نحن والتربية المدرسية

نحن والتربية المدرسية

تأليف

مجموعة من المؤلفين

تحرير وتقديم

جهاد سعد

فهرست الكتاب

ـ كلمة المركز: مشروع نحن والتربية المدرسيّة ............. 7

ـ مقدمة التحرير: المدرسة العربيّة وتحدّيات المستقبل / جهاد سعد ............. 9

ـ مسألة القيم في الأنظمة التعليميّة العربيّة / حسن اشرواو ............. 89

ـ السياسات التعليمية والإصلاحات التربوية بالمغرب / رشيد البوشواري ............. 107

ـ الهشاشة السوسيو اقتصادية بالمغرب وإنتاج العنف / الدكتور أنس الصنهاجي ............. 130

ـ فلسفة التربية / أ.د ميلود عامر حاج ............. 148

ـ أخلاقيّة التربية التعليميّة في الإسلام / د. عامر عبد زيد الوائلي ............. 169

ـ المؤسّسة التعليمية / د. محمود كيشانه ............. 185

ـ تدريس الفلسفة في العالم العربي / د. محمود كيشانه ............. 205

ـ حقّ تعليم ذوي الإعاقة بين القانون والواقع / م.م. حسين خليل مطر ............. 237

ـ طرائق التدريس والتقويم التعليميّة الناشطة والتفاعلية / سارة مصطفى صفا ............. 270

ـ التربية بالمسرح في المدرسة / ياسين سليماني ............. 301

كلمة المركز

مشروع نحن والتربية المدرسيّة

﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾.

في شهر تشرين أول/ أكتوبر من العام المنصرم، أطلق المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة مشروعاً للبحث الجماعيّ تحت عنوان «نحن والتربية المدرسيّة». ووُجّهت الدعوة للتربويّين في العالم العربيّ لتقديم مساهماتهم على الموقع الإلكترونيّ، وذلك ضمن المحاور التسعة التالية:

أولاً: تاريخ المدرسة العربية وتطوّرها وصولًا إلى عصرنا الحاضر.

ثانياً: فلسفة التربية المدرسيّة. ونناقش في هذا المجال أهداف التربية والتعليم وفلسفة هذه الأهداف ومصادرها وإمكان تحقيقها وسبل الوصول إليها.

ثالثاً: أسس وضع المناهج التعليمية. وبسبب الاختلاف الكبير في مفهومات المنهج نركّز هنا على المنهج المكتوب أو الموصى به من قِبَل السلطات الرسميّة، والمنهج المعلّم بما يتضمّنه من معارف ومفاهيم وقيم ومواقف وقدرات ومهارات وكفايات. ونتطرّق إلى تأثير المناهج المستوردة وكيفيات تكييفها مع الثقافة المحليّة وتأثيراتها الإيجابيّة أو السلبيّة.

رابعاً: الإدارة المدرسية ماضيها حاضرها مستقبلها، وسبل تطويرها على ضوء تطوّر علوم الإدارة التربوية.

خامساً: إعداد المعلمين، سواء في الجامعات التي تمنح إجازات تعليميّة أو في المعاهد المتخصّصة أو في التدريب المستمرّ.

سادساً: طرائق التدريس والتقويم، التقليدية والناشطة والتفاعلية، وصلتها بالتطوّر التكنولوجيّ وما يمكن أن توفّره التكنولوجيا من وسائل توفير للوقت والجهد، وكيفية ترشيد استخدام التكنولوجيا في العملية التعليمية. وبهذا يغطّي هذا المجال طرائق التدريس التي لم تعد منفصلة عن طرائق التقويم والوسائل التعليمية الحديثة.

سابعاً: التلميذ أو الطالب كمحور للعملية التعليمية، حاجاته ومراحل نموّه وأنماط الشخصيّات وطرق تفاعلها واستجابتها للتربية والتعليم، ومشكلات السلوك وطريقة إدارتها في النشاطات الصفّية واللاصفّية.

