات الكلامية، إذ على الرغم من استقلالية الكلام الشيعي عن سائر الفرق والمذاهب والمدارس الفكريّة الإسلاميّة وغير الإسلاميّة المتنوّعة، غير أنّه قد وُلد وترعرع في بيئةٍ مليئةٍ بالآراء والمعتقدات المختلفة، وقضى شطراً من مسائله في الجدل مع تلك المعتقدات، وقام بالتأسيس والرد والأخذ والاقتباس في عمليةٍ متكاملةٍ تنطلق من الذات وتستفيد من الآخر سلباً وإيجاباً، إذ العلم ليس حركةً جامدةً، بل ينمو ويستمر بالفعل والانفعال والتأثير والتأثّر.

وعليه مسّت الحاجة إلى التعرّف على باقي الآراء المطروحة في الساحة العقدية، لاستجلاء حاقّ الكلام الشيعي وواقعه، والتعرّف على نقاط الاشتراك والاختلاف والتأسيس والاقتباس.

(5) إنّ المتكلّمين في تدوين علم الكلام اتخذوا طرقاً مختلفةً، فمنهم من رتب كتابه على مسائل الكلام أو أصول الدين، ومنهم من بدأ من الملل والنحل والفرق وذكر معتقدات كل فرقةٍ وتطوّراتها، ومنهم من كرّس جهده على مسألةٍ واحدةٍ وتوسّع فيها وهكذا، ونحن هنا في بحثنا هذا سوف نتطرّق بإذن الله تعالى إلى أدوار علم الكلام بالاعتماد على العقل والنقل، مع تقسيم كل دَوْرٍ إلى أهم المسائل الكلامية المطروحة فيه.

والأدوار التي رتّبناها في زمن الحضور تتعلّق بكلّ واحدٍ من المعصومين حيث نبدأ بالرسول (ص) وننتهي بالإمام المهدي (ع)، أمّا في زمن الغيبة الكبرى  ـ  بدايات القرن الرابع الهجري ـ  فسيتمّ تقسيم الأدوار بحسب الأعلام وما أسّسوه من مدرسة كلامية مع تلامذتهم.     

ولا بد قبل البدء بالأدوار من تقديم مباحثَ تتضمّن المبادئ التصوريّة والتصديقيّة لعلم الكلام، والمباحث العامة المتعلقة به من: تعريفٍ وموضوعٍ وأهدافٍ ومناهجَ وغيرها من المباحث العامة لتكون مقدمةً تمهيديةً لأصل المشروع.

وهذا ما سنطرحه في هذا الكتاب الذي سميناه (المدخل إلى علم الكلام) عسى أن يوفقنا الباري لتكميله في أجزاء قادمة تسلّط الضوء على أدوار علم الكلام عند الإمامية.

وختامًا أقول: هذه بضاعة مُزجاة تحمّلت جمعها من مختلف الكتب والمصادر، وقمت بشرحها وتبويبها عسى أن تكون نافعة لإخواني المؤمنين ومنهلاً عذباً في هذا البحر المتلاطم بمختلف الافكار والآراء.  

وقد تعمدت من الإكثار في النقل والإقتباس من المصادر الكلامية القديمة بدل التلخيص والتحليل، كي يستفيد الباحث من نصوص التراث الكلامي ويمكنه الإحالة عليها في بحوثه ودراساته، إذ ربما لا تتوفر لديه معظم المصادر.

-------------------------

[1] نهج البلاغة، الخطبة: 192 القاصعة.

[2] سيأتي في محلّه البحث عن سند الحديث ودلالاته.

[3] نهج البلاغة، الخطبة الأولى.

[4] نهج البلاغة، الخطبة 154.

[5] سيأتي مزيدٌ من التوضيح عن الدليل العقلي في محلّه.