نحن وتراثنا الأخلاقي

نحن وتراثنا الأخلاقي

إعداد وتحرير

أ.د عامر عبد زيد الوائلي

مقدمة المركز

(اللهم اجعل نفسي... مفارقة لأخلاق أعدائك)

زيارة أمين الله

في نظرةٍ سريعةٍ وإجماليةٍ إلى تاريخ البشرية والمنظومة الإسلاميّة التي قطنت في هذه المعمورةٍ وما حملته من اختلافٍ وتقلَّباتٍ مستمرةٍ، نرى أنَّ مسألةَ الأخلاق تعدُّ أمراً محوريّاً في هذهِ المنظومة، إذ شهدَ العالم نزاعاً مستمرّا بين قوى الخير وقوى الشرِّ وهو نزاعٌ أخلاقيٌّ بامتياز، وذلكَ أنَّ معايير الأخلاقِ تعدُّ قانونا ملزماً بالاتباع، والإنسان يميلُ عادةً إلى السيرِ نحو الميولِ والأهواء والانفلات من الضوابطِ والقوانين ومن هنا يحصل النزاع.

وقد تنبّأت الملائكةُ بهذا الأمر حينما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾[1]، وهي ناظرة إلى هذا النزاع، ولكن نظرتها كانت أحاديةً ومن جانبٍ واحدٍ إذ رأتْ جانب الشرّ فقط، ولذا جاء الجواب الإلهي: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[2]. هذه الإجابة تدلُّ أولاً على النظرةِ الثنائيةِ للمنظومةِ الإنسانيةِ، وتدلُّ ثانياً على غلبةِ جانب الخير، وعلى أنَّ ما رأتهُ الملائكةُ من شرٍّ ليس إلّا المخاضَ الذي تنضجُ فيه النفس الإنسانيةُ لتصلَ إلى مقام الخلافةِ الإلهيةِ. فكما أنَّ اللبنَ لا ينضجُ إلّا عبرَ مخاضٍ مستمرٍّ بينَ فرثٍ ودم كما في قولهِ تعالى: ﴿نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾، كذلك الإنسان الكامل (بمختلف مراتبهِ من الأعلى إلى الأدنى) لا يصلُ إلى مقامِ الخلافة الإلهيةِ إلّا عبرَ مخاضٍ وصراعٍ مستمرٍّ بين قوى الخير  وقوى الشرِّ المتمثّلة بأدنى مراتبِ الوجودِ أي الدنيا.

***

من هذا المنطلق ورد هذا الدعاء الشريف في زيارة أمين الله، إذ ورد بطلبِ التوفيق لمفارقةِ الأخلاق السيئةِ أي أخلاق أعداء الله.

في هذا النص المبارك مداليل محوريّة نشيرُ إلى أهمها:

النطاق:

ونعني بنطاقِ الأخلاقِ شموليتها لتعمَّ جميعَ المنظومةِ الإنسانيّةِ لتشمل الفرد والمجتمع ونظام الدولة.

أمّا الفرد فمكلّفٌ بالإيمانِ والعمل الصالحِ والتعرّف على محاسن الأخلاقِ ومساوئها للالتزام بالأولى وترك الثانية في سلوكهِ الفردي والشخصي.

أما المجتمع فهو السلوك الأخلاقي الجمعي المتمثّل بالأسرةِ، والجار وأبناء الدين الواحد والمذهبِ الواحد، وكذلك سائر الأديانِ أو غير الملتزمينَ بدين إذ إنَّ أخلاقَ المجتمع تشمل جميع هذهِ الحالاتِ سيما بخصوص الآخر إذ ورد التأكيد بشأنهِ أيضا كقولهِ تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾[3].

وكذلك ما ورد عن أمير المؤمنين g في نهج البلاغةِ من تقسيمِ الناس إلى: نظير لنا في الخَلْقِ وأخٍ لنا في الدين.

أمّا نظامُ الدولةِ فنقصد بهِ ما يلزم على أجهزةِ الدولةِ من الشخصِ الأول فيها إلى سائر مفاصلها من سلوك أخلاقي في تعاطيهم المهني سواء مع الوضع الداخلي من رعاية العدل والإحسانِ أو الوضع الخارجي من حيثِ الحفاظ على العزّةِ والشجاعةِ والإباء وعدم الرضوخِ للاستصغار والاستعمارِ وما شاكل، وعهد أمير المؤمنينg لمالك الأشتر هو خير مَعين ومُعين لأخلاق الدولة.

المنطلق:

نعني بمنطلق الأخلاق الأسس والمباني التي تُستنبطُ الأخلاق منها، إذ قد اختلفت مصادر الأخلاق في مدارس واتجاهات مختلفة كوّنت منظومات وتيارات متنوّعةٍ تعتمد إمّا على الدين أو العقل أو الطبيعةِ أو الوجدانِ أو الحبِّ وما شاكل، وستتعرّف عليها في هذا الكتاب الماثل بين يديكَ، ولكن ما يهمنا هو الأخلاق الدينية المنبعثة من العقل السليم والدين القويم، مضافا إلى الاهتمام بالسلوك الأخلاقي العملي مع قطع النظر عن التنظيرات المختلفة حول فلسفة الأخلاق ومصادرها المختلفة.  