ثامناً: المبنى المدرسيّ والتجهيزات، تطوّر وتنوّع تصميم الصفوف والقاعات والمختبرات والملاعب، وكيف يساعد المبنى المدرسيّ على توفير بيئة تعلميّة سليمة.

تاسعاً: التحديّات المستقبلية التي تواجه المدرسة وسبل مواجهتها والاستجابة لها وعلاقتها بالتعليم الجامعيّ وسوق العمل، وضرورة فتح المسارات بين التعليم الأكاديميّ من جهة والتعليم المهنيّ والتقنيّ من جهة أخرى.

وبعد عشرة أشهر وصلتنا مساهمات من المغرب والجزائر ومصر والعراق ولبنان، وكان أفضلها من ناحية المعايير الأكاديمية ما ننشره في هذا الكتاب ضمن سلسلة «استراتيجيات معرفية».

وسيلاحظ القارىء الكريم أنّ الأبحاث المختارة لم تغطّ كافة المحاور المحدّدة، ولذلك عزّزناها بمقدمة مطولة تلامس ما استهدفناه في هذا المشروع، وتركنا الباب مفتوحاً لإمكانية إصدار مجلّد آخر تحت العنوان نفسه.

ولا يسعنا في نهاية هذا التقديم إلّا أن نشكر كلّ من بذل جهدًا في البحث لخدمة مجتمعنا العربيّ والإسلاميّ، عسى أن تكون هذه المشاريع البحثية مساهمة متواضعة من المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجية في النهضة التربوية العربية المأمولة.

مدير التحرير

في 12/7/2019

مقدمة التحرير

المدرسة العربيّة وتحدّيات المستقبل

(رؤية إسلاميّة)

تمهيد:

تُحاول هذه الدراسة أن تتفحّص ما تركه التراث التربويّ للحاضر والمستقبل، ولعلّها تُثبت أنّ بعض الخبرات التربوية التي راكمتها المدرسة الإسلامية لا تزال قابلة للتطبيق في عصرنا الحاضر، بوصفها خبرات تنتمي إلى ثوابت التربية النظامية في كلّ جيل، فهي ليست ملكًا لعصرها ولا هي أسيرة زمانها، لأنها تختزن رؤية توحيديّة وتكامليّة لميادين التربية من أسرة ومدرسة ومجتمع، هذه الرؤية التي نفتقدها اليوم في المدرسة العربية الحديثة إمّا بسبب التخصّص أو بسبب التأثّر بأنماط المدرسة الغربية، أو لأنّ المدرسة العربيّة انفصلت جزئيًّا عن مجتمعها وتراثها وأصبحت تلهث وراء استهلاك الجديد والمستورد، من دون تبصّر في مدى ملاءمة فلسفتها وطرائقها للبيئة التي تعمل على خدمتها.

ولا تتحمل التربية وحدها مسؤولية ذلك الانفصال، فالمدرسة كائن اجتماعيّ يتأثّر ويُؤثّر، ويقود ويُقاد، ويعكس الفضاء الثقافيّ الذي يحيط به، وهو اليوم فضاء ملوّث بكافّة أشكال الاحتلال والاستهلاك والتبعيّة.

ولكي نحرّر المدرسة العربية من الانبهار والدونية والتبعية لا بدّ من أن نعيد لها الثقة بنفسها، ونذكّرها بتاريخها لا لنقف عنده ونبكي على الأطلال، بل لنبحث عن قناديل الضوء التي لم ينفد زيتها بعد، ولا تزال صالحة لإنارة الطريق نحو المستقبل... خاصّة على مستوى الفلسفة التربوية التي تنعكس في كلّ زمان بالثوب الذي يناسبها، وعندما تكون هذه الفلسفة مستمدّة من كتاب الله (جلّ وعلا)، وسنّة الرسول الكريم ، فإنّها ترتفع فوق المكان والزمان وتطلّ على الواقع من شرفة الغيب الذي يخاطب الشهادة، والعلم الذي يختزن كلّ العلوم.

- أهمية البحث:

كرّست المدرسة نفسها كمؤسّسة من مؤسّسات المجتمع، ولم يعد بإمكاننا تصوّر المستقبل بدون النظر إلى ما ستفعله المدرسة أو التربية النظامية في خرّيجيها، فمردود التعليم ومخرجاته، يعني إلى حدّ بعيد ملامح المجتمع المستقبلي، ولذلك تنطلق أبحاث التنمية والنهوض من التربية وتعود إليها.

والمجتمع العربيّ والإسلاميّ، لا يمكنه أن يواجه تحدّيات التنمية والنهوض من دون النظر في حال المدرسة تقويمًا وتطويرًا، فهي الميدان الوسيط بين الأسرة والمجتمع، بل هي المجتمع المكثّف الذي يعايشه الطالب قبل أن يتصدّى لتحدّيات المجتمع الأوسع، فبها ومعها ومنها يكتسب التلميذ معارفه ومفاهيمه وقيمه ومواقفه ومهاراته وكفاياته، ويمتحن في بيئتها قدراته الكامنة، فهي قادرة على استكشافه وإعداده، كما هي قادرة على تشويه عملية التنشئة إذا كانت مبنيّة على أسس مغلقة ومتخلّفة. فدور المدرسة على هذا دور حاسم وجوهريّ وأساسيّ طالما أنّها أبرز مؤسّسات التربية النظامية حتّى الآن: «فمجتمع الغد إمّا تصنعه المدرسة أو لا يكون. وإنّ تغيير الإنسان يسبق في ذلك تغيير المجتمع، وإنّ العملية لا يمكن أن تتمّ إلّا من خلال إقامة شكل جديد من التعليم والمدرسة»[1].

ويكتسب هذا البحث أهميّته من ذلك الدور المحوريّ للمدرسة في منظومة التربية، ويتطلّع إلى فرصة نهوض بهذا الدور على ضوء الواقع الذي تعيشه المدرسة في البلاد العربية، وفي هدى الثقافة الإسلامية الغنيّة بروافع التربية والتنشئة، والتي نعتقد أنّها وفّرت للمسلم ما يحتاجه ليمضي في البناء المتكامل وعلى الصراط المستقيم.

- إشكالية البحث:

إنّ المدرسة العربية التي يفترض فيها أن تكون مربّيًا إسلاميًا أمينًا، وحافظًا لمبادىء وقيم الإسلام، وناقلًا متفاعلًا للثقافة العربية الأصيلة ولهوية الأمّة التي أصبحت أمّة بالإسلام، أصيبت بأدواء المجتمع المحيط بها، فأصبحت تعاني من ازدواجيّة خطيرة في الشخصيّة، بل أحيانًا من التيه الناتج عن ضعف التواصل مع تاريخها العريق، مع انبهار غير رشيد بالثقافة الغربية التي اجتاحتنا عقب سقوط دولة الخلافة الإسلاميّة في مطلع القرن المنصرم.

فهل هناك من فرص لإعادة تصحيح المسار التربويّ عبر إصلاح الأداء المدرسيّ؟ وهل بإمكان المدرسة المنفعلة والتابعة أن تكون فاعلة، وقيادية في عملية التغيير؟ وما هو الموقف من ثقافة العصر في هذه العملية الإصلاحية الشائكة التي تصطدم بقوة نفوذ التغريب، وضعف التزام القيّمين على التربية بثوابت شريعتهم ودينهم؟ وما العمل في مجال المناهج والمعلّم، والإدارة والتجهيزات، والحال أنّها مصابة أو محمّلة بفيروسات التبعيّة حتّى النخاع؟

هذا في ظلّ أبحاث جديدة، تشكّك بدور المدرسة في التنمية وتدعو إلى إعادة النظر فيها كمؤسّسة. وقد تعالت أصوات كثيرة يدعو بعضها لإصلاح التعليم ويدعو بعضها إلى هدم أسوار المدرسة، ويدعو آخر إلى دراسة جدوى الأنظمة التعليمية وكفاءتها الداخلية والخارجية. فعندما يُستهلك التعليم ولا ينتج، ويضرّ ولا ينفع فيكون من المجدي التخلّص منه.[2]