مثلما يشير هذا الدعاء المبارك الوارد في زيارة أمين الله فإنَّ الأخلاق كما تكون بالاكتساب والجهادِ، كذلكَ تكون جرّاءَ الفيضِ الإلهي، فهنا يدعو الزائر ليفيضَ الله عليه عنايتهُ في تركِ أخلاق أعدائهِ ليتحلّى بأخلاق أوليائه.

الاستراتيجيا:

وهي الخطّة والبرنامج العملي لإيصال الفرد والمجتمع إلى الكمال المطلوب في وضعهِ الحالي وكذلك المستقبلي مع لحظ نقاط الخلل ومحاولة معالجتها.

***

لا يمكننا رسم معالم استراتيجيتنا الأخلاقيّة الإسلاميّةِ دون لحظ الهدف الأعلى أو الأهداف العليا الموجودة في الشريعة الإسلاميّة. 

وعند تدبر الآيات والروايات نصلُ إلى أهداف عدّة قد يكون من أهمها بخصوص الفرد إيصاله إلى الكمال المطلوب علما وعملا، أما بخصوص المجتمع فهو تحويل الأمّة الإسلاميّةِ إلى أمّةٍ وسط تكون ميزانا ومقياساً ونموذجاً يُحتذى بهِ من قبل سائر الأمم، كما تعلّقت الإرادة الإلهيةِ بذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[4].

فالأمّةُ الإسلاميّةُ لا تكون وسطاً ومقتدى وشهيدة على سائر الأمم إلّا بمتابعةِ مكارم الأخلاق وترك مساوئها على مستوى الفرد والمجتمع ونظام الدولة طبعاً مع رقابة الوليّ المعصوم حتى يُرجعها إلى هداها ورشدها ويكون هو الميزان والمعيار لها: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ومن بعدهِ تتحوّل الوظيفة إلى وصيّه المعصومِ ليكون كالشمسِ ينتفع بهِ الناس سواء أكانَ ظاهراً، أو غائبا كالشمسِ الغائبةِ وراء الغيوم.

ومن هذا المنطلق فمعالم الاستراتيجيا الأخلاقية الإسلاميّة تعتمد على:

1. الموقف العلمي، وهو يتبلْور بالتعرّف على نظام القيم وما يقابلها، وكذلك لزوم التعرّف على ملابسات العصر الحديث وما يستبطنه من خدع وإعلام زائف تصوّر القبيح حسنا والحسن قبيحا.

وكذلك التعرّف على التيارات والمدارس الأخلاقيّة المختلفة إن الدينية أو الوضعية للتعرّف على نقاط القوّة والضعف، وكذلك الإيجابيات والسلبيات، إذ إنَّ هذا الموقف العلمي الشامل يعيننا على وضع الخطط والبرامج القويمة. 

2. الموقف العملي، ووضع مخطط ونظام لتنميةِ تلك القيم بعد التعرّف عليها، وذلك من خلال بثِّ تلك القيم وتعميمها والدعوةِ إليها من خلال مجالسِ الوعظ والكتبِ والمجلات والندوات ووسائل الإعلام، لتعمّ الفرد والمجتمع ونظام الدولة.

وهذا الأمر وإنْ يبدو بعيد المنال، فإنّ نظرتنا إليهِ ليستْ طوباويّة، فنحن نعتقد أنَّ مسير البشرية لا بدَّ وأن يتجه لهذه الجهة وهو وعد الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾[5].

ولا تكون وظيفتنا إلّا التمهيد لتلكَ اللحظة من خلال بناء الجماعة الصالحة والدعوة إلى الخير

***

تلبيةً لهذهِ المهمةِ تمَّ تدوينُ هذا الكتاب ليشمل بمحاورهِ الستّةِ أهمَّ الآراءِ والنظريات المتعلّقةِ بالمنظومةِ الأخلاقيّةِ في العالمين الإسلامي والغربي.

ونحن إذ نقدّم هذا الكتاب للقارئ العربي، نعتقد بلزوم المزيد من الاهتمام بالجانب الأخلاقي وحاجة الساحةِ المعرفيّة إلى دراسات جادة بهذا الخصوص، ولا يفوتنا أن نقدّم شكرنا وتقديرنا للأستاذ الدكتور عامر عبد زيد الوائلي الذي قام بمهمة متابعة المشروع والاستكتاب والتحرير ليخرج بهذه الحلّة الجميلة، وكذلك نشكر كلَّ من ساهم في تدوين وإخراج هذا السفر القيّم.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله الميامين.

النجف الأشرف

المولد الحسيني 3 شعبان المعظم 1439هـ

 

------------------------------------

[1]- البقرة: 30.

[2]-النحل: 66.

[3] الممتحنة: 8.

[4]- البقرة: 143.

[5]- النور: 55.