فإذا استمرّ هذا التدهور لمردود المدرسة في عملية النهوض والتنمية فإنّ مصيرها كمؤسّسة اجتماعية يصبح على المحكّ، ولكن ما هو البديل؟

نعتقد في هذا البحث أنّ البديل يكمن في مدرسة أكثر تطوّرًا وأرحب أفقًا، وأعمق تجذّرًا في الشخصية الحضارية للعالم العربيّ والإسلاميّ، ولكن تبقى هذه هي الفرضية التي يدور البحث حول إثباتها أو تزويدها بعناصر الوضوح والقوّة.

منهج البحث:

لا يتوفّر العمق والتجذّر إلّا بالأصالة والعودة إلى دروس التاريخ التربويّ، وتحليلها واستخلاص العبر منها. لذلك لا بدّ من أن يكون منهج البحث تاريخيًا وصفيًا ثم تحليليًّا في نطاق التجربة المدرسية. ثمّ يتطوّر المنهج إلى التركيب للوصول إلى اقتراحات عمليّة يمكن للمدرسة العربية أن تشرع في تنفيذها على المستويات كافة دفاعًا عن دورها في تكوين الثقافة وصناعة التنمية.

أقسام البحث:

وهذا المنهج يفرض علينا تقسيم البحث إلى أربعة فصول وخاتمة:

الفصل الأوّل: ويتضمّن مفهوم المدرسة في اللغة والاصطلاح.

الفصل الثاني: يعرض باختصار لدورها التاريخيّ في التجربة العربية والإسلامية.

الفصل الثالث: على كثرة المصادر التي تناولت التربية والتعليم في الإسلام، حرمت الأمة من إضاءآت موضوعية على الدور التأسيسي للبيت النبوي لأسباب سياسية معلومة. فكان لا بد من سد هذه الثغرة بالإشارة إلى خدماتهم القيمة للأمة وما تميزت مدرستهم به من حرص على الرواية والتدوين في فترة مبكرة من حياة الدعوة الإسلامية. ولذلك يعالج الفصل الثالث تحت عنوان "بيت الأئمة مدرسة الأمة " مراحل تأسيس وتدوين ما نسميه المنهج التعليمي للأمة ابتداء من حياة الرسول ص امتدادا إلى مدارس الأئمة المعصومين وجامعاتهم وخريجيهم.

الفصل الرابع: يعرض أهمّ المتغيّرات التي كان لها انعكاس مباشر على الأداء المدرسيّ عمومًا في هذا العصر، وعلى دور المعلّم خصوصًا بسبب محورية دوره في العملية التعليمية ككلّ، ثمّ يحاول أن يحدّد واقع وموقع المدرسة العربية من هذه المتغيّرات، التي كان لها تأثيرها الواضح على البيئة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتربويّة من دون أن يكون تأثيرًا إيجابيًا في مطلق الأحوال.

الفصل الخامس: يحاول رسم ملامح مدرسة المستقبل، مستفيدًا ممّا توصلنا إليه في الفصل الثالث، فيختار من المتغيّرات ما هو إيجابيّ، ويضع حدودًا للإسراف في استهلاك كلّ ما ينتجه الغرب لحماية المدرسة العربية من التبعيّة العمياء التي لها دور أساسيّ في حراسة التخلّف واستمراره تحت عنوان التحديث والحداثة.

الخاتمة: تلخّص نتائج البحث، وتقدّم اقتراحات عمليّة في مجالات الأداء المدرسيّ، ليكون للبحث قيمة علمية وعملية.

جهاد سعد

-----------------------------

[1] - عبد العزيز محمد الحرّ، التربية والتنمية والنهضة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط1، بيروت، 2003، ص34.

[2] - عبد العزيز محمد الحرّ، التربية والتنمية والنهضة، مرجع سابق، ص39، بتصرف